فصْلٌ (^١)
إذا تقرَّر ذلك، فقد دلَّ الكتابُ والسنةُ والإجماعُ على الأمر بمخالفة الكفار، والنهي عن مشابهتهم في الجملة، سواء كان عامًّا في جميع أنواع المخالفات، أو خاصًّا ببعضها، وسواءٌ كان أمرَ إيجاب أو أمرَ استحباب.
أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (^٢) [الحديد: ١٦].
وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ إلى أن قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٦، ١٨].
فأخبر أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغيًا من بعضهم على بعض، ثم جعل محمدًا على شريعةٍ وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، فدخلَ فيهم كلُّ من خالف شريعتَه.
وأهواؤهم هو ما يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل.
ومن هذا قوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾ إلى أن قال:
_________________
(١) "الاقتضاء": (١/ ٩٥).
(٢) الآية ليست في "الاقتضاء".
[ ٢٩ ]
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)﴾ [الرعد: ٣٦ - ٣٧] والضمير (^١) -والله أعلم- يعود إلى من (^٢) تقدم ذكره، وهم الأحزاب الذين ينكرون بعضَه، فدخل كلُّ من أنكر شيئًا من القرآن؛ من يهوديٍّ ونصرانيٍّ وغيرهما.
ومن ذلك قوله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ الآية [البقرة: ١٢٠].
فقال في الخبر: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾، وفي النهي: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ لأن القومَ لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقًا. والزجرُ قد وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير، ومتابعتُهم في بعض ما هم عليه، نوعُ متابعةٍ لهم فيما يهوونَه أو مَظِنَّة له.
وكذا قوله: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٥ - ١٥٠].
قال غير واحدٍ (^٣): لئلا يحتج اليهودُ عليكم بأنكم وافقتموهم في القبلة، فيوشك أن يوافقونا في الملة، فقطع الله هذه الحجة بأن قال: خالفوهم في القِبْلة.
_________________
(١) يعني في "أهوائهم".
(٢) "الاقتضاء": "ما".
(٣) أي: من السلف، انظر تفسير ابن جرير: (٢/ ٣٤ - ٣٦)، وابن كثير: (١/ ٢٠١).
[ ٣٠ ]
وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥] وهم اليهود والنصارى، الذين افترقوا على أكثر من سبعين فرقة، مع أنه قد أخبر -ﷺ- أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة (^١)، وقال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
وكلُّ ما في الكتاب من النهي عن مشابهة الأمم الكافرة وقصصهم التي فيها عبرة لنا بترك ما فعلوه، مثل قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (ضضض ٢)﴾ [الحشر: ٢]، و﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، وأمثال ذلك، كله دالٌّ على هذا المَطْلَب: من أن مخالفتهم مشروعة لنا في الجملة (^٢)، وهي دين لنا.
وقال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ ﴾ الآيات، إلى قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ إلى قوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾ [التوبة: ٦٧ - ٧٣].
فبيَّن أخلاق المنافقين والمؤمنين، وتوعَّد المستمتعين الخائضين كالذين خاضوا بأن قال: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩)﴾ [التوبة: ٦٩].
فأخبر أن في هذه الأمة من استمتعَ بخلاقه (^٣) كما استمتعت الأمم قبلهم، وخاضَ كالذين خاضوا، وذمَّهم على ذلك، ثم حضَّهم على
_________________
(١) سيأتي تخريجه ص/ ٣٤.
(٢) وبعض الآيات تدل على وجوب المخالفة، "الاقتضاء": (١/ ١٠٣).
(٣) في هامش الأصل: "والخَلاق قيل: هو الدين، وقيل: نصيبهم من الآخرة في الدنيا، وقيل: نصيبهم من الدنيا، قال أهل اللغة: الخلاق هو الحظ والنصيب، كأنه ما خُلِقَ للإنسان" اهـ.
[ ٣١ ]
تفسير الصحابة لقوله تعالى: ﴿كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة﴾
الاعتبار بمن قبلهم فقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ (^١)﴾ [التوبة: ٧٠].
فذَمَّ من استمتعَ وشابه القرون الماضية، وكان من الخائضين، وهم اليهود والنصارى وغيرهم ممن تقدم، ومع ذلك فقد أخبر رسول الله -ﷺ- أنه لا بد أن تأخذ أمته مأخذَ الأمم قبلَها ذراعًا بذراع وشبرًا بشبرٍ (^٢)، وقوله بعد ذلك: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ دليلٌ على جهاد هؤلاء الخائضين المستمتعين.
