الخوف والرجاء
واركع إذا الليل دجى ركوع خوف ورجا:
هذا من مباحث العقيدة لبيان أن المسلم يدور أمره في الحياة بين الخوف والرجاء، وهو في كل شؤون الحياة الدينية والدنيوية يعمل بناء على هذه القاعدة العقدية العظيمة، فإن وقع منه عمل صالح استبشر ورجا الثواب من الله - ﷿ -، وإن وقع في معصية اشتد ندمه على ما فعل خوفا من عقاب الله - ﷿ -، فالجمع بين الخوف والرجاء من
_________________
(١) أخرجه البخاري، حديث (٤٧٢).
[ ٣١ ]
١ - الخوف الطبعي، أو الجبلي
الواجبات الشرعية، لتلازمهما في كمال التوحيد، كتلازم الشهادتين في الإيمان بالله ورسوله، وهذا منهج أهل السنة والجماعة، داعين إليه متمسكين به إلى قيام الساعة.
الخوف:
هو من العبادات القلبية التي يتقرب بها إلى الله تعالى، فهو القائل سبحانه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) وهو ينقسم إلى قسمين:
١ - الخوف الطبعي، أو الجبلّي: وهو الخوف الذي أوجده الله في نفس الإنسان بحكم الطبع البشري، فهذا لا حرج على المسلم من أن يخاف من عدوه، أومن مؤذيات كالحيات والعقارب ونحوها، أو من السباع، أومن نار، أو أي شيء فيه أذى وهلاك، فإن ذلك أمر جبلّي، لا عيب في وجوده، ولا مانع من الأخذ بالأسباب المنجية منه بإذن الله تعالى، ومن هذا القبيل خوف نبي الله موسى - ﵇ -، قال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً
_________________
(١) الآية (١٧٥) من سورة آل عمران.
[ ٣٢ ]
مُوسَى﴾ طه: ٦٧ (١) لم يعنفه الرب سبحانه، بل قال: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ (٢) وقد ذكر الله - ﷿ - هذا النوع من الخوف وأنه يحدث للمؤمنين ابتلاء وتمحيصا قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤) وذكره تعالى في وصف المنافقين فقال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ
_________________
(١) الآية (٦٧) من سورة طه.
(٢) الآية (٦٨) من سورة طه.
(٣) الآية (١٥٥) من سورة البقرة.
(٤) الآية (٢٣) من سورة المائدة.
[ ٣٣ ]
أ - خوف شرعي مأمور به
الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢) إذن هذا النوع خوف جبلي في الإنسان المؤمن وغيره على حدّ سواء، بل يتعدى الإنسان إلى الدواب بكل أشكالها، حتى الأسد مثلا يخاف من صياده ولو قاوم.
٢ - الخوف الشرعي: ينقسم إلى قسمين:
أ - خوف شرعي مأمور به: وهو ما كان على نحو قول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ
_________________
(١) الآية (١٩) من سورة الأحزاب ..
(٢) الآية (٨٣) من سورة النساء.
[ ٣٤ ]
ب - خوف شرعي منهي عنه
لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ (٤) فهذا النوع من الخوف مطلوب شرعا، وهو عبادة لله، يعين على فعل الخير، ويمنع من الوقوع في الشر.
ب - خوف شرعي منهي عنه: وهو الخوف الذي لا يجوز أن يكون إلا من الله وحده لا شريك له، ومن وقع فيه فسبب ذلك الشرك بالله - ﷿ -، وهو ما يقع وله تعلق بالاعتقاد، فيكون في قلب الإنسان الخوف من أي شيء
_________________
(١) الآية (٥١) من سورة الأنعام.
(٢) الآية (٥٠) من سورة النحل.
(٣) الآية (٣٧) من سورة النور.
(٤) الآية (٣٧) من سورة الذاريات.
[ ٣٥ ]
كان أنه ينفع ويضر من دون الله - ﷿ -، فيعمل أعمالا يتقرب بها إليه خوفا من أن يصيبه بمكروه، وسواء كان المخوف منه من الإنس أو الجن أو غير ذلك من المخلوقات، فإنه من الشرك الذي حرم الله الجنة على أهله، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (٢) ونفي المغفرة يقتضي عدم دخول الجنة، فمن أفرد الرب سبحانه، بالخوف في أمر النفع والضر فقد حقق التوحيد لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣) لأن أمر الله تعالى لعباده بعدم الخوف من الشيطان وأوليائه، هو أمربأحد أفراد التوحيد وهو الخوف منه دون سواه، وهو
_________________
(١) من الآية (٧٢) من سورة المائدة.
(٢) الآية (٤٨) من سورة النساء.
