فصلٌ (^١)
تقدم أن العيد يكون اسمًا لنفس المكان والزمان والاجتماع، وقد أُحدث من هذه الثلاثة أشياء، مثل:
* أول خميس من رجب (^٢)، وليلة تلك الجمعة تسمَّي: "الرغائب"، فإن تعظيم ذلك اليوم والليلة حادث بعد المئة الرابعة، ورُوِيَ في صومه حديث موضوع باتفاق العلماء (^٣)، وفعل هذه الصلاة وإن كان قد ذكرها بعض المتأخرين من الأصحاب وغيرهم، فإنها محدثة منهيٌّ عنها عند المحققين من أهل العلم، وعن إفراد صوم هذا اليوم، وكل ما فيه تعظيم له من طعامٍ وزينة، بل لا يكون له مزيَّة على غيره.
* وكذلك يومٌ آخر في وسط رجب، يصلى فيه صلاة تُسَمَّى "صلاة أم داود" فلا أصل لذلك.
* ومنها: ثامن عشر ذي الحجة (^٤)، الذي خطب فيه رسول الله بغدير خُمٍّ مرجِعَه من حجة الوداع (^٥)، فاتخاذ ذلك اليوم عيدًا مُحْدَث لا أصل له.
_________________
(١) "الاقتضاء": (٢/ ١٢١).
(٢) وهذا من نوع: ما لم تُعظمه الشريعة أصلًا.
(٣) أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات": (٢/ ١٢٤)، وانظر "أداء ما وجب": (ص/ ٥٤) لابن دحية، و"المنار": (ص/ ٩٥ - ٩٦) لابن القيم.
(٤) وهذا من نوع: ما جرى فيه حادثة ما، من غير أن يُجعل موسمًا.
(٥) أخرجه مسلم رقم (٢٤٠٨) من حديث زيد بن أرقم -﵁-.
[ ١٤٦ ]
* ومنها: ما يُحدِثه بعضُ الناس؛ إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى، وإما محبة للنبي -ﷺ-، والله يُثيبهم على قصدهم الصالح (^١)؛ لكن هذا المولد لم يفعله أحد من السلف للنبي -ﷺ- (^٢)، ولو كان خيرًا لكان السلف -﵃- أحقَّ به، وكمالُ تعظيمه في متابعته ظاهرًا وباطنًا، ونَشْر ما بُعِث به، والجهادُ على إظهاره باليد والقلب واللسان، هذه طريقة السابقين.
فعليك بالتمسُّك بالسنة في خاصَّتك وخاصَّة من يُطيعك، وأعرف المعروف وأنكر المنكر، وادْعُ (^٣) إلى السنة بحسب الإمكان، فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شرٍّ منه؛ فلا تدعُ إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه، أو ترك واجب أو مندوب تركُه أضرُّ من فعل ذلك المكروه، ولا ينبغي لأحدٍ أن يترك خيرًا إلَّا إلى مثله أو إلى خيرٍ منه.
فَفِعْل المولد قد يفعله بعضُ الناس ويكون له فِيْه أجر عظيم (^٤)، فقد يَحْسُن من بعض الناس ما يُستقبح من المؤمن المسدَّد (^٥) .
فتفطَّن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية (^٦)، بحيث تعرف مراتبَ المعروف ومراتبَ المنكر، حتى تُقَدِّم
_________________
(١) من محبة النبي -ﷺ- وتعظيمه، لا لأجل البدع.
(٢) مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه.
(٣) في "الأصل": "وادعوا" والصواب المثبت.
(٤) لحسن قصده وتعظيمه للرسول -ﷺ-، وما وقع منه من بدعة غفره الله له؛ لاجتهاده أو تقليده الذي يُعْذَر به عند الله تعالى.
(٥) وانظر "الاقتضاء": (٢/ ١٢٦) لمزيد البيان.
(٦) في "الأصل": "الشريعة" سبق قلم.
[ ١٤٧ ]
أحدهما عند الازدحام، فهذا حقيقة العلم بما جاءت به الرسل.
وقد يُفْعَل في ما هو مُعَظَّم في الشريعة (^١)، من الأوقات الفاضلة ما يعتقد أنه فضيلة فيصير منكرًا، مثل ما أحدث بعضُ أهل الأهواء في يوم عاشوراء من التعَطُّش والتحزُّن والتجمُّع، وغير ذلك من المحدثات، من اتخاذه مأتمًا، فهو من دين الجاهلية ليس من دين المسلمين، وكذلك أحدثَ فيه بعضُ الناس أشياءَ مستَنِدة إلى أحاديث موضوعة، مثل فضل الاغتسال فيه أو التكحل أو المصافحة (^٢)، فكل ذلك مكروه، وإنما السنة صومه.
وقد رُوِيَ في التوسعة على العيال آثار معروفة (^٣)، وقد يكون الغُلُو في تعظيمه من بعض أهل السنة لمقابلة الروافض، فإن الشيطان قصده أن يحرف الخلقَ عن الصراط المستقيم.
* ومنها: رجب، فإنه أحد الأشهر الحُرُم، ورُوِيَ عنه أنه كان يقول: "اللهم بارِكْ لنا في رجَبَ وشعبانَ وبلِّغْنا رمضَاَن" (^٤)، ولم يثبت عنه في رجب حديث آخر، بل عامة الأحاديث المأثورة فيه كَذِب. فاتخاذه
_________________
(١) وهذا هو القسم الثالث، وقد تقدم القسمان الأولان قريبًا، وهذا القسم إلى قوله ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ ملحق في الحاشية.
