تُبْلي (^١) الأنبياء، فعُلِمَ أنه لمظنة عبادة الأوثان، قال الشافعي: "أكره أن يُعظم قبر مخلوق حتى يُجْعَل قبره مسجدًا مَخافَة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس" (^٢).
وقد نبه -ﷺ- بقوله: "اللهم لا تَجْعَل قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَد" (^٣) على العلة.
فصلٌ (^٤)
ولخوف مظنة عبادة الأوثان حَسَم الرسول -ﷺ- المادَّة، ونهى عن الصلاة عند القبور، كما تقدم، ولأجل تلك العلة وقع كثير من الأُمم إما في الشرك الأكبر أو الأصغر، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، فإن الشرك بقبر الرجل الصالح أعظم من الشرك بخشبة أو حجر على تمثاله، فتجد قومًا يتضرَّعون عند القبور، ويخشعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في المسجد، بل ولا في السَّحَر، وقد يسجدُ بعضُهم لها، ويرجون من بركة الصلاة عندها، ما لا يرجونه عند بيتِ الله.
فحَسَمَ -ﷺ- ذلك كلَّه، وإن لم يقصد المصلِّي [بركة] (^٥) ذلك، كما يُنهى عن الصلاة عند طلوع الشمس واستوائها وغروبها، فيُنْهَى عن ذلك سدًّا للذريعة.
_________________
(١) كلمة لم تحرر، ولعلها ما أثبت.
(٢) كما في "الأم": (١/ ٢٨٧).
(٣) أخرجه أحمد: (١٢/ ٣١٤ رقم ٧٣٥٨) وغيره، من حديث أبي هريرة -﵁- وسنده جيد، وانظر "النهج السديد" رقم (٢١٩).
(٤) "فصل" ليس في "الاقتضاء": (٢/ ١٩٢).
(٥) في "الأصل": "برکعته"! والتصويب من "الاقتضاء".
[ ١٦٦ ]
أما إذا قصَدَ الرجلُ الصلاةَ عند بعض قبور الأنبياء والصالحين متبركًا بالصلاة في تلك البقعة؛ فهذا هو عين المحادَّة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، واتباع (^١) دين لم يأذن به الله، فقد أجمع المسلمون: على أن الصلاة عند أيِّ قبر كان لا فضل فيها لذلك، ولا للصلاة مَزِيَّة في تلك البقعة أصلًا، بل مزيةُ شرٍّ.
واعلم أن تلك البقعة وإن كانت قد تنزل عندها الملائكة والرحمة، ولها شرف وفضل، لكن دين الله بَيْن الغالي فيه وبين الجافي عنه.
فالنصاري عظموا الأنبياء حتى عبدوهم، واليهود استخفُّوا بهم حتى قتلوهم، والأمة الوسط عرفوا حقوقهم، ولأجل ذلك قال -ﷺ-: "لا تُطْرُونِي كما أطْرَتِ النصارى المسيحَ " (^٢) . فلو قُدِّر أن الصلاة هناك توجب رحمةً أكثر من الصلاة في غيرها، كانت المفسدة الناشِئة تُرْبي على هذه المصلحة حتى تغمرها وتزيد عليها، بحيث تصير الصلاة هناك مُذْهِبةً لتلك الرحمة، ومُثْبِتة لما يوجب العذاب، ومن لم تكن له بصيرة يدرك بها الفساد من ذلك، فيكفيه أن يُقلِّد الرسول -ﷺ-، فإنه من المعلوم أنه لولا أن الفساد أغلب من المصلحة لما نهى عن ذلك.
وليس للمؤمن أن يُطالب الرسول بتبيين وجوه المصالح، وإنما عليه طاعته، والسمع والطاعة له، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
_________________
(١) في "الاقتضاء": "وابتداع"، وكلا الوجهين يصح.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٣٤٤٥) من حديث عمر -﵁-.
[ ١٦٧ ]
فصل ينقسم الدعاء والعبادة عند القبور إلى قسمين الأول أن يدعو اتفاقا، لا لقصد
الثاني أن يتحرى الدعاء عندها
فصلٌ (^١)
والمقصود أن الدعاء والعبادة عند القبور وغيرها من الأماكن تنقسم إلى نوعين:
أحدهما: أن يحصل الدعاء في البقعة بحكم الاتفاق، لا لقصد الدعاء فيها، كمن يدعو في طريقه، ويتفق أن يمر بالقبور، وكمن يزورها فيسلِّم ويسأل الله العافية له وللموتى، كما جاءت به السنة، فهذا ونحوه لا بأس به.
النوع الثاني: أن يتحرَّى الدعاء عندها، بحيث يستشعر أن الدعاء عندها أجوبُ من غيره، فهذا منهيٌّ عنه، إما نهي تحريم أو تنزيه، والتحريم أقرب، فإن الشخص لو دعا فاجتاز بصنمٍ من غير قصدٍ لم يكن به بأس، ولو تحرى الدعاء عند الصنم أو الصليب أو في الكنيسة يرجو الإجابة في تلك البقعة؛ لكان هذا من العظائم، فَقَصْد القبور للدعاء عندها من هذا الباب، بل قد يكون أشد؛ لنهي الرسول عن اتخاذها مساجد وعيدًا. فقَصْد القبور لم يفعله أحد من الصحابة والتابعين، بل أجْدَبُوا على عهد الصحابة، ودهمتهم نوائب، فهلَّا جاءوا فاستغاثوا عند قبر النبي -ﷺ-؟! بل قد خرج عمرُ بالعباس يَسْتسقي به ولم يَرُح إلى القبر (^٢).
