وفي هذا الباب تمهيد وفصلان:
١ - التمهيد: لمحة تاريخية عن الموالاة والمعاداة.
٢ - الفصل الأول: منزلة الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية.
٣ - الفصل الثاني: التطبيق العملي للموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية.
[ ١ / ٥٥ ]
التمهيد: لمحة تاريخية عن الموالاة والمعاداة
إن مما فطرت عليه النفس البشرية، منذ أن خلقها الله ﷿ صفة الحب والبغض أي الموالاة والمعاداة قال تعالى: (فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) [الروم: ٣٠] فإن استقامت النفس البشرية على منهج الله، أعطت ولاءها لله ورسوله ثم للمؤمنين بهذا الدين، وإن انحرفت على منهج الفطرة، وانتكست في مفاهيمها وتصوراتها، وران عليها ما اكتسبت من سيئات وذنوب، وتبلد إحساسها، أعطت ولاءها لمخلوقات هزيلة، ومفاهيم عفنة، وأعراف ظالمة، فلو نظرنا إلى تاريخ الأمم مع الرسل والأنبياء والصالحين، قبل الرسالة المحمدية، لتبدت لنا تلك الحقيقة ناصحة ظاهرة لا لبس فيها ولا غموض.
فهذا إبراهيم ﵇، يعلن بكل قوة وصراحة وحزم، وعداوته للكفر وأهله، واعتزالهم وما يعبدون، وانحيازه إلى الله ﷿ وموالاته.
[ ١ / ٥٧ ]
له، وذلك فيما حكاه عنه القرآن الكريم في قوله الله تعالى: (يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًا جَعَلْنَا نَبِيًّا) [مريم: ٤٤ - ٤٩] وفيما ذكر الله عنه أيضا في قوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة: ٤] وفي قصة أصحاب الكهف موقف يماثل موقف إبراهيم ﵇ في عداوة الكفر وأهله ومفاصلة الكفر مفاصلة تامة، فقد ذكر الله تعالى حكاية بعضهم لبعض قال تعالى: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا) [الكهف: ١٦] إن في تلك الآيات تنويها، بأثر الإيمان بالله في النفوس مما جعلها تعادي أعداءه، وتمنحه ودها وولاءها، فتختار الهجرة فرارا بدينها من بطش الحكام الظالمين، وتجعل العداوة لهم في الله سببا في عدم الرضوخ لمشيئتهم وجبروتهم.
وفي قصة مؤمن آل فرعون، الذي كتم إيمانه بالحق في قلبه، لفترة من الزمن، نجده عند ساعة الخطر والشدة، يبوح بمكنون سره، ويندفع يدافع عن موسى ﵇ بمنطق الفطرة المؤمنة، في حذر ومهارة، وقوة وذكاء قال تعالى: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ
[ ١ / ٥٨ ]
أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) [غافر: ٢٨] وهكذا استمر الصراع بين الحق والباطل واستمر الولاء والعداء، تتقاذفه الأعراف، وتكيفه المفاهيم، حتى نصل إلى العرب قبل الإسلام، فنجد أنهم لا يختلفون عن أي مجتمع جاهلي، سبقهم أو لحقهم، في سوء التصور، وفساد الاعتقاد بالموالاة والمعاداة حتى وصل بهم الأمر إلى أن يعادي الإنسان منهم ابنته، فلذة كبده، فيقتلها موالاة للعرف الجاهلي، ولكسب رضا العشيرة والقبيلة، وخوفا من شماتتها وعدائها، فقد روي أن رجلا من أصحاب النبي - ﷺ - كان لا يزال مغتما بين يدي رسول الله - ﷺ - فقال له رسول الله - ﷺ -: «مالك تكون محزونا؟» فقال: يا رسول الله، إني أذنبت ذنبا في الجاهلية فأخاف ألا يغفره الله لي وإن أسلمت، فقال له رسول الله - ﷺ - «أخبرني عن ذنبك؟» فقال: يا رسول الله أني كنت من الذين يقتلون بناتهم، فولدت لي بنتا فشفعت إلي أمها أن أتركها حتى كبرت وأدركت وصارت من أجمل النساء، فخطبها الناس، فدخلتني الغيرة والحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها، أو أتركها في البيت بغير زوج فقلت لامرأتي أني أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي، فسرت بذلك وزينتها بأجمل الثياب والحلي، وأخذت علي المواثيق بألا أخونها فذهبت بها إلى رأس بئر بحجة أن نرتوي منه فلما وصلنا نظرت إلى البئر ففطنت البنت أني أريد أن ألقيها في البئر، فالتزمتني وجعلت تبكي وتقول: يا أبت أي شيء تريد أن تفعل بي، فرحمتها، ثم نظرت في البئر فدخلت علي الحمية، ثم التزمتني وجعلت تقول: يا أبت لا تضيع أمانة أمي، فجعلت مرة أنظر في البئر فأهم بإلقائها ومرة انظر إليها فأرحمها، حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر، وهي تنادي قتلتني يا أبي، فمكثت غير
[ ١ / ٥٩ ]
بعيد عنها حتى انقطع صوتها فرجعت فبكى رسول الله - ﷺ - وأصحابه وقال: «لو كنت أمرت أن أعاقب أحدا بما فعل في الجاهلية لعاقبتك» (١). اهـ. فهذه القصة وأمثالها تمثل مدى الولاء للعرف الجاهلي في ظلمه وقسوته ووحشيته وهي واحدة من عشرات بل مئات المهازل والسخافات التي كانت تزجر بها حياة أهل الجاهلية الأولى وقد قال ابن عباس ﵄: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام (٢) وانحرافهم في ولاء العبادة، لا يقل عن انحرافهم في ولائهم الاجتماعي ففي مجال العبادة يوالون ويعادون من أجل مخلوقات جامدة صماء لا تنفع ولا تضر قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) [الحج: ٧٣] وقوله تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا) [الفرقان: ٣].
وفي مجال التعاون والمحبة، نجد الموالاة العمياء للعشيرة والقرابة سواء كانت على حق أم على باطل، ظالمة أم مظلومة، هذا ما عبر عنه شاعرهم بقوله:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
وقال الشاعر الجاهلي أيضا:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا
فما معنى قولهم ذلك؟ أليس هو الولاء الأعمى لمن يستحق ومن لا
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي (٤/ ٧/ ٩٧).
(٢) انظر مختصر تفسير ابن كثير للصابوني (١/ ٦٢٤).
[ ١ / ٦٠ ]
يستحق؟ للظالم أو المظلوم على حد سواء، لقد بقيت تلك المقاييس العوجاء في الموالاة والمعاداة، أحقابا من الزمن، حتى اشرقت عليهم شمس الإسلام بعدالة الملك العلام، فسما الوحي الإلهي بنزعة الولاء والعداء من أفقها الضيق الظالم المحدود إلى أن ترتبط بخالق هذا الكون العظيم وبالناس جميعا، في هذه الأرض، وهذا ما عبر عنه ربعي بن عامر ﵁، في إيوان كسرى حيث قال: (الله ابتعثنا لنخرج من شائن عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام) (١).
فوجد الذين وفقهم الله إلى هذا الدين، بغيتهم وضالتهم المنشودة، حتى أحبوهم أكثر من أنفسهم وأموالهم وأولادهم ووالديهم.
ورحب الناس بالإسلام حين رأوا أن الإخاء وأن العدل مغزاه
أرواحنا تتلاقى فيه خافقة كالنحل إذا يتلاقى في خلاياه
دستوره الوحي والمختار عاهله والمسلمون وإن شتوا رعاياه (٢)
وتحقق في عهد الرسول - ﷺ - وعهد الصحابة (﵃) حديث رسول الله - ﷺ - «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى» (٣).
أي مضاهاة بين المجتمع الإسلامي السليم التكوين، وبين الجسد البشري الواحد يمكن أن تكون أكثر أحكاما ودقة رؤية، ومن هذه المضاهاة والماثلة التي دل عليها الحديث.
إن ردود الفعل لعوادي الألم وسهام الأذى في الجسم الواحد، تكون
_________________
(١) انظر البداية والنهاية لابن كثير (٧/ ٣٩).
(٢) شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث أحمد الجدوع وحسني جرار (٢/ ٦٥، ٦٧).
(٣) صحيح البخاري (٨/ ١٢) (دار التراث العربي بيروت).
[ ١ / ٦١ ]
عفوية فورية، وتظل دائمة ماثلة، ما دام العضو المتألم يقاسي الألم ويشعر بالأذى.
ذلك هو المجتمع المؤمن المسلم، الذي من دلائل إيمانه وصحة إسلامه، تواده وتعاطفه وتراحمه، ذلك هو الالتحام الحقيقي بين أفراد الأمة المسلمة الأمة التي أنشأها الرسول - ﷺ - وتبعه في السهر عليها خلفاؤه الراشدون من بعده فهذا التلاحم قد أورث المسلمين وضعا فذا فريدا دام مئات السنين، فلا تحل نكبة بطرف من أطراف المسلمين، إلا ويفزع المجتمع المسلم لذلك الحدث ويتألم ويسهر لذلك ويقدم من نفسه وماله ووقته الشيء الكثير، ولم يعرف للراحة طعما، إلا بزوال النكبة الحاصلة على جزء منه، وبراءة ذلك العضو المصاب كما هو شأن الجسد البشري، وهذا التصرف والموقف، من أشد ما كان يغيظ أعداء الإسلام ويرهبهم، جميعا، ذلك أنهم يجدون أنفسهم في مواجهة أمة قوية متماسكة متناصرة تدافع عن الجزء منها كما تدافع عن الكل، وتعتبر ما يصيب الجزء واقعا على الكل ولكن هذه الصفة وتلك السمة الفريدة التي تميزت بها هذه الأمة، أصابها الضعف والوهن عند قلة قليلة من المسلمين، وماتت موتا تاما عند معظمهم، وذلك حين أصيبت هذه الأمة بالشلل المزمن، نتيجة جرعات من وسائل التحدير حقنها الأعداء في جسمها أدى إلى فقدان الإحساس لديها، بما يعانيه أفرادها من ويلات ونكبات، لقد تم ذلك بمكر خبيث وخطة مرسومة من أعداء الإسلام، اتفق في تنفيذها علينا كل من الشرق والغرب، وذلك لما تتمتع به بلاد المسلمين من كونها منبع الرسالة الخالدة، وتحتوي على أهم مصادر الثروة في العالم، ولا يتسنى لهم الحصول على ذلك إلا بزرع أسباب الفرقة بين المسلمين وإضعاف روح الموالاة بينهم.
فخرج علينا الغرب بنظرية عبادة المادة والشهوة والشهرة فمن أجلها يوالى وعليها يعادى، فالمال هو الذي يحرك حب الإنسان وبغضه في
[ ١ / ٦٢ ]
المجتمع الرأسمالي، وقد سرت إلينا عدوى هذه الأفكار الأثمية نتيجة الاختلاط مع الكفار على أسس وتصورات غير إسلامية، كما تسربت إلينا أيضا عدوى الأفكار الشيوعية وحيث يعطي الفرد في المجتمعات الشيوعية ولاءه للنظام الحاكم، فهو عبد مملوك للدولة، وآلة صماء في يدها يواليها قهرا، ويعادي من عاداها جبرا، فتأثرت بلاد المسلمين بتلك النزعة، فصار معظم المسلمين يوالون الدولة أو الحزب الحاكم أو الشخص الحاكم موالاة عمياء، إما بدافع المصلحة الشخصية، أو خوفا من سلطة المتسلطين وطغيان الطغاة الظالمين، إن معظم المسلمين اليوم، لا يتحملون من واجب الموالاة والمعاداة في الله شيئا، نظرا لأنهم يعيشون في عزلة تامة عن دينهم وما يوجب عليهم من حب وبغض وموالاة ومعاداة.
فمن المسلمين من شغله ماله ومنصبه وجاهه عن الموالاة في الله والمعادة فيه، فصار من أجل هذه الأشياء يوالي وعليها يعادي، وكم رأينا من الإحن والخصومات والعدوات بين ذوي القربى من أجل حطام الدنيا ومتاعها الفاني.
وهناك فئة ثانية توالي أهل الرذائل وتعادي أهل الفضائل، وهي فئة تعبد الأهواء والشهوات، فهي توالي كل من يوصلها إلى المرأة المبتذلة، والكأس المترعة، والأصوات الماجنة، والفئة الثالثة وهي الأكثر خطورة من هذه وتلك، أولئك الذين اتخذوا الرياضة إلها لهم من دون الله، فعليها يوالون ومن أجلها يعادون فقد أحبها البعض أكثر من حبه لله ورسوله والمؤمنين وهذا شرك أكبر قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ) [البقرة: ١٦٥] وقد يظن البعض أن هذا الكلام تهجم على الرياضة واستخفاف بها، والحقيقة أنني لست ضد الرياضة كوسيلة تقوية، وتهذيب، وترويح، ولكنني ضدها كوسيلة
[ ١ / ٦٣ ]
لإلهاء الشعوب واستعباد العقول، وتبديد الثروات، وإهدار الطاقات، فيما لا طائل تحته.
وقد شغلت هذه اللعبة اليهودية (١) أبناء المسلمين عن دراسة القرآن الكريم، وعن آحاديث الرسول المصطفى العظيم، وعن التحصيل العلمي في مختلف جوانب المعرفة كما شغلت الناس عن متاجرهم ومصانعهم ومزارعهم وعن مهن أخرى لا تعد ولا تحصى، كان من الممكن أن يستثمر هذا الوقت الطويل فيها، فالأمة بحاجة إلى كل شاب في المجتمع، كي يكون عضوا فعالا لا يهدر دقيقة فضلا عن ساعات طوال في سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، لقد وصل الهوس والغلو والتنطع عند أصحاب الرياضة، إلى درجة الجنون والعبادة لهذه اللعبة، فقد اعتزل كثير منهم صلاة الجمعة والجماعة، وانقطع للرياضة صياحا وصفيرا في الملاعب، واعتكافا في مقر النادي، وجدلا سقيما عقيما مع خلانه في السهر، وزملائه في العمل، وقراءة للصحف والمجلات الرياضية، واستماعا للمباريات المحلية والدولية والإقليمية المرئية منها والمسموعة، بل لقد وصلت الموالاة والمعاداة بين اللاعبين إلى درجة الكفر والعياذ بالله وذلك أنه إذا كان في أحد النوادي من أعضائه أو من اللاعبين شخص كافر، فإن المنتسبين إلى هذا النادي على مختلف المستويات يحبون ويناصرون ويساعدون هذا الكافر بالقول والعمل، ويمنحونه خالص مودتهم القلبية، بينما يكنون أعظم الحقد والغل والاستخفاف والإزدراء للمسلم الذي ينتمي إلى نادي آخر، ولو كان شابا نشأ في عبادة الله، ويعرفون عن حياة اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين أكثر مما يعرفون عن حياة العشرة المبشرين بالجنة.
فكيف يدعي الإسلام من هذه حالهم والله ﷿ يقول: (لا تَجِدُ قَوْمًا
_________________
(١) انظر بروتوكولات حكماء صهيون البروتوكول الثالث عشر (١٦٨) ترجمة محمد خليفة التونسي.
[ ١ / ٦٤ ]
يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) [المجادلة: ٢٢].
فإذا كان الآباء والأبناء الكفار المحادون لله ورسوله، لا تجوز مودتهم فكيف بهؤلاء الكفار الذين هم أعداء لله ورسوله والذين آمنوا أمثال (بيليه وريفيليون، وتوماس، وغيرهم من أدوات الكفر ومخالبه) لقد أصبحت فرحة أعضاء النادي بانتصارهم الموهوم المزعوم أعظم مكانة وأجل قدرا من الانتصار على اليهود في فلسطين، وعلى الشيوعيين في أفغانستان، وعلى الصليبين في ارتريا والفلبين، كما أن هزيمتهم، أما أحد النوادي أشد وقعا من اغتصاب تلك الأماكن وتشريد ملايين اللاجئين من المسلمين، إن السواد الأعظم من المسلمين قد انحرفوا بواجب الموالاة والمعاداة عن منهجه الصحيح وبدأوا يوالون ويعادون في قضايا سطحية ساذجة تافهة هزيلة، أشبه ما تكون بتصرفات صبيانية، وهذا النمط من التفكير، من الأسباب التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه من ذلة ومهانة، وازدراء، وقطيعة (١).
ونحن أمة قد شرفها الله بحمل رسالة الإسلام، وإبلاغها للناس كافة وهذا يتطلب منا جهدا وتضحية والتزاما وجدية في الحياة حيث نختلف في غايتنا ووسيلتنا عن الأمم العابثة الهابطة الغارقة في أوحال الشهوات والشبهات.
لقد حول أعداء الإسلام قضية الموالاة والمعاداة عن مسارها الصحيح
_________________
(١) لقد شبه أحد المشجعين المنتخب الكويتي بعد تصدره على فرق أسيا وذهاب إلى أسبانيا بأنه شبيه بفتح الأندلس، وعقد مقارنة بين صقر قريش عبد الرحمن الداخل واللاعب فيصل الدخيل وجعل أفراد المنتخب في مصاف الصحابة الأجلاء فقال: «رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه» إنها مأساة جيل ربي على السخافة والسفاهة واللهو والولاء لغير الله انظر المجتمع عدد (٥٥٢) في (١٩/ ٢/ ١٤٠٢) ص (٧).
[ ١ / ٦٥ ]
إلى مسار تافه هزيل، فقد أفرغت قلوب الأجيال إلا من عصم الله من حب الله ورسوله، وحب أصحابه، والتابعين لهم بإحسان، ومن حب العلماء العاملين وكتب العلم، وحب القوة وأسبابها الحقيقية إلى حب أعداء الله، وما يخدم أعداء الله من تافه القول وساقط العمل.
إنه لا يجوز ولا يصح من المسلم أن يحب لعبة من اللعب، ولا كتاب من الكتب، ولا شخصا، أو جماعة من الناسن ولا نظاما من الأنظمة، ولا مذهبا من المذاهب ولا عملا من الأعمال، ما لم يكن ذلك موافقا لما يحبه الله ورسوله، ومستمدا محبته من محبتها، قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) [آل عمران: ٣١، ٣٢].
فالمسلم بحكم إيمانه بالله تعالى لا يحب إذًا أحبّ إلا في الله، ولا يبغض إذًا أبغض إلا في الله، لأنه لا يحب إلا ما يحب الله ورسوله، ولا يكره إلا ما يكره الله ورسوله، فهو إذًا يحب الله ورسوله بحب ويبغضهما ببغض ودليل هذا الآية السابقة وقول الرسول - ﷺ - «من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان» (١).
وبناء على هذا فجميع عباد الله الصالحين يحبهم المسلمين ويواليهم وجميع الخارجين عن أمر الله ورسوله يبغضهم ويعاديهم.
إن الواجب علينا إذا كنا مسلمين صادقين، أن نرجع إلى كتاب الله ﷿ وسنة رسوله - ﷺ - وأن نضع الخطط التي تتفق مع أهداف ديننا وطموحات أمتنا، وأن نوالي ونعادي وفق مفهوم الإسلام وتصوره الصحيح، بدلا من الموالاة والمعاداة على سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
_________________
(١) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (١/ ١١٢) رقم الحديث (٣٨٠).
[ ١ / ٦٦ ]
فهل يستيقظ النائمون وينتبه الغافلون والمخدوعون من هذه الأمة أم (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؟ [الحجر: ٧٢].
[ ١ / ٦٧ ]
الفصل الأول: منزلة الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية
وفي هذا الفصل عشرة مباحث هي:
المبحث الأول: الموالاة والمعادة في القرآن الكريم.
المبحث الثاني: الموالاة والمعاداة في السنة النبوية.
المبحث الثالث: أقوال السلف الصالح في الموالاة والمعاداة.
المبحث الرابع: ارتباط الموالاة والمعاداة بالشهادتين.
المبحث الخامس: الموالاة والمعاداة في الله قول وعمل.
المبحث السادس: حكم موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين.
المبحث السابع: مكانة الموالاة والمعاداة في الإسلام.
المبحث الثامن: موالاة أهل الحق تستلزم معاداة أهل الباطل.
المبحث التاسع: صلة المداهنة والمداراة بالموالاة والمعاداة.
المبحث العاشر: تغيير المسمَّيات لا يغير حقيقة المسمى وحكمه.
[ ١ / ٦٩ ]
المبحث الأول: الموالاة والمعاداة في القرآن الكريم
إن الإسلام دين سلام، وعقيدة حب ووئام، ونظام يستهدف أن يعيش العالم كله بظلِّه، وأن يقيم فيه منهجه، وأن يجمع الناس تحت لوائه إخوة متحابين ومتعاونين، وليس من عائق يحول دون ذلك سوى عدوان أعدائه عليه وعلى أهله، فكيف يتم لقاء أو مودة مع من كفروا بالله وبما جاء به رسول الله - ﷺ - من حق؟ كيف يتم لقاء أو محبة مع من تجرءوا على ذات الله فوصفوها بأوصاف لا تليق بأبسط الناس فضلًا عن القوي العزيز؟ كيف تتم مودة وموالاة مع من نصَّبوا أنفسهم أعداء للحق وأهله عبر كل زمان ومكان؟ ماذا أبوا بعد هذه الجرائر الظالمة للموالاة والمودة من سبب؟
إن المسلم مطالب بالسماحة مع أعدائه، ولكنه منهي عن الموالاة لهم ومناصرتهم، والتحالف معهم لأنه مهما أبدى من السماحة والمودة فلن يرضى عنه الأعداء، حتى يقضوا على دينه، وحتى ينسلخ من عقيدته
[ ١ / ٧١ ]
ومن السذاجة، أن يظن شخص أنه يمكن الجمع بين رضا الله، ورضا الكفار معا.
إن هناك فئة من الناس تحاول كسر حاجز التضاد بين الإيمان والكفر، فتدعو تارة إلى الجمع بين الحق والباطل باسم التسامح، وحسن المعاملة وتارة تحرف بعض النصوص كي توافق هوى في نفسها، ولكي تمزج المسلمين مع غيرهم حتى يذوبوا في مستنقع الكفر العميق، وتدعو تارة أخرى باسم التقريب بين الأديان، والتعايض السلمي إلى الأخذ من كل دين بطرف، وتارة تدعو إلى طرح الأديان جانبا واتخاذ مبدأ العلمانية في إدارة الدول والشعوب، بحجة تجنب غائلة الحروب بين أهل الأديان.
ونحن كمسلمين لن نرضى بغير منهج الإسلام في التعامل مع الناس، لأن ذلك شرط من شروط صحة إسلامنا، فلن نكون مسلمين حقيقة حتى نطبق أحكامه على أنفسنا، ومن هذه الأحكام ما يتعلق بتعاملنا مع غيرنا من الناس.
والقضية التي نختلف عليها مع غيرنا هي قضية الإيمان بهذا الدين فمن آمن أحببناه وواليناه، ومن كفر وفسق أبغضناه وعاديناه، إن انقطاع رابطة العقيدة الإسلامية، وآصرة الإيمان بين المسلم والكافر، موجب للمفاصلة الحاسمة الجازمة التي لا تستبقي شيئا من آواصر المحبة ووشائج المودة والقربى مع من كفروا بالله (١).
إن السواد الأعظم من المسلمين اليوم قد ارتدوا عن دينهم بسبب موالاتهم للكفار وتوليهم لهم بالقول والفعل والاعتقاد، حيث نجد كثيرًا من مدعي الإسلام يمجدون مبادئ الكفر وأنظمته رغبة أو رهبة، ويستهزئون بشعائر الإسلام في أقوالهم وأفعالهم، ويحملون السلاح دفاعا عن الباطل،
_________________
(١) انظر في ظلال القرآن سيد قطب (٦/ ٧٥٨، ٧٥٩) وانظر (٢٨/ ٦٢، ٦٣)
[ ١ / ٧٢ ]
وأهله، وحربًا للحق وأصحابه، ومع كل هذا الإجرام ينظرون إلى أنفسهم وينظر البعض إليهم أنهم من عداد المسلمين الصالحين. ولهذه الفئة نظائر في حياة الرسل والدعاة إلى الله في كل زمان ومكان، فأهل النفاق موجودون قديما وحديثا، وهم أول من يسير على هذا الخط المنحرف، ثم يتبعهم الدهماء من الناس إن لم يجدوا من يرشدهم أو يوجههم إلى الحق من عالم عامل بعلمه، أو صاحب حكم عادل في حكمه، والله ﷿ يبتلي الناس في مثل هذه الأحوال، ليرى وهو العالم بكل شيء، من يقدم موالاته على موالاة الكفار والمرتدي، ومحبته على محبتهم فيرفع من استغنى بمحبة الله عن محبة أعدائه إلى الدرجات العالية، ويخفض من تعلق قلبه بمحبة غير الله إلى قاع الهاوية وشفير جهنم وقد انقسم الناس في هذا الزمان في تعاملهم مع الكفار إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قسم ناصر لدين الله مجاهد في سبيل الله موال لأوليائه، معاد لأعدائه، وهم القليلون عددا الأعظمون أجرا عند الله.
القسم الثاني: قسم خاذل لأهل الإسلام، تارك لمعونتهم معتزل عن الكفار.
القسم الثالث: قسم خارج عن الإسلام بمظاهرة الكفار وموالاتهم ومناصرتهم بالقول والفعل والاعتقاد، ومعاداة أهل الحق ومحاربتهم (١).
فقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من أعان صاحب باطل ليدحض بباطله حقًّا فقد برئت منه ذمة الله وذمة نبيه» (٢).
ونظرًا لتداخل أنواع الموالاة التي يحكم على صاحبها بالكفر مع أنواع الموالاة التي يأثم فاعلها بما دون الكفر، تبعًا لاختلاف النية والحال والمحل الذي تحصل به الموالاة للكفار، فقد أجملنا الأدلة الدالة على
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٢٥٦، ٢٥٧).
(٢) رواه الطبراني عن ابن عباس انظر مجموعة التوحيد (٢٥٧).
[ ١ / ٧٣ ]
تحريم موالاة الكفار ووجوب موالاة المؤمنين حسب ترتيب السور والآيات في القرآن الكريم:
الدليل الأول: قال تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) [البقرة: ١٠٩] وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) [آل عمران: ١٠٠] وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) [آل عمران: ١٤٩] ففي الآية الأولى من الثلاث المتقدمة بيان من الله ﷿ لما تكنه قلوب أهل الكتاب من طوية خسيسة وحسد بغيض تجاه الإسلام والمسلمين، فاضت به ألسنتهم وانبعثت منه دسائسهم في الماضي والحاضر، وما تزال تلك صفتهم لا تتغير، ولذلك نبهنا الله إلى أخذ الحذر منهم، وعدم الاغترار بمعسول الألفاظ التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وهم من مكرهم بنا أنهم يتظاهرون بالصداقة التي تجرنا إلى موالاتهم ومتابعتهم فتحصل الردة عن الحق إلى الضلال، وهذا هو أهم مبتغاهم، وما يودونه من كل مسلم (١).
وفي الآية الثانية، نداء من الباري جل وعلا إلىالمؤمنين يستثيرهم باسم الإيمان إلى عدم طاعة أهل الكتاب، أو الاستجداء من مناهجهم وأوضاعهم، ونظمهم الخبيثة القاصرة.
إن هذا التصرف لا يصدر إلا عن هزيمة داخلية، وشعور بالنقص وشك في عدم كفاية هذا الدين، وقدرته على قيادة الحياة وتنظيمها والسير بها إلى طريق الارتقاء، فإذا وجد مثل هذا الفهم والتصور الخاطئ عند
_________________
(١) انظر في ظلال القرآن (١/ ١٣٧، ١٣٨).
[ ١ / ٧٤ ]
بعض المسلمين فلا شك أن أعداء الإسلام سيستغلون تلك الثغرة بمكر وخبث ودهاء، من أجل الغاية التي تؤرقهم وهي قيادة الجماعة المسلمة كلها إلى الكفر والضلال، فإن لم يستطيعوا تحقيق ذلك بالاتصال المباشر، جندوا أتباعهم من المنافقين والمخدوعين الذين ينتسبون إلى الإسلام زورا وبهتانا، ليعملوا على تطويع هذه الأمة لأعدائها، لأن الموالاة والطاعة للأعداء لا بد أن يسبقها محبة لهم، ولما يصدر عنهم، وهذا ما حذرنا الله منه في هذه الآية (١).
وفي الآية الثالثة والأخيرة من الآيات المتقدمة، تحذير للمؤمنين من طاعة الذين كفروا، فالمؤمن إما أن يكون مستمرا على طريق الإيمان في جهاد الكفر والكفار، وعداوتهم، وبغضهم وإما أن يكون مرتدا على عقبيه كافرا والعياذ بالله ومحال أن يقف المسلم سلبيا بين الإسلام والكفر، فيحافظ على إسلامه، وينال رضا الكفار والسلامة من أذاهم، إنه قد يخيل إلى البعض، أنه يستطيع، أن ينسحب من المعركة بين الإسلام والكفر، وأن ينضم إلى القوي المنتصر في النهاية، فإن كان ذلك المنتصر كافرا سالمه وأطاعه وخضع له، وهو مع هذا كله يعتقد أنه محتفظ بدينه وعقيدته، وهذا وهم وضلال كبير، إن الذي لا يكافح الشر والكفر والضلال، ويقف منه موقف العداء لا بد أن يتقهقر ويرتد حتى يركن إلى أعداء الله، ويستمع إلىوسوستهم ويطيع توجيهاتهم رجاء الحماية والنصرة عندهم، فيصبح من الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وبذلك يكون من المرتدين الخاسرين (٢).
الدليل الثاني: قول الله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) [البقرة: ١٢٠].
_________________
(١) المصدر السابق (٤/ ١٨، ١٩)
(٢) انظر مجموعة التوحيد (٢٣٥) وانظر في ظلال القرآن (٤/ ١٠٢).
[ ١ / ٧٥ ]
إن الله ﷿ يخبرنا في هذه الآية على جهة التأكيد والدوام، أن اليهود والنصارى لن يصطلحوا معنا، ولن يسالمونا أو يرضوا عنا، حتى نتبع باطلهم، نحذو حذوهم في شركهم وكفرهم وانحلالهم، فمن الغباء والجهل، بل من الكفر، أن يشك الإنسان في أخبار الله ﷿ في طبيعة العلاقة لكل من اليهود والنصارى معنا، إن من يظن أنه يمكن أن يقع خلاف ما أخبر الله به في شأن اليهود والنصارى يكون غير مسلم، إنه لا يتصور من مسلم أن يعتقد أنه من الممكن أن يتحول اليهود والنصارى إلى أناس مسالمين موادعين، مناصرين لنا على الحق، إن هذا التصور الخاطئ والفهم الساذج لا يصدر إلا عن إنسان مخدوع بأضاليل اليهود والنصارى، معرض عن تلاوة كتاب الله وتدبر آياته.
إن اليهود والنصارى، في معركة مستمرة مع المسلمين كما أخبر الله ﷿ ونحن نرى الدليل عليها في كل زمان ومكان، إنها معركة بين الجماعة المسلمة، وبين هذين المعسكرين الكافرين، ولكن أعداء الإسلام زيادة في تضليلنا يرفعون أعلاما شتى، في خبث ومكر، وتورية حيث لم يعلنوها حربا معلنة باسم الديانة اليهودية، أو النصرانية، ضد الإسلام خوفا من رد الفعل عند المسلمين، بل أعلنوها باسم الأرض تارة، وباسم الاقتصاد تارة أخرى وباسم السياسة والمصالح القومية مرات أخرى.
وألقوا في روع المخدوعين منا أن الحرب باسم الدين حكاية قديمة لا معنى لها، وما أدرك أولئك السذج أن الاستعمار الذي مزق شمل الأمة والبلاد الإسلامية، لم يكن هدفه الأول الاقتصاد، بقدر ما كان تتمة لما عجزت عنه الحروب الصليبية، في عهد صلاح الدين، ولكنهم في هذه المرة لم يجدوا قائدا صالحا يدحرهم كما دحرهم صلاح الدين الأيوبي، بل وجدوا وللأسف الشديد بين المسلمين من يعين الغاصب على اغتصابه والظالم على ظلمه فلا حول ولا قوة إلا بالله (١).
_________________
(١) انظر ظلال القرآن سيد قطب (١/ ١٤٦).
[ ١ / ٧٦ ]
الدليل الثالث: قول الله تعالى: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) [البقرة: ١٤٥] فلو وافقهم النبي - ﷺ - على دينهم ظاهرا من غير اعتقاد القلب، مداهنة لهم، وخوفا من شرهم لكان بذلك بموجب تعبير القرآن الكريم من الظالمين.
فكيف حال من أظهر الإعجاب والتمجيد للكفار، ودعا إلى ما هم فيه من كفر، وأنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلا؟ ألا يكون ذلك ظالم لنفسه ولأمته بدعوتها إلى الكفر والضلال؟ إن الطريق واضح والصراط مستقيم وليس هناك مقارنة بين الأخذ بالعلم اليقيني الذي جاء من عند الله، وبين اتباع أهواء أهل الضلال والانحراف، وتوجيه الخطاب إلى شخص رسول الله - ﷺ - يحمل إيحاء قويا إلى من وراءه من المسلمين أن لا ينخدعوا في غمرة الدسائس اليهودية والصليبية، وحملات التضليل، فيخطبوا ود اليهود والنصارى فإن ذلك سيجعلنا من الظالمين، وما أجدرنا نحن المسلمين اليوم أن نستمع إلى هذا التحذير العظيم من الرب الكريم، فنتعامل مع الكفار في شئون دنيانا، بحذر ووعي ويقظة تامة، ونقاطعهم في شئون ديننا مقاطعة تامة، فلا نستفتي المستشرقين من اليهود والنصارى والشيوعيين والكفار أجمعين في أمر ديننا، ولا نتلقى عنهم تاريخنا، ولا نرسل إليهم أبناءنا يتلقون عنهم علوم الإسلام التي خلطوها بمذاهبهم الباطلة، والتي يأتون ببعض نصوصها في وضع مبتور كي يحققوا أهدافهم في الدس والتكفير للمسلمين، وقد عاد إلينا كثير من أبناءنا مدخولي العقل فاقدي الضمير (١).
الدليل الرابع: قول الله تعالى: (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٢٣٤) وانظر في ظلال القرآن سيد قطب (٢/ ١٨٧، ١٨٩).
[ ١ / ٧٧ ]
حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: ٢١٧] ففي هذه الآية تقرير صادق من العليم الخبير يكشف عن الإصرار الخبيث والعداوة المتأصلة في نفوس أعداء الإسلام، لهذا الدين وأهله، في كل جيل وفي كل أرض.
إن وجود الإسلام بذاته، هو غيظ وكمد ورعب لأعداء الله، وأعداء الجماعة المسلمة في كل حين، فهم يعرفون ما في الإسلام من القوة والنزاهة والعدل بحيث يخشاه كل طاغ، ويرهبه كل باغ، ويكرهه كل مفسد، ذلك أنهم لا يأمنون على باطلهم وبغيهم وفسادهم، وفي الأرذ جماعة مسلمة تؤمن بهذا الدين وتتبع هذا المنهج، وتعيش بهذا النظام المميز الفريد (١)، ولهذا فهم لا يزالون يقاتلون المسلمين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا ولم يرخص الله ﷿ في موافقتهم خوفا على النفس والمال، بل أخبر أن من وافقهم، بعد أن قاتلوه ليدفع شرهم، أنه مرتد، فإن مات على ردته بعد أن قاتله المشركون فإنه من أهل النار الخالدين فيها، فكيف حال من وافقهم من غير قتال، ألا يكون أولى بعدم العذر وأولى بحكم الردة والكفر (٢).
الدليل الخامس: قال تعالى: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) [آل عمران: ٢٨] فنهى ﷾ المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء وأصدقاء، وأصحابا، من دون المؤمنين، وأخبر أن من فعل ذلك فليس من الله في شيء (٣) قال ابن جرير الطبري (٤) في قوله تعالى: (فَلَيْسَ مِنَ اللهِ
_________________
(١) انظر في ظلال القرآن (٢/ ٣٣٠، ٣٣١).
(٢) انظر مجموعة التوحيد (٢٣٤، ٢٣٥).
(٣) انظر الإيمان أركانه حقيقته نواقضه د/ محمد نعيم ياسين (١٨٣).
(٤) هو محمد بن جرير الطبري (أبو جعفر) مفسر، مقرئ، محدث، مؤرخ فقيه أصولي مجتهد، ولد بآمل طبرستان في آخر سنة (٢٢٤) وطوف الأقاليم في طلب العلم واستوطن بغداد واختار لنفسه مذهبا في الفقه، وتوفي ليومين بقيا من شهر شوال في بغداد سنة (٣١٠) من تصانيفه: جامع البيان في تأويل القرآن، وتاريخ الأمم والملوك، وتهذيب الآثار، واختلاف الفقهاء وآداب القضاة والمحاضر والسجلات، انظر معجم المؤلفين عمر رضا كحالة (٩/ ١٤٧).
[ ١ / ٧٨ ]
فِي شَيْءٍ) يعني فقد برئ من الله، وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر (١) اهـ.
ويقول القرطبي: هذا المعنى أي ليس من حزب الله ولا من أوليائه في شيء، وهو إذا من حزب الشيطان وأنصاره (٢) اهـ، وأما قوله تعالى: (إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) أي إلا أن يكون المسلم مقهورا معهم، لا يقدر على إظهار عداوتهم، لتعذيبهم له، فيظهر لهم الرضا بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان بالله، ممتلئ بالعداوة والبغضاء لأعداء الله.
والتقية لهم لا تجيز مشايعتهم على كفرهم، ولا إعانتهم على مسلم، وقيل التقية منسوخة، وإنما كانت أول الإسلام (٣) والراجح أنها باقية ولكنها لا تصح إلا مع غلبة الظن في القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم وسوف نذكر ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى في موضوع الإراه في الفصل الرابع من الباب الثاني، والذي نخرج به من هذه الآية، أن التعاون مع أعداء الله وأعداء المسملين خيانة عظمى لله، ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، لا تصدر إلا عن صاحب نفس دنيئة وطبع لئيم، ومنافق حقود.
الدليل السادس: قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً
_________________
(١) انظر تفسير الطبري (٣/ ١٥٢).
(٢) انظر تفسير القرطبي (٤/ ٥٧).
(٣) انظر تفسير الطبري (٣/ ١٥٢) وانظر تفسير القرطبي (٤/ ٥٧).
[ ١ / ٧٩ ]
مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) [آل عمران: ١١٨].
إن هذه الآية تحذير صارخ وبلاغ عظيم للجماعة المسلمة أن لا تتخذ من أعداء يتظاهرون للمسلمين في ساعة قوتهم وغلبتهم بالمودة والصداقة، وهم لا يريدون في الحقيقة للمسلمين إلا الاضطراب والخبال، ولا يقصرون في زرع الفرقة بين المسلمين كلما واتتهم الفرصة في نثر الشوك في طريق الدعوة إلى الإسلام، فهم يسعون جاهدين في الكيد والدس للإسلام وأهله عبر وسائلهم المتعددة، ولكن المسلمين وللأسف الشديد في غفلة عن أمر ربهم، وعن أعدائهم، فما يزال معظمهم مخدوعًا في أعداء الله.
وما يزال البعض من مدعي الإسلام، يفضون إلى أعداء الله بالمودة، ويأمنونهم على أسرار المسلمين، ويتخذون منهم بطانة، وأصحابا وأصدقاء.
إن هذه الآية تبصرنا بأعدائنا الحقيقيين، الذين لا يخلصون لنا أبدا ولا تغسل أحقادهم مودة المسلمين لهم، لأنهم أعداء عقيدة لا ترجى مودتهم (١) يقول الشاعر:
كل العداوات قد ترجى مودتها إلا عداوة من عاداك في الدين
وها نحن نشاهد مصداق هذه الآية فيما مضى وفيما هو حاضر مشهود، إن كل تقارب مع الكفار وتقريب لهم، يورث المسلمين عنتا ومشقة، وإنه بعد هذا كله لا يقرب الكفار أو يواليهم من دون المسلمين، إلا سفيه أو مجنون، أو جماعة من السفهاء والمجانين حيث يقول تعالى في آخر هذه الآية (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) فمن خالف أمر الله
_________________
(١) في ظلال القرآن (٤/ ٤٠، ٤١).
[ ١ / ٨٠ ]
بائتمان وتقريب من خونهم الله، فهو غير عاقل، أو كافر جاحد عن عمد وإصرار.
الدليل السابع: قول الله تعالى: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [آل عمران: ١٦٢] قال الطبري (١): أي أفمن اتبع رضوان الله على ما أحب الناس وسخطوا، كمن باء بسخط من الله بسبب مناصرته للشرك والوقوف مع المشركين (٢) اهـ.
وعلى هذا فاتباع رضوان الله يكون بموالاة أوليائه، ونصرتهم ومعاداة أعدائه وبغضهم، ومحاربتهم.
الدليل الثامن: قول الله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا) [آل عمران: ١٦٢].
يخبر تعالى بهذه الآية أن المنافقين والكفار، يودون كفر المسلمين كما كفروا هم بذلك، ومودتهم هذه ليست مودة قلبية مجردة عن العمل، بل إنها مودة تقتضي العمل والسعي والتخطيط لتكفير المسلمين، وهذا ما هو حاصل فعلا في عصرنا الحاضر، فبلاد المسلمين ممتلئة بالجمعيات السرية، والظاهرة المدعومة من اليهود والنصارى والشيوعيين، والتي تعمل على قدم وساق، لإخراج العباد من عبادة رب العباد، إلى عبادة البشر بعضهم لبعض، وهم يسلكون في ذلك وسائل شتّى وطرقا متعددة، ظاهرة وخفية، ونحن نشاهد اليوم جوانب عظيمة من مكرهم، ونقاسي آلامًا جمة.
_________________
(١) انظر ترجمته (٧٨) من هذه الرسالة.
(٢) تفسير الطبري (٤/ ١٠٧) وانظر مجموعة التوحيد (٢٣٦).
[ ١ / ٨١ ]
من جرائمهم، يساعدهم في ذلك فئة حقيرة ذليلة دنيئة خسيسة، باعت دينها بعرض من الدنيا، وتلك الفئة هي فئة المنافقين.
فعلى كل مسلم غيور على دين الله، أن يعرف أماني أعدائه وأهدافهم على الإسلام والمسلمين، فلا يمكنهم من تحقيق ذلك، وأن يمتثل أمر الله ﷿ بعدم اتخاذهم أولياء، فمن اتخذهم أولياء فقد عصى الله واستحق عذابه (١).
إن الإسلام يتسامح مع مخالفيه من الكفار الصرحاء الذين يخالفونه جهارًا نهارا، ولكنه لا يتسامح هذا التسامح مع من يقولون كلمة لا إله إلا الله بأفواههم وتكذبها أفعالهم، حيث ينطقون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم يبقون في دار الكفر يناصرون الكفار ويوالونهم مع قدرتهم على الهجرة، إن الرضا عن مثل هذا الوضع ليس تسامحا إنما هو تميع، فالإسلام دين التسامح، ولكنه يأبى التميع للمنتمين إليه إنه تصور جاد للحياة، ونظام جاد في تعامله مع الناس، والجد لا ينافي التسامح ولكنه ينافي التميع، وإذا كان الله ﷿ قد نهى عن موالاة المسلمين الذين يقيمون مع الكفار وأمر بقتلهم حيث وجدوا، ونهى عن اتخاذهم أولياء ونصراء، فما ظنك أيها الأخ الكريم بمن يوالي الكفار وهو بين المسلمين؟ أليس هذا الصنف أولى بهذا التهديد والوعيد ممن يداهن الكفار وهو بينهم وفي بلادهم، إن في هذه الآية بيان يرفع صفة التميع عن المسلم في اعتقاده وعمله على حد سواء (٢).
الدليل التاسع: قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي
أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي (٥/ ٣٠٨) وانظر مختصر تفسير ابن كثير محمد علي الصابوني (١/ ٤٢٠) وانظر مجموعة التوحيد (٢٦٢)
(٢) انظر في ظلال القرآن سيد قطب (٥/ ٤٧٦ - ٤٨٢).
[ ١ / ٨٢ ]
وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا) [النساء: ٩٧ - ٩٩].
وقول الله تعالى: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) [النحل: ٢٨، ٢٩].
ففي هذه الآيات إخبار من الله ﷿ أنه سوف يسأل كل من انحاز إلى الكفار، أو تخلى عن المسلمين واعتزلهم في أي فريق كنتم؟ أفي فريق المسلمين؟ أم في فريق المشركين؟ فاعتذر البعض عن كونهم ليسوا في فريق المسلمين بسبب الاستضعاف، فلم تعذرهم الملائكة، وقالوا لهم (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) فكل من لم يكن مع جماعة المسلمين فهو مع المشركين، ما عدا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فهؤلاء يرجى لهم العفو من الله في قبول عذرهم والمغفرة عن تقصيرهم وهناك من اعتذر بأنه ما عمل سوءا حيث ترك كلا من المسلمين والمشركين، واعتزل بنفسه عن الفريقين مع علمه أن المسلمين على حق، فعد القرآن كلا من الاعتذارين الاستضعاف والاعتزال غير مقبول، وأن مثل هذا الفعل موجب لدخول النار وعذابها، حيث يقتضي واجب الأخوة في الإسلام، أن يكون المسلم مع إخوانه المسلمين، كالعضو مع الجسد، يتأثر بكل مؤثر يصيب الجسم من الداخل أو الخارج، فإذا كان هؤلاء لم يعذروا فكيف بمن أظهر لأهل الشرك الموافقة لهم، والدخول في طاعتهم، فآواهم ونصرهم، واتبع سبيلهم، وخطًأ أهل التوحيد وسبهم، واستهزأ بهم في أقوالهم وأفعالهم، ومظاهرهم، التي هي من شعائر
[ ١ / ٨٣ ]
الإسلام؟ أليس هذا الصنف من الناس أولى بالكفر ممن ترك الهجرة إلى دار الإسلام، والانضمام إلى جماعة المسلمين مشحة بالوطن أو المال أو الأهل وخوفا من الكفار على تلك الأشياء (١).
الدليل العاشر: قول الله تعالى: (إِنَّا أنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) [النساء: ١٠٥].
فنهى الله تعالى رسوله محمد - ﷺ - عن عضد أهل التهم والدفاع عن أهل الباطل، وفي هذا دليل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن كافر أو منافق، أو مرتد إلا إذا علم أنه محق في مسألة من المسائل بعينها، فيجادل عن تلك المسألة بذاتها (٢).
فلا ينبغي للمسلم أن يكون خصما لأهل الحق في الدفاع عن أهل الباطل، كما يفعل كثير من المفتونين في هذا العصر فالذين يدافعون عن الأفراد الظالمين، أو الحكومات الظالمة، والأنظمة المرتدة، والأحزاب الكافرة واقعون فيما نهى الله عنه، بل لقد وصل الأمر ببعضهم على حد الدفاع عن اليهود الغزاة في فلسطين والصليبيين المحاربين للمسلمين في أوغندا وتشاد وإرتريا والفلبين، ومثل ذلك موقف الحكومات الكافرة في بعض البلاد العربية من قضية الهجوم الاستعماري الإلحادي على افغانستان، حيث بدأت تلك الحكومات تبرر إجرامها وإجرام أسيادها في موسكو في غزوهم لأفغانستان (٣).
إنه لا ينبغي للمسلمين أن يكون بوقا للأعداء، وصدى لأصواتهم
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد ١٣٦، ١٣٧ وانظر تفسير القرطبي (١٠/ ٩٩) وانظر زاد المسير في علم التفسير (٤/ ٤٤٢).
(٢) انظر تفسير القرطبي (٥/ ٣٧٧).
(٣) انظر مجلة المجتمع عدد (٥٥١) في ٢٠/ ١/ ١٤٠٢ ص (٢٨) بخصوص ما قاله راديوا عدن عن المجاهدين الأفغان.
[ ١ / ٨٤ ]
المنكرة والخطاب وإن كان موجها للنبي - ﷺ - فإن المراد بذلك هم الذين كانوا يفعلون ذلك من المسلمين، والدليل على ذلك ما يلي:
أولًا: إن الله تعالى أبان ذلك بما ذكره بعد قوله تعالى: (هَأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [النساء: ١٠٩].
ثانيًا: إن النبي - ﷺ - كان حكما في القصة التي نزلت الآية بسببها، ولذلك كان يعتذر إليه، ولا يعتذر هو إلى غيره، فدل ذلك على أن المقصود بذلك أمته من المسلمين (١).
ثم قال تعالى: (وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) [النساء: ١٠٧] أي لا تحاجج عن الذين يخونون أنفسهم، نزلت في «أسير بن عروة»، والمجادلة المخاصمة عن الغير (٢)، وفي هذه الآية دليل على النهي عن المجادلة عن من أذنب وتوجه عليه عقوبة من حد أو تعزير فإنه لا يجادل عنه، بدفع ما صدر عنه من الخيانة أو تبرير ما ارتكبه من جريمة لغرض إسقاط ما ترتب على ذلك من العقوبة الشرعية، وفي قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) دليل على انتفاء حب الله لمن كان بهذا الوصف، وإذا انتفى الحب ثبت ضده وهو البغض (٣) فمن اللائق بالمسلم أن يحب ما أحب الله، ويبغض ما أبغضه الله، ولا يكون مخالفا لله في حب ما يبغض وبغض ما يحب، فإن هذا السلوك لا يجوز أن يصدر من مسلم ملتزم بالإسلام التزاما صادقا.
فما هو موقف اقزام الأعلام من هذه النصوص؟ وهم ديدنهم المجادلة.
_________________
(١) انظر تفسر القرطبي (٥، ٣٣٧).
(٢) انظر تفسير القرطبي (٥/ ٣٧٨).
(٣) انظر تفسير ابن سعدي (٢/ ١٥٤).
[ ١ / ٨٥ ]
والمخاصمة عن الخونة، في تزييف الحقائق وتضليل الشعوب، وتقبيح الحسن، وتحسين القبيح، وإلباس الباطل ثوب الحق، وإلباس الحق ثوب الباطل، أليس هؤلاء داخلين تحت ما نهت عنه هاتان الآيتان نهيا صريحا لا لبس فيه ولا غموض؟ ولكن أي من يسمع ويعقل ويتدبر أمره فيما يقول ويفعل في هذه الحياة؟
الدليل الحادي عشر: قول الله تعالى: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعًا) [النساء: ١٣٨، ١٣٩].
يقول الله تعالى لنبيه محمد - ﷺ - يا محمد بشر المنافقين الذين يتخذون أهل الكفر بي، والإلحاد في ديني أولياء، يعني أنصارا وأخلاّء من دون المؤمنين تاركين موالاة المؤمنين، معرضين عنها، يطلبون عند هؤلاء الكفار المنعة والقوة والنفوذ، وما علم أولئك السفهاء البلهاء أن العزة لله جميعا (١) قال تعالى: (وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) [المنافقون: ٨].
الدليل الثاني عشر: قول الله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) [النساء: ١٤٠].
فذكر تعالى أنه نزل على المؤمنين في الكتاب، أنهم إذا جلسوا مجلسا، يمدح فيه الكفر بالله والكافرون، ويقر فيه الاستهزاء بالله ورسوله وكتابه، ثم سكتوا عن أولئك المجرمين وعن باطلهم وصحبوهم على تلك
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي (٥/ ٢١١).
[ ١ / ٨٦ ]
الحال فهم مثلهم في الحكم والجزاء، هذا وهم في بلد واحد في أول الإسلام، فكيف بمن كان عنهم في سعة في بلاد المسلمين، ثم استقدم الكافرين المستهزئين بالله ورسوله والمؤمنين إلى بلاد المسلمين، واتنخذ منهم أصدقاء وأصحابا وجلساء، يأنس بقربهم، بدلا من قرب اتقياء المسلمين ويتخذهم أمناء ومستشارين، وناصحين وهم متلبسون بالحديث عن الكفر فيما يظهره ويعلي شأنه، مع استهزائهم بالله وآياته ورسوله والمؤمنين وهذا أمر لا يمكن أن يقره المؤمن بالله أو يرضى به، أو يقبله ممن قاله دون أن يعترض عليه، وينكر عليه قوله، إن كان ممن يقدر على ذلك، فإن لم يكن متمكنا من ذلك فلا أقل من اعتزال هذا المكان وهذا القول، حتى ينجو من عذاب الله، ويجب أن لا يمنعه من ذلك خوف أو حياء، فإن الخوف والحياء من الله أولى، من الخوف والحياء من الناس، ولا يمنعه من ذلك خوف على مال أو مركز، أو أي غرض من أغراض الدنيا، فإن الله سبحانه وتعال، أحق بالخشية والخوف من الناس جميعا (١)،.
الدليل الثالث عشر: قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) [المائدة: ٥١، ٥٢] قال حذيفة ﵁: ليتق أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا وهو لا يشعر لهذه الآية (٢) اهـ.
_________________
(١) انظر كتاب الإيمان -أركانه - حقيقته - نواقضه د/ محمد نعيم ياسين (١٨٦، ١٨٧).
(٢) انظر مجموعة التوحيد (١١٥).
[ ١ / ٨٧ ]
وقد روى ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال: قال عبد الله بن عتبة: مثل قول حذيفة المتقدم (١).
وقال القرطبي في قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) أي: من يعاضدهم ويناصرهم على المسلمين، فحكمه كحكمهم في الكفر والجزاء وهذا الحكم باق إلى يوم القيامة، وهو قطع الموالاة بين المسلمين والكافرين (٢) اهـ.
لأن في الآية شرطا وجوابا، فإذا تحقق الجواب بتحقق الشرط وجبت معاداة الموالي للكفار، كما تجب معاداة الكفار الصرحاء، ووجبت النار للموالي للكفار إن لم يتب قبل موته، كما تجب النار لمن مات كافرا وصار منهم، ومن أصحابهم، ومن أهل ملتعهم ولو لم يقل: أنا يهودي أو نصراني، أو شيوعي أو وثني أو بعثي، أو اشتراكي، أو نحو ذلك ولو كان اسمه محمدا أو عليا أو عبد الله، ولو نطق بالشهادتين لأنه لم يحقق معنيهما، ولم يعمل بمقتضاهما ويقول ابن العربي: إن الآية تفيد نفي اتخاذ الأولياء من الكفار جميعا (٣) اهـ.
لأن المتولي للكفار متبن لما عليه أحد الكفار وتابع له وراض عنه، فيكون مثله من حيث الكفر والجزاء، ثم تأمل أعذار هؤلاء الذين كفروا بموالاتهم للكفار، تجد أن الله ﷿ لم يقبلها منهم، وهي خوفهم من أهل الكتاب وسلطانهم، على مراكزهم وأموالهم، ودنياهم عامة من أن تنتقص أو تستباح أما دين الإسلام وشرائعه العظام، فليست داخلة في
_________________
(١) انظر كتاب الإيمان - أركانه - حقيقته - نواقضه د/ محمد نعيم ياسين (١٨٤).
(٢) انظر تفسير القرطبي (٦/ ٢١٧).
(٣) انظر أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٦٣٠).
[ ١ / ٨٨ ]
تفكير ومخيلة هؤلاء المنافقين، الذين يعيشون لبطونهم وفروجهم وشهواتهم المحرمة، وقد عد الله ذلك عذرا غير مقبول منهم قطعا لحجتهم وحجة المنافقين أمثالهم إلى يوم القيامة (١).
الدليل الرابع عشر: قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [المائدة: ٥٧].
فنهى ﷾ المؤمنين عن موالاة أهل الكتاب وغيرهم من الكفار، وبين أن موالاتهم تنافي الإيمان (٢).
الدليل الخامس عشر: قول الله تعالى: (تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَت لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إلَيهِ مَا اتَّخَذُوهُم أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنهُمْ فَاسِقُونَ) [المائدة: ٨٠، ٨١].
فبين ﷾ أن الإيمان الحقيقي بالله ونبيه محمد - ﷺ - مرتب بعدم موالاة الكفار، وتوليهم، فثبوت موالاة الكفار، موجب لعدم الإيمان أو نقصه، لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم من جهة أخرى فقد رتب الله تعلى على موالاة الكافرين سخطه والخلود في العذاب، وأخبر أن موالاة الكافرين لا تحصل من مؤمن، فإن أهل الإيمان يعادونهم ولا يوالونهم كما هو الواجب شرعا (٣).
ثم بين ﷾ في آخر الآية أن من أسباب موالاة الكفار
_________________
(١) انظر كتاب الإيمان أركانه حقيقته نواقضه د/ محمد نعيم ياسين (١٨٤).
(٢) انظر مجموعة التوحيد (٢٦١).
(٣) انظر كتاب الإيمان أركانه حقيقته نواقضه د/ محمد نعيم ياسين (١٨٥).
[ ١ / ٨٩ ]
الفسق الذي بدوره، جرهم إلى أن جعلوا الكفار أولياء، فصاروا بذلك مرتدين عن الإسلام أعاذانا الله من ذلك (١).
الدليل السادس عشر: قول الله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) [الأنعام: ١٢١] نزلت هذه الآية لما قال المشركون للمسلمين: تأكلون مما قتلتم ولا تأكلون مما قتل الله، فإذا كان من أطاع المشركين في تحليل أكل الميتة يكون مشركا، من غير فرق بين الخائف وغيره، إلا المكره إكراها ملجئا، فكيف بمن أطاع الكفر على كفرهم، ووالاهم، وركن إليه ونصرهم، وشهد أنهم على حق فيما يفعلونه وما يتركونه وأطاعهم في إباحة الربا والزنى والقمار، وما يدعون إليه من فحشاء وعري وغناء ماجن خسيس؟ فهؤلاء أولى بالكفر والشرك، ممن وافق المشركين على أن الميتة حلال (٢).
الدليل السابع عشر: قول الله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦].
اختلف المفسرون في المقصود بهذه الآية فذكرت بعض الروايات أنها نزلت في عابد من بني إسرائيل كان اسمه بلعام بن باعورا فكان هواه وتأييده مع القوم الذين حاربوا موسى ﵇ فاعتبر هذا منه
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٢٣٩).
(٢) انظر مجموعة التوحيد (٢٣٩) وانظر في ظلال القرآن سيد قطب (٨/ ٣٧٠).
[ ١ / ٩٠ ]
مظاهرة للمشركين وموالاة لهم، فكان ذلك الأمر منه انسلاخا من آيات الله، حيث ركن إلى شهوته وهواه في حطام الدنيا الفاني، فقعد عن موالاة الحق ونصرة أهله.
والراجح عدم تخصيص الآية بهذا السبب الذي لم يثبت سنده، بل الآية تدل على هذا المعنى من مفهومها العام، وعلى ذلك فالعلماء الذين لم يعملوا كما أمرهم الله، بموالاة المؤمنين ومحبتهم ونصرتهم والاعتصام بحبل الله مع المؤمنين، وفي الجانب الآخر يقومون بمعاداة المشركين وبغضهم وجهادهم، وفراقهم، فإنهم إذا لم يكونوا بهذا الوصف، فقد انسلخوا من آيات الله واستحقوا الوصف المهين (١).
الدليل الثامن عشر: قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) [الأنفال: ٧٣].
أي: إن لم تجانبوا الكفار وتوالوا المؤمنين، وتتميزا عن المشركين، تقع فتنة في الناس وهي التباس الأمر، واختلاط المؤمنين بالكفار، فيقع الناس في حيرة التمييز بين الحق والباطل، في أقوال الناس وأفعالهم، وخاصة العامة منهم وصغار السن، لامتزاج المؤمنين بالكفار، واختلاط أقوالهم وأفعالهم واعتقاداتهم فيحصل لضعاف المسلمين وللجهلة منهم العدوى من الكفار، بتحريض من المنافقين الذين يكونون في العادة وسطاء بين الكفار الصرحاء والمسلمين الأغبياء، فتترك الواجبات، وترتكب المحرمات، وتنتشر عدوى الكفر بين المسلمين، كما تنتشر عدوى الأمراض عند من لا حصانة لديهم، فمن باب الوقاية والحماية وعدم التفريط في دين الأمة، أن يفصل المجتمع المسلم فصلا تاما عن أهل
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي (٧/ ٣١٩، ٣٢٠) وانظر تفسير زاد المسير عبد الرحمن بن الجوزي (٣/ ٢٨٧) وانظر تفسير الطبري (٩/ ٨٢، ٨٩)، وانظر مجموعة التوحيد (٢٣٩).
[ ١ / ٩١ ]
الكفر وعن مناهجهم وأنظمتهم وأوضاعهم الشاذة، وأن يبنى المجتمع الإسلامي على أساس الإسلام بناء صحيحا قويا، وبأيد مسلمة مؤمنة قادرة، ذات اعتزاز بدينها قادرة على التأثير دون التأثر في تعاملها مع غير المسلمين (١).
الدليل التاسع عشر: قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ) [التوبة: ٢٣].
فهذه الآية تؤكد بكل قوة انقطاع آواصر الدم والنسب، إذا انقطعت رابطة الإيمان بهذا الدين، وتبطل ولاية القرابة في الأسرة، إذا بطلت ولاية القرابة في الله، فلله الولاية الأولى وفيها ترتبط البشرية جمعاء فرابطة العقيدة متبوعة لا تابعة لغيرها من الروابط، ولذلك إذا فقدت رابطة العقيدة أو ضعفت فلا اعتبار ولا قيمة للروابط الأخرى، فالحبل مقطوع والعودة منقوضة مع من يتولى الكفار قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [التوبة: ٢٣] و(الظالمون) هنا تعني: المشركين فولاية الأهل والقوم إن استحبوا الكفر على الإيمان شرك لا يتفق مع الإيمان ومقتضى الإيمان بالله (٢).
الدليل العشرون: قول الله تعالى: (مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [التوبة: ١٢٠].
_________________
(١) انظر مختصر التفسير ابن كثير محمد علي الصابوني (٢/ ١٢٢) وانظر تفسير القرطبي (٨/ ٥٦) وانظر مجموعة التوحيد (٢٦٢).
(٢) انظر في ظلال القرآن سيد قطب (١٠/ ١٦٢).
[ ١ / ٩٢ ]
فبين ﷾ في هذه الآية أن إغاظة الكفار والنيل منهم وخاصة الذين يحاربون الله ورسوله والمؤمنين، أمر مقصود من الشارع الحكيم، فإغاظتهم لا تأتي إلا عن طريق البغض والعداوة لهم ولكفرهم وهذا البغض هو الذي يولد الرغبة في حربهم بلا هوادة، ولا تميع، ولا تراجع، ولا استسلام ومفهوم المخالفة في هذه الآية يدل على أن الذي لا يغيظ الكفار ولا ينال منهم، ويتولاهم ويحرص على رضاهم، يكتب له بذلك عمل فاسد، لأنه على النقيض من صفات المحسنين أعاذنا الله من ذلك (١).
