بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربِّ العالمين، قيوم السماوات والأَرضين. والحمد لله الذي أكملَ لنا ديننا، وأتمَّ علينا نعمتَه، ورضيَ لنا الإسلامَ دينًا، وأمرنا أن نستهديَه صراطَه المستقيم، صِراط الذين أنعمَ عليهم غير المغضوب عليهم -اليهود-، ولا الضالين -النصارى-.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالدين القيِّم، والحنيفية السَّمْحة، وجعله على شريعةٍ من الأمر، وأمره أن يقول: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، صلى الله وسلَّم عليه، وزاده شرفًا لديه.
وبعد؛ فإني كنت قد نَهَيْتُ عن التشبُّه بالكفار في أعيادهم، وبيَّنت ما في ذلك من الأثر والدلالة الشرعية. ثم بلغني أن من الناس من استغربَ ذلك واستبعده، لمخالفةِ عادةٍ قد نشأوا عليها، فاقتضاني (^١) بعض الأصحاب أن أعلِّق في ذلك ما يكون إشارة إلى [أصل هذه المسألة، لكثرة فائدتها وعموم المنفعة بها، ولما قد عمَّ كثيرًا من الناس من الابتلاء بذلك حتى صاروا في نوعِ جاهلية.
_________________
(١) أي: طلب مني.
[ ١٧ ]
ما كان الناس فيه من جاهلية وضلال قبل البعثة
فصلٌ
اعلم أن محمدًا] (^١) بعثه الله إلى الخلق وقد مقت أهلَ الأرض، إلا بقايا من أهل الكتاب ماتوا -أو أكثرهم- قُبيل مبعثه.
والناس أحد رجلين؛ إما كتابيٌّ مُعْتَصِم بكتابٍ؛ إما مُبدَّل، وإما مُبَدَّلٌ منسوخ، ودين دارس (^٢)، بعضه مجهول وبعضه متروك.
وإما أُمِّي من عربيٍّ وعجمي، مقبل على عبادة ما استحسنه وظنَّ أنه ينفعه من نجمٍ أو وثنٍ أو قبرٍ أو تمثال أو غير ذلك.
والناسُ في جاهليةٍ جَهْلاء، فهدى اللهُ الناسَ ببركة [نبوة] (^٣) محمد -ﷺ-، وبما جاء به من البيِّنات والهدي، هدايةً جلَّت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفةَ العارفين، فلله الحمد كما يحبُّ ربُّنا ويرضى.
بعثه بدين الإسلام الذي هو الصراط المستقيم، وفَرَضَ على الخلق أن يسألوه هدايتَه كلَّ يومٍ في صلاتهم، ووصفَه بأنه: صراطَ الذي أنعم اللهُ عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
قال عديُّ بن حاتم -﵁-: أتيتُ رسول الله وهو جالسٌ في المسجد، وجئتُ بغير أمانٍ ولا كتاب، فلما دفعتُ إليه أخذ بيدي، وكان قد قال قبل ذلك: "إنِّي لأرجو أن يجعلَ اللهُ يَدَه في يدي"، قال:
_________________
(١) ما بين المعكوفين متآكل في الأصل، إذ كان تكملةَ لحقٍ طويل، بدأ من قوله: "وبعد، فإني " فجاء في ذيل الصفحة، والإكمال مستفاد من "الاقتضاء": (١/ ٧٣ - ٧٤).
(٢) أي: ذهبت معالمه.
(٣) لحق بالهامش ولم يظهر، بسبب تداخله مع اللحق الطويل المتقدم.
[ ١٨ ]
الآيات والأحاديث التي فيها وصف اليهود بالمغضوب عليهم، والنصاري بالضلال
فقام بي حتى أتى داره، فألقت له الوليدةُ (^١) وسادةً، فجلسَ عليها، وجلستُ بين يديه، فحمدَ اللهَ وأثنى عليه ثم قال: "ما يُفِرُّكَ (^٢)؟ أَيُفِرُّكَ أنْ تَقُوْلَ: لا إلهَ إلا الله؟ فَهَل تعلمُ مِن إلهٍ سوى الله"؟ قلتُ: لا، ثم تكلَّم ساعةً، ثم قال: "إنما تَفِرُّ أن تقول: الله أكبر، أَوَ (^٣) تَعْلَمُ شيئًا أكبرُ مِنَ اللهِ؟ " قلتُ: لا، قال: "فإن اليهودَ مغضوبٌ عليهم، وإن النصاري ضُلَّال".
