القلبُ مريضًا لم يصح شيءٌ من الأعضاء صحةً مطلقة، وإنما الصلاح أن لا تُشْبَه مريضَ القلبِ في شيء من أموره، وإن خَفِي عليك مرض ذلك العضو، لكن يكفيك أنَّ فساد الأصل لا بُدَّ أن يؤثِّر في الفرع، ومن انتبه لهذا قد يعلم بعض الحكمة التي أنزلها الله، فإن من في قلبه مرضٌ قد يرتاب في الأمر بنفس المخالفة؛ لعدم استبانته لفائدته أو يتوهَّم أن هذا من جنس أمر الملوك والرؤساء القاصدين للعلوِّ في الأرض.
ولَعَمْري إن النبوة غاية الملك الذي يؤتيه الله من يشاء وينزعه ممن يشاء، ولكن مُلْكٌ هو غايةُ صلاحِ من أطاعَه من العباد في معاشِهم ومعادِهم.
وحقيقة الأمر: أن جميع أعمال الكافر وأُموره لا بُدَّ فيها من خلل يمنعها أن تتمَّ منفعتُه بها، ولو فُرِض صلاح شيءٍ من أموره على التمام لا يستحق (^١) بذلك ثوابَ الآخرة، فالحمد لله على نعمة الإسلام، التي هي أعظم النعم وأم كلِّ خير، كما يُحبُّ ربنا ويرضى.
فظهر أن مخالفتهم أمر مشروع في الجملة، ولهذا كان الإمام أحمد وغيره يُعَلِّلون الأمر بالصبغ بعلة المخالفة (^٢)، فإذا نهى عن التشبُّه بهم في بقاءِ بياضِ الشيب الذي ليس هو من فعلنا، فَلأَن ينهى عن إحداث التشبُّه بهم بطريق الأولى. ولهذا كان هذا التشبُّه يكون محرَّمًا بخلاف الأول.
_________________
(١) كذا بالأصل، وبعض نسخ "الاقتضاء"، وفي أخرى: "لاستحقَّ" وهو ما أثبت في المطبوعة. وما أثبته أصح.
(٢) في رواية حنبل كما في "الجامع - الترجل": (ص/ ١٣٣) للخلال.
[ ٤٠ ]
وفي "الصحيحين" (^١): "خَالِفُوا المشركين" ثم قال: "أحْفُوا الشَّوَارِبَ وأَفُوا اللِّحَى" فأبدل الجملة الثانية من الأولى، أَمَرَ بالمخالفة عامًّا ثم خاصًّا، فقدَّمه عمومًا ثم خصوصًا، كما يقال: أكرم ضيفَك: أطْعِمْه وحادِثْه.
وقال: "خالفوا اليهود فإنهم لا يُصَلُّون في نعالهم ولا خِفافهم" رواه أبو داود (^٢) .
وقال: "فَصْلُ ما بينَ صيامِنا وصيامِ أَهْلِ الكتابِ أَكْلَةُ السَّحَر" رواه مسلم (^٣) .
فدلَّ على أن الفصل بين العبادتين أمرٌ مقصود، وقد صرَّح بذلك في قوله: "لا يزالُ الدِّينُ ظاهرًا ما عجَّل الناسُ الفِطْرَ" (^٤)، لأن اليهودَ والنصارى يؤخِّرون، وإنما المقصود بإرسال الرسل: أن يظهرَ دينُ الله على الدينِ كلِّه، فنفس مخالفتهم من أكبر مقاصِد البِعْثة.
وكذا قال: "لا تزالُ أُمَّتي بخير -أو قال: على الفطرة- ما لم
_________________
(١) البخاري رقم (٥٨٩٢)، ومسلم رقم (٢٥٩) من حديث ابن عمر -﵁-.
(٢) رقم (٦٥٢). وأخرجه: ابن حبان "الإحسان": (٥/ ٥٦١) وزاد "النصاري"، والحاكم: (١/ ٢٦٠)، ومن طريق البيهقي: (٢/ ٤٣٢) جميعًا من حديث شداد بن أوس -﵁- وسنده حسن، وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي.
(٣) رقم (١٠٩٦) من حديث عَمْرو بن العاص -﵁-.
(٤) أخرجه أبو داود رقم (٢٣٥٣)، وابن ماجه رقم (١٦٩٨) من حديث أبي هريرة -﵁-، وأخرجه البخاري رقم (١٩٥٨)، ومسلم رقم (١٠٩٨) من حديث سهل بن سعد -﵁- بنحوه.
[ ٤١ ]
يُؤخِّروا المغربَ إلى أن تَشْتَبِكَ النُّجُوْمُ" رواه أحمد (^١) وابن ماجه (^٢) .
وقوله: "اصْنَعُوا كلَّ شيء غيرَ النِّكاحِ" فقالت اليهودُ: ما يريدُ هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. رواه مسلم (^٣) .
وكذلك نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها، مُعَلِّلًا بأنها تسجد لها الكفار حينئذٍ، وأنها تطلُع بين قَرْنَي شيطان (^٤) .
ففيه تنبيهٌ على أن كلَّ ما يفعله المشركون من العبادات ونحوها مما يكون كفرًا أو معصيةً بالنية، يُنهَى المؤمنون عن ظاهرِه، وإن لم يقصدوا به قَصْد المشركين؛ سدًّا للذريعة وحسمًا للمادة.
ومن هذا الباب: أنه كان إذا صلَّى إلى عودٍ أو عمود جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولم يَصْمُد له صَمْدًا (^٥) .
_________________
(١) في "المسند": (٢٤/ ٤٩٣ رقم ١٥٧١٧) من حديث السائب بن يزيد -﵁-، وفي سنده ضعف.
(٢) رقم (٦٨٩) من حديث العباس بن عبد المطلب -﵁-. وفي سنده ضعف والحديث له شواهد كثيرة، فرواه أبو داود رقم (٤١٨) والحاكم: (١/ ١٩٠ - ١٩١) من حديث أبي أيوب الأنصاري -﵁- وسنده حسن لأجل محمد بن إسحاق، وصححه الحاكم. ورواه أحمد: (٤/ ٣٤٩)، والطبراني في "الكبير": (٨/ ٩٤) من حديث أبي عبد الرحمن الصنابحي. ورواه أحمد: (١٩/ ١٨٤ رقم ١٢١٣٦) من حديث أنس -﵁-.
(٣) رقم (٣٠٢) من حديث أنسٍ -﵁-.
(٤) رواه مسلم رقم (٨٣٢) من حديث عَمْرو بن عَبَسة -﵁-.
(٥) رواه أبو داود رقم (٦٩٣)، وأحمد: (٦/ ٤) من حديث المقداد بن الأسود، وسنده ضعيف.
[ ٤٢ ]
النهي عن أمور الجاهلية
ونهي عن الصلاة إلى ما عُبِد من دون الله في الجملة وإن لم يقصد العابدُ ذلكَ، ويُنْهَى عن السجود لله بين يدي الرجلِ، وإن لم يقصد الساجدُ ذلك، لما فيه من مشابهة السجود لغير الله، فقطعت الشريعةُ المشابهةَ في الجهات والأوقات، وكما لا يُصلَّي إلى القبلة التي يُصلُّون إليها، لا يُصَلَّي إلى ما يصلُّون له.
وقال -ﷺ-: "ائتَمُّوا بأَئمتكم، إنْ صلَّى قائمًا فَصَلُّوا قيامًا، وإن صلَّى قاعِدًا فَصَلُّوا قُعُوْدًا، إن كدتم آنفًا تَفْعَلون فِعْلَ فارسَ والرومِ يَقُوْمُوْن على مُلُوْكهم" (^١)، قال ذلك لما صلَّى قاعدًا فصلوا خلْفَه قيامًا، فأَشار إليهم أنْ اجلسوا، ثم قال ذلك بعد فراغِه، فأمرهم بترك القيام الذي هو فَرْضٌ في الصلاة، وعلَّل ذلك بأنه يشبه فعلَ فارس والروم بعظمائهم، ومعلوم أن المأموم إنما ينوي أن يقوم الله لا للإمام، وهذا تشديدٌ عظيمٌ في النهي عن القيام للرجل القاعِد، ونهي -أيضًا- عما يُشْبِه ذلك وإن لم يقصد به ذلك، فهل بعد هذا في النهي عن مشابهتهم في مجرَّد الصورةِ غايةٌ.
وأيضًا: انتساب الرجل إلى المهاجرين أو الأنصار انتسابٌ حسن محمود عند الله وعند رسوله، ليس من المباح الذي يقصد به التعريف فقط، كالانتساب إلى القبائل والأمصار، ولا من المكروه أو المحرَّم، کالانتساب إلى ما يقتضي (^٢) بدعة أو معصية أخرى.
ثم مع هذا لما دعا كلٌّ من الطائفتين: يا للمهاجرين ويا للأنصار، منتصرًا بحزبه على الآخر، أنكر النبيُّ -ﷺ- ذلك وقال: "ما هَذَا؟
_________________
(١) رواه مسلم رقم (٤١٣) من حديث جابر -﵁-.
(٢) "الاقتضاء": "يفضي إلى".
[ ٤٣ ]
أَدَعْوَى الجاهِلِيَّةِ" (^١)؟!، سمَّاها دعوى الجاهلية، حتى قيل له: إن الداعي بها إنما هما غلامان، لم يصدر ذلك من الجماعة، فأمرَ بمنع الظالم وإعانة المظلوم، ليبيِّن أن المحذور إنما هو تعصُّب الرجل لطائفته مطلقًا، فِعْلَ أهلِ الجاهلية، فأما نصرها بالحق؛ فحسنٌ إذا كان من غير عدوان.