الدليل الحادي والعشرون: قول الله تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [هود: ٤٥، ٤٦].
ففي هاتين الآيتين تبيان أن لا موالاة بين المسلم والكافر، ولو كان هذا الكافر ابنا للإنسان قد خرج من صلبه وغذاه من كسبه فما حجة الذين يوالون الكفار، المحاربين لله ورسوله والمؤمنين، وهم لا يرتبون بهم بنسب ولا سبب مباح (٢).
الدليل الثاني والعشرون: قول الله تعالى: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) [هود: ١١٣].
فذكر تعالى أن الركون إلى الظلمة من الكفار الصرحاء، والكفار المدلسين أو الظالمين مطلقا موجب لمسيس النار وعذابها، ولم يذكر سبحانه
_________________
(١) انظر تفسير الطبري (١١/ ٤٧) وانظر في ظلال القرآن (١١/ ٣٥٢).
(٢) انظر في ظلال القرآن (١٢/ ٥٦٠، ٥٦١).
[ ١ / ٩٣ ]
فرقا بين من خاف أو لم يخف، ما عدا المكره إكراها ملجئا، فيجوز له الموافقة في الظاهر بالقول، وقلبه مطمئن بالإيمان قال تعالى: (إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) [النحل: ١٠٦] فكيف حال من اتخذ الركون إلى الكفار سياسة وكياسة، ليساعدوه على اغتصاب المنصب والثروة في البلاد الإسلامية؟ إن مثل ذلك كمثل المنافقين الذين قال الله فيهم: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) [المائدة: ٥٢].
ومن هذا نستنتج أن الركون إلى الكفار وموالاتهم من أعظم الذنوب الموجبة لدخول النار، فإن اقترن بذلك حب زوال التوحيد وأهله، واستيلاء أهل الشرك عليهم، فإن هذا من أعظم الكفر وأشد أنواعه (١).
الدليل الثالث والعشرون: قول الله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل: ٣٦].
فهذه الآية تدل على أن الإنسان إذا عبد ربه بطاعته ومحبته ومحبة ما يحبه ولم يبغض المشركين ويبغض أفعالهم ويعاديهم، فهو لم يجتنب الطاغوت ومن لم يجتنب الطاغوت لم يدخل في الإسلام، فهو كافر، لو كان من أعبد هذه الأمة يقوم الليل، ويصوم النهار، وتصبح عبادته كمن صلى ولم يغتسل من الجنابة، أو كمن يصوم في شدة الحر وهو يفعل الفاحشة في نهار رمضان (٢).
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٢٤١).
(٢) انظر الدرر السنية (١/ ٩٣)
[ ١ / ٩٤ ]
وعلى هذا فعبادة الله لا تتحقق إلا باجتناب الطاغوت، واجتنابه يعني: بغضه وعداوته، وقطع الصلة به والتعاون معه، إلا بحدود ما أباح الشرع، وفق قيود وشروط خاصة من إكراه ملجئ، وصلة بالمعروف لذوي القرابة من الكفار، مع كراهة ما هم فيه من كفر والتصريح لهم بذلك.
الدليل الرابع والعشرون: قول الله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) [النحل: ١٠٦، ١٠٧].
فحكم الله تعالى لا يبدل على أن من رجع عن دينه إلى الكفر فهو كافر، سواء كان الدافع لذلك خوفا على نفس أو مال أو أهل من الكفار، وسواء كان كفره في الباطن أم بالظاهر دون الباطن، وسواء كان كفره بمقاله أو بفعاله أو بهما معا، وسواء كان طامعًا من المشركين بمال أو جاه أو شهوة أو شهرة فهو كافر على كل حال من تلك الأحوال جميعا، ما عدا صورة واحدة وهي ما إذا أكره على قول كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، جاز له موافقتهم في الظاهر على ذلك، أما إن وافقهم في الباطن فهو كافر مثلهم، ولو ادعى الإكراه، لأن الباطن لا سلطان لأحد عليه من الناس وإن صبر المكره على أذى الكفار، ولم يوافقهم في طلبهم على قول كلمة الكفر، فقتل بذلك فهو شهيد، كما حصل ذلك من خباب بن الأرت (١).
_________________
(١) هو خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة وهو من السابقين إلى الإسلام كان سادس ستة في الإسلام، وممن عذب في سبيل الله تعذيبا شديدا، حيث كان الكفار يلبسونه الدروع الحديدية ويضعونه في شمس مكة وحرها اللافح ليس عليه ما يسرته، وقد صبر ولم يعط الكفار ما طلبوه، ثم شهد بدرا بعد ذلك وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - وقد نزل الكوفة في عهد الخلافاء الراشدين ومات بها سنة ٣٧ هـ انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (٢/ ٩٩، ١٠٠).
[ ١ / ٩٥ ]
وخبيب بن عدي (١) ﵄ حيث عُذِّب الأول بالنار والشمس واستشهد الثاني مصلوبا بأيدي المشركين، فلم يستجيبا إلى مطلب الكفار، مع عظم ما عرض عليهما من إغراء مقابل النطق بكلمة الكفر (٢).
وظاهر كلام الإمام أحمد بن حنبل (٣) ﵀ أن الإكراه المعنوي لا يصح به قول كلمة الكفر، بل لا بد من الإكراه بالتعذيب الحسي فإن أحمد لما دخل عليه يحيى بن معين (٤) وهو مريض وتلا عليه هذه الآية فقلب أحمد وجهه إلى الجهة الأخرى، فمازال ابن معين يعتذر ويقول حديث عمار بن ياسر، فلما خرج من عنده قال: أحمد يحتج بحديث عمار وحديث عمار يقول: مررت بهم وهم يسبونك فنهيتهم
_________________
(١) هو خبيب بن عدي بن مالك الأنصاري، شهد بدرا مع رسول الله - ﷺ - ثم بعث الرسول - ﷺ - عشرة من الصحابة ﵃ كان منهم خبيب فظفر بهم قوم من بني لحيان فقتلوا منهم ثمانيية وبقي خبيب وزيد بن الدثنة فذهبوا بهما إلى مكة وباعوهما إلى قريش، فلبث خبيب عند الكفار مدة ثم خرجوا به من منطقة الحرم، فقتلوه فهو أول من صلب في سبيل الله، انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (٢/ ١٠٣ - ١٠٥).
(٢) انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة، نفس المكان المتقدم.
(٣) هو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني، قدمت أمه بغداد وهي حامل فولدته في ربيع الأول سنة (١٦٤) ونشأ بها وطلب العلم وسمع الحديث من شيوخ بغداد ثم رحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة، توفي ببغداد لثلاث عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة (٢٤١) وله من الكتب المسند في الحديث يحتوي على نيف وأربعين ألف حديث، وله الناسخ والمنسوخ، وله كتاب الزهد، والمعرفة والتعليل، والجرح والتعديل، انظر معجم المؤلفين عمر رضا كحالة (٢/ ٩٦) وانظر دائرة المعارف الإسلامية (١/ ٤٩١ - ٤٩٦).
(٤) هو يحيى بن معين بن عون الغطفاني المري (أبو زكريا) محدث حافظ مؤرخ، عارف بالرجال، أصله من سرخس، ولد بقرية نقيا قرب الأنبار في آخر سنة (١٥٨) وكان أبوه على خراج الري، فخلف له ثروة كبيرة، فأنفقها في طلب العلم، وعاش ببغداد وحدث عن أحمد بن حنبل والبخاري ومسلم، وتوفي بالمدينة وهو قاصد للحج في ذي القعدة سنة ٢٢٣ هـ من آثاره: التاريخ والعلل، ومعرفة الرجال، انظر معجم المؤلفين عمر رضا كحالة (١٣/ ٢٣٢).
[ ١ / ٩٦ ]
فضربوني وأنتم قيل فريد أن نضربكم، فقال يحيى بن معين: والله ما رأيت تحت أديم السماء أفقه في دين الله منك (١).
الدليل الخامس والعشرون: قول الله تعالى: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) [الإسراء: ٧٣، ٧٤، ٧٥] قال ابن عباس في رواية عن عطاء أن سبب نزول هذه الآيات أن وفدا من ثقيف، أتوا النبي - ﷺ - فسألوه وقالوا: متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهدى لها، فإذا أخذناه كسرنا أصنامنا وأسلمنا وحرم وادينا كما حرمت مكة، حتى تعرف العرب فضلنا عليهم، فهم رسول الله - ﷺ - أن يعطيهم ذلك فنزلت تلك الآيات (٢) وقد أخبر الله ﷿ رسول الله - ﷺ - أنه لو وافقهم لا تخذوه خليلا، من الخلة وهي المحبة التي تؤدي إلى الموالاة والمصافاة والمصادقة للكفار، ثم أخبر أن مثل هذا الركون والميل نحو الكفار ولو كان قليلا موجب لضعف الحياة والممات، ولو كان هذا الميل يقصد به مصلحة الدعوة والإسلام، حيث إن التنازل عن شيء من الدين، يورث التنازل المستمر إلى درجة الصفر، وهو الكفر، لأن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكالم في نهاية المطاف، ولأن أحكام الإسلام وواجباته كل لا يتجزأ، وليس بينها فاضل ومفضول خاصة فيما يتعلق بالواجبات والأركان، وليس فرض ضروري في وقت يمكن الاستغناء عنه في وقت آخر، وما عرضه وفد ثقيف على رسول الله - ﷺ - يعرضه أعداء الإسلام على مدعي الإسلام اليوم إلا أن مادة الطلب تختلف، فثقيف طلبت من الرسول - ﷺ - مطالب مقابل وعدها بالإسلام، أما أعداء الإسلام اليوم، فيطلبون من أرباب العلم
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٢٤٢).
(٢) انظر تفسير القرطبي (١٠/ ٢٢٩، ٣٠٠) وانظر تفسير الطبري (١٥/ ٨٨، ٨٩).
[ ١ / ٩٧ ]
والدعوة، ترك الدعوة تركا كليا أو تركا جزئيا بحيث لا يتعرض الدعاة إلى مصالح ومظالم وتسلط صاحب السلطان وبحيث لا تشكل الدعوة خطرا على وجوده ووجود أسياده، وقد يستجيب لذلك كثير من حملة الأقلام في النحور، والكتب في الصدور الذين هم مطية لكل متغطرس جبار، والبعض منهم يبرر ذلك بأن مصلحة الدعوة في كسب أصحاب المناصب العليا، ولو كانوا هم المحاربين للإسلام والمسلمين، والبعض الآخر يغريه الكسب المادي ولو كان هذا الكسب على حساب التنازل عن جانب أو جوانب متعددة من أركان الإسلام وواجباته، وهم بذلك يظنون أنهم يخدعون غيرهم، وما أدرك هؤلاء أن غيرهم يمكر بهم ويصطادهم من حيث لا يشعرون ذلك أن أصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات، ويغرونهم بالأسعار المرتفعة لكلماتهم، حتى يتنازلوا عن جوانب من هذا الدين، ويصدروا لهم الفتاوى التي تحل ما حرم الله، أو تحرم ما أحل الله، عند ذلك يفقد أدعياء العلم هيبتهم، وحصانتهم عند صاحب السلطان وعند الناس عامة، ويكون صاحب السلطان قد حقق مقصده فيهم بتلويث سمعتهم وسمعة الدعوة التي يمثلونها، ثم يرميهم كما ترمى الثياب الخلقة البالية، لا يؤبه لهم في قول أو فعل، إن الواجب على كل مسلم هو عدم التنازل عن شيء من دينه وعقيدته تحت وطأة الأغراءات المتعددة التي يلوح بها الكفار.
إن الركون اليسير من شخص رسول الله - ﷺ - لو تم لكان نتيجته عذاب الدنيا والآخرة، فما ظنك إذا كان ذلك الركون ركونا تاما وتوليا عاما ومن شخص أبعد ما يكون عن الله ورسوله - ﷺ - ألا يكون ذلك كفرا وخلودًا في النار (١).
الدليل السادس والعشرون: قول الله تعالى عن أهل الكهف (وَإِذِ
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي (١٠/ ٣٠٠) وانظر في ظلال القرآن (١٥/ ٣٥١، ٣٥٣).
[ ١ / ٩٨ ]
اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا) [الكهف: ١٦] وقول الله تعالى: (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) [الكهف: ٢٠].
ففي الآية الأولى يبدو موقف الفتية الذين آمنوا بربهم واضحا صريحا لا تردد فيه ولا تلعثم، إنه موقف المفاصلة الكاملة للمجتمع الكافر، فلا سبيل إلى الالتقاء على أنصاف الحلول ولا المشاركة في الحياة الجاهلية، ولا بد إذًا من الفرار عندما يصل الخطر إلى الإرغام على عقيدة الكفر، وفي الآية الثانية ذكر الله ﷿ على لسان أحد الفتية أن حالهم بين أمرين:
١ - إما أن يرجمهم الكفار ويقتلوهم شر قتلة.
٢ - وإما أن يعيدهم في ملتهم وكفرهم والنتيجة (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) أي: إن وافقتموهم على دينهم، بعد أن غلبوكم وقهروكم عليه، فإذا كانت هذه حال من وافق الكفار بعد إن غلبوه وقهروه، فكيف مصير من وافقهم واحتضنهم وأجابهم إلى ما طلبوا من غير غلبة ولا إكراه؟ ومع ذلك نجد أن كثيرا منهم يظنون أنهم يحسنون صنعا، ويحسبون أنهم مهتدون (١).
الدليل السابع والعشرون: قول الله تعالى عن إبراهيم ﵇ في شأن أبيه وقومه: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًا جَعَلْنَا نَبِيًّا) [مريم: ٤٨، ٤٩].
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٢٤٣) وانظر في ظلال القرآن سيد قطب (١٥/ ٣٧٥).
[ ١ / ٩٩ ]
هكذا بكل قوة وعزم وإصرار، اعتزل إبراهيم أباه وقومه، واعتزل عباداتهم وآلهتهم، وهجر أهله، ودياره فلم يتركه الله وحيدا، بل عوضه الله عن ذلك خيرا عظيما، وإبراهيم ﵇ لم يعتزلهم إلا بعد أن أيس من قومه وأبيه، حيث تبين له أنهم أعداء لله وأنهم لا يفيد معهم شيء من وسائر الدعوة، فاجتنبهم وتبرأ منهم ومن آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، فإذا كان إبراهيم قد تبرأ من أبيه وقومه لكفرهم، أفلا يجب علينا اعتزال الكفار والبراءة منهم، ومفاصلتهم كما فعل أبونا إبراهيم ﵇ (١)؟
الدليل الثامن والعشرون: قول الله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) [القصص: ٨] فبين تعالى أنه بعث موسى إلى فرعون ليكون موسى عدوا لهم يتحداهم بسبب كفرهم، ويعاديهم بسبب ضلالهم، فهي عداوة بين الحق والباطل عداوة بين الحق الذي يمثله موسى ومن معه، والباطل الذي يمثله فرعون وحزبه، وهذه العداوة إنما كانت بسبب اختلاف منهج الحق عن منهج الباطل، فهي ليست عداوة على حسب أو نسب أو مصالح مادية، وإنما هي عداوة في اختلاف الدين، وهذه العداوة لن تقف عند حد مادية، وإنما هي عداوة في اختلاف الدين، وهذه العداوة لن تقف عند حد المشاعر القلبية، وإنما ستكون باعثة لما يدخل الهم والحزن والكمد على قلب فرعون وقومه، بما يواجهونه من الأقوال والأفعال التي تصدر من موسى ومن معه (٢).
الدليل التاسع والعشرون: قول الله تعالى حكاية عن موسى ﵇ (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ) [القصص: ١٧].
_________________
(١) انظر تفسير ابن سعدي (٥/ ١١٣، ١١٤) وانظر في ظلال القرآن سيد قطب (١٦/ ٤٤٠) وانظر مختصر تفسير ابن كثير للصابوني (٢/ ٤٥٤).
(٢) انظر في ظلال القرآن سيد قطب (٢٠/ ٣٢٦).
[ ١ / ١٠٠ ]
ففي هذه الآية يتحدث الله عن موسى ﵇ وقد قطع على نفسه عهدا مطلقا، ألا يقف في صف المجرمين ظهيرا أو معينا لهم، وذلك إشعار بالبراءة من الجريمة وأهلها براءة تامة، وعلى هذا فلا يحلًُّ لمسلم يحرض على سلامة إسلامه أن يعين ظالما حتى ولو بكتابة ما ينطوي على الظلم أو يصحبه على تلك الحال، فإن الله لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وليست مناصرة الظالم على ظلمه ومظاهرة الكافر على كفره، بأيسر مما تقدم.
وفي الأثر من مشى مع مظلوم ليعينه على مظلمته ثبت الله قدميه على الصراط يوم تزل الأقدام، ومن مشى مع ظالم ليعينه على ظلمه أزل الله قدميه على الصراط يوم تدحض الأقدام (١).
وروي أيضا من مشى مع ظالم فقد أجرم (٢).
وهذه الآثار ضعيفة الإسناد، وإن كان المعنى الذي تدل عليه في الجملة صحيحًا (٣).
فالمشي مع الظالم لا يكون جرمًا إلا إذا مشى معه ليعينه على ظلمه فحينئذ يكون قد ارتكب ما نهى الله عنه في قوله تعالى: (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [المائدة: ٢].
الدليل الثلاثون: قول الله تعالى مخاطبا رسوله محمد - ﷺ - (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ) [القصص: ٨٦] فمعنى ظهير في هذه الآية والتي قبلها بمعنى: معين
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي (١٣/ ٢٦٤).
(٢) المصدر السابق المكان نفسه.
(٣) انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني (٢/ ١٨١).
[ ١ / ١٠١ ]
وناصر، وهي مرادفة لمعنى الموالاة التي تدل على المحبة والمناصرة (١) ومعنى هذه الآية أي لا تكن يا محمد عونا لمن كفر بربك على كفره (٢) والخطاب وإن كان موجها للرسول - ﷺ - فالمقصود به أمته من بعده، فيجب أن لا يكون هناك تناصر، أو تعاون بين المؤمنين والكفارين والمحاربين لله ورسوله والمؤمنين، لأن الإيمان والكفر طريقان مختلفان، ومنهجان لا يتلقيان أولئك حزب الله وهؤلاء حزب الشيطان، فعلام يتعاونان؟ وفيما يتعاونان (٣)؟
الدليل الحادي والثلاثون: قول الله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) [المجادلة: ٢٢].
فأخبر تعالى أنك لا تجد من يؤمن بالله واليوم الآخر إيمانا حقيقيا ثم تصدر منه موادة لمن حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب وأن هذا الجمع مناف للإيمان مضاد له، إذ لا يجتمع الإيمان بالله واليوم الآخر مع مودة ومحبة من حاد الله ورسوله، إلا كما يجتمع الضدان (٤) وعلى ذلك فمن واد كافرا فليس بمؤمن (٥).
أما ما قد يعترض به معترض على هذا الدليل من جواز نكاح نساء أهل الكتاب، الأمر الذي يترتب عليه مودة الرجل لزوجته الكافرة كما في فول الله تعالى: (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) [الروم: ٢١] فكيف الجمع بين هذين الدليلين اللذين ظاهرهما التعارض؟
_________________
(١) انظر المعجم الوسيط (٢/ ٥٨٤) وانظر (٧) من هذه الرسالة.
(٢) انظر تفسير الطبري (٢٠/ ٨١).
(٣) انظر في ظلال القرآن سيد قطب (٢٠/ ٣٨٠).
(٤) انظر مجموعة التوحيد (٢٤٨).
(٥) انظر كتاب الإيمان أركانه حقيقته نواقضه د/ محمد نعيم ياسين (١٨٦)
[ ١ / ١٠٢ ]
والجواب على ذلك باختصار أن في هذه المسألة قولين:
الأول: هو قول من يمنع الزواج من غير المسلمات (١) وعلى هذا القول فلا إشكال ولا اعتراض، ودليل أهل هذا القول هو قول الله تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) [البقرة: ٢٢١] وقول الله تعالى: (وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) [الممتحنة: ١٠].
الثاني: قول من يرى الإباحة مستدلا بقول الله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [المائدة: ٥] فقد جعل أصحاب هذه القول شروطا متعددة في مسألة زواج المسلم بالكتابية سوف نتناولها بالتفصيل في بحث قادم إن شاء الله، ولكن لا مانع من الإشارة إلى مجمل تلك الشروط، وهي أن يكون المتزوج للكتابية، قويا في عقيدته صلابًا في رجولته، حادا في معاملته، شديد الغيرة على دينه، فإذا توفرت هذه الصفات في شخص مسلم جاز له نكاح الكتابية، وإن كان بعكس ذلك فالأولى منعه (٢).
وقال بعض المفسرون: إن النساء من الضعفة وممن لا يقاتل فجاز برهن بالمعروف (٣) ومن البر بهن الزواج منهن قال تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الممتحنة: ٨].
_________________
(١) انظر العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين د/ بدران أبو العينين بدران (٤٥).
(٢) انظر العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين د/ بدران أبو العينين بدران (٦٥).
(٣) انظر زاد المسير في علم التفسير/ عبد الرحمن بن الجوزي (٨/ ٢٣٧).
[ ١ / ١٠٣ ]
الدليل الثاني والثلاثون: قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) [محمد: ٢٥ - ٢٨].
فذكر تعالى أن هناك جماعة من الناس تدعي الإسلام في ظاهر حالها، ولكنهم في الحقيقة مرتدون بسبب وعدهم للكفار، المتضمن طاعتهم لهم في بعض الأمور، فذكر أنهم ارتدوا بذلك، ولم ينفعهم علمهم بالحق مع الردة وغرهم الشيطان بتسويله وتزيينه لما ارتكبوه من الردة، وأوهمهم أن الخوف عذر لهم في الردة، وأنهم بمعرفتهم الحق، ومحبتهم له، والشهادة به، لا يضرهم ما فعلوا، فقالوا للكفار: سنطيعكم في بعض الأمر من موالاة ومحبة، وتأييد، مع بقائهم حسب زعمهم الخاطئ على مسمى الإسلام وأنهم فعلوا ذلك محبة للدنيا، وخوفا على فوات الأنفس والأموال والمناصب، فإذا كانت الردة حاصلة لمن وعد المشركين بالطاعة في بعض الأمور، فكيف حال من وافق المشركين وأطاعهم في كل الأمور قولا وفعلا؟ ألا يكون هؤلاء أحرى بالردة من أولئك الذين وعدوا المشركين في الطاعة في بعض الأمور دون البعض الآخر؟ وبناء على ذلك فإن اتباع المشركين والدخول في طاعنهم والشهادة لهم بأنهم على الحق، ومعاونتهم على الباطل، وترك التوحيد وأهله وخذلان أصحابه، كل هذه أمور موجبة للردة والكفر (١).
الدليل الثالث والثلاثون: قول الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٢٤٤).
[ ١ / ١٠٤ ]
وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) [الحشر: ١١] ففي هذه الآية تنبيه من الله ﷿ لرسول - ﷺ - ولأمته من بعده إلى القرابة الشديدة بين المنافقين والكفار من أهل الكتاب، قرابة تصل إلى درجة الأخوة بينهما، فأهل الكتاب كفروا صراحة، والمنافقون إخوانهم في الكفر، ولو أنه يلبسون رداء الإسلام ظاهرا، فهم كفار في حقيقة أمرهم وواقعهم، فقد اعتبرت الآية وعد المشركين في السر بالدخول معهم ونصرهم، والخروج معهم نفاقا وكفرا، وإن كان هذا الوعد كذبا وتمويها، فكيف بمن وعد الكفار بالدخول معهم ونصرهم صادقا ظاهرا، فدخل في طاعتهم ودعا إليها، ونصرهم على ذلك، وانقاد لهم وصار من جملتهم وأعانهم على كفرهم بالمال والرأي والعتاد، أليس هذا أشد حالا وأسوا مالا من المنافقين المذكورين في هذه الآية؟ (١)
الدليل الرابع والثلاثون: قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ) إلى قوله: (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) [الممتحنة: ١].
فأخبر تعالى أن من تولى أعداء الله، وإن كانوا أقرباء، فقد ضل سواء السبيل أي أخطأ الطريق القويم، والمنهج المستقيم، فإن من يدعي محبة الله، ومحبة رسوله، ومحبة المؤمنين، ثم يتخذ أعداء الله أصدقاء وحلفاء وأنصارا، ويلقي إليهم بالمودة لكاذب فيما يدعيه من حب الله ورسوله والمؤمنين، وفعله هذا تكذيب عملي لله، ومن كذب على الله فهو
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٢٣٦/ ٢٣٧)، وانظر في ظلال القرآن سيد قطب (٢٨/ ٤٣).
[ ١ / ١٠٥ ]
كافر في مثل هذه الصورة، لأنه تعمَّد مخالفة الله فيما نهى الله عنه وقد أجمع العلماء على أن من تعمَّد استحلال ما حرم الله فهو كافر (١).
الدليل الخامس والثلاثون: قول الله تعالى: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) [الممتحنة: ٢] أي إن قدروا على المسلمين، واستولوا عليهم ساموهم سوء العذاب (٢) وهذا الكلام له شواهد في التاريخ فعندما تغلب الصليبيون على المسلمين في الأندلس أبادوا المسلمين إبادة تامة بعد أن استقر المسلمون فيها ثمانية قرون، وكان بوسع المسلمين أيام عزهم وقوتهم أن يبيدوا كل الطوائف غير الإسلامية، وأن يسحقوها سحقًا تامًّا، ولكن الدين الإسلام رحيم حتى بأعدائه رفيق بهم، واليهود اليوم عندما تغلبوا على المسلمين فعلوا بالمسلمين مثل ما فعل الصليبيون قبلهم فنجد أنهم شردوا الملايين من السكان وقتلوا مئات الآلاف، ولا زالوا يطاردون البقية الباقية من الفلسطينيين خارج فلسطين، وعداوة اليهود لنا ليست عداوة عرقية أو طمعا في البلاد أو الاقتصاد كما يصور ذلك السذج البلهاء من الناس، بل هي عداوة عقيدة ودين، وهذا ما يدل عليه قولهم وفعلهم فعندما دخلت قوات اليهود القدس عام (١٣٨٧هـ- ١٩٦٧م) تجمهر الجنود من اليهود حول حائط المبكى كما يزعمون، وأخذوا يهتفون مع موسى ديان، هذا يوم بيوم خيبر، يا لثارات خيبر، ثم أخذوا ينشدون حطوا المشمش على التفاح .. دين محمد ولي وراح، محمد مات وخلف بنات (٣).
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٢٤٩).
(٢) انظر مختصر تفسير ابن كثير محمد علي الصابوني (٣/ ٤٨٢ وانظر مجموعة التوحيد (٢٦٥».
(٣) انظر كتاب قادة الغرب يقولون: دمروا الإسلام أبيدوا أهله تأليف جلال العالم ص (٩، ١٥، ٢٩)
[ ١ / ١٠٦ ]
الدليل السادس والثلاثون: قول الله تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) [التوبة: ١١٤] وقول الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) [الزخرف: ٢٦، ٢٧] وقول الله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة: ٤].
إن الإيمان بالدين الإسلامي هو الرباط الذي تلتقي فيه سائر الأواصر البشرية، والعلاقات الإنسانية فإذا انقطعت رابطة الإسلام انقطعت سائر الروابط الأخرى، فلا لقاء بعد ذلك في نسب أو صهر، أو عشيرة أو أرض، فإما إيمان بالله فالرابطة الكبرى موصولة والوشائج الأخرى تنبع منها وتلتقي معها، أو لا إيمان فلا صلة إذا يمكن أن تقوم بين إنسان وإنسان من جنس آخر (١).
ففي هذه الآيات إشارة وتنبيه بأنكم يا معشر المؤمنين لكم قدوة صالحة في مفاصلة الكفار ومعاداتهم، إلى أن يؤمنوا إذا كنتم متبعين لملة إبراهيم ومن معه من المؤمنين، فقفوا من الكفار مثل موقفه ومن معه منهم، وأظهروا العداوة للكفار مثل إظهارهم العداوة لهم، فهم لكم قدوة ولكم بهم أسوة (٢).
الدليل السابع والثلاثون: قول الله تعالى: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ
_________________
(١) انظر في ظلال القرآن سيد قطب (١١/ ٣٢٢) وانظر معالم في الطريق للمؤلف نفسه (١٨٧ - ١٩٨).
(٢) انظر تفسير ابن سعدي (٧/ ٣٥٢).
[ ١ / ١٠٧ ]
قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الممتحنة: ٩] وقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) [الممتحنة: ١٣].
ففي هاتين الآيتين ينهى الله ﷿ عن موالاة وموادةمناصرة الكفار لأن ذلك من الظلم والتناقض، أن يجمع الإنسان بين محبة الله وبين محبة من غضب الله عليه، فإن عداوة المعادي لربك أيها الإنسان باعثة وداعية إلى عداوتك له، ولنضرب لذلك مثلا ولله المثل الأعلى، لو كان هناك حاكم له مملوك، وهذا الحاكم يسدي على مملوكه من الخير، ويمنع عنه من الشر الشيء الكثير، ولهذا الحاكم أعداء، أيليق عقلًا وعرفًا، أن يوالي هذا المملوك ويناصر ويحب عدو سيده وولي نعمته، فكيف إذا نهاه سيده عن ذلك أشد النهي ورتب على موالاته لعدوه أن ينزل به أشد أنواع العذاب؟ فكيف إذا كان هذا العدو عدوا له ولسيده في آن واحد؟ ألا يعتبر من يفعل ذلك من الظالمين؟ والظلم نوع من الشرك، قال تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣] فحال من يوالي الكفار ويناصرهم، ويترك موالاة الله ورسوله والمؤمنين، ومناصرتهم، كحال هذا المملوك مع سيده والله أعزُّ قدرًا وأجل ذكرًا وأعظم شأنًا من ذلك (١).
الدليل الثامن والثلاثون: قول الله تعالى: (وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا) [الفرقان: ٥٥] فهذه الآية دلت على أن المؤمن دائما مع الله على نفسه وهواه وشيطانه وعدو ربه، وهذا معنى كونه من حزب الله وجنده والموالين
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٢٦٤) وانظر تفسير ابن سعدي (٧/ ٣٥٦، ٣٦٤) وانظر ظلال القرآن سيد قطب (٢٨/ ٦٥ - ٧٠).
[ ١ / ١٠٨ ]
له فهو مع الله على أعداء الله يحاربهم ويعاديهم ويبغضهم من أجل الله كما يكون خواص الملك معه على حرب أعدائه، أما البعيدون منه فهم غير مهتمين به ولا مبالين بشيء من ذلك (١).
ذكر ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير قال: (الكافر عون للشيطان على ربه بالعداوة والشرك) اهـ وقال الليث عن مجاهد قال: (الكافر يظاهر الشيطان على معصية الله ويعينه عليها) (٢) اهـ.
وقال زيد بن أسلم (ظهيرا) أي: مواليًا لأعداء الله أيًّا كان نوعهم، والمعنى أنه يوالي عدو الله على معصية الله والشرك به فيكون مع عدو الله معينا له على مساخط الله (٣) اهـ.
فالمعية الخاصة التي للمؤمن مع ربه وإلهه قد صارت بحق الكافر والفاجر معية مع الشيطان والنفس والهوى ولهذا صدر الله الآية بقوله (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ) [الفرقان: ٥٥] وهذه العبادة هي الموالاة المتضمنة للمحبة والرضا، ولكنها لما صرفت لما لا ينفع ولا يضر، أصبحت هذه الموالاة مظاهرة لأعداء الله على الله وتلك الصفة من نواقض الإسلام العشرة التي عدها الشيخ محمد بن عبد الوهاب (﵀) موجبة للخروج من الإسلام (٤).
ومن هذه الأدلة جميعا يتقرر بما لا يدع مجالا للشك أن لا صحة لإسلام المسلم حتى يتولى الله ورسوله والذين آمنوا قولا وفعلا واعتقادا، ويعلن عداوته للكفار بالقول والفعل والاعتقاد، ما داموا على الكفر، ويستمر على هذا الاعتقاد والعمل حتى يلقى الله على ذلك.
_________________
(١) الفوائد لابن القيم (٧٩).
(٢) المصدر السابق (٨٠)
(٣) المصدر السابق المكان نفسه.
(٤) انظر مجموعة التوحيد (٢٨).
[ ١ / ١٠٩ ]
المبحث الثاني: الموالاة والمعاداة في السنة النبوية
لقد ذكرنا طرفا من الأحاديث الصحيحة في شأن الموالاة والمعاداة عامة وفي موالاة الكفار خاصة، وخشية الإطالة والتكرار فسوف نقتصر في هذا المبحث على ذكر الأحاديث التي لم يتقدم ذكرها فيما سلف من هذه الرسالة وهذه الأحاديث هي كما يلي:
أولًا: إن الإسلام قد سدَّ الذَّرائع المفضية إلى موالاة اليهود والنصارى بما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه (١).
قال النووي (٢): فالصواب تحريم ابتدائهم بالسلام، ونقل القاضي
_________________
(١) رواه مسلم انظر صحيح مسلم كتاب السلام (٤/ ١٧٠٧).
(٢) هو يحيى بن شرف بن مري بن حسن النووي الشافعي (محيي الدين أبو زكريا) فقيه محدث، حافظ لغوي مشارك في بعض العلوم ولد بنوى من أعمال حوران في العشر الأول من المحرم سنة (٦٣١هـ) وقرأ بها وقدم دمشق فسكن المدرسة الرواحية، لازم كمال الدين إسحاق المغربي، وقرأ الفقه وأصوله والحديث وأصوله والمنطق والنحو وأصول الدين وسمع الكثير من الرضي بن البرهان، وعبد العزيز الحموي وغيرهما وولي مشيخة دار الحديث بعد شهاب الدين أبي شامة وتوفي بنوى في ١٤ رجب سنة (٦٧٧ هـ) ودفن بها من: تصانيفه الكثيرة الأربعون النووية في الحديث شرح صحيح مسلم روضة الطالبين وعمدة المفتين في فروع الفقه الشافعي، تهذيب الأسماء واللغات، التبيان في آداب حملة القرآن ورياض الصالحين انظر معجم المؤلفين/ عمر رضا كحالة (١٣/ ٢٠٢).
[ ١ / ١١٠ ]
عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم بالسلام للضرورة والحاجة، ولقوله - ﷺ - «يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله» (١).
أما ما ورد في الحديث من اضطرارهم إلى أضيق الطريق، فالمقصود بذلك إشعارهم بالذلة والمهانة بسبب ما هم فيه من كفر، حتى يسلموا فيدخلوا في عزة الإسلام أو يستكينوا فلا يتطاولون على الإسلام والمسلمين بأذى أو يظهروا عداوتهم فيحاربوا مع الكفار المحاربين.
وهذا الاضطرار والتضييق عليهم في الطريق ليس مطلقا، بل بشرط أن لا يلجئهم إلى الوقوع في وهدة، أو الاصطدام بجدار ونحو ذلك، لأن المقصود الإهانة المعنوية دون الأذى الجسدي (٢).
حيث إن ابتداءهم بالسلام، وتصديرهم في المجالس والطرق، إعزاز لهم ولما يمثلونه من كفر، وذلك مخالف لما دلت عليه الآيات القرآنية في قوله تعالى: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح: ٢٩] وقول الله تعالى: (وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) [التوبة: ١٢٣] وعلى ذلك يمكن أن يقاس صاحب البدعة.
_________________
(١) رواه مسلم: انظر شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/ ١٤٦).
(٢) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/ ١٤٤ - ١٤٧) وانظر الجامع الصحيح (٧/ ٣ - ٥) الحاشية على تلك الصفحات.
[ ١ / ١١١ ]
قال الطيبي (١): إن المختار من الأقوال، أن المتبدع لا يبدأ بالسلام (٢) اهـ.
وقال آخرون: إن النهي عن البدء بالسَّلام يحمل على الكراهية لا على التحريم حيث كان رسول الله - ﷺ - يستألف الكفار بالأموال الطائلة فكيف بالكلام الحسن؟ (٣) اهـ.
فمن قصد بالسلام تألفهم للدعوة إلى الله فهذا في حقه السلام مباح، ومن قصد بالسلام ملاطفتهم في معاملات تجارية ونحو ذلك فابتداؤهم بالسلام مكروه، وأما من ابتدأهم بالسلام تعظيما لهم وإكراما لمقامهم، وطلبا لرضاهم، ومحبة لهم، فهذا محرم يتنافى مع الآيات القرآنية والحديث المتقدم (٤)، ويتعارض صراحة مع قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) [الممتحنة: ١] والسلام هو شعار المودة ودليلها البارز قال رسول الله - ﷺ - «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (٥).
_________________
(١) هو الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي (شرف الدين) عالم مشارك في أنواع العلوم توفي في ١٣ شعبان سنة (٧٤٣هـ) من تصانيفه الكاشف عن حقائق السنن النبوية، التبيان في المعاني والبيان مقدمة في علم الحساب، أسماء الرجال فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب في التفسير انظر معجم المؤلفين عمر رضا كحالة (٤/ ٥٣).
(٢) انظر حاشية الجامع الصحيح (٧/ ٥).
(٣) انظر المصدر السابق المكان نفسه وانظر شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/ ١٤٥).
(٤) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/ ١٤٤ - ١٤٧) انظر حاشية الجامع الصحيح (٧/ ٣ - ٥).
(٥) رواه مسلم، انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين ص (٦٦١) ورقم (٨٤٨).
[ ١ / ١١٢ ]
وعلى هذا فالسلام على الكفار تعظيما وإكراما وتحية لهم وطلبا لرضاهم أمر لا يجوز للآية المتقدمة وللحديث الذي يدور حوله النقاش وإذا تقرر عدم السلام بهذا الوصف، خوفا لما يجر إليه من مودة وموالاة للكفار.
فكيف حال من يستقبلون قتلة المسلمين من اليهود والنصارى والمرتدي بالمعانقة والاستبشار، وأيديهم لا تزال تقطر من دماء المسلمين المنكوبين؟
إن هؤلاء الذين يتلقون الكفار وأباههم البشاشة والإكرام، ويقدمون لهم الهداية الثمينة، والأموال الطائلة، ويرسلون إليهم التهاني، والرسائل التي تبالغ في مدحهم واطرائهم، ومدح ما هم فيه من كفر وضلال وحتى في مناسبات سخيفة ساذجة عليهم أن يراجعوا أنفسهم إذا أرادوا السير مع الإسلام سيرا حقيقيا قبل (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) [الزمر: ٥٦].
وقد روى أبو داود، وأحمد عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «لا تقولوا للمنافق سيد فإنه إن يك سيدا فقد أسخطتم ربكم ﷿» (١).
ثانيا: ما أخرجه النسائي والبيهقي وأحمد أن جريرًا قال: أتيت النبي - ﷺ - وهو يبايع فقلت: يا رسول الله أبسط يدك حتى أبايعك واشترط عليَّ فأنت أعلم قال: أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين وتفارق المشركين (٢).
_________________
(١) انظر سنن أبي داود كتاب الأدب (٥/ ٢٥٧ح ٤٩٧٧) وقال الألباني: إسناده صحيح انظر المشكاة (٣/ ١٣٤٩ح ٤٧٨٠) وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (١) رقم الحديث (٣٧١) وانظر مسند أحمد (٥/ ٣٤٦).
(٢) قال الألباني إسناده صحيح انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (٢/ ٢٣٠) رقم الحديث (٦٣٦) وانظر سنن النسائي (٧/ ١٤٨) وانظر سنن البيهقي (٩/ ١٣) وانظر مسند أحمد (٤/ ٣٦٥).
[ ١ / ١١٣ ]
ثالثًا: روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «كل مسلم على مسلم حرام، أخوان نصيران، لا يقبل الله ﷿ من مشرك بعد ما أسلم عملًا، أو يفارق المشركين إلى المسلمين» (١).
رابعا: ما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (٢).
خامسا: قال رسول الله - ﷺ - «إن أوليائي يوم القيامة المتقون، وإن كان نسب أقرب من نسب فلا يأتيني الناس بالأعمال، وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم فتقولون: يا محمد: فأقول: هكذا وهكذا لها، وأعرض في كلا عطفيه» (٣).
سادسا: قال رسول الله - ﷺ - «إن أولى الناس لي المتقون من كانوا وحيث كانوا» (٤).
هذا مجمل ما ورد من الأحاديث الصحيحة في موضوع الموالاة والمعاداة سوى ما تقدم ذكره سلفًا، وفيما يلي بعض الأحاديث التي يستأنس بها وقد يكون في سند بعضها مقال وهي كما يلي:
_________________
(١) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني م١ رقم الحديث (٤٦٩).
(٢) رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح وقال الترمذي: حديث حسن انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين (١/ ٣٤١) رقم الحديث (٣٦٨).
(٣) أخرجه البخاري من الأدب المفرد (ص١٢٩) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٤٠٣) رقم الحديث (٧٦٥).
(٤) رواه أحمد: (٥/ ٢٣٥) وهو حديث صحيح انظر صحيح الجامع الصغير (٢/ ١٨١ح ٢٠٠٨).
[ ١ / ١١٤ ]
أولًا: روي أبو نعيم في الحلية من حديث مكحول عن واثلة بن الأسقع (﵁) مرفوعًا قال: «يؤتى بعبد محسن في نفسه لا يرى أن له ذنبًا فيقول له هل كنت توالي أوليائي؟ قال: كنت من الناس سلما، قال فهل كنت تعادي أعدائي؟ قال: رب لم يكن بيني وبين أحد شيء، فيقول الله ﷿: لا ينال رحمتي من لم يوال أوليائي ويعاد أعدائي» (١)، فهذا الحديث تنبيه للذين يظنون أنهم في سلامة من أمرهم وهم يقفون موقف المتفرج في صراع الإسلام وأهله مع قوى الكفر والضلال، وهو كذلك تحذير للذين يفعلون أكثر مما يفعله المتفرجون، تحذير للذين يداهنون الكفار ويوالونهم، ولا يرون بذلك بأسًا أو غضاضة ففي الحديث عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ - «من وقَّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام» (٢).
ثانيا: روي عن أبي بكر محمد بن عمر بن حزم عن أبيه عن جده عمرو أن رسول الله - ﷺ - كتب لعامر بن الأسود (بسم الله الرحمن الرحيم) هذا كتاب من محمد رسول الله - ﷺ - لعامر بن الأسود المسلم أن له ولقومه من طيء ما أسلموا عليه من بلادهم ومياههم ما أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة وفارقوا المشركين) كتبه المغيرة، أخرجه أبو موسى (٣).
ثالثا: ما روى أبو ياسر بن أبي حبة بإسناده عن عبد الله بن أحمد حدثني أبي حدثنا إسماعيل حدثنا سعيد الحريري عن أبي العلاء بن الشخير
_________________
(١) انظر تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة والحب والبغض والهجران تأليف حمود بن عبد الله التويجري (٣٨).
(٢) رواه الطبراني وأبو نعيم وغيرهما بأسانيد فيها مقال عن عبد الله بن بسر ﵁ مرفوعًا ولكن معناه موافق لعموم الأدلة انظر تحفة الإخوان محمود التويجري (٧٥).
(٣) انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (٣/ ٧٧).
[ ١ / ١١٥ ]
قال: كنا مع مطرف في سوق الإبل بالربذة فجاء أعرابي معه قطعة أديم وجراب فقال: من يقرأ أو فيكم من يقرأ؟ قلت: نعم، فأخذته فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وفارقوا المشركين، وأعطوا الخمس مما غنمتم، وأقروا بسهم النبي - ﷺ - وصفيه فأنتم آمنون بأمان الله وأمان رسوله (١).
رابعا: ما روي عن أسامة بن زيد ﵁ قال: دخلت مع رسول الله - ﷺ - على عبد الله بن أبي في مرضه نعوده فقال له النبي - ﷺ - «قد كنت نهيتك عن حب يهود، فقال عبد الله: فقد أبغضهم سعد بن زرارة فمات» (٢).
خامسًا: ما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «اعتبروا الناس بإخوانهم» (٣).
سادسا: جاء في كتاب كتبه النبي - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار ووادع فيه اليهود وعاهدهم، ما يدل على تناصر المؤمنين وأنهم يد واحدة على من خالفهم جاء فيه وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (٤) ظلم أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين وأن أيديهم عليه جميعًا، ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وإنَّ المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس (٥).
_________________
(١) رواه البيهقي انظر السنن الكبرى للبيهقي (٩/ ١٣) وانظر أسد الغابة لابن الأثير (٥/ ٣٩، ٤٠).
(٢) انظر مسند أحمد (٥/ ٢٠١) وانظر سنن أبي داود (٣/ ١٨٤).
(٣) انظر تفسير القرطبي (٤/ ٥٧).
(٤) الدسيعة العظيمة انظر المعجم الوسيط (١/ ٢٨٢، ٢٨٣)
(٥) انظر السيرة لابن هشام (٢/ ١٤٧ - ١٤٩) وانظر تهذيب سيرة ابن هشام/ عبد السلام هارون (١٤٠، ١٤١).
[ ١ / ١١٦ ]
سابعًا: ما روي عن أبي سعيد الخدري (﵁) عن النبي - ﷺ - قال: «لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي» (١).
ثامنا: روي الإمام أحمد في مسنده أن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: قال رسول الله - ﷺ - «ألا أخبركم بخياركم؟ قالوا: بلى، قال: فخياركم الذين إذا رءوا ذُكر الله تعالى ألا أخبركم بشراركم؟ قالوا: بلى، قال فشراركم المفسدون بين الأحبة المشاءون بالنميمة الباغون للبراء العنت» (٢).
ومن خلال الأحاديث المتقدمة يتأكد لدي أن المسلم مأمور بمفاصلة المشركين وعداوتهم، وعدم إظهار التقدير والتكريم لهم، ولا يجوز احترامهم إلا في حالة واحدة، وهي ما إذا أراد المسلم تأليف قلوبهم للدعوة إلى الإسلام، فيجوز له البر بهم، والتظاهر بحسن المعاشرة لهم، ولا تدخل محبتهم قلبه إلا بعد إسلامهم، ودخولهم في عداد المسلمين.
أما فيما يتعلق بمحبة المؤمنين والمسلمين ووجوب مناصرتهم بالقول والفعل والاعتقاد، فإنَّ السنة قد دلَّت على ما دلَّ عليه القرآن الكريم، من أن الموالاة في الله والمعاداة فيه، أصل من أصول الإسلام لا يصحُّ إسلام المرء إلا بهما فمن خالف ذلك فقد خالف ما قرره الله ورسوله في الكتاب والسنة من وجوب موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين.
_________________
(١) رواه أبو داود والترمذي بإسناد لا بأس به، انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين (١/ ٣٤١) رقم الحديث (٣٦٧).
(٢) انظر مسند الإمام أحمد (٦/ ٤٥٩) وقال عنه ابن الأثير: إنه حديث غريب، انظر النهاية في غريب الحديث والأثر (٣/ ٣٠٦) باب العين مع النون.
[ ١ / ١١٧ ]
المبحث الثالث: أقوال السلف الصالح في الموالاة في الله والمعاداة فيه
أولًا: يروى عن ابن مسعود (١) ﵁ أنه قال: تقرَّبوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، والقوهم بوجوه مكفهرة، والتمسوا رضى الله بسخطهم وتقربوا إلى الله بالبعد منهم (٢).
وروى أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود أنه قال: لا يقلدن أحدكم
_________________
(١) هو عبد الله بن مسعود بن غافل حليف بني زهرة، كان إسلامه قديما حيث أسلم مع سعيد ابن زيد وزوجته فاطمة بنت الخطاب وذلك قبل إسلام عمر بن الخطاب ﵁ وقيل عنه: إنه قال: لقد رأيتني سادس ستة ما على ظهر الأرض مسلم غيرنا، وهو أول من جهر بالقرآن بمكة، وهاجر الهجرتين، وصلّى إلى القبلتين، وشهد بدرًا وأحدًا والخندق وبيعة الرضوان، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - وهو الذي أجهز على أبي جهل وشهد له الرسول - ﷺ - بالجنة توفي بالمدينة سنة ٣٢ ودفن بالبقيع انظر أسد الغابة لابن الأثير (٣/ ٢٥٦ - ٢٦٠).
(٢) انظر تحفة الإخوان/ حمود التويجري (٥٦).
[ ١ / ١١٨ ]
دينه رجلا، فإن آمن آمن وإن كفر كفر، فإن كنتم لا بد مقتدين، فاقتدوا بالميت فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة (١) اهـ.
ثانيا: عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: كل إخاء منقطع إلا إخاءً كان على غير طمع (٢) اهـ.
ثالثا: أخرج أبو نعيم عن حسان بن عطية أن أبا الدرداء (٣) ﵁ كان يقول: لا تزالون بخير ما أحببتم خياركم، وما قيل فيكم بالحق فعرفتموه، فإن عارف الحق كعامله (٤) اهـ.
رابعا: قال ابن مسعود ﵁: لو أنَّ رجلًا قام يعبد الله بين الركن والمقام سبعين سنة لبعثه الله مع من يحب يوم القيامة (٥) اهـ، وهذا الأثر موافق لمعنى الحديث الصحيح المرء مع من أحب (٦) وقال الحسن ﵁ مصارمة الفاسق قربان إلى الله (٧) اهـ.
خامسا: ما يصوره لنا موقف خالد بن الوليد ﵁ مع مجاعة
_________________
(١) انظر الحلية لأبي نعيم (١/ ١٣٦).
(٢) انظر كنز العمال عبد الرحمن جلال الدين السيوطي (٨/ ٢٣٦).
(٣) هو عويمر بن مالك بن زيد بن قيس بن أمية بن عامر ويكنى بأبي الدرداء تأخَّر إسلامه قليلًا وكان آخر أهل داره إسلاما وحسن إسلامه، وكان فقيها عاقلا حكيما آخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين سلمان الفارسي ﵄ وتولى أبو الدرداء قضاء دمشق في خلافة عثمان بن عفان ﵁ وتوفي قبل أن يقتل عثمان بسنتين وانظر أسد الغابة في معرفة الصحابة (٥/ ١٨٥، ١٨٦).
(٤) انظر الحلية لأبي نعيم (١/ ٢١٠).
(٥) انظر فضيلة الألفة والأخوة مخطوطة بقسم المخطوطات بجامعة الرياض برقم (١٦٠٥) الورقة (٧٨) المؤلف غير معروف يعتقد أنها مؤلفة في القرن التاسع الهجري.
(٦) رواه مسلم صحيح مسلم (٤/ ٢٠٣٢) باب البر والصلة.
(٧) انظر فضيلة الألفة والأخوة الورقة (٧٨).
[ ١ / ١١٩ ]
ابن مرار الحنفي اليمامي، أن الميل إلى أصحاب الباطل وموادعتهم، موالاة لهم فقد كان مجاعة بن المرار الحنفي من أهل اليمامة قد وفد هو وأبوه على النبي - ﷺ - وكان من رؤساء بني حنيفة وأقطعهما النبي - ﷺ - العودة وعوانة والجبل، ثم لما حصلت الردة مال مجاعة إلى تأييد قومه من أصحاب مسيلمة، ولما سار خالد إلى اليمامة حين ارتدوا قدَّم مائتي فارس، وقال: من أصبتم من الناس فخذوه، فأخذوا (مجاعة) في ثلاثة وعشرين رجلا من قومه، فلما وصلوا إلى خالد قال مجاعة يا خالد، لقد علمت أني قدمت على رسول الله - ﷺ - في حياته فبايعته على الإسلام، وأنا اليوم على ما كنت عليه، أمس فإن يك كذابا قد خرج فينا فإن الله يقول: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤] فقال خالد: يا مجاعة، تركت اليوم ما كنت عليه أمس، وكان رضاك بأمر هذا الكذاب وسكوتك عنه، أنت أعز أهل اليمامة وقد بلغك مسيري إقرارًا له ورضاء بما جاء به، فهلا أبيت عذرا، وتكلمت فيمن تكلم، فقد تكلم ثمامة بن أثال فرد وأنكر، وتكلم اليشكري، فإن قلت أخاف قومي، فهلا عمدت إلي أو بعثت إلى رسولا، فقال: إن رأيت يا ابن المغيرة أن تعفو عن هذا كله، فقال قد عفوت عن رمك (١) ولكن في نفسي حرج من تركك (٢) اهـ.
سادسًا: في سنة ١٣٨ هـ من الهجرة نشأ خلاف كبير بين الأخوين، سلطان الشام، الملك الصالح إسماعيل، وسلطان مصر، الملك الصالح نجم الدين أيوب، كان من نتيجته أن استعان الملك.
_________________
(١) أي سجنك انظر المعجم الوسيط (١/ ٣٧٥).
(٢) انظر مجموعة التوحيد (٢٨٩ - ٢٩٠) (٢٩٩ - ٣٠٠) وانظر أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (٤/ ٣٠٠، ٣٠١)
[ ١ / ١٢٠ ]
إسماعيل بالصليبيين أعداء الإسلام والمسلمين، وتحالف معهم على قتال أخيه نجم الدين، وأعطاهم مقابل ذلك مدينة صيدا، على رواية السبكي (١) وكذلك قلعة صفد وغيرها على رواية المقريزي (٢) وأمعن إسماعيل في هذه الخيانة، فسمح للصليبين أن يدخلوا دمشق، ويشتروا منها السلاح وآلات الحرب، وما يريدون.
فأثار هذا الصنيع المنكر استياء عامة المسلمين وعلمائهم فهب الشيخ عبد العزيز بن عبد السلام وصعد على منبر الجامع الأموي بدمشق في يوم الجمعة، وخطب الناس وأفتى بتحريم بيع السلاح للأعداء، وأنكر بشدة على الملك إسماعيل خيانته وفعلته النكراء، وألغى من الخطبة الدعاء المتعارف عليه للسلطان إسماعيل وهذا بمثابة الإعلان بنزع البيعة منه، وأبدل ذلك بقوله: (اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر) (٣) اهـ.
ولم يكن السلطان حاضرًا تلك الخطبة، فلما علم أمر بعزل الشيخ واعتقاله، مع صاحبه الشيخ ابن الحاجب المالكي لاشتراكه معه في هذا الإنكار (٤).
سابعا: قال ابن جرير الطبري في قوله تعالى: (فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ) [آل عمران: ٢٨] يعني: فقد برئ من الله وبرئ الله منه لارتداده عن دينه (٥) اهـ.
_________________
(١) انظر طبقات الشافعية للسبكي (٥/ ١٠٠) وبعدها.
(٢) انظر كتاب السلوك للمقزيري (١/ ٣٠٣).
(٣) انظر وا إسلاماه أحمد باكثير (١٠٠).
(٤) المصدر السابق المكان نفسه.
(٥) انظر مجموعة التوحيد (٢٨٨) وانظر الدرر السنية (٢/ ١٧٦) وانظر (٦٥، ٦٦) من هذه الرسالة.
[ ١ / ١٢١ ]
ثامنًا: يفهم من كلام ابن تيمية ﵀ قوله: إن ظاهر النصوص يدل على كفر من تولى الكفار، نقل ذلك عنه حمد بن عتيق في بعض ما كتبه (١) وقد سئل شيخ الإسلام ﵀ عن المعاون لأعداء الله فقال حكمه حكم المباشر وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وأحمد (٢).
تاسعًا: يقول ابن كثير (٣) في تفسيره، إن من يوال الكفار من دون المؤمنين ويسر إليهم بالمودة فهو كافر مرتد، ويستدل على ذلك بقول الله تعالى: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ) [آل عمران: ٢٨] إلا ما استثنى الله ممن يكره إكراها ملجئا (٤) اهـ.
عاشرًا: يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: (لو أن رجلًا أقرَّ بأن الإسلام نهى عن الشرك، ولم يفعل الشرك بنفسه، ولكنه زينه للناس، ورغبهم فيه، أليس هذا كافرا مرتدا) (٥).
وعلى هذا القول يحكم بكفر الذين يدعون إلى الأحزاب الكافرة من شيوعية، أو اشتراكية، أو بعثية، أو ماسونية، أو علمانية، أو نحو
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٢٨٨) وانظر الدرر السنية (٢/ ١٧٦).
(٢) انظر الفتاوى لابن تيمية (٣٥/ ٩١).
(٣) هو إسماعيل بن عمر بن كثير الشافعي المعروف بابن كثير (عماد الدين، أبو الفداء) ولد سنة (٧٠٠) بجندل من أعمال بصرى، ثم انتقل إلى دمشق ونشأ بها وتعلم العلم فيها فهو محدث، مؤرخ مفسر، فقيه، توفي في شعبان سنة (٧٧٤) هـ ودفن بمقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيمية رحمهما الله جميعًا رحمة واسعة من تصانيفه تفسير كبير يقع في عشر مجلدات، مختصر علوم الحديث لابن الصلاح، البداية والنهاية في التاريخ، الفصول في سيرة الرسول - ﷺ -، وجامع المسانيد جمع فيه آحاديث الكتب الستة والمسانيد الأربعة: انظر معجم المؤلفين (٢/ ٢٨٣، ٢٨٤).
(٤) انظر مختصر تفسير ابن كثير/ محمد علي الصابوني (١/ ٢٧٦)
(٥) انظر الرسائل الشخصية: محمد بن عبد الوهاب (٢٩).
[ ١ / ١٢٢ ]
ذلك، وإن لم يكونوا من المعتنقين لها والمنضمين إليها، ويلحق بذلك أيضا دعاة الدعارة والفساد في وسائل الإعلام، الذين يزِّينون الفاحشة، وهتك القيم والأخلاق الإسلامية، وإن لم يمارسوا الفساد بأنفسهم، ويطبقوه على أهليهم، لأن من كره ما أحل الله، ودعا إلى ما حرم الله، فقد استحق غضب الله عليه.
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: (لو أن إنسانا كره ما أنزل الله أو أمر الرسول - ﷺ - به أمر استحباب، وصد الناس عن ذلك كركعتي الفجر مع علمه بما قال الرسول - ﷺ - أليس هذا كافرًا مرتدًّا؟
فكيف بمن سب دين الله الذي بعث الله به جميع أنبيائه، مع إقراره ومعرفته به، ومدح دين المشركين، الذي بعث الله أنبياءه بإنكاره، وبيان بطلانه (١).
وقال الفضيل بن عياض (٢): من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج الإسلام من قلبه، ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها: ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة، وإذا علم الله من رجل أنه مبغض صاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له (٣) اهـ.
فإذا كان هذا كله في صاحب البدعة وهو على دين الله، فما بالك بمن يوالي من يدعون خصائص الألوهية في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحلَّ الله؟ ومع ذلك كله يقرهم على هذا الإدعاء، ويواليهم ويناصرهم عليه، فهذه ليست موالاة مبتدع على بدعته بل هي موالاة كافر على كفره، أو مشرك على شركه ويذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب -﵀- أنه
_________________
(١) انظر الرسائل الشخصية: محمد بن عبد الوهاب (٣٠).
(٢) انظر ترجمته في ص (١٤٤) من هذه الرسالة.
(٣) انظر في ظلال القرآن سيد قطب (٧/ ٢٧٨).
[ ١ / ١٢٣ ]
لا يحكم بالكفر إلا على من عرف التوحيد ثم عاداه، وعادى من يلتزمونه، وصد الناس عنه فيقول: (ولكن نكفر من أقر بدين الله ورسوله، ثم عاداه وصدَّ الناس عنه، فهذا الذي أكفره، وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء، إلا رجلا معاندًا، أو جاهلًا بأحكام الإسلام) (١).
ثم يقول: (نكفر من أشرك بالله، بعد ما نبين له الحجة على بطلان الشرك، وكذلك نكفر من حسَّن الشرك للناس، وأقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه، دون مشاهد الشرك، وقاتل بسيفه دونها، وأنكر وقاتل من يسعى في إزالتها) (٢).
وفي رسالة بعث بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إلى محمد بن عيد، ذكر فيها أنه يحكم بكفر من بان له أن التوحيد هو دين الله ورسوله، ثم أبغضه ونفر الناس عنه، وجاهد من صدق الرسول فيه، وكذلك من عرف الشرك وأن رسول الله - ﷺ - بعث بإنكاره، وأقر بذلك ليلًا ونهارًا، ثم مدحه وحسَّنه للناس، زعم أن أهله لا يخطئون لأنهم السواد الأعظم فحكمه الكفر (٣).
ثم يقول: وإني لا أكفر أحدا بالظن، أو بالموالاة للكفار، أو بالجهل ما لم تقم عليه حجة البلاغ (٤) اهـ.
ومفهوم كلام الشيخ ﵀ أن من قامت عليه حجة البلاغ بشأن موالاة الكفار ثم والاهم بعد ذلك فهو كافر.
ويرى قتال من أبغض التوحيد، ونفَّر الناس عنه، ومدحه وحسَّنه.
_________________
(١) انظر مجموع الرسائل الشخصية محمد بن عبد الوهاب (٥٨).
(٢) المصدر السابق (٦٠).
(٣) المصدر السابق (٢٥)
(٤) المصدر السابق المكان نفسه.
[ ١ / ١٢٤ ]
ووالى أعداء التوحيد وخصوم الإسلام، بعد معرفته له، وذلك عملًا بقوله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ) [الأنفال: ٣٩].
ثم يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: وقد أجمع العلماء على أن من سب الشرع، أو سبَّ الأذان، أو سبَّ شيئًا من أحكام الإسلام الثابتة أنه كافر مرتد (١).
وهذا يدل والكلام للشيخ، على أن الإنسان قد يكفر بكلمة أو عقيدة قلب أو فعل من أفعال الشرك.
فكيف بمن جاهد بنفسه وماله ورأيه، أهل التوحيد، وأطاع أهل الشرك والضلال؟. أليس ذلك أولى بوصف الكفر والردة عن الإسلام (٢).
ثم يقول: لو قدرنا فرضًا أن السلطان المسلم في المغرب ظلم أهل المغرب ظلمًا عظيمًا، في أموالهم وأنفسهم ورأوا أنه لا مخرج لهم بذلك إلا بالاستنجاد بالفرنج، وعلموا يقينا أنهم لا يوافقونهم إلا أن يقولوا: نحن معكم على دينكم ودنياكم، وأنكم على حق، والسلطان على باطل، وتظاهروا معهم بذلك مع أنهم لم يدخلوا في دين الفرنج حقيقة، ولم يتركوا دين الإسلام بالفعل، لكن تظاهروا بما ذكرنا، ومرادهم في ذلك دفع الظلم عنهم فلا يشك أحد أنهم مرتدون.
حيث صرحوا أن دين الكفار هو الحق، ودين السلطان الذي هو الإسلام هو الباطل، مع علمهم أن الحق والصواب عكس ما قالوا، ولكنهم قالوا ذلك كراهية للسلطان ولما فيه من ظلم (٣) اهـ.
وهذا المثال ينطبق على كثير ممن يدعون الإسلام اليوم فقد انحرف
_________________
(١) انظر الرسائل الشخصية محمد بن عبد الوهاب (٢٦).
