وفي هذا الباب تقديم وخمسة فصول:
التقديم: في تحديد قضية هذا الباب.
الفصل الأول: الجهل وصلته بالموالاة والمعاداة.
الفصل الثاني: الاختلاف في مسألة أو مسائل فرعية.
الفصل الثالث: الاعتزال عن الجماعة المسلمة.
الفصل الرابع: دعوى الإكراه في عدم الموالاة والمعاداة.
الفصل الخامس: العملاء الذين يوالون الأعداء للمصلحة الشخصية.
[ ١ / ٣٣١ ]
التقديم: تحديد قضية هذا الباب
قد يستغرب الإنسان المسلم ويصاب بالدهشة والحيرة والاضطراب حينما يطلع على ما سبق عرضه في الباب الأول بشأن الموالاة في الله والمعاداة فيه من وجهة النظر الإسلامية، وبين ما هو حاصل في واقع المسلمين المعاصرن من الناحية التطبيقية، فيجد البون الشاسع بين ما هو كائن في واقع المسلمين وبين ما يجب أن يكون عليه المسلمون بمقتضى الكتاب والسنة.
وكتوضيح للعوامل التي أدت إلى هذا الواقع المتردي المؤلم الحزين أردنا التعرف على أهم هذه العوامل وبيانها لعلنا نتجنب الوقوع في تلك المزالق التي مزقت شمل المسلمين وفرقت كلمتهم وجعلت بعضهم أعداء لبعض.
في حين أن العدو الحقيقي يتمتع بالأمن والطمأنينة والسلامة في بلاد الإسلام.
[ ١ / ٣٣٣ ]
ويمنحه أبناء المسلمين خالص المودة والمحبة والمناصرة والولاء ويجد من أبناء المسلمين من يحميه ويدافع عنه ويستميت دونه وما كان من الممكن أن يحصل ذلك لولا تلك المفاهيم المغلوطة والتصورات المنحرفة التي قلبت موازين الموالاة والمعاداة رأسا على عقب، فوالى من ينتسب إلى الإسلام أعداء الإسلام، وعادى من ينتسب إلى الإسلام أهل الإسلام الصحيح، وقد قسمنا تلك العوامل إلى خمسة فصول رئيسية.
[ ١ / ٣٣٤ ]
الفصل الأول: الجهل وصلته بالموالاة والمعاداة
الجهل في اصطلاح أهل الكلام: هو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه حقيقة وهو ينقسم إلى قسمين:
١ - بسيط.
٢ - مركب
فالجهل البسيط: هو عدم العلم بما من شأنه أن يكون به عالما.
والجهل المركب: هو عبارة عن اعتقاد جازم غير مطابق للواقع (١) ويخلط كثير من الناس بين الجهل والخطأ في المفهوم والآثار المترتبة على ذلك مع أن هناك فرقا واضحًا بينهما.
_________________
(١) انظر المعجم الوسيط (١/ ١٤٤) قال الراغب الأصفهاني ﵀ الجهل على ثلاثة أضرب: الأول: وهو خلو النفس من العلم، وهذا هو الأصل، الثاني اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه، الثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل عليه انظر مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني (١٠٢).
[ ١ / ٣٣٥ ]
فالخطأ هو أن يقصد بفعله فعلًا مباحًا فيقع في محذور لم يقصده كأن يرمي طيرا في غابة فيقتل إنسانا لم يقصد قتله.
بخلاف الجهل فإنه تهاون مبعثه عدم بذل الجهد واستفراغ الوسع في معرفة الحق واتباعه (١).
وكل من الجهل والخطأ يؤاخذ عليه في جناية عدم التثبت ولكن العقوبة في ذلك لا تقدر بقدر الجريمة الخالية من الخطأ أو الجهل (٢).
فالخطأ ينقسم إلى قسمين: خطأ في حقوق الله.
وخطأ في حقوق العبيد.
فأما الخطأ في حق الله فقد جعل الشارع الخطأ عذرًا، إذا اجتهد المخطئ في التثبت على ما يمكنه (٣).
أما الخطأ في حقوق العبيد، فليس الخطأ عذرًا فيها فيضمن المتلف خطأ قيمة ما أتلف، فعليه الدية في القتل تعويضا عما أصاب ورثة المقتول من الضرر فخففت العقوبة من القصاص إلى الدية المخففة نتيجة لوجود الخطأ في ذلك (٤).
والجهل يعذر صاحبه في أمور قد تخفى على كثير من الناس ولكنه يؤاخذ على ذلك بتساهله عن البحث والسؤال قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [النحل: ٤٣] والجهل كالخطأ في أقسامه فمنه ما يتعلق بحق الله تعالى ومنه ما يتعلق بحق الناس.
_________________
(١) انظر أصول الفقه محمد الخضري (١٠٥).
(٢) المصدر السابق المكان نفسه.
(٣) المصدر السابق المكان نفسه، محمد الخضري (١٠٥) أصول الفقه.
(٤) انظر أصول الفقه محمد الخضري (١٠٥).
[ ١ / ٣٣٦ ]
فإن كان الجهل بحكم يتعلق بحق الله تعالى من حيث الإباحة والتحريم، فإن صاحبه لا يؤاخذه عليه حتى يبلغه الدليل، فقد روى مسلم (١) في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أن رجلا أهدى لرسول الله - ﷺ - راوية خمر (٢) فقال له رسول الله - ﷺ - «هل علمت أن الله قد حرمها؟.» قال: لا، فسار إنسانا فقال النبي - ﷺ - «بم ساررته؟» فقال: أمرته ببيعها فقال رسول الله - ﷺ - «إن الذي حرم شربها حرم بيعها» قال: ففتح المزاد حتى ذهب ما فيها.
وفي ذلك يقول النووي لعل سؤال الرسول - ﷺ - عن علمه بالتحريم ليعرف حاله فإن كان عالما بتحريمها أنكر عليه هديته، وعزره على ذلك فلما أخبره أنه كان جاهلًا بذلك عذره وفي هذا دليل على أن من ارتكب معصية جاهلًا تحريمها، فلا إثم عليه ولا تعزير (٣)،.
ولكن إذا تعلقت جناية الجاهل بحق الناس فالقاعدة أنه لا يعذر أحد بجهالته حفاظًا على حقوق الناس روى مسلم عن ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «لو يعطى الناس بدعواهم لادّعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه» (٤) فمن يدعي الجهل بالأمور الظاهرة في الإسلام سواء كانت في حق الله أو حق عباده لا يقبل منه ذلك إذا كان يعيش في وسط إسلامي.
أما من كان حديث عهد بالإسلام، وكان قد نشأ في مجتمع غالب سكانه غير مسلمين فقد يعذر ببعض أنواع الشرك إذا وقع فيه وهو لا يدري، والدليل على ذلك طلب الصحابة رضوان الله عليهم أن يجعل لهم الرسول - ﷺ - ذات أنواط كما للمشركين ذات أنواط، فحلف رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) صحيح مسلم (٣/ ١٢٠٦) باب المساقاة.
(٢) أي قربة ممتلئة خمرًا.
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي (١١/ ٤).
(٤) المصدر السابق (١٢/ ٢).
[ ١ / ٣٣٧ ]
أنها مثل قصة قوم موسى عندما قالوا: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) فلا خلاف أن الذين قالوا ذلك لم يعلموا الحكم، ولكن لو فعلوا ذلك بعد نهيه لكفروا، ومن ذلك نستنتج أن المسلم إذا تكلم بكلام الكفر وهو لا يدري أنه كفر، فنبه إلى ذلك فرجع عنه وأباب من ساعته أنه لا يكفر (١).
أما من لم يكلف نفسه بمعرفة الشرك، ولا إنه كاره، فوقع فيه أو أيد أهله، فهو آثم وعلى خطر من خروجه عن الإسلام، لأن من جهل الشرك، لا يحصل منه شيء مما دلت عليه لا إله إلا الله، ومن لم يقم بمعنى هذه الكلمة وما دلت عليه، عن علم ويقين وصدق وإخلاص ومحبة وقبول وانقياد فليس من الإسلام في شيء (٢) وكثير من الناس لا يميزون بين ما أمروا به، وما نهوا عنه، ولا بين ما صح عن رسول الله - ﷺ - ولا ما كذب عليه، ولا يفهمون حقيقة مراده، ولا يتحرون طاعته، بل هم جهال لما أتوا به معظمون لأغراضهم وأهوائهم متبعون لشهواتهم وملذاتهم (٣) ولا ريب أن الله ﷿ لم يعذر أهل الجاهلية الذين لا كتاب لهم بهذا الشرك الأكبر الذي حصل منهم والدليل على ذلك حديث عياض بن حمار عن النبي - ﷺ -: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب» (٤) فكيف يعذر الله أمة كتاب الله بين أيديهم يمكنهم أن يقرءوه ويفهموا ما فيه قال تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) [القمر: ١٧] فهو حجة الله على عباده كما قال تعالى: (هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ) [إبراهيم: ٥٢].
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٨٤).
(٢) انظر الدرر السنية (٢/ ٩٨) وانظر مجموعة التوحيد (٣٧).
(٣) انظر الدرر السنية (٢/ ٩٩).
(٤) رواه مسلم انظر صحيح مسلم (٤/ ٢١٩٧، ٢١٩٨) رقم الحديث (٢٨٧٥).
[ ١ / ٣٣٨ ]
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ إنَّ الإنسان يكفر بكلمة يخرجها لسانه وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل (١) اهـ.
ويستدل على ذلك بحديث: «إن الرجل يتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه» (٢) والإنسان قد يكفر بالمقالة الكافرة وفعل الكفر، وإن كان عند نفسه أنه لم يأت بمكفر، كما حصل من المنافقين في غزوة تبوك قال تعالى: (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [التوبة: ٦٦] فهؤلاء ظنوا أن ذلك ليس بكفر، ولكن الآية، دليل على أن الرجل إذا فعل الكفر ولو لم يعلم، أو يعتقد أنه كافر، لا يعذر بذلك بل يكفر بفعله القولي والعملي، ومن أجل ذلك فالذي يسب الإسلام أو شعائره كافر بطريق الأولى، وإن لم يعتقد أنه كافر (٣).
وقد يعلم الإنسان أن الشيء يضره ويفعله، ويعلم أن هذا الشيء ينفعه ويتركه، لأن ذلك العلم عارضه ما في نفسه من طلب لذة أخرى، أو دفع
ألم آخر فيكون جاهلًا ظالمًا حيث قدَّم هذا على ذلك، ولهذا قال أبو العالية
سألت أصحاب محمد - ﷺ - عن قوله: (يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) [النساء: ١٧] فقالوا كل من عصى الله فهو جاهل (٤)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ
_________________
(١) انظر الدرر السنية (١/ ٥٠).
(٢) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (٢/ ٥٧٩).
(٣) انظر تيسير العزيز الحميد (٥٥٤، ٥٥٥).
(٤) ملحق المصنفات محمد بن عبد الوهاب (١٩٣) وانظر لطائف المعارف للحافظ ابن رجب (٣٥٠).
[ ١ / ٣٣٩ ]
بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف: ١٧٩] وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (١) ولا يجوز أن ينسب الكفر إلى شخص معين ما لم تقم عليه حجة البلاغ والعلم التي يعتبر من خالفها كان كافرا، تارة، أو فاسقا أو عاصيا أخرى وهذا في الأمور الخفية مثل الصرف والعطف، التي قد يقال فيها إنه مخطئ ضال.
أما الأمور التي يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أن رسول الله - ﷺ - بعث بإيجابها مثل أركان الإسلام الخمسة، والأشياء التي ظاهر تحريمها مثل الزنا والخمر والميسر، والربا ونحو ذلك من المحرمات والواجبات فلا يعذر أحد بجهالتها ما لم يكن حديث عهد بالإسلام (٢) وعلى هذا فليس كل من جهل شيئا من الدين يكفر، فقد كان بعض الصحابة ظنوا إباحة الخمر كقدامة بن مظعون وأصحابه فظنوا أنها تباح لمن عمل صالحا على ما فهموه من آية المائدة قال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [المائدة: ٩٣] وقد اتفق علماء الصحابة ﵃ كعمر وعلي وغيرهما، على أنهم يستتابون فإن أصروا على الاستحلال كفروا، إذا كان قد بلغهم الدليل، فلم يكفروهم ابتداء لأجل الشبهة التي عرضت لهم حتى يتبين لهم الحق، فإن أصروا بعد معرفة الحق كفروا بجحودهم وإصرارهم (٣) وعلى ذلك فمن أعان على ترك واجب، أو إباحة محرم من شعائر الإسلام الظاهرة
_________________
(١) العقيدة والآداب الإسلامية الأولى (٢٤) تأليف الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
(٢) انظر الدرر السنية (٨/ ٢٩) وانظر المصدر نفسه (٨/ ٩٠).
(٣) انظر الجامع الفريد/ تأليف مجموعة من أئمة الدعوة (٣٢٧، ٣٢٨).
[ ١ / ٣٤٠ ]
المعلومة من الدين بالضرورة فحكمه الكفر وإن ادعى الإسلام (١) وعند ذلك يجوز قتله، لأنه لا عذر له في مثل ذلك بالجهل إلا من هو حديث عهد بالإسلام.
فقد أخبر ﷾ بجهل كثير من الكفار مع تصريحه بكفرهم ووصف بني إسرائيل بالجهل مع أنه لا يشك أحد في كفرهم قال تعالى: (قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) [الأعراف: ١٣٨] فنحن نقطع بأن أكثر اليهود والنصارى اليوم جهال مقلدون، ولكن مع ذلك نعتقد كفرهم وكفر من شك في كفرهم قال تعالى: (فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) [يونس: ٨٩] وقد دل القرآن الكريم على أن الشك في أصول الدين كفر ونوع من أنواع الردة عن الإسلام.
والشك هو التردد بين شيئين كأن لا يجزم بصدق الرسول - ﷺ - ولا كذبه، ولا بوقوع البعث، ولا بعدم وقوعه ونحو ذلك، أو كأن لا يعتقد بوجوب الصلاة، ولا بعدم وجوبها، ولا بتحريم الزنا أو عدم تحريمه ونحو ذلك فهذا كفر بإجماع العلماء (٢).
ولا عذر لمن كانت هذه حالته، بكونه لم يفهم حجج الله، وبيناته فعذره غير مقبول بعد بلوغه الحجة وإن لم يفهمها لأن طلب الفهم والعلم بالحجة راجع إليه هو (٣) قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [النحل: ٤٣] وقد أخبر تعالى عن الكفار أنهم لم يتفهموا ما أنزل الله عليهم بواسطة رسوله محمد - ﷺ - قال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ
_________________
(١) انظر الدرر السنية (٨/ ٢٨، ٢٩).
(٢) انظر الدرر السنية (٨/ ٢١٣).
(٣) انظر الدرر السنية (٨/ ٩٠).
[ ١ / ٣٤١ ]
فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) [الكهف: ٥٧] فبين ﷾ أنهم لم يفقهوه والفقه لغة الفهم فلم يعذرهم لكونهم لم يفهموا بل صرح القرآن الكريم بكفرهم ويكفر من اعتقد الصواب، وهو على الباطل، لعدم تحريه الصواب تحريا دقيقا قال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف: ١٠٣، ١٠٤].
وقد سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين: أن هناك فئة من الناس لا تعرف الإيمان بالله على الوجه الحقيقي، ولا تعرف معنى الكفر بالطاغوت، ولكنها تلتزم ببعض شرائع الإسلام على الإجمال.
أما على التفصيل فهي تبغض أهل التوحيد، وتمقتهم وترى منهم الخطأ في الأمور التي تخالف عاداتها وشهواتها وهواها وما تعارفت عليه حيث يعتقد هؤلاء أن كل شيء خلاف ما تعارفوا عليه هو خطأ لأن في ذهنهم أن كل ما تعارفوا عليه هو الصواب وهو الدين، ولو كان هو عين الخطأ، والصواب مع من يعتقدونه مخطئا، فهم لا يأخذون بالدليل الذي يرد به عليهم، ولا يلتفتون إليه، ولا يرعوون من فيهم، أو يرجعون عن باطلهم لأنهم يرون الدين الحق هو ما تظاهر به المنتسبون إليه من عامة الناس، ولو كان هؤلاء العامة مع قادتهم من علماء السوء وحكام الضلال منحرفين عن الإسلام الصحيح، فهم يصرحون في بعض الأحايين بالبغض والعداوة لأهل الحق، ويصفونهم بأوصاف الكفر والضلال جهلا أو نفاقا ويحرصون على تتبع عوراتهم والوقوع في عثراتهم والتجسس عليهم لحساب أهل الكفر والضلال.