(٢) انظر "المنار المنيف": (ص/ ١١٢)، و"لطائف المعارف": (ص/ ١١٢).
(٣) انظر "المنار المنيف": (ص/ ١١١ - ١١٢)، و"المقاصد الحسنة": (ص/ ٤٣١)، و"اللآلي المصنوعة": (٢/ ١١١ - ١١٤)، و"لطائف المعارف": (ص/ ١١٢ - ١١٣).
(٤) أخرجه أحمد: (٤/ ١٨٠ رقم ٢٣٤٦)، والبزار "الكشف": (١/ ٢٩٤) وغيرهم من حديث أنس بن مالك -﵁- وهو حديث ضعيف مداره على زائدة بن أبي الرقاد عن زياد النميري.
[ ١٤٨ ]
موسمًا بحيث يُفْرَد بالصوم مكروه عند الإمام أحمد وغيره، كما روي عن عمر بن الخطاب وأبي بكرة وغيرهما من الصحابة -﵃ (^١) -. وروى ابن ماجه: "أنَّ النبيَّ -ﷺ- نهى عن صَوْمِ رجب" (^٢) .
وهل الإفراد المكروه أن يصومه كلَّه أو أن لا يقرن به شهرًا آخر؟ فيه للأصحاب وجهان.
ومن هذا الباب: ليلة نصف شعبان، فقد رُوِي في فضلها من الأحاديث ما يقتضي أنها ليلة مفضَّلة، وأن من السلف من كان يخصُّها بالصلاة فيها (^٣) .
وصوم شهر شعبان قد جاءت فيه أحاديث صحيحة (^٤) .
ومن العلماء من أنكر فضلَها وطعن في الأحاديث الواردة فيها؛ كحديث: "إنَّ اللهَ يَغْفِرُ فيها لأكثر من شَعْر غَنَمٍ کلبٍ" (^٥) .
والذي عليه أكثر أهل العلم من أصحابنا وغيرهم تفضيلها، وعليه يدل نصُّ أحمد، وإن كان قد أُحْدِثَ فيها أحاديث.
_________________
(١) انظر "تبيين العجب": (ص/ ٦٦)، و"لطائف المعارف": (ص/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
(٢) رقم (١٧٤٣) من حديث ابن عباس -﵄- وسنده ضعيف، وقد ضعفه شيخ الإسلام، وابن رجب وصحح وقفه على ابن عباس.
(٣) انظر "المنار المنيف": (ص/ ٩٨)، و"لطائف المعارف": (ص/ ٢٦١).
(٤) كما أخرج البخاري عن عائشة -﵂- رقم (١٩٦٩)، ومسلم رقم (١١٥٦). في أحاديث أخرى، انظر "لطائف المعارف": (ص/ ٢٣٦).
(٥) يعني ليلة النصف من شعبان، وهذا الحديث رواه أحمد: (٦/ ٢٣٨)، والترمذي رقم (٧٣٩)، وابن ماجه رقم (١٣٨٩)، وضعفه الإمام البخاري كما نقل عنه الترمذي.
[ ١٤٩ ]
أما صوم النصف مفردًا؛ فلا أصل له، بل إفراده مكروه، وكذلك اتخاذه موسمًا تُصْنَع فيه الأطعمة والزينة.
وكذلك صلاة الألفية في ليلة النصف جماعةً. وليعلم أن الاجتماع لصلاة تطوع، أو استماع قرآن، أو ذكر الله، ونحو ذلك، إذا كان يُفْعَل أحيانًا فهو حسن، فقد صحَّ عنه -ﷺ- أنه صلى التطوع في جماعةٍ أحيانًا. وعموم الأحاديث الذي فيها: "ما اجْتَمَعَ قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللهِ يَتْلُونَ كتابَ اللهِ ويَتَدَارسُونَه بَيْنَهم " (^١) الحديث. وأنه خرج على قومٍ وهم يقرأون فجلس معهم (^٢)، وغير ذلك.
أما اتخاذ اجتماع راتبٍ يتكرَّر بتكرُّر الأسابيع أو الشهور أو الأعوام غير الاجتماعات المشروعة، فإن ذلك يُضاهي اجتماعات الصلوات الخمس والجمعة والعيدين والحج، وذلك هو المبتدَع المحدَث، فَفَرْقٌ بين ما يُتَّخذ سنة وعادة، فإن ذلك يُضاهي المشروع، وهذا الفرق هو المنصوص عن أحمد وغيره من الأئمة.
وروي عن ابن مسعود أنه اتخذ أصحابُه مكانًا يجتمعون فيه للذكر؛ فخرج إليهم فقال: "لأنْتُم أهْدَى من أصحاب محمد، أو لأنتم على شُعْبَةِ ضلالٍ" (^٣) .
وفيما شرعَه الله من العبادات المتكرِّرة كفاية، فإذا أحْدِث اجتماع معتاد كان فيه مضاهاة لما شَرَعَه الله، بخلاف ما يفعله الرجل وحدَه أو
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٢) كما في حديث استماعه لقراءة أبي موسى، وابن مسعود.
(٣) أخرجه الدارمي في "مسنده" رقم (٢١٠ - ط. حسين أسد) وابن أبي شيبة: (٧/ ٥٥٣).
