وتحت ذلك فصلان:
الفصل الأول: الموالاة والمعاداة لأهل الأهواء.
الفصل الثاني: الموالاة والمعاداة للفرق التي تدعي الإسلام.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
الفصل الأول: الموالاة والمعاداة لأهل الأهواء
وتحت هذا الفصل خمسة مباحث:
المبحث الأول: موالاة العصاة ومعاداتهم.
المبحث الثاني: موالاة المنافقين ومعاداتهم.
المبحث الثالث: موالاة المرتدين ومعاداتهم.
المبحث الرابع: موالاة الخارجين على السلطة ومعاداتهم.
المبحث الخامس: موالاة السلطة ومعاداتها.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
المبحث الأول: موالاة أهل العصيان والفسوق ومعاداتهم
الأصل في منهج الإسلام أن لا يعطي الإنسان ولاءه التام إلا لمن يسير على الصراط المستقيم، من أهل الإيمان قال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (١). فمن سلك الطريق المستقيم في قوله وفعله واعتقاده وجب شرعًا موالاته قولًا وعملًا بدليل قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (٢).
وحرمت معاداته بالقول والفعل والاعتقاد قال تعالى: (وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (٣).
_________________
(١) سورة الأنعام آية (١٥٣).
(٢) سورة المائدة آية (٥٥، ٥٦).
(٣) سورة الحشر آية (١٠).
[ ٢ / ٤٥٧ ]
أما من انحرف عن الإسلام انحرافًا يوجب الكفر والخروج عن الإسلام فهذا يعادي معاداة الكافرين المحاربين لله ورسوله والمؤمنين؛ لأنه مرتد، سواء كانت ردته قولية أو فعلية أو اعتقادية.
وإن كان الانحراف عن الإسلام لا يوجب كفر المنحرف وإنما يستحق أن يوصف بانحرافه بالفسق والعصيان، فإن واجب المسلم أن ينظر إلى مقدار ما مع الشخص أو الجماعة من خير وشر، فإن رجح الخير على الشر، رجحت محبته ومودته على بغضه وعداوته، وإن كان العكس رجح جانب البغض والعداوة على جانب المحبة والمودة، وإن تساوى ما فيه من خير وشر تساوى حبه وبغضه، وخلاصة ذلك أن الإنسان يُوالي على قدر ما معه من الحق ويُعادي على قدر ما معه من الباطل، بشرط أن لا يكون ذلك خاضعًا لأغراض شخصية ومنافع خاصة، وإنما يجب أن يتخذ هذا الموقف من منطلق الحب في الله والبغض في الله مجردًا عن أي اعتبارات مادية أخرى، وإن كان هناك عوامل تزيد الموالاة وتقويها مثل القرابة في النسب والجوار، والعمل ولكنها تابعة للولاءة في الله لا متبوعة، وطريقة التعامل مع من لم يظهر إلا الطاعة، أو لم يظهر إلا الكفر والفجور واضحة لا غبار عليها، وإنما الذي يشكل على بعض الناس إذا خلط الإنسان بين الطاعات والمعاصي وجمع الشخص الواحد أو الجماعة بين المتضادات والمتناقضات فكيف يعامل؟ وكيف يجمع له بين الموالاة والمعاداة!
والجواب: أنه مهما اجتمع في شخص واحد خصال تحب بعضها وتكره البعض الآخر، فإن هذه الخصال لا بد أن تتفاوت في الخير والشر، حسب أهميتها وكثرتها، فمن ترك الواجبات ما يكون كفرًا صريحًا، ومنها ما يكون كبيرة من كبائر الذنوب، ومنها ما هو من صغائر الذنوب، وفعل المحرمات بهذا الترتيب كذلك، فلكل مرتبة حقُها من الموالاة والمعاداة، فالمسلم تحبه لإسلامه، ثم يزاد الحب ويقوى كل ما يزداد تمسكه وعطاؤه للإسلام والمسلمين، وتبغضه لمعصيته وتزداد العداوة كل ما زاد في عصيانه
[ ٢ / ٤٥٨ ]
وضلاله، فتحبه على قدر ما معه من خير وتبغضه على قدر ما معه من شر وهذا مقتضى العدل، أن يُنَزَّل كلُ شخص منزلة ما معه من خير أو شر
- حسب ظاهر حاله، ونحن كبشر، نخطئ في تقدير هذه المنزلة تقديرًا دقيقًا في تعاملنا مع الناس، ولكننا مأمورون بالاجتهاد في ذلك، حسب القدرة والطاقة، قال تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا) (١)، وعلى هذا يجب أن يجتهد المسلم في تعامله مع الناس، بإعطاء كل صاحب منزلة ما يستحق من حب وبغض، بلا إفراط ولا تفريط، فمن غلبت عليه الطاعة أو غلبت عليه المعصية، أو اجتمع فيه شيء من الطاعة والمعصية، عامل كلًا بحسب حاله، بأن يعطي كل صفة حظها من الحب والبغض في الله وما يترتب على ذلك من إقبال وصحبة، وإعراض وقطيعة، وسائر الأفعال المرتبة على الحب والبغض في الله، ومثال ذلك من كان له زوجة حسناء أو ولد ذكي، ولكنهما فاسقان بسبب ارتكابهما بعض صغائر الذنوب، فإنه يحبهما من وجه ويبغضهما من وجه آخر، ويكون معهما على حالة بين حالتين من الحب والبغض، وكذلك لو كان لرجل ثلاثة أولاد، الأول ذكي صالح بار، والثاني فاسق بليد عاق، والثالث ذكي عاق، فإنه يجعل نفسه معهم على ثلاثة أحوال متفاوتة بحسب تفاوت خصالهم (٢).
فالحب والبغض للناس عامة وللمسلمين خاصة، يجب أن يكون بحسب ما فيهم من خصال الخير والشر، فإن العبد يجتمع فيه سبب الولاية، وسبب العداوة، والحب والبغض، فيكون محبوبًا من وجه مبغوضًا من وجه آخر، والحكم في ذلك للغالب منهما (٣).
_________________
(١) سورة التغابن آية (١٦).
(٢) انظر فضيلة الألفة والأخوة / مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات برقم (١٦٠٥) الورقة من (٨ - ٩) المؤلف غير معروف - كتبت حوالي نهاية القرن التاسع الهجري.
(٣) انظر شرح الطحاوية ص ٣١٨.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
فإن قال قائل: كيف يمكن إظهار البغض للفساق الذين يجمعون بين صفات حسنة وأخرى سيئة؟
والجواب: كم يظهر لي أن إظهار البغض لهؤلاء ليست له قاعدة مطردة: بل الأمر يختلف باختلاف الأشخاص الواقعين في المعصية، وباختلاف المعاصي، وباختلاف الأشخاص المظهرين للبغض كذلك.
فهذه المسألة شبيهة بمسألة المريض والمرض والطبيب فالمرض شيء موجود، ولكن لكل مرض علاج وعلاج المرض الواحد يختلف باختلاف المرضى، وباختلاف الأطباء فتكون المسألة مسألة اجتهادية في حدود السياسة الشرعية، ولكن إذا اقتضى الأمر إظهار البغض فإن إظهاره تارة يكون بالقول، وتارة بالفعل، وتارة بهما جميعًا.
فأما إظهار البغض بالقول فيكون بكف اللسان عن مكالمته ومحادثته مدة، أو بالاستخفاف به والتغليظ له في القول تارة أخرى، وأما إظهار البغض بالفعل، فبقطع السعي في إعانته مرة، وبالسعي في إساءته وإفساد مآربه مرة أخرى، ويكون تارة بإظهار الأعمال الصالحة التي تغيضه، وتنغص عليه حياته المتعفنة، وهذه الأمور بعضها أشد من بعض، ولكن يجب ربط هذه الأمور بشيء واحد، وهو أن الإنسان ينوي بهذه الأعمال، والأقوال إظهار البغض في الله، مع محاولة إشعار الطرف الثاني بأن التعامل معه على هذا الأساس إنما هو من منطلق المعاداة في الله، لا لمصالح ذاتية عاجلة ولا لأغراض شخصية، فلعل إظهار البغض بهذه الصفة يحقق الأغراض التأديبية المطلوبة في ذلك وإن كان الطرف الآخر قد يصور العداوة والبغض في الله، بأنهما عداوة شخصية، إما جهلًا، وإما تضليلًا وعنادًا، ولكن لا يضير ذلك المسلم الواثق في سلامة قصده وإخلاص ضميره لله، فإن كل إنسان يفسر تعامل الناس معه على حسب غايته وهواه، ولكن العدل هو تنزيل الإنسان حسب منزلته في القرب أو البعد عن الإسلام.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
يقول سليمان بن سحمان:
فحق لذي فضل مراعاة فضله بقدر الذي قد يستحق به الأجل
يوالي على هذا وترعى حقوقه وكل على مقدار فضله قد حصل
ويبغض من وجه على هفواته وزلاته والسيئات من العضل
يراعي الذي قد كان أصلح للفتى وأنفع للدنيا وللدين والعلل
يعادى على هذا بمقدار ذنبه ويرحمه بالزجر عنها لينفتل
فليس يواليهم لأجل حظوظهم ولكن لأجل الله قصدًا إذا فعل
وليس يعاديهم لذلك أو لم يكن لمكنون النفوس من الدغل (١).
وإظهار العداوة، فيما تقدم إنما يكون مع الأشخاص الذين أظهروا المعصية ولم يندموا عليها.
أما من أظهر الندامة، وأقلع عن المعصية فالأولى أن نصفح عنه ونستره، ولا نظهر له العداوة، هذا بحال من اجتمعت فيه أفعال الطاعة وأفعال المعصية، فيوالى على قدر طاعته ويبغض على قدر معصيته.
وهذا المنهج ضروري للإنسان في تعامله مع الناس، حيث إن
_________________
(١) انظر ديوان عقود الجواهر المنضدة الحسان/ سليمان بن سحمان ص ١٤٧.
[ ٢ / ٤٦١ ]
الإنسان بفطرته ميال إلى الاجتماع والاختلاط مع بني جنسه ولا يستغني عن التعامل مع تقيهم وفاجرهم وهذا أمر لا حرج فيه ولا إثم (١).
وإنما الإثم في المخالطة العشواء التي لا يبالي فيها الإنسان بمن يخالط أو يصاحب، فلا يحب تقيًا ولا يعادي شقيًا.
فالواجب على المسلم أن يستصحب أحكام الإسلام في مثل هذه الأحوال، فمن يفهم الإسلام بأنه مجرد شعائر تعبدية لا دخل له في تقييم الناس وتقييم التعامل معهم يكون مخطئًا في فهمه ناقصًا في إدراكه لمفهوم الإسلام الصحيح الذي يحكم حياة الإنسان وحركته من المهد إلى اللحد. إن هناك كثيرًا من الناس ليس لديهم منطلق مستمد من عقيدة الإسلام في مخالطة الناس ومعاملتهم، فهم لا يبالون بمن يخالطون أو يتعاملون معهم سواء كانوا مؤمنين أو عصاة، أو كافرين، وهذا مخالف لأمر الله ﷿ في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) (٢)، وقوله تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (٣)، وقوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ) (٤).
ففضول المخالطة داء عضال، فكم سلبت المخالطة العشواء من نعمة وكم جلبت من نقمة.
وكم زرعت من عداوة، وكم غرست في القلب من مرارة ولا يسلم من ضرر المخالطة وغوائلها المميتة إلا من جعل الناس في المخالطة أربعة أقسام:
_________________
(١) انظر مقدمة ابن خلدون ص (٤٢ - ٤٣) (ط - دار إحياء التراث العربي).
(٢) الممتحنة آية (١).
(٣) سورة القلم آية (٣٥، ٣٦).
(٤) سورة السجدة آية (١٨).
[ ٢ / ٤٦٢ ]
الأول: من يجعل مخالطته لهم بمنزلة غذائه، فلا يستغني عنهم في اليوم والليلة، بل يشعر بالحاجة لهم على الدوام، ويشتاق إلى رؤيتهم وحديثهم، اشتياق العطشان إلى الماء الزلال.
وهؤلاء هم العلماء العاملون، والفتية المؤمنون الملتزمون بالإسلام قولًا وفعلًا فقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال في الحث على طلب أهل الخير في الصحبة والصداقة: (عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم، فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء، وضع أمر أخيك على أحسنه، حتى يجيئك ما يغلبك منه، واعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين في القوم، ولا أمين إلا من يخشى الله، ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا تطلعه على سرك فيخونك، واستشر في أمرك الذين يخشون الله) (١). اهـ.
وقال بعض العلماء: لا تصحب إلا أحد رجلين رجل تتعلم منه شيئًا من أمر دينك فينفعك، أو رجل تعلمه شيئًا من الدين فيقبل منك، والثالث فاهرب منه (٢).
الثاني: من تكون مخالطة الإنسان لهم، كالدواء يستعمله وقت الحاجة عند المرض، فإذا شُفِيَ تركه، وهؤلاء هم الذين لا يستغنى عنهم في مصلحة معاشه، وتأمين ما يحتاج إليه من أنواع المعاملات، فهو يلتقي معهم بمفهوم وتصور معين ويتجرع مرارتهم كما يتجرع مرارة الدواء لحاجته إلى ذلك.
الثالث: من تكون مخالطتهم كمخالطة أهل الأمراض المعدية على اختلاف أنواعها قوة وضعفا، وهؤلاء هم العصاة والفساق الذين لا يستفيد منهم في دين ولا دنيا، فمخالطتهم داء وبلاء يجب على من ينشد الحيطة
_________________
(١) انظر فضيلة الألفة والأخوة/ مخطوطة بقسم المخطوطات بجامعة الرياض برقم (١٦٠٥) الورقة (٣٥) المؤلف غير معروف، وانظر حياة الصحابة (جـ ٣ ص ٥٠٢).
(٢) المصدر السابق من المخطوطة الورقة (٣٦).
[ ٢ / ٤٦٣ ]
والحذر لنفسه الابتعاد عنهم إلا لغرض دعوة، ونية إصلاح، فهذا أمر مخصص من ذلك العموم.
الرابع: من مخالطتهم مهلكة وزيغ وإلحاد وكفر وضلال، وهؤلاء هم دعاة السوء ونواب الشيطان في الدعوة إلى الضلال والانحراف الداعون لكل بدعة الصادون عن كل فضيلة، فهؤلاء لا يكتفي الإنسان بالعزلة عنهم وعدم مخالطتهم بل الواجب السعي بكل وسيلة للقضاء عليهم وتحطيمهم، قبل أن يحطموا قوة الإسلام والمسلمين (١).
والدعوة إلى الله في هذه الأقسام -والثلاثة الأخيرة منها خاصة- واجب شرعي تقتضيه أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومباشرة ذلك تحتاج إلى الحكمة والموعظة الحسنة قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (٢) فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا بد أن يعرف أسلوب الدعوة مع الأشخاص كل حسب علمه وفهمه، ولا بد أيضًا أن يقدم في الدعوة الأصلح على الصالح، فلا يحمل على إنسان لا يؤدي السنن، وهو لا يؤدي الواجبات، ولا بد كذلك من ملاحظة ما يترتب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مفاسد قد تكون أكثر مما يراد تحقيقه من مصالح فلا بد من دفع أعظم الضررين بأيسرهما والداعية يجب أن يتحلى بالسكينة والوقار وإظهار الحرص والعطف على ما يأمره أو ينهاه، وأن يثبت ويتحرى اليقين فيما يأمر به وينهى عنه فإن في ذلك خيرًا كثيرًا.
والمخالفون للطريق المستقيم يمكن تقسيمهم إلى الأقسام الآتية:
١ - المخالفون باعتقادهم وأفعالهم وهؤلاء هم الكفار.
_________________
(١) انظر في هذا المعنى الدرر السنية جـ ١١ص ٩٤.
(٢) سورة النحل آية (١٢٥).
[ ٢ / ٤٦٤ ]
٢ - المخالفون في اعتقادهم دون أفعالهم، وهؤلاء هم أهل البدع والاعتقادية مثل فرق أهل الكلام ونحوهم، ويدخل في عداد هؤلاء أهل النفاق.
٣ - المخالفون في أفعالهم دون اعتقادهم وهؤلاء ينقسمون إلى قسمين:
أ- من تكون أفعالهم مكفرة لمن يفعلها فهؤلاء كفار وإن اعتقدوا الإسلام.
ب- من تكون أفعالهم لا توجب كفر فاعليها وهؤلاء هم عصاة المسلمين وفساقهم، ولكل من هؤلاء أسلوب في التعامل معه من حيث الموالاة والمعاداة.
وسوف نقتصر في هذا المبحث على تناول أهل البدع الذين لا يكفرون ببدعتهم، وكذلك تناول العصاة والفساق من المسلمين، أما من يخالف مخالفة توجب الكفر فسوف نتناول ذلك بإذن الله تعالى في المباحث التالية بعد هذا الموضوع.
وبناء على ذلك فإن موالاة ومعاداة أهل البدع والمعاصي تكون على النحو التالي:
أولا: المبتدعون.
والمبتدعون في اعتقادهم ينقسمون إلى قسمين:
١ - مبتدع يدعو إلى بدعته.
٢ - مبتدع مقلد غير قادر على الدعوة إلى بدعته الاعتقادية.
فالمبتدع الذي يدعو إلى بدعته ينظر إلى نوع البدعة، فإن كانت البدعة من النوع الذي يكفر فيها مبتدعها فأمره أشد من الكافر الأصلي الذي يمكن إقراره على الكفر في عقد الذمة أو العهد معه أما هذا المبتدع بدعة مكفرة فإنه لا يقر على كفره فهو مرتد حيث لا يقبل منه جزية ولا عقد ذمة.
أما إن كانت مما لا يكفر فيها فأمره أخف من أمر الكافر لا محالة، ولكن
[ ٢ / ٤٦٥ ]
يجب الإنكار عليه أشد من الإنكار على الكافرين؛ لأن شر الكافر غير متعد لمعرفة الناس بكفره، وهذا شره متعد إلى غيره من المسلمين؛ لأنه يدعي لنفسه الإسلام والاستقامة على الحق، فينخدع به بعض المسلمين، ولهذا يجب إظهار وإشهار بغضه وعداوته، والانقطاع عنه، وتحقيره والتشنيع عليه ببدعته، وتنفير الناس عنه وعن فعله بأعظم ما يكون.
وإن سلم في خلوة، فلا بأس برد جوابه، وإن تيقن أو غلب على ظنه، أن الإعراض عنه والسكوت عن جوابه يكسر على نفسه بدعته، ويؤثر في زجره، فترك الجواب أولى؛ لأن الجواب وإن كان واجبًا، فيسقط بأدنى غرض مثل كون الإنسان في الحمام، أو في قضاء الحاجة، وغرض الزجر مثل هذه الأغراض (١). أما إن كان في ملأ من الناس فترك الجواب أولى تنفيرًا للناس عنه وتقبيحًا لبدعته في أعينهم وكذلك كف الإحسان والإعانة عنه، لا سيما فيما يظهر للخلق (٢).
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب (﵀): «وأرى هجر أهل المعاصي والبدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر، وأكل سرائرهم إلى الله» (٣). اهـ.
ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف (٤)، والشيخ عبد الله بن عبد
_________________
(١) انظر فضيلة الألفة والأخوة مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات برقم (١٦٠٥) على ميكروفيلم (٥٥٦/ ٦) الورقة (٢٩ - ٣٠).
(٢) المصدر السابق المكان نفسه.
(٣) انظر الدر السنية جـ ١ ص ٣٠.
(٤) هو الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب من علماء نجد ولد بالرياض سنة (١٢٨٢هـ - ١٨٦٦م) وتفقه بها ورحل إلى عمان وقطر، ثم اليمن، ثم عين بعد ذلك قاضيًا بشقراء ثم نقل إلى قضاء الرياض وتوفي بها سنة (١٣٦٧هـ) من آثاره، كتاب الدعوة إلى حقيقة الدين. انظر مشاهير علماء نجد ص ١١٧ وانظر معجم المؤلفين عمر رضا كحاله جـ ١٠ ص ١٩٣.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
العزيز العنقري (١) (رحمهما الله) في رسالة مشتركة بينهما: «إن المجاهر بالمعاصي يشرع هجره إذا كان في هجره مصلحة راجحة، ولم يترتب على ذلك مفسدة أعظم من تلك المفسدة التي حصل الهجر بسببها، وذلك حسب غلبة الظن في ذلك؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» (٢).
أما المبتدع المقلد وهو العامي لا يقدر على الدعوة إلى بدعته ويحث الناس عليها، فالأولى أن لا يفاتح بالتغليظ والإهانة بل يتلطف به في النصح فإن قلوب العوام والمقلدين سريعًا ما تنقلب إلى الصواب، إذا وجدت من يعالجها بحكمة وبصيرة، فإن لم ينفع النصح وكان في الإعراض عنه تقبيحًا لبدعته في عينه وعين أمثاله فالأولى فعل ذلك، وكذلك لو علم أن الإعراض عنه لا يؤثر فيه لجمود طبعه وتحجر عقله، وخبث طويته، فإن الإعراض أولى؛ لأن البدعة إذا لم يبالغ في تقبيحها شاعت بين الخلق وعم فسادها (٣).
ثانيًا: العصاة أو الفساق:
العاصي أو الفاسق هما لفظان مترادفان لمعنى واحد (٤).
والعصاة المخالفون ببعض أفعالهم لما يوجبه دين الإسلام فهؤلاء لا يخلو أمرهم من شيئين.
١ - أن تكون معاصيهم مما يتأذى بها الغير مباشرة، مثل الظلم والغصب وشهادة الزور والغيبة والنميمة ونحو ذلك.
٢ - أن لا تكون مما يتأذى بها الغير مباشرة، وذلك مثل الفسق بشرب خمر
_________________
(١) انظر ترجمته ص ١٥ من هذه الرسالة.
(٢) الدرر السنية جـ ٧ ص ٢٩٦.
(٣) انظر فضيلة الألفة والأخوة / مخطوطة بجامعة الرياض برقم (١٦٠٥)، على ميكروفيلم (٥٥٦/ ٦) الورقة (٢٩ - ٣٠) المؤلف غير معروف كتبت بالقرن التاسع الهجري تقريبًا.
(٤) انظر المعجم الوسيط جـ ٢ ص ٦١٢، ٦٩٥.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
أو نحوه من المخدرات، والمفترات، أو مخالفة سنة كحلق لحية أو إسبال ثوب أو تختم بذهب ونحو ذلك، فهذه المعاصي قد لا يتأثر بها الغير مباشرة ولكن يجب عليه أن ينكر على فاعلها بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا يرضى بها أو يرضى عن صاحبها وهو متلبس بها؛ لأن إحن المعاصي تجر المحن على الجميع وقد قال الله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) (١)، والعاصي أو الفاسق، إذا عصي بشيء يخصه أو يتعدى إلى غيره، فهو إما أن يكون داعيًا إلى المعصية والفسوق كالذي يبيع الخمر للناس، أو يزين الفاحشة في أعين الناس كي يوقعهم فيها، فهذا أشد إثمًا وأعظم جرمًا وأكثر خطرًا من الفاسق الذي يقتصر فسقه على نفسه بأن يفعل مثل هذه الأمور. ويتستر على ذلك فقد ورد في الحديث المتفق على صحته أن النبي - ﷺ - يقول: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عليه» (٢).
وهذه المعاصي التي يرتكبها العصاة، أما أن تكون كبيرة من كبائر الذنوب، أو من صغائر الذنوب وأدناها، وفي كل واحدةٍ من تلك الذنوب الكبيرة أو الصغيرة، إما أن يكون مصرًا عليها، وإما أن يكون غير مصر عليها فمن هذه التقسيمات يتحصل لدينا ثلاثة أقسام رئيسة ولكل منها مرتبة تختلف عن غيرها (٣).
القسم الأول: إن من أشد المعاصي إضرارًا ما يستضر به الناس من ظلم وغصب، وشهادة زور، وغش، وتطفيف ونحو ذلك.
_________________
(١) سورة الأنفال آية (٢٥).
(٢) انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين جـ ١ ص ٢٥٥ (باب ستر عورات المسلمين) رقم الحديث (٢٤٣).
(٣) فضيلة الألفة والأخوة (مخطوطة - الورقة) (٣٠) جامعة الرياض برقم (١٦٠٥).
[ ٢ / ٤٦٨ ]
فهؤلاء مع ما يلزم عليهم من عقوبة تعزيرية تقوم بها الدولة المسلمة نحوهم يجب أيضًا على المجتمع، أن يقاطعهم، وينبذ مخالطتهم ويظهر عدم الود والاستئناس لهم، ما لم يتوبوا إلى الله توبة صادقة في أقوالهم وأفعالهم؛ لأن المعصية شديدة فيما يرجع إلى إيذاء الخلق، فالله ﷿ قد يعفو عما بينه وبين العبد ولكن ما بين العبد والناس لا بد فيه من القصاص والجزاء، والمستحب مع من يفعل ذلك أن ينصحه ويعظه بالتي هي أحسن، فإن رأى منه تجاوبًا وتقبلًا أحسن مصاحبته وأدام مودته، أما إن رآه باقيًا على فسقه وعصيانه استحب له إهانته والإعراض عنه، وإظهار بغضه وعداوته.
القسم الثاني: من معصيته بينه وبين ربه وهي المعاصي التي لا يكون أثرها مباشرًا على الغير، كصاحب الماخور (١) الذي يهيئ الفساد ويسهل طريقه على الناس فهذا لا يؤذي الناس في العرف الخاطئ عند البعض؛ لأن الناس يأتون إليه برضاهم، ولكنه في الحقيقة يؤذيهم في دينهم وفي دنياهم على حد سواء وربما كان سببا في حلول نقمة أو عذاب عليهم، فهو قريب من الأول ولكنه أخف منه من حيث إن المعصية بين العبد وبين الله وهي إلى العفو أقرب والأمر في ذلك مرجعه إلى الله ﷿ إن شاء عفا وإن شاء عاقب، وهذا النوع من المعاصي إن ظهرت وجب أولًا استيفاء الحد الشرعي أو التعزير على فاعل المعصية، ثم نصحه ليقلع عن تلك المعصية، فإن استمر على ذلك وجب الإنكار عليه، ومن الإنكار عليه الإعراض عنه ومقاطعته، وترك السلام عليه، أو إجابته إذا ظن أن في ذلك نوعًا من الزجر له، أو لغيره.
القسم الثالث: الذي فسقه مقصور على نفسه، بشرب خمر، أو
_________________
(١) بيت الريبة، ومجمع الفساق والعصاة، انظر المعجم الوسيط جـ ٢ ص ٨٦٣.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
ترك واجب أو مقارفة محظور يخصه، فالأمر في ذلك أخف من سابقيه، ولكن إن وافقه شخص قبل الوقوع في المنكر وجب عليه منعه من المنكر، بما يمنع به عادة من هو في مثل حالته، ولو بالضرب أو السخرية والاستخفاف به، فإن النهي عن المنكر واجب، حسب القدرة والاستطاعة (١)، فإن لم يعلم بالمنكر إلا بعد وقوعه، والفراغ منه، نصحه فيما بينه وبين نفسه، وتلطف في نصحه، وأظهر له الشفقة والعطف والرحمة به، فإن رجع عن عصيانه، فهذا ما يقصده الأخ لأخيه، وإن رأى أنه مستمر في معصيته، نظر إلى حاله، فإن كان الهجر لا يزداد به المهجور سوءًا، فإن هجره مستحب، وإن كان الهجر والمقاطعة يجره إلى معصية فوق معصيته، فإن هجره منهي عنه (٢).
وقد اختلف العلماء في مسألة الهجر والمقاطعة، ومسألة المداراة والملاطفة، وما هي القاعدة والمعيار في ذلك، والصحيح والله أعلم أن كل ذلك متعلق بالنية والقصد عملًا بالحديث الصحيح: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» الفرق والنظر بعين الرحمة إلى الخلق نوع من التواضع، وفي العنف والإعراض نوع من الزجر، والمستفتى في ذلك هو القلب، إذ قد يكون الزجر والتأنيب عن كبر وعجب، ونوع من التلذذ بإظهار العلو والإذلال بدعوى الإصلاح، وقد يكون الرفق والتلطف ناتجين عن مداهنة ومصانعة، واستمالة قلب للوصول به إلى غرض من أغراض الدنيا، من مال أو جاه أو شهوة، فعلى كل راغب في أعمال الخير من حب في الله وبغض في الله، أن يجتهد مع نفسه في التفتيش عن هذه الدقائق، ومراقبة هذه الأحوال في سويداء القلب وأعماق النفس، حيث إن مسألة التعامل مع العصاة تشبه إلى حد بعيد مسألة
_________________
(١) فضيلة الألفة والأخوة (مخطوطة) الورقة (٣١)، وانظر رسالة في الجهاد للشيخ / عبد الرحمن بن حماد آل عمر ص ٢٢.
(٢) انظر رسالة في الجهاد / للشيخ عبد الرحمن بن حماد آل عمر ص ٢٢.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
المريض والطبيب والعلاج، فهي مسألة اجتهادية تحدد حسبما تقتضيه السياسة الشرعية لمصلحة الدعوة إلى الله (١).
فطرق السلف الصالح قد اختلفت في إظهار البغض مع أهل المعاصي وإن كان كلهم قد اتفقوا على أن العاصي إذا نصح فلم يرجع ولم يتب عن معصيته وجب بغضه ووجب إظهار البغض له، ما لم يخش ترتب مفسدة أعظم من تلك المفسدة الحاصلة التي يريد أن يبغضه عليها.
فقد كان من العلماء من يتشدد في الإنكار، ويختار المهاجرة ولو كان سبب الهجر شيئًا يسيرًا ولكنه إذا صدر ممن يُقْتَدى بهم صار كبيرًا، فقد هجر الإمام أحمد ﵀ يحيى بن معين في قوله: «كل ولا تسأل أحدًا شيئًا، ولو حمل الشيطان إلي شيئًا لأخذته منه» (٢)، فاستعظم الإمام أحمد هذه المقالة وهجر صاحبها فدل ذلك على أن بغض أهل المعاصي أمر واجب شرعًا وقد تقدمت أدلة متواترة على ذلك ولا بأس أن نشير إلى بعض تلك الأدلة أو غيرها من الكتاب والسنة، فمن الكتاب قوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) (٣) وفي الحديث: «من أحب الله، وأبغض لله وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» (٤).
فالبغض إنما ينتج عن المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وهذا البغض يتخذ مراتب متفاوتة، فقد يقوى في نفس صاحبه حتى يحمله على تغيير المخالفة باليد، فإن قل عن ذلك كان التغيير بالكلام أو بترك
_________________
(١) انظر فضيلة الألفة والأخوة (مخطوطة) الورقة (٣٢)، وانظر الدرر السنية جـ ٧ ص ٤٠، ٤١.
(٢) انظر فضيلة الألفة والأخوة الورقة (٢٧).
(٣) سورة المجادلة آية (٢٢).
(٤) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني جـ ١ ص ١١٢ رقم الحديث (٣٨٠).
[ ٢ / ٤٧١ ]
الكلام والسلام، وقد يضعف فيكون محبوسًا في داخل القلب وذلك أضعف الإيمان ومن الأمثلة العملية على هجران أهل المعاصي ما ورد في قصة كعب بن مالك ومن معه ﵃ فقد روي عن كعب أنه قال: «ونهى رسول الله - ﷺ - المسلمين عن كلامنا، وذكر خمسين ليلة» (١).
وقد رُوي في الأثر عن عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ: «لا تسلموا على شراب الخمر» (٢)، فإن قال قائل: كيف الجمع بين ترك السلام والكلام في الحديث المتقدم وبين حديث: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالي يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (٣) فالجواب:
١ - أن الهجر المنهي عنه قد يحمل على الهجر الذي يكون سببه البغض من أجل مصالح دنيوية لا من أجل معصية شرعية بحتة.
٢ - أن أحاديث جواز الهجر قد خصَّصَت عموم الأمر بإفشاء السلام كما هو مذهب الجمهور (٤).
٣ - أن الحديث الذي قيد الهجر بثلاث ليال فقط حمله بعض العلماء على ما إذا كان بغير موجب لذلك أو كان الموجب لا يتحمل ذلك، وإلا فإن الرسول - ﷺ - هجر الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك خمسين يومًا وهجر أزواجه شهرًا وبعضهن أقل من ذلك وبعضهن أكثر. وعلى هذا فليس تحديد المدة شرطًا معينًا نظرًا لاختلاف العصاة والمعاصي التي يكون الهجر بسببها، وقد يعترض أحد على ذلك فيقول: لماذا العاصي أو
_________________
(١) انظر فتح الباري ج ١٠ ص ٤٩٧.
(٢) انظر فتح الباري ج ١١ ص ٤١.