(٢) المصدر السابق (٢٧).
(٣) المصدر السابق (٢٨).
[ ١ / ١٢٥ ]
كثير من الناس وارتدوا عن الإسلام، ووالوا أعداء المسلمين، بحجة فساد العلماء والحكام المسلمين، فانضموا إلى الأحزاب الكافرة، واعتنقوا المبادئ الضالة كوسيلة من وسائل التخلص من حكم الحكام الظالمين وتسلط العلماء النفعيين، وهؤلاء أخطئوا الطريق، فهم كالمستجير من الرمضاء بالنار، فكراهيتهم لبعض المسلمين الذين يمثلون الإسلام تمثيلًا زائفًا جعلتهم يكرهون الإسلام نفسه، وينفرون منه، وينفرون الناس عنه، لاعتقادهم الخاطئ أن الدعوة إلى الإسلام، تخدم مصالح هؤلاء الذين يتاجرون باسم الإسلام، وهذا التصور والفهم، هو غاية الجهل والسطحية والسذاجة حيث إن الإسلام حجة على الناس، وليست أعمال الناس حجة على الإسلام ولأن الإسلام يحكم على الأشخاص من خلال قيمه وتصوراته، ولا يحكم على الإسلام من خلال أفعال الناس وتصرفاتهم فسوء التطبيق للإسلام من بعض المسلمين، يجب أن لا نُحمِّل ذلك الخطأ مبدأ الإسلام نفسه، حيث إن نظرية الإسلام الأساسية قائمة على العدل والإنصاف فإذا سرق الحاكم أو ظلم، أو ارتشى القاضي وجار في حكمه، أو نافق العالم وداهن، فالإسلام برئ من كل هذه السيئات والتصرفات، لأن أحكامه تأبى مثل هذه الأعمال وتنكرها ويعتبر الأفراد مسئولين عن هذا التصرف ومجزيين عليه في الدنيا والآخرة، والإسلام برئ منهم ومن تصرفاتهم التي لا تمثله في قليل أو كثير.
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: ومن اعتقد أن لأحد من الناس طريقًا غير متابعة محمد - ﷺ - أو أنه لا يجب عليه اتباعه أو أن له أو لغيره الخروج عن اتباعه، أو قال: إن من العلماء من يسعه الخروج عن شريعة الله كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇ فقد كفر في هذا كله (١).
_________________
(١) انظر الرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب (٦٨)
[ ١ / ١٢٦ ]
ثم يقول الشيخ في موضع آخر: «إن هؤلاء الطواغيت الذين يعتقد الناس فيهم وجوب الطاعة من دون الله كلهم كفار مرتدون عن الإسلام».
كيف لا .. وهم يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله ويسعون في الأرض فسادا بقولهم، وفعلهم وتأييدهم؟ ومن جادل عنهم أو أنكر على من كفَّرهم، أوزعم أن فعلهم هذا ولو كان باطلًا، فلا يخرجهم إلى الكفر فأقل أحوال هذا المجادل أنه فاسق لأنه لا يصح دين الإسلام، إلا بالبراءة من هؤلاء وتكفيرهم (١).
قال تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: ٢٥٦].
وقد نهى الله نبيه وعباده المؤمنين عن المجادلة عمن فعل ما دون الشرك من الذنوب في قوله تعالى: (وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ) [النساء: ١٠٧] فكيف بمن جادل عن المشركين، وصد عن دين رب العالمين (٢) اهـ.
إن في تلك الآية إدانة صريحة للذين يظاهرون الكفار ويوالونهم من دون المؤمنين أن المسلم الحقيقي هو الذي لا يطلق لسانه في تمجيد الكفار وتصويب باطلهم، وهو يعلم أنهم يفعلون بالمسلمين الأفاعيل النكراء، من قتل للنفوس البريئة، ونهب للثروات الطائلة، ومتاجرة بأعراض المسلمات، فلا يتعاون مع الكفار ويمجدهم ويتعاطف معهم، ويدافع عنهم، إلا كافر مثلهم.
إن المسلم المخلص الغيور، وهو الذي ينطلق في تعامله مع الناس
_________________
(١) انظر الرسائل الشخصية محمد بن عبد الوهاب (١٨٨).
(٢) انظر الرسائل الشخصية: محمد بن عبد الوهاب (١٩٣).
[ ١ / ١٢٧ ]
من قاعدة الحب في الله والبغض في الله، فيحب أهل الإسلام وإن كانوا بعيدين عنه نسبا ووطنا، ويبغض أهل الكفر وإن كانوا قريبين منه نسبًا ووطنًا.
إن هناك فئة من الناس هي بمثابة إمعات (١) تردد ما تردده وسائل الإعلام المعادية للإسلام، فليحذر المسلم من أن يكون ببغاء يردد ما يتفوه به الأعداء، ويكون صدًى لهم في أقوالهم وأفعالهم فيخذل المؤمنين، وينصر الكافرين على المؤمنين، ومن فعل ذلك فقد استحق غضب رب العالمين فيا أهل الإسلام ويا حماة العقيدة الإسلامية، لا تغتروا بمن يتمسح بالإسلام وهو من أشد أعدائه، وألد خصومه، فتبرروا لهم أخطاءهم وتتستروا على جرائمهم فإنكم مسئولون عن ذلك أمام الله ﷿ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وقد لخص الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بعض مقالات لابن تيمية -﵀- قال في أحدها: إن من أعظم الفروق بين أهل محبة الله، وبين من يدعي محبة الله: هو اتباع الشريعة والقيام بواجب الجهاد (٢).
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: إن هؤلاء الذين يقولون التوحيد دين الله ورسوله، ثم يبغضونه أكثر من بغض اليهود والنصارى ويسبونه ويصدون الناس عنه، ويجاهدون في زواله وتثبيت الكفر بالنفس والمال والرأي، هؤلاء يجب جهادهم وقتالهم، بكل مستطاع حيث إنهم أشد من اليهود والنصارى، وهم مصدر فتنة على هذا
_________________
(١) إمعات جمع إمعة وهو الذي يقول لكل أحد: أنا معك، ولا يثبت على شيء لضعف رأيه. انظر المعجم الوسيط (١/ ٢٦).
(٢) انظر ملحق المصنفات للشيخ محمد بن عبد الوهاب (١٧).
[ ١ / ١٢٨ ]
الدين وقد أمر الله ﷿ بقتال أهل الفتنة قال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ) [البقرة: ١٩٣].
ثم يقول كيف لا يكفر من جاء إلى أهل الشرك يحثهم عليه وعلى لزومه، ويزينه لهم ويستشيرهم على قتل المؤمنين الموحدين، وأخذ مالهم ومصادرة حقوقهم؟ (١) إن الأدلة على كفر المسلم، إذا أشرك بالله، أو صار مع المشركين على المسلمين، ولو لم يشرك، أكثر من أن تحصر من كلام الله وكلام رسوله وكلام أهل العلم المعتمدين (٢).
(الحادي عشر: سئل الشيخان حسين وعبد الله (٣» (٤) ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ جميعا عمن عاهد على السمع والطاعة والموالاة في الله والمعاداة فيه، ولم يف بما عاهد عليه من الموالاة والمعاداة ولا تبرأ من دين الكفار.
فأجابا بأن حكمه الكفر والردة عن الإسلام (٥) وحول هذا المعنى يقول الشاعر سليمان بن سحمان الدوسري.
_________________
(١) انظر الرسائل الشخصية محمد بن عبد الوهاب ص (٢٧٢).
(٢) انظر الرسائل الشخصية الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٢٧٢).
(٣) هو الشيخ عبدا الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولد في الدرعية سنة (١١٦٥) ونشأ بها في كنف والده نشأة علم وصلاح فقرأ القرآن حتى حفظه ثم تفقه على والده في المذاهب الإسلامية، وبعد وفاة والده كان هو القائم مقام والده في نشر الدعوة، وتعليم طلاب العلم، وقد تخرج على يديه عشرات العلماء الذين تولوا القضاء في مناطق مختلفة في عهده، وله عدد من المصنفات منها جواب أهل السنة النبوية في نقص كلام الشيعة والزيدية، وألف مختصرا للسيرة النبوية وله رسائل متفرقة وضعت في مجاميع الرسائل والمسائل النجدية وفي أثناء حملة إبراهيم باشا على الدرعية واستيلائه عليها نقل الشيخ وابنه عبد الرحمن إلى مصر وبقي فيها تحت الإقامة الجبرية حتى توفي سنة (١٢٤٢هـ) انظر مشاهير علماء نجد عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله (٣٢: ٥٠).
(٤) انظر الدرر السنية (٨/ ١١٣، ١١٤).
(٥) انظر الدرر السنية (٨/ ١١٣، ١١٤).
[ ١ / ١٢٩ ]
ففرض على كل امرئ نصرة الهدى وقمع ذوي الإلحاد من كل ذي صد (١)
الثاني عشر: يقول الشيخ حمد بن علي بن عتيق: إن الأمور التي يصير بها المسلم مرتدا، أمران.
١ - الأمر الأول الشرك.
٢ - الأمر الثاني مظاهرة المشركين على دينهم الباطل وطاعتهم في ذلك ولم يستثن من حالات المظاهرة والطاعة إلا حالة واحدة وهي الموافقة لهم في الظاهر مع مخالفتهم في الباطن، وذلك إذا كان في سلطانهم، مع مباشرة تعذيبهم وتهديدهم له (٢) اهـ.
الثالث عشر: قال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف ﵀ إن كل من استسلم للكفار، ودخل في طاعتهم وأظهر موالاتهم فقد حارب الله ورسوله، وارتد عن الإسلام، ووجب جهاده، ولزمت معاداته (٣) اهـ وقد أجمع العلماء على أن من تكلم بالكفر هازلا أنه يكفر، كما في قصة المنافقين في غزوة تبوك، فكيف بمن أظهر الكفر وساعد على إظهاره ودعا إليه خوفًا وطمعًا في ملذات الدنيا؟ ألا يكون أولى وأحق بالكفر والردة ممن قال بضع كلمات معدودة في مناسبة محدودة؟ (٤).
_________________
(١) ديوان عقود الجواهر المنضدة الحسان/ سليمان بن سحمان (٨).
(٢) انظر مجموعة التوحيد (٢٨٦ - ٢٩٦).
(٣) انظر الدرر السنية (٧/ ١١).
(٤) انظر مجموعة التوحيد (٢٣٤).
[ ١ / ١٣٠ ]
المبحث الرابع: ارتباط الموالاة والمعاداة بالشهادتين
إن مما يجب أن يعلمه كل مسلم، أن الله افترض علينا جميعًا عداوة المشركين، وعدم موالاتهم وأوجب علينا جميعا محبة المؤمنين ومناصرتهم بالقول والفعل والاعتقاد، وأخبر أن ذلك من شروط الإيمان ومن مستلزماته العظام، فنفى الإيمان عمن يواد من حادَّ الله ورسوله، ولو كانت هذه الموادة لأقرب قريب كافر، ولذلك فمن العلماء من عدَّ الموالاة والمعاداة داخلة في معنى لا إله إلا الله، ومنهم من توقف في ذلك فيكون في هذه المسألة قولان:
القول الأول: إن المولاة والمعاداة من معاني لا إله إلا الله فقد سئل الشيخ عبد الله (١) بن عبد الرحمن أبابطين عن معنى لا إله إلا الله وعن
_________________
(١) هو الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد العزيز أبابطين ولد في بلدة الروضة من بلدان سدير في عشرين ذي القعدة سنة (١١٩٤) ونشأ بها وتعلم على يد علمائها ثم انتقل إلى شقراء وتعلم على يد قاضيها الشيخ عبد العزيز الحصين، ولما توفي سعود بن عبد العزيز بن محمد على الحرمين سنة (١٢٢٠) ولاه قضاء الطائف وكان بجانب ذلك يقوم بتعليم طلاب العلم، ثم انتقل إلى شقراء وتولى قضاء بلدان الوشم كلها، وفي عهد الإمام تركي بن عبد الله أرسله إلى بلدة عنيزة قاضيًا عليها وذلك سنة (١٢٤٨) وبقي فيها اثنتان وعشرون سنة وفي عام (١٢٧٠) رجع إلى قضاء شقراء، وقد توفي في السابع من جمادي الأولى سنة (١٢٨٢) وله من المؤلفات، مختصر بدائع الفوائد للإمام ابن القيم، وكتب حاشية نفيسة على شرح المنتهى، جاءت في مجلد ضخم، وله لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية، انظر مشاهير علماء نجد عبد الرحمن بن عبد اللطيف (١٧٦ - ١٧٨).
[ ١ / ١٣١ ]
معنى الطاغوت الذي أمرنا الله باجتنابه والكفر به، فأجاب بأن معنى الإله هو المألوه الذي تألهه القلوب وتحبه، وقد دلَّ صريح القرآن على معنى الإله وأنه المعبود كما في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلهُمْ يَرْجِعُونَ) [الزخرف: ٢٨].
قال المفسرون هي كلمة التوحيد (لا إِلَهَ إِلا اللهُ) لا يزال في ذريته من يعبد الله ويوحده، والمعنى جعل هذه الموالاة لله والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في ذرية إبراهيم، يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض وهي كلمة (لا إِلَهَ إِلا اللهُ) فتبين أن موالاة الله بعبادته والبراءة من كل معبود سواه، هو معنى لا إله إلا الله (١) اهـ.
وعلى ذلك فمن أباح الشرك، أو تولى المشركين، وذب عنهم، أو عادى الموحدين، وتبرأ منهم فهو ممن أسقط حرمة (لا إِلَهَ إِلا اللهُ) ولم يعظمها ولا قام بحقها، ولو زعم أنه مسلم، وأنه من أهلها القائمين بحرمتها (٢).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن (٣) في الآية المتقدمة إن
_________________
(١) انظر الدرر السنية (٢/ ١٤٣).
(٢) المصدر السابق (٩/ ٣٢٥).
(٣) هو الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، ولد سنة (١١٩٣) في بلدة الدرعية ونشأ بها وقرأ القرآن وحفظه وهو ابن تسع سنين ثم لازم حلق الذكر عند جده الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد توفي جده الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعمره ثلاث عشرة سنة، بعد ذلك تعلم على يدي كثير من العلماء الأجلاء ثم جلس لطلاب العلم يدرسهم علم التوحيد والفقه، وتولى قضاء الدرعية زمن الإمام سعود بن عبد العزيز وبعد سقوط الدرعية على يد إبراهيم باشا نقل الشيخ إلى مصر وذلك سنة (١٢٣٣هـ) وبقي بمصر ثمان سنوات قضاها في طلب العلم والتعليم، ثمَّ عندما استولى تركي بن عبد الله على نجد عام ١٢٤٠هـ كتب إلى الشيخ يطلب قدومه فقدم سنة (١٢٤١هـ) وتولى منصب قاضي الرياض، وتعلم على يديه خلق كثير توفي سنة (١٢٨٥) وله عدة ردود على ابن جرجيس وعثمان بن منصور وعلى عبد الحميد الكشميري، وشرح كتاب التوحيد لجده محمد بن عبد الوهاب إلى غير ذلك من الرسائل والشروح. انظر: مشاهير علماء نجد تأليف عبد الرحمن بن عبد اللطيف (٥٨ - ٦٤).
[ ١ / ١٣٢ ]
الله عبَّر على لسان إبراهيم في قوله: (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ) عن معنى (لا إِلَهَ إِلا اللهُ) وعبر عن معنى قول (لا إِلَهَ إِلا اللهُ) بقوله: (إِلا الَّذِي فَطَرَنِي) فتبين أن معنى لا إله إلا الله هو البراءة من عبادة كل ما سوى الله، وإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى (١).
ومثل ذلك ما ذكر الله عن أصحاب الكهف في قوله تعالى: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللهَ) [الكهف: ١٦] ففي قوله: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللهَ) معنى (لا إِلَهَ) وفي قوله: (إِلا اللهُ) هو المستثني في كلمة الإخلاص (٢).
ومثل ذلك أيضا قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا
_________________
(١) انظر الدرر السنية (٢/ ١١٠).
(٢) انظر الدرر السنية (٢/ ١١٠).
[ ١ / ١٣٣ ]
أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران: ٦٤] ففي قوله (أَلا نَعْبُدَ) معنى (لا إِلَهَ) وفي قوله: (إِلا اللهُ) هو المستثنى في كلمة الإخلاص، فالولاء لله يتضمن البراءة من كل ما سواه (١) اهـ.
وفي رسالة أخرى من عبد الرحمن بن حسن، وعلي بن حسين (٢) وإبراهيم (٣) بن سيف، إلى بعض الإخوان قالوا فيها: إن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، ولا يحصل ذلك إلا بالبراءة من الشرك والمشركين باطنا وظاهرا كما ذكر الله عن إمام الحنفاء ﵇ في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) [الزخرف: ٢٦، ٢٧] ومن الأدلة على هذا المعنى قول الله تعالى: (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام: ٧٨، ٧٩] وقال تعالى: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [البقرة: ١٣٥] وقال تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ
_________________
(١) الدرر السنية (٢/ ١٢٠)
(٢) هو الشيخ علي بن حسين ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولد بالدرعية وقرأ على علمائها وتولى القضاء بمدينة الدرعية في زمن سعود بن عبد العزيز وعندما استولى إبراهيم باشا على الدرعية فر المترجم له إلى عمان وقطر وأقام بها حتى تولى الإمام تركي ابن عبد الله فرجع إلى نجد وتولى قضاء حوطة بني تميم ثم نقل إلى قضاء الرياض وتوفي في آخر سنة (١٢٥٧ هـ). انظر مشاهير علماء نجد (٥٣).
(٣) هو الشيخ إبراهيم بن سيف من تلاميذ الشيخ عبد العزيز الحصين تولى القضاء في ناحية سدير من قبل الإمام عبد الله بن سعود وابنه الإمام فيصل بن تركي انظر مشاهير علماء نجد (١٦٤).
[ ١ / ١٣٤ ]
الْمُشْرِكِينَ) [آل عمران: ٦٧] وقال تعالى: (قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [آل عمران: ٩٥] وقال تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام: ١٤] وقال تعالى: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام: ١٦١].
وقال تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [النحل: ١٢٠] وقال تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [النحل: ١٢٣] وقال تعالى: (وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [القصص: ٨٧] وقال تعالى: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الروم: ٣١] وقال تعالى: (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [يونس: ١٠٥].
فتأمل تلك الآيات، ثم انظر كيف أكد الباري جل وعلا على رسله والمؤمنين بأثنتي عشرة آية في البراءة من المشركين ومدحهم بتلك الصفة، وهذا كله يدل بلا ريب على أن الله أوجب على المؤمنين البراءة من كل مشرك، وأمر بإظهار العداوة، والبغضاء للكفار عامة، وللمحاربين خاصة وحرم على المؤمنين موالاتهم والركون إليهم (١).
_________________
(١) انظر الدرر السنية (٢/ ١٢٨).
[ ١ / ١٣٥ ]
وهذه البراءة من الكفار هي حقيقة معنى «لا إله إلا الله» ومدلولها، لا مجرد قولها باللسان، من غير نفي لما نفته من صلة بالمشركين، ومن غير إثبات لما أثبتته من موالاة رب العالمين (١) فمعنى شهادة أن لا إله الا الله، نفي استحقاق العبادة -والولاء جزء منها- لغير الله ﷿، مع إثبات هذا الاستحقاق لله وحده وهو ما دل عليه قول الله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل: ٣٦].
فلا يكفي في تحقيق معنى الشهادة أن يعبد الإنسان ربه حتى يجتنب عبادة غير الله من جهة، وينفي استحقاق أي مخلوق لأي نوع من أنواع العبادة من دون الله، وهذا أمر متفق عليه ولا جدال فيه (٢).
فمن والى الكفار أو تولاهم فقد كفر، لأنه لم يحقق معنى لا إله إلا الله (٣).
وبناء على ذلك فإن الذين يتولون الكفار، ولا يعادونهم، لا يعبدون الله حق عبادته، وأنهم يشركون معه في العبادة غيره، إذ لو كانوا يعبدون الله حق عبادته لما أظهروا الرضا والمودة والمناصرة لأعداء الله وأعداء دينه من الكفار المشركين والمرتدين، فإن المسلم إذا دخل في طاعة الكفار، وأظهر المودة والموافقة لهم على الكفر، وأعانهم عليه بالمال أو السلاح أو الرجال، أو الرأي وأيدهم على ذلك، وقطع علاقته مع المسلمين، أو جعل صلته بالكفار تربو على صلته بالمسلمين، فقد خرج عن معنى لا إله إلا الله، وارتد عن الإسلام وكان حكمه الكفر، لأنه
_________________
(١) المصدر السابق المكان نفسه.
(٢) انظر مجموعة التوحيد (٢٥، ٢٦).
(٣) انظر كتاب الإيمان أركانه حقيقته نواقضه د/ محمد نعيم ياسين (١٨١، ١٨٢)
[ ١ / ١٣٦ ]
حينئذ يكون في عداد المشركين حكمًا وفعلًا، وهو لم يحقق معنى لا إله إلا الله، فينفي ما نفته، ويفعل ما أثبتته، وإن كان يقولها عشرات المرات، لأن القول الصادق يدل عليه العمل (١).
وقد سئل مؤلف رسالة «أسباب نجاة المسئول من السيف المسلول» من قبل شخص ما قال في سؤاله: نحن نقول لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ولا تكفون عن قتالنا، والكفار والأولون، إذا قالوها كف عنهم وأنتم تقولون: إنكم تقولونها وتشركون فماذا نقول حتى تكفوا عنا، أفتونا مأجورين؟ فأجاب الشيخ بقوله: إن كلمة الإخلاص هذه قيدت بقيود ثقال حيث كان «إمام» الحنفاء ﵇ لم يحصل له قول «لا إله إلا الله»، ولم تتم له المحبة والمولاة وهو إمام المحبين إلا بالمعاداة كما قال تعالى مخبرا عنه: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ) [الشعراء: ٧٥ - ٧٧] فإنه لا ولاء إلا ببراءة ولا ولاء لله إلا بالبراءة من كل معبود سواه (٢).
وهذا هو معنى لا إله إلا الله كما قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلهُمْ يَرْجِعُونَ) [الزخرف: ٢٦ - ٢٨] فأورثها إمام الحنفاء ﵇ لأتباعه يتوارثها الأنبياء بعضهم عن بعض فلما بعث نبينا محمد - ﷺ - أمره الله بقولها كما قالها أبونا إبراهيم ﵇ فأنزل الله ﷿ بها سورة كاملة هي سورة الكافرون فأمره أن يقول: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ .. إلى قوله: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ
_________________
(١) انظر كتاب الإيمان أركانه حقيقته نواقضه د/ محمد نعيم ياسين (١٨١، ١٨٢).
(٢) انظر مجموعة التوحيد (١٤٠).
[ ١ / ١٣٧ ]
دِينِ) وقد عرف المشركون ذلك حين دعاهم إلى قول لا إله إلا الله، قالوا: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) [ص: ٥].
فإن لا إله إلا الله، معناها النفي والإثبات، وحقيقتها الموالاة والمعاداة في الله (١) اهـ.
القول الثاني: قول من توقف: هل الموالاة والمعاداة من معنى «لا إله إلا الله» أم لا؟
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: إنه يجب على المسلم أن يعلم أن الله افترض عليه عداوة المشركين وعدم موالاتهم، وأوجب عليه محبة المؤمنين وموالاتهم، وأخبر أن ذلك من شروط الإيمان، ونفي الإيمان عمن يواد من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب في النسب، وأما كون ذلك من معنى لا إله إلا الله أو من لوازمها، فلم يكلفنا الله بالبحث عن ذلك، وإنما كلفنا بمعرفة أن الله فرض علينا ذلك وأوجبه وأوجب العمل به، فهذا هو الغرض الحتم الذي لا شك فيه، ومن عرف أن ذلك من معناها ولوازمها فهو حسن وزيادة خير (٢) اهـ.
وعلى هذا فالقول الثاني موافق للقول الأول من حيث المبدأ إلا أن الشيخ سليمان يرى أن البحث في هذا الموضوع لا يضيف شيئا جديدًا طالما الأمر ثابت وجوبه شرعًا، والذي يبدو لي أن كلا القولين صواب إلا أن في القول الأول زيادة توضيح للأدلة، وتأكيد لها وبيان لأهمية هذا الأمر ومقامه في الإسلام، والزيادة في توضيح النصوص الشرعية مقيدة عقلا وشرعا والله الهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (١٤١).
(٢) المصدر السابق (٥٠، ٥١)
[ ١ / ١٣٨ ]
المبحث الخامس: الموالاة والمعاداة في الله قولًا وعملًا
سبق أن ذكرنا أن الموالاة والمعاداة يقصد بهما إظهار الحب والبغض في الأقوال والأفعال والنوايا وهما بهذا الاعتبار ينقسمان إلى قسمين:
القسم الأول: ما يتعلق بالقلب والوجدان كالمحبة والمودة (١) في الموالاة، والعداوة (٢) والبغض في المعاداة.
القسم الثاني: ما يتعلق بالفعل والقول، كالنصرة بالقوة، أو بالنفس أو بالمال أو بالرأي، في الموالاة، أو بذل القول والنفس والمال في المعاداة.
ومن أجل ذلك فأساس هذه الرسالة يدور ويستند إلى عاطفة المحبة
_________________
(١) المودة أخص من المحبة حيث إن المودة هي الحب الكثير، والحب المجرد من المودة يكون أقل من المودة بدرجة أو درجات متفاوتة. انظر المعجم الوسيط (١/ ١٥١، ٢/ ١٠٣١).
(٢) العداوة أخص من البغض، لأن كل عدو مبغض، وليس كل مبغض عدو انظر المحيط المحيد بطرس البستاني (٢/ ١٣٥٣) وما يليها.
[ ١ / ١٣٩ ]
والمودة، والعداوة والبغضاء، وما يترتب على تلك الأمور من أقوال وأفعال، حيث إن الأقوال والأفعال مبينة على العواطف ومترتبة عليها، ونابعة منها، سواء كانت العواطف حسنة أم سيئة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «إن كل حركة في الوجود إنما تصدر عن محبة ورغبة، ولكنها قد تكون محبة محمودة أو محبة مذمومة والمرجع في ذلك كله إلى عرف الشرح لا إلى عرف الناس» (١) اهـ.
وقد يأخذ علينا بعض النقاد أن من سمات هذا البحث الظاهرة غلبة الناحية العاطفية فيه، وأنه يقل فيه الجدل المنطقي المبني على المقدمات والنتائج.
وللإجابة على هذا التساؤل نقول: بأن الموالاة والمعاداة تنطلق في أساسها من عاطفة المحبة والمودة، أو البغض والعداوة ثم يترتبت على ذلك وينبني عليه أمور قولية وفعلية، فالأقوال والأفعال، مرتبطة بالعواطف ارتباط الفرع بالأصل.
فمبدأ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار فإنها توجب التصورات والتصورات تدعو إلى الإرادات والإرادات تقتضي وقوع الفعل والقول، فصلاح الأقوال والأفعال مرتبط بصلاح الخواطر والأفكار وفساد الأقوال والأفعال مرتبط بهما (٢) قال - ﷺ -: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» (٣).
ولذلك عرف العلماء الإيمان بأنه «اعتقاد بالجنان ونطق باللسان وعمل
_________________
(١) انظر التحفة العراقية لابن تيمية (٣٥).
(٢) انظر الفوائد لابن القيم (١٧٣).
(٣) انظر فتح الباري (١/ ١٢٦).
[ ١ / ١٤٠ ]
بالأركان» (١) فبين هذه الجوانب ارتباط وتلازم لا يتحقق وصف الإيمان للمؤمن إلا بتحقق هذه الجوانب الثلاث.
ذلك أن العبادة في الإسلام ليست كلمة تقال باللسان، وليست هي فقط الشعائر التعبدية وحدها من صلاة وصوم وزكاة، وحج كما يظن بعض الناس.
إن النطق بالشهادتين، يقتضي العمل بموجبهما ليكون موحدًا من نطق بهما توحيدًا حقيقيًا، ومن مقتضيات شهادة التوحيد، الموالاة في الله والمعاداة فيه، فمن توجه بالولاء والمحبة والنصرة للكفار أينما كانوا فإن هذا نقض لشهادة التوحيد ولو ظل ينطقها مئات المرات.
إن التوحيد يشمل كل حياة الإنسان وعمله وكل فكره ومشاعره وحتى خلجات النفس الداخلية التي قد يخفيها الإنسان داخل نفسه، ولا يبينها ولكنها لا تخفي على الله تعالى قال تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [غافر: ١٩] ويقول الله: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣].
إن التوحيد لا يتم في حقيقة الواقع حتى تكون كل أعمال الإنسان وفكره ومشاعره مستقيمة على منهج الله مستمدة من وحي الله، وهذا يعني أن الإنسان يجب أن يكون معصوما من الخطأ ولكن الأخطاء تتفاوت فمنها ما يكون سهوا وخطأ ومنها ما يكون عمدًا وتهاونًا، ومنها ما هو من صغائر الذنوب، ومنها ما يكون كبيرًا من كبائر الذنوب، وقد يكون منها ما هو ردة وكفر، وذلك يختلف باختلاف الأفعال والنيات، ولكن التوجه بالمحبةوالمودة إلى الكفار والمشركين، وإقامة منهج الحياة والسلوك
_________________
(١) انظر شرح الطحاوية (٢٦٧).
[ ١ / ١٤١ ]
على هذا الأساس، ردة كاملة لا شبهة فيها ولا غبار عليها، حيث إن نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية تمنع موالاة الكفار جملة وتفصيلا.
فمحبة هوى النفس بغير التقيد بحب ما يحبه الله، أو بغض ما يبغضه الله، يعتبر شركا وكفرا بواحا، قال تعالى: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) [المائدة: ٤٨].
وقال تعالى: (وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا) [المائدة: ٧٧] وقال تعالى: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف: ٢٨].
وقال تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا) [الفرقان: ٤٣].
فالموالاة الحقيقية لله، والمعاداة فيه، يجب أن تدور عليهما الأعمال الظاهرة، وتنتج عنهما، فالإيمان اعتقاد بالجنان ونطق باللسان وعمل بالأركان (١).
والحب في الله والبغض في الله من أسس الإيمان وركائزه العظام، والأعمال الظاهرة تصدق ذلك أو تكذبه، وقد ربط الله ﷿ المحبة بآثارها في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) [المائدة: ٥٤] فصفة المحبين لله المحبوبين عند الله أنهم يكونون (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾
_________________
(١) انظر شرح الطحاوية (٢٦٦).
[ ١ / ١٤٢ ]
وهي صفة مترتبة على المحبة في الله، فالمؤمن مع أخيه المؤمن، سمح، ودود، هين، لين، معين، مستجيب، فهي الأخوة التي ترفع الحواجز، وتزيل التكلف، وتختلط فيها النفس بالنفس، على محبة الله ومن أجل الحب في الله، وهذا الموقف مع المؤمنين على نقيضه موقف آخر مع الكفار، فالمؤمن فيه على الكفار شماس (١) وإباء (٢) واستعلاء (٣) وغلظة، فهي ليست العزة للذات، ولا الاستعلاء للنفس إنما هي العزة للعقيدة، والاستعلاء للراية التي يقف المؤمنون تحتها جميعا في مواجهة الكافرين في كل زمان ومكان (٤) فعندما تصل المحبة في الله إلى ذروتها يصبح الجهاد في سبيله، والتضحية بالنفس والمال والأهل والعشيرة، من نتائج ذلك الحب وآثاره المشرقة.
وقد شذ بعض أهل الكلام، في مسألة الإيمان هل هو قول وعمل أم لا؟ فقالت جماعة: بأن الإيمان هو تصديق القلب فقط، وقال الجمهور: بأن الإيمان قول وعمل وعلى هذا ففي المسألة قولان:
القول الأول: قول الكرامية والجهمية، وأبي الحسين الصالحي أحد رؤساء القدرية أن الإيمان هو الإقرار باللسان أو التصديق بالجنان، وهذا القول ظاهر الفساد حيث إن المنافقين عند هؤلاء كاملي الإيمان ولازم قولهم أن فرعون وقومه كانوا مؤمنين، فقول يترتب عليه مثل ذلك يعتبر ظاهر البطلان فلا يحتاج فيه إلى مناقشة أو جدل كلامي مع هؤلاء (٥).
القول الثاني: أما القول الثاني: وهو قول الجمهور، وهو أن الإيمان هو ما يقوم بالقلب واللسان وسائر الجوارح، وقد قال بذلك الإمام مالك
_________________
(١) أي عسر في عداوته، شديد على من عاداه، وعانده السان العرب (٢/ ٣٥٨).
(٢) والإباء الامتناع والكراهية لسان العرب (١/ ١١).
(٣) أي رفعة وشرف لسان العرب (٢/ ٨٧٤).
(٤) انظر في ظلال القرآن/ سيد قطب (٦/ ٧٧٥، ٧٧٦).
(٥) انظر شرح الطحاوية (٢٦٦).
[ ١ / ١٤٣ ]
والشافعي وأحمد والأوزاعي (١) وإسحاق (٢) بن راهوية وسائر أهل الحديث وأهل المدينة وأهل الظاهر وجماعة من المتكلمين، حيث قالوا إن الإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان (٣).
وقد شذ بعض المعاصرين في هذا فقال لا يخرج من الملة إلا الكفر الاعتقادي (٤) ثم يقول: (الأصل إنه لم يوجد دليل على أن المسلم قد نقض إيمانه فتظل القاعدة العامة بالحكم له بالإسلام بمجرد النطق باللسان أي الشهادة) (٥) وعلى هذا القول: فإن الحكام الذين يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله ويحكمون بغير ما أنزل أنهم من المسلمين الذين تجب طاعتهم وموالاتهم ونصرتهم وعلى هذا القول أيضًا: إن الذين يلهبون ظهور المؤمنين بالسياط ويمزقون أجسادهم بوسائل التعذيب ويفرغون ما بجعبة بنادقهم في أجسامهم الطاهرة إن هؤلاء من عموم المسلمين وإنه يكفي لتكفير تلك السيئات مجرد النطق بالشهادتين دون العمل بمضمونها، إنه لا بد أن يفهم كل مسلم ويدرك كل مؤمن، أن هناك فرقا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، بين المؤمنين الأبرار، والكافرين الفجار، بين أهل الطاعة وأهل المعصية، في المعاملة والتعامل معهم، فهذا أصل عظيم من أعظم ما يجب الاعتناء به على المسلم فردا كان أو جماعة، أو دولة.
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي الدمشقي «أبو عمرو» ولد ببغداد سنة ٨٨ هـ وأقام بدمشق ثم تحول إلى بيروت فسكنها مرابطا إلى أن توفي بها سنة ١٥٧ هـ من آثاره: كتاب السنن في الفقه، والمسائل في الفقه. انظر، معجم المؤلفين عمر رضا كحالة (٥/ ١٦٣).
(٢) هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن عبد الله المعروف بابن راهويه «أبو يعقوب» ولد سنة ١٦١ هـ وأصبح محدثا فقيها رحل إلى الحجاز وله مع الشافعي مناظرة في بيوت مكة، توفي سنة ٢٣٧هـ من تصانيفه المسند، وكتاب التفسير انظر معجم المؤلفين عمر رضا كحالة (٢/ ٢٢٨).
(٣) انظر شرح الطحاوية (٢٦٦).
(٤) انظر الحكم وقضية تكفير المسلم/ سالم علي البهنساوي (٤٥).
(٥) المصدر السابق (٥٤).
[ ١ / ١٤٤ ]
لأنه قد دخل بسبب المساواة في التعامل بين الأخيار والأشرار، من الكفر والفسوق والعصيان ما يعلمه إلا الله في بلاد المسلمين، حتى صار منهم معاونين لأهل البغي والفساد، ظنا منهم أنهم إذا كانت لهم أحوال من الصلاح في تأدية بعض شعائر العبادة فإن ذلك يكفي عن أعمال القلب والجوارح في مسألة الحب في الله والبغض فيه، وما علم أولئك أن الله قد فرق بين أهل طاعته وأهل معصيته، على أساس أعمالهم، قال تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية: ٢١] وقال تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [القلم: ٣٦] وقال تعالى: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص: ٢٨] فقرن تعالى في الآية الأولى والأخيرة بين الإيمان والعمل وبين اختلاف العمل بينهما ثم بين نتيجة كل عمل ومآله.
والإيمان يزيد وينقص، والعمل تابع له في ذلك، فمن الأعمال ما يزيد الإيمان بها، ومنها ما تنقصه حتى ينتهي الإنسان إلى الكفر والردة أعاذنا الله من ذلك.
فإيذاء المسلم بالقول والعمل سبب في نقص الإسلام أو نفيه بالكلية قال رسول الله - ﷺ -: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (١).
وقد سأل الشيخ حسين والشيخ عبد الله أبناء الشيخ محمد -﵏- عمن قال: لا أتعرض لمن قال: لا إله إلا الله ولو فعل الكفر والشرك وعادى دين الله.
_________________
(١) رواه مسلم: انظر صحيح مسلم (١/ ٦٥) كتاب الإيمان.
[ ١ / ١٤٥ ]
فأجابا: بأن هذا وأمثاله لا يكون مسلما (١) بل هو ممن قال الله فيهم: (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) [النساء: ١٥١].
وقال الحسن البصري (٢) ﵀: «ليس الإيمان بالتحلي، ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل» (٣) وذلك أن الله تعالى يقول: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر: ١٠] اهـ.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ليس المراد بقول لا إله إلا الله قولها باللسان مع الجهل بمعناها، وترك العمل بمقتضاها فإن المنافقين يقولونها وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار، مع أنهم يصلون ويتصدقون.
ولكن المراد بقولها مع معرفة القلب لمعناها ومحبته لها، ومحبة أهلها وبغض من خالفها ومعاداته (٤) اهـ.
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٢٨٤) وانظر الدرر السنية (٨/ ١١٢).
(٢) هو الحسن بن يسار البصري، تربى في بيت النبوة فقد ولد سنة (٢١) بالمدينة ونشأ بها في كنف علي بن أبي طالب ﵁ وقد خرجت به أمه يوما إلى الصحابة ﵃ وكان ممن دعا له عمر بن الخطاب ﵁ فقال: اللهم فقهه في الدين وحببه إلى الناس، سكن البصرة وكان مثالا للعالم المتبحر المتجرد الصدوق المخلص، وكان له مواقف مع الحجاج وابن هيبرة وغيرهم من الولاة وله مواعظ جمة جمع فيها بين جزالة اللفظ وقوة المعنى وحسن الإيجاز توفي ليلة الجمعة من غرة رجب سنة ١١٠. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان (١/ ١٢٨، ١٢٩). وانظر: صور من حياة التابعين د/ عبد الرحمن رأفت الباشا (٢/ ٦ - ٣٦).
(٣) انظر مجموعة التوحيد (٢٤، ٢٥).
(٤) انظر مجموعة التوحيد (١٠٨).
[ ١ / ١٤٦ ]
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: إنه لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى: «لا إله إلا الله ومقتضاها» (١) اهـ.
ويقول الشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن المسلم ليقول في اليوم والليلة أكثر من سبع عشرة مرة (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) [الفاتحة: ٦، ٧] ولكنه مع ذلك قد يكون من المغضوب عليهم ومن الضالين بلسان حاله وفعاله (٢) اهـ.
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: (إن الناس ثلاثة أصناف، منعم عليهم، ومغضوب عليهم، وضالون).
فالمغضوب عليهم، أهل علم ليس معه عمل، والضالون أهل عبادة ليس معها علم، والآيات وإن كان سبب نزولها في شأن اليهود والنصارى فهي عامة لكل من اتصف بذلك الوصف، ما عدا صفة المؤمنين، وهي الجمع بين العلم والعمل (٣) اهـ.
وقال الشيخ إسحاق (٤) بن عبد الرحمن بن حسن ﵀: إن مجرد الإتيان بالشهادتين من غير علم بمعناهما، ولا عمل بمقتضاهما لا يكون به المكلف مسلما، بل هو حجة عليه، خلافا لمن زعم أن مجرد الإقرار كاف بذلك، كالكرامية، أو مجرد التصديق كاف في دخول الإنسان
_________________
(١) المصدر السابق المكان نفسه.
(٢) انظر التحفة العراقية لابن تيمية (٤١).
(٣) انظر مجموعة التوحيد (٢٠).
(٤) هو الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب ولد بمدينة الرياض (١٢٧٦) ونشأ بها وأخذ العلم عن أخيه عبد اللطيف وعن جمع من العلماء ورحل إلى الهند سنة (١٣٠٩) وأخذ عن علماء الهند ثم رجع وأخذ عنه العلم وجمع من طلاب العلم وله بعض الردود القصيرة توفي في شهر رجل سنة (١٣١٩) بمدينة الرياض انظر مشاهير علماء نجد عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله (٩٥).
[ ١ / ١٤٧ ]
في مسمى الإسلام، كالجهمية ونحوهم، وقد أكذب الله المنافقين فيما أتوا به وزعموه من الشهادة، وأكد على كذبهم مع أنهم أتوا بألفاظ مؤكدة بأنواع من التأكيدات (١).
قال تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) [المنافقون: ١] وقال تعالى في عاقبتهم رغم نطقهم وادعائهم الإيمان: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) [النساء: ١٤٥].
ومن هذا يتضح أن مسمى الإيمان لا بد فيه من التصديق والعمل وأن من شهد أن لا إله إلا الله، وعبد غيره، لا شهادة له، وإن صلى وزكى، وصام وزعم أنه مسلم.
لأن الكفر نوعان:
١ - كفر مطلق.
٢ - كفر مقيد.
فالكفر المطلق: هو الكفر بجميع ما جاء به الرسول - ﷺ -.
والكفر المقيد: هو أن يكفر ببعض ما جاء به الرسول - ﷺ - حتى أن بعض العلماء كفروا من أنكر فرعا مجمعا عليه كتوريث الجد أو الأخت، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم (٢)، فكيف بمن يبيح الحرمات، أو يقر بوجودها مع علمه بها، كالربا، أوالزنا، أو الخمر؟
ثم كيف حال من يستبيح لنفسه أو لغيره قتل النفوس المؤمنة
_________________
(١) انظر الدرر السنية (١/ ٢٦١).
(٢) انظر الدرر السنية (١/ ٢٦١).
[ ١ / ١٤٨ ]
البريئة ويسعى في محاربة الله ورسوله والمؤمنين، عبر وسائل متعددة وأجهزة مختلفة، يعادي أولياء الله ويطاردهم، ويوالي أعداء الله ويقربهم، ثم يضحك على البسطاء بالتمسح بظاهر الإسلام، وهو من أشد وألد الأعداء للإسلام والمسلمين.
ولقد أجمعت الأمة الإسلامية على كفر (بني عبيد الله المهدي) المسمين ببني عبيد القداح، مع أنهم يتكلمون بالشهادتين ويصلون ويبنون المساجد في قاهرة مصر، وغيرها من المدن المصرية، وقد ذكر أن ابن الجوزي (١) صنف كتابا في وجوب غزوهم، وقتالهم سماه النصر على مصر نظرا لما ارتكبه هؤلاء من بدع وضلالات (٢).
وقد أجمع الصحابة ﵁ أن من أقر بنبوة مسيلمة الكذاب أنه مرتد، ولو بقي ينطلق الشهادتين، وأن من يشك في ردته فهو كافر (٣).
وقد عدوا من أصناف المرتدين الفجأة السلمي حيث وفد على أبي بكر ﵁ وذكر أنه يريد قتال المرتدين فأمده أبو بكر بالسلاح والرواحل، فاستعرض السلمي المسلم والكافر، يقتل من لقى منهم ويأخذ ماله، فوصل الخبر إلى أبي بكر ﵁ فجهز جيشا لقتاله، فلما أحس السلمي بالجيش قال لأمير الجيش: أنت أمير أبي بكر وأنا أميره
_________________
(١) هو عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي القرشي التميمي البكري البغدادي، الحنبلي المعروف بابن الجوزي جمال الدين أبو الفرج محدث، حافظ مفسر فقيه واعظ أديب، مؤرخ مشارك في أنواع العلوم، ولد ببغداد سنة (٥١٠) وتوفي بها ودفن بباب حرب بلغت مؤلفاته مائة واثنين وتسعين مؤلفًا في مختلف العلوم والمعارف. انظر: زاد المسير في علم التفسير (١/ ٢١ - ٣١). وانظر: معجم المؤلفين/ عمر رضا كحالة (٥/ ١٥٧).
(٢) انظر الدرر السنية (١/ ٢٦٢).
(٣) انظر مجموعة التوحيد (٢٥).
[ ١ / ١٤٩ ]
ولم أكفر، فقال أمير الجيش إن كنت صادقا فألق السلاح فألقاه فبعث به قائد الجيش إلى أبي بكر فأمر بتحريقه بالنار وهو حي (١).
فإذا كان هذا حكم الصحابة ﵃ في هذا الرجل مع إقراره بأركان الإسلام، فما ظنك بمن لم يقر من الإسلام بكلمة واحدة سوى قول لا إله إلا الله بلسانه في بعض المناسبات، مع تكذيبه لها بأفعاله (٢) وقد قال أحد رجال البادية عندما قدم على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فسمع منه التوحيد، وعرف ما كان عليه قومه من الشرك، قال: أشهد أن قومي كفار، وأن مطوعهم الذي يسميهم أهل الإسلام أنه كافر (٣) فأطلق على قومه وعلى إمامهم الكفر رغم أنهم يؤدون الشهادتين مع ثباتهم على لفظها، ولكنه أدرك بالفطرة السليمة أنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا وهو الشرك، فقال فيهم ما قال، وقد أقره على ذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ نظرا لما كانوا متمسكين به من بدع وانحرافات تؤدي بالمتمسك بها إلى الشرك.
والنطق بالشهادتين لا يكفي للكف عن قتال من لم يمتثل ببقية أركان الإسلام وواجباته بدليل قوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ) [البقرة: ١٩٣] وقوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ) [الأنفال: ٣٩] قال المفسرون في معنى فتنة كفر وشرك (٤) ومعنى قوله: (وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ) وقوله: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ) أي: يكون
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٢٦).
(٢) انظر مجموعة التوحيد (٢٦).
(٣) المصدر السابق المكان نفسه.
(٤) انظر تفسير القرطبي (٢/ ٣٥٣، ٣٥٤) وانظر مختصر تفسير ابن كثير محمد علي الصابوني (١/ ١٧٠).
[ ١ / ١٥٠ ]
دين الله هو الظاهر العالي على سائر الشرائع والأنظمة، في كافة وجوه الحياة (١).
وقد أطلق الله ﷿، على تارك الحج بدون عذر الكفر، قال تعالى: (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران: ٩٧] وقد قاتل أبو بكر ﵁ مانعي الزكاة وهم يقولون لا إله إلا الله، ولكنهم حين امتنعوا عن دفع الزكاة أصبح نطقهم لها لا تأثير له عليهم، في عصمة الدم والمال، ولا في اعتبارهم من أهل الإسلام (٢) قال تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) إلى قوله: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [التوبة: ٥] فبين ﷾ أنه لا يخلى سبيلهم حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ولم يكتف بالنطق بالشهادتين، ووافق ما دلت عليه هذه الآية، الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» (٣).
ومما تقدم يتبين أن المسلم إذا حدث منه قول أو فعل أو اعتقاد يناقض أركان الإسلام وأصوله، لم ينفعه مجرد النطق بالشهادتين، كما قال تعالى للذين تكلموا بالكلام السيئ في غزوة تبوك: (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [التوبة: ٦٦]، وقال تعالى عن المنافقين: (يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ) [التوبة: ٧٤].
_________________
(١) المصدرين الساقين المكان نفسه.
(٢) انظر مجموعة التوحيد (١٤٥، ١٤٦).
(٣) انظر صحيح مسلم (١/ ٥٣).
[ ١ / ١٥١ ]
فدلت الآية على أن المنافقين كفار في الواقع وإن كانوا في الظاهر يتظاهرون بالإسلام، ودلت أيضا على أن الكفر يكون بكل ما ينقض التصديق والمعرفة بلا إله إلا الله، إلا ما ورد التخصيص بكونه لا يخرج من الإسلام كبعض الذنوب، ما لم يستبح الإنسان فعل ما حرم الله، فمن أباح المحرم أو حرم المباح، فقد كفر بما أنزل الله على رسوله، حيث يعد فعله هذا استدراك على الله وتجهيل للبارئ ﷿ فيما شرع وأنزل، وهذا من أشد أنواع الكفر وأقبحها (١).
فإذا كان في هاتين الآيتين المتقدمتين تكفير لأناس ينطقون بالشهادتين، ويؤدون أركان الإسلام، ويخرجون للجهاد فيه، وبمجرد قولهم لكلمات قليلة في الباطل، حكم الله عليهم بالكفر، فأين موقع أهل زماننا الذين جعلوا السخرية بالدين وأهله مادة لهم في صحفهم، وإذاعاتهم، ووسائل أعلامهم عامة، ولم يكتفوا بذلك، بل شنوا حرب الإبادة والتنكيل على كل مسلم غيور، وحاصروه في كل صقع من أصقاع الأرض، إن تلك الأدلة المتقدمة سقناها إلى الذين يحسبون الإسلام تمتمات جوفاء وهمهمات خاوية ناسين أو متناسين أن الإيمان هو ما وقر في القلب وصدقة العمل (٢).
وحول هذا المعنى يقول الشاعر سليمان بن سحمان الدوسري ما يلي:
أو ما ترى أن القلوب إذا امتلت حبا وإيمانا لها أنوار
ولها بذلك غيرة فتغار من رؤيا المعاصي والسعيد يغار
إظهار هذا الدين تصريح لهم بالكفر إذ هم معشر كفار
وعداوة تبدو وبغض ظاهر يا للعقول أما لكم أفكار
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي (٨/ ٢٠٧).
(٢) انظر في هذا المعنى كتاب الإيمان وأثره في نهضة الشعوب يوسف العظم (١٩).
[ ١ / ١٥٢ ]
هذا وليس القلب كافٍ بغضه والحب منه وما هو المعيار
لكنما المعيار أن تأتي به جهرا وتصريحا لهم وجهار (١)
_________________
(١) ديوان عقود الجواهر المنضدة الحسان (٧٦، ٧٧).
[ ١ / ١٥٣ ]
المبحث السادس: حكم موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين
إن الحكم على الأشياء لا يستند إلى قضايا اجتهادية ظنية وإنما يشتق من أدلة قطعية، ونصوص ثابتة، من الكتاب والسنة، وقد دل الكتاب والسنة على وجوب موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين.
قال تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) [المائدة: ٥٥، ٥٦].
قال ابن سعدي وغيره في تفسير هذه الآية: إن الله ﷿ نهى عن ولاية الكفار، من اليهود والنصارى وغيرهم من باب أولى، وذكر أن مآل توليهم هو الخسران المبين في الدنيا والآخرة، وأخبر تعالى عن الذين يجب ويتعين علينا توليهم دون غيرهم فقال تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ
[ ١ / ١٥٤ ]
وَالَّذِينَ آمَنُوا) فكل من كان مؤمنا تقيا، كان لله وليًا، ومن كان لله وليا، فهو ولي لرسوله والمؤمنين.
ومن تولّ الله ورسوله، كان تمام ذلك تولي من تولاه الله ورسوله وهم المؤمنون، الذين قاموا بالإيمان ظاهرا وباطنا، وأخلصوا للمعبود بإقامتهم لواجبات الإسلام.
وقد أفادت أداة الحصر في قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) أنه يجب قصر الولاية على من ذكرهم الله تعالى في الآية والتبري من ولاية غيرهم (١) اهـ.
قال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [التوبة: ٧١].
يقول سيد قطب ﵀ في هذه الآية: إن القرآن الكريم يأمر المسلم ويرشده إلى وجوب إخلاص ولائه لربه ولرسوله - ﷺ - ولعقيدة الإسلام، وجماعة المسلمين، وعلى ضرورة المفاصلة الكاملة بين الصف الإسلامي الذي يقف فيه المؤمن، وبين كل صف لا يرفع راية الإسلام ولا يتبع قيادة الرسول - ﷺ - ولا ينضم إلى حزب الله، إن موالاة الفرد ومحبته لغير الجماعة المسلمة معناه الارتداد عن دين الله، والنكول عن طريق الإسلام، الوقوفع في دائرة أولياء الشيطان، أعاذنا الله من ذلك (٢) اهـ.
وعن موالاة الكفار بعضهم لبعض، وعدم جواز دخول المؤمنين معهم
_________________
(١) انظر تفسير ابن سعدي (٢/ ٣١١) وانظر تفسير القرطبي (٦/ ٢٢١) وانظر زاد المسير في علم التفسير عبد الرحمن بن الجوزي (٢/ ٣٨٣) وانظر مختصر تفسر ابن كثير محمد علي الصابوني (١/ ٥٢٨) وانظر فتح القدير (٢/ ٥٣).
(٢) انظر في ظلال القرآن سيد قطب (٦/ ٧٥٦).
[ ١ / ١٥٥ ]
في الموالاة، يقول الله تعالى مخبرا عن ذلك: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) [الأنفال: ٧٣].
فأشار ﷾ إلى قطع الموالاة بين المؤمنين والكافرين وأن الكفار بعضهم أولياء بعض، كما أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض وهذه حقيقة ثابتة لا يشك فيها إلا مرتاب، فهل يمكن أن يرفع علم الجهاد ويدحر أهل البغي والفساد، وأن يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر، بدون الحب في الله والبغض في الله، وبدون الموالاة في الله والمعاداة فيه؟
إنه لو كان الناس متفقين على طريقة واحدة، ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء لم يكن هناك فرق بين أهل الحق وأهل الباطل، ولا بين المؤمنين والكافرين، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (١).
وعلى هذا فلا بد أن يكون للمؤمن أعداء يبغضهم في الله، وأولياء يحبهم في الله، لأن الأرض لا تخلو من أعداء الله وأعداء الإسلام والمسلمين، فما خلت منهم زمن الرسل والأنبياء، فكيف بأزمان الفتنة في آخر الزمان؟
قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) [الأنعام: ١٢٢] فالدنيا هي دار الصراع بين الحق والباطل وابتلاء الأخيار، بالأشرار، والمؤمنين بالفجار.
أما الدار الآخرة فهي الدار التي لا معاداة فيها ولا بغضاء، قال تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) [الحجر: ٤٧].
_________________
(١) انظر: مجموعة التوحيد (١١٧، ١١٨).
[ ١ / ١٥٦ ]
أما الدنيا فلا بد فيها من محبة المؤمنين وعداوة الكافرين، فقد ورد في الأثر أن الله أوحى إلى نبي من الأنبياء، أن قل لفلان العابد: أما زهدك في الدنيا فتعجلت راحة نفسك، وأما انقطاعك إليّ فتعززت به، ولكن هل عاديت في عدوا، وواليت في وليا؟ (١)، وقال عبد الله (٢) بن عمر ﵄ «لو صمت النهار لا أفطر، وقمت الليل لا أنام، وأنفقت مالي علقا علقا في سبيل الله، ثم أموت وليس في قلبي حبا لأهل طاعته، وبغضا لأهل معصيته، ما نفعني ذلك شيئًا» (٣) اهـ.
وقال الفضيل (٤) بن عياض في بعض كلامه: هاه! تريد أن تسكن الفردوس، وتجاور الرحمن في داره مع النبيين، والصديقين والشهداء والصالحين، بأي عمل عملته؟ بأي شهوة تركتها؟ بأي غيظ كظمته؟ بأي رحم قاطعة وصلتها؟ ثم قال: بأي قريب باعدته في الله؟ بأي بعيد قربته في الله (٥) اهـ.
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (١١٧).
(٢) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي أسلم مع أبيه صغيرا، وهو لم يبلغ الحلم ولم يشهد بدرا لصغر سنه، وأول مشاهده الخندق وشهد غزوة مؤتة مع جعفر بن أبي طالب ﵃ جميعا، وشهد اليرموك وفتح مصر وأفريقية توفي عبد الله بن عمر سنة (٧٣ هـ) وهو ابن اربع وثمانين سنة انظر أسد الغابة لابن الأثر (٣/ ٢٢٧، ٢٣١).
(٣) انظر فضيلة الألفة والأخوة مخطوطة بجامعة الرياض برقم (١٦٠٥) الورقة (٧٠) المؤلف غير معروف كتبت تقريبا في القرن التاسع الهجري.
(٤) هو الفضيل بن عياض أبو علي التميمي أحد الأئمة العباد الزهاد ولد بخراسان بكورة دينور، وقد الكوفة وهو كبير، ثم انتقل إلى مكة فتعبد بها، وكان حسن التلاوة وكثير الصلاة والصيام، وكان له مع الرشيد قصة حيث دخل الرشيد عليه منزلة وأعطاه المال فرفض ذلك، توفي في مكة في شهر محرم سنة (١٨٧ هـ) انظر البداية والنهاية لابن كثير (١٠/ ١٩٨، ١٩٩).
(٥) انظر فضيلة الألفة والأخوة، مخطوطة بجامعة الرياض برقم (١٦٠٥) الورقة (٧٨) المؤلف غير معروف، كتبت في القرن التاسع الهجري تقريبًا.
[ ١ / ١٥٧ ]
وكون المسلم يستشعر دائما عداوة الكفار، والمنافقين والمرتدين ليس معنى ذلك أن يعيش في كآبة وحزن وضجر وضيق ومعاناة طيلة حياته نتيجة مشاهداته لأعمال أهل الكفر واختلاطه بالكفار، وإنما المقصود من عداوة الكفار وإضمار العداوة لهم وملازمة هذا الشعور نحوهم، هو أن يتحول الشعور بعداوتهم إلى عمل مثمر بناء، وذلك بالسعي الجاد لإخراج من يريد الله هدايته من صف الكفار إلى صف أهل الإسلام، بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والأسوة الكريمة، ومن رفض قبول الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وجب مع استعمال الأسلوب الثاني من أساليب الدعوة وهو الجهاد، الذي شرعه الله بتحرير العقول من أن نستبعد لغير خالق العباد.
فمعاداة الكافرين في الإسلام وسيلة لشحذ الهمم في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، وهي كذلك وسيلة لمحافظة المسلم على خصائص الإسلام ومميزاته، فلا يتأثر بنظم الكفر وتصوراته الجاهلية نظرا لما يكنه لأولئك ولنظمهم من موقف عدائي بخلاف ما لو فقد الشعور نحوهم بالبغض والعداوة فإنه عندئذ يستحسن أقوالهم وأفعالهم ويتأثر بهم وهذا أمر مشاهد وتجربة ماثلة للعيان، فالذي يجاري الكفار في بعض الأمور ويقلدهم في أقوالهم، وأفعالهم أقل عداوة وبغضا لهم، ممن يفاصلهم مفاصلة تامة.
فالشعور بالعداء نحو الأعداء ليس عملا سلبيا، إذا أحسن استغلاله في إطار أمة منظمة ملتزمة بعقيدة ومنهج معين.
ولذلك شواهد من التاريخ الواقعي.
فالصليبيون في الأندلس ظلوا يضمرون العداء للمسلمين طيلة ثمانية قرون من الزمن حتى تغلبوا على المسلمين وأبادوهم إبادة تامة وفر من فر من البقية الباقية إلى شمال أفريقيا، فلم تمت عداوتهم للمسلمين طيلة هذه القرون العديدة ولم يذوبوا أو ينصهروا مع المسلمين، وعندما هجم
[ ١ / ١٥٨ ]
الصليبيون واستولوا على الشام والقدس قرابة قرنين من الزمن، لم تخمد نار العداوة لهم في قلوب المؤمنين، حتى هيأ الله لهم الخلاص على يد صلاح الدين الأيوبي، واليهود الذين يستحلون فلسطين اليوم وعلى رأسها القدس لم يفعلوا ذلك إلا عداوة للمسلمين وحقدا عليهم وتشفيا منهم، فشعورهم بالعداء نحو المسلمين، جعلهم عبر ثلاثة عشر قرنا يبحثون عن الفرصة السائحة التي ينقضون فيها على المسلمين فيذلونهم كما دمر المسلمون أسلافهم وقد قالوا ذلك عندما استلوا على القدس عام (١٣٨٧هـ ١٩٦٧) يوم بيوم خيبر، يا لثارات خيبر محمد مات وخلف بنات (١).
والجنرال الصليبي غورو، عندما تغلب على جيش ميسلون خارج دمشق توجه فورا إلى قبر صلاح الدين الأيوبي عند الجامع الأموي وركله برجله القذرة وقال له ها قد عدنا يا صلاح الدين (٢) اهـ.
فكيف يكون أهل الباطل محتفظين بعداوتهم للإسلام والمسلمين عشرات القرون مستغلين كل الطرق والوسائل الظاهرة والخفية لترجمة هذه العداوة إلى عمل واقعي مشهود في دنيا الإسلام والمسلمين، أما المسلمون وللأسف الشديد فإنهم سريعا ما ينسون اليد التي تصفعهم والقدم التي تركلهم (نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [الحشر: ١٩].
إن تهاون بعض المسلمين في واجب الموالاة والمعاداة في الله ليس بنتيجة لجهلهم بحكم موالاة المؤمنين، أو معاداة الكافرين، إنما الباعث الحقيقي على ذلك هو تقاعسهم عن تأدية الواجب الشرعي في ذلك حيث قد تكون مصالحهم أو أهواؤهم متعارضة مع أوامر الله في الموالاة أو
_________________
(١) انظر قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام أبيدوا أهله تأليف جلال العالم (٩، ١٥، ٢٩).
(٢) انظر القومية والغزو الفكري تأليف محمد جلال كشك (٨٤).
[ ١ / ١٥٩ ]
المعاداة كما هو الحال في واقع معظم الناس اليوم الذين يحبون للدنيا ويبغضون للهوى، بعيدا عن مجال الحب في الله والبغض فيه، إن الحب في الله والبغض فيه، هو الحب والبغض الذي يتعدى العلاقات الأجبارية من علاقة العمل أو الجوار أو النسب، فالإنسان قد يحب أحدا من هؤلاء لمصلحة دنيوية فقط، أو لتوافق الطباع السيئة بينهما كما قد يكره أحدا من هؤلاء للمصلحة دنيوية، أو لاختلاف النفوس والرغبات بينهما، وهذا النوع من الحب والبغض وإن كان هو السائد في مجتمعنا المعاصر فهو ليس من قبيل الحب في الله، أو البغض فيه.
فالحب في الله والبغض فيه، أوسع دائرة من ذلك كله فهو حب وبغض على مستوى العالم أجمع، وعلى مستوى الحياة كلها فالحب في الله هو حب أهل الإيمان في أي زمان ومكان، وموالاتهم ومناصرتهم على ذلك.
