وهذه الحكاية لا يثبتُ بها حكم شرعيّ، لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان سُنة لكان السابقون إليه أسْبَق وبه أعلم.
فصلٌ (^١)
لو أُقْسِمَ على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهم؛ لنُهِىَ عن ذلك، كما لا يُقْسَم بمخلوق مطلقًا، وهذا القسم منهيٌّ عنه غير مُنْعَقِد باتفاق، ولم يتنازعوا إلا بالنبي -ﷺ- خاصة، فإن فيه قولين في مذهب أحمد، وبعضُ أصحابه كابن عقيل طَرَدَ الخلافَ في سائر الأنبياء، والذي عليه الجمهور؛ کمالك والشافعي وأبي حنيفة: أنه لا تنعقد اليمينُ بمخلوق أَلْبته ولا يُقْسَم به، وهذا هو الصواب.
والإقسام على الله بنبيِّه ﷺ مبنيٌّ على هذا الأصل، ففيه هذا النزاع، وقد نُقِل عن أحمد في التوسُّل بالنبي -ﷺ- في "منسك المرُّوذي" ما يُناسبُ قولَه بانعقاد اليمين به؛ لكن الصحيح: أنه لا تنعقد اليمينُ به، فكذلك هذا.
وأما غيره؛ فما علمتُ فيه نزاعًا، واتفقوا على أنه -سبحانه- يُسأل ويُقْسَم عليه بأسمائه وصفاته كما يُقْسَم على غيره بذلك، كالأدعية المعروفة في "السنن": "اللهم إنِّي أسْألُكَ بأنّ لك الحمد، أنتَ اللهُ المنَّانُ، بديع السماواتِ والأرض يا ذا الجلالِ والإكرام" (^٢)، وأما إذا
_________________
(١) "فصل" ليس في "الاقتضاء": (٢/ ٣٠٥).
(٢) أخرجه ابن ماجه رقم (٣٨٥٨)، وأحمد في "مسنده": (١٩/ ٢٣٨ رقم ١٢٢٠٥)، والحاكم: (١/ ٥٠٤) وغيرهم من حديث أنس بن مالك -﵁-. وهو حديث صحيح.
[ ١٨٥ ]
حكم قول «أسألك بمعاقد العز من عرشك»
قال: "أسألك بمعاقِدِ العِزِّ من عَرْشِكَ"، ففيه نزاع (^١)، نُقِل عن أبي حنيفة كراهته (^٢)، فلا يجوز أن يقول: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلِك، وبحق البيت والمَشْعَر؛ لأنه لا حق للمخلوق على الخالق.
أما "معاقدِ العزِّ من عَرْشِك" فقيل: هو سؤالٌ بمخلوق، وقيل: هو سؤال بالخالق، فلذلك تنازعوا فيه، وقد نازع بعضُ الناس، وقالوا في حديث أبي سعيد: "اللهمَّ إنِّي أسألكَ بِحَقِّ السائلينَ عليكَ وبحَقِّ مَمْشايَ هذا " (^٣) الحديث، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] على قراءة الخَفْض (^٤)، كما يقال: سألتك بالله وبالرَّحِم.
وفي "الصحيح" (^٥) أن عمر قال: "اللهم إِنَّا كنَّا إذا أَجْدَبْنا نَتَوسُّلُ إليكَ بِنَبِيِّنا وإنَا نتوسَّلُ إليكَ بِعَمِّ نَبِيِّنا فاسْقِنا".
وفي النسائي والترمذي حديث الأعمى الذي جاء إليه فقال: ادعُ اللهَ لي أن يردَّ بصري، فقال: "توضَّأ (^٦) فَصَلِّ ركعتين ثُمَّ قل: اللهم إني
_________________
(١) والنزاع مبني على أثر موضوع، أخرجه البيهقي في "الدعوات الكبير": (٢/ ١٥٧ - ١٥٨)، وابن الجوزي في "الموضوعات": (٢/ ١٤٢) وقال: "هذا حديث موضوع بلا شك .. " اهـ. وانظر "نصب الراية": (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣).
(٢) نقله في "الاقتضاء" عن أبي الحسين القدوري في "شرح الكرخي"، وانظر "شرح الطحاوية": (١/ ٢٩٧) لابن أبي العز، و"حاشية رد المحتار": (٦/ ٣٩٦).
(٣) أخرجه أحمد: (١٧/ ٢٤٧ رقم ١١١٥٦)، وابن ماجه رقم (٧٧٨) وغيرهم من حديث أبي سعيد -﵁- والحديث ضعيف في سنده فُضيل بن مرزوق وعطية العَوْفي.