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ج ١٦ ص ١١٧ (باب تحريم الهجر فوق ثلاث).
(٤) فتح الباري ج ١١ ص ٤١.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
الفاسق أو المبتدع مشروع هجره ولا يشرع هجر الكافر ابتداء، وهو أشد جرمًا من أهل المعاصي؟
والجواب: أن الهجران على نوعين: هجران يكون بالقلب، وهجران يكون باللسان، فهجران الكافر بالقلب وهو هجران بغض وعداوة، بترك التودد إليه والتعاون والتناصر معه، ولا سيما إذا كان حربيًا، ولم يشرع هجرانه بالكلام لعدم ارتداعه بذلك عن كفره، وإن كان لا يستحب بدؤهم بالسلام، بخلاف العاصي المسلم، فإنه ينزجر ويشعر بالخطيئة والخجل، عند مقاطعته وهجرانه، ويشترك كل من الكافر والعاصي بجواز المكالمة لغرض الدعوة إلى الله والتزام طاعته، وإنما المنهي عنه في حقهما المكالمة بالموادة مع المعصية والكفر وتمسكهما في ذلك (١).
ومفهوم كلام السلف أن موالاة أهل البدع ضلالة لا تخرج عن الإسلام، ولكنهم شددوا في ذلك وحذروا منها لأمرين:
الأمر الأول: أن البدعة في الدين عند جمهور العلماء أعظم من ارتكاب الكبيرة من كبائر الذنوب، لذلك يعاملون أهلها أعظم مما يعامل به مرتكب الكبيرة، وذلك لأن البدعة يخشى من انتشارها واستمرار أهلها عليها، بخلاف الذنب الذي يرتكبه صاحبه وهو يعلم خطأه وتعديه ويعلم الناس أنه خلاف الصواب، ولذلك فإن دعاة البدع وسماسرة المعاصي، ولو كانوا ممن يتقمصون ثياب العلم ويتظاهرون بالزهد والصلاح، يجب أن يشد أهل الحق الوطأة عليهم؛ لأن هؤلاء يغتر بعض العامة بهم، فيقودونهم إلى الهاوية والعذاب السحيق.
الأمر الثاني: أن موالاة أهل البدع والمعاصي قد تجر إلى أكبر من ذلك حيث تؤدي بأصحابها في نهاية الأمر إلى الردة والكفر أعاذنا الله من ذلك، فكثير من الناس بدءوا، مع أهل المعاصي ببعض أنواع الموالاة ثم
_________________
(١) المصدر السابق ج ١٠ ص ٤٩٧.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
انتهى بهم الأمر إلى التوالي الكامل للكفار، فخرجوا بذلك عن دائرة الإسلام والمسلمين؛ لأن مخالطة الكفار والاستئناس بهم بلا وعي صحيح ولا عقيدة راسخة تؤول إلى المشابهة والمماثلة لهم في الأقوال والأفعال مما ينتج عن ذلك محبة لهم ولأفعالهم وأقوالهم؛ لأن المحبوب له تأثير على من يحبه، حتى يصل الأمر إلى محاكاتهم في كل شيء بغض النظر عن كون ذلك حرامًا أو مباحًا وهذه صفة من صفات الردة الكاملة التي يحل فيها سبي الأموال وقتل الأنفس وأما موالاة العصاة والمبتدعة للبدع التي لا تخرج عن الإسلام، فهي فتنة وضلالة وانحراف، لا يحل معها سبي الأموال وقتل الأنفس؛ لأن صاحبها لا يزال معصوم الدم والمال ما لم يستبح لنفسه فعل المعصية أو البدعة، فإن من استباح فعل المعاصي والبدع التي اتفق علماء الإسلام على تحريمها بموجب الكتاب والسنة فهو كافر مرتد (١).
وقد روي عن سفيان الثوري ﵀ أنه قال: (من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث:
١ - إما أن يكون فتنة لغيره بالجلوس معه، وقد ورد في الحديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (٢).
٢ - أن يقع في قلبه شيء من الاستحسان فيزل به فيدخله الله النار بسبب ذلك.
٣ - أن يقول: والله ما أبالي بما تكلموا وإني واثق من نفسي فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه الله إياه) (٣).
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي ج ٦ ص ١٩٠.
(٢) رواه مسلم، انظر صحيح مسلم ج ٤ ص ٢٠٥٩ (كتاب العلم).
(٣) انظر العقيدة والآداب الإسلامية للشيخ محمد بن عبد الوهاب ج ١ ص ٣١٧.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
قال أبو قلابة (لا تجالسوا أهل البدع، والأهواء، ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون) (١).
وقد روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (٢)، وللحديث الصحيح «أنت مع من أحببت» (٣).
وطريقة إظهار البغض لأهل المعاصي إذا اقتضى الأمر ذلك تكون في الإعراض والتباعد عنهم، وتارة بقلة الاهتمام بهم وعدم الالتفات إليهم وأخرى بالاستخفاف بهم وتغليظ القول عليهم، وهذا أشد من الإعراض والمقاطعة، وفي جميع الأحوال يكون الأمر بحسب غلظة المعصية وخفتها. ولذلك فالمعاداة لأهل المعاصي بالفعل لها طريقان:
الأول: قطع المعونة والرفق والنصرة لهم، وذلك أقل درجات البغض لأهل المعاصي، إذا رأى أن هذا هو الأسلوب الأجدى معهم.
الثاني: السعي الجاد لإفساد مراميهم ومقاصدهم السيئة بقطع الطريق عليهم وخاصة فيما يفسد عليهم طريق الوصول إلى المعصية وذلك مثل لو كان هناك إنسان يستغل وظيفته لأخذ الرشوة نظرًا لارتباط عمله بالجمهور ومصالحهم فيمكن نقله إلى وظيفة تفقده ذلك بعد تعزيره على ما ارتكب كأن ينقل إلى وظيفة حفظ الملفات والصور المنتهية، أما ما لا يؤثر في منعه من المعصية بصورة مباشرة، فإن المبغض للعاصي بالخيار بين الإفساد عليه، أو عدم ذلك ومثال ذلك، لو أن شخصًا يعصي الله بشرب الخمر ثم تقدم لخطبة امرأة، لو تيسر له نكاحها لكان مغبوطًا فيها، لما فيها من عفة
_________________
(١) المصدر السابق ص ٣١٨.
(٢) يقول الشيخ ناصر الدين الألباني: هذا الحديث ضعيف ولكن ليس شديد الضعف، فيصلح للاستشهاد به، فالحديث به حسن. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ج ٢ ص ٦٣٣ رقم الحديث (٩٢٧).
(٣) رواه مسلم، انظر صحيح مسلم ج ٤ ص ٢٠٣٢.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
وجمال ومال، وأنت ترى أنك قادر على التأثير في هذا الموضوع بالموافقة أو عدمها، ولكنك تظن متيقنًا أيضًا أن ذلك لا يؤثر في منعه من المعصية بشرب الخمر فأيهما أولى أن تعينه لينال مقصوده، أم تفسد عليه غرضه ومقصوده.
إن الإنسان في مثل هذه الحالة أمامه ثلاثة طرق:
الطريق الأول: أن يعينه على مقصوده بنية التلطف بإعانته، وإظهار الشفقة عليه، ليعتقد مؤدتك، ويتقبل نصحك فهذا حسن ومطلوب من المسلم في بعض الأحوال.
الطريق الثاني: أن لا تعينه ولا تفسد عليه، فتتركه لمعصيته، ولا تفسد عليه لحق إسلامه، فذلك ليس بممنوع.
الطريق الثالث: أن تفسد عليه غرضه وتفوت عليه تلك الفرصة، وذلك لعله يرجع عن معصيته فيدرك أن هذه المعصية حرمته من هذا الأمر الذي يتطلع إليه بشوق واهتمام، وليعلم هو وغيره أن هذا هو الواجب مع من يستهينون بالمحرمات ويرتكبون السيئات، ثم ليعلم الناس أن الموالاة في الله والمعاداة في الله يجب أن تحكم العلاقات بينهم. وأن ذلك من أصول الإيمان وواجباته على كل مسلم (١).
هذا إذا كانت المعصية فيما يتعلق بحق الله، أو حقوق الآخرين أما إن كانت المعصية والجناية تتعلق بحقك الشخصي أيها الإنسان أو بحق من لك الولاية عليه، فإن لك العفو والمسامحة عن ذلك في مثل ما حصل في قوله تعالى: (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ
_________________
(١) انظر فضيلة الألفة والأخوة الورقة (٢٦، ٢٧) قسم المخطوطات جامعة الرياض برقم (١٦٠٥) على ميكروفيلم برقم (٥٥٦/ ٦) المؤلف غير معروف كتبت في القرن التاسع الهجري تقريبًا.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١) وذلك حين تكلم مسطح بن أثاثة في قصة الإفك، فحلف أبو بكر ﵁ أن يقطع عنه النفقة لمشاركته في نشر تلك القصة التي لا أساس لها من الصحة، ولكن الله ﷿ عرض على أبي بكر العفو والصفح مقابل مغفرة الله فأجاب أبو بكر ﵁ واستمر على ما كان يدفعه إلى مسطح بن أثاثِة ولا شك أن المعصية التعرض لحرم رسول الله - ﷺ - ولمكانة أبي بكر ﵁ خاصة من أقرب الناس إليه حيث كان مسطح ابن خالة أبي بكر، ولكن لما كان المجني عليه في نفسه بتلك الواقعة قد ثبت له الحق في ذلك، فهو يملك العفو عمن ظلم، والإحسان إلى من أساء، وهذه من أخلاق الصديقين، لذلك عفا عنه وأحسن إليه أبو بكر ﵁ وهذا يدل على أن الإحسان إلى من ظلمك أيها الإنسان جائز، فقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» (٢)، وهذا في غير مسألة الحد الشرعي، أما مسألة الحدود فقد اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال:
أولًا: منع العفو عنها مطلقًا سواء من المجني عليه أو من الرئيس الأعلى للدولة (٣).
ثانيًا: جواز العفو عنها ما لم تبلغ الحاكم (٤).
ثالثًا: جواز العفو مطلقًا (٥).
وفي رأيي أن القول يجوز العفو ما لم تبلغ الحاكم هو القول الراجح
_________________
(١) سورة النور (٢٢).
(٢) رواه مسلم في البر والصلة (باب استحباب العفو والصلة ج ٤/ ٢٠٠١).
(٣) انظر التشريع الجنائي الإسلامي / عبد القادر عودة م ١ ص ٨١.
(٤) انظر فتح الباري ج ١٢ ص ٨٧ - ٩٦، وانظر بداية المجتهد / محمد بن أحمد القرطبي م ٢ ص ٤٥٢ - ٤٥٤.
(٥) المصدرين السابقين نفس المكان.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
خاصة في الاعتداء على المال أو النفس دون العرض ما لم تثبت البراءة الشرعية.
ومقتضى الأحوال في هذه الأمور المتقدمة، أن يكون حب العصاة وأصحاب البدع الذين لا تصل بدعتهم إلى حد الكفر، مكروهًا، وبغضهم من المندوبات في الشرع، ولا يصل الأمر في كلتا الحالتين إلى التحريم أو الوجوب، حيث إن الداخل تحت التكليف في الوجوب أو التحريم هو أصل المحبة في الله، وأصل البغض في الله، وذلك قد لا يتعدى من المحبوب إلى غيره، بنفس القوة والحكم، وإنما المتعدي إفراط الحب واستيلاؤه بصفة غير شرعية، كغلو النصارى في عيسى، ومثل اللغو في الصالحين فهذا من قبيل التعدي والإفراط المذموم في الحب، فالمسلم يجب أن يكون واسطًا في ذلك وملتزمًا بالإسلام، فلا يغلو في باب الحب المشروع حتى يقع في الشرك كما حصل من البوصيري في قوله:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم (١)
ولا يكون من الذين قال الله فيهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ) (٢) فترتيب المحبة هي أن يحب الله ﷿ قبل كل شيء ثم يحب الرسول محمدًا ثم بقية الرسل ثم الخلفاء الراشدين ثم الصحابة أجمعين ثم التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فمحبة عموم المؤمنين واجبة كما أوضحنا ذلك في مبحث متقدم (٣) أما محبة أفراد المؤمنين فهي مستحبة غير واجبة في أعيانهم، وكذلك بغض العصاة والفاسقين فإنه واجب على جهة العموم، أما الأفراد الفاسقون أو العاصون
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد ص ٣١٦.
(٢) سورة البقرة آية (١٦٥).
(٣) انظر (١٤١ - ١٥١) من هذه الرسالة.
[ ٢ / ٤٧٨ ]
فإن بغضهم وهجرهم مستحب وليس بواجب حيث إن الذين وقعوا في بعض المعاصي في زمن الرسول - ﷺ - ما كانوا يهجرون بالكلية ويبغضهم جميع الناس، بل كان الناس منقسمين فيهم إلى ثلاثة أقسام:
١ - فقسم يغلظ القول عليهم ويظهر البغض لهم.
٢ - وقسم يعرض عنهم، ولا يتعرض لهم إلا بالنصح والتذكير أحيانًا.
٣ - وقسم ينظر إليهم بعين العطف والرحمة، ولا يؤثر المقاطعة والتباعد عنهم، إما طلبًا لإصلاحهم ونصحهم، أو خوفًا من زيادة انحرافهم وضلالهم، فهذه من دقائق الأحكام الشرعية التي تختلف فيها طرق السالكين، واجتهادات المجتهدين ويكون فيها عمل كل واحد بحسب ما تقتضيه حاله ووقته ونيته (١).
وعلى هذا لا يجب وجوبًا مطلقًا قطع الموالاة بين الفساق والعصاة من المسلمين وبين بقية المسلمين كما هو الشأن مع الكفار الخارجين على الإسلام (٢).
والله هو العالم والهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) انظر فضيلة الألفة والأخوة مخطوطة بقسم المخطوطات بجامعة الرياض برقم (١٦٠٥) على ميكروفيلم برقم (٥٥٦/ ٦) المؤلف غير معروف كتبت في القرن التاسع الهجري تقريبًا.
(٢) انظر الفتاوى/ ابن تيمية ج ٧ ص ٦٧١.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
المبحث الثاني: موالاة المنافقين ومعاداتهم
إنه منذ أن بعث الله نبينا محمدًا - ﷺ - وأعزه بالهجرة والنصر صار الناس معه ثلاثة أقسام:
أ- قسم مؤمن مجاهد وهم الذين آمنوا بالإسلام ظاهرًا وباطنًا.
ب- قسم كافرٌ معاند محارب وهم الذين أظهروا الكفر والعداوة للإسلام.
ج- قسم نافق وداهن وتملق، وهم الذين آمنوا بالإسلام ظاهرًا لا باطنًا ونجد هذا التقسيم في الآيات الأولى من سورة البقرة حيث افتتح الله ﷿ سورة البقرة بخمس آيات في صفات المؤمنين، وآيتين في صفات الكافرين، وثلاثة عشرة آية في صفات المنافقين، وكل واحد من هذه الأقسام الثلاثة له دعائم وشعب. كما وضح ذلك الكتاب والسنة.
والنفاق يمكن تقسيمه إلى قسمين: نفاق أكبر، ونفاق أصغر.
القسم الأول: النفاق الأكبر وهو ما يكون صاحبه في الدرك الأسفل
[ ٢ / ٤٨٠ ]
من النار كنفاق عبد الله بن أبي بن سلول وغيره من أتباعه في كل زمان ومكان، وهم الذين يضمرون تكذيب الرسول - ﷺ -، أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه في كل ما أنزل عليه، أو أنهم يرون أنه يسعهم الخروج عن بعض ما أنزل الله على رسوله، أو الفرح بهزيمة المسلمين، والمسرة بانخفاض دين الإسلام، والكراهية عند انتصار الإسلام والمسلمين، وهذا النوع كان موجودًا في زمن الرسول - ﷺ - وما زال يزداد يومًا بعد يوم حتى عصرنا الحاضر، فإذا كان النفاق موجودًا في هذه الدعوة في أوج قوتها فما ظنك في وقتنا الحاضر الذي ظهر فيه أثر ضعف الإيمان في النفوس، وابتعادها عن منهج الحق والصواب (١).
القسم الثاني: النفاق الأصغر: فهو نفاق يقتصر على بعض الأعمال مثل أن يكذب إذا حدث ويخلف إذا وعد، ويخون إذا أؤتمن قال رسول الله - ﷺ - «أية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان» متفق عليه. وفي رواية: «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم» (٢).
ونحن لا نريد أن ندخل في تفاصيل صفات المنافقين وأوصافهم لأن ذلك مما هو معلوم لدى معظم الناس، ولأنه يخرج بنا عن نطاق الموالاة والمعاداة، ولكن نحاول تحديد طبيعة العلاقة بين المؤمنين والمنافقين في الموالاة والمعاداة من واقع كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وفعل الصحابة –رضوان الله عليهم– فلو تتبعنا ذلك لرأينا أن المنافقين داخلون في عموم المسلمين غير متميزين عنهم سوى ببعض الأقوال والأفعال التي قد يشترك فيها معهم بعض المؤمنين عن طريق الخطأ والاجتهاد، ولكن الأمر يختلف بالنسبة لكل منهما تبعًا لاختلاف النية والقصد، ولما كانت النيات والمقاصد من الأمور
_________________
(١) انظر الدرر السنية ج١ ص١٠٨.
(٢) رواه البخاري ومسلم انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين ج١ ص٢٢٢ رقم الحديث (٢٠١، ٦٨٩).
[ ٢ / ٤٨١ ]
الخفية التي لا يطلع عليها إلا الله أو من أطلعه الله على ذلك من رسله فإن الأمر بالنسبة إلينا في تعيين المنافق من سواه أمر ظني لا يرقى إلى درجة اليقين، لانقطاع الوحي بعد وفاة رسول الله - ﷺ - فنخشى على من تشبث بصفة من صفات المنافقين أن يكون منهم، ولا نجزم لأحد بذلك لأنه لا يعلم السرائر إلا الله ﷿، ومن أظهر علامات النفاق أو بعضها، كرجوع عن المؤمنين في حربهم مع الكفار وخذلانهم عند اجتماع العدو، وكقول بعض المنافقين لو نعلم أن قتالكم حق لاتبعناكم، ومثل التجاء بعض المنافقين إلى الأقوى، سواء كانوا المسلمين أم الكفار، ومدح المشركين في بعض الأحيان وتفضيل أخلاقهم وأعمالهم المنافية للإسلام، وموالاتهم من دون المؤمنين، فهذه العلامات وأمثالها من علامات النفاق وصفات المنافقين يجوز إطلاق النفاق على من اتصف بها من المسلمين، بشرط أن لا يحمله على ذلك هوى في نفسه أو عصبية جاهلية، أو شحناء في أمور دنيوية، أو خلاف على مصالح مادية، أو يبغضه لكونه، يخالفه في بعض الأمور التي لا يزال الناس فيها مختلفين، فليحذر الإنسان أشد الحذر عن إطلاق صفة الكفر أو النفاق، على مدعي الإسلام، إلا بعد البينة فقد ورد عن النبي - ﷺ - «من دعا رجلًا بالكفر أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه» (١) وحيث إن النفاق وصف من أوصاف الكفر بل قد يكون من أشد أنواع الكفر فلا يجوز للمسلم أن يتساهل في إطلاق هذا الوصف على أناس لا يعلم حقيقتهم إلا الله، وقد تكون القرائن التي استند إليها في ذلك ظنية الدلالة على الوصف المقصود.
أما إذا دل الدليل الثابت على صفة النفاق في شخص – ما – فإنه يجوز إطلاق وصف النفاق عليه كما فعل عوف بن مالك (﵁) للمنافق
_________________
(١) رواه البخاري. انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين ج٢ ص١١٨٠ رقم الحديث (١٧٣٥).
[ ٢ / ٤٨٢ ]
الذي تكلم بحق الرسول - ﷺ - وصحابته الكرام: فقال له كذبت ولكنك منافق، وكذلك في قصة عمر (﵁) مع حاطب بن أبي بلتعة (﵁) عندما قال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق وفي رواية دعني أضرب عنقه فإنه منافق، وقال حذيفة (﵁) إن الرجل وليتلكم بالكلمة في عهد رسول الله - ﷺ - فيكون بها منافقًا (١) وينبغي أن يُعْرَف أنه لا تلازم بين إطلاق النفاق عليه ظاهرًا وبين كونه منافقًا في الباطن، فإذا فعل علامات النفاق جاز تسميته منافقًا لمن أراد أن يسميه بذلك، وإن لم يكن منافقًا في واقع الأمر، لأن القلوب لا يعلمها إلا الله ولأن بعض صفات المنافقين قد يفعلها الإنسان مخطئًا كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة (﵁) فقال له عمر ما قال ولم ينكر عليه رسول الله - ﷺ - ذلك بل أنكر عليه موضوع القتل دون وصفه بالنفاق مع أنه (﵁) لم يكن منافقًا (٢). وقد وقف المنافقون في عهد الرسول - ﷺ - مواقف كثيرة تبين فيها نفاقهم وانكشف فيها حقدهم وذلك مثل ما حصل من عبد الله بن أبي بن سلول في غزوة بني المصطلق عندما تخاصم غلام من المهاجرين والأنصار وكذلك تسلل المنافقين في غزوة الأحزاب بحجة أن بيوتهم عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارًا (٣). وفي هذه المواقف وغيرها لم يكن الرسول - ﷺ - ولا صحابته الكرام يتخذون موقفًا عدائيًا من هؤلاء المنافقين بل نجد صفة التسامح والصفح عن هؤلاء المنافقين هي السمة البارزة في التعامل معهم، فعندما طلب عمر بن الخطاب (﵁) الإذن من رسول الله - ﷺ - في قتل عبد الله بن أبي رأس النفاق، رفض النبي - ﷺ - ذلك وقال له: «فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه؟» فقال عمر إن كرهت أن يقتله مهاجري فأمر أنصاريًا بقتله. فلم
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد ص٤٩.
(٢) انظر مجموعة التوحيد ص٤٩، ٥٠.
(٣) انظر غزوة الأحزاب/ محمد أحمد باشميل ص١٠٠ - ١٠٢.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
يوافق النبي - ﷺ - على ذلك. بل رفض هذا الاقتراح أيضًا قائلًا لعمر «ترعد له (إذن) أنف كثيرة بيثرب»، وكان يعني النبي - ﷺ - بقوله هذا لعمر إن قتل عبد الله بن أبي على هذه الصورة قد يكون سببًا في إثارة حرب أهلية بين المسلمين، لأنه كان يتوقع غضب رجال كثيرين من الخزرج لقتل زعيمهم، لا سيما وأن كثيرًا منهم لا يعلمون حقيقة نفاقه (١).
ولا يجوز أن نطلق على من تظهر عليهم علامات النفاق أوصاف التبجيل والتفخيم فقد ورد في الحديث «لا تقولوا للمنافق سيدنا فإنه إن يك سيدكم فقد أسخطتم ربكم ﷿» (٢) وترك استعمال مثل هذه الألفاظ دليل على جواز البغض له لما يظهر عليه من صفات النفاق ولكن هذا البغض لا يصل إلى درجة الإنكار بالوصف إلا إذا ثبت لزوم الصفة للموصوف بها كما حصل من عوف بن مالك للمنافق الذي ذم الرسول - ﷺ - وأصحابه ولا يجوز أن يترتب على عمل المنافق جزاء، إلا إذا عمل المنافق أو المنافقون عملًا يراد به زعزعة الدعوة وإفسادها، مثل بناء المنافقين لمسجد الضرار فإنه لما كان هذا العمل لم يرد به وجه الله وثبت ذلك بطريق الوحي قام الرسول - ﷺ - بهدمه، وإزالته قال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (٣) فإذا فعل المنافقون فعلًا مناهضًا للإسلام وأهله، وثبت الدليل على ذلك وجب تعزيرهم على ذلك بما يحفظ للإسلام والمسلمين عزتهم وكرامتهم، وذلك مثل ما حصل من رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك حيث بلغه أن أناسًا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي، يثبطون الناس
_________________
(١) المصدر السابق ص١٠٣.
(٢) رواه البخاري في الأدب المفرد. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ج١ ص١٠١ رقم الحديث (٣٧١).
(٣) سورة التوبة آية (١٠٧).
[ ٢ / ٤٨٤ ]
عن رسول الله - ﷺ - فبعث إليهم نفرًا من أصحابه فيهم طلحة بن عبيد الله وأمرهم أن يحرقوا هذا البيت على من فيه نظرًا لموقفهم المعادي من الإسلام ورسول الإسلام (١).
وقد هم عمر (﵁) بقتل حاطب بن أبي بلتعة (﵁) وعلل ذلك بأنه منافق، فكان في موقفه ذلك دليل على أن المنافق إذا ثبت نفاقه بمخادعة المؤمنين والتجسس عليهم جاز شرعًا قتله، وقد منع الرسول - ﷺ - عمر من قتل حاطب بذكر أسباب تنفي عنه صفة النفاق (٢).
وتلك الأحكام تطبق إذا وجدت الدولة الإسلامية التي تضرب على أيدي الكفار والمرتدين والمنافقين بيد من حديد، أما إذا حكم المنافقون وسادوا فمن يحاكمهم سوى الله ﷿؟ وهذا هو الحاصل فعلًا فقد ورد في الصحيحين أن النبي - ﷺ - قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان» متفق عليه. وفي رواية: «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم» (٣) وهذه الثلاث من صفات المنافقين هي مرتكز ومنطلق سياسة معظم الحكام في بلاد الإسلام اليوم فالكذب عبر وسائل الإعلام المتعددة عندهم سياسة والخيانة في قتل الأنفس البريئة، ومحاربة الشريعة المستقيمة، وسرقة الأموال الثمينة عندهم كياسة، والوعود بإصلاح المجتمع من خلال الخطب الرنانة والبيانات المستفيضة فراسة، والحديث يصف من توجد به هذه الصفات أو بعضها بالنفاق مع أنه يصوم ويصلي ويزعم أنه مسلم (٤).
فما رأيك أيها الأخ الكريم بمن يتصف بصفات المنافقين المتقدمين كلها مضافًا إليها ترك الصوم والصلاة، ثم بعد ذلك يدعي لنفسه الإسلام
_________________
(١) انظر البداية والنهاية لابن كثير ج٥ ص٣ - ٤.
(٢) انظر أحكام القرآن لابن العربي ج٤ ص١٧٧١.
(٣) انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين ج١ ص ٢٢٢ رقم الحديث (٢٠١).
(٤) انظر مجموعة التوحيد ص٤٩٨.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
ويزعم عبيده وسدنته أنهم وإياه على الحق والصواب، وهم في واقع حالهم أبعد ما يكونون عن الإسلام والمسلمين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
المبحث الثالث: موالاة المرتدين ومعاداتهم
معنى الردة لغة: الرجوع. واصطلاحًا: رجوع المسلم البالغ العاقل عن الإسلام إلى الكفر، قال تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (١) وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) (٢).
والأصل في معاملة المرتد في الدولة الإسلامية، أن يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل بعد ثبوت البينة على ردته. لقول الرسول - ﷺ -: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة» (٣).
_________________
(١) سورة البقرة آية (٢١٧).
(٢) سورة المائدة آية (٥٤).
(٣) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج٣ ص١٣٠٢.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
ولحديث «من بدل دينه فاقتلوه» (١). قال الشوكاني (٢): «إن الردة موجب من موجبات القتل للمرتد بأي نوع من أنواع الكفر حصلت الردة» (٣). اهـ.
والمراد بمفارقة الجماعة، مفارقة جماعة المسلمين، الذين يلتزمون بالإسلام اعتقادًا وقولًا وفعلًا.
والارتداد الجماعي هو أن تفارق الإسلام جماعة في بلد من البلدان كما حدث على عهد الخليفة الأول أبو بكر (﵁) وكما هو حاصل في عصرنا الحاضر في معظم بلاد المسلمين فحكم هؤلاء القتل كما فعل أبو بكر (﵁) إلا من رجع منهم إلى الحق قبلت توبته، وقد اختلف الفقهاء، هل تصير دار المرتدين دار حرب بحصول الردة من معظم السكان فيها، أم أن هناك شروطًا لإطلاق دار الحرب على دار المرتدين.
والذي عليه جمهور الشافعية وأحمد ومالك بن أنس وأبو يوسف أن دار المرتدين تصير دار حرب، متى ارتد أهلها، وغلبوا عليها، وقال مالك تصير دار حرب بظهور أحكام الكفر فيها (٤). اهـ.
وهذا هو الشرط الرئيسي عند الفقهاء (٥).
_________________
(١) رواه البخاري. انظر فتح الباري ج٦ ص١٤٩.
(٢) هو محمد بن علي بن محمد الشوكاني، ولد بهجرة شوكان من بلاد خولان في ٢٨ ذي القعدة سنة (١١٧٣هـ) ونشأ بصنعاء، وولي القضاء فيها فهو مفسر، محدث، فقيه، أصولي، مؤرخ، أديب، نحوي، منطقي، متكلم، حكيم، توفي بصنعاء في جمادي الآخرة، ودفن بخزيمة في سنة (١٢٥٠هـ) من تصانيفه الكثيرة: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، الفوائد المجموعة في فن الأحاديث الموضوعة، والدر النضيد في إخلاص التوحيد وله شعر جيد. انظر معجم المؤلفين عمر رضا كحاله ج١١ ص٥٣. وانظر مقدمة فتح القدير.
(٣) انظر نيل الأوطار للشوكاني ج٨ ص٤.
(٤) انظر أحكام المرتد في الشريعة الإسلامية/ نعمان السامرائي ص١٧٠.
(٥) المصدر السابق نفس المكان.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
ولم يتطرق الفقهاء إلى معاملة المرتدين في جوانب كثيرة، مثل الاستعانة بهم أو مصاحبتهم، أو صلتهم، أو التعامل معهم، لأنه أساسًا كان يجب أن لا يعيش بين المسلمين مرتد، فإما الإسلام، وإما الموت، ولذلك لا نستطيع أن نوجد صيغة في التعامل مع أناس كان يجب أن لا يعيشوا بدار المسلمين أصلًا فلا يمكن إيجاد حل صحيح لأوضاع قائمة على خطأ من أساسها ولذلك فالحل الوحيد مع هؤلاء المرتدين الذين انتشروا في أجزاء كثيرة من بلاد الإسلام هو الدعوة الجادة إلى الإسلام فمن تاب منهم قبلناه، ومن عاند واستمر في كفره قتلناه، وطهرنا الأرض منه، حيث إن المرتدين يجب أن يؤخذوا بالقوة والحزم، فعملية الترغيب قد لا تجدي معهم شيئًا، ولأنهم قامت عليهم الحجة بدخولهم ومعرفتهم لشرائع الإسلام، وقد انعقد إجماع الصحابة (﵃) في حربهم، حيث إن إقرارهم لأبي بكر (﵁) في حربهم حجة في ذلك. فقد روى الإسماعيلي عن عمر بن الخطاب (﵁) قال لما قُبِضَ رسول الله - ﷺ - ارتد من ارتد من العرب، وقالوا نصلي ولا نزكي، فأتيت أبا بكر (﵁) فقلت: يا خليفة رسول اللهّ تألف الناس وارفق بهم فإنهم بمنزلة الوحوش. فقال: أخرت نصرتك وجئتني بخذلانك، جبار في الجاهلية خوار في الإسلام ماذا خشيت أن أتألفهم؟ بشعر مفتعل أم بسحر مفترى، هيهات! هيهات! مضى النبي - ﷺ - وانقطع الوحي، والله لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدي وإن منعوني عقالًا، كانوا يؤدونه لرسول الله - ﷺ - لحاربتهم عليه. قال عمر (﵁) فوجدته في ذلك أمضى مني وأعزم وأدب الناس على أمور هانت على كثير من مؤنتهم حين وليتهم (١).
والمتتبع لأحوال معظم المسلمين في ديار الإسلام يجد أن هناك مرتدين كثيرًا في معظم البلاد الإسلامية يتمتعون بالحماية والرعاية والعناية من قبل حكومات كافرة مرتدة، وفي مثل هذه الحال لا يستطيع المسلم أن
_________________
(١) انظر كنز العمال ج٣ ص٣٠٠.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
يتصرف تصرفًا مباشرًا مع هؤلاء كما يجب أن يتصرف معهم من منطلق الإسلام، لأن هؤلاء يقعون ضمن مشكلة كبرى وهي غياب دولة الخلافة الإسلامية التي تحكم بالإسلام وتنفذ أحكامه كلها، ولكن من الأمور التي يجب على المسلم اتباعها في حق هؤلاء بعد نصحهم وإرشادهم، أن يعاديهم ويبغضهم، وينفر الناس عنهم، وعن مذهبهم، وأن لا يزوج المرتد إن كان رجلًا، ولا يتزوج المرأة المرتدة وأن يمنع المرتد من الولاية على مسلم أو مسلمة مهما كانت درجة القرابة بينهما إن استطاع إلى ذلك سبيلا.
