تعريف الجدل:
الجدل لغة: اللدد في الخصومة والقدرة عليها، وجادله أي: خاصمه، مجادلة وجدالًا. والجدل: مقابلة الحجة بالحجة؛ والمجادلة: المناظرة والمخاصمة، والجدالُ: الخصومة؛ سمي بذلك لشدته (^١)
معنى الجدل اصطلاحًا:
قال ابن الأثير: (الجَدَل: مُقابَلة الحُجَّة بالحجَّة. والمُجَادَلَة: المُناظَرةُ والمخاصَمة) (^٢).
قال الراغب: (الجِدَال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة) (^٣).
وقال الجرجاني: (الجدل: دفع المرء خصمه عن إفساد قوله: بحجة، أو شبهة، أو يقصد به تصحيح كلامه) (^٤).
وقال أيضًا: (الجدال: هو عبارة عن مراء يتعلَّق بإظهار المذاهب وتقريرها) (^٥)
معنى المراء لغةً:
المراء: الجدال. والتماري والمماراة: المجادلة على مذهب الشكِّ والريبة، ويقال للمناظرة: مماراة، وماريته أماريه مماراة ومراء: جادلته (^٦).
معنى المراء اصطلاحًا:
المراء: هو كثرة الملاحاة للشخص لبيان غلطه وإفحامه، والباعث على
_________________
(١) «مجمل اللغة» لابن فارس (١١٧٩)، «لسان العرب» لابن منظور (١١/ ١٠٥)
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٢٤٨.
(٣) المفردات في غريب القرآن، ص ١٨٩.
(٤) التعريفات، ص ٧٤.
(٥) التعريفات، ص ٧٥.
(٦) لسان العرب، لابن منظور (٢٧٨/ ١٥)، المصباح المنير، للفيومي (٢/ ٥٦٩).
[ ٢ / ٣٠٧ ]
ذلك الترفع (^١).
وقال الجرجاني: (المراء: طعن في كلام الغير لإظهار خلل فيه، من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير) (^٢).
وقال الهروي عن المراء: هو (أن يستخرج الرجل من مناظره كلامًا ومعاني الخصومة وغيرها) (^٣).
- الفرق بين الجدال والمراء:
قيل: هما بمعنى واحد.
غير أن المراء مذموم، لأنه مخاصمة في الحقِّ بعد ظهوره، وليس كذلك الجدال (^٤).
ولا يكون المراء إلا اعتراضًا، بخلاف الجدال، فإنَّه يكون ابتداء واعتراضًا (^٥).
ينقسم الجدال إلى قسمين:
١ - الجدال المحمود:
وهو الذي يكون الغرض منه تقرير الحقِّ، وإظهاره بإقامة الأدلة والبراهين على صدقه، وقد جاءت نصوص تأمر بهذا النوع من الجدال، وقد أمر الله نبيه ﷺ بهذا الجدال في قوله تعالى: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥]. وقال جلَّ في علاه: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت: ٤٦].
وقال النبي ﷺ: «جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم» (^٦).
وقد حصل هذا النوع من الجدال بين عبد الله بن عباس ﵄ وبين الخوارج زمن علي بن أبي طالب بأمر علي، فأقام عليهم الحجة وإفحامهم، فرجع عن هذه البدعة
_________________
(١) التعريفات الاعتقادية، لسعد آل عبد اللطيف، ص ٢٦٥.
(٢) التعريفات، ص ٢٠٩. تهذيب اللغة، (٢٠٤/ ١٥).
(٣) تهذيب اللغة، ٢٠٤/ ١٥.
(٤) الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري، ص ١٥٨.
(٥) الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري، ص ١٥٩
(٦) رواه أبو داود (٢٥٠٤)، والنسائي (٣٠٩٦)، وأحمد (٣/ ١٢٤) (١٢٢٦٨]. قال الحاكم صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حزم في «أصول الأحكام ١/ ٢٧». وصحح إسناده النووي في رياض الصالحين ص ٤٣٧.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
خلق كثير. وكذلك مجادلة أحمد بن حنبل للمعتزلة، ومجادلات ابن تيمية لأهل البدع.