(٤) وهي قراءة حمزة.
(٥) أخرجه البخاري رقم (١٠١٠) من حديث أنسٍ -﵁-.
(٦) في "الأصل": "تتوضأ" وهو سهو.
[ ١٨٦ ]
الجواب عن إيرادات في الإقسام على الله ببعض خلقه؟
أسألك وأتوَجَّهُ إليكَ بِنَبِيِّكَ محمدٍ نبيِّ الرحمةِ، يا محمدُ يا نبيّ اللهِ إنِّي أتوجَّهُ بِكَ إلى رَبِّكّ في حاجَتيِ لِتَقْضِيَها، اللهم فَشَفِّعْهُ فِيَّ" (^١) فدعا الله، فردَّ عليه بصَرَه.
والجواب عن هذا أن يُقال:
أولًا: لا ريب أنَّ الله تعالى جعل على نفسه حقًّا لعباده المؤمنين، كما قال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [الروم: ٤٧]، ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]. وفي "الصحيحين" (^٢) أن النبي ﷺ قال لمعاذ بن جَبَل -وهو رديفه-: "يا معاذُ أتَدْرِي ما حقُّ الله على عباده"؟ قلتُ: اللهُ ورسولهُ أعلم. قال: "حَقُّهُ عليهم أنْ يَعْبُدوه ولا يُشْرِكوا بهِ شَيْئًا، أتَدْرِي ما حَقُّ العِبادِ على اللهِ إذا فَعَلوا ذَلِكَ؟ " قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلم. قال: "حَقُّهَم عليه أنْ لا يُعَذِّبَهُم". فهذا حقٌّ وجبَ بكلماته التامة ووعده الصادق.
واتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعده الصادق، وتنازعوا: هل يوجب بنفسه على نفسه؟ على قولين.
وأما الإيجاب عليه بالقياس على خلقِه، فهذا قول القدريَّة، وهو
_________________
(١) أخرجه أحمد: (٢٨/ ٤٧٨ رقم ١٧٢٤٠)، والترمذي رقم (٣٥٧٨)، والنسائي في "الكبرى": رقم (١٠٤٩٥)، وابن ماجه رقم (١٣٨٥) من حديث عثمان بن حنيف -﵁-. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب" وصححه الحاكم وابن خزيمة وغيرهم.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٥٩٦٧)، ومسلم رقم (٣٠) من حديث معاذ بن جبل -﵁-.
[ ١٨٧ ]
قولٌ مُبْتَدَع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول، وأهل السنة متفقون على أنه خالق كل شيءٍ وربّه ومليكه، وأنه ما شاءَ كانَ وما لم يشأ لم يكن، وأن العبادَ لا يوجبون عليه شيئًا، بل كتبَ على نفسهِ الرحمة، وحرَّم على نفسِه الظلم، لا أن العبدَ يستحقُّ على الله شيئًا، كما يكون للمخلوق على المخلوق، بل الله هو المنعِمُ المتفضِّل على العباد بكلِّ خير، هو الخالق لهم، والمرسِل إليهم، والميسِّر لهم الإيمانَ والعملَ الصالح.
وإذا كان كذلك، لم تكن الوسيلة إلا بما منَّ به من فعله وإحسانه، والحقُّ الذي لعباده هو من فضله، ليس من بابِ المعاوضة، ولا من باب ما أوجبه غيرُه عليه.
وإذا سئُل بما جعله هو سببًا للمطلوب، من الأعمال الصالحة التي وعَدَ أصحابها بكرامته، ومن أدعية عباده الصالحين، وشفاعة ذوي الوجاهةِ عنَده؛ فهذا سؤال وتسبُّب بما جعلَه هو سببًا.
وأما إذا سُئل بشيءٍ ليس سببًا للمطلوب؛ فإما أن يكون إقسامًا عليه به، فلا يُقْسَم على الله بمخلوق، وإما أن يكون سؤالًا بما لا يقتضي المطلوب، فيكون عديم الفائدة، فالأنبياء والمؤمنون لهم حقٌّ على الله بوعده الصادق أن يُنَعِّمهم ولا يُعذِّبهم، وهم وُجَهاء عنده يقبل شفاعتهم ودعاءهم ما لا يقبله لغيرهم.
فإذا قال الداعي: "أسألك بحقِّ فلانٍ"، وفلانٌ لم يُدْعُ له، وهو لم يسأله باتباعِهِ لذلكَ الشخصِ ومحبتِه وطاعتِه، بل بنفس ذاتِه وما جعله له ربُّه من الكرامة = لم يكن قد سأله بسببٍ يوجبُ المطلوبَ.