يقول السرخسي (١) الحنفي: «وإذا ارتد المسلم بانت منه زوجته مسلمة كانت أو كتابية، دخل بها أو لم يدخل» (٢). اهـ.
وقال الإمام الشافعي (﵀): «إن كان المسلم الذي ارتد إلى الكفر لم يدخل بالمرأة بطل العقد، وإن كان قد دخل بها فإن انقطاع النكاح متوقف على ثلاث حيضات من تاريخ الردة فإن رجع إلى الإسلام قبل انقضاء الثلاث حيضات فالعقد باقٍ وإن لم يرجع بانت منه المرأ» (٣). اهـ.
وقال الأحناف بأن توبة المرتد، وإسلامه بعد الردة لا ترفع الفرقة بين الزوجين، وإن كانا في العدة لأن الفرقة وقعت بالردة، فلا ترتفع بإسلامه (٤). وقال الفقهاء: إذا ارتد الرجل أو المرأة عن الإسلام ثم تزوج فلا يصح زواجه عند سائر الفقهاء، لأنه لا ملة له، فالزواج باطل، فلا يصح لرجل مرتد أن يتزوج مسلمة، ولا كافرة ولا مرتدة، قال بذلك الأحناف والشافعية والحنابلة، والمالكية، والإمامية (٥). كما أنه ليس للمرتد أن يزوج
_________________
(١) هو محمد بن أحمد بن أبي بكر السرخسي (شمس الأئمة) متكلم. فقيه، أصولي، مناظر، من طبقة المجتهدين في المسائل الشرعية – توفي سنة (٤٩٠هـ - ١٠٩٧م) من آثاره: المبسوط في الفقه الحنفي. انظر معجم المؤلفين عمر رضا كحاله ج٨ ص٢٣٩.
(٢) انظر المبسوط للسرخسي ج٥ ص٤٩.
(٣) انظر بدائع الصنائع للكاساني ج٧ ص١٣٦.
(٤) انظر أحكام المرتد في الشريعة الإسلامية/ نعمان السامرائي ص٢٦٧.
(٥) المصدر السابق ص٢٦٨ – ٢٦٩.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
ابنته أو امرأة هو وليها قبل الردة لقصور ولايته بعد الردة قال بهذا الإمام الشافعي وقال به الحنابلة والحنفية والإمامية (١).
وعلى هذا فمن ينتمي إلى الشيوعية فهو مرتد وإن كان يدعي الإسلام لأن الشيوعية مبدأ الحادي ينكر وجود الله ويكذب بالكتب والرسل وبجميع ما ورد عن الخالق من حيث نشأة الكون والحياة والإنسان ومن حيث البعث والنشور والجنة والنار (٢).
وقد ورد إلى الأزهر سؤال لأحد المواطنين بهذا الخصوص فأحاله إلى لجنة الفتوى بالأزهر. والسؤال هو كما يلي: ما رأي الإسلام في قضية شاب يعتنق الشيوعية ويصر عليها وتقدم لخطبة فتاة مسلمة، والشاب نفسه يحمل اسمًا إسلاميًا، ومن أسرة مسلمة فهل يجوز من وجهة نظر الإسلام أن يتم هذا الزواج؟ أفيدونا وفقكم الله؟
فقالت لجنة الفتوى: «إن الشيوعية مذهب مادي لا يؤمن بالله ولا برسوله، وينكر الأديان كلها ويعتبرها خرافة». فالشيوعي الذي يؤمن بتلك المبادئ الإلحادية يحكم عليه بالردة إن كان مسلمًا، ويحرم عقد الزواج له بمسلمة، حيث قد حرم الإسلام زواج المشرك بالمسلمة، فمن باب أولى أن يكون ذلك ممنوعًا لمن لا دين له (٣).
وتارك الصلاة عمدًا حكمه الكفر لقول النبي - ﷺ -: «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة» (٤) وقد سأل رجل من أهل الجنوب فضيلة الشيخ
_________________
(١) المصدر السابق نفس المكان.
(٢) انظر نقد الاشتراكية الماركسية/ غانم عبده ص٦ - ٨ وانظر حكم الإسلام في الاشتراكية/ عبد العزيز البدري ص٤٨ وانظر حوار مع الشيوعيين في أقبية السجون ص٦٠ - ٦٥ تأليف/ عبد الكريم خفاجي.
(٣) انظر جريدة الأهرام المصرية العدد (٢٨٧٣١) في ٩/ ٨/١٩٦٥م. الصفحة الأولى العمود الأول.
(٤) صحيح مسلم ج١ ص٨٨.
[ ٢ / ٤٩١ ]
عبد العزيز بن باز فقال في سؤاله: إن أحد أقربائي لا يصلي وهو رجل كبير في السن وقد نصحته ونصحه كثير من الناس ولكنه متهاون جدًا في الصلاة ولا يصلي إلا نادرًا وأحيانًا لا يصلي إلا في رمضان أو الجمع فقط.
فكيف تكون معاملتي معه؟ وهل أسلم عليه إذا وجدته في مجلس أم أقاطعه؟
فأجاب الشيخ: إن ترك الصلاة عمدًا كفر واستدل بالحديث المتقدم وقال للسائل: إذا استمر قريبك على ترك الصلاة وجب عليك هجره وترك السلام عليه وعدم إجابة دعوته ورفع أمره لولي الأمر ليستتاب فإن تاب وإلا قتل لقوله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) (١) فدل ذلك على أن من لم يقم الصلاة لا يخلى سبيله، والأدلة في هذا كثيرة، نسأل الله للمذكور ولأمثاله الهداية والتوفيق (٢). اهـ.
ويشمل حكم الردة كل من انتسب إلى حزب البعث في سوريا أو في العراق، أو ما تفرع عنهما في بقية البلاد الإسلامية. نظرًا إلى أن هذه الأحزاب خارجة عن عمد وإصرار على حكم الله وحكم رسوله، مبيحة لما حرم الله ومحرمة لما أباح الله في كثير من جوانب أنظمتها (٣). ويكفي أن من شعارها قول قائلها عبر الإذاعة الرسمية:
آمنت بالبعث ربا لا شريك له
وبالعروبة دينًا ما له ثاني (٤)
فهذا القول كفر محض ومن شك في كفر من قال هذا القول فهو كافر
_________________
(١) سورة التوبة آية (٥).
(٢) انظر مجلة الدعوة عدد ٩٦١ في ٢٠ محرم ١٤٠٥ ص٢٧.
(٣) انظر الإخوان المسلمين والمؤامرة على سوريا/ جابر رزق ص٣٧ - ص٨٦ وانظر سقوط الجولان/ خليل مصطفى/ ضابط استخبارات الجولان قبل الحرب ص٣٢ - ٣٣.
(٤) انظر الإخوان المسلمين والمؤامرة على سوريا تأليف جابر رزق ص١١١.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
ومثل حزب البعث حزب القوميين السوريين في لبنان الذي أنشأه الصليبي الحاقد أنطون سعادة، وحزب القوميين العرب الذي أنشأه الصليبي قسطنطين زريق في الجامعة الأمريكية، وهذه الأحزاب كلها أحزاب كفر وضلال والدليل على ذلك أن مؤسسها من الصليبيين الحاقدين على الإسلام ابتداء من ميشيل عفلق مؤسس الأحزاب البعثية إلى مؤسس الأحزاب القومية الذين تقدم ذكرهم.
ومع أن هذه الأحزاب خارجة عن الإسلام فكرًا وواقعًا، فإن المخدوعين من أبناء المسلمين يتهافتون على الانتساب إلى هذه الأحزاب تهافت الفراش على النار، نظرًا لغياب الوعي الإسلامي الصحيح عن مسرح الحياة، مع أن واجب المسلم الحقيقي أن يكون عداؤه لتلك الأحزاب أشد من عداوة اليهود والنصارى وأهل الأوثان.
وقد ورد من بعض الأخوة الباكستانيين سؤال إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز يقول:
«ما حكم الذين يطالبون بتحكيم المبادئ الاشتراكية والشيوعية ويحاربون حكم الإسلام؟ وما حكم الذين يساعدونهم في هذا الطلب، ويذمون من يطالب: حكم الإسلام ويلمزونهم، ويفترون عليهم؟».
وقد أجاب على ذلك بعد أن ذكر عددًا من الأدلة التي سبق ذكرها في مبحث متقدم من هذه الرسالة (١) بقوله:
لقد أجمع العلماء على أن من زعم أن حكم غير الله أحسن من حكم الله، أو أن هدي غير رسول الله - ﷺ - أحسن من هدي الرسول - ﷺ - فهو كافر ضال. كما أجمعوا على أن من زعم أنه يجوز لأحد من الناس الخروج عن شريعة محمد - ﷺ - أو تحكيم غيرها فهو كافر ضال. وإن الذين يدعون إلى
_________________
(١) انظر ص٥٧ وما بعدها من هذه الرسالة.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
الاشتراكية أو الشيوعية أو غيرهما من المذاهب الهدامة المناقضة لحكم الإسلام كفار ضلال أكفر من اليهود والنصارى لأنهم ملاحدة لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر (١). اهـ.
إن اتخاذه هذه الأحزاب لمسميات مناهضة للإسلام لهو دليل ضمني على مفاصلة تلك الأحزاب لحزب الله ومحاربته وجميع المنتمين إليه، ولو كانت هذه الأحزاب متمسكة بالإسلام لوجدت في حزب الله وأهله أعظم شعار ومحتوى يغنيها عن جميع أحزاب الشيطان وعن الانتماء إليها.
فهل يعي المخدوعون، ويستيقظ النائمون، ويرجع المرتدون إلى الإسلام؟ هذا ما نرجوه، والله حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) انظر جريدة المسلمون الدولية السنة الأولى العدد الأول السبت ١٩/ ٥/١٤٠٥هـ. ص١٠.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
المبحث الرابع: موالاة الخارجين عن السلطة ومعاداتهم
مما لا شك فيه أن الناس يختلفون في اجتهاداتهم ونظرتهم وتقديرهم للأشياء، فما يراه إنسان مصلحة قد يراه إنسان آخر مفسدة، وما يعتقده إنسان حقًا يعتقده إنسان آخر باطلًا ولذلك أنزل الله الكتاب وأرسل الرسول وأمر كلًا من الحاكم والمحكوم بالرجوع إلى ذلك قال تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (١). فإذا وجد حاكم مسلم ذو سلطة شرعية وبيعة حقيقية، فلا بد أن يوجد من يخالفه في الرأي ويختلف معه في الاجتهاد، وهذا أمر طبيعي ما لم يصل الأمر إلى العداوة والبغض، أو حمل السلاح بين هيئة الحكومة وبين بعض أفراد الرعية، وفي هذه الحالة يمكن تسمية أحد الطرفين المتنازعين بأنه باغٍ على خصمه، فإن كان الأفراد الذين ينازعون السلطة ويختلفون معها في الرأي، ينفردون عنها بمذهب ابتدعوه، فينظر إلى هذا المذهب، وإلى تلك المخالفة، فإن كان مذهبهم الذين يدعون إليه، ويختلفون مع السلطة عليه، مذهبًا إلحاديًا، يتعارض مع
_________________
(١) سورة النساء آية (٥٩).
[ ٢ / ٤٩٥ ]
أصول الإسلام فهم كفرة خارجون عن طريق الحق والصواب، مرتدون بدعوتهم إلى تلك المذاهب التي ما أنزل الله بها من سلطان، وذلك مثل دعاة الشيوعية في البلاد الإسلامية أو ما تفرع عنها من اشتراكيات مختلفة ويدخل في ذلك أصحاب الأحزاب الكافرة التي تخالف حزب الله جملة وتفصيلًا، فإن كل من خرج على الجماعة المسلمة وسلطانها الشرعي بغير تأويل صحيح وحجة شرعية فهم بغاة إن ادعوا الإسلام وكفار مرتدون إن أعلنوا شعائر الكفر أو أعلنوا موالاتهم للكفار عليها.
وقد حارب أبو بكر (﵁) مانعي الزكاة، واعتبروا لدى الصحابة (﵃) مرتدين، فما ظنك بمن يدعون إلى الشيوعية في ديار الإسلام وهي تنكر وجود الله، ووجود كتبه ورسله، ثم يجد هؤلاء الدعاة عناية ورعاية من بعض السلطات الحاكمة في ديار الإسلام ويتعاون مع هؤلاء كثير من الأفراد على هدم الإسلام وتضليل المسلمين، إنهم ليسوا بغاة فقط بل هم كفار مرتدون محاربون يسعون إلى الوصول إلى السلطة ليفرضوا كفرهم وانحرافهم على كل الناس من مركز القوة.
وما ينطبق على دعاة الشيوعية ينطبق على كل من دعا إلى أحزاب الكفر ومبادئ الضلال مهما اختلفت أسماؤها وتباينت شعاراتها فإن كل من خرج على حزب الله وجماعة المسلمين، فهو كافر مرتد بغض النظر عن دعواه وانتمائه إلى أي لون من ألوان الكفر، فإن الكفر ملة واحدة والخروج أو النزاع على السلطة لا يخرج عن تسع حالات تختلف كل حالة عن سواها تبعًا لاختلاف طرفي النزاع وهي كما يلي:
(أ) (ب)
١ - خروج كافر على كافر. ٤ - خروج فاسق على كافر.
٢ - خروج كافر على فاسق. ٥ - خروج فاسق على فاسق.
٣ - خروج كافر على مؤمن. ٦ - خروج فاسق على مؤمن.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
٧ - خروج مؤمن على كافر. ٨ - خروج مؤمن على فاسق.
٩ - خروج مؤمن على مؤمن.
وتفصيل كل حالة من هذه الحالات يطول بنا ولكن يجب أن ينصر المؤمن على الكافر والفاسق سواء كان المؤمن السابق أو اللاحق إلى السلطة وأن ينصر الفاسق على الكافر كذلك، أما إذا كانوا كلهم كفار فيتركون ينتقم الله من بعضهم ببعض، وإذا كانوا كلهم فساقًا فإن تساووا في درجة الفسق اعتزلهم، وإن كان بعضهم أفضل من بعض والي وانصر الأقرب إلى الشرع (١)، وإن كانوا كلهم مؤمنين، فإن علم أن الحق مع أحدهم على الآخر، وجبت نصرة صاحب الحق، عملًا بقوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) (٢).
وللحديث «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، قالوا: يا رسول الله هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: تأخذ فوق يده» (٣).
وإن جهل من هو صاحب الحق منهما اعتزلهما كما فعل الصحابة (﵃) في النزاع بين علي ومعاوية (﵄) (٤).
فالبغاة كما يظهر من دلالة اللفظ لغة واصطلاحًا هم الظلمة المعتدون على إمامة إمام حق وحاكم عدل، بتأويل مخطئ في الدين أو لطلب الدنيا، وعلى هذا فمن خرج على حاكم غير شرعي وغير عادل في حكمه فليس باغيًا، وقد جزم ابن حزم (٥) بأن من دعا إلى أمر بمعروف أو نهى عن
_________________
(١) انظر الأحكام السلطانية – للقاضي أبي يعلى الحنبلي ص٣٨ - ٣٩.
(٢) سورة الحجرات آية (٩).
(٣) رواه البخاري، انظر فتح الباري ج٥ ص٩٨ (كتاب المظالم).
(٤) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل/ ابن حزم ج٤ ص١٧١.
(٥) هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب الأندلسي القرطبي (أبو محمد) أصله من فارس، ولد بقرطبة في آخر رمضان سنة (٣٨٤هـ) ونشأ بها ثم طلب العلم على علمائها فهو فقيه، محدث، أصولي، حافظ، أديب، متكلم، مشارك في التاريخ والأنساب والنحو واللغة والشعر والطب والمنطق والفلسفة، وكان يستنبط الأحكام من الكتاب والسنة، وانتقد كثيرًا من العلماء والفقهاء، فأجمع هؤلاء على تضليله، وحذروا منه أرباب الحل والعقد، ونهوا عوام الناس عن الدنو منه، والأخذ عنه فأقصي وطورد، فرحل إلى بادية لبلة بالأندلس فتوفي بها سنة (٤٥٦هـ) من تصانيفه الكثيرة: الإيصال إلى فهم الخصال الجامعة، والفصل في الملل والأهواء والنحل، والمحلى في الفقه، شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام، المقرب في تاريخ المغرب، انظر معجم المؤلفين ج٧ ص١٦.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
منكر، أو إظهار القرآن والسنن والحكم بالعدل، وهو صادق بدعواه، فلا يعتبر باغيًا بل الباغي من خالف ذلك (١).
فإذا كان البغاة يخالفون الحاكم المسلم العدل متهمين له ولحكومته بالتقصير في بعض الواجبات أو بمنع بعض المباحات بناء على تأويل واجتهاد مخطئين فيه، فإن أمرهم والحالة هذه لا يخلو من أربع حالات:
الحالة الأولى: أن يكون البغاة منبثين بين أفراد الأمة، لم يتظاهروا بعصيان طاعة الإمام، ولم يتحيزوا بدار أو قلعة أو قرية، أو حصن، فهم أفراد، متفرقون، تنالهم قدرة الحاكم، وتمتد إليهم يده، فيجب على الحاكم والأمة في مثل هذه الحالة، تركهم وعدم محاربتهم وإن كانوا يظهرون عدم الرضي بأقوالهم، ويتذمرون من تصرفات الحاكم ومن معه، بناء على فهمهم وتصورهم الذي أخطئوا فيه، فتجري عليهم أحكام أهل العدل في الحقوق والواجبات، ويلزم الحاكم والأمة أن يوضحوا لهؤلاء فساد ما اعتقدوه وبطلان ما انتحلوه، لعلهم يرجعون عن رأيهم الذي ارتأوه واعتقادهم الذي اعتقدوه، واستدل القائلون بذلك، بما قاله علي بن أبي طالب (﵁) لقوم من الخوارج: «لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نبدؤكم بقتال، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيدكم معنا» (٢).
_________________
(١) المحلى لابن حزم ج١١ ص٩٨.
(٢) انظر الأحكام/ للقاضي أبي يعلى الحنبلي ص٣٨ - ٣٩.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
الحالة الثانية: أن يكون البغاة قد تظاهروا باعتقادهم، وأعلنوا عصيانهم، بلا قوة يستخدمونها، وهم مع ذلك على اختلاطهم بالأمة وامتزاجهم بالرعية، وذلك مثل ما يحصل في بعض البلاد الإسلامية من تجمعات ومظاهرات يراد بها الاستنكار والاحتجاج بأسهل الطرق وأيسرها، للتعبير عن الرأي بغض النظر عن صواب هذا الرأي أو خطئه، ففي مثل هذه الأحوال، يجب على الحاكم والأمة دعوة هؤلاء إلى تحكيم كتاب الله بينهم في محكمة نزيهة ذات استقلالية كاملة تامة في اتخاذ الأحكام وتنفيذها عملًا بقوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) فيوضح لهم إذا كانوا بحق بغاة فساد اعتقادهم، وخطأ فهمهم ليرجعوا إلى الاعتقاد الحق، وموافقة الجماعة، فإن أبوا بعد الدعوة والإقناع والتحكيم، جاز للإمام أن يعزر فقط من تظاهروا بالعناد والعصيان، أدبًا وتعزيرًا، يتناسب مع الخطأ الذي ارتكبه هؤلاء، وهذا التعزير والتأديب لا يقرره الحاكم بنفسه وهو لا يفقه من أحكام الإسلام شيئًا، وإنما تقرره السلطة القضائية من واقع التشريع الإسلامي بحيث لا تصل العقوبة التعزيرية في مثل هذه الأحوال إلى القتل لقول النبي - ﷺ -: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث، الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة» (١).
الحالة الثالثة: أن يكون البغاة قد اعتزلوا الإمام الحق، وتحيزوا بدار قد تميزوا فيها عن بقية الأمة، ففي هذه الحالة ينظر في أمرهم، فإن لم يمتنعوا من تأدية حق، ولم يرفضوا أمر طاعة، لم يحاربوا، ما داموا مقيمين على الطاعة، وتأدية الحقوق، وقد استدل على ذلك أن طائفة من الخوارج الذين خرجوا على علي (﵁) أقاموا بالنهروان، فأرسل إليهم علي عبد الله بن خباب عاملًا عليهم، فأقاموا على طاعته زمانًا، وهو لهم موادع (٢).
_________________
(١) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج٣ ص١٣٠٢ – ١٣٠٢.
(٢) انظر الأحكام السلطانية/ للقاضي أبي يعلى الحنبلي ص٥٨ - ٥٩.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
الحالة الرابعة: أن تمتنع الطائفة الباغية الخارجة على الإمام الحق وأن تمنع ما عليها من الحقوق، وترفض أمر الطاعة، وتنفرد باجتباء الأموال وتنفيذ الأحكام، سواء نصبوا لأنفسهم إمامًا أو لم ينصبوا فحينئذ يجب محاربتهم، حتى يفيئوا إلى الطاعة ويدخلوا في الجماعة عملًا بقوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) (١).
وإذا قلد الإمام الحق، أمر قتال الفئة الباغية لقائد من قواده وجب على هذا القائد إنذارهم ودعوتهم إلى المسالمة، وتحكيم كتاب الله فيما شجر بينهم، فلا يصح منه الهجوم المباغت لهم لأنهم غير مشركين، ولا مرتدين فهم إخوة مؤمنون وأفراد مسلمون كما تدل الآية المتقدمة على ذلك، ولهذا يدعوهم بالتي هي أحسن، فإن أبوا قاتل المقاتلين المقبلين منهم، ويكف عن قتال المدبرين منهم، والفارين، ولا يقتل أسيرهم ولا جريحهم، ولا يعاملون معاملة أهل الحرب من المشركين والمرتدين، بل يعامل أسراهم معاملة كريمة، تليق بهم كمسلمين (٢)، فمن أمنت منه الرجعة إليهم والقتال معهم، أطلق سراحه عند تحقق ذلك. ومن لم تؤمن منه الرجعة حبس حتى تضع الحرب أوزارها ثم يطلق ولا يحبس بعدها لزوال الشوكة التي كانت لهم، وأثناء الحرب، لا تغنم أموالهم، ولا تسبى ذراريهم، ولا يستعان على قتالهم بمشرك، فقد منع الإمام أحمد الاستعانة بالمشركين في قتال أهل الحرب، فعدم الاستعانة بهم في قتال البغاة أولى (٣).
ومما تقدم يتضح لنا الفرق الواضح والبون الشاسع بين نظرة الإسلام
_________________
(١) سورة الحجرات آية (٩).
(٢) يقول ابن تيمية (﵀): إن أهل البغي المجرد لا يكفرون باتفاق أئمة الدين فالقرآن قد نص على إيمانهم وأخوتهم مع وجود الاقتتال والبغي. انظر فتاوى ابن تيمية ج٣٥ ص٥٧.
(٣) انظر الأحكام السلطانية/ للقاضي أبي يعلى الحنبلي ص٣٩.
[ ٢ / ٥٠٠ ]
إلى البغاة، ومعاملته لهم، وبين ما هو حاصل في معظم ديار الإسلام، فمن يدقق النظر في السلطات الحاكمة في أكثر البلاد الإسلامية يجد أنها بمقياس الإسلام سلطات كافرة فاجرة قد اغتصبت السلطة بتآمر مع أعداء الإسلام في الخارج ومع زمرة من المنافقين في الداخل، ولذلك فموالاة ومناصرة تلك الحكومات أمر باطل من الأساس، باعتبار أنها حكومات كافرة كفرًا بواحًا لا لبس فيه ولا غموض، ولذلك فتأييدها والسكوت عليها أمر مخالف للشرع فكيف بالدفاع عنها ومناهضة من يريد هدمها، فالواجب والحالة هذه إن كان الخارج عليها مثلها في الكفر والفسوق، أن يعتزل المسلم الجميع حتى يُهْلِكَ الله بعضهم ببعض قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (١) وقد يكون بعضهما أقل من بعض في الفسق والظلم ففي هذه الحالة إن لم يجد أفضل منهما يكون نصره وتأييده للأقل منهما في الظلم والفسق بناء على القاعدة الفقهية في درء أعظم المفسدتين بأدناهما (٢). وإن كان الإمام مالك بن أنس (﵀) يرى عدم المشاركة في قتال البغاة للحكام الظلمة حيث يروى أن ابن القاسم سأل مالكًا عن قتال البغاة أيجوز قتالهم؟ فقال: إن خرجوا على مثل عمر بن عبد العزيز، قال: فإن لم يكن مثله؟ فقال: دعهم ينتقم الله من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما. فكانت الفتوى سببًا من أسباب محنته (٣).
وعلى هذا فليس كل من خرج على سلطة غير شرعية باغيًا بل قد يكون هو صاحب الحق والعدل ومن يقف في وجهه أو يحارب ضده هم البغاة ولكن رؤساء النظم الديكتاتورية في العصر الحاضر، كلما أحسوا بيقظة الشعوب وصحوتها واهتدائها إلى الطريق القويم والمنهج المستقيم، صبوا عليها صنوفًا من التنكيل وألوانًا من العقاب والعذاب ووصفوها بأنها
_________________
(١) سورة الأنعام آية (١٢٩).
(٢) انظر الأحكام السلطانية، للقاضي أبي يعلى الحنبلي ص٣٩.
(٣) انظر الإسلام بين العلماء والحكام/ عبد العزيز البدري ص١٥٥.
[ ٢ / ٥٠١ ]
شراذم متآمرة، أو فئات حاقدة، أو فلول مخدوعة، أو جماعات متحجرة، وهم لا يتريثون حتى يصل الخطر إلى مرحلة الخروج عليهم، بل إنهم ليحسبون على الناس كلماتهم وأنفاسهم وغدوهم ورواحهم، ويزجون بعشرات الآلاف من الناس بمجرد كلمة لا تنال رضا صاحب السيادة ولو كانت كلمة حق، فهم ليس لديهم معيار للحق أو الباطل سوى رضا الرئيس أو غضبه، فما يرضيه حق وما يغضبه باطل ولو كان الواقع الحقيقي خلاف ذلك، فهم يريدون من جميع الناس أن يمسحوا من عقولهم فكرة حق وعدل أو ظلم وجور، وأن يطيعوا الحاكم طاعة عمياء، ويتبعوهم تبعية عشواء، بلا سؤال أو مناقشة أو استفسار، وكم شهدت سجون مصر (١) وسوريا والعراق وليبيا والمغرب واليمن وغيرها إلخ) من مآسي تدمي القلب وينشق لهولها الفؤاد حيث عذب فيها عشرات الآلاف من الناس الذين هم من خيرة المؤمنين الطيبين لم يدخلوها بتهمة سرقة أو زنا أو شرب خمر ولم يدخلوها لأنهم يوالون اليهود أو النصارى حيث إن كل هؤلاء يتمتعون بالحماية والرعاية من قبل تلك السلطات وإنما دخلها المؤمنون الذين قالوا: (رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (٢) فأين ما فعل هؤلاء؟ بأولئك المؤمنين، مما قرره منهج الإسلام بحق أعداء السلطة الشرعية من تسامح واحترام لمشاعر المخالفين له رغم خطأهم فهو يعاملهم بمنتهى السماحة والملاطفة، والاحترام، ولا ينال من أنفسهم، وأموالهم، وأعراضهم شيئًا.
أما أصحاب الفخامة والسيادة في بلاد المسلمين اليوم فيستصرخون الدول الكبرى في نظرهم، كي تمدهم بأحدث وسائل التعذيب في سلخ
_________________
(١) انظر مذبحة الإخوان في ليمان طرة/ تأليف جابر رزوق، وانظر الفراعنة الصغار في هيلتون الناصرية/ د/جابر الحاج، وانظر البوابة السوداء/ أحمد رائف، وانظر نافذة على الجحيم/ عدة مقالات، وانظر القابضون على الجمر/ محمد أنور رياض.
(٢) سورة البروج آية (٨).
[ ٢ / ٥٠٢ ]
الأجسام وتمزيقها، ولكي يمدوهم بأرقى ما وصلت إليه الهندسة المعمارية في تخطيط السجون والمعتقلات وهم لا يفعلون ذلك تحسبًا لأسرى اليهود أو النصارى وإنما يفعلون ذلك للشرفاء والأوفياء من أبناء جلدتهم الذين عظم عليهم الخنوع والركوع لغير الله، والذين رفضوا تسلط الكفار والمنافقين والمرتدين على شئون الأمة الإسلامية، أما الذين رضخوا واستكانوا تحت قهر السياط وبطش العساكر والمخابرات فهم في عرف الحكام المستبدين، مقياس الرضا الشعبي، وارتياح جماهير الأمة لهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
المبحث الخامس: موالاة السلطة الحاكمة ومعاداتها
إن موالاة ولاة الأمر وعدم عداوتهم، والسمع والطاعة لهم، عبادة يؤديها الفرد المسلم لوجه الله ﷿، يثاب على فعلها ويعاقب على تركها قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (١) وقد ذكر الله ﷿ طاعته وطاعة رسوله فيما يقارب من أربع وعشرين آية في القرآن الكريم (٢). بينما طاعة ولي الأمر لم تذكر إلا في الآية المتقدمة مقيدة بكونه من المسلمين، والإسلام في مفهومه الصحيح يعني تطبيق الأحكام الشرعية قولًا وفعلًا واعتقادًا، وهذا الحاكم الموصوف بالإسلام هو الذي تطلبه الأمة الإسلامية، وتريد وجوده، وتحرص على بقائه، وترى أن طاعته واجبة لأنها متصلة بطاعة الله ورسوله.
وعلى ذلك تحمل الآيات والأحاديث الواردة في وجوب طاعة ولاة
_________________
(١) سورة النساء آية (٥٩).
(٢) انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم مادة (ط - و- ع) ص٤٢٩ - ٤٣٠.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
الأمر وعدم الخروج عليهم ما لم يقترفوا كفرًا بواحًا (١)، فقد ورد في صحيح مسلم قال: قال حذيفة بن اليمان (﵁): قلت يا رسول الله! إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه. فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال «نعم» قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال «نعم» قلت: كيف؟ قال «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي. وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس» قال قلت: كيف أصنع؟ يا رسول الله! إن أدركت ذلك؟ قال: «تسمع وتطيع للأمير. وإن ضرب ظهرك. وأخذ مالك. فاسمع وأطع» (٢). وفي مسلم أيضًا: أن سلمة بن يزيد الجعفر سأل رسول الله - ﷺ - فقال: يا نبي الله! أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم، ويمنعون حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه. ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه الأشعث (٣) بن قيس. وقال: «اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم» (٤). وفي مسلم أيضًا عن رسول الله - ﷺ - قال: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم، وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم، ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم» قيل: يا رسول الله! أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: «لا. ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئًا تكرهونه فأكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدًا من طاعة» (٥).
فهذه الأحاديث وغيرها مما هو في معناها، تدل على أنه لا يجوز الخروج على الحكام والولاة أو بغضهم وعداوتهم أو قطع الموالاة والنصرة لهم، بمجرد الظلم والفسق والمعصية التي لا تبلغ حد الكفر، فلا يجوز
_________________
(١) انظر نيل الأوطار – للشوكاني ج٥ ص٣٦٧ وج٧ ص١٩٨، ١٩٩. (ط- مصطفى الحلبي – بمصر) الطبعة الأخيرة.
(٢) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج٣ ص١٤٧٦ (باب الإمارة).
(٣) انظر ترجمته في أسد الغابة في معرفة الصحابة ج١ ص٩٧ - ٩٩.
(٤) صحيح مسلم ج٣ ص١٤٧٤، ١٤٧٥.
(٥) المصدر السابق ج٣ ص١٤٨١.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
إسقاط بيعتهم، ونبذ عهدهم، ما لم يغيروا شيئًا من قواعد الإٍسلام، التي يحكم بموجبها بكفرهم وخروجهم عن الإسلام، فعند ذلك لا يصبح الخروج عليهم مباحًا، وإنما هو واجب من واجبات الشرع عملًا بالآيات والأحاديث التي تأمر بعدم الطاعة في المعصية والآيات والأحاديث الواردة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل شخص كائنًا من كان (١).