ثم هذا الذي دلَّ عليه الكتاب، من مشابهة بعض الأمة للقرون الماضية في الدنيا وفي الدين، وذم من يفعل ذلك؛ قد دلَّت عليه سنةُ رسول الله -ﷺ-، وفسَّر أصحابُه الآيةَ بذلك.
فعن أبي هريرة عنه -ﷺ- قال: "لتَأْخُذُنَّ كما أَخَذَتِ الأُمَمُ من قَبْلِكُم ذِراعًا بذراعٍ، وشِبْرًا بِشِبْرٍ، وباعًا بِباعٍ، حتَّى لو أنَّ أحَدًا مِنْ أُولئك دَخَل جُحْر الضَّبِّ لَدَخَلْتُمُوه" قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ الآية [التوبة: ٦٩]، قالوا: يا رسولَ الله كما صنعت فارسُ والرومُ وأهلُ الكتاب؟ قال: "فَمَن الناسُ إلا هم" (^٣)؟!.
وعن ابن عباس أنه قال: "ما أشبه الليلةَ بالبارحة، هؤلاء بنو
_________________
(١) "أصحاب مدين" سقطت من الأصل.
(٢) انظر ما تقدم ص/ ٢١.
(٣) أخرجه بهذا اللفظ ابن جرير في "التفسير": (٦/ ٤١٢)، وأصله في الصحيح.
[ ٣٢ ]
دلالة السنة
إسرائيل شُبِّهنا بهم" (^١).
وعن ابن مسعود أنه قال: "أنتم أشبه الأممِ ببني إسرائيل سمتًا وهديًا، تتبعون عملهم حَذْو القذة بالقذة، غير أني لا أدري أتعبدون العجلَ أم لا" (^٢)؟!.
وعن حذيفة بن اليمان قال: "المنافقون الذين منكم اليومَ شرٌّ من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله -ﷺ-، فإنَّ أولئك كانوا يخفون نفاقَهم، وهؤلاء أعلنوه" (^٣).
أما السنة:
ففي "الصحيحين" (^٤) عن [عَمْرو] (^٥) بن عوف أن رسول الله -ﷺ- بعثَ أبا عبيدة إلى البحرين يأتي بجِزْيتها، وكان قد صالحَ أهلَ البحرين، وأمَّر عليهم العلاء بن الحَضْرمي، فَقِدم أبو عُبيدة بالمال، فسمعت الأنصار، فوافَو صلاة الفجر مع رسول الله -ﷺ- الحديثَ، إلى أن قال: "أَبْشِروا، فواللهِ ما الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُم، ولكنْ أَخْشَي عليكم أنْ تُبسَطَ الدُّنيا عَلَيكُم كما بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كانَ قَبْلَكُم، فَتَنَافَسُوها كما تَنَافَسُوها، فتُهْلِكَكُم كما أَهْلَكَتْهُم".
_________________
(١) أخرجه ابن جرير: (٦/ ٤١٣)، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ -كما في "الدر المنثور": (٢/ ٤٥٨) -.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف": (٧/ ٤٧٩) بسندٍ صحيح، والمروزي في "السنة": (ص/ ٢٥).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف": (٧/ ٤٨١ - ٤٨٢) بسندٍ صحيح.
(٤) البخاري رقم (٣١٥٨)، ومسلم (٢٩٦١).
(٥) في الأصل "عمر" وهو سهو.
[ ٣٣ ]
وهذا هو الاستمتاع بالخَلاق المذكور في الآية.
وفي مسلم (^١) عن عبد الله بن [عَمْرو] (^٢)، عن رسول الله قال: "إذا فتِحَت عَلَيْكُم خزائنُ فارسَ والرومِ أَيُّ قوم أَنتم"؟ قال عبد الرحمن بن عوف: نكون كما أمرنا الله، فقال رسول الله: "تنافَسُون، ثم تحاسَدُون ثم تَدَابرون -أو تباغَضُون أو غير ذلك- ثم تَنْطَلِقون إلى مَسَاکين المُهَاجِرين، فتحملونَ بَعْضَهم على رقابِ بَعْضٍ".
