(١٥٦) «وإنما ينفون التشبيه، وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه، مع إنكارهم على من ينفي الصفات؛ كقول نُعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: «مَنْ شبه الله بخلقه فقد كفر، ومَن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهًا».
كل واحد من فريق التعطيل والتمثيل جامع بين التعطيل والتمثيل.
ا-بيان جمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل:
أما تمثيل المعطلة: فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات.
فهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم.
وتعطيل المعطلة: في نفيهم لما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات اللائقة به سبحانه.
وبذلك جمعوا بين التعطيل والتمثيل: مثلوا أولًا، وعطلوا آخرًا.
وامتاز أهل التعطيل عن أهل التمثيل بنفيهم المعاني الصحيحة للصفات.
مثال لجمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل:
نصوص الاستواء، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^١).
فإن المعطل يقول: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويًا، وكل ذلك من المحال، ونحو ذلك من الكلام. فهذا المعطل لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا اللازم الذي جاء به المعطل تابع لهذا المفهوم.
وكان الواجب عليه أن يثبت لله استواء يليق بجلاله ويختص به، فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي هي من لوازم المخلوقات، ويجب نفيها في حق الله.
_________________
(١) الآية ٥ من سورة طه
[ ٢ / ٥٤٣ ]
فأهل التعطيل وقعوا في أربعة محاذير:
الأول: كونهم مثلوا ما فهموه من النصوص بصفات المخلوقين، وظنوا أن مدلول النصوص هو التمثيل.
الثاني: أنهم عطلوا النصوص عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله.
الثالث: أنهم بنفي تلك الصفات صاروا معطلين لما يستحقه الرب من صفات الكمال.
الرابع: أنهم وصفوا الرب بنقيض تلك الصفات، من صفات الأموات والجمادات والمعدومات (^١).
٢ - بيان جمع أهل التمثيل بين التعطيل، والتمثيل (^٢):
أما تعطيل الممثل فمن وجوه ثلاثة:
أحدها: أنه عطل نفس النص الذي أثبت الصفة، حيث صرفه عن مقتضى ما يدل عليه، فإن النص دال على إثبات صفة تليق بالله لا على مشابهة الله لخلقه.
الثاني: أنه إذا مثل الله بخلقه فقد عطله عن كماله الواجب، حيث شبه الرب الكامل بالمخلوق الناقص.
الثالث: أنه إذا مثل الله بخلقه فقد عطل كل نص يدل على نفي مشابهة الله لخلقه، مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٣)، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (^٤).
أما تمثيل أهل التمثيل: فإنهم يقولون: إن الله ﷿ لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فإذا كان مستويًا على العرش فهو كاستواء الإنسان على السرير، إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا، فامتاز هؤلاء الممثلة بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين، كما امتاز المعطلة بتعطيل كل اسم للاستواء الحقيقي.
والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ويختص به، فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير ونحو ذلك، ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين وقدرتهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق وملزوماتها.
_________________
(١) الرسالة التدمرية ٧٩ - ٨٠
(٢) انظر: الفتوى الحموية ص ٦٢ - ٦٣ ط: دار فجر للتراث
(٣) الآية ١١ من سورة الشورى
(٤) الآية ٤ من سورة الإخلاص
[ ٢ / ٥٤٤ ]
(فقد هدى الله أصحاب سواء السبيل للطريقة المثلى فأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، وتفوا عنه مماثلة المخلوقات، فكان مذهبهم مذهبا بين مذهبين وهديا بين ضلالتين.
فقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تكييف.
بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات، فلا نعطل ولا نؤول ولا نمثل ولا نجهل.
ولا نقول: ليس له يدان، ولا وجه، ولا سمع، ولا بصر، ولا حياة، ولا قدرة، ولا استوى على عرشه.
ولا نقول: له يدان كأيدي المخلوقين، ووجه كوجوههم وسمع وبصر وحياة وقدرة واستواء، كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم.
بل نقول: له ذات حقيقة ليست كذوات المخلوقين.
وله صفات حقيقة ليست كصفات المخلوقين.
وكذلك قولنا: في وجهه ﵎، ويديه، وسمعه، وبصره، وكلامه، واستوائه.
ولا يمنعنا ذلك أن نفهم المراد من تلك، الصفات وحقائقها، كما لم يمنع ذلك من أثبت لله شيئا من صفات الكمال من فهم معنى الصفة وتحقيقها، فإن من أثبت له سبحانه السمع والبصر أثبتهما حقيقة وفهم معناهما، فهكذا سائر الصفات المقدسة، يجب أن تجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فإن الله سبحانه لم يكلف العباد ذلك، ولا أراده منهم، ولم يجعل لهم إليه سبيلا) (^١).