فمذهب أهل السنة والجماعة أن الأمراء الظلمة مشاركون فيما يحتاج إليهم فيه من طاعة الله، فيصلى خلفهم، ويجاهد معهم، إذا كان الجهاد في سبيل الله، ويستعان بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن حكم منهم بعدل نفذ حكمه، وإن أمكن تولية، عدل لم يجز تولية فاجر فيجتهد معهم في الطاعة حسب الإمكان (٢). قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (٣). ويجب أن يعلم الناس أن الله بعث محمدًا - ﷺ - لصلاح العباد، فإذا اجتمع صلاح وفساد رجحوا الراجح منها، فإذا ترجح لديهم أن إزاحة الظالم عن ظلمه لا يترتب عليها من المفاسد أكثر مما ينشدونه من إصلاح جاز لهم ذلك. وإلا فلا، فقلما خرج قوم على سلطان إلا كان ما تولد من الشر أكثر مما يحصل بعد ذلك من الخير، فلا أقاموا دينًا ولا أبقوا دنيا، وإن كان فيهم خلق كثير من أهل العلم والدين وهذا المعنى مقصود للشارع، بالأدلة الدالة على وجوب صبر الرعية على جور الأئمة، فإن الصبر والحالة هذه قد يكون هو الأصلح للرعية ما لم يتر كفرًا صريحًا عندها من الله فيه برهان، فالشارع الحكيم أمر كلًا بما هو أصلح له سواءٌ الراعي أو الرعية، فأمر الولاة بالعدل والنصح لرعيتهم، وأمر الرعية بالصبر على ما ترى من إيثار الولاة أنفسهم ببعض حظوظ الدنيا ووقوعهم في بعض المظالم
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ج٢١ ص٢٤٣، ٢٤٤.
(٢) انظر ملحق المصنفات/ محمد بن عبد الوهاب ص٥٠.
(٣) سورة التغابن آية (٦).
[ ٢ / ٥٠٦ ]
والمعاصي، لأن الفتن إذا وقعت ضرت الجميع، ولأنها تمنع معرفة الحق وقصده والقدرة عليه، حيث يحصل من الشبهات في الفتن، ما يلبس الحق بالباطل حتى لا يميز كثير من الناس من هو صاحب الحق من صاحب الباطل (١)؟
فالأحاديث المتقدمة يجب أن لا تحمل على جواز موافقة الحكام في ظلمهم وباطلهم، أو على جواز عدم الإنكار عليهم فيما يرتكبون من منكر، أو على طاعتهم في المعصية، وإنما تدل على أن من كره المنكر فقد برئ من إثمه وعقوبته، وهذا في حق من لا يستطيع إنكار المنكر بلسانه وإن من أنكر بلسانه برئ إذا لم يستطع أن ينكر بيده، فمن عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت، ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع هذا المنكر الذي يكفي إنكاره بالقلب هو المنكر الذي لا يصل إلى درجة الكفر والخروج من الإسلام فالحاكم لا يخلو من واحدة من ثلاث حالات:
(أ) حاكم مسلم عادل. (ب) حاكم مسلم فاسق. (ج) حاكم كافر ولكل من هؤلاء منزلة تناسبه ومعاملة تخصه، ودرجة تميزه عن غيره.
أ- فالحاكم المسلم العدل تجب طاعته ومتابعته تحقيقًا لأمر الله في وجوب الطاعة ولزوم الجماعة، حيث إن ولاء المسلم لحاكمه ولاء عقيدة وعبادة وليس ولاء لأشخاص أو طبقة أو عرف جاهلي أو ولاء مصلحة أو منفعة، لأن الأشخاص يموتون ويتغيرون وينحرفون، والشريعة باقية خالدة ما بقيت الحياة.
ب- أما الحكام العصاة الفسقة فيكرههم على ما معهم من معصية وفسق ويحبهم على قدر ما معهم من الحق ولا يقطع العهد معهم ولا يخرج عن طاعتهم إلا إذا رأى ما يوجب كفرهم وخروجهم عن الإسلام.
ج- أما الحكام الكفرة وهم غالبًا المرتدون عن الإسلام فلا تجوز مودتهم
_________________
(١) انظر ملحق المصنفات/ محمد بن عبد الوهاب ص٥٠، ٥١.
[ ٢ / ٥٠٧ ]
ولا تشرع طاعتهم، والواجب محاربتهم وعدم متابعتهم وهؤلاء هم المقصودون في النهي عن الطاعة لهم قال تعالى:
١ - (فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين) (١).
٢ - وقال تعالى: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (٢).
٣ - وقال تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (٣).
٤ - وقال تعالى: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) (٤).
٥ - وقال تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (٥).
٦ - وقال تعالى: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (٦).
٧ - وقال تعالى: (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) (٧).
٨ - وقال تعالى: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ) (٨).
فأمر بالطاعة في آية واحدة ضمن وصف معين ونهى عن الطاعة المنحرفة في آيات كثيرة، ومن الأحاديث التي تنهى عن الطاعة العمياء والتبعية العشواء ما يلي:
١ - ما روى مسلم في صحيحه أن النبي - ﷺ - قال: «على المرء السمع
_________________
(١) سورة الشعراء آية (١٥٠ - ١٥١).
(٢) سورة الزخرف آية (٥٤).
(٣) سورة الأنعام آية (١٢١).
(٤) سورة الأحزاب آية (٦٧).
(٥) سورة الأنعام آية (١١٦).
(٦) سورة الكهف آية (٢٨).
(٧) سورة القلم آية (٨، ٩).
(٨) سورة القلم آية (١٠).
[ ٢ / ٥٠٨ ]
والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية. فإن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة» (١).
٢ - وفي مسلم أيضًا من حديث طويل «لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف» (٢).
٣ - وسئل عبد الله بن عمرو بن العاص عن طاعة معاوية (﵁) فقال: «أطعه في طاعة الله، وأعصه في معصية الله» (٣).
٤ - وفي حديث آخر «سيلي أموركم من بعدي رجال يُعَرَّفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله» (٤).
وقد عد الشيخ محمد بن عبد الوهاب (﵀) إن من رءوس الطواغيت الحاكم الجائر المغير لأحكام الله واستدل بقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا) (٥). اهـ.
وقد يسأل سائل ما هي صفة ومواصفات الدولة الإسلامية الحقة التي يجب علينا موالاتها ونصرتها، ويحرم علينا بغضها وعصيانها والخروج عليها؟ فنقول إن الجواب على ذلك هو ما وضحه الله تعالى بقوله: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (٦) وقد شرح العلماء صفات هذه الدولة التي
_________________
(١) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج٣ ص١٤٦٩ (باب الإمارة).
(٢) نفس المصدر ونفس المكان. وانظر فتح الباري ج١٣ ص٢٠٣.
(٣) صحيح مسلم ج٣ ص١٤٧٣.
(٤) انظر فتح الباري ج١٣ ص٨ وانظر مسند أحمد ج١ ص٤٠٠.
(٥) سورة النساء آية (٦٠).
(٦) سورة الحج آية (٤١).
[ ٢ / ٥٠٩ ]
تجب موالاتها وتحرم معاداتها، بأنها هي التي تتوفر فيها هذه الصفات التالية:
١ - أن يكون الحكم الحقيقي فيها من حيث التشريع والتكوين لله وحده.
٢ - أن لا يكون فيها قانون خاص أو عام يخالف الكتاب والسنة وأن لا يصدر أي أمر إداري يخالف التشريع الإلهي.
٣ - أن لا ترتكز الدولة في قيامها على أساسا إقليمي أو عرقي، وإنما تقوم على أساس شمولية الإسلام وعالميته للناس عامة.
٤ - أن تأمر الدولة بالمعروف فتنشر الصفات الحسنة وتنهى عن المنكر فتستأصل الصفات السيئة، وتعمل على إحياء شعائر الإسلام وإعلائها بواسطة التعليم الإسلامي الحق وبواسطة وسائل الاتصال بالناس في الوسائل المتعددة، مع محاربة الإلحاد والمبادئ الضالة وكشف عورتها.
٥ - أن تعمل الدولة على وحدة المسلمين في العالم أجمع قولًا وفعلًا وأن تكون معهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
٦ - أن تكفل الدولة الحاجات اللازمة لأفراد الأمة فيها من مأكل وملبس ومسكن وعلاج وتعليم، وخاصة من كان غير أهل لاكتساب الرزق، أو لم يعد قادرًا عليه، أو عجز عنه عجزًا مؤقتًا لسبب من الأسباب النازلة كالبطالة أو المرض، أو عجزًا كليًا كالعمى أو الشلل أو نحو ذلك، من غير أن يفرق بين الناس من أجل مراكزهم الاجتماعية أو سلالاتهم العرقية.
٧ - أن يتمتع أهل البلاد في حدود الأحكام الإسلامية بجميع الحقوق التي منحتها إياهم الشريعة الإسلامية من حماية النفس والمال والعرض وحرية العبادة والحرية الشخصية وحرية إبداء الرأي وحرية التنقل وحرية
[ ٢ / ٥١٠ ]
الاجتماع وحرية اكتساب الرزق بالطرق المباحة، والمساواة في فرص العمل والترقي، والاستفادة من المؤسسات الاجتماعية بلا تمييز.
٨ - أن لا يسلب أحد من سكان الدولة حقًا من هذه الحقوق إلا إذا كان له مسوغ شرعي في الشريعة الإسلامية، ولا يعاقب أحد على ذنب أو جريمة إلا بعد ما يسمح له بالدفاع عن نفسه، وتحكم عليه محكمة شرعية عادلة بعد استنادها على النص والدليل من كتاب الله أو سنة رسوله - ﷺ - أو إجماع أو قياس معتبر شرعًا عند علماء الأصول وفقهاء الأمة.
٩ - أن يكون رئيس الدولة مسلمًا ذكرًا عدلًا، يعتمد الجمهور أو ممثلوهم على تدينه وكفاءته وسداد رأيه.
١٠ - أن يكون رئيس الدولة هو المسئول الحقيقي عن تسيير شئون الدولة غير أنه يجوز له أن يفوض جانبًا من صلاحياته إلى فرد أو جماعة يوثق بدينها وأمانتها.
١١ - أن لا يستبد رئيس الدولة بالأمر إنما يُسير أمر الحكومة على منهاج الشورى، في مشاورة أهل العلم الذين هم أهل الحل والعقد في الأمة.
١٢ - أن لا يعطل رئيس الدولة أحكام الشرع كليًا أو جزئيًا ويستبد بالحكم من دون أهل الشورى.
١٣ - أن يكون للجماعة حق انتخاب رئيس الدولة، وحق عزله عن منصبه بأغلبية أهل العلم الشرعي من أهل الحل والعقد في الأمة كما قرر الإسلام ذلك.
[ ٢ / ٥١١ ]
١٤ - أن يكون رئيس الدولة مساويًا لجمهور المسلمين في الحقوق والواجبات وأن لا يكون محصنًا من أن تجرى عليه الأحكام الشرعية.
١٥ - أن يكون لأعضاء الحكومة وعمالها وعامة من يسكنها نظام واحد، ولا ينفذه فيهم إلا المحاكم الشرعية في البلاد.
١٦ - أن تكون الهيئة القضائية في الدولة منفصلة عن الهيئة التنفيذية ومستقلة عنها في إصدار الأحكام، حتى لا تتأثر في القيام بواجباتها بما للهيئة الإدارية من السلطة.
١٧ - أن لا يقبل في الدولة تفسير شيء من الأحكام بما يخالف الكتاب والسنة.
١٨ - أن لا يسمح بالنشر أو الدعوة إلى الأفكار والنظريات التي تناقض المبادئ الأساسية للدعوة الإسلامية، والتي تهدد الأمة الإسلامية بالفساد والاضطراب.
هذه جملة وأهم الشروط التي اشترطها واحد وثلاثون عالمًا من علماء الأمة الإسلامية على صحة «قيام الدولة الإسلامية» وجواز تسميتها بهذا الاسم إذا توفرت فيها جميع تلك الشروط. وذلك في أثناء انعقاد مؤتمر بهذا الخصوص في كراتشي في الفترة من ١٢ - إلى ١٥ من شهر ربيع الآخر سنة (١٣٧٠هـ) الموافق (٢١ - إلى ٢٤ - من يناير سنة ١٩٥١م).
ونحن نقول إن دولة بهذه الصفات يجب موالاتها ونصرتها وحبها وعدم بغضها أما الدولة التي تخالف تلك الأسس وتعتدي على هذه المقومات الأساسية للدولة الإسلامية، فهي دولة خارجة عن الإسلام أو تتخذ من الإسلام ستارًا، لتخدع به السذج والبسطاء لتحقيق مآربها التي تتناقض مع الإسلام، وتتعارض معه، فليعرف كل مسلم شروط الدولة الإسلامية، ليتبين له في ظل أي دولة يعيش وكيف يجب أن يتعامل مع من يعيش معهم.
[ ٢ / ٥١٢ ]
ودار الإسلام أو الدولة الإسلامية ليس هي التي يعيش فيها أكثرية مسلمة أو وطئتها أقدام المجاهدين المسلمين بل قد تصبح دار الإٍسلام دار كفر، ودار الكفر دار إسلام، والضابط لتلك الأحوال هو ما عرف به العلماء دار الإسلام ودار الكفر حيث يقولون: إن دار الإسلام هي التي يحكمها المسلمون وتجري فيها الأحكام الإسلامية، ويكون النفوذ فيها للمسلمين ولو كان جمهور أهلها كفارًا.
وأما دار الكفر: فهي التي يحكمها الكفار، وتجري فيها أحكام الكفار ويكون النفوذ فيها للكفار، ولو كان جمهور أهلها من المسلمين (١) فالبلاد التي تخضع لنفوذ الكفار بالأصالة مثل فلسطين تحت الحكم اليهودي وأفغانستان التي يسيطر عليها الحزب الشيوعي فهذه وأمثالها بلاد كفر ودار كفر وإن كان أغلبية السكان من المسلمين لأن السلطة الحاكمة سلطة غير إسلامية. وكذلك ينطبق الحكم على كثير من الدول التي تدعي الإسلام وهي أبعد ما تكون عنه، وإن كان معظم سكانها مسلمين نظرًا لأنها لا تجري فيها جميع أحكام الإسلام، ولأن النفوذ والسلطة فيها لغير المسلمين فنجد أن كثيرًا منها قد وضعت قوانين تحمي الزنا والربا والخمر والميسر ولا تعاقب من يترك الواجبات من صلاة وصيام وزكاة وحج، ومع ذلك تتستر ببعض مظاهر الإسلام، وهي في حقيقة الأمر والواقع دار كفر وردة عن الإسلام.
فمثلًا نجد أن قانون العقوبات في مصر والعراق في عهد الاحتلال يحمي الزنا ويشجعه بعدم تطبيق العقوبات الشرعية عليه.
_________________
(١) انظر الفتاوي السعدية ج١ ص٩٢/ عبد الرحمن بن سعدي. وانظر الحرب والسلم في شرعة الإسلام د/ مجيد خدوري ص٢٠٩ وانظر الأحكام السلطانية للماوردي ص١٣٣، ١٥١، ١٦٦ وانظر الجواهر المضيئة - للسرخسي ج٢ ص٢٨، ٢٩ وانظر المواريث علمًا وعملًا ص٨٥ وانظر الوصايا في الفقه الإسلامي ص٥٤ وانظر شرح الأزهار/ ج٢ ص٥٧٢ وانظر الدرر السنية ج٧ ص٣٥٩.
[ ٢ / ٥١٣ ]
ففي المواد من (٢٦٧ - ٢٧٩) من قانون العقوبات المصري العربي والمواد من (٢٣٢ - ٢٤٠) من قانون العقوبات البغدادي أن الزنا إذا وقع برضى الطرفين وهما غير متزوجين وسنهما فوق الثامنة عشرة فلا شيء عليهما. وإن كانا متزوجين فلا عقوبة عليهما ما لم يرفع أحد الزوجين دعوى ضد الزوج الخائن (١).
فهل يجوز تسمية بلاد بمثل هذه الحال قديمًا أو حديثًا بدار إسلام والله ﷿ يقول: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٢) وهم يقولون بلسان حالهم ومقالهم لا! لن نجلد الزناة برضاهم ولو ثبتت عليهم البينة، أليس هذا استدراك على الله فيما حرم وتجهيل له فيما شرع؟ وهذا من أنواع الكفر حيث يقول تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (٣) وحكم الكفر هذا لا يقتصر على شخص الحاكم فقط بل يتعداه إلى كل المؤيدين له على ذلك والمناصرين له والراضين به، فحكمهم كحكمه كما ذكر الله عن جنود فرعون وهامان قال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) (٤) فأشرك الله قوم فرعون معه في الخطيئة والإثم، لسكوتهم ورضاهم ونصرهم وتأييدهم له.
وعلى هذا فمن الواجب على الرعية إن كان الحاكم ظالمًا أن تنصحه بالتي هي أحسن كما قال رسول الله - ﷺ -: «الدين النصيحة "ثلاثًا" قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله (﷿) ولكتابه ولرسوله - ﷺ - ولأئمة المسلمين
_________________
(١) انظر قانون العقوبات المصري العربي رقم ٥٨ لسنة ١٩٣٧م وتعديلاته - المواد المشار إليها أعلاه.
(٢) وانظر قانون العقوبات البغدادي "العراقي" الصادر سنة ١٩١٧م.
(٣) سورة النور آية (٢).
(٤) سورة المائدة آية (٤٤).
[ ٢ / ٥١٤ ]
وعامتهم» (١) فإن حصل اختلاف بين الراعي والرعية وجب عليهما الرجوع إلى الكتاب والسنة عملًا بقوله تعالى (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (٢) حيث إن سلطة التشريع الإسلامي لها قوة فوق قوة الحاكم والمحكوم، فلو كان ولاة الأمر، وحكام البلاد تجب طاعتهم طاعة مطلقة، أو كانوا معصومين من الخطأ كما يدعي غلاة الشيعة لما كان لقوله: (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) معنى بل كان يقول فردوه إلى الحاكم أو إلى الإمام، ومن ذلك يتبين ضعف هذا القول وصحة قول الجمهور من أنه لا طاعة في المعصية (٣). لأن ذلك هو الموافق للأدلة، فقد روى مسلم من حديث أم الحصين: «ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله اسمعوا له وأطيعوا» (٤) فجعل القيادة بكتاب الله سببًا للسمع والطاعة (٥).
وقد وضع النووي في شرحه لصحيح مسلم عنوانًا «باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية» (٦) فدل بذلك على أن هذا هو ما يراه صوابًا. وفي الحديث: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (٧).
وقد اختلف العلماء في درجة الانحراف التي تسقط بها بيعة الحاكم وتنحل ولايته ويجوز عندها الخروج عليه على قولين:
القول الأول: قول من يقول بوجوب الصبر على الإمام أو الحاكم وإن أخذ المال وضرب الظهر وأظهر المعاصي، ما دام يقيم الصلاة عملًا بقوله - ﷺ - في الحديث المتقدم (٨): «ما أقاموا فيكم الصلاة»، واستدلوا أيضًا بقوله
_________________
(١) رواه مسلم. انظر جامع العلوم والحكم/ عبد الرحمن بن رجب الحنبلي ص٧٢ - ٧٣.
(٢) سورة النساء آية (٥٩).
(٣) انظر تفسير القرطبي ج٥ ص٢٦٠ - ٢٦١.
(٤) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج٣ ص١٤٦٨ (باب الإمارة).
(٥) انظر في ظلال القرآن سيد قطب ج٥ ص٤١٧.
(٦) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم بشرح النووي ج١٢ ص٢٢٢.
(٧) انظر مشكاة المصابيح ج٢ ص١٠٩٢ ح٣٦٩٦.
(٨) انظر ص٤٦٨ من هذه الرسالة.
[ ٢ / ٥١٥ ]
تعالى: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ) (١). وللحديث المروي عن خالد بن عُرفطة (﵁) قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا خالد إنها ستكون بعدي أحداث وفتن واختلاف فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل» (٢).
القول الثاني: قول الجمهور وهو أن الله ﷿ قد حرم الاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض إلا بحق شرعي يبيح ذلك، فقد حرم قتل النفس بقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (٣). وقال تعالى في حق الأموال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (٤).
وقد ورد عن رسول الله - ﷺ - تحريم الاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض فقد روي عنه - ﷺ - أنه قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا ويشير إلى صدره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» (٥). وروى مسلم في صحيحه أن من خطبة الرسول - ﷺ - في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» (٦).
وقد علمنا أن كلام الله ورسوله لا يخالف بعضه بعضًا ولا يناقضه وقد امتدح الله هذا التنزيل بتلك الصفة فقال تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (٧).
_________________
(١) سورة المائدة آية (٢٩).
(٢) انظر مسند الإمام أحمد ج٥ ص٢٩٢.
(٣) سورة الإسراء آية (٣٣).
(٤) سورة النساء آية (٢٩).
(٥) رواه البخاري ومسلم. انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين ج٢ ص١٠٨٠.
(٦) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج٢ ص٨٨٩.
(٧) سورة النساء آية (٨٢).
[ ٢ / ٥١٦ ]
فالذي يسلم ماله للأخذ ظلمًا وظهره للضرب بغير حق وعرضه للانتهاك يكون آثمًا بنص الكتاب والسنة حيث إن الآيات والأحاديث متواترة على عدم الطاعة في المعصية والتعاون على الإثم والعدوان قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (١).
وفي الحديث عن أبي هريرة (﵁) قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك» قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله» قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد» قال: أرأيت إن قتلته؟ قال «هو في النار» (٢). وعن عبد الله بن عمرو (﵁) قال: أما علمت أن رسول الله - ﷺ - قال «من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد» (٣).
فإذا كان هذا في شأن المال فالدفاع عن الدين والنفس والعرض أولى من ذلك.
والرد على الذين يرون وجوب الطاعة في المعصية، فيما دون ترك الصلاة. أن يقال لهم، ما رأيكم في إسلام من جعل اليهود خاصته وأصحابه، والنصارى جنده وبطانته، وحمل السلاح على كل من وحَّد الله من المسلمين، وحارب المؤمنين في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وهو مع ذلك يتظاهر بالإسلام وبالصلاة في بعض المناسبات لتلتقط له الصور التي يضحك بها على السذج والبسطاء، أترون أنه يجوز الخروج عليه أم لا؟
فإن منعوا الخروج على مثل هذا فقد منعوا الخروج على كل كافر، وقد حارب الصحابة (﵃) المرتدين واعتبروهم كفارًا بمخالفتهم
_________________
(١) سورة المائدة آية (٢).
(٢) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج١ ص١٢٤ (كتاب الإيمان).
(٣) المصدر السابق ج١ ص١٢٥.
[ ٢ / ٥١٧ ]
بالشهادتين وقد أجمع الفقهاء في مختلف العصور على كفر من يقف من أحكام الإسلام مثل هذا الموقف، فلو كان مجرد الاعتصام باسم الإسلام مع عدم العمل به يكفي في الانتماء إلى هذه الأمة، لكفى المنافقين والمرتدين من طائلة العذاب (١). فالواجب إذًا أنه إذا وقع الحاكم في شيء من الجور أو الظلم -وإن قل- أن ينصح ويكلم في ذلك، فإن اقتنع ورجع إلى الحق، وأذعن لاستيفاء الحق منه، وجبت طاعته، ولا سبيل إلى خلعه، فإن لم يمتنع عن جوره وظلمه، ولم يكن لأصحاب الحق أن يستوفوا حقهم منه، وجب خلعه وإقامة غير مقامه، ممن يقوم بالحق لأنه لا يجوز تضييع شيء من واجبات الدين مراعاة لأهواء الظلمة من الحكام والولاة (٢).
فمن أجاز اتباع شريعة غير شريعة الإسلام وجب خلعه، وانحلت بيعته وحرمت طاعته لأنه في مثل هذه الحال يستحق وصف الكفر (٣) بخروجه على شرع الله عن عمد وإصرار، واستباحة واستصغار قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (٤).
فالكافر تحرم طاعته، وتجب معصيته ومقاطعته، وأما الحاكم المسلم العدل تجب طاعته وتحرم منازعته، أما الحاكم الفاسق أو العاصي فهو الذي يدور فيه الخلاف، وللعلماء في عزل الحاكم الفاسق والخروج عليه ثلاثة آراء هي:
أولًا: وجوب العزل إذا ظهر الفسق بالقول أو الفعل.
ثانيًا: منع العزل إذا كان العزل يفضي إلى فتنة متوقعة أشد من المصلحة المتوقعة من العزل.
_________________
(١) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ج٤ ص١٧١ - ١٧٥ وانظر الدرر السنية ج٩ ص٢٦٤ - ٢٦٥.
(٢) انظر المصدر السابق الفصل ج٤ ص١٧٥ - ١٧٦.
(٣) انظر مختصر الفتاوى المصرية/ ابن تيمية ص٥٠٧.
(٤) سورة المائدة آية (٤٤).
[ ٢ / ٥١٨ ]
ثالثًا: منع العزل مطلقًا.
وبما أن الاستطراد في توضيح هذه الأقسام الثلاثة قد يخرج بنا عن نطاق الموالاة والمعاداة إلى صلب النظرية السياسية في الإسلام، فإننا نكتفي بالإشارة إلى ما نراه راجحًا في هذه المسألة حيث إنه بإمكان القارئ أن يرجع إلى هذه الأقوال في مصادرها التي سنشير إليها في هامش هذه الرسالة تلافيًا لإطالة الموضوع بلا سبب قوي يوجب ذلك.
والرأي الذي أرجحه من هذه الآراء الثلاثة أن الحاكم إذا عصى وارتكب أمرًا يوجب فسقه القولي أو الفعلي نُظِرَ إليه، فإن كان العزل يمكن أن يتم بطرق سلمية كما هو الأصل في الشريعة الإسلامية، وجب عزله عند حصول المعصية نظرًا إلى أن الأصل من شروط الولاية العدل في الخليفة وتحقق العدالة فيه، فإذا نقض هذا الشرط بنفسه وجب خلعه، كما يحصل في بعض الدول الكافرة التي أخذت ببعض المفاهيم السياسية الإسلامية في تعيين الحاكم وعزله، فنجد أن بعض الدول الكافرة تعزل رئيسها عند أدنى خطأ يرتكبه، بينما يتشبث المتسلطون على رقاب المسلمين بكرسي الحكم حتى لو أبادوا الشعب كله في سبيل ذلك، أو أن يلقي الشعب بجسد الحاكم من على كرسيه جثة هامدة. وهذا كله مخالف لأصول النظام السياسي في الإسلام. فإذا كان عزل الحاكم لا يتم بالطرق السلمية كما ذكرنا، فإني أرى الرأي القائل بكراهية الخروج على الحاكم وعزله ونقض بيعته إذا كان الغالب على الظن حصول فتنة بذلك كما هو رأي جمع من العلماء (١).
فالعزل الذي يترتب عليه سفك الدماء ونهب الأموال والاعتداء على الأعراض وتعطيل الحدود الشرعية، لا شك أنه يجلب على الأمة ودينها أكثر
_________________
(١) انظر رسالة ماجستير في عزل الرئيس الأعلى للدولة في نظام الحكم في الإسلام د/ علي بن فهيد السرباتي ص١١٦ - ١٣٠.
[ ٢ / ٥١٩ ]
مما ينشده المصلحون من دفع المفاسد الحاصلة بسبب فسق الحاكم وحكومته.
فقد تكون مصلحة الأمة في بقائها وصبرها على المعاصي ومحاولة إصلاحها بالتي هي أحسن أعظم من وقوعها في دوامة الصراع والتناحر مع شخص الحاكم وحكومته، إذ لا يعلم نهاية الصراع وآثاره المدمرة وما يقع فيه إلا الله تعالى.
كما أنه لا يجوز القول بوجوب العزل في كل مسألة فسق مهما صغرت، لأن ذلك يؤدي إلى عدم وجود دولة تحكم بالكلية، نظرًا إلى أن الإنسان غير معصوم من الخطأ وارتكاب بعض صغائر الذنوب، فلو أخذ أحد برأي المعتزلة الذين يرون وجوب العزل في كل معصية مهما صغرت، لتوالى أمر العزل والتولية بشكل مستمر، مما يفقد هذا المنصب أهميته واستقراره، وهيبة أهله التي يجب أن يكون لها في نفوس الناس وقع واحترام (١). وعلى هذا تحمل الأحاديث الواردة في المصابرة ووجوب الطاعة للولاة ما لم يظهروا كفرًا بواحًا.
أما إذا كان الغالب على الظن عند ظهور فسق الحاكم ومعصيته أن عزله لا يترتب عليه حصول فتنة، وأن التغيير له يمكن أن يمر بسلام فيستحب عزله وذلك للأسباب الآتية:
أولًا: أن احترام وطاعة رئيس الدولة ومحبته واجب شرعي بشرط أن يحترم نفسه، ومنصبه، ويحترم حق الأمة في هذا المنصب وأن يتبوأه بحقه أما إذا انحرف عن ذلك فإن للأمة الحق في تتبع المنحرف عن دستورها السماوي، ومجازاته على انحرافه لئلا يظن أن له حصانة تحميه من المحاسبة على أقواله وأفعاله فيشجعه هذا الظن السيئ على الفسق
_________________
(١) انظر رسالة ماجستير في عزل الرئيس الأعلى للدولة في نظام الحكم في الإسلام د/ علي بن فهيد السرباتي ص ١٣١ - ١٣٢.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
والفجور، وديننا أسمى وأكمل من الأنظمة الوضعية التي تعزل الحاكم وتنزل به أشد العقوبات عند الخروج على نظامها. فكيف من يخرج على نظام شرعه الله من فوق سبع سموات؟!!
ثانيًا: إن مبدأ التسامح مع الولاة الفساق والظلمة مبدأ خطير على الأمة لا يقف عند حد، حيث يفقد الأمة أهم خصائصها في إقامة العدل واستيفاء الحقوق، وتنفيذ الواجبات على الناس من القمة إلى القاعدة بلا استثناء أو تمييز، كما هو مقرر في الشريعة الإسلامية، فقد روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده» (١).
ولكن للأسف الشديد إن القول بعدم جواز عزل الحاكم قد تجاوز مرحلة فسق الحاكم ومعصيته إلى القول بعدم جواز عزله مهما فجر وطغى، ومهما أباح وحرم، ومهما أظهر من ألوان الكفر الاعتقادي والقولي والعملي، وهذا القول -بحمد الله- لم يقل به أحد من علماء الإسلام المعتمدين، وإنما قال به جماعة من أدعياء العلم والفقه وسماسرة الكلمة الذين يبيعون ذممهم بحفنة من الدراهم، أو ينافقون مع الحكام الكفرة خوفًا من ظلمات السجن وأعواد المشانق، فيهرولون إلى عتبات الحكام الكافرين بالفتاوى المعلبة الجاهزة التي يعلمون مسبقًا أنها تنال رضى الحاكم وتبرق لها أسارير وجهه.
لقد وجد الطغاة جمهورًا من علماء النفاق ووعاظ المسكنة الذين زينوا للطغاة انحرافهم، وبرروا لهم أخطاءهم وقاموا بمؤنة إقناع الناس نيابة عن سادتهم حتى وصل الأمر إلى ما هو مشاهد من ولاء للحكام الكافرين في معظم البلاد الإسلامية (٢) وهؤلاء الذين يتزيون بزي العلماء وهم كمثل
_________________
(١) رواه الإمام أحمد بسند صحيح - انظر المسند بشرح أحمد شاكر ج١ ص١٦٨ (ط ٤ - دار المعارف بمصر).
(٢) انظر الإيمان وأثره في نهضة الشعوب/ يوسف العظم ص٢٥ - ٥٠.
[ ٢ / ٥٢١ ]
الحمار يحمل أسفارًا، قد جروا على البلاد الإسلامية مفاسد كثيرة لا تعد ولا تحصى وفيهم يقول ابن المبارك (﵀):
وهل أفسد الدين إلا الملو
ك وأحبار سوء ورهبانها (١)
ويقول الشاعر سليمان بن سحمان في وصف دار الكفر وحكم الكافرين ما يلي:
إذا ما تولى كافر متغلب
على دار إسلام وحل بها الوجل
وأجري بها أحكام كفر علانيا
وأظهرها فيها جهارا بلا مهل
وأوهى بها أحكام شرع محمد
ولم يظهر الإسلام فيها وينتحل
فذي دار كفر عند كل محقق
كما قاله أهل الدراية بالنحل
وما كل من فيها يقال بكفره
فرب امرئ فيهم على صالح العمل
ولم تجر للكفار أحكام دينهم
على أهلها لكن بها الكفر قد حصل
وما كان فيها الجانبان على السوى
فقال تقي الدين في ذلك المحل
يعامل فيها المسلمون بحقهم
وذا الكفر ما قد يستحق من العمل
فلا تعط حكم الكفر من كل جانب
_________________
(١) انظر الدرر السنية ج١ ص١٩١.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
ولا الحكم بالإسلام في قول من عدل
ومن يتول الكافرين فمثلهم
ولا شك في تكفيره عند من عقل
ومن قد يواليهم ويركن نحوهم
فلا شك في تفسيقه وهو في وجل
وكل محب أو معين وناصر
ويظهر جهرًا للوفاق على العمل
فهم مثلهم في الكفر من غير ريبة
وذا قول من يدري الصواب من الزلل
فوالي الذي والي لدين محمد
وعادى الذين عاداه من كل من جهل
وأبغضهم في الله ﷻ
كما قد أحب المهتدين وما غفل (١)
وخلاصة القول في هذه المسألة أن الدولة إذا كانت كافرة كحال معظم الدول المنتسبة إلى الإسلام وهي أبعد ما تكون عنه حيث تحرم ما أحل الله وتبيح ما حرم الله، وتجري بها أحكام الكفر علانية، فإن موقف المسلم منها أن يعاديها ويبغضها، ولا يناصرها بقول أو فعل عملًا بقوله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) (٢).