ولهذا قال: "خَيْرُكم المدافعُ عن عَشِيْرَتِه ما لم يأْثَم" رواه أبو داود (^٢) .
وقال: "أربعٌ في أُمَّتي مِنْ أَمْر الجاهليةِ لا يتركونهنَّ: الفخرُ بالأحسابِ، والطَّعْن في الأنسابِ، والاستسقاءُ بالنُّجومِ، والنياحةُ" (^٣)، فاقتضى أنَّ كلَّ ما كان من أمر الجاهلية مذموم في الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذمٌّ لها، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرجَ مخرج الذمِّ.
وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] و﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦]، فدلَّ ذلك على أن إضافةَ الأمر إلى الجاهلية يقتضي ذمَّه والنهيَ عنه، وذلك يقتضي المنعَ من أمر الجاهلية مطلقًا، وهو المقصود في هذا الكتاب.
ومنه قوله: "إنَّ الله قد أذهبَ عنكم عُبِّيَّةَ (^٤) الجاهِلِيَّة وفَخْرَها
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٥١٨)، ومسلم رقم (٢٥٨٤) من حديث جابر بن عبد الله -﵁-.
(٢) رقم (٥١٢٠) وضعَّفه بأيوب بن سويد، وحكم عليه أبو حاتم الرازي بالوضع في "العلل": (٢/ ٢٠٩).
(٣) أخرجه مسلم رقم (٩٣٥) من حديث أبي مالك الأشعري -﵁-.
(٤) هي: الفخر والنخوة.
[ ٤٤ ]
بالآباء، مُؤْمنٌ تقيٌّ أو فاجِرٌ شَقِيٌّ، أنتم بنو آدَمَ، وآدَمُ من ترابٍ، ليدعَنَّ رجالٌ فخرَهم بأقوام إنمَّا هم فَحْمٌ من فَحْمِ جهنَّمَ، أو ليكونن أهون على اللهِ من الجِعْلان (^١) التي تَدْفع بأَنْفِها النَّتَنَ" رواه أبو داود وغيره (^٢)، وهو صحيح.
وأيضًا: روى مسلم (^٣) عن ابن عباس أن النبي -ﷺ- قال: "أَبْغَضُ الناسِ إلى الله ثلاثةٌ: مُلْحِدٌ في الحَرَم، ومُبْتَغٍ في الإسلامِ سُنَّةً جاهِلِيَّة، ومُطَّلِبٌ دَمَ امْرِيءٍ بغَيْرِ حَقٍّ لِيُرِيْقَ دَمَهُ".
فكل من أراد في الإسلام أن يعمل بشيء من سنن الجاهلية دخلَ في الحديث.
والسنةُ الجاهليةُ: كلُّ عادةٍ كانوا عليها، قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧]، وقال [-ﷺ-]: "لتتبعنَّ سَنَنَ مَنْ كان قَبْلَكم" (^٤)، وهذا نصٌّ عام يوجِبُ تحريمَ متابعة كلِّ شيء من سُنَن الجاهلية في أعيادهم وغيرها.
ولفظ الجاهلية قد يكون اسمًا للحال، وهو الغالب في الكتاب والسنة، وقد يكون اسمًا لذي الحال (^٥) .
_________________
(١) جمع جُعَل، وهي دُوَيْبَّة تُشبه الخنفساء، من شأنها جمع الفضلات والنتن.
(٢) رواه أبو داود رقم (٥١١٦)، والترمذي رقم (٣٩٥٥ و٣٩٥٦)، وأحمد: (١٤/ ٣٤٩ رقم ٨٧٣٦) من حديث أبي هريرة -﵁-، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
(٣) كذا وهو وهم، وهو في البخاري رقم (٦٨٨٢) من طريق نافع بن جُبير عن ابن عباس -﵄- وانظر "تحفة الأشراف": (٥/ ٢٦٠).
(٤) تقدم ص/ ٢١.
(٥) يعني: لصاحب الحال.
[ ٤٥ ]
فمن الأول: قوله لأبي ذرٍّ: "إنَّكَ امرؤٌ فِيْكَ جَاهِلِيَّةٌ" (^١)، وقول عمر: "إني نذرت في الجاهلية" (^٢)، وقولهم: يا رسول الله! كنا في جاهليةٍ وشرٍّ (^٣) . أي: في حال جاهلية، أو طريقة أو عادة ونحوه، فإن الجاهلية وإن كان في الأصل صفة، لكنه غلب عليه الاستعمالُ حتى صار اسمًا، ومعناه قريب من معنى المصدر.
وأما الثاني: قولهم: "طائفة جاهلية، وشاعر جاهليٌّ"، وذلك نِسبةً إلى الجهل الذي هو عدم العلم أو عدم اتباع العلم، فإن من لم يعلم الحقَّ، فهو جاهلٌ جهلًا بسيطًا، فإن اعتقد خِلافَه؛ فهو جاهل جهلًا مركَّبًا، فإن قال خِلافَ الحق عالمًا بالحقِّ أو غير عالم فهو جاهلٌ -أيضًا-، كما قال: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ [الفرقان: ٦٣]، وقوله: "إذا كان أحَدُكُمْ صَائمًا فلا يَجْهَل" (^٤)، وقول الشاعر (^٥) من هذا الباب:
ألَا لا يَجْهَلَنْ أحدٌ علينا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِيْنا
وكذلك من عمل بخلاف الحق، فهو جاهل وإن علمَ أنه مخالف
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٠)، ومسلم رقم (١٦٦١) من حديث أبي ذر -﵁-.
(٢) حديث نَذْر عمر في الجاهلية في البخاري رقم (٢٠٤٢)، ومسلم رقم (١٦٥٦) من حديث عمر -﵁-.
(٣) قطعة من حديث أخرجه البخاري رقم (٧٠٨٤)، ومسلم رقم (١٨٤٧) من حديث حذيفة -﵁-.
(٤) قطعة من حديث أخرجه البخاري رقم (١٨٩٤)، ومسلم رقم (١١٥١) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٥) هو عَمْرو بن كلثوم التغلبي، وهو في معلقته المشهورة.
[ ٤٦ ]
للحقِّ، كقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]، قال أصحابُ محمد: كل من عمل سوءًا فهو جاهل (^١) .
وسبب ذلك: أن العلمَ الحقيقي الراسخ في القلب يمتنع أن يصدر معه ما يخالفُه من قولٍ أو فعل، فمتى صدر خلافه فلا بُدَّ من غفلة القلب عنه، أو ضعفه بما يُعارضه، وتلك أحوال تُناقِض حقيقةَ العلم فيصير جهلًا بهذا الاعتبار، ومن هذا يُعرف دخول الأعمال في مُسمَّى الإيمان حقيقةً لا مجازًا، وإن لم يكن كل من ترك شيئًا من الأعمال کافرًا ولا خارجًا عن أصل مسمَّى الإيمان، وكذلك اسم "العقل" ونحوه من الأسماء.
ولهذا يُسمِّي الله -سبحانه- أصحاب هذه الأحوال: موتى، وعُمْيًا، وصُمًّا، وبُكمًا، وضالين، وجاهلين، وأنهم: لا يعقلون، ولا يسمعون.
إذا ثبت (^٢) ذلك: فالناس كانوا قبل مبعث الرسول في حال جاهلية، منسوبة إلى الجهل، فإنَّ ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جاهل، وإنما يفعله جاهل، وكذلك كلُّ ما يخالف ما جاءت به المرسلون من يهودية أو نصرانية فهي جاهلية، وتلك كانت الجاهلية العامة، فأما بعد مَبْعث الرسول فالجاهلية المطلقة قد تكون في مِصْرٍ دون مِصر، كما هي في دار الكفار، وقد تكون في شَخْص دون شخص، كالرجل قبل أن يُسْلم، فإنه في جاهلية، وإن كان في دار الإسلام.
_________________
(١) انظر تفسير الطبري: (٣/ ٦٤٠).
(٢) كذا بالأصل، وفي "الاقتضاء": "تبين".
[ ٤٧ ]
فأما في زمان مطلق فلا جاهلية بعد مبعثه -ﷺ-، فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين (^١) على الحقِّ إلى قيام الساعة.
والجاهلية المقيَّدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين وفي كثير من الأشخاص المسلمين. كما قال: "أربعٌ في أُمَّتي مِنْ أَمْرِ الجاهِلية" (^٢)، وقال لأبي ذرٍّ: "إنَّك امرؤٌ فيك جاهلية" (^٣) .
فالرجلُ مع فضله وعلمه قد يكون فيه بعض الخِصال المسمَّاة: بجاهلية ويهودية ونصرانية، ولا يوجب ذلك كفره ولا فِسْقه.
وكذا قوله: "خَصْلَتان هما بهم كُفْر " (^٤)، فنفس الخصلتين كُفْر حيث كانتا من أعمال الكفَّار، وهما قائمتان بالناس، وليس كلُّ من قام به شُعْبة من شعب الكفر يصير كافرًا الكفر المطلق، كما أنه ليس كلُّ من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمنًا، حتى يقوم به أصلُ الإيمان.
وفَرْقٌ بين الكفر المعرَّف باللام وبين المنكَّر، في الإثبات، وفَرْقٌ بين معنى الاسم المطلق إذا قيل: كافر، أو مؤمن، وبَيْن المعنى المطلق للاسم في جميع موارده، كما قال: "لا تَرْجِعُوا بعدِي كفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقَابَ بعضٍ" (^٥)، فقوله: "يضرب بعضكم رقابَ بعض" هو تفسير لقوله: ["كفارًا"، وهؤلاء] (^٦) يُسَمّون كُفَّارًا تسميةً مُقيَّدة، ولا
_________________
(١) بالأصل: "ظاهرون"، والتصويب من "الاقتضاء".