والمعاداة في الله هي معاداة وبغض أهل الكفر والعصيان في كل زمان ومكان
ومما تقدم عرضه يتضح أن من أحب في الله، فلا بد أن يبغض في الله فإذا أحببت عبدا لأنه مطيع لله، ومحبوب عند الله فلا بد أن تبغض الضد وتعاديه وذلك أمر لا يحتاج إلى جدال، لأن المتضادات لا يوجد أحدها إلا بانتفاء الآخر، والحب والبغض من الأمور التي فطرت عليها النفس البشرية فلا يخش على الناس من تلاشى هاتين الصفتين، أو إحداهما ولكن الخطر الحقيقي يكمن في صرف تلك الصفتين عن إطارهما الصحيج، وما يجب أن يستخدما فيه من حب في الله وبغض في الله، إلى الحب المزيف والبغض المزيف كما هو شأن أهل الجاهلية قديمًا وحديثًا (١).
_________________
(١) انظر (٣٧ - ٤٦) من هذه الرسالة.
[ ١ / ١٦٠ ]
وحيث تقرر بما لا يدع مجالا للشك، وجوب موالاة المؤمنين، ومعاداة الكافرين، فقد أكد الله على ذلك، وجعل هذا الأمر من سمات المؤمنين العملية، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) [المائدة: ٥٤] وقال تعالى (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح: ٢٩].
قال بعض المفسرين: إن من يتول الكفار منكم أيها المسلمون فيرتد بالموالاة لهم، فليعلم أن الله تعالى، يأتي بقوم آخرين ينصرون هذا الدين على أبلغ الوجوه.
وقال الحسن: علم الله تعالى أن قوما يرجعون عن الإسلام بعد دخولهم فيه، بسبب موالاتهم للكفار، فأخبر هؤلاء بأنه ﷾ غني عنهم، وأنهم لن يضيروا (١) الإسلام شيئا بنكولهم عنه، حيث إنه تعالى سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، وأن هؤلاء بردتهم تلك لن يضروا سوى أنفسهم، بحرمانها من منهج الحق والصواب.
وقد وصفت آية المائدة السابقة المؤمنين المحبوبين عند الله المحبين له بأنهم أذلة أي: جمع ذليل؛ لأن ذلول والذل نقيض الصعوبة لا يجمع على أذلة، وإنما يجمع على ذلل، وليس المراد أنهم مهانون عند المؤمنين بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق ولين الجانب، فإن من كان ذليلا عند إنسان فإنه لا يظهر الكبر والترفع عليه ألبتة.
ولتضمن الذل معنى الحنو والعطف، وعدي بعلى دون اللام، كأنه
_________________
(١) يضيروا بمعنى: يضروا، لسان العرب (٢/ ٥٥٩).
[ ١ / ١٦١ ]
قيل عاطفين عليهم، والمراد أنهم مع شرفهم واستعلاء حالهم، واستيلائهم على المؤمنين، خافضون لهم أجنحتهم، ليضموا إلى شرف منصبهم فضيلة التواضع أعزة على الكافرين، أي يظهرون الغلظة والترفع على من كفر بالله، قد اجتمعت هممهم وانعقدت عزائمهم، على معاداة أهل الكفر وحربهم، وبذلوا كل جهد يحصل به الانتصار عليهم (١).
وقد: أكد الله هذا المعنى بعدد من آيات القرآن الكريم منها قول الله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) [التوبة: ١٢٣].
وقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) [التوبة: ٧٣] فهذه الآيات وغيرها مما تقدم فيها الدليل القاطع على وجوب موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين، وأن ذلك من مطالب الإسلام ومقاصده الأساسية.
إن أهم ما يميز المسلم عن غيره، هو الولاء في الله، فلا الصلاة ولا الزكاة ولا الحج ولا الصوم، ولا غير ذلك من أعمال الإسلام تجعل المسلم مستقيم الإسلام، إذا نقض ولاءه لله وجماعة المسلمة قال رسول الله - ﷺ -: «من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم» (٢).
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (١١٥) وانظر تفسير القرطبي (٦/ ٢٢٠) وانظر (١٦/ ٢٩٢، ٢٩٣) من الكتاب نفسه، وانظر زاد المسير في علم التفسير (٢/ ٣٨١، ٣٨٢) وانظر (٧/ ٤٤٥) من الكتاب نفسه، وانظر مختصر تفسر ابن كثير للصابوني (١/ ٥٢٧) وانظر (٣/ ٣٥٥) من الكتاب نفسه، وانظر تفسير ابن سعدي (٢/ ٣٠٨) وانظر (٧/ ١١٠، ١١١) من الكتاب نفسه وانظر فتح القدير للشوكاني (٢/ ٢١) وانظر حاشية تفسير الطبري (٦/ ١٦٢) (١ المطبعة الأميرية).
(٢) رواه أحمد بهذه الزيادة وهي وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم روى البخاري الحديث بدون هذه الزيادة، انظر فتح الباري (١٣/ ٥)، وانظر مسند الإمام أحمد (٤/ ٢٠٢).
[ ١ / ١٦٢ ]
ولذلك فإننا نلاحظ أن كل مرة ذكرت فيما كلمة حزب الله في القرآن الكريم، إنما ذكرت بجانب الولاء مقيدة فيه مما يدل على أن الولاء لله ﷿ هو الميزان الذي يوزن به إيمان الإنسان بالله، قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) [المائدة: ٥٦] وقال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [المجادلة: ٢٢] فهاتان الآيتان، بينتا أنه لا يكون الإنسان من حزب الله إلا إذا حرر ولاءه ومودته فلم يعطهما لعدو الله، مهما كان نوعه، بل الواجب على كل مسلم أن يعطي ولاءه لله ورسوله والمؤمنين بهذا الدين وهذه هي الصفة الأولى للمؤمنين قال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ) [التوبة: ٧١] فلا ولاء في الإسلام إلا على أساس هذا الدين، ومنطلقاته النظرية والعملية، وكل آصرة جاهلية يعطي الناس ولاءهم على أساسها هي آصرة باطلة فاسدة.
فآصرة العمل التي يجتمع عليها الشيوعيون ويتآخون عليها هي آصرة باطلة شرعا وفاسدة عقلا وواقعا، وآصرة القومية التي يتآخى عليها القوميون العرب أو العجم أو الأكراد أو البربر أو الأتراك أو غيرهم هي آصرة باطلة شرعا حيث يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: ١٣]. وآصرة الوطنية التي يلتقي عليها دعاة الوطنية غير معتبرة شرعا.
[ ١ / ١٦٣ ]
وفاسدة عقلا، وآصرة الإنسانية التي يروج لها دعاة المأسونية غير معتبرة شرعا وفاسدة عقلا وواقعا.
فالمسلم الذي يعطي ولاءه لتلك الروابط الجاهلية لم يعد مسلما حيث إن الله يأبى علينا نحن المسلمين أن نعطي ولاءنا إلا لمن يرتبط معنا برباط الإيمان والإسلام قال تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة ٤] فالموالاة على أية آصرة من الأواصر غير آصرة الإسلام باطلة في الشرع والعقل ومخرجة لصاحبها عن الإسلام، فمتى أعطى المسلم ولاءه للكافرين فقد صار منهم قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) [الأنفال: ٧٣] ومتى أعطى المسلم ولاءه للمنافقين صار منهم قال تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) [التوبة: ٦٧] وإذا أعطى ولاءه للمؤمنين صار منهم إذا أدى حتى الإيمان قال تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) [المائدة: ٥٤].
فقد ورد النص القرآن الكريم في استعمال أداة الحصر إنما التي تحصر الحكم فيما بعدها، مما يفيد أن المؤمنين المتصفين بهذه الصفات هم وحدهم الذين تجب موالاتهم دون غيرهم من أصناف الكفار (١) وعلى هذا فإن المسلم يجب عليه وجوبا شرعيا أن يناصر المسلمين ويهتم بأحوالهم ويشاركهم في آمالهم وآلامهم مشاركة مادية ومعنوية حيث اتفق
_________________
(١) انظر كتاب جند الله ثقافة وأخلاقا تأليف/ سعيد حوى (١٧٢ - ١٧٥).
[ ١ / ١٦٤ ]
العلماء على أنه إذا أسر مسلم من قبل الكفار فإنه يجب على المسلمين جميعا إنقاذه (١).
فكيف إذا كانت شعوبا بأكملها تحت أسر الكفار وسيطرتهم أفلا يكون الواجب أعظم وألزم أيها الإخوة في الله.
_________________
(١) انظر فتح القدير (٥/ ١٩١) وانظر البحر الرائق (٥/ ٧٢) وانظر نهاية المحتاج (٨/ ٥٨).
[ ١ / ١٦٥ ]
المبحث السابع: موالاة أهل الحق تستلزم معاداة أهل الباطل
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: اعلم رحمك الله تعالى أن أول ما فرض الله على ابن آدم الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، والدليل قوله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل: ٣٦].
فأما صفة الكفر بالطاغوت، أن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتركها وتبغضها وتكفر أهلها وتعاديهم.
وأما معنى الإيمان بالله أن تعتقد أن الله هو المعبود وحده، دون سواه، وتخلص جميع أنواع العبادة كلها لله، وتنفيها عن كل معبود سواه، وتحب أهل الإخلاص وتواليهم، وتبغض أهل الشرك وتعاديهم، وهذه ملة إبراهيم التي سفه نفسه من رغب عنها، وهذه هي الأسوة الحسنة التي أخبر الله بها في قوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ
[ ١ / ١٦٦ ]
مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة: ٤] اهـ.
وهذه الآيات وغيرها، تدل على أن الإنسان لا يصير مؤمنا بالله إلا بالكفر بالطواغيت ومعاداتهم، ومعاداة كل الصفات الطاغوتية وأهلها ومن يروج لها من أهل الردة والنفاق وتجار الألسن وفاقدي الضمير.
إنه لا يمكن أن يستقر في قلب واحد، الإقرار بالتوحيد وأنه دين الله، ثم يعاديه، ويعرف أن الشرك هو الكفر ثم يواليه ويذب عنه، وعن أهله باللسان والمال والسنان فهذا الفعل من أعظم الذنوب وأكبر الآثام (١).
قال تعالى: (تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَت لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إلَيهِ مَا اتَّخَذُوهُم أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنهُمْ فَاسِقُونَ) [المائدة: ٨٠، ٨١].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: في هذه الآيات بيان من الله ﷾ أن الإيمان بالله وبالنبي - ﷺ - وما أنزل إليه يقتضي عدم ولاية الكفار، فثبوت موالاتهم، يوجب عدم الإيمان، لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم (٢) اهـ.
فالبراءة من الشرك تقتضي البراءة من المشركين والبراءة من الأوثان تقتضي البراءة من عابديها قال تعالى: (إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) [الممتحنة: ٤] الآية فقدم الباري ﷿ البراءة من المشركين على
_________________
(١) انظر الدرر السنية (١/ ٩٦).
(٢) مجموعة التوحيد (٢٥٩).
[ ١ / ١٦٧ ]
البراءة من الأوثان المعبودة، ومثل ذلك قول الله تعالى: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا) [مريم: ٤٨] فقد اعتزالهم على اعتزال معبوداتهم وقال تعالى: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) [مريم: ٤٩] فقد اعتزالهم على اعتزال ما يعبدون وقال تعالى: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللهَ) [الكهف: ١٦] الآية. فأشار إلى اعتزالهم واعتزال ما يعبدون من دون الله، وهذه أدلة كافية في وجوب مباينة الكفار، ومباينة الأفعال الخاصة بهم لمن كان قصده الحق والاهتداء بهداه، فكم من إنسان لا يقع منه الشرك ولكنه لا يعادي المشركين ولا يعتزلهم فلا يكون بذلك مسلما، لأنه بعمله هذا مخالف لملة جميع الرسل، فلم يقل ولم يفعل كما أمره الله، وكما ذكر الله عن أبينا إبراهيم ﵇ حيث يقول: (إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة: ٤] فتأمل كيف قدم الباري جل وعلا العداوة على البغضاء، لأن الأولى أهم من الثانية.
فالإنسان قد يبغض الكفار ولا يعاديهم، فلا يكون آتيا بالواجب عليه حتى تحصل منه العداوة والبغضاء معا، ولا بد من أن تكون العداوة والبغضاء ظاهرتين باديتين لكل ذي عينين، وأن يستمر على ذلك إلى غاية أن يسلم الكافر، ويدخل في عداد المؤمنين، ولا يستثنى من ذلك سوى المكره إكراها ملجئا فإنه يجوز له موافقة الكفار في الظاهر مع عداوته لهم في الباطن، وإظهار العداوة لهم في أول لحظة من زوال الإكراه.
هذا في مجال إظهار العداوة لهم، فكيف بحال من وجدت منه الموالاة والمواصلة والمناصرة للكفار؟
[ ١ / ١٦٨ ]
أليس ذلك يدل على عدم البغضاء وعلى عدم العداوة من باب أولى؟ وهذا يستلزم عدم الإيمان فإن الإيمان الصحيح يوجب استمرار المقاطعة والعداوة والبغضاء للكفار حتى يسلموا عملا بقول الله تعالى: (وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة: ٤].
ولولا العداوة في الله لما تحمل الأنبياء والرسل والمؤمنون صنوف العذاب والأذى من الكفار، ولكان بالإمكان مجاملتهم ومداهنتهم وطلب رضاهم وكف شرهم عن الأنفس والأموال والأعراض، ولكن الحق لا بد أن يصطدم مع الباطل، والنور لا بد أن يطرد الظلام.
فالرسول - ﷺ - لما قام ينذر المشركين عن الشرك ويأمرهم بالتوحيد لم يكرهوا ذلك منه أول الأمر، واستحسنوه، وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه، إلى أن صرح بسب دينهم، وتسفيه أحلامهم وتجهيل أكابرهم، فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة وإظهارها بالأذى له - ﷺ - ولأصحابه حتى اضطر بعض الصحابة إلى الهجرة إلى الحبشة، وحوصر البعض الآخر في شعب أبي طالب، فإذا عرفت هذا، وعرفت أن الإسلام لا يستقيم في حق الإنسان ولو وحد الله وترك الشرك، ما لم يصرح للكفار بالعداوة والبغضاء كما تقدم في الآيات السابقة، حيث إنه لو كان بالإمكان مداهنة الكفار، لما حمل رسول الله - ﷺ - نفسه وأصحابه، مؤنة مواجهة الكفار بالعداوة والبغضاء وهو أرحم الناس بأصحابه وأتباعه، مع ذلك لم يجد لنفسه ولا لأصحابه رخصة في مداهنة الكفار ومجاراتهم ومجاملتهم، وقد أحب المشركون ذلك منه ولكنه لم يحصل من الرسول وصحابته ما طلب المشركون حصوله من المداهنة والموافقة لهم على الكفر، قال تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) [القلم: ٩] وحول هذا المعنى قال أحد العلماء من قصيدة في غربة الإسلام مبتدئا بنهج الرسول - ﷺ -.
[ ١ / ١٦٩ ]
ووالى وعادى في رضا الله قومه ولم يثنه عن ذاك صولة قاهر (١)
فلا بد لبقاء الإيمان وكماله من إعلان عداوة الكفار، وإعلان محبة المسلمين والانضمام إليهم قال تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران: ٦٤] ففي قوله اشهدوا بأنا مسلمون إظهار البراءة من الكفار وكفرهم، وزجر عن الدخول في طاعتهم، وإشعار بوجوب التميز عنهم، والاعتزاز بالإسلام، والاعتداد به قولًا وفعلًا (٢).
وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين وتابعيهم وجميع المسلمين سلفا وخلفا، أن المرء لا يكون مسلما إلا بالتجرد من الشرك الأكبر والبراءة منه وممن فعله، وبغضهم ومعاداتهم بحسب الطاقة والقدرة والإمكان (٣).
وقد سئل الشيخ حسين والشيخ عبد الله ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ جميعًا: عن رجل دخل هذا الدين وأحبه وأحب أهله، ولكن لا يعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم.
فأجابا: بأن هذا لا يكون مسلما لا إذا عرف التوحيد ودان به وعمل بموجبه وصدق الرسول - ﷺ - فيما أخبر به وأطاعه فيما نهى عنه وأمر به وآمن بما جاء به (٤).
فمن قال: لا أعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم فهو غير مسلم وهو ممن قال الله فيهم: (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ
أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ
_________________
(١) انظر المجموع المخطوط بقسم المخطوطات بجامعة الرياض برقم (١٦٣٨) الورقة (١٥٦) أو (٣١١، ٣١٢) القائل هو الصنعاني.
(٢) انظر الدرر السنية (٧/ ٨)
(٣) انظر الدرر السنية (٩/ ١٩٩).
(٤) انظر مجموعة التوحيد (٢٨٤) وانظر الدرر السنية (٨/ ١١١، ١١٢).
[ ١ / ١٧٠ ]
عَذَابًا مُهِينًا) [النساء: ١٥١] اهـ.
فمما تقدم نعلم أن الله أوجب معاداة الكفار ومنابذاتهم وتكفيرهم واستمرار العداوة لهم إلى أن يسلموا فقد روى الإمام أحمد عن عمرو بن الجموح ﵁ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يحق لعبد صريح الإيمان حتى يحب لله تعالى، ويبغض لله تعالى، فإذا أحب لله تعالى وأبغض لله ﵎، فقد استحق الولاء من الله، وإن أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم» (١).
وفي ذلك يقول ابن القيم (٢) ﵀ في نونيته:
أتحب أعداء الحبيب وتدعي حبا له ما ذاك في الإمكان
وكذا تعادي جاهدا أحبابه أين المحبة؟ يا أخا الشيطان
شرط المحبة أن توافق من تحب على محبته بلا نقصان
فإن ادعيت له محبة مع خلا فك ما يحب فأنت ذو بطلان (٣)
وحول هذا المعنى يقول الشيخ سليمان بن سحمان نظمًا:
يوالي ويدني أهل سنة أحمد عدوا لمن يهدى بغير هداها (٤).
وقد روي عن سالم بن أبي الجعد (٥) أنه قال: (العروة الوثقة هي الحب
_________________
(١) رواه أحمد. انظر مسنده أحمد (٣/ ٤٣٠).
(٢) هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد المعروف بابن قيم الجوزي (شمس الدين، أبو عبد الله) ولد سنة (٦٩١) وهو فقيه، أصولي، مجتهد مفسر، متكلم، نحوي محدث مشارك في غير ذلك، ولد بدمشق ونشأ بها، ولازم ابن تيمية وسجن معه في قلعة دمشق، وتوفي في ١٣ رجب سنة (٧٥١) ودفن في سفح قاسيون بدمشق من تصانيفه الكثيرة، وروضة المحبين ونزهة المشتاقين، وزاد المعاد في هدي خير العباد، وتهذيب سنن أبي داود، والجيوش الإسلامية على حرب المعطلة والجهمية، وله نظم ومؤلفات كثيرة، انظر معجم المؤلفين عمر رضا كحالة (٩/ ١٠٦، ١٠٧)، وانظر مقدمة زاد المعاد في هدى خير العباد ص (٣).
(٣) نونية ابن القيم (١٧١).
(٤) انظر ديوان عقود الجواهر المنضدة الحسان/ سليمان بن سحمان (٣).
(٥) هو سالم بن أبي الجعد، مولى أشجع واسم أبي الجعد رافع روى عن ابن عباس، وابن عمر، وجابر، وأنس وعبد الله بن عمرو وروى عنه عمرو بن مرة، وأبو إسحاق، وروي عن أحمد بن حنبل تضعيف رواية سالم بن أبي الجعد عن ثوبان وقال ليست هذه الأحاديث بصحاح، وذكر أن سالما لم يلق ثوبان وأن بينهما معدان بن أبي طلحة وقد سئل أبو زرعة عن سالم بن أبي الجعد فقال: كوفي ثقة، انظر كتاب الجرح والتعديل للرازي (٤/ ١٨١).
[ ١ / ١٧١ ]
في الله والبغض في الله) (١) اهـ.
ومن المخالفين في موضوع الموالاة والمعاداة ما يلي:
القسم الأول: من عبد الله ووحده، ولكنه لم ينكر الشرك ولم يعاد أهله فهو وإن وحد الله فتوحيده فاسد، لعدم كفره بالطاغوت، فالإنسان لا يصير مؤمنا إلا بالكفر، بالطاغوت قال تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) [البقرة: ٢٥٦].
القسم الثاني: من عادى المشركين ولم يكفرهم.
فهذا النوع لم يأت بما دلت عليه لا إله إلا الله من نفي الشرك وما تقتضيه من تكفير من فعله، وهذا الأمر هو مضمون سورة الإخلاص، وسورة الكافرون، وآيات من سورة الممتحنة، فمن لم يكفر من صرح القرآن الكريم بكفره، فقد خالف ما جاءت به الرسل من التوحيد، وما يوجبه في حق الناس من حب وعداوة وإيمان وكفر (٢).
القسم الثالث: من لم يحب التوحيد ولم يبغضه:
وهذا الصنف للأسف الشديد هو الغالب وجوده بين المسلمين في هذا
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (١٠)
(٢) انظر الدرر السنية (٢/ ٩٥ - ٩٧) وانظر مجموعة التوحيد (٣٦).
[ ١ / ١٧٢ ]
العصر ومثل هذا الصنف من الناس لم يكن موحدا لله تعالى حق التوحيد لأن التوحيد الحقيقي هو الرضا بالدين الذي ارتضاه الله تعالى لعباده قال تعالى: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) [المائدة: ٣] فلو رضي بما رضي الله به وعمل به لأحبه، فلا إسلام إلا بمحبة التوحيد والعمل به، ومحبة أهله، فالإخلاصة لله إنما يكون في محبة الله، وإرادة وجهه، فمن أحب الله أحب دينه، لأن المحبة يترتب عليها تنفيذ ما تقتضيه كلمة الإخلاص وشروط التوحيد التي منها المحبة لله وفي الله (١).
فمن عرف الشرك وأبغضه لا بد أن يعرف ما يريد الله من خلقه من محبة وإجلال وتعظيم له ﷾، فذكر هذه الحال عن نبينا محمد - ﷺ - بقوله تعالى: (فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [يونس: ١٠٤].
فالذي يبغض الكافرين وأعمالهم، ولكنه لم يدخل في جماعة المسلمين ويعمل لصالح الإسلام معهم، فإن إيمانه ناقص، نظرا لعدم موالاته لله ورسوله والمؤمنين، فالمؤمن الحق هو الذي يكون مع المؤمنين كالعضو من الجسم كما وضح ذلك حديث الرسول - ﷺ - وفي ذلك يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: إنه لا بد للمسلم من التصريح بأنه من هذه الطائفة المؤمنة حتى يقويها ويتقوى بها ويفزع الطواغيت الذين لا يبلغون الغاية في العداوة حتى يصرح لهم أنه من هذه الطائفة المحاربة لهم (٢) اهـ.
_________________
(١) انظر الدرر السنية (٢/ ٩٥ - ٩٧) وانظ رمجموعة التوحيد (٣٦).
(٢) انظر مجموعة التوحيد (٣٠).
[ ١ / ١٧٣ ]
القسم الرابع: من لم يبغض الشرك ولم يحبه:
فهذا لم ينف ما نفته (لا إله إلا الله) من الشرك والكفر بما يعبد من دون الله والبراءة منه فهذا ليس من الإسلام في شيء أصلا ولم يعصم ماله ودمه، لأنه لم يحقق معنى «لا إله إلا الله» (١) ولأنه خالف ما ذكر الله عن أبينا إبراهيم ﵇ في قوله تعالى: (كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة: ٤] ولحديث: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله» (٢).
القسم الخامس: من عمل بالتوحيد، ولم يبغض من تركه ولم يكفرهم: فهذا لم يصحح توحيده بنفي الشرك والبراءة منه ومعاداة أهله، فهو لم يوحد الله توحيدا كاملا، لأن التوحيد الحقيقي يقتضي نفي الشرك والبراءة من المشركين وتكفير أهله بعد قيام الحجة عليهم وهذا النوع من الناس من أشد أنواع المخالفين خطرا على التوحيد لأنه قد يغتر بحالهم، فيقلدهم غيرهم في مداهنة الكفار والمشركين والمرتدين وهم في الحقيقة لم يأتوا بالأمور التي دلت عليه كلمة الإخلاص نفيا وإثباتا (٣) فهم يظنون أنهم إذا أصلحوا أنفسهم فلهم مطلق الحرية في التعامل مع الآخرين، بلا تمييز بين أصحاب الحق وأصحاب الباطل وهؤلاء يخشى أن يكونوا من الداخلين تحت قول الله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف: ١٠٣، ١٠٤].
_________________
(١) المصدر السابق (٣٧) وانظر الدرر السنية (٢/ ٩٧، ٩٨).
(٢) رواه مسلم انظر صحيح مسلم (١/ ٥٣).
(٣) انظر مجموعة التوحيد (٣٧) وانظر الدرر السنية (٢/ ٩٨).
[ ١ / ١٧٤ ]
وفي ذلك يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: «فالله الله يا إخواني تمسكوا بأصل دينكم، وأوله وآخره وأسه ورأسه، شهادة أن لا إله إلا الله، واعرفوا معناها وأحبوها، وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم ولو كانوا بعيدين منكم نسبا واكفروا بالطواغيت وعادوهم وابغضوهم، وابغضوا من أحبهم، أو جادل عنهم، أو لم يكفرهم أو قال: ما علي منهم، أو قال: ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله وافترى عليه إثما مبينا فقد كلف الله كل مسلم ببغض الكفار، وافترض عليه عداوتهم، وتكفيرهم والبراءة منهم، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم، فالله الله تمسكوا بذلك لعلكم تلقون ربكم لا تشركون به شيئًا» (١) اهـ.
ويقول الشيخ المودودي ﵀: إن من مظاهر النفاق أن الإنسان يدعي الإيمان بالإسلام ويتظاهر بالانتساب إليه والتمسك به، ثم يعيش راضيا مطمئنا في ظل نظام مناقض للذي يؤمن به، قانعا مغتبطا في كنفه لا ينبض له عرق، ولا يخفق له قلب، إن مثل هذا الصنيع لعمر الحق من أمارات النفاق ومن صميمه من غير شك (٢) اهـ.
القسم السادس: من ترك الشرك، ولم يعاد أهله، ولم يكفرهم.
فهذا الصنف داخل تحت ما ذكر في الصنف الأول، إلا أنه يزيد عليه أن الصنف الأول يعمل بالتوحيد، وهذا الصنف جمع بين سيئتين الأولى: ترك الواجبات الشرعية، والثانية: مداهنة الكفار، وعدم معاداتهم فهو لم يؤمن بالله إيمانا حقيقيا ولم يعمل بأوامر التي أنزل على عباده ولم يجتنب الطاغوت كما نهى الله عن ذلك فهو ليس من الإسلام في شيء (٣).
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (١١١).
(٢) انظر تذكرة الرعاة للمودودي (٧، ٨).
(٣) انظر مجموعة التوحيد (١٠).
[ ١ / ١٧٥ ]
القسم السابع: من لم يشرك بالله، ولكنه عرف التوحيد ولم يعمل به ولا أحب ولا أبغض فيه:
فهذا وأمثاله من الذين يستحقون عذاب الله، ولو لم يكن قد حصل الشرك منهم، لأن فائدة ترك الشرك تصحيح التوحيد لله، ومن أعظم ما ينبني على التوحيد التضرع عند الله، والالتجاء إليه وحده، ومحبة ما يحب وعداوة ما يعادي (١).
ومن ادعى الإسلام ونطق بشهادة أن لا إله إلا الله وأحبها وانتسب إلى أهلها، ولكنه لم يفرق بين أوليائها وأعدائها ولم يحب في الله، ولم يبغض في الله، فهذا عين الكفر وصريحه، لأن حق التوحيد ليس مجرد الإقرار به، ثم الإعراض عن أحكامه التي أهمها الحب في الله والبغض في الله، كما سبق بيان ذلك من الكتاب والسنة (٢).
القسم الثامن: من عرف التوحيد وأحبه واتبعه، وعرف الشرك وتركه، ولكنه مع ذلك يكره من دخل في التوحيد وانضم إلى جماعة المسلمين ويحب من بقي في مناصرة وتأييد الكفار:
فهذا النوع من الاعتقاد والتعامل كفر (٣) يخرج به المسلم من مسمى الإسلام لأن الإنسان إذا أحب نصرة الكافرين وخذلان المسلمين فهو داخل تحت قول الله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) [محمد: ١٩].
فالذين يؤيدون أحزاب الكفر وأحزاب الشيطان، التي تتخذ مظاهر متعددة في البلاد الإسلامية، بحبهم لمن ينتمي إليها وبغضهم لمن ينتمي
_________________
(١) انظر الدرر السنية (١/ ٩٩).
(٢) انظر المبحث الأول والثاني من الباب الأول من هذه الرسالة من ص (٧٥) إلى (١٠٦).
(٣) انظر الدرر السنية (١/ ٦٦).
[ ١ / ١٧٦ ]
إلى حزب الله الممثل في الجماعة المسلمة، هؤلاء داخلون تحت هذا الحكم، وهذا الحكم ينطبق تماما على دعاة الشيوعية والاشتراكية أو الدعاة إلى حزب البعث، أو الأحزاب الماسونية، أو دعاة العلمانية، فالذين يؤيدون من ينضم إلى تلك الأحزاب الكافرة، هم كفار وإن ادعوا الإسلام حيث لا يدعو أحد من المسلمين إلى الخروج من حزب الله إلى أحزاب الكفار، ومن فعل ذلك فليس بمسلم، حيث لم يرض بالإسلام دينًا ولم يتخذ شريعته منهجًا في الحياة.
القسم التاسع: من عرف التوحيد وأنه الحق، ولكنه لم يلتفت إليه ولم يتعلمه ولا دخل فيه، ولا انضم إلى جماعة المسلمين وبقي مع الشرك وأهله.
فهذا العمل، وهذا الموقف كفر، يقاتل عليه من فعله، لأن صاحبه عرف الحق فلم يتبعه، وعرف الشرك فلم يتركه، مع أنه قد لا يبغض دين الله ولا رسوله ولا المؤمنين ولا يمدح الشرك أو يزينه للناس، ولكنه مقبل على الكافرين بفعله مدبر عن المؤمنين.
وقد يتخذ لذلك التصرف حجة وهي حبه لأهله ووطنه ومنافعه فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده من الكفار، فيجاهد بنفسه وماله ورأيه أهل الحق مع أهل الباطل، وهذا الموقف كفر مخرج عن الإسلام لأن ذلك هو غاية التولي للكفار، وحتى لو ادعى الإكراه في ذلك فإن الإكراه مهما يكن، لا يجوز معه أن يحمل المسلم سلاحه، ضد أهل الحق من المسلمين (١).
ومن يقف مثل هذا الموقف من أهل الإسلام يكون داخلا تحت قول الله تعالى: (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ
_________________
(١) انظر الدرر السنية (١/ ٦٦).
[ ١ / ١٧٧ ]
وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولائِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) [النساء: ٩١].
القسم العاشر: من تساوي لديه الإسلام والكفر في الحب والبغض، أو من يحبهما من وجه، ويبغضهما من وجه آخر.
فهذا الذي يقف من الإسلام مثل هذا الموقف، لم يتحقق فيه معنى الإسلام وهو الاستسلام لله والانقياد له بالطاعة، التي من أركانها موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، فهو كأنه يعارض الله فيما فرض وشرع، قال الله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: ٦٥].
يقول الشيخ عبد الله بن حمد الحجازي ﵀ (١): اعلموا رحمكم الله أن أكبر الذنوب وأعظمها الشرك بالله، قال الله تعالى: (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: ١١٦] وهذا الذنب القبيح له وسائل وذرائع توصل إليه، وأعظمها موالاة أعداء الله على اختلاف أنواعها فيا عباد الله، انتبهوا من هذه البلية العظيمة، التي صيرت أهل الإسلام وأهل الردة والضلال عند كثير من الجهال جماعة واحدة إلا من عصم الله برحمته (٢) اهـ.
فمن كمال الإيمان وتمام العبودية لله محبة الله، ومحبة رسوله وأنبيائه وعباده المؤمنين، وإن كانت المحبة التامة لا يستحقها غير الله ﵎ فغير الله يحب في الله لا مع الله.
_________________
(١) الشيخ عبد الله بن حمد الحجازي: من تلاميذ الشيخ محمد بن إبراهيم بن محمود انظر مشاهير علماء نجد عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله (١٩٠).
(٢) انظر الدرر السنية (١١/ ١٨٣).
[ ١ / ١٧٨ ]
فإن المحب يحب ما يحب محبوبه، ويبغض ما يبغض ويوالي من يواليه ويعادي من يعاديه، ويرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، ويأمر بما يأمر به، وينهى عما ينهى عنه، فهو موافق لمحبوبه فيما يأمر به وما ينهى عنه (١) والله تعالى يحب المحسنين ويحب المتقين، ويحب التوالين ويحب المتطهرين (٢) ونحن ملزمون شرعا بحب ما يحبه الله تعالى كما أننا ملزمون بعدم حب ما لا يحبه الله تعالى، فالله ﷾، لا يحب الخائنين ولا يحب المفسدين ولا يحب المستكبرين (٣).
ونحن أيضا يجب أن لا نحبهم، وأن نبغضهم موافقة له ﷾ في حب ما يحب وبغض ما يبغض.
فالمحبة التامة لله، مستلزمة الموافقة للمحبوب في محبوبه ومكروهه، وولاية من يواليه، وعداوة من يعاديه، ومن المعلوم أن من أحب الله المحبة الواجبة، فلا بد أن يبغض أعداءه ولا بد أن يحب ما يحبه الله من الأقوال والأفعال فيحب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذكر وتلاوة القرآن ونحن ذلك، ويجب الجهاد في سبيل الله وما دونه من أعمال الخير (٤) لأن كل ذلك من الأمور المحبوبة عند الله تعالى، قال تعالى: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) [الصف: ٤].
فلا بد للمسلم أن يحب الله ﷿ أولًا ثم هذه المحبة لله تجعله يكون متواضعًا مع المؤمنين، ذا غلظة وعزة على الكافرين فإذا أصبح
_________________
(١) انظر شرح الطحاوية (٣١٧، ٣١٨).
(٢) انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم محمد فؤاد عبد الباقي (١٩٢).
(٣) المصدر السابق المكان نفسه.
(٤) انظر شرح الطحاوية (٣١٨).
[ ١ / ١٧٩ ]
بهذه الحال، أحبه الله ﷿ لهذه الصفة التي اتصف بها قال تعالى: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) [المائدة: ٥٤].
وقد سئل ابنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وهما حسين وعبد الله عن رجل دخل هذا الدين وأحبه وأحب أهله، ويبغض الشرك وأهله، ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل الإسلام، ويقاتلون أهله، وهو يعتذر بأن مقاتلته لهؤلاء الكفار وترك وطنه من أجلهم يشق عليه ذلك، فهو لا يستطيع مفارقة الأهل والأموال والأولاد والعشيرة.
فهل يكون كافرا أو مسلما؟
فأجابا بأن في ذلك تفصيل.
أولًا: أن ينظر إلى هذا الشخص المقيم مع الكفار، هل يقدر على إظهار دينه عندهم، ويتبرأ منهم ومما هم عليه من كفر وشرك؟ وهل يقدر على إظهار عداوته لهم، أو أن يظهر لهم أنهم كفار؟ وهل يأمن على أن لا يفتنوه عن دينه، لأجل أهله وماله وولده؟ فإن كانت الإجابات على هذه الأسئلة بنعم فهذا لا يحكم بكفره ولكنه إذا قدر على الهجرة ولم يهاجر، ومات بين أظهرهم فيخشى أن يكون داخلا في أهل هذه الآية (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا) [النساء: ٩٧، ٩٨].
[ ١ / ١٨٠ ]
ثانيا: أما إذا أظهر الموافقة للكفار على دينهم، وأن بدعتهم وكفرهم أصوب من الإسلام، واتهم الإسلام بالباطل والقصور، وقاتل معهم أهل التوحيد، بنفسه وماله ورأيه فهذا كافر مرتد، ولو عرف الدين بقلبه وكره الكفر بقلبه، لأن الأمر الذي يمنعه من الهجرة محبة الدينا على الآخرة، ويتكلم بكلام الكفر من غير إكراه ملجيء فهو داخل في قوله تعالى: (وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) [النحل: ١٠٦، ١٠٧] (١) اهـ، وحتى المكره إكراها ملجئا لا يجوز له أن يحمل على أخيه السلاح فيقتله من أجل سلامة نفسه هو (٢) فالإكراه يجوز معه التلفظ بكلمة الكفر ترضية للكفار أما من يحارب المسلمين بقوله وفعله ويناصر الكافرين من أجل أنه يشق عليه فراق أهله وأولاده وبلاده، فيقتل المسلمين، ويرمل نساءهم وييتم أطفالهم، ويخفي الإسلام وأهله، ويظهر الكفر ويجاري أهله، مقابل أن يسمل هو بنفسه فهذا ظلم وإعانة على الظلم، قال تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [الأنعام: ١٦٤].
قال القرطبي في معنى هذه الآية: أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى، أي: لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، بل كل نفس مأخوذة بجرمها ومعاقبة بإثمها (٣).
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٢٨٤، ٢٨٥) والدرر السنية (٨/ ١١١، ١١٢).
(٢) انظر تفسير القرطبي (١٠/ ١٨٢، ١٨٣) وانظر فتح الباري (١٢/ ٣١٦) وانظر التشريع الجنائي الإسلامي عبد القادر عودة (١/ ٥٦٨).
(٣) انظر تفسير القرطبي (٧/ ١٥٧).
[ ١ / ١٨١ ]
وفي مختصر تفسير الطبري: أي لا تجترح نفس إثمًا فيؤخذ به غيرها (١) وعلى هذا إذا وجد حاكم ظالم يطارد أهل الحق ويبطش بهم، وينصر أهل الباطل ويدعم باطلهم، فلا يجوز لمن يلتزم بالإسلام قولا وفعلا، أن يعين هذا الظالم على ظلمه، لأنه حينئذ يخالف قول الرسول - ﷺ -: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما، أرأيت إن كان ظالما، كيف أنصره؟ قال: «تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره» (٢).
والذي يعين الظالم على المظلوم، إنما يعمل ضد مفهو م الحديث تماما، وهذا إثم عظيم وذنب كبير، وتلك هي الموالاة الظالمة حيث ينصر من يجب عليه خذلانه، ويخذل من تجب عليه نصرته.
ونود أن نذكر في هذا المقام الذين يوالون الكفار ويطلبون رضاهما، بأن رضا الكفار لن يتم إلا بما هو دون الكفر، قال تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [البقرة: ١٢٠] فالكفار إذا أحسوا أن لدى المسلم إمكانية المتابعة لهم والموالاة لهم على كفرهم، فإنهم يتدرجون به رويدا رويدا حتى يخرجوه من الإسلام، فإذا آرادوا إقرار منكر ما فأول خطوة في ذلك هي أن يشتروا بعض العلماء الذين يبيعون دينهم بعرض من الدنيا، ثم يستصدرون الفتاوى التي هم أول من يعلم ببطلانها، ثم يطلبون التأييد على هذا المنكر الذي فعلوه بحجة أنه لا يعارض الشرع ثم يطلبون ممن يوافقهم مطاردة من ينكر عليهم تصرفهم هذا، وأن يحمل السلاح ويدفع المال لقتال المعارضين لهم، وإن كان المعارض هو صاحب الحق والذي مع الحق، وهكذا يفعل الكفار في مدعي الإسلام ترك بعض
_________________
(١) انظر مختصر تفسير الطبري -ابن صمادح- الأندلسي على هامش المصحف المفسر عن (١٦٥).
(٢) رواه البخاري: انظر فتح الباري (٥/ ٩٨) باب المظالم
[ ١ / ١٨٢ ]
الواجبات وفعل بعض المحرمات تدريجا حتى ينسلخ المسلم من دينه ويخرج من مسمى الإسلام وهو لا يشعر (١) ومما تقدم يتضح أنه يجب على المسلم أن يقف موقفا صلبا من أعداء الإسلام والمسلمين وأن لا يتنازل عن شيء من واجبات الإسلام مهما كانت الدوافع والأسباب، وأن يقاطع أهل الشرك ويتبرأ منهم ومن شركهم ويجاهدون ويكفرهم، ويقر بإباحة دمائهم وأموالهم ما داموا على الكفر، فلا يكون المؤمن موحدا إلا بهذا وهو مقتضى كلمة الإخلاص لا إله إلا الله، حيث يقول الله ﷿: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [التوبة: ٧١]، فهذا شأن كل مؤمن مع المؤمنين، ويقول الله تعالى عن الكفار (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) [الأنفال: ٧٣].
فلا يصح للمؤمن دين إلا بموالاة أهل التوحيد، ومعاداة أهل الضلال وبغضهم والبراءة منهم، كما تبرأ إبراهيم والذين معه من الكفار، وكما تبرأ نبينا محمد - ﷺ - وصحبه من كفار قريش ومن حذا حذوهم، وهذه هي الموالاة للمؤمنين، والمعاداة للمشركين التي هي أصل عرى الإيمان وأوثقها (٢).
فمعاداة الكفار واجبة وإن كان فيهم أخلاق طيبة، وصفات حميدة فمن لم يعاد الكفار ويتبرأ منهم لم يدخل في الإسلام، وإن كان يتعامل مع المسلمين معاملة حسنة ويقدم لهم دعما سخيا.
فإن في قصة أبي طالب درسا وعبرة وعظة، أنه لا موالاة إلا بمعاداة فهذا الرجل قد بذل عمره وماله وأولاده وعشيرته في نصرة الرسول - ﷺ - إلى
_________________
(١) انظر الدرر السنية (١/ ٦٦).
(٢) انظر الدرر السنية (٢/ ٩٥).
[ ١ / ١٨٣ ]
إن مات على ذلك، وصبر على المشقة العظيمة، والعداوة البالغة له من قومه، وكان يحب من أسلم وينتقص أعمال المشركين وكان يرى رسول الله - ﷺ - على حق وصواب كما يظهر ذلك من قوله في النونية:
ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا (١)
ويقول في قصيدة أخرى:
ولقد علموا أن ابنا لا مكذب لدينا ولا يعني بقول الآباطل
حدبت (٢) بنفس دونه وحميته ودافعت عنه بالذري (٣) والكلاكل (٤) (٥)
ولكنه لما لم يتبرأ من دين أبيه عبد المطلب ويعلن عداوته لذلك، ولم يعلن موالاته لله ثم لرسوله والمؤمنين في الله، ما نفعه ذلك شيئا وقد استغفر الله النبي - ﷺ - نظرا لنصرته له ودفاعه عنه، فأنزل الله قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) [التوبة: ١١٣] لو كان هناك رجل من أهل الشرق أو أهل الغرب، يحب الدين الإسلامي، وينصر المسلمين باليد والمال والسلاح، ولكنه لم يعلن دخوله في الإسلام وانضمامه إلى جماعة المسلمين وبراءته وانفصاله وعداوته للمشركين لم يكن مسلما
_________________
(١) انظر البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٤٢).
(٢) أي تعطفت وأشفقت عليه، انظر لسان العرب لابن منظور (١/ ٥٨١).
(٣) الذري بالضم أعلى كل شي وذروة السنام والرأس أشرفهما المصدر السابق (١/ ١٠٦٦).
(٤) الكلاكل: جمع كلكلة وهو الصدر من كل شيء وقيل هو ما بين الترقوتين وقيل هو باطن الزور وقيل القصير الغليظ الشديد المصدر السابق (٣/ ٢٩٠) وانظر المعجم الوسيط (٢/ ٨٠١).
(٥) انظر البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٤٢).
[ ١ / ١٨٤ ]
ولم تصح موالاته من قبل المسلمين، وإنما يعامل على أساس البر والصلة بالمعروف، دون محبة القلب كمحبة أحد المسلمين، فهو وإن كان يحب لما فيه من صفات طيبة وأخلاق كريمة، كالكرم، والأمانة، والصدق والفواء فإن تلك الصفات لا تطغى ولا تنسينا صفة الكفر التي هو أسوأ صفة وأقبحها في الوجود، فمثل الكفار وصفاتهم الطيبة كمثل امرأة جميلة كريمة متواضعة ولكنها مع تلك الصفات عاهر بغي فإن تلك الصفة القبيحة تطغى على جميع صفاتها الحسنة وتذهب أثرها عند ذوي العقول السليمة والفطرة المستقيمة وتجعلهم يمقتونها ويعادونها وينظرون إليها نظرة احتقار وازدراء (١).
إن موقف المسلم من الكفار، ليس مجرد العداء لهم، بل المطلوب منه جهادهم، والحرص على مراغمتهم، وإدخال الحزن عليهم (٢)، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) [التوبة: ١٢٣] فمن جهاد الكفار السعي إلى كسر شوكتهم ومراغمتهم وإدخال الهزيمة عليهم بكل الوسائل والأسباب المباحة، والتضييق عليهم والوقوف في وجه مكائدهم، بكل ثبات وإصرار، وكشف آباطيلهم وعورات نظمهم، وتعرية مفاسدهم لكل ذي عينين، حتى يحصل الإقبال على الإسلام والأدبار عن الكفر، نتيجة للفهم والوعي الصحيح، فإن لم يحصل من المسلم جهاد ومراغمة للكفار، فلا أقل من مقاطعتهم وعوراتهم وترك تبادل الأقوال والأفعال التي لا يقصد بها تقريبهم إلى إسلام وإنما يقصد بها التقرب إلى دنيا الكفار وما هم فيه من كفر.
ومما تقدم نخلص إلى القول بأنه لا صحة لإسلام المسلم إلا بموالاة.
_________________
(١) انظر الدرر السنية (١٠/ ١٠١).
(٢) انظر «مدارج السالكين» ابن قيم الجوزية (١/ ٢٢٦).
[ ١ / ١٨٥ ]
أهل الإسلام ومعاداة أهل الكفر، فلو والى المسلم المسلمين ولم يعاد الكافرين لم يصح إسلامه، ولو عادى الكافرين ولم يوال المسلمين لم يصح إسلامه إلا بالجمع بين موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين، وحول هذا المعنى يقول الشيخ سليمان بن سحمان شعرا:
ومن كان ذا حب لمولاه إنما يتم بحب الدين دين محمد
فعاد الذي عادى لدين محمد ووال الذي والاه من كل مهتد
وأحبب رسول الله أكمل من دعا إلى الله والتقوى وأكمل مرشد
وما الدين إلا الحب والبغض والولاء كذاك البرا من كل غاو ومعتد (١)
ويقول أيضا:
نعم لو صدقت الله فيما زعمته لعاديت من بالله ويحك يكفر
وواليت أهل الحق سرا وجهرة ولما تهاجيم وللكفر تنصر
فما كل من قد قال ما قلت مسلم ولكن بأشراط هنالك تذكر
مباينة الكفار في كل موطن بذا جاءنا النص الصحيح المقرر
وتكفيرهم جهرا وتسفيه رأيهم وتضليلهم فيما اتوه وأظهروا
وتصدع بالتوحيد بين ظهورهم وتدعوهموا سرا لذاك وتجهر
فهذا هو الدين الحنيفي والهدى وملت إبراهيم لو كنت تشعر (٢)
_________________
(١) انظر الدرر السنية (١/ ٢٩٤).
(٢) انظر ديوان عقود الجواهر المنضدة الحسان/ للشيخ سليمان بن سحمان (٧٩).
[ ١ / ١٨٦ ]
المبحث الثامن: مكانة الموالاة والمعاداة في الإسلام
إن معرفة المسلم الملتزم بالإسلام عقيدة وعبادة لحكم الموالاة والمعاداة في الله تجعله ينطلق في تعامله مع الناس من فهم ثابت وتصور صحيح، في علاقاته مع الناس، فيعاملهم على أساس قربهم وبعدهم من الله، فكلما كان الإنسان إلى الله أقرب، كانت موالاته ومحبته ومناصرته في الله أعظم، وكلما انحرف الإنسان عن طاعة الله ﷿، أبغضه المؤمن على قدر انحرافه، وعاداه على قدر بعده عن الله، لأن محبة الله ﷿ هي الأساس في كل تصرف يتصرفه العبد المسلم، فمحبة ما يحبه الله تابعة لمحبة الله منبثقة عنها، إذ المحبة هي أصل الموالاة في الله والبغض أصل المعاداة في الله، كما سبق إيضاح ذلك وقد أخبر الله ﷿ أنه هو الولي، والمتولي لنا في كل شأن من شئوننا وأنه لا يجوز أن نتخذ معه أو من دونه وليا، أو أولياء، قال تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
[ ١ / ١٨٧ ]
قَدِيرٌ) [الشورى: ٩٩] فالذين اتخذوا من دونه أولياء غلطوا أشد الغلط وأجرموا أشد الإجرام، عندما اتخذوا حثالة البشر أو بعض المخلوقات أولياء لهم من دون الله أو مع الله، قال تعالى: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) [الأنعام: ١].
وأصح القولين في ذلك أنهم يعدلون بالله غيره، في العبادة والمحبة والموالاة (١) كما في قوله تعالى: (تَاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [الشعراء: ٩٨] وقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ) [البقرة: ١٦٥] وقال تعالى: (بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) [الكهف: ٥٠] أي: أن يبدلوا عبادة الله ومحبته وموالاته بغيره من الأنداد.
فالمسلم الحق هو الذي يتخذ الله وليا، ويرضي بولايته دون سواه ويعتقد جازما أن ولاية الله ﷿ هي التي تنفع في الدنيا والآخرة؛ لأن ذلك مما أخبر الله به في قوله تعالى: (بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) [آل عمران: ١٥٠] فالله هو الولي للمؤمنين، وهو خير الناصرين لهم ففي ولايته وطاعته غنية وكفاية عن طاعة الكفار وموالاتهم، فيجب على المسلم أن يكون الله ﷿ هو الولي الذي يتقرب إليه العبد بالقول والعمل فهو يتولى عباده المؤمنين بإخراجهم من الظلمات إلى النور، وإعانتهم في جميع أمورهم (٢) قال تعالى: (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ
_________________
(١) انظر مدارج السالكين بين إياك نعبد وإياك نستعين لابن قيم الجوزية (١/ ٣٤٠).
(٢) انظر تفسير ابن سعدي (٦/ ٥٩٥).
[ ١ / ١٨٨ ]
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: ٢٥٧] وقال تعالى: (فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [يوسف: ١٠١] وقال تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) [الأنعام: ١٤] قل يا محمد! أغير الله اتخذ وليًا؟ أي ربًّا ومعبودًا وناصرًا ومحبوبًا دون الله، وهو الذي فطر السموات والأرض، فكيف يليق أن اتخذ غير الخالق الرازق الغني الحميد (١)؟
قال الله تعالى: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران: ٦٨] وقال تعالى: (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) [فصلت: ٣١].
فإن كان الله ﷿ هو الولي والوالي والناصر والنافع والضار، فمن السفاهة والطيش بل ومن الكفر بعبادة الله، أن يتخذ المرء من دونه وليا أو نصيرا قال تعالى: (وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا) [النساء: ٨٩].
وقال تعالى: (مَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) [التوبة: ٧٤].
فبين تعالى على جهة الإخبار بأن الله هو الولي وأنه لا ولي غيره وأنه
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي (٦/ ٣٩٧) وانظر تفسير ابن سعدي (٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠).
[ ١ / ١٨٩ ]
هو ولي الصالحين قال تعالى: (إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) [الأعراف: ١٩٦].
فالإنسان عندما يتخذ الله وليا إنما يفعل ذلك لأنه أمر كلفه الله به، حيث يريد ﷾، من المسلم التجرد لله من تعظيم سواه، لأن الموالاة والتولي لغير الله، تعظيم لمن والاهم وتولاهم من دون الله، وهذا شرك في التعظيم، فالموالاة هي لب المحبة وثمرتها والشرك في المحبة من أعظم أنواع الشرك قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ) [البقرة: ١٦٥].
فمتى أحب العبد غير الله لذاته والتفت إليه بقلبه كان عبدا لما أحبه ورجاه وإذا لم يحب أحدا لذاته سوى الله، وأحب ما يحبه الله تقربا إلى الله كان ذلك من تمام العبودية لله ﷿، لأن العبد كلما ازدد حبا لله ولما يحبه الله، ازداد عبودية وقربا من الله وهذا الأمر هو جوهر الإسلام وحقيقته التي أرسل الله من أجلها جميع الرسل والأنبياء (١).
فيجب علينا أن نعطي حبنا وولاءنا لله ﷿ أولا ثم لرسوله والمؤمنين بهذا الدين حتى نكون من حزب الله، وتنتفي عنا صفة الانتماء إلى الأحزاب الشيطانية، التي تعبدنا الله ببغضها وعداوتها وجهادها والقضاء عليها، فبالإضافة إلى أن موالاة غير الله شرك، هي كذلك موالاة غير نافعة في الدنيا والآخرة، حيث إن الإنسان يقصد بموالاة من تولاه، أن يتقوى بقوته ويعز بعزته، ويرتفع برفعته، وهل هناك أحد تنطبق عليه تلك الصفات بكمالها غير الله ﷿؟ فالله يعد الذين آمنوا في مقابل الثقة
_________________
(١) انظر رسالة العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية (٥٤ - ٥٨).
[ ١ / ١٩٠ ]
به، وصدق الالتجاء إليه، والولاء له وحده، ولرسوله وللمؤمنين يعدهم بالنصر والغلبة والتمكين، وقد جاء هذا الوعيد بعد بيان قاعدة الإيمان ذاتها في قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) [المائدة: ٥٦] فإذا كان النصر والغلبة والعزة والكرامة إنما تكون بموالاة الله ورسوله والذين آمنوا فمن الانحراف عن العقيدة السلمية أن يخلع الإنسان صفة الموالاة والتولي بكمالها لأعداء الله أو لمخلقوات ضعيفة، لا تنفع نفسها فضلا عن غيرها، فالذين يحبون غير الله، ويرجون سواه، في نصرة أو معونة أو تمكين، هؤلاء كأنما يتجاهلون مقام الباري ﷿، ويتصغرون شأنه في المعونة والنصرة، عندما يلجئون بالمودة وطلب النصرة من غير الله، كحال الذين يستعينون ويستنصرون بالكفار الشرقيين أو الكفار الغربيين أو الهيئات الدولية، والأحزاب الجاهلية، وهذا منتهى الضلال والانحراف، فالله ﷾ أمر عباده أن يتخذوه وليا، دون غيره من المخلوقات؛ لأن ذلك من مقتضى عبوديتهم له، واعترافهم بربوبيته، وألوهيته عليهم، كما يجب عليهم خوفه، ورجاؤه، يجب عليهم محبته، وموالاته دون غيره، وليس الدافع إلى موالاة الله، هو طلب النصرة والتمكين فقط، بل الدافع الأساسي أن هذا أمر تعبدنا الله به، أما ما يترتب على هذا الأمر من نصرة ومودة وفلاح، فهذه ثمار تأتي في حينها، وتأتي لتحقيق قدر الله في التمكين لهذه الأمة، لا لتكون بذاتها هي الأغراء الوحيد على الدخول في هذا الدين فانتصار المسلمين على أعدائهم، وتفوقهم على سواهم، لا شيء منه لذواتهم، وأشخاصهم إنما يكون ذلك لحساب عقيدتهم، فيكون لهم ثواب الجهد في ذلك، فالله ﷿ لا يطلب ولاية أحد من خلقه ليزداد بهم عزا أو قوة، أو أن يعينوه في شأن من شئونه فإنه ﷾ هو الغني الحميد الذي لا يحتاج إلى أحد من خلقه في الأرض ولا في
[ ١ / ١٩١ ]
السماء قال تعالى: (وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) [سبأ: ٢٢] وقال تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) [الإسراء: ١١١] قال مجاهد (١) المعنى لم يحالف أحدا، ولا ابتغي نصرا من أحد، أي لم يكن له ناصر يجيره من الذل، يعني لم يذل فيحتاج إلى ولي أو إلى ناصر، لعزته وكبريائه (٢) اهـ.
وأما قوله تعالى: (إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [محمد: ٧] أي أن تكونوا سببا في نصر دين الله ينصركم الله على الكفار وقال قطرب (٣): «إن تنصروا نبي الله ينصركم الله» (٤) اهـ.
وقال تعالى: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج: ٤٠] أي من ينصر دين الله، وينصر رسوله فإن الله ناصره (٥) وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّأَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ)
فقوله: (كونوا أنصار الله) معناه كونوا أنصارًا لدين الله ومعنى نحن أنصار الله أي نحن أنصار دين الله، وقال تعالى حكاية عن عيسى ﵇ (مَنْ
_________________
(١) هو مجاهد بن جبير المالكي أبو الحجاج ولد حوالي سنة ٢٠ هـ توفي سنة ١٠٤هـ من آثاره تفسير القرآن الكريم، فهو مفسر تابعي جليل انظر معجم المؤلفين (٨/ ١٧٧).
(٢) انظر تفسير القرطبي (١٠/ ٣٤٥).
(٣) هو محمد بن المستنير بن أحمد البصري (المعروف بقطرب) (أبو علي) لغوي، نحوي، أخذ النحو عن سيبويه وغيره من علماء البصرة وأخذ عن النظام المعتزلي وكان يعلم أولاد أبي دلف العجلي وتوفي ببغداد، من تصانيفه في اللغة والتفسير: العلل في النحو، الاشتقاق المصنف الغريب في اللغة، الرد على الملحدين في متشابه القرآن توفي سنة ٢٠٦ هـ، وله نحو عشرون كتابا انظر معجم المؤلفين عمر رضا كحالة (١٢/ ١٥)، وانظر الموسوعة العربية محمد شقيق غربال (٢/ ١٣٨٨).
(٤) انظر تفسير القرطبي (١٦/ ٢٣٢).
(٥) انظر تفسير القرطبي (١٢/ ٧٢).
[ ١ / ١٩٢ ]
أَنْصَارِي إِلَى اللهِ) أي من يكون معنيا إلي فيما يقرب إلى الله؟ (١).
ومن خلال استعراض هذه الآيات والتي قبلها يتضح أن موالاة المسلم لربه ثم لرسوله ثم للمؤمنين عبادة تعبده الله بها، وحمله إياها، وإلا فإن الله ﷿ غني عن عباده ليس محتاجا إليهم في شيء، وهو كذلك قادر على نصرة دينه وأتباع دينه بقوله (كن فيكون) ولكنه جعل الموالاة في الله والمعاداة فيه أصلا من الأصول الشرعية ليختبر عباده بذلك وليمتحن خلقه بهذا الواجب العظيم فمن قام بذلك قام بواجب عظيم من واجبات الإسلام، ومن ضيع ذلك فهو لما سواه أضيع، والموالاة الحقيقية لله ﷿ توجب موالاة ومحبة رسول الله - ﷺ - لأن من لوازم محبة الله محبة رسول الله - ﷺ - وموالاة الله توجب موالاة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام؛ لأن المحب يحب ما يحب محبوبه، ويبغض ما يبغض محبوبه ويوالي من يوالي محبوبه ويعادي من يعاديه، وقد ذكر الله ﷿ وجوب محبة رسوله - ﷺ - وموالاته في آيات وأحاديث كثيرة نذكر منها ما يلي:
أولًا: قول الله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) [المائدة: ٥٦].
ثانيًا: قول الله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) [المائدة: ٥٥].
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي (١٨/ ٨٩، ٩٠) وانظر فتح القدير للشوكاني (٥/ ٢٢٣).
[ ١ / ١٩٣ ]
ثالثا: قول الله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) [الأحزاب: ٦].
قال ابن عطية (١) وبعض العلماء: هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك والضلال، وهو يدعوهم إلى النجاة (٢) اهـ.
ويؤيد هذا المعنى حديث: «إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل أستوقد نارا فجعلت الدواب والفراش يقعن فيها، فأنا آخذ بحجزم وأنت تقتحمون فيها» (٣).
وأدلة وجوب محبة الرسول - ﷺ - وموالاته من السنة ما يلي:
١ - ما روي أن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - جهارًا غير سر يقول: «إن آل أبي ليسوا بأوليائي، إنما ولي الله وصالح المؤمنين» (٤). قال النووي في معنى الحديث: إن ولي من كان صالحا، وإن بعد نسبه مني، وليس ولي من كان غير صالح، وإن قرب نسبه (٥).
٢ - وعن أنس ﵁ إن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (٦).
_________________
(١) يوجد بهذا الاسم ابن عطية: عبد الله بن عطية بن حبيب أبو محمد مقرئ مفسر مات سنة ثلاث وثمانين وثلاث مائة من الهجرة ومن آثاره تفسير القرآن الكريم ويوجد أيضا بهذا الاسم ابن عطية/ عبد الحق بن غالب بن عطية المحاربي عالم بالتفسير والأحكام والحديث والفقه، والنحو والأدب توفي سنة (٥٤٦) هـ في بلاد المغرب ولا أعلم أيهما المقصود بكلام القرطبي انظر فتح القدير للشوكاني (١/ ٩)، وانظر معجم المؤلفين عمر رضا كحالة (٥/ ٩٣) (٦/ ٨٣).
(٢) انظر تفسير القرطبي (١٤/ ١٢٢).
(٣) رواه مسلم انظر صحيح مسلم (٤/ ٧٨٩) دار التراث العربي.
(٤) رواه البخاري انظر فتح الباري (١٠/ ٤١٩).
(٥) المصدر السابق (١٠/ ٤٢١).
(٦) رواه مسلم: انظر صحيح مسلم (١/ ٦٨) كتاب الإيمان.
[ ١ / ١٩٤ ]
فمحبة الرسول - ﷺ - بهذه الدرجة تقتضي أن مخالفة ذلك منقصة للإيمان (١):
٣ - عن أنس ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحب إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن انقذه الله منه، كما يكره أن يقذف بالنار» (٢) ومحبة الرسول تستلزم محبة كل ما جاء به من عند الله ومعاداة كل من عاداه.
٤ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» (٣) وقد عد ابن القيم (﵀) من أنواع الكفر، كفر الأعراض عن الرسول - ﷺ - فلا يصدقه، ولا يكذبه ولا يواليه، ولا يعاديه ولا يصغي إلى ما جاء به البتة، كما قال أحد بني عبد ياليل للنبي - ﷺ - (والله أقول لك كلمة، إن كنت صادقا، فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك، وإن كنت كاذبا فأنت أحقر من أن أكلمك) (٤) اهـ.
فمن هذه الأحاديث وتلك الآيات يزول الشك باليقين في وجوب محبة الرسول - ﷺ - ومحبة كل ما جاء به من عند الله، من الأقوال والأفعال والاعتقادات، وأن من خالف ذلك فليس له في الإيمان حظ أو نصيب.
ومن مقتضيات محبة الله ومحبة رسوله، ومحبة ما جاء به الرسول - ﷺ - أن يحب المرء المسلم إخوانه المؤمنين وجماعة المسلمين فإن هؤلاء تجب محبتهم في الله، ومناصرتهم من أجل دين الله، فقد دلت
_________________
(١) انظر تحفة العراقية لابن تيمية (٣٥).