أما إن كانت الدولة فاسقة عاصية ظالمة، فإن مودتها غير جائزة، ومناصرتها غير مشروعة إلا ضد من هو أشد منها فسقًا وظلمًا، بناء على القاعدة الفقهية في درء أعظم المفسدتين بأدناهما (٣).
_________________
(١) انظر ديوان عقود الجواهر المنضدة الحسان/ سليمان بن سحمان ص١٢٦ - ١٣١.
(٢) سورة المجادلة آية (٢٢).
(٣) انظر التشريع الجنائي الإسلامي/ عبد القادر عودة ج١ ص٥٧٥.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
ولو صبر على فسقها وظلمها في حالة عدم وجود من هو أصلح منها لكان ذلك أمرًا مباحًا، وإذا كان إحلال غيرها محلها يترتب عليه من المفاسد أعظم مما ينشده المصلحون من المصالح فإن الأولى الصبر عليها وعدم الخروج عن طاعتها، أما لو أخذ المسلمون بمبدأ نظام الحكم في الإسلام أخذ صحيحًا لوجب عزل الحاكم بالطرق السلمية عند فسقه وعصيانه (١).
أما إذا وُجِدَ الحاكم المسلم العدل والحكومة الإسلامية الحقة فإن طاعتها واجبة ومناصرتها فريضة والخروج عليها معصية قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (٢). وفي الحديث عن رسول الله - ﷺ - قال: «إنكم سترون بعدي أثرة وأمورًا تنكرونها قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدوا إليهم حقهم، وسلوا الله حقكم» (٣).
فحق الولاة على المسلمين طاعتهم في غير معصية الله ورسوله، ومناصرتهم وتأييدهم بما ليس فيه ضرر على المؤمنين في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم.
وإذا فليطمئن الحاكم المسلم على نفسه ما دام يحكم بالإسلام حيث قد ضمن الإسلام وجوب طاعته وحرم الخروج عليه، وإذا انحرف الحاكم عن حكم الله وعطل شرع الله فالخطأ خطؤه والجريمة جريمته، وما يلقاه من عنت ومشقة حينئذ إنما سببه تعديه على حدود الله، كحال أي مجرم يتعدى على الحدود الشرعية، فيكون جزاءه الردع والتأديب، ولذا فإن دار الإسلام هي التي يحكم فيها الإسلام وحينئذ يجب أن يتولى المسلمون فيها بعضهم بعضًا، وما عداها فهي دار حرب، علاقة المسلم بأهلها إما القتال،
_________________
(١) انظر رسالة ماجستير في عزل الرئيس الأعلى للدولة في نظام الحكم في الإسلام د/ علي فهيد السرباتي ص١٣١ - ١٣٢.
(٢) سورة النساء آية (٥٩).
(٣) رواه البخاري - انظر فتح الباري - ج١٣ ص٥.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
وإما المهادنة على عهد أمان، ولكن ليست دار إسلام، ولا ولاء بين أهلها وبين المسلمين (١).
سواء كان حكامها من الكفار الأصلاء أم العملاء فهما وجهان لعملة واحدة هي الكفر.
يقول الشاعر:
سيان من جاء باسم الشعب يظلمه
أو جاء من "لندن" بالبغي يبغيه (٢)
_________________
(١) انظر معالم في الطريق/ سيد قطب ص١٨٤ - ١٨٥.
(٢) انظر شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث ج١ ص٤٥.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
الفصل الثاني: الموالاة والمعاداة للفرق التي تنتسب إلى الإسلام
١ - تقديم لهذا الفصل حول افتراق هذه الأمة.
٢ - المبحث الأول: موالاة ومعاداة الفرقة الزيدية.
٣ - المبحث الثاني: موالاة ومعاداة الشيعة الاثنى عشرية.
٤ - المبحث الثالث: موالاة ومعاداة الطائفة النصيرية.
٥ - المبحث الرابع: موالاة ومعاداة الدروز.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
تقديم: حول افتراق هذه الأمة
قال رسول الله - ﷺ -: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة»، وفي رواية «ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة» (١)، والحديث بسنده ومعناه صحيح في الجملة، وقد اختلف العلماء في كون هذه الفرق في النار، فقال قوم هو أن هذه الفرق تدخل النار لبدعتها، وإن كانت، لا تخلد فيها، لأنه لا يخلد فيها منهم إلا من وصل ببدعته إلى حد الكفر، مثل الغلاة من الفرق الباطنية، الذي يؤلهون عليا، أو ينكرون تمام الرسالة أو القرآن أو يئولون أركان الإسلام تأويلًا فاسدًا مثل تأويلات الدروز والنصيرية لأحكام الإسلام.
_________________
(١) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ج١ ص١٢ - ٢٣، رقم الحديث (٢٠٣، ٢٠٤).
[ ٢ / ٥٢٩ ]
يقول ابن قيم الجوزية (﵀): إن قول الرسول - ﷺ -: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة» فيه دلالة على أن هذه الفرق كلها غير خارجة عن الإسلام، إذ قد جعلهم النبي - ﷺ - كلهم من أمته، وفيه أن المتأول لا يخرج من الملة وإن أخطأ في تأويله (١). اهـ.
واختلف العلماء في أهل البدع:
القول الأول: من كفرهم جميعًا وهذا القول قال به بعض المتأخرين المنتسبين إلى الأئمة أو إلى المتكلمين (٢).
القول الثاني: من كفر الجهمية دون الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة. وقد قال بهذا القول: يوسف بن أسباط وعبد الله بن المبارك وتبعهم على ذلك طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم (٣).
القول الثالث: من لا يكفر أحدًا من أهل البدع، بل يجعلهم من أهل الوعيد بمنزلة الفساق والعصاة، ويجعل قول الرسول - ﷺ - «في النار» مثل ما جاء في سائر الذنوب من أكل مال اليتيم ونحو ذلك (٤).
ويقول: ابن تيمية (﵀) «وفصل الخطاب في هذا الباب يذكر أصلين:
الأصل الأول: أن يعلم أن الكافر في نفس الأمر من أهل الصلاة لا يكون إلا منافقًا، وإذا كان الأمر كذلك، فأهل البدع فيهم الزنديق حيث كان
_________________
(١) انظر تهذيب سنن أبي داود لابن قيم الجوزية ج٧ ص١٥٤. وانظر إجابة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. مجلة الدعوة السعودية عدد (٨٢١) الاثنين ٢٧/ ١/١٤٠٢هـ. ص٢٦.
(٢) انظر فيما تقدم مذكرة في الملل والنحل أملاها الدكتور/ محمد رشاد سالم على طلاب قسم العقيدة في كلية أصول الدين للعام الدراسي ٩٦/ ١٣٩٧هـ. من ص٦ - ٧.
(٣) المصدر السابق المكان نفسه.
(٤) المصدر السابق المكان نفسه.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
رؤساء أهل البدع منافقين زنادقة وهذا كفر ومن أهل البدع من يكون فيه إيمان باطن وظاهر، ولكن فيه جهل وظلم حتى أخطأ من السنة، فهذا ليس بكافر ولا منافق، ومن أهل البدع من يكون فيه عدوان وظلم يكون به فاسقًا أو عاصيًا، لا يرقى به إلى درجة الكفر. ومن أهل البدع من يكون مخطئًا ومتأولًا مغفورًا له خطؤه، وقد يكون مع ذلك معه من الإيمان والتقوى، ما يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه» (١).
الأصل الثاني: إن المقالة الواحدة يختلف حكمها بحكم قائليها فمن جحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، أو أباح الزنا والخمر والربا ونكاح ذوات المحارم، فهذه المقالة كفر بواح لا غبار عليها.
وقد يقول بذلك إنسان لم يبلغه الخطاب، ولم تبلغه الشرائع (٢) الإسلامية فلا يكفر بذلك، لأنه لا يحكم بكفر من جحد شيئًا مما أنزل على الرسول - ﷺ - إذا لم يعلم أنه أنزل على رسول الله - ﷺ - (٣). اهـ.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية (﵀) عن رجل يفضل اليهود والنصارى على الغلاة من الفرق الباطنية.
فأجاب: أن كل من كان مؤمنًا بما جاء به محمد - ﷺ - فهو خير من كل من كفر به، وإن كان في إيمانه ذلك نوع من البدعة، سواء كانت بدعة التشيع، أو من المرجئة والقدرية وغيرهم، فإن اليهود والنصارى كفار كفرًا معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام، والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافق
_________________
(١) المصدر السابق ص٧.
(٢) روى عبد الله بن بسر أن أعرابيًا قال لرسول الله - ﷺ -: إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأنبئني منها بشيء أتشبث به، قال: «لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله». انظر سنن ابن ماجه ج٤ ص٤١٨ رقم (٣٨٥٥) وانظر مسند أحمد ج٤ ص١٨٨ - ١٩٠.
(٣) انظر فيما تقدم مذكرة في الملل والنحل أملاها الدكتور/ محمد رشاد سالم على طلاب قسم العقدية في كلية أصول الدين للعام الدراسي ٩٦/ ١٣٩٧هـ ص٧.
[ ٢ / ٥٣١ ]
للرسول - ﷺ - لا مخالفًا له، لم يكن كافرًا به، ولو قدر أنه يكفر فليس كفره مثل كفر من كذب الرسول - ﷺ - (١).
ويقول عبد القاهر بن طاهر البغدادي (٢) إن وصف «أمة الإسلام» لا يشمل إلا من كان مقرًا بحدوث العالم، وتوحيد صانعه، وقدمه وصفاته، وعدله، وحكمته، ونفى التشبيه عنه، وآمن بنبوة محمد - ﷺ - وبعموم رسالته إلى الكافة، وقام بتأييد شريعته، واعتقد أن كل ما جاء به الرسول - ﷺ - حق وبأن القرآن الكريم خال من الزيادة أو النقص، وأنه مع السنة متبع أحكام الشريعة، وأن الكعبة هي القبلة التي تجب الصلاة إليها، فكل من أقر بذلك، ولم يشبه ببدعة تؤدي إلى الكفر فهو من أهل السنة الموحدين الداخلين في مسمى أمة الإسلام (٣).
ثم يقول: «إن فرقة الزيدية والإمامية معدودتان في فرق الأمة الإسلامية، ما عدا الغلاة منهما فخارجون عن الإسلام».
أما الفرق الباطنية كالدروز والنصيرية والقرامطة ونحوهم فهي ليست من فرق الإسلام بل هي فرق خلطت بين المجوسية والنصرانية والإسلام فأخذت من كل بطرف زيادة في التضليل والنفاق (٤). اهـ.
_________________
(١) انظر الفتاوى لابن تيمية ج٣٥ ص٢٠١.
(٢) هو عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله التميمي البغدادي الشافعي (أبو منصور) فقيه، أصولي، متكلم، أديب، مشارك في أنواع من العلوم، ولد ببغداد ونشأ بها وسكن نيسابور ودرس بها سبعة عشر عامًا وتوفي بأسفرايين سنة (٤٢٩هـ) من مؤلفاته الكثيرة: الكلام في الوعيد الفاخر في الأوائل والآواخر، شرح المفتاح لابن القاص في فروع الفقه الشافعي، الملل والنحل للبغدادي، كتاب التفسير، التكملة في الحساب، وله أشعار كثيرة. انظر معجم المؤلفين عمر رضا كحاله ج٥ ص٣٠٩.
(٣) انظر الفرق بين الفرق/ عبد القاهر بن طاهر البغدادي ص١٢ - ١٣.
(٤) انظر الفرق بين الفرق/ عبد القاهر بن طاهر البغدادي ص٢١.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
وقد عدَّ ابن تيمية (﵀) فرقة النصيرية التي تدعى العلوية من الفرق الخارجة عن الإسلام (١). اهـ.
وعلى هذا فإن الحكم على الفرق المنتسبة إلى الإسلام يختلف باختلاف نظرتها واعتقادها في أصول الإسلام، فمن يعتقد في أصل من أصول الإسلام ما يوجب الكفر يحكم بكفره ومن يعتقد تأويلًا باطلًا في أصل من الأصول فإنه لا يحكم بكفره ولكنه يوصف بالفسق والعصيان إذا كان هذا التأويل لا يوجب الكفر وذلك مثل اعتقاد بعض الشيعة بأن الصلاة جماعة غير واجبة حتى يخرج المهدي المنتظر في زعمهم فمن حافظ على الصلاة منفردًا منهم فلا يكفر بترك الجماعة لأن مسألة حضور الجماعة ليست أصولية يحكم بكفر من تركها.
فالخلاف في الأصول الشرعية لا يعذر فيه أحد، ولذلك لما كتب أحمد بن علي القاسمي رسالة إلى عبد العزيز بن محمد بن سعود (﵀) يقول فيها «ولا يعترض أحد منا على أحد في مذهبه، وكل مجتهد مصيب» فرد عليه عبد العزيز - وهو من العلماء العاملين والحكام العادلين - بقوله «هذا في مسائل الفروع، لا في الأصول، حيث إن المشركين من اليهود والنصارى وغيرهم يدَّعون أنهم مصيبون (٢). قال تعالى: (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) (٣)».
وقال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) (٤). اهـ.
فمن المعلوم أن أهل السنة والجماعة وإن اختلفوا في بعض المسائل
_________________
(١) انظر الفتاوى لابن تيمية ج٣٢ ص١٤٥ - ١٦١ وانظر الفرق بين الفرق/ عبد القاهر بن طاهر البغدادي ص٢٥٢ - ٢٥٥.
(٢) انظر الدرر السنية ج١ ص١٤٨ - ١٥٠.
(٣) سورة الأعراف آية (٣٠).
(٤) سورة الكهف آية (١٠٣، ١٠٤).
[ ٢ / ٥٣٣ ]
الفقهية الفرعية، فإن اختلافهم ناجم عن اجتهاد محض، ودوافع بريئة من كل شائبة في غالب أحوالهم، وهذا الاختلاف إن كان اختلاف تنوع في بعض المسائل الفرعية فهو أمر لا يعيب المختلفون فيه بعضهم بعضًا.
وإن كان اختلاف تضاد في مسائل فرعية فيجوز وصف أحد المخالفين بالخطأ والآخر بالصواب، ولكن المخطئ لا يخرج من ملة الإسلام ما لم يتعمد سلوك الخطأ عن علم ويقين، أما من أخطأ عن اجتهاد منه في مسألة فرعية، فلا ضير عليه (١).
أما الخلاف في أصل من أصول الإسلام فهو أمر لا يجوز قولًا واحدًا، ومن خالف في أصل من أصول الإسلام فحكمه الكفر، ومن يخالف في أصل واحد كمن يخالف في سائر الأصول، ومذهب أهل السنة والجماعة فيمن خالف في أصل من أصول الإسلام أنهم يوجبون البراءة منه ومن قوله وفعله واعتقاده (٢).
ولذلك فإن دراستنا لأي فرقة من الفرق المنتسبة إلى الإسلام يقودنا إلى دراسة أهم الأصول الاعتقادية والشعائر التعبدية لتلك الفرقة من واقع مصادرها الأصلية، وما قاله عنها جهابذة العلماء عبر التاريخ، ثم بعد الاطلاع على الأسس والمنطلقات العقائدية لتلك الفرق نستطيع تصنيفها وترتيبها، ومعرفة درجة الموالاة والمعاداة التي ينبغي لأهل الإسلام الالتزام بها من واقع أقوال وأفعال مؤسسي تلك الفرق وأتباعهم إلى عصرنا الحاضر.
وقد يقول معترض أن البحث في الفرق الإسلامية وخلافها من أهل السنة والجماعة عمل سلبي وتحصيل حاصل لا يترتب عليه فائدة لأطراف
_________________
(١) انظر اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم/ ابن تيمية ص٣٧ - ٣٩.
(٢) انظر تبديد الظلام وتنبيه النيام/ إبراهيم سليمان الجيهان ص٦٣.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
النزاع سوى إذكاء روح العداوة بينهما كلما هدأت الفتنة بمرور الزمن وحانت فرصة الوحدة والالتقاء.
ونحن نرد على هذا الاعتراض بأن غرض العلماء من بيان هذا الأمر في كل زمان ومكان، هو بيان بطلان الباطل من تلك العقائد الضالة، لئلا تتخذ مع مرور الزمن، أمور مسلمة عند سلامتها من النقد والمناقشة والاعتراض، فإن رجع أصحابها عنها فقد رجعوا إلى الحق، وإن تمسكوا بها فقد تمسكوا بالباطل، فبيان بطلانها واجب على المسلمين للمسلمين، وللكفار الذين يتخذون من اعتقادات بعض فرق الباطنية وسيلة للطعن في الإسلام وتشويه نظامه المميز الفريد.
ونحن قد نلجأ إلى الغلظة في الكلام بناء على الحقائق المذهلة التي قد يكون إثباتها جارحًا لبعض الفرق، مما قد يجعلهم يصفون هذا الأسلوب بأنه نوع من التطرف والتشنج والانفعال الخالي من الحوار الهادئ، والجدل الموضوعي.
ونحن نرد: بأن المقام مع من يعبثون بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ويتسلون بدماء المسلمين وأعراضهم ليس مجرد الغلظة في الكلام ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
المبحث الأول: موالاة ومعاداة الفرقة الزيدية
الزيدية أو المذهب الزيدي ينسب إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (﵃) المتوفي سنة (١٣٢هـ - ٧٤٠م)، ويطلق على هذا المذهب في الأوساط الفقهية المذهب الخامس لأنه يلحق بالمذاهب الفقهية الأربعة نظرًا لاعتداله في بعض المسائل الفقهية (١).
وقد ألحقه كثير من الدارسين لأحوال الفرق الإسلامية بالمذهب الشيعي، لأن أهم رجال هذه الفرقة ممن يروي عن أئمة الشيعة، وموقفهم من الخلافة، أنهم يختلفون عن سائر فرق الشيعة حيث يرى البعض منهم جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، وموقف المعتدلين منهم عدم جواز سب الصحابة (رضوان الله عليهم) فهم يرون أن عليًا بن أبي طالب (﵁) أولى بالإمامة هو وأبناؤه بلا تمييز بين الأبناء وأبناء
_________________
(١) انظر دائرة المعارف الإسلامية ج١١ ص١٤ - ٢٠.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
الأبناء، وإذا قارنا بين آراء الزيدية في مسألة العصمة والإمامة والتقديس والرجعة والمعجزة والتقية والمهدية وتخطئة الصحابة، بآراء الشيعة الإمامة وببقية الفرق الأخرى لوجدنا أن هناك فرقًا كبيرًا بينهما، ولا يعني هذا خلو المذهب الزيدي من بعض المسائل والشوائب التي دخلت عليهم عن طريق التشيع لآل البيت فالمذهب الزيدي في جملته ينحو فيما يتعلق بالأسماء والصفات ونحو المعتزلة حيث إن زيد بن علي تتلمذ على يد واصل بن عطاء مؤسس مذهب الاعتزال في الأسماء والصفات (١).
وفيما يتعلق بالمسائل الإيمانية مخالف للمرجئة الذين يرون الإيمان مجرد التصديق بالقلب (٢)، كما أن المذهب الزيدي يحمل طابع التشدد في الدين في بعض القضايا، ويشترك الزيدية مع الشيعة في قولهم في الآذان: (حي على خير العمل). والتكبير خمس مرات في صلاة الجنازة، ورفض المسح على الخفين ورفض الصلاة خلف الفاجر، وعدم أكل ذبائح غير المسلمين (٣). هذا هو مذهب جمهور الزيدية، وقد شذ منهم بعض الفرق التي ضلت بسبب غلوها المفرط في التشيع وذلك مثل الجارودية وهم أتباع أبي الجارود بن المنذري العبدي، فقد خالفوا منهج الزيدية وضللوا الصحابة في اختيارهم غير الإمام علي (﵁) ويرفضون إمامة أبي بكر (﵁) وهم يعتبرون عند جمهور الزيدية، رافضة غلاة متطرفين. أما البترية، والسليمانية من فرق الزيدية فهما أكثر اعتدالًا من
_________________
(١) انظر كتاب الملل والنحل للشهرستاني ح١ ص١٢٠، ١٢٤، ١٦٦، (طبعة القاهرة ١٣٤٧هـ).
(٢) انظر دائرة المعارف الإسلامية ج١١ ص١٥.
(٣) انظر تاريخ الطبري ج٤ ص٢٦٤ - ٢٦٩ وانظر الفصل في الملل والنحل/ لابن حزم وبهامشه الملل والنحل للشهرستاني ج١ ص٢٠٧ - ٢١٨. وانظر دائرة المعارف الإسلامية ج١١ ص١٥ وانظر تاريخ الفكر الإسلامي في اليمن/ أحمد حسين شرف الدين ص١٣٠ - ١٣١ وانظر فجر الإسلام/ أحمد أمين ص٢٧٢.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
الجارودية في نظر عامة الزيديين لعدم تخطئتهما الصحابة، إلا أنهما اشترطا شروطًا حول الإمامة لم يوافق عليها جمهور الزيدية (١).
ويقول أحمد أمين (٢): «إن مذهب الزيدية من أعدل مذاهب الشيعة وأقربها إلى أهل السنة حيث لا يسبون الصحابة (رضوان الله عليهم) وينظرون إلى الإمامة نظرة اعتدال، ولا يقولون بوجوب النص ولا بعصمة الأئمة» (٣). اهـ.
أما اليزيدية من الخوارج وهم أتباع يزيد بن أبي أنيسة الخارجي فليست هذه الفرقة من فرق أهل الإسلام، لأنها تقول: «إن شريعة الإسلام تنسخ في آخر الزمان بنبي يبعث من العجم» (٤). اهـ.
وقد سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب (﵀) عن مذهب الزيدية المنسوب إلى زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (﵄) فقال: «زيد عندنا من علماء هذه الأمة فما وافق من أقواله الكتاب والسنة قبلناه، وما خالف ذلك رددناه، كما نفعل مع أقوال غيره من الأئمة والعلماء، هذا إذا صح النقل عنه بذلك ولكن أكثر ما ينسب إليه ويروى عنه، كذب وافتراء عليه، كما يفعل غلاة الشيعة مع علي بن أبي طالب (﵁) وأهل بيته حيث يروون عنهم، أقوالًا وآحاديث
_________________
(١) المصادر السابقة المكان نفسه.
(٢) هو أحمد أمين/ عضو المجمع اللغوي بالقاهرة، والمجمع العلمي بدمشق والمجمع العلمي ببغداد، ولد بالقاهرة سنة (١٢٩٥هـ وتوفي بها سنة ١٣٧٣هـ) تولى القضاء بمصر، ودرس بكلية الآداب بجامعة القاهرة، ثم انتخب عميدًا لها، ورأس لجنة التأليف والترجمة، وأصدر مجلة الثقافة، ثم شغل منصب مدير الإدارة الثقافية بالجامعة العربية. ومن مؤلفاته: فجر الإسلام، وضحى الإسلام، وظهر الإسلام، وفيض المخاطر، والنقد الأدبي، انظر معجم المؤلفين عمر رضا كحاله ج١ ص١٦٩.
(٣) انظر فجر الإسلام/ أحمد أمين ص٢٧٢.
(٤) انظر الفرق بين الفرق/ عبد القاهر بن طاهر البغدادي ص٢٧٩ - ٢٨٠. وانظر الفصل في الملل والأهواء والنحل/ لابن حزم/ وبهامشه الملل والنحل للشهرستاني ج١ ص١٨٣.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
مخالفة لأصول الإسلام ولما ثبت عن رسول الله - ﷺ - بطريق متواتر، وما أثبته العلماء الثقات بالنقل الصحيح».
ثم يقول والمذهب الزيدي الصحيح منه ما وافق الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وما خالف ذلك فهو باطل سواء كان ذلك مذهبًا زيديًا، أو أي مذهب كان (١). اهـ.
ويظهر مما تقدم أن فرقة الزيدية هم أقرب الفرق إلى أهل السنة والجماعة، فمن كان منهم يختلف مع أهل السنة في مسألة فرعية وقضية اجتهادية فهذا الخلاف لا يقطع مودة، ولا يوجب عداوة لأنه يجري بين جميع المسلمين. أما الخلاف في مسائل أصولية، مثل سلوكهم طريق المعتزلة في موضوع الأسماء والصفات، فهذا الخلاف الصحيح أنه ينقل عن الملة إذا كان القول كفرًا كإنكار علم الرب جل وعلا بالأمور قبل حدوثها والقول بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة، وأنه ليس في السماء فهذه المسائل توجب معاداة من يعتقدها مثل معاداة الكفار وتقتضي عدم موالاته ما دام متمسكًا بتلك الاعتقادات المخالفة للكتاب والسنة وإجماع الأمة ومدلول اللغة ومنطق العقل السليم.
وعلى هذا فإن منهج التعامل مع الزيدية هو منهج التعامل مع غيرهم من الناس، فمن خالف بذنب دون الكفر، عاملناه معاملة الفساق والعصاة (٢) بعد نصحه وبيان الحق له، ومن خالف بما يوجب الكفر أبغضناه وعاديناه، وقطعنا عنه الموالاة والمودة والمناصرة وسلكنا معه سبيل المرتدين عن الإسلام (٣)، وحاولنا حمله هو وأمثاله على الحق بما نستطيع من وسائل لتحقيق ذلك، والله الهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) انظر الدرر السنية ج١ ص١٣٩.
(٢) انظر مبحث العصاة والفساق من هذه الرسالة ص٤٢٥ - ٤٤٥.
(٣) انظر مبحث المرتدين من هذه الرسالة ص٤٥٢ - ٤٥٧.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
المبحث الثاني: موالاة ومعاداة الشيعة الاثنى عشرية
إن دراستنا لبعض الفرق المنتسبة للإسلام ليست دراسة تفصيلية لهذه الفرق بقدر ما هو معرفة أهم الأسس العقائدية لتلك الفرقة التي هي مجال بحث حتى يتسنى لنا النظر إليها من خلال منظار صحيح فلا نغالي في عداواتها بما يخالف منهج الإسلام، ولا نتسامح في موالاتها ونصرتها بما يضر الإسلام ويحبط العمل، بل يجب أن نحكم القرآن الكريم والسنة النبوية مع من نختلف معهم، عملًا بقوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (١). فالعدل مطلوب مع كل أحد والتعصب مذموم، إذا كان مبعثه الهوى والعاطفة المجردة من الحقيقة والدليل ودراستنا لفرقة من الفرق لا يعني أن كل المنتمين إليها يعتقدون ذلك الاعتقاد الفاسد ويتصورون ذلك التصور السخيف، فهناك من تراجع عن هذه الأفكار والاعتقادات وهناك من يجتهد في تطبيقها وتعلمها وهو على
_________________
(١) سورة النساء آية (٥٩).
[ ٢ / ٥٤٠ ]
خطأ في ذلك ولكنه من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ونحن ندرك أن الذين بدأوا خط الانحراف لتلك الفرق، إنما كانوا منافقين زنادقة تظاهروا بالإسلام، وهم أشد الكفار كفرًا ونفاقًا (١)، يقول الأستاذ أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام إن أول من قال بالرجعة عند الشيعة هو عبد الله بن سبأ وهو يهودي حاقد تظاهر بالإسلام كما تظاهر سلفه بولس بالنصرانية لإفسادها، وقد نقل ابن سبأ فكرة الرجعة هذه عن بولس حيث ورد في الإصحاح الثاني والعشرين والثالث والعشرين حكاية عن بولس «أنا رجل يهودي ولدت في طرسوس كيليكة ولكن ربيت في هذه المدينة "أورشليم" وقال في الثالث والعشرين «أنا فريسي ابن غريسي على رجاء قيامة الأموات» فنقل بن سبأ فكرة الرجعة وفكرة التقديس للأئمة ورفعهم إلى مرتبة الألوهية» (٢). اهـ.
وكل هذه المسائل التي انفردت بها الشيعة لها نظائر عند اليهود والنصارى، وهي أمور يأباها الدين الحق، ولقد أجمع المؤرخون المنصفون من الشيعة (٣) والسنة (٤) أن الذي أضرم نار الفتنة وسعى بالفرقة بين المسلمين، وحرض على أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين عثمان بن عفان، هو ذلك اللعين ابن سبأ وشرذمته من اليهود الذين أدمى الحقد قلوبهم وأعمى النور أبصارهم، فعمدوا إلى تفتيت قوة الإسلام من داخله وتمزيق وحدته، وإثارة العداوة بين أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعين لهم بإحسان وقد أصاب هذا الدعي بعض النجاح بزرع أسباب الفتنة بين المسلمين التي ما زال المسلمون يعانون من آثارها حتى عصرنا الحاضر (٥).
_________________
(١) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل/ علي بن حزم ج٢ ص١١٥.
(٢) انظر ضحى الإسلام أحمد أمين ص٢٤٧ وانظر مختصر التحفة الاثنى عشرية ص٥٤ وانظر محاضرات في النصرانية/ محمد أبو زهرة ص٧٠ - ٧١.
(٣) انظر رجال الكشي ص١٠١ (ط مؤسسة الأعلمي بكربلاء - العراق).
(٤) انظر تاريخ الطبري ج٥ ص٦٦ (ط - مصر).
(٥) انظر الشيعة والسنة/ إحسان الهي ظهير ص١٩ - ٣١.
[ ٢ / ٥٤١ ]
وسنقتصر على محاكمة هذه الفرقة من خلال النصوص المعتمدة في كتبها القديمة والحديثة، وعندما نتخذ حكمًا حول أصل من أصولهم فإنما يصدق هذا الحكم على من قال ذلك الكلام، وعلى من صدقه أو اعتقد صحته، في أي زمان ومكان، سواء كان ممن ينتسب إلى الشيعة أو ينتسب إلى غيرهم ولا ينطبق ذلك الحكم على عموم الأفراد من الشيعة الذين لا يؤمنون بتلك الأقوال، التي ظهر عيبها، وبان عورها عند كثير من الشيعة أنفسهم في العصر الحاضر، فضلًا عن غيرهم من الناس وسنتناول عقيدة الشيعة الاثنى عشرية في القرآن الكريم، وفي تفسير بعض الآيات من القرآن الكريم، ونظرتهم إلى الإمامة وغلوهم في الأئمة وعقيدتهم في العصمة، والرجعة والبَدَاء على الله وهذه بعض الفوارق بينهم وبين أهل السنة والجماعة والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
(أ) (عقيدةُ الشيعةِ الاثنى عشرية في القرآن الكريم):
إن الشيعة الاثنى عشرية فيهم الغلاة الذين صرحوا بنقصان القرآن الكريم وتحريفه، وفيهم المعتدلون الذين قالوا بتمام القرآن، ولكنهم لم يتبرأوا ممن قال بنقيض قولهم، بل سكتوا عن ذلك وتغافلوا عنه، وإن عدم الإيمان بحفظ القرآن الكريم وصيانته من التحريف يجر إلى إنكار القرآن وتعطيل الأحكام التي جاءت من عند الله، لأنه حينئذ يحتمل في كل آية من آيات القرآن الحكيم أنه وقع فيها تبديل وتحريف، وحين يقع الاحتمال يبطل الاستدلال، وعند ذلك تبطل الاعتقادات، لأن الإيمان لا يكون إلا باليقينيات وأما الظنيات والمحتملات فلا يبنى عليها اعتقاد جازم.
وإذا رجعنا إلى قول علماء الشيعة في القرآن الكريم، نجد أن جمهور علماء الشيعة، وخاصة المعتمدون لديهم من السابقين، يقولون بأن القرآن الموجود لدى أئمتهم عدد آياته سبعة عشر ألف أية وأن الموجود لدى المسلمين في العصر الحاضر لا يساوي إلا الثلث وها هي النصوص من
[ ٢ / ٥٤٢ ]
كتبهم المعتمدة لديهم تنطق بذلك حتى لا يتوهم أحد أننا نتقول عليهم غير ما يقولون.
أولًا: يروي المحدث الشيعي الكبير (الكليني) (١) الذي هو حجتهم ومعتمدهم ومرجعهم في عقيدة الاثنى عشرية في أقوالهم وأفعالهم، والذي كتبه لديهم بمنزلة صحيحي البخاري ومسلم عند عامة أهل السنة يقول: الكليني في كتابه «الكافي في الأصول» رواية عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله ﵇ قال: «إن القرآن الذي جاء به جبرائيل ﵇ إلى محمد - ﷺ - سبعة عشر ألف آية» (٢).
