(١٤٨) «وما سمعنا أحدًا يفهمه من اللفظ، ولا رأينا أحدًا نقله عن أحد، ولو سئل سائر المسلمين: هل تفهمون من قول الله تعالى ورسوله: «أنَّ الله في السماء» (^١): أن السماء تحويه؟ لبادر كل أحد منهم إلى أن يقول: هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا».
فهم المراد من نصوص الكتاب والسنة بأن تجري على لغة العرب ووفق لسانها.
فالألفاظ جارية على لغة العرب-كما يقول الشاطبي ﵀ (^٢) -فحتى نفهم المراد من نصوص الكتاب والسنة فلا بد أن تجري على لغة العرب ووفق لسانها، وليس لأحد أن يسخر اللغة وفق هواه وعلى ما جرى به اعتقاده، فاللغة حاكمة ليس لأحد أن يطوعها لأمر بغير أساليب أهلها (^٣).
قال الإمام الشافعي ﵀: " إنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها ". ثم ذكر وجوها لاتساع لسانها وضروبه المتنوعة في دلالتها على المعاني". ثم قال: " وكانت هذه الوجوه التي وصفت اجتماعها في معرفة أهل العلم منها به معرفة واضحة عندها ومستنكرا عند غيرها ممن جهل هذا من لسانها، وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة، فتكلف القول في علمها تكلف ما يجهل بعضه" (^٤).
وقال بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ: ("وقد روى عبد الرزاق في " تفسيره ": حدثنا الثوري عن ابن عباس، " أنه قسم التفسير إلى أربعة أقسام): قسم تعرفه العرب في كلامها، وقسم لا يعذر أحد بجهالته؛ يقول من الحلال والحرام،
_________________
(١) انظر: صحيح مسلم كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةَ، بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ، برقم (٥٣٧)، وأبو داود (٣٢٨٢)، والنسائي (١٢١٨)، والإمام أحمد في المسند أَحَادِيثُ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ (٢٣٧٦٢).
(٢) انظر: الموافقات: ٢/ ١٢٧.
(٣) انظر: بيان تلبيس الجهمية: ١/ ٤٩٢.
(٤) الرسالة للشافعي: ص ٥١ - ٥٣، ت: أحمد شاكر.
[ ٢ / ٥١٩ ]
وقسم يعلمه العلماء خاصة، وقسم لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه فهو كاذب). وهذا تقسيم صحيح.
فأما الذي تعرفه العرب، فهو الذي يرجع فيه إلى لسانهم، وذلك شأن اللغة والإعراب. فأما اللغة فعلى المفسر معرفة معانيها، ومسميات أسمائها" (^١)
كما أن علينا أن نعرف أن فهم النصوص يعتمد على سياق الكلام.
وهذه الدلالة هي من الأهمية بمكان، إذ يتضح من خلالها فهم الكلام الوارد وتنزيله على معانيه الصحيحة، قال الإمام الشاطبي ﵀: " كلام العربي على الإطلاق لابد فيه من اعتبار معنى المساق في دلالة الصيغ وإلا صار ضحكة وهزءة. " (^٢) ودلالة السياق دلالة معتبرة عند أهل السنة استخدموها في توضيح النصوص على معانيها المناسبة لها.
ويقصد بالسياق هنا هو المعنى الذي جرت فيه الألفاظ محتفة بقرائنها التي تؤكد دلالة هذا المعنى وتستبعد ما سواه، ويسمي بعض الباحثين السياق بأنه: " الموقف الكلامي بجميع عناصره " (^٣).
فالسياق إذن يعرف من خلال الكلام سابقه ولاحقه وما احتف به من قرائن سواء كانت واضحة في النص أم كانت خارجة عنه كأسباب النزول.
يقول السيوطي ﵀ وهو يذكر مصادر المفسر وأنه يبدأ بالقرآن ثم السنة " فإن لم يجده في السنة رجع إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله. (^٤)
فدلالة اللفظ على الصفة في موضع ما لا يعني أنه يدل عليها في كل موضع.