(٢) رواه مسلم انظر صحيح مسلم (١/ ١٦٦) كتاب الإيمان.
(٣) قال النووي: حديث صحيح انظر فتح المجيد شرح كتاب التوحيد تأليف الشيخ عبد الرحمن بن حسن (٣٩٦).
(٤) انظر مدارج السالكين بين إياك نعبد وإياك نستعين ابن قيم الجوزية (١/ ٣٣٨).
[ ١ / ١٩٥ ]
الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب محبتهم ومناصرتهم بالقول والفعل والاعتقاد ومن الأدلة على ذلك من كتاب الله قول الله تعالى:
١ - (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [التوبة: ٧١] فقوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ) أي ذكورهم وإناثهم بعضهم أولياء بعض أي: في المحبة والموالاة والانتماء والنصرة والتعاطف (١).
٢ - قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [الأنفال: ٧٢].
٣ - قول الله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) [المائدة: ٥٥، ٥٦].
ففي تلك الآيات عقد موالاة ومحبة ومناصرة عقدها الله عزوجل بين المؤمنين، في كل زمان ومكان، وذكر لنا نموذجا في موالاة الذين آمنوا وهاجروا في سبيل الله، كيف استقبلهم إخوانهم الأنصار، الذين آووا ونصروا الرسول - ﷺ - ومن معه من أصحابه، وكيف أعانوهم بأموالهم وأنفسهم وديارهم، حسبما تقتضيه أخوة العقيدة الإسلامية، فصار بعضهم أولياء بعض لكمال إيمانهم، وتمام اتصال بعضهم ببعض (٢).
وقد دلت السنة النبوية المطهرة على وجوب موالاة المسلمين بعضهم لبعض وإليك بعض الأدلة على ذلك.
_________________
(١) انظر تفسير ابن سعدي (٣/ ٢٦٤)، وانظر تفسير القرطبي (٨/ ٢٠٣).
(٢) انظر تفسير ابن سعدي (٣/ ١٩٣).
[ ١ / ١٩٦ ]
١ - ما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضوٌ تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى» (١).
٢ - ما روي عن ابن عباس ﵄ «أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله» (٢).
٣ - عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وشبك بين أصابعه (٣).
٤ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما أرأيت إن كان ظالما، كيف أنصره؟ قال: «تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن فذلك نصره» (٤).
٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: «وما أعددت للساعة؟» قال: حب الله ورسوله قال: «فإنك مع من أحببت» (٥).
قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي - ﷺ - فإنك مع من أحببت، قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله، وأبا بكر وعمر، فأرجوا أن أكون معهم، وإن لم أعمل أعمالهم (٦).
٦ - وروي أن رسول الله - ﷺ - لما قضى صلاته أقبل إلى
_________________
(١) رواه البخاري انظر صحيح البخاري (٨/ ١٢) باب كتاب الأدب.
(٢) انظر تخريج هذا الحديث في (٢) من هذه الرسالة.
(٣) متفق عليه، انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين (١/ ٢٤٥).
(٤) رواه البخاري انظر المصدر السابق (١/ ٢٥٢).
(٥) رواه مسلم انظر صحيح مسلم (٤/ ٢٠٣٢)
(٦) رواه مسلم انظر صحيح مسلم (٤/ ٢٠٣٢).
[ ١ / ١٩٧ ]
الناس بوجهه فقال: يا أيها الناس اسمعوا واعقلوا، واعلموا أن لله ﷿ عباد ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله فجاء رجل من الأعراب من قاصية الناس ولوى بيده إلى النبي - ﷺ - فقال: يا نبي الله ناس من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغطبهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله، انعتهم لنا يعني صفهم لنا فسر وجه رسول الله - ﷺ - لسؤال الأعرابي فقال رسول الله - ﷺ - هم ناس من أفناء الناس ونوازع القبائل لم تصل بينهم أرحام متقاربة تحابوا في الله وتصافوا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور، فيجلسهم عليها، فيجعل وجوههم نورا، وثيابهم نورا، يفزع الناس يوم القيامة، ولا يفزعون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (١).
٧ - ورد في كتاب بعث به الرسول - ﷺ - مع عمرو بن أمية الضمري، إلى النجاشي ملك الحبشة، وكان من ضمن ما جاء فيه قوله - ﷺ -: «وأني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني فتؤمن بي وبالذي جاءني» (٢).
٨ - روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة
_________________
(١) انظر مسند أحمد (٥/ ٣٤٣) وانظر سنن أبي داود (٣/ ٧٩٩ ح ٣٥٢٧) وإسناده صحيح تعليق عزت الدعاس. انظر منهاج المسلم/ لأبي بكر الجزائري (١٠٩) وقال عنه: إنه صحيح (ط- ١ - ١٣٩١) الناشر محمد علي السيد بسوريا.
(٢) رواه البيهقي في الدلائل عن الحاكم انظر البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٨٣) وانظر حياة الصحابة مجلد (١) ص (١٠٣) وانظر تاريخ الطبري (٢/ ٨٩).
[ ١ / ١٩٨ ]
الظلماء وأدناه أن تحب على شيء من الجور، وتبغض على شيء من العدل» (١).
٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي، يوم لا ظل إلا ظلي» (٢).
١٠ - وفي الحديث: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله» (٣).
فهذه الأدلة لعلى وجوب محبة المؤمنين، ومولاتهم ومناصرتهم ودفع الأذى عنهم، وقد ذكر الله ﷿ أن الذين يعادون المؤمنين أو من دان بالإسلام وعمل به ودعا إليهم، ويسعون لإيصال الشر إليه، وتشريهدهم عن ديار الإسلام أن هؤلاء على خطر عظيم في خروجهم من الإسلام (٤).
قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) [النساء: ١١٢].
وفي الحديث: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب» (٥).
_________________
(١) رواه الحاكم من المستدرك وقال صحيح الإسناد وأبو نعيم من الحلية عن عائشة ﵂ مرفوعا انظر تحفة الأخوان حمود بن عبد الله التويجري وانظر مجموعة التوحيد (١١٨).
(٢) رواه مسلم انظر صحيح مسلم (٤/ ١٩٨٨).
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود مرفوعا، وهو حسن، انظر الإيمان لأبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (ت ٢٣٥) (٤٥) تحقيق ناصر الدين الألباني المطبعة العمومية بدمشق وانظر مسند الإمام أحمد (٤/ ٢٨٦).
(٤) انظر الجواب الفائض للرد على الرائض تأليف سليمان بن سحمان مخطوطة بقسم المخطوطات بجامعة الرياض برقم (٣٤١٣) الورقة (٣٣).
(٥) رواه البخاري في باب التواضع، انظر فتح الباري (١١/ ٣٤٠).
[ ١ / ١٩٩ ]
وفي حديث آخر: «وإني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب» (١).
وقد جعل الله حب الصحابة، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين علامة، ودليلا من دلائل الإيمان، كما ذكر أن بغضهم وبغض من يقتدي بهم، وبمن اقتدوا به، من دلائل الكفر، قال رسول الله - ﷺ - «آية المنافق بغض الأنصار» «وآية المؤمن حب الأنصار» (٢) وعن أنس عن النبي - ﷺ - أنه قال: «حب الأنصار آية الإيمان، وبغضهم آية النفاق» (٣) وعن البراء، عن النبي - ﷺ - أنه قال في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» (٤)، وفي حديث عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «عهد النبي الأمي - ﷺ - إلي أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق» (٥).
ومعنى هذه الأحاديث، أن من عرف رتبة الأنصار، وما كان منهم في نصرة الإسلام والسعي في إظهاره، وإيواء المسلمين وقيامهم في مهمات الإسلام حق القيام وحبهم للنبي - ﷺ - وحبه إياهم وبذلهم أموالهم، وأنفسهم بين يديه، وقتالهم معه، ومعاداتهم سائر الناس، من غير المسلمين إيثارا للإسلام، ومن عرف فضل علي بن أبي طالب ﵁ وقربه من رسول الله - ﷺ - وحب النبي - ﷺ - له وما كان منه في نصرة الإسلام وسوابقه فيه: ثم أحب الأنصار وعليا لهذا كان ذلك من دلائل صحة إيمانه، وصدقه في إسلامه، لسروره بظهور الإسلام، والقيام بما يرضي الله ﷾، ورسوله - ﷺ - ومن أبغضهم كان بضد ذلك واستدل ببغضه لهم على نفاقه وفساد سريرته (٦) ويقاس على ذلك حب، أو بغض من سار
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٤٨٣).
(٢) رواه مسلم انظر صحيح مسلم (١/ ٨٥).
(٣) المصدر السابق نفس المكان.
(٤) المصدر السابق نفس المكان.
(٥) المصدر السابق (٨٦).
(٦) المصدر السابق (٨٥).
[ ١ / ٢٠٠ ]
على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل فرس في أخيته يجول ثم يرجع إلى أخيته، وإن المؤمن يسهو ثم يرجع إلى الإيمان فأطعموا طعامكم الاتقياء، وأولوا معروفكم المؤمنين» (١) فهذا الحديث يدل على وجوب إعطاء المعروف لأهل الإيمان وأهل التقى الذين هم عون للمؤمن في الدنيا والآخرة.
وقد دلت بعض الأحاديث أن القطعية بين الأخوة المسلمين وعدم الموالاة في الله من علامات الساعة وأشراطها، فقد روي عن حذيفة ﵁ قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن الساعة فقال: «علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ولكن أخبركم بمشاريطها وما يكون بين يديها، أن بين يديها فتنة وهرج» قالوا يا رسول الله الفتنة قد عرفناها، فالهرج ما هو؟ قال: بلسان الحبشة القتل، ويلقي بين الناس التناكر فلا يكاد أحد يعرف أحدًا (٢).
وهذا للأسف هو الحاصل بين عامة المسلمين في العصر الحاضر.
وروي عن ابن عباس ﵄ من حديث طويل أن من دعائه - ﷺ -: «اللهم اجعلنا هادين مهتدين غير ضالين ولا مضلين، سلما لأوليائك وعدوا لأعدائك نحب بحبك من أحبك ونعادي بعداوتك من خالفك» (٣).
ومما تقدم يتضح لنا بكل جلاء ووضوح، وجوب موالاة الله ورسوله والمؤمنين، موالاة وتوليا بالقول والفعل والاعتقاد، إذا كنا صادقين في انتسابنا إلى أمة الإسلام، فالحب في الله والبغض في الله أصل عظيم من
_________________
(١) انظر مسند أحمد (٣/ ٥٥).
(٢) مسند أحمد (٥/ ٣٨٩).
(٣) سنن الترمذي (٥/ ١٤٨).
[ ١ / ٢٠١ ]
أصول الإيمان يجب على العبد مراعاته، ولهذا جاء في الحديث «المتقدم أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله » الحديث.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: أصل دين الإسلام وقاعدته أمران:
الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والدعوة إلى ذلك والموالاة فيه، وتكفير من تركه قال تعالى: (إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) [الممتحنة: ٤].
الثاني: الإنذار عن الشرك، في عبادة الله، والتغليظ في ذلك، والمعادة فيه وتكفير من فعله (١).
ثم يقول جاء في الحديث الصحيح من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله (٢) فقوله وكفره بما يعبد من دون الله، تأكيد للنفي، فلا يكون معصوما إلا بذلك، لأن شهادة أن لا إله إلا الله قيدت في الأحاديث بقيود ثقال، منها العلم، والإخلاص، والصدق واليقين وعدم الشك، وقبول ذلك ومحبته والمعاداة فيه والموالاة عليه (٣) اهـ.
فمن والى الله ورسوله والمؤمنين، ولم يعاد المشركين، لم يصح إيمانه ولم يستقم إسلامه لأن عداوة الكفار واجبة، بالقدر الذي يجب فيه، موالاة الله ورسوله، والمؤمنين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٣٣، ٣٤).
(٢) رواه مسلم: انظر صحيح مسلم (١/ ٥٣).
(٣) انظر مجموعة التوحيد (٣٥).
[ ١ / ٢٠٢ ]
الله: الإخلاص محبة الله وإرادة وجهه فمن أحب الله أحب دينه وما لا فلا (١) اهـ.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: الواجب على كل عبد أن يعرف أن من صدق الرسول - ﷺ - ووحد الله، لا يجوز له أن يواد من حاد الله، ورسوله، حتى يتوب المحاد من المحادة لله ورسوله (٢) اهـ.
والدليل على ذلك، قوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) [المجادلة: ٢٢] فإذا كان الله ﷿ قد نهى عن موادة الأب والابن والأخ والعشيرة، إذا كانوا كفارة فما بالك بمن يواد الكفار، الذين لا يرتبط بهم بنسب أو سبب مباح، وقال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهما الله: في معرض شرحه لكلام الشيخ ابن القيم ﵀ في باب التوبة، قال: يتبين لك أن الإسلام لا يستقيم إلا بمعاداة أهل الشرك، فإن لم يعادهم فهو منهم، وإن لم يفعل فعلهم (٣).
ولأن محبة الله ومحبة الكفار، لا تجتمع في قلب مؤمن، حتى في حال الإكراه الملجئ الذي يعذر فيه الإنسان بالنطق في كلمة الكفر، لا يعذر الإنسان برضا القلب عنهم، لأنه إذا رضى بقلبه، فليس بعد ذلك في قلبه ذرة من إيمان.
وفي كتاب وقعه علماء مكة المكرمة، بعد فتحها، على يد سعود
_________________
(١) المصدر السابق (٣٦).
(٢) المصدر السابق نفس المكان.
(٣) انظر مجموعة التوحيد (٣٥).
[ ١ / ٢٠٣ ]
ابن عبد العزيز بن محمد بن سعود قالوا فيه: ومن لم يدخل في هذا الدين ويعمل به، ويوالي أهله، ويعادي أعداءه، فهو عندنا كافر بالله واليوم الآخر، وواجب على إمام المسلمين جهاده وقتاله، حتى يتوب إلى الله مما هو عليه، ويعمل بهذا الدين (١) اهـ.
وقد وقع عليه أحد عشر عالما من علماء مكة الأجلاء ولكن للأسف الشديد أن كثيرًا من ولاة المسلمين المعاصرين، الذين فرض عليهم محاربة من يوالي الكفار، هم قد سبقوا غيرهم في ذلك فركنوا إلى الذين ظلموا واتخذوهم بطانة من دون المؤمنين.
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: لا تضيعوا حظكم من الله وتحبوا دين اليهود والنصارى، على دين نبيكم، فما ظنكم بين واجه الله، وهو يعلم من قلبه أنه عرف التوحيد، وأنه يعلم، أنه دين الحق، وهو يبغضه ويبغض من أتى به، ويبغض من اتبعه، ويعرف أن دعوة غيره هي الكفر ولكن مع ذلك يحبه ويحب من اتبعه أتظنون أن الله يغفر لهذا (٢).
إن الموالاة كما قلنا في التعريف الشرعي هي المحبة القلبية وما يترتب عليها من أقوال وأفعال.
والمحبة لغير الله شرك كما تقدم إيضاح ذلك، فإخلاص الموحد لله يقتضي الحب في الله، والبغض فيه، والمعاداة في الله، والموالاة فيه لأن العبد إذا أخلص لله في المحبة، أحب طاعته وأهل طاعته، وأبغض معصيته وأهل معصيته، على معاصيهم، فعلى قدر المحبة لله، تكون الموالاة بين المسلمين والمعاداة للكافرين (٣).
_________________
(١) الدرر السنية (١/ ٣١٨).
(٢) انظر الدرر السنية (١/ ٦١)
(٣) انظر الدرر السنية (١١/ ٥٢).
[ ١ / ٢٠٤ ]
والمحبة لله وفي الله ليست من قبيل محبة العوض فقط، بل هي أيضا إضافة لما يجده المسلمين في الجنة مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر محبة يجد المؤمن في قلبه وفعله آثارها الحسنة ونتائجها المحمودة في دار الدنيا قبل الآخرة، بخلاف محبة الأجير والعامل الذي يعمل لمحبة العوض فقط، أما حال العمل فلا يجد إلا التعب والضيق والنصب، وإنما يدفعه للعمل محبة العوض الذي ينتظره بعد تمام العمل.
حيث إن محبة الله وحده ومحبة ما يحبه الله، تنفق مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فلا تعارض أو تناقض بين أمر الله به وبين ما هو مودع في نفس الإنسان من حب وبغض ولذلك كانت الموالاة في الله والمعاداة فيه ملة أبينا إبراهيم ﵇ وهدى نبينا محمد - ﷺ - قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ) [المائدة: ٥١] والموالاة في الله، هي سبب تناصر المسلمين فيما بينهم وتعاونهم على ما يحقق لهم العزة والكرامة في الدنيا والأآخرة.
وقد عد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ من نواقض الإسلام العشرة: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين (١) مستدلا بقول الله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [المائدة: ٥١].
وقد أجمع علماء الإسلام أن من لم يكفر المشركين أوشك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، أو اعتقد أن نظامهم أهدى وأفضل من هدي الله ورسوله، أو أبغض شيئا مما جاء به الرسول - ﷺ -
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٢٨).
[ ١ / ٢٠٥ ]
ولو عمل به فهو كافر، لعدم استسلامه وانقياده انقيادا كاملا لله ﷿ (١) اهـ.
وعداوة الكفار أمر واجب على المسلم، ولو كان هذا الكافر من القرابة في النسب قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة: ٢٣، ٢٤].
فنهى ﷾ في الآية الأولى، المؤمنين عن موالاة وموادة أقرب الناس إليهم إذا كانوا كفارا وبين أن الذي يتولى أباه أو أخاه الكافر، ظالم لنفسه، يحملها على محمل قد حرمه الله عليها فكيف بمن تولى الكافرين وهم أعداء له ولآبائه ولدينه؟ أفلا يكون هذا ظالما، بلى، والله إنه أظلم الظالمين وقد عرف العلماء الظلم، بأنه وضع الشيء في غير موضعه (٢).
ثم بين في الآية الثانية أن هذه الأعذار الثمانية التي يعتذر بها المعتذرون لا تصح أن تكون عذرا في موالاة وموادة الكافرين فليس لأحد أن يواليهم، خوفا على أبيه، أو أخيه، أو بلاده أو ماله أو مركزه أو زوجته وأولاده فإن الله قد سد باب الأعذار بهذه الأمور ونحوها وعد من يعتذر بها من المنافقين قال تعالى: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا) [الفتح: ١١].
_________________
(١) الدرر السنية (٢/ ١٧٦).
(٢) انظر مورد الظمآن لدروس الزمان تأليف عبد العزيز السلمان (٣/ ١٠٥).
[ ١ / ٢٠٦ ]
وقد يعترض معترض على أن هذه الآية والتي قبلها نزلت في شأن الجهاد فما علاقتهما بالموالاة والمعاداة، فنقول: إن علاقتهما بالموالاة والمعاداة من وجهين:
الأول: إذا كانت هذه الأعذار الثمانية المذكورة في الآية ليست عذرا في ترك الجهاد، الذي هو فرض كفاية في بعض أحواله، فكونها لا تكون عذرا، في ترك عداوة المشركين ومقاطعتهم بطريق الأولى.
الثاني: قوله تعالى: (أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ) [التوبة: ٢٤] فمحبة الله ورسوله، توجب إيثار عداوة المشركين ومن في حكمهم، ومقاطعتهم على هذه الثمانية، كما أن محبة الجهاد توجب إيثاره عليها (١).
وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: أن المبغض لما جاء به الرسول - ﷺ - كافر بالإجماع ولو عمل به (٢)، ثم يقول في موضع آخر فلا ينبغي لرجل يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر أن يرد شيئا مما جاء به الرسول - ﷺ - لكونه مخالفا لهواه أو لما عليه أهل وقته، ومشايخه، فإن الكفر كما قال ابن القيم ﵀ في نونيته:
فالكفر ليس سوى العناد ورد ما جاء الرسول به لقول فلان
فانظر لعلك هكذا دون التي قد قالها فتبوء بالخسران (٣)
وقال تعالى: (إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) [الأنفال: ٧٣] اهـ.
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٢٦٢).
(٢) انظر الرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب (٢٣٠).
(٣) المصدر السابق (٢٤٠).
[ ١ / ٢٠٧ ]
أي إن لم تجانبوا المشركين، وتوالوا المؤمنين، وإلا وقعت الفتنة في الناس، وهو التباس الأمر، واختلاط المسلم بالكافر، على غير تمييز فيقع بذلك فساد عريض (١).
وفي رسالة بعث بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ إلى عبد الله بن علي ومحمد بن جماز، يأمرهما بمخاطبة من لديهم، قال فيها: ولكن أخبروهم أن الحب والبغض، والموالاة والمعاداة، لا يصير للرجل دين إلا بها، فلا ينفعهم ترك الشرك، ولا ينفعهم قول (لا إِلَهَ إِلا اللهُ) حتى يبغضوا لله (٢).
وقال: أبلغوهم أن المعاداة ملة أبينا إبراهيم ﵇ ونحن مأمورون في متابعته قال تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ) إلى قوله تعالى: (حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ (٣).
ثم قال: واذكروا لهم إن الواجب على الرجل أن يعلم علياله وأهل بيته الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة فيه، مثل تعليم الوضوء والصلاة، لأنه لا صحة لإسلام المرء، إلا بصحة الصلاة ولا صحة لإسلامه أيضا إلا بصحة الموالاة والمعاداة في الله (٤)، وفي مسائل لخصها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عن ابن تيمية رحمهما الله قوله: إن الحسنات أمور وجودية متعلقة بالرحمة والحكمة، لأنها إما فعل مأمور، أو ترك محظور، والترك أمر وجودي، فتركه لما عرف أنه ذنب، وكراهته له، ومنع نفسه منه، أمور وجودية، وإنما يثاب على الترك، على هذا الوجه، وقد جعل النبي - ﷺ -
_________________
(١) ملحق المصنفات مختصر تفسير سورة الأنفال للشيخ محمد بن عبد الوهاب (٢٥)
(٢) الرسائل الشخصية محمد بن عبد الوهاب (٣٢٢)
(٣) المصدر السابق نفس المكان.
(٤) الرسائل الشخصية محمد بن عبد الوهاب (٣٢٣).
[ ١ / ٢٠٨ ]
البغض في الله، من أوثق عرى الإيمان، وهو أصل الترك، وجعل المنع لله، من كمال الإيمان، وهو أصل الترك أيضا، فبراءة الخليل ﵇ من قومه المشركين ومعبوداتهم ليست تركا محضا، بل صادرا عن بغض وعداوة لهم، لبغضهم ومعاداتهم لله (١). ثم يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب إن الله ﷾ يحب عباده المؤمنين، فيريد الإحسان إليهم، وهم يحبونه فيريدون طاعته، وما من مؤمن إلا ويجد في قلبه محبة الله ورسوله والمؤمنين، والمحبة هذه تكون لكل محبوب بحسبه محبة الله هي الأساس، ومحبة الرسول - ﷺ - من محبة الله، ومحبة المؤمنين من محبة الله ومحبة رسوله، فإذا سمع المؤمن، من يسب أحد هؤلاء المحبوبين لديه، هان عليه ذلك الساب وانعقد القلب على عداوته، ومهاجرته، بل وجب السعي إلى إرجاعه إلى الحق أو محاربته على ذلك، خاصة إذا كان السب لله أو لرسوله - ﷺ - لأن ذلك لا يصدر إلا عن كافر أو مرتد عن الإسلام (٢) قال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ) [المجادلة: ٢٢].
وعلى هذا فإن بغض الكفار واجب ومحبتهم ممتنعة، وعلى العكس من ذلك أهل الإيمان، فإن حبهم واجب وبغضهم ممتنع، يقول الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود ﵏ وهو من العلماء العاملين في رسالة بعث بها إلى بلاد العجم وبلاد الروم قال فيها: نحن لا نكفر إلا من عرف التوحيد وسبه وسماه دين الخوارج، وعرف الشرك وأحبه وأحب أهله ودعا إليه وحض الناس عليه، بعد ما قامت عليه الحجة، وإن لم يفعل الشرك أو فعله وسماه بغير اسمه، بعد ما عرف أن
_________________
(١) ملحق المصنفات للشيخ محمد بن عبد الوهاب (٣٦).
(٢) انظر العقيدة الإسلامية، محمد بن عبد الوهاب (ص٣٨٥).
[ ١ / ٢٠٩ ]
الله حرمه، أو كره ما أنزل الله أو أبغض ما أنزل الله (١) قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) [محمد: ٩].
فنستنتج من ذلك، أن أكبر ذنب وأضله وأعظمه منافاة لأهل الإسلام الولاء لأعداء الله، من حب معاونة ومناصرة لهم على كفرهم، لأن من أنواع الشرك الرئيسة شرك المحبة والولاء (٢) والشرك بأنواعه المتعددة من أعظم الذنوب قال تعالى: (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: ٤٨] وشرك الولاء للأعداء يتخذ صورا متعددة منها السعي فيما يظهر به دين الكفار، وما هم عليه من باطل وشرك يضاف إلى ذلك انشراح الصدر لهم، وطاعتهم والثناء عليهم ومدح من دخل تحت أمرهم المنكر، وانضم إلى سلكهم وحرض على ترك جهادهم ومسالمتهم ودعا إلى عقد الأخوة معهم والطاعة لهم وتكثير سوادهم (٣).
وقد روي عن جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «ستكون أمراء من دخل عليهم فأعانهم على ظلمهم وصدقهم بكذبهم فليس مني ولست منه، ولن يرد عليّ الحوض» (٤).
وروي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أعان على خصومة بظلم أو يعين على ظلم لم يزل في سخط الله تعالى حتى ينزع» (٥).
_________________
(١) انظر الدرر السنية (١/ ١٤٥، ١٤٦).
(٢) انظر مقرر علم التوحيد للصف الثاني الثانوي بالمملكة العربية السعودية/ تأليف محمد قطب (١) سنة ٣٩٦هـ، (٣٦).
(٣) انظر الدرر السنية (١١/ ٨٠).
(٤) رواه أحمد، مسند أحمد (٢/ ٩٥).
(٥) رواه ابن ماجه، سنن ابن ماجه (٢/ ٥٢) وانظر الحلية لأبي نعيم (٥/ ٧٤) (٢٤٨).
[ ١ / ٢١٠ ]
وروي أيضا عن امرأة يقال لها فسيلة قالت: سمعت أبي قول سألت رسول الله - ﷺ - فقلت: أمن العصبية أن يحب الرجل قومه؟ قال: لا «ولكن من العصبية أن يعين الرجل قومه على الظلم» (١).
ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵏: إن الله افترض على المؤمنين عداوة المشركين من الكفار والمنافقين ومن حذا حذوهم، وقطع الموالاة بين المؤمنين والكافرين وبين أن من تولى الكفار فهو منهم (٢) قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) [المائدة: ٥١] وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) إلى قوله: (وَمَنْ يَتَوَلهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الممتحنة: ١ - ٩].
فنأخذ من تلك الآيات، أن موالاة الكافرين أمر عظيم، ومبدأ خطير وذلك مما عرضته الآيات من شدة النهي والزجر، مع صحابي علم الله واطلع رسوله - ﷺ - على أن حاطب بن أبي بلتعة ﵁ فعل ذلك مع سلامة القصد، ويقين القلب بالإسلام، ولكن مع ذلك أنزل فيه آيات بينات ووقف عمر بن الخطاب ﵁ ثائرا يقول: يا رسول الله دعني أضرب عنقه فقد نافق، فيرد عليه الرسول - ﷺ - يا عمر إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٣). فأعطت الآيات التسع من أول سورة الممتحنة حجمًا عظيمًا لهذه الحادثة،
_________________
(١) رواه ابن ماجه المصدر السابق (٢/ ٤٦٣).
(٢) انظر مجموعة التوحيد (١١٣).
(٣) تفسير القرطبي (١٨/ ٥٠).
[ ١ / ٢١١ ]
لكن لا تكون سابقة لمثلها، في هذا الدين، مع أنه كان يمكن أن تمر هذه الحادثة لو قدرناها باعتبارها حادثة فردية بطريق أسهل وأخف، من أن ينزل الله بها وحيا يتلى إلى قيام الساعة، ولكن إرادة الله ومشيئة هي التي قدرت لهذه الحادثة أن تكون، وأن تكشف فصاحب القصة هو أحد الأفراد القلة الذين استودعهم رسول الله - ﷺ - سر هذه الغزوة ثم تدركه لحظة الضعف البشري، فيبوح بذلك السر، ويجري قدر الله وإعجازه، بكف ضرر هذه الحادثة، قبل تمامها، باطلاع رسول الله - ﷺ - على الأمر (١) فيتحقق بذلك أمر الله في منع موالاة الكافرين ومودتهم، وبخاصة الذين يحاربون أهل الإسلام في دينهم وديارهم وأنفسهم حيث قال: (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) أما لو رجعنا إلى الكتاب الذي بعث به حاطب بن أبي بلتعة، إلى قريش لوجدنا أن ما فيه من كلمات، تعتبر بمثابة حرب نفسية للكفار حيث يقول فيه: أما بعد فإن رسول الله - ﷺ - قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم، وأنجز له موعده فيكم، فإن الله وليه وناصره (٢) ولكن نظرا إلى أن الأمر تم بتصرف فردي واجتهاد شخصي لمصلحة خاصة، اعتبر ذلك الأمر في غاية الخطورة والشدة، حيث إن في ذلك إذاعة لسر رسول الله - ﷺ - وللجماعة المسلمة بدون مراجعتها وإقرارها لذلك.
فاعتبر ذلك انحيازا إلى الكفار وموالاة لهم، ولكن حاطب بن أبي بلعتعة ﵁ قد استثنى من طائلة هذا التصرف وعفا الله عنه لاعتبارات تقدم ذكرها (٣) وهي لا تنطبق على سواه، أما من يفعل ذلك
_________________
(١) انظر في ظلال القرآن (٨/ ٦٥، ٦٦).
(٢) تفسير القرطبي (١٨/ ٥٠) وانظر نيل الأوطار للشوكاني (٨/ ١٥٦).
(٣) انظر (١٧٢) من هذه الرسالة.
[ ١ / ٢١٢ ]
من المسلمين بعده، فهو مرتكب لذنب عظيم وإثم كبير، إذا فعل ذلك لغرض دنيوي وكان سليم الاعتقاد، نحو الله ورسوله ودين الإسلام والمسلمين حيث إن حاطب ﵁ أراد بعمله ذلك أن يتخذ يدا عند الكفار يحمون بها أبناءه وأهله، ولو ينو الردة عن الدين ومع ذلك وصف هذا العمل بالضلال قال تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) [االممتحنة: ١].
أما من فعل ذلك مع فساد النية وخبث الطوية فهو كافر مرتد (١) وهذا الحكم ينطبق على الذين يستدعون الكفار إلى بلاد المسلمين ثم يطيعونهم فيما يأمرون به من كفر وضلال، ويظهرون لهم الموافقة على دينهم الباطل، ويعينونهم عليه بالمال والرجال والسلاح، بينما يقطعون صلتهم بالمؤمنين خاصة والمسلمين عامة، وربما ناصبوا المسلمين العداء في أقوالهم وأفعالهم فهل يشك أحد في كفر هؤلاء وردتهم عن الإسلام؟ إن من يفعل ذلك يكون خارجا على منهج الله ومنهج رسوله، فإن كان حاكما سقطت ولايته وانحلت بيعته، ووجب عصيانه وعدم طاعته، وإن كان من أدعياء العلم، ثبت إلحاده وانحرافه وزندقته، وإن كان جاهلا، أو متهاونا ثبت ضلاله لعدم سعيه وسؤاله عما لا يعلم حيث إن الله تعالى يقول: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [الأنبياء: ٧].
فكثير من مدعي الإسلام في عصرنا الحاضر داخلون تحت هذا لاحكم فالذين يصححون مذاهب الكفر ويعظمون أحزابه وينتمون إليها ويدعون لها، كفارا وإن اعتقدوا الإسلام أو زعم بعضهم بجهل أو تجاهل أن لا تعارض بين الإسلام وتلك الأحزاب.
_________________
(١) أحكام القرآن لابن القيم (٤/ ١٧٧١).
[ ١ / ٢١٣ ]
فالذين ينادون بالشيوعية، أو الاشتراكية، أو يدعون إلى الأحزاب البعثية، أو القومية، أو العلمانية، أو الماسونية هؤلاء كفار وإن عاشوا بين المسلمين، وتسموا بأسماء أهل الإسلام، لأنهم لم يرضوا بالإسلام دينا، ولم يعتقدوا بكماله وتمامه، وإلا لم ينتموا ويدعوا إلى تلك الأحزاب الكافرة قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) [المائدة: ٣].
وقال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: ٦٥].
وقال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران: ٨٥].
فالذين يوالون الكفار على تلك الصفات المتقدمة حكمهم الكفر، لأن هؤلاء الذين يوالون الكفار غالبا ما يكونون مبغضين لحكم الله ورسوله ودين الإسلام، معادين لأوليائه موالين لأعدائه، فهم والحالة هذه جمعوا بين سببين مكفرين:
الأول: تفضيل أحكام الكفار وأنظمتهم على حكم الله ورسوله.
الثاني: بغضهم لما جاء عن الله وعن رسوله من دين الإسلام فهم يحاولون تأويل النصوص الشرعية وتفسيرها حسبما يتفق مع أهوائهم ورغباتهم المنحرفة فهم وإن عملوا ببعض أحكام الإسلام فليسوا مسلمين بالمعنى الصحيح، لأنهم لم يستسلموا لله، وينقادوا له بالطاعة، ويذعنوا لأحكام الإسلام ففي أنفسهم حرج مما قضى الله به وشرع وهذا ينفي عنهم صفة الإيمان، قال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ
[ ١ / ٢١٤ ]
لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: ٦٥﴾.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن وذمة ووقع فيه وأقره ودعا إليه، وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية، أو نظيره أو شر منه، أو دونه فتنقض بذلك عرى الإسلام ويعود المعروف منكرا والمنكر معروفا، والبدعة سنة والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول - ﷺ - ومفارقة الأهواء والبدع، ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا والله المستعان (١) اهـ.
وقد رأى ذلك من قبلنا، ورأيناه في عصرنا الحاضرة بصورة لا مثيل لها فقد ابتلينا بجهلة يدعون علما بلا عمل، ويحملون شهادات كبيرة ولكنهم مع ذلك أشربت قلوبهم حب الشرك والبدع، وقلدوا اليهود والنصارى وأهل الوثنية حذو القذة بالقذة، فقد استحسنوا البدعة، وأنكروا التوحيد والسنة وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل وجهلوا أو تجاهلوا أن الله تعالى عقد الأخوة والموالاة والمحبة بين المؤمنين كلهم، ونهى عن موالاة الكافرين كلهم، من يهود ونصارى ومجوس، ومشركين وملحدين ومارقين ومرتدين، وغيرهم ممن ثبت في الكتاب والسنة والحكم بكفرهم، فعليهم وعلى أمثالهم ممن لم يصلوا إلى درجتهم أن يعلموا أن الله ﷿، قد أوجب على كل مسلم محبة كل مؤمن موحد، تارك لجميع المكفرات الشرعية، وأن عليه موالاته ونصرته بنفسه، وماله، واعتقاده وكل من كان بخلاف ذلك من أهل الزيغ.
_________________
(١) مجموعة التوحيد (٣١٩، ٣٢٠).
[ ١ / ٢١٥ ]
والإنحراف والضلال، فإنه يجب التقرب إلى الله ببغضه ومعاداته، وجهاده باللسان واليد بحسب القدرة والإمكان فما الولاء والبراء، إلا الحب والبغض في الله، وهما أصل الإيمان، فأصل الإيمان، أن تحب في الله أنبياءه، ورسله وأتباع رسله، وتبغض في الله، أعداءه، وأعداء رسله، وأعداء المؤمنين في كل زمان ومكان، وكل من حكم الشرع بتكفيره فإنه يجب تكفيره ومن لم يكفر من كفره الله ورسوله، فهو كافر مكذب لله ورسوله، وذلك إذا ثبت عنده كفره بدليل شرعي (١) اهـ.
وقد بين الله ﷿ في كتابه الكريم، وسنة رسوله المصطفى العظيم أن الناس في هذه الحياة قسمان لا ثالث لهما، حزب الله، وحزب الشيطان، وأمر المسلم أن ينضم إلى حزب الله، يحبه ويواليه ويناصره بجميع ما يملك، إن أراد أن يكون من جزب الله المفلحين، قال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾. إلى قوله: (أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [المجادلة: ٢٢] أما من ضل وانحرف، وشقي في دنياه وأخراه فهو الذي يتولى ويوالي حزب الشيطان، وحزب الشيطان يتخذ مظاهر متعددة وإشكالا مختلفة، ولكن يجمعها شيء واحد هو تعارضها مع الإسلام جملة وتفصيلا فكل حزب يتعارض مع الإسلام هو حزب الشيطان مهما أطلق عليه من أسماء براقة وألفاظ ممنمقة قال تعالى: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [المجادلة: ١٩] فيجب على المسلم أن يتعامل مع الناس، على أساس أن هناك من الناس من هم أولياء لله، ومنهم من هم أولياء للشيطان، وقد فرق الله بينهم بقوله تعالى في شأن أوليائه (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ
_________________
(١) انظر في هذا المعنى الفتاوى السعدية (١/ ٩٨) عبد الرحمن بن سعدي
[ ١ / ٢١٦ ]
عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [يونس: ٦٢].
وقوله تعالى: (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: ٢٥٧].
وقال تعالى عن أولياء الشيطان: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ) [الأعراف: ٢٧].
وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا) [الأنعام: ١٢١].
وقال تعالى: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ) [الكهف: ٥٠] فإذا عرف الناس أن فيهم أولياء للرحمن، وأولياء للشيطان، فيجب على المسلم أن يفرق بين هؤلاء وهؤلاء، كما فرق الرسول - ﷺ - بينهما (١).
فأولياء الله لا تجوز معاداتهم أو محاربتهم، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب» (٢) .. الحديث
فيؤخذ من ذلك أن من كره من أحب الله خالف الله، ومن خالف الله عاذده، ومن عانده أهلكه الله.
وإذا ثبت ذلك في جانب المعاداة ثبت ضد ذلك في جانت الموالاة لأولياء الله، فمن والى أولياء الله أكرمه الله، ومن عاداهم عاداه الله.
قال الطوفي (٣): لما كان ولي الله هو من تولى الله بالطاعة
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٤٨٢).
(٢) رواه البخاري انظر فتح الباري (١١/ ٣٤٠).
(٣) هو سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم بن سعيد الطوفي الصرصري البغدادي الحنبلي ولد سنة (٦٥٧) ونشأ نشأة العلماء فهو فقيه أصولي، مشارك في أنواع العلوم، ولد بقرية طوفي من أعمال بغداد، وتوفي في الخليل بفلسطين سنة (٧١٦) من تصانيفه الكثيرة بغية الشامل في أمهات المسائل في أصول الدين مختصر الحاصل في أصول الفقه، شرح مقامات الحريري في مجلدات الإكسير في قواعد التفسير مختصر الجامع الصحيح للترمذي. انظر معجم المؤلفين عمر رضا كحالة (٤/ ٢٦٦).
[ ١ / ٢١٧ ]
والتقوى تولاه الله بالحفظ والنصرة، وقد أجري الله العادة بأن عدو العدو صديق، وصديق العدو عدو، فعدو ولي الله، عدو الله ومن عادى إنسانا كان كمن حاربه، ومن حارب ولي الله كان كمن حارب الله (١) اهـ.
وفي الحديث إني لأثار لأوليائي كما يثأر الليث الحرب (٢).
أي آخذ ثأرهم ممن عاداهم كما يأخذ الليث الحرب ثأره لأن الله ﷿ يدافع عن الذين آمنوا قال تعالى: (إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) [الحج: ٣٨] فهذه كرامة من الله ﷿ للذين آمنوا به، ووالوه وأحبوه، وأحبوا ما يحب، وابغضوا ما يبغض ورضوا بما يرضى وسخطوا بما يسخط، وأمروا بما يأمر به، ونهوا عما نهى عنه، وأعطوا لمن يحب أن يعطي، ومنعوا من يحب أن يمنع، فمن أجل ذلك أحاطهم الله بعناية ورعايته قال تعالى: (إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾.
فمن لم يعاد الكافرين ويوال المسلمين فليس من حزب الله ولا من أهل ولايته، يقول الشاعر سليمان بن سحمان:
فمن لم يعاد المشركين ومن لم يوال ولم يبغض ولم يتجنب
فليس على منهاج سنة أحمد وليس على نهج قويم معرب (٣)
_________________
(١) انظر فتح الباري (١١/ ٣٤٣).
(٢) انظر مجموعة التوحيد (٣٨٣) ضمن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
(٣) عقود الجواهر المنضدة الحسان/ سليمان بن سحمان (٢٤٨).
[ ١ / ٢١٨ ]
ويقول في موضع آخر:
ومن كان ذا حب لمولاه إنما محبته للدين شرط فقيد
ومن لا فلا والحب لله إنما يتم بحب الدين دين محمد
فعاد الذي عادى لدين محمد ووال الذي والاه من كل مهتد
وأحبب رسول الله أكمل من دعا إلى الله والتقوى وأكمل مرشد
أحب من الأولاد والنفس بل ومن جميع الورى والمال من كل اتلد
واحبب لحب الله من كان مؤمنا وأبغض لبغض الله أهل التمرد
وما الدين إلا الحب والبغض والولا كذاك البراء من كل غاو ومعتد (١)
ويقول المجاهد مروان حديد (٢) من قصيدة طويلة:
ومرضاة الإله بحرب كفر وبغض الكفر في لحمي ودمي
فخلاصة القول في هذا المبحث إننا محتاجون إلى ولاية الله ونصرته وعونه لنا وهذا لا يتحقق إلا إذا كانت موالاتنا في الله، ومعادالتنا فيه وأن من لم يوال في الله ويعاد فيه فليس بمسلم، وأنه لا عز لنا في الدنيا
_________________
(١) المصدر السابق (٢٥٩).
(٢) ولد الشاعر المجاهد مروان حديد في مدينة حماة عام (١٩٣٨) وعاش في أسرة عرفت بتمسكها بالإسلام تلقي العلم بمدارس حماة ومساجدها وبعد أن أتم دراسته الثانوية انتقل إلى مصر والتقى بكثير من علمائها، وعلى رأسهم الشيخ حسن البنا ﵀ ثم بعد ذلك تخرج من كلية الزراعة مهندسا زراعيا، وعاد إلى سوريا داعية إلى الله، يزرع بدعوته الإيمان في القلوب المجدية، ولكن البعثيين الكفرة تصدوا له فاعتقلوه وقضى سنوات طويلة في سجن تدمر الصحراوي ثم خرج منه عام (١٩٦٧) بعد الهزيمة المصطنعة التي سلم فيها الخائن النصيري هضبة الجولان لأخوانه اليهود، فتألم المجاهد مروان حديد لاستيلاء اليهود على القدس، وشكل مجموعة من الشباب المسلم واتخذوا قاعدة لهم في غور الأردن ينطلقون منها إلى قلب فلسطين، مجاهدين لليهود، فتأمر عليهم اليهود مع النصيريين الكفرة وعندما عاد مروان حديد إلى حماة داهمته القوات البعثية صباح اليوم الأول من شهر يوليو ١٩٧٥م وصعدت روحه الطيبة إلى بارئها انظر شعراء الدعوة الإسلامية (٥/ ٩٥ - ٩٧).
[ ١ / ٢١٩ ]
والآخرة إلا بالموالاة في الله التي تجعل المسلمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، ولا فوز لنا في الآخرة إلا بذلك، فمن والى الكفار فهو معهم دنيا وأخرى، قال تعالى: (إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) [النساء: ١٤٠]، وقال تعالى: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعًا) [النساء: ١٣٩].
[ ١ / ٢٢٠ ]
المبحث التاسع: صلة المداهنة والمداراة بالموالاة والمعاداة
يختلط على كثير من الناس مفهوم المداهنة بالمداراة، فيحتج البعض منهم بمفهوم إحداهما على الأخرى، رغم أن هناك فرقا بينهما لا يخفى على ذوي الاطلاع، من أجل ذلك أردنا في هذا المبحث أن نوضح حسب اطلاعنا المحدود الفرق بين هذين المفهومين اللذين يلتبسان على كثير من الناس فنقول:
بأن في هذا المبحث مطلبين:
المطلب الأول: هو تعريف المداهنة وحكمها.
المطلب الثاني: هو تعريف المداراة وحكمها والفرق بينها وبين المداهنة
المطلب الأول: المداهنة وحكمها
المداهنة: هي ترك ما يجب لله، من الغيرة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتغافل عن ذلك، لغرض دنيوي وهوى نفساني، لزعم هؤلاء
[ ١ / ٢٢١ ]
أن المعيشة لا تحصل لهم إلا بذلك، فالمداهنة هي المعاشرة والاستئناس مع وجود المنكر والقدرة على الإنكار (١).
فالمداهنة محرمة، وهي نوع من أنواع الموالاة للكفار (٢).
فمن داهن أهل الكفر والظلم والفجور وهو قادر على الإنكار عليهم فقد خالف نهج الرسل والأنبياء وأتباعهم، وخرج عن سبيلهم ومنهاجهم، فالذين يداهنون الكفار، يرون العقل في إرضاء الناس على اختلاف مشاربهم ومعتقداتهم، بغض النظر عمن هو صاحب الحق ومن صاحب الباطل، فهم يسالمون الجميع ويستجلبون مودتهم ومحبتهم، إيثار للحظوظ الدنيوية، وحبا للدعة والراحة، وطلبا للسلامة العاجلة، في ترك المعاداة في الله، والموالاة فيه، وتحمل الأذى في سبيله، وهذا الاعتقاد والعمل هو التهلكة في العاجلة والآجلة، حيث إن المداهنة بهذا الوصف تتعارض مع آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) [لقمان: ١٧].
فالمداهن بالإضافة إلى تركه واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكتسب إثما جديدا وهو إشاعة الفحشاء والمنكر في المجتمع، لأن الفجرة والطغاة إذا آمنوا من مغبة الإنكار عليهم، ازدادوا في فجورهم وطغيانهم لأنهم يرون أن الكلم يعلم فجورهم، ومع ذلك يسكت ويداهن، فالمداهنة مشاركة بجريمة اقتراف المنكر والسكوت عليه في الدنيا، ولذلك استحق من يفعل ذلك اللعن والطرد من رحمة الله، كما ذكر الله ﷿ عن بني إسرائيل قال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ
_________________
(١) الدرر السنية (١١/ ٨٥).
(٢) الدرر السنية (٧/ ٣٨، ٣٩).
[ ١ / ٢٢٢ ]
كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفعَلُونَ) [المائدة: ٧٩].
فلا يجوز ترك إنكار المنكر ممن يراه، فالذي يسكت عن إنكار المنكر خوفا أو هيبة من أحد من الناس، يكون مداهنا في دين الله، والله ﷿ حرم المداهنة يقول تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) [القلم: ٩].
فالذي يرى المنكر ينكر على فاعله بالحكمة والموعظة الحسنة التي يراها مناسبة لمثل تلك الحالة، فالمنكر إذا خفي لم يضر إلا صاحبه، وإذا فشا ولم ينكر ضر العامة كلهم (١).
وفي الحديث أن النبي - ﷺ - قال: «إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها» وقال مرة: أنكرها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها (٢)، فعلى هذا يكون الاستئناس والمعاشرة عند رؤية المنكر مع القدرة على الإنكار، هو عين المداهنة (٣) فما ذاق طعم الإيمان، من لم يوال في الله ويعاد فيه فالعقل كل العقل ما أوصل إلى رضا الله ورسوله وهذا إنما يحصل بمراغمة أعداء الله، وإيثار مرضاته على مرضاتهم، والغضب إذا انتهكت محارمه فالغضب ينشأ من حياة القلب وغيرته وتعظيمه لله، وإذا عدمت الحياة في القلب تبعها انعدام الغيرة والتعظيم والغضب لله فتساوى عند هؤلاء الناس الخبيث والطيب، في المعاملة وفي الموالاة والمعاداة فأي خير يبقى في قلب كهذا؟
_________________
(١) انظر الدرر السنية (١١/ ٤).
(٢) انظر سنن أبي داود (٤/ ١٢٤) رقم الحديث (٤٣٤٥) كتاب الملاحم،.
(٣) انظر الدرر السنية (٧/ ٣٥، ٣٦).
[ ١ / ٢٢٣ ]
إن المداهن الذي يطلب رضا الخلق، أخبث حالا من الزاني والسارق وشارب الخمر.
قال ابن القيم ﵀: ليس الدين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة بل القيام مع ذلك بالأمور المحبوبة عند الله، وأكثر المنتسبين إلى الدين لا يعبئون منها، إلا بما يشاركهم فيه عموم الناس، أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله، ورسوله وعباده المؤمنين، ومناصرتهم والجهاد معهم فلا يخطر ببال كثير ممن يدعون الإسلام فضلا عن أن يريدوا فعلها، أو أن يفعلوها وأقل الناس دينا، وأبعدهم من الله، من ترك هذه الواجبات وإن زهد في الدنيا جميعها، حيث يندر من هؤلاء من يحمر وجهه ويتمعر غضبا لله، إذا انتهكت محارمه، فهم لا يجودون بالأنفس والأموال في نصرة الحق وقمع الباطل، فأصحاب الكبائر أحسن حالا عند الله من هؤلاء (١) اهـ.
ثم يقول الشيخ حمد بن عتيق معلقا على كلام ابن القيم رحمهما الله جميعا: لو قدر أن رجلا يصوم النهار ويقوم الليل، ويزهد في الدنيا كلها، وهو مع ذلك لا يغضب ولا يتمعر وجهه، ويحمر لله غضبا عند رؤية المنكر وأهله، فهذا من أبغض الناس عند الله وأقلهم شأنا، نظرا لعدم تحمله الأذى في سبيل الدعوة إلى الله (٢) اهـ.
ثم يقول حدثني من لا أتهم عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أنه قال مرة: عندما رأى أناسا يجلسون في المسجد على مصاحفهم يقرءون ويبكون، فإذا علموا معروفا لم يأمروا به، وإذا رأوا منكرا لم ينهو اعنه، ورأى أناسا يعكفون عندهم، ويقولون هؤلاء لحي
_________________
(١) انظر الدرر السنية (٧/ ٣٨).
(٢) انظر الدرر السنية (٧/ ٣٨، ٣٩).
[ ١ / ٢٢٤ ]
غوانم (١) وأنا أقول إنهم لحي فوائن (٢) فقال السامع أنا لا أقدر أن أقول: إنهم لحي فوائن فقال الشيخ: أنا أقول إنهم من العمي البكم (٣).
يشهد لهذا ما جاء عن بعض السلف قولهم: إن الساكت عن الحق شيطان أخرس، والمتكلم بالباطل شيطان ناطق (٤) فلو علم المداهن الساكت أنه من أبغض الخلق إلى الله وهو في تلك الحالة، لتكلم بالخير وصدع بالحق، ولو علم طالب رضا الخلق بترك الإنكار عليهم، أنه لن يناله من ذلك إلا غضب الله عليه، ومن يغضب الله عليه يغضب الناس عليه، كما ورد في الحديث عن عائشة ﵂: أن رسول الله - ﷺ - قال: «من التمس رضا الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» (٥).
فالمداهنة سبب للغضب والعذاب في الدنيا والآخرة يقول الشاعر:
وثمود لو لم يداهنوا في ربهم لم تدم ناقتهم بسيف قدار (٦).
وعلى هذا فالحاكم المسلم يجب عليه موالاة أهل الإيمان ونصرتهم، وقمع أهل الباطل والبغي والفساد وكسر شوكتهم، وقد أخذ بهذا المبدأ عبد الله بن سعود بن عبد العزيز في رسالة بعث بها إلى أمراء بعض الجهات التابعة له، قال فيها: بلغنا الخبر أن بعض الأمراء متسلط على أهل الدين، بأمور ظاهرها حق وباطنها باطل ومغشة، ولا يفعل هذا أمير مع
_________________
(١) أي فائزة من غنم الشيء غنما أي فاز به، انظر المعجم الوسيط (٢/ ٦٧٠).
(٢) فوائن جمع فينة وهي الأمر الدريء
(٣) انظر الدرر السنية (٧/ ٣٩).
(٤) المصدر السابق نفس المكان.
(٥) انظر فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (٣٥٠، ٣٥١) انظر سنن الترمذي (٤/ ٣٤).
(٦) انظر الدرر السنية (٧/ ٣٦).
[ ١ / ٢٢٥ ]
أهل الدين فأدعه يوما واحدا في الأمارة فكل يأخذ حذره ويبدل ما كان عليه ومضى ما فيه الكفاية (١) اهـ.
ومما تقدم يتضح أن المداهنة مذمومة، وقد نهي عنها نبينا محمد - ﷺ - قال تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) [سورة القلم: ٩].
والمداهنة مذمومة لأنها وسيلة إلى تزيين القبيح وتصويب الباطل والسكوت على المنكر فهي من الموالاة المحرمة (٢) اللهم إنا نعوذ بك من كل عمل يغضبك علينا، ومن كل سجية تقربنا من التشبه بالشياطين الساكتين والناطقين، أو أن نداهن في ديننا أهل الشبهات والشهوات والنفاق والكفر، إنك حسبنا ونعم الوكيل.
المطلب الثاني: المداراة وحكمها والفرق بينها وبين المداهنة
المداراة: هي درء الشر المفسد بالقول اللين، وترك الغلظة أو الإعراض عنه إذا خيف أشد منه، أو مقدار ما يساويه (٣).
حكم المداراة لأهل الشر والفجور:
تجوز مداراة أهل الشر والفجور فيما لا ينتج عنه قدح في أصل من أصول الإسلام وواجباته، وهذه المداراة ليست داخلة في مفهوم الموالاة المحرمة (٤) فقد كان النبي - ﷺ - يداري الفساق والفجار فقد روى البخاري بسند منقطع قوله، ويذكر عن أبي الدرداء إنا لنكشر
_________________
(١) انظر الدرر السنية (١١/ ٨٥).
(٢) انظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري (١٣/ ٥٢، ٥٣).
(٣) انظر الدرر السنية (١١/ ٨٥) وانظر (٧/ ٣٦).
(٤) المصدر السابق نفس المكان.
[ ١ / ٢٢٦ ]
في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم (١) وفي حديث آخر عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ أنها أخبرتها أنه استأذن على النبي - ﷺ - (٢) رجل فقال: ائذنوا له فبئس ابن العشيرة أو بئس أخو العشيرة فلما دخل ألان له الكلام، فقلت له: يا رسول الله! قلت ما قلت، ثم ألنت له في القول فقال: أي عائشة: إن شر الناس منزلة عند الله من تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه (٣).
قال بعض العلماء: تجوز المداراة، فيما لا يؤدي إلى ضرر الغير، فأما إن كانت المدارة في أمور تخالف أصول الدين فهي مداهنة لا مداراة فلا يجوز مداراة الناس في مظالمهم من قتل نفس أو سرقة أموال، أو انتهاك أعراض، أو شهادة زور أو نحو ذلك من الأمور المحرمة (٤).
قال ابن بطال (٥): المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض
_________________
(١) انظر فتح الباري (١٠/ ٥٢٧) وقد ضعف الألباني هذا الحديث في كتابه سلسلة الأحاديث الضعيفة (١/ ٢٥٢) رقم (٢١٦).
(٢) هو عيينة بن حصن، ولم يكن أسلم حينئذ وإن كان قد أظهر الإسلام فأراد النبي - ﷺ - أن يبين حاله ليعرفه الناس، ولا يغتر به من لم يعرف حاله، قال القاضي: وكان مثله في حياة النبي - ﷺ - وبعده ما دل على ضعف إيمانه، وارتد مع المرتدين، وجيء به أسيرًا إلى أبي بكر ﵁ ووصف النبي - ﷺ - بأنه بئس أخو العشيرة من أعلام النبوة لأنه ظهر كما وصف، وإنما ألان له القول تألفا له ولأمثاله على الإسلام، والمراد بالعشيرة قبيلته أي بئس هذا الرجل منها انظر صحيح مسلم (٤/ ٢٠٠٢) كتاب في البر والصلة.
(٣) انظر فتح الباري (١٠/ ٥٢٨).
(٤) انظر روائع البيان في تفسير آيات الأحكام في القرآن (١/ ٤٠٤) تأليف محمد علي الصابوني.
(٥) هو علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري، القرطبي المالكي ويعرف بابن اللحام أبو الحسن محدث فقيه، استقضي بحصن الورقة وتوفي في آخر يوم من شهر صفر سنة ٤٤٩ هـ من آثاره: شرح الجامع الصحيح للبخاري في عدة أسفار، والاعتصام في الحديث، انظر معجم المؤلفين/ عمر رضا كحالة (٧/ ٨٧).
[ ١ / ٢٢٧ ]
الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول والعمل، وذلك من أقوى أسباب الألفة (١) اهـ.
أما المداهنة فهي من الدهان، وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق، وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه.
أما المداراة فهي تعني: الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه، حتى لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بطلف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه على الخير ومنع ما يحصل منه من شر (٢).
فقد روى أبو نعيم في الحلية عن صفوان بن عسال ﵁ قال: كنا مع النبي - ﷺ - في سفر فأقبل رجل فلما نظر إليه رسول الله - ﷺ - قال: «بئس أخو العشيرة وبئس الرجل» فلما دنا منه أدنى مجلسه فلما قام وذهب قالوا: يا رسول الله حين أبصرته قلت: بئس أخو العشيرة وبئس الرجل، ثم أدنيت مجلسه فقال رسول الله - ﷺ - «إنه منافق أداريه عن نفاقه، فأخشى أن يفسد علي غيره» قال أبو نعيم هذا حديث غريب (٣).
ومن ذلك نستنتج أن المداراة جائزة فيما لا يؤدي إلى ضرر الغير في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وفيما لا يخالف أصلا من أصول الإسلام وواجباته، وإن مداراة أهل الفسق والفجور ليست قاعدة مطردة يؤخذ بها في كل وقت وحال، وإنما يجوز العمل بها فقط إذا خيف حصول شر أعظم مما هو كائن، أو مثله، وكان المداري غير قادر على إنكار هذا المنكر
_________________
(١) انظر فتح الباري (١٠/ ٥٢٨).
(٢) المصدر السابق (١٠/ ٥٢٨، ٥٢٩).
(٣) الحلية لأبي نعيم (٤/ ١٩١).
[ ١ / ٢٢٨ ]
بالقول أو الفعل، فيجوز له درء الشر بالقول اللين، أو الإعراض عنه لهذه الأسباب، أما إذا زالت الأسباب الموجبة للمداراة، أو كانت المداراة تؤدي إلى ضرر الغير أو إلى مخالفة أصل من أصول الإسلام وواجباته فإن المداراة حينئذ لا تصح ولا تجوز، لأنها انتقلت من كونها مداراة إلى كونها مداهنة، والمداهنة محرمة في الإسلام كما سبق بيان ذلك (١).
_________________
(١) انظر صفحة (٢٠٤ - ٢٠٨) من هذه الرسالة.
[ ١ / ٢٢٩ ]
المبحث العاشر: تغيير الأسماء لا يغير حقيقة المسمى وحكمه
يعبر القرآن الكريم عن مفهوم الخيانة بكلمة الولاء للأعداء والتولي لهم، وهذا يبدو واضحا جليا في آيات القرآن الكريم المتناولة لهذا الموضوع، فإنه يطلق ذلك اللفظ على أولئك الذين خانوا الله ورسوله والمؤمنين فآثروا العدو والسعي في رضاه، علي رضي الله ورسوله وجماعة المسلمين وآثروا خدمة العدو الكافر على خدمة دين الإسلام ومبادئه العظام.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [الأنفال: ٢٧] فقيل إنها نزلت في أبي لبابة ﵁ حين أشار إلى بني قريظة عدم النزول على حكم سعد بن معاذ ﵁ وقال: لا تفعلوا فإنه الذبح، وأشار على حلقة وقيل نزلت في قوم كانوا يسمعون الشيء من النبي - ﷺ - فيلقونه إلى المشركين ويفشونه (١).
_________________
(١) انظر جامع النقول في أسباب النزول ابن خليفة عليوي (٢/ ٦٨) (ط-١)
[ ١ / ٢٣٠ ]
فالخيانة تعني في مفهوم الإسلام والمسلمين، موالاة العدو توليه، وخيانة كل الفضائل والمبادئ التي جاء بها الإسلام، وطبيعي أن يعدل الناس الذين ابتعدوا عن مفهوم الإسلام، عن استعمال التعبير القرآني في أقوالهم وأفعالهم لأنهم يعلمون أن التعبير القرآني يشتمل على ما لا يريدون من مفاهيم تتنافى وسلوكهم العملي في واقع الحياة (١).
ولذلك فهم يصفون موالاتهم للأعداء وتوليهم لهم، وخيانتهم لله ورسوله والمؤمنين، بأوصاف الصلاح والإصلاح، وهم في الحقيقة إنما يلبسون باطلهم ثوب الحق، وينفذون مؤامراتهم وخياناتهم مع أعداء الإسلام تحت هذه الأغطية الجوفاء فقد قتلوا المسلمين الغيورين على دينهم باسم حفظ مصالح الأمة وأمنها، وهم أول البائعين لمصالح الأمة باسم التعاون المشترك والمصالح المشتركة، وباعوا بلاد المسلمين بمن فيها من المسلمين تحت شعار المصالح القومية للأمة العربية، إلى آخر ما حواه قاموس أولئك الخونة الأنذال من ألفاظ الدجل والتضليل، وهم بهذا النهج لم يأتوا بجديد إنما هم يسيرون على طريق أسلافهم، من طواغيت الأرض ومجرميها، فهذا فرعون كما يذكر عنه القرآن الكريم قد سبق هؤلاء على هذا الأسلوب من التحريف والتزييف قال تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ) [غافر: ٢٦].
فهل هناك أطرف من أن يقول فرعون الضال الوثني، عن موسى رسول الله ﵇ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ؟
أليست هي بعينها كلمة كل طاغية مفسد، عن كل داعية مصلح؟ أليست هي بعينها كلمة الباطل الكالح في وجه الحق الجميل؟ أليست هي بعينها كلمة الخداع والتضليل الماكر الخبيث لإثارة دهماء الناس
_________________
(١) انظر مجلة الأمان عدد (٧٩) السنة الثانية في ٢٧/ ٩/ ١٤٠٠ هـ (١٧، ١٨).
[ ١ / ٢٣١ ]
في وجه الحق وأهله، وعبر الزمان والمكان؟ تتكرر كلما تقابل الحق مع الباطل والإيمان مع الكفر (١).