ومعنى هذا أن الشيعة فُقِدَ في اعتقادهم ثلثا القرآن الكريم وفي رواية أخرى يرويها الكليني: «أنا أبا الحسن موسى ﵇ كتب إلى علي بن سويد وهو في السجن: «ولا تلتمس دين من ليس من شيعتك، ولا تحبّن دينهم، فإنهم الخائنون، الذين خانوا الله ورسوله، وخانوا أمانتهم، وهل تدري ما خانوا أماناتهم؟ ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه»» (٣). اهـ.
هذه نماذج مما كتبه الكليني عن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
ثانيًا: ما يروى ععن صدوق الشيعة «كما يزعمون» ابن باويه القمي
_________________
(١) هو محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني البغدادي (أبو جعفر) من فقهاء الشيعة سكن في بغداد، بباب الكوفة، وتوفي بها سنة ٣٢٩هـ، من تصانيفه - الكافي ويشتمل على ثلاثين كتابًا، العقل وفضل العلم، والتوحيد، الحجة، فضائل القرآن. انظر معجم المؤلفين/ عمر رضا كحاله ج١٢ ص١١٦.
(٢) انظر الكافي في الأصول (كتاب فضل القرآن) باب النوادر ص٦٣٤ ج٢ (ط - طهران - ١٣٨١هـ).
(٣) انظر الكافي في الأصول (كتاب الروضة) ص١٢٥.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
قال: رواية عن ابن الزبير عن جابر قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون - المِصْحَف، والمسجد - والعترة - يقول المصحف يا رب حرقوني ومزقوني (١).
ثالثًا: من أشد كتاب الشيعة تطرفا ومغالاة في ذلك المدعو - مرزا حسين بن محمد التقي النور الطبرسي، وهو من أجل علماء الشيعة لديهم ألف كتابًا سنة (١٢٩٢هـ) سماه فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب (٢). وعندما طبع هذا الكتاب قام بعض زعماء الشيعة باحتجاج على مؤلفه لأنهم كانوا يريدون أن يبقى التشكيك في صحة القرآن محصورًا بين خاصتهم، ومتفرقًا في الكتب المعتبرة لديهم، وإلا لو كانوا صادقين في إنكار ذلك لما قاموا بطبع الكتب وترويجها وهي التي في الحقيقة مصدر لذلك الكتاب الذي كتبه المرزا حسين، فهو لم يأت بشيء جديد سوى جمع ما تفرق من إثم وباطل في حيز واحد؛ ولكنهم قالوا إن إصدار مثل هذا الكتاب يكون حجة واضحة ماثلة أمام أنظار الجميع. ثم ألف كتاب آخر سماه «رد بعض الشبهات عن فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب» والكتابين فيهما من السخف ما لم يقل به متعصبوا اليهود والنصارى في عداوة الإسلام، فقد ذكر في كتابه الأول في الصفحة (١٨٠) منه أن القرآن الموجود في أيدي الناس تنقصه سورة الولاية التي مذكور فيها ولاية علي بن أبي طالب، وعندما مات هذا الشخص بعد كتابه الأخير بسنتين كافأه عامة الشعية على هذا المجهود في محاولة إثبات
_________________
(١) انظر كتاب (الخصال) لابن بابويه القمي ص٨٣ (ط إيران سنة ١٣٠٢هـ).
(٢) يوجد منه نسخة في مكتبه محمد حسين نصيف/ جامعة الملك عبد العزيز بجده - انظر فهرس مكتبة محمد حسين نصيف بجامعة الرياض قسم المخطوطات وعدد صفحات هذا الكتاب تبلغ ٣٩٨ صفحة ويوجد منها نسخة في الخزانة التيمورية التابعة لدار الكتب المصرية - وقد طبع سنة ١٢٩١هـ. طبع فارس على الحجر.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
تحريف القرآن بأن دفنوه في ذلك المكان المقدس لديهم في بناء المشهد العلوي في النجف المشرف لديهم (١).
وهذا لا يعني أن كل الشيعة الاثنى عشرية يقولون بذلك فإنا نجد منهم من ينكر تحريف القرآن الكريم وهذا هو الصواب إن لم يكن تقية من بعضهم، فإن التقية من مبادئهم وهي تعني إظهار شيء وإخفاء ضده، ولكننا لسنا مكلفين ولا قادرين على معرفة ما تحويه القلوب فنحكم على الظاهر والله يتولى السرائر، فنجد أن الشيخ الشيعي لطف الله الصافي في كتابه مع الخطيب في خطوطه العريضة ينكر تحريف القرآن الكريم (٢)، وكذلك إبراهيم الموسوي الزنجاني من كتابهم المعاصرين يذكر في كتابه «عقائد الأمة الاثنى عشرية» ما نصه:
«ولقد اتفقت الإمامية الاثنى عشرية بكلمة واحدة على أنه لا زيادة في القرآن، وجزموا بكلمة قاطعة أن الذي بين الدفتين هو القرآن المنزل، دون زيادة أو نقصان، واليوم أصبح هذا القول ضرورة من ضرورات الدين ثم يقول: وذكر سيدنا وأستاذنا في العلوم العقلية، آية الله السيد أبو القاسم الخوئي النجفي في تفسيره وأصوله، قوله: وأما دعوى تحريفه، فإنا نمنع وقوعه أولًا، ولم يقل به إلا بعض العامة، وتبعهم نفر من الخاصة الذين لا تحصيل لديهم» (٣).
ومناقشة هذا القول على النحو التالي:
أولًا: إن ما قال به أبو القاسم الخوئي ولطف الله الصافي وإبراهيم الموسوي الزنجاني وغيرهم من عدم تحريف القرآن حق لا غبار عليه وشجاعة منهم ومن أمثالهم في قول كلمة الحق في وسط ينكر ذلك، ولكن
_________________
(١) انظر الخطوط العريضة للأسس التي قام عليها دين الشيعة الأمامية الاثنى عشرية/ محب الدين الخطيب ص٩ - ١٠.
(٢) انظر كتاب مع الخطيب في خطوطه العريضة ص٤٨ - ٨٢.
(٣) انظر عقائد الأمامية الاثنى عشرية/ تأليف/ إبراهيم الموسوي الزنجاني ص١٨٦.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
ثمة تقصير منهم في عدم كشف الحقيقة كاملة حيث إن ما ادعاه لطف الله الصافي من أن الشيعة لا تعتقد بتحريف القرآن وتغييره إنكار لا يستند إلى دليل.
١ - فهو لم يستطع إنكار كتاب -الحاج- مرزا حسين بن محمد التقي النوري الطيرسي- ولم يبين مرتبته وشأنه عند الشيعة، بل بالعكس، قد اعترف بتضلعه في الحديث، وعلو مقامه عندهم (١).
٢ - لم يتبرأ من الذين قالوا بتحريف القرآن الكريم أمثال الكليني، وابن بابويه القمي، ومرزا حسين وغيرهم، ولم يذكرهم بأسمائهم فهو إما لا يعلمهم وتلك مصيبة، وإما أن يعلمهم، ولا يريد ذكرهم وهذه مصيبة أخرى (٢).
إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
ثانيًا: إن ما قاله إبراهيم الموسوي الزنجاني في كتابه المشار إليه آنفًا سلك فيه نفس المسلك والطريق الذي سلكه صاحب لطف الله الصافي من قبل:
١ - فهو ادعى الإجماع على عدم القول بتحريف القرآن الكريم وهذا كذب واضح وافتراء مكشوف، حيث نقض دعوى الإجماع بعد ستة أسطر من كلامه المشار إليه فقال وأما دعوى تحريفه
٢ - أنه نسب القول بتحريف القرآن إلى بعض العامة أو الخاصة الذين ليسوا لديهم تحصيل علمي وهذه مغالطة واضحة، حيث إن الحقيقة تدل على أن الذين قالوا بالتحريف، هم العلماء المعتمدون لدى الشيعة
_________________
(١) انظر الخطوط العريضة للأسس التي قام عليها دين الشيعة/ محب الدين الخطيب ص٩٠١٠.
(٢) انظر السنة والشيعة/ تأليف إحسان الهي ظهير ص٧٨ - ٧٩.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
فهل الكليني والطبرسي وابن بابويه القمي والسيد نعمة الله الجزائري وعلي أصغر البرجردي، وعلي الحائر اللاهوري (١). من العامة أو من الذين لا تحصيل لهم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يرجعون إلى مؤلفاتهم وأقوالهم في كل كلمة يتكلمون بها وفي كل فعل يفعلونه ويفضلون نقل رواياتهم التي تعمدوا فيها الكذب على رسول الله - ﷺ - ويتركون كلام الله وكلام رسوله الذي لا يأتي عن طريق هؤلاء، إن الواجب مقاطعة كل ما كتبه هؤلاء من حق أو باطل، لأن الحق الذي شابه الباطل يوجد في مصادر أخرى نزية من الباطل، ولكن الواقع غير ذلك فما من مكتبة أو مدرسة أو بيت إلا وتجد فيها كتب هؤلاء الذين يطعنون في صحة القرآن الكريم وتمامه، وما تجد مؤلفًا حديثًا أو مقالًا في مجلة من مجلات هؤلاء إلا وترجع في معلوماتها إلى من أنكروا تمام القرآن وكماله، فهذا الكاتب إبراهيم الموسوي الزنجاني - والذي يدافع بحرارة عن كمال القرآن وتمامه - قد رجع واعتمد في معظم ما كتب على كتاب (الكافي في الأصول) للكليني وإلى كتاب (الخصال) لابن بابويه القمي مع قولهما بنقصان القرآن الكريم وتحريفه فالكليني يروي عن جابر الجعفي قال: سمعت أبا جعفر ﵇ يقول: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب والأئمة بعده (٢).
ونحن نقول أين هذا الكتاب الذي جمعه علي بن أبي طالب والأئمة بعده قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين! أم أن هذا الكتاب مع المهدي الثاني عشر الذي أصبح خرافة من خرافات التاريخ! إننا لم نجد حتى من كتاب الشيعة المحدثين والذين يدعون العقلانية والاعتدال من تجرأ على
_________________
(١) انظر المصدر السابق ص١٢١.
(٢) انظر الكافي في الأصول (كتاب الحجة) باب، «إنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة» ج١ ص٢٢٨ (ط- طهران).
[ ٢ / ٥٤٧ ]
البراءة من أولئك الذين تزخر مؤلفاتهم بدعوى تحريف القرآن الكريم فضلًا عن أن يعلنوا كفرهم وخروجهم من الإسلام وأن يمنعوا كتبهم من التداول، ويقاطعوا طبعها وشراءها، وأن يضعوا المؤلفين لها في القائمة السوداء، بدلًا من مدحهم وإطرائهم على رؤوس الأشهاد، والرجوع إلى مؤلفاتهم صباح مساء وهم قد دسوا الكفر والضلال بين طياتها، فإنه لا ولاء إلا ببراء كما يزعمون ذلك في شأن الصحابة (﵃) فعدم براءتهم ممن يقول بنقص القرآن وتحريفه، دليل واضح على الموافقة والرضى بذلك، والساكت على المنكر شيطان أخرس فإن كل شيعي يقرأ كتاب الكافي في الأصول للكليني أو يقرأ كتاب الخصال لإبن بابويه القمي أو يقرأ كتاب السيد نعمة الله الجزائري أو غيرها من الكتب التي تنكر تمام القرآن وكماله ثم يعتقد بصحة ذلك يكون قد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ - وكذب ما دل عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) فمن أنكر تمام القرآن وكماله أو اعتقد وجود الزيادة والنقص فيه فهو كافر كائنًا من كان وحكم موالاته ومعاداته حكم موالاة ومعاداة الكفار سواء بسواء.
(ب) (عقيدة الشيعة الاثنى عشرية في الإمامة):
يقول إبراهيم الموسوي الزنجاني «الإمامة هي الأصل الرابع في معتقدنا وهي أصل الخلاف بين الشيعة وسائر الطوائف الإسلامية» (١).
والإمامية يعتقدون أن الإيمان بالإمامة والانضواء إلى الأئمة ركن سادس من أركان الإسلام، ولذلك يعدون من ينكر الإمامة كافرًا وهذا قول أشهر محدثيهم وعلمائهم.
فيروي الكليني عن أبي عبد الله (﵇) أنه قال: «نحن الذين فرض الله طاعتنا، لا يسع الناس إلا معرفتنا، ولا يعذر الناس
_________________
(١) انظر عقائد الإمامية الاثنى عشرية/ إبراهيم الموسوي الزنجاني ص٣٠٥.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
بجهالتنا من عرفنا، كان مؤمنًا، ومن أنكرنا كان كافرًا، ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالًا حتى يرجع إلى الهدى الذي افترض الله عليه من طاعتنا الواجبة» (١). فعلى هذا كل من عدا الشيعة الاثنى عشرية فهم كفار في نظر الكليني لأنهم لم يؤمنوا ولم يعرفوا الأئمة الاثنى عشر الذي يدعي وجوب إتباعهم وكفر من خالفهم.
وقد علل الشيعة الاثنا عشرية ذلك بأن نصب الإمام واجب على الله لأنه ألطف بالعباد، ونحن لا نريد أن نخوض في ذلك الجدل الكلامي والتعللات الواهية حيث يجد القارئ الكريم ذلك مبسوطًا في كتب الفرق التي تناولت ذلك بالتفصيل ولكن نشير إلى قولهم هذا بأنه لو تنازلنا فرضًا على صحة قولكم فهل يكون اللطف بإمام قائم ظاهر قادر، يرجى نفعه ويخشى عقابه، أم يكون اللطف بإمام مقهور مستور في سرداب سامر منذ ثلاثة عشر قرنًا كما تعتقدون؟ فأنتم تعتقدون وجوب موجودين، لا ترون وجوب وجودهم، وهذا غاية التناقض والضلال، لأنه لا سبيل إلى معرفة الإمام بنفسه، فما بالك بمعرفة أوامره ونواهيه وأخباره؟
وقد شكا أحد رؤساء الشيعة إلى المقدسي فساد الخلق ثم قال له وما يصلحهم، قال المقدسي يصلحهم خروج المهدي، فقال السائل هل لخروجه وقت معلوم؟ فأجاب نعم: قال متى يكون؟ قال: إذا فسد الخلق، فقال السائل وهل تحبسونه عن الخلق وقد فسدوا كلهم غيركم، فلو فسدتم لخرج، فأسرعوا به إلينا، وأطلقوه من سجنه بدخولكم معنا (٢).
وقد غلوا في الأئمة كما غلت النصارى في عيسى بن مريم فرفعوا الأئمة على الرسل والأنبياء ووصل الأمر عند بعض الفرق إلى تأليه الأئمة
_________________
(١) انظر كتاب الحجة من الكافي - للكليني ج١ ص١٨٧ (ط - طهران).
(٢) انظر تبديد الظلام وتنبيه النيام/ إبراهيم سليمان الجبهان ص٣٦٥. نقلًا عن كتاب الإسلام الصحيح للنشاشيبي.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
فهذا الكليني كبير محدثي الشيعة يروى في الكافي الذي هو عندهم بمنزلة صحيح البخاري تحت باب «أن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا» ويروى عن جعفر أنه قال: «إن الإمام إذا شاء أن يعلم علم» (١). وفي رواية مكذوبة على علي بن أبي طالب (﵁) عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله قال: كان أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه -كثيرًا ما يقول: «أنا قسيم الله بين الجنة والنار ولقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل- بمثل ما أقروا لمحمد - ﷺ - ولقد حملت مثل حمولته، وهي حمولة الرب، وإن رسول الله - ﷺ - يدعى فيكسي، وادعى فأكسي ولقد أعطيت خصالًا ما سبقني إليها أحد قبلي، علمت المنايا والبلايا، والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني، ولم يعزب عني ما غاب عني أبشر بإذن الله، وأؤدي عنه» (٢). وهذا نماذج وغيض من فيض وإذا أردت أن تعرف ذلك مفصلًا فارجع إلى كتبهم المشار إليها أو إلى الكتب التي كتبت عن ذلك (٣). ولم يسلم من هذا الأمر حتى المتأخرين والمعاصرين منهم، رغم محاولتهم الشديدة في الاعتدال والبعد عن الغلو.
فهذا آية الله الخميني وهو من أشهر علمائهم المعاصرين ورئيسهم الحالي يقول عن الأئمة «وإن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا منزلة لا يبلغها ملك مقرب ولا نبي مرسل» (٤).
وقد جرهم الغلو في الأئمة والتقديس لهم إلى القول بعصمتهم من الخطأ وعدم حصول الذنوب منهم.
يقول: أحد كتابهم المعاصرين «اعتقادنا أن الأئمة معصومون
_________________
(١) الكافي في الأصول (باب كتاب الحجة ص٢٥٨ ج١ ط - إيران).
(٢) الكافي في الأصول - باب كتاب الحجة ص١٩٦، ١٩٧ ج١ ط - إيران.
(٣) انظر الخطوط العريض للأسس التي قام عليها دين الشيعة الإمامية الاثنى عشرية ص٢٥/ محب الدين الخطيب. وانظر الشيعة والسنة/ لشيخ الإسلام ابن تيمية.
(٤) الحكومة الإسلامية/ آية الله الموسوي الخميني ص٥٢ (ط-٤).
[ ٢ / ٥٥٠ ]
ومطهرون من كل دنس، وأنهم لا يذنبون ذنبًا لا صغيرًا ولا كبيرًا ولا يعصون الله في شيء مما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم، فقد جهلهم، ومن جهلهم فهو كافر» (١). ففي نظر هذا الكاتب كما هو نظر غيره من عامة الشيعة أن جمهور المسلمين الذين لا يقولون بذلك كفار لعدم موافقة هؤلاء على غلوهم وجهلهم في الأئمة وفي عصمتهم، والصحيح أن الإسلام لا يعطي صفة العصمة لأحد غير رسول الله - ﷺ - فإنه لا يقر على خطأ، أما ما عداه من الناس فهم مجتهدون يخطئون ويصيبون، ولو قلنا بتسلسل العصمة لجعلنا من الإسلام دينًا كهنوتيًا يحتكر فهمه وتفسيره أفراد من الناس والقائلون بعصمة الأئمة يريدون ذلك، بأن الإمام، لا يسئل ما يفعل، ولا يجوز مناقشة الأئمة فيما يعملون، وأنهم يعلمون الغيب ويعرفون ما صار وما يمكن أن يصير ومتى يموتون، إلى غير ذلك من الصفات الكمالية التي لا تليق إلا بالله ﷿، وقد صور هذا المعنى الذي يظهر الغلو في الأئمة الشاعر الفاسق ابن هانئ الأندلسي يخاطب المعز الفاطمي فقال له:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار
فمثل هذا الغلو كفر يخرج فاعله عن دائرة الإسلام (٢).
ونجد التناقض البين فيما يعتقدونه في الأئمة من عصمة وعدم ارتكابهم أي ذنب من الذنوب، وبين ما يدعون به من دعاء في مزاراتهم ويروونه عن أئمتهم بأنهم مذنبون مخطئون وهذا تجده في الكتاب الواحد فقد ذكر إبراهيم الزنجاني أن الأئمة لا يذنبون كما تقدم (٣).
ثم ذكر بعد ذلك دعاء يروونه عن الرضا ﵇ «اللهم أني أبرأ
_________________
(١) عقيدة الإمامية الاثنى عشرية ص١٥٧/ تأليف/ إبراهيم الموسوي الزنجاني.
(٢) انظر المجتمع عدد ٤٧٧ السنة الحادية عشرة في ٧/ ٦/١٤٠٠ هـ ص١١.
(٣) انظر ص٥٠٩ من هذه الرسالة.
[ ٢ / ٥٥١ ]
إليك من الذين قالوا فينا ما لم نعلمه في أنفسنا، اللهم لك الخلق ومنك الأمر، وإياك نعبد وإياك نستعين. اللهم أنت خالقنا وخالق آبائنا الأولين. اللهم لا تليق الربوبية إلا بك، ولا تصلح الإلاهية إلا لك، فالعن النصارى الذين صغروا عظمتك، والعن المضاهين لقولهم من برئيتك. اللهم إنا عبيدك وأبناء عبيدك، لا نملك لأنفسنا ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة، ولا نشورا، اللهم من زعم أن لنا الخلق، وعلينا الرزق، فنحن إليك منه براء كبراءة عيسى بن مريم من النصارى، اللهم لم ندعهم إلى ما يزعمون، فلا تؤاخذنا بما يقولون،، واغفر لنا ما يزعمون» (١).
فانظر إلى الفرق الشاسع والتناقض الواضح بين كتب وكتاب الشيعة أنفسهم وفي الكتاب الواحد غلو إلى درجة التقديس ودعاء يشعر بارتكاب الخطايا والذنوب ففي دعاء يروونه عن الحسين أنه قال «فإني لم آتك بعمل صالح قدمته، أرجو عفوك الذي عدت به على الخطائين، عند عكوفهم على المحارم» (٢).
وفي دعاء يروونه عن جعفر الصادق قوله أنه قال: «اللهم إني أسألك أن تتجاوز عن سيئاتي وما عندي بحسن ما عندك، وأن تعطيني من عفوك ما استوجب به كرامتك» (٣).
ثم يقول في موضع آخر من كتابه: «سلام على القائم المهدي المنتظر وابن الأئمة الهداة الهادي المعصوم وابن الأئمة الهداة المعصومين. ثم يقول: السلام عليك يابن الهداة الحجج المعصومين» (٤). اهـ.
وإذا أردت مزيدًا من الأدعية التي تدل على أن الأئمة معصومون وفي
_________________
(١) انظر عقائد الأمامية/ إبراهيم الموسوي الزنجاني ص٣١٠، ٣٠٢. ثم قارن ذلك بما ورد في ص١٥٧ من الكتاب نفسه تجد التضارب والتناقض.
(٢) مفاتيح الجنان/ عباس القمي ص٤٢.
(٣) مفاتيح الجنان/ عباس القمي ص٤٣.
(٤) المصدر السابق نفسه ص١١٦.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
الوقت نفسه مذنبون خطَّئون آثمون فارجع إلى كتاب مفاتيح الجنان، لترى ما فيه من الأدعية المتناقضة التي ما انزل الله بها من سلطان (١).
ومن المسائل التي انفردت بها الشيعة الإمامية الاثنا عشرية مسألة البَدَاء على الله، ومعنى ذلك أن الله يبدو له علم ما لم يكن يعلم من قبل، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وقد قال الكليني فيما يكذبه على جعفر أنه قال: يبعث عبد المطلب أمة وحدة، عليه بهاء الملوك وسيماء الأنبياء، وذلك أنه أول من قال بالبداء (٢). وهم بذلك يريدون أن ينزعوا من الله تعالى صفة العلم الكامل. قال تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (٣). وقال تعالى: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) (٤). وقد ذكر النوبختي أن جعفر بن محمد الباقر نص على إمامة إسماعيل ابنه وأشار إليه في حياته، ثم إن إسماعيل مات وهو حي فقال: ما بدا لله في شيء كما بدا له في إسماعيل ابني (٥).
والقول بالبداء على الله إنما يريد به الزنادقة الذين أسسوا هذا المذهب، تبرير ما يقولون من كذب وافتراء على الله فهم إذا قالوا بقول أو تكلموا بأمر، ثم كان الواقع خلاف ذلك قالوا بدا لله أن لا يفعل ذلك فيخرجون من تبعة الكذب وانكشاف الباطل بهذا العذر الموهم الخداع.
(ج) (عقيدة الإمامية الاثنا عشرية في الرجعة):
يعتقد الإمامية الاثنا عشرية بأن هناك بعثة لبعض الأموات قبل قيام الساعة وذلك عند خروج المهدي المنتظر كما يزعمون.
_________________
(١) المصدر السابق ص١٠، ٤٠، ٤٢، ٤٣، ١١٦، ١٩٩، ٢٩٨، ٥٦٢.
(٢) انظر الكافي في الأصول (كتاب الحجة) ص٢٨٣ (ج ٣).
(٣) سورة الحشر آية (٢٢).
(٤) سورة الطلاق آية (١٢).
(٥) فرق الشيعة للنوبختي ص٨٤ ط -
[ ٢ / ٥٥٣ ]
قال الصدوق - أي ابن باويه القمي - والحق أنه الكذوب - اعتقادنا في الرجعة أنها حق. وهي تختص بمن محض الإيمان ومحض الكفر والباقون سكوت عنهم (١) والرجعة عبارة عن حشرة قوم وبعثهم عند قيام القائم محمد بن الحسن العسكري، فيبعث أناس ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته، ليفوزوا بثواب نصرته ومعونة ويبتهجوا بظهور دولته وقوم من أعدائه يبعثون لينتقم منهم، وينالوا بعض ما يستحقونه من العذاب والقتل على أيدي شيعته وليبتلوا بالذل والخزي بما يشاهدونه من علو كلمته (٢). ويستدلون على ذلك بآيات من القرآن الكريم يؤلونها حسب مزاعمهم الباطلة منها ما يأتي:
١ - قوله تعالى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا) (٣). فيقولون إن هذه الآية تدل على أن هذا الحشر خاص ببعض دون بعض فيتعين أن يكون غير الحشر الأكبر.
٢ - قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) (٤). فيروون عن الصادق في تفسيرها أنه قال: لا والله لا تنقضي الدنيا ولا تذهب حتى يجتمع رسول الله - ﷺ - وعلي فيلتقيان بالثوية -وهو موضع بالكوفة- في مسجد له اثنا عشر ألف باب (٥).
٣ - قوله تعالى: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). فالعذاب الأدنى عذاب الرجعة عندهم والعذاب الأكبر عذاب القيامة.
وعلى هذا المنوال من التأويلات الباطلة والأقوال المنحرفة التي لا
_________________
(١) انظر عقائد الإمامية الاثنى عشرية/ إبراهيم الموسوي الزنجاني ص٢٢٨.
(٢) المصدر السابق ص٢٢٩.
(٣) سورة النمل آية (٨٣).
(٤) سورة القصص آية (٨٥).
(٥) انظر عقائد الإمامية الاثنى عشرية ص٢٢٩.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
تحتمل الآيات معناها ولا تدل عليها بمقتضاها، والتي لا تدل عليها اللغة العربية الفصحى، ولا عجب في ذلك فقد وصفوا علي بن أبي طالب (﵁) بالدابة في قوله تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ) (١).
قال الطبرسي في تفسيره، قال رجل لعمار بن ياسر: يا أبا اليقظان آية في كتاب الله أفسدت قلبي. قال عمار وأي آية هي؟ فقال هذه الآية: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ) الآية قال عمار والله ما أجلس ولا آكل ولا أشرب حتى أريكها، فجاء عمار مع الرجل إلى أمير المؤمنين (﵁) وهو يأكل تمرًا وزبدًا فقال: يا أبا اليقظان؛ هلمّ فجلس عمار يأكل معه فتعجب الرجل منه فلما قام عمار قال الرجل سبحان الله حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتى ترينيها قال عمار أريتكها إن كنت تعقل (يقصد علي بن أبي طالب) وروي عن العياش هذه القصة بعينها (٢). ويرون الرجعة أصلًا من أصول عقيدتهم وأن الإيمان بها كالإيمان بالصراط والميزان (٣).
فيروون عن جابر الجعفي عن أبي عبد الله قال: «إذا قام قائم آل محمد ضرب فساطيط يعلم فيها القرآن على ما أنزل، فيقول محب الدين الخطيب معلقًا على ذلك: لماذا لم يفعل ذلك جده علي بن أبي طالب مدة ولايته الخلافة؟ فهل حفيده الثاني عشر أوفى منه للقرآن والإسلام؟!» (٤).
ولا شك أن مثل هذه الأقوال ما هي إلا تخيلات وهمية ونوع من أحلام اليقظة، يتلذذ بها هؤلاء لتخفيف ما أنزل بهم من بأس وقنوط، وإلا فإن مثل هذه القضية ليست من السهولة أن تخفى على صحابة رسول الله٠
_________________
(١) سورة النمل آية (٨٢).
(٢) مجمع البيان في تفسير القرآن/ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي م٥ ص٢٥١.
(٣) عقائد الإمامية الاثنى عشرية/ إبراهيم الموسوي الزنجاني ص (٢٣٨ - ٢٤١).
(٤) انظر الخطوط العريضة للأسس التي قام عليها دين الشيعة الاثنى عشرية. محب الدين الخطيب ص٢٥.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
- ﷺ - أو أن لا يوضحها الرسول - ﷺ - توضيحًا جليًا فلم ينقل عن الله ولا عن رسوله ولا عن صحابته ولا عن التابعين أن هناك بعث قبل بعث يوم القيامة، ومن نسب شيئًا إلى الرسول - ﷺ - وهو لم يثبت عنه فهو من أهل النار إن كان معتمدًا ذلك قال رسول الله - ﷺ -: «من كذب عليّ معتمدًا فليتبوء مقعده من النار» (١).
(د) (موقف الشيعة الإمامية الاثنى عشرية من الصحابة):
إن الشيعة عامة والاثنى عشرية خاصة وقفوا من صحابة رسول الله - ﷺ - موقف الإفراط والتفريط فغلوا في جانب من الصحابة إلى درجة رفعهم فوق الملائكة والرسل، وتدنوا تدنيًا مقذعًا في حق عامة الصحابة وخاصة الخلفاء الثلاثة إلى درجة لم يبلغها الحاقدون من اليهود والنصارى وحتى يتبين لك ذلك نذكر نماذج من التقديس والاستغاثة التي لا تصح إلا لله ﷿ فمن أدعيتهم عند زيارة المهدي المنتظر هذا الدعاء الذي يعتبر شركًا أكبر حيث يقولون في دعائهم: «يا محمد يا علي يا علي يا محمد اكفياني فإنكما كافيان، يا محمد يا علي يا علي يا محمد انصراني فإنكما ناصراى، يا محمد يا علي يا علي يا محمد أحفظاني فإنكما حافظاى، يا مولاي يا صاحب الزمان -يكرر ذلك ثلاث مرات- الغوث الغوث الغوث، أدركني أدركني أدركني، الأمان الأمان الأمان» (٢).
وفي الجانب الآخر نجد أن عامة كتب الشيعة الاثنى عشرية تزخر بسب أصحاب الرسول - ﷺ - وقد تعبدوا بتأليف اللعنات الملتهبة وخصوا بها آكابر الخلفاء وعامة الصحابة، وهم يعتقدون كفر كبار الصحابة وخاصة الخلفاء الثلاثة وكفر من والاهم في جميع العصور، والنقل في كتبهم لا يحصره كتاب، ولا يحويه مجلد وهذه نماذج مما يقولون في حق صحابة
_________________
(١) صحيح مسلم ج١ ص١٠.
(٢) انظر مفاتيح الجنان/ عباس القمي ص٤٦.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
رسول الله - ﷺ - فمن الأدعية التي يرددونها عند زيارة الحسين في يوم عاشوراء من كل عام ما نصه: «اللهم خصّ أنت أول ظالم باللعن مني وابدأ به أولًا ثم العن الثاني والثالث والرابع، اللهم العن زيدًا خامسًا والعن عبيد الله بن زياد وابن مرجانة وعمر بن سعد وشمرا وآل أبي سفيان وآل زياد، وآل مروان إلى يوم القيامة» (١).
وقد روى الكليني عمدة الشيعة ومرجعهم أن المراد بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) (٢).
قال: نزلت في فلان (٣) وقد بين شارح الكافي أن المراد من فلان وفلان وفلان، أبو بكر وعمر وعثمان (٤). ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (﵀): لقد فضلت اليهود والنصارى على الرافضة من الشيعة بخصلة - حيث سئلت اليهود من خير أهل ملتكم قالوا: أصحاب موسى، وسئلت النصارى من خير أهل ملتكم قالوا: حواري عيسى وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم قالوا أصحاب محمد - ﷺ - أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم (٥). اهـ.
وقد ذكر النوبختي وهو من العلماء المؤرخين لفرق الشيعة أن أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان، وهو عبد الله بن سبأ ومنذ ذلك اليوم إلى عصرنا الحاضر والشيعة متمسكون بهذه العقيدة المنحرفة، لأنهم يرون
_________________
(١) مفاتيح الجنان/ تأليف عباس القمي ص٤٥٨.
(٢) سورة النساء آية (! ٣٧).
(٣) انظر الكافي في الأصول (كتاب الحجة ص٤٢٠ ج١ ط إيران).
(٤) انظر الصافي في شرح الكافي - عند شرحه لهذه الآية باللغة الفارسية (ط - إيران).
(٥) منهاج السنة النبوية ج١ ص٨.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
أن من لا يبغض خلفاء رسول الله - ﷺ - ووزراءه الثلاثة ومحبيه. ولا يطعن فيهم فليس بشيعي (١).