قال: قلت: فإني حنيف مسلم. قال: فرأيتُ وجْهَه ينبسِطُ فرحًا، وذكرَ حديثًا طويلًا.
رواه الترمذي (^٤) وحسَّنه (^٥).
وفي كتاب الله ما يدلُّ على معنى هذا الحديث، مثل قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠]، والضمير عائد إلى اليهود والخطابُ معهم، كما دلَّ عليه سِياق الكلام.
_________________
(١) أي: الجارية.
(٢) أي: ما يحملك على الفرار.
(٣) كذا في الأصل، وفي "الاقتضاء" و"المصادر": "و".
(٤) رقم (٢٩٥٣).
(٥) تمام عبارته: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سِماك بن حرب" اهـ والحديث أخرجه أحمد في "المسند": (٣٢/ ١٢٣ رقم ١٩٣٨١)، وابن حبان "الإحسان" (١٦/ ١٨٣) وغيرهم من طرقٍ عن سِماك بن حرب عن عبَّاد بن حُبيش به. وفيه عبَّاد، قال الذهبي: لا يُعرف، وذكره ابن حبان في "الثقات": (٥/ ١٤٢)، ولم يرو عنه غير سِماك بن حرب، وسِماكٌ في حفظه مقال. ولبعض ألفاظ الحديث شواهد يتقوَّى بها.
[ ١٩ ]
سبب وصف اليهود بالغضب والنصاري بالضلال
وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة: ١٤]، وهم المنافقون الذين تولَّوا يهود، باتفاق أهل التفسير، وسياق الآية يدل عليه.
وقال: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٢]، وفي [البقرة] (^١): ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، فهذا بيان أن اليهود مغضوبٌ عليهم.
وقال في النصارى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٣ - ٧٧]، فهذا خطابٌ للنصارى كما دلَّ عليه السِّياق، ولهذا نهاهم عن الغلو، وهو مجاوزة [الحد] (^٢)، كما نهاهم عنه في قوله: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ الآية [النساء: ١٧١].
ووَصْفُ اليهودِ بالغضب، والنصارى بالضلال له أسبابٌ ظاهرة وباطنة، ليس هذا موضِعها، وجماعٌ ذلك: أن اليهود كفروا عنادًا؛ لأنهم يعلمون الحقَّ ولا يُتْبِعونه عملًا، والنصارى كُفْرهم من جهةِ عملهم بلا علم، بل هم مجتهدون في أصناف العبادات بلا شِرعةٍ (^٣) من الله، ويقولون على الله ما لا يعلمون.
_________________
(١) وقع في جميع مخطوطات الاقتضاء، وفي "الأصل": "آل عمران" وهو سهو؛ إذ الآية قبلها في آل عمران، وهذه في البقرة آية: ٩٠.
(٢) في "الأصل": "الحق"، وهو سهو.
(٣) "الاقتضاء": "شريعة".
[ ٢٠ ]
الأحاديث الدالة على اتباع هذه الأمة لأهل الكتاب
ولهذا قال السلف -سفيانُ بن عُيَينة وغيره-: "من فَسَد من علمائنا ففيه شبهٌ من اليهود، ومن فسدَ من عُبَّادنا ففيه شَبَهٌ من النصاري".
ومع أنَّ الله قد حذَّرنا سبيلهم، ثم مع ذلك فقضاؤه نافذ بما أخبرَ به رسولُه، حيث قال: "لَتتَّبِعُنَّ سَنَنَ من كان قَبْلَكُمْ حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ، حَتَّى لو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُموه" قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: "فَمَنْ" (^١)؟!. حديث صحيح.
ورواه البخاري (^٢) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تَقُوْمُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخَذَ أُمَّتِي ما أَخَذَ (^٣) القرونَ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وذِراعًا بِذِراعٍ" فقيل: يا رسولَ الله! كفارس والروم؟ قال: "وَمَن الناسُ إلا أُولئك"؟
وقد كان ينهى عن التشبُّه بهم، وليس ذلك إخبارًا عن جميع الأُمة، فإنه قال: "لا تَزَالُ طائفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظاهرينَ على الحقِّ حتَّى تقومَ السَّاعَةُ" (^٤).
وأخبرَ: أنه لا تجتمع هذه الأمةُ على الضلالة (^٥)، وأن لا يزال
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٧٣٢٠)، ومسلم رقم (٢٦٦٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. بنحوه.