[ ١٨٨ ]
وحينئذٍ فيقال: أما التوسل والتوجه إلى الله، وسؤاله بالأعمال الصالحة التي أَمر بها، كدعاء الثلاثة الذين أووا إلى الغار، وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم، فهذا مما لا نزاع فيه، بل هو من الوسيلة التي أمر بها في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧]، فإنَّ ابتغاء الوسيلةِ هو طلب ما يُتَوَسَّل به، أي: يُتَوَصَّل ويُتَقَرَّب به، سواء كان على وجه العبادة، أو كان على وجه السؤال له والاستعاذة بها، رغبةً إليه في جَلْب المنافعِ ودَفْع المضارِّ.
ولفظُ الدعاء في القرآن يتناول هذا وهذا، كما قال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، فأمر بالاستجابة له والإيمان به، قال بعضهم (^١): "فليستجيبوا لي إذا دعوتُهم، وليؤمنوا بي أني أُجيبُ دعوتَهم"، وبهذين الشيئين تحصل إجابة الدعوة؛ بكمال الطاعة لأُلوهيَّته، وبصحة الإيمان بربوبيته، فمن استجاب لربِّه؛ بامتثال أمره، واجتناب نهيه = حصلَ مقصودُه من الدعاء، فمن دعا موقنًا أنه يُجيب دعوة الداعي إذا دعاه أجابَه، ولو كان مشركًا فاسقًا، كما قال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ [الإسراء: ٦٧].
لكن هولاء الذين يُستجاب لهم لإقرارهم بربوبيَّتِه، وأنه يُجيب دعاءَ المضطر، إذا لم يكونوا مخلصين له الدين في عبادته، ولا مطيعين له ولرسله، كان ما يعطيهم بدعائهم متاعًا في الحياة الدنيا، وما لهم في الآخرة من خَلَاق.
_________________
(١) انظر "تفسير الطبري": (٢/ ١٦٦)، و"الدر المنثور": (١/ ٣٥٦).
[ ١٨٩ ]
وقد ذُكِرَ أن بعض النصارى حاصروا المسلمين فنفدَ ماؤُهم، فاستسقوا من المسلمين وقالوا: ننصرف عنكم، فلم يُسْقوهم، فرفعوا أيديهم وسألوا الله؛ فأمطرت عليهم، فكاد بعض المسلمين أن يَفْتَيِن، فقام فيهم رجلٌ من المسلمين وقال: "اللهم إنَّك تكفَّلت برزق كلِّ دابِّةٍ، وقد أجبتَ دعاءَ هولاء الكفار، لأنهم مضطرون لا لأنك تحبهم فنريد أن ترينا بهم آيةً تُثبِّت الإيمانَ في قلوب عبادك"، فأرسلَ اللهُ عليهم ريحًا فأهلكتهم، أو نحو ذلك.
ومن هذا: من يدعو دعاءً يعتدي فيه، فيُجاب، فما كلُّ من دعا فأُجِيْب يكون ذلك دليلًا على أن عملَه صالح، بل ذلك بمنزلة من يمدهم بالمال والبنين، فلا يُظَنُّ أنه يُسارع لهم في الخيرات، بل لا يشعرون، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ [آل عمران: ١٧٨].
والمقصود: أن دعاء الله قد يكون دعاء عبادةٍ يُثاب العبدُ عليه في الآخرة، وقد يكون دعاء مسألة تُقضي به حاجته، ثم قد يُثاب وقد لا تحصل له إلا تلك الحاجة، وقد تكون سببًا لضرر دينه.
فالوسيلة التي أمر اللهُ بها تعُمُّ الوسيلة في عبادته وفي مسألتهِ، فالتوسل بالأعمال الصالحة وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم ليس من باب الإقسام بمخلوق.
وكذلك استشفاع الناس بالنبي -ﷺ- يوم القيامة، كما كانوا في الدنيا يطلبون منه أن يدعو لهم.