٢ - الجدال المذموم:
هو الجدال الذي يكون غرضه تقرير الباطل بعد ظهور الحقِّ، وطلب المال والجاه، وقد جاءت الكثير من النصوص والآثار التي حذَّرت من هذا النوع من الجدال ونهت عنه، ومن هذه النصوص:
قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ [الحج: ٣].
وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ [الحج: ٨].
وقوله سبحانه: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ [غافر: ٤].
وقال ﷺ: «المراء في القرآن كفر» (^١).
وقال ابن عثيمين: (المجادلة والمناظرة نوعان:
النوع الأول: مجادلة مماراة: يماري بذلك السفهاء، ويجاري العلماء، ويريد أن ينتصر قوله؛ فهذه مذمومة.
النوع الثاني: مجادلة لإثبات الحق وإن كان عليه؛ فهذه محمودة مأمور بها (^٢).
وقال الكرماني: (الجدال: هو الخصام، ومنه قبيح وحسن وأحسن؛ فما كان للفرائض فهو أحسن، وما كان للمستحبات فهو حسن، وما كان لغير ذلك فهو قبيح) (^٣).
فهذه الخصومات وهذا الجدل وهذا المِراء أمرٌ محدَث لا يُوجِد إلا الشك في القلوب ويبعِد عن الحق، ومهما حصل من نفع منه في بعض الأحيان، فهو يسير لكن شره وفير، وقد يقول هؤلاء: نحن نخاصم به أهل الباطل، الذي لا يؤمن
_________________
(١) رواه النسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ١٦٥) (٨٥٧٥)، والطبراني (١٠/ ٢٥٧) (10598)، والحاكم (2/ 164) واللفظ له، والبيهقي (8/ 179) (17186). وصحح إسناده ابن تيمية في «منهاج السنة» (8/ 530)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (6/ 242): رجاله رجال الصحيح، وحسنه الوادعي في «الصحيح المسند» (711).
(٢) العلم ص 164.
(٣) فتح الباري لابن حجر 11/ 314.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
بالقرآن والسنَّة، وهذه حجة باطلة فهؤلاء لا الإسلام نصروا ولا الباطل كسروا، فالقرآن، خاطب الكفار وخاطب المشركين وخاطب أهل الكتاب، خاطبهم بقال الله وقال الرسول، وفيه من الحجج والبراهين ما يكفي لبيان الحق ودفع الباطل، ففي القرآن والسنَّة من الأدلة العقلية واليقينية ما يغني ويشفي ولسنا بحاجة إلى فلسفةٍ ولا إلى علم كلام.
[ ٢ / ٣١٠ ]
«ونعتقد أنَّ ما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ أمرهم إلى الله».
موقفُ أهل السنَّة مما وقع بين أصحابِ النبي ﷺ؛ هو الكَف وعدم الخوض في هذه المسألة.
ونعرفُ أن لهؤلاءِ السبقِ والفضلِ والمكانة والمنزلة ما يكون-بحمد الله تعالى-أضعاف ما قد يقع منهم من خطأ أو زلل، فإذا الله ﷿ منَّ عليك أن لا تكون في تلك الأمور في حينها فكُفَّ عن ذكرِ هذه الأمور بلسانك.
ولهذا نترحم على جميع الصحابة والآل ونترضى عنهم، كما أثنى الله جل وعلا عليهم، ونتولاهم جميعًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأهل السنة وسط في بابِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ بينَ الرَّافضةِ والخَوَارجِ».
فالرَّافضة: هم الذين غلوا في عليٍّ ﵁ وأهل البيت، ونصبوا العداوة لجمهور الصحابة كالثَّلاثة، وعائشة وحفصة وطلحة والزبير وفضلاء المهاجرين والأنصار، وكفَّروهم ومَن تولاهم، وكفَّروا مَنْ قاتل عليًّا، حتى وصل بهم الأمر إلى أن كفروا جُلَّ الصحابة إلا نفر يسير جدًّا.
وأما الخوارج فقابلوا الرَّوافض؛ فكفروا عليًّا ومعاوية ومن معهما من الصحابة بعد التحكيم، وقاتلوهم، واستحلوا دماءهم وأموالهم.