وفي "الصحيحين" (^٣) أنه قال: "إنَّ فِتْنَةَ بني إسرائيل كانَتْ في النِّساءِ، فاتَّقوا [الدنيا] (^٤) واتَّقُوا النِّساءَ".
فحذَّر فتنة النساء مُعَلِّلًا بأن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء.
وقال: "إنما هَلَكَ بَنُو إسْرائيلَ حِيْنَ اتخذَ هذِهِ نِسَاؤُهُم" (^٥) يعني: وصْل الشعر، وكثيرٌ من مشابهة أهل الكتاب في أعيادهم وغيرها، إنما يدعو إليها النساءُ.
وفي مسلم (^٦): "لا تقومُ السَّاعَةُ حتَّى يَلْحَقَ حَيٌّ مِنْ أُمَّتي بالمُشْركين، وحتَّى يَعْبَدَ فِئامٌ من أُمَّتي الأَوْثَانَ".
_________________
(١) رقم (٢٩٦٢).
(٢) في الأصل "عمر" سهو.
(٣) كذا بالأصل! وهو سهو، فالحديث في "صحيح مسلم" رقم (٢٧٤٢) دون البخاري من حديث أبي سعيد الخدري، وقد تصرف المختصر في لفظه فقدم وأخَّر.
(٤) في الأصل "الله" وهو سبق قلم! وليس في شيءٍ من طرق الحديث
(٥) أخرجه مسلم برقم (٢١٢٧) من حديث معاوية -﵁-.
(٦) أصل الحديث في مسلم من حديث ثوبان -﵁- رقم (٢٨٨٩) في حديث طويل، وهذه الزيادة التي ذكرها المصنف رواها أبو داود رقم (٤٢٥٢) والترمذي رقم (٢٢١٩)، وعزاها شيخ الإسلام في "الاقتضاء": (١/ ١٤٢) إلى البرقاني في "صحيحه". قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
[ ٣٤ ]
و"سَتَفْتَرِقُ أُمَّتي على ثلاثٍ وسَبْعينَ فِرْقَةً كُلُّها في النارِ إلَّا فرقةٌ واحدةٌ وهي الجَمَاعة" (^١) .
ولا شكَّ أن الثنتين وسبعين هم الذين تفرَّقوا واختلفوا كما تفرَّق الذين من قبلهم، ومن ذلك لما سألوه أن يجعل لهم ذات أنواط، فقال: "اللهُ أكبر، قلتم -والذي نَفْسِي بِيَدِه- كما قال بَنُو إسْرائيِلُ قَبْلَكُم". رواه مالك والنسائي والترمذي وصحَّحه (^٢) .
وقال: "لتركَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كانَ قَبْلَكُم حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ، حَتَّى لو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُموه" قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فَمَن" (^٣)؟!
وقد تقدم (^٤) مثله في البخاري قوله: "لتأخُذَنَّ أُمَّتِي مأْخَذَ القرونِ قَبْلَها شِبْرًا بشِبْرٍ وذِرَاعًا بذراعٍ".
_________________
(١) جاء هذا الحديث من رواية جماعة من الصحابة: أبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، ومعاوية، وعَمْرو بن عوف، وعبد الله بن عَمْرو، وعوف بن مالك، وأبو أمامة، وسعد بن أبي وقاص، وأنس بن مالك. وهو حديث صحيح بشواهده.
(٢) أخرجه الترمذي رقم (٢١٨٠)، والنسائي في "الكبرى": (٦/ ٣٤٦) في التفسير. ولم أر من نسبه إلى مالك. وأخرجه أحمد: (٥/ ٢١٨)، وابن حبان "الإحسان": (١٥/ ٩٤) وغيرهم من حديث أبي واقد الليثي -﵁-. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح" وصححه ابن حبان، وهو كذلك.
(٣) أخرجه البخاري رقم (٧٣١٩)، ومسلم رقم (٢٦٦٩) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- بنحوه.
(٤) ص/ ٢١.
[ ٣٥ ]
فإن قيل: لا بد من وقوع المشابهة، فما فائدة النهي عنها؟
الجواب على ذلك
فهذا كلُّه وأشباهُه خَرَجَ منه -ﷺ- مَخْرَج الخبر عن وقوعِه والذَّمِّ لمن يفعله، فعُلِم أن مشابهتها (^١) لليهود والنصاري، وفارس والروم، مذمومٌ ذمَّه الله ورسوله، وهو المطلوب.