(٣) من الآية (١٧٥) من سورة آل عمران.
[ ٣٦ ]
في نفس الأمر نهي عن أحد أفراد الشرك، كالخوف من الشيطان وأوليائه، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) هذا دليل على أن الخوف عبادة يجب أن يوحد الله تعالى بها، على حد قول الرسول - ﷺ - لابن عباس - ﵁ -: (يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وان اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) (٢) ولذلك أثنى الله على بعض عباده فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ
_________________
(١) من الآية (١٧٥) من سورة آل عمران ..
(٢) أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
[ ٣٧ ]
وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) ومنه ما كان على نحو قول الله تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ (٣).
الرجاء:
الأصل فيه قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٤)، وقوله سبحانه تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ
_________________
(١) الآية (٥٤) من سورة المائدة.
(٢) الآية (٥٠) من سورة النور.
(٣) الآية (٥٣) من سورة المدثر.
(٤) الآية (٥٣) من سورة الزمر.
[ ٣٨ ]
رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ (١) وقول الله سبحانه تعالى: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) هذا التوجيه الرباني إلى عدم القنوط واليأس من روح الله تربية للمؤمنين على أن رحمة الله واسعة، منبها على أن ملازمة القنوط واليأس لا تكون إلا من الكافرين، الذين لم يعرفوا رحمة الله ولا فضله وإحسانه، فوقعوا في هذه الصفة الذميمة، فنتج عن أمنهم من مكر الله سبحانه، عدم خوفهم من الله - ﷿ -، وقد حذر الله من ذلك فقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٣) ولا يتم الخوف والخشية إلا لمن عرف الله - ﷿ -، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (٤).
_________________
(١) الآية (٥٦) من سورة الحجر.
(٢) الآية (٨٧) من سورة يوسف.
(٣) الآية (٩٩) من سورة الأعراف.
(٤) من الآية (٢٨) من سورة فاطر.
[ ٣٩ ]
وقد يرد سؤال بناء على هذا الترغيب من الله - ﷿ - في الرجاء، فيقال: أيهما أولى بالمسلم تغليب الخوف أم الرجاء؟ .
والجواب أن الإنسان لا يخلو من إحدى ثلاث:
١ - إما أن يكون من الصالحين المسارعين إلى فعل الطاعات، وهو في صحة وعافية، فهذا يتساوى في حقه الخوف والرجاء، فلا ينفصل أحدهما عن الآخر، فالرجاء في حقه قائم باعتباره صاحب طاعة، وعمل صالح، وهو من أهل السلامة والعافية، وكذلك الخوف قائم باعتبار الحذر من سوء العاقبة، أو الخاتمة.
٢ - وإما أن يكون العكس، قلة الطاعة، وضعف المبادرة إلى الخيرات، فهذا يغلّب جانب الخوف، فيجب أن يخاف أن يدركه الأجل وهو على حال تؤول به إلى سوء الخاتمة، وتغليب الخوف يجعله يترك العصيان، ويبادر بالتوبة، وإن كان الرجاء قائم في حقه لكنه أضعف من الخوف.
٣ - وإما أن يكون في حال صحة متردية، وضعف مستمر، فيجب عليه أن يغلّب الرجاء، وإن كان الخوف في حقه قائما لكنه أضعف من الرجاء، لما ورد في حديث جابر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - قبل موته بثلاثة أيام، يقول: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله - ﷿ -) (١).
_________________
(١) أخرجه مسلم حديث (٢٨٧٧).
[ ٤٠ ]
وعدِّ في سفن النجا إلى الفضاء الأوسع:
أي: أدخل واركب مطية تنجيك من الهلاك، وقد شبه الناظم ﵀ الطاعات فرضا ونفلا، شبّهها بالسفن التي تعبر بمن امتطاها الأنهار والبحار والمحيطات، وقد أوردها الناظم بلفظ الجمع دون المفرد إيماء إلى أن كل طاعة يجريها العبد قاصدا بها وجه الله - ﷿ -، فهي سفينة نجاة في حد ذاتها، لكنها لا تغني عن المجموع المطلوب منها قدر الوسع والطاقة، فهي في الحقيقة سفن في سفينة واحدة، هي العمل بالكتاب والسنة، ولا تكون الطاعات منجية إلا إذا كانت مبنية على عقيدة صحيحة، بهذا يصل المسلم إلى الفضاء الأوسع، وهو الدار الآخرة، والمراد الجنة وما فيها من الرحابة والسعة، والنعيم صفة لها، ولا يقال ذلك للنار أجارنا الله منها، لأنها موصوفة بدار الجحيم والعذاب الأليم، وذلك من الضيق وليس من السعة في شيء.
[ ٤١ ]