والنواصب: هم الذين نصبوا العداوة لعليٍّ ومَن والاه، وهم الذين استحلوا قتله بعد أن كفروه، وقتله أحد رءوسهم، وهو عبد الرحمن بن ملجم المرادي.
أما أهل السنة والجماعة فهداهم الله تعالى للحق والصواب، فلم يغلوا في علي وأهل البيت، ولم ينصبوا العداوة للصحابة رضوان الله عليهم، ولم يكفّروهم، ولم يفعلوا كما فعل النواصب من عداوة أهل البيت. بل يعترفون بحق الجميع وفضلهم، ويوالونهم، ويكفون عن الخوض فيما جرى بينهم، ويترحَّمون على جميع الصحابة،
[ ٢ / ٣١١ ]
فكانوا وسطًا بين غلو الرافضة وجفاء الخوارج (^١).
ومحبتهم لأهلِ بيتِ رسولِ اللهِ ﷺ محبةٌ شرعيَّة دونَ إفراطٍ أو تَفْريطٍ؛ فهم يَعْرِفُونَ لهم حَقَّهم، ويَحفظونَ وَصِيَّةَ رسولِ اللهِ فيهم، ولا يُغالونَ في مَحَبَّتِهِم؛ ولا يَرفعونهم فوق منزلتهم البشرية غلوًّا فيهم، وكذلك لا ينتقصونهم قدرهم جفاء لهم.
وما وقع بين الأصحاب الكرام من خلاف فيجب الإمساك عن الخوض فيه، والتماس العذر لهم؛ يقول العلامة ابن عثيمين ﵀: «موقف أهل السنة في الخلاف والفتن التي حصلت بين الصحابة ﵃: موقفهم في ذلك: أن ما جرى بينهم فإنه باجتهاد من الطرفين، وليس عن سوء قصد، والمجتهد إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، وليس ما جرى بينهم صادر عن إرادة علو ولا فساد في الأرض؛ لأنَّ حال الصحابة؟م تأبى ذلك، فإنهم أوفر الناس عقولًا، وأقواهم إيمانًا أشدهم طلبًا للحق، كما قال النبي ﷺ: «خيرُ النَّاس قَرْني» (^٢). وعلى هذا فطريق السلامة: أن نسكت عن الخوض فيما جرى بينهم، ونَرُدَّ أمرهم إلى الله؛ لأن ذلك أسلم من وقوع عداوة أو حقد على أحدهم» (^٣).
_________________
(١) انظر «الكواشف الجلية عن معاني الواسطية» لعبد العزيز السلمان (٥٠٥ - ٥٠٨)، المملكة العربية السعودية، رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الطبعة الحادية عشرة، ١٤٠٢ هـ.
(٢) أخرجه البخاري (٣٦٥١) ومسلم (٢٥٣٣) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٣) «مذكرة على العقيدة الواسطية» لابن عثيمين (ص ٨٢)، مدار الوطن للنشر-الرياض، ١٤٢٦ هـ.
[ ٢ / ٣١٢ ]
«ونَترحم على عائشة ونترضى عنها».
ونص على الترحم والترضي على أم المؤمنين؛ عائشة ﵂ بالذات؛ لأن الرافضة يتبرؤون منها، ولأن بعض الجهلة قد ربما تكلم في عائشة؛ لما حصل في وقعة الجمل ودخولها في ذلك.
وإنما ذهبت أمنا عائشة ﵂ للصلح، ولحقن الدماء؛ فكانت غايتها أعظم غاية؛ لقول الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]، فكانت ساعية في تقوى الله وإصلاح ذات البين ومنع الاقتتال بين المؤمنين والتوفيق بين علي ﵁ وبين المخالفين؛ لكن حصلت الحرب والقتال لا باختيار أمنا عائشة ﵂؛ وإنما بسعي الخوارج وأهل الفتن.
وقال ﷺ لعائشة ﵂: «أَنتِ زوجتي في الدنيا والآخرة» (^١).
فأزواجه ﷺ هن أمهات المؤمنين، فيجب أن يعلم ما لهن من الفضل والمكانة؛ فهناك مكانة لخديجة ﵂، ومكانة لعائشة ﵂، وكذلك باقي زوجاته ﵅ جميعًا.
