«وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها، أعني: الذين يقولون: ليس لها في الباطن مدلول هو صفة الله تعالى قط، وأن الله لا صفة له ثبوتية؛ بل صفاته إما سلبية وإما إضافية، وإما مركبة منهما».
وأمَّا القسمان اللذان ينفيان ظاهر نصوص الصفات فهؤلاء قسمان:
- فالقسم الأول مَنْ يقول: إن الله لا صفة له ثبوتية، بل صفاته إمَّا سلبية وإما إضافية أو مركَّبة منهما، أي: من السلب والإضافة، فهذا صنف وهم الجهمية وغلاة المعطِّلة، غلاة المعطِّلة بما فيهم الجهمية والفلاسفة بسبب أصنافهم، سواء أصحاب الفلسفة البحتة أو الباطنية؛ سواء باطنية الصوفية أو باطنية الرافضة، فهؤلاء لا يَصفون الله ﷿ بصفة ثبوتية، بل غايتهم أنهم إما أن يصفوه بالسلب أو بالإضافة، كما يقولون: الإضافة المقصود بها الأمور النسبية، كقولهم: واجد الوجود، أو العلة الفاعلة، أو نحو هذه من العبارات، فهذه يُطلقونها على الله ﷾ على أنها أمور نسبية إضافية.
فإما أن يقولوا: لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوقه، ولا تحته، وهذه السلبيات. وإما أن يقولوا: أنه واجد الوجود، أو العلة الفاعلة، وغير ذلك من العبارات الأخرى، وهذه إنما هي من باب النسب والإضافات، وإذا قلنا: نسب وإضافات أنها يعني باعتبار ما للمخلوق، فيسمونه العلة الفاعلة باعتبار أن هناك خلقًا موجودًا، فبالتالي ما يضاف إلى هذا الخالق الذي أوجد هذا الخلق يقولون عنه: إنه علة فاعلة. فهذا قول.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
«أو يثبتون بعض الصفات وهي الصفات السبعة أو الثمانية أو الخمسة عشر، أو يُثبتون الأحوال دون الصفات، ويقرون من الصفات الخبرية بما في القرآن دون الحديث على ما قد عرف من مذاهب المتكلمين».
القسم الثاني: أو يثبتون بعض الصفات، وأراد هنا الصفاتية وهم الكلابية، والأشاعرة، والماتريدية. وجعلهم عدة أصناف.
الصنف الأول: «أو يثبتون بعض الصفات وهي الصفات السبعة أو الثمانية أو الخمسة عشر» وهذا قول الأشاعرة المتأخرين والماتريدية؛ لأنه قال: وهي الصفات السبعة، أي: العلم، والكلام، والحياة، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر
أو الثمانية؛ عند الماتريدية صفة التكوين، وعند بعض الأشاعرة صفة الإدراك، فتصبح ثمانية.
أو الخمسة عشر، أي: بتكرار السبع الأولى وهي كونه حيًا، عليمًا، قادرًا، سميعًا، بصيرًا، مريدًا، متكلمًا، فيكرر هذه السبعة فيصبح المجموع خمسة عشر.
الصنف الثاني: «أو يُثبتون الأحوال دون الصفات»، ويريد بهم بعض المعتزلة كأبي هاشم الجبائي.
وأما مذهب الأشعرية في الأحوال، فجمهورهم على نفيه، وخالف في ذلك الجويني أولًا ثم رجع عن قوله، والقاضي أبو بكر قاله قولا مستمرا، وكذلك من المتأخرين السنوسي، قيل إنه رجع عنه، ولكنه ليس في شيء من كتبه، وإنما يحكى عنه.
قال ابن تيمية: " وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَأَتْبَاعُهُ يُثْبِتُونَ الْأَحْوَالَ وَالصِّفَاتِ" (^١).
الصنف الثالث: «ويقرون من الصفات الخبرية بما في القرآن دون الحديث»، فمن هؤلاء من يقر بصفاته الخبرية الواردة في القرآن دون الحديث، كما عليه كثير من أهل
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ٥/ ٣٣٨.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
الكلام والفقه وطائفة من أهل الحديث، ومنهم من يقر بالصفات الواردة في الأخبار -أيضًا- في الجملة، لكن مع نفي لبعض ما ثبت بالنصوص وبالمعقول، وذلك كأبي محمد بن كلاب ومن اتبعه، وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف، وهؤلاء إلى أهل السنة المحضة أقرب منهم إلى الجهمية والرافضة والخوارج والقدرية، لكن انتسب إليهم طائفة هم إلى الجهمية أقرب منهم إلى أهل السنة المحضة، فإن هؤلاء ينازعون المعتزلة نزاعًا عظيمًا فيما يثبتونه من الصفات وأعظم من منازعتهم سائر أهل الإثبات فيما ينفون.