ثم يقول الله ﷿ عن فرعون هذا في موضع آخر: (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [غافر: ٢٩].
انظر كيف نجد فرعون يتحدث عن نفسه حديث المخلص لقومه الساعي لمصلحتهم فيقول: إنني لا أقول لكم إلا ما أراه صوابًا وأعتقده نافعًا، وهل يرى الطغاة أفعالهم إلا أنها الخير والرشاد؟ فالخير والرشاد في مفهوم أولئك المجرمين، أن ينالوا شهواتهم وملذاتهم كاملة دون نقص، ولو فنيت الأمة كلها، أما لو كانوا يسعون في مصلحة الأمة كما يدعون، لسمحوا للأمة أن تقول لهم أنتم مخطئون، وأنتم غير صالحين للقيادة فتنحوا عنها، وأعطوا القوس باريها ولكن الحاصل من الطغاة من فرعون الغابر إلى فراعنة العصر الحاضر، أنهم لا يسمحون لأحد أن يرى رأيا يخالف رأيهم، أو أن يقول كلاما يخالف قصدهم، ولو لم يكونوا بهذا الوصف لما كانوا طغاة مستبدين وفراعنة مجرمين (٢).
قال تعالى: (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ) [البقرة: ١٢] فباسم الإصلاح والمحافظة على حقوق الأمة، يوالون الكفار، وينشرون كفرهم، ويحاربون المؤمنين، ويطفئون نور الله بأفواههم ويعبثون في الأرض فسادا، وإذا أنكر عليهم أحد من المسلمين جريمتهم (قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) فهم كما يقول الشاعر:
كم أضاعوا باسم الشعوب شعوبا طحنتها المكائد الهوجاء
_________________
(١) انظر في ظلال القرآن سيد قطب (٢٤/ ١٧٨).
(٢) انظر في ظلال القرآن سيد قطب (٢٤/ ١٨٠).
[ ١ / ٢٣٢ ]
ولو نوقشوا في هذا الأمر قالوا: نحن نريد أن نحقق رغبة الأمة، وندري مصالحها، ونرضي من فيها على اختلاف أنواعهم، كفارا كانوا أو مسلمين ونعطي لكل فريق رغبته بلا حدود أو قيود، وهم يدركون أن قولهم ذلك مجرد دعوى، يبررون بها باطلهم، ولكنهم يرون هذا الباطل في تصورهم الخاطئ صحيحا، إلى حد ما وهم لذلك يجمعون بين المتناقضات ويؤلفون بين المتضادات وهو أمر ممتنع الحصول عقلا وشرعا، ولذلك يبين الله ﷿ أن عملهم هذا قمة في الفساد، ونهاية في الضلال، وكأنه ليس هناك مفسد في الوجود غيرهم، فقال تعالى عنهم: (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ) فما يزعمونه إصلاحا هو عين الفساد، ولكن من جهلهم المطبق وانحرافهم السحيق، لا يشعرون أن عملهم هذا هو الفساد (١).
فالإفساد في الأرض من وجهة نظر هؤلاء، هو الدعوة إلى الله وتحكيم شرعه، حيث يترتب تلقائيا بطلان حكم الفراعنة، وسقوط نظامهم كله، لأن نظام الطغاة قائم أساسا على عبودية البشر للبشر، أو بتعبير أدق على أساس ربوبية الفراعنة على عبيدهم المستعبدين لهم، ولذا قرنوا الفساد في الأرض بتحطيم الجذور التي يقومون عليها، لأن بتحطيمها تحطيما لهم، وإن كان في ذلك صلاح المجتمعات كلها وتحريرها من عبوديتهم الظالمة، وطغيانهم المميت (٢).
ومثل هذا ما قاله النمرود وقومه: لإبراهيم ﵇ عندما كسر أصنامهم كما ذكر الله عنهم في قوله تعالى: (قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء: ٥٩] فأطلقوا وصف الظلم على إبراهيم بينما الظلم الحقيقي في عبادتهم للنمرود وأصنامه، ومحاربتهم لدين الله ورسوله (٣).
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٢٥٧، ٢٥٨).
(٢) انظر في ظلال القرآن سيد قطب (٣/ ٩/ ٦١٠، ٦١١).
(٣) انظر في ظلال القرآن سيد قطب (٥/ ١٧/ ٥٤٩).
[ ١ / ٢٣٣ ]
ولكن النمرود وفرعون والفراعنة من بعدهما ما كان لهم أن يصنعوا ما صنعوا لولا وجود الفراعنة الصغار، الذين أيدوهم على الباطل، وزينوا لهم مطاردة المؤمنين، فهذا فرعون يشير عليه قومه بملاحقة موسى ومن معه، بحجة ألا يفسدوا في الأرض، والفساد في الأرض في نظر هؤلاء كالفساد في نظر الفراعنة الكبار قال تعالى: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) [الأعراف: ١٢٧].
ألا ما أشبه الليلة بالبارحة، إن الإنسان لتنشل أعضاؤه ويقشعر بدنه عندما يسمع حديث أحد المعذبين الأبرياء بأيدي جلادي الطغاة وزبائنهم المجرمين حتى لا يكاد يصدق أن هؤلاء الذين يفعلون بالناس تلك الأفاعيل آدميون من بني الإنسان يقول أحد المعذبين بأيدي الفراعنة الصغار يصف السجن وبعض ما لقيه فيه في قصيدة تربو على مئتين وتسعين بيتا نختار منها ما يلي كدليل على ما نقول، يقول:
فيه زبانية أعدوا للأذى وتخصصوا في فنه الملعون
متبلدون .. عقولهم بأكفهم وأكفهم للشر ذات حنين
لا فرق بينهم وبين سياطهم كل أداة في يد مأفون
يتلقفون القادمين كأنهم عثروا على كنز لديك سمين
بالرجل بالكرباج باليد بالعصا وبكل أسلوب خسيس دون
لا يقدرون مفكرا ولو أنه في عقل سقراط وأفلاطون
لا يعبئون بصالح ولو أنه في زهد عيسى أو تقى هارون
لا يرحمون الشيخ وهو محطم والظهر منه تراه كالعرجون
أترى أولئك ينتمون لآدم؟ أم هم ملاعين بني ملعون؟
لا تحسبوهم مسلمين من اسمهم لا دين فيهم غير لعن الدين (١)
_________________
(١) انظر نافذة على الجحيم لعدد من الكتاب (١٣٦، ١٣٧).
[ ١ / ٢٣٤ ]
فهؤلاء المجرمون وأمثالهم هم الذين كانوا سندا للطغاة في حربهم للذين آمنوا ولا شك أنهم مؤاخذون بما يفعلون، فمن يعتذر لهم بأنهم أدوات وآلات في يد الحاكم، لم يفهم ما قاله الله عنهم في قوله تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) [القصص: ٨].
فقرن تعالى جنودهما بهما لمشاركتهم لهما في الظلم، والضلال، والإعراض عن الحق.
وقال تعالى: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) [القصص: ٤٠] وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) [هود: ٩٦ - ٩٨] فذكر تعالى أنهم جميعا ظالمون، وأنهم قادمون على النار، على حد سواء لا فرق بينهم وبين كبيرهم فرعون.
ومما تقدم يتضح أن الفراعنة وأعوانهم يسمون الأشياء بغير مسمياتها الحقيقية، تعمية على الناس وتضليلا لهم، ولكن دجلهم ومكرهم لا يخفى على من رزقه الله فهما وعلما وعملا، فقد ظهر في عصرنا الحاضر مصطلاحات لفظية تحمل معنى موالاة الكفار بغير هذا اللفظ المتداول في لغة القرآن الكريم فيطلقون على مداهنة الكفار والركون إليهم، صداقة وتعاون ويطلقون على ملء البلاد الإسلامية بالجواسيس من اليهود والنصارى والوثنيين ومن يزاولون مهمة التكفير للمسلمين، بأن ذلك سياسة وانفتاح على العالم، كما يرسلون عشرات الآلاف من الأطفال والمراهقين إلى الأعداء، كي يربوهم ويعدوهم على طريقتهم الخاصة باسم العلم،
[ ١ / ٢٣٥ ]
كما يسمون تبادل الزيارات مع الكفار، واستقبالهم بالأحضان، ومعاشرتهم وذكر ما فيه تعظيمهم والتبسم في وجوههم تسامحا ومراعاة للمشاعر الإنسانية، فنقول لهؤلاء ومن هم على شاكلتهم: إن موالاة الكفار تعني محبتهم وإظهار الود لهم بالقول والفعل والنية، فمهما أطلق على هذا المفهوم من أسماء فإنها لا تخرجه عن كونه موالاة للكفار يستحق فاعل ذلك ما تقدم من الوعيد في شأن من والي الكفار أو تولاهم، فالحكم يدور مع الحقيقة لا مع مجرد اللفظ فلو سمى الزنا متعة، لم يخرجه ذلك عن مفهومه الشرعي، ولو سميت الخمر مشروبًا روحيًا، لم يخرجها عن كونها خمرًا ولو سمي الربا عمولة، أو قرضا بفائدة، أو تعاونا اقتصاديًّا، لم يخرجه عن كونه ربا (١).
فقد ورد في الحديث عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ليستحلن طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها» (٢).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «من أظهر الولاية لله وهو لا يؤدي الفرائض ولا يتجنب المحارم، بل قد يأتي بما يناقض ذلك لم يكن لأحد أن يقول هذا ولي الله» (٣).
لقد درج الناس في هذا العصر، على اطلاق مسميات الإسلام مثل لفظة شهيد، ومجاهد على أناس هم أشد كفرًا من اليهود والنصارى، لأنهم مرتدون في عرف الإسلام والمرتد أعظم كفرًا، ممن لم يعرف الإسلام ابتداء لأن المرتد عرف الحق ورجع عنه إلى الباطل.
كما أن هناك مسميات باطلة ظالمة تطلق على أهل التوحيد ورجال الإسلام من قبل أعداء الإسلام، مثل لفظ الخونة، والعملاء والمتعصبين
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (١٣٦) وانظر الدرر السنية (١/ ٢٨٥).
(٢) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (١/ ١٣٦).
(٣) انظر مجموعة التوحيد (٥١٥)
[ ١ / ٢٣٦ ]
والمتطرفين والمحتجزين وغير ذلك من الألفاظ التي يقصد بها التضليل، وصرف الناس عن الحق إلى الباطل، وهم بهذا لم يأتوا بجديد في ذلك إنما يحيون سنة فرعون الذي قال عن موسى وصحبه، كما ذكر الله تعالى ذلك حكاية عنه (إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجِمِيعٌ حَاذِرُونَ) [الشعراء: ٥٤ - ٥٦] فعلى المسلم أن يعرف الفراعنة في كل زمان ومكان، وعليه أن يميز بين الغث والسمين من تلك الأقوال، وأن يعرف الحق من الباطل بناء على الحقائق الثابتة لا على الدعاية المضللة، وألا يكون صدى للأبواق المأجورة يردد بلا وعي ولا إدراك ما يقوله الأعداء وفي هذا المعنى يقول الشاعر عبد المنعم محمد الهاشمي ما يلي:
فهم قد زينوا البطلان حتى كسوه ثوب حق خادعنيا
وما الحق فاتهموه حتى كسوه ثوب بطلان ضغينا (١)
وفي هذا المعنى يقول الشاعر سليمان بن سحمان الدوسري ما يلي:
وفي زعم هذا الأحمق الوغد أنه وأصحابه أهل الهدى حين يرسما
وأن ذوي الإسلام أهل ضلالة وأهل ابتداء بئسما قال إذ رمى
أيوصف بالإسلام من كان مشركا ويوصف بالإشراك من كان مسلما
لعمري لقد جئتم من القول منكرا وزورا وبهتانا وأمرا محرما (٢)
فخلاصة القول في هذه المسألة أن المسلم عليه التثبت فيما يأخذ ويدع من أقوال الناس وأفعالهم قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات: ٦].
_________________
(١) مجلة البلاغ عدد (٥٦٨) في ٢٢/ ١/ ١٤٠١ هـ ص (٥٣).
(٢) ديوان عقود الجواهر المنضدة الحسان/ سليمان بن سحمان (١٥٣).
[ ١ / ٢٣٧ ]
فلا يجوز لمسلم أن يوالي قوما بناء على ما تلوكه وسائل الأعلام الموجهة لخدمة أغراض معينة، أو بناء على ما يتفوه به سواد الناس ممن لا دراية لهم، وليس لديهم دين مصحوب بعلم وعمل، كما أنه لا يجوز له أن يعادي قوما تعاديهم تلك الوسائل وهذه الفئات من الناس، ما لم تتبين له الحقائق من مصادر مؤكدة مأمونة موثوقة في نقلها وحكمها على الأشياء، ونظرتها إلى الأمور من وجهة النظر الإسلامي الصحيح، فعندئذ يوالي أهل الحق ويعادي أهل الباطل، كما شرع الله وأمر عباده المؤمنين بذلك كما هو مقرر في الكتاب والسنة.
[ ١ / ٢٣٨ ]
الفصل الثاني: التطبيق العملي للموالاة والمعادة في الشريعة الإسلامية
وتحت هذا الفصل خمسة مباحث هي:
المبحث الأول: أسباب تحقيق الموالاة في الله.
المبحث الثاني: الحقوق التي تقتضيها الموالاة في الله.
المبحث الثالث: حقوق الأقليات الإسلامية.
المبحث الرابع: أسباب تحقيق المعاداة في الله.
المبحث الخامس: صور من الموالاة والمعاداة في الله.
[ ١ / ٢٣٩ ]
المبحث الأول: أسباب تحقيق الموالاة في الله
إن الإسلام ليس دعوة نظرية لإمتاع العقول وتزكية الخيال، بقدر ما هو عمل واقعي، ومنهج تطبيقي لإصلاح شأن الإنسان وشأن الناس جميعا لقد كانت الآية أو الآيات تنزل في الحالة الخاصة أو الحادثة المعينة تحدث للناس عما في نفوسهم، وتصور لهم منهج العمل في ذلك الموقف أو غيره من المواقف، وتصحح لهم الأخطاء في الشعور والسلوك، وتربطهم في هذا كله بالله ﷿، ومن ثم يتكيفون في واقع حياتهم العملية والنفسية، وفق ذلك المنهج الإلهي القويم (١).
لقد أكد الله ﷿ على العمل في آيات كثيرة من القرآن الكريم فقد ورد ذكر العمل مقرونا بالإيمان في أكثر المواضع، ومفردا تارة أخرى وقد بلغ ذلك أكثر من ثلاثمائة وسبعين موضعا من القرآن الكريم (٢).
_________________
(١) انظر معالم في الطريق سيد قطب (١٨، ١٩).
(٢) انظر المعجم المفهرس لإلفاظ القرآن (٤٨٣ - ٤٨٨).
[ ١ / ٢٤١ ]
ليكون ذلك دليلا على أن العمل هو البرهان الحقيقي على صدق القول من كذبه، ذلك أن العمل أشق من مجرد القول الذي لا يكلف الإنسان إلا بضع كلمات عابرة، ولكن بالأفعال يظهر الصدق من الكذب.
فمن سمات هذا الدين البارزة وخصائصه الفريدة أنه يربط القول بالعمل، فهو ليس مجموعة من النصوص المثالية النظرية، بقدر ما هو عمل تطبيقي واقعي طبقه الرسول - ﷺ - وطبقه أصحابه، ولا يزال المسلمون المتمسكون بهذا الدين يطبقون نصوص الكتاب والسنة حتى هذا اليوم تطبيقا عمليا في صغير الأمور وجليلها، وهذا هو معنى الإسلام والإذعان الحقيقي لله ﷿، وقد ذم الله ﷿ الذين يقولون ما لا يفعلون، بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) [الصف: ٢].
وأسباب تحقيق الموالاة في الله كثيرة ومتنوعة ولكن حسبنا أن نذكر أهم تلك الأسباب العملية للذكرى والتنبيه وهي كما يلي.
السبب الأول: إن من أهم أسباب تحقيق الموالة في الله، أن يكثر المسلم من مطالعة كتاب الله ﷿ وتدبر آياته، حيث إن المسلم يرى من خلال آيات الكتاب الكريم ما يجب عليه نحو ربه ثم نحو رسوله - ﷺ - ثم نحو إخوانه المؤمنين، من محبة وطاعة ومناصرة، فقراءة الكتاب الكريم جلاء للبصائر الكليلة، وشفاء للصدور العليلة، فإن من دوام على قراءته في تمهل وترو، وتدبر، انفتحت أغلاق قلبه وسطعت أنوار القرآن في آفاق نفسه، وانمحت منها غياهب الظلام والفجور، ولذلك يدعونا الله ﷿ إلى هذا الأمر بقوله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد: ٢٤].
وقال رسول الله - ﷺ -: «تعلموا القرآن وسلوا الله به الجنة، قبل أن
[ ١ / ٢٤٢ ]
يتعلمه قوم يسألون به الدنيا، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة: رجل يباهي به، ورجل يستأكل به، ورجل يقرؤه لله» (١).
وقد ذكر في تفسير قوله تعالى: (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) [الكهف: ١٠٠، ١٠١]
إنهم هم الذين كانوا يعرضون عن القرآن الكريم، وعن الاستماع إليه، والتأمل في معانيه، والتدبر في آياته (٢).
وأخرج ابن حبان من حديث طويل عن أبي ذر ﵁ قال: قلت يا رسول الله أوصني قال: «عليك بتقوى الله، فإنه رأس الأمر كله»، قلت: يا رسول الله زدني قال: «عليك بتلاوة القرآن فإنه نور لك في الأرض وذكر في السماء» (٣).
ويروى عن عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله ﷿، ويروى عن ابن مسعود ﵁ قوله: «لا يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله ورسوله».
وللقرآن تأثير مباشر على قوة الإيمان وضعفه، فكلما قويت الصلة بكتاب الله وتدبر معانيه، كلما ازداد الإيمان في النفس وظهرت آثاره على الأقوال والأفعال، وكلما ضعف الإيمان بضعف الصلة بكتاب الله وتدبر معانيه، كلما ازداد الإنسان بعدا عن محبة الله ومحبة رسوله ومحبة المؤمنين، وصار مهيئا لمحبة الكفار وأفعال الكفر وصفات الكافرين.
_________________
(١) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (١/ ١١٨) رقم الحديث (٢٥٨).
(٢) انظر تفسير الطبري (١١/ ٦٤) والطبري (١٦/ ٢٥) وفي ظلال القرآن (١٦/ ٤١٤).
(٣) انظر الترغيب (٣/ ٨) وانظر أحاديث تاريخ الخطيب (٧/ ٣٩٣).
[ ١ / ٢٤٣ ]
السبب الثاني: إن السبب الثاني من أسباب تحقيق الموالة في الله هو الإيمان الله. إن الفرد بغير الإيمان الحقيقي بالله، ريشة في مهب الريح، لا تستقر على حال، ولا تسكن إلى قرار، والإنسان بغير الدين الإسلامي، إنسان لا قيمة له ولا جذور، فهو عندما ينسلخ من الدين الإسلامي يتحول إلى حيوان شره، أو وحش مفترس، لا تستطيع الثقافة الوضعية ولا القانون الجاهلي أن يحدا من شراهته أو يمنعاه من الافتراس، والمجتمع بغير دين صحيح، وإيمان قوي، مجتمع متوحش مظلم متألم، وإن لمعت فيه بوارق الحضارة المهترئة وامتلأ بأدوات الرفاهية وأسباب النعيم الحسي، فهو مجتمع البقاء فيه للأقوى، لا للأفضل والأتقى مجتمع تقرأ التعاسة والشقاء في وجوه أصحابه، وإن زينوا وجوههم بأنواع الأصباغ والمحسنات وركبوا الطائرات وسكنوا العمارات واغتصبوا أعظم الثروات، فهو مجتمع تافه رخيص هزيل، لأن غايات أهله غايات ساذجة سطحية هزيلة لا تتجاوز شهوات البطون والفروج قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) [محمد: ١٢] بخلاف مجتمع الإيمان والإسلام المبني على الحب في الله والرضا بكل ما صدر عن الله ﷿، إن المؤمن بعقيدة الإسلام قد نفذ إلى سر الوجود فأحب الله ﷿ واهب الحياة ومنشئ الخلق وصاحب الأمر والنهي المطلق في الوجود كله، وهذا أمر طبيعي، في أن يجب الإنسان ربه، وخالقه ورازقه، لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها، وأي إحسان كإحسان من خلق فقدر وشرع فيسر، وجعل الإنسان في أحسن تقويم، ووعد من أطاعه بجنة الخلد التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لهذا كله ولأكثر منه أحب المؤمنون ربهم حبًّا لا يقاس بغيره مما هو دونه، فقدموا أنفسهم وأهليهم وأموالهم في سبيل الله بلا تردد أو منة، بل اعتبروا ذلك تفضلا من الله عليه، أن فتح لهم باب
[ ١ / ٢٤٤ ]
الجهاد والاستشهاد في سبيله ويسر لهم أسبابه فقاموا بذلك الواجب خير قيام (١).
أحب المؤمنون ربهم وكل ما يصدر عن ربهم من أمر ونهي، وكل ما يحبه ﷾، أحبوا الكتاب الذي أنزله ليخرج الناس به من الظلمات إلى النور، وأحبوا الرسول - ﷺ - الذي أرسله الله رحمة للعالمين وأحبوا إخوانهم في الله من أهل الخير والصلاح في كل زمان ومكان، لأن محبة المؤمنين أمر لازم على كل مسلم، ومناصرتهم واجب شرعي لا يتخلى عنه إلا من لا إيمان له، قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [الأنفال:٧٤]. فالحب في الله أخص من الرضا وأعمق أثرا حيث إنه الضمان الوحيد لترابط المجتمع واحترام حقوقه، ولذلك ورد في الحديث الشريف: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (٢).
إن الحب في الله يحول المر حلوا، والكدر صفاء، والألم شفاء، والنصرة جهادا والابتلاء رحمة، والإحجام عن نصرة أهل الحق خيانة، وتراجع عن الإسلام.
إن الإيمان الحقيقي بالله، هو الذي ينبعث منه الحب في الله الذي يحرك إرادة القلب، ويوجهها إلى المحبوبات وترك المحظورات وكلما ازداد الإيمان بالله في نفس المؤمن كلما ازدادت المحبة في الله لديه قوة صلابة.
_________________
(١) انظر كتاب الإيمان وأثره في الحياة د/ يوسف القرضاوي (٥ - ١٢).
(٢) رواه مسلم انظر صحيح مسلم (١/ ٧٤) كتاب الإيمان.
[ ١ / ٢٤٥ ]
فحقيقة المحبة في الله لا تتم إلا بموافقة الباري جل وعلا في حب ما يحب، وبغض ما يبغض (١).
ولذلك فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم إيمانا من كان أقربهم إلى الله في محبته، وأقواهم في طاعته، وأتمهم عبودية له (٢) وهذه الصفات تستلزم بطبيعة الحال محبة الرسول - ﷺ - ومحبة ما جاء به من عند الله، ومحبة المؤمنين بهذا الدين، وإيثارهم على النفس بالمال والنصرة والتأييد، والانضمام في حزبهم حيث إنهم حزب الله ومن انضم إلى حزب الله فقد أفلح في دنياه وأخراه.
إن الإيمان بالله، والحب في الله، وما يترتب عليهما قواعد متلازمة ينبني بعضها على البعض الآخر، ويتأثر اللاحق منها بالسابق فإذا قوي الإيمان بالله في نفس المؤمن ازداد الحب في الله، وازدادت الأفعال المترتبة على ذلك، حتى تصبح الجماعة المسلمة، كخلايا الدم في الجسم تعمل لغرض واحد، وهدف واحد، وفي إطار واحد، عند ذلك تصبح الجماعة المسلمة بنية حية قوية صامدة قادرة على أداء رسالتها ودورها العظيم في حق نفسها، وفي حق البشرية جمعاء (٣).
إن أي ارتباط بين شخصين أو أكثر لا بد أن يكون مسبوقا برابطة تربط بينهما، وهذه الرابطة قد تكون صحيحة وقد تكون فاسدة، بحسب أسسها وركائزها، والأهداف المقصودة منها.
أما الرابطة في دين الإسلام فهي الرابطة في الإيمان بهذا الدين قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٤٢٢، ٤٢٣).
(٢) انظر مجموعة التوحيد (٤٢٢، ٤٢٣).
(٣) انظر في ظلال القرآن سيد قطب (١٢/ ٥٦٠ - ٥٦٢).
[ ١ / ٢٤٦ ]
كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [آل عمران: ١٠٣].
إن رابطة الإسلام تغنينا عن جميع الروابط الجاهلية الفاسدة مثل رابطة الدم، أو رابطة اللون أو اللغة، أو رابطة الوطن أو الإقليم أو رابطة الحرفة أو الطبقة، أو غير ذلك من الروابط الجاهلية التي تختلف اختلاف جذريا مع أصول الإسلام ومنطلقاته في الموالاة والمعاداة، والحب والبغض فالدعوة إلى القومية والتجمع العربي فقط على أساس العروبة لغةً ونسبًا هي دعوة جاهلية خارجة عن منهج الإسلام يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: ١٣].
فمن أجل ذلك جعل الرسول - ﷺ - الإخوة في الله هي الأساس والرابطة التي جمع عليها أفئدة أصحابه، حيث إن العقيدة الإسلامية التي جاء بها من عند الله تضع الناس كلهم في مقام العبودية لله تعالى، دون أي اعتبار لفارق اللون، أو الدم أو الوطن، أو الطبقة، أو غير ذلك من الفوارق القائمة في المجتمعات الجاهلية.
فالمقياس لتفاوت الأفراد في الإسلام هو التقوى والعمل الصالح، وهذا المبدأ يحقق العدل بالنسبة لكافة المنتمين إليه ويسع العالم أجمع دون أي تمييز بينهم فيما عدا التقوى والعمل الصالح.
إن البشرية قد جربت في الماضي المعهود والحاضر المشهود روابط عديدة، من قومية ووطنية، ومنظمات حزبية كافرة، وقد باءت كلها بالفضل الذريع، فهي لم تستطع أن تجمع المتفرقين، أو توحد المختلفين، أو تنصر المهزومين، ولم تنصف المظلومين من الظالمين.
[ ١ / ٢٤٧ ]
إن مفتاح القلوب لإدخال الحب والألفة والتعاون والتناصر بين الناس، يكمن في الانتماء إلى هذا الدين، وفهمه فهما مستقيما والعمل به قولًا وفعلًا، قال تعالى: (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال: ٦٢، ٦٣].
فلا ألفه ولا تعاون ولا تناصر، إلا بتعميق مفهوم الإيمان في النفوس، ولنا في هذا تجربة فريدة مضيئة سوف تبقى مثلا أعلى ما بقيت الحياة فقد كانت حياة العرب قبل الإسلام أشبه بحالنا اليوم من الفرقة والقتال والتناحر والخصام والأنانية، وحب الذات، وعدم التمييز في النصر بين الظالم والمظلوم، وعدم الإيثار، والتضحية للمضطهدين والمحتاجين والمشردين من الضعفاء والمساكين، وعندما شع نور الإسلام في قلوب أولئك القوم قلب أفعالهم وأقوالهم رأسا على عقب فاستيقظوا بعد الضلالة والعمى وأدركوا أن التآخي في الله ليس مجرد شعار في كلمة يجرونها على ألسنتهم وتتناقلها أفواههم وإنما هو حقيقة عملية يتصل بواقع الحياة، وبكل أوجه العلاقات القائمة من تعاون وتناصر، وتناصح وإيثار ومحبة، وقد قام بتطبيق ذلك تطبيقا عمليا كل من المهاجرين والأنصار، رضوان الله عليهم، ثم تبعهم على ذلك عامة المسلمين على درجات متفاوتة.
وهذا يؤكد لنا أن مناط التآخي والمحبة والتناصر بين المسلمين هو فهم الإسلام فهما صحيحا، وتطبيقه تطبيقا تاما كما فهمه وطبقه أولئك الصفوة الأفاضل الأبرار، بلا تردد أو مداهنة أو احتيال (١).
إن الفهم الحقيقي للإسلام، هو الذي ينبعث منه شعور صادق يحل
_________________
(١) انظر فقه السيرة د/ محمد سعيد رمضان البوطي (١٥٦ - ١٥٩).
[ ١ / ٢٤٨ ]
في كيان المرء وإحساسه، ويستولي على شعوره ووجدانه، فيدرك به من حقائق الرسالة ما لا يستطع أن يدركه من يعيش على هامش الحياة، ومن علامات هذا الفهم المستنير لمقاصد الإسلام، أن يرى المرء متجافيا عن دار الغرور منيبا إلى دار الخلود، مستعدا للموت قبل الفوت، منبعثا إلى الدعوة إلى الإسلام في همة وجد ونشاط، مطبقا أحكامه على نفسه وأهل بيته، في غير هوادة أو مداهنة.
ومن علاماته أيضا، شعور المرء بالغيرة والغضب إذا انتهكت حرمات العقيدة، أو اعتدي على حمى الإسلام والمسلمين.
إن من لوازم الإيمان بالله، الحب في الله، والحب في الله يورث الموالاة والمناصرة والتعاون بين الإخوة في الله، فعلينا أن نسعى لغرس الإيمان في النفوس وأن نقتلع كل عوامل الضعف أو العوائق التي تمنع وصول التصور الإسلامي الصافي إلى النفوس، إذا أردنا تحقيق الموالاة في الله والمعاداة فيه (١).
السبب الثالث: من أهم أسباب تحقيق الموالاة في الله تجنب الخلاف بين المسلمين حيث يؤدي الخلاف بين المسلمين إلى الانقسام وإلى ضعف الموالاة وربما إلى المعاداة بين الطرفين المتنازعين، وقد نهى الله عن التنازع والاختلاف والمجادلة بغير التي هي أحسن قال تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [آل عمران: ١٠٥]، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) [الأنعام: ١٥٩]، وقال تعالى: (وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) [الروم: ١٥٩]، وقال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا
_________________
(١) انظر تذكرة الدعاة - لبهي الخولي (٢٣٣).
[ ١ / ٢٤٩ ]
وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [آل عمران: ١٠٣].
فالأخوة المعتصمة بحبل الله، هي الأخوة التي تؤلف بين المسلمين بغض النظر عن مراكزهم، وألوانهم وبلادهم وكان بعضهم يقرأ الآية أو الحديث فيفهم منه فهما معينا، ويفهم غيره فهما آخر، فيناقش كل صاحبه بالتي هي أحسن، فإن كانت النتيجة اتفاقا حمدًا الله تعالى، وإن كانت الأخرى عذر كل صاحبه، وانصرفا صديقين متحابين.
وكان من أثر ذلك في علاقة بعضهم ببعض، نمو روح التسامع فيما بينهم، وقوة المحبة والأخوة في الله وفي سبيل الحق، والتعاون عل كل ما يوصل إلى إرضاء الله تعالى، وإلى سعادة الأمة فبارك الله لهم في أعمارهم، وأعمالهم، وحفظها من أن تضيع في جدل عقيم، ومراء سقيم، ليس له من باعث سوى العناد للرأي، والانتصار للمذهب، مهما بعد عن الحق أو ظهر خطؤه (١).
لقد نفعهم الله ﷾ بوحدة الكلمة والرأي، فسلموا من التخاصم والتحاسد، ومن كل ما يفسد القلوب، ويحبط الأعمال، فنفعهم الله بأعمالهم ونفع بها الأمة.
وها هي ذي آثارهم، لا زالت منارا يهتدي به من أراد سلوك طريقهم ونموذجا لمن وهبه الله الفقه في الدين وحرص على تحري الحق، وأراد أن ينفع كما نفعوا، ويثمر كما أثمروا ولعل من أسلوب نجاحهم أنهم كانوا جميعا يغترفون من نهر واسع الجنبات عميق الغور،
_________________
(١) انظر ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين عبد الجليل عيسى (٦).
[ ١ / ٢٥٠ ]
وذلك هو كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - يرتوي منه كل منهم على قدر استعداده ولا يقابل من غيره بعتاب ولا ملام.
أما اليوم ونقولها بكل مرارة وأسى، فقد وصل الاختلاف بين المسلمين المحسوبين على الإسلام، إلى درجة ينفطر لها قلب المسلم الغيور حسرة وألما، وكأنهم عفا الله عنهم، لم يكفهم التمزق الذي أصابهم من أعدائهم من الخارج، فراحوا يوسعون شقة الخلاف، ويعينون أعداءهم على أنفسهم، بتفرقهم شيعا وأحزابا يخاصم كل حزب غيره ويعاديه (١).
بدلًا من الانضمام تحت حزب واحد وراية واحدة وقيادة واحدة، فالحزب هو حزب الله والراية هي راية الإسلام راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، والقيادة هي قيادة محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام.
هذا هو طريق العزة والنصر، طريق الموالاة في الله، والوحدة على رضاه:
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا وإذا افترقن تكسرت آحادا
فالخلاف المذموم، هو الذي يؤدي إلى نشوء العصبية بين المختلفين وتراشقهم بسهام اللجاج والجدل، حتى ينتهي بهم إلى التفرق والتناحر، وعلى هذا فلا يجوز للمسلم أن يتعصب لقول في مذهبه مخالف لكتاب الله وسنة رسوله بل يجب الرد والرجوع إليها قال تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء: ٥٩].
فالاختلاف الناجم عن الهوى والتعصب، هو بلا شك شر على
_________________
(١) انظر في هذا المعنى في كتاب ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين عبد الجليل عيسى (٦).
[ ١ / ٢٥١ ]
الأمة، وقد حصل بسببه آثار سيئة ومفاسد كبيرة، فالتخلص من الاختلاف الذي هو من هذا النوع، واجب ورحمة للأمة كما قال تعالى: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال: ٤٦].
فينبغي للعلماء والمجتهدين، التقارب والبعد عن الاختلاف، تبعا لقوة الدليل وغلبة الظن أنه الحق، لأن اجتماع المسلمين وتوحد كلمتهم وتقاربهم وتعاونهم واحترام بعضهم لبعض أمر، حث عليه الإسلام وهو الضمان الحقيقي لدوام الأخوة والموالاة والنصرة فيما بينهم (١) ويجب أن يدرك الأخ المسلم في تعامله مع إخوانه أنه لا يتعامل مع ملائكة لا يعضون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، بل يتعامل مع بشر يخطئون ويصيبون في اجتهادهم في أقوالهم وأفعالهم، فعلى الأخ أن لا يضيق ذرعًا بأي بادرة خطأ أو اجتهاد في غير محله، بل يحسن التوجيه، فيعذر الجاهل وبينه الغافل، ويذكر المتهاون والله الهادي إلى سواء السبيل.
السبب الرابع: من أسباب تحقيق الموالاة في الله صحبة أهل الخير وأهل المعرفة بالله، وتلك الصحبة مما أمر بها الإسلام وحث عليها، وأهل الخير الذي تستحب صحبتهم، هم من يشتغلون بعيوب أنفسهم عن عيوب الناس، يلتزمون أمر الشرع، ونهيه في صدق وطاعة، ويقومون بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوة وإيمان، فصحبة هؤلاء تلين القلوب، وتطهر من الذنوب وهي بيئة طيبة يحيى فيها القلب حياة كريمة (٢).
فقد ورد في الحديث الصحيح أن أعرابيًا قال لرسل الله - ﷺ - متى الساعة؟ قال له رسول الله - ﷺ - «ما أعددت لها؟» قال: حب الله ورسوله قال: «أنت مع من أحببت» (٣).
_________________
(١) انظر أسباب اختلاف الفقهاء د/ عبد المحسن بن عبد الله التركي (٣٤ - ٣٦).
(٢) انظر تذكرة الدعاة لبهي الخولي (٢٠٥).
(٣) رواه مسلم انظر صحيح مسلم (٤/ ٢٠٣٢).
[ ١ / ٢٥٢ ]
وفي حديث آخر: «إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك، إما أن يحذيك (١) وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة» (٢)، وفي الحديث أيضًا: «إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» (٣).
وفي الحديث القدسي: «وجبت محبتي للمتحابين فيَّ والمتزاوين فيَّ والمتباذلين فيَّ» (٤)، وفي حديث آخر عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (٥)، وذلك أن ترابط القلوب برباط العقيدة الإسلامية يورث أنسا وسعادة واستقامة في الحياة وأقل درجات الحب في الله، سلامة الصدر من الغل والحسد والضغينة نحو الإخوان في الله، وأعلى درجات الحب في الله والموالاة فيه مرتبة الإيثار، وقد ذكر الله ﷿ ذلك في وصفه للأنصار حين أكرموا إخوانهم المهاجرين قال تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: ٩].
وفي الحديث: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضهم بعضًا» (٦).
_________________
(١) يحذيك أي يعطيك.
(٢) رواه مسلم انظر صحيح مسلم (٤/ ٢٠٢٦).
(٣) المصدر السابق (٤/ ١٩٨٨، ٢٥٦٦).
(٤) رواه مالك في الموطأ انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين (١/ ٣٥٢).
(٥) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (٢/ ٦٣٣).
(٦) رواه البخاري ومسلم، انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين (١/ ٢٤٥) باب تعظيم حرمات المسلمين.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وقال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [التوبة: ٧١].
فالأخ المسلم الصادق يرى أن إخوانه أولى به من نفسه، لأنه إن لم يكن بهم فلن يكون بغيرهم، وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره، فحاجته إليهم أشد من حاجتهم إليه (١).
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [المائدة: ٥٤].
فالأخ يتقوى بإخوانه ويسترشد بهم فبدلا من أن يفكر بعقل واحد يفكر بعدة عقول عندما يطرح أي مشكلة من مشاكل الحياة التي تواجهه فيجد من إخوانه تنويرًا وتبصيرًا لما قد يغيب عنه أو يخفى عليه، ويجد منهم عونا معنويًا وماديًا له في الحياة.
السبب الخامس: من أسباب تحقيق الموالاة في الله، سلامة الصدر من الغش والحسد والضغينة نحو الإخوان في الله.
فقد أخرج أحمد بإسناد حسن والنسائي عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنا جلوسا مع رسول الله - ﷺ - فقال: «يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة» فطلع رجل من الأنصار تنظف لحيته من وضوئه، وقد علق نعليه بيده الشمال، فلما كان الغد قال النبي - ﷺ - مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى فلما كان اليوم الثالث، قال النبي - ﷺ - مثل مقالته أيضا، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام النبي - ﷺ - تبعه
_________________
(١) انظر مجموعة رسائل البنا (٢٧٦).
[ ١ / ٢٥٤ ]
عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ فقال: إني لاحيت (١) أبي فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثا فإن رأيت أن تؤيني إليك حتى تمضي فعلت، قال: نعم، قال: أنس فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي فلم يره يقوم من الليل شيئًا، غير أنه إذا تعار (٢) تقلب على فراشه ذكر الله ﷿، وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا، فلما مضت الثلاث ليالي وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة، ولكن سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لك ثلاث مرات: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» فطلعت أنت الثلاث المرات فأردت أن آوي إليك فأنظر ما عملك فاقتدي بك فلم أرك عملت كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله - ﷺ -؟ قال: ما هو إلا ما رأيت، فلما وليت دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا، ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق (٣).
هذه حال أولئك الصفوة، صدق وصفاء ونقاء في الظاهر والباطن، ولكن للأسف إن هذا الأمر مفقود بين المسلمين في عصرنا الحاضر إلا ما شاء الله، فحتى أولئك الذين ينصبون أنفسهم للدعوة إلى الإسلام نرى كثيرًا منهم يضمرون ويظهرون أنواعًا من الغش والحس نحو إخوانهم في الإسلام حيث إن هم أحدهم هو التجريح لكل من ينتمي إلى الدعوة.
_________________
(١) أي خاصمته انظر المعجم الوسيط (٢/ ٨٢٦).
(٢) استيقظ وأصابه الأرق، وتقلب في فراشه ليلا مع كلام وصوت، انظر المعجم الوسيط (٢/ ٥٩٨).
(٣) رواه أحمد انظر مسند أحمد (٣/ ١٦٦)، وقال الهيثمي: رجال أحمد ورجال الصحيح. انظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (٨/ ٧٩)، وقال ابن كثير في تفسيره (٤/ ٣٣٨) لحديث أحمد: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين اهـ.
[ ١ / ٢٥٥ ]
الإسلامية أو يحسب عليها، فلا يبقون على أحد يمثل الإسلام أو يتمثل فيه الإسلام سوى خاصة أنفسهم وقلة من أتباعهم، وينظرون إلىمن سواهم نظرة الند للند، وهذا أمر في غاية الخطورة على واقع المسلمين وحياتهم، وهو أمر يمنع تحقيق الموالاة والمناصرة بين عموم المسلمين، ويبقي الفئات العاملة للإسلام مزع متناثرة متناخرة، لا تشكل بوضعها هذا أي خطر على الأعداء ولا تحقق، لها ولدينها العزة والكرامة.
إن المسلم الحق الذي يحرص على مصلحة الإسلام والمسلمين هو الذي يواجهه إخوانه ويكاشفهم بآرائه عنهم وعن عملهم للإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، فقد يتصور خطأ أنهم على خطأ وهو المخطئ في الحقيقة وقد يكون العكس صحيحا، كما أن الأخ أو الجماعة المسلمة التي يوجه إليها النقد يجب أن تتحلى برحابة الصدر وباحترام آراء إخوانهم الآخرين وإن اشتملت على شيء من الاجتهاد المخالف للصواب في مسألة فرعية فإن الكمال لله ﷿ فظاهر العتاب خير من باطن الحقد.
فكثير من المنتسبين إلى الدعوة تقاعسوا عن الانتماء إليها بسبب أنهم طرحوا بعض القضايا والآراء حول طريقة الدعوة وسبلها فلم يلق لها بال ولم يؤبه (١) لها فكان ذلك سببا من أسباب إعراضهم عن الدعوة عن الانتماء إليها، وهو سبب غير وجيه بطبيعة الحال، ولكنه واقع فعلا ومنهم من يختزن في ذهنه مجموعة من الملاحظات التي يظنها أخطاء تيردى فيهال العاملون للإسلام ثم تزداد في نفسه يوما بعد يوم دون أن يبديها لأخوانه أو يناقشهم عليها ويرى رأيهم فيها وفي النهاية تشكل تلك الملاحظات مبررا شرعيا في نظره للانفصال عن الجماعة المسلمة وعن الدعوة التي ينتمون إليها دون أن يكلف نفسه عرض تلك الملاحظات على إخوانه ومعرفة وجه الحق فيها له أم عليه.
_________________
(١) لا يؤبه له: لا يحتفل به، ولا يلتفت إليه انظر المعجم الوسيط (١/ ٣).
[ ١ / ٢٥٦ ]
إن الشجاعة في نقد الأخ لأقوال إخوانه وأفعالهم معدومة تقريبا بين العاملين للإسلام، كما أن رحابة الصدر وتقبل النقد عند بعض الإخوة مفقود أيضا، وهذا يؤدي إلى استمرار الأخطاء، وانطواء النفوس على ما يزعزع ثقتها بإخوانها، وبالتالي تضعف الموالاة والمناصرة بين الأخ وإخوانه وربما تقطع الصلة بينه وبين إخوانه بسبب ذلك.
وللأسف فإن هذا الأمر الذي أضعناه أو تهاونًا فيه قد أخذ به أعداؤنا فهم أكثر منا شجاعة في نقد بعضهم لبعض، كما أنهم أقدر منا على تحمل النقد وتقبله ممن جاء به، وإن بدا هذا النقد واهيا ضعيفًا.
فعلى كل أخ إذا أراد أن تستمر الموالاة والمناصرة بينه وبين إخوانه، أن يكون صريحا مع إخوانه، وأن لا يضمر لهم خلاف ما يظهر وأن يكون لهم مرآة يرون من خلاله عيوبهم ويكونوا له مرآة يرى عيوبه من خلالهم، حتى يصل الجميع إلى التكامل والتكاتف وتجنب الأخطاء.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن: يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه» (١).
السبب السادس: من أسباب تحقيق الموالاة في الله الفرح بحسن حال المسلمين واسترضاء المسلم لأخيه المسلم وقضاء حاجته أخرج الطبراني عن ابن بريدة الأسلمي قال: شتم رجل ابن عباس ﵄ فقال ابن عباس: إنك لتشتمني وإنَّ فيَّ ثلاثَ خصالٍ، إني لآتي على الآية في كتابِ الله فلوددت أن جميعَ الناس يعلمون ما أعلم، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح ولعلي لا أقاضي
_________________
(١) رواه أبو داود والترمذي انظر سنن أبي داود (٤/ ٢٨٠) كتاب «الأدب» باب في النصيحة والحياطة، وانظر سنن الترمذي (٣/ ٢١٨) باب ما جاء في شفقة المسلم على المسلم.
[ ١ / ٢٥٧ ]
إليه أبدًا، وإني لأسمع بالغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين فأفرح وما لي به سائمة (١).
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: كنت جالسا عند النبي - ﷺ - إذ أقبل أبو بكر أخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته فقال النبي - ﷺ - أما صاحبكم فقد غامر، فسلَّم، وقال: يا رسول الله إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي فأقبلت إليك، فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثًا ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثمَّ أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النبي - ﷺ - فجعل وجه النبي - ﷺ - يتمعَّر حتى أشفق عليه أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله! والله أنا كنت أظلم «مرتين»، فقال النبي - ﷺ -: إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدقت وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟ «مرتين» فما أوذي بعدها (٢).
وفي قضاء حاجة المسلم لإخوانه يروى عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله ﷿ سرور يدخله على مسلم، أو يكشف به عنه كربةً أو يقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولئن أمشي مع أخ في حاجة أحب إليَّ من أن اعتكف في هذا المسجد (يعني: المسجد النبوي) شهرًا ومن كفَّ غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له، أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام، وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل» (٣).
_________________
(١) رواه الطبراني انظر: «مجمع الزائد ومنبع الفوائد للهيثمي» (٩/ ٢٨٤) وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
(٢) رواه البخاري انظر فتح الباري (٧/ ١٨) كتاب فضائل الصحابة.
(٣) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (٢/ ٦٠٨) رقم الحديث (٩٠٦).
[ ١ / ٢٥٨ ]
فالفرح بحسن أحوال المسلمين والحرص على رضاهم، وإدخال السرور عليهم، والاهتمام بالمسلم أثناء تقديم حاجته، والإنصات إليه، كل هذه المعاني قد أمر بها الشرع وهي من حسن الخلق، فقد روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «أحب عباد الله إلى الله أحسنهم خلقًا» (١) حيث إنَّ عدم تقدير المتكلم وعدم المبالاة بكلامه أو الاهتمام به، وبما يطلبه يورث في نفس المتكلم ردود فعل خطيرة، ومداخل لشياطين الجن والإنس في إيقاع الفرقة ونشوء العداوة بين المسلمين.
وقد أمر الله ﷿ بفعل الخير في حق المسلمين جميعًا قال تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الحج: ٧٧].
ومما يثبت المودة ويزيد المحبة زيارة الأخ المسلم لإخوانه، فقد روي عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله - ﷺ - زار أهل بيت من الأنصار فطعم عندهم طعاما فلما أراد أن يخرج أمر بمكان من البيت فنضح (٢) له على بساط، فصلى عليه ودعا لهم (٣)، وورد في فضل الزيارة أحاديث منها ما رواه الترمذي وحسنه وصححه ابن حبان من حديث أبي هريرة رفعه: «من عاد مريضا أو زار أخا له في الله ناداه مناد طبت وطاب ممشاك وتبوَّأت من الجنة منزلًا» (٤).
وفي حديث عن معاذ بن جبل ﵁ مرفوعًا: «حقت محبتي للمتزاورين فيَّ» (٥).
_________________
(١) المصدر السابق (١/ ١٧٤) رقم الحديث (٤٣٣).
(٢) أي: رش الماء على بساط انظر «المعجم الوسيط» (٢/ ٩٣٦).
(٣) رواه البخاري انظر: «فتح الباري» (١٠/ ٤٩٩).
(٤) المصدر السابق (١٠/ ٥٠٠).
(٥) انظر فتح الباري (١٠/ ٥٠٠).
[ ١ / ٢٥٩ ]
والزيارة توجب إكرام الزائر في حدود القدرة والاستطاعة، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» الحديث (١).
والزيارة يجب أن تتم وفق ضوابط وحدود معينة بلا إفراط أو تفريط فيها، ويحكم هذه الضوابط العرف السليم والفهم المستقيم، والحكمة التي تضع الأشياء في مواضعها المناسبة، ومقتضياتها السليمة حتى تحقق الزيارة الهدف المقصود منها، ولا تؤدي إلى مردود عكسي يضعف الموالاة أو ينقصها بين الإخوة في الله.
السبب السابع: من أسباب تحقيق الموالاة في الله حفظ السر للأخ المسلم، فالمسلم إذا استودع أخاه سرًّا وجب عليه المحافظة على ذلك، فقد روي أن عمر ﵁ حين تأيمت (٢) حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي ﵄ وكان من أصحاب النبي - ﷺ - ومن أهل بدر توفي بالمدينة، فقال عمر: لقيت عثمان بن عفان فعرضت عليه فقلت إن شئت أنكحتك حفصة، فقال سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثم لقيني فقال بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر فقلت إن شئت أنكحتك حفصة، فلم يرجع إلى شيئا فلبثت ليالي فخطبها رسول الله - ﷺ - فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت حين عرضت عليَّ حفصة فلم أرجع إليك شيئا؟ قال قلت: نعم قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك شيئًا حين عرضتها علي إلا أني سمعت رسول الله - ﷺ - يذكرها ولم أكن لأفشي سر رسول الله - ﷺ - ولو تركها نكحتها (٣).
_________________
(١) المصدر السابق (١٠/ ٥٣٢).
(٢) أي فقدت زوجها، انظر المعجم الوسيط (١/ ٣٤).
(٣) رواه البخاري والنسائي انظر فتح الباري (٩/ ١٨٣) وانظر سنن النسائي (٦/ ٧٧، ٧٨).
[ ١ / ٢٦٠ ]
وروي عن عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله - ﷺ - ذات يوم خلفه فأسرَّ إلى حديثًا لاأحدث به أحدًا من الناس .. الحديث (١).
فهذه الأحاديث تدل على وجوب حفظ السر وهو نوع من الأمانة التي أمر الله بحفظها حيث يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [الأنفال: ٢٧] وقال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) [المؤمنون: ٨].
ولذلك فإنه من أعظم الذنوب، أن يتظاهر المرء بالصلاح والتقوى والصدق والإخلاص فإذا استودعه أحد الإخوة في الله سرًا؛ أذاع به ونشره، إما لأنه منافق في الأصل من الذين (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) [البقرة: ٩]، وإما لأنه من الذين يعبدون الله على حرف كما في قوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الحج: ١١]، وإمَّا لأنه جهول لا يقدِّر حق الأمانة التي اؤتمن عليها فيبوح بأسرار إخوانه بلا وعي أو إدراك، وكل هذه الأمور سبب في إضعاف روح الموالاة والمناصرة بين الإخوة المؤمنين.
السبب الثامن: من أسباب تحقيق الموالاة في الله، مواساة الأخ لإخوانه بفضل ماله قال تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [الحشر: ٩].
_________________
(١) رواه مسلم: انظر صحيح مسلم (١/ ٢٦٨، ٢٦٩) دار إحياء التراث.
[ ١ / ٢٦١ ]
وقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) [الإنسان: ٨].
وقد روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: بينما نحن في سفر مع النبي - ﷺ - إذ جاء رجل على راحلة له، قال: فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا، فقال رسول الله - ﷺ -: «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له» قال فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل (١) وأخرج الطبراني عن ابن عمر ﵄ قال: «أتى علينا زمان وما يرى أحد منا أنه أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم، وإنا في زمان الدينار والدرهم أحب إلينا من أخينا المسلم» (٢).
ففي هذه الأدلة دلالة واضحة على الحث على الصدقة والجود والمواساة للمحتاجين، عند وجود الأسباب المقتضية لذلك، فالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، وإنه يكفي العلم بحاجة المحتاج، دون اضطراره إلى السؤال وإراقة ماء وجهه في المسألة والاستجداء.
فالبذل والعطاء من فضل المال لمن هو محتاج إلى ذلك أمر مؤكد على المسلم الواجد، فالذي يبخل بفضل ماله على إخوانه وهم بأشد الحاجة إليه، فهو ناقص الإيمان قليل الفلاح قال تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: ٩].
والأدلة المتقدمة في وجوب مواساة الأخ لإخوانه في الإسلام لا يستدل
_________________
(١) رواه مسلم: انظر صحيح مسلم (٣/ ١٣٥٤) باب اللقطة.
(٢) رواه الطبراني بأسانيد بعضها حسنة. انظر مجمع الزوائد» ومنبع الفوائد للهيثمي (١٠/ ٢٨٥).
[ ١ / ٢٦٢ ]
بها على جواز الاشتراكية، أو شيوعية المال بين المسلمين، كما يحاول ذلك عبيد ماركس اليهودي، فإن المسلم الحقيقي يندفع ذاتيًا إلى مساعدة إخوانه بفضل ماله عن رضا نفس وطيب خاطر نتيجة إيمانه بالله وبما عند الله من عظيم الجزاء، وقد يقول بعض دعاة الاشتراكية والشيوعية في العالم الإسلامي: إننا نشاهد كثيرًا من الدول والشعوب التي تدعي الإسلام، تبذر الأموال على الغانيات والراقصات، وفي أمور هزيلة ساذجة في حين أن معظم الشعوب الإسلامية تعاني من الفقر المدقع، ومشكلات الحروب الشيء الكثير، ومع ذلك ما قدم لها الإقطاعيون (١) في العالم الإسلامي أية مساعدات مالية على المستوى المطلوب كما يأمر بذلك الحديث.
فنقول للإجابة عن هذا الاحتجاج الموهم: إن تقصير هؤلاء عن القيام بواجبهم الشرعي نحو إخوانهم لا يعني ذلك خطأ النظام الاقتصادي في الإسلام وتقصيره في سد حاجات المسلمين، وإنما الخطأ مرجعه إلى سوء التطبيق من هؤلاء الذين يملكون الأموال الطائلة في العالم الإسلامي ولا يؤدون الحق الشرعي عليهم، فهم ليسوا من الملتزمين بالإسلام التزاما حقيقيا بل هم صورة مزيفة للمسلمين، ولذلك يجب أن لا نحمل الإسلام أخطاء أولئك الخارجين عليه، ولا نتخذ ذلك مبررًا للدعوة إلى غير الإسلام وإلى غير نظامه الاقتصادي العادل الرحيم.
السبب التاسع: من أسباب تحقيق الموالاة في الله، الاحتراز من سوء الظن بالمسلم.
فقد أخرج ابن عساكر عن أنس ﵁ أن رجلًا مر بمجلس في عهد رسول الله - ﷺ - فسلم الرجل فردوا عليه فلما جاوزهم قال أحدهم: إني لأبغض هذا، قالوا: مه فوالله لننبئنه بهذا انطلق يا فلان فأخبره بما قال له فانطلق الرجل إلى النبي - ﷺ - فحدثه بالذي كان
_________________
(١) هم الذين يتحكمون بالأرض ومن فيها من الناس، انظر المعجم الوسيط (٢/ ٧٥٢).
[ ١ / ٢٦٣ ]
وبالذي قال: قال الرجل: يا رسول الله ارسل إليه فاسأله لم يبغضني؟ قال له رسول الله - ﷺ - «لم تبغضه؟» قال: يا رسول الله أنا جاره وأنا به خابر، ما رأيته يصلي صلاة إلا هذه الصلاة التي يصليها البر والفاجر، فقال له الرجل: يا رسول الله سله هل أسأت لها وضوءا أو أخرتها عن وقتها فقال: لا ثم قال: يا رسول الله أنا له جار وأنا به خابر، ما رأيته يطعم مسكينا قط إلا هذه الزكاة التي يؤديها البر والفاجر، فقال: يا رسول الله سله هل رآني منعت منها طالبها؟ فسأله، فقال: لا، فقال يا رسول الله أنا له جار وأنا به خار، ما رأيته يصوم يوما قط إلا الشهر الذي يصومه البر والفاجر، فقال الرجل: يا رسول الله سله هل رآني أفطرت يوما قط لست فيه مريضًا ولا على سفر؟ فسأله عن ذلك، فقال: لا، فقال له رسول الله - ﷺ - «فإني لا أدري لعله خير منك» (١).
وقد ورد في الحديث الصحيح النهي عن سوء الظن بالمسلم قال رسول الله - ﷺ -: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» (٢) فإن المسلم بناء على ذلك مأمور بأن يحسن الظن بإخوانه، وأن يحمل ما يصدر عنهم من قول أو فعل على محمل حسن ما لم يتحول الظن إلى يقين جازم، فالله ﷿ أمرنا بالتثبت فيما يصدر من الغير نحونا ونحو إخواننا قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات: ٦] فكم أوقع سوء الظن السيئ من فراق بين المتحابين، وقطيعة بين المتواصلين، ولو لم يكن الظن على درجة عظيمة من الخطورة والأهمية في إضعاف روح الموالاة بين المؤمنين لما أكد الباري ﷿ على ذلك في الكتاب والسنة ومن استعراض الأسباب المتقدمة نجد أن ما أصاب المسلمين اليوم من قطيعة وتناحر وتنكر بعضهم للبعض الآخر، إنما هو بسبب تجافيهم عن الأخذ بالأسباب التي تحقق الموالاة في الله والتي أشرنا إليها فيما تقدم من هذا
_________________
(١) كنز العمال (٢/ ١٧٠) وانظر حياة الصحابة (٢/ ٥١٣، ٥١٤).
(٢) رواه البخاري انظر فتح الباري (٩/ ١٩٨) باب النكاح (٤٥).
[ ١ / ٢٦٤ ]
المبحث وإقبالهم على بدائل مستمدة من مخططات اليهود والنصارى لتدمير هذه الأمة.
فقد استبدل معظم المسلمين بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - مطالعة الصحف والمجلات والنشرات والكتب التي يصدرها ويسيطر عليها أعداء الإسلام والمسلمين، سواء كانوا أعداء أصلاء أم أعداء عملاء.
ونتيجة لذلك فقد ضعف الإيمان في النفوس وشوهت حقيقته بواسطة وسائل الإعلام المعادية للإسلام، في داخل البلاد الإسلامية وخارجها ووقع الاختلاف بين المسلمين نتيجة اختلاف مصدر التلقي والتوجيه فمن الناس من يستوحي أقواله وأفعاله من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ومن الناس من يستوحي أقواله وأفعاله من أسائده من اليهود والصليبيين ومنهم من يستوحي أقواله وأفعاله من الشيوعيين الوجه الثاني للعملة الكافرة ولذلك فشا التناحر والخصام بين مختلف فئات المجتمع الواحد تبعا لاختلاف التبعية والولاء، وهذا ما جعل المسلمين كاليهود تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، وكثر التأسي بالأشرار والمصاحبة لهم نظرا لكونهم يتمتعون بمركز القوة في عامة البلاد الإسلامية، وانزوى ضعاف الإيمان عن صحبة الأخبار نظرا لما تنطوي عليه من أخطار جسيمة، حيث إن أهل الخير تحت المراقبة الدائمة والخطر المستمر نظرا إلى أن السلطات الكافرة لا تريد للخير أن ينتشر أو أن يستمر.
وقد تداعت على المسلمين المصائب في كل قطر وبلد حتى شغل البعض منهم بمصيبته عن مصيبة إخوانه، مما أعطى للأعداء فرصة الضربات القاضية للمسلمين في بعض البلاد الإسلامية، دون أن يقابل عملهم هذا بأي رد إسلامي كبير، يكون تأديبا لهم ولأسيادهم من ورائهم وذلك كله بسبب غيبة الموالاة الحقيقية في الله، التي تجعل المسلمين كالجسد الواحد إذا اشكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر واللحمى.
[ ١ / ٢٦٥ ]
المبحث الثاني: حقوق الموالاة بين المسلمين
لقد أكرم الله ﷿ المسلمين حين جعل من دينه رابطة تربط المسلم بأخيه المسلم مهما نأى المكان واختلف الزمان، وأصبحت العقيدة الإسلامية تجمع بين القلوب المؤمنة، وتنشئ العطف والرحمة فيما بينها.
ومن أول خصائص المجتمعين على الحق أن يسوسوا به أنفسهم، وأن تقوى به المحبة بينهم وأن تكون له مناصرتهم وتأييدهم قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: ١٠] وقال تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) [آل عمران: ١٠٣].
وعلى هذا إذا قلنا: إن الإسلام هو العروة الوثقى بين اتباعه جميعا، فإن التناصر بينهم يتم في حدود الشريعة الإسلامية ولذلك فلا مجال
[ ١ / ٢٦٦ ]
للاعتراض عليه، من فرد أو جماعة، أو دولة لأن من اعترض على ما شرعه الله وأوجبه على المسلمين فحكمه الكفر (١).
فقد أمرنا الله ﷿ بأوامر وكلفنا بتنفيذها ونهانا عن محرمات وطلب منا عدم مقارفتها قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [المائدة: ٢].
فأي مسلك ينافي أمر الله أو نهيه يعد خروجًا على الإسلام ولكن هذا الخروج منه ما هو كفر ومنه ما هو أقل من ذلك بمراتب متفاوتة.
وقد ذكر الله ﷿ نموذجا حيا للموالاة الصحيحة بين الإخوة في الله، ثم ذكر الهدف من الموالاة في الله في مجال الدعوة، بذكر قصة موسى وهارون عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم، قال تعالى: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا) [طه: ٢٩ - ٣٥].
فبين الله تعالى الغاية من الأخوة في الله والموالاة فيه، أن المؤمنين بعضهم سند لبعض كما كان هارون سندًا لموسى ﵉ فموسى طلب من ربه أن يجعل له وزيرا يشدُّ عضده، ويقوي همته، ويعينه على نوائب الحياة، في القول والعمل، وإذا فهو يريد شريكا في أمره كله، يقاسمه بؤسه ونعيمه ويتبادل معه الرأي، ويتحمل معه أعباء الدعوة إلى الله، على بصيرة وهدي من الله، يشاركه في ذكر الله، وتسبيحه ويتحمل معه الصبر والابتلاء في إبلاغ الدعوة إلى الطغاة والمنحرفين
_________________
(١) انظر زاد المسير في علم التفسير (٢/ ٣٦٦، ٣٦٧) وانظر تفسير الطبري (٦/ ١٦٣) وانظر تفسير القرطبي (٦/ ١٩٠).