_________________
(١) الصواعق المرسلة ٢/ ٤٢٥ - ٤٢٧
[ ٢ / ٥٤٥ ]
(١٥٧) وكانوا إذا رأوا الرجل قد أغرق في نفي التشبيه من غير إثبات الصفات، قالوا: هذا جهمي مُعَطِّل، وهذا كثير جدًّا في كلامهم، فإن الجهمية والمعتزلة إلى اليوم يسمون من أثبت شيئًا من الصفات: مشبهًا، كذبًا منهم وافتراء، حتى إن منهم مَنْ غلا ورمى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بذلك، حتى قال ثُمَامة بن أشرس من رؤساء الجهمية: ثلاثة من الأنبياء مشبهة؛ موسى حيث قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، وعيسى حيث قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، ومحمد ﷺ حيث قال: «ينزل ربُّنا» (^١).
وحتى إن جُلَّ المعتزلة تُدْخِل عامَّة الأئمة، مثل: مالك وأصحابه، والثوري وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وإسحاق بن راهويه، وأبي عُبيد وغيرهم، في قِسم المشبهة.
وقد صنف أبو إسحاق؛ إبراهيم بن عثمان بن درباس الشافعي جزءًا سماه: «تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة»، ذكر فيه كلام السلف وغيرهم من معاني هذه الألقاب، وذكر أن أهل البدع كل صنف منهم يُلَقِّب أهل السنة بلقب افتراه، يزعم أنه صحيح على رأيه الفاسد، كما أن المشركين كانوا يُلَقِّبون النبي ﷺ بألقاب افتروها.
فالروافض تسميهم نواصب، والقدرية يسمونهم مجبرة، والمرجئة يسمونهم شكاكًا، والجهمية تسميهم مشبهة، وأهل الكلام يسمونهم حشوية، ونَوَابت وغثاء وغُثْرًا، إلى أمثال ذلك، كما كانت قريش تسمي النبي ﷺ تارة مجنونًا، وتارة شاعرًا، وتارة كاهنًا، وتارة مفتريًا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري كتاب التهجد، بَابُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، برقم (١١٤٥)، ومسلم كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَالْإِجَابَةِ فِيهِ (٧٥٨)، وأبو داود (١٣١٥)، = والترمذي (٤٤٦)، وابن ماجه (١٣٦٦)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٧٥٠٩)، والدارمي (١٥١٩).
[ ٢ / ٥٤٦ ]
قالوا: وهذا علامة الإرث الصحيح والمتابعة التامة؛ فإن السنة هي ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه؛ اعتقادًا واقتصادًا وقولًا وعملًا؛ فكما أن المنحرفين عنه يسمونه بأسماء مذمومة مكذوبة، وإن اعتقدوا صدقها بناء على عقيدتهم الفاسدة، فكذلك التابعون له على بصيرة الذين هم أولى الناس به في المَحيا والممات، باطنًا وظاهرًا».
كما كانت قريش تُسمي النبي ﷺ تارةً مجنونًا، وتارة شاعرًا، وتارة كاهنًا، وتارة مُفتريًا. فهذه علامة الإرث الصحيح والمتابعة التامَّة؛ فإنَّ السنة هي ما كان عليه رسولُ الله ﷺ وأصحابه، اعتقادًا واقتصادًا، وقولًا وعملًا.
فلا بد من نصيب من هذا الميراث، فكما آذوا النبي ﷺ وشتموه وذموه بهذه الألقاب، فلا شك أن مَنْ يرث هذا الميراث الذي هو الحق، لا بد أن يتحمل شيئًا من هذه الشتائم والسباب الذي يقوله هؤلاء، لكن الأمر كما قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢].
فأهل البدع يُسمون مَنْ خالفهم بالألقاب الشَّنيعة للتَّنفير، وبهذا يُسمون أهل السنة بالألقاب التي هم بها أليق، فالرافضة يُسمونهم: نواصب؛ لأنهم زعموا أنهم يُبغضون عليًّا، وقد كذبوا، فليسوا يُبغضون عليًّا، بل يُحبونه، ولكن لا يغلون فيه، ولا يُعطونه غير حقِّه، خلاف الرافضة؛ فقد غلوا فيه، وأعطوه غير حقِّه. وهكذا نُفاة الصِّفات يُسمون أهل السنة: حشوية، ومجسمة، ومُشبهة، وهم في الحقيقة الحشوية، وهم المجسمة، وهم المشبهة الذين شبَّهوه بالمعدومات والنَّاقصات والجمادات، قبَّحهم الله. وهكذا نُفاة القدر، وهكذا المرجئة، كل طائفةٍ تُسمي خصمها بالألقاب الشَّنيعة.