فمحبتهن والترضي عنهن هو من محبة النبي ﷺ، وفضائلهن مذكورة مبثوثة في كتب أهل السنة، فقَلَّما نجد كتابًا من كتب أهل الحديث إلا وفيه مِنْ ذِكر فضائلهن؛ فمثلًا كتب السنة ك «صحيح البخاري» و«صحيح مسلم» والكتب الستة وغيرها مليئة ومرصعة ومزينة بتلك المناقب التي تدل على سلامة قلوب أهل السنة تجاه هؤلاء النسوة اللائي اختارهن الله لأن يكن زوجات لنبيه ﷺ.
ولذلك نتبرأ من الروافض الذين أبغضوا وسَبُّوا أصحاب النبي ﷺ، وطعنوا في بعض أزواجه بمطاعن يَستحي الإنسان من التلفظ بها وذِكرها، فضلًا عن أن تكون مُستقرة في قلب أيِّ مُسلم.
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٧٠٩٥)، من حديث عائشة ﵂، وصححه الألباني في «التعليقات الحسان» (٧٠٥٣).
[ ٢ / ٣١٣ ]
فأولئك ما حَفظوا عِرضَ النبي ﷺ في عائشة ﵂، وما حفظوا حقَّ أصحاب النبي ﷺ وما لهم من المنزلة والمكانة، وكما قال الشَّعبي لمالك بن معاوية-عند ذكر الرافضة-: «يا مالك، لو أردتُ أن يُعطوني رقابَهم عبيدًا وأن يملؤوا بيتي ذهبًا على أن أكذب لهم على عليٍّ كذبة واحدة لفعلوا، ولكني والله لا أكذب عليه أبدًا. يا مالك، إني درستُ الأهواء كلها، فلم أَرَ قومًا أحمق من الرافضة …».
«ثم قال: أُحَذِّرُك الأهواء المضلَّة، شرُّها الرافضة، فإنها يهود هذه الأمة، يُبغضون الإسلام كما يُبغض اليهود النصرانية، ولم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله، ولكن مقتًا لأهل الإسلام وبغيًا عليهم ».
إلى أن قال: «ولليهود والنصارى فضيلةٌ على الرَّافضة في خصلتين: سئل اليهود: مَنْ خير أهل مِلَّتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى. وسئلت النصارى، فقالوا: أصحاب عيسى. وسئلت الرافضة: مَنْ شَرُّ أهل مِلتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد. أَمَرَهم بالاستغفار لهم فشَتَموهم» (^١).
_________________
(١) «العقد الفريد» لابن عبد ربه (٢/ ٢٤٩، ٢٥٠)، دار الكتب العلمية-بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٤ هـ.
[ ٢ / ٣١٤ ]
«والقول في اللفظ والملفوظ، وكذلك في الاسم والمسمى بدعة، والقول في الإيمان مخلوق أو غير مخلوق بدعة».
ثم بين قضية اللفظ والملفوظ؛ يعني مسألة: هل اللفظ بالقرآن مخلوق أو لا؟ هل يجوز أن يقول القائل: لفظي بالقرآن مخلوق؟
واللفظ يأتي بمعنى: التلفظ، ويأتي بمعنى الملفوظ؛ هل هو الملفوظ الخارج، أو حركة اللسان التلفظ؟
فمعلوم أنه إن أريد الأول وهو التلفظ: فالتلفظ من أفعال العبد، وأفعال العباد مخلوقة.
وإن عُني باللفظ الملفوظ فالملفوظ هو القرآن.
لهذا صارت الكلمة محتملة، واستعمال المحتملات في العقيدة بدعة؛ فإنه لا يجوز أن تستعمل مثل هذه العبارة التي قد تحتمل شيئًا آخر؛ فيفهم الناس منها فهمًا غير سليم.
ولهذا كان الإمام أحمد يقول: «مَنْ قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع أيضًا»؛ لأنها تحتمل هذه وهذه، وقد سكت السلف عن الإطلاق؛ لأنَّ الألفاظ المحتملة فيما يتصل بذات الله جل وعلا أو صفاته أو أفعاله أو أمور العقيدة والغيبيات لا يجوز استعمالها، وينهى عنها.