وكذلك لما فُتِحت تُسْتَر وجدوا قبر دانيال، فقيل: إنه كان إذا أجدبت السماء برزوا بسريره، فيُمْطَرون، فأمر عمر أن يُعَمَّى قبره،
_________________
(١) "فصل" ليست في "الاقتضاء": (٢/ ١٩٥).
(٢) رواه البخاري رقم (١٠١٠) عن أنسٍ -﵁-.
[ ١٦٨ ]
فحفر ثلاثة عشر قبرًا متفرقة ودُفِنَ في أحدها ليلًا، وسوَّوا القبور كلَّها؛ لئلا يفتتن به الناس، فأنكر الصحابةُ ذلك وعَمَّوا قبره (^١)، فهذا فِعْل الصحابة المهاجرين والأنصار.
ومن تأمل كتب الآثار وعَرَف حال السلف، عَلِم قطعًا أن القومَ ما كانوا يستغيثون عند القبور ولا يتحرون الدعاء عندها؛ بل ينهون عن ذلك جهالهم.
فإن قيل: فقد نُقِل عن بعضهم أنه قال: قبر مَعْروفٍ الترياقُ الأكبر (^٢) المجرَّب، وأن معروفًا أوصى ابن أخيه أن يدعو عند قبره، وأن بعض من هَجَره أحمدُ ابن حنبل، كان يأتي إلى قبر أحمد ويتوخَّي الدعاءَ عنده، ورُوِي عن جماعاتٍ أنهم دعوا عند قبر جماعات من الأنبياء والصالحين من أهل البيت وغيرهم فاستجيب لهم.
وذكرَ علماءُ من المصنفين في المناسك: إذا زار قبر النبي -ﷺ- أن يدعو عنده، وأن من صلى عليه سبعين مرة عند قبره ودعا استجيب له، ورأى بعضُهم منامات في الدعاء عند قبر بعض الأشياخ، وجرَّب (^٣) أقوامٌ استجابة الدعاء عند القبر، وأدركنا من ذوي الفضل علمًا وعملًا من يتحرى الدعاءَ عندها والعكوفَ عليها، وفيهم من لهم كرامات وعِلْم، فكيف يُخَالَف هؤلاء؟!
_________________
(١) أخرجها ابن إسحاق -كما في "الاقتضاء": ٢/ ١٩٩ - وابن جرير في "تاريخه": (٤/ ٩٢)، وانظر "البداية والنهاية": (١٠/ ٦٥).
(٢) "الأكبر" ليست في "الاقتضاء"، ومعروفٌ هو الكَرْخي الزاهد المشهور.
(٣) بالأصل: "وجرب ذلك"! وحذفها هو الصواب.
[ ١٦٩ ]
اعتراض بأن بعض الصالحين كان يدعو عند القبور، وجرب أقوام استجابة الدعاء عندها. فكيف يخالف هؤلاء؟!
الجواب على وجه الاختصار
وهذا السؤال -مع بُعْدِه عن طريق العلم- هو غايهُ ما يتمسَّك به المَقْبُرِيُّون (^١).
والجواب عن ذلك على وجه الاختصار: أن ذلك لم يُنقل في اسْتحبابه -فيما علمناه- شيءٌ ثابت عن القرون الثلاثة المفضَّلة الذين أثنى عليهم الرسول، مع شدَّة المقتضي فيهم لذلك لو كان فضيلة.
وأما من بعدَهم؛ فأكثر ما يُفرض أن الأمة اختلفت، ولا يمكن أن يقال: إن الأمة أجمعت على استحسان ذلك؛ لأن كثيرًا من الأمة كَرِه ذلك وأنكره قديمًا وحديثًا.
وأيضًا: من الممتنع أن تتفق الأمةُ على استحسانِ فعلٍ، لو كان حسنًا لفعله المتقدمون، ولم يفعلوه (^٢)، فإن هذا من باب تناقض الإجماعات وهي لا تتناقض، وإذا اختلف فيه المتأخرون، فالفاصل بينهم هو كتابُ الله والسنة والإجماع المتقدِّم نصًّا واستنباطًا؛ فكيف والحمد لله لم يُنْقَل هذا عن إمامٍ معروف ولا عالم متَّبَع؛ بل المنقول من ذلك إما كذب كما كُذِب على الشافعي أنه قال: "إني إذا نزل شيءٌ بي (^٣) أجيءُ فأدعو عند قبر أبي حنيفة فأُجاب"!