(٢) تقدم ص/ ٤٤.
(٣) تقدم ص/ ٤٥
(٤) أخرجه مسلم رقم (٦٧) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٥) أخرجه البخاري رقم (١٢١)، ومسلم رقم (٦٥) من حديث جرير البجلي -﵁-.
(٦) لم يظهر في الأصل، والإكمال بنحوه من "الاقتضاء": (١/ ٢٣٨).
[ ٤٨ ]
الصلاة في أماكن العذاب
يدخلون في الاسم المطلق إذا قيل: "كافر ومؤمن"، كما قال: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ [الطارق: ٦]، فلم يدخل في قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (^١) [المائدة: ٦].
فيندرج في قوله: " [ومُبْتَغٍ سنة] (^٢) جاهلية" كلُّ جاهليةٍ مطلقة أو مقيَّدة، يهودية أو نصرانية أو مجوسيَّة أو صابئية أو وثنية أو مشركيَّة أو مركَّبة من بعض هذه المِلل الجاهلية، فإنها كلَّها مُبْتَدَعها ومَنْسُوْخَها صارت جاهلية بمَبْعَث محمد -ﷺ-، وإن كان لفظ "الجاهلية" لا يُقال غالبًا إلا على حال العرب، فإن المعنى واحد.
وأيضًا: فإنه نهى عن الصلاة في أماكن العذاب، كما كره عليٌّ الصلاةَ في أرض بابل، وقال: "نهاني حِبِّي أن أُصلِّي في أرضِ بابلَ والمقبرةِ" رواه أبو داود (^٣)، وأحمد (^٤) وزادَ: "وأرض الخَسْف، ونحو ذلك".
وكره أحمدُ الصلاةَ في هذه الأمكنة اتباعًا لعلي (^٥). وقولُه: "نهاني حِبِّي أنْ أُصَلِّي في أرضِ بابلَ، فإنها ملعونة" يقتضي النهيَ عن كلِّ أرضٍ ملعونةٍ.
_________________
(١) من قوله "فالرجل مع فضله " إلى هنا ملحق في هامش الورقة (١٨٢ ب).
(٢) في "الأصل": "ومتبع بسنة"! وهو خطأ، وقد تقدم نص الحديث وتخريجه.
(٣) رقم (٤٩٠) من حديث علي -﵁- مرفوعًا، وضعفه الخطابي في "المعالم" والحافظ ابن عبد البر، والحافظ في "الفتح": (١/ ٦٣١).
(٤) في "مسائل ابنه عبد الله": (١/ ٢٢٩ رقم ٣١٠) موقوفًا على عليٍّ. قال ابن عبد البر في "التمهيد": (٥/ ١٢٤): "حسن الإسناد"، وقوَّاه شيخ الإسلام في "الاقتضاء": (١/ ٢٦٤)، ووقع فيه "بإسناد أوضح" صوابها "أصحَّ".
(٥) انظر "مسائل عبد الله": (١/ ٢٢٨)، و"المغني": (٢/ ٤٧٧).
[ ٤٩ ]
ولذلك نهى عن الدخول في أرض الحِجْر إلا أن يكونوا باكين (^١)، فوافقَ ذلك قولَه تعالى عن مسجد ضِرَار: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨] فإنه كان من أمكنة العذاب.
فأما أماكن الكفر والمعاصي التي لم يكن فيها عذاب إذا جُعِلت مكانًا للإيمان والطاعة؛ فهو حَسَن، كما أمرَ أهلَ الطائف أن يجعلوا المسجد مكانَ طواغيتهم (^٢) . وكان مسجدُه مقبرة فجعلَه مسجدًا بعد نبش القبور (^٣) .
فإذا كانت الشريعة قد جاءت بالنهي عن مشاركة الكفَّار في المكان الذي حلَّ بهم فيه العذاب؛ فكيف بمشاركتهم في الأعمال التي يعملونها؟! بل المشاركة في العمل أقرب في اقتضاء العذاب من الدخول إلى الديار، فإن جميع ما يعملونه مما ليس هو من أعمال السابقين إما كفر وإما معصية، وإما شعار کفر أو معصية، وإما مظنة للكفر والمعصية، وإما أن يخاف أن يجر إلى معصية.
وما أحسبُ أحدًا يُنازع في جميع هذا، ولئن خالف فيه، فلا يمكنه أن ينازع في أن المخالفة فيه أقرب إلى المخالفة في الكفر والمعصية،
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٤٣٣) من حديث ابن عمر -﵄-.
(٢) أخرجه أبو داود رقم (٤٥٠)، وابن ماجه رقم (٧٤٣) من حديث عثمان بن أبي العاص -﵁-. وفي سنده محمد بن عبد الله بن عياض الطائفي، ذكره ابن حبان في "الثقات"، ولم يرو عنه غير سعيد بن السائب، فهو في عداد المجهولين.
(٣) أخرجه البخاري رقم (٤٢٨)، ومسلم رقم (٥٢٤) من حديث أنسٍ -﵁-.
[ ٥٠ ]
الغلو في الدين
وأن حصول هذه المصلحة في الأعمال أقرب من حصولها في المكان، ألا ترى أن متابعة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في أعمالهم، أنفع وأولى من متابعتهم في مساكنهم ورؤية آثارهم.
وقال: "من تشبَّه بقومٍ فهو منهم" (^١) وإسناده جيَّد، احتجَّ به أحمد وغيره. فأقلُّ أحواله أن يقتضي تحريمَ التشبُّه بهم.
وأيضًا: لما صام عاشوراء، قيل له: إنه يومٌ يُعظمه اليهود والنصارى، فقال: "إذا كانَ العامُ القابلُ إِن شاءَ اللهُ صُمْنا اليومَ التاسِعَ"، وقال: "صُوْمُوا عاشوراءَ وخالِفُوا اليهودَ، صُوْمُوا قبلَه يَوْمًا وبَعْدَه يَوْمًا" رواه سعيد (^٢) وأوله رواه مسلم (^٣) إلى قوله: "التاسع".
وقال: "إيَّاكُم والغُلُوَّ في الدينِ فإنَّما أَهْلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُم الغُلُوُّ في الدِّينِ"، رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (^٤) بإسنادٍ صحيح على شرط
_________________
(١) أخرجه أبو داود رقم (٤٠٣١)، وأحمد في "المسند": (٩/ ١٢٣ رقم ٥١١٤) وغيرهما من طريق عبد الرحمن بن ثوبان، عن حسَّان بن عطية، عن أبي مُنِيْب الجُرَشي عن ابن عمر -﵄- عن النبي ﷺ: "بُعِثت بالسيف " الحديث. ابن ثوبان مختلف فيه، ومدار الحديث عليه، والحديث قوَّاه ابن تيمية والذهبي في "السير": (١٥/ ٥٠٩) والحافظ ابن حجر في "الفتح": (٦/ ١١٦)، والألباني في "الإرواء" رقم (١٢٦٩).
(٢) هو ابن منصور في "سننه": كما في الاقتضاء، والإمام أحمد في "مسنده": (٤/ ٢٥ رقم ٢١٥٤) من حديث ابن عباسٍ -﵁-. وفي سنده ضعف.
(٣) رقم (١١٣٤).
(٤) رواه أحمد: (٣/ ٣٥١ رقم ١٨٥٢)، والنسائي: (٥/ ٢٦٨)، وابن ماجه رقم (٣٠٢٩) من حديث ابن عباس -﵄-.
[ ٥١ ]
مسلم (^١)، وهو عامٌّ في جميع أنواع الغُلوِّ في الاعتقادات والأعمال.
والغلوُّ: مجاوزة الحد بأن يُزاد الشيء في حمده أو ذمِّه على ما يستحق. وأمَرَنا أن نقول: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ووضع عنَّا الآصار (^٢)، ونهى -ﷺ- عن الغلوِّ في العبادات صومًا وصلاةً (^٣) .
وقال له رجلٌ: ائْذَنْ لي بالسياحة، فقال: "إنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتي الجهادُ في سَبِيلِ اللهِ" (^٤) .
وفي خبرٍ آخر: "إنَّ السِّياحةَ هي الصِّيامُ" (^٥)، أو: السائحون هم الصائمون، أو نحو ذلك، وهو تفسير ما ذكر الله من قوله: ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: ١١٢].
فأما السياحة التي هي الخروج في البريَّة لغير مقصد معيَّن، فليس
_________________
(١) وصححه ابن خزيمة رقم (٢٨٦٧)، وابن حبان رقم (٣٨٧١).
(٢) كما في قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
(٣) كما في حديث النفر الثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي ﷺ فكأنهم تقالُّوها - أخرجه البخاري رقم (٥٠٦٣)، ومسلم رقم (١٤٠١) من حديث أنسٍ -﵁-.
(٤) أخرجه أبو داود رقم (٢٤٨٦)، والحاكم: (٢/ ٧٣)، والبيهقي: (٩/ ١٦١)، من حديث أبي أمامة -﵁- قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" اهـ. وصححه الألباني في "صحيح أبي داود".
(٥) أخرجه ابن جرير: (٦/ ٤٨٤) من حديث أبي هرون، ومن مرسل عبيد بن عمير، وموقوفًا على ابن مسعود وابن عباس، وغيرهم من السلف.
[ ٥٢ ]
من عمل هذه الأمة، قال الإمام أحمد: "ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا من فِعْل النبيين ولا الصالحين" (^١) . مع أن جماعةً من إخواننا قد ساحوا السياحةَ المنهيَّ عنها متأوِّلين أو غير عالمين بالنَّهي، وهي من الرهبانية المبتَدَعَة التي قيل فيها: "لا رهبانية في الإسلام" (^٢) .