وأمَّا "المتأخرون" فإنهم والوا المعتزلة وقاربوهم أكثر، وقدموهم على أهل السنة والإثبات، وخالفوا أوليهم، ومنهم من يتقارب نفيه وإثباته، وأكثر النَّاس يقولون: إن هؤلاء يتناقضون فيما يجمعونه من النفي والإثبات. " (^١)
فهذه مذاهب المتكلمين كما أسلفنا، وبعد هذا قسمهم إلى قسمين في تعاملهم مع ما ينفون من نصوص الصفات.
والقول بالتفويض لم يكن معروفًا عند الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم، وبخلاف القول بالتأويل فهو السائد بين طوائف المعطلة جميعًا، بل إن تأويلات الأشاعرة بعينها هي تأويلات الجهمية، وهذا سبق بيانه في مواطن أخرى.
وظهور مقالة التفويض إنما هو مرتبط بالقسم الثالث وهم الصفاتية والمقصود بهم الكلابية والأشاعرة والماتريدية وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين:
فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها.
والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا" (^٢).
أما الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم فالهدين السببين أي:
عدم قبول النصوص أساسًا في هذا الباب.
ولقولهم بتأويل جميع الصفات دون استثناء.
فإن التفويض لم يُعرف عن الجهمية والمعتزلة القائلين بأن الصفات يمتنع إثباتها لله تعالى.
_________________
(١) التسعينية ١/ ٢٦٤ - ٢٧٩
(٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٦٦).
[ ٢ / ٥٧٦ ]
إلى أن ظهر ما يسمى متكلمة الصفاتية وهم كل من:
الكلابية: أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب (ت ٢٤٣ هـ) (^١)، وقول الحارث المحاسبي (^٢) وأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن الأشعري في طوره الثاني، وقدماء الأشاعرة كأبي الحسن الطبري والباقلاني وابن فورك، وأبي جعفر السمناني ومن تأثر بهم من الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني والتميميين وغيرهم. (^٣).
وهؤلاء يجمعهم أنهم نفاة الصفات الاختيارية المتعلقة بالمشيئة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين:
فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها.
والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا.
فأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها. ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري وغيرهما.
وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه ثم قيل عن الحارث: إنه رجع عن قوله" (^٤).
فهذا النهج الذي أحدثه ابن كلاب هو ما صار يعرف فيما بعد بمنهج متكلمة الصفاتية لأن ابن كلاب كان في طريقته يميل إلى مذهب أهل الحديث والسنة، لكن
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٥٥).
(٢) -قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الحارث المحاسبي يوافقه -أي يوافق ابن كلاب-ثم قيل إنه رجع عن موافقته؛ فإن أحمد بن حنبل أمر بهجر الحارث المحاسبي وغيره من أصحاب ابن كلاب لما أظهروا ذلك، كما أمر السري السقطي الجنيد أن يتقى بعض كلام الحارث؛ فذكروا أن الحارث ﵀ تاب من ذلك. وكان له من العلم والفضل والزهد والكلام في الحقائق ما هو مشهور وحكى عنه أبو بكر الكلاباذي صاحب (مقالات الصوفية): (أنه كان يقول إن الله يتكلم بصوت)، وهذا يوافق قول من يقول: إنه رجع عن قول ابن كلاب). مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢١، ٥٢٢.
(٣) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١١، ٦/ ٥٢، ٥٣، ٤/ ١٤٧، شرح الأصفهانية ص ٧٨
(٤) درء تعارض العقل والنقل (٢/ ١).
[ ٢ / ٥٧٧ ]
كان في طريقته نوع من البدعة، لكونه أثبت قيام الصفات بذات الله، ولم يثبت قيام الأمور الاختيارية بذاته.