(٢) رقم (٧٣١٩).
(٣) كذا بالأصل. وهي إحدى روايات الصحيح، ورواية الإسماعيلي. وضُبِطت بأوجهٍ أخرى انظر "الفتح": (١٣/ ٣١٣).
(٤) أخرجه البخاري رقم (٣٦٤٠)، ومسلم برقم (١٩٢٠، ١٩٢١) من حديث المغيرة ﵁ وغيره.
(٥) جاء هذا المعنى في عدة أحاديث عن عدد من الصحابة، منهم ابن عمر عند الترمذي برقم (٢١٦٧) وابن أبي عاصم في "السنة": (١/ ٣٩ رقم ٨٠)، وكعب =
[ ٢١ ]
ما ابتليت به هذه الأمة من أمور أهل الكتاب والأعاجم
يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم فيه بطاعة الله (^١).
فعُلِم بخبره الصِّدق أنَّ في أمته قومًا متَمسِّكون بهديه الذي هو دين الإسلام محضًا، وقومٌ منحرفون إلى شعبةٍ من شُعَب اليهود، أو إلى شعبة من شعب النصارى، وإن كان الرجل لا يكفر بكلِّ انحرافٍ، بل وقد لا يفسُق، بل قد يكون الانحرافُ كفرًا، وقد يكون فِسْقًا، وقد يكون معصيةً، وقد يكون خطأً.
وهذا الانحراف أمرٌ تتقاضاه (^٢) الطباع ويُزَينه الشيطان، فلذلك أُمِر العبدُ بِدَوام دعاء الله -سبحانه- بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهوديَّةَ فيها ولا نصرانية أصلًا.
وأنا أشير إلى بعض أمور أهل الكتاب والأعاجم التي ابتُلِيَت بها هذه الأمة، ليجتنب المسلم الحنيف الانحرافَ.
قال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ
_________________
(١) = بن عاصم الأشعري عند ابن أبي عاصم في "السنة": (١/ ٤١ رقم ٨٢)، وغيرهم. والحديث حسنه الألباني في "السلسلة" رقم (١٣٣١) بمجموع طرقه.
(٢) أخرجه بنحوه أحمد في "المسند": (٢٩/ ٣٢٥ رقم ٧٧٨٧)، وابن ماجه في المقدمة رقم (٨)، وابن حبان "الإحسان": (٢/ ٣٣) وغيرهم، من طرقٍ عن الجراح بن مليح عن بكر بن زرعة. عن أبي عنبة الخولاني به. والجراح بن مليح لا بأس به، وبكر بن زرعة لم يوثقه أحد غير ابن حبان فقد ذكره في "الثقات": (٤/ ٧٥) وروى عنه جماعة. وفي صحبة أبي عنبة خلاف، والحديث صححه ابن حبان، والبوصيري في "مصباح الزجاجة": (١/ ٤٤). أقول: وفي صحته نظر.
(٣) أي: تقتضيه وتطلبه.
[ ٢٢ ]
إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، فذمَّ اليهودَ على ما حسدوا به المؤمنين على الهدى والعلم.
وقد يُبْتَلى بعض المُتَلَبِّسِين (^١) بالعلم وغيرهم بنوعٍ من الحسد لمن هداه الله بنوع علمٍ أو عملٍ صالح، وهو خُلُق مذمومٌ مطلقًا، وهو في هذا الموضع من أخلاق المغضوب عليهم.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٦ - ٣٧]، فوصفهم بالبخل بالعلم وبالمال، وإن كان السياق يدل على أن البخل بالعلمِ هو المقصود الأكبر.
وكذا وصَفَهم بكتمان العلم في غير آيةٍ، مثل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٧٤].
فوصَفَ المغضوبَ عليهم بأنهم يكتمون العلم؛ تارةً بخلًا به، وتارةً اعتياضًا عن إظهاره بالدنيا، وتارة خوفًا (^٢) أن يحتج عليهم بما أظهروه منه.
وهذا قد ابتُلِي به طوائف من المنتسبين إلى العلم، فإنهم تارةً يكتمون العلمَ بُخلًا به، وكراهية أن ينال غيرهم من الفضل ما نالوه، وتارةً اعتياضًا برئاسة أو مال، فيخاف إن أظهره نَقْصَ رياسته أو ماله، وتارةً يكون قد خالف غيره في مسألةٍ، أو اعتزى إلى طائفةٍ قد خُوْلفت
_________________
(١) "الاقتضاء": "المنتسبين".