ولهذا قال ابن القيم ﵀:
وَعَلَيْكَ بِالتَّفْصِيلِ وَالتَّبْيِينِ فَالْ … إِطْلَاقُ وَالإِجْمَالُ دُونَ بَيَانِ
قَدْ أَفْسَدَا هَذَا الوُجُودَ وَخَبَّطَا ال … أَذْهَانَ وَالآرَاءَ كُلَّ زَمَانِ (^١)
أمَّا الاسم والمسمى، فهذا متعلق بشيئين إما بأسماء الله جل وعلا؛ يعني هل الاسم هو عين المسمى؟ أو هو غيره؟ هل اسم الله الديان أو اسم الله الرحيم هل هو عين الله؟ أو هو غير الله؟
_________________
(١) انظر: «الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية» لابن القيم.
[ ٢ / ٣١٥ ]
إن قلنا: الاسم هو عين المسمى؛ فهذا صحيح باعتبار؛ لأن اسم الله جل وعلا دالٌّ على ذلك؛ فالرحيم هو الله جل وعلا، والقدير هو الله جل وعلا، فالاسم دال على المسمى.
وإن قلنا هنا: الاسم غير المسمى فأيضًا صحيح؛ لأن الاسم زائد على الذات.
فالأسماء والصفات زائدة على الذات؛ فالاسم مشتمل على صفة، وصفات الله جل وعلا قائمة بذاته، فهي ليست هي الذات باعتبار، ولا هي غير الذات باعتبار آخر، لهذا صار المقام يحتاج إلى تفصيل.
فَمِنْ أهل البدع من قال: الاسم هو عين المسمى. ومنهم من قال: الاسم ليس عين المسمى.
وأهل السنة لا يُطلقون لا هذا ولا هذا؛ لأن هذه من المسائل المحدثة؛ ولأنها محتملة.
وأما الأقوال الواردة في مسألة الاسم والمسمى فالذي وقفت عليه من الأقوال في هذه المسألة ثمانية أقوال:
أربعة منها لأهل السنة.
وأربعة منها لأهل البدعة.
وهذه الأقوال كما يلي:
القول الأول: الإمساك عن القول في المسألة نفيا وإثباتا؛ فأسماء الله لا يُقالُ فيها: هي هو، ولا هي غيره.
وهذا قول بعض أهل السنة (^١).
القول الثاني: الاسم للمسمى.
وهذا قوله أكثر أهل السنة (^٢).
القول الثالث: الاسم من المسمّى.
وهذا قولٌ منقولٌ عن أبي بكر بن أبي، داود السجستاني (^٣).
القول الرابع: الاسم هو المسمى (أي الاسم يُراد به المسمَّى).
وهذا قول بعض أهل السنة (^٤).
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٨٧).
(٢) المصدر السابق (٦/ ١٨٧)، و«شفاء العليل» (ص ٢٧٧).
(٣) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» للالكائي (٢/ ٢١٢).
(٤) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٨٧، ١٨٨).
[ ٢ / ٣١٦ ]
القول الخامس: الاسم عين المسمى (أي القول باتحاد الاسم والمسمى).
وهذا قول الأشاعرة والماتريدية (^١).
القول السادس: الاسم تارة يكون هو المسمى، وتارة يكون الاسم غير المسمى، وتارة لا يكون الاسم هو المسمى ولا غيره.
وهذا القول المشهور عن أبي الحسن الأشعري (^٢).
القول السابع: الاسم غير المسمى.
وهذا قول الجهمية والمعتزلة والخوارج، وكثير من المرجئة وكثير من الزيدية (^٣).
القول الثامن: أسماء الباري لا هي الباري ولا هي غيره.
وهذا قول لبعض الكلابية (^٤).
وأصل هذه المسألة: هو مسألة (صفات الله تعالى)، فقول كل فريق مبنيٌّ على قوله في صفات الله تعالى على وجه العموم، وفي (صفة الكلام) على وجه الخصوص.