* وقول عمر: "اللهمَّ إنَّا كنا نتوسَّلُ إليكَ بنبيِّنا فتسقينا وإنَّا نتوسُّل
[ ١٩٠ ]
إليك بعمِّ نبيِّنا" (^١)، معناه: نتوسل بدعائه وشفاعته وسؤاله، ونحنُ نتوسُّل إليك بدعاء عمِّه وسؤاله وشفاعته، ليس المراد: أنَّا نُقْسِم عليك به، أو ما يجري هذا المجرى مما يُفْعَل بعد موته وفي مغيبه، كما يقول بعضُ الناس: أسألك بجاه فلان عندك؛ لأنه لو كان كذلك لكان توسُّلهم به أولى من عمِّه ولم يعدلوا إلى العباس، مع علمهم أن السؤال به أعظم من العباس، فَعُلِم أن التوسُّل هو ما يُفْعَل بالأحياء دون الأموات، وهو التوسُّل بدعائهم وشفاعتهم.
* وكذلك حديث الأعمى الذي علمه النبيُّ -ﷺ- أن يسأل الله قبول شفاعة نبيِّه فيه، فيدل على أن النبيَّ شَفَعَ وسألَ، فعلَّمه أن يسأل اللهَ قبول شفاعته، ولهذا قال: اللهم فَشَفِّعْه فيَّ.
فلفظُ التوسُّل فيه إجمال، غَلِطَ فيه من لم يفهم مقصود الصحابة.
يراد به: التسبُّب به لكونه داعيًا وشافعًا، أو لكون الداعي مُحِبًّا له مطيعًا لأمره مقتديًا به، فيكون التسبُّب إما لمحبة السائل له واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته.
ويراد به: الإقسام به والتوسل بذاته، لمجرد الإقسام به على الله.
فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونَهَوا عنه، وكذلك لفظ السؤال قد يُراد به المعنى الأول، وقد يُراد الثاني، ومن الأول: حديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار فدعوا الله بصالح الأعمال (^٢)؛ إذ هي أعظم ما
_________________
(١) تقدم هو وحديث الأعمى بعده في ص / ١٨٧.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٢٢١٥)، ومسلم رقم (٢٧٤٣) من حديث ابن عمر -﵄-.
[ ١٩١ ]
يتوسَّل به العبد إلى الله؛ لأنه وعد أنه يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله، فهولاء دعوه بعبادته وفِعْل ما أَمَر به.
ومن هذا ما يُذكر عن الفُضَيْل أنه أصابَه عُسْر البول، فقال: "بحبِّي لك إلَّا ما فرَّجت عني"، ففرَّج عنه (^١) . وكذلك دعاء المرأة المهاجرة التي أحيا الله ابنها لما قالت: "اللهمَّ إني آمنتُ بكَ وبرسولكَ وهاجرتُ في سبيلك"، وسألَتِ الله أن يُحيي ولدِها (^٢) .
فسؤال الله والتوسل إليه: بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وفِعْل ما يحبه، والعبودية والطاعة له هو من جِنْس فِعْل ذلك رجاءً لرحمةِ الله، وخوفًا من عذابه، وسؤاله بأسمائه وصفاته، كقوله: "أسألُك بأنَّ لكَ الحمدَ أنتَ الله المنانُ أنت اللهُ الأحد الصَّمَدُ" (^٣) ونحو ذلك يكون من باب التسبُّب، فإنه كونه المحمود المنان الصمد يقتضي منَّته على عباده وإحسانَه الذي نحمده عليه، وتوحيدَه في صمديته، فيكون هو السيد المقصود الذي يَصْمُد إليه الناس في حوائجهم، وكل ما سواه مفتقِر إليه، وقد يتضمَّن ذلك معنى الإقسام عليه بأسمائه.
* وأما قوله: "أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا"؛ ففيه ضَعْف (^٤)؛ لكن بتقدير ثبوته هو من هذا الباب، فإن حقَّ السائلين أن يُجِيبهم، وحق المطيعين أن يُثِيبهم، فالسؤال لهم والطاعة، سببٌ لحصول إثابته وإجابته، ولو قُدِّر أنه قَسَمٌ، لكان قَسَمًا بما هو من
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في "الحلية": (٨/ ١٠٩).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "من عاش بعد الموت": (ص / ١١ - ١٢).
(٣) تقدم ص/ ١٨٥.
(٤) تقدم ما فيه من الضعف ص / ١٨٦.
[ ١٩٢ ]
صفاته؛ لأن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله، فصار هذا كقوله: "أعوذُ بِرِضَاكَ من سَخَطِكَ وبِمُعَافَاتِكَ من عُقُوْبِتَك " (^١) الحديث.
فالاستعاذة لا تصح بمخلوق، كما نصَّ عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة، وذلك مما استدلوا به على أن كلامَ الله غير مخلوق، كقوله: "أَعُوْذُ بكلماتِ اللهِ التَّامَّاتِ" (^٢) .