_________________
(١) البرهان في علوم القرآن: ٢/ ٣٠٧.
(٢) الموافقات: ٣/ ٤١٩ - ٤٢٠.
(٣) انظر: علم الدلالة دراسة نظرية وتطبيقية: ص ١٧١، د/ فريد عوض حيدر، وانظر: دلالة السياق لردة الله الطلحي: ص ٤٦، وقد لخص الطلحي مفهوم السياق من خلال تراث العرب ويقصد به السياق عند علماء الشرع وعلماء اللغة بأنه يرجع إلى ثلاثة أمور:
(٤) السياق هو الغرض.
(٥) السياق هو الظروف والمواقف التي ورد فيها النص.
(٦) السياق هو السياق اللغوي المعروف الآن وهو ما يمثله الكلام في موضع النظر والتحليل. انظر: دلالة السياق: ٥٠ - ٥١.
(٧) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، تعليق: د. مصطفى البغا: ١/ ١١٩٧.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
قال القاضي أبو يعلى: (وقد اعتبر أحمد القرائن في مثل هذا، فقال في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُم﴾ [المجادلة: ٧]، قال: المراد به علمه؛ لأن الله افتتح الخبر بالعلم، وختمه بالعلم) (^١).
وقال شيخ الإسلام: "فتدبر هذا فإنه كثيرا ما يغلط الناس في هذا الموضع، إذا تنازع النفاة والمثبتة في صفة ودلالة نص عليها، يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ-حيث ورد-دالا على الصفة وظاهرا فيها، ثم يقول النافي: وهناك لم تدل على الصفة فلا تدل هنا، وقد يقول بعض المثبتة: دلت هنا على الصفة فتكون دالة هناك، بل لما رأوا بعض النصوص تدل على الصفة جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون أنه يضاف إلى الله تعالى-إضافة صفة-من آيات الصفات. كقوله تعالى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) [الزمر: ٥٦]. وهذا يقع فيه طوائف من المثبتة والنفاة، وهذا من أكبر الغلط فإن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية" (^٢).
وقال شيخ الإسلام: "يغلط الناس في هذا الموضع، إذا تنازع النفاة والمثبتة في صفة، ودلالة نص عليها، يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ-حيث ورد-دالا على الصفة وظاهرا فيها، ثم يقول النافي: وهناك لم تدل على الصفة فلا تدل هنا.
وقد يقول بعض المثبتة: دلت هنا على الصفة فتكون دالة هناك. بل لما رأوا بعض النصوص تدل على الصفة جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون أنه يضاف إلى الله تعالى-إضافة صفة-من آيات الصفات" (^٣)
وقد يطول الكلام عن السياق، والمقصود هنا بيان أن النصوص حتى تفهم فلا بد من اعتبار سياقاتها، ولذا يقول شيخ الإسلام ﵀: إن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية " (^٤).
وعند ذكر بعض النصوص فإنه قد يظهر فيها أنها من نصوص الصفات وقد لا يثبت من خلالها صفة كقوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) (البقرة: ١١٥)،
_________________
(١) (إبطال التأويلات (ص: ٤٢٧ - ٤٢٨).
(٢) مجموع الفتاوي، ابن تيمية، (٦/ ١٤ - ١٥).
(٣) مجموع الفتاوي، ابن تيمية، (٦/ ١٥).
(٤) مجموع الفتاوي لابن تيمية: ٦/ ١٢. وانظر: الرسالة المدنية لابن تيمية: ص: ٣١، ت: الوليد الفريان. انظر: الصواعق المرسلة: ٧١٤.
[ ٢ / ٥٢١ ]
وكقوله: (فأتى الله بنيانهم من القواعد) (النحل: ٢٦)، فالأولى تعني وجه الله أي قبلته، فأضيفت إلى الله تعالى للتخصيص والتشريف، والثاني المقصود به إتيان أمره المتمثل في عقوبته، وقد يستدل بعض النفاة بمثل آية (فأتى الله بنيانهم) … على نفي صفة الإتيان الله تعالى حقيقة الواردة في قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) جاعلًا من معنى الآية الأولى معنى للآية الثانية من أن الإتيان لله تعالى إنما هو إتيان أمره" (^١).