فلمسألة (الاسم والمسمى) ارتباطٌ وثيقٌ بمسألة (صفة الكلام)، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن القول في أسماء الله هو نوع من القول في كلام الله» (^٥).
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٨٨)، و«أصول الدين» للبغدادي (ص ١١٤، ١١٥)، و«تبصرة الأدلة» (ص ١٩٨).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٨٨)، و«المواقف» للإيجي (ص ١٣٣).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٨٦)، و«مقالات الإسلاميين» (ص ١٧٢).
(٤) «مقالات الإسلاميين» (ص ١٧٢)، و«مجموع الفتاوى» (٦/ ١٨٩).
(٥) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٨٦).
[ ٢ / ٣١٧ ]
«واعلم أني ذكرتُ اعتقاد أهل السنة على ظاهر ما ورد عن الصحابة والتابعين مجملًا من غير استقصاء؛ إذ قد تقدم القول عن مشايخنا المعروفين من أهل الإمامة والديانة إلا أني أحببت أن أذكر (عقود أصحابنا المتصوفة) فيما أحدثه طائفة انتسبوا إليهم مما قد تخرصوا من القول مما نَزَّه الله المذهب وأهله من ذلك.
إلى أن قال: وقرأت لمحمد بن جرير الطبري في كتاب سَمَّاه «التبصير» كتب بذلك إلى أهل طبرستان في اختلاف عندهم، وسألوه أن يُصَنِّف لهم ما يعتقده ويذهب إليه؛ فذكر في كتابه اختلاف القائلين برؤية الله تعالى؛ فذكر عن طائفة إثبات الرؤية في الدنيا والآخرة.
ونسب هذه المقالة إلى الصوفية قاطبة، لم يَخص طائفة دون طائفة؛ فتبين أن ذلك على جهالة منه بأقوال المحصلين منهم؛ وكان مَنْ نسب إليه ذلك القول-بعد أن ادعى على الطائفة-ابن أخت عبد الواحد بن زيد؛ والله أعلم بمحله عند المحصلين؛ فكيف بابن أخته؟!
وليس إذا أحدث الزائغ في نِحلته قولًا نسب إلى الجملة؛ كذلك في الفقهاء والمحدثين ليس من أحدث قولًا في الفقه؛ أو لبَّس فيه حديثًا ينسب ذلك إلى جملة الفقهاء والمحدثين.
واعلم أن لفظ الصوفية وعلومهم تختلف؛ فيُطلقون ألفاظهم على موضوعات لهم ومرموزات وإشارات تجري فيما بينهم؛ فمَن لم يداخلهم على التحقيق، ونازل ما هم عليه رجع عنهم خاسئًا وهو حسير.
ثم ذكر إطلاقهم لفظ الرؤية بالتقييد؛ فقال: كثير ما يقولون: رأيت الله. وذكر عن جعفر بن محمد قوله لما سئل: هل رأيت الله حين عبدتَه؟ قال: رأيت الله ثم عبدته. فقال السائل: كيف رأيته؟ فقال: لم تَره الأبصار بتحديد العيان؛ ولكن رأته القلوب بتحقيق الإيقان. ثم قال: يرى في الآخرة كما أخبر في كتابه وذكره رسوله ﷺ. فهذا قولنا وقول أئمتنا دون الجهال من أهل الغباوة فينا».
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٣١٨ ]
في هذا الموطن ذكر الإمام أبي عبد الله بن خفيف ﵀-ما يُنسب إلى بعض المتصوفة من أمورٍ باطلة، ومن هذه الأمور قول بعض المتصوفة: إن الله ﷿ يُرى في هذه الحياة الدنيا؛ حيث يزعمون أنه من خلال اجتهاده في التعبُّد والأذكار على وجهٍ معين سيُكشف له الحجاب بينه وبين الله ﷾.
ومعلومٌ أن معتقد أهل السنة في هذه المسألة: أن الله ﷿ لا يُرى في هذه الحياة الدنيا، كما جاء في «صحيح مسلم» قول النبي ﷺ في قصة الدَّجَّال: «تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ ﷿ حَتَّى يَمُوتَ» (^١)، فلا سبيل إلى رؤية الله ﷾ والاطلاع عليه في هذه الحياة الدنيا، وليس ذلك حتى للنبي ﷺ، وسائر الناس ليس لهم ذلك مِنْ باب أولى.