فيقتضي ذلك مجانبة هَدْي من كان قبلنا، وأن المشارِك لهم يخاف عليه أن يكون هالكًا.
ونهانا عن مشابهة من كان قبلنا، بأنهم كانوا يُفرقون في الحدود بين الأشراف والضعفاء، وأَمَر أن يُسَوَّى بين الناس في ذلك فقال: "إنما هَلَكَ بنو إسرائيلَ أَنَّهم كانوا إذا سَرَقَ فيهم الشريفُ تركوه وإذا سَرَقَ فيهم الضَّعِيْفُ أَقامُوا عليه الحدَّ، والذي نفسي بِيَدِه لو أَنَّ فاطمةَ بنتَ محمدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَها" (^٣) .
وأخبر أن ابنته التي هي أشرفُ النساءِ لو سرقت -وقد أعاذَها الله من ذلك- لقطع يَدَهَا، ليُبيِّن أن وجوبَ العدل والتعميم في الحدود هو الواجب.
_________________
(١) في "مسائل ابن هاني": (٢/ ١٧٦).
(٢) ذكره البغوي في "شرح السنة": (٢/ ٣٧٠) بدون إسناد بصيغة التمريض، وقال الحافظ في "الفتح": (٩/ ١٣): "لم أره بهذا اللفظ". وهو بلفظ: "إني لم أُومر بالرهبانية" عند الدارمي: (رقم ٢٢١٥ - ط حسين أسد) وإسناده قوي. وبلفظ "إن الرهبانية لم تكتب علينا" عند أحمد: (٦/ ٢٢٦) من حديث عائشة.
(٣) أخرجه البخاري رقم (٣٤٧٥)، ومسلم رقم (١٦٨٨) من حديث عائشة -﵁-.
[ ٥٣ ]
وأيضًا: فقد قال: "إنَّ مَنْ كان قَبْلَكُم كانوا يتَّخذونَ قبورَ أنبيائهم مَساجِدَ، ألا فلا تتَّخذوا القبورَ مَسَاجِدَ إنِّي أَنْهاكُم عَنْ ذلك" (^١) .
فعقَّب قولَه عن الذين قبلنا بقوله: "ألا فلا" بالفاء التي تُشْعِر بأن سببَ نَهْينا عن ذلك لأجل أنهم فعلوه، وذلك يقتضي أن أعمالهم دلالة وعلامة على أنَّ الله ينهى عنها، وأنها عِلَّةٌ مقتضيةٌ للنهي، ونَهْيه عن اتخاذ القبور مساجد مع لعنته لليهود والنصارى کثيرٌ متواتر، حتى عند خروج نفسِهِ الكريمة -بأبي هو وأمي- يوصي بذلك (^٢) .
وإن كان قد ابتلي كثيرٌ من هذه الأمَّة ببناءِ المساجد على القبور، وكِلا الأمرين محرَّم ملعونٌ فاعِله بالسنةِ المستفيضةِ.
وقد صحَّ عنه أنه قال: "كلُّ شيءٍ منْ أَمْر الجاهليةِ تَحْتَ قدمي مَوْضُوع" (^٣) . وهو عامٌّ يدخل فيه ما كانوا عليه من العبادات والعادات، مثل دعواهم: يا فلان ويا فلان (^٤)، ومثل أعيادهم، وغير ذلك من أَمورهم.
ولا يدخل في ذلك ما كانوا عليه وأقَرَّه الله في الإسلام؛ کالمناسك، ودية المقتول، والقَسَامَة، ونحوه؛ لأن أمر الجاهلية معناه المفهوم منه: ما كانوا عليه مما لم يُقِرَّه الإسلام، فيدخل في ذلك ما كانوا عليه وإن لم يُنه في الإسلام عنه بعينه.
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (٥٣٢) من حديث جندب البجلي -﵁-.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٤٣٥) ومسلم رقم (٥٣١) من حديث عائشة وابن عباس -﵄-.
(٣) في الحديث الطويل المشهور في حجة الوداع -يوم عرفة- أخرجه مسلم رقم (١٢١٨) من حديث جابر -﵁-.
(٤) في "الاقتضاء": "يالفلان يالفلان".
[ ٥٤ ]
دلالة الإجماع على النهي عن التشبه
وأيضًا: نهى عن التذكية بالسن والعظم، وقال: "أما السن فَعَظْم"، فقيل: لا يجوز التذكية بسائر العظام عملًا بعموم العلة، وقيل: يجوز، وهما في مذهب أحمد وغيره.
و"أما الظفر فمُدَى الحبشة" (^١)، فنهى عن مشابهة الحبشة فيما يختصون به؛ لأن أظفارهم طويلة يُذَكون بها دون سائر الأمم.
و"أما العظم": فيجوز أن يكون ذلك مثل نهيه عن تنجيسه بالدم، كما نهى عن الاستنجاء به لكونه طعام الجن.
ونهي عن الشُّرب في آنية الذهب والفضة وقال: "فإنَّها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" (^٢).
ورأى على ابن عَمْرو ثوبَين مُعَصْفَرين فقال: "إنَّ هذه من ثيابِ الكفَّار فلا تَلْبَسْهُما" رواه مسلم (^٣).
فصلٌ
وأما الإجماع:
فمن ذلك أن عمر ابن الخطاب في الصحابة -﵃-، ثم عامة الأئمة بعده، وسائر الفقهاء جعلوا في الشروط المشروطة على أهل
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٢٤٨٨)، ومسلم رقم (١٩٦٨) من حديث رافع بن خديج -﵁-.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٥٦٣٢)، ومسلم رقم (٢٠٦٧) من حديث حذيفة بن اليمان -﵄-.
(٣) رقم (٢٠٧٧).
[ ٥٥ ]
شروط أهل الذمة
الذِّمة: "أن نُوَقِّر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا، ولا نتشبَّه بهم فِي شيءٍ من لباسهم؛ قَلَنْسُوة أو عمامة أو نعلين أو فَرْق شعرٍ، ولا نتكلَّم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، ولا نركب على السروج، ولا نتقلَّد السيوف، ولا نتخذ شيئًا من السلاح ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجزَّ مقادمَ رؤوسنا، ونَلْزم زيِّنا حيثما کان (^١)، ونشدَّ الزنانيرَ على أوساطِنا، ولا نُظْهِر الصليبَ على كنائسنا، ولا نُظْهِر صليبًا ولا كتبًا في شيءٍ من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب نواقيسَنا في كنائسنا إلا ضربًا خفيًّا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نُظهر النيرانَ معهم في شيءٍ من طرق المسلمين" رواه حربٌ (^٢) بإسنادٍ جيِّد.
فهذه الشروط مجمعٌ عليها في الجملة بين العلماء
قال القاضي أبو يعلى في مسألة حدثت في وقته: "أهل الذمة مأمورون بلبس الغيار، فإن امتنعوا، لم يَجُز لأحدٍ من المسلمين صَبْغ ثوبٍ من ثيابهم؛ لأنه لا يتعيَّن عليهم صَبْغ ثوبٍ بعينه".
_________________
(١) كذا بالأصل والاقتضاء، وفي المصادر: "حيثما كنَّا" وهو الأصح.
(٢) هو حرب بن إسماعيل الكرماني، من أصحاب الإمام أحمد، وله مسائل مشهورة عنه، فلعله رواه فيها. وأخرجه الخلال في "الجامع - أحكام الملل": (٢/ ٤٣١ - ٤٣٤)، والبيهقي في "الكبرى": (٩/ ٢٠٢)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق": (٢/ ١٧٤). وانظر "أحكام أهل الذمة": (٢/ ٦٥٧ - ٦٦٤)، وقال ابن القيم: "وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول، وذكروها في كتبهم، واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء، وعملوا بموجبها" اهـ
[ ٥٦ ]
قلت: وهذا فيه خلاف؛ هل يُلْزَمون هم بالتغيير أم الواجب إذا امتنعوا أن نُغيِّر نحن؟ أما وجوب أصل المغايرة؛ فما علمتُ فيه خلافًا.
وإذا كان عمر وسائر الصحابة والفقهاء والملوك قد اتفقوا على منعهم من إظهار شيءٍ من خصائصهم، فكيف إذا عملَها المسلمون وأظهروها لهم (^١) !؟
وقد أمر الصحابة والمسلمون بترك إكرامهم، وإلزامهم الصَّغَار الذي شرعه الله، ومن المعلوم: أن تعظيم أعيادهم ونحوها بالموافقة فيها نوعٌ من إكرامهم، فإنهم يفرحون ويُسَرُّون، كما يغتمُّون بإهمال دينهم الباطل.
ورأى أبو بكر الصديق امرأةً من أحمس لا تتكلَّم، فقال: ما لها؟ فقالوا: حجَّت مصمتة، فقال لها: تكلَّمي فإن هذا لا يحلُّ، هذا من عمل الجاهلية، فتكلَّمت الحديث. رواه البخاري (^٢) .
فدلَّ على أن كلَّ عملٍ من أعمال الجاهلية منهيُّ عنه، مثل: المُكَاء والتصدية. والمكاءُ: الصفير ونحوه. والتصدية: التصفيق.
ومثل: بروز المُحْرِم وغيره للشمس، حتى لا يستظل بظلٍّ، أو تَرْك الطواف بالثياب المتقدمة، أو ترك كل ما عُمِل في غير الحرم، ونحو ذلك من أمور الجاهلية التي كانوا يتخذونها عباداتٍ، لا يجوز التعبُّدُ بها في الإسلام ألْبتة.