[ ١ / ٣٤٢ ]
فأجاب ﵀ بكفر هؤلاء وخروجهم عن الإسلام لعدة أسباب هي:
أولًا: أنهم لم يكلفوا أنفسهم في معرفة الإسلام ولم يستسلموا لله وينقادوا له في كل أمر أو نهي.
ثانيًا: إنهم عادوا أهل الحق، وأبغضوهم وخطئوا طريقهم ورأوا الدين هو ما عليه أكثر المنتسبين إليه من الناس الذين لا علم لديهم ولا عمل (١).
ولا يعني هذا أننا نكفر كل مسلم لا يفهم الإسلام ويعرفه كمعرفة أبي بكر وعمر ﵄ بل إن المسلم إذا كان معه أصل الإسلام الذي يدخل به الإنسان في عداد المسلمين فهو مسلم، ولو كان جاهلا بتفاصيل أحكام الإسلام الخاصة، فإنه ليس على عوام المسلمين ممن لا قدرة لهم على معرفة تفاصيل ما شرعه الله ورسوله، أن يعرفوا على التفصيل ما يعرفه من أقدره الله على ذلك من علماء المسلمين، وأعيانهم بل عليهم أن يؤمنوا بما جاء به الرسول - ﷺ - إيمانا عاما مجملا، ويعملوا بذلك وإذا اشتبه عليهم الأمر لجأوا إلى أهل الذكر فسألوهم عما لا يعلمون أما إذا لم يوجد مع الجاهل، الأصل الذي يدخل به الإنسان في عداد المسلمين، فهو كافر، وكفره، هو بسبب الإعراض عن تعلم دينه فلا هو علمه، ولا تعلمه، ولا عمل به، فمن كان ظاهره الكفر فهو كافر ومن كان ظاهره العصيان فهو عاص، ولا نكفر إلا من كفره الله ورسوله بعد قيام حجة البلاغ عليه (٢) وقد عد الفقهاء أنواع الردة أربعة ذكروا منها الشك، والشك إنما يكون بسبب الجهل في عدم معرفة أقوى الدليلين، دليل الإثبات ودليل النفي، ولو قلنا بعدم تكفير الجاهل مطلقا لكان لازم هذا أن
_________________
(١) انظر الدرر السنية (٨/ ٢٣٢).
(٢) انظر الدرر السنية (٨/ ٢٥٧).
[ ١ / ٣٤٣ ]
لا نكفر جهلة اليهود والنصارى ومن على شاكلتهم من أهل الأوثان لجهلهم بأحكام الإسلام، وقد أجمع المسلمون على كفر من لم يكفر اليهود والنصارى، أوشك في كفرهم، وإن كان كفر بعض هؤلاء مبينا على الجهل بأحكام الإسلام، ولكن يكفي في إقامة الدليل عليهم أن يعلموا باسم الإسلام، وأن الله لا يقبل من إنسان غير الإسلام دينا، ثم يبقى عليهم بعد ذلك معرفة هذا الدين، ومعرفة صفاته وخصائصه وذلك من واجبات الفرد نفسه أن يسأل عن الخطأ والصواب، كما يفعل ذلك في أمور معيشته وعلى هذا فمرتكب الكفر، وإن كان متأولا أو مجتهدا أو مخطئا أو مقلدا أو جاهلا ليس معذورا في ذلك فليس حكم الكفر والردة مقصورا على من عاند مع معرفة وعلم، فنحن لا نعرف المعاند حتى يقول: أنا أعلم أن ذلك حق ولكن لا ألتزمه ولا أقول به، وهذا الصنف بهذا الوصف لا يكاد يوجد (١).
وقد قال تعالى: (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) [النساء: ٤٨] وقال تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) [المائدة: ٧٢] فلم يستثن ﷾ من ذلك الجاهل، ولم يخص المعاند، فمن أخرج الجاهل والمتأول، والمقلد، فقد شاق الله ورسوله وخرج عن سبيل المؤمنين (٢) وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) [الأنعام: ١١١] والجهالة معصية في صغائر الذنوب وفيما دون الكفر، فإن تاب من ارتكب الذنب بجهالة فقبول توبته راجع إلى الله عزوجل قال تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ
_________________
(١) انظر الدرر السنية (٩/ ٢٤١).
(٢) انظر الدرر السنية (٩/ ٢٤٦).
[ ١ / ٣٤٤ ]
لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) [النساء: ١٧]. قال مجاهد الجاهل من لا يعلم حلالا من حرام، ومن جهالته ركب الأمر المحرم، فكل من عمل خطيئة فهو بها جاهل، سواء كانت هذه الجهالة تصل إلى الكفر، أو إلى ما دونه فكل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته، وإنما سمواجهالا لمعاصيهم لأنهم غير مميزين ولا متبعين للحق ولذلك فعملهم هذا إثم يؤاخذون عليه إلا إذا تابوا وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (١).
والجهل صفة موجودة في حياة الناس ولكنه يختلف باختلاف الأفراد والأمم فمن الجهل ما يكون كفرا بواحا ومنها ما يكون كبيرة من كبائر الذنوب ومنه ما يكون معصية من صغائر الذنوب ولكي يتخلص المسلم من الجهل صغيره وكبيره عليه أن يتخذ من رسول الله أسوة حسنة له في حياته قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا) [الأحزاب: ٢١] وبسؤال أهل العلم العاملين بعلمهم كما تقدم بيان ذلك.
فعلى هذا نقول أن كثيرا ممن يدعون الإسلام في عصرنا الحاضر وهم يقفون في صف الطغاة والمجرمين ويوالونهم ويناصرونهم ضد الحق وأهله على خطر من خروجهم من الإسلام وإن اعتذر البعض منهم أو عنهم بأنهم جهلة لا يعلمون الحق والحقيقة لأن الواجب الشرعي عليهم هو التثبت والبحث عن الحق والصواب قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [النحل: ٤٣] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي (٥/ ٩١، ٩٢) و(٦/ ٤٣٦).
[ ١ / ٣٤٥ ]
أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات: ٦] ولقد حذر النبي - ﷺ - الجاهلين من البقاء على جهلهم وحثهم على طلب العلم وعلى تحطيم ربقة الجهل، وحثهم على قرع أبواب المعرفة، ويتجلى هذا بوضوح فيما رواه عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه عن جده قال خطب النبي - ﷺ - ذات مرة فأثنى على طوائف من المسلمين خيرا، ثم قال: «ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم ولا يعلمونهم ولا يعظونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم؟ وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتعظون؟ والله ليعلمن قوم جيرانهم، ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتفقهون ويتعظون أو لأعاجلنهم العقوبة ثم نزل» (١) ولقد بين الرسول - ﷺ - في هذا الحديث مسئولية العلماء كما بين واجب من لا يعلم، وحث الفريقين على أداء واجبهما أهل العلم ينشرون العلم ويبينونه والجاهل يسعى إليهم ويتعلم منهم، وقد رتب على إخلال أحد الفريقين أو كليهما بواجبه عقوبة زاجرة رادعة من خلال هذا الحديث، وهذا يدل على أن الجهل ليس عذرا في ترك الأحكام أو إعفائه من المسئولية (٢).
يقول الشاعر:
إذا كنت لا تدري ولم تك بالذي يسائل من يدري فكيف إذًا تدري؟؟ (٣)
_________________
(١) انظر مجمع الزوائد (١/ ١٦٤) وقد رواه الطبراني في مجمعه الكبير وفيه بكير ابن معروف قال البخاري: ارم به، ووثقه أحمد من رواية وضعفه من أخرى، وقال: ابن عدي أرجو أنه لا بأس به، فالحديث فيه لين، وأخرجه المنذري من الترغيب والترهيب (١/ ٨٦، ٨٧) بلفظ عن إشارة إلى أنه وجد من صحح الحديث أو حسنه ممن أخرجه.
(٢) انظر لمحات من المكتبة والبحث والمصادر (٢٣) تأليف د/ محمد عجاج الخطيب.
(٣) الدعوة السعودية عدد (٨١٥) من ٣٠/ ١١/ ١٤٠١ هـ ص ٣٤.
[ ١ / ٣٤٦ ]
لقد أصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا، والحق باطلا والباطل حقا في مفهوم كثير ممن ينتمون إلى الإسلام اسما لا حقيقة ولكن مع ذلك يعتقدون جهلا أو تجاهلا أنهم هم أصحاب الإسلام الصحيح فالإسلام الذي يريدونه ويعتقدون صحته هو إسلام لا يمنعهم عما حرم الله ولا يلزمه بما أوجب الله، ولذلك تراهم يفقهون في وجه كل داعية مخلص يريد إرجاع الأمة إلى الصواب، ويصفون الدعاة إلى الله أبشع الأوصاف التي هم في الحقيقة جديرون بها، إن هؤلاء الجهال وما أكثرهم في عصرنا الحاضر، هم من أهم عوامل ضعف الموالاة بين المسلمين نظرا إلى أنهم يشكلون أكثرية ساحقة ساذجة تافهة في المجتمع الإسلامي ولذلك نرى لزاما على الأمة الإسلامية والعلماء خاصة أن يهتموا بتلك الفئة من الناس اهتماما يناسب حجم المشكة ويدرأ خطرها عن الدعاة إلى الله وأن يوجهوهم إلى التصور السليم، ويلقنوهم الفهم المستقيم، وأن يحولوهم من موقف الرفض والعداء للدين وأهله، إلى موقف التأييد والموالاة والمناصرة على الحق.
لقد أصبح الجهر بكلمة الحق في وسط هذه الجموع المضللة من قبل أعداء الإسلام جريمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام، لقد جهلت الشعوب الإسلامية هذا الدين، وأخذت عنه تصورات خاطئة، بفعل أعداء الإسلام في داخل البلدان الإسلامية وخارجها، ونقضوا عرى الإسلام عروة عروة كما قال عمر بن الخطاب ﵁: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن ودفعه، ووقع فيه وأقره ودعا إليه وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية ونظيره، أو شر منه أو دونه.
فتنقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرًا والمنكر معروفًا والبدعة سنة والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان، وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول - ﷺ - ومفارقة الأهواء والبدع ومن له
[ ١ / ٣٤٧ ]
بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا، والله المستعان (١) اهـ وقد أصبح هذا القول حقيقة واقعة في أيامنا هذه، والدليل على ذلك أن الإسلام عاش محنتين عظيمتين على يد طاغيتين مجرمين هما مصطفى كمال أتاتورك وجمال عبد الناصر ومع ذلك كان موقف الجماهير الجاهلة المضللة عن حقيقتهما هو موقف التأييد المطلق والمناصرة التامة لهما والهيام في حبهما إلى درجة الشرك قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ) [البقرة: ١٦٥] ونحن نذكر هذين الشخصين كمثالين للقيادات الضالة التي يصفق لها الدهماء من الناس ويهيمون في حبها، ويبذلون دماءهم وأموالهم وكل ما يملكون في سبيل حفظها وبقائها، وما علموا أن الواجب الشرعي يفرض عليهم أن يحطموا تلك الزعامات الفاجرة الخارجة على الإسلام وأن يعادوها ويبغضوها كما أمر الله في كتابه الكريم وعلى لسان نبيه المصطفى محمد - ﷺ - ولكن الجهل المطبق هو الذي حال دون معرفة حقيقة الأعداء وحقيقة الأصدقاء وهو الذي جعل هؤلاء الجهال يوالون أعداء الإسلام موالاة مطلقة ويحاربون أهل الإيمان، إن مصطفى كمال أتاتورك لم يكن يعرف من الإسلام الذي يدعيه أكثر من أن اسمه مصطفى في السجل الرسمي للدولة أما حقيقته فهو صنيعة للحاخام اليهودي نعوم منفذ الخطة اليهودية لهدم الخلافة الإسلامية (٢).
لقد كان أتاتورك مجرما بمعنى الكلمة سواء كان في حياته الخاصة أم في مسئولياته العامة، ويشهد على ذلك أحد وزرائه عصمت اينونوا حيث قال له مرة: هل سنأخذ أوامركم من على مائدة العرق (٣).
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٣١٩، ٣٢٠).
(٢) انظر كتاب الرجل الصنم (٥٦٣) تأليف ضابط تركي سابق ترجمة عبد الله بن عبد الرحمن.
(٣) انظر المصدر السابق (٥٢٣).
[ ١ / ٣٤٨ ]
إن هذا الرجل بعد أن وصل إلى سدة الحكم وقضى على الخلافة الإسلامية، وقع معاهدة لوزان المعقودة بينه وبين بريطانيا المجرمة التي قضت على الخلافة الإسلامية، ومكنت اليهود من احتلال فلسطين كما هو معروف عن دور بلفور، وزير خارجية بريطانيا آنذاك.
وقد كان يمثل بريطانيا في معاهدة لوزان، اللورد كيرزون ورومبولد، وكانت هذه المعاهدة تشتمل على أربعة شروط رئيسية هي:
أولا: إلغاء الخلافة الإسلامية.
ثانيا: قطع كل صلة بالإسلام.
ثالثا: طرد وقتل أنصار الإسلام المتحمسين له.
رابعا: تغيير الدستور الإسلامي إلى دستور علماني (١).
ولقد طبق أتاتورك هذه المعاهدة تطبيقا تاما، فألغى الخلافة الإسلامية ومنع تدريس مواد الشريعة الإسلامية ومنع الزي الإسلامي، واستبدل بلغة القرآن الحروف اللاتينية، كما ألغى الحكم بالشريعة الإسلامية، ووضع مكانها القوانين الوضعية التي جلبها من أوروبا.
وكان قصده من ذلك كله جعل تركيا وما حولها من بلاد الإسلام قطعة من أوروبا وأقسام مبدأ علمانية الدول والحكم، وعدم اعتبار الدين في أي شأن من شئون الحياة.
هذا الشخص الذي فعل بالمسلمين هذا الفعل ما زال تمثاله الذي يرمز إلى الخيانة والعمالة للأعداء، أول ما تقع عليه عين القادم في مطار استنبول، وتماثيله الأخرى منتشرة في كل منعطف وميدان، وصوره تباع للسياح، وكأنه منقذ أمة أو فاتح عظيم، ولو كان كذلك لما جاز ذلك.
فكيف به وهو خائن لئيم؟ والأعجب من ذلك أن الدستور الوضعي
_________________
(١) انظر المصدر السابق (٢٨٣، ٢٩٤) وانظر المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام تأليف محمد محمود الصواف (١٢٨).
[ ١ / ٣٤٩ ]
في تركيا لا يزال حتى هذا اليوم حارسا أمينا على نظام أتاتورك العلماني الجاهلي ولا يستطيع أحد من أبناء الشعب المسلم في تركيا أن يجهر بانتقاد هذا الطاغية الهالك أو يكشف مخازيه وفضائحه التي بقيت سرا لأكثر من خمسين عاما.
وفي هذه الأيام تجري محاكمة للدكتور نجم الدين أربكان زعيم حزب السلامة الإسلامي بتهمة السعي لإقامة دولة إسلامية في تركيا وقد طالب المدعي العام العسكري بإنزال عقوبة السجن لمدة (٣٦) سنة على الدكتور نجم الدين كما طالب بإنزال عقوبة السجن لمدة (١٧) سبع عشرة سنة على ثلاثة وثلاثين من أعضاء حزب السلامة الإسلامي لأنهم يسعون لإقامة دول إسلامية وهذه يرون أنها جريمة لأنها تخالف نظام أتاتورك العلماني (١).
ولم يكن تمجيد هذا الطاغية مقصورًا على تركيا وحدها بل إن كثيرا من الكتاب وأصحاب الأقلام المأجورة والمخدوعة يمجدون هذا المجرم ويمتدحونه، وكأن تحطيم الخلافة الإسلامية نصر عظيم وفتح مبين ولا غرابة على معظم الذين فعلوا ذلك لأنهم ينظرون إلى الأمور من خلال منظار اليهود والنصارى إليها، ولكن الغرابة في الأمر أن ينساق من يدعي الإسلام إلى الوقوف بجانب أعداء الإسلام، بينما يكيلون السباب والشتائم على سلاطين الدولة العثمانية وخاصة عبد الحميد الثاني الذي وقف في وجه المؤامرة اليهودية الصليبية رغم الضعف الشديد الذي يحيط بالدولة في عهده ورغم قوة أعدائه فقد أبى إباء المؤمن المعتز بإيمانه بالله عندما عرض عليه قره صو (٢) المرسل من قبل هرتزل قائد اليهودية وحامي حماها مبلغ مائة مليون ليرة ذهب باسم قرض طويل الأجل وبدون فائدة.
_________________
(١) انظر مجلة الإرشاد العدد العاشر للسنة الثالثة شوال (١٤٠١) (٧٣).
(٢) انظر المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام، محمد محمود الصواف (١٢٩).