فهذا كذبٌ معلوم كذبُه؛ فإن الشافعي لما قدمَ بغداد لم يكن ببغداد قبر يُنتاب للدعاء عنده، وقد رأي الشافعيُّ بالحجاز والشام من قبور الأنبياء والصحابة والصالحين من هو أفضل عنده من أبي حنيفة، فما
_________________
(١) كذا في الأصل والاقتضاء، نسبة إلى المقبرة، وفي "الباء" وجهان الضم والفتح.
(٢) في "الأصل": "ولم يفعلونه"! وهو خطأ.
(٣) كذا، وفي "الاقتضاء": "نزلت بي شدة".
[ ١٧٠ ]
أما الجواب المحقق فمن وجهين
١ - مجمل
باله لم يتوخَّ الدعاء إلا عنده؟! ثم قد تقدَّم (^١) عن الشافعي قوله: "إني أكره تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها".
وإما أن يكون المنقول (^٢) عن مجهول لا يُعرف، ونحن لو رُوِيَ لنا أحاديث -مثل هذه الحكايات- لما جاز لنا التمسُّك بها حتى يثبتَ النقلُ.
ومنها ما قد يكون صاحبه قد قاله باجتهاد، وفَعَلَه باجتهاد يُخطيء ويُصيب، أو قاله بقيود وشروط كثيرة، على وجهٍ لا محذور فيه، فَحُرِّفَ النقلُ [عنه].
ثم سائر هذه الحجج دائرة بين نقلٍ لا يجوز إثبات الشرع به، أو قياس لا يجوز استحباب العبادات بمثله، مع العلم بأن الرسول لم يشرعها. وإنما يُثبت العبادةَ بمثل هذه الحكايات النصارى وأمثالُهم، وإنما المتَّبَع في إثبات الأحكام كتابُ الله، والسنةُ، واتباعُ سبيل السالفين الأوَّلين.
والجوابُ المحقَّق عن ذلك من وجهين؛ مجملٌ ومفصَّل:
أما المُجْمَل: فالنقض بأن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات من هذا النمط كثير، بل المشركون كانوا يدعون عند أوثانهم فيُسْتجاب لهم أحيانًا، كما قد يُسْتجاب لهؤلاء؛ بل في وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة، فإن كان هذا وحدَه دليلٌ على أن الله يرضى ذلك ويحبه فليطَّرِد الدليلُ، وذلك كفر متناقض.
_________________
(١) ص/ ١٦٧.
(٢) يعني: من هذه الحكايات.
[ ١٧١ ]
٢ - مفصل
ثم إن كل قومٍ قد جعلوا لأنفسهم (^١) وقبرًا لا يثقون بغيره، فلا يمكن موافقة الجميع؛ لأنه جَمْع بين الضدين، وموافقة بعض دون بعضٍ تحكُّم بلا مرجِّح، ومن المحال إصابتهم جميعًا؛ لأن كل فريق يُخطِّئ الفريقَ الآخر.
ثم قد استُجِيب لبلعام بن باعور في قوم موسى المؤمنين، فسَلَبه اللهُ الإيمان (^٢)، والمشركون قد يَسْتسقون فيُسْقَون، ويَسْتنصرون فيُنْصَرون.
وأما الجواب المفصَّل فنقول: مدار هذه الشُّبهة على أصلين:
منقول: وهو ما يُحكى من فعل هذا الدعاء عن بعض الأعيان.
ومعقول: وهو ما يُعْتَقد من منفعته بالتجارب والأقْيِسَة.
أما النقل: فإما كذب، أو غلط، أو ليس بحجَّة، بل قد ذكرنا النقل عمن يُقْتَدي به بخلاف ذلك.
وأما المعقول: فعامَّة المذكور من المنافع كذب، فإن هولاء الذين يتحرون الدعاء إنما يُسْتَجاب لهم أحيانًا نادرًا، وأين هذا من الذين يتحرون الدعاء وقت الأسحار وفي سجودهم، وأدبار صلواتهم؛ وفي بيوت الله؟! فإن هؤلاء إذا ابتهلوا مثل ابتهال المَقَابريين لم تكد تسقط لهم دعوة إلا لمانع.
وجميع الأمور التي يُظن أن لها تأثيرًا في العالم وهي محرمة في
_________________
(١) كلمة لم تحرر ولعلها: "شيئًا".
(٢) انظر تفسير آية (١٧٥) من سورة الأعراف، "ابن كثير": (٢/ ٢٧٥)، وغيره.
[ ١٧٢ ]
الشرع، كالتمريحات (^١) الفلكية، والتوجُّهات النفسانية؛ كالعين، والدعاء المحرَّم، والرُّقى المحرمة، والتمريحات الطبيعية ونحو ذلك، فإن مضرَّتها أكثر من منفعتها حتى في نفس ذلك المطلوب، فإنه لا يُطْلَب بها غالبًا إلا أمورٌ دنيويَّة، فقلَّ من حصل له بذلك أمر دنيوي إلا أعقبه شرٌّ أو كانت عاقبته خبيثة، دع الآخرة.
والمُخْفِقُ (^٢) من أهل هذه الأسباب أضعافُ أضعافِ المُنْجح، فلا يكاد يحصل الغرض إلا نادرًا، مع أن مضرَّتها أكثر من نفعها، بخلاف الأمور المشروعة؛ من الدعاء والتجارة والحراثة والتوكل على الله ونحوه، فإنه يحصل الخير [معها] (^٣) غالبًا.