وقد كانت له جهود في الرد على الجهمية (^١) ولكنه ناظرهم بطريق قياسية سلم لهم فيها أصولًا هم واضعوها من امتناع تكلمه تعالى بالحروف، وامتناع قيام الصفات الاختيارية بذاته مما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال والكلام وغير ذلك. (^٢) فأصبح بعد ذلك قدوة وإمامًا لمن جاء بعده من هذا الصنف الذين أثبتوا الصفات وناقضوا نفاتها، لكن شاركوهم في بعض أصولهم الفاسدة التي أوجبت فساد بعض ما قالوه من جهة المعقول ومخالفته لسنة الرسول". (^٣)
وهؤلاء يسموْن الصفاتية لأنهم يثبتون صفات الله تعالى خلافًا للمعتزلة، لكنهم لم يثبتوا لله أفعالًا تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته، بل ولا غير الأفعال مما يتعلق بمشيئته وقدرته. (^٤) وأصلهم الذي أصلوه في هذا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته (^٥) لا فعل ولا غير فعل. (^٦)
والفرق بينهم وبين المعتزلة:
أن المعتزلة تقول: (لا تحله الأعراض والحوادث) فالمعتزلة لا يريدون [بالأعراض] الأمراض والآفات فقط، بل يريدون بذلك الصفات. ولا يريدون [بالحوادث] المخلوقات، ولا الأحداث المحيلة للمحل ونحو ذلك -مما يريده الناس بلفظ الحوادث-بل يريدون نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها فلا يجوزون أن يقوم به خلق، ولا استواء، ولا إتيان، ولا مجيء، ولا تكليم، ولا مناداة، ولا مناجاة، ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه.
ولكن ابن كلاب ومن وافقه خالفوا المعتزلة في قولهم: "لا تقوم به الأعراض" وقالوا: "تقوم به الصفات ولكن لا تسمى أعراضًا".
ووافقوا المعتزلة على ما أرادوا بقولهم: لا تقوم به الحوادث من أنه لا يقوم به أمر من الأمور المتعلقة بمشيئته. (^٧)
ففرقوا بين الأعراض -أي الصفات-والحوادث-أي الأمور المتعلقة
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٦٦).
(٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٧٦).
(٣) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٦٦).
(٤) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠.
(٥) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٤.
(٦) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٢.
(٧) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠، ٥٢١.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
بالمشيئة. (^١) (^٢)
فالكلابية ومن تبعهم ينفون صفات أفعاله (^٣)، ويقولون: "لو قامت به لكان محلًا للحوادث،
والحادث إن أوجب له كمالًا فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن لم يوجب له كمالًا لم يجز وصفه به. (^٤)
ولتوضيح قولهم نقول: إن المضافات إلى الله سبحانه في الكتاب والسنة لا تخلو من ثلاثة أقسام:
القسم الأول: إضافة الصفة إلى الموصوف
كقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء مِنْ علمه﴾ (^٥) وقوله: ﴿إن الله هو الرَّزَّاق ذو القوَّة﴾ (^٦) فهذا القسم يثبته الكلابية ولا يخالفون فيه أهل السنة، وينكره المعتزلة.
والقسم الثاني: إضافة المخلوق.
كقوله تعالى: ﴿ناقة الله وسقياها﴾ (^٧) وقوله تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين﴾ (^٨) وهذا القسم لا خلاف بين المسلمين في أنه مخلوق.
والقسم الثالث: -وهو محل الكلام هنا-ما فيه معنى الصفة والفعل
كقوله تعالى: ﴿وكلَّم الله موسى تكليما﴾ (^٩) وقوله تعالى: ﴿إن الله
_________________
(١) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٥.
(٢) -تتميمًا للفائدة فإن الخلاف في هذه المسألة على أربعة أقوال:
(٣) قول المعتزلة ومن وافقهم: أن الله لا يقوم به صفة ولا أمر يتعلق بمشيئته واختياره وهو قولهم: (لا تحله الأعراض ولا الحوادث).
(٤) قول الكلابية ومن وافقهم: التفريق بين الصفات والأفعال الاختيارية فأثبتوا الصفات، ومنعوا أن يقوم به أمر يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل.
(٥) قول الكرامية ومن وافقهم: يثبتون الصفات ويثبتون أن الله تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها.