[ ١ / ٣٥٠ ]
وتعهد أيضا باسم اليهود ببناء أسطول بحري لمشاركة الدولة العثمانية في صد الأعداء عنها، وتعهد كذلك ببناء جامعة في القدس كل ذلك مقابل التنازل عن قطعة صغيرة، من أرض فلسطين لليهود.
فأبي السلطان رغم حاجته إلى المال والاستقرار وقال للوسيط قره صو وهو عثماني الجنسية: اغرب عن وجهي أيها الخنزير، أنا لن أستطيع أن أبيع شبرا واحدا من أرض فلسطين لأنها ليست ملكي، بل هي ملك المسلمين جميعا أخذوها بدمائهم، ولن يعطوها إلا بدمائهم، فليحتفظ اليهود بملايينهم وإذا مزقت دولتي يوما فإنهم سيأخذونها بلا ثمن أما وأنا حي فإن عمل المشرط في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين بترت من دولتي وهذا أمر لن يكون، إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة (١).
رحمك الله يا عبد الحميد، لقد ظلمك التاريخ، وظلمك أصحاب الأقلام الذين يتخذون من مؤلفات جورجي زيدان، وفارس نمر وسلامة موسى مصدرا لتاريخهم ومعلوماتهم، وما أدرك أولئك الجهلة أن ثلاثتهم قد تربوا في أحضان الصليبية وأنهم يعملون لها، وأن مؤلفاتهم سلاح من الأسلحة التي تشهر في وجه الإسلام والمسلمين.
إن هذا الموقف في معاداة عبد الحميد، وموالاة ومناصرة أتاتورك يعطي صورة واضحة على من يجهل معظم أفراد الأمة بأعدائها الحقيقيين إلى حد يجعلهم ينصرون الظالم على المظلوم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ولم يتعظ المسلمون من نتائج هذا الموقف مع أتاتورك وما حصل من ذلك من جرائم أو سيئات بل مر هذا الحدث بما فيه من مصائب ودواه عظام أثقلت وتثقل كاهل الأمة الإسلامية حتى هذا اليوم، ومع ذلك لا زال بعض المنتسبين إلى الإسلام يمتدح ذلك العدو اللدود للإسلام والمسلمين.
_________________
(١) انظر محاضرات في تاريخ فلسطين تأليف د/ أحمد طربين ص٤.
[ ١ / ٣٥١ ]
أما المأساة الثانية التي كرر فيها الأعداء مواقف أتاتورك في صورة شخص آخر فهي مأساة المسلمين في مصر، وخارج مصر، تلك المأساة التي عاشها أبناء مصر الأوفياء لدينهم وإسلامهم، وعاشها معهم كل مؤمن مخلص غيور، وذلك حين تآمر حفيد فرعون (١) جمال عبد الناصر مع أعداء الإسلام والمسلمين، العميل المزدوج للأمريكان واليهود والشيوعيين فلقد قال عنه خالد محيي الدين وهو من المقربين إليه إن عبد الناصر كان على علاقة مع وكالة المخابرات الأمريكية عن طريق كيرميت روزفلت المهندس الأمريكي لثورات المنطقة (٢) وقد ذكر مايلزم كوبلاند صديق عبد الناصر الحميم عن تلك العلاقة بين عبد الناصر والإدارة الأمريكية فيقول عن عبد الناصر: إنه لا يعمل كما يظن كثيرون نتيجة استئثار أو نزوة أو أي دافع من البواعث السطحية، إننا نحن رجال المخابرات الأمريكية قد رسمنا له الطريق فسار فيه، وقد تكون النتائج غير ذلك لو أنه أعد إعداد من نوع آخر (٣).
وقد أشار الدكتور محمد صادق إلى هذا الارتباط بما لا يدع مجالا للشك بأن عبد الناصر تآمر مع أعداء الإسلام الصليبيين للقضاء على الإسلام والمسلمين (٤) وعبد الناصر كما هو عميل للصليبيين هو كذلك عميل لليهود لأن اليهودية والصليبية يعملان معًا ضد الإسلام وينسقان الخطط فيها بينهما لحرب الإسلام والمسلمين، والأدلة على عمالة عبد الناصر لليهود ما يلي:
أولًا: صرح رجل عدل كان أحد أبطال فلسطين، الذي عرفه اليهود قبل
_________________
(١) الحفيد ولد الولد انظر المعجم الوسيط (١/ ١٨٣).
(٢) مذبحة الإخوان جار رزق ص١٣.
(٣) انظر لعبة الأمم مايلز كوبلاند (٢٣٩) ترجمة إبراهيم جزيني.
(٤) انظر الدبلوماسية والميكافيلية في العلاقات العربية الأمريكية الدكتور محمد صادق (١٧، ١٨).
[ ١ / ٣٥٢ ]
أن يعرفه غيرهم، وهو اللواء معروف الحضري ﵀ الذي كان أحد أبطال الحرب (١٩٤٨) وهو الذي مد يد العون للجنود المصريين المحاصرين في الفالوجة وكان عبد الناصر أحد هؤلاء المحاصرين هناك وبعد فك الحصار ورجوعهم إلى المخيم قال معروف الحضري أنه شاهد عبد الناصر يخرج من بين خطوط الحصار ويدلف إلى خطوط اليهود بعد منتصف الليل بغير علم قيادته وبغير أمرها، وأنه شاهده أكثر من مرة يفعل ذلك تحت جنح الظلام وكانت سيارة عسكرية يهودية تنتظره على مقربة من خط المواجهة يستقلها ثم يعود فيها مع خيوط الفجر الأولى، ولا ندري ماذا كان يفعل إلا ما دهمت به مصر بعد ذلك بثلاث سنوات.
ثانيا: يوجد وثيقة بخط عبد الناصر كتبها بيده بعد أن وقع معروف الحضري بأسر اليهود، وصلت إلى معروف يطلب منه فيها التعاون مع ضابط المخابرات اليهودية المدعو كوهين الأمر الذي رفضه معروف الحضري ﵀.
ثالثا: صرح ابن غورين مؤسس دولة إسرائيل في عام (١٩٥٠) في الكنيست الإسرائيلي قائلا: إن انقلابا عسكريا سيقع في مصر لن نكون نحن معاشر اليهود أقل فرحًا به من المصريين أنفسهم، ويقصد بذلك الانقلاب الذي أوصل عبد الناصر إلى الحكم في مصر، فكان ما كان في مصر مما أثلج صدور الكفار أجمع ما عدا أهل الإسلام.
رابعا: جاء في مجلة يهودية تدعى يدعوت أحرينوت قولها: إن إسرائيل مارست ضرب الحركات الإسلامية، خلال الثلاثين عاما الماضية عن طريق أصدقائها في العالم العربي (١) وهذا ما حصل في مصر
_________________
(١) انظر فيما تقدم محاضرة مسجلة للدكتور/ علي جريشة بعنوان أعداء في طريق الدعوة تسجيلات اليمامة الرياض/ بطحاء- عمارة النيل.
[ ١ / ٣٥٣ ]
على يد ذلك السفاح وما يحصل في وقتنا الحاضر على يد عملاء الكفار الشرقيين والغربيين.
خامسًا: نشرت إحدى المجلات الإنجليزية نيوستيتسمان في عددها الصادر في الثاني من أكتوبر عام (١٩٧٠) بعد أن جللته بالسواد حدادا على عبد الناصر مقالا للمستر سكوتسمان الذي يعترف بأنه صهيوني بارز ولكنه يرثي جمال عبد الناصر، لما قدمه لليهود من خدمات لا تعوض بثمن وصدق الله العظيم حين قال: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [البقرة: ١٢٠] ويضيف سكوتسمان قائلا: كان أول لقاء لي مع عبد الناصر سنة (١٩٥٣) الأمر الذي جعلني أرتبط معه بصداقة شخصية استمرت سنوات طويلة، ثم يقول: لقد نزلت ضيفًا عند عبد الناصر في إحدى الليالي بمنزله الكائن بجوار الثكنات منشية البكري وقد شهر بتكريمه لي عندما جلست معه جلسة خاصة للعشاء على مائدة المطبخ، لا على مقاعد غرفة الطعام بالصالون المعتاد ولقد دعاني إلى رؤية بناته في غرفة النوم بعد أن سارعت زوجته إلى الاختفاء (١).
سادسًا: جاء في مذكرات موشي ديان وزير الدفاع الإسرائيلي سابقا أن حسن التهامي قال له: إنه كان للاستخبارات المصرية عميل إسرائيلي في منصب استراتيجي وكان ضابطا كبيرا في الجيش الإسرائيلي وقد أبلغ المصريين بأن الحرب ستقوم خلال الفترة ما بين (٣ أو ٦) من حزيران وردا على السؤال: لماذا لم يوضع سلاح الجو المصري في حالة تأهب قصوى؟ ولماذا لم تكترث
_________________
(١) انظر الدبلوماسية والميكافيلية في العلاقات العربية الأمريكية د/ محمد صادق ص ز من المقدمة.
[ ١ / ٣٥٤ ]
القيادة المصرية بهذه المعلومات؟ قال التهامي: إن الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر كان شريكا في المؤامرة الإسرائيلية (١).
سابعًا: نقلت وكالة أ. ب فيلادليفيا أن هناك عدة صحف أمريكية نشرت سلسلة من التصريحات أدلى بها إيلمورجاكسون مراقب لجنة خدمة أصدقاء أمريكا لدى الأمم المتحدة وعضو كنيسة الكويكا قال: إن الرئيس المصري جمال عبد الناصر أجرى اتصالات مع الإدارة الأمريكية عام ١٩٥٥ من خلال سفيره في واشنطن أحمد حسين لمصالحة اليهود وقال جاكسون في ختام تصريحاته: إن كثيرين ممن وضعوا ثقتهم في الرئيس المصري جمال عبد الناصر: وكانوا من أنصاره قد يدهشون لقيامه بهذه الجهود لكن الحقيقة أنه قام بذلك، وقد حال دون ذلك استراتيجية السياسة اليهودية في ذلك الوقت اهـ (٢).
إن الدور الذي لعبه جمال عبد الناصر في تحطيم عقيدة الأمة وأخلاقها وتسليم المساحات الشاسعة من أرض الإسلام والمسلمين بما فيها القدس لليهود بلا ثمن لهو دور عظيم لا يقارن به إلا الدور الذي قام به كمال أتاتورك من قبله.
فكلاهما لعب دورًا مأسويًا في تاريخ الإسلام والمسلمين، وكلاهما صنعا مأساة لم يصنعها أحد غيرهما في زمانهما ومكانهما فالاثنان حققا لليهود .. أغلى أمانيهم.
الأول: أسقط الخلافة الإسلامية وشتت البلاد الإسلامية دويلات وإمارات مبعثرة متناحرة وأنشأ مبدأ العلمانية في الحكم والتشريع.
_________________
(١) انظر مجلة المجتمع عدد ٥٢٢ السنة الحادية عشرة ف ٢٥/ ٥/ ١٤٠١ هـ (١٦).
(٢) انظر مجلة الإصلاح السنة السادسة العدد (٥٨) ربيع الأول عام ١٤٠٣ هـ (٢٧).
[ ١ / ٣٥٥ ]
والثاني: منح اليهود نصرا مؤزرا وأعطاهم أرضا وأماكن لم يحلموا بالوصول إليها بهذه السرعة، وبمثل هذه السهولة أعقبه السادات فمنح اليهود صك التملك الشرعي لأراضي المسلمين ومقدساتهم.
هذه نماذج للقيادات الظالمة الطاغية التي لم تترك وراءها أي معلم من معالم البناء الحقيقي للأمة سوى الهزائم المتكررة في مجال الحرب العسكرية والحرب الثقافية، والحرب الأخلاقية والتي جميعها أثقلت كاهل الأمة في حاضرها ومستقبلها، إن البناء في مفهوم تلك القيادة الضالعة في موالاة أعداء الإسلام وتبعيتهم هو نشر الفساد الأخلاقي والانهيار الاجتماعي، وقتل عشرات الآلاف من أبناء المسلمين في الحرب العشوائية، وداخل السجون والمعتقلات الرهيبة أن جرائم هؤلاء قد تجاوزت البالغين إلى الأطفال الرضع ونسوق حادثة واحدة من آلاف الحوادث إلى الذين استعبدهم حب عبد الناصر، ليروا مدى العطف والعناية التي يقدمها محبوبهم إلى أبناء المسلمين.
لقد ذهب عبد الناصر في زيارة لروسيا الشيوعية وعدوة الإسلام الأولى، ومن أجل ترضية سبعة عشر يهوديًا أعضاء في مجلس السوفيت الأعلى (١) أمر عبد الناصر وهو في موسكو باعتقال جميع الإخوان المسلمين وكان من ضمن الإخوان أخ كريم يعيش بالإسكندرية وكان الضابط المكلف باعتقاله يدعى عبد العزيز الصوابي فذهب إليه مع بعض زبانيته في ساعة متأخرة من الليل. ثم اعتقله واعتقل زوجته معه، وترك في البيت ثلاثة أطفال أكبرهم دون الخامسة وأصغرهم رضيع وفي الصباح استيقظ الأطفال فوجدوا الباب مغلقًا وليس عندهم أحد، وعند منتصف النهار مر شقيق الزوجة في زيارة عابرة فنادى على من في الدار فلم يجبه إلا صياح الأطفال وصراخهم وخاطب أكبرهم أين أمك؟ وأين أبوك؟ وأجاب: قمنا من النوم فلم نجدهما
_________________
(١) انظر الكيد الأحمر/ عبد الرحمن حنبكة (٩٣).
[ ١ / ٣٥٦ ]
وفتح الباب بعد مخاطرة عظيمة فوجد الأطفال الثلاثة في وضع تتفطر له الأكباد.
إن هذه الصورة وغيرها مئات وآلاف الصور المحزنة المبكية، ومن أراد المزيد من تلك الصور فليرجع إلى الكتب المطولة في ذلك (١).
إن هذا ليس غريبا من شخص باع دينه بدنياه واستعبده حب المنصب والجاه حتى ولو كان على أشلاء الأبرياء والمظلومين، من الذين لا ذنب لهم إلا أنهم قالوا ربنا الله ثم استقاموا هذه معاملة عبد الناصر لأبناء المسلمين أما سكوتسمان اليهودي الصهيوني فله مكان خاص في بيت الرئيس (٢) إن تآمر عبد الناصر مع اليهود والنصارى وغيرهم من كفار الأرض أمر لا غرابة فيه.
ولكن الغريب في الأمر أن يفعل بالمسلمين هذا الفعل هو وزبانيته ومع ذلك كله نجد الملايين في مصر وخارج مصر تسبح بحمد هذا العميل وتقدسه، وتمنحه أعظم الأسماء وأجل الأوصاف والألقاب، وما ذلك إلا نتيجة جهلها بحقائق الأمور، واعتمادها على وسائل التجهيل والتضليل في الداخل والخارج التي جعلت من الدمية أعظم أسطورة ومن الفأر أسدا ضرغاما، وذلك حتى تتم فصول المؤامرة ويتحقق الدور الذي رسمه أعداء الإسلام لها بسلام فقد استشهد سيد قطب ﵀ وغيره من العلماء الأجلاء ولم نر أو نسمع من الملايين المضللة التي خرجت تطالب ببقاء عبد الناصر بعد هزيمته المنكرة أي احتجاج أو استنكار في الوقت الذي كان يجب على الجماهير أن تفعل عكس ذلك تماما، ولكن من يعي ويبصر أو من غير العرب يصفق لقائد مهزوم؟
_________________
(١) انظر مذبحة الإخوان في ليمان طرة جابر رزق وانظر البوابة السوداء أحمد رائف وانظر القابضون على الجمر/ محمد أنور رياض وانظر نافذة على الجحيم، لعدد من الكتاب وانظر الفراعنة الصغار د/ جابر رزق (١٠٢).
(٢) انظر صفحة ٣٣٠ من هذه الرسالة.
[ ١ / ٣٥٧ ]
عجبت لمصر تهضم الليث حقه وتفخر بالسنور ويحك يا مصر
سلام على الدنيا سلام على الورى إذا ارتفع السنور وانخفض النسر (١)
ويقول الشاعر:
ولا خير من قوم تذل كرامهم ويعظم فيهم نذلهم ويسود (٢)
إن من العقبات الشديدة في وجه الدعاة والمصلحين في هذا العصر تلك الجموع البشرية المضللة التي تعيش على هامش الحياة وهي سلاح قوي في يد أعداء الإسلام، ودعاة الضلال والانحراف، وهم لا يتكلفون في توجيه هؤلاء الدهماء ضد الإسلام والمسلمين، بأكثر من دغدغة عواطفهم بالمال والجنس ولغو الحديث، مع إيغار صدورهم ضد الحق ودعاته وعندئذ تكون هذه الفئة سلاحا بأيدي أعداء الإسلام والمسلمين.