والشيعة ليس كلهم يقدمون على هذا المبدأ عن عناد، وقصد، وكره للإسلام والمسلمين، ولكن ذلك كان من قلة من الزنادقة السابقين الذين تبنوا هذه الأفكار، وروجوها بين الناس، ثم سار على طريقهم من أتى بعدهم تبعية عمياء قال تعالى: في شأن الذين يقلدون غيرهم بلا وعي أو بصيرة: (إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) (٢). فهم يزعمون ذلك وإن كان الواقع أنهم مخطئون، فكثير منهم مجتهدون صادقون مخلصون في حب الإسلام والعمل به، ولكنهم مخطئون للطريق الحق في كثير من مسائل الإيمان، ومثلهم في ذلك كمثل ما رُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه مر براهب في صومعته، فنودي بالراهب وقيل له: هذا أمير المؤمنين، فاطلع فإذا به إنسان به من الضر والاجتهاد وترك الدنيا الشيء الكثير، فلما رآه عمر بكى فقيل له أنه نصراني، فقال عمر: قد علمت. ولكني رحمته، ذكرت قول الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً) (٣) فرحمت نصبه واجتهاده وهو في النار (٤). وحال أولئك الذين يقفون من صحابة رسول الله - ﷺ - مثل هذا الموقف كحال من قال الله فيهم: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) (٥) وإلا فكيف يستسيغ مسلم يدعي الإسلام بحق أن يسب صحابة رسول الله - ﷺ - الذين قال الله فيهم: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ
_________________
(١) الشيعة والسنة/ إحسان إلهي ظهير ص٣٢.
(٢) سورة الزخرف آية (٢٣).
(٣) سورة الغاشية آية (٢، ٣، ٤).
(٤) كنز العمال ج١ ص١٧٥.
(٥) سورة الكهف آية (١٠٤).
[ ٢ / ٥٥٨ ]
اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (١) وقال تعالى في حقهم: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) (٢)، وقال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (٣) وقد سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب (﵀) عن قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (٤). من هم المؤمنون الذين أمر الله باتباع سبيلهم؟ فإن قلتم هم أصحاب رسول الله - ﷺ - فأي الفريقين؟ هل هم علي بن أبي طالب (﵁) وأولاده ومن معه؟ أم هم معاوية بن أبي سفيان؟ أم هم طلحة والزبير وغيرهم؟. فأجاب بقوله: نتولى الجميع ونكف عما شجر بينهم، وندعو لهم بالمغفرة كما أمرنا الله بذلك (٥). بقوله: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (٦). اهـ.
وقد ورد في صحيح البخاري أن النبي - ﷺ - قال: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (٧). وقد روى أبو نعيم في الحلية عن زيد بن وهب أن سويد بن
_________________
(١) سورة التوبة آية (١١٧).
(٢) سورة الفتح آية (١٨).
(٣) سورة التوبة آية (١٠٠).
(٤) سورة النساء آية (١١٥).
(٥) انظر الدرر السنية ج١ ص١٣٨.
(٦) سورة الحشر آية (١٠).
(٧) انظر فتح الباري ج٧ص٢١.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
غفلة دخل على علي بن أبي طالب (﵁) في إمارته فقال: يا أمير المؤمنين: إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر (﵄) بغير الذي هما له أهل، فنهض فرقي المنبر فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل ولا يبغضهما إلا شقي مارق، فحبهما قربة وبغضهما مروق، ما بال أقوام يذكرون أخوي رسول الله - ﷺ - ووزيريه وصاحبيه وسيدي قريش وأبوي المسلمين؟ فأنا بريء مما يذكرهما بسوء وعليه معاقب (١).
وما أحسن ما قال عمر بن عبد العزيز (﵁) عندما سئل عما وقع بين الصحابة من قتال فقال: «تلك دماء طهر الله يدي منها أفلا أطهر لساني من الكلام فيها» (٢). اهـ.
وقد سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (رحمهما الله) هل من سب الصحابة يكفر أو يفسق وما هو الدليل على ذلك؟ فأجاب فسقه لا خلاف فيه لقوله ﵊: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٣) ولقوله - ﷺ -: «لا يرمي رجل رجلًا بالفسق أو الكفر إلا ارتد عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك» (٤). وأما الكفر فقد اختلف العلماء فيه على قولين:
القول الأول: أن من سب الصحابة فحكمه الكفر للحديث المتقدم ولقوله تعالى: (لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) (٥). فلا يغتاظ من الصحابة إلا كافر
_________________
(١) انظر منتخب كنز العمال على هامش مسند الإمام أحمد ج٤ ص٤٤٣ - ٤٤٤.
(٢) انظر الدرر السنية ج١ ص١٢٠.
(٣) رواه البخاري ومسلم. انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين ج٢ ص١٠٧٣ رقم الحديث (١٥٦١).
(٤) رواه البخاري. انظر فتح الباري ج١٠ ص٤٦٤ (كتاب الأدب).
(٥) سورة الفتح آية (٢٩).
[ ٢ / ٥٦٠ ]
وهذا القول يروى عن الإمام مالك (١) وشيخ الإسلام ابن تيمية ومن وافقهم (٢).
القول الثاني: قول جماعة ترى عدم تكفير من سب الصحابة (﵃) ولكنها ترى أن من فعل ذلك مرتكب لذنب كبير) (٣).
وقد توقف الإمام أحمد (﵀) في مسألة تكفير وقتل من سب الصحابة، أما التعزير والتأديب بما دون القتل فلا خلاف فيه بين أهل السنة والجماعة (٤).
وقد حكم أحد القضاة المالكية بقتل أحد الروافض الذي سب أبا بكر وعمر وعثمان علنًا، فقد روى ابن كثير أنه حصل في يوم الاثنين السادس عشر من جمادي الأولى من عام (٧٥٥هـ) أن جاء رجل من الروافض بجامع دمشق، فاعتزل المصلين ثم لعن أبا بكر وعمر وعثمان، ومعاوية ويزيد فأعاد ذلك مرتين، فأمر به الحاكم إلى السجن، ثم استحضره المالكي وجلده بالسياط وهو مع ذلك يصرخ بالسب واللعن، ثم لما كان يوم الخميس التاسع عشر من شهر جمادي الأولى من تلك السنة عُقِدَ له مجلس قضاء وحضره القضاة الأربعة، فحكم نائب المالكي بقتله، فأخذ سريعًا فضربت عنقه تحت القلعة، وحرقه العامة وطافوا برأسه ونادوا عليه هذا جزاء من يسب أصحاب رسول الله - ﷺ - (٥). اهـ.
ومما تقدم يتضح لنا بجلاء أن الخلاف بين أهل السنة والشيعة الإمامية الاثنى عشرية خلاف في مسائل أصولية تمس أصل الإسلام وذلك في مثل قولهم في القرآن الكريم وهجرهم للأحاديث الصحيحة في البخاري
_________________
(١) انظر الدرر السنية ج٨ص١٦٤، ص٢٣٤.
(٢) انظر الدرر السنية ج٧ص ٢١٤.
(٣) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل/ ابن حزم ج٤ ص١٩.
(٤) انظر الدرر السنية ج٨ ص١٦٤، ٢٣٤.
(٥) انظر البداية والنهاية لابن كثير ج١٤ ص٢٥٠.
[ ٢ / ٥٦١ ]
ومسلم واعتمادهم على أحاديث مكذوبة على علي بن أبي طالب وأولاده واعتقادهم الإمامة والعصمة والرجعة وغلوهم في بعض الصحابة إلى مرتبة التقديس وبغضهم لآخرين إلى درجة وصفهم بالكفر وإطلاق أوصاف عليهم يمجها كل صاحب عقل سليم وفهم مستقيم، وبعد هذا التيه في أعماق الضلال والانحراف يتقدم بعض علماء الشيعة بطرح فكرة التقريب بين أهل السنة والشيعة، وكأن الخلاف بينهم على قطعة أرض يمكن أن يصطلحا عليها في التقسيم، مع أن الخلاف بين الشيعة والسنة هو خلاف بين الكفر والإسلام فالعقل والمنطق يدل على أن أحدهما على حق والآخر على باطل والمصالحة الحقيقية هي أن يتنازل صاحب الباطل للأخذ بقول صاحب الحق، أما أن يترك صاحب الحق بعض الحق الذي معه ويترك صاحب الباطل بعض الباطل الذي معه، فهذا لا يكون إلا ضلال للطرفين، ولا يمكن أن يلتقي أهل السنة مع الشيعة إلا إذا تركت الشيعة اعتقادها في القرآن الكريم بالنقص والزيادة وتراجعت عن غلوها في الأئمة والعصمة وقولها بالرجعة، ولعن أبي بكر وعمر وعثمان وبقية الصحابة أجمعين وتركت البراءة من كل من ليس شيعيًا منذ وفاة رسول الله - ﷺ - إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، وحتى يتبرأ عامة الشيعة من غلوهم في أهل البيت والاستغاثة بهم، وتعليقٌ الرجاء بهم من دون الله، وتعظيم قبورهم ومزاراتهم أكثر من تعظيم المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، فإن لم تترك الشيعة هذا البغي على الإسلام وعقيدته وتاريخه فإنها سوف تبقى منفردة معزولة بأصولها المخالفة لأصول الإسلام منبوذة من جميع المسلمين، معاداة من كل مسلم غيور على إسلامه، وفي لله ورسوله وأصحابه، فخلاف الشيعة من أهل السنة الذين هم أهل الإسلام الصحيح إما أن يكون في مسألة توجب كفر المخالف وفي هذه الحال يعامل المخالف من الشيعة معاملة الكفار سواء بسواء من حيث الموالاة والمعاداة كما سيأتي توضيح ذلك في الباب الرابع بإذنه تعالى. وإما أن يكون الخلاف في مسألة توجب فسق المخالف وعصيانه، وفي هذه الحال يعامل
[ ٢ / ٥٦٢ ]
المخالف معاملة أهل الفسق والعصيان من حيث الموالاة والمعاداة، وقد تقدم تفصيل ذلك.
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
المبحث الثالث: موالاة ومعاداة الطائفة النصيرية
إن هذه الطائفة تعتبر من أضل الفرق الباطنية، وأعظمها انحرافًا وشذوذًا وهي فرقة غير مسلمة كما سيتضح لك ذلك بالدليل والبرهان سواء في مجال اعتقادها أو في مجال أعمالها فهي تتظاهر باسم الإسلام مع أنها من أشد أعدائه عبر التاريخ، والنصيرية تدعي أنها علوية من شيعة علي بن أبي طالب (﵁) ولذلك تسموا أخيرًا بهذا الاسم تعمية وتغطية على تاريخهم الأسود ولكنَّ كثيرًا من كتاب الشيعة، ينكرون ويتبرأون من الفرقة النصيرية ويصفونها بالكفر وعدم دخولها في الإسلام (١).
وسنتناول هذه الفرقة بالدراسة والنظر على النحو التالي:-
١ - نشأتها.
٢ - عقيدتها.
٣ - تعاونها مع أعداء الإسلام.
_________________
(١) انظر كتاب العلويون أو النصيريون/ تأليف عبد الحسين بن مهدي العسكري ص٢٤.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
٤ - حكمها في الإسلام وعند علماء المسلمين.
٥ - حكم موالاتها ومناصرتها في الإسلام.
أ- نشأة الفرقة النصيرية:
تمتد جذور الفرقة النصيرية إلى (ميمون القداح الديصاني) وهو يهودي فارسي كان ذا ميول شعوبية ترمي إلى هدم الإسلام وإعادة النفوذ إلى الفرس وكان يشتغل بمهنة طب العيون واستخراج الماء منها وتحت هذا الغطاء استقر بالشام للدعوة إلى المذهب الذي عرف فيما بعد بالمذهب الإسماعيلي حيث تفرعت عنه الفرق الباطنية الأثيمة وقد خلفه بعد موته ابنه عبد الله الذي أقام بسلمية من قرى حماة في بلاد الشام، ثم خلفه ابنه أحمد حتى ظهور عبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية ويذهب بعض المؤرخين إلى أن عبيد الله المهدي من نسل رجل يهودي كان يعمل حدادًا بسلمية ولما مات أبوه تزوجت أمه أحد الأثرياء العلويين فلما بلغ ادعى لنفسه نسبًا علويًا (١)، والنصيرية تنسب إلى (أبي شعيب محمد بن نصير النميري) عاش في القرن الثالث الهجري (ت – ٢٧٠هـ) وعاصر ثلاثة من أئمة الشيعة الاثنى عشرية وهم – علي الهادي (٢١٤ – ٢٥٤هـ) والحسن العسكري (٢٣٠ – ٢٦٠هـ) ومحمد المهدي (٢٥٥هـ) وزعم ابن نصير أنه الباب الثاني إلى الإمام الحسن و(الحجة) من بعده، فتبعه طائفة من الشيعة سموا بـ (النصيرية) ولكن ابن نصير لم يكتف بذلك، وإنما ادعى النبوة والرسالة ونسب الأئمة إلى الألوهية (٢). والنصيرية: هو الاسم الديني والتاريخي لهذه الفرقة، وقد قيل أن النصيرية تنسب إلى نصير غلام علي بن أبي طالب (﵁) وقد استدل أصحاب هذا القول في الرد على
_________________
(١) انظر تاريخ الإسلام السياسي/ د: أحمد شلبي، ج٣ ص١٩٢ - ١٩٦.
(٢) المصدر السابق في نفس المكان. وانظر العلويين أو النصيرية/ عبد الحسين بن المهدي العسكري ص٧ - ٩.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
القول الأول بأن النصيرية معروفة من قبل القرن الثالث الهجري حيث إن أول من عرف من مؤلفيها هو المفضل الجُعفي المتوفى سنة (١٨٠هـ) وعلى هذا فتسمية هذه الطائفة بهذا الاسم راجع إلى اسم أحد هذين الشخصين وإن كان اشتهارها بهذا الاسم يُرجح بأنه عائد إلى (محمد بن نصير النميري) وذلك للأسباب التالية:-
١ - إن المصادر التي ذكرت النسبة إلى (ابن نصير) لا تعني (نصيرًا) وإلا كانت ابن زائدة.
٢ - إن نصيرًا غلام علي بن أبي طالب هذا لم يعثر له ذكر في كتاب التراجم أو كتب التاريخ.
٣ - إن كتب الفرق القديمة لا تذكر طائفة باسم النصيرية، مما يدل على أن هذه الطائفة ليست من الطوائف الموغلة في القدم. ولكن الذي أميل إليه أن هذه الطائفة موجودة قبل أن تشتهر بالنصيرية حيث كانت تسمى قديمًا بالخطابية نسبة إلى أبي الخطاب المجوسي الذي يمت بصلة القربى لأحد الكهان اليهود في البصرة وذلك حوالي سنة (١٤٣هـ) ثم سميت بعد ذلك بالنميرية نسبة إلى محمد بن نصير النميري، وقد ذكر ابن طاهر البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق، فرقة النميرية مع فرقة أخرى هي الشريعية (١)، وذكر الشهرستاني النصيرية في كتابه "الملل والنحل" مع طائفة أخرى هي الإسحاقية (٢)، والذي يظهر لي أن الناس صاروا يطلقون عليها اسمين في وقت واحد فمنهم من يسميها بالنميرية نسبة إلى النميري ومنهم من يسميها بالنصيرية نسبة إلى ابن نصير وكلا الاسمين لمسمى واحد واشتهرت بعد ذلك بالنصيرية، وإن كان هذا
_________________
(١) انظر الفرق بين الفرق/ عبد القاهر بن طاهر البغدادي ص٢٥٥.
(٢) انظر الملل والنحل للشهرستاني حاشية الفصل في الملل والنحل/ ابن حزم ج٢ص١٥ - ٢٤. وانظر مجلة الاعتصام عدد (٩) سنة (٤٢) رمضان (١٣٩٩) ص٢٢ - ٢٦.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
الاسم هو في مراحل الطمس النهائية في وقتنا الحاضر ليحل محله المسمى الجديد (العلويون) (١).
والطائفة النصيرية طائفة قليلة تسكن الشمال وبعض أجزاء من غرب سوريا وهي لا تمثل سوى ٨% من سكان البلاد، وللنصيرية أسماء محلية يعرفون بها في أماكن سكناهم مثل: "التختجية" و"الخطابون" في غرب الأناضول ويمكن أن يكون هؤلاء من بقايا الخطابية، فتكون الخطابية إما أصل فرقة النصيرية أو قسمًا منها وهناك تشابه كبير بين أصول عقيدة الخطابية وبين عقيدة النصيرية كما أن هناك تعاطفًا كبيرًا حتى يومنا الحاضر بين النصيرية بالشام و(الخطابون) أو (الحطابون) في تركيا (٢). والنصيريون كما هي عادتهم يغيرون أسماء مذهبهم كلما تلطخ اسم من أسمائهم بجرائمهم التي لن ينساه التاريخ ويظنون أنهم بهذا التغيير يسدلون الستار على ما مضى من تاريخهم الأسود، وأنهم يواجهون الناس بالاسم الجديد بتاريخ ناصع جميل والدليل على ذلك أنه بعد الاحتلال الفرنسي لسوريا وضعت هذه الطائفة يديها بيد المستعمر، ووجد فيها الفرنسيون خير معين لهم نظرًا لما تنطوي عليه نفوس أهل هذه الطائفة من حقد دفين على الإسلام والمسلمين فأراد الفرنسيون بالتآمر مع هذه الطائفة أن يغيروا اسمها وأن يطلقوا عليها اسم (العلويين) لتأليههم لعلي بن أبي طالب (﵁) وذلك إمعان في الحقد من المستعمر الفرنسي الذي أراد أن يخدع أهل سوريا بأن هناك من المسلمين من يتعاون معه بإخلاص ووفاء وأراد المستعمر بهذه التسمية أن يخفف ويخفي آثار هذه الطائفة القذرة، وأن يخلص الطائفة النصيرية مما علق تاريخيًّا باسمها من ذم شنيع وكفر بواح
_________________
(١) انظر تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين/ تأليف فيليب حتي، ج٢ ص١٤٣ - ١٤٤، وانظر الفتاوى/ لابن تيمية ج٣٥ ص١٦١. وانظر الفرق بين الفرق/ عبد القاهر بن طاهر البغدادي ص٢٥٥.
(٢) انظر تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين/ فيليب حتي ج٢، ص١٤٣ - ١٤٤.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
فأطلقوا عليهم اسم (العلويين) كي تفتح هذه التسمية لهم آفاقًا جديدة مع أعداء الإسلام وجهلة المسلمين وقد ارتاحوا لهذه التسمية حيث ستفتح لهم مجالًا أرحب في التقارب مع الشيعة، ولتلقى الدعم والتأييد منهم (١).
والنصيرية يدعون أنهم شيعة اثنا عشرية وأن ابن نصير كان (الباب) إلى الإمام الحادي عشر وارث علمه والمرجع للشيعة من بعده، وأن صفة المرجعية والبابية بقيت معه بعد غيبة الإمام الثاني عشر (٢).
ولكن أحد كتاب الشيعة المعاصرين المدعو/ عبد الحسين بن مهدي العسكري/ يكفرهم ويتبرأ منهم (٣). كما تبرأ منهم قدماء الشيعة حيث يقول عنهم سعد بن عبد الله القمي (ت٣٠١هـ) في كتابه المقالات والفرق ما نصه:
«وقد شذت فرقة من القائلين بإمامة علي بن محمد» في حياته فقالت بنبوة رجل يقال له (محمد بن نصير النميري) كان يدَّعي أنه نبي رسول وأن علي بن محمد العسكري أرسله وكان يقول بتناسخ الأرواح، ويغلو في أبي الحسن، ويقول فيه بالربوبية، ويدعو إلى إباحة نكاح ذوات المحارم ويحلل نكاح الرجال بعضهم لبعض (٤). وقد ذم هذا المبدأ عامة علماء الشيعة ومؤرخوهم، ومن ذلك يتضح عدم صحة دعوى النصيرية بأنهم شيعة، أو أنهم داخلون تحت مسمى الفرق الإسلامية ويذكر الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين أن النصيرية مثل واضح للجماعة التي انتقلت من
_________________
(١) انظر العلويين والنصيرية عبد الحسين العسكري ص٧ - ٩ وانظر تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين/ تأليف فيليب حتي ج٢، ص١٤٣ - ص١٤٤.
(٢) انظر تاريخ العلويين/ تأليف النصيري/ محمد أمين الطويل ص٢٠٢.
(٣) انظر العلويون أو النصيرية/ عبد الحسين بن مهدي العسكري ص٢٥.
(٤) انظر المقالات والفرق سعد بن عبد الله القمي. ص١٠٠ - ١٠١. وانظر فرق الشيعية/ تأليف الحسن بن موسى النوبختي ص٤١، ٧٨. وانظر الفرق بين الفرق/ عبد القاهر بن طاهر البغدادي ص٢٥٢.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
الوثنية إلى دعوة التشنيع بلا علم ولا فهم، حيث يتحدث أهل السنة الذين يجاورون النصيرية أن النصيرية لا تزال تمارس بعض الطقوس النصرانية كالاحتفال بالأعياد النصرانية مثل عيد الميلاد، وعيد الفصح، ويعتبرونها من الأعياد الكبرى، كما أن بعضهم يحمل أسماء نصرانية مثل، متى ويوحنا وهيلانة، بالإضافة إلى المبادئ التي اقتبستها النصيرية من النصرانية، فإن عقيدة الطائفة النصيرية تحتفظ بقسط من الأسرار كما هو الشأن عند النصارى، وكما أن النصارى يرمزون إلى عقيدتهم بثلاثة هي: «الله - الابن- روح القدس» وكذل كالنصيرية يرمزون إلى عقيدتهم بثلاث حروف هي (ع، م، س) حيث يقولون أن الله حل في ثلاثة هم علي، ومحمد، وسلمان الفارسي (١).
وصلتهم بالمجوسي لم تنقطع، فهم يحتفلون بعيد النيروز وهو عيد فارسي يحتفل به في أول الربيع ويزعم بعضهم أنه اليوم الذي خلق فيه النور، وهو أشبه بالعشاء الرباني عند النصارى والنصيرية يحتفلون به باعتباره من أعيادهم المقدسة وأعيادهم تبلغ عشرة أعياد خلال السنة الواحدة (٢).
وقد بقيت هذه الفئة الخبيثة محتفظة بحقدها وعدائها للإسلام والمسلمين حتى يومنا الحاضر فهي كالأمراض الخبيثة عندما تجد مقاومة ومضادات حيوية تقبع داخل الجسم وعندما تحين الفرصة لها تخرج إلى السطح، وكان من متأخري دعاتها وقادتها سلمان بن مرشد بن يونس: علوي متأله من النصيرية من قرية (جوبه برغال شرقي اللاذقية بسوريا تلقب بالرب – وقد بدأت حركته سنة ١٩٢٠م وسجن سنة (١٩٢٣م) ونفي
_________________
(١) انظر مقالات الإسلاميين للأشعري ج١، ص١٠٢، ١٠٥. وانظر تاريخ الإسلام السياسي. د/ حسن إبراهيم ج٤، ص٢٦٥ - ٢٦٧.
(٢) انظر صبح الأعشى ج٢ ص٤٠٩ وانظر مجموع الأعياد والدلالات في الأخبار المبهرات لميمون بن القاسم الطبراني المشهور (بأبي سعيد) حدث به في طرابلس سنة (٣٩٨هـ).
[ ٢ / ٥٦٩ ]
إلى الرقة حتى سنة (١٩٢٥م) وعاد من منفاه فتزعم طائفة النصيرية في تأليه علي بن أبي طالب والقول بالحلول، وكانت الثورة أيام عودته قائمة على الفرنسيين وانتهت بتأليف حكومة وطنية لها شيء من الاستقلال الداخلي فتآمر معه الفرنسيون واستخدموه كعميل من الدرجة الأولى وجعلوا للبلاد النصيرية نظامًا خاصًا فقويت شوكته وشوكة أتباعه، وتلقب برئيس الشعب العلوي الحيدري الغساني، وقد عين سنة (١٩٣٨م) قضاة وفدائيين وفرض الضرائب على المدن والقرى التابعة له، وأصدر قرارًا جاء فيه: نظرًا للتعديات من الحكومة الوطنية والشعب السني فقد شكلت لدفع هذا الاعتداء جيشًا لحماية الشعب العلوي، وقد جعل لمن أسماهم الفدائيين ألبسة عسكرية خاصة بهم، وكان يزور دمشق نائبًا عن العلويين في المجلس النيابي السوري فلما تحررت سوريا اسميًا، وجلا عنها الفرنسيون ترك المستعمر سلاحه وقوته في يد هذا العميل الخائن، مما أغراه بالعصيان والتمرد، فجردت حكومة سوريا في ذلك الوقت قوة كبيرة بمساعي المرحوم عادل العظمة، فتكت بهذا المتأله وببعض أتباعه واعتقلته مع آخرين من جنده ثم قتل شنقًا في دمشق سنة (١٣٦٦هـ - ١٩٤٦م) (١).
ولأمين حداد كتاب في سيرته سماه (مدعي الألوهية في القرن العشرين) ومنذ عام (١٩٤٩م) أي منذ انقلاب حسني الزعيم الذي دبرته المخابرات الأمريكية والخطر النصيري يتزايد ويتعاظم مستترًا خلف أقنعة خفية، فقام النصيري "زكي الأرسوزي" والنصراني الصليبي اليوناني "ميشيل عفلق" وكلا الرجلين من ألد أعداء الإسلام، وقد جعلا من حزب البعث مباءة لتجميع أبناء الأقليات غير الإسلامية، والتي تبطن أحقادًا ضد الإسلام والمسلمين مثل – النصيرين، والنصارى، والدروز، والإسماعيلية (٢). أما أهل
_________________
(١) انظر الأعلام للزركلي ج٣ ص١٧٠.
(٢) الإخوان المسلمون والمؤامرة على سوريا/ تأليف جابر رزق ص٢٥ - ١١١.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
السنة، فلم ينتم منهم إلى هذا الحزب إلا قلة ضعيفة غافلة ساذجة ممسوخة أمثال أمين الحافظ وصلاح البيطار وقد تخلص النصيريون منهم فيما بعد.
ب- عقيدة الطائفة النصيرية:
يعتقد غلاة الطائفة النصيرية وخاصتهم أن عليًا هو الإله، ولذلك أطلق عليهم اسم العلويين منذ الانتداب الفرنسي (١). وهم يزعمون أن الله حل في علي وأن عليًا كان موجودًا قبل خلق السموات والأرض، وقد قال ابن نصير بربوبية أبي الحسن العسكري، وزعم لنفسه أنه نبي ورسول بعثه أبو الحسن، وقد اعتقد أتباعه من بعده أن الله حل فيه كذلك (٢).
والنصيرية من أِشد الفرق إيغالًا في التأويلات الباطنية من سائر فرق الغلاة، فقد كان ابن نصير يقول «بإباحة المحارم ويحلل نكاح الرجال بعضهم لبعض، ويزعم أن ذلك من التواضع والتذلل، من المفعول به والفاعل، وأن ذلك إحدى الشهوات والطيبات، وأن الله لم يحرم شيئًا من ذلك (٣). ومن أجل ذلك اتفقت الشيعة الاثنا عشرية مع أهل السنة في عدم اعتبار النصيرية من الفرق الإسلامية، ويعتبرونها خارجة عن الإسلام ويصفونها بالزندقة والكفر، لأن عقيدتها واعتقادها يدل على ذلك، وعليه فإن النصيرية وإن نسبوا إلى الفرق الإسلامية وانتسبوا إليها، لا يعدون من المسلمين، ولا يعاملون معاملة المسلمين» (٤).
_________________
(١) انظر مقالات الإسلاميين للأشعري ج١ ص١٠٢، ١٠٥. وانظر تاريخ الإسلام السياسي. د/ حسن إبراهيم ج٤ ص٢٦٥ - ٢٦٧.
(٢) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل/ حاشية الشهرستاني ج٢، ص٢٤. وانظر تاريخ الإسلام السياسي د/ حسن إبراهيم ج٤ ص٢٦٥ – ٢٦٧. وانظر مقالات الإسلاميين للأشعري ج١ ص٨٢. وانظر اعتقادات فرق المسلمين والمشركين فخر الدين الرازي ص٨٢.
(٣) انظر المقالات والفرق تأليف/ سعد بن عبد الله القمي ص١٠٠.
(٤) انظر العلويين أو النصيرية/ عبد الحسين مهدي العسكري ص٧ - ٩. وانظر الفتاوى/ لابن تيمية ج٣٥ ص١٦١ - ١٦٢.
[ ٢ / ٥٧١ ]
وقد ذكر الدكتور/ منير موسى مشابك – وهو شيوعي من نصارى الشام – في رسالته الجامعية أن النصيرية في الأصل كانوا نصارى، وقد دخلوا في الإسلام اسمًا لا حقيقة، وقد أكد ذلك بعض الباحثين، ويقوي هذا الرأي أن النصيرية لا يزالون يحتفظون ببعض التقاليد والطقوس والاعتقادات النصرانية (١).
ويذكر حمزة بن علي (ت ٤٢٢هـ) وهو من أشهر أئمة الدروز في رسالة له سماها (الدامغة في الرد على الفاسق النصيري) (٢). ما يلي: أنه ورد إلى كتاب ألفه أحد النصيرية الكافرين المشركين سماه كتاب (الحقائق وكشف المحجوب) فمن قبل كتابه عبد إبليس واعتقد التناسخ وحلل الفروج واستحل الكذب والبهتان (٣). فكتب هذه الرسالة ردًا على ما ألفه هذا الفاسق النصيري (٤). الذي يقول: بأن جميع ما حُرَّم من القتل والسرقة والكذب والبهتان والزنا واللياطة فهو مطلق للعارف والعارفة (٥). ومما قاله في كتابه بأنه يجب على المؤمنة أن لا تمنع فرجها أخاها، وأن تبذله له مباحًا حيث يشاء، وإن المجامعة الظاهرة تزيد في الدين، وأن الدين لا يتم إلا بهذا (٦). ومما قاله أن المشركين هم النواصب الذين يشركون بين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي (٧)، ثم يروي حمزة بن علي عن هذا النصيري أنه عدَّ إبليس وهامان والشيطان، هم – أبو بكر التيمي، وعمر العدوي، وعثمان الأموي (٨). وهذا يوضح لنا بجلاء عقيدة النصيرية في صحابة رسول
_________________
(١) انظر تاريخ الإسلام السياسي. د/ حسن إبراهيم ج٤ ص٢٦٥ - ٢٦٧.
(٢) انظر هذه الرسالة في مجموعة رسائل الدروز مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات. برقم (٩٨٢) تأليف/ حمد بن علي الدرزي الرسالة الأولى.
(٣) المصدر السابق الورقة الأولى ص٢.
(٤) المصدر السابق الورقة الثانية ص٣.
(٥) المصدر السابق الورقة الثالثة ص٦.
(٦) المصدر السابق الورقة الرابعة والخامسة ص٨ - ٩.
(٧) المصدر السابق الورقة الحادية عشرة ص٢٢.
(٨) انظر هذه الرسالة في مجموعة رسائل الدروز مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات برقم (٩٨٢) تأليف/حمد بن علي الدرزي الرسالة الأولى – الورقة الثالثة عشرة ص٢٦. وانظر الفتاوى/ ابن تيمية ج٣٥ ص١٦١ - ١٦٢.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
الله - ﷺ -. وقد بذلت الإرساليات النصرانية جهودًا مضنية في سبيل الحصول على معرفة أسرار العقيدة النصيرية، والوقوف على تعاليمها، وقد أفلح أحد المستشرقين الأمريكيين، في إقناع أحد أبناء شيوخ الطائفة النصيرية ويدعى (سليمان الأطنه وى) (١) بالكشف عن أسرار ديانة الفرقة النصيرية فألف كتابًا سماه "الباكورة السليمانية". فقام الأمريكيون بطبعه في بيروت سنة (١٨٦٣م) وأهم ما جاء في الكتاب مما يتعلق بعقائدهم ما يلي (٢):
١ - أن النصيرية علويون يعتقدون بألوهية الإمام علي بن أبي طالب (﵁) وهم قسمان:-
الشمالية منهم يقولون: إنه حال في القمر، وهم الذين يسكنون الساحل في لواء اللاذقية، والكلازية وهم الذين يسكنون الجبال إلى أنه حال في الشمس ولذلك فالنصيرية عمومًا يقدسون الشمس والقمر وسائر النجوم ومن السّمات المميزة بين الشمالية والكلازية أن الشمالية يعفون اللحى بخلاف الكلازية فإنهم يحلقونها.