ومن خلال دلالة السياق يتبين لنا أثر فهم هذه الدلالة في إثبات صفات الله تعالى وأن لا يجعل ما لا يدل على صفة من النصوص دليلا على نفي الصفة المثبتة من النصوص الأخرى.
وما سبق هو إشارة للمقصود وتبيان لأهمية هذه الدلالة" (^٢).
فإذًا هكذا في ألفاظ المعية، في كل نص قد تقتضي معنى خلاف الآخر، فمع أن الله ﷾ مع خلقه جميعًا بعلمه، فإنه مع أوليائه وعباده الصالحين بنصره وتأييده إضافة إلى علمه، فهذا النوع يسمى التواطؤ المشكك، فالتواطؤ نوعان: كلِّي ومشكك.
فلاحظ أن اللبس يأتي في أذهان البعض من فهمه الخاطئ، أو يريد أن يحمِّل النصَّ معنى لا يحتمله، ولو عاد إلى لغة العرب وعاد إلى كلام أهل العلم لوجد أن الأمر في غاية الوضوح والجلاء، فلم يتردد واحد من السلف فيقول: لعلها معية ذاتية، ولم يُنقل هذا عنهم، وهذا ابن عبد البر ينقل إجماع السلف أنهم فسَّروا المعيَّة بمعيَّة العلم، وهكذا ابن تيمية وهكذا تلميذه ابن القيم، وهكذا جمعٌ من أهل العلم، بيَّنوا أن المعيَّة هنا ليست معيَّة ذاتية.
وقد قمت بتأليف رسالة في هذا الموضوع سميتها "الآثار المروية في صفة المعية" تتبعت فيها أقوال العلماء في هذه المسألة.
_________________
(١) انظر: نقض الدارمي، ومجموع الفتاوي لابن تيمية: ٢/ ٤٢٩، و٣/ ١٩٣، ومختصر الصواعق لابن الموصلي: ١/ ٢٩.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية: ٦/ ١٥ - ٢٣، لتبيان أمثلة توضح دلالة السياق وأثرها في فهم النص، وانظر كذلك: الدراسات اللغوية والنحوية في مؤلفات ابن تيمية للشجيري: ٩١ - ٩٥.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
(١٤٩) «وإذا كان الأمر هكذا؛ فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيئًا محالًا لا يفهمه الناس منه، ثم يريد أن يتأوله بل عند المسلمين أن الله في السماء وهو على العرش واحد؛ إذ السماء إنما يُراد به العلو.
فالمعنى: أن الله في العلو لا في السفل، وقد علم المسلمون أن كرسيه سبحانه وسع السماوات والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن العرش خلق من مخلوقات الله لا نِسبة له إلى قدرة الله وعظمته، فكيف يُتوهم بعد هذا أن خلقًا يحصره ويحويه، وقد قال سبحانه: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وقال تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧] بمعنى (على) ونحو ذلك.
وهو كلام عربي حقيقة لا مجازًا، وهذا يعلمه من عرف حقائق معاني الحروف، وأنها متواطئة في الغالب لا مشتركة».
المراد لو أن قائل قال: قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، هذا يُفهم منه أن الله داخل السماء وأن السماء مُحيطة به، هل يُقبل هذا؟!
فيُقال له: هذا فهمك أنت الخاطئ، ولكن الذي يَفهمه العلماء ويفهمه أصحاب المعتقد الصحيح السليم أن قوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، أي: على السماء.
فلفظ "السماء" له معنيان:
الأول: العلو.
والثاني: الجرم المخلوق المعروف، الذي هو السقف المحفوظ.
فإذا قال أهل السنة: "الله في السماء" فمعنى السماء هنا: العلو.
ومن أراد بلفظ السماء ذلك الجرم المخلوق: فإنه يجعل "في" بمعنى "على".