* وأما قول الناس: "أسألك بالله والرحم"، وقراءة من قرأ: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ بالكسر؛ فهو من باب التسَبُّب بها، فإن الرحم توجب الصلة، فسؤال السائل بها توسُّل بما يوجب صلته من القرابة التي بينهما، ليس من باب الإقسام، ولا من باب التوسُّل بما لا يقتضي المطلوب، [بل هو توسُّل بما يقتضي المطلوب] (^٣) كالتوسُّل بدعاء الأنبياء.
فالتوسُّل بالأنبياء والصالحين يكون بأمرين؛ إما طاعتهم واتباعهم، وإما دعاؤهم وشفاعتهم، فمجرَّدُ [دعائه بهم] (^٤) من غير طاعةٍ منه لهم، ولا شفاعةٍ منهم له؛ فلا تنفعه وإن عَظُم جاهُ أحدهم عند الله. فلا بد من ذلك؛ إما من سؤال المسؤول به، وإما التسبُّب بمحبَّته واتباعه خالصًا لله تعالى، لا لهوى ولا لحظِّ نفسٍ، بل لله وحدَه لا شريك له (^٥) .
* * *
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (٤٨٦) من حديث عائشة -﵂-.
(٢) أخرجه مسلم رقم (٢٧٠٨) من حديث خولة بنت حكيم -﵂-.
(٣) زيادة لازمة يستقيم بها السياق.
(٤) في "الأصل": "ذاتهم"، والإصلاح من "الاقتضاء".
(٥) من قوله: "فلا بد " إلى هنا الحق في حاشية الأصل، وليس هو في أصله.
[ ١٩٣ ]
لفظ «التوسل» ومعناه
فصل " في شد الرحل إلى غير المساجد الثلاثة
فصلٌ (^١)
ولا يُشرع شدُّ الرَّحل إلى غير المساجد الثلاثة، للأحاديث الصحيحة في ذلك، ولو نَذَر الإنسانُ إتيان مسجد غيرها، لم يجب عليه فعلُه باتفاق الأئمة، وليس بالمدينة مسجد يُشرع إتيانه إلا مسجد قُباء، وسائر المساجد لها حكم المساجد.
وفي "المسند" (^٢) عن جابر بن عبد الله أن النبيَّ ﷺ دعا في مسجد الفتح ثلاثًا، يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء، فاستُجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين، فعُرِفَ البِشرُ في وجهه. قال جابر: فلم ينزل بي أمرٌ مُهِم إلا توخَّيتُ تلك الساعة فأعْرِفُ الإجابةَ. في إسناده كثير بن زيد، فيه كلام (^٣).
وهذا الحديث يعمل به (^٤) طائفة من أصحابنا وغيرهم، يتحرَّون الدعاء في هذا، كما نُقِل عن جابر، [ولم يُنْقَل عنه] (^٥) أنه تحرَّى الدعاءَ في المكان، بل في الزمان. فإذا كان هذا في المساجد التي صلى فيها رسول الله وبُنيت بإذنه، ليس فيها ما يُشرع قصده بخصوصيَّته من غير سفر إليه إلا مسجد قباء، فكيف بما سواها!؟
ولما فتح عمرُ بيتَ المقدس وجد النصارى قد ألْقت على الصخرة
_________________
(١) "فصل" ليس في "الاقتضاء": (٢/ ٣٣٩).
(٢) (٢٢/ ٤٢٥ رقم ١٤٥٦٣).
(٣) وفي سنده أيضًا: عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب، مجهول.
(٤) في "الأصل": "فيه"!
(٥) زيادة لازمة يستقيم بها المعنى.
[ ١٩٤ ]
زُبَالةً عظيمة عنادًا لليهود، فأزالها ونظُّفها، وقال لكعب الأحبار: "أين ترى أن أبني مصلَّى المسلمين"؟ فقال: ابْنِهِ خلف الصخرة، فقال: "يا ابن اليهودية (^١) خالطتك اليهودية، بل أبْنِيه في صدر المسجد (^٢)، فإن لنا صدور المساجد" فبناه في قِبْلي المسجد (^٣) .
وهو الذي يُسمِّيه كثير من العامة اليوم "الأقصى". والأقصى اسم للمسجد كلِّه، ولا يُسمَّى هو ولا غيره حرمًا إنما الحرم بمكة والمدينة خاصَّة.
وفي "وادي وَجٍّ" الذي بالطائف نزاع (^٤) .