_________________
(١) ليست في "الاقتضاء"، وفي بعض نسخه: "هم"، وكلا الأمرين أصح مما في الأصل.
(٢) رقم (٣٨٣٤).
[ ٥٧ ]
مسألة السدل في الصلاة
وكتب عمر إلى المسلمين المقيمين ببلاد فارس: "إيَّاكُم وَزِيِّ أَهْلِ الشِّرْكِ" فهو عام في كلِّ زيٍّ لهم. رواه البخاري في "صحيحه" (^١).
وكتب إلى أذربيجان: "إيَّاكُم والتَّنَعُّم وَزِيِّ أهل الشِّرك" (^٢)، ومنعَ -﵁- من إعزاز الكفار واستعمالهم على أمر المسلمين وائتمانهم على شيءٍ، وحَرَّق الكتبَ العجمية وغيرها، ونهي عن تعلُّم رطانةِ الأعاجم.
ثم مشى بعده عثمان -﵄- على سَنَنِه في ذلك.
ورأى عليٌّ -﵁- قومًا قد سَدَلوا، فقال: ما لهم كأنهم اليهود خرجوا من فُهْرهم!؟ رواه سعيد في "سننه" (^٣)، عن هُشَيْم، عن خالد الحذَّاء، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، عن أبيه، عن عليٍّ.
ورواه ابن المبارك (^٤).
ورُويَ عن ابن عمر وأبي هريرة أنهما كرها السَّدْلَ في الصلاة (^٥)، ورُويَ عن النبي -ﷺ- مرسلًا (^٦).
_________________
(١) رقم (٥٨٣٠) مختصرًا ليس فيه هذا اللفظ، ورواه مسلم أيضًا رقم (٢٠٦٩).
(٢) کرره المختَصِر، وهو نفسه الحديث السابق.
(٣) كما في الاقتضاء، وسنده صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف": (٢/ ٦٢).
(٤) وحفص بن غياث، كلاهما عن خالد الحذاء، فتابعوا هشيمًا على روايته.
(٥) أخرجه عنهما ابن أبي شيبة في "المصنف": (٢/ ٦٣).
(٦) من مرسل عطاء، وهي إحدى روايتي أبي داود رقم (٦٤٣). ورويَ مرفوعًا أيضًا، أخرجه أبو داود رقم (٦٤٣)، والترمذي رقم (٣٧٨)، وأحمد: (١٣/ ٣١٦ رقم ٧٩٣٤) من طريق عطاء عن أبي هريرة -﵁- وفي سنده ضعف.
[ ٥٨ ]
ما ورد عن الصحابة من النهي عن مشابهتهم
واخْتُلِفَ هل السَّدْل محرم يُبطل الصلاة؟ ذكر ابن أبي موسى فيه روايتين، وعلَّله أحمد بأنه فِعل اليهود (^١).
وليس المقصود عين هذه المسألة؛ بل المقصود أن عليًّا بيَّن كراهيته لذلك أن فيه مشابهة اليهود، فعُلِم أنه أمرٌ قد استقرَّ عندهم.
و"فُهْر اليهود" -بضم الفاء- مِدْرَاسُهم، وأصلها "بُهْر" عبرانية عُرِّبت ذكره الجوهري (^٢).
وكره عليٌّ التكلم بكلامهم (^٣)، فهذا عن الخلفاء الراشدين.
وأما سائر الصحابة -﵃-؛ فكثير، فَرُوِيَ عن حُذَيفة أنه دُعِيَ إلى وليمة، فرأى شيئًا من زيِّ الأعاجم، فخرج وقال: "من تشبَّه بقومٍ فهو منهم" (^٤).
وعن ابن عباس أنه سأله رجل: أحتقِنُ؟ فقال: "لا تُبْد العورةَ ولا تستنَّ بسنةِ المشركين" رواه الخلَّال (^٥).
وعن أنس: أنه نهى عن القرنين وقال: احلقوا هذين أو قُصُّوهما فإنه زِيُّ اليهود (^٦).
_________________
(١) انظر "مسائل ابن هاني": (١/ ٥٩).
(٢) في "الصحاح": (٢/ ٧٨٤).
(٣) انظر ما سيأتي.
(٤) رواه الإمام أحمد في "الورع": (ص/ ١٧٩)، وأبو بكر الخلال، كما في "الاقتضاء" ١/ ٣٦١.
(٥) أخرجه أبو محمد الخلال بإسناده إلى عكرمة - كما في "الاقتضاء": (١/ ٣٨٥).
(٦) أخرجه أبو داود رقم (٤١٩٧)، وفي سنده ضعف.
[ ٥٩ ]
وعن معاوية أنه قال: تسوية القبور من السنة، وقد رفعت اليهودُ والنصارى، فلا تَشَبَّهوا بهم" (^١) .
وعن عبد الله بن عمرو قال: "من بَنَى ببلاد المشركين، وصنعَ نَيْروزَهم ومَهْرجانَهم حتى يموت حُشِرَ معهم يومَ القيامةِ" (^٢) .
وصحَّ عن عائشة أنها كرهت الاختصارَ في الصلاة، وقالت: لا تشبهوا باليهود (^٣) .
وكره ابن مسعود الصلاة في الطاق، وقال: "إنَّه في الكنائس فلا تشبهوا بأهل الكتاب" (^٤) .
وعن ابن عمر أنه قال في شرفات مسجد يُشبه أنصابَ الجاهلية، وأمر بكسرها.
وقال عبد الحميد بن الجعد (^٥): كان أصحابُ محمدٍ يقولون: إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المسجد -يعني الطاقات-.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "الكبير" ١٩/ ٣٥٢، وابن أبي عاصم "الاقتضاء": ١/ ٣٨٧.
(٢) أخرجه البيهقي في "الكبرى": (٩/ ٢٣٤).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في "المصنَّف": (١/ ٤٠٨)، وسعيد بن منصور -كما في الاقتضاء- وسنده صحيح كما قال.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنَّف": (١/ ٤٠٨)، والبزار "الكشف: ١/ ٢١٠".
(٥) كذا بالأصل! وهو خطأ، وفي "الاقتضاء": (١/ ٣٩٠): "وعن عبيد بن أبي الجعد" وذَكَرَ؛ لكن رواية عبيد هذه أخرجها عبد الرزاق: (٢/ ٤١٣) عن كعبٍ بلفظ آخر مغاير، أما الرواية التي ذكرها المؤلِّف؛ فهي عن سالم بن أبي الجعد قال: "كان أصحاب " الخ، أخرجه ابن أبي شيبة: (١/ ٤٠٨). وفي سنده ضعف.
[ ٦٠ ]
ما جاء عن عامة علماء المسلمين
وهذا باب واسع فيه كثرة عن الصحابة، وهذه القضايا (^١) في مظنة الاشتهار، وما علمنا أحدًا ذكر عن الصحابة خلاف ذلك: من أنهم كانوا يكرهون التشبُّه بالكفار والأعاجم في الجملة، وإن كان بعض هذه المسائل المُعَيَّنة فيها خلاف وتأويل. وهذا كما أنهم مجمعون على اتباع الكتاب والسنة، وإن كانوا قد يختلفون في بعض أعيان المسائل، فَعُلِمَ اتفاقهم على كراهة التشبُّه بالكفار والأعاجم.
وكذلك المنقول عن عامة علماء المسلمين من الأئمة المتقدمين، في تعليل النهي عن أشياء بمخالفة الكفار، أو مخالفة النصارى، أو مخالفة الأعاجم (^٢)، وهو أكثر من أن يمكن حصره واستقصاؤه، ومن له أدنى نظرٍ في الفقه يعلم ذلك، وقد بلغه من ذلك طائفة. وبعد النظر والتأمُّل يورث علمًا ضروريًّا باتفاقهم -أعنِي: الأمةَ جميعها- على النهي عن موافقة الكفار، والأمر بمخالفتهم.
وقد تكلَّم أصحابُ أبي حنيفة في تكفير من تشبَّه بالكفار في لباسهم وأعيادهم، وقال أبو حنيفة: إذا غربت الشمس أفاض الإمام والناس معه؛ لأن فيه إظهار مخالفة المشرکين.
وقال مالك: "لا يُحرم بالأعجمية ولا يدعو بها ولا يحلف".
وقيام المرأة لزوجها من فِعْل الجبابرة. وربما يكون الناس ينتظرونه فإذا طَلَع قاموا له، ليس هذا من فِعل الإسلام، وهو فيما ينهى عنه من التشبُّه بأهل الكتاب.
_________________
(١) في "الأصل": "القضيا" سهو.
(٢) هذا الوجه الثالث في تقرير الإجماع.
[ ٦١ ]
وكذلك أصحاب الشافعي ذكروا هذا الأصل في غير موضعٍ، مثلما ذكره بعضهم في أوقات النهي، بأن المشركين يسجدون للشمس حينئذٍ.
وذكروا في السحور أنه فَرْق بيننا وبين صيام أهل الكتاب، وذكروا في شروط الذمة ما يتضمَّن منع المسلمين عن مشابهتهم، تفريقًا بين علامة المسلمين وعلامة الكفار، وبالغ طائفةٌ منهم فنهوا عن التشبُّه بأهل البدع (^١) .
وأما كلام الإمام أحمد وأصحابه؛ فكثيرٌ جدًّا، مثل قول أحمد: "ما أُحِبُّ لأحدٍ إلا أن يغيِّر الشيبَ ولا يتشبَّه بأهل الكتاب" (^٢)، وكره حَلْق القفا وقال: هو من فعل المجوس، وكره النعل الصرار، وهو من زِيِّ العجم (^٣) .