قال الحافظ ابن عبد البر ﵀": وأما قوله تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ) الملك/ ١٦ فمعناه: مَنْ على السماء يعني: على العرش.
وقد يكون "في" بمعنى "على"، ألا ترى إلى قوله تعالى: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ
[ ٢ / ٥٢٣ ]
أَشْهُرٍ) التوبة: ٢ أي: على الأرض، وكذلك قوله: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) طه/ ٧١" انتهى (^١).
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: "معنى كون الله في السماء: معناه على السماء أي فوقها، ف (في) بمعنى "على"، كما جاءت بهذا المعنى في قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض) أي: عليها.
ويجوز أن تكون (في) للظرفية، و(السماء) على هذا بمعنى العلو، فيكون المعنى: أن الله في العلو، وقد جاءت السماء بمعنى العلو في قوله تعالى: (أنزل من السماء ما).
ولا يصح أن تكون (في) للظرفية إذا كان المراد بالسماء الأجرام المحسوسة؛ لأن ذلك يوهم أن السماء تحيط بالله، وهذا معنى باطل؛ لأن الله أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته" انتهى. (^٢)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀": السلف، والأئمة، وسائر علماء السنَّة إذا قالوا: " إنه فوق العرش "، و" إنه في السماء فوق كل شيء ": لا يقولون إن هناك شيئًا يحويه، أو يحصره، أو يكون محلاًّ له، أو ظرفًا، ووعاءً، ﷾ عن ذلك، بل هو فوق كل شيء، وهو مستغنٍ عن كل شيءٍ، وكل شيءٍ مفتقرٌ إليه، وهو عالٍ على كل شيءٍ، وهو الحامل للعرش، ولحملة العرش، بقوته، وقدرته، وكل مخلوق مفتقرٌ إليه، وهو غنيٌّ عن العرش، وعن كل مخلوق.
وما في الكتاب والسنة من قوله: (أأمنتم من في السماء) ونحو ذلك: قد يَفهم منه بعضُهم أن "السماء" هي نفس المخلوق العالي العرش فما دونه، فيقولون: قوله (في السماء) بمعنى: "على السماء"، كما قال: (ولأصلبنكم في جذوع النخل) أي: على جذوع النخل، وكما قال: (فسيروا في الأرض) أي: على الأرض.
ولا حاجة إلى هذا، بل " السماء " اسم جنس للعالي، لا يخص شيئًا، فقوله: (في السماء) أي: في العلو دون السفل.
وهو العلي الأعلى فله أعلى العلو، وهو ما فوق العرش، وليس هناك غيره، العلي الأعلى، ﷾" (^٣) انتهى.
_________________
(١) "التمهيد" (٧/ ١٣٠ (.
(٢) "مجموع فتاوى الشيخ العثيمين" (٤/ ٢٨٣).
(٣) "مجموع الفتاوى" (١٦/ ١٠٠، ١٠١).
[ ٢ / ٥٢٤ ]
قول النبي ﷺ: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الله قبل وجهه
(١٥٠) «وكذلك قول النبي ﷺ: «إذا قَامَ أَحَدُكُمْ إلى الصَّلاةِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلَا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ» (^١) الحديث حَقٌّ على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش، وهو قِبَلُ وَجْه المُصلي، بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات؛ فإن الإنسان لو أنه يناجي السماء ويناجي الشمس والقمر لكانت السماء والشمس والقمر فوقه وكانت-أيضًا-قِبَل وجهه».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومن المعلوم: أنَّ مَنْ توجه إلى القمر وخاطبه- إذا قدر أن يُخاطبه- لا يتوجه إليه إلا بوجهه مع كونه فوقه، فهو مُستقبل له بوجهه مع كونه فوقه، ومن الممتنع في الفطرة أن يستدبره ويخاطبه مع قصده التام له وإن كان ذلك ممكنًا، وإنما يفعل ذلك من ليس مقصوده مخاطبته؛ كما يفعل من ليس مقصوده التوجه إلى شخص بخطاب فيعرض عنه بوجهه ويخاطب غيره؛ ليسمع هو الخطاب؛ فأمَّا مع زوال المانع فإنما يتوجه إليه؛ فكذلك العبد إذا قام إلى الصلاة فإنه يَستقبل ربَّه وهو فوقه فيدعوه من تلقائه لا من يمينه ولا من شماله، ويدعوه من العلو لا من السُّفل، كما إذا قدر أنه يخاطب القمر. وقد ثبت في «الصَّحيحين» أنه قال: «لَينتهين أقوامٌ عن رفع أبصارهم في الصلاة أو لا تَرجع إليهم أبصارهم» (^٢).