فعُلِمَ أن (^٤) الأمور المذكورة ليس فيها خير غالب ولا خير مُحْض، ومن له خبرة بأحوال العالم تيقَّن ذلك بلا شكٍّ، والأسباب التي يخلق الله بها الحوادث في الأرض لا يُحْصِيها إلا هو، أما أعيانُها بلا ريب، وكذلك أنواعها لا يضبطها المخلوق لسعة ملكوت الله -﷾-، ولهذا كانت طريقة الأنبياء: الأمر بما فيه الصلاح والنهي عما فيه الفساد.
والكلامُ في بيان تأثير بعض هذه الأسباب قد يكون فيه فتنة لمن
_________________
(١) هذه وما سيأتي في السطر بعده كذا بالأصل، وفي "الاقتضاء": "التمريجات"، ولعل صوابها "النيرنجات" جمع نَيْرج، وهي" أُخَذٌ تشبه السحر، وليست بحقيقة، ولا كالسحر، إنما هو تشبيه وتلبيس" انظر "لسان العرب": (٢/ ٣٧٦).
(٢) كذا ضبطها في هامش الأصل، وشرحها بقوله: "أي الذي لا يتم أمره".
(٣) زيادة ليستقيم السياق.
(٤) تكررت في الأصل.
[ ١٧٣ ]
ضَعُفَ عقلُه ودينُه، بحيث تختطفَ عقلَهِ، ويكفي العاقلَ أن يعلم أن ما سِوَى المشروع لا يُؤثِّر بحالٍ فلا منفعةَ فيه، أو أنه إذا أثَّر فضرره أكثر من نَفْعِه.
ثم قد يكون سببُ قضاءِ حاجة هولاء الداعينَ الدعاءَ المحرمَ؛ لشدَّة ضرورته، لو دعا اللهَ بها مشركٌ عند وثنٍ لاستُجِيْبَ له؛ لصدق توجُّهه إلى الله -تعالى-، ولو قد استُجِيبَ له على يد المتوسَّل به صاحبِ القبرِ أو غيرِه لاستغاثته، فإنه يُعاقب على ذلك، ويهوي به في النار إذا لم يعف اللهُ عنه، كما لو طلب ما يكون فتنة له، كما أن ثعلبة لما سأل (^١) النبيَّ -ﷺ- أن يدعوَ له بِكثَرة المال، ونهاه النبيُّ عن ذلك مرةً بعد مرة، فلم ينته حتى دعا له، وكان ذلك سبب شقائه في الدنيا والآخرة (^٢) . وقد قال: "إنَّ الرَّجُلَ لَيَسْألني المسأَلَةَ فأُعْطِيه إيَّاها، فيخرجُ بها يتأبَّطُها نارًا" (^٣) .
فكم من عبدٍ دعا دعاءً غير مباح فَقُضِيَتْ حاجَتُه، وكان سببَ هلاکه في الدنيا والآخرة، تارةً بأن يسأل ما لا تصلح له مسألته، كما فعل
_________________
(١) غير محررة في "الأصل" وهي هكذا في أصله.
(٢) قصة حاطب بن ثعلبة هذه مما أورده أصحاب التفاسير عند قوله تعالي: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٥] وهي قصة باطلة لا تصح، وانظر في تفنيدها وبيان بطلانها کتاب "ثعلبة بن حاطب الصحابي المفترى عليه" لعداب الحمش.
(٣) أخرجه أحمد: (١٧/ ٤٠، ١٩٩ رقم ١١٠٠٤ و١١١٢٣)، وابن حبان "الإحسان": (٨/ ٢٠١)، والحاكم: (١/ ٤٦) من حديث سعيد الخدري، وجعله ابن حبان من مسند عمر -﵄-. والحديث صححه ابن حبان، والحاكم ووافقه الذهبي.
[ ١٧٤ ]
بلعام وثعلبة (^١)، وتارةً بأن يسأل على الوجه الذي لا يُحبه الله تعالي.
بل أشدّ من ذلك السحر الطِّلَسْمات (^٢) والعين وغير ذلك، قد يُقْضَي بها كثيرٌ من أغراض النفوس، ومع هذا فقد قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢]. وإنما يتشبَّثون بمنفعة الدنيا، قال تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢].
كذلك أنواع الداعين والسائلين قد يدعو دعاءً محرَّمًا، يحصل معه غرضُه، ويورثه ضررًا عظيمًا، ثم إن الداعي قد يعلمه (^٣) وقد لا يعلمه على وجهٍ لا يُعْذَر فيه بتقصيرِه في طلبِ العلم أو تركِ الحق، وقد لا يعلمه على وجهٍ يُعْذَر فيه، بأن يكون مجتهدًا أو مقلِّدًا، کالمجتهد [والمقلِّد اللذين يُعْذران في سائر الأعمال] (^٤)، وقد يتجاوز عنه لكثرة حسناتِه وصدقِ قصدِه، أو لمحضِ رحمةِ ربه ونحو ذلك. ثم مع ذلك يُنْهَى عنه، وإن كان قد زال سببُ الكراهةِ في حقِّه (^٥) .