وذكر طائفة من المتأخرين أن اليمين تغلظ عن الصخرة، وليس هذا من كلام أحمد ولا غيره من الأئمة، فليس له أصل، بل تَغلُظ هناك عند المنبر كما في سائر المساجد.
وقد صنَّف طائفة من الناس مصنَّفات في فضائل بيت المقدس وغيره من البِقاع التي بالشام، وذكروا فيها من الآثار عن أهل الكتاب ما لا يحلُّ للمسلمين أن يبنوا عليه دينهم.
ومن العجب كيف يُحدِّث كعبُ الأحبار [عن] بعض الأنبياء الذي بينه وبينه أكثر من ألف سنة ولم يُسْنِده، وغايته أن ينقله عن بعض كتب اليهود، الذي أخبر الله أنهم قد بدَّلوا، فكيف يُصدَّق شيءٌ من ذلك
_________________
(١) في الأصل: "اليهود" سهو.
(٢) وقع في "الأصل": "بل أبنه في صدر المساجد"!.
(٣) انظر "البداية والنهاية": (٩/ ٦٥٥ - ٦٥٦).
(٤) انظر "منسك شيخ الإسلام": (ص/ ٤٩) وهو عند الشافعية حرم.
[ ١٩٥ ]
فصل: أصل دين المسلمين أن لا تخص بقعة بالعبادة إلا المسجد
بمجرد هذا النقل، بل الواجب أَلَّا يُصَدِّق ولا يُكذِّب إلا بدليل، كما أمرنا النبي -ﷺ-.
ومعلوم أن أصحاب رسول الله ﷺ من السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان قد فتحوا البلادَ بعد موته -ﷺ- وسكنوا الشامَ والعراقَ ومصرَ وغيرَها، وهم أعلم بالدين وأتْبَع له، فليس لأحدٍ أن يخالفهم فيما كانوا عليه.
فما كان من هذه البقاع لم يُعَظِّموه أو لم يقصدوا تخصيصه بصلاةٍ أو دعاء أو نحو ذلك لم يكن لنا أن نخالفهم في ذلك، ونقول: إن من جاء بعدهم من أهل الفضل والدين فعل ذلك؛ لأن اتباع سبيل الأولين أولى ممن بعدهم، وما أحدٌ نُقِل عنه ما يخالف سبيلهم إلا وقد نُقِل عن غيره ممن هو أعلم منه وأفضل أنه خالف سبيل هذا المخالف، وهذه جملة جامعة لا يتَّسع هذا الموضع لتفصيلها.
فصلٌ (^١)
وأصل دين المسلمين: أنه لا تختصّ بقعةٌ بقصد العبادة فيها إلا المساجد خاصة. وما عليه المشركون وأهل الكتاب من تعظيم بقاعٍ للعبادة غير المساجد، -كما كانوا في الجاهلية يُعظِّمون حراء ونحوه من البقاع- هو ما جاء الإسلامُ بمحوه وإزالته ونسخه.
ثم المساجد جميعُها تشتركُ في العبادات، إلا ما خُصَّ به المسجد الحرام من الطواف ونحوه.
_________________
(١) "الاقتضاء": (٢/ ٣٥٤).
[ ١٩٦ ]
المشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب وهذه الأمة
الخوارج والمعتزلة
سلف الأمة وأئمتها
ولو كان هذا مشروعًا يُثِيب الله عليه؛ لكان النبي -ﷺ- أعلمَ بذلك، ولأَعْلَمَ أصحابَه -أيضًا- ذلك، وكانوا أرْغَبَ فيه ممن بعدهم، فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيءٍ من ذلك، عُلِمَ أنه من البدع المُحْدَثة التي لم يكونوا يعدونها عبادةً وقربةً وطاعةً، فمن جعلها عبادة فقد اتبعَ غير سبيلهم وشرع من الدين ما لم يأْذَن به الله (^١).
فصلٌ (^٢) [في إثبات الشفاعة ونفيها]
افترق الناس على ثلاث فرق:
* المشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب وهذه الأمة: أثبتوا الشفاعة التي نفاها القرآن، مثل قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤] ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١)﴾ [الأنعام: ٥١] فيتخذون آلهتهم وسائط تقرِّبهم إلى الله زُلْفَى وتشفع لهم.
* والخوارج والمعتزلة: أنكروا شفاعة نبيِّنا في أهل الكبائر من أمَّته، بل أنكر طائفةٌ من أهل البدع انتفاعَ الإنسان بشفاعة غيره ودعائه.