واتفق العلماء على أن رفع المصلي بصره إلى السماء منهي عنه.
وروى أحمد عن محمد بن سيرين: أن النبي ﷺ كان يرفع بصره في الصلاة إلى السماء حتى أنزل الله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾، فكان بصره لا يُجاوز موضع سجوده» (^٣)، فهذا مما جاءت به الشريعة تكميلًا للفطرة؛ لأن الداعي السائل الذي يؤمر بالخشوع-وهو الذل والسكوت-لا يناسب
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه البخاري (٧٥٠) ومسلم (٤٢٨) واللفظ له، من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٣) أخرجه أحمد «العلل ومعرفة الرجال» (٢/ ٣٨١)، وأنكره جدًّا، وقال: «اضرب عليه»، وذكره ابن حجر في «فتح الباري» (٢/ ٢٧١)، وبَيَّن أنه: «مرسل ورجاله ثقات».
[ ٢ / ٥٢٥ ]
حاله أن ينظر إلى ناحية من يدعوه ويسأله، بل يناسب حاله الإطراق وغض بصره أمامه. وليس نهي المصلي عن رفع بصره في الصلاة ردًّا على (أهل الإثبات) الذين يقولون: إنه على العرش كما يظنه بعضُ جهال الجهمية، فإن الجهمية عندهم لا فرق بين العرش وقعر البحر، فالجميع سواء، ولو كان كذلك لم يَنه عن رفع البصر إلى جهة، ويؤمر بردِّه إلى أخرى؛ لأن هذه وهذه عند الجهمية سواء» (^١).
قال ابن القيم ﵀ " فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَأَيْنَمَا وَلَّى الْمُصَلِّي فَهِيَ قِبْلَةُ اللَّهِ، وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ وَجْهَ رَبِّهِ؛ لِأَنَّهُ وَاسِعٌ، وَالْعَبْدُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ رَبَّهُ تَعَالَى، وَاللَّهُ مُقْبِلٌ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ بِوَجْهِهِ، كَمَا تَوَاتَرَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ قَدْ دَلَّ الْعَقْلُ وَالْفِطْرَةُ وَجَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ السَّمَاوِيَّةِ: عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالٍ عَلَى خَلْقِهِ فَوْقَ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَهُوَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، وَعَرْشُهُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ كُلِّهَا، فَهُوَ سُبْحَانَهُ مُحِيطٌ بِالْعَوَالِمِ كُلِّهَا، فَأَيْنَمَا وَلَّى الْعَبْدُ فَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَقْبِلُهُ، بَلْ هَذَا شَأْنُ مَخْلُوقِهِ الْمُحِيطِ بِمَا دُونَهُ، فَإِنَّ كُلَّ خَطٍّ يَخْرُجُ مِنَ الْمَرْكَزِ إِلَى الْمُحِيطِ، فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ وَجْهَ الْمُحِيطِ وَيُوَاجِهُهُ، وَالْمَرْكَزُ يَسْتَقْبِلُ وَجْهَ الْمُحِيطِ، وَإِذَا كَانَ عَالِي الْمَخْلُوقَاتِ الْمُحِيطُ، يَسْتَقْبِلُ سَافِلَهَا الْمُحَاطُ بِهِ بِوَجْهِهِ، مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ وَالْجَوَانبِ؛ فَكَيْفَ بِشَأْنِ مَنْ هُوَ بكل شَيْءٍ مُحِيطٍ، وَهُوَ مُحِيطٌ وَلَا يُحَاطُ بِهِ، كَيْفَ يُمْتَنَعُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْعَبْدُ وَجْهَهُ تَعَالَى حَيْثُ كَانَ، وَأَيْنَ كَانَ؟! " انتهى (^٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين: «الدليل على أن الله قِبَل وَجْهِ المُصَلِّي: قوله ﷺ: «إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يبصق قِبَل وجهه، فإنَّ الله قِبَل وجهه».