وكره تسمية الشهور بالعجمية، والأشخاص بالأسماء (^٤) الفارسيَّة، مثل: آذرماه. وقال للذي دعاه إلى وليمة: زي المجوس، زي المجوس، ونفض يده في وجهه لما رأى عنده آنية فيها فضة.
وذكر أصحابه أن من اللباس المكروه ما خالفَ زيَّ العرب وأشبه زي الأعاجم وعادتهم.
وقال غير واحدٍ من أصحاب أحمد وغيرهم: يستحبُّ أن يتختَّم باليسار، للآثار، ولأن خلاف ذلك عادة وشعار للمبتدعة، وما في هذا
_________________
(١) يعني: فيما كان شعارًا لهم وإن كان مسنونًا، انظر "الاقتضاء": (١/ ٣٩٧).
(٢) انظر: "مسائل ابن هاني": (٢/ ١٤٨).
(٣) انظر: "مسائل أبي داود": (ص /٣٥١).
(٤) مطموسة في الأصل.
[ ٦٢ ]
فصل: الأمر بمخالفة الشياطين
الباب عن سائر أئمة المسلمين أكثر من أن يُحصَى عُشْره، وبدون ما ذكرنا يُعْلَم اتفاق المسلمين على كراهة التشبُّه بأهل الكتاب والأعاجم في الجملة، وبالله المستعان وعليه التكلان.
فصلٌ (^١)
ومما يُشبه هذا: الأمر بمخالفة الشياطين، كما روى مسلمٌ (^٢) أنه ﷺ قال: "لا يأُكُلَنَّ أَحَدٌ منكم بشمالِه ولا يَشْرَبَنَّ بها، فإنَّ الشَّيْطانَ يأكُل بِشِمالِه ويَشْرَبُ بها" ونظائره كثيرة.
وقريب من هذا مخالفة من لم يكمل دينُه من الأعراب ونحوهم؛ لأن كمال الدين بالهجرة، فمن لم يُهاجر من الأعراب ونحوهم ناقص، قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ الآية [التوبة: ٩٧].
وقال -ﷺ-: "لا تَغْلبَنَّكُمُ الأَعْرابُ على اسْمِ صَلَاتِكم، أَلا إنَّها العشاء وهم يُعْتِمون بالإبل" (^٣)، وقال: "لا تَغْلِبَنَّكم الأَعرابُ على اسْمِ صَلَاتِكم المَغْرِب"، وقال: "والأَعْرابُ تقولُ هي العِشاءُ" (^٤).
فقد كره موافقةَ الأعراب في اسمي المغرب والعشاء، بالعشاء والعَتَمة، وهذا عند بعض علمائنا يقتضي كراهة هذا الاسم مطلقًا، وعند بعضهم إنما يكره الإكثار منه حتى يغلب على الاسم الآخر، وهو المشهور عندنا.
_________________
(١) "الاقتضاء": (١/ ٤٠٧).
(٢) رقم (٢٠٢٠) من حديث ابن عمر -﵄-.
(٣) أخرجه مسلم رقم (٦٤٤) من حديث ابن عمر -﵄-.
(٤) أخرجه البخاري رقم (٥٦٣) من حديث عبد الله بن مغفَّل -﵁-.
[ ٦٣ ]
فصل: في الفرق بين التشبه بالأعراب والأعاجم، وبين الكفار والشياطين
فصلٌ (^١)
وليعلم أن بين التشبُّه بالأعراب والأعاجم (^٢) فرقًا يجب اعتباره، وإجمالًا يحتاج إلى تفسير، وذلك أن نفس الكفر والتشيطن مذمومٌ في حكم الله ورسوله وعباده المؤمنين، ونفس الأعرابية والأعجمية ليست مذمومة في نفسها عند الله وعند رسوله وعند عباده المؤمنين؛ بل الأعراب منقسمون إلى أهل جفاءٍ، كما قال: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا﴾ الآية [التوبة: ٩٧].
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ الآية [التوبة: ٩٨]. ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ إلى قوله: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢)﴾ [الفتح: ١١ - ١٢].
وإلى أهل إيمانٍ وبرٍّ قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٩٩].
وقد كان في أصحاب رسول الله ممن وفَدَ عليه ومن غيرهم من الأعراب من هو أفضل من كثير من القرويين.
فهذا كتاب الله يَحْمد بعضَ الأعراب ويذمُّ بعضَهم، وقال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١] فعُلِمَ أن المنافقين في الأعراب وذوي القرى.
وكذلك العجم -وهم من سِوى العرب من الفُرْس والروم والتُّرْك
_________________
(١) "الاقتضاء": (١/ ٤١٠).
(٢) يعني: وبين الكفار والشياطين.
[ ٦٤ ]
فضل أبناء فارس، وما وجد فيهم من أئمة
والبَرْبَر والحبشة وغيرهم- ينقسمون إلى المؤمن والكافر والبر والفاجر کانقسام العرب، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وقال -ﷺ-: "إنَّ اللَه أَذْهَبَ عنكم عُبِّيَّة الجاهليةِ وفَخْرَها بالآباءِ؛ مؤمنٌ تقيٌّ وفاجِرٌ شقيٌّ، أنتم بنو آدمَ وآدمُ مِنْ ترابٍ" حديث صحيح (^١).
وقال -ﷺ-: "يا أيها الناسُ إن ربَّكم -﷿- واحدٌ وإنَّ أباكُم واحدٌ، ألا لا فَضْلَ لعربيٍّ على عَجَمِيٍّ، ألا لا فضلَ لأسودَ على أَحْمَرَ إلا بالتقوى ألا قَدْ بلَّغْت"؟ قالوا: نعم، قال: "لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الغائبَ" (^٢) إسناده صحيح.
وأخبر أن آل بني فلان ليسوا بمجرَّد النَّسب أولياء له، وهم بطنٌ قريب النسب منه، إنما وليُّه اللهُ وصالح المؤمنين. أخرجاه في "الصحيحين" (^٣).
ومثل ذلك كثير في الكتاب والسنة، أن العبرةَ بالأسماء التي حمدها الله وذمَّها؛ کالمؤمن والكافر والبر والفاجر والعالم والجاهل، وقال: "لو كان الدِّيْنُ بالثريَّا لذهبَ به رَجُلٌ مِن فَارِسَ حَتَّى يَتَنَاوَلَه" (^٤).
_________________
(١) تقدم ص/ ٤٤ - ٤٥.
(٢) أخرجه بنحوه أحمد: (٥/ ٤١١) عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ-، وأبو نعيم في "الحلية": (٣/ ١٠٠) عن جابر، قال أبو نعيم: "غريب من حديث أبي نضرة عن جابر".
(٣) البخاري رقم (٥٩٩٠)، ومسلم رقم (٢١٥) من حديث عَمرو بن العاص -﵁-.
(٤) أخرجه مسلم رقم (٢٥٤٦) من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ٦٥ ]
وروى الترمذيُّ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] أنهم من أبناء فارس (^١) .
إلى غير ذلك من آثار رُوِيت في فضل أبناء فارس، ومِصْداق ذلك ما وُجِد في التابعين ومن بعدهم من أبناء فارس الأحرار والموالي، مثل: الحسن، وابن سيرين، وعكرمة، ومن بعدهم، فيهم من المبرِّزين في الإيمان والدين والعلم ما لا يُحْصَون كثرةً على ما هو معروف، إذ الفضل الحقيقيُّ هو اتباع ما بَعَثَ الله به رسولَه محمدًا من الإيمان والعلم باطنًا وظاهرًا، فكلُّ من كان فيه أكمل (^٢) كان أفضل، فالفضل بالأسماء المحمودة في الكتاب والسنة، لا بمجرَّد كون الإنسان عربيًّا أو عجميًّا، أو أبيض أو أسود، أو قرويًّا أو بدويًّا.
وإنما وجه النَّهي عن مُشَابهة الأعراب والأعاجم -مع ما ذكرناه من الفضل فيهم وعدم العِبْرة بالنسب والمكان- مبنيٌّ على أصل وهو: أن اللهَ سبحانَه جعلَ سُكْنى القُرى يقتضي من كمال الإنسان في العلم والدين ورقَّة القلوب ما لا تَقْتضيه سُكْني البادية، كما أن البادية توجِبُ من صلابة البَدَن والخَلْق، ومتانة الكلام ما لا يكون في القرى، هذا هو الأصل، وإن جاز تخلُّفُ هذا المقتضي لمانع، وكانت البادية -أحيانًا- أنفع من القرى، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف:١٠٩] وذلك لأن الرسل لهم الكمال في عامة الأمور حتى في النسب.
_________________
(١) الترمذي رقم (٣٢٦٠)، وأخرجه سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردوية عن أبي هريرة -كما في "الدر المنثور": (٥/ ٥٥) -.
(٢) في "الاقتضاء": (١/ ٤١٥): "أمكن".
[ ٦٦ ]
تفضيل العرب على العجم
ثم لفظ الأعراب هو في الأصل اسم لبادية العرب، فإن كل أمةٍ لها حاضرة وبادية، فبادية العرب: الأعراب، وقد يقال: إن بادية الروم: الأرْمن أو نحوهم، وبادية الفُرْس: الأكراد أو نحوهم، وبادية الترك: التتر.
والتحقيق: أن هذا -والله أعلم- هو الأصل، وإن كان قد يقع فيه زيادة ونقصان = أن سُكان البوادي لهم حكم الأعراب، سواءٌ دخلوا في لفظ الأعراب أو لم يدخلوا، فهذا الأصل يوجِب أن يكون جنس الحاضرة أفضل من جِنْس البادية، وإن كان بعض أعيان البادية أفضل من أكثر الحاضرة مثلًا.