* وأما سلف الأمة وأئمتها ومن اتبعهم من أهل السنة والجماعة: فأثبتوا ما جاءت به السنةُ من شفاعته لأهل الكبائر من أُمته وغير ذلك من أنواع شفاعته وشفاعة غيره من الأنبياء والملائكة، وقالوا: لا يخلد
_________________
(١) هذا المقطع من قوله "ولو كان" ليس في "الاقتضاء".
(٢) "فصل" ليس في "الاقتضاء": (٢/ ٣٥٩)، وما بين المعكوفات لزيادة التوضيح.
[ ١٩٧ ]
تقرير مذهب السلف فيها
في النار من أهل التوحيد أحد، وأقرُّوا بما جاءت به السنة من انتفاعِ الإنسان بدعاء غيره وشفاعته، والصدقة، بل والصوم عنه في أصحِّ قولي العلماء، وقالوا: إن الشفيع يطلب من الله ويسأله، ولا تنفع الشفاعةُ إلَّا بإذنه ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
وفي "الصحيح" (^١) أنه قال: "أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يومَ القيامةِ: مَنْ قَالَ: لا إله إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بها وَجْهَ اللهِ" فكلما كان الرجلُ أتمَّ إخلاصًا لله كان أحقّ بالشفاعة. وأما من عَلَّق قلبَه بأحدِ المخلوقين؛ يرجوه ويخافه؛ فهو من أبعدِ الناسِ عن الشفاعة.
فشفاعةُ المخلوقِ عند المخلوق [تكون] (^٢) بإعانة الشافع للمشفوع له بغير إذن المشفوع عنده، بل يشفع إما لحاجةِ المشفوع عنده إليه وإما لخوفه، فيحتاج أن يقبل شفاعتَه، والله -تعالى- غنيٌّ عن العالمين، وهو وحده يُدَبِّر العالمين كلّهم، فما من شفيع إلا من بعد إذنه، فهو الذي يأذن للشفيع، وهو يقبل شفاعته كما يُلهم الداعي الدعاء ثم يجيب دعاءَه، فالأمر كلُّه له.
فإذا كان العبد يرجو شفيعًا من المخلوقين، فقد لا يختار ذلك الشفيع أن يشفع له، وإن اختار فقد لا يأذن الله له في الشفاعة، ولا يقبل شفاعته.
وأفضل الخَلْق محمد -ﷺ-، ثم إبراهيم -ﷺ-، وقد امتنع النبيُّ -ﷺ- أن يستغفر لعمه أبي طالب بعد أن قال: "لأَسْتَغْفِرَنَّ لك مَا لم أُنْهَ عَنْك" (^٣)
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٩٩) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٢) من "الاقتضاء".
(٣) أخرجه البخاري رقم (٣٨٨٤)، ومسلم رقم (٢٤) من حديث المسيب بن حزن -﵁-.
[ ١٩٨ ]
أصل التوحيد الذي بعث به الرسل
فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]، وقيل له: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، فقال: "لو أَعْلَمُ أَنِّي لو زِدْتُ على السبعينَ يُغْفَر لهم لَزِدْتُ" (^١) فأنزل الله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦].
وقال: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ ﴾ إلى قوله: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ﴾ [هود: ٧٤ - ٧٦].
فالله -تعالى- له حقوقٌ لا يَشْركه فيها غيره، وللرسل حقوق لا يَشْركهم فيها غيرهم، وللمؤمنين حقوق مشتركة. وفي حديث معاذ: "حقُّ الله على العباد أنْ يَعْبُدوه ولا يُشْرِكوا به شَيْئًا" (^٢).
وهذا أصل التوحيد الذي بَعَث اللهُ به الرسل وأنزل به الكتب، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
ويدخل في ذلك: أن لا يَخافَ إلا إيَّاه ولا يَتَّقِي إلا إيَّاه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: ٥٢]. فالطاعة لله ورسوله، والخشية والتُّقي الله وحده، كما قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
فالحلالُ ما حلله الرسول، والحرامُ ما حرَّمه، والدينُ ما شرعه.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (١٣٦٦) من حديث عمر بن الخطاب -﵁-.
(٢) تقدم ص / ١٨٧.
[ ١٩٩ ]
التحب لا يكون إلا بالله وحده
في سؤال المخلوقين
والتحسُّب بالله (^١) وحده، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة: ٥٩]. ولم يقل: ورسوله. وذَكَر الرسولَ في الإيتاء؛ لأنه لا يُباح إلا ما أباحه الرسول، فليس لأحدٍ أن يأخذ ما تيسّر له إن لم يكن مباحًا في الشريعة. ثم قال: و﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾، فجعلَ الرغبةَ إلى الله وحدَه دون ما سواه، كما قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح: ٧ - ٨] فأمر بالرغبة إليه.