ومن هنا يَغْلَط كثير من الناس؛ يبلغهم أن بعض الأعيان من الصالحين عَبَدَ عبادةً، أو دعا دعاءً، وجَدَ أثرَه، فيجعل ذلك دليلًا على استحباب (^٦) تلك العبادة والدعاء، ويجعلون ذلك العمل سنة، كأنه قد
_________________
(١) انظر التعليق رقم (٢)، ص ١٧٤.
(٢) انظر في التعريف به "أبجد العلوم": (٢/ ٣٦٧)، و"المعجم الوسيط": (ص/ ٥٦٢).
(٣) أي: يعلم أن ذلك الدعاء محرم أو مكروه.
(٤) زيادة يستقيم بها السياق من "الاقتضاء".
(٥) يعني: لما له من العذر.
(٦) في "الاقتضاء": "استحسان". ـ
[ ١٧٥ ]
فعله نبيٌّ، وهذا غَلَطٌ عظيم؛ لما ذكرناه، خصوصًا إذا كان العمل إنما كان أثره بصدقٍ قامَ في قلب فاعله حين الفعل، ثم يفعله الأتْباعُ صورةً [لا صدقًا] (^١)، فيُضرُّون به.
ومن هذا الباب: ما يُحْكَي عن آثارٍ وُجِدت في السَّماع المبتَدَع، فإن تلك الآثار قد تكون عن أحوالٍ قامت بقلوب أولئك الرجال، حركها محركٌ كانوا فيه مجتهدين، أو مقصِّرين تقصيرًا غمره حسناتُ قَصْدِهم، فيأخذ الأتْباعُ حضور صورة السماع. وليس حضورُ أولئك الرجال سنةً تُتَّبَع، ولا مع المتَّبعين من الصدق ما لأجله عُذِروا وغُفِر لهم؛ فيهلكون بذلك، كما حُكيَ عن بعض الأشياخ أنه رُئي بعد موته فقيل له: ما فعلَ الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه وقال: يا شيخ السوء أنت الذي كنتَ تتمثَّل بي (^٢) بِسُعْدَي ولُبْنَي؟ لولا أعلم من صدقك لعذبتك.
ولهذا كان الأئمة المقتَدَي بهم يقولون: "عِلْمنا هذا مُقَيَّدٌ بالكتاب والسنة" (^٣) . وحُكِيَ لنا أن بعض المجاورين أتى إلى قبر النبي ﷺ فاشتهى عليه من الأطعمة، فجاء بعض الهاشميين إليه فقال: النبيُّ بعث لك هذا وقال لك: اخرج من عندنا. وآخرون قضِيت حوائجُهم ولم يُقل لهم ذلك، لاجتهادهم أو قصورهم في العلم، فإنه يُغْفَر للجاهل ما لا يُغْفَر للعالم.
ولا يقال: هولاء لما نقصت معرفتُهم سُوِّغ لهم ذلك، فإن الله لم
_________________
(١) زيادة من أصله.
(٢) كذا بالأصل، وليست في "الاقتضاء".
(٣) القائل هو: الجنيد بن محمد، انظر "الاستقامة": (٢/ ١٤١).
[ ١٧٦ ]
فصل انقسام الأمور إلى أقسام
يُسَوِّغ هذا لأحدٍ؛ لكن قصورُ المعرفة قد يُرجي معه العفوُ والمغفرة.
أما استحباب المكروهات وإباحة المحرمات؛ فلا نُفَرّق بين العفو عن الفاعل وبين إباحة الفعل له.
وبالجملة؛ فإنما يثبت استحبابُ الأفعال واتخاذها دينًا بكتابِ الله وسنة رسوله، وما كان عليه السابقون، وما سوى ذلك من المحدثات؛ فلا، وإن اشتملت أحيانًا على فوائد؛ لأن مفسدتها راجحة على فوائدها.
فصلٌ (^١)
ومن الغرور اعتقاد أن استجابة مثل [هذا] الدعاء المحرَّم، أو الدعاء عند قبر أو تمثال، أو الدعاء بمحرم ونحوه من الدعاء المعتدي به (^٢) مثل: دعاء غير الله، واستغاثة غير الله، والتوسُّل بما لا يُحب أن يتوسل به إليه، كتوسل المشركين بأوثانهم إلى الله = كرامةٌ من الله لعبده، وليس هو في الحقيقة كرامة، وإنما تُشْبِه الكرامة، من جهة أنها دعوة نافذة وسلطان قاهر، وإنما الكرامةُ في الحقيقة: ما نفعت في الآخرة، أو نفعت في الدنيا ولم تضر في الآخرة، وإنما هذا بمنزلة ما يُنْعَم به على الكفار والفُسَّاق من الرِّياسات والأموال في الدنيا، فإنما تصير هذه نعمة إذا لم تضر صاحبها في الآخرة.
ولهذا اختلفَ أصحابُنا وغيرُهم، هل ما يُنْعَم به على الكافر نعمة أم ليس بنعمة؟ وإن كان الخلاف لفظيًّا.