وهذه المقابلة ثابتة لله حقيقة على الوجه اللائق به ولا تنافي علوه، والجمع بينهما من وجهين:
١ - أن الاجتماع بينهما ممكن في حق المخلوق كما لو كانت الشمس عند طلوعها، فإنَّها قِبَل وجه مَنْ استقبل المشرق وهي في السماء، فإذا جاز اجتماعهما في المخلوق فالخالقُ أَوْلى.
٢ - أنه لو لم يمكن اجتماعهما في حق المخلوق، فلا يلزم أن يمتنع في حقِّ الخالق؛ لأن الله ليس كمثله شيء» (^٣).
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٥٧٦ - ٥٧٨).
(٢) " مختصر الصواعق المرسلة " (١/ ٤١٧ (.
(٣) «فتاوى ابن عثيمين» (٤/ ٢٨٧).
[ ٢ / ٥٢٦ ]
(١٥١) «وقد ضرب النبي ﷺ المَثَل بذلك-ولله المثل الأعلى، ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه لا تشبيه الخالق بالمخلوق-فقال النبي ﷺ: «ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخليًّا به». فقال له أبو رُزين العقيلي: كيف يا رسول الله، وهو واحد ونحن جميع؟ فقال النبي ﷺ: «سأنبئك مثل ذلك في آلاء الله، هذا القمر كلكم يراه مخليًّا به وهو آية من آيات الله، فالله أكبر» (^١)، أو كما قال النبي ﷺ.
وقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر» (^٢)؛ فشبه الرؤية بالرؤية، وإن لم يكن المرئي مشابهًا للمرئي، فالمؤمنون إذا رأوا ربهم يوم القيامة وناجوه؛ كل يراه فوقه قِبَل وجهه كما يرى الشمس والقمر، ولا منافاة أصلًا.
ومن كان له نصيب من المعرفة بالله والرسوخ في العلم بالله يكون إقراره بالكتاب والسنة على ما هما عليه أوكد».
مَنْ زعم أن أحاديث الرؤية من أحاديث التشبيه فقد كذب، فهي أحاديث محفوظة عن النبي ﷺ، والتشبيه الذي فيها: (كما ترون الشمس والقمر) إنما هو تشبيه للرؤية بالرؤية، وليس تشبيهًا للمرئي بالمرئي.
يعني: إذا كان الإنسان يستطيع أن يرى القمر وحده، ويستطيع أن يراه وهو مع
_________________
(١) انظر: سنن أبي داود برقم (٤٧٣١)، وابن ماجه (١٨٠)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمَدَنِيِّينَ (١٦١٨٦)، قال الشيخ الالباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه الجزء الأول صفحة (٢٥٢): حسن.
(٢) انظر: صحيح البخاري كِتَابُ التَّوْحِيدِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، برقم (٧٤٣٤)، ومسلم كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةَ، بَابُ فَضْلِ صَلَاتَيِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا (٦٣٣)، وأبو داود (٤٧٢٩)، والترمذي (٢٥٥١)، وابن ماجه (١٧٧)، والإمام أحمد في المسند أَوَّلُ مُسْنَدِ الْكُوفِيِّينَ (١٩١٩٠).
[ ٢ / ٥٢٧ ]
قوم دون أن يزاحمهم، فكذلك المؤمنون يرون ربهم يوم القيامة دون مزاحمة، وكذلك يرى الإنسان ربه مخليًا به كما أنه يرى القمر مخليًا به.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وقال: «إنَّكم ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر»، فشبه الرؤية بالرؤية، وإن لم يكن المرئي مشابهًا للمرئي».