ولم يأمر الله قطُّ مخلوقًا أن يسأل مخلوقًا، وإن كان قد أباح ذلك في بعض المواضع؛ لكنه لم يأمر به، بل الأفضل للعبد أن لا يسأل قطُّ إلا الله كما في "الصحيحين" (^٢) في صفة الذين يدخلون الجنة بغير حساب: "هُم الذَّين لا يَسْتَرِقُون ولا يَكْتَوون ولا يَتَطَيَّرون وَعَلَى رَبِّهم يَتَوَكَّلُون"، فجعل من صفاتِهم: أنهم لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم، ولم يقل: "لا يرقون" وإن كان قد رُوِي في بعض طرق مسلم؛ فهو غلط، فإن النبي -ﷺ- رقي نفسَه وغيرَه؛ لكنه لم يَسْتَرق، فالمسترقي طالبٌ للدعاء من غيره بخلاف الرَّاقي غيرَه فإنه داعٍ.
وقال لابن عباس: "إذا سألْتَ فأَسْأَلِ اللهَ، وإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باللهِ" (^٣)، فهو الذي يُتَوَكَّل عليه، ويُسْتَعَان به، ويُخاف ويُرْجَي، ويُعْبَد وتُنيب إليه القلوب، لا حَوْل ولا وقُوَّة إلا بالله، ولا مَنْجى منه إلا إليه، والقرآنُ كلُّه يحقق هذا الأصل.
_________________
(١) في "الأصل": "لله" سبق قلم.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٥٧٠٥) ومسلم رقم (٢١٨) من حديث ابن عباس -﵁-.
(٣) أخرجه الترمذي رقم (٢٥١٦)، وأحمد: (٤/ ٤١٠ رقم ٢٦٦٩) وغيرهم من طرق كثيرة عن ابن عباسٍ -﵄-. قال الترمذي: "حديث حسن صحيح". قال الحافظ ابن رجب في "نور الاقتباس": (ص / ٣١): "وأجود أسانيده من رواية حَنَش عن ابن عباس، وهو إسناد حسن لا بأس به" ا هـ.
[ ٢٠٠ ]
الرسول يطاع ويحب ويرضى
بعث الله محمدا بتحقيق التوحيد وتجريده، ونفي الشرك
العبادات التي شرعها الله كلها تتضمن الإخلاص
والرسول يُطاع ويُحب ويرضى ويُسلَّم إليه حكمُه، ويُعَزَّر ويُوَقَّر، ويُتَّبع ويُؤْمَن به وبما جاء، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ﴾ [النساء: ٦٤].
وقد بعث الله محمدًا -ﷺ- بتحقيق التوحيد وتجريده، ونفي الشرك بكل وجهٍ، حتى في الألفاظ كقوله: "لا يقولن أحدُكم: ما شاءَ اللهُ وشاءَ محمدٌ؛ بَلْ ما شاءَ اللهُ ثُمَّ شاءَ مُحمد" (^١). وقال له رجلٌ: ما شاءَ الله وشئتَ، فقال: "تَجْعَلُني لله نِدًّا؟ قل: ما شاءَ اللهُ وحدَه" (^٢).
والعبادات التي شرعها الله كلها تتضمَّن إخلاصَ الدين لله تحقيقًا لقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. فالصلاة والصدقة والصيام والحج كلُّ ذلك لله وحدَه، فلا يُعْبَد إلا الله، ولا يُعْبَد إلا بما شَرَع، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
والحمدُ لله وحدَه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
انتهى "المنهج القويم".
_________________
(١) أخرجه أحمد: (٣٤/ ٢٩٦ رقم ٢٠٦٩٤)، والحاكم: (٣/ ٤٦٣) وغيرهم، من طرقٍ عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حِراش عن طُفيل بن سخبرة -﵁- وسنده جيد، وله شواهد يصح بها -واختلف فيه على عبد الملك بن عمير-.
(٢) أخرجه أحمد: (٣/ ٣٣٩ رقم ١٨٣٩)، وابن ماجه رقم (٢١١٧) والبخاري في "الأدب المفرد": (ص/ ٢٣٤) من طرقٍ عن الأجلح عن يزيد بن الأصم عن ابن عباسٍ -﵄-. والأجلح مختلف فيه؛ لكنه يتقوَّى بشواهده.
[ ٢٠١ ]