[ ١٥٠ ]
فصل في اجتماع العيد المكاني والزماني المحدث
الجماعة المخصوصة أحيانًا، ولذلك كره السلف إفرادَ رجب، وقطعَ عمرُ الشجرةَ التي [بويع تحتها] (^١) لمَّا انتابها الناسُ. ففرقٌ بين الكثير الظاهر وبين القليل الخفيِّ، والمعتاد وغير المعتاد (^٢).
* * *
فصل (^٣)
وقد يحدث في اليوم الفاضل مع العيد العملي المحدَث العيدُ المكانيُّ؛ فيغلظ قُبْح هذا، ويصير خروجًا عن الشريعة، فمن ذلك: ما يُفْعَل يوم عرفة مما لا أعلم بين المسلمين خلافًا في النهي عنه، وهو قَصْد قبر من يُحْسِن به الظنَّ يوم عرفة، والاجتماع العظيم عند قبره، كما يُفْعَل في بعض أرض المشرق والمغرب، والتعريف هناك كما يُفْعَل بعرفات، فإن هذا نوعٌ من الحجِّ المبتدَع الذي لم يشرعه الله واتخاذ القبور أعيادًا.
وكذلك السفر إلى بيت المقدس للتعريف فيه، فإنه -أيضًا- ضلال بَيِّن، فإن زيارة بيت المقدس مستحبَّة للصلاة والاعتكاف، وهو أحد المساجد الثلاثة التي تُشَدُّ إليها الرِّحال؛ لكن قصد إتيانه في أيام الحج هو المكروه، فإن ذلك تخصيص وقت معيَّن بزيارة بيت المقدس، ولا خصوص لزيارته في هذا الوقت.
_________________
(١) غير واضحة في الأصل، ولعلها ما أثبت.
(٢) بعده نحو سطر لم يتضح؛ لأنه جاء في ذيل الورقة (٢٠٠ ب)، والنص من قوله: "وروي عن ابن مسعود " إلى هنا ملحق في حاشية النسخة.
(٣) "الاقتضاء": (٢/ ١٤٩).
[ ١٥١ ]
ثم فيه -أيضًا- مضاهاةٌ للحج إلى المسجد الحرام، وتشبيهُه بالكعبة، وقد أفضى الأمر إلى ما لا يشكُّ مسلم أنه شريعة أخرى غير شريعة الإسلام، وهو ما قد يفعله بعض الضُلَّال من الطواف بالصخرة، أو حَلْق الرأس هناك، أو قصد النُّسك هناك.
وما يفعله بعضُ الجهَّالُ من الطواف بالقُبة التي بجبل الرحمة بعرفة.
وأما الاجتماع في هذا الموسم لإنشاد الغناء أو ضَرْبٍ بالدفِّ بالمسجد الأقصى ونحوه؛ فمن أقبح المنكرات من جهاتٍ أُخرى.
وأما قَصْد الرجل مسجدَ بلدِه يوم عرفة للدعاء والذكر؛ فهذا هو التعريف في الأمصار، فقد اختلف فيه العلماء؛ ففعله ابنُ عباس وعَمْرو ابن حُرَيث، ورخَّص فيه أحمد وإن كان مع ذلك لا يستحبُّه، هذا المشهور عنه، وكرهه طائفة من الكوفيين [والمدنيين] (^١)؛ كأبي حنيفة ومالك وغيره.
والفرق بين هذا التعريف وذلك التعريف المنهيِّ عنه: هو أن ذلك قَصْد موضعٍ بعينه، مثل قبرٍ أو غيره يُشَبَّه بعرفات، بخلاف مسجد المِصْر، فإنه قَصَد له بنوعه لا بعينه، وأيضًا: فإن المكان المعيَّن قد يحصل شدُّ رحلٍ إليه، واتخاذ القبر عيدًا، وهذا بنفسه محرَّم.
وأما ضرب البوقات والطبول فإنه مكروه في العيد وغيره، وكذلك لباس الحرير.
_________________
(١) زيادة من "الاقتضاء" ليتسق الكلام، لأنه ذكر أبا حنيفة وهو کوفي، وذكر مالكًا وهو مدني.
[ ١٥٢ ]
الفرق بين التعريف المنهي عنه والمختلف فيه
فصل الأعياد المكانية تنقسم إلى ثلاثة أقسام
الأول مكان لا فضل له في الشريعة أصلا
فصلٌ (^١)
وأما الأعياد المكانية فتنقسم كالزمانية إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لا خصوصَ له في الشريعة.
والثاني: ما له خَصِيصة لا تقتضي قصده للعبادة فيه.
والثالث: ما تُشرع (^٢) العبادة فيه، لكن لا يُتَّخذ عيدًا.