(٦) قول أهل السنة والجماعة: أثبتوا الصفات والأفعال الاختيارية وأن الله متصف بذلك أزلًا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة. وهذا هو الصحيح. مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠، ٥٢٥، ١٤٩.
(٧) -الصفات الفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، أو التي تنفك عن الذات: كالاستواء، والنزول، والضحك، والإتيان، والمجيء، والغضب والفرح. مجموع الفتاوى ٦/ ٦٨، ٥/ ٤١٠.
(٨) -مجموع الفتاوى ٦/ ٦٩، وانظر الرد على هذه الشبهة ٦/ ١٠٥.
(٩) -الآية ٢٥٥ من سورة البقرة.
(١٠) -الآية ٥٨ من سورة الذاريات.
(١١) -الآية ١٣ من سورة الشمس.
(١٢) -الآية ٢٦ من سورة الحج.
(١٣) -الآية ١٦٤ من سورة النساء.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
يحكم ما يريد﴾ (^١) وقوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بغضب على غضب﴾ (^٢)
فهذا القسم الثالث لا يثبته الكلابية ومن وافقهم على زعم أن الحوادث لا تحل بذاته. فهو على هذا يلحق عندهم بأحد القسمين قبله فيكون:
١ - إما قديمًا قائمًا به.
٢ - وإما مخلوقًا منفصلًا عنه.
ويمتنع عندهم أن يقوم به نعت أو حال أو فعل ليس بقديم ويسمون هذه المسألة: «مسألة حلول الحوادث بذاته» (^٣) وذلك مثل صفات الكلام، والرضا، والغضب، والفرح، والمجيء، والنزول والإتيان، وغيرها. وبالتالي هم يؤولون النصوص الواردة في ذلك على أحد الوجوه التالية:
الوجه الأول: إرجاعها إلى الصفات الذاتية واعتبارها منها، فيجعلون جميع تلك الصفات قديمة أزلية، ويقولون: نزوله، ومجيئه وإتيانه، وفرحه، وغضبه، ورضاه، ونحو ذلك: قديم أزلي (^٤) وهذه الصفات جميعها صفات ذاتية لله، وإنها قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته واختياره. (^٥)
الوجه الثاني: وإما أن يجعلوها من باب «النسب» و«الإضافة» المحضة بمعنى أن الله خلق العرش بصفة تحت فصار مستويًا عليه، وأنه يكشف الحجب التي بينه وبين خلقه فيصير جائيًا إليهم ونحو ذلك. وأن التكليم إسماع المخاطب فقط. (^٦)
فهذه الأمور من صفات الفعل منفصلة عن الله بائنة وهي مضافة إليه، لا أنها صفات قائمة به. ولهذا يقول كثير منهم: "إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات، وينكرون على من يقول آيات الصفات وأحاديث الصفات. (^٧)
الوجه الثالث: أو يجعلوها «أفعالًا محضة» في المخلوقات من غير إضافة ولا نسبة. (^٨)
مثل قولهم في الاستواء إنه فعل يفعله الرب في العرش بمعنى أنه يحدث في العرش قربًا فيصير مستويًا عليه من غير أن يقوم بالله فعل اختياري. (^٩)
_________________
(١) -الآية ١ من سورة المائدة.
(٢) -الآية ٩٠ من سورة البقرة.
(٣) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٤، ١٤٧.
(٤) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١٢.
(٥) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١٠.
(٦) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٩.
(٧) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١١، ٤١٢.
(٨) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٩.
(٩) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤٣٧، الأسماء والصفات للبيهقي ص ٥١٧.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
وكقولهم في النزول إنه يخلق أعراضًا في بعض المخلوقات يسميها نزولًا. (^١)
ونفاة الصفات الاختيارية يثبتون الصفات التي يسمونها عقلية وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. واختلفوا في صفة البقاء.
ويثبتون في الجملة الصفات الخبرية كالوجه، واليدين، والعين ولكن إثباتهم لها مقتصر على بعض الصفات القرآنية، على أن بعضهم إثباته لها من باب التفويض.
وأما الصفات الخبرية الواردة في السنة كاليمين، والقبضة، والقدم، والأصابع فأغلب هؤلاء يتأولها. (^٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عندهم: إثبات كل صفة في القرآن.
وأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها. (^٣)
فابن كلاب أحدث مذهبًا جديدًا، فيه ما يوافق السلف وفيه ما يوافق المعتزلة والجهمية. وبذلك يكون قد أسس مدرسة ثالثة وهي مدرسة «الصفاتية» التي اشتهرت بمذهب الإثبات، لكن في أقوالهم شيء من أصول الجهمية (^٤).
وقد سار على هذا النهج القلانسي، والأشعري، والمحاسبي، وغيرهم، وهؤلاء هم سلف الأشعري والأشاعرة القدماء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكان أبو محمد بن كلاب هو الأستاذ الذي اقتدى به الأشعري في طريقه هو وأئمة أصحابه، كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي، وأبي سليمان الدمشقي، وأبي حاتم البستي" (^٥)
فابن كلاب هو إمام الأشعرية الأول، وكان أكثر مخالفة للجهمية، وأقرب إلى
_________________
(١) -مجموع الفتاوى ٥/ ٣٨٦.
(٢) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/ ١٠٣٤، ١٠٣٦.
(٣) -مجموع الفتاوى ٤/ ١٤٧، ١٤٨.
(٤) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٦).
(٥) منهاج السنة (٢/ ٣٢٧).
[ ٢ / ٥٨١ ]
السلف من الأشعري (^١).
ولكن هذا النهج الكلابي ابتعد شيئًا فشيئًا عن منهج السلف، وأصبح يقرب أكثر فأكثر إلى نهج المعتزلة وذلك على يد وارثيه من الأشاعرة.
فابن كلاب كما أسلفنا كان أقرب إلى السلف من أبي الحسن الأشعري، وأبو الحسن الأشعري أقرب إلى السلف من القاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي أبو بكر وأمثاله أقرب إلى السلف من أبي المعالي الجويني وأتباعه (^٢).
ولهذا يوجد في كلام الرازي والغزالي ونحوهما من الفلسفة مالا يوجد في كلام أبي المعالي الجويني وذويه، ويوجد في كلام الرازي والغزالي والجويني من مذهب النفاة المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي الحسن الأشعري وقدماء أصحابه، ويوجد في كلام أبي الحسن الأشعري من النفي الذي أخذه من المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي محمد بن كلاب الذي أخذ أبو الحسن طريقته.
ويوجد في كلام ابن كلاب من النفي الذي قارب فيه المعتزلة ما لا يوجد في كلام أهل الحديث والسنة والسلف والأئمة. وإذا كان الغلط شبرًا صار في الأتباع ذراعًا ثم باعًا حتى آل إلى هذا المآل والسعيد من لزم السنة (^٣).
وقد تلاشت الكلابية كفرقة، لكن أفكارها حملت بواسطة الأشاعرة، فقد احتفظ الأشعري وقدماء أصحابه بأفكار الكلابية ونشروها، وبذلك اندرست المدرسة الكلابية الأقدم تاريخًا والأسبق ظهورًا في الأشعرية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والكلابية هم مشايخ الأشعرية، فإن أبا الحسن الأشعري إنما اقتدى بطريقة أبي محمد بن كلاب، وابن كلاب كان أقرب إلى السلف زمنًا وطريقة. وقد جمع أبو بكر بن فورك (ت ٤٠٦ هـ) كلام ابن كلاب والأشعري وبين اتفاقهما في الأصول" (^٤).
فالكلابية أسبق في الظهور من الأشاعرة والماتريدية، فقد نشأت الكلابية في منتصف القرن الثالث، وهي أول الفرق الكلامية بعد الجهمية والمعتزلة، فقد توفي ابن كلاب سنة (٢٤٣ هـ).
ويعتبر أبو الحسن الأشعري امتدادًا للمذهب الكلابي فأبو الحسن الأشعري الذي عاش في الفترة ما بين (٢٦٠ هـ -٣٢٤ هـ) كان معتزليًا إلى سن الأربعين، حيث عاش
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٢، ٢٠٣).
(٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٣).
(٣) بغية المرتاد (ص ٤٥١).
(٤) الاستقامة (١/ ١٠٥).