إن انتشار هذه الفئة الجاهلة الغبية في معظم أقطار المسلمين كان من أهم أسباب ضعف الموالاة والمعاداة في الله ولذلك يجب على كل مسلم أن يساهم في حل هذه المشكلة الحادة المعقدة.
والحل لا يخرج عن كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وإنما دورنا هو كيف نجعل الناس يفهمون الإسلام فهمًا صحيحًا ويلتزمونه قولًا وفعالًا.
والطريق في نظري لإفهام الناس ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: هو دور الاتصال الشخصي في نشر التصور الإسلامي الصحيح فلو أخذ كل منا على عاتقه إبراز مفاهيم الإسلام وقيمه العادلة للناس في كل لقاء يلتقي به مع غيره من الناس لكان لذلك أثر عظيم في جلاء ظلمة الجهل عن الناس وتصحيح نظرتهم للإسلام ومقاصد المسلمين.
_________________
(١) انظر مجلة الإصلاح عدد (٢٦) في جمادى الثاني (١٤٠٠) ص (١٨).
(٢) معجم الأدباء لياقوت الحموي (٨/ ٢٥٨).
[ ١ / ٣٥٨ ]
القسم الثاني: هو دور التعليم ووسائل الإعلام في تعميق مفهوم الإيمان وإعطاء التصور الصحيح للدين الإسلامي ونظامه في الحياة مع بيان الخصائص التي تميزه عن النظم الجاهلية كلها، إننا لو استطعنا أن نجعل الناس يهتمون بالإسلام وقضاياه المختلفة كاهتمامهم بقضاياهم الشخصية لكان ذلك فاتحة خير وطريقا إلى الوصول إلى الهدف الأسمى في تطبيق الإسلام وتنفيذ أحكامه.
ولكن للأسف الشديد فإن غالبية الناس عن الاهتمام بالدين وقضاياه غافلون فكل ما يفهمه أو يهتم به بعض المنتسبين إلى الإسلام هو تأدية الشعائر التعبدية من صلاة وزكاة وصوم وحج، أما الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله ومحاربة المنكرات الظاهرة ظهور الشمس في رابعة النهار وموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، فهم عنها غافلون وعن التشبث بها معرضون.
ومن الأمثلة على جهل بعض المسلمين بالإسلام وتصوره تصورا ناقصا خاطئا ما ذكره جمال الدين الأفغاني ﵀ حيث يقول: إنك إذا سألت الهندي المسلم عن الإسلام، كان يجيبك بأنه يحمد الله على أنه من أكلة لحوم البقر، هذا كل ما يفهمه عن الإسلام أنه يبيح لحم البقر طعامًا للناس (١) اهـ وليس كل أهل الهند المسلمين بهذا الوصف، ولكن الغالبية العظمى منهم ومن غيرهم في البلاد الإسلامية لا يخرجون عن نطاق هذا الفهم القاصر للدين الإسلامي.
والسبب في ذلك والله أعلم أن أكثر المسلمين يأخذون إسلامهم عن طريق التقليد لأناس هم أبعد ما يكونون عن الإسلام الصحيح علما وعملا وهذا الأمر هو أعظم مصدر من مصادر الجهل المنتشر بين المسلمين وقد اختلف العلماء في التقليد على قولين:
_________________
(١) انظر الإيمان وأثره في نهضة الشعوب/ يوسف العظم (١٣٤).
[ ١ / ٣٥٩ ]
القول الأول: قول جماعة نفت التقليد وأنكرته وذمته وقالت في تبرير ذلك أن الناس أحد رجلين.
أ- إما عامي فيجب عليه أن يتعلم ما يستقيم به دينه، ولا فائدة له في لزوم مذهب معين، فإنه كالأمي الذي يدعي أنه يقرأ وهو ليس بقارئ أو يدعي أنه كاتب وليس بكاتب فيدعي أنه على مذهب وهو لا يعرفه ولا يعرف الصحيح من الضعيف.
ب- والرجل الثاني فقيه عالم بالكتاب والسنة، فلا يصح أن يقدم على شيء بغير حجة ولا دليل (١).
وقد ذم الله التقليد والاتباع على غير هدى كما ذكر الله عن الكفار في قوله تعالى: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) [الزخرف: ٢٣] وقال تعالى: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) [الأحزاب: ٦٦ - ٦٨]، وقد أمر الله عباده باتباع ما أنزل على رسوله قال تعالى: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) [الأعراف: ٣].
وقد بين تعالى أن الذين يقلدون غيرهم بلا وعي، ولا تعقل يندمون على ذلك يوم القيامة عندما يرون العذاب الأليم قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) [البقرة: ١٦٧].
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (١٥٠) وانظر أصول مذهب الإمام أحمد للدكتور عبد الله عبد المحسن التركي (٦٧٥ - ٦٨٩) وانظر إيقاظ همم أولى الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار/ صالح بن محمد نوح الفلاني (١٥٣ - ٢١٤).
[ ١ / ٣٦٠ ]
القول الثاني: قول من يقول إن التقليد أمر ضروري يباح عند الضرورة فليس في قدرة كل الناس معرفة الأدلة التفصيلية من الكتاب والسنة ولكنهم اشترطوا أن يكون التقليد لأحد الأئمة في ما وافق الكتاب والسنة فقد صرح الأئمة بأنه لا يجوز تقليدهم تقليدا مطلقا في كل شيء لأن التقليد المطلق خاص بالمعصوم - ﷺ - فيما لم ينسخ أو يكون مخصوصا به دون غيره (١) فقد أمرنا الله بمتابعته بقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ) [الأحزاب: ٢١].
أما ما عدا الرسول - ﷺ - فيؤخذ من قوله ويرد ولذلك نرى أن الأئمة والفقهاء قد أوثر عن كل واحد منهم ما يدل على ذم التقليد والمتابعة المطلقة لغير رسول الله - ﷺ - (٢).
ومن الأقوال التي رويت عنهم ما يلي:
١ - قال أبو حنيفة ﵀: هذا رأيي فمن جاءنا برأي خير منه قبلناه وقال: هل لأحد قول مع قول النبي - ﷺ -؟ (٣).
٢ - قال بشر بن الوليد (٤) قال أبو يوسف (٥) صاحب أبي حنيفة (لا يحل)
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (١٥٠ - ١٥٢) وانظر أصول مذهب أحمد د/ عبد الله التركي (٦٧٦ - ٦٨٩).
(٢) انظر مجموعة التوحيد (١٥٠ - ١٥٢).
(٣) المصدر السابق (١٥١).
(٤) هو بشر بن الوليد بن عبد الملك ابن الخليفة الوليد الأول من أم ولد وقد عرف بعالم بني مروان لغزارة علمه، وكان بشر أميرًا للحج عام ٩٥ هـ كما اشترك في بعض الفتوحات الإسلامية في آسيا الصغرى وتولى قيادة الأسطول المصري فرسًا في تراقيا ووصل في توغله حتى أدرنة ولا يعرف تاريخ وفاته انظر دائرة المعارف الإسلامية (٣/ ٦٦٠).
(٥) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي أبو يوسف ولد بالكوفة سنة ١١٣ هـ وتفقه علي أبي حنيفة وسمع من عطاء بن السائب وطبقته وروى عن محمد بن الحسن الشيباني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو يوسف فقيه محدث أصولي، مجتهد حافظ عالم بالتفسير والمغازي وأيام العرب، ولي قضاء بغداد لثلاثة من الخلفاء العباسيين وتوفي بها في ربيع الآخر سنة ١٨٢ هـ ودفن بكرخ بغداد بقرب أم جعفر زبيدة من آثاره كتاب الخراج المبسوط في فروع الفقه الحنفي ويسمى بالأصل كتاب في آداب القاضي على مذهب أبي حنيفة انظر معجم المؤلفين عمر رضا كحالة (١٣/ ٢٤٠).
[ ١ / ٣٦١ ]
لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا (١).
٣ - قال الإمام مالك ﵀: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا قول صاحب هذا القبر يشير إلى رسول الله - ﷺ - قال أيضًا: من ترك قول عمر بن الخطاب ﵁ لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب فكيف من ترك قول رسول الله - ﷺ - لمن هو دون إبراهيم النخعي (٢).
٤ - قال الإمام الشافعي ﵀: إذا صح الحديث فهو مذهبي وفي لفظ: إذا صح الحديث عندكم فاضربوا بقولي الحائط (٣).
٥ - قال أبو داود: قلت لأحمد الأوزاعي أهو أهل أن يقلد؟ أم مالك؟ فقال: لا تقلد في دينك أحدا من هؤلاء إلا ما جاء عن النبي - ﷺ - وأصحابه فخذوه (٤).
٦ - قال أحمد ﵀: عجبت لقوم عرفوا الأستاذ وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور: ٦٣].
٧ - قال عبد الله (٥) بن المعتم: لا فرق بين بهيمة تنقاد وإنسان يقلد (٦).
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (١٥١).
(٢) المصدر السابق المكان نفسه.
(٣) انظر الدرر السنية (١/ ١٢٣).
(٤) انظر مجموعة التوحيد (١٥١، ١٥٢).
(٥) هو عبد الله بن المعتم كان على إحدى المجنبتين يوم القادسية وأرسله سعد بن أبي وقاص من العراق إلى تكريت ففتحها وأرسل عبد الله بن المعتم ربعة بن الأفكل إلى نينوي والموصل ففتحهما وكان ذلك سنة (٢٠ هـ) انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة (٣/ ٢٦٣، ٢٦٤).
(٦) انظر مجموعة التوحيد (١٥٢).
[ ١ / ٣٦٢ ]
٨ - قال ابن مسعود (١) ﵁ لا يقلدن أحدكم رجلا إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر (٢).
قال الشاعر:
تخالف الناس فيما قد رأوا ورووا وكلهم يدعون الفوز بالظفر
فخذ بقول يكون النص ينصره إما عن الله أو عن سيد البشر (٣)
وهذا لا يعني حرمة اتباع العلماء فيما يقولون من حق وصواب ولكن الأمر الذي نريد تقريره، إنه ليس واجب على الأمة اتباع العلماء كاتباع الرسول - ﷺ -.
وبناء على ذلك لا يحرم تقليدهم فيما وافق الحق والصواب، كما يحرم تقليد من يقول بغير علم، أو من يستمد أقواله وأفعاله من مناهج الكفر والضلال (٤).
فالعلماء يجري عليهم الخطأ والنسيان، ومنهم من يقع في مصائد الولاة الكفرة فيبيع دينه بعرض من الدنيا.
من أجل ذلك كله فهم ليسوا معصومين من الخطأ وليس البعض منهم
_________________
(١) هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب حليف بني زهرة، كان أبوه مسعود قد حالف بني زهرة في الجاهلية، وأمه أم بنت الحارث من هذيل كان إسلامه قديما أول الإسلام حين أسلم سعيد بن زيد وزوجته فاطمة بنت الخطاب ﵂ وذلك قبل إسلام عمر بن الخطاب ﵁ وروي عن ابن مسعود أنه قال: رأيتني سادس ستة ما على ظهر الأرض مسلم غيرنا، وهو أول من جهر بالقرآن بمكة وهاجر الهجرتين وصلى القبلتين وشهد بدرا وأحد والخندق وبيعة الرضوان وشهد المشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - وهو الذي أجهز على أبي جهل، وشهد له رسول الله - ﷺ - بالجنة، وقد توفي ابن مسعود ﵁ بالمدينة سنة ٢٣ هـ ودفن بالبقيع انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة (٣/ ٢٥٦ - ٢٦٠).
(٢) انظر مجموعة التوحيد (١٥٢).
(٣) انظر مجموعة التوحيد (٣٣١).
(٤) انظر مجموعة التوحيد (٥٧٨، ٥٧٩).
[ ١ / ٣٦٣ ]
حجة في موافقة في بعض القضايا والأحداث فمن أحسن الظن ببعضهم من غير نظر إلى الكتاب والسنة هلك (١) وخلاصة القول في هذه المسألة أن التقليد مذموم فيما يتعلق بأصول الأحكام دون فروعها.
أما من تحرى الحق في مسألة فرعية والتزم ذلك في حياته فلا ضير عليه سواء كان ذلك علما تعلمه أو تقليدا لمن وافق عمله الكتاب والسنة (٢) فإن الله ﷾ أمرنا باتباع أهل العلم فيما يفتون به من أحكام قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [النحل: ٤٣].
لذلك فإن كان تقليد العلماء العاملين بالشريعة الإسلامية عليه بعض التحفظات فما عذر أولئك الذين يقلدون اليهود والنصارى والمرتدين والمنافقين بغير سلطان آتاهم؟
إنه لا عذر لهم سوى اتباع الهوى والشيطان والمكابرة عن الحق وأهله أعاذنا الله من ذلك.
يقول الشاعر سليمان بن سحمان
فمن كابر النص الصريح معاندا وحلل تقليدا لما الله حرما
وقلد متبوعا له ومقلدا فهل كان ذا من أناب وأسلما؟ (٣)
وقد أخبر رسول الله - ﷺ - عن غربة الإسلام بقوله - ﷺ -: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء» (٤).
فهذا الحديث يدل على أن للدين إقبالا وإدبارا، وأن من إقباله أن
_________________
(١) انظر الدرر السنية (١/ ٢٧٠).
(٢) انظر أصول الفقه/ تأليف محمد الخضري بك (٣٨٠).
(٣) انظر ديوان عقود الجواهر المنضدة الحسان/ سليمان بن سحمان (٢١٥، ٢١٦).
(٤) رواه مسلم انظر صحيح مسلم (١/ ١٣٠).
[ ١ / ٣٦٤ ]
تفقه القبيلة وتسترشد حتى لا يوجد فيها إلا منافق أو منافقان فهما خائفان مقهوران ذليلان وإن من علامات غربته أن تجفوا القبيلة بأسرها حتى لا يوجد فيها إلا مؤمن أو مؤمنان فهماخائفان مضطهدان (١) وقد وقع مصداق ذلك في هذا العصر حتى صار المعروف منكرا والمنكر معروفا في كثير من بلاد المسلمين وفشى الجهل بين الناس والتقليد الأعمى لأهل الكفر والضلال فنشأ على ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، واعتقد أكثر الناس أن ما هم عليه من عادات الكفر وصفات الكفار لا تتعارض مع الإسلام لعظيم جهلهم، وشدة غفلتهم، وبعدهم عن أحكام الإسلام، بل إنهم يصفون من ينكر عليهم باطلهم وضلالهم بالكفر والتطرف والانحراف عن الإسلام، وينسبون إليه العمالة للأعداء والرجوع بالأمة إلى الوراء والتخلف، وتحطيم منجزات الأمة وإيجاد بذور الفتنة والانقسام وللأسف فإن هذه الفرية التي يرددها أعداء الإسلام لتشويه الحق وأهله تنطلي على كثير من مدعي الإسلام وهذا الفهم الخاطئ لما يقال عن الإسلام والمسلمين لا يعفي هؤلاء من المسئولية أمام الله عزوجل.
فقد قال الفقهاء: إنه يكفي في العلم بالشيء إمكان العلم به، فمتى بلغ الإنسان سن التكليف وهو عاقل مختار، وكان ميسرا له أن يعلم الحق من الباطل، والحرام من الحلال، إما بالرجوع للنصوص الموجبة للتحريم والتحليل وإما بسؤال أهل الذكر اعتبر عالما بالأفعال المباحة والأفعال المحرمة ولم يكن له أن يعتذر بالجهل، أو يحتج بعدم العلم، ولهذا يقول الفقهاء: لا يقبل في دار الإسلام العذر بجهل الأحكام (٢).
ويعتبر المكلف عالما بالأحكام بإمكان العلم لا يتحقق العلم فعلا ومن ثم يعتبر النص المحرم معلوما للكافة ولو أن أغلبهم لم يطلع عليه، أو يعلم عنه شيئا، ما دام العلم به ممكنًا لهم بسؤال أهل الذكر عنه.
_________________
(١) انظر الدرر السنية (١١/ ١٠٦، ١٠٧)
(٢) انظر التشريع الجنائي الإسلامي/ عبد القادر عودة (١/ ٤٣٠).
[ ١ / ٣٦٥ ]
ولم تشترط الشريعة تحقق العلم فعلا، لأن ذلك يؤدي إلى الحرج وفتح باب الادعاء بالجهل على مصراعيه، ويعطل تنفيذ النصوص الشرعية بدعوى الجهل بها، فقد روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم» الحديث (١).
ولذلك لم يجعل الباري ﷿ دعوى الجهل سببا لرفع الجناية عن المعتدي فلا ترتفع عن المعتدي المسئولية الجنائية فيما اعتدى عليه بدعوى جهله بذلك (٢).