والأقسام الثلاثة جاءت الآثارُ بها؛ مثل قوله: "لا تتخذوا قبري عيدًا" (^٣)، ومثل نهيه عن اتخاذ آثار الأنبياء أعيادًا. فهذه الأقسام الثلاثة:
أحدها: مكانٌ لا فضل له في الشريعة أصلًا، ولا فيه ما يوجِب تفضيلَه، بل هو كسائر الأمكنة أو دونها، فَقَصْد ذلك أو الاجتماع فيه لصلاة أو دعاء أو ذِكْر أو غيره ضلال بيِّن، [و] إن كان به أثر بعض الكفار أو غيرهم صار أقبح وأقبح، ودخل في هذا الباب وفيما قبله مشابهة الكفار، وهذه أنواع لا يمكن ضبطها بخلاف الزمان فإنه محصور، وهذا الضرب أقبح من الذي قبلَه، فإن هذا يُشبه عبادة الأوثان أو ذريعة إليها، أو نوع من عبادة الأوثان، إذ عبَّاد الأوثان كانوا يقصدون بقعةً بعينها لتمثالٍ هناك أو غير تمثال، يعتقدون أن ذلك يُقربهم إلى الله، وكانت الطواغيتُ الكِبار التي تُشَد إليها الرِّحال ثلاثة؛ اللات، والعُزَّى، ومناة الثالثة الأخرى، كما ذكر اللهُ تعالى في كتابه (^٤). كلُّ واحدة من هذه الثلاثة لمِصْر من أمصار العرب.
_________________
(١) "الاقتضاء": (٢/ ١٥٥).
(٢) في "الأصل": "ما يشرع من " وحذفها هو الصواب كما في "الاقتضاء".
(٣) سيأتي ص/ ١٦٢.
(٤) سورة النجم (١٩ - ٢٢).
[ ١٥٣ ]
الطواغيت الثلاثة «اللات، العزي، مناة» والكلام عليها
ومواقيت الحج ثلاثة؛ مكة والمدينة والطائف، فكانت اللات لأهل الطائف. قيل: إنه كان رجلًا صالحًا يَلُتُّ السويق للحجيج، فلما مات عكفوا على قبره مُدَّة، ثم اتخذوا تمثاله، ثم بنوا عليه بِنْيَة سَمَّوها: "بيت الربَّة" وقصتها معروفة، فلما بُعِثَ النبي -ﷺ- هَدَمَها لما فُتِحت الطائف بعد مكة سنة تسعٍ (^١).
وأما العُزَّى: فكانت لأهل مكة قريبًا من عرفات، وكانت هناك شجرة يذبحون عندها ويدعون، فبعثَ النبيُّ -ﷺ- خالدَ بنَ الوليد عَقِب فتح مكة، فأزالها، وقسم النبي -ﷺ- مالَها، وخرجت منه شيطانة ناشرة شعرها، فيئست العُزَّى أن تُعْبَد.
وأما مناة: فكانت لأهل المدينة من ناحية الساحل.
ومن أراد أن يعلم كيف كان حال المشركين في عبادة أوثانهم، ويعرف حقيقة الشركِ الذي ذمَّه اللهُ وأنواعه حتى يتبين له تأويل القرآن؛ فلينظر في سيرة النبي -ﷺ- وأحوال العرب في زمانه، وما ذكره الأزرقي في "أخبار مكة" (^٢) وغيره من العلماء.
ولما كان للمشرکين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمُّونها: "ذات أنواط". فقال بعضُ الناس: يا رسول الله اجعل لنا ذاتَ أنواط ٍ كما لهم ذات أنواط. فقال: "الله أكبر، قلتم كما قال قومُ موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، إنها السَّنَن لتركبنّ سَنَن من كَان قَبْلَكم" (^٣). فأنكر
_________________
(١) انظر "السيرة النبوية": (٤/ ٥٤١).
(٢) (١/ ١١٦ - ١٢٥).
(٣) تقدم ص/ ٣٥.
[ ١٥٤ ]
مشابهتهم للكفار بأن يعلقوا على شجرة، فكيف بما هو أطم من مشابهتهم في نفس الشرك؟!
فمن قَصَد بقعةً يقصد الخير فيها، ولم تستحب الشريعةُ ذلك؛ فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواءٌ كانت البقعة شجرة، أو عين ماء، أو قناة جارية، أو جبلًا، أو مغارة، وسواءٌ قَصَدَها ليصلي فيها، أو ليدعو، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر، أو ليتنسَّك، بحيث يخص البقعة بنوعٍ من العبادة التي يُشْرَع تخصيص تلك البقعة به لا عينًا ولا نوعًا.
وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهنًا لتُنَوَّر [به]، ويقال: إنها تقبل النذر -كما يقوله بعض الضالين- فإن هذا نذرُ معصيةٍ باتفاق العلماء، لا يجوز الوفاء به، بل عليه كفارة يمين عند كثير من أهل العلم، منهم أحمد في المشهور عنه.
وكذلك إذا نذر طعامًا للحيتان التي في العين، أو نذر مالًا للسَّدَنة والمجاورين العاكفين بتلك البقعة، فإن هولاء يشبهون سَدَنة اللات والعُزَّى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل، فيهم شَبَه من العاكفين الذين قال لهم إبراهيم: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)﴾ [الأنبياء: ٥٢]، وكالذين اجتاز بهم موسى وقومُه في قوله: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨].
ثم إذا صُرف هذا المال في جنس تلك العبادة من المشروع، مثل عمارة المساجد، والصالحين من فقراء المسلمين؛ كان حَسَنًا. فهذه الأمكنة منها ما يُظن أنه قبر نبي أو رجلٍ صالح، وليس كذلك، أو يُظن أنه مقام له وليس كذلك، فأما ما كان قبرًا أو مقامًا؛ فهو من النوع
[ ١٥٥ ]
بعض أعيان الأماكن التي عظمت بالباطل من القبور والمشاهد
الثاني، وهذا بابٌ واسع أذكر بعض أعيانه:
* فمن ذلك: عدة أمكنة بدمشق، مثل مشهد لأُبَيِّ بن كعب، خارج الباب الشرقي، ولا خلاف أن أُبيَّ بن كعبٍ إنما توفي بالمدينة.