فإن قيل: إذا كان قد أخبر رسولُ الله وكتابُ الله -جل وعز- أنه لا بُد من وقوع المشابهة، فما فائدة النهي عن ذلك؟
قيل: قد دلَّ الكتابُ والسنةُ -أيضًا- أنه لا تزال طائفةٌ متمسِّكة بالحق الذي بعثَ اللهُ به محمدًا -ﷺ- إلى قيام الساعة، وأنَّها لا تجتمع على الخطأ، ففي النهي عن ذلك تكثير لهذه الطائفة المنصورة، وتثبيتها، وزيادة إيمانها، زادها الله شرفًا وقوَّةً ونصرًا، وأظهر دينَه ونصَرَه حيث كان وعلى يَدِ من كان، وخذلَ أعداءَه وكَبَتَهم، وجعلَ الدائرةَ عليهم إنه سميعُ الدعاء (^٢).
وأيضًا: لو فُرِض أن الناس لا يتركون هذه المشابهة المنكرة، لكان في العلم بها معرفة القبيح، والإيمان بذلك، فإن نفسَ العلم والإيمان بما كرهه الله خير، وإن لم يُعْمَل به، بل فائدة العلم والإيمان أعظم من فائدة مجرَّد العمل الذي لم يقترن به علم، فإن الإنسان إذا عرفَ المعروفَ وأنكرَ المنكرَ، كان خيرًا من أن يكون ميِّتَ القلب لا يعرف معروفًا ولا يُنكر منكرًا.
وإنكار القلب هو: الإيمانُ بأن هذا منكر وكراهته لذلك، فإذا حَصَلَ ذلك كان في القلوب إيمان.
_________________
(١) أي: الأُمة.
(٢) هذا الدعاء من قوله "زادها الله شرفًا " ليس في "الاقتضاء": (١/ ١٧١).
[ ٣٦ ]
ما دل عليه الكتاب جاءت به سنة النبي - ﷺ - وسنة خلفائه الراشدين
وأيضًا: فقد يستغفر الرجل من الذنب مع إصراره عليه، أو يأتي بحسناتٍ تمحوه أو بعضَه، وقد يُقلِّل منه، وقد تضعف همتُه في طلبه إذا عرفَ أنه منكر.
ثم لو فُرِضَ أَنَّا علمنا أن الناسَ لا يتركون المنكر ولا يعترفون بأنه منكر، لم يكن ذلك مانعًا من إبلاغ الرسالة وبيان العلم، بل ذلك لا يُسْقط وجوب الإبلاغ، ولا وجوبَ الأمر والنهي في إحدى الروايتين عن أحمد -﵀- وقول كثير من أهل العلم.
وهذا أمر عامٌّ في كلِّ منكر أخبر الصادقُ بوقوعه.
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]. فقد برَّأ -سبحانه- رسولَه بأن يكون فيه شيءٌ من المُفَرِّقين لدينهم، فمن كان متبعًا له حقيقةً كان متبرِّئًا کتبرئته، ومن كان موافقًا لهم في شيء كان مخالفًا للرسول بقدر موافقته لهم.
وما دلَّ عليه الكتابُ جاءت به سنةُ رسولِ الله وسنة خلفائهِ الراشدين التي أجمع الفقهاء عليها بمخالفتهم وترك التشبه بهم.
ففي "الصحيحين" (^١) أنه قال: "إنَّ اليَهُوْدَ والنَّصَارَى لا يَصْبُغُوْنَ فَخَالِفُوهم"، فاقتضى أن جِنْسَ مخالفتهم أمرٌ مقصود للشارع؛ لأن الفعل المأمور [به] (^٢) إذا عُبِّر عنه بلفظٍ مشتقٍّ من معنىً أعم من ذلك الفعل، فلا بُدَّ أن يكون ما منه الاشتقاق أمرًا مطلوبًا، لا سيما إن ظهر
_________________
(١) البخاري رقم (٣٤٦٢)، ومسلم رقم (٢١٠٣) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٢) مطموسة في الأصل، والإكمال من "الاقتضاء": (١/ ١٨٦).
[ ٣٧ ]
لنا أن المعنى المشتقَّ منه معنيً مناسب للحكمة؛ ولأن الأمر إذا تعلَّق باسم مفعولٍ مشتقٍّ من معنىً؛ كان المعنى علةً للحكم؛ كما في قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (^١) [الحجرات: ١٠]. "عُودوا المريضَ، أَطْعِموا الجائعَ، فكُّوا العاني" (^٢) .