(٢) في "الأصل": "خوف".
[ ٢٣ ]
في مسألة، فيكتم من العلم ما فيه حجة لمخالفه، وإن لم يتيقَّن أن مخالفه مُبْطل.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١]، بعد أن قال: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ [البقرة: ٨٩].
فوصَفَ اليهود أنهم كانوا يعرفون الحقَّ قبل ظهور الناطق به، فلما جاءهم الناطق به من غير طائفة يَهْوَوْنها لم ينقادوا له، وأنهم لا يقبلون الحق إلا من الطائفة التي هم منتسبون إليها، مع أنهم لا يتبعون ما لزمهم في اعتقادهم.
وهذا يُبْتَلى به كثير من المنتسبين إلى طائفة معيَّنة في العلم أو الدين، من المتفقِّهة أو المتصوِّفة وغيرهم، أو إلى رئيس معظَّم في الدين غير النبي -ﷺ-، فلا يقبلون من الدين رأيًا وروايةً إلا ما جاءت به طائفتُهم، ثم إنهم لا يعملون بما تُوْجِبه طائفتهم، مع أن دين الإسلام يوجِبُ اتباعَ الحقِّ مطلقًا، من غير تعيين شخصٍ غير النبي -ﷺ-.
وقال في صفة المغضوب عليهم: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، و﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨] والتحريف قد فُسِّر بتحريف التنزيل، وتحريف التأويل.
فأما تحريف التأويل؛ فكثير جدًّا، وقد ابتُلِيت به طوائف من الأمة، وأما تحريف التنزيل؛ فقد وقع في كثير من الناس، يحرِّفون ألفاظَ
[ ٢٤ ]
الرسول، ويروون الحديث برواياتٍ منكرة، وإن كان الجهابذةُ يدفعون ذلك، وربما تطاول بعضهم إلى تحريف التنزيل، وإن لم يمكنه ذلك، كما قرأ بعضهم (^١): ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤].
وأما ليُّ الألسنة بما يظن أنه من عند الله، فوضع الأحاديث عن (^٢) رسول الله، وإقامة ما يظن أنه حجة في الدين وليس بحجةٍ، وهذا من أنواع أخلاق اليهود، وهو كثير لمن تدبَّره بنور الإيمان.
وقال -سبحانه-: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٢].
ثم إن الغلوَّ في الأنبياء والصالحين قد وقع في طوائف من ضُلَّال المتعبِّدة والمتصوِّفة، حتى خالطَ كثيرًا منهم من مذهب الحلول والاتحاد ما هو أقبح من قول النصارى أو مثله أو دونه.
وقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، وفسَّره النبي ﷺ لعديٍّ: بـ "أنَّهم أَحَلُّوا لهم الحرامَ، وحَرَّموا عليهم الحلالَ فاتَّبعوهم" (^٣) .
_________________
(١) أي: قرأها محرفة بنصب اسم الجلالة، وموسى فاعل مرفوع بضمة مقدرة. وانظر الرد عليهم في "تفسير ابن كثير": (١/ ٦٠١).
(٢) كذا بالأصل وبعض نسخ الاقتضاء، وفي بعضها "على".
(٣) رواه الترمذي رقم (٣٠٩٥)، وقال: "حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروفٍ في الحديث" ا هـ. وأخرجه ابن جرير: (٦/ ٣٥٤)، والبيهقي: (١٠/ ١١٦)، وانظر "النهج السديد" رقم (٩٢).
[ ٢٥ ]
وكثيرٌ من أتباعِ المتعبِّدةِ يُطيعُ بعضَ المعظَّمين عنده في كلِّ ما يأمر به، وإن تضمَّن تحليل حرامٍ أو تحريم حلالٍ.
وقال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٧]، وقد ابتُلي طوائف من المسلمين من الرهبانية المبتدَعَة بما الله به عليم.
وقال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ [الكهف: ٢١]، فكان الضالون، بل المغضوب عليهم، يبنون المساجدَ على قبور الأنبياء والصالحين، كما نهى -ﷺ- أُمَّتَه عن ذلك في غير موطن، حتى في وقت مفارقته الدنيا -بأبي هو وأمي-. ثم إن هذا قد ابْتُلي به كثير من الأمة.