* وكذلك يقال: قبر هود في الحائط القِبْلي، وما علمتُ أحدًا ذكر أن هودًا (^١) مات بدمشق، بل قيل: باليمن، وقيل: بمكة.
* وكذلك: مشهد أويس، وما قال أحدٌ أن أُويسًا (^٢) مات بدمشق ولا قدم إليها.
* ومن ذلك: قبر أم سلمة، ولا خلاف أنها ماتت بالمدينة، وما أكثر الغلط في ذلك من جهة مشابهة الأسماء (^٣).
* وكذلك: بمصر مشهد يقال: إنه للحسين، وهو باطل اتفاقًا (^٤).
فهذه المواضع ليس فيها فضيلة أصلًا، اللهم إلا أن يكون قبر رجلٍ مسلم، فيكون كسائر قبور المسلمين ليس لها خَصِيصة، وإن كانت القبور الصحيحة لا يجوز اتخاذها أعيادًا، ولا أن يُفْعَل فيها ما يُفعل عند هذه القبور المكذوبة.
وفي هذا الباب مواضع يقال: إن فيها أثر النبي -ﷺ- أو غيره،
_________________
(١) "الأصل": "هود".
(٢) "الأصل": "أويس".
(٣) فأم سلمة كنية عدد من النساء في الصحابة والتابعين.
(٤) للمؤلف رسالة خاصة في هذا المشهد نشرت باسم "رأس الحسين"، انظر "مجموع الفتاوي": (٢٧/ ٤٥٠ - ٤٨٩).
[ ١٥٦ ]
ويُضَاهَى بها مقام إبراهيم الخليل الذي بمكة، كما يقوله الجهالُ في الصخرة التي ببيت المقدس، من أن فيها أثرًا من وطء النبي، وبلغني أن بعض الجهال يقول: إنه من وطء الربِّ -سبحانه-!!
وفي مسجد قِبْلِي دمشق -مسجد القدم- يقال: إنه أثر قدم موسي، وهذا باطل.
وكذلك مشاهد تُضَاف إلى بعض الأنبياء والصالحين بناءً على أنه رُئيَ هناك في النوم، ورؤية النبي أو الرجل الصالح ببقعة في النوم لا يوجب لها فضيلة، تُقْصَد البقعة لأجلها، أو تُتخذ مصلّي بإجماع المسلمين.
وهذه الأماكن كثيرة موجودة في أكثر المواضع؛ مثل الحجاز فيها مواضع؛ كغارٍ عن يمين الطريق وأنت ذاهب من بدر إلى مكة، يقال: إنه الغار الذي دخله النبي -ﷺ- وأبو بكر، وأنه الغار الذي ذكره الله تعالي. فلا خلاف بين أهل العلم أن الغار الذي ذكره الله في القرآن، إنما هو غارٌ بجبلِ ثورٍ قريبٌ من مكة، معروف عند أهل مكة إلى اليوم.
وبالجملة؛ فتعظيم مكان لم يُعظّمه الشرع شر من تعظيم زمانٍ لم يُعظمه، فإن تعظيم الأجسام بالعبادة عندها، أقرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم الزمان، فيُنْهى عن الصلاة فيها وإن لم يقصد تعظيمها، لئلا يكون ذريعةً إلى تخصيصها بالصلاة، كما يُنْهى عن الصلاة عند القبور المحققة، وإن لم يقصد المصلِّي الصلاة لأجلها، كما يُنْهى عن إفراد الجمعة وسَرَر شعبان (^١)، وإن لم يقصد تخصيصها بالصوم.
_________________
(١) يعني: آخر شعبان.
[ ١٥٧ ]
وما أشبه هذه الأمكنة بمسجد ضرار، فإن هذه المشاهد إنما وُضِعَت مضاهاةً لبيوت الله، وتعظيمًا لما لم يُعظِّمْه الله، وعكوفًا على أشياء لا تنفع، وصدًّا للخلق عن سبيل الله، وهي عبادته وحده لا شريك له بما شرعه.
ويلتحق بهذا الضرب -وإن لم يكن منه- مواضع يُدَّعَى لها خصائص لا تَثْبُت، مثل كثير من القبور التي يقال: إنها قبر نبي أو قبر صالح، أو مقام نبي أو صالح، ونحو ذلك، وقد يكون ذلك صدقًا، وقد يكون كذبًا، وأكثر المشاهد التي على وجه الأرض من هذا الضرب، فإن الصحيحَ من ذلك قليل جدًّا.
وقال غيرُ واحدٍ من أهل العلم: لم يثبت إلا قبر نبينا -ﷺ-. وغيرُه يُثْبِت قبرَ إبراهيم الخليل، وقد يكون عُلِمَ أن القبرَ في تلك الناحية؛ لكن يقع الشكُّ في عينه، ككثير من قبور الصحابة التي "بباب الصغير" من دمشق، فإن الأرض غُيِّرت، فتعيينُ قبرٍ بعينه أنه قبر بلالٍ أو غيره لا يكاد يَثْبت إلا من طريق خاصة. وإن كان لو ثبت ذلك لم يتعلَّق به حكمٌ شرعي مما قد أُحْدِثَ عندها؛ إذ لو كان ضبط هذه الأمكنة من الدين لما أُهْمِل ولما ضاع عن الأمة المحفوظ دينها المعصومة عن الخطأ.