ويقتضي: أن ما انفرد به (^١) عن جميع جنس الحاضرة -أعني في زمان السلف من الصحابة والتابعين- فهو ناقصٌ عن فضل الحاضرة أو مكروه، فإذا وقع التشبُّه بهم فيما ليس من فِعْل الحاضرة المهاجرين، كان ذلك إما مكروهًا وإما مُفْضيًا إلى مكروهٍ.
وهكذا العربُ والعجم، فإن الذي عليه أهلُ السنة = أن جنسَ العربِ أفضل من جنسِ العجم؛ عِبرانيِّهم وسريانيهم، ورومهم وفرسهم وغيرهم. وأن قريشًا أفضل العرب، وأن بني هاشم أفضل قريش، وأن رسول الله -ﷺ- أفضل بني هاشم، فهو أفضل الخَلْق نفسًا وأفضلهم نَسَبًا.
وليس فضل العرب ثم قريش ثم بني هاشم لمجرَّد كون رسول الله منهم، وإن هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل، وبذلك ثبت لرسول الله -ﷺ- أنه أفضل نفسًا ونَسَبًا، وإلَّا لَزِم الدَّوْر.
_________________
(١) أي: البادية.
[ ٦٧ ]
الشعوبية
الدليل على فضل جنس العرب
وذهبَ فرقةٌ من الناس إلى أن لا فَضْلَ لجنس العرب على جنس العجم، وهؤلاء يسمَّون: الشُّعُوبية؛ لانتصارهم للشعوب التي هي مُغايرة للقبائل (^١). كما قيل: القبائل للعرب، والشعوب للعجم.
ومن الناس من قد يُفضِّل بعض أنواع العجم على العرب، والغالب أن مثل هذا الكلام لا يصدُر إلا عن نفاقٍ؛ ولهذا جاء في الحديث: "حُبُّ العربِ إيمان وبُغْضُهم نِفَاق" (^٢)، مع أن الكلام في هذه المسائل لا يكاد يخلو عن هوى للنفس ونصيب للشيطان من الطرفين، وهو محرَّم في جميع المسائل، فإن الله أمر بالاعتصام [بحبله] (^٣)، ونهى عن التفرُّق والاختلاف.
والدليل على فضل جنس العرب، ثم قريش، ثم بني هاشم ما رواه الترمذي (^٤) عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله! إن قريشًا جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم، فجعلوا مثلك كمثل نخلةٍ في كبوةٍ من الأرض، فقال -ﷺ-: "إنَّ الله خَلَقَ الخَلْقَ فَجَعَلَنِي في خَيْر فِرَقِهِم، وخيَّر الفَرِيْقَيْنِ ثُمَّ خَيَّرَ القبائِلَ فَجَعَلَني في خيرِ قَبِيْلَةٍ، ثم خَيَّرَ
_________________
(١) في الأصل: "القبائل"، والمثبت من "الاقتضاء".
(٢) أخرجه بهذا اللفظ العراقي في "مَحَجَّة القُرَب": (ص/ ١٠٧) من حديث ابن عُمر، ونَقَل عن الدارقطني قوله: "هذا حديث غريب، من حديث الزهري عن سالم ". وللحديث شواهد من حديث أنسٍ وغيره، انظرها في "مَحَجَّة القرب": (ص/ ٧٠، ٨٣ - ٨٥، ١٠٥ - ١٠٨).
(٣) ما بين المعكوفين من "الاقتضاء"، وبه يتم الكلام.
(٤) رقم (٣٦٠٧). من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله ابن الحارث عن العباس بن عبد المطلب به.
[ ٦٨ ]
البُيُوْتَ فَجَعَلَني في خَيْرِ بُيُوْتهم، فأنا خَيْرُهم نَفْسًا وخَيْرُهم بَيْتًا" وحَسَّنَه.
والكبوة: الكناسة، والكِبَي -بالكسر والقصر-.
ورواه بطريق آخر (^١)، ورواه أحمد (^٢) ولفظه: "إنَّ اللهَ خَلَقَ الخَلْقَ فَجَعَلَني في خير خَلْقِه، وجَعَلَهم فِرْقَتَيْن، فجعلنِي في خَيْرِ فِرْقَةٍ، وخَلَقَ القبائِلَ فَجَعَلَني في خيرِ قَبِيْلَةٍ، وجعلهم بُيُوتًا فجعلني في خَيْرِهم بيتًا، فأنا خَيْرُكم بَيْتًا وخَيْرکم نَفْسًا".
فيحتمل أن المراد بالخلق: الثقلان، أو هُم جميع ما خلق في الأرض، وبنو آدم خيرهم. ولو قيل بعموم الخلق حتى يدخل فيه الملائكة؛ فله وجهٌ صحيح، ويُحْتمل أنه أراد بالخلق: بني آدم.
وبكلِّ تقدير؛ فالحديث صريح بتفضيل العرب على غيرهم، ولهذا الحديث شواهد تؤيِّده وتوضِّحه، مثل حديث مسلم (^٣): "إنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنانَةَ من وَلَدِ إسماعيلَ، واصْطَفَى قُرَيْشًا من كِنَانَةَ، واصْطَفَى من قريشٍ بني هاشِمِ، واصْطَفاني من بني هاشم".
ورواه أحمد والترمذي (^٤)، ولفظُه: "إنَّ اللهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إبراهيمَ
_________________
(١) أي: الترمذي رقم (٣٧٥٨) من طريق أبي عوانه عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله ابن الحارث، حدثني المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، أن العباس، به.
(٢) في مسند العباس: (٣/ ٣٠٧ رقم ١٧٨٨) من حديث الثوري عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن المطلب بن أبي وداعة، عن العباس به. فاختُلِف على يزيد بن أبي زياد على هذه الأنحاء وغيرها، وانظر ما ذكره شيخ الإسلام في "الاقتضاء": (١/ ٤٢٨)، وللحديث شواهد تعضد معناه.
(٣) رقم (٢٢٧٦) من حديث واثلة بن الأسقع -﵁-.
(٤) الترمذي رقم (٣٦٠٥)، وأحمد: (٢٨/ ١٩٣ رقم ١٩٨٧). وقال الترمذي: "هذا =
[ ٦٩ ]
إسماعيلَ واصْطَفَى مِنْ وَلَد إسماعيلَ بني كِنَانَةَ " إلى آخره. فيقتضي أن إسماعيل وذريته صفوة ولد إبراهيم، وأنهم أفضل من ولد إسحاق، ومعلومٌ أن ولد إسحاق أفضل العجم (^١)؛ لما فيهم من النبوَّة والكتاب، فإذا ثبت فضلهم على ولد إسحاق لَزِمَ فضلهم على من سواهم (^٢) .
ثم إن الله -تعالى- خصَّ العربَ ولسانَهم بأحكامٍ تميَّزوا بها عن غيرهم، فخصَّ قريشًا بما جعل فيهم من خلافة النبوَّة، وغير ذلك، ثم خصَّ بني هاشم بتحريم الصدقة واستحقاق قِسْطٍ من الفيء، إلى غير ذلك، فأعطى كلَّ درجةٍ بحسبها، والله عليمٌ حليم ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، والله أعلم حيث يجعل رسالاته.
وقال -ﷺ-: "حُبُّ أبي بَكْرٍ وعُمَرَ من الإيمانِ وبُغْضُهُما من الكُفْر" (^٣)
_________________
(١) = حديث حسن صحيح". وزاد المزي في "التحفة": (٩/ ٧٧)، والعراقي في "محجة القرب": (ص/ ٧٨) في حكاية كلام الترمذي قوله: "غريب"، وفي رواية المحبوبي نسخة الكروخي التي بخطه (ق/ ٢٤٤ أ) المكتوبة سنة (٥٤٧): "حديث صحيح" فحسب؟ فالله أعلم. لكن فيه هذه الزيادة في أوله "اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل" تفرد بها محمد بن مصعب، وفيه ضعف في قِبَل حفظه.
(٢) في "الأصل": "من العجم" والصواب ما هو مثبت.
(٣) وفي "الاقتضاء": (١/ ٤٣٠) إشكال وجوابه على التقرير المتقدم، فانظره.
(٤) ذكر في "الاقتضاء": (١/ ٤٣٦) أنه أخرجه أبو طاهر السِّلفي من حديث جابر، وساق سنده، ثم قال: وهذا الإسناد وحده فيه نظر، وأخرجه ابن عساكر في "تاريخه". وأخرجه ابن عدي في "الكامل": (٣/ ٧٣) من حديث أنسٍ، إلا أن آخره: "وبغضهما من النفاق". وفيه أبو إسحاق الحميسي، ضعيف وهو مما أُنكر عليه.
[ ٧٠ ]
سبب ما اختص به العرب من الفضل
و"حبُّ العَرَبِ من الإيمانِ وبُغْضُهُم من الكُفْرِ" (^١)، وفي حديث سلمان (^٢) ما يقوِّي هذا الحديث.
ولما وضعَ عمرُ الديوانَ كتبَ الناسَ على قدر أنسابِهم، فبدأ بأقربهم فأقربهم إلى رسول الله، فلما انقضت العربُ ذكر العجمَ، هكذا كان الديوان على عهد الخلفاء الراشدين وسائر الخلفاء بعدهم، إلى أن تغيَّر الأمر بعد.
وسبب هذا الفضل: ما اختصُّوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم، وذلك لأن الفضلَ إما بالعلم النافع، وإما بالعمل الصالح.