فهنا ذكر أن هذا يُنسب للمتصوفة، والأحرى أن يقال: يُنسب لبعضهم وليس لكلهم، وإن كانت وردت بعض العبارات الموهمة لبعضهم فإنها لا تُحمل على الرؤيا العيانية، وإنما تحمل على رؤية قلبية، بمعنى أن الإنسان يكون عنده من الإيمان بالله ﷾ حتى يصل إلى درجة الإحسان، وهي كما عرفها النبي ﷺ بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
فما يُنسب لبعض المتصوفة لا شك أنه خطأ منهم، ولكن كما هو معلوم أن التصوف المنحرف اليوم يجنح إلى هذه المسائل كثيرًا، فكثيرٌ من المتصوفة يرون أنهم من خلال خلواتهم ومن خلال أذكارهم يمكن لهم أن يروا الله ﷾، ولا شك أن هذا أمرٌ مخالف لمعتقد أهل السنة والجماعة.
فإذًا لا يُنسب هذا لجميعهم وإنما ينسب لبعضهم، وهذا غالبٌ على كثيرٍ منهم اليوم.
_________________
(١) انظر: «صحيح مسلم»، كتاب (الْفِتَنِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ)، بَاب (ذِكْرِ ابْنِ صَيَّادٍ)، برقم (٢٩٣٠)، والترمذي (٢٢٣٥).
[ ٢ / ٣١٩ ]
«وإن مما نعتقده أن الله حرم على المؤمنين دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وذكر ذلك في حَجَّة الوداع؛ فمن زعم أنه يبلغ مع الله إلى درجة يُبيح الحق له ما حظر على المؤمنين-إلا المضطر على حال يلزمه إحياء للنفس-وإن بلغ العبد ما بلغ من العلم والعبادات، فذلك كفر بالله والقائل بذلك قائل بالإلحاد، وهم المنسلخون من الديانة».
وذكر كذلك أمورًا تتعلق بأن بعض المتصوفة يعتقدون أن الإنسان إذا بلغ درجة من العبودية أنه تسقط عنه التكاليف، ولا يُخاطب بالحلال والحرام، ويقولون: إنه إذا وصل إلى مرحلة معينة من الصوفية فإنه لا يمكن أن يُخاطب بالأمور التكليفية من العبادات والمعاملات، وعند ذلك لا يمكن أن يُحل حلالًا أو يحرم حرامًا.
وقال في إشارة لهذا: «وإن مما نعتقده أنَّ الله حرم على المؤمنين دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وذكر ذلك في حجة الوداع؛ فمن زعم أنه يبلغ مع الله إلى درجة يُبيح الحق له ما حظر على المؤمنين-إلا المضطر على حال يلزمه إحياء للنفس-وإن بلغ العبد ما بلغ من العلم والعبادات، فذلك كفر بالله والقائل بذلك قائل بالإلحاد، وهم المنسلخون من الديانة».
فبعض المتصوفة-وللأسف الشديد-نراهم يستبيحون الأعراض والأموال، ويتركون الفرائض، وبالتالي لا يشهدون جمعة ولا جماعة، ويَستحلون بعض الأعراض وبعض الأموال، ويستحلون بعض المحرمات بدعوى أنهم قد وصلوا إلى درجة من الولاية؛ أباحت لهم مثل هذه الأمور.
فكما قال المصنف هنا: «فذلك كفرٌ بالله»، فمن اعتقد هذا فقد كفر، وقائلُ ذلك قائلٌ بالإلحاد، وهم المنسلخون من الديانة.
فهذه بعض تصورات بعض الصوفية، ومعروف عنهم أنهم يبيحون لأنفسهم الكثير من المحرمات في أحوالٍ معينة، وكذلك يُسقطون عن أنفسهم الواجبات، بدعوى أنهم قد وصلوا إلى درجة لا يُخاطبون فيها بأحكام الشرع.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
«وإن مما نعتقده ترك إطلاق العشق على الله، وبين أن ذلك لا يجوز لاشتقاقه، ولعدم ورود الشرع به. وقال: أدنى ما فيه أنه بدعة وضلالة، وفيما نص الله من ذِكر المحبة كفاية».