[ ١ / ٢٦٧ ]
فمجابهة الطغاة تحتاج إلى معين وناصر، والمعين والناصر بعد الله، هو الأخ المؤمن الصادق، الذي يقدم نفسه، وماله وجميع ما يملك في نصرة دين الله ونصرة أخيه في العقيدة بلا ملل أو منة قال تعالى: (اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) [طه: ٤٢، ٤٣] وما دام هذا شأن موسى مع هارون كما هو شأن نبينا محمد - ﷺ - مع صحابته، والتابعين لهم بإحسان، ألا يجب علينا الاقتداء بهم، في أن نذهب دعاة إلى الحق، كما ذهب موسى وهارون (اذهب أنت وأخوك بآياتي) ألسنا مكلفين بحمل هذا الدين كما حمله موسى وهارون وكما حمله رسلنا محمد - ﷺ - قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) [آل عمران: ١١٠] ألا يجب علينا التحمل والصبر في سبيل الدعوة كما صبر موسى وهارون (ولا تنيا في ذكري) ألا يجب أن نبلغ الطغاة والفراعنة في كل زمان ومكان دعوة الحق ونلزمهم بالأخذ بها وعدم إضلال الناس، وتعذيبهم بمناهج الكفر والضلال.
فالموالاة في الله لا تصدر من طرف واحد، وإنما هي شركة بين المؤمنين يكمل بها بعضهم بعضًا، فالأخ الذي تبحث عنه ليعينك دائما على طاعة الله ويواليك ويناصرك على ذلك، هو أيضا يبحث عنك لنفس الغرض، حيث إن الموالاة تضامن في المال والنفس واللسان والقلب، والأخ مع أخيه مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى، وتعين إحداهما الأخرى في مجالات الحياة المختلفة والحقوق التي تقتضيها الأخوة في الله هي كما يلي:
أولا: الحق الأول من حقوق الموالاة في الله الإيثار: إن من الصفات الكريمة التي امتدح الله بها الأنصار صفة الإيثار قال تعالى:
[ ١ / ٢٦٨ ]
(وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [الحشر: ٩] فالمسلم الذي يؤثر إخوانه في الله بماله ونفسه، فينزلهم أعظم من نفسه، فإن ذلك دليل على كمال إيمانه وعظيم حبه لله تعالى، ولمن يحبهم الله من خلقه، وهذه أعظم منزلة في الإيثار، ودونها منزلة أخرى وهي أن ينزل المسلم إخوانه المؤمنين منزلة نفسه فتسمح نفسه بمشاركتهم له في ماله ومنزله إذا اقتضى الأمر ذلك.
قال الحسن: «كان أحدهم يشق إزاره لأخيه مناصفة بينهما» (١).
ودون المرتبتين السابقتين مرتبة ثالثة، وهي أن ينزل المسلم أخاه مرتبة الصاحب لديه، فيقوم بحاجته من فضل ماله، إذا عرضت له حاجة وهو يملكها بين يديه قدمها دون أن يلجئه إلى السؤال إذا علم بحاله، فإن ألجأه إلى السؤال فهو دليل على تقصيره في حق أخيه عليه، فإذا لم تجد نفسك في رتبة من هذه الرتب مع إخوانك الذين انعقدت رابطة الأخوة بينك وبينهم فاعلم أن الجاري بينكم مخالطة وهمية ليست ذات صفة شرعية صادقة.
فقد روي أن أبا هريرة ﵁ جاءه رجل فقال: إني أريد أن أواخيك في الله فقال: أتدري ما حق الإخاء في الله؟ قال له عرفني قال: أن لا تكون أحق بدينارك ودرهمك مني، فقال الرجل: لم أبلغ هذه المنزلة بعد قال: إذا فاذهب عني (٢) اهـ.
ثانيًا: من حقوق الموالاة في الله قضاء حاجات الإخوان والقيام بها
_________________
(١) انظر فضيلة الألفة والأخوة، مخطوطة بقسم المخطوطات بجامعة الرياض برقم (١٦٠٥) (٥٥٦/ ٦) الورقة (٣٧) المؤلف غير معروف كتبت في القرن التاسع الهجري تقريبًا.
(٢) انظر فضيلة الألفة والأخوة، مخطوط بقسم المخطوطات بجامعة الرياض برقم (١٦٠٥) فيلم (٥٥٦/ ٦) الورقة (٣٧) المؤلف غير معروف، كتبت في القرن التاسع الهجري تقريبا.
[ ١ / ٢٦٩ ]
على قدر الاستطاعة والقدرة، مع البشاشة، وإظهار الفرح والاستبشار بها قال بعض السلف (١): إذا استقضيت أخاك الحاجة فلم يقضها لك فذكره ثانية فلعله قد نسيها، فإن لم يقضها لك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم كبر عليه واقرأ هذه الآية: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) [الأنعام: ٣٦] اهـ.
وكان بعض السلف الصالح يقوم بتفقد عيال أخيه في الله بعد موته عشرات السنين، فيقضي حاجاتهم، ويلبي مطالبهم، ويتودد لهم، ويتردد عليهم، كأنهم بمنزلة أولاده، فكانوا لا يفقدون من أبيهم إلا عينه (٢).
قال ميمون بن مهران: (من لم ينفعك بصداقته، لم يضرك بعداوته (٣» اهـ.
وروي في الأثر: ألا إن لله أواني في أرضه وهي القلوب فأحب الأواني إلى الله أصفاها وأصلبها وأرقها، وأخلصها من الذنوب وأصلبها في الدين وأرقها على الإخوان (٤).
وكان الحسن البصري ﵀ يقول: «إخواننا أحب إلينا من أهلينا وأولادنا لأن أهلينا يذكروننا الدنيا، وإخواننا يذكروننا الآخرة» (٥).
ثالثا: من حقوق الموالاة في الله أن يسكت الأخ المسلم عن عيوب إخوانه في غيبتهم وحضرتهم، إذا كانت هذه العيوب لا تمس شيئا من واجبات الدين وأركانه وذلك مثل قلة الأكل عند البعض منهم أو زيادته
_________________
(١) نفس المصدر السابق نفس المكان.
(٢) المصدر السابق الورقة (٤٠).
(٣) المصدر السابق نفس المكان.
(٤) فضيلة الألفة والأخوة، مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات برقم (١٦٠٥) فيلم (٥٥٦/ ٦) الورقة (٤٠) المؤلف غير معروف، كتبت في القرن التاسع الهجري تقريبًا.
(٥) المصدر السابق الورقة (٤٠، ٤١).
[ ١ / ٢٧٠ ]
عند البعض الآخر أو كثرة النعاس لدى بعضهم أو قلة الكلام من بعضهم وكثرته عند البعض الآخر، فإن هذه الأمور ونحوها من الأولى أن يتجاهلها الأخ من إخوانه فلا يبديها لهم إذا خاف في إبدائها لهم أو مناقشتهم فيها ما يحملهم على قطع رابطة الأخوة ومفارقة الجماعة، فلا يبديها لهم ولا يناقشهم فيها مواجهة، ولكن يعرض بما هو شبيه بحالتهم، فيكون ناصحا لهم بطريق غير مباشر.
وعلى الأخ أن لا يكثر من مفاتحة إخوانه بأشياء لم يذكروها مخافة أن يحملهم على الكذب اضطرارًا في ذلك، وأن يسكت عن القدح في أحباب إخوانه والمقربين إليهم، ممن لا يظهر عليهم فعل المعاصي والمجاهرة بها.
قال ابن المبارك: «المؤمن يطلب لهفوات إخوانه المعاذير والمنافق يطلب العثرات» (١) اهـ.
ومن حقوق الموالاة في الله (٢) ترك سوء الظن بالأخ المسلم، فسوء الظن غيبة القلب، وذلك أمر منهي عنه المسلم، ما لم تتوافر الأدلة اليقينية في حصول الأمر المظنون به، وسوء الظن هو أن تحمل فعل أخيك على
_________________
(١) هو عبد الله بن المبارك أبو عبد الرحمن المروزي مولى بني حنظلة كانت أمه خوارزمية وكان أبوه عبد تركيا لرحل من تجار همدان من بني حنظلة ولد عبد الله بن المبارك في سنة ١١٨ هـ وتعلم العلم حتى أصبح يلقب بأمير المؤمنين في الحديث قدم هارون الرشيد إلى الرقة في غرب بغداد فاستقبله أفراد من الحرس والشرطة، وعندما قدم عبد الله بن المبارك من نفس المكان خرج الناس عن بكرة أبيهم لاستقباله فنظرت جارية في قصر الخليفة إلى المنظر فقالت ما هذا؟ قالوا: عالم من أهل خراسان، فقالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الرشيد الذي لا يجمع الناس إلى بشرط وأعوان، وقد سئل ابن المبارك من الناس؟ فقال: العلماء، قيل: فمن الملوك؟ قال: الزهاد قيل فمن السفلة؟ قال: الذين يعيشون بدينهم توفي ﵀ مجاهدا في بلاد الروم سنة ١٨١ هـ انظر تاريخ بغداد الخطيب البغدادي (١/ ١٥٢) وانظر حلية الأولياء لأبي نعيم (٨/ ١٦٧).
(٢) انظر فضيلة الألفة والأخوة، مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات (١٦٠٥)، فيلم (٥٥٦/ ٦) المؤلف غير معروف الورقة (٤١، ٤٢) كتبت في القرن التاسع الهجري تقريبًا.
[ ١ / ٢٧١ ]
وجه فاسد مع إمكان أن تحمله على وجه حسن، وسوء الظن يمكن تقسيمه إلى قسمين:
القسم الأول: هو ما يسمَّى فراسة المؤمن، وهو الظن الذي يستند إلى علامات ودلائل تشير إلى ذلك فإن هذا يحرك الظن تحريكًا لا يقدر الإنسان على دفعه.
القسم الثاني: الظن السيئ ومنشؤه سوء اعتقاد الأخ بأخيه، فإذا صدر من الأخ المظنون به سوء فعل له وجهان، دفعه سوء اعتقاده بأخيه أن ينزل فعله هذا على الوجه الرديء من غير علامة يقينية ترجع ذلك الأمر الذي حمل فعل أخيه عليه، وهذا الظن المبني على أمور وهمية جناية على الأخ بغير ما اكتسب وهذا هو الظن الذي حذرنا الله منه وحذرنا منه رسوله - ﷺ - قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) [الحجرات: ١٢].
وقال رسول الله - ﷺ - «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث (١)» وأقل درجات المعاملة في الأخوة في الله أن يعامل أخاه بمثل ما يجب أن يعامل هو به (٢).
رابعا: من حقوق الموالاة في الله أن يذكر الأخ محاسن إخوانه في الله، لأن المحاسن تغطي المساوئ وتجلب المحبة، وهذه الصفة من أخص خصال الأخوة في الله.
فعلى الأخ المسلم أن يتودد لأخيه بلسانه ويتفقده في أحواله التي يحب أن يتفقد فيها فمعنى الموالاة في الله هي أن يساهم الأخ مع إخوانه
_________________
(١) رواه البخاري انظر فتح الباري (٩/ ١٩٨) باب النكاح ٤٥.
(٢) فضيلة الألفة والأخوة مخطوطة بجامعة الرياض برقم (١٦٠٥) فيلم (٥٥٦/ ٦) الورقة (٤٢).
[ ١ / ٢٧٢ ]
في السراء والضراء، ولذلك روي عن أبي كريمة المقداد بن معد يكرب ﵁ عن النبي - ﷺ -: «إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه» (١).
والحكمة من إخبار الأخ أخاه بمحبته إياه لتحصل بينهما المودة والصلة والتزاور والمناصحة والتعاون، فتزداد المحبة وتتقوى الصلة بينهما وتتوثق عرى الأخوة بين الإخوة في الله (٢) حيث أن الأخ إذا عرف أنك تحبه أحبك على ذلك ومعرفة الحب تكون بالقول والفعل، فإذا حصل ذلك بدأ الحب يتزايد بين الجانبين ويتضاعف والمحبة بين المؤمنين مطلوبة في الشرع ولذلك أرشد الرسول - ﷺ - إلى أسبابها القولية والفعلية ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (٣) هذا في أسباب المحبة القولية.
أما المحبة الفعلية فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت» (٤) وفي حديث آخر كان رسول الله - ﷺ - يقبل الهداية ويثيب عليها (٥).
ومن مقتضيات الموالاة في الله أن يدفع المسلم عن أخيه في الله ذم
_________________
(١) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث صحيح انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين (١/ ٣٥٢) رقم الحديث (٩/ ٣٨٤).
(٢) انظر: نزهة المتقين شرح رياض الصالحين (١/ ٣٥٢).
(٣) رواه مسلم انظر: صحيح مسلم (١/ ٧٤).
(٤) رواه البخاري انظر: فتح الباري (٥/ ١٩٩).
(٥) المصدر السابق (٥/ ٢١٠).
[ ١ / ٢٧٣ ]
الذامين وقدح القادحين، وأن يرد تعنت المتعنتين وتشويه الحاقدين الذين يريدون أن يصفوا كل مسلم بأوصاف النقيصة والازدراء حتى لا يبقوا لأحد من المسلمين صفة العزة والكرامة والإيمان الصحيح، وإن تسليط الجهال وأنصاف المتعلمين على القدم وتكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات وأقبح الصفات، لأن هؤلاء لا يريدون أن يبقوا على فرد أو جماعة تمثل الإسلام تمثيلا صحيحا وبالتالي كأنهم بلسان حالهم يقولون أن لا وجود للإسلام والمسلمين فينشرون اليأس والتخاذل بين المسلمين، ولم يسلم من تلك المصيدة الخبيثة حتى أولئك الذين يتزعمون الدعوة إلى الله، فهم يربون أتباعهم على الحقد والضغينة نحو الآخرين، وكأن الإسلام وقف عليهم دون غيرهم من الناس، وكأنهم وحدهم المعصومون من الخطأ الذي يشترك فيه عامة الناس، إن المبدأ والمنهاج في تقييم المسلمين إذا انتشر وشاع على هذا الأساس، فسوف تفقد الأمة الثقة بجميع المسلمين عامة والعاملين للإسلام خاصة، وعند ذلك تضيع في متاهات الضلال والانحراف لعدم توفر القيادة الفكرية والقدوة العلمية والجماعة المستقيمة التي يمنحها المسلم ولاءه وانتماءه ونصرته وتأييده في هذه الحياة.
وهذا لا يعني عدم محاسبة الإخوان عن أعمالهم وعيوبهم ومناصحتهم في تقصيرهم، ولكن الذي نقصده هو عدم التجريم الخفي الذي يهدم ولا يبني ويفسد ولا يقوم والذي قد يكون للكذب والمكر السيء مجال واسع فيه.
فالإغضاء عن عيوب الإخوان يعتمد على الغرض الباعث على الإغضاء فإذا أغضيت لسلامة دينك، ولما ترى فيه من إصلاح أخيك بالإغضاء منه، فأنت مدار له والمداراة جائزة كما تقدم (١).
_________________
(١) انظر ص (٢٠٩ - ٢١١) من هذه الرسالة.
[ ١ / ٢٧٤ ]
وإن أغضيت عن فعل محرم أو ترك واجب، أو أغضيت لحظ نفسك واستجلاب شهواتك، وسلامة جاهك فأنت مداهن والمداهنة محرمة مذمومة كما تقدم إيضاح ذلك.
خامسًا: من حقوق الموالاة في الله أن لا يسب المسلم إخوانه من أجل الدفاع عن كافر أو نحوه، ودليل ذلك أن أبا سفيان ﵁ أتى قبل إسلامه على سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا: والله ما أخذت السيوف من عنق عدو الله مأخذها فقال أبو بكر ﵁ أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم.
فأتى النبي - ﷺ - فأخبره فقال: يا أبا بكر لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك.
فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا يغفر الله لك يا أخي (١).
فهم قالوا هذا الكلام موالاة لله ورسوله والمؤمنين، ومعاداة لأعدائهم ولذلك جعل النبي - ﷺ - إثارة غضبهم بهذه الصورة سببًا في غضب الله على من أغضبهم، فإذا كان أبو بكر ﵁ رغم منزلته في الإسلام يقول له الرسول - ﷺ -: لعلك أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك.
فكيف حال الذين يعاندون المؤمنين في وسائل الإعلام المختلفة فيمدحون الكفار وينشرون الكفر ليل ونهار، ويسخرون من المؤمنين بأقوالهم وأفعالهم؟ أليس هؤلاء قد باءوا بغضب على غضب؟
_________________
(١) رواه مسلم انظر صحيح مسلم (٤/ ١٩٤٧) كتاب فضائل الصحابة، وانظر التحفة العراقية لابن تيمية ص ٣٥.
[ ١ / ٢٧٥ ]
واستحقوا لعنة الله وعذابه قال تعالى: (فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ) [البقرة: ٩٠].
سادسًا: من حقوق الموالاة العفو عن هفوة الأخ والكف عن عثرته وهي لا تخلو إما أن تكون في دينه بارتكاب معصية، أو في دنياه بتقصيره في حقك.
فأما ما يكون في الدين من ارتكاب معصية وترك واجب أو اقتراف محرم فلا يخلو ذلك من أمرين:
١ - أن تكون تلك المعصية التي اقترفها، أو الواجب الذي تركه زلة قد ندم عليها وتاب عنها فالعفو والصفح واجب في ذلك.
٢ - أن يكون مصرًا على المعصية متلبسًا بها، فالأولى التلطف في نصحه بما يقيم عوجه، ويجمع شمله، ويعيد الورع والصلاح إليه، فإن لم تستطع وبقي مصرًّا، فقد اختلفت طرق الصحابة في حق مودته واستمرار موالاته، أو مقاطعته ومعاداته، ولهم في هذه المسألة قولان:
القول الأول: قول أبي ذر (١) ﵁ حيث يرى أن
_________________
(١) هو جندب بن جنادة بن قيس بن عمرو بن مليل الغفاري، وأمه رملة بنت الوقيعة من بني غفار، وكان أبو ذر ﵁ من كبار الصحابة وفضلائهم، قديم الإسلام يقال: أسلم بعد أربعة وكان خامس من أسلم، ثم انصرف إلى بلاد قومه وأقام بها حتى هاجر رسوله الله - ﷺ - إلى المدينة فقدم عليه وعندما خرج رسول الله - ﷺ - إلى تبوك تخلف أبو ذر قليلا ثم ركب بعيره ولحق برسول الله - ﷺ - وفي الطريق كان بعيره بطيئا فتركه وحمل متاعه على ظهره وانطلق ماشيا على قدميه حتى لحق برسول الله - ﷺ - فنظر أحد المسلمين إليه وهو مقبل فأخبر رسول الله - ﷺ - بذلك فقال الرسول - ﷺ -: كن أبا ذر فقالوا: يا رسول الله هو أبو ذر فقال رسول الله - ﷺ -: يرحم الله أبا ذر يمشي على الطريق وحده ويموت وحده ويحشر وحده، وقد توفي ﵁ على طريق الربذة في أطراف الشام سنة (٣٢) هـ وصلَّى عليه عبد الله بن مسعود ﵁. انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة (٥/ ١٨٦ - ١٨٨).
[ ١ / ٢٧٦ ]
المسلم إذا انقلب على إخوانه وعصى ربه، وأصرَّ على معصيته، أنه يجب بغضه ومعاداته حيث يقول: إذا انقلب أخوك عمَّا كان عليه من الاستقامة فأبغضه من حيث أحببته، فإنَّ ذلك من مقتضى الحب في الله والبغض فيه (١).
القول الثاني: قول أبي الدرداء ﵁ وجماعة من الصحابة ﵃ حيث ذهبوا إلى خلاف القول الأول فقالوا: إذا تغير أخوك وحال عما كان عليه فلا تدعه لأجل ذلك، فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم أخرى (٢) اهـ.
وقال إبراهيم النخعي (٣): لا تقطع أخاك، ولا تهجره عند الذنب بذنبه، فإنه يركبه اليوم ويتركه غدا (٤) اهـ.
وهذه الطريقة يرى البعض أنها أقوم وألطف وأفقه، وقد احتج أهل القول الأول بأن مرتكب المعاصي لا تجوز مؤاخاته ابتداء، فيجب مقاطعته انتهاء لأن الحكم إذا ثبت بعلة فالقياس أن يزول بزوالها، وعقد الأخوة في الله لا يستمر مع من يقارف المعاصي ويصرُّ عليها.
وأجاب أهل القول الثاني على ذلك، بأنه إذا قوطع من انحرف عن طريق الأخوة في الله، وانقطع عن صحبة إخوانه الأفاضل الكرام، فإنَّ ذلك يزيده إصرارًا واستمرارًا على معصيته، ويتيح فرصة للشيطان وحزبه،
_________________
(١) انظر فضيلة الألفة والأخوة، مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات برقم (١٦٠٥) فيلم (٥٥٦/ ٦) المؤلف غير معروف، كتبت في القرن التاسع الهجري تقريبًا الورقة (٥٥).
(٢) المصدر السابق الورقة (٥٦).
(٣) هو إبراهيم بن يزيد النخعي من كبار التابعين علمًا وورعًا، توفي سنة (٩٥) هـ انظر البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ١٤٠).
(٤) انظر فضيلة الألفة والأخوة، مخطوطة بجامعة الرياض برقم (١٦٠٥) على ميكروفيلم رقم (٥٥٦/ ٦) الورقة (٥٦).
[ ١ / ٢٧٧ ]
أن يجُّروا العاصي من الساحل إلى محيط الكفر والضلال، مما يتحقق معه غلبة الهلاك.
والأصل أن ينزل عقد الأخوة في الله منزلة عقد القرابة فإذا انعقدت القرابة تأكَّد الحق ووجب الوفاء به، وكذلك الأخوة في الله، إذا انعقدت وجب بقاؤها حتى ولو حصل ما يناقضها من معصية لا توجب الكفر، أو حصل ما ينقصها أو يضعفها، لأن استمرار الملاطفة والرفق والاستمالة، يفضي إلى الرجوع والتوبة إلى الله، عند استمرار الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ولأن استمرار الصحبة يؤدي إلى استمراء الحياء عند العاصي أو المخالف مما قد يكون سببا معينا على الإقلاع عن المعصية ومخالفة الجماعة، ولأن من الحق الوفاء بحق الأخوة في الله والأخ العاصي أو المخالف لنهج الجماعة المسلمة بأشدَّ الحاجة إلى من يقف معه في مصيبته تلك، أرأيت هذا الأخ لو كان مستقيما على الصراط السوي، وأصابته حاجة مالية أو فقر شديد، ألا يجب شرعًا مساعدته ومعاونته؟ وكذلك الأمر بالنسبة لمصائب الاعتقاد والعمل، فإن فقر الدين أعظم رزية من فقر المال، فهذا الأخ الذي انحرف بعصيانه وخرج على منهج الجماعة قد أصابته مصيبة وألمت به نازلة، حيث افتقر في دينه وأصيب في عقيدته فينبغي أن يراقب وأن يراعى ولا يهمل بل يجب أن يتلطف به، ليعان على الخلاص من الواقعة التي ألمت به، فأخوة الإيمان عدة للنوائب وحوادث الزمان، فهي مؤازرة في البلاء ومشاركة في الرخاء وأي حادثة أشد من حادثة الإصابة في الدين؟ وأما ابتداء مصاحبة الفاسق أو مؤاخاته فلا تقاس على هذه الحال، فمؤاخاة الفاسق ابتداء لم يتقدم لها حق سابق، ولذلك يجوز ترك المؤاخاة له ابتداء، وهذا ليس بمذموم ولا مكروه، بل قال البعض: إن هذا هو الأولى (١).
_________________
(١) انظر فضيلة الألفة والأخوة، مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات برقم (١٦٠٥) على ميكروفيلم (٥٥٦/ ٦) الورقة (٥٦).
[ ١ / ٢٧٨ ]
أما قطع الأخوة بعد اتصالها فمنهي عنه، ومذموم في نفسه، ونسبة قطعها إلى تركها ابتداء، كنسبة الطلاق إلى ترك النكاح.
فالطلاق في معظم أحواله أبغض إلى الله من ترك النكاح، فمخالطة الفساق ابتداء محذورة، ومفارقة إخوان العقيدة والإيمان أيضا محذورة حيث إن المسلم مطلوب منه شرعا، أن يصحب الأخيار وينبذ الأشرار، لأن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، وهذا الأخ الذي شذ عن إخوانه في الله هو كالمريض الذي يجب الاعتناء به وعلاجه بكل مستطاع فالمريض لا ييأس منه أهله بمجرد ظهور المرض عليه، فيسعون إلى قبره ودفنه وهو على قيد الحياة، بل الواجب بذل الطاقة واستفراغ الوسع في معرفة أسباب المرض ونوعه، ثم معرفة العلاج النافع لمثل تلك الحال، وكذلك الشأن في معاملة من يشذُّ عن طريق الجماعة المسلمة، فإنه يجب أن تصله وإن قطعها، وأن تترفق به وإن جفاها، وأن تحسن إليه وإن أساء إليها، وأنت تصبر عليه كصبر أهل المريض على علاج مريضهم ما لم تيأس منه كيأس أهل المريض من مريضهم بالموت (١).
وهذا القول هو القول الراجح في نظري للأسباب التي ذكرتها فيما سبق، لأن القول الأول وهو قول أبي ذر ﵁ في وجوب معاداة من انحرف بمعصيته عن طريق الأخوة في الله، فيه شدة وخشونة وغلظة قد يترتب عليها من المفاسد أكثر مما يترتب عليها من المصالح.
وإن كان الأمر في نظري أنه يختلف باختلاف الأشخاص والأوضاع المحيطة بالجماعة المسلمة، لأن هذه المسألة مما يدخل في نطاق السياسة الشرعية لمصلحة الدعوة إلى الله ﷿.
هذا الكلام المتقدم يتعلق بالخلاف بين الإخوة في الله، إذا ارتكب أحدهم معصية تؤدي به إلى الانحراف عن طريق الجماعة المسلمة.
_________________
(١) المصدر السابق نفس المكان.
[ ١ / ٢٧٩ ]
أما ما يتعلق بتقصير الأخ في حق أخيه بما يوجب إيحاشه وإثارة غضبه فالأولى أن لا يلجأ المسلم إلى ذلك مع إخوانه، ولكن لو حصل زلة من أخ على أخيه فالواجب العفو والاحتمال، وأن يحمل أقواله وأفعاله على المحمل الحسن، وأن يطلب له العذر في ذلك.
وعلى الأخ المسلم أن يكون معتدلًا مع إخوانه في الحب، فلا يتكلف ما لا يطيق، ويكون معتدلا مع أعدائه في البغض فلا يبالغ في البغض عند الوقيعة بالأعداء، فقد يتحول الأعداء إلى أصدقاء يوما من الأيام قال تعالى: (عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [الممتحنة: ٧] كما أن تحول الأصدقاء إلى أعداء أمر غير ممتنع الحصول، روي الترمذي عن علي موقوفًا:
«أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما» (١).
وروي عن عمر ﵁ قوله: لا يكن حبك كلفًا ولا بغضك تلفًا (٢) اهـ.
أي لا يكن حبك شديدًا إلى درجة الهيام والإفراط، فيكون مشقة على النفس والمال، ولا تلفًا وهو أن تحب تلف صاحبك، ولو كان في هلاكه هلاكك.
سابعًا: من حقوق الموالاة بين الإخوة في الله دوام المحبة والمودة إلى الموت، فالمحبة والموالاة والمناصرة للمؤمنين عبادة يتقرب بها العبد
_________________
(١) رواه الترمذي: وقال: عن علي موقوفًا، انظر سنن الترمذي (٣/ ٢٣٤).
(٢) انظر فضيلة الألفة والأخوة مخطوطة بقسم المخطوطات بجامعة الرياض برقم (١٦٠٥) فيلم (٥٥٦/ ٦) المؤلف غير معروف كتبت في القرن التاسع الهجري تقريبا (٥٧).
[ ١ / ٢٨٠ ]
إلى ربه والعبادة ليس لها أجل دون الموت قال تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: ٩٩].
قال القرطبي: اليقين الموت (١) فمعنى ذلك أن المحبة في الله يجب أن تستمر مع أهل الإيمان إلى الموت، وحتى ولو مات بعض الإخوة في الله فإن المحبة تستمر مع أولادهم وقراباتهم حيث إن الحب في الله يراد به الآخرة فإذا انقطع قبل الموت بغير عذر شرعي حبط العمل وضاع السعي بين المنقطعين، قال رسول الله - ﷺ - «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» وذكر منهم رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه (٢).
فإذا قصَّر العبد في طاعة الله سلبه الله من يؤنسه وذلك أن مجالسة الإخوان في الله مسلاة من الهموم، وعون على الدين والدنيا.
ولذلك قال ابن المبارك: ألذُّ الأشياء مجالسة الإخوان والاجتماع بهم (٣) اهـ.
والمودة الدائمة هي التي تكون بسبب الموالاة في الله والحب فيه، أما المودة لغرض دنيوي فهي تزول بزوال الغرض الذي حدثت المودة من أجله.
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي (١٠/ ٦٤).
(٢) رواه مسلم: انظر صحيح مسلم (٢/ ٧١٥) كتاب الزكاة باب: فضل إخفاء الصدقة.
(٣) انظر فضيلة الألفة والأخوة، مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات برقم (١٦٠٥) فيلم (٥٥٦/ ٦) المؤلف غير معروف، يعتقد أنها كتبت في القرن التاسع الهجري الورقة (٥٧).
[ ١ / ٢٨١ ]
فقد روي أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «ما توادَّ اثنان في الله ﷿، أو في الإسلام فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما» (١).
ومن الوفاء بحق الأخوة في الله، عدم موافقة الأخ على ما يخالف الحق، بل من الوفاء المخالفة في ذلك إذا كان لدى المخالف دليل صريح فيما ذهب إليه.
ثامنا: من حقوق الموالاة في الله أن الإنسان إذا عجز عن تقديم العون المادي لإخوانه فلا أقلَّ من أن يدعو لهم في حياتهم بالنصر والتمكين، وبعد مماتهم بالمغفرة والرضوان، فقد ورد في الحديث: «ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب، إلا قال الملك: ولك بمثل» (٢).
_________________
(١) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (٢/ ٢٣٢).
(٢) رواه مسلم انظر صحيح مسلم (٤/ ٢٠٩٤) باب الذكر (٢٣).
[ ١ / ٢٨٢ ]
المبحث الثالث: موالاة الأقليَّات الإسلامية
إن موالاة ونصرة الأقليات المسلمة، بل الأكثرية المسلمة الممزقة تحت أقدام المجرمين الكفرة واجب شرعي لا يعذر المسلمون بتركه ويأثمون إثما عظيمًا في تقاعسهم عن ذلك، كيف لا يكون ذلك؟ والله ﷿ يقول: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [الأنفال: ٧٢]
فيتبين من هذه الآية أن الأصل أن يكون المجتمع المسلم كلًاّ لا يتجزأ وجماعة لا تفترق، ووحدة لا تنفصم، والأصل أيضًا أن يفتح المجتمع المسلم أبوابه لتقبل كل من يدين بالإسلام بلا فارق أو تمييز على أساس من اللون، أو العرق، أو لنشأة أو مكان الولادة أو غير ذلك من
[ ١ / ٢٨٣ ]
الفوارق الجاهلية، فبلاد الإسلام هي المأوى الشرعي لكل مسلم، فالدخول إلى دار الإسلام حقٌّ شرعي لكل مسلم على المسلمين جميعا، لا فضل لهم بذلك أو منة إذا كانوا مسلمين يطبقون الإسلام تطبيقا صحيحا.
ولكن مع ذلك لو بقيت قلة من المسلمين بدار الكفر، ثم اعتدى عليها بعد التسهيلات التي يمنحها المسلمون لهذه القلة في الدخول في دار الإسلام، فإن الواجب الإسلامي يفرض على المسلمين مناصرة تلك الأقلية المسلمة التي رضيت بالبقاء في دار الكفر بدون عذر أو مبرر شرعي، حيث إن دار الإسلام قد فتحت أبوابها لدخولهم ودخول كل مسلم إليها، قال تعالى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [الأنفال: ٧٢].
فهؤلاء ليسوا من أعضاء المجتمع الإسلامي الموحد المتحد على الإسلام قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) [الأنفال: ٧٢] ومع ذلك أوجب علينا مناصرتهم بموجب رابطة الإسلام والإيمان ثم استثنى في مناصرة هؤلاء، أن لا تكون مناصرتهم مخلة بشرط من شروط الاتفاق بين المسلمين والكفار، لأن مصلحة المجتمع المسلم في دار الإسلام أولى من مصلحة قلة من المسلمين اختارت البقاء في دار الكفر على النزوح إلى دار الإسلام مع تمكنها من الدخول في دار الإسلام لو أرادت ذلك (١).
فإذا كانت مناصرة هذه القلة بتلك الصفات واجبة في الإسلام فما ظنك بمناصرة المسلمين المأسورين عند الكفار، والذين لا يستطيعون للخروج حيلة ولا يهتدون سبيلا، ولو خرجوا من دار الكفر لما وجدوا دار إسلام تؤويهم أو تضمهم، أو تدافع عنهم؟
_________________
(١) انظر في ظلال القرآن/ سيد قطب (١٠/ ٧٣).
[ ١ / ٢٨٤ ]
إن الواجب الإسلامي يفرض على الدول والشعوب المنتسبة إلى الإسلام أن تكون بين خيارين في تعاملها مع المسلمين المضطهدين.
الأول: أن تفتح أبواب بلادها لتقبل المضطهدين من المسلمين من مختلف أنحاء العالم، فتؤويهم في دار الإسلام وتقدم لهم المساعدات السخيَّة، وفرص العمل الشريف ويشتركون معهم في جميع الحقوق والامتيازات كما اشترك المهاجرون والأنصار بالمدينة عند قدوم المهاجرين إليها، وهذا الأمر قد يترتب عليه بعض الصعوبات نظرا إلى أنه قد يهاجر إلى البلاد الإسلامية من لا يعمل بالإسلام على الوجه الصحيح، ونظرا لوجود فئات كثيرة من أهل الكفر والنفاق تعيش بداخل البلاد الإسلامية، ولا ترضى بمثل هذا الإجراء حيث يتعارض مع رغباتها ومنهجها في الحياة، ولذلك فإن من الأولى في بداية الأمر أن لا يكثر المسلمون من سواد خصومهم بمثل هذا التصرف حتى يتكون لديهم القاعدة الصلبة التي تتحدى قوى الكفر والنفاق في الداخل والخارج، كما أن فتح باب الهجرة لبعض الأقليات الإسلامية قد يؤدي إلى أن تكون هجرتهم لمصالح دنيوية ويؤدي إلى خلو كثير من البلاد التي كانت تحكم بالإسلام إلى أن تكون دار كفر لا وجود للمسلمين فيها، مع أن المسلمين اليوم ليسوا بحاجة ماسة إلى العدد الكمي بقدر ما هم بحاجة ماسة إلى النوعية المخلصة الصادقة التي تفهم الإسلام كما فهمه السلف الصالح.
الثاني: أن يعدل المسلمون عن فتح باب الهجرة للأكثرية المسلمة المضطهدة في معظم البلاد الإسلامية، وأن يستبدلوا ذلك بالدعم السخيّ لإخوانهم بالمال والنفس والرأي، فيكون المسلمون بدار الكفر مجاهدين في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم ويكون إخوانهم في الإسلام مجاهدين معهم بالمال والرأي والنفس إن تطلب الأمر ذلك وبذلك يتحقق للمسلمين هدفان:
[ ١ / ٢٨٥ ]
(١) كسر شوكة الكفار وحماية المسلمين من سيطرة الكفر وهيمنته على المسلمين
(٢) رفع راية الجهاد التي أمر الله بها أن ترفع حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله قال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ) [الأنفال: ٣٩].
يقول أبو بكر بن العربي: إذا كان من المسلمين أسراء أو مستضعفون فإن الولاية معهم قائمة، والنصرة لهم واجبة بالبدن والمال والرأي وبأن لا تبقى منا عين تطرف، حتى نخرج إلى اسنتقاذهم، إن كان عددنا يحتمل لذلك، وأن نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحد منا درهم أو دينار يبخل به عن ذلك (١) اهـ.
ولا ريب أن تطيبق مثل هذه التعاليم كان هو السبب الرئيسي في نصرة المسلمين وعزتهم عبر قرون طويلة من تاريخ هذه الأمة المجيدة كما أن إهمالهم لهذا الأمر هو الذي أطمع الأعداء في بلاد المسلمين، فبدءوا في كل يوم يفترسون جزءا من المسلمين، والبقية الباقية من المسلمين في لهو وعبث ومجون وضياع (٢).
فالدول المحسوبة على الإسلام اليوم لا تقوم بواجب الأقليات الإسلامية على المستوى المطلوب منها شرعا وإنما اكتفت بإنشاء إدارة هزيلة ضعيفة واهية بموجب قرار وزراء خارجية المؤتمر الإسلامي التاسع الذي عقد في داكا عام (١٣٩٨هـ -١٩٧٨) ونشاط هذه الإدارة محدود جدًّا فهي تقوم بطلب المساعدات من الأعضاء ثم تقوم بتوزيعها على المراكز الإسلامية بشكل إعانات نادرة محدودة لا تسمن ولا تغني من جوع
_________________
(١) انظر أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٨٧٦) وانظر تفسير القرطبي (٨/ ٥٧، ٥٨).
(٢) انظر فقه السير محمد سعيد رمضان البوطي (١٣٩).
[ ١ / ٢٨٦ ]
فقد ذكر أحد المسئولين في هذه الإدارة أنهم قدموا مساعدة مالية إلى خمسة عشر مركزا بالولايات المتحدة الأميركية ودول الكاريبي، وعشرين مركزا في أوروبا، وثلاثين مركزا في آسيا، وستة وستين مركزا في أفريقيا، ولم يذكر المسئول الرقم الخاص بكل قارة ولا الرقم الإجمالي لهذه المساعدات (١) مما يدل على أن المساعدات ليست على المستوى المطلوب وأنها لا تعادل ما يتقاضاه حمار من الحمير الناهقة أو الرافسة، والآثار الظاهرة لتلك المراكز تدل على ضعفها وعجزها عن الجدية والنشاط، فهي لا تخدم المسلمين إلا في قضايا جزئية، أما أن تتبنى قضايا الاعتقاد والعبادة والسياسة والاقتصاد والاجتماع ونحو ذلك فهي غير مؤهلة لذلك، ولا يسمح لها الأعضاء بمزاولة مثل ذلك، في الوقت الذي نجد فيه أن مجلس الكنائس العالمي قد اعتمد مبلغ خمسين مليون دولار لإنفاقها على مراكز تكفير المسلمين في كل من تركيا وسوريا والأردن ومصر والسودان وتونس والجزائر والسنغال وملاوي وباكستان وبنغلاديش، وهذه كلها دول إسلامية فيما مضى من الزمن (٢).
ولم يكتف الصليبيون بذلك بل إن قضايا النصارى في مصر والشام ترعى من قبل الدول الكبرى الصليبية في العالم أجمع.
ولذلك نحن لا نطالب بمثل تلك الإدارة الهزيلة لحقوق الأقليات الإسلامية في العالم، بل نطالب الأمة بأجمعها أن تكون في حسها ووجدانها مساعدة الأقليات الإسلامية، وأن تضغط على الحكومات التي تمثلها تمثيلًا زائفًا في أن تهتم بأمور المسلمين وقضاياهم في العالم أجمع، لأن ذلك من مسئوليات المسلمين عامة وحكوماتهم خاصة وقد تعتذر
_________________
(١) انظر مجلة البلاغ عدد (٥٣٣) في (٢٩/ ٤/ ١٤٠٠) هـ (٢٦).
(٢) انظر مجلة الدعوة السعودية عدد (٨٠٩) في (١٧/ ١٠/ ١٤٠١) هـ (١٢).
[ ١ / ٢٨٧ ]
بعض الحكومات بأنها تلتزم مبدأ الحياد مع شقيقاتها، أو مع دول العالم، والحق أنه لا حياد مع من حارب الله ورسوله والمؤمنين قال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) [المجادلة: ٢٢] فهذا العذر غير مقبول فأي ارتباط يتعارض مع الكتاب والسنة يجب أن يضرب به عرض الحائط، والأدلة على وجوب مناصرة الأقليات الإسلامية سبق ذكر البعض منها والبعض الآخر كما يلي:
(١) قال تعالى: (لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) [النساء: ١٤٨].
(٢) وقال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) [الشورى: ٣٩].
(٣) قال تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) [الشورى: ٤٠، ٤١].
ومن السنة قول الرسول - ﷺ - ما يلي:
(١) روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما (١)».
(٢) وعن البراء بن عازب ﵁ قال: أمرنا رسول الله - ﷺ - بسبع ونهانا عن سبع، فذكر عيادة المريض واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ورد السلام، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإبرار القسم (٢).
(٣) قوله - ﷺ -: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل
_________________
(١) رواه البخاري. انظر فتح الباري (٥/ ٩٨) كتاب المظالم.
(٢) المصدر السابق (٩٩).
[ ١ / ٢٨٨ ]
الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (١)».
فهذه الآيات والأحاديث تدل على وجوب الانتصار للمظلومين من الظالمين، وللمضطهدين المعذبين من قبل الكفار والمجرمين، سواء كان الذين يعذبون المسلمين كفارًا صرحاء أو مرتدين عملاء.
إن في تلك الأدلة تقريرًا خالدًا لصفة من صفات هذه الأمة المسلمة صفة الانتصار من كل باغ ومعتد وظالم مهما كان مركزه ووجوده في الأمة الإسلامية، إن الدين الإسلامي لا يحابي أحدا على حساب الآخرين.
ولذلك حرم الإسلام الخضوع للظالم أو مساعدته في ظلمه أو التستر على مظالمه، أو تبرير جرمه وطغيانه.
إن الأمة المسلمة مطالبة شرعًا بالانتصار ممن يظلمها، مطالبة بالرد على سيئات الظالمين بمثلها، وهي في عملها هذا تزاول حقها المشروع في دفع الظلم عنها وعن أفرادها ورعاياها من المسلمين في كل مكان من الأرض، فلا عبرة بأي أعراف أو مفاهيم جاهلية، من شأنها أن تهدر حقوق المسلمين وتدوس كرامتهم، في الوقت الذي تتجاوز به دول الكفر جميع القوانين التي وضعتها بنفسها، عندما ترى أن هذه القوانين لا تخدم أهدافها ومصالحها ومصالح عملائها.
فالهيئات الدولية التي يدير شئونها أعداء المسلمين، كأنما وضعت لتكبيل المسلمين وتقييدهم والقضاء عليهم فوجًا إثر فوج (٢).
إن وضع الأكثرية الإسلامية في عصرنا الحاضر وضع حرج للغاية.
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين (١/ ٢٤٦) رقم الحديث (٢٢٦).
(٢) انظر تفسير القرطبي (٦/ ١ - ٤) وانظر في ظلال القرآن سيد قطب (٦/ ٥٧٧ - ٥٧٩) (٢٥) (٣٠١ - ٤٠٣).
[ ١ / ٢٨٩ ]
حيث أقام أعداء الإسلام دويلات وإمارات مبعثرة، أحاطوها بحدود جغرافية مصطنعة، وأعطوها جنسيات متباينة، ووضعوا على رأس كل واحدة منها إلا ما ندر منها دكتاتورا متسلطا يفتك بالمسلمين فتكا ذريعا فلا هي تستطيع الانتصار عليه بمفردها، ولا تستطيع أن تستنصر عليه بجيرانها، لأن القائمين على مسئوليات الدول المجاورة يقومون بنفس الدور، ويسيرون على نفس المخطط.
والشعوب الإسلامية مطحونة غارقة في بحر الشهوات والشبهات بحيث لا تشعر بعملية الانسلاخ من الإسلام وعملية التصفية الجسدية للمسلمين الغيورين على دينهم فنجد أن عامة الشعوب الإسلامية مشغولة بالفن الماجن القابع بين وجه المرأة ونحرها، والبعض الآخر مشغول بالرياضة التي تروض الناس على الضياع والذل والانحطاط والنوع الثالث مشغول بعبادة الدرهم والدينار يلهث وراء ذلك ويطلب حصوله بكل وسيلة وأقبح سبيل، وإذا وجدت قلة مؤمنة في خضم هذا المجتمع المنحرف عن الإسلام يعز عليها ما يعانيه إخوانها تحت وطأة الطغاة المجرمين وما أكثرهم فإنها قد لا تجد إلى مساعدتهم سبيلا، وذلك أن معظم الدول المنتسبة إلى الإسلام لا تسمح بجمع أي نوع من أنواع التبرعات للأقليات الإسلامية المضطهدة في العالم بل الأكثرية المضطهدة في العالم الإسلامي، وبعض الدول قد تسمح في ظروف معينة بجمع التبرعات لبعض المنكوبين من المسلمين إذا كان ذلك يناسب وضعها السياسي وقضاياها الأمنية فتسمح بجمع التبرعات تحت إشرافها وإطلاعها بحجة تنظيم ذلك وصيانته، ثم تدفع ما تحصل عليه أو بعض ما تحصل إلى الموالين لها في طرف النزاع في فلسطين، أو في أفغانستان أو غيرها من البلاد الإسلامية وقد لا يأتي أصحاب الشأن من ذلك شيء، سوى إعطاء بعض المنافقين والعملاء كي يصوروا في المرائي والصحف والمجلات وينشر ذلك في نشرات الأخبار وأقوال الصحف المحلية والعالمية.
[ ١ / ٢٩٠ ]
ولذلك يحجم كثير من المسلمين عن المشاركة في دعم الأقليات الإسلامية لأنه لا يطمئن إلى سلامة وصول هذه الإعانات إلى المستحقين لها شرعا، نظرا لبعد القائمين على مقاليد السلطة في معظم الدول الإسلامية عن جوهر الإسلام وحقيقته.
ولكن لو قامت دولة إسلامية حقيقية صادقة مخلصة، وأرادت أن تقوم بمساعدة المسلمين المعذبين في العالم الإسلامي بجدية وإخلاص، فإنها تزاول بعملها هذا أمر مشروعا وتؤدي واجبا نحو هذا الدين ونحو المسلمين عامة وهي تنطلق في عملها هذا من قول الرسول - ﷺ -: «كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، والإمام راع ومسئول عن رعيته (١)» ورعاية المسلمين لإخوانهم لا تحدها حدود، ولا تمنعها قيود غير شرعية وقد يعترض معترض فيقول: كيف تستطيع دولة صغيرة من الدول أن تتدخل في الشئون الداخلية لدولة أخرى؟ والجواب: أن نقول: إن المسلمين في مودتهم وتراحمهم وتناصرهم يجب أن يكونوا أشد من تناصر الكفار فيما بينهم، لقد تضامنت دول الكفر جميعًا مع اليهود من حين إعلانهم لدولتهم حتى هذا التاريخ وهم يلقون الدعم البشري، والعسكري والاقتصادي والمعنوي من دول الكفر عامة والدول الكبرى منها خاصة، وتضامنت دول الكفر كلها مع أميركا في قضية الرهائن الأميركيين لدى إيران، رغم قوة أميركا وتفوقها في مجالات عديدة وتضامن اليهود مع نصارى لبنان فضلا عن نصارى العالم أجمع، وتضامن الشيوعيون في كوبا وبولندة والدول العربية مع روسيا في غزوها لأفغانستان رغم أن روسيا ليست بحاجة إلى فلك فهل ما تبيحه دول الكفر لنفسها من تعاون وتناصر يحرم تطبيقه بين المسلمين؟
إن لدى الحكومات القائمة في البلاد الإسلامية وسائل كثيرة تستطيع
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين (١/ ٢٨٨) رقم الحديث (٢٨٥).
[ ١ / ٢٩١ ]
من خلانها الضغط والتأثير على من يطاردون الأكثرية المسلمة فضلا عن الأقليات الإسلامية ومن هذه الوسائل ما يلي:
أولًا: استخدام الاقتصاد كوسيلة قوية ومؤثرة على أوضاع هؤلاء المجرمين، فلا نصدر لهم ما يحتاجون إليه ضرورة ولا نستورد منهم ما يمكن أن نجده عند غيرهم ممن هم على علاقة حسنة بالمسلمين.
ثانيًا: من وسائل الضغط على أعداء الله وأعداء رسوله والمؤمنين عدم التعاون معهم في أي مجال من مجالات الحياة، فلا نعينهم ولا نستعين بهم في أي أمر من أمور المسلمين، ما دمنا نجد في غيرهم من يسد مسدهم، ولو اضطررنا إلى التعامل معهم فنتعامل معهم معاملة تجارية دون محبة أو مودة فهاهم ينهبون ثروات المسلمين وخيراتهم ولا يضمرون لهم سوى الحقد والكراهية والمكر الخبيث.
ثالثًا: يجب على المسلمين أن يكشفوا مخططات الكفار ويوضحوا جرائمهم تجار الإسلام والمسلمين، في مناهج التعليم ووسائل الأعلام وأن لا يسلكوا معهم سبيل المداهنة والنفاق.
رابعًا: يجب على المسلمين شعوبًا وحكومات أن يمدوا يد العون والمساعدة بسخاء إلى المسلمين الذين يقاومون الحكومات الطاغية والأحزاب الكافرة، ودعمهم في ذلك بلا خجل أو حياء أو خوف من الناس، لأن هذا واجب شرعي من واجبات الإسلام، يؤديه المسلمون كما يؤدون غيره من الواجبات الشرعية.
خامسًا: أن يستقدم المسلمون بعض اللاجئين من المسلمين الذين يطردون من بلادهم والذين لا يشكلون إلا قلة قليلة في بلاد الكفار مثل لاجئي كمبوديا، وكوريا، وفيتنام، وتايلند، وبعض بلدان أفريقيا وأوروبا الشرقية، ثم يتقاسمهم أهل البلاد الإسلامية فيما بينهم.
[ ١ / ٢٩٢ ]
كما تفعل الدول الصليبية مع النصارى في شرق آسيا، فإن المسلمين بحاجة إلى الأيدي العاملة، فبدلًا من أن يستقدموا مئات الآلاف من الصليبيين واليهود وأهل الأوثان، يأتون بإخوانهم في الإسلام فيستفيدون منهم في مجال الأعمال المختلفة، ويفيدوهم بالنصرة والمأوى وإتاحة العيش الكريم لهم مع المسلمين، والدول الإسلامية تتمتع بمساحات شاسعة من الأرض وبأنهار كبيرة وكثيرة، وبثروة بترولية كبيرة، فهي قابلة للنمو في مجال الزراعة والصناعة ومختلف جوانب الحياة، وهي قادرة على استيعاب الملايين من البشر، ففي السودان وجنوب مصر وليبيا وتونس صحارى شاسعة يمكن استغلالها وإسكان آلاف اللاجئين فيها.
ولكن أين من يفكر في مثل هذا ويعمل له؟
إن معظم الدول التي تحكم الشعوب الإسلامية لا تفكر بمثل ذلك ولا تخطط له، لأنها قصيرة الأجل في نظرها فاقدة للثقة بنفسها، لأنها أصلا ما قامت ولا انطلقت من منطلق صحيح، يجعلها تطمئن في تخطيطها وتصرفها في سائر أعمالها.
فهي تنتظر الوقيعة بها صباح مساء، ولذلك كل هم تلك الدول هو أن تعض على مكانها بالنواجذ ولو كان في ذلك تدمير لأمة الإسلام كلها.
فهي على استعداد أن تبيع بلاد المسلمين بمن فيها من المسلمين مقابل الحصول على مال كثير وكرسي وثير، فحكومات كهذه لا تبني ولا تهتم بشعوبها المحدودة بحدود ضيقة، فضلًا عن أن يرجى فيها الخير في نصرة شعوب وبلاد بعيدة عنها، ففاقد الشيء لا يُعطيه فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[ ١ / ٢٩٣ ]
المبحث الرابع: أسباب تحقيق المعاداة في الله
إن المسلم مأمور بإظهار العداوة لأعداء الله ورسوله والمؤمنين وهذا الأمر لا يتحقق إلا بخمسة أسباب رئيسة هي على النحو التالي:
السبب الأول: هو ترك اتباع أهواء الكفار أو تحقيق رغباتهم في معصية الله قال تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) [البقرة: ١٢٠].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فانظر كيف قال في الخبر ملتهم، وقال في النهي أهواءهم، لأن القوم لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقا، والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير (١).
_________________
(١) انظر سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك للشيخ حمد بن علي بن عتيق تحقيق إسماعيل بن عتيق (٢٨).
[ ١ / ٢٩٤ ]
وقال تعالى لموسى وهارون: (فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) [يونس: ٨٩] وقال موسى لأخيه هارون كما ذكر الله عنه بقوله تعالى: (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) [الأعراف: ١٤٢] وقال تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [النساء: ١١٥] وقال تعالى: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) وقال تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) [المائدة: ٤٨].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لقد جعل الله ﷿ لرسوله شريعة شرعها له وأمره باتباعها ونهاه عن اتباع الذين لا يعلمون وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعة الإسلام واتبع الكفار قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ) [الجاثية: ١٨، ١٩] فمن دلائل الإيمان تعمد مخالفة أهواء الكفار وصد رغباتهم التي يقصدون بها جر المسلم إلى الكفر وإخراجه من الإسلام (١) اهـ.
السبب الثاني: هو معصية الكفار فيما أمروا به فإن الله تعالى نهى عن طاعة الكافرين، وأخبر أن المسلمين إن أطاعوهم ارتدوا عن الإيمان
_________________
(١) انظر سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك للشيخ حمد بن علي بن عتيق تحقيق إسماعيل بن عتيق (٢٩).
[ ١ / ٢٩٥ ]
إلى الكفر قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) [آل عمران: ١٠٠] وقال تعالى: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف: ٢٨] وقال تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) [الأنعام: ١٢١] وقال تعالى: (فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) [الفرقان: ٥٢].
فيجب على المسلمين حكاما ومحكومين عدم طاعة الكفار وإظهار المعصية لهم بالقول والعمل ومعاملتهم بالغلظة التي تجعلهم لا يطمعون بأكثر مما يستحقون بموجب شريعة الإسلام.
السبب الثالث: عدم الركون إلى الكفار أو الظالمين، أو اتخاذهم أمناء أو مستشارين فإن ترك ذلك دليل على معاداتهم كما أمر الله ﷿، فإن الله قد وعد بمسيس النار في الآخرة وعدم النصرة في الدنيا لمن ركن إلى الكفار أو تولاهم قال تعالى: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) [هود: ١١٣].
وهو أمر متحقق فعلا حيث نرى أن الموالين للأعداء لم ينتصروا على أعدائهم، ففي الحروب التي خاضها المناوئون لليهود اسما لا حقيقة لم ينتصروا على اليهود في حرب (١٣٦٧) هـ وحرب (١٣٨٧) وحرب (١٣٩٣) أي بالتاريخ الميلادي حرب (١٩٤٨) وحرب (١٩٦٧) وحرب (١٩٧٣)؛ لأنهم قد ارتموا بأحضان أعدائهم وأطاعوهم ووالوهم واتبعوا أهواءهم فكان ما توصلوا إليه من هزائم فادحة، أمر جار وفق سنة.
[ ١ / ٢٩٦ ]
الله في الكون والحياة حيث وعد الله ﷿ بحرمان من تولى غيره من العزة والتمكين قال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعًا) [النساء: ١٣٩].
السبب الرابع: من أسباب تحقيق المعاداة في الله ترك مواداة الكفار والبشاشة في وجودهم، والمبالغة في استقبالهم وفي إكرامهم لغير نية الدعوة إلى الله، فالكافر عدو الله ورسوله والمؤمنين والمحارب منهم أشد عداوة من غيره قال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) [المجادلة: ٢٢].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن الله يخبرنا بهذه الآية أنه لا يوجد مؤمن، يواد من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم فمن واد كافر فليس بمؤمن لأن مودة الله ومودة عدوه ضدان لا يجتمعان في قلب واحد (١) اهـ.
السبب الخامس: من أسباب تحقيق المعاداة في الله مراغمة الكفار في ترك التشبه بهم في أقوالهم وأفعالهم، فقد حث الله المؤمنين على ترك الأقوال والأعمال التي تحمل مفهوما خاصة وسيئا في استعمال الكفار وعرفهم قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [البقرة: ١٠٤].
فنهى عن التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم، وقد دلت السنة على النهي عن مشابهة الكفار بالملبس ونحوه، فقد روي عن عبد الله بن عمرو
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٢٧١).
[ ١ / ٢٩٧ ]
ابن العاص ﵁ قال: رأى رسول الله - ﷺ - علي ثوبين معصفرين فقال: إن هذه ثياب الكفار فلا تلبسها (١).
فنهى عن لبس هذه الثياب لعلة مشابهتها للزي الخاص بالكفار.
وفي رواية أخرى عنه قال: رأى النبي - ﷺ - عليَّ ثوبين معصفرين فقال: أأمك أمرتك بهذا؟ قلت: أغسلهما قال: بل احرقهما (٢)، وفي الحديث «ليس منا من تشبه بغيرنا» (٣).
فشدة النهي عن التشبه بالكفار حتى تتحقق المفاصلة التامة بين منهج الحق وطرق الباطل، لأن المشابهة في الأقوال والأفعال تورث نوعا من المودة والمحبة، والمناصرة بين المتشابهين، ولذلك نهى الله ورسوله عن مشابهة الكفار بالأقوال والأفعال التي هي من خصائص كفرهم نهيا شديدا، لأن المشابهة لهم سبب يفضي إلى محبتهم ومودتهم وموالاتهم ومناصرتهم وقد حرم الإسلام كل سبب يوصل إلى المحرم أو يعين عليه.
ولكن للأسف الشديد إن واقع المسلمين اليوم بعيد كل البعد عما يجب أن يكون عليه، فكل هذه الأسباب الخمسة معدومة تماما على مستوى الحكومات القائمة في البلاد الإسلامية، وعلى مستوى الأكثرية من الشعوب الإسلامية، فمعظم الدول الإسلامية تتبع هوى الكفار، وتطيعهم في معصية الله، وتتخذهم بطانة من دون المؤمنين وتظهر لهم المودة والإكرام قولا وفعلا، وتبالغ في إكرامهم بغير نية دعوة إلى الإسلام.
_________________
(١) رواه مسلم انظر شرح النووي على صحيح مسلم (١٤/ ١٥٩) (٢٨٣٦) وقال: عنه ضعيف الإسناد ولكن الألباني حسنه، انظر صحيح الجامع الصغير (٥/ ١٠١/ ٥٣١٠).
(٢) المصدر السابق نفس المكان.
(٣) انظر مجموعة التوحيد (٢٧٢).
[ ١ / ٢٩٨ ]
وبعض الدول المحسوبة على الإسلام تلزم رعاياها بالتشبه بالكفار في أقوالهم وأعمالهم، وتحارب أخلاق الإسلام عبر وسائل التعليم والإعلام، ومع ذلك لو تكلم أحد أو وصفها بالكفر لزجت به في غياهب السجون وأذاقته أصناف العذاب الأليم.
أما على مستوى الشعوب الإسلامية، فإن معظم الشعوب الإسلامية تنقسم إلى ثلاثة أقسام.
القسم الأول: قسم مؤمن مبتلى في عقيدته وعبادته أين ما اتجه وحيثما سار، لا يجد إلا أعداء يتربصون بالمؤمنين الدوائر، فهو متألم لهذا الواقع المر الحزين ولكنه لا يستطيع أن يفعل حيال ذلك شيئًا ذا بال، لأن الجماعة المسلمة الملتزمة بالإسلام تعيش وسط جموع كبيرة من المرتدين والمنافقين والانتهازيين والجاهلين الذي يشكلون بمجموعهم كتلة واحدة تقف ضد الحق وأهله، وتحاربه بكل ما تملك من سلاح.
القسم الثاني: طبقة المنافقين وأخماس المسلمين وأسداسهم الذين لا هم لهم إلا شهواتهم ومنافعهم العاجلة، فعليها يوالون ومن أجلها يعادون وهذه الفئة في الغالب تكون مع الأقوى سواء من أهل الخير أو من أهل الشر، فهم أتباع لمن يأخذ بزمان المبادرة ويعتلي مركز القيادة.
القسم الثالث: فئة المرتدين والمتحزبين الكافرين الذين ينتمون إلى أحزاب الكفر والضلال، كحزب البعث، أو الحزب الشيوعي، أو الحزب الاشتراكي أو غير ذلك من أحزاب الكفر التي تتقنع بأقنعة ظاهرها الدعوة إلى الإصلاح وباطنها الدعوة إلى الكفر البواح.
فوجود هذه الفئات وسيطرتها على مقاليد الأمور معظم البلاد الإسلامية هو الذي أدى إلى انعدام تحقيق الموالاة في الله والمعاداة فيه على مستوى الدول والشعوب الإسلامية.
والمخرج من ذلك كما أعتقد والله أعلم هو السعي الجاد من قبل
[ ١ / ٢٩٩ ]
المؤمنين العاملين للإسلام في تحويل أكبر قدر ممكن من البشر المتواجدين في البلاد الإسلامية إلى الإسلام الصحيح وعند ذلك يسهل القضاء على أعداء الإسلام والمسلمين، ويسهل تطبيق الموالاة في الله والمعاداة فيه كما حصل في أول هذه الدعوة.
والله الهادي إلى طريق الحق والصواب.
[ ١ / ٣٠٠ ]
المبحث الخامس: صورة من الموالاة في الله والمعاداة فيه
إن هذا الدين من سماته العظيمة ومميزاته الكريمة أنه ينقل النص الموحى به من عند الله إلى التطبيق العملي في واقع الناس وحياتهم فمجرد العلم بالأحكام الشرعية لا يغني صاحبه شيئًا ما لم تتحول هذه المعرفة إلى عمل واقعي مشاهد محسوس، وإن القرآن الكريم والسنة النبوية ليسا للمتاع العقلي ولا للمعرفة المجردة، وإنما جاء بهما الرسول - ﷺ - من عند ربه ليكونا منهاج حياة، ولذلك لم ينزل الله ﷿ هذا القرآن جملة واحدة، وإنما نزل وفق الحاجات المتجددة ووفق المشكلات العملية التي تواجهها الجماعة المسلمة في حياتها الواقعية، يقول سيد قطب ﵀: لقد كانت الآية أو الآيات تنزل في الحالة الخاصة أو الحادثة المعينة تحدث الناس عما في نفوسهم، وترسم لهم منهج العمل في المواقف المتعددة (١) اهـ.