وأكثر الحكايات إنما توجد من السَّدَنة والمجاورين، الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، وقد يُحْكَي ماله تأثيرٌ، مثل: أن رجلًا دعا عند قبرٍ فاستُجِيبَ له، أو نَذَر لمكانٍ فقُضِيت حاجتُه، ونحو ذلك، وبمثل هذه الأمور عُبِدَت الأصنام، فإن القوم كانوا -أحيانًا- يُخَاطَبُون من الأوثان، وربما تُقْضَي حوائجهم إذا قصدوها، وكذلك يجري لأهل
[ ١٥٨ ]
الأبداد (^١) من أهل الهند، وربما قِيْست على ما شرعه الله من حجِّ بيته والحجر الأسود.
وإنما عُبِدت الشمس والقمر بالمقاييس، وبمثل هذه الشبهات حدث الشركُ في أهل الأرض.
وقد صحَّ أنه نهى عن النذر وقال: "إنَّه لا يَأتي بِخَيْرٍ" (^٢)، فإذا كان النذر الذي هو طاعة لا يأتي بخير؛ فما الظنُّ بالنذر الذي هو معصية، بأن يكون لشيءٍ من هذه الأمكنة مما لا ينفع ولا يضر؟!
وأما إجابة الدعاء؛ فقد يكون سببه اضطرار الداعي وصدقه، وقد يكون مجرد رحمة الله له، وقد يكون أمرًا قضاه الله، لا لأجلِ دعائه، وقد يكون له أسبابٌ أُخَر، وإن كانت فتنةً في حقِّ الداعي، فإنا نعلم أن الكفار قد يُسْتجابُ لهم، فيُسْقون ويُنصرون ويُعافون مع دعائهم عند أوثانهم وتوسُّلهم بها، وقال تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾ [الإسراء: ٢٠]، وقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن: ٦].
وأسبابُ المقدورات فيها أمور يطول شرحُها، ليس هذا موضُعها، وإنما على الخلق اتباع ما بعثَ الله به المرسلين، والعلم بأنَّ فيه خير الدنيا والآخرة، ولعلِّي إن شاء الله أبين أسباب هذه التأثيرات في موضعٍ آخر (^٣) .
هذا هو النوع الأول من الأمكنة.
_________________
(١) جمع "بُدّ"، وهو الصنم أو بيته.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٦٦٩٢، ٦٦٩٣، ٦٦٩٤)، ومسلم رقم (١٦٣٩، ١٦٤٠) من حديث أبي هريرة وابن عمر -﵃-.
(٣) انظر: "مجموع الفتاوي": (١/ ٣٥٩ - ٣٦٤)، (١١/ ٦٤١ - ٦٤٤) وغيرها.
[ ١٥٩ ]
النوع الثاني من الأمكنة ما له خصيصة، لكن لا يقتضي اتخاذه عيدا
النوع الثاني من الأمكنة (^١): ما له خَصِيْصة؛ لكن لا يقتضي اتخاذه عيدًا، ولا يُصلَّي عنده، ولا يُعبد بنوعٍ من العبادات، فمن ذلك: قبور الأنبياء والصالحين، وقد جاء عن النبي وعن السلف النهيُ عن اتخاذها عيدًا عمومًا، خصوصًا، وبيَّنوا معنى العيد.
أما العموم: فما رواه أبو هريرة عن النبي -ﷺ- أنه قال: "لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكم قُبُورًا ولا تجعَلُوا قبري عِيْدًا، وصَلُّوا عليَّ فإنَّ صَلَاتَكم تَبْلُغُنِي حَيْثُ ما كُنْتُم" -ﷺ- تسليمًا. رواه أبو داود بإسنادٍ حسن (^٢)، رواته كلُّهم ثقات (^٣).
قال: حدثنا أحمد بن صالح، قال: قرأتُ على عبد الله بن نافع، أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فذكره.
وإن كان عبد الله بن نافع الصائغ فيه لِيْن لا يقدح في حديثه، قال ابن معين: هو ثقة. وقد رُوِي من جهاتٍ أخرى فما بقي فيه إنكار.
ورُوِي عن الحسن بن الحسن (^٤) بن علي أنه رأى سهل بن سُهَيل عند قبره فقال: ما أنتَ ورجلٌ بالأندلس منه إلا سواء (^٥).
_________________
(١) في "الاقتضاء": (٢/ ١٦٩): "فصل" ثم ذكر النوع الثاني، وقد تقدم النوع الأول (ص ١٥٤).
(٢) رواه أبو داود رقم (٢٠٤٢)، وأحمد: (١٤/ ٤٠٣ رقم ٨٨٠٤).
(٣) يعني: غيرَ عبد الله بن نافع، وقد ذَكَر الكلامَ فيه.
(٤) وقع في "الأصل": "الحسين" والتصويب من "الاقتضاء" والمصادر.
(٥) أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" وساق سنده في "الاقتضاء": (١/ ٣٣٨)، (٢/ ١٧٢)، وابن أبي شيبة: (٣/ ٣٠)، من مرسل الحسن بن الحسن، وسنده جيد. وانظر "النهج السديد": (ص/ ١٢٠).