ومن ذلك يتأكد لي أنه لا عذر للذين يدعون الإسلام وهم يناصبون المسلمين العداء في البلاد الإسلامية فيقفون مع كل طاغية ضد كل داعية ولو جهلوا أو ادعوا الجهل في فهم حقيقة الإسلام والمسلمين، لأن الواجب الشرعي عليهم يقتضي التثبت في اتخاذ المواقف من أهل الخير أو أهل الشر قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات: ٦].
إن واجب المنتمين إلى الإسلام أن يعرفوا نوعية من يتعاملون معهم وينزلوهم حسب المنزلة التي ينزلهم الشرع إياها، ولا يكونوا إمعات تصفق لكل ناعق وتصدق كل منافق، فهذا الصنف من الناس هو الذي اعتمد عليه الطغاة في حرب الإسلام والمسلمين.
يقول الشاعر:
فكم خائن باع البلاد سموا به إلى الأوج فهو الفارج الكربات
وكم ملحد مستهتر العرض قد غدا بسحرهم يدعى أبا لبركات
وكما سارق قوت المساكين صوروا على الطرس منه مبدع الحسنات
_________________
(١) رواه مسلم انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٢/ ٢).
(٢) انظر التشريع الجنائي الإسلامي عبد القادر عودة (١/ ٤٣٠، ٤٣١).
[ ١ / ٣٦٦ ]
أراقوا على أقدامه المدح خشعا كما عكف الغاوون حول منات
أضاليل أملاها النفاق وحطمت بقية ما للدين من حرمات
فواها على الإسلام تهوي صروحه بأيدي جناة من بنية عماة (١)
ويقول الأديب المصري: توفيق البكري مشيرا إلى أن أسباب الطغيان وأساسه هو الجهل:
لا تعجبوا للظلم أن يغشى أمة فتبوء منه بفادح الأثقال
ظلم الرعية كالعقاب لجهلها ألم المريض عقوبة الإهمال (٢)
_________________
(١) انظر شعراء الدعوة الإسلامية (٥/ ٣٣، ٣٤).
(٢) انظر بروتوكولات حكماء صهيون (٨٤) ترجمة محمد خليفة التونس.
[ ١ / ٣٦٧ ]
الفصل الثاني: الاختلاف في مسألة من مسائل الفروع
إن الاختلاف من الظواهر العادية بين الناس نظرا لاختلاف القدرات الفكرية والجسمية والعقلية بين البشر، فما يراه إنسان مصلحة قد يراه إنسان آخر مفسدة وما يحبه شخص قد يبغضه شخص آخر، ولهذا كله أنزل الله تعالى للناس تشريعا يحقق لهم الخير في كل زمان ومكان، ويجنبهم شر تضارب الآراء واختلاف النزعات، كما هو حاصل في الأنظمة الوضعية (١).
ولذلك فإن الاختلاف بعد نزول القرآن الكريم والسنة النبوية يجب حسمه عن طريق الكتاب والسنة قال تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء: ٥٩].
_________________
(١) انظر أسباب اختلاف الفقهاء، د/ عبد الله عبد المحسن التركي (٩).
[ ١ / ٣٦٩ ]
والخلاف الذي يجري بين المنتسبين إلى الإسلام يمكن تقسيمه إلى قسمين:
(١) اختلاف في فروع الشريعة الإسلامية.
(٢) اختلاف في أصول الإسلام.
وحيث إن هذا الفصل خاص باختلاف الفروع فسوف نؤجل البحث في مسألة الاختلاف في الأصول إلى مبحث الموالاة والمعاداة للفرق التي تدعي الإسلام.
أما الاختلاف في الفروع فينقسم إلى قسمين:
(أ) اختلاف تنوع في الفروع.
(ب) اختلاف تضاد في الفروع.
واختلاف التنوع في الفروع ينقسم إلى أربعة أقسام هي:
أولا: أن يكون الحق في كل من القولين مع اختلاف الصور في ذلك وذلك مثل صلاة الخوف بصورها المتعددة (١).
ثانيا: أن يكون كل من القولين في معنى الأخر مع اختلاف لفظهما وذلك مثل ألفاظ الحدود والتعريفات.
ثالثا: أن يكون المعنيان متغايرين ولكن كل قول صحيح مع اختلاف العبارة مثل تفسير القرء بالحيض أو الطهر (٢).
رابعا: أن يكون الخلاف في طريقين مشروعين كلاهما حسن، ولكن الجهل والظلم يحمل على ذم أحدهما دون الآخر وذلك مثل صفة صلاة التراويح (٣).
_________________
(١) انظر المغني والشرح الكبير/ لابن قدامة (٢/ ٢٦٢ - ٢٦٩).
(٢) انظر المعجم الوسيط (٢/ ٧٢٩).
(٣) انظر الفقه على المذاهب الأربعة عبد الرحمن الجزيري (١/ ٣٤٠ - ٣٤٢).
[ ١ / ٣٧٠ ]
والخلاف في مثل تلك الصور المتقدمة وأمثالها يجب أن لا يورث عداوة ولا بغضاء، بل هو من اختلاف التنوع الذي فيه رحمة وتيسير على المسلمين في عباداتهم وفي شئون حياتهم العامة (١).
أما النوع الثاني من أنواع الاختلاف في الفروع: وهو اختلاف التضاد في الفروع، فهذا لا يوجب الكفر أو الخروج من الإسلام ما دام هذا الاختلاف مبنيا على تأويل من دليل يعتقد المخالف صحته، وذلك مثل بعض فرق أهل الكلام (٢) فلا يجوز تكفيرهم إلا إذا أنكر المخالف حكما شرعيا ثابتا بالتواتر القاطع والإجماع الصحيح، أو خالف بتأويل مجرد عن الدليل (٣) وإنما لمجرد الظن والهوى فإنه يكفر بمثل هذه المخالفة التي لا تستند إلى دليل وهذا النوع من الخلاف في المسائل الفرعية هو الممنوع وقوعه بين المسلمين، لأن أحد المخالفين لا بد أن يكون مخطئا وضالًا عن طريق الصواب.
فاختلاف التضاد في مسائل الفروع، هو أكثر أنواع الاختلاف خطورة حيث يئول بالأمة إلى العداوة والبغضاء بل إلى سفك الدماء واستباحة الأموال والأعراض، وهذا كله سببه الجهل بأحكام الإسلام وعدم فقهها وفهمها فهما صحيحا، وذلك راجع إلى سوء الطوية عند المخالف كما يفعل بعض المنافقين أو إلى التقليد الأعمى لأهل النفاق والضلال الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ومثل أولئك أهل التأويل الذين يئولون آيات القرآن الكريم والسنة النبوية تأويلات ضالة، بعيدة كل البعد عن منطوق النصوص ومفهومها، وإنما حملهم على ذلك، الهوى وما تعودوه، من أخلاق منحرفة ذميمة، ومفاهيم خاطئة وذلك هو ما حصل لأهل السنة والجماعة
_________________
(١) انظر اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ابن تيمية ص (٣٨ - ٤٢) وانظر أسباب اختلاف الفقهاء د/ عبد الله التركي ص (٣٠ - ٣٦).
(٢) انظر ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين/ عبد الجليل عيسى (١١٦ - ١٢١).
(٣) المصدر السابق ص (١٣٢ - ١٣٣).
[ ١ / ٣٧١ ]
مع فرق أهل التأويل في مسائل القدر والصفات وفي شأن صحابة رسول الله - ﷺ - (١).
وفي هذا العصر يقف أهل السنة والجماعة مع أدعياء العلم والمتاجرين في الفتوى موقفا خلافيا شديدا، نظرا إلى أن أكثر المنتسبين إلى العلم يشاركون بتأويلاتهم الضالة والفتيا الكاذبة في إفساد الامة وانحلالها فقد أفتى بعضهم بجواز نزع الحجاب عن المرأة المسلمة، الأمر الذي تبعه تعري النساء وتبرجهن تبرج الجاهلية الأولى، كما أفتى البعض منهم بجواز عمل المرأة مع الرجل الأجنبي في مجالات مختلفة، وقد ترتب على ذلك مفاسد كثيرة لا يعلمها إلا الله كما أباح البعض منهم الاستماع إلى الأغناني الماجنة والصور الخليعة، بتأويلات باطلة، حتى أصبحت هذه المحظورات الشرعية مباحة في نظر كثير ممن يدعي الإسلام.
ومخالفة هؤلاء لمذهب أهل السنة والجماعة لا توجب كفرهم في مثل هذه المسائل نظرا إلى أن معظم المخالفين في مثل هذه القضايا إنما خالفوا بناء على تأويل واجتهاد أخطئوا فيه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن أهل السنة المتبعين للرسول - ﷺ - يلتزمون الحق، ويرحمون من خالفهم عن اجتهاد حيث عذره الله ورسوله (٢).
وعلى هذا فالمخالفة المبنية على التكذيب، وهو أن ينفي وجود هذه الأشياء التي ورد الشرع بها بالتواتر القاطع توجب كفر المنكر لها فلو أن إنسانا خالف في وجوب الاتجاه إلى الكعبة في صلاة الفريضة، ورأى جواز الاتجاه إلى أي جهة أخرى، بدون عذر شرعي، فهذا حكمه الكفر لأنه أنكر شيئا ثابتا بالتواتر القاطع، لأن ذلك يتصل بركن من أركان الإسلام وهي
_________________
(١) انظر اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ابن تيمية ص (٣٨ - ٤٢).
(٢) انظر ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين/ عبد الجليل عيسى ص (١٢٠).
[ ١ / ٣٧٢ ]
الصلاة، وفي مثل هذه الحالة يجوز إطلاق الكفر على من فعل مثل ذلك (١) أما إن كان القول أو الفعل الصادر مبنيا على تأويل فاسد مستوحي من دليل ثابت، فإنه ينبغي أن لا يكفر كل فريق خصمه إذا رآه مخطئا في فهم الدليل وإن كان يجوز أن يصفه بالخطأ أو الضلال عن الطريق الذي يراه صوابا (٢).
وحينئذ يعامل المخالف في ذلك معاملة العصاة والفسقة في شأن الموالاة والمعاداة فيحبه على قدر ما معه من الخير ويبغضه على قدر ما معه من الشر ولا يصل في بغضه وعداوته إلى مرتبة بغض الكفار وعداوتهم لأنه لم يخرج بهذا الخلاف من عداد المسلمين.
فقد كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في رسالة بعث بها إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام، قال فيها: اعلموا وفقكم الله أن المسائل المجمع عليها لا مجال للنزاع فيها، وأما المسائل الاجتهادية فمعلوم أنه لا إنكار على من يسلك الاجتهاد في مسألة من مسائل الاجتهاد (٣) اهـ.
وقال أيضا في رسالة بعث بها إلى أحمد بن يحيى إمام أهل رغبه قال فيها: إن تفضل الله عليك بفهم ومعرفة، فلا تعذر عند الله ولا عند خلقه إلا باتباع الحق، فإن كان الصواب معنا فالواجب عليك الدعوة إلى الله وعداوة من صرح بسب دين الله ورسوله، وإن كان الصواب مع غيرنا أو معنا شيء من الحق وشيء من الباطل فالواجب عليك مذاكرتنا ونصيحتنا وإطلاعنا على الحق، وعلى عبارات أهل العلم لعل الله أن يردنا بك إلى الحق، أما إذا كانت المسألة من مسائل الاختلاف عند الحنفية والشافعية
_________________
(١) المصدر السابق ص (١٣٣).
(٢) المصدر السابق المكان نفسه.
(٣) انظر الدرر السنية (ج١/ ص٤٣).
[ ١ / ٣٧٣ ]
والمالكية والحنابلة فتلك مسألة أخرى لا توجب خلافا، ولا عداوة بين المسلمين (١) اهـ.،
ويقول في موضع آخر نحن لا نفتش على أحد في مذهبه ولا نعترض عليه، إلا إذا اطلعنا على نص جلي مخالف لمذهب أحد الأئمة وكانت المسألة مما يحصل بها شعار، ظاهر كإمام الصلاة، فنأمر الحنفي والمالكي مثلا بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال، والجلوس بين السجدتين لوضوح الدليل على ذلك، بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة، فلا نأمره بالإسرار فيها، والفرق بين المسألتين لاختلاف دلالة الدليلين فيهما (٢) اهـ.
لذا فإن مما يجب أن يتنبه إليه كل مسلم أن الاختلاف في مسائل الفروع ومسائل الاجتهاد يقع بين المسلمين ولكن يجب أن لا يحملهم هذا الاختلاف على الفرقة والمقاطعة قال تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الحجرات: ٩، ١٠].
فلم يقطع ﷾ الأخوة بين المسلمين وإن وقع بينهم القتال الذي يستلزم كون أحدهم ظالما والآخر مظلوما (٣) ولم يقطع الأخوة الإسلامية أيضا بين القاتل والمقتول ظلما مع شدة الوعيد لمن قتل مؤمنا ظلما حيث قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ
_________________
(١) انظر الرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص (٣٠٠، ٣٠١).
(٢) انظر الدرر السنية (١/ ١٢٧).
(٣) انظر الدرر السنية (٧/ ٤٠).
[ ١ / ٣٧٤ ]
وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: ١٧٨] فسماه أخا له رغم شدة ما بينهما فما دون ذلك أهون وأولى فلا يجوز أن يؤدي الخلاف في مسائل الاجتهاد إلى العداوة والبغضاء والتناحر والكراهية لكل ما هو مع الخصم من حق أو باطل (١).
إن من أعظم الدسائس الشيطانية على أهل الإسلام الاختلاف والتناحر بينهم على جميع المستويات وهذا هو الحاصل فعلًا في عصرنا الحاضر وذلك يدلنا على أننا واقعون فيما نهى عنه رسول الله - ﷺ - بقوله: «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم» (٢) وهذا الحديث لا يعني الاستسلام للفرقة والرضى بها، وإنما هو من قبيل التنبيه على الخطر الذي يجب أن لا نقع فيه حيث أمرنا الله ﷿ بالاعتصام والاجتماع على الحق قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [آل عمران: ١٠٣].
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: إن الله أمر بالاجتماع في الدين ونهى عن التفرقة فيه فبين هذا بيانا شافيا كافيا يفهمها العوام قبل غيرهم، ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (٣) اهـ.
وقد اختلفت وجهات النظر حول وجوب الانضمام إلى الجماعة المسلمة أو جواز الانفراد عنها على قولين:
_________________
(١) انظر الدرر النسية (٧/ ٤٠).
(٢) رواه مسلم انظر صحيح مسلم (٤/ ٢١٦٦) كتاب صفات المنافقين.
(٣) انظر الدرر السنية (١/ ٩٩).
[ ١ / ٣٧٥ ]
القول الأول: قول جماعة من الصحابة ومن التابعين بأن الانضمام إلى الجماعة المسلمة واجب شرعي، ومفارقتها أمر محرم، لأنه لا إسلام إلا بجماعة كما سبق أن ذكرنا في الأدلة الدالة على الاجتماع وعدم الفرقة ولقول الرسول - ﷺ - «من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات مات ميتة جاهلية» (١) وورد من حديث رسول الله - ﷺ - قوله: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام»؟ قال: «فاعتزل الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (٢).
وورد في الحديث عن رسول الله - ﷺ - في قوله: «وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن: السمع والطاعة، والجهاد والهجرة والجماعة، فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» (٣) وروى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله - ﷺ - «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب» (٤)، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «الصلاة إلى الصلاة التي قبلها كفارة والجمعة إلى الجمعة التي قبلها كفارة والشهر إلى الشهر الذي قبله كفارة إلا من ثلاث» قال: فعرفنا أنه أمر حدث، إلا من الشرك بالله ونكث الصفقة وترك السنة قال: قلنا يا رسول الله هذا الشكر بالله قد عرفناه فما نكث الصفقة وترك السنة؟ قال: «أما نكث الصفقة فأن تعطي رجلا بيعتك ثم تقاتله بسيفك وأما ترك السنة فالخروج من الجماعة» (٥).
_________________
(١) انظر صحيح مسلم (٣/ ١٤٧٦) كتاب الإمارة
(٢) انظر فتح الباري (١٣/ ٣٥) كتاب الفتن (١١).
(٣) المصدر السابق (١٣/ ٣١٦) كتاب الاعتصام (١٩)
(٤) رواه أحمد انظر مسند أحمد (٤/ ٢٧٨).
(٥) رواه أحمد. انظر مسند أحمد (٢/ ٢٢٩) و(٥٠٦).
[ ١ / ٣٧٦ ]
وقد خطب عمر بن الخطاب ﵁ في خطبته المشهورة التي خطبها بالجابية: «عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد» (١).