[ ٢ / ٥٨٢ ]
في بيت أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة في البصرة، ثم رجع عن مذهب المعتزلة وسلك طريقة ابن كلاب وتأثر بها مدة طويلة، ولعل السبب في ذلك أنه وجد في كتب ابن كلاب وكلامه بغيته من الرد على المعتزلة وإظهار فضائحهم وهتك أستارهم، وكان ابن كلاب قد صنف مصنفات رد فيها على الجهمية والمعتزلة وغيرهم. ولكن فات الأشعري أن ابن كلاب وإن رد على المعتزلة وكشف باطلهم وأثبت لله تعالى الصفات اللازمة، فقد وافقهم في إنكار الصفات الاختيارية التي تتعلق بمشيئته تعالى وقدرته، فنفى كما نفت المعتزلة أن الله يتكلم بمشيئته وقدرته. كما نفى أيضًا الصفات الاختيارية مثل الرضى، والغضب، والبغض، والسخط وغيرها.
وقد مضى الأشعري في هذا الطور نشيطًا يؤلف ويناظر ويلقى الدروس في الرد على المعتزلة سالكًا هذه الطريقة.
وقال ابن تيمية: "أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كُلاَّب البصري، وأبو الحسن الأشعري كانا يخالفان المعتزلة ويوافقان أهل السنة في جمل أصول السنة. ولكن لتقصيرهما في علم السنة وتسليمهما للمعتزلة أصولًا فاسدة، صار في مواضع من قوليهما مواضع فيها من قول المعتزلة ما خالفا به السنة، وإن كانا لم يوافقا المعتزلة مطلقًا" (^١).
وقال أيضًا: "والذي كان أئمة السنة ينكرونه على ابن كلاب والأشعري بقايا من التجهم والاعتزال، مثل اعتقاد صحة طريقة الأعراض وتركيب الأجسام، وإنكار اتصاف الله بالأفعال القائمة التي يشاؤها ويختارها، وأمثال ذلك" (^٢).
وبعد هذا البيان المفصل عن متكلمة الصفاتية نعود لأصل الموضوع في بيان علاقة القول بالتفويض لمعاني النصوص بهؤلاء، فهذه العلاقة تتضح من خلال تعامل هؤلاء مع نصوص الكتاب والسنة حيث تمثل هذا التعامل في أن نفاة الصفات الاختيارية يتلخص قولهم في النقاط الآتية:
أولًا: يثبتون الصفات التي يسمونها عقلية وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. واختلفوا في صفة البقاء.
ثانيًا: ويثبتون في الجملة الصفات الخبرية كالوجه، واليدين، والعين ولكن إثباتهم لها مقتصر على بعض الصفات القرآنية، على أن بعضهم إثباته لها من باب التفويض.
_________________
(١) الاستقامة (١/ ٢١٢).
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٩٧).
[ ٢ / ٥٨٣ ]
ثالثًا: أما الصفات الخبرية الواردة في السنة كاليمين، والقبضة، والقدم، والأصابع فأغلب هؤلاء يتأولها. (^١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عندهم: إثبات كل صفة في القرآن.
وأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها. (^٢)
_________________
(١) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/ ١٠٣٤، ١٠٣٦.
(٢) -مجموع الفتاوى ٤/ ١٤٧، ١٤٨.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
«فهؤلاء قسمان:
- قسم يتأولونها ويعينون المراد؛ مثل قولهم: استوى بمعنى: استولى، أو بمعنى: علو المكانة والقدر، أو بمعنى: ظهور نوره للعرش، أو بمعنى: انتهاء الخلق إليه، إلى غير ذلك من معاني المتكلفين.
- وقسم يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية عما علمناه».
وبناءً على إنكار هذه الصفة أو إنكار ما جاء في النص الذي جاء بهذه الصفة، لهم مع النص يعني أحد طريقين:
الطريق الأول: مسلك التأويل، وهو أنهم يعينون المراد من هذا النص، على خلاف ظاهره كما يقولون: استوى استولى، وكما قالوا في اليد بمعنى النعمة والقدرة، أو أن الاستواء فعل يفعله الله في العرش وسائر التأويلات التي قالوها في هذا الباب، وهذا طريق، يسمى مسلك التحريف والتأويل
وله وضع المتكلمون قوانين في ذلك فيقول الرازي: «إن آيات التشبيه كثيرة لكنها لما كانت معارضة بالدلائل العقلية، لا جرم أوجبنا صرفها عن ظواهرها، وأيضًا فعند حصول التعارض بين ظواهر النقل وقواطع العقل لا يمكن تصديقهما معًا وإلا لزم تصديق النقيضين، ولا ترجيح النقل على القواطع العقلية؛ لأن النقل لا يمكن التصديق به إلا بالدلائل العقلية، فترجيح النقل على العقل يقتضي الطعن في العقل والنقل معًا وإنه محال، فلم يبقَ إلا القسم الرابع وهو القطع بمقتضيات الدلائل العقلية القطعية، وحمل الظواهر النقلية على التأويل، فثبت بهذا أن الدلائل النقلية يتوقف الحكم بمقتضاها على عدم المعارض العقلي» (^١).