ثم إن الضالين تجد عامة دينهم إنما يقوم بالأصوات المطربة، والصور الجميلة، فلا يهتمون بأمر دينهم بأكثر من تلحين الأصوات، ثم قد ابتُلِيت هذه الأمة من اتخاذ السَّماع المطرب: سماع القصائد، وإصلاح القلوب والأحوال به، ما فيه مضاهاة لبعض حال الضالين.
وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]،، فأخبر أن كلَّ واحدةٍ من الأمتين تجحد كلَّ ما الأخرى عليه، وأنتَ تجد كثيرًا من المتفقِّهة إذا رأى المتصوِّفة أو المتعبِّدةِ لا يراهم شيئًا ولا يَعُدُّهم إلا جُهَّالًا ضُلًّالًا، ولا يعتقد في طريقتهم من الهدي شيئًا، وترى كثيرًا من المتصوِّفة والمتفقِّرة لا يرى الشريعةَ ولا العلم شيئًا، بل يرى أن المتمسِّك بها منقطعٌ عن الله.
[ ٢٦ ]
الصراط المستقيم أمور ظاهرة وباطنة
الأمر بمخالفة اليهود والنصارى في الهدي الظاهر؛ لأمور
وأما مشابهة الفرس والروم؛ فقد دخل في هذه الأمة من الآثار الرومية -قولًا وعملًا-، والآثار الفارسية -قولًا وعملًا- ما لا خفاءَ به على مؤمنٍ عليم [بدين الإسلام]، وليس الغرض تفصيل الأمور التي وقعت مضارِعةً الطريق المغضوب عليهم أو الضَّالين، وإن كان بعض ذلك قد يقع مغفورًا لصاحبه؛ إما لاجتهاد أخطأ فيه، أو لحسناتٍ محت عنه أو غير ذلك، وإنما الغرضُ أن نُبَين ضرورةَ العبد وفاقته إلى هداية الصراط المستقيم، وأن ينفتح بابٌ إلى معرفة الانحراف فيُجتَنب إن شاء الله.
ثم الصراط المستقيم هو أمور باطنة في القلب؛ من اعتقادات وإرادات وغير ذلك. وأمور ظاهرة؛ من أقوال وأفعال، قد تكون عبادات، وقد تكون عادات في الطعام واللباس، والنكاح والمسكن، والاجتماع والافتراق، والسفر والإقامة.
وهذه الأمور الظاهرة والباطنة بينهما ارتباط ومناسبة، فما يقوم بالقلب من الشعور والحال يوجبُ أمورًا ظاهرة، وما يقوم بالظاهر من سائر الأعمال، يوجب للقلب شعورًا وأحوالًا.
وقد بعثَ الله محمدًا -ﷺ- بالحكمة التي هي سنَّته، وهي الشِّرعة والمنهاج [الذي] (^١) شرعه له، فكان من هذه الحكمة أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يُباين سبيل المغضوب عليهم والضالين، وأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر -وإن لم يظهر لكثير من الخَلْق في ذلك مَفْسَدة- لأمورٍ.
_________________
(١) في الأصل "التي"، والتصويب من "الاقتضاء".
[ ٢٧ ]
فصل دلالة الكتاب والسنة والإجماع على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم في الجملة
منها: أن المشاركة في الهدي الظاهر تورثُ تناسبًا وتشاكلًا بين المتشابهين، يقود إلى موافقةٍ ما في الأخلاق والأعمال، وهذا أمرٌ محسوس، فإن اللابِسَ ثيابَ أهل العلم -مثلًا- يجد من نفسهِ نوع انضمامٍ وانقياد إليهم، وكذلك اللابس لثيابِ الجند يجد في نفسه نَوْع تخلُّق بأخلاقهم، ويصير طبعه متقاضيًا لذلك، إلا أن يمنعه مانع.
ومنها: أن المخالفة في الهدي الظاهر تُوْجِب مباينة ومفارقة، توجب الانقطاعَ عن موجبات الغضب، وأسباب الضلال، والانعطافَ على أهل الهدى والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين، وكلَّما كان القلب أتمَّ حياة كان أبعدَ عن أخلاق اليهود والنصارى ظاهرًا وباطنًا.
ومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر، توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التميُّز ظاهرًا بين المهتدين المرضيين، وبين المغضوب عليهم [و] الضالين، إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية، هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحًا وتجرَّد عن مشابهتهم، فأما إن كان من موجبات كفرهم كان شعبةً من شعب الكفر، فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع معاصيهم.
فهذا أصل ينبغي أن يتفطَّن له اللبيب.
* * *
[ ٢٨ ]