القول الثاني: هو ما ذهب إليه النجدات من الخوارج (٢) وبعض المعتزلة (٣) من جواز الفرقة وعدم وجوب الجماعة (٤) وهذا القول ظاهر البطلان عقلًا وشرعًا وهو مخالف لما أجمع المسلمون عليه في عصورهم المختلفة.
وبطلان هذا القول من حيث العقل أن الاجتماع قوة؛ لأن المجتمعين يتقوى بعضهم ببعض ولذلك فإنا نجد حتى من لا دين لهم يلتزمون بذلك ويسعون لتحقيقه بينهم وفي فائدة الاجتماع يقول الشاعر:
تأبي الرماح إذا اجتمعن تكسرا وإذا افترقن تكسرت آحادا
وأما في الشرع فللأدلة السابقة ولقول الرسول - ﷺ - من حديث طويل «فمن أراد منكم بحجة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد» الحديث (٥).
وحديث: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا وشبك بين أصابعه» (٦).
ووجوب لزوم الجماعة المسلمة وفائدة ذلك أمر لا يحتاج إلى جدال أو مناقشة فهو كما يقول الشاعر
وليس يصح في الأفهام شيء إذااحتاج النهار إلى دليل
_________________
(١) انظر فتح الباري (١٣/ ٣١٦).
(٢) انظر الملل والنحل للشهرستاني على هامش الفصل لابن حزم (١/ ١٦٧ - ١٦٨) وانظر الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ٨٨).
(٣) انظر الفرق بين الفرق للبغدادي (١٦٣ - ١٦٦).
(٤) انظر الدرر السنية (١/ ١٠٤).
(٥) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ١٧٣) رقم الحديث (٤٣١)
(٦) رواه البخاري ومسلم انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين (١/ ٢٤٥).
[ ١ / ٣٧٧ ]
فيجب على كل مسلم أن يعمل مع الجماعة المسلمة في بلده ومحيطة وأن يشاركها مشاركة إيجابية بقوله وفعله ويبذل لها ماله ونفسه إذا اقتضى الأمر ذلك، كما يجب على الجماعات الإسلامية في العالم الإسلامي أن تشكل بمجموعها جماعة واحدة متحدة متضامنة فيهما بينها على كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وأن توثق المحبة والمودة فيما بينها، وأن لا تتفرق وتتطاحن ويهدم بعضها ما بناه البعض الآخر عن غفلة أو جهل أو غباء أو حسد ممقوت أو بغض دفين.
فإن الفرقة هي أهم ما تطمح إليه نفوس الأعداء، وتسعى جاهدة لتنميته بين المسلمين، وما نال الأعداء منا غايتهم حتى أوقعوا الخلاف بيننا ففضلوا الأتراك المسلمين عن العرب المسلمين والأكراد المسلمين عن إخوانهم من الأجناس الأخرى وهكذا العجم والبربر وبقية الأجناس فأصبح المسلمون شعبًا وقبائل يتناحر بعضهم مع البعض الآخر.
يقول الدكتور عبد الله رشوان: يجب علينا أن نتضامن ونتكاتف ونتعاون في تنفيذ ما اتفقنا عليه، قولًا وفعلًا .. وليعذر بعضنا بعضًا فيمًا اختلفنا فيه، والاتفاق تام وواجب في الأصول ولا اختلاف إلا في الفروع وليعلم الدعاة أننا جميعًا، نجتهد لنصرة الدين كل على قدر قدرته ووسع طاقته، فينا من يخطئ وفينا من يصيب، ونرجو من الله أن نكون جميعا من الموفقين (١) اهـ، وقد ذكر ابن عباس ﵄ في تفسير قول الله تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) [آل عمران: ١٠٦] فقال: تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف وتسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف (٢) اهـ.
وقد ذم الله التفرقة في قوله تعالى: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ
_________________
(١) انظر مقالة له في مجلة المجتمع عدد ٤٧٨ السنة الحادية عشرة في ١٤/ ٦/ ١٤٠٦ هـ (٢٧).
(٢) انظر الرسائل الشخصية، محمد بن عبد الوهاب (٣٠٥).
[ ١ / ٣٧٨ ]
حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [المؤمنون: ٥٣] والزبر الكتب أي كل فرقة صنفت كتبا أخذت بها دون كتب الآخرين كما هو واقع الحال في العصر الحاضر بين عامة المنتسبين إلى الإسلام، وهذا من أكبر الأخطاء في منهج التربية الإسلامية حيث إن الواجب يقتضي أن نأخذ الحق من مصادره الأصلية كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وما وافقهما من أقوال أهل العلم، وأن نرفض الباطل والخطأ من أي شخص كان عدا رسول الله - ﷺ - فإنه لا يقر على خطأ حيث عصمه الله من الزلل.
فإن من الواجب على أهل المعرفة والاجتهاد أن لا يكونوا مقلدين لغيرهم بلا فهم وتدبر وإدراك، بل عليهم أن يقارنوا بين الأدلة والأقوال ويستنتجوا القول الوسط الموافق للنص الشرعي، وأن يتسامحوا مع من خالفهم في فهم الدليل إذا كان هذا الخلاف في مسألة فرعية من فروع الشريعة: أما صغار المتعلمين فالأولى أن يختار لهم بعد كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - أسلم الكتب وأقومها، وأبعدها عن التعصب لمذهب معين، حتى لا نغرس الحقد والكراهية في نفوس الأبناء لكل من يختلف معنا في مسائل الفروع.
وعندما تتكون عند المبتدئين القدرة على الاستنتاج والتحليل ومعرفة الدليل فإن لهم أن يعملوا باجتهادهم وما فهموه من الأدلة الشرعية بشرط أن لا يتعارض الاجتهاد أو الفهم مع النصوص الشرعية من الكتاب والسنة.
كما أن الأدب الشرعي أن الإنسان إذا تكلم مع من يختلف معه وجب أن يكون الكلام بحكمة وعلم وعدل، فإن العدل واجب مع كل واحد على كل أحد، والظلم محرم مطلقا، لا يباح بحال من الأحوال، قال تعالى: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة: ٨]
[ ١ / ٣٧٩ ]
وهذه الآية نزلت في المسلمين بسبب بغضهم للكفار وهو بغض مأمور به المسلم، فكيف بمن أبغض مسلما بتأويل أو شبهة أو هوى وآذاه على ذلك، ألا يكون هذا مرتكبا لإثم عظيم وذنب كبير (١) قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) [الأحزاب: ٥٨].
فلا نكفر أحدا من مدعي الإسلام بذنب دون الشرك، ولا نخرجه من دائرة الإسلام بارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب، ما لم يستبح لنفسه أو لغيره فعل المحرم أو تحريم المباح (٢).
وخلاصة القول في ذلك أن الخلاف في مسألة أصولية يوجب كفر المخالف للحق وعداوته كعداوة الكفار سواء بسواء.
أما الخلاف في مسألة فرعية باجتهاد أو تأويل يعتقد المخالف صحته فلا يكفر بذلك، وحينئذ لا تصح معاداته كمعاداة أهل الكفر، بل يوالى على قدر ما معه من الخير ويبغض على قدر ما معه من الشر، ويجوز وصف المخالف في المسائل الفرعية في خلاف التضاد بالخطأ والبعد عن الحق ولكنه لا يوصف بالكفر أو يعادى معاداة الكفار، ما لم يكن هذا الخلاف مبنيا على الهوى والتأويل المجرد من الدليل، فإذا كان بهذا الوصف فإن أول ما يجب على صاحب الحق في حق من خالفه أن ينصحه ويبين له الدليل بيانا شافيا كافيا، بعد أن يوضح له الخطأ فيما ذهب إليه من قول أو فعل أو اعتقاد وإن استمر على خطئه عامله معاملة العصاة والفساق من المسلمين، فيحبه على قدر ما معه من الخير ويبغضه على قدر ما معه من
_________________
(١) انظر ملحق المصنفات محمد بن عبد الوهاب (٥٢، ٥٣) وانظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ١٠٩، ١١٠).
(٢) انظر الدرر السنية (١/ ٢٨٨).
[ ١ / ٣٨٠ ]
الشر ولا يحمله الخلاف على القطيعة والهجران كحال من يخالفوننا في مسائل أصولية.
هذا فيما يتعلق بخلاف التضاد في المسائل الفرعية، أما اختلاف التنوع في المسائل الفرعية فهو رحمة بالأمة وتيسير عليها ولا يجوز لأحد من المسلمين أن يحجر على أحد في شيء من ذلك.
ومن ذلك نستنتج أن الخلاف في المسائل الفرعية من أعظم أسباب الفرقة بين المسلمين فقد أدى إلى عدم تعاونهم وتناصرهم مع بعضهم، مما مكن لأعداء المسلمين من التغلب عليهم كما يقول الشاعر:
الخلافات بالخلافة أودت واقتسمنا وسادنا الدخلاء (١)
_________________
(١) انظر شعراء الدعوة الإسلامية (٢/ ٢٢).
[ ١ / ٣٨١ ]
الفصل الثالث: الاعتزال عن الجماعة المسلمة
وتحت هذا الفصل ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الاعتزال بدعوى جواز الاعتزال.
المبحث الثاني: اعتزال المؤمنين خوفا من أعداء أهل الإيمان.
المبحث الثالث: العلماء بين طريق الجهاد وطريق الاعتزال.
[ ١ / ٣٨٣ ]
المبحث الأول: الاعتزال بدعوى جواز الاعتزال
الاعتزال: هو الابتعاد والتنحي (١) قال تعالى: (وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ) [الدخان: ٢١] ويستدل طائفة من الناس من علمائهم وعامتهم على جواز اعتزال أهل الحق والباطل والبعد عن الصراع بينهما بعموم بعض النصوص من الكتاب والسنة متخذين من ذلك ذريعة لهم في ابتعادهم عن الانضمام إلى أهل الحق والجهاد معهم ضد الكافرين المحاربين لله ورسوله والمؤمنين.
وجملة النصوص التي يستدل بها أولئك هي ما يلي:
١ - قول الله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: ١٩٥].
_________________
(١) انظر المعجم الوسيط (٢/ ٦٠٥)
[ ١ / ٣٨٥ ]
٢ - قول الله تعالى: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) [المائدة: ١٠٥].
٣ - قول الله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء: ٢٩].
وبما روي عن رسول الله - ﷺ - من الأحاديث الواردة في مثل هذا الموضوع وهي كما يلي:
١ - ما روي عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني قال: قلت كيف نصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية تريد؟ قلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) قال: سألت عنها خبيرا سألت رسول الله - ﷺ - فقال: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرا لا يدان لك به، فعليك خويصة نفسك، ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن على مثل قبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون بمثل عمله» (١).
٢ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قيل يا رسول الله متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم» قلنا يا رسول الله وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: «الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم والعلم في رذالتكم» قال زيد:
_________________
(١) رواه ابن ماجه انظر سنن ابن ماجه (٢/ ٤٧٨ - ٤٨٨) وانظر جامع الأصول (١٠/ ٣/ ٧٤٥٣) ورواه الترمذي في التفسير (٣٠٦٠) وقال حديث حسن غريب
[ ١ / ٣٨٦ ]
تفسير معنى قول النبي - ﷺ - والعلم في رذالتكم أي: إذا كان العلم في الفساق (١).
٣ - وروي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» (٢).
٤ - ما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «كيف بك يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فصاروا هكذا؟ وشبك بين أصابعه، قال» قلت يا رسول الله ما تأمرني؟ قال: «عليك بخاصتك، ودع عنك عوامهم» (٣).
٥ - ما روي عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه» قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال يتعرض «من البلاء لما لا يطيقه» (٤).
٦ - وروي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي، ومن تشرف لها تستشرفه فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به» (٥).
وقد أجاب القائلون بعدم جواز الاعتزال بإجابات على هذه الأدلة نوجزها فيما يلي:
_________________
(١) المصدر السابق نفسه (٢/ ٤٨٨).
(٢) رواه البخاري انظر فتح الباري (١/ ٦٩).
(٣) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (١/ ٣/ ٢٦) رقم الحديث (٢٠٦).
(٤) انظر المصدر السابق (٢/ ١٧٢) رقم الحديث (٦١٣) وانظر: مسند أحمد (٥/ ٤٠٥) وانظر سنن ابن ماجه (٢/ ٤٨٨).
(٥) رواه البخاري انظر صحيح البخاري (٩/ ٦٤).
[ ١ / ٣٨٧ ]
أولًا: إن المقصود بالتهلكة في الآية من سورة البقرة هو ترك الجهاد والإنفاق في سبيل الله كما روى يزيد بن أبي حبيب عن أسلم بن عمران عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم، فخرج إليهم صف من المسلمين مثلهم أو أكثر فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله: يلقي بيده إلى التهلكة فقام أبو أيوب الأنصاري ﵁، فقال: أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام، وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله - ﷺ - «إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو قمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله على نبيه - ﷺ - هذه الآية يرد عليه ما قلنا، فكانت التهلكة، الإقامة على الأموال، وإصلاحها وترك الجهاد، فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم مجاهدا في سبيل الله» (١).
ثانيا: إن المقصود بآية المائدة في قوله تعالى: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) ليس الغرض منها بيان أن المؤمن غير مكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا اهتدى هو بذاته فقط فهذه الآية لا تسقط عن الفرد أو مجموعة من الأفراد التبعة في كفاح الشر، ومقاومة الضلال، ومحاربة الطغيان فقد روى أصحاب السنن أن أبا بكر ﵁ قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إنَّ
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي (٢/ ٣٦١، ٣٦٢) وانظر صور من حياة الصحابة د. عبد الرحمن رأفت الباشا (١/ ١٣١).
[ ١ / ٣٨٨ ]
الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله ﷿ أن يعمهم بعقاب من عنده (١) وهكذا صحح الخليفة الأول رضوان الله عليه ما ترامى إلى وهم بعض الناس في زمانه من هذه الآية الكريمة.
ونحن اليوم أحوج إلى هذا التصحيح، لأن القيام بتكاليف التغيير للمنكر قد صارت أشق وأثقل في مجتمع يتتبع القاعدون فيه كل عذر يعفيهم من المسئولية فما أيسر ما يلجأ الضعاف إلى تأويل هذه الآيات على النحو الذي يعفيهم من تعب الجهاد ومشاق الدعوة، ويريحهم من عنت الجهاد وبلائه (٢).
ثالثا: إن المقصود من سورة النساء في قوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) هو النهي عن أن يقتل بعض المسلمين بعضا وقد أجمع أهل التفسير على ذلك، وإنما عبر بذلك باعتبار المسلمين كالجسد الواحد والنفس الواحدة، وأن ما يضر الكل يضر الجزء مثل قول الله تعالى: (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) [الحجرات: ١١] فغير متصور أن يعيب الإنسان نفسه ولكنه تعبير يوحي بعظم الرابطة وعظم الوحدة بين المسلمين (٣).
أما الإجابة عن الأحاديث المتقدمة فكما يلي:
أولًا: إنها معارضة بآيات من القرآن الكريم وبأحاديث قد ورد معظمها في الصحيحين وذلك فيما يتعلق بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولزوم جماعة المسلمين.
_________________
(١) رواه أبو داود: انظر سنن أبي داود (٤/ ١٢٢) رقم الحديث (٤٣٣٨) رواه الترمذي في سننه انظر (٤/ ٣٢٢) ورواه أحمد في مسنده انظر (١/ ٢ - ٥ - ٧) ورواه ابن ماجه في سننه انظر (٢/ ٤٨٤) رقم الحديث (٤٠٦٩).
(٢) انظر في ظلال القرآن سيد قطب (٢/ ٧/ ٦٣).
(٣) انظر تفسير القرطبي (٥/ ١٥٦).
[ ١ / ٣٨٩ ]
ثانيًا: أنه يمكن الجمع بين الأدلة الدالة على جواز الاعتزال وبين أدلة المنع عن الاعتزال بأن الاعتزال يجوز عند توفر أحد الأسباب الآتية:
السبب الأول: عدم معرفة صاحب الحق من صاحب الباطل.
فيجوز الاعتزال عندما يتعذر على الإنسان المسلم معرفة صاحب الحق من صاحب الباطل، ففي حالة التباس الأمر عليه يجوز له اعتزال المتخاصمين كما فعل بعض الصحابة ﵃ فقد اعتزل سعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وابن عمر في طائفة أثناء الخلاف بين علي ومعاوية ﵃ والسبب في ذلك عدم وضوح الدليل مع أحد الطرفين المتنازعين في نظرهما، فقد روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: عندما أمره رجل بالقتال بدعوى أنهم بغاة فقال: لا أدري من هي الفئة الباغية؟ ولو علمنا ما سبقتني أنت ولا غيرك إلى قتالها (١) اهـ.