الطريق الثاني: مسلك التفويض.
_________________
(١) (المطالب العالية ص ٣٠٩_٣١٠)
[ ٢ / ٥٨٥ ]
فهؤلاء قالوا: إن هذه النصوص على خلاف ظاهرها، والمراد منها لا يعلمه إلا الله. فسكتوا عن بيان المراد منها زعمًا منهم أنه لا يعلم ذلك إلا الله ﷾.
فهم في هذا يخيرون أنفسهم بين طريقين: إما أن يأوِّل، وإما أن يفوِّض كما يقول ناظمهم في هذا، يقول اللقاني ناظم جوهرة التوحيد، يقول في هذا:
«وكل نص أوهم التشبيها … أوله أو فوِّض ورُم تنزيها «(^١)
ويقول شارحها البيجوري: «الحاصل أنه إذا ورد في القرآن أو السنة ما يشعر بإثبات الجهة أو الجسمية أو الصورة أو الجوارح، اتفق أهل الحق وغيرهم ما عدا المجسِّمة والمشبهة، على تأويل ذلك لوجوب تنزيهه تعالى عما دلَّ عليه ما ذكر بظاهره» اه.
فالغاية واحدة وهي على حد زعمهم تنزيه الله ﷿ عن صفة اليد مثلًا، أو تنزيهه عن صفة الاستواء.
لكن بعد ذلك طريقهم في هذا على أحد أمرين: إما أن يقولوا: استوى بمعنى استولى، أو اليد بمعنى النعمة أو القدرة، أو يسكت عن ذلك فيقول: الله أعلم بمراده لكن النتيجة واحدة، وهي إنكار الاستواء، وإنكار صفة اليد.
والفرق بين المفوض والمؤول أن المفوِّض يصرف اللفظ عن المعنى الراجح: لكن لا إلى معنى، بينما المؤول يصرف اللفظ عن المعنى الظاهر الراجح إلى معنى مرجوح، فيتفقان في صرف اللفظ عن المعنى المتبادر، ويفترقان في أن أحدهما يعطيه معنى آخر محتملًا، والثاني يمنع عنه المعنى، ولكنهم في النهاية يلتقون عند نتيجة مشتركة، وهي: رفض وصف الله بما وصف به نفسه وتنزيهه عما وصف به نفسه.
وقد أراد المفوض التخلص من أذى التأويل - بل التحريف - الذي يمرض القلوب فوقع في مرضٍ آخر هو التفويض الذي حقيقته تجاهل معاني أسماء الله وصفاته والادعاء بأن الله أنزلها ولم يرد منا معرفة معناها فجهلها رسول الله ﷺ وأصحابه، وكان ﷺ يحفظ أسماءً مجردة عن المعاني.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأبو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات -أي الصفات الخبرية-موافقة للمعتزلة والجهمية. ثم لهم قولان:
أحدهما: تأويل نصوصها، وهو أول قولي أبي المعالي، كما ذكره في الإرشاد.
_________________
(١) جوهرة التوحيد ص ٥٦.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
والثاني: تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخر قولي أبي المعالي كما ذكره في "الرسالة النظامية" وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن التأويل ليس بسائغ ولا واجب.
ثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول: إن العقل الصريح نفى هذه الصفات. ومنهم من يقف ويقول: ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي، لا على إثباتها ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي). (^١)
القائلين بالتفويض هم على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية عما علمناه.
فهؤلاء سكتوا عن بيان المراد منها زعمًا منهم أنه لا يعلم ذلك إلا الله ﷾، فقالوا: إن هذه النصوص على خلاف ظاهرها، والمراد منها لا يعلمه إلا الله.
وأما القسمان الأخران فهما ما ذكرهما المصنف بقوله:
_________________
(١) -درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٤٩.
[ ٢ / ٥٨٧ ]