[ ١٦٠ ]
النهي عن اتخاذ القبور عيدا وأدلته
فإذا كان قبر النبي -ﷺ- -مع أنه أفضل قبر على وجه الأرض- قد نُهي عن اتخاذه عيدًا، فقبر غيره أولى بالنهي، مع كونه قَرَن ذلك بقوله: "لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكم قُبُوْرًا" أي: لا تعطِّلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحرِّي العبادة في البيوت، ونهى عن تحرِّيها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبَّه بهم.
وفي "الصحيحين" (^١) قال: "اجْعَلوا من صلاتِكُم في بُيُوتكم ولا تتَّخِذُوها قُبُورًا"، وقال -أيضًا-: "فإنَّ صلاتَكُم تَبْلُغني" (^٢) يشير إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قُربكم من قبري وبُعدكم، فلا حاجةَ بكم إلى اتخاذه عيدًا.
والأحاديث بأن صلاتنا تُعْرَض عليه كثيرة مشهورة صحيحة (^٣).
مع كون أفضل التابعين [من أهل بيته] (^٤) علي بن الحسين رأى ذلك الرجلَ يدعو عند قبره فنهاه، وروى له حديث: "لا تتَّخِذُوا قَبْري عِيْدًا" (^٥) فعلم أنَّ قَصدَه للدعاء ونحوه اتخاذٌ له عيدًا، وهو أعلم بمعني الحديث من غيره.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٤٣٢)، ومسلم رقم (٧٧) من حديث ابن عمر -﵄-.
(٢) تقدم ص/١٦٠.
(٣) انظر "النهج السديد" رقم (٢٢٩، ٢٣٢، ٢٣٣، ٢٣٤).
(٤) زيادة من "الاقتضاء".
(٥) رواه إسماعيل القاضي في "فضل الصلاة على النبي": رقم (٢٠)، والضياء في "المختارة"، وأبو يعلى: (١/ ٢٤٥)، وابن أبي شيبة في "مسنده" -كما في "المطالب ٢/ ٧٠"- وفي "المصنَّف": (٢/ ٣٧٥). وصححه الضياء، وحسنه السخاوي.
[ ١٦١ ]
وكذلك ابن عمه حسن بن حسن -شيخ أهل بيته- کره أن يقصدَ الرجلُ القبرَ للسلام عليه ونحوه عند دخول المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدًا. رواه سعيد (^١) .
فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل بيته -﵃-. ومعلوم ما كان هو -ﷺ- يأمر أصحابه إذا دخلوا القبور أن يقول أحدهم: "السلامُ عَلَى أهل الدِّيارِ من المؤمنينَ والمسلمينَ، ويَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدمينَ مِنَّا والمُسْتأخِرين وإنَّا إن شاءَ اللهُ بِكُم للاحِقُونَ" (^٢) . ونحوه من الأحاديث المشهورة، وكالصلاة على الميت والدعاء له.
وما كان عليه السابقون الأولون هو المشروع للمسلمين في ذلك كله، وهذا الذي كانوا يفعلونه عند قبر النبي -ﷺ- وغيره.
فزيارة القبور في الجملة جائزة، حتى قبور الكفار، فإن في "صحيح مسلم" (^٣) أنه قال: "استأذَنْتُ رَبِّي أنْ أسْتَغْفِرَ لأُمِّي فَلَمْ يأذَنْ لي، واسْتأذَنْتُه أنْ أزُوْرَ قَبْرَها فأذِنَ لي"، وقال: "زُوْرُوا القُبُوْرَ فإنَّها تذكِّرُ الآخِرَةَ" (^٤) . فهذه الزيارة التي تذكِّر الآخرة، ولِتَحيتهم والدعاءِ لهم هو الذي جاءت به السنة، كما تقدم.
وقد اختلف أصحابُنا وغيرُهم؛ هل يجوز السفر لزيارتها؟ على قولين:
_________________
(١) تقدم ص/ ١٦١.
(٢) أخرجه مسلم رقم (٩٧٥) من حديث بريدة بن الحصيب -﵁-.
(٣) رقم (٩٧٦) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٤) أخرجه أحمد: (٢/ ٣٩٨ رقم ١٢٣٦) من حديث علي -﵁-، وفي سنده ضعف، وله شواهد يصح بها عند الترمذي وغيره من حديث بريدة.
[ ١٦٢ ]
أحدهما: لا، وهو قول ابن بَطَّة وابن عقيل وغيرهما؛ لأنه سفر بدعة منهيٌّ عنه.
والثاني: يجوز، وهو قول الغزالي، وأبي الحسن بن عَبْدوس الحراني، والشيخ أبي محمد المقدسي (^١) -وما علمتُه منقولًا عن أحدٍ من المتقدمين- بناء (^٢) على أن الحديثَ لم يتناول النهيَ عن ذلك، كما لم يتناول النهيَ عن السفرِ إلى المكان الذي فيه الوالد والعلماء والمشايخ والإخوان، أو بعض المقاصد من الأمور الدنيوية المباحة.
وأما سِوى ذلك من المحدَثات؛ مثل الصلاة عند القبور مطلقًا، أو اتخاذها مساجد، أو بناء المساجد عليها، فقد تواترت النصوص عن النبي -ﷺ- بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه، وقد صرَّح العلماء -علماء الطوائف- من أصحابنا وغيرهم، بالنهي عن بناء المساجد على القبور اتباعًا للأحاديث وأنه حرام، ومن العلماء من أطلق عليه لفظ الكراهة، فما أدري ما عنى به التحريمَ أو التنزيه؟ ولا ريب في القطع بتحريمه (^٣) .