أما إن استبان له الحق والصواب فالجمهور متفقون على منع الاعتزال زمن الفتنة لما يترتب على ذلك من خذلان أهل الحق وتقوية أهل الباطل ويستدلون على ذلك بفعل بعض الصحابة ﵃ الذين اشتركوا في القتال في موقعة الجمل وصفين، وبفعل خزيمة (٢) بن ثابت ﵁ حيث كان مع علي بن أبي طالب ﵁ وكان لا يقاتل فلما قتل عمار قاتل حينئذ وحدث بحديث «يقتل عمارًا الفئة الباغية» (٣).
السبب الثاني: فقدان القدرة القولية أو الفعلية على إظهار الحق وقمع
_________________
(١) انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل علي بن أحمد بن حزم (٤/ ١٧١).
(٢) هو خزيمة بن ثابت بن ثعلبة الأنصاري يكنى أبا عمارة وهو ذو الشهادتين جعل رسول الله - ﷺ - شهادته عن شهادة رجلين شهد المشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - حضر الجمل وصفين مع علي ولم يقاتل حتى قتل عمار وقاتل وقتل سنة (٣٧) انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة (٢/ ١١٤، ١١٥).
(٣) انظر فتح الباري (١٣/ ٤٢، ٤٣).
[ ١ / ٣٩٠ ]
الباطل، فيجوز للإنسان الاعتزال إذا لم يكن لديه القدرة القولية أو الفعلية على إظهار الحق وقمع الباطل، وذلك بموجب الأعذار الشرعية، لا بموجب هوى النفس ورغبتها (١) قال تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) [البقرة: ٢٨٦].
السبب الثالث: إذا تيقن الإنسان أنه ليس له أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجا إلى ذلك.
فيجوز للمسلم أن يعتزل مواجهة الكفار وأن يمسك عن محاربتهم حتى تحين الفرصة المناسبة لذلك، كما أمسك النبي - ﷺ - عن الجهاد في مكة حتى صار له شوكة وأنصار بالمدينة، فإذا وجد الأنصار وإن قلوا وجب التناصر بينهم، ولا يصح ترك أحدهم للآخر بلا نصرة أو معونة طلبا للراحة وإيثارا للسلامة لأن ذلك مما يتعارض مع المبادئ العامة لرسالة الإسلام (٢).
ولذلك أجمع الفقهاء على أن المسلمين إذا كانوا من قلة العدد أو ضعف العدة بحيث يغلب على الظن عند أهل الحل والعقد في الأمة، أنهم سيقتلون من غير نكاية في أعدائهم، إذا ما أجمعوا على قتالهم، فينبغي أن تقدم هنا مصلحة حفظ النفس، لأن المصلحة المقابلة لذلك وهي مصلحة حفظ الدين منتفية الحصول في غلبة الظن (٣).
ويقرر عبد العزيز (٤) بن عبد السلام حرمة الخوض في مثل هذا
_________________
(١) انظر مختصر إغاثة اللهفان (٨٠).
(٢) انظر فتح الباري (١٣/ ٤٢، ٤٣) وانظر مختصر إغاثة اللهفان (٨٠).
(٣) انظر فقه السيرة د/ محمد سعيد رمضان البوطي (٧٧).
(٤) هو عبد العزيز بن عبد السلام بن القاسم بن الحسن المعروف بـ عز الدين بن عبد السلام ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة من الهجرة وسمع الكثير من العلوم ثم علم جمعا كثيرا من طلاب العلم بدمشق وولي خطابتها ثم سافر إلى مصر مهاجرا بسبب إنكاره على حاكم دمشق فأكرمه صاحب مصر وولاه القضاء والخطابة فيها ثم أنكر الشيخ على الحاكم بعض مواقفه فانتزع منه الخطاية والقضاء وسمح له بالتدريس وتوفي الشيخ العز بن عبد السلام في العاشر من جمادي الأولى سنة ستين وست مائة من الهجرة وقد نيف على الثمانين ودفن في سفح المقطم وحضر جنازته السلطان الظاهر وخلق كثير ﵀ رحمة واسعة وله من المصنفات التفسير واختصار النهاية، والقواعد الكبرى والصغرى، وكتاب الصلاة والفتاوى الموصلية، وغير ذلك انظر البداية والنهاية لابن كثير (١٣/ ٢٣٥) وانظر معجم المؤلفين عمر رضا كحالة (٥/ ٢٤٩).
[ ١ / ٣٩١ ]
الجهاد قائلا: فإذا لم تحصل نكاية وجب الانهزام، لما في الثبوت من فوات النفس، مع شفاء صدور الكفار، وإرغام أهل الإسلام، وقد صار الثبوت في هذه الحال مفسدة محضة، ليس في طيها مصلحة (١) اهـ،.
وتقديم مصلحة النفس هنا ليس خاصا بالنفس فقط كما هو الظاهر بل إن ذلك هو مصلحة الدين أيضا، إذ المصلحة الدينية تقتضي في مثل هذه الحال أن تبقى أرواح المسلمين سليمة لكي يتقدموا ويجاهدوا في الميادين المفتوحة الأخرى.
حيث إن هلاكهم يعتبر إضرارًا بالدين نفسه، لأن ذلك سوف يفسح المجال أمام الكافرين ليقتحموا ما كان مسدودا أمامهم من السبل ويحتثوا أهل الإسلام من أساسهم، وخلاصة القول في هذه المسألة أنه لا يجوز للمسلم أن يعتزل المسلمين إلا وفق الشروط الخاصة التي تقدم ذكرها وهو وإن اعتزلهم عمليا لا يعتزلهم شعوريا في جميع تلك الحالات بل الواجب أن يكون مع المسلمين ومع أصحاب الحق منهم خاصة ولو بمشاعره فإن القلب لا سلطان لأحد عليه، كما يجب أن يعمل للإسلام في الميادين المفتوحة أمامه ولو سرا إذا كان الجهر بالدعوة والانتساب إليها مما يترتب عليه ضرر بالدعوة وأصحابها.
فالإسرار بالدعوة سنة عند الحاجة إلى ذلك فنوح ﵇ دعا قومه سرا وجهرا قال تعالى: (ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا) [نوح: ٩].
_________________
(١) انظر قواعد الأحكام في مصالح الأنام، لعز الدين بن عبد السلام (١/ ٩٥).
[ ١ / ٣٩٢ ]
والرسول - ﷺ - أقام يدعو بمكة سرا ثلاث سنوات، حتى نزل عليه قوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) [الحجر: ٩٤].
فإذا أمكن الجهر بالدعوة ومنازلة أعداء التوحيد بالقوة وجب الإسراع إلى ذلك عند غلبة الظن في توفر الأسباب وانتفاء الموانع.
قال رسول الله - ﷺ - «لا يزال هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة» (١) وفي حديث آخر: «إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة» (٢) فالصبر على الابتلاء مع أهل الحق، والاختلاط مع الناس لإبلاغ الدعوة إليهم أولى من العزلة عن ذلك (٣).
وقال رسول الله - ﷺ - «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم» (٤).
فاللجوء إلى تأييد الظالم وإعلان التخلي والتبرؤ من الجماعة المسلمة ومهاجمتها كوسيلة للإعفاء من الإيذاء والسجن والتعذيب خلاف الأصل فالأصل أن نصبر ونتحمل الأذى ونثبت ولا نتخلى أو نتنكر للطريق الذي ارتضيناه واعتقدنا صحته والجماعة التي اعتقدنا اجتماعها على الحق، لتظل راية الحق مرفوعة يحملها الرجال جيلا بعد جيل، فهذا هو الأصل وإن كان قد يباح لبعض الأفراد والجماعات الصغيرة الذين يشتد بهم الإيذاء بصورة لا يحتملونها أن يلجئوا لمثل هذه التصرفات أو بعضها مع اطمئنان القلب
_________________
(١) انظر فقه السيرة د/ محمد سعيد رمضان البوطي (٧٧).
(٢) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (٢/ ٦٨٨) رقم الحديث (٩٦٣).
(٣) المصدر السابق (١/ ١٤٤) رقم الحديث (٤٠٣).
(٤) انظر الدرر السنية (١١/ ٨٦).
[ ١ / ٣٩٣ ]
بالإيمان وبالالتزام مع الجماعة المسلمة، لكن يكون ذلك استثناء وليس القاعدة للمجموع، فالأصل العزيمة والترخص هو الاستثناء لأن الدعوات تقوم على العزائم وأولي العزم، لا على الرخص والمترخصين (١).
ففيما عدا هذه الصور المتقدمة لا يجوز الاعتزال كما هو مذهب جمهور العلماء بناء على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب شرعي على الأمة المسلمة ممثلة في أفرادها كل بحسب قدرته، قال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) [آل عمران: ١٠٤] فالآية وردت بصيغة من صيغ الطلب وهي المضارع المقرون بلام الأمر، والأمر للوجوب ما لم توجد قرينة تصرف المعنى إلى ما هو دونه ولا قرينة في الآية من هذا القبيل، فيثبت وجوب العمل بالمطلوب في الآية، فهي إذا في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢) وقال تعالى مشيرا إلى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصيغة الإفراد (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) [لقمان: ١٧]، وقال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران: ١٤٢]، وقال تعالى: (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) [التوبة: ٨٨] فمن رغب بنفسه عن الجهاد فقد خالفه الرسول - ﷺ - والذين آمنوا معه ثم بين تعالى نتيجة عدم إنكار المنكر بقوله: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى
_________________
(١) انظر مجلة الدعوة المصرية عدد (٩١) السنة (٣٣) جمادى الأولى (١٤٠٤) (١٠) موضوع طريق الدعوة بين الأصالة والانحراف (٧).
(٢) انظر التشريع والفقه في الإسلام لفضيلة الشيخ مناع القطان (٥٩).
[ ١ / ٣٩٤ ]
لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفعَلُونَ) [المائدة: ٧٨، ٧٩].
فمن اعتزل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ففيه شبه من بني إسرائيل ما لم يكن له عذر شرعي في ذلك، والآيات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدا تربو على عشرين آية (١).
ومن الأحاديث الصحيحة في هذا الموضوع ما روى مسلم في صحيحه أن رسول الله - ﷺ - قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٢) وفي مسلم أيضا أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا وكان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون، ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (٣) وفي حديث آخر أن رسول الله - ﷺ - قال: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» (٤) وفي حديث أيضا أن النبي - ﷺ - قال: «إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها» وقال مرة أنكرها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها (٥).
_________________
(١) انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم (٤٥٨، ٤٥٩).
(٢) رواه مسلم انظر صحيح مسلم (١/ ٦٩».
(٣) المصدر السابق (١/ ٧٠).
(٤) رواه أبو داود كتاب الملاحم (٤/ ٥١٤) وابن ماجه في الفتن (٢/ ١٣٢٩) والترمذي في كتاب الفتن (٦/ ٣٣٨/ ١١٧٥) وقال حديث حسن غريب وقال عنه الألباني إنه صحيح انظر مشكاة المصابيح (٢/ ١٠٩٤).
(٥) رواه أبو داود في سننه (٤/ ١٢٤) رقم الحديث (٤٣٤٥) كتاب الملاحم قال في التقريب (إنه صحابي) ورمز السيوطي لصحته انظر جند الله ثقافة وأخلاقا سعيد حوى (١٨٣).
[ ١ / ٣٩٥ ]
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ويأتي في مقدمتها قول الرسول - ﷺ - «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوما أرأيت إن كان ظالما، كيف أنصره؟ قال: «تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره» (١).
ولهذا قال جمهور أهل العلم بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلقا واحتجوا بالأدلة المتقدمة آنفا.
وقالت طائفة أخرى يجب الإنكار بشرط أن لا يلحق المنكر بلاء، لا قبل له به، من قتل أو تعذيب ونحوه، وحجتهم في ذلك الآيات والأحاديث التي قد يستدل من ظاهرها بجواز الاعتزال كما تقدم.
ولحديث أم سلمة ﵂ مرفوعا ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتتابع قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا: ما صلوا (٢). فدل الحديث على أن الإنسان لا يأثم بمجرد السكوت، وإنما يأثم برضى القلب والمتابعة كما دل الحديث على عدم جواز الخروج على الولاة ما لم يغيروا شيئا من قواعد الدين، فذكر الصلاة على سبيل المثال، لا على سبيل التخصيص (٣) وقال الطبري وغيره: يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن قدر عليه (٤) اهـ.
وقال ابن عطية (٥): الإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه وعلم به، وأمن الضرر على نفسه وعلى المسلمين فإن خاف فينكر بقلبه، ويهجر صاحب المنكر ولا يخالطه (٦) اهـ.
_________________
(١) رواه البخاري في باب المظالم، انظر فتح الباري (٥/ ٩٨).
(٢) رواه مسلم انظر صحيح مسلم (٣/ ١٤٨٠).
(٣) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٢/ ٢٤٣، ٢٤٤) باب الإمارة.
(٤) انظر فتح الباري (١٣/ ٥٢، ٥٣).
(٥) انظر ترجمته (١٧٨) من هذه الرسالة
(٦) تفسير القرطبي (٦/ ٢٥٣).
[ ١ / ٣٩٦ ]
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة (١) اهـ.
ومن الأدلة على أن من أنكر سلم ومن وافق بالرضى والسكوت أثم، ما حصل في غزوة تبوك عندما قال أحد المنافقين ما قال مستهزئا بالرسول - ﷺ - وصحبه فكان معهم اثنان من الصحابة هما مخشي بن حمير وعوف بن مالك ﵄ على أرجح الروايات في ذلك، فمخشي سمع وسكت، فأنزل الله قول تعالى: (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) [التوبة: ٦٦] فعد من ضمن المنافقين لسكوته ومداهنته إياهم، ثم استثناه الله فعفى عنه تفضلا منه وكرما بعدما كاد أن يدخل في عداد المنحرفين، وهذا دليل على أن الشخص الذي لا يغضب لله ورسوله، ولا ينكر المنكر إذا سمعه أو شاهده أنه على خطر من الدخول مع أصحاب المعصية ومشاركتهم في الإثم والحكم والجزاء إن لم يتداركه الله بعفوه وغفرانه.
والصحابي الآخر وهو عوف بن مالك ﵁ فما أن سمع هذا الكلام حتى غضب لله ورسوله وأظهر العداوة لهؤلاء ووصفهم بالنفاق والكذب وقابلهم بهذا الوصف، وأعلمهم أنه سيخبر الرسول - ﷺ - بذلك وذهب فعلا إلى الرسول - ﷺ - فوجد القرآن قد سبقه بذلك الخبر، فسلم من تبعة تلك المقالة بإنكارها والرد القوي على الباطل وأهله (٢).
وإنكار المنكر لا يلزم من منكره أن يكون سليما من المعاصي معصوما من الخطأ، فإنه يجب الأمر بالمعروف ولو كان الأمر متلبسا ببعض
_________________
(١) انظر الدرر السنية (١/ ٣٠).
(٢) انظر في ذلك تفسير القرطبي (٨/ ١٩٧، ١٩٨) وانظر تيسير العزيز الحميد (٥٥٧، ٥٥٨) وانظر مجموعة التوحيد (٢١٣).
[ ١ / ٣٩٧ ]
المعاصي، لأنه في الجملة، يؤجر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا سيما إذا كان مطاعا في قومه أما إثمه الخاص به، فقد يغفره الله له، وقد يؤاخذه به، أما من قال: لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من ليست فيه نقيصة من المعاصي، فالجواب أنه إذا أراد بذلك الأولى والأفضل فهو أمر جيد أما إذا أراد بذلك المنع فيلزم من ذلك سد باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعدم وجود الشخص أو الأشخاص الخالين من المعاصي أو الأخطاء (١).
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو عمل للنفس في الدنيا والآخرة فالإنسان وإن شعر بأنه لا يناله أذى مباشر من بعض معاصي الناس ومنكراتهم إلا أن الحقيقة أن المعصية إذا وجدت والمنكر إذا حصل ولم يقم الناس بالواجب عليهم في ذلك عمهم الله بآفة العقوبة في الدنيا والآخرة كما حصل لبني إسرائيل قال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَت لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ) [المائدة: ٧٨ - ٨٠] وقد حذرنا الله ﷿ من ترك أهل المعاصي دون الإنكار والأخذ على يديهم فقال تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) [الأنفال: ٢٥] وقال - ﷺ -: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا» (٢) ولذلك فإن الأمر بالمعروف
_________________
(١) انظر فتح الباري (١٣/ ٥٢، ٥٣).
(٢) انظر فتح الباري (٥/ ١٣٢) كتاب الشركة.
[ ١ / ٣٩٨ ]
والنهي عن المنكر إصلاح للدنيا والآخرة معا، ومن ذلك يتقرر أن المسلم يجب عليه الانضمام إلى المسلمين والجهاد معهم والميل إليهم ومناصرتهم باليد والمال واللسان، قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [التوبة: ١٦].