اختلف الناسُ: هل يُطلق هذا الاسم في حقِّ الله تعالى؟
فقالت طائفة من الصوفية: لا بأس بإطلاقه، وذكروا فيه أثرًا لا يَثبت، وفيه: «فإذا فعل ذلك عَشقني وعشقتُه».
وقال جمهور الناس: لا يُطلق ذلك في حقِّه ﷾؛ فلا يُقال: إنه يَعشق، ولا يقال: عشقه عبدُه.
ثم اختلفوا في سبب المنع على ثلاثة أقوال:
أحدها: عدم التوقيف بخلاف المحبة.
الثاني: أن العشق إفراط المحبة، ولا يمكن ذلك في حقِّ الرب تعالى؛ فإنَّ الله تعالى لا يُوصف بالإفراط في الشيء، ولا يبلغ عبده ما يستحقه من حبِّه؛ فضلًا أن يقال: أفرط في حبه.
الثالث: أنَّه مأخوذ من التغير؛ لأنه قيل: هو مأخوذ من شجرة يقال لها: عاشقة تخضَّر ثم تدق وتصفَّر، ولا يُطلق ذلك على الله ﷾» (^١).
_________________
(١) «روضة المحبين» (١/ ٢٧ - ٢٩) باختصار.
[ ٢ / ٣٢١ ]
«وإن مما نعتقده: أنَّ الله لا يَحل في المرئيات، وأنه المتفرد بكمال أسمائه وصفاته، بائن من خلقه، مستو على عرشه، وأن القرآن كلامه غير مخلوق؛ حيث ما تُلي وحفظ ودرس».
معلوم أن بعض المتصوفة يَعتقدون أن الله ﷾ يَحل في أشخاصٍ بأعيانهم، وبالتالي يرون أنهم يَصلون إلى درجة أن ذات الله ﷾ تَحل في أعيان أفرادٍ منهم.
ومن ذلك كما ورد عن الحَلَّاج أنه كان يقول: «ما في الجُبَّة إلا الله» (^١)، وهذا هو القول بالاتحاد، والاتحاد نوعان:
اتحاد عام، واتحاد خاص.
فالاتحاد العام: هو الاعتقاد بأنَّ الله ﷾ حَلَّ في جميع المخلوقات واتَّحد بها، وهذا قول الاتحادية؛ كابن عربي.
والاتحاد الخاص عند الصوفية: إذ يعتقدون أن الله يَحل أو يتَّحد في ذواتٍ بعينها، وهو موجود كذلك عند الروافض الباطنية الذين يقولون: إنَّ الله حَلَّ في شخص عليِّ بن أبي طالب ﵁.
وكما يقول شيخ الإسلام: «إن القسمة في هذا رباعية؛ فهناك حلولٌ خاص، وهناك حلولٌ عام، وهناك اتحادٌ خاص، وهناك اتحادٌ عام. والفرق بين الحلول والاتحاد عمومًا:
أن الحلول مثل وضع الماء في الكأس، وأمَّا الاتحاد كاختلاط اللبن مع الماء، فأنت إذا وضعتَ اللبن مع الماء اتَّحدت أجزاء الاثنين؛ بحيث أصبحا شيئًا واحدًا، أمَّا وضع الماء في الكأس فإن هذا يعني أن لكل نوعٍ مكانه الذي لا يختلط فيه مع الشيء الآخر، وهذا الاتحاد الخاص والحلول الخاص أمور موجودة عند النصارى.
_________________
(١) انظر: «منهاج السنة النبوية» (٥/ ٣٥٧).
[ ٢ / ٣٢٢ ]
فمن النصارى من يقول: إن اللاهوت-أي: الإله-قد اتحد في الناسوت، بمعنى: أنه امتزج به فأصبحا شيئًا واحدًا، ومنهم مَنْ يقول: إنَّ اللاهوت حلَّ في الناسوت، وتدرع به، وهذا يُوجد في بعض مَنْ ينتسب إلى الإسلام.
[ ٢ / ٣٢٣ ]