والعلم مَبْدَؤه: العقل، وهو قوةُ الفهمِ. وتمامُه: قوةُ المنطق الذي هو البيان والعبارة، والعربُ أفْهم وأَحْفظ، وأقْدَر على البيان والعبارة.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "الأوسط": (٣/ ٢٥٧)، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية": (٢/ ٣٣٣)، ومن طريقه العراقي في "محجة القرب": (ص/ ٨٣)، والبزار "الكشف: ١/ ٥١"، والحاكم: (٤/ ٨٧) مختصرًا، من حديث أنسٍ -﵁-. قال الحاكم: "صحيح الإسناد"، وتعقبه العراقي فقال: "وما ذكره من صحة إسناد فليس بجيد، فإن الهيثم بن جماز ضعيف عندهم " اهـ.
(٢) ولفظه: "يا سَلْمان لا تُبْغضني فتُفَارِق دِيْنَك" قلت: يا رسول الله كيف أُبغضك وبك هداني الله؟ قال: "تُبْغِضُ العربَ فتُبْغِضني". أخرجه الترمذي رقم (٣٩٢٧)، وأحمد: (٥/ ٤٤٠)، والطبراني في "الكبير": (٦/ ٢٣٨)، والحاكم: (٤/ ٨٦) وغيرهم. قال الترمذي: "حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبي بدر شجاع ابن الوليد" اهـ، وقال الحاكم: "صحيح" وتعقبه الذهبي بتضعيف ابن أبي ظبيان في سنده.
[ ٧١ ]
[وأما العمل؛ فإن مبناه على الأخلاق، وهي الغرائز المخلوقة في النفس] (^١)، وغرائزهم أطوع للخير، فهم أقرب للسخاء والحلم والشجاعة والوفاء وغير ذلك من الأخلاق المحمودة، لكن كانوا قبل الإسلام طبيعةً قابلة للخير معطَّلةً عن فعله، ليس عندهم علمٌ منزَّلٌ من السماء، ولا شريعةٌ موروثة (^٢) عن الأنبياء، ولا هم مشتغلون ببعض العلوم العقليَّة، إنما علمهم ما سمحت به قرائحهم من الشعر والخطب، أو ما حفظوه من أنسابهم وأيَّامهم، أو ما احتاجوا إليه من دنياهم من الأنواء والنجوم، أو من الحروب.
فلما بعث الله محمدًا -ﷺ- بالهدى الذي ما جَعَلَ اللهُ -ولا يجعل- أمرًا أجلَّ منه ولا أعظم قدرًا، وتلقَّوه عنه بعد مجاهدته الشديدة ومعالجته، حتى نقلهم عن تلك العادات الجاهلية والظلمات الكفرية، التي كانت قد أحالت قلوبهم عن فِطَرها (^٣)، فزالت تلك الرُّيون (^٤) عن قلوبهم، واستنارت بهدي الله، فأخذوا ذلك الهدي بتلك الفطرة الجيِّدة، فاجتمع لهم الكمالُ بالقوةِ المخلوقة فيهم، والكمالِ الذي أنزله اللهُ إليهم.
بمنزلةِ أرضٍ جيِّدةٍ في نفسها عُطِّلت عن الحرث، فنبتَ فيها شوكٌ ودغل (^٥)، وصارت مأوى (^٦) الخنازير والسِّباع، فإذا طُهِّرت عن المؤذي
_________________
(١) إضافة لازمة من "الاقتضاء": (١/ ٤٤٧) ليتم المعنى.
(٢) في الأصل: "مورثة" والمثبت من "الاقتضاء".
(٣) كذا بالأصل، وفي "الاقتضاء": "فطرتها".
(٤) أي: دنس القلوب.
(٥) كذا في الأصل، وهو الشجر الكثير الملتفّ. وفي "الاقتضاء": "نبت فيها شجر العضاه والعوسج".
(٦) رسمها في "الأصل": "موي" والتصويب من "الاقتضاء".
[ ٧٢ ]
من الشجر والدواب، وازْدُرع فيها أفضلُ الحبوب والثمار، جاء فيها من الحرث ما لا يوصف مثله، وبالله المستعان.
فصار السابقون الأولون أفضل الخلق بعد الأنبياء، وصار أفضل الناس بعدهم من اتَّبعهم بإحسانٍ إلى يوم القيامة من العرب والعجم، وصار الخارجون عن هذا الكمال قسمين:
إما کافر؛ من اليهود والنصارى، الذين لم يقبلوا هدى الله.
وإما غيرهم؛ من العجم الذين لم يشركوهم فيما فطروا عليه، فجاءت الشريعة باتباع أولئك السابقين على الهدى الذي رضيه الله لهم، وبمخالفة من سواهم؛ إما لمعصيته وإما لنقيصته، وإما لأنه مظنة النقيصة.
فإذا نهت الشريعةُ عن مشابهة الأعاجم، دخل في ذلك ما عليه الأعاجمُ الكفَّار قديمًا وحديثًا، وما عليه الأعاجم المسلمون مما لم يكن السابقون الأوَّلون عليه، كما يدخل في مسمَّى الجاهلية: ما كان عليه أهلُ الجاهلية قبل الإسلام، وما عادَ إليه كثيرٌ من العرب من الجاهلية التي كانوا عليها، ومن تشبَّه من العرب بالعجم لحقَ بهم، وبالعكس.
ولهذا كان الذين ينالوا (^١) العلمَ والإيمانَ من أبناء فارس إنما حصل ذلك بمتابعتهم للدين الحنيف، بلوازمه من العربية وغيرها، ومن نقصَ من العرب إنما هو بتخلُّفهم عن هذا، وإما بموافقتهم للعجم فيما السنةُ أن يُخَالَفوا فيه.
_________________
(١) كذا بالأصل، وصوابه "ينالون" وفي "الاقتضاء": "تناولوا".
[ ٧٣ ]
اللسان العربي وأهمية معرفته
وأيضًا: فإن الله أنزل كتابَه باللسان العربي، وجعلَ رسولَه مبلِّغًا عنه الكتابَ والحكمةَ بلسانه العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلِّمين به، فلم يكن سبيلٌ إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط هذا اللسان، وصارت معرفته من الدين. إذ هو أسهل على أهل الدين في معرفة دين الله، وأقرب إلى إقامة شعار الدين، وأقرب إلى مشابهة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في جميع أُمورهم.
وقد أمر العلماءُ بالخطاب العربيِّ، وكرهوا مداومة غيره لغير حاجة، واللسان تقارنه أمور من الأخلاق والعلوم، فإن العادة لها تأثير عظيم فيما يُحبه الله ورسوله أو فيما يكرهه؛ فلهذا جاءت الشريعةُ بلزوم طريقة السابقين في أقوالهم وأعمالهم، وكراهة الخروج عنها إلى غيرها لا لحاجةٍ؛ لما يُفْضِي إليه من موت الفضائل التي جعلها الله للسابقين الأوَّلين.
ولهذا لما عَلِم من وفَّقَه اللهُ من أبناء فارس وغيرهم هذا الأمرَ؛ أخذَ يُجاهد نفسه في تحقيق المشابهة بالسابقين، فصار أولئك من أفضل التابعين بإحسانٍ، وصار كثيرٌ منهم أئمة لكثير من غيرهم. وصاروا يُفضِّلون من رأوه [من الفرس] (^١) أقرب إلى متابعة السابقين. فالأمة مجتمعة على فضل طريقة العرب السابقين، وأن الفاضل من تَبِعهم، وهو المطلوب.
والذي يجب على المسلم إذا نظر إلى الفضائل أو تكلَّم فيها: أن يسلكَ سبيلَ العاقل الذي غرضه أن يعرف الخير ويتحرَّاه جهده، ليس
_________________
(١) زيادة من "الاقتضاء" يقتضيها السياق.
[ ٧٤ ]
غرضه الفخر على أحدٍ ولا الغَمْص (^١) من أحدٍ، كما قال: "إنَّ اللهَ أوْحَى إليَّ: أنْ تواضَعُوا حتى لا يَفْخَرَ أحَدٌ على أحدٍ ولا يَبْغِي أحَدٌ على أحَدٍ" (^٢) .
فمن استطال بحقٍّ فقد افتخر، وإن كان بغير حقٍّ فقد بغي، فلا يحلُّ لا هذا ولا هذا، فإذا كان الرجل من الطائفة الفاضلة، فلا يكن حظُّه استشعار فضل نفسِه، والنظر إلى ذلك، فإنه مْخْطئ؛ لأن فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص، فرُبَّ حَبَشِيٍّ أفضل عند الله من جمهور قريش.
وإن كان من الطائفة الأخرى، فيعلم أن تصديقه للرسول فيما أخبر، وطاعته فيما أمره، ومحبَّة ما أحبَّه الله، والتشبُّه بمن فضَّله الله، والقيام بالدين الحق، يوجبُ له أن يكون أفضلَ من جمهور الطائفة الأخرى، وهذا هو الفضل الحقيقي (^٣) .
_________________
(١) هو الاحتقار والازدراء.
(٢) أخرجه مسلم رقم (٢٨٦٥) من حديث عياض المجاشعي -﵁-.
(٣) ثم ذكر شيخ الإسلام في "الاقتضاء": (١/ ٤٥٤ - ٤٥٦) أصل لفظ العرب والعجم وذكر: انقسامَ البلاد إلى:
(٤) ما غلب على أهله لسان العرب.
(٥) ما العُجْمة كثيرة فيهم أو غالبة. وانقسامَ الأنساب إلى:
(٦) قوم من نسل العرب، باقون على العربية لسانًا ودارًا، أو لسانًا لا دارًا، أو دارًا لا لسانًا.
(٧) قوم من نسل العرب، صارت العجمية لسانهم ودارهم، أو أحدهما.
(٨) قوم مجهولوا الأصل -وهم أكثر الناس- سواء كانوا عرب الدار واللسان، =
[ ٧٥ ]