٢ - يعتقد النصيرية بتناسخ الأرواح، فالأرواح الصالحة عندهم تحل في النجوم ولهذا يسمون عليًا (أمير النحل) أي أمير النجوم، والأرواح
_________________
(١) هو سليمان الأطنه وي، وفي بعض المصادر (سليمان الأدنى) الأنطاكي من علماء النصيرية ولد في أنطاكية سنة (١٢٥٠هـ - ١٨٣٤م) وألف الباكورة السليمانية، وكان يقيم في جنوب تركيا ثم أرسل إليه بعض قراباته في سوريا رسائل استعطاف واستلطاف كي يزورهم، وعندما استجاب لهم وزارهم، قاموا بإحراقه بالنار جزاء ما أفشى من أسرارهم، وأظهر من خيانتهم. انظر معجم المؤلفين/ عمر رضا كحاله ج٤ ص٢٥٦. وانظر معجم المطبوعات، سركيس ص١٠٤١.
(٢) انظر دائرة المعارف القرن العشرين ج١٠ ص٢٤٩ - ٢٥٠. وانظر العقيدة والشريعة ص٢٢٠ - ٢٢٣ تأليف/ أجناس جولد تسيهر. وانظر تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين د/ فيليب حتى ج٢ ص٢٢٠، ٢٢١. ترجمة د/ كمال اليازجي.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
الشريرة تحل في أجسام الحيوانات التي هي في نظرهم نجسة كالخنازير، والقرود وبنات آوى.
٣ - إن كلمة السر عندهم ثلاثة أحرف وهي: ع، م، س، أي علي، محمد، سلمان.
٤ - إن للنصيرية كتابًا مقدسًا يعتمدونه ويرجعون إليه وهو غير القرآن الكريم ولا يحتل القرآن عندهم إلا مكانًا ثانويًا.
٥ - يتضح من ذلك الكتاب أن العقيدة النصيرية غير متجانسة، فهي وثنية قديمة، ورواسب من تعليم النصرانية، وآراء مغلفة بغشاء من تعاليم ومذاهب غلاة الشيعة واعتقاداتهم الباطلة.
ومن كتبهم المعتبرة – كتاب تعليم الديانة النصيرية، وهذا الكتاب يوجد منه مخطوطة في المكتبة الأهلية بباريس برقم (٦١٨٢) وقد حلله بالألمانية القس الدكتور/ فولف (WOLF) من روتفيل ROTIWELL في ألمانيا بمقال في (ZDMG) جـ٣ سنة (١٨٤٩م) ص٣٠٢ - ص٣٠٩ وهو على طريقة السؤال والجواب ويتألف من (١٠١) سؤال وجواب ونحن نورد نماذج من هذه الأسئلة والأجوبة ليتبين لكل ذي عينين كفر هؤلاء وخروجهم عن الإسلام.
س١ من الذي خلقنا.
ج علي بن أبي طالب: أمير المؤمنين.
س٣ من الذي دعانا إلى معرفة ربنا؟
ج محمد كما قال هو في خطبته التي ختمها بقوله: (أنه - أي علي - ربي وربكم).
س ٧٦ ما "القداس"؟
ج تقديس الخمر التي تشرب على صحة النقباء أو النجباء.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
س٧٩ ما سر الله الأعظم؟
ج هو سر الجسد والدم، الذي قال عنه يسوع: (هذا جسدي وهذا دمي فكلوا منهما تظفروا بالحياة الدائمة).
س١٠٠ ما هي أسماء أشخاص الصلاة، وساعتها المفروضة؟
ج أول وقعت للصلاة المفروضة هو الظهر، وصلاة الظهر تتألف من (٨) ركعات والوقت الثاني هو العصر، ويتألف من أربع ركعات والوقت الثالث صلاة المغرب وتتألف من خمس ركعات والرابعة صلاة العشاء وتتألف من أربع ركعات والخامسة صلاة الفجر وتتألف من ركعتين.
فانظر كيف غيروا عدد الركعات في صلاة الظهر والمغرب فالظهر زادوها من أربع إلى ثمان ركعات والمغرب من ثلاث إلى خمس والزيادة في الدين كالنقصان منه، وهذه نماذج من كفر هؤلاء وتبديلهم في شعائر الإسلام (١).
والنصيرية لم تتورع عن القول: «إن علم الباطن مختص بالعلويين وأن الأحكام الإسلامية لم تكن ظاهرة كما يظن البعض» (٢).
وللنصيرية قسم يقسمون على كتمان دينهم ومشائخهم، وعلى أن لا ينصح أحد منهم لمسلم ولا غيره إلا من كان على مذهبه وعندهم أن النصيري لا يصير نصيريًا مؤمنًا يجالسونه ويشربون معه الخمر ويطلعونه على أسرارهم ويزوجونه من نسائهم حتى يقسم بهذا القسم: (إني وحق العلي الأعلى، وما اعتقده في المظهر الأسنى، وحق النور وما نشأ منه، والسحاب
_________________
(١) انظر مذاهب الإسلاميين للأشعري ج٢ ص٤٧٤ - ٤٨٧ د/ عبد الرحمن بدوي، وانظر العلويون أو النصيرية ص٨٢ - ٩٦ تأليف عبد الحسين مهدي العسكري.
(٢) انظر تاريخ العلويين/ تأليف/ محمد أمين غالب الطويل وهو علوي نصيري من المحدثين ص١٩٦ - ١٩٩ وانظر ص٤٨١.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
وساكنه، وإلا برئت من مولاي (علي) العلي العظيم، وولائي له، ومظاهر الحق، وكشفت حجاب سلمان بغير إذنه، وبرئت من دعوة الحجة (ابن نصير) وخضت مع الخائضين في لعن ابن ملجم، وكفرت بالخطاب – (أي الديانة والدعوة) – وأذعت السر المصون وأنكرت دعوى أهل الحق وإلا قلعت أصل شجرة العنب من الأرض بيدي حتى أجثت أصولها، وأمنع سبيلها، وكنت مع قابيل وهابيل ومع النمروذ على إبراهيم، وهكذا مع كل فرعون قام على صاحبه إلى أن ألقى العلي العظيم، وهو علي ساخط، وأبرأ من قول قنبر وأقول أنه بالنار ما تطهر (١).
وهذا القسم إذا حللناه وجدناه كما يلي:-
١ - أن علي ابن أبي طالب (﵁) يلقب بلقب العلي العظيم وهما من أسماء الله تعالى.
٢ - أن سلمان الفارسي هو صاحب الحجاب أي الباب الذي يفضي إلى العلم والحكمة وأسرار الباطن وباطن الأسرار.
ج- تعاون النصيريين مع أعداء الإسلام:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (﵀): «إن النصيريين كانوا دائمًا مع أعداء الإسلام على المسلمين، فهم مع النصارى على المسلمين، فقد ساعدوا الصليبيين ضد المسلمين، وكانوا مع التتار ضد المسلمين، فقد كان ابن العلقمي وزيرًا لهولاكو خان التتري، وكان نصير الدين الطوسي أيضًا من خاصته، وهو من غلاة الرافضة الموالين للنصيرية» (٢) اهـ.
ويقول الشيخ محمد أبو زهرة: «إن النصيرية من الطوائف التي
_________________
(١) العلويون أو النصيرية/ تأليف عبد الحسين مهدي العسكري ص٣.
(٢) انظر الفتاوى لابن تيمية ج٣٥ ص١٥٢ وانظر البداية والنهاية لابن كثير ج١٣ ص٢٠١.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
انخلعت من الإسلام، وقد كانوا أثناء الهجمة الصليبية على العالم الإسلامي خير معين للصليبيين على المسلمين، وعندما استولى الصليبيون على بعض البلاد الإسلامية قربوهم، وأدنوهم وجعلوا لهم مكانًا مرموقًا عندهم، وكانوا موالين للتتار ضد المسلمين أثناء غزو التتار لبلاد الشام» (١). اهـ.
وفي سنة سبع عشرة وسبعمائة من الهجرة خرجت الفرقة النصيرية عن الطاعة للولاة المسلمين بزعامة رجل منهم سموه محمد بن الحسن المهدي (القائم بأمر الله) وتارة يطلقون عليه أنه (علي بن أبي طالب) وأنه فاطر السموات والأرض -تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا- وتارة يدعي أنه محمد بن عبد الله صاحب البلاد، وخرج يكفر المسلمين، ويستبيح دماءهم وأموالهم وشنَّ هو وعصابته هجمة شرسة على مدينة (حبلة) فدخلوها وقتلوا أهلها ونهبوا ما فيها، وخرجوا منها يقولون: «لا إله إلا علي، ولا حجاب إلا محمد، ولا باب إلا سلمان» وسبوا الشيخين، وأمر أصحابه بهدم المساجد واتخاذها خمارات، وكانوا يقولون لمن أسروه من المسلمين: «قل لا إله إلا علي، واسجد لإلهك المهدي الذي يحي ويميت، حتى يحقن دمك ويكتب لك بذلك». وقد ارتكبوا جرائم لا تعد ولا تحصى، وقد أمر المستكفي بالله في حربهم ثم جهز لملاقاتهم عساكر وخلقًا كثيرًا، فهزمهم المسلمون وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا وقتل مدعي الألوهية وقائدهم إلى الضلال (٢). وقد سار منهم الخلف على طريقة سلفهم الضال وقد أشرنا إلى أنه ظهر منهم أيام الاحتلال الفرنسي نصيري يدعي الألوهية واسمه (سلمان المرشد) وقد تعاون مع الفرنسيين إلى أبعد الحدود (٣). وقد قتل بعد تحرير سوريا من الفرنسيين اسميًا.
_________________
(١) انظر المذاهب الإسلامية/ تأليف محمد أبو زهرة ص٩٤ - ٩٦. وانظر النكبات/ أمين الريحاني ص١٤٢ وانظر مختصر الفتاوى المصرية ابن تيمية/ محمد بن علي الحنبلي ص٤٧٤.
(٢) انظر البداية والنهاية لابن كثير ج١٤ ص٨٣ - ٨٤.
(٣) انظر ص٥٢٧، ٥٢٨ من هذه الرسالة.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
د- "حكم الطائفة النصيرية في الإسلام وعند المسلمين":
حكم الطائفة النصيرية في الإسلام أنها طائفة كافرة خارجة عن الدين الإسلامي كما يتضح من عقيدتها في تأليه علي بن أبي طالب (﵁) واستباحتها للمحرمات، واعتقادها لتناسخ الأرواح وسب صحابة رسول الله - ﷺ - وتكفيرهم إلى غير ذلك مما سبق بيانه في عقيدتها مما يتعارض مع الإسلام جملة وتفصيلا.
أما ما قاله علماء المسلمين فيهم فهو ما يلي:
١ - يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (﵀): إن هؤلاء القوم المسمون بالنصيرية هم وسائر أصناف القرامطة الباطنة أكفر من اليهود والنصارى بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم على أمة محمد - ﷺ - أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار التتار والفرنج وغيرهم، فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشيع، وموالاة أهل البيت، وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله، ولا بكتابه، ولا بأمر ولا نهي، ولا ثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار، ولا بأحد من المرسلين قبل محمد - ﷺ -، ولا يدينون بملة من الملل، سوى عبادة الملذات واستباحة الشهوات (١). اهـ. وقال عنهم الإمام الغزالي (٢):
_________________
(١) انظر الفتاوى، لابن تيمية ج٣٥ ص١٤٩.
(٢) هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الشافعي والمعروف بالغزالي (زين الدين حجة الإسلام، أبو حامد) حكيم متكلم، فقيه، أصولي، صوفي، مشارك في أنواع من العلوم ولد بالطابران إحدى قصبتي طوس بخراسان سنة (٤٥٠هـ) ثم ارتحل في طلب العلم إلى أبي نصر الإسماعيلي بجرجان، ثم إلى إمام الحرمين أبي المعالي الجويني بنيسابور، ثم تولى التدريس بنظامية بغداد، ثم أقبل على العبادة والسياحة، فخرج إلى الحجاز فحج، ورجع إلى دمشق فاستوطنها عشر سنين، ثم سار إلى القدس، والإسكندرية ثم عاد إلى وطنه بطوس وتوفي بالطابران سنة (٥٠٥هـ) من تصانيفه: إحياء علوم الدين، الحصن الحصين، في التجريد والتوحيد، تهافت الفلاسفة، الوجيز في فروع الفقه الشافعي، المستصفى في أصول الفقه. انظر معجم المؤلفين/ عمر رضا كحاله ج١١ ص٢٦٦.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
«إن النصيريين مرتدون في الدم ولمال والنكاح والذبيحة والواجب قتالهم، حتى يسلمون، أو يهلكوا» (١) اهـ. فهم ليسوا مسلمين، ولا يهود، ولا نصارى، فعلى المسلم الذي يمر بهم أن يأكل من ذبائحهم نظرًا لأنهم بمثابة عبدة الأوثان (٢).
وليست هذه النظرة وهذا الحكم بحق هذه الطائفة مما تفرد به أهل السنة والجماعة، بل إن الفرقة الأخرى كالشيعة الإمامية والدروز والنصارى قد أطلقوا الكفر على هذه الفرقة كما هو موجود في كتبهم:-
١ - يقول عبد الحسين مهدي العسكري: إن النصيرية وإن نسبوا إلى المسلمين لا يعدون من المسلمين، ولا يعاملون معاملة المسلمين (٣).
٢ - ويقول حمزة بن علي، وهو أشهر أئمة الدروز، أن النصيرية ممثلة في كاتبها النصيري كفار مشركون، ليس لهم بغية غير الفساد في الدين (٤).
٣ - ويقول الدكتور منير موسى مشابك، وهو نصراني شيوعي: إن النصيرية دخلوا في الإسلام اسمًا لا حقيقة (٥).
ولذلك فإنه ليس لإلحادهم حد محدود، فحتى أركان الإسلام يئولونها تأويلات باطنية، فيقولون: إن الصلوات الخمس معرفة أسماء أئمتهم الخمسة وهم: علي وحسن وحسين ومحسن وفاطمة، والصيام كتمان أسرارهم والحج زيارة شيوخهم إلى غير ذلك من التخرصات والأوهام (٦). التي ما أنزل الله بها من سلطان، فكيف يعتقد إنسان بعد ذلك أن هذه الفرقة وأصحابها داخلون في مسمى الإسلام.
_________________
(١) انظر المختار الإسلامي عدد (١٦) السنة الثانية ١٥/ ١١/١٤٠٠ هـ ص٣٩.
(٢) انظر الفتاوى/ لابن تيمية ج٣٥ ص١٦١.
(٣) انظر العلويين أو النصيرية ص٨.
(٤) انظر مجموعة رسائل الدروز مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات ص٦.
(٥) انظر تاريخ الإسلام السياسي، د/ حسن إبراهيم ج٤ ص٢٦٦.
(٦) انظر الفتاوى/ لابن تيمية ج٣٥ ص١٥٢.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
هـ- حكم موالاة الطائفة النصيرية في الإسلام:
سبق أن تقرر بما لا يدع مجالًا للشك أن الطائفة النصيرية طائفة كافرة وإن كان من انتسب إليها وأيدها ظاهرًا أو باطنًا فحكمه حكمها لأن مناصرة الكافر وتأييده في حرب الإسلام والمسلمين كفر قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (١) وهذه الطائفة كما هو معروف في تاريخها قد تتقنع بأقنعة كثيرة، فيسمون أنفسهم بالعلويين تارة، والنصيرين تارة أخرى ولكن تغيير الأسماء لا يغير حقيقة المسمى، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (﵀): وقد اتفق علماء المسلمين على أن هؤلاء لا تجوز مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم، لأنهم أشبه حالًا بأهل الأوثان، ولا يصلي على من مات منهم ولا يجوز استخدامهم في أعمال المسلمين، فإنهم من أغشى الناس للمسلمين ثم يقول: ولا ريب أن جهادهم، وإقامة الحد عليهم من أعظم الطاعات وأكبر الواجبات، وهو أفضل من جهاد من لا يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب، فإن جهاد هؤلاء من جنس جهاد المرتدين، والصديق (﵁) وسائر الصحابة بدءوا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب، حيث إن جهاد هؤلاء حفظ لما فتح من بلاد المسلمين التي يريد هؤلاء أن تكون مرتدة عن الإسلام ويجب على كل مسلم أن يقوم بذلك بحسب ما يقدر عليه من الواجب (٢).
فهم أشدّ على المسلمين من اليهود والنصارى كما هو حاصل في وقتنا الحاضر، بل هم يقدمون أعظم الخدمات لليهود والنصارى في إراقة دماء المسلمين.
_________________
(١) سورة المائدة آية (٥١).
(٢) انظر الفتاوى/ لابن تيمية ج٣٥ ص١٥٥ - ١٦١. وانظر مختصر الفتاوى المصرية/ لابن تيمية/ مجمع محمد بن علي الحنبلي ص٤٧٦ - ٤٧٨.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
وقد أحكموا عقد الأخوة بينهم وبين النصارى واليهود الموارق
وقد أحكم الله العداوة بيننا وبين ذوي الكفران أهل الشقاشق
ونحن براء من ذوي الكفر جملة فلسنا وإياهم بحكم التوافق (١)
وعلى هذا فالطائفة النصيرية طائفة كافرة محاربة للإسلام والمسلمين فيجب على المسلمين معاداتها ويحرم عليهم موالاتها، فمن تولاهم أو نصرهم فهو منهم. قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٢).
إلا من تاب منهم وأناب إلى الحق ودخل في الإسلام الصحيح فهو من المسلمين ويستحق أخوة الإسلام وموالاة المسلمين لأن الإسلام يجب ما قبله، والله ولي التوفيق والهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) ديوان: عقود الجواهر المنضدة الحسان/ سليمان بن سحمان ص٩٩.
(٢) سورة المائدة آية (٥١).
[ ٢ / ٥٨١ ]
المبحث الرابع: موالاة ومعاداة الدروز
الدروز جماعة من الناس يقدر عددهم ما بين (١٥٠ - ٢٠٠) ألف نسمة تقريبًا يعيشون في لبنان وسوريا وفلسطين، وأصلهم الجنسي غامض ويعتقد بعض المؤرخين أن الدروز من بقايا الشعوب القديمة، احتموا بالجبال أيام الفتوحات الإسلامية، واحتفظوا على الدوام بقدر من الاستقلال، وهم بصفة عامة لا يتمسكون بعقيدتهم إلا قليلًا: فهم مسلمون مع المسلمين، ونصارى مع النصارى، ويهود مع اليهود، وليس لديهم أماكن للعبادة خاصة بهم (١). وعقيدة الدروز أول ما ظهرت كطائفة مستقلة على يد: حمزة بن علي بن أحمد، رأس الطريقة الدرزية، ومصنف أهم رسائلهم التي غدت من الكتب المقدسة عندهم، ولا يعرف عن حياة هذا الشخص إلا القليل، ويقول النويري (٢): «إنه من زوزن في بلاد
_________________
(١) انظر دائرة المعارف الإسلامية ج٩ ص٢١٤ - ٢١٧.
(٢) يوجد بهذا الاسم أكثر من أربعة علماء ولم يتبين لي من المقصود منهم: انظر معجم المؤلفين ج١٥ ص٢٩٦.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
فارس» (١). اهـ. والظاهر أن الدروز من فرق الإسماعيلية القديمة ولكنهم برزوا كطائفة جديدة عندما قال زعيمهم حمزة بن علي بألوهية الحاكم بأمر الله سنة (٤٠٨هـ) ويقول الدكتور/ محمد كامل حسين: إن المؤرخين يذكرون ثلاثة من الدعاة الكبار الذين أسسوا هذا المذهب وهم:-
١ - الحسن الفرغاني - المعروف بالأخرم، قتل بعد أيام قليلة من ظهور الدعوة في تألية الحاكم بأمر الله قتله رجل من المسلمين السنة سنة (٤٠٨هـ).
٢ - حمزة بن علي بن أحمد الزوزتي ويعرف باللباد وهو فارسي الأصل من زوزن بين نيسابور وهراة.
٣ - أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الدرزي -يعرف بأنوشتكين أو نوشتكين وكان من أتباع حمزة بن علي بن أحمد ولكنه خرج عليه وأراد أن يستأثر بالرياسة، فأسرع بالكشف عن المذهب ولم يستمع إلى النصائح التي أسداها حمزة بالتريث وعدم الخروج على طاعته (٢). اهـ.
وقد أعلن محمد بن إسماعيل الدرزي ألوهية الحاكم بأمر الله في الجامع الأزهر بالقاهرة، فلما ثار عليه الناس وقصدوا قتله، أظهر الحاكم براءته منه، وفي نفس الوقت حماه، حتى توفي سنة (٤١٠هـ) وقيل إنه قتل باتفاق بين الحاكم وحمزة بن علي بن أحمد ليخلوا المكان لدعوة حمزة دون منازع (٣).
والدروز يهاجمون محمد بن إسماعيل الدرزي رغم أنهم ينسبون إليه. ويقف حمزة بن علي من نشتكين الدرزي والبرذعي وأصحابهما موقف العداء، ويصف حمزة بن علي نشتكين الدرزي بالجهل حيث يقول: إن
_________________
(١) انظر دائرة المعارف الإسلامية ج٨ ص١٠٣.
(٢) انظر عقيدة الدروز عرض ونقض/ محمد أحمد الخطيب ص٥٦.
(٣) المصدر السابق نفس المكان.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
الذي تطلبه أنت من الكشف ليس لك عليه قدرة، ولا بفعله طاقة، ثم يقول: «لأن الروح هو العلم الحقيقي وأنت صفر اليدين منه، فإن كنت تدعي الإيمان، فأقر لي بالإمامة كما أقررت لي في الأول، حتى تخاطب أصحاب الزبور من زبورهم، وأصحاب التوراة من توراتهم، وأصحاب القرآن والنزيل، وأصحاب الباطن من نفس التأويل، وأصحاب المنطق من الآفاق والأفلاك، والدلائل العقلية ومن أنفسهم حتى يتبين لكل واحد منهم عوار ما في يده من دينه» (١).
وعقيدة الدروز شبيهة بعقيدة النصيرية حيث تضم أخلاطًا من التأويلات الباطنية، فهو يدعي -أي حمزة بن علي- أن له صلة بالله على طريقة تعبير النصارى فيقول: «ورسلي واصلة بالرسائل والوثائق إلى الحضرة اللاهوتية، التي لا تخفى عنها خافية لا في السراء ولا في العلانية، ثم يدَّعي أنه أصغى للإمام الذي يؤلهه فيقول: «كتب في شهر شعبان الثاني من سنة عبد مولانا جل ذكره وصفيه حمزة بن علي بن أحمد (٢). ثم يرى تأليه الحاكم بأمر الله حيث ردد كلمة مولانا جل ذكره في كل رسالة من رسائله عشرات المرات، وخلع عليه جميع الصفات المتعلقة بالله، وفي رسالته السادسة المعنونة بعنوان: "نسخة سجل المجتبى" قال فيها ما يلي: «من عبد مولانا ومملوكه حمزة بن علي بن أحمد هادي المستجيبين المنتقم من المشركين والمنافقين والناكثين بسيف مولانا أمير المؤمنين جل ذكره وشد سلطانه وحده، ولا نستعين بغيره، ولا ترجى رحمة أحد سواه» (٣).
وفي الرسالة الثانية والعشرين ادعاء للألوهية، وبصفة التقدير والتدبير وهذيان بالكفر الواضح وإظهار للحقل المرير الذي يكنه هذا الضال المضل
_________________
(١) انظر الرسالة الثانية من مجموعة رسائل الدروز/ حمزة بن علي ص٤٥ - ٤٧. مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات برقم (٩٨٢).
(٢) المصدر السابق الرسالة الخامسة (الصحبة الكاينة الورقة (٤، ٥) من المخطوطة.
(٣) المصدر السابق الرسالة السادسة الورقة (٢).
[ ٢ / ٥٨٤ ]
لكل الأديان والشرائع السماوية، حيث يقول: «الحمد لله الذي أبدعني من نوره، وأيدني بروح قدسه، وخصني بعلمه، وفوض إليّ أمره وأطلعني على مكنون سره، فأنا أصل مبدعاته، وصاحب سره وأماناته، المخصوص بعلمه وبركاته، أنا صراطه المستقيم، وبأمره حكيم عليم أنا الطور، والكتاب المسطور، والبيت المعمور، أنا صاحب البعث والنشور، النافخ بإذن المولى سبحانه في الصور، أنا إمام المتقين، والعلم المبين، ولسان المؤمنين وسند الموحدين، أنا صاحب الرجفة، وعلى يدي تكون النعم المترادفة أنا ناسخ الشرائع ومهلك أهل الشرك والبدائع، أنا مهدم القبلتين، ومبيد الشريعتين، ومدحض الشهادتين أنا مسيح الأمم، ومني أفاضة النعم، وعلى يدي يحل بأهل الشرك النقم، أنا النار الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، أنا قائم الزمان، وصاحب البرهان والهادي إلى طاعة الرحمن (١). إلى آخر هذا السخف وذلك الهذيان الذي لا يصدر عن شخص سوي إلى أن يقول: «واشكروني على نعمي واعرفوني حق معرفتي، فأنا القائم فيكم بأمر المؤيد بروح قدسه، واعرفوا منزلتي من حدودي ودعائي» (٢). اهـ.
ومعنى قوله: أنا مهدم القبلتين يقصد قبلة بيت المقدس، وقبلة الكعبة وأما قوله مبيد الشريعتين فيقصد الشريعة الظاهرة التي عليها المسلمون والشريعة الباطنة التي يقول بها الباطنية من الإسماعيلية وغيرهم. وقوله: مدحض الشهادتين، أي مبدل شريعة الإسلام ومبتدع شريعة مكانها.
وينقسم الدروز إلى قسمين:
١ - (العُقَّال) وهم فقهاء الدروز، وعلماؤهم حيث يشتركون دون سواهم في الجلسات الدينية التي تعقد كل ليلة جمعة، ويعرف مكان الاجتماع بالخلوة ويصبح خير العقال (أجاود).
_________________
(١) انظر الرسالة الثانية من مجموعة رسائل الدروز/ حمزة بن علي ص - الورقة (٢١ - ٤).
(٢) انظر مجموعة الدروز الرسالة الثانية والعشرون الورقة (٤) مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات برقم (٩٨٢).
[ ٢ / ٥٨٥ ]
ولهما رئيسان دينيان يسميان بشيخي العقال، والعقال يتميزون بملبسهم إذ يتعممون بعمامة بيضاء أسطوانية ويلبسون قباء وعباءة لونها أزرق غامق، ويجب أن يتصف العقال بصفات مختلفة عن صفات الجهال فليلزمهم شيء من الزهد والعفة، والفضيلة، والنسك.
٢ - أما الجهال فهم سائر أبناء الطائفة الدرزية وهؤلاء لا يجوز لهم قراءة رسائل الدروز، ولا القرآن الكريم، ولكن يجوز لهم مطالعة بعض الشروح للرسائل الدرزية، والجهال وإن كانوا مطالبين بالفضائل والصدق إلا أنه يتسامح معهم في كثير من الأمور المحرمة على العقال ولهم لباس خاص بهم.
ومن العقائد الشائعة عند الدروز عقيدة تناسخ الأرواح فخيار الناس تتقمص أرواحهم المواليد، أما شرارهم فتتقمص أرواحهم أجسام الكلاب (١).
ويعتقد الدروز بوجود إمام مهدي لهم كما يعتقد الشيعة الاثنا عشرية ولذلك كتب حمزة بن علي رسالة بهذا الموضوع ذكر فيها «وإلى من شك في وليد قائم الزمان عليه» (٢). وقال في موضع آخر «بلغني ما أصابكم من الضعف في أديانكم والشك في صاحب زمانكم» (٣). ثم يدعي الإمامة لنفسه حيث يقول: «والإمام عبد مولانا جل ذكره ومملوكه حمزة بن علي بن أحمد- هادي المستجيبين المنتقم من المشركين» (٤).
وعقيدة الدروز في صحابة رسول الله - ﷺ - والتابعين له بإحسان لا
_________________
(١) انظر عقيدة الدروز عرض ونقص محمد أحمد الخطيب ص٢٣٨ - ٢٤٠. وانظر دائرة المعارف الإسلامية ج٩ ص٢١٧.
(٢) انظر مجموعة رسائل الدروز الرسالة الثانية/ حمزة بن علي ص٢٩. من المخطوطة بقسم المخطوطات بجامعة الرياض برقم (٩٨٢).
(٣) المصدر السابق ص٣٢، ٣٣.
(٤) المصدر نفسه ص٣٧.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
تخرج عن نظرة أهل الفرق الباطنية فيذكر حمزة بن علي أصحاب رسول الله - ﷺ - بالوصف والاسم فيقول: «إن النواصب يأتون في إذن كل واحد منهم علاقتان من الحديد» ثم يقول إنهم يهود أمة محمد، وتارة يقول: هم المشركون وهم نصارى أمة محمد (١). ثم يقول حسب زعمه الباطل إنه يؤتى (بأبي بكر وعمر وعثمان) فيقال لهم: عُلِمتم فعلمتم ثم غلبتم صاحب الأمر وتشبهتم بأوليائه وادعيتم ما ليس لكم بحق (٢). ثم يتناول التابعين من الفقهاء والمحدثين فيقول: «وقد اعتقد المسلمون في كثير من العلماء الإمامة مثل الشافعي وأبي حنيفة ومالك وسفيان الثوري وغيرهم مما يطول به الشرح، وإنما قالوا إنهم أئمة حيث بقولهم يحرمون الحرام ويحللون الحلال، واقتدوا بهم فوقع عليهم اسم الإمامة، فهؤلاء الذين ذكرتهم كل واحد منهم إمام لمن يطيعه ويتبعه، ويقبل منه فقاتلوهم بقلوبكم وتبرأوا مما يعتقدونه في مولانا جل ذكره» (٣). اهـ.
وقد سئل شيخ الإٍسلام ابن تيمية (﵀) عن الدروز فأجاب قائلًا:
كفر هؤلاء لا يختلف فيه المسلمون بل من شك في كفرهم فهو كافر مثلهم، بل هم أضل من اليهود والنصارى والمشركين، فلا يباح أكل طعامهم، ولا تنكح نساؤهم، ويجوز أن تسبى أموالهم ونساؤهم، لأنهم زنادقة مرتدون يقتلون أينما ثقفوا، ولا يجوز استخدامهم عند مسلم ويجب قتل علمائهم لئلا يضلوا غيرهم، وتحرم مجالستهم إلا لمذكر وداع لهم إلى الإسلام، ويحرم على ولاة الأمر من المسلمين الاستعانة بهم، أو إقرارهم على ما هم عليه (٤) اهـ.
_________________
(١) المصدر السابق ص٤٩ - ٥٠.
(٢) المصدر السابق ص٥٧.
(٣) المصدر السابق الرسالة الثالثة ص٦٧.
(٤) انظر الفتاوى/ لابن تيمية ج٣٥ ص١٦٢. وانظر عقيدة الدروز عرض ونقض/محمد أحمد الخطيب ص٢٦٥ - ٢٧٣.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
هذه نبذة قليلة عن طائفة الدروز وعقيدتها وحكمها في نظر الإسلام والمسلمين والدروز المعاصرون لا أدري ما هو موقفهم من تلك العقيدة التي قال بها أسلافهم، وما مدى تمسكهم بها واعتقادهم لها وعلى كل حال فإن من تمسك بمثل تلك العقائد السخيفة فحكمه الكفر والخروج عن دائرة الإسلام، وحينئذ يعادى معاداة الكافرين، ويعامل معاملة المرتدين، والدروز المعاصرون يوالي كثير منهم أعداء الإسلام ضد المسلمين وذلك أن قوام الجيش الإسرائيلي من الدروز (١).
وفي سوريا اعتمد حزب البعث والنصيريون قادته على الدروز وتعاونوا معهم حتى وصل النصيريون إلى السلطة، فانقلبوا على القادة من كبار الدروز وأقصوهم وقتلوا منهم من قتلوا أمثال الرائد سليم حاطوم الذي أعدمه النصيريون في عام (١٩٦٧م) (٢).
فمن تولى الكفار أو اعتقد الكفر، وجب إظهار العداوة له وإعلان البراءة منه سواء كان من هذه الفرق أو من غيرها، وقد اكتفينا بذكر هذه الفرق الأربع لأن بقية الفرق لا تخرج عن دائرة هذه الفرق، وعلى هذا أمكن قياس بقية الفرق وإعطاؤها نفس الحكم عند تطابق المعتقدات وتوافق الصفات.
والله ولي التوفيق والهادي إلى سواء الصراط.
_________________
(١) انظر عقيدة الدروز ص٢٦٥.
(٢) انظر حصيلة الانقلابات الثورية في بعض الأقطار العربية/ محمد سعيد ص١٧٥ - ١٨١.
[ ٢ / ٥٨٨ ]