وقال الإمام الحافظ أبو حاتم الرازي: «علامة أهل البدع: الوقيعة في أهل الأثر. وعلامة الجهمية: أن يسموا أهل السنة مشبهة ونابتة. وعلامة القدرية: أن يسموا أهل السنة مجبرة، وعلامة الزنادقة أن يسموا أهل الأثر حشوية» (^١).
_________________
(١) نقله عنه الذهبي في «العلو» (ص ١٩٠).
[ ٢ / ٥٤٧ ]
وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني في كتاب: «الغنية» نحو ما ذكر وزاد: «علامة الرافضة: تسميتهم أهل السنة ناصبة، وكل ذلك عصبية، وغياض لأهل السنة ولا اسم لهم إلا اسم واحد وهو: (أصحاب الحديث)، ولا يلتصق بهم ما لقيهم به أهل البدع كما لم يلتصق بالنبي تسمية كفار مكة: ساحرًا وشاعرًا ومجنونًا ومفتونًا وكاهنًا، ولم يكن اسمه عند الله وعند ملائكته وعند إنسه وجنه وسائر خلقه إلا رسولًا نبيًّا بريًّا من العاهات كلها: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ (^١).
وقد عرف أن من سمات أهل الباطل طعنهم في الصحابة الذين هم أئمة السلف، فها هي الفرق الكبار: المعتزلة والخوارج والشيعة كلهم يطعن في الصحابة رضوان الله عليهم طعنا صريحا (^٢):
أما المعتزلة فقد طعن زعيمهم النظام في أكثر الصحابة وأسقط عدالة ابن مسعود، وطعن في فتاوى علي بن أبي طالب، وثلب عثمان بن عفان، وطعن في كل من أفتى من الصحابة بالاجتهاد، وقال: إن ذلك منهم إنما كان لأجل أمرين: إما لجهلهم بأن ذلك لا يحل لهم، وإما لأنهم أرادوا أن يكونوا زعماء وأرباب مذاهب تنسب إليهم. فنسب خيار الصحابة إلى الجهل أو النفاق.
ثم إنه أبطل إجماع الصحابة ولم يره حجة، وأجاز أن تجتمع الأمة على الضلالة (^٣).
وأيضا - كان زعيمهم واصل بن عطاء الغزال يشكك في عدالة علي وابنيه، وابن عباس، وطلحة، والزبير، وعائشة وكل من شهد حرب الجمل من الفريقين، فقال مقالته المشهورة: لو شهد عندي علي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهما؛ لعلمي بأن أحدهما فاسق ولا أعرفه بعينه. ووافقه على ذلك صاحبه عمرو بن عبيد وزاد عليه بأن قطع بفسق كل من الفريقين.
وأما الخوارج فتكفيرهم لعلي وأكثر الصحابة ﵃ واستباحتهم لدمائهم وأموالهم مشهور معلوم، بل ساقوا الكفر إلى كل من أذنب من هذه الأمة.
أما الشيعة فشعارهم الطعن في سائر الصحابة - عدا آل البيت - وغلاتهم من السبئية
_________________
(١) «الغنية» (ص ٧١)، مكة المكرمة، المطبعة الميرية، ١٣١٤ هـ.
(٢) الفرق بين الفرق للبغدادي ٣١٨ وما بعدها
(٣) فضل الإجماع ص ١٤٠
[ ٢ / ٥٤٨ ]
والبيانية وغيرهم قد حكم علماء الإسلام عليهم بالردة والخروج من الدين بالكلية.
والإمامية منهم ادعت ردة أكثر الصحابة بعد النبي ﷺ.
والأشاعرة ونحوهم من المتكلمين ممن يدعي في طريقة الخلف العلم والإحكام، وفي طريقة السلف السلامة دون العلم والإحكام، يلزمهم تجهيل السلف من الصحابة والتابعين وهو طعن فيهم من هذا الوجه. ولهذا قال ابن تيمية ﵀ -بعد أن حكى عنهم هذا الكلام-: "ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض" (^١). (^٢)
فالخوارج طعنوا في أصحابِ النبي، طعنوا ما طعنوا وكفَّروا ما كفَّروا.
وكذلك جاء من بعدهم المعتزلة حتى يقول العمرو بن عبيد: "لو جاءَ كلا الفريقين عليّ ومَن معه، ومعاوية ومَن معه، يشهدون عندي على حزمة بَقْل ما قبلت شهادةَ أحدٍ منهم" فطعنوا بها في هذه المرجعية، وأطلق عمرو بن عبيد على ابنِ عمر أنه من الحشوية.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٤/ ١٥٧
(٢) المصدر موقع الدرر السنية الموسوعة العقدية
[ ٢ / ٥٤٩ ]