وأيضًا: إذا أمر بفعلٍ كان نفس مصدره أمرًا مطلوبًا للآمر مقصودًا، كما قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾، ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥]، ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ (^٣) [يونس: ٨٤].
فإن نفس التقوى والإحسان والإيمان والعبادة أُمور مطلوبة مقصودة؛ بل هي نفس المأمور به، فلما قال: "خالفوهم" كان الأمر بمخالفتهم داخِلًا في العموم، وإن كان السبب الذي قاله لأجلِه هو "الصَّبْغ"؛ لأن الفعل فيه عموم وإطلاق لفظي ومعنوي فيجب الوفاء به، وخروجه على سببٍ يوجب (^٤) أن يكون داخِلًا فيه، ولا يمنع أن يكون غيره داخلًا فيه، وإن قيل: إن اللفظ العام يُقْصَر على سببه؛ لأن العموم هنا من جهة المعنى، فلا يقبل من التخصيص ما يقبله العموم اللفظي.
وأيضًا (^٥): عدول الأمر عن لفظ الفعل الخاصِّ إلى لفظٍ أعم منه، كعدوله عن لفظ "أَطْعِمْه" إلى لفظ "أَكْرِمْه"، وعن لفظ "فاصبغوا" إلى
_________________
(١) في الأصل في الآيتين بدون "الفاء".
(٢) أخرجه البخاري رقم (٣٠٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري -﵁-.
(٣) في الأصل: "عليه فتوكلوا"، سبق قلم.
(٤) في الأصل: "يجب".
(٥) "الاقتضاء": (١/ ١٩٥).
[ ٣٨ ]
لفظ "فخالفوهم" لا بُدَّ له من فائدة، وإلا فمطابقة اللفظ للمعني أولي من إطلاق اللفظ العام وإرادة الخاصّ، ولا فائدة هنا إلا تعليق القصد بذلك المعنى العام المشتمل على هذا الخاص، وهذا بيِّن لمن تأمَّله.
وأيضًا: إذا أمر بفعل باسم دالٍّ على معنيً عام مريدًا به فعلًا خاصًّا، كان ذلك يقتضي أنه قصد أولًا ذلك العام، وأنه إنما قَصَد ذلك الخاص لحصوله بالعامِّ، ففي قولك: "أكْرِم زيدًا" طلبان، طلبٌ للإكرام المطلق، وطلب لهذا الفعل الذي يحصل به المطلق؛ لأن حصول المعيَّن مُقْتضٍ لحصول المطلق، وهذا معنىً صحيح، إذا صادفَ فِطْنةً وذكاءً انتُفِع به في كثير من المواضع، وعُلِم به طرق البيان.
وأيضًا: فإنه رتَّب الحكمَ على الوصف بحرف الفاء، فيدل على أنه علة له من غير وجه، حيث قال: "إن اليهودَ لا يصبغون فخالفوهم"؛ ولأنه لو لم يكن لِقَصْد مخالفتهم تأثير في الأمر بالصَّبغ لم يكن لذكرهم فائدة، فنفسُ المخالفةِ لهم في الهدي مصلحة ومنفعة لعباد الله المؤمنين؛ لما فيه من المجانبة والمباينة التي توجب المباعدة عن أعمال أهل الجحيم، وإنما تظهر بعضُ المصلحة في ذلك لمن تنوَّرَ قلبه.
ونَفْس ما هم عليه من الهدى والخلق قد يكون فيه مضرَّة؛ فيُنْهى عنه ويؤمر بضدِّه؛ لما فيه من المنفعة والكمال. وليس شيءٌ من أُمورهم إلا وهو إما فيه مضرَّة أو هو ناقص، ولا يتصوَّر أن يكون شيءٌ من أمورهم کاملًا قطُّ، فإذًا المخالفة لهم فيها لنا منفعة ومصلحة في كل أُمورهم، حتى ما هم عليه من إتقانِ بعضِ أُمور دنياهم، فقد يكون مُضِرًّا بأمر الآخرة أو بما هو أهم من أمور الدنيا.
وبالجملة؛ فالكفر بمنزلة المرض الذي في القلب وأشدُّ، ومتى كان
[ ٣٩ ]