_________________
(١) "فصل" ليست في "الاقتضاء": (٢/ ٢٢٠).
(٢) من هنا إلى قوله: "إلى الله" ملحق في الهامش وليس عليه علامة التصحيح -وهو بخط المؤلف- وليس في مطبوعة "الاقتضاء".
[ ١٧٧ ]
١ - أمور قدرها الله ولا يحبها
٢ - أمور شرعها ويحبها ويرضاها، ولم يعن عبده عليها
٣ - أمور شرعها ويحبها ويرضاها، وأعان عبده عليها
فهذه الأدعية ونحوها، وإن كان قد يحصل لصاحبها أحيانًا غرضُه؛ لكنها محرمة لما فيها من الفساد الذي يُرْبي على منفعتها، كما تقدم، ولهذا كانت هذه فتنة في حق من لم يهده الله ويُنوِّر قلبَه، ويفرِّق بين أمر التكوين وأمر التشريع، ويفرِّق بين القدر والشرع، ويعلم أن الأقسام ثلاثة:
* أمور قدَّرها الله ولا يُحِبُّها، فإن الأسباب المحصلة لهذه تكون محرمة موجبة لعقابه.
* وأمور شرعها الله، وهو يُحبها ويرضاها من العبد، لكن لم يُعِنْه على حصولها، فهذه محمودة عنده مرضِيَّة وإن لم توجد.
* والقسم الثالث: أن يُعِيْنَ العبدَ على ما يُحبه منه.
فالأول: إعانة الله. والثاني: عبادة الله. والثالث: جمع له بين العبادة والإعانة، كما قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥].
فما كان من الدعاء غير المباح إذا أثَّر فهو من باب الإعانة لا العبادة، كسائر الكفار والمنافقين والفسَّاق، ولهذا قال في مريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢]. وكان النبي -ﷺ- يستعيذ بكلمات الله التامات التي لا يُجَاوِزُها بَرٌّ ولا فاجِر (^١).
ومن سنة (^٢) الله أن الدعاءَ المتضمِّنَ شركًا، كدعاء غيره لا يحصل
_________________
(١) سيأتي ص/ ١٩٤.
(٢) كذا بالأصل، وفي "الاقتضاء": "ومن رحمة".
[ ١٧٨ ]
غرضُ صاحبه، ولا يؤثِّر إلا في الأمور الحقيرة، أما الأمور العظيمة كإنزال المطر وكشف العذاب؛ فلا ينفع فيه هذا الشرك، كما قال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾ [الإسراء: ٥٦].
فلما كان هذه المواضع (^١) العظيمة لا يستجيب فيها إلا هو؛ دلَّ على توحيده، وقطع شُبَهِ من أشرك به، وعلم أن ما دون هذا -أيضًا- من الإجابات إنما فَعَلَها هو -سبحانه- وإن كانت تجري بأسبابٍ محرمة أو مباحة، كما أن خلقه للسماء والأرض ونحوهما من الأجسام العظيمة، دل على وحدانيته، وأنه خالق لكل شيءٍ.
فصلٌ (^٢) [في زيارة قبر النبي ﷺ وبعض ما أُحدث فيها]
قال الإمام أحمد وغيره: إنه يستقبل القبلة بعد تحية النبي ﷺ ويجعل الحجرة على يساره لئلا يستدبره، ويدعو لنفسه، وأنه إذا حيَّاه وسلَّم عليه يكون مستقبلًا له بوجهه -بأبي هو وأُمي -ﷺ--، فإذا أراد الدعاء؛ جعل الحجرة عن يساره واستقبل القبلة، وهذا مراعاةً منهم لحفظ التوحيد، فإن الدعاء عند القبر لا يُكره مطلقًا، بل يُؤمر به تَبَعًا وضمنًا كما جاءت به السنة، وإنما المكروه التحرِّي.
وهذا أمر مستمر، فإنه لا يُستحبُّ للداعي أن يستقبل إلا ما يُسْتحب أن يصلي إليه، فلما نهى عن الصلاة إلى جهة الشرق، نهى أن يتحرَّي
_________________
(١) في "الاقتضاء": "المطالب".
(٢) "فصل" ليست في "الاقتضاء": (٢/ ٢٣٩).
[ ١٧٩ ]
استقبالَها وقتَ الدعاء، ومن الناس من يستقبل وقت دعائه الجهةَ التي فيها الرجلُ الصالح، وهذا شرك وضلال. كما أن بعض الناس يمتنع أن يستدبر الجهة التي فيها [بعض الصالحين، وهو يستدبر الجهة التي فيها] (^١) بيت الله أو قبر رسوله، وكلُّ ذلك من البدع.
كما أن مالكًا وغيره کره أن أهل المدينة كلما جاء أحدهم المسجد أن يدخل إلى قبره ويُسلِّم عليه وعلى صاحبيه، وقال: "إنما يكون ذلك إذا جاء أحدهم من سفرٍ أو أراد سفرًا" ورخَّص بعضهم في السلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها.