فهذه المساجد المبنيَّة على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم تتعيَّن إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين. وتُكره الصلاةُ فيها من غير خلافٍ أعلمه، بل لا تصح عندنا في ظاهر المذهب؛ للنهي واللعن الوارد فيه. ليس في هذه المسألة خلاف؛ لكون المدفون واحدًا، وإنما اختلف أصحابُنا في المقبرة المجرَّدة عن مسجد؛ هل حدُّها ثلاثة أَقْبُر أو يُنْهى عن الصلاة
_________________
(١) هو ابن قدامة، وانظر قوله في "المغني": (٣/ ١١٧ - ١١٨).
(٢) هذا تعليل قولهم بالجواز.
(٣) بأدلة كثيرة صريحة، انظر "الاقتضاء": (٢/ ١٨٤ - ١٨٧).
[ ١٦٣ ]
عند القبر الفَذِّ وإن لم يكن عنده قبر آخر؟ على وجهين.
ثم يُغَلَّظ النهي إن كانت البقعة مغصوبة، مثلما بُني على بعض العلماء والصالحين ممن كان مدفونًا في مقبرةٍ مُسَبَّلة، فبُنِي على قبره مسجد أو مدرسة أو رباط أو مشهد، وجُعِل فيه مطهرة أو لم يُجْعَل، فإن هذا مشتمل على أنواعٍ من المحرمات:
أحدها: أنه لا يجوز الانتفاع بالمقبرة المسبَّلة بغير الدفن من غير تعويض بالاتفاق، فبناء المسجد ونحوه فيها كدفن الميِّت في المسجد. وكبناء الخانقاه (^١) في المقبرة، وكبناء المسجد في الطريق التي يحتاج الناس إلى المشي فيه.
الثاني: اشتمال غالب ذلك على نَبْش قبور المسلمين، وإخراج عظام موتاهم.
الثالث: أن البناء على القبور منهيٌ عنه.
الرابع: أن بناء المطاهر بين القبور من أقبح ما تُجاوَر به القبور، لا سيما إن كان موضع المطهرة قبر رجلٍ مسلم.
الخامس: اتخاذ القبور مساجد.
السادس: الإسراج على القبور.
_________________
(١) كذا بالأصل، وجَمْعه "خوانق" وهي دور تُعد لبعض المنقطعين للعبادة، من المتصوفة ونحوهم؛ للذكر والدعاء والإقامة، وتجري عليهم الأرزاق انظر: "معجم المصطلحات والألقاب التاريخية": (ص / ١٥٨). وفي "الاقتضاء": "الخانات".
[ ١٦٤ ]
إذا كانت البقعة التي بني فيها قبر مغصوبة أو مسبلة، ففي ذلك أنواع من المحرمات (ذكر سبعة)
السابع: مشابهة أهل الكتابَيْن في كثير من الأقوال والأفعال والسنن بهذا السبب، كما هو الواقع، إلى غير ذلك من الوجوه.
وقد كانت البِنْيَة التي على قبر إبراهيم مسدودة لا يُدْخَل إليها إلى حدود المئة الرابعة، فقيل: إن بعض النسوة المتصلات بالخلفاء رأَتْ في ذلك منامًا، فنُقِبَت لذلك.
وقيل: إن النصارى لما استولوا على هذه النواحي نَقَبوا ذلك، ثم تُرِك ذلك مسجدًا بعد الفتوح المتأخرة، وكان أهلُ الفضل من شيوخنا لا يصلون في مجموع تلك البنية، وينهون أصحابَهم عن الصلاة فيها؛ اتباعًا لأمر رسول الله واتقاء معصيته.
وكذلك إيقاد المصابيح في هذه المشاهد، لا يجوز بلا خلافٍ أعلمه، ولا يجوز الوفاء بما يُنْذَر لها، ومن ذلك الصلاةُ عندها، وإن لم يُبْنَ هناك مسجد، فإن كلَّ موضعِ قُصِدت الصلاة فيه فقد اتخذَ مسجدًا، وإن لم يكن هناك بناءٌ، فإن النهي عن الصلاة في المقبرة ليس لمجرَّد كونها محل النجاسة، بل لمظنَّة اتخاذها أوثانًا، كما قد بيَّنه في قوله -ﷺ-: "اشتدَّ غَضَبُ اللهِ على قومٍ اتخذوا قبورَ أنْبِيائِهم مَسَاجِدَ" (^١)، وقول عائشة: ولولا (^٢) ذلك لأُبْرِزَ قبره (^٣) وغيره من الأحاديث.
فإن قبور الأنبياء لا تُنْبَش حتى يقال: لأجل النجاسة، خصوصًا ولا
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ مالك في "الموطأ" رقم (٤٧٥) من مرسل عطاء بن يسار، وانظر "التمهيد": (٥/ ٤١ - ٤٢)، وأما بلفظ: "لعن الله اليهود والنصاري" فهو مشهور في الصحاح.
(٢) في "الأصل": "ولو" سهو.
(٣) أخرجه البخاري رقم (٥٢٩)، ومسلم رقم (١٣٣٠).
[ ١٦٥ ]