يعني: ليس المراد أن الله تعالى يشابه القمر والشمس، فالله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ولكن المراد تشبيه الرؤية بالرؤية، يعني: كما أن الإنسان في الدنيا يرى الشمس والقمر رؤية واضحة، فكذلك سيرى الله يوم القيامة، فهذا هو المراد.
قال ابن أبي العز الحنفي ﵀: "وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيها لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي، ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه. وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟
ومن قال: يرى لا في جهة، فليراجع عقله!! فإما أن يكون مكابرا لعقله، أو في عقله شيء؛ وإلا فإذا قال: يُرى، لا أمام الرائي ولا خلفه، ولا عن يمينه ولا عن يساره، ولا فوقه ولا تحته؛ رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة.
ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بالذات، بنفي الرؤية، وقالوا: كيف تعقل رؤية بغير جهة …
وما ألزمهم المعتزلة هذا الإلزام، إلا لما وافقوهم على أنه لا داخل العالم ولا خارجه.
لكن قول من أثبت موجودا يرى لا في جهة، أقرب إلى العقل من قول من أثبت موجودا قائما بنفسه، لا يرى، ولا في جهة.
ويقال لمن قال بنفي الرؤية لانتفاء لازمها وهو الجهة: أتريد بالجهة أمرا وجوديا أو أمرا عدميا؟
فإن أراد بها أمرا وجوديا، كان التقدير: كل ما ليس في شيء موجود، لا يرى.
وهذه المقدمة: ممنوعة، ولا دليل على إثباتها؛ بل هي باطلة، فإن سطح العالم يمكن أن يُرى، وليس العالم في عالم آخر.
وإن أردت بالجهة أمرا عدميا، فالمقدمة الثانية ممنوعة، فلا نسلم أنه ليس في جهة بهذا الاعتبار" (^١).
_________________
(١) شرح الطحاوية (١/ ٢١٩).
[ ٢ / ٥٢٨ ]
قال ابن القيم ﵀: " وأما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه الدالة على الرؤية: فمتواترة، رواها عنه أبو بكر الصديق وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وجرير بن عبد الله البجلي وصهيب بن سنان الرومي وعبد الله بن مسعود الهذلي وعلي ابن أبي طالب وأبو موسى الأشعري وعدي بن حاتم الطائي وأنس بن مالك الأنصاري وبريدة بن الحصيب الأسلمي وأبو رزين العقيلي وجابر بن عبد الله الأنصاري وأبو أمامة الباهلي وزيد بن ثابت وعمار بن ياسر وعائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عمر وعمارة بن رويبة وسلمان الفارسي وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وحديثه موقوف، وأبي بن كعب وكعب بن عجرة وفضالة بن عبيد وحديثه موقوف، ورجل من أصحاب النبي ﷺ غير مسمى.
فهاك سياق أحاديثهم من الصحاح والمسانيد والسنن، تلقها بالقبول والتسليم وانشراح الصدر، لا بالتحريف والتبديل وضيق العطن، ولا تكذب بها، فمن كذب بها، لم يكن إلى وجه ربه من الناظرين، وكان عنه يوم القيامة من المحجوبين … ". ثم ساق الأحاديث.
فمن لم يسلم للسنة، وما جاءت به؛ فما جدوى النقاش معه في مسألة من مسائل الدين؟
ومن لم يبصر إثبات السنة للرؤية، فهو أعمى، لا يجدي معه نقاش ولا استدلال والنصيحة لك: أن لا تنشغل برد الشبهات، بل احرص على طلب العلم وتحصيله والترقي فيه على أيدي العلماء الثقات. (^١) "
وينبغي أن يتنبه طالب العلم لمسألة أنه لا بد من فهم كلام السلف عند الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة، وأن لا يستقل بفهمه هو، فيفهم من هذه الآية معنًى ومن تلك معنًى، وبعد ذلك يُشكل عليه الأمر أو يقع في اللبس أو تختلط عليه الأمور.
_________________
(١) "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح" ص ٢٩٦
[ ٢ / ٥٢٩ ]