وأما قصده دائمًا للصلاة والسلام؛ فما علمتُ أحدًا رخَّص فيه؛ لأن ذلك نوعٌ من اتخاذه عيدًا، مع أنه يُشرع لنا إذا دخلنا المسجد أن نقول: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبرکاته" كما نقوله آخر صلاتنا، بل قد اسْتُحِبَّ ذلك لكل من دخل مكانًا ليس فيه أحدٌ أن يسلم على النبي -ﷺ- (^٢) .
فخاف مالكٌ أن يكون فِعْل ذلك عند القبر كلَّ ساعةٍ اتخاذًا له عيدًا، وأيضًا: فإنه بدعة، فإن المهاجرين والأنصار قد كانوا يصلُّون في المسجد، ولم يكونوا يأتون القبر كل صلاةٍ، وذلك لعلمهم بكراهته لذلك، مع أنهم يُسلمون عليه عند دخولهم وخروجهم وفي التشهد، كما كانوا يسلِّمون عليه في حياته. والمأثور عن ابن عمر يدل على ذلك، أنه كان إذا قَدِم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فسلَّم وصلَّى عليه،
_________________
(١) زيادة لازمة يستقيم بها السياق، من "الاقتضاء".
(٢) انظر "جِلاء الأفهام": (ص/ ٢١٨، ٢٣٨).
[ ١٨٠ ]
وقال: السلام عليك يا أبا بكر، "السلام عليك يا أبتاه" رواه سعيد (^١) .
وكرهت الأمة (^٢) استلامَ القبر وتقبيلَه، ومنعوا الناسَ أن يُصلُّوا إليه، وكانت حجرة عائشة مُلاصِقةً لمسجده، ومضى الأمرُ على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين، وزِيْد في المسجدِ. والحجرةُ على حالها هي وغيرها من الحُجَر المُطِيْفَة بالمسجد من شرقيِّه وقِبْلِيِّه، حتى بناه الوليد بن عبد الملك، وكان عمر بن عبد العزيز عاملَه على المدينة، فابتاع الحجرةَ وغيرها وهدمهنَّ، وأدخلهنَّ في المسجد، فمن أهل العلم من كره ذلك، کسعيد بن المسيب، ومنهم من لم يكره.
قال أحمد -لما سأله الأثرم: أيمس القبر؟ - قال: ما أعرفُ هذا، وحكى بعض أصحابنا روايةً في مسح قبره؛ لأن أحمد شيَّع بعضَ الموتى فوضع يده على قبره يدعو له. والفرق بين الوضعين ظاهر.
أما المنبر؛ فقال أحمد: لا بأس به (^٣)، وكره مالك التمسُّحَ بالمنبر، كما كرهوا التمسُّحَ بالقبر.
أما اليوم؛ فقد احترق المنبر، وإنما بقي من المنبر خشبة صغيرة، فقد زال ما رُخِّص فيه؛ لأن الأثر المنقول عن ابن عمر وغيره إنما هو التمسُّح بمقعده.
_________________
(١) هو ابن منصور في "سننه". وتكلم على سنده في الأصل: (٢/ ٢٤٣). وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف": (٣/ ٢٨) بسندٍ صحيح.
(٢) كذا بالأصل، وبعض نسخ "الاقتضاء"، وفي الأخرى: "الأئمة".
(٣) انظر "مسائل أحمد" رواية ابنه صالح رقم (١٣٤٠)، و"العلل" رواية عبد الله، و"السير": (١١/ ٢١٤).
[ ١٨١ ]
فصل في زيارة مقامات الأنبياء والصالحين، مما لم يتخذ مساجد
فيه قولان: الأول النهي عن ذلك
الثاني: الرخصة باليسير منه
فصلٌ (^١)
أما زيارة مقامات الأنبياء والصالحين، وهي الأمكنة التي أقاموا فيها، لكنهم لم يتخذوها مساجد، فالذي بلغني عن العلماء قولان:
أحدهما: النهي عن ذلك.
والثاني: أنه لا بأس باليسير من ذلك، كما نُقِل عن ابن عمر أنه كان يتحرَّي قصد المواضع التي سلكها النبي -ﷺ-، وإن كان النبي سلكها اتفاقًا لا قصدًا. قال سِنْدِيّ (^٢): سألنا أبا عبد الله عن الرجل يأتي هذه المشاهد ويذهب إليها، ترى ذلك؟ فقال: أما على حديث ابن أم مكتوم أنه سأل النبي -ﷺ- أن يصلي في بيته حتى يتخذه مصلي، وعلى ما كان يفعل ابن عمر؛ يتتبع مواضع النبي ﷺ وأثره؛ فليس بذلك بأس أن يأتي الرجل المشاهد، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جدًّا (^٣).
فقد فصَّل أبو عبد الله بين ما يُتَّخذ عيدًا وبين ما يُفْعَل نادرًا قليلًا، وهذا فيه جمعٌ بين الآثار.
ورُوِي عن عمر أنه رأى الناس ابتدروا المسجد، فقال: ما هذا؟ قالوا: مسجدٌ صلى فيه رسول الله، فقال: "هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعًا، من عَرَضت له منكم الصلاة فلْيُصلِّ، ومن لم تعرض له فليمض" (^٤)، فكره اتخاذ مصلَّى النبي عيدًا.