_________________
(١) انظر معالم في الطريق سيد قطب (١٨ - ١٩)
[ ١ / ٣٠١ ]
وكان من ضمن هذه المواقف التي تناولها القرآن الكريم والسنة النبوية موقف الموالاة والمعاداة، فنزلت الآية القرآنية وتحدث الرسول - ﷺ - عن هذه القضية بما لا يدع زيادة لمستزيد، وقد طبق الرسول - ﷺ - وأصحابه ومن سار على نهجهم الموالاة في الله والمعاداة فيه كما رسمها الله ﷿ فوالوا أولياءه وعادوا أعداءه، على هدى وبصيرة من وحي الله، فكانوا بذلك قدورة وأسوة حسنة لمن وفقه الله إلى عمل الخير وهداه إلى الصواب، وفي هذا المبحث سنعرض صورا ومشاهد واقعية حقيقية، عن الموالاة والمعاداة في الله، وكيف وصل الإسلام باتباعه إلى هذه الدرجة العظيمة من الحب في الله والبغض في الله، بصورة لا مثيل لها في غير تاريخ الإسلام وسنعمل على ترتيب هذه الصور حسب أهميتها وإن كانت كلها مهمة وهي صور للذكرة وليست للحصر فصور الموالاة والمعاداة في الله أكثر من أن تحصر، حيث ما من عمل من الأعمال إلا والباعث عليه الحب في الله أو البغض في الله، وهذه الصور تتخذ أشكالا متنوعة في الموالاة والمعاداة في الله بحيث تكون نموذجا متكاملا للمجتمع المسلم فهي لا تقتصر على جانب دون جانب آخر، ومن هذه الصور ما يلي:
أولا: من صور الموالاة في الله الإيثار:
فقد روي في سبب نزول قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: ١٩] إنما هم الأنصار فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا أتى النبي - ﷺ - فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله - ﷺ - من يضم أو يضيف هذا؟ فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله.
[ ١ / ٣٠٢ ]
- ﷺ - فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال هيئي طعامك وأصبحي سراجك ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ونومت صبيانها ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ - ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما فأنزل الله هذه الآية (١).
وقد روى البخاري أيضا عن أبي هريرة ﵁ قال: قالت الأنصار للنبي - ﷺ - اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: لا فقالوا تكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة قالوا سمعنا وأطعنا (٢) وقد أخرج الإمام أحمد عن أنس، أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قدم المدينة، فآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري ﵁ فقال له سعد: أي أخي أنا أكثر أهل المدينة مالا، فانظر شطر مالي فخذه وتحتي امرأتان فانظر أيتهما أعجب إليك حتى أطلقها فقال عبد الرحمن، بارك الله لك في أهلك ومالك دلوني على السوق فدلوه فذهب، فاشترى وباع فربح فجاء بشيء من أقط وسمن، ثم لبث ما شاء الله أن يلبث، فجاء وعليه درع زغفران فقال رسول الله - ﷺ - مهيم؟ (٣) فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة، فقال: «ما أصدقتها؟» قال: وزن نواة من ذهب، قال: «أو لم ولو بشاة» (٤).
ثانيا: من صور المعاداة في الله، معاداة ذوي القرابة وهجرهم، عند استمرار عداوتهم ومحاربتهم في الله:
_________________
(١) انظر فتح الباري (٧/ ١١٩) كتاب مناقب الأنصار.
(٢) رواه البخاري انظر صحيح البخاري (٣/ ١٣٦) دار إحياء التراث العربي.
(٣) أي ما أمرك وشأنك انظر صحيح مسلم (٢/ ١٠٤٢).
(٤) رواه البخاري ومسلم انظر صحيح البخاري (٧/ ٥) وانظر صحيح مسلم (٢/ ١٠٤٢).
[ ١ / ٣٠٣ ]
قال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) [المجادلة: ٢٢].
روي في سبب نزول هذه الآية أقوال متعددة، نذكر منها قول ابن جريج (١) حيث يقول: حدثت أن أبا قحافة سب النبي - ﷺ - فصكه ابنه أبو بكر الصديق ﵁ صكة فسقط منها على وجهه، ثم أتى النبي - ﷺ - فذكر له ذلك فقال: أو فعلته؟ لا تعد إليه فقال: والذي بعثك بالحق نبيا لو كان السيف مني قريبا لقتلته، هذا والله أعلم كان في أول الإسلام فإن أبا قحافة أسلم عام الفتح (٢) وقال ابن مسعود ﵁ إن الآية المتقدمة نزلت في أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح ورضي الله عنه حيث قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم بدر، وكان ابن الجراح يتصدى لأبي عبيدة عدة مرات، وأبو عبيدة يحيد عنه، فلما كثر من ذلك قصد إليه أبو عبيدة فقتله أي قتل الشرك الممثل في شخص أبيه ولو لم يكن مشركا لكان من أبر الناس بوالده (٣).
وقد أنكر الواقدي ذلك وقال: إن والد أبي عبيدة قد توفي قبل الإسلام ورد بعض أهل العلم قوله ذلك (٤).
ومن صور المعاداة في الله، أنه لما أكثر اليهود من نقضهم العهود مع
_________________
(١) هو عبد الله بن جريج الأموي المكي ولد سنة (٨٠) هـ وتوفي سنة (١٥٠) هـ محدث حافظ فقيه مفسر، رومي الأصل ولد بمكة وقدم العراق وحدث بالبصرة وأكثروا عنه الرواية من آثاره السنن مناسك الحج، وتفسير القرآن الكريم انظر معجم المؤلفين عمر رضا كحالة (٦/ ١٨٣، ١٨٤).
(٢) انظر تفسير القرطبي (١٧/ ٣٠٧) وانظر أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (٣/ ٨٥).
(٣) انظر تفسير القرطبي (١٧/ ٣٠٧) وانظر صور من حياة الصحابة د/ عبد الرحمن رأفت الباشا (٢/ ١١).
(٤) انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (٣/ ٨٥).
[ ١ / ٣٠٤ ]
رسول الله - ﷺ - وصاروا ينسجون المؤامرات بالمدينة أذن رسول الله - ﷺ - للصحابة في قتل اليهود المحاربين لله ورسوله، وكان ذلك في السنة الثالثة للهجرة حيث قال الرسول - ﷺ - «من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه» فوثب محيصة بن مسعود ﵁ على ابن سنينة اليهودي وهو من تجار يهود فقتله، وكان ابن سنينة يبايعهم في تجارته، فقال له أخوه حويصة بن مسعود وهو حينئذ مشرك، يا عدو الله قتلته أما والله لرب شحم في بطنك من ماله يلوم أخاه على قتل هذا التاجر اليهودي، فقال محيصة: لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لقتلتك فقال: «إن دينا بلغ بك هذا لعجب» فأسلم حويصة لذلك (١).
ومن صور الموالاة في الله ما حصل من سعد بن أبي وقاص ﵁ مع أمه عندما امتنعت عن الأكل والشرب وأقسمت أن لا تطعم حتى يرجع عن الإسلام، وأخذت على ذلك ليالي وأياما، وبدأت تستقبل سعدا بالبكاء والدموع، لعلها تبلغ بدموعها ما لم تبلغه بتوسلاتها وكان معروفا أنه من أبر الأبناء بأمهاتهم، لكنه وقف من أجل دينه ذلك الموقف الحازم الشديد فقال لها: والله لو كان لك ألف نفس، فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركت ديني هذا.
وعند ذلك أدركت أن هذا الأمر ليس فيه مجال للمساومة أو الإغراء أو التهديد أو الوعيد، فرجعت عن ذلك (٢) وقريب من هذه الحادثة ما حصل من الطفيل بن عمرو الدوسي حيث أسلم وأقام بمكة زمنا تعلم فيه وتفقه في أمر دينه ثم عزم على الرحيل والعودة إلى قومه دوس التي كانت تعبد أصناما منها ذوى الشرى، وذو الكفين، وعندما وصل إلى أهله قال:
_________________
(١) انظر المصدر السابق (٤/ ٣٣٤، ٣٣٥).
(٢) انظر كتاب سعد بن أبي وقاص عبد الحميد جودة السحار (٨ - ١٣) وانظر صور من حياة الصحابة د/ عبد الرحمن رأفت الباشا (٤/ ١١١ - ١١٣).
[ ١ / ٣٠٥ ]
استقبلني والدي وكان شيخًا كبيرًا فقلت له: إليك عني يا أبت فلست منك ولست مني، قال: ولم يا بني؟ قلت: لقد أسلمت واتبعت دين محمد - ﷺ - قال: أي بني، ديني دينك، فقلت: اذهب واغتسل وطهر ثيابك ثم تعالى حتى أعلمك ما علمت، فذهب واغتسل وطهر ثيابه ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم، وهكذا فعل مع زوجته وأمه وبعض قومه، وكان أبو هريرة ﵁ ممن أسلموا على يد الطفيل بن عمرو الدوسي (١).
وقد أخرج ابن جرير الطبري عن عائشة ﵂ قالت: أمر رسول الله - ﷺ - بقتلى بدر أن يسحبوا (٢) إلى القليب، فطرحوا فيه ثم وقف وقال: يا أهل القليب هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا، فقالوا يا رسول الله تكلم قومًا موتى؟ قال: «لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حقا» فلما رأى أبو حذيفة بن عتبة ﵁ أباه عتبة يسحب إلى القليب عرف رسول الله - ﷺ - الكراهية في وجهه فقال: يا أبا حذيفة كأنك كاره لما رأيت فقال: يا رسول الله - ﷺ - إن أبي كان رجلًا سيدًا فرجوت أن يهديه ربه إلى الإسلام، فلما وقع الموقع الذي وقع أحزنني ذلك فدعا رسول الله - ﷺ - لأبي حذيفة بخير (٣) اهـ.
وقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لسعيد بن
العاص ﵁ وقد مر به إني أراك كأنك في نفسك شيء أراك
تظن أني قتلت أباك، إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله، ولكني
قتلت خالي العاص بن هشام ابن المغيرة، فأما أبوك فإني مررت به وهو
_________________
(١) انظر صور من حياة الصحابة د/ عبد الرحمن رأفت الباشا (١/ ٢٩، ٣٠) (٧/ ٩١).
(٢) أي يجر على وجه الأرض.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٢٣) وقال صحيح الإسناد على شرط مسلم.
[ ١ / ٣٠٦ ]
يبحث بحث الثور بروقه (١) فحدت عنه وقصد له ابن عمه علي فقتله فقال سعيد بن العاص: لو قتلته لكنت على الحق وكان على الباطل فأعجبه قوله (٢).
ومن صور الموالاة في الله والمعاداة فيه، ما أخرج البزار عن أبي هريرة ﵁ قال: مر رسول الله - ﷺ - بعبد الله بن أبي بن سلول وهو في ظل أطم (٣) فقال ابن سلول: غبر علينا ابن أبي كبشة (٤)، فقال ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول ﵁ يا رسول الله والذي أكرمك لئن شئت لآتينك برأسه فقال: لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته (٥).
وأخرج ابن شاهين بإسناد حسن عن عروة قال: استأذن حنظلة بن أبي عامر وعبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول ﵄ رسول الله - ﷺ - في قتل أبويهما فنهاهما عن ذلك (٦).
وأخرج ابن أبي شيبة عن أيوب قال: قال عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ لأبي بكر: رأيتك يوم أحد فصدفت (٧) عنك قال أبو بكر ﵁ لكني لو رأيتك ما صدفت عنك، وقد أسلم عبد الرحمن ﵁ في هدنة الحديبية (٨).
_________________
(١) الروق أي القرن انظر لسان العرب (١/ ١٢٥٧).
(٢) انظر البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٩٠) وانظر أسد الغابة (٢/ ٣١٠) (٥/ ١٧٠، ١٧١) وانظر حياة الصحابة (٢/ ٢٩٢).
(٣) الأطم البناء المرتفع انظر المعجم الوسيط (١/ ٢٠).
(٤) أبي كبشة هو زوج حليمة السعدية مرضعة رسول الله - ﷺ - ولم يجد المنافقون من عيب في رسول الله - ﷺ - فنسبوه إلى زوج مرضعته.
(٥) انظر مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي (٩/ ٣١٨) قال الهيثمي: رجاله ثقات.
(٦) انظر الإصابة في معرفة الصحابة لابن حجر (١/ ٣٦١).
(٧) أي أعرضت انظر المعجم الوسيط (١/ ٥١٢).
(٨) انظر سنن البيهقي (٨/ ١٨٦) وانظر كنز العمال (٥/ ٢٧٤).
[ ١ / ٣٠٧ ]
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها في معركة بدر، استشار الرسول - ﷺ - أصحابه ﵃ في أسرى بدر فقال ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال عمر قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فاضرب عنقه، وتمكن عليّا من عقيل فيضرب عنقه وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، وحتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة (١) للمشركين (٢).
وروي عن الزهري قال: لما قدم أبو سفيان بن حرب ﵁ المدينة جاء إلى رسول الله - ﷺ - وهو يريد غزو مكة فكلمه أن يزيد في هدنة الحديبية فلم يقبل منه رسول الله - ﷺ - فقام فدخل على ابنته أم حبيبة زوجة رسول الله - ﷺ - ﵂ فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله - ﷺ - طوته دونه، فقال: أي بنية أرغبت بهذا الفراش عني؟ أم بي عنه؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله - ﷺ - وأنت امرؤ نجس مشرك، فقال يا بنية لقد أصابك بعدي شر (٣)، ومن صور المعاداة في الله أيضا، ما حصل في معركة بدر الكبرى حينما مر مصعب بن عمير بأخيه أبي عزيز بن عمير وقد خاض معركة بدر مع الكفار ضد المسلمين، فمر به مصعب وأحد الأنصار يضع القيد في يده، فقال مصعب للأنصاري شد يديك به، فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك، فقال أبو عزيز لأخيه مصعب: أهذه وصاتك بي؟ فقال مصعب إنه أي الأنصاري أخي دونك (٤) ومن صور الموالاة والمعاداة التي حصلت في موقف واحد وحادثة واحدة ما روي في حادثة زيد بن سعنة ﵁ وكان يهوديا قبل إسلامه أنه أقرض النبي - ﷺ - قبل أن يسلم قرضا اقترضه النبي - ﷺ - ليسد به خللا في
_________________
(١) هوادة: أي لين ورقة انظر المعجم الوسيط (٢/ ١٠٠٩).
(٢) انظر البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٩٧).
(٣) انظر البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٢٨٠) وانظر أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (٥/ ٤٥٧) وانظر الطبقات لابن سعد (٨/ ٧٠)
(٤) انظر غزوة بدر تأليف أحمد محمد باشميل (١٧٦، ١٧٧).
[ ١ / ٣٠٨ ]
شئون نفر من المؤلفة قلوبهم، ثم رأى زيد بن سعنة أن يذهب لطلب الوفاء من الرسول - ﷺ - قبل ميعاد الوفاء المحدد، قال: أتيته يعني: رسول الله - ﷺ - فأخذت بمجامع قميصه وردائه ونظرت إليه بوجه غليظ ثم قلت: يا محمد ألا تقضيني حقي؟ فوالله ما علمتكم بني عبد المطلب إلا مطلا ولقد كان لي بمخالطتكم علم ونظر إلىَّ عمر بن الخطاب وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير، ثم رماني ببصره فقال: يا عدو الله أتقول لرسول الله - ﷺ - ما أسمع؟ وتصنع به ما أرى؟ فوالذي نفسي بيده لولا ما أحاذر فوته (١) لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله - ﷺ - ينظر إليَّ في سكون وتؤدة (٢) اهـ.
ومن الصور في مثل هذا الموقف ما كان من عمر بن الخطاب ﵁ مع عمير بن وهب الجمحي ﵁ حيث كان قبل إسلامه مع صفوان بن أمية ﵁ وكان ذلك قبل إسلام صفوان أيضا فتحدث عمير بن وهب عن أسر ابنه في بدر، وحدث صفوان برغبته في قتل الرسول - ﷺ - لولا دين عليه وأولاد صغار لهم من ينفق عليهم، فقال صفوان بن أمية ﵁ أنا أتحمل ذلك عنك وتعاهد الرجلان بجوار الكعبة على ذلك، ثم مضى عمير بن وهب في مهمته حتى قدم المدينة ونزل على مقربة من المسجد النبوي وبينما هو متجه إلى المسجد إذ التفت عمر بن الخطاب ﵁ وكان مع جماعة من الصحابة خارج المسجد فقال عمر: هذا عدو الله عمير بن وهب، والله ما جاء إلا لشر امضوا إلى رسول الله - ﷺ - وكونوا حوله، ثم انطلق عمر إليه وأخذ بمجمع ثوبه من عنقه وطوق عنقه بحمالة سيفه، ثم مضى به إلى رسول الله - ﷺ - فلما رآه النبي - ﷺ - على هذه الحال قال لعمر أطلقه يا
_________________
(١) أي لولا ما أخشى أن يفوتني من رضا رسول الله - ﷺ - لفعلت.
(٢) انظر حقوق الإنسان محمد الغزالي (٥٩) وانظر أسد الغابة في معرفة الصحابة (٢/ ٢٣١، ٢٣٢).
[ ١ / ٣٠٩ ]
عمر فأطلقه ثم قال رسول الله - ﷺ - ما الذي جاء بك يا عمير؟ قال جئت أرجو فكاك هذا الأسير الذي في أيديكم قال الرسول - ﷺ - فما بال السيف معك؟ قال: وهل أغنت عنا شيئا يوم بدر؟
ثم أخبره النبي - ﷺ - باتفاقه مع صفوان وخطتهما لقتل رسول الله - ﷺ - فقال والله لقد أيقنت أنه ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي ساقني إليك سوقا ليهديني إلى الإسلام، ثم شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ففرح المسلمون بذلك فرحا شديدا حتى إن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لخنزير كان أحب إلي من عمير بن وهب حين قدم على رسول الله - ﷺ - وهو اليوم بعد إسلامه أحب إلي من بعض أبنائي (١).
ومن تلك الصور العملية في الموالاة والمعاداة في الله ما حصل من المغيرة بن شعبة ﵁ وذلك عندما نزل رسول الله - ﷺ - بالحديبية أتاه عروة بن مسعود الثقفي ﵁ قبل أن يسلم (٢) وكان سيد ثقيف وكان خلال حديثه يتناول لحية رسول الله - ﷺ - وهو يكلمه جريا على عادة العرب في ذلك عند الملاطفة والرغبة في التواصل والتراحم، وكان المغيرة بن شعبة هو ابن أخي عروة بن مسعود (٣) واقفا على رأس رسول الله - ﷺ - ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما مد عروة يده إلى لحية رسول الله - ﷺ - قرع المغيرة يد عمه بكعب السيف وهو يقول: أكفف يدك عن وجه رسول الله - ﷺ - قبل ألا تصل إليك، فيقول عروة، ويحك ما أفظك وما أغلظك فيبتسم رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) انظر صور من حياة الصحابة د/ عبد الرحمن الباشا (١/ ٥٨ - ٦٨) وانظر أسد الغابة في معرفة الصحابة (٤/ ١٤٩) وانظر كتاب الجرح والتعديل (٤/ ٤٢١).
(٢) انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة (٣/ ٤٠٥) ابن الأثير.
(٣) المصدر السابق (٣/ ٤٠٦، ٤٠٧).
[ ١ / ٣١٠ ]
وانصرف عروة وهو مأخوذ بما رأى من فعل ابن أخيه فيه وحرصه على سلامة رسول الله - ﷺ - فرجع إلى قريش وهو يقول لهم: «يا معشر قريش إني جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه، والله ما يحدون إليه النظر، وما يرفعون عنده الصوت، وما عليه إلا أن يشير إلى امرئ فيفعل» (١).
ومن الصور العملية في ذلك أيضا أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ بعث بعثة استطلاعية مكونة من اثنين من جنوده للوصول إلى القسطنطينية وتفقد أحوالها، وسافر الاثنان متنكرين حتى وصلا عاصمة الروم واختلطا بأهلها وجمعا ما يريدان من معلومات، وكانت خطتهما أن يمشيا متباعدين حتى إذا قبض على أحدهما كان بوسع الآخر العودة والإخبار عنه، ودخل أحدهم قصر الملك في أحد احتفالاتهم، وحاول التعرف على القصر ومداخله، وأحوال الملك وجماعته، ولكنه اكتشف أمره وقبض عليه، وكان أخوه في الإسلام يراقب ذلك فلما تأكد من أنه سجن كر راجعا ليخبر الخليفة بأمره.
وقدم الجندي الأموي المسلم إلى ملك الروم الذي كان مغرورا بأبهته وحاشيته كالديك الرومي محاطا بالحاشية والحرس، فاتهم الجندي المسلم باللصوصية وقال له: ماذا يريد خليفتكم من الإغارة علينا، أما تكفيكم بلادكم؟ ورد عليه الجندي بعزة وإباء: نحن لا طمع لنا في بلادكم وأموالكم وإنما نهدف إلى نشر الإسلام وإقامة موازين العدل التي افتقدها الناس بسبب ضلالهم عن الدين الحق وتحريفهم لكتب الأنبياء السابقين ولتأليههم البشر وعبادتهم للملوك والجبابرة، وغضب عند ذلك البطريرك الذي كان
_________________
(١) رواه البخاري، انظر فتح الباري (٥/ ٣٢٩ - ٣٣٣).
[ ١ / ٣١١ ]
جالسا قرب الملك وقام من مجلسه وصفع الجندي على وجهه صفعة مؤلمة، وأمر به إلى السجن ومرت الأيام وجرى تبادل الأسرى بين المسلمين والروم وعاد الجندي المسلم الأسير إلى أهله، واستدعاه الخليفة وأكرمه وسمع خبره، ثم أمر بتوجيه بعثة من الجنود تنكروا على شكل صيادين حتى وصلوا إلى القسطنطينية فدخلوها واحتالوا على البطريرك فقبضوا عليه وجاءوا به مكبَّلا إلى أن أدخل على مجلس الخليفة الذي زانه الوقار والحكمة والهيبة فأوقف أمامه، وكان الجندي الذي أسر بجانب الخليفة: فقال له: معاوية أهذا هو؟ أي الذي صفعك فقال: نعم يا أمير المؤمنين فقال له دونك فاقتص منه، فقال الجندي باستعلاء وعزة: بل عفوت عنه يا أمير المؤمنين، فقال الخليفة للبطريرك: اذهب إلى ملكك وقل له: إن أمير المؤمنين يقيم العدل ويقتص من الجاني حتى في مملكته، ورجع البطريرك يرجف فؤاده خزيًا وهيبة، وقد أذله وقهره عفو الجندي وتوبيخ الأمير بالرغم مما أساء إليهما به هو وملكه المتعجرف وهكذا لم يقر قرار للخليفة المسلم حتى أعاد لجندي صفع ظلمًا، حقه من عدوه، وحفظ له كرامته وللدولة هيبتها أمام أعتى دول الأرض حينذاك وأكثرها غنى ورفاهية وتجبرا (١).
ورحم الله معاوية بن أبي سفيان الذي ضرب بتلك الحادثة المثل الكبير للحاكم المسلم الذي يدافع عن حق الفرد وحق الجماعة على حد سواء.
ولكن أين حكام اليوم من مثل تلك الحادثة العظيمة؟ لقد أضاعوا حقوق الأفراد وحقوق الأمة كلها فهناك شعوب مسلمة تقتل وتعذب بأشد أنواع العذاب وتستعبد من قبل طغاة كافرين، ومع ذلك لا نسمع ممن
_________________
(١) انظر تأملات تاريخية في مجلة المجتمع عدد (٥٣٤) السنة الحادية عشرة في (٢٨/ ٨/ ١٤٠١) هـ (٤٩).
[ ١ / ٣١٢ ]
يدعون الإسلام من الحكام والمحكومين حتى مجرد الاستنكار بالقول فضلا عن الاستنكار بالعمل بل ربما قدم بعض أدعياء الإسلام العون المادي والمعنوي لمن ينتهكون حرمات المسلمين وإعراضهم فرحمتك يا رب ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ثالثا: من صور المعاداة في الله ما قام به بعض المسلمين من هجمات جريئة وتصفية جسدية لأعداء الله، لم يدفعهم إلى ذلك حب مرتبة دنيوية ولا راتب أو مكافأة شهرية، وإنما فعلوا ذلك موالاة لله وحبا له، وعداوة لأعداء الله وبغضا لهم.
قال ابن إسحاق لما انتهى أمر الخندق، كان سلام بن أبي الحقيق اليهودي، فيمن حزب الأحزاب على رسول الله - ﷺ - وكانت الأوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الأشرف من كبار اليهود فاستأذن الخزرج رسول الله - ﷺ - في قتل سلام بن أبي الحقيق وهو مقيم بخيبر فأذن لهم، فخرج من الخزرج من بني سلمة خمسة نفر، هم عبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، وخزاعي بن أسود حليف لهم من أسلم، وأمر عليهم رسول الله - ﷺ - عبد الله بن عتيك ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر، أتوا دار ابن أبي الحقيق ليلا، فلم يدعوا غرفة في الدار حتى أغلقوها على أهلها، وكان هو في علية (١) إليها عجلة قال: فأسندوا إليها حتى قاموا على بابه، فاستأذنوا فخرجت امرأته إليهم فقالت من أنتم؟ قالوا أناس من العرب نلتمس الميرة (٢) قالت ذاكم صاحبكم فادخلوا عليه، فلما دخلنا أغلقنا علينا وعليه الحجرة، تخوفا أن يكون دونه محاولة تحول بيننا وبينه، قال:
_________________
(١) أي غرفة مرتفعة على أخرى.
(٢) الميرة أي الطعام.
[ ١ / ٣١٣ ]
فصاحت امرأته فنوهت بنا فابتدرناه وهو على فراشه، بأسيافنا فوالله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه، كأنه قبطية ملقاة (١).
قال فلما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ثم يذكر نهي رسول الله - ﷺ - فيكف يده، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل قال فلما ضربنا بأسيافنا تحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول قطني قطني أي حسبي حسبي قال وخرجنا وكان عبد الله بن عتيك ضعيف البصر، قال: فوقع من الدرجة فوثبت يده وثبا شديدا، وحملناه حتى نأتي به نهرًا من عيونهم، فندخل فيه، فأوقدوا النيران واشتدوا في كل وجهة يطلبوننا حتى إذا يئسوا رجعوا إليه فاكتنفوه وهو يقضي، فقلنا كيف لنا بأن نعلم أن عدو الله قد مات؟ قال فقال رجل منا: أنا أذهب فأنظر لكم، فانطلق حتى دخل مع الناس قال: فوجدتها يعني امرأته ورجال من اليهود حوله وفي يدها المصباح تنظر في وجهه، وتحدثهم وتقول: أما والله قد سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت نفسي، وقلت: أني لابن عتيك بهذه البلاد؟ ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه، فقالت: فاظ وإله يهود قال فما سمعت كلمة كانت ألذَّ على نفسي منها.
وفي هذه الحادثة يقول حسان بن ثابت ﵁:
لله در عصابة لاقيتهم يا ابن الحقيق وأنت يا ابن الأشرف
يسرون بالبيض الخفاف إليكم مرحا كأسد في عرين مغرف
حتى أتوكم في محل بلادكم فسقوكم حتفا ببيض ذنف
مستنصرين لنصر دين نبيهم مستصغرين لكل أمر مجحف (٢)
فهؤلاء الذين قاموا بهذا العمل لم يدفعهم إلى ذلك رغبة في مالٍ يمنحه
_________________
(١) القبطية: ثياب من كتان بيض رقاق، كانت تنسج بمصر، وهي منسوبة إلى القبط على غير قياس: انظر المعجم الوسيط (٢/ ٧١٨).
(٢) انظر في هذا البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٣٧، ١٣٨).
[ ١ / ٣١٤ ]
لهم الرسول - ﷺ - أو رهبة من بطش الرسول - ﷺ - بهم لو لم يقوموا بذلك وإنما هم الذين استأذنوا الرسول - ﷺ - لهذه المهمة العظيمة حبا لله ورسوله ونصرة دينه، وعداوة لمن حارب الله ورسوله وكان بإمكانهم أن يعيشوا كما عاش غيرهم من الجبناء والمنافقين الذين يدسون رءوسهم بالرمال ويتملقون كل كافر وفاجر، ولكن الحب الحقيقي لله ورسوله والمؤمنين والبغض والعداوة للكافرين، لا بد أن يتحول إلى عمل واقعي مشهود ليظهر صفاء الإيمان في أعماق النفس المسلمة.
ومن صور المعاداة في الله ما حصل في عهد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث كان هناك رجل نصراني اسمه عساف من أهل السويداء فشهد عليه جماعة من أهل الإسلام أنه يسب النبي - ﷺ - وعندما طلب هرب واستجار بأحمد بن حجي أمير آل علي، فاجتمع الشيخ تقي الدين ابن تيمية والشيخ زين الدين الفارقي (١) شيخ دار الحديث، ودخلا على الأمير عز الدين أيبك الحموي فكلماه في أمره، فأجابهما إلى ذلك وأرسل معهما من جنده من يحضره فخرج الشيخان من عنده ومعهما خلق كثير من الناس وفي الطريق التقوا بعساف النصراني ومعه رجل من العرب فسب المسلمون عسافًا وشتموه فقال ذلك الرجل الأعرابي هو خير منك يعني النصراني فرجم الناس ذلك الأعرابي حتى مات، وأما عساف النصراني فقد قدم إلى الوالي وأعلن إسلامه وحقن الوالي دمه بسبب إسلامه (٢).
رابعًا: من صور الموالاة في الله عدم الرضوخ للإغراءات المادية
_________________
(١) هو عمر بن إسماعيل بن مسعود بن سعد الدين الربعي الفارقي الشافعي ولد سنة ٥٩٨ وتوفي سنة ٦٨٩ وهو محدث فقيه أصولي أديب مشارك في أنواع العلوم وله عدد من المؤلفات انظر معجم المؤلفين (٧/ ٢٧٧) وانظر البداية والنهاية لابن كثير (١٣/ ٣١٨).
(٢) انظر البداية والنهاية لابن كثير (١٣/ ٣٣٥، ٣٣٦).
[ ١ / ٣١٥ ]
وذلك في مثل ما حصل من عبد الله بن حذافة السهمي ﵁ حيث أسر في إحدى المعارك مع الروم ثم ذهبوا به إلى ملك الروم، وعرض عليه أن يتنصر، ويخلي سبيله ويكرم مثواه، فرد عليه بعزة وثقة وأنفة وإباء، قائلا: إن الموت أحب إلي ألف مرة مما تدعوني إليه.
فقال قيصر: أجبني إلى النصرانية، فإنك إن فعلت شاطرتك ملكي، وقاسمتك سلطاني، فقال عبد الله: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملكه العرب، على أن أرجع عن ديني طرفة عين ما فعلت ذلك.
قال: إذن أقتلك، قال: أنت وما تريد، ثم صلبوه على خشبة الصلب فرموه قريبا من رجليه، وقريبا من يديه وهو يعرض عليه مفارقة دينه فأبى، ثم أمر بقدر عظيمة، فصب فيها الزيت، ثم أوقدت تحته النار حتى اشتدت حرارته ثم دعا بأسيرين من أسارى المسلمين، فألقي أحدهما فإذا لحمه يتفتت، وإذا عظامه تبدو عارية، ثم التفت إلى عبد الله بن حذافة ودعاه إلى النصرانية فكان أشد إباء لها من قبل، فلما يئس منه، أمر به أن يلقى في القدر التي ألقي فيها صاحبه، فلما ذهبوا به دمعت عيناه، فقال رجال قيصر لملكهم: إنه قد بكى فظن أنه قد جزع من الموت، وقال ردوه إلي، فلما مثل بين يديه عرض عليه النصرانية فأباها.
فقال: ويحك، فما الذي أبكاك إذن؟
قال: أبكاني أني قلت في نفسي: تلقى الآن في هذه القدر، فتذهب نفسك وقد كنت أتمنى أن يكون لي بعدد ما في جسدي من شعر، أنفس فتلقى كلها في هذا القدر في سبيل الله.
فقال الطاغية، هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك؟ فقال عبد الله له: وعن جميع أسارى المسلمين أيضًا؟ قال عبد الله: فقلت في نفسي: عدو من أعداء الله أقبل رأسه فيخلي عني وعن أساري المسلمين جميعا لا
[ ١ / ٣١٦ ]
ضير في ذلك علي ثم دنا منه وقبل رأسه، فأمر الملك بإطلاق سراحه وسراح جميع المسلمين المأسورين لديهم (١).
إن هذا البطل المسلم المجاهد قد أضاف بعمله هذا مجدا إلى بطولاته العظمى في الإسلام حيث لم يدفعه هذا الترغيب والترهيب حب السلامة لنفسه فقط، ولم يطغ حب الذات أو حب المنصب أو حب المال أو الجاه على حب الله، ولم يخضع إلى الإغراءات المادية والمعنوية التي أراد ملك النصارى أن يرجعه بها عن الإسلام، رغم عظمة الإغراء وهول الموقف، لقد رفض أن يقبل رأس هذا الكافر إلا إذا كان ثمن هذه القبلة جميع أسارى المسلمين.
إنها قبلة ما أعظم ثمنها وأجل قدرها.
ولكن شتان بين الأمس واليوم، لقد أصبح المسلمون اليوم يتسابقون إلى تقبيل السفاحين لدماء المسلمين من الكفرة والمرتدين أمثال بيغن وريغان، وبريجنيف، ورؤساء الأحزاب البعثية والماسونية في البلاد العربية، لقد قبل عبد الله بن حذافة السهمي رأس ملك الروم بعزة واستعلاء بعد أن أملى عليه شروطه، أما مدعي الإسلام اليوم فيقبلون رءوس الطواغيت وهم أذلاء صاغرون يقبلونهم وقد سلبوهم دينهم إن كان لديهم بقية من دين يقبلونهم وقد عاثوا في أرض الإسلام والمسلمين بكل أنواع الجرائم والمنكرات، ونهبوا خيرات البلاد، وشردوا الملايين ممن يدعونه أخوتهم إن كانوا يعرفون للأخوة معنى، ومع ذلك يقبلونهم بأفواههم، وترتجف لمحبتهم قلوبهم، وتشهد على مودتهم للكفار أفعالهم.
أما عبد الله بن حذافة السهمي فقد قبل حاكم الروم وقلبه يكاد ينفجر غيظًا وعداوة له ولكنه الإكراه الذي عذر الله المسلم فيه أن يقول كلمة
_________________
(١) انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (٣/ ١٤٢، ١٤٤) وانظر صور من حياة الصحابة د/ عبد الرحمن رأفت الباشا (١/ ٥١ - ٥٧).
[ ١ / ٣١٧ ]
الكفر قال تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النحل: ١٠٦].
إن قبلات العبيد لأسيادهم اليوم في الشرق والغرب ليس ثمنها مشاطرة أولئك العبيد أسيادهم في ملكهم وأموالهم، كما عرض على عبد الله بن حذافة السهمي من قبل قيصر، وإنما ثمنها مشاطرة الأسياد لأولئك العبيد في نهب خيرات المسلمين وثرواتهم فهل هذه هي التقدمية والحرية والاشتراكية التي ينادون بها؟
خامسا: من صور الموالاة في الله استخدام الاقتصاد في الموالاة في الله والمعاداة فيه وذلك مثل ما فعل ثمامة بن أثال ملك اليمامة ﵁ عندما أسلم فقد آذى المسلمين في أول أمره ثم أسر فمن عليه رسول الله - ﷺ - وبعد أن أسلم قال يا رسول الله والله ما كان على ظهر الأرض وجه أبغض إلي من وجهك قبل أن أسلم، وقد أصبح وجهك الآن أحب الوجوه كلها إلي، ووالله ما كان دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إليَّ، ووالله ما كان بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إليَّ، ثم قال: كنت أصبت في أصحابك دما، فما الذي توجبه علي فقال النبي:) - ﷺ - لا تثريب عليك يا ثمامة، فإن الإسلام يجب ما قبله)، ثم ذهب معتمرًا إلى مكة، وهو حديث عهد بالإسلام وأقبل على قريش بكل عزة وكبرياء فثاروا في وجهه ووصفوه بمختلف الأوصاف، وكادوا يقتلونه لأنهم كانوا يعدونه سندا ومعينا لهم، ثم قال لقريش: أقسم برب هذا البيت، إنه لا يصل إليكم بعد عودتي إلى اليمامة حبة من قمحها أو شيء من خيراتها حتى تتبعوا محمدا عن آخركم وفعل ما قال بكل حزم وقوة حتى فشا في قريش الجوع واشتد عليهم.
[ ١ / ٣١٨ ]
الكرب فشكوا إلى رسول الله - ﷺ - الأمر وقالوا قتلت الرجال بالسلاح، والأطفال والنساء بالجوع وكان الرسول - ﷺ - مشفقا حتى على أعدائه فكتب ﵊ إلى ثمامة بن أثال (١) بأن يطلق ما منعه عنهم من الميرة من تمر وطعام ففعل ذلك.
سادسا: من صور الموالاة في الله مشاركة المسلمين ولو بالقلب والشعور إذا عجز المرء عن المشاركة الفعلية فيشاركهم في أفراحهم وآلامهم فيفرح بما يفرحهم ويتألم لما يتألمون منه.
فقد روى أبو هريرة ﵁ أنه قال: من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من نفاق (٢) قال القرطبي: إن من لم يتمكن من عمل الخير، فينبغي له العزم على فعله إذا تمكن منه ليكون عزخمه بدلا من فعله، فأما إذا خلا عنه ظاهرا، وباطنا فذلك شأن المنافق الذي لا يعمل الخير ولا ينويه خصوصا الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام (٣).
فالمسلم لا بد أن يوالي أولياء الله وينصرهم ويحب نصرتهم ويعادي أعداء الله ويشارك في كسر شوكتهم بنفسه وماله وأقواله فإن لم يستطع فلا أقل من المشاركة بقلبه ووجدانه، فقد روي عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: كنا مع النبي - ﷺ - في غزاة فقال: إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا، إلا كانوا معكم حبسهم المرض وفي رواية إلا شركوكم في الأجر (٤).
وروى البخاري عن أنس ﵁ قال: رجعنا من غزوة
_________________
(١) انظر صور من حياة الصحابة د/ عبد الرحمن الباشا (١/ ١٠٢ - ١١٦).
(٢) صحيح مسلم (٣/ ١٥١٧) كتاب الإمارة باب ذم من مات ولم يغز.
(٣) انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين (٢/ ٩٢٩) مؤسسة الرسالة.
(٤) رواه مسلم صحيح مسلم (٣/ ١٥١٨) دار إحياء التراث العربي.
[ ١ / ٣١٩ ]
تبوك مع النبي - ﷺ - فقال: «إن أقواما بالمدينة ما سلكنا شعبا، ولا واديا إلا وهم معنا حبسهم العذر» (١) وفي قصة الذين جاءوا إلى الرسول - ﷺ - يطلبون منه أن يأخذهم معه إلى الجهاد، فردهم لأنه لم يجد ما يحملهم عليه، وهم لا يجدون ما ينفقون سوى أعز ما يملكون من تضحية في نفوسهم دليل على المشاركة بالشعور عند عدم المشاركة بالفعل فقد انصرفوا وهم يبكون حزنا على ما فاتهم من شرف الجهاد قال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) [التوبة: ٩١، ٩٢].
فالمسلم إذا عجز عن المشاركة بالمال أو النفس أو القول فلا أقل من المشاركة بمشاعر الحب والبغض، ولذلك فعذر الله للمذكورين في الآيتين ليس على إطلاقه بل هو مشروط بقوله (إذا نصحوا لله ورسوله) أي: إذا عرفوا الحق وأحبوه وأحبوا أهله، وأحبوا انتصارهم، وعرفوا الباطل وعادوه وأبغضوه وعادو أهله، فعند ذلك تزول عنهم التبعة ويدخلون في عداد المحسنين (٢) قال تعالى: (إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) ولكنهم مع ذلك نجد أن أعينهم تفيض من الدمع حزنا على ما فاتهم من شرف الجهاد مع أن طبيعة معظم الناس الذين يفقدون حرارة الإيمان أن يفرحوا بنجاتهم من الأخطار، وابتعادهم عن غائلة الحروب ولكن الإيمان جعل هؤلاء يرون في فوات هذه الغزوة عليهم فوات شيء ثمين يستحق أن تسكب عليه العبرات وتحزن له النفوس، وعلى عكس هذا
_________________
(١) انظر صحيح البخاري (٤/ ٣١) ط دار إحياء التراث العربي.
(٢) انظر تفسير القرطبي (٨/ ٢٢٦).
[ ١ / ٣٢٠ ]
الموقف المتسامح مع أصحاب الأعذار الذين شاركوا بقلوبهم ومشاعرهم عند عجزهم عن المشاركة بأفعالهم نجد موقف الشدة والتأنيب لأولئك الذين تخلفوا عن المعركة نفسها بدون عذر شرعي وذلك في قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي (١).
وذلك نتيجة لحظات من الضعف البشري، وإيثارا للراحة على التعب والظل على الحر، والإقامة على السفر، مع أنهم مؤمنون صادقون، فقد استيقظ الإيمان في نفوسهم بعد قليل من سفر الرسول - ﷺ - وعلموا أنهم ارتكبوا بتخلفهم عنه وعن المؤمنين إثما كبيرا، ومع ذلك فقد كانت عقوبتهم قاسية رادعة مؤلمة، فقد عزلوا عن المجتمع عزلا تاما، واعتزلهم المؤمنون اعتزالا كاملا، ونهي الناس عن كلامهم والتحدث معهم لمدة خمسين يوما حتى زوجاتهم أمروا بمفارقتهن مفارقة سكنى واستئناس بهن، ورغم المقاطعة الشديدة لهم، لم نجد منهم من ركن إلى أقوال المنافقين أو اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين ولم نجد منهم من استحباب إلى دعوة حاكم غسان الذي سمع بالخبر، فأراد أن يستغل تلك الفرصة بدعوة أحد الثلاثة أو جميعهم إليه، ولكن كتابه أحرق بالنار، لأن جذوة الإيمان مشتعلة في النفوس كما نجد في هذه القصة الوحدة الحقيقية في القول والعمل والالتزام الصارم بأمر رسول الله - ﷺ - في مقاطعة من يؤمرون بمقاطعته ولو كان أقرب قريب، وهذه الصفة هي روح الموالاة والمعاداة في الله، فلم يهم أحد من المسلمين بمسارقة أولئك النفر في الحديث خفية أو خلسة، لاعتقادهم اعتقادا جازما بأن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وتخلف ثلاثة نفر من ثلاثين ألف مجاهد ليس له تأثير مباشر في نتيجة المعركة أو طبيعتها ولكن القضية هي أكبر من ذلك حيث إن الأمر يتعلق بمبدأ المشاركة والالتزام بمفهوم الإيمان، ولا يجوز للمسلم أن
_________________
(١) انظر البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٢٣).
[ ١ / ٣٢١ ]
يتحول من المشاركة الفعلية إلى المشاركة القلبية والشعورية إلا عند وجود الأسباب المبيحة لذلك أما ترك المشاركة الفعلية والقولية والقلبية فهذا لا يحصل من مسلم صادق في انتمائه للإسلام فلا يجوز للمؤمن الصادق في إيمانه أن يتخلف عن عمل يقتضيه الواجب، أو يرضى لنفسه بالراحة والناس من إخوانه يتعبون، أو يستغرب في الملذات والنعيم وإخواته يبتئسون وتلك هي سمة الإيمان وسمة المؤمن دائما وأبدا إنه فرد من جماعة، وجزء من كل وعضو من جسم، وإن ما يصيب هذه الجماعة يصيبه من باب أولى، وما يفيد هذه الجماعة يفيده، وإن النعيم لا معنى له ولا قيمة له مع شقاء الأمة وبؤسها، والراحة لا لذة لها، مع تعب الناس وعنائهم، وإن التخلف عن الواجب نقص في الإيمان، وخلل في الدين وإثم لا بد فيه من التوبة والإنابة إلى الله ﷿ (١).
ولذلك فإحساس المؤمن وضميره الحي يدفعانه إلى ذلك الواجب بسلطان من داخل نفسه لا من خارجها فهذا أبو خيثمة ﵁ بعد ما سار رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك المتقدم ذكر طرف منها دخل على أهله في يوم شديد الحر، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه وقد رشت كل واحدة منهما عريشها بالماء ليزداد برودة، وبردت فيه ماء، وهيأت له فيه طعاما، فلما دخل قام على باب كل عريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له.
فقال في نفسه: رسول الله - ﷺ - في الضح (٢) والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأتين حسنوين في ماله مقيم ما هذا بالنصف (٣)؟ والله لا أدخل عريش واحدة منكن حتى ألحق برسول الله - ﷺ - فهيأ لي زادا، ففعلتا ثم خرج في طلب الرسول - ﷺ - حتى أدركه
_________________
(١) انظر في هذا المعنى كتاب السيرة دروس وعبر تأليف د/ مصطفى السباعي (١٧٢).
(٢) الضح لهب الشمس وحرارتها انظر المعجم الوسيط (١/ ٥٣٦).
(٣) النصف أي: العدل والإنصاف انظر المعجم الوسيط (٢/ ٩٣٤).
[ ١ / ٣٢٢ ]
حين نزل تبوك، وقد قال وهو في الطريق شعرا بهذه المناسبة نذكر منه ما يلي:
تركت خضيبا بالعريش وضرمة صفايا كراما بسرها قد تحمما
وكنت إذا شك المنافق أسحمحت إلى الدين نفسي شطره حيث يمما (١)
إن المسلم الحق ليضيق صدره بمأكله ومشربه ومسكنه وهو حر طليق، إذا كان إخوانه يتقلبون في حالة بؤس وشقاء وضيق.
ومثل أبي خيثمة عثمان بن مظعون ﵁ حيث دخل مكة في جوار الوليد بن المغيرة، فلما رأى عثمان ما يلقى رسول الله - ﷺ - وأصحابه من الأذى وهو يغدو ويروح بأمان الوليد بن المغيرة قال عثمان: والله إن غدوي ورواحي آمنا بجوار رجل مشرك، ورسول الله - ﷺ - وأصحابه يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني لنقص شديد في نفسي فمضى عثمان إلى الوليد بن المغيرة فقال: يا أبا عبد شمس وفت ذمتك قد كنت في جوارك وقد أحببت أن أخرج منه إلى رسول الله - ﷺ - فلي به وبأصحابه أسوة فقال الوليد فلعلك يا ابن أخي أوذيت أو انتهكت قال لا: ولكن أرضى بجوار الله ولا أريد أن استجير بغيره، قال الوليد فانطلق إلى المسجد فاردد على جواري علانية كما أجرتك علانية، فانطلق إلى المسجد ثم قال الوليد هذا عثمان بن مظعون قد جاء ليرد على جواري فقال عثمان صدق، وقد وجدته وفيًّا كريما، وقد أحببت أن لا أستجير بغير الله ﷿، ثم حضر مجلسا لقريش وفيه لبيد ينشد.
ألا كل شيء ما خلا الله باطل، فقال: عثمان صدقت ثم قال: وكل نعيم لا محالة زائل، فقال عثمان كذبت.
فقال لبيد: يا معشر قريش ما كانت مجالسكم هكذا فقام سفيه منهم
_________________
(١) انظر البداية والنهاية لابن كثير (٥/ ٨).
[ ١ / ٣٢٣ ]
فلطم عثمان بن مظعون على عينه حتى أثر فيها فقال له بعضهم لقد كنت في ذمة منيعة وكنت في غنية عما لقيت فقال عثمان جوار الله آمن وأعز (١).
فهذا ما فعله السلف الصالح وما يفعله كل مسلم غيور في عصرنا الحاضر فمهما انحرفت الأمة عن جادة الصواب فإنها لا تعدم الخير وقد عبر عن هذا المعنى من المسلمين المعاصرين عصام العطار (٢) بقصيدة نجتزئ منها قوله ما يلي:
فلا راحة حتى ولو لأن مضجع ولو كنت حتى في ظلال البواسق
إذا كان في خلف السجون أشاوس تعذب بأيدي كل طاغ ومارق
تمنيت حتى ضجعة السجن بينكم على الصخر في جو من الجور خانق
صلابة أرض السجن إن كان بينكم أحب وأشهى من طري النمارق (٣)
سابعًا: من صور الموالاة في الله أن يكون المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وقد تحقق هذا في عهد الرسول - ﷺ - وفي عهد الخلفاء الراشدين من بعده، فقد كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: لأن استنقذ رجلا من المسلمين من أيدي الكفار أحب إلي من جزيرة العرب (٤) وقد روي أن أحد الجنود المسلمين وقع أسيرا في حوزة الرومان وأنهم حملوه إلى إمبراطورهم
_________________
(١) انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة (٣/ ٣٨٥، ٣٨٦).
(٢) هو الشيخ عصام العطار تعلم في دمشق وعمل في مجال التربية والتعليم ثم وهب حياته للدعوة إلى الإسلام وقد حقد عليه حزب البعث الكافر فخرج يبحث عن مكان أمين في بلاد الله فلم تتسع له البلاد الإسلامية واستقر في ألمانيا سنوات ولكنه مع ذلك لم يسلم من حقد الطائفة النصيرية الكافرة حيث قد تطاولوا عليه في منفاه فقتلوا زوجته بنان الطنطاوي ولا زال الصراع بينه وبين أعداء الله قائم ومستمر، انظر شعراء الدعوة الإسلامية (١/ ٧٥ - ٩٢)
(٣) شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث (١/ ٩١) تأليف أحمد الجمع، حسني جرار.
(٤) انظر كنز العمال (٢/ ٣١٢).
[ ١ / ٣٢٤ ]
الذي حاول أن يكرهه على ترك إسلامه، ورفض الأسير المسلم، وثبت على عقيدته فثار الإمبراطور وأمر أن تفقأ عيناه .. وسمع عمر بن عبد العزيز فكتب إلى ملك الروم يقول: أما بعد. فقد بلغني ما صنعت بالأسير المسلم، وإني أقسم بالله لئن لم ترسله إلي من فورك لأبعثن إليك من الجند ما يكون أولهم عندك وآخرهم عندي.
وعندما وصل الخطاب تراجع ملك الروم أمام هذه العزمة وأمر بإعادة الأسير المسلم إلى أهله وقومه (١) وفي موقف المعتصم (٢) صورة من صور الموالاة في الله فهو الخليفة الثامن من خلفاء الدولة العباسية وبطل عمورية العملاق الذي ضرب بتلك المعركة المثل الأعلى في استراداد الكرامة والذود عن حياض المسلمين وقصة عمورية كما ذكر بعض المؤرخين هي: أن نوفيل ملك الروم أغار على حدود الدولة العباسية وعلى زبطرة بالذات وهي مسقط رأس المعتصم وعلى أهل ملطية وغيرها من حصون المسلمين وأسر مجموعة من المسلمين من الرجال والنساء والأطفال فمثل بهم فمنهم من سمل عيونهم، ومنهم من قطع أنوفهم وآذانهم ومنهم من قتل، وكان من بين الأسرى امرأة هاشمية، كبر عليها الضمير وعظمت عليها القسوة، فصاحت بأعلى صوتها وامعتصماه، ونقل بعض الحاضرين هذه الصيحة إلى المعتصم، فما أن وصلت إلى مسمعه حتى صرخ بأعلى صوته في المجلس ونهض مرددا لبيك، لبيك يا أختاه
_________________
(١) انظر مجلة الدعوة المصرية عدد (٤٧) السنة التاسعة والعشرون (٤٢١) في جمادى الأولى (١٤٠٠) (٥٥) مقال عن عمر بن عبد العزيز بقلم محمد الخطيب.
(٢) هو أبو إسحاق المعتصم بالله محمد بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بويع بالخلافة يوم وفاة أخيه المأمون في يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة (٢١٨ هـ ٨٣٣) ولسنة (١٨٠هـ ٧٩٥) وتوفي سنة (٢٢٦ - ٨٤١) فتح عمورية من بلاد البيزنطيين الشرقية، وشيد مدينة سامراء سنة (٢٢٢هـ ٨٣٨) بعد أن ضاقت بغداد بجنده من الأتراك وتوفي بها، انظر تاريخ الطبري (١٠/ ٣٠٤، ٣٦٧) وانظر الموسوعة العربية الميسرة (٢/ ١٧١٨).
[ ١ / ٣٢٥ ]
وأمر بالنفير العام، واستدعى القضاة والشهود، وأشهدهم على وصيته، أن ماله إذا استشهد في هذه المعركة فيقسم إلى ثلاثة أقسام ثلثه صدقة وثلثه لأولاده، وثلثه لمواليه، وسار بنفسه ومن معه من خيرة قواده ورجاله سنة (٢٢٣) هـ فحاصر عمورية وهي عين النصرانية ومركز قوتها ومسقط رأس نوفيل ملك الروم، ففتحها بعد حصار شديد رغم حصانة أسوارها وقوة رماتها فخرت صريعة بين يديه، وثأر المعتصم، من أعداء الله ولمن نكل بهم من المسلمين والمسلمات، واسترد كرامة الأمة الإسلامية وبين كيف تكون غضبة الحاكم المسلم إذا انتهكت حرمات العقيدة أو اعتدى على حمى الإسلام والمسلمين (١) وقد عاد إلى بغداد مكبرا مهللا واستقبلته الأمة بالفرح والغبطة والسرور، وأنشد أبو تمام قصيدته المشهورة:
السيف أصدق إنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في متونهن جلاء الشك والريب
وجاء من هذه القصيدة:
لبيت صوتا زبطريا هرقت له كأس الكرى ورضاب الخرد العرب
وجاء من هذه القصيدة أيضًا:
كم كان في قطع أسباب الرقاب بها إلى المخدرة العذراء من سبب (٢)
وفي مثل هذه الصورة المشرقة من صور الوفاء والغيرة على حمى الإسلام ما روي أن الحجاج بن يوسف الثقفي غضب على واليه في السند غضبا
_________________
(١) انظر في هذا البداية والنهاية لابن كثير (١٠/ ٢٨٦ - ٢٨٨) أحداث سنة (٢٢٣) وانظر تاريخ الأمم والملوك للطبري (١٠/ ٣٣٢) وانظر موسوعة التاريخ الإسلامي (٣/ ٢٦٢ - ٢٦٦).
(٢) انظر ديوان أبي تمام (١٤ - ١٨).
[ ١ / ٣٢٦ ]
شديدا وذلك بسبب امرأة أسرت من المسلمين وأدخلت إلى بلاد السند فجهز الجيوش المتواصلة، وأنفق بيوت الأموال حتى استنقذ المرأة وردها إلى أهلها ومدينتها (١).
هذه حال المسلمين في عهدهم الزاهر عهد الجسد الواحد إذا اعتدى على طرف منه تقلص الجسم وارتعش وانتفض انتفاضة تدمر الأعداء، ولكن شتان بين الأمس واليوم، وأين الثرى من الثريا؟ إن ملايين المسلمين اليوم من الرجال والنساء والأطفال يصرخون ليل نهار، في مشارق الأرض ومغاربها وشمالها وجنوبها ووسطها، يصرخون وينادون بلسان الحال والمقال وامعتصماه، ولكن هيهات هيهات لا مجيب. يقول الشاعر عمر أبو ريشة:
أمتي كم غصة دامية خنقت نجوى علاك في فمي
تسمعي نوح الحزانى وتطربي وتنظري دمع اليتامى وتبسمي
رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم
لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم (٢)
لقد أصبح معظم المسلمين اليوم كالسائمة من بهيمة الأنعام التي يذبح الجزار من طرفها وتفقد كل يوم فردًا من أفرادها، ومع ذلك فهي تأكل بكل طمأنينة وتجتر، وتعطي الدر بسخاء لمن يحد السكين لنحرها، لقد أصبح الكفار في هذا العصر أكثر موالاة مع بعضم من المسلمين مع بعضهم وهذا ليس من قبيل التشهير بل هو الواقع فعلا، فإذا اعتدي على يهودي أو نصراني أو شيوعي قامت قيامة العالم كله، أما عندما يكون الضحية من المسلمين فإننا نرى التجاهل المفرط من المسلمين وأعداء الإسلام على حد سواء، وكدليل على ما نقول نسوق بعض الأحداث المشهورة للعبرة
_________________
(١) انظر تاريخ الأمم والملوك للطبري (١٠/ ٣٥٢) أحداث سنة ٢٢٤.
(٢) انظر مجلة الدعوة السعودية عدد (٨١٥) الاثنين (٣/ ١١/ ١٤٠١) (٣٠، ٣١).
[ ١ / ٣٢٧ ]
والذكرى فعندما قتل قادة الثورة الإيرانية أحد التجار اليهود قامت قائمة إسرائيل واليهود في أمريكا وروسيا وأوروبا وحاصروا إيران محاصرة اقتصادية وإعلامية وعسكرية، وعندما قبضت الحكومة الإيرانية على خمسين فردا من الصليبيين واليهود لديها قامت الدنيا كلها فما من صحيفة تصدر أو مجلة أو نشرة أخبار في إذاعة أو تلفاز في كل صباح ومساء في العالم كله، إلا وتذكر عنهم كلاما مستفيضا وجدلا كلاميا وآخر ما دار بشأنهم ولم يكتف الصليبيون واليهود بذلك بل حركوا شركاءهم وعملاءهم في داخل إيران وخارجها كي يطوقوا تلك الثورة ويقضوا عليها في مهدها.
وعندما قتل مزارع أبيض من النصارى البريطانيين في روسيا قامت بريطانيا في كل نشرة من أخبارها، تذكر الملابسات والمحاكمات والتقارير الإخبارية عن ذلك (١) وفي بولندا دعت نقابة العمال الحرة إلى إضراب في العاصمة البولندية، في أكثر من ثلاثين دائرة عمل وذلك بسبب احتجاز السلطة الحكومية، أحد عمال الطباعة لديها حيث إن هذا العامل عضو في هذه المنظمة (٢).
فهل يكون الكفار أوفى لأهل ملتهم منا نحن المسلمين؟
هذا هو حاصل فعلا في واقعنا الحاضر، وحتى نكون موضوعيين في هذا نسوق حادثة واحدة من مئات الحوادث التي تبين مدى ظلم المسلمين بعضهم لبعض، وعدم موالاة بعضهم لبعض، على المستوى الرسمي، والمستوى الشعبي، وذلك أنه حدث في يوم الجمعة ٢٧/ ٦/ ١٩٨٠م، وفي الساعة التاسعة صباحا توجهت اثنتا عشرة طائرة هليوكبتر تابعة لسرايا الدفاع بقيادة المجرم الطاغية رفعت الأسد فنزلت في مطار حماة ثم انتقلت إلى سجن تدمر الصحراوي حيث المعتقل الكبير لخيرة المسلمين
_________________
(١) إذاعة لندن صباح يوم الأربعاء ٢٠/ ١٢/ ١٤٠٠ هـ الساعة السابعة زوالي.
(٢) إذاعة لندن صباح يوم الثلاثاء ٢٦/ ١٢/ ١٤٠٠ هـ الساعة السابعة زوالي.
[ ١ / ٣٢٨ ]
العاملين المجاهدين وأخرجوهم خارج السجن بطريقتهم الخاصة ثم أطلقوا عليهم النار فاستشهدوا جميعًا، وقال الذين شهدوا العملية: إن عددهم ما بين الثمان مائة والألف، من خيرة أهل الإسلام، ثم دفنوا في الصحراء التي قتلوا فيها بواسطة جرافتين كبيرتين (١) إن هذا الخبر الذي يدمي القلب ويبكي العين ويحزن النفس لم نسمع عنه في وسائل الإعلام التي تدعي الإسلام، ولا وسائل الإعلام العالمية التي تدعي المحافظة على حقوق الإنسان أي تعليق أو بيان، في الوقت الذي تتحدث فيه هذه الوسائل عن أخبار القطط والكلاب والفئران، وهذا يؤكد لنا أن الإعلام في العالم كله كأنه يعمل تحت إدارة واحدة، تهدف إلى طمس معالم الإسلام وإخفاء قضاياه وتجاهل حقوقه وحقوق أهله.
إن هؤلاء الذين استشهدوا تحت وطأة الحكم النصيري الكافر، لو كانوا من أهل الفن الماجن المصاب بجنون الشهوة الجنسية أو كانوا ممن يحلون عقولهم في أقدامهم من أصحاب الكرة الذين تتقاذفهم مخططات اليهود والنصارى كما يتقاذفون الكرة بينهم، لبكت عليهم وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة بدلا من الدموع دمًا، ولأجمعت وسائل الإعلام كلها في بلاد الإسلام وخارجها على تأبينهم بما يصك الآذان ويذهل الأسماع ولترك سماسرة اليهود والنصارى في المنظمات الدولية والمنظمات الخاصة إلى إصدار بيانات الاستنكار والاحتجاج أما عندما يكون القتلى من المسلمين المخلصين بأيدي الشيوعية في أفغانستان، أو على يد الصليبي ماركس في الفلبين أو بأيدي عبدة البقر في الهند، أو على يد الطاغية المجرم النصيري في سوريا فإن العالم كله يلتزم الصمت نحو تلك الأحداث الدامية ويتجاهلها لأن الضحية في ذلك هم أهل الإسلام.
بل لقد ابتكرت وسائل الإعلام الغربية المعادية للإسلام مصطلحات
_________________
(١) انظر مجلة النذير العدد التاسع عشر الاثنين ١٨/ ٨/ ١٤٠٠ هـ دمشق (١٦).
[ ١ / ٣٢٩ ]
إعلامية تطلقها على أهل الإيمان والإسلام، لقصد تعمية المسلمين في العالم عما يصيب إخوانهم في مشارق الأرض ومغاربها من تصفيات جسدية وتعذيب وحشي فهي تصف المسلمين الغيورين على الإسلام بأنهم يمينيون متطرفون، وفي هذا إدخال للمسلمين في عداد النصارى، ومحاولة صبغهم بصيغة العمالة للغرب وتارة تصفهم بأنهم مسلمون متعصبون أو متطرفون وفي هذا تضليل للسامع بأن هؤلاء يستحقون ما يلقون من قتل وتعذيب لأنهم ليسوا مسلمين معتدلين، ولو سألنا هؤلاء أو سألنا عملاءهم في البلاد الإسلامية عن المسلم المعتدل في مفهوم هؤلاء لوجدناه المسلم الذي لا يعرف من الإسلام إلا اسمه، ولا يختلف عن اليهود والنصارى في شيء سوى تسمية بالإسلام وانتسابه إليه اسما لا حقيقة، فهذا هو المسلم المعتدل في مفهوم أعداء الإسلام.
وبناء على ذلك فإن المسلم المعتدل في نظر أعداء الإسلام غير مسلم في مفهوم الإسلام الصحيح، لأن الإسلام الذي يرضى عنه أعداء الإسلام ليس إسلاما حقيقيا قال تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) [البقرة: ١٢٠] ..
ولذلك يجب على المسلم أن لا يصدق أبواق اليهود والنصارى ومن يدور في فلكهم في إطلاق المفاهيم والأوصاف على العاملين للإسلام، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) [الحجرات: ٦] بل يجب أن يسمَّى المسلمون بما يسمون به أنفسهم، لا بمسميات أعداء الإسلام لهم، فإن أعداء الإسلام يكيدون للإسلام والمسلمين بالقول والفعل وهذا الأمر ليس غريبا منهم، ولكن الغريب في ذلك أن يصدق أقوالهم وأفعالهم بعض من ينتسب إلى الإسلام فلا حول ولا قوة إلا بالله.
[ ١ / ٣٣٠ ]