_________________
(١) "الاقتضاء": (٢/ ٢٧١).
(٢) الخواتيمي، وله مسائل عن الإمام أحمد، "طبقات الحنابلة": (١/ ٤٥٥).
(٣) ذكره الخلال في "جامعه - كتاب الأدب".
(٤) أخرجه ابن وضاح في "البدع والنهي عنها": (ص/ ٨٧ - ٨٨)، وابن أبي شيبة في =
[ ١٨٢ ]
ما جاء عن ابن عمر في ذلك وتخريجه
وقال محمد بن وضَّاح (^١): إن عمر أمر بقطع الشجرةِ التي بويع تحتها النبيُّ ﷺ خوفَ الفتنةِ على الناس.
وقال محمد بن وضاح (^٢): كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار بالمدينة، ما عدا قُباء وأُحُدًا. ودخلَ الثوريُّ بيتَ المقدس فصلَّى فيه ولم يتبع تلك الآثار، فهولاء کرهوها مطلقًا؛ لحديث عمر هذا.
وما فعله ابنُ عمر لم يوافقه عليه أحدٌ من الصحابة، والصوابُ معهم، فإن المتابعة تكون: بأن يفعل مثل ما فعل، على الوجه الذي فعل، فإذا قَصَد العبادة في موضعٍ كالمساجد والمشاعر، كان قصدنا متابعة له، أما إذا فعل فعلًا اتفاقًا من غير قصد وتحرٍّ، فإذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له، فإن الأعمال بالنيات.
واستحبَّ آخرون من العلماء إتيانها، وذكر طائفةٌ من أصحابنا وغيرُهم استحبابَ زيارة هذه المواضع وعدّوا منها مواضع، وأما أحمد فرخَّص فيما جاء به الأثر إلا إذا اتُّخِذ عيدًا، وجمع بين الأخبار، مثل حديث عِتْبان الذي راح إليه الرسول وصلى في بيته موضعًا اتخذه مسجدًا (^٣). لكن عِتْبان كان قصده بناء المسجد، فأحبَّ أن يكون الرسول هو الذي يخطّه له، بخلاف ما إذا صلَّى الرسولُ في موضعٍ من
_________________
(١) = "المصنف"، وصححه شيخ الإسلام في "الفتاوى": (١/ ٢٨١).
(٢) "البدع والنهي عنها": (ص/ ٨٧ - ٨٨).
(٣) المصدر نفسه: (ص/ ٨٨).
(٤) أخرجه البخاري رقم (٤٢٥)، ومسلم رقم (٣٣) من حديث عتبان بن مالك.
[ ١٨٣ ]
الأمكنة التي قصدها النبي ﷺ للدعاء والصلاة، فقصدها سنة
الحكاية عن الأعرابي الذي جاء إلى القبر، وأنشد شعرا واستجيب له، ونقدها
غير قصدِ اتخاذِه مسجدًا، فاتخذه أحدٌ مسجدًا لا للحاجة إليه، بل لكونه صلى فيه الرسول -ﷺ-.
أما الأمكنة التي قصدها رسول الله للدعاء عندها والصلاة؛ فقصْدُها، سنة، اقتداءً به -ﷺ؛ كتحريه الصلاة عند الاصطوانة موضع المصحف (^١).
وقد روى بعض الفقهاء (^٢) أن أعرابيًّا أتى قبر النبي -ﷺ- وتلا قولَه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ الآية [النساء: ٦٤]، وأنشد:
يا خيرَ مَن دُفِنَتْ بالقاعِ أعْظُمُه وَطَابَ مِن طِيْبِهِنَّ القاعُ والأَكَمُ
وأنه استحبَّ طائفةٌ من متأخِّري الفقهاء من أصحاب أحمد والشافعي مثل ذلك.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٥٠٢)، ومسلم رقم (٥٠٩) من حديث سلمة بن الأكوع -﵁-.
(٢) لعله يقصد أبا محمد ابن قدامة المقدسي، فإنه ذكرها في "المغني": (٥/ ٤٦٥ - ٤٦٦)، وعنه ابن أبي عمر في "الشرح الكبير" وهذه القصة أخرجها ابن عساكر في "تاريخه" وابن الجوزي في "مثير العزم الساكن" بأسانيدهم، وذكرها ابن كثير في "تفسيره": (١/ ٥٣٢). وقال الحافظ ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي": (ص/ ٢٥٣): "هذه الحكاية التي ذكرها بعضهم يرويها عن العُتبي بلا إسناد، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب الهلالي وقد ذكرها البيهقي في كتابه "شعب الإيمان" بإسنادٍ مظلم وقد وضع لها بعض الكذابين إسنادًا إلى علي بن أبي طالب. وفي الجملة؛ ليست هذه الحكاية المنكورة عن الأعرابي مما يقوم به حجة، وإسنادها مظلم مختلف ولفظها مختلف أيضًا ، ولا يصلُح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية، ولا الاعتماد على مثلها عند أهل العلم وبالله التوفيق" اهـ.
[ ١٨٤ ]