فالاعتزال جائز عند توفير الأسباب الثلاثة التي تقدم ذكرها وفيما عدا هذه الصور الثلاث لا يجوز الاعتزال كما هو مذهب جمهور العلماء وهو مقتضى الأدلة الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأكثر الناس الذين يلجئون إلى دعوى الاعتزال في هذا العصر لا تنطبق بحقهم الأسباب المبيحة للاعتزال، ولذلك فهم آثمون فيما ذهبوا إليه موالين لأعداء الإسلام متخاذلين في نصرة الحق وأهله وقد توعد الله من خذل مسلما أو تقاعس في نصرته بماورد على لسان رسوله - ﷺ - حيث روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «ما من امرئ يخذل امرءا مسلما عند موطن تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله ﷿ في موطن يحب فيه نصرته وما من امرئ ينصر امرءا مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته» (١).
وروي أيضا أن معاوية ﵁ يقول: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك» (٢).
وروي أيضا أن رسول الله - ﷺ - قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته» (٣).
_________________
(١) رواه أحمد، انظر مسند أحمد (٤/ ٣٠).
(٢) رواه البخاري انظر فتح الباري (٦/ ٦٣٢) كتاب المناقب (٢٨).
(٣) رواه البخاري انظر فتح الباري (١٢/ ٣٢٣) باب الإكراه: ٧.
[ ١ / ٣٩٩ ]
وروي عن أبي أمامة ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - للجهاد، فمر رجل بغار فيه شيء من ماء، فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار ويصيب ما حوله من البقل، ويتخلى عن الدنيا فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال النبي - ﷺ -: «إني لم أبعث باليهودية ولا النصرانية ولكني بعثت بالحنفية السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة» (١).
وقوله - ﷺ -: «من أصبح ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» (٢).
فهذه الأدلة كلها تدل على عدم جواز التخلي عن المسلمين واعتزالهم في مجاهدتهم لأهل الكفر والضلال، وأن من لم يقف مع المسلمين وينحز إلى صفهم ويجاهد معهم عدوهم، وينصرهم عليه بكل ما يملك من قوة فإنه على خطر من خروجه من مسمى الإسلام حيث إن المسلم الحقيقي هو الذي يكون مع المسلمين كالعضو من الجسد كما يقرر ذلك حديث رسول الله - ﷺ -، ومن يعتزل المسلمين في آلامهم وآمالهم فهو كالعضو البائن من الجسد أو كالعضو الميت من الجسم الحي وحينئذ فإن العضو الموصوف بتلك الصفة يعتبر وجوده كعدمه لعدم مشاركته للجسم في صفة الحياة وما يترتب عليها من تكاليف وواجبات وهكذا شأن من يهتم بنفسه فقط، غير مبالٍ بأمر المسلمين وقد ذكر الله ﷿ أن الاعتزال مناف لشرط الإيمان قال تعالى حكاية عن موسى ﵇ (وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ) [الدخان: ٢١] فمن اعتزل فليس بمصدق ومن آمن بنبي وجب عليه عدم اعتزال دعوته وأهل دعوته كما يفهم مما ذكره الله تعالى عن موسى وقومه.
_________________
(١) انظر تلبيس إبليس لابن الجوزي ص (٢٨٠) (ط١ إدارة الطباعة المنيرية).
(٢) رواه البيهقي في الشعب عن أنس مرفوعا، انظر كتاب جند الله ثقافة وأخلاقا سعيد حوى ص (١٤١).
[ ١ / ٤٠٠ ]
وأما المسألة الأصولية في شرع من قبلنا هل يكون شرعا لنا؟ فقال بعضهم إذا أورد النص في شرعنا حكاية عن شرع من قبلنا على جهة الاستدلال والإقرار من غير إنكار، تقرر ضمنا الاستدلال بذلك والعمل بموجبه (١).
وعلى هذا فإن الذين يرضون أن يكونوا في عزلة عن الأمة في صراعها مع أعدائها ويتخذون السلبية منهجًا وطرقًا للهروب من مواجهة المشاكل والأحداث ليسوا من المؤمنين حقيقة، بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا وإلا لما وقفوا متفرجين في صراع الحق مع الباطل كأن الأمر لا يعنيهم وكأنهم لا شأن لهم بما يجري من أحداث إن هؤلاء الذين يدسون رءوسهم بالتراب طلبا للسلامة لو أخلصوا لله ولدينه، ووالوا أهل الإيمان وعادوا أهل الكفر والعصيان، وواجهوا الحوادث بثبات المؤمن وصبر الموحد لقطعوا الطريق على أهل الباطل، ولما وجدت الفوضى الإلحادية إلى أوطان المسلمين سبيلا.
لقد أمر الله بسلوك سبيل المؤمنين وبالاعتصام معهم على الحق، قال تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [النساء: ١١٥].
وقال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) [آل عمران: ١٠٣].
فقد حث الله على الاعتصام بالحق وهو أقوى من مجرد الاجتماع ثم أكد على ذلك بقوله: جميعا ثم نهى عن الصد وهو التفرق فهذه ثلاثة مؤكدات على وجوب لزوم الجماعة والتماسك معها (٢)، وقد أمر الله بذلك أمرا صريحا في سورة الكهف فقال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
_________________
(١) انظر أسباب اختلاف الفقهاء د/ عبد الله عبد المحسن التركي (١٢٥).
(٢) انظر في ظلال القرآن (٢/ ٤/ ٢٣ - ٢٦).
[ ١ / ٤٠١ ]
رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف: ٢٨].
فالآية أمر لرسول الله - ﷺ - ولأمته من بعده بلزوم جماعة المسلمين وعدم الخروج عنهم طلبا لزينة الحياة الدنيا وشهواتها المحدودة الفانية، أو إرضاء للغافلين اللاهين عن الآخرة بالدنيا المفرطين بدنياهم وأخراهم لحساب شهواتهم وأهوائهم.
فمن اعتزل أهل الإيمان وجماعة المسلمين فقد اتبع غير سبيلهم وافترق عنهم، واستحق الوعيد الشديد على ذلك، لأن ذلك خذلان للمسلمن وقد ورد عن سهل بن حنيف ﵁ مرفوعًا «من أذل عنده مؤمن فلم ينصره وهو يقدر أن ينصره أذلة الله على رءوس الخلائق يوم القيامة» (١).
ويمكن أن يحتج البعض بما روي عن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: «خمس صلوات في اليوم والليلة» فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع قال رسول الله - ﷺ - وصيام رمضان، قال: هل علي غيره؟ قال: لا إلا أن تطوع قال، وذكر له رسول الله - ﷺ - الزكاة، قال: هل علي غيرها، قال: لا، إلا أن تطوع قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص قال رسول الله - ﷺ -: «أفلح إن صدق» (٢).
وحديث أبي هريرة ﵁ أن أعرابيا أتى النبي - ﷺ - فقال:
_________________
(١) رواه أحمد انظر مسند أحمد (٣/ ٤٨٧) وانظر كتاب الكبائر للشيخ محمد بن عبد الوهاب (٧١) طبع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء تحقيق إسماعيل بن محمد الأنصاري.
(٢) رواه البخاري ومسلم انظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (١/ ٢، ٣).
[ ١ / ٤٠٢ ]
دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة؟ قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان» قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا، فلما ولى قال النبي - ﷺ - «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» (١).
فالذين يحتجون بهذين الحديثين على جواز الاقتصار على هذه الأعمال دون اللجوء إلى مجاهدة الكفار مع المؤمنين، ودون تحمل تبعة الولاء والعداء في الله، ودون القيام بحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هؤلاء الذين يفهمون هذا الفهم مخطئون في فهمهم لعدة أسباب هي كما يلي:
أولا: إن هذين الحديثين لم يذكر فيهما الشهادة والحج وهما من أركان الإسلام فلو اقتصر أحد على العمل بما في ظاهر الحديثين دون هذين الركنين لعد كافرا بالإجماع.
ثانيًا: إن هذين الحديثين إنما كانا إجابة لسائل سأل عن أركان الإسلام الفعلية التي كانت مفروضة حين زمن السائل فكانت الإجابة مطابقة لمقتضى الحال عن السؤال.
ثالثًا: إن الحديثين لم يتضمنا بنصهما جميع الواجبات وجميع المنهيات وإن كان هذا الأمر قد يدخل في عموم الأمر بعبادة الله والنهي عن الشرك.
رابعًا: إن الحديث الثاني وهو حديث أبي هريرة يكون مخصصًا لعموم الحديث الأول ومقيدا لإطلاقه حيث قد تضمن قوله - ﷺ - «تعبد الله لا تشرك به شيئا» وجوب عبادة الله ﷿ في المسائل المذكورة بالحديث وغيرها من الأوامر والنواهي (٢).
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم المصدر السابق (١/ ٣).
(٢) انظر فتح الباري (١/ ١٠٦ - ١٠٨) وانظر (٣/ ٢٦٣ - ٢٦٥) وانظر شرح النووي على صحيح مسلم (١/ ١٦٦ - ١٦٩) (١٧٣ - ١٧٥) وانظر شرح الزرقاني على موطأ مالك (١/ ٣٥٧ - ٣٥٩).
[ ١ / ٤٠٣ ]
وحينئذ فإن موالاة الله ورسوله والمؤمنين من أهم أصول العبادة لله ﷿، كما أن محبة الكفار وتوليهم لون من ألوان الشرك قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ) [البقرة: ١٦٥].
وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [المائدة: ٥١].
وعلى هذا فلا صحة لما يتوهمه بعض ضعاف المسلمين من أنه يجوز لهم الاقتصار على بعض الواجبات المذكورة في الحديث الأول دون أن يتحملوا تبعة الموالاة في الله والمعاداة فيه، بالانضمام إلى حزب الله ومحاربة حزب الشيطان لأن الله تعالى يقول: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) [المائدة: ٥٦] ويقول تعالى: (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [المجادلة: ٢٢] ومن لم يكن في حزب الله فهو في حزب الشيطان، قال تعالى: (أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) وعلى هذا فليس هناك منزلة وسط بين حزب الله وحزب الشيطان فيجب على الإنسان أن يراجع نفسه إلى أي الحزبين ينتمي قولا وفعلا واعتقادا، فالكيس من دان نفسهه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
اللهم اجعلنا من حزبك المفلحين، وله من المؤيدين والمناصرين واصرف قلوبنا عن محبة وتأييد ومناصرة أحزاب الشياطين يا أرحم الراحمين إنك حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١ / ٤٠٤ ]
المبحث الثاني: اعتزال المؤمنين خوفا من أعداء أهل الإيمان
يعلم كثير من الناس أن الحق مع طائفة أو جماعة من المسلمين ولكن الخوف على النفس أو المال أو الأهل يدفع بعض المنتسبين إلى الإسلام إلى اعتزال الجماعة المسلمة، وعدم تأييدها أو الجهاد معها، طلبا للراحة وخوفا من الفتنة والامتحان والابتلاء في طريق الدعوة، ولا شك أن الخوف مما فطرت عليه النفس البشرية ولكن هذا الخوف إما أن يجد مكانه الصحيح والطبيعي، وهو الخوف من الله ﷿ ومن عذابه، فعند ذلك يبادر المسلم إلى فعل الطاعات وترك المحرمات، بدافع الخوف من عذاب الله ورجاء ثوابه وعظيم جزائه، وإما أن ينحرف بتلك الصفة عن مسارها الصحيح فحينئذ يخشى ويخاف من أهل الزعامات الأرضية حتى يقدم الخوف منهم على الخوف من الله لقصر نظره وضعف عقيدته، وهذا النوع من الخوف هو الذي ورد الذم لفاعله في الكتاب والسنة، قال تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [آل عمران: ١٧٥].
[ ١ / ٤٠٥ ]
وقال تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) [التوبة: ١٨] فدلت الآيات على أن التخلص من الخوف من غير الله من كمال الإيمان ولذلك مدح الله المؤمنين بعدم الخشية من سواه كما ذم الله ﷿ الذين يدعون الصلاح والإصلاح في وقت الرخاء والسعة، فإذا حانت ساعة الشدة والبأس، وبلغت القلوب الحناجر تنصلوا من الإسلام ومن المسلمين وأنكروا الانتماء إليهم خوفا على أنفسهم وأموالهم وحظوظهم من الدنيا الفانية، قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ) [العنكبوت: ١٠] قال ابن القيم رحمه الله تعالى: الخوف من عبودية القلب لله تعالى فلا يصلح الخوف إلا من الله تعالى، فهو كالذل والمحبة والتوكل، والرجاء وغير ذلك من أنواع عبودية القلب (١) اهـ.
فالخوف الذي يجعل الإنسان يترك ما يجب عليه من الدعوة والجهاد ومناصرة المؤمنين بالقول والفعل، خوفا من بعض الناس هو نوع من أنواع الشرك المنافي لكمال التوحيد (٢).
وفي الآية المتقدمة رد على المرجئة، والكرامية ومن حذا حذوهم من المتأخرين الذين يقولون إن من آثر الخوف فترك الجهاد، واعتزل الفئة المؤمنة، ولم يجاهد معها فإنه لا يترتب على عمله هذا كفر (٣) بناء على أصلهم أن الإيمان هو مجرد التصديق ويستدل البهنساوي على ذلك بقوله:
_________________
(١) انظر الجامع الفريد (١٤٢).
(٢) انظر فتح المجيد (٣٤٤).
(٣) انظر المصدر السابق نفس المكان، وانظر الحكم وقضية تكفير المسلم (٥٥ سالم البهنساوي).
[ ١ / ٤٠٦ ]
تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) [الأنفال: ٧٢] فيذكر أن القرآن أقر لهم بوصف الإيمان مع أنهم تركوا الهجرة خائفين ولم ينضموا إلى المسلمين بالمدينة وكتوضيح لهذا الكلام نقول:
أولا: إن الذين لم يهاجروا إلى المدينة لم يكن الخوف هو السبب في إقامتهم بمكة، وأنهم رغبوا بأنفسهم عن الاشتراك مع المسلمين لهذا السبب بدليل أن عامة كتب التفسير لم تذكر هذا السبب الذي جعله علة لإقامتهم (١).
ثانيا: إن الذين أقاموا بمكة من المستضعفين الذين عذرهم الله بالإقامة حيث إن الاستضعاف نوع من الإكراه (٢) بخلاف الخوف (٣) فإنه مغاير للاستضعاف فالإكراه هو إلزام شخص بما لا يريده، والخوف، هو ترك ما يريده الشخص خوفا مما لا يريده شخص آخر، فالإكراه شيء حاصل على الإنسان وواقع عليه، والخوف صادر منه في شيء لم يحصل له بعد، وقد دل القرآن الكريم على أن غير المستضعفين لم يعذروا بالإقامة بمكة بل أخبر تعالى بوجوب الهجرة عليهم، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي (٨/ ٥٦) وانظر تفسير الطبري (١٠/ ٣٦ - ٤٠) وانظر زاد المسير (٣/ ٣٨) وانظر مختصر تفسير ابن كثير للصابوني (٢/ ١٢١) وانظر في ظلال القرآن (٤/ ٧٢) وانظر تفسير آيات الأحكام محمد علي السايس (٣/ ١١).
(٢) انظر المعجم الوسيط (١/ ٥٤٢) وانظر فتح الباري (١٢/ ٣١١).
(٣) انظر المعجم الوسيط (١/ ٢٦١).
[ ١ / ٤٠٧ ]
يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا) [النساء: ٩٧ - ٩٩].
ولهذا كان النبي - ﷺ - يقول في قنوته اللهم نج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنينا كسني يوسف (١).
ثالثا: وردت الأحاديث بذم من سكن مع المشركين وهو ليس من الضعفاء المعذورين، ولم يستطع إظهار دينه بينهم، ومعلوم أن الكفار بمكة كانوا محاربين لكل مسلم غير مجيزين إظهار الإسلام لديهم قال رسول الله - ﷺ - «برئت الذمة ممن أقام مع المشركين في بلادهم (٢)».
وقال ﵊: «إني بريء من كل مسلم مع مشرك» ثم قال رسول الله - ﷺ - «ألا لا تراءى نارهما» (٣) وقال ﵊: «أبايعك على أن تعبد الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتناصح المسلمين وتفارق المشركين» (٤) فالخوف ليس عذرا في ترك الدعوة واعتزال الجماعة، فمن منا لا يخاف على نفسه وماله وأهله وعرضه؟ ولو كان مثل هذا الخوف يبيح ترك الدعوة واعتزال الجماعة لما نهض أحد بتكاليف الإسلام وقام بحق هذا الدين.
إن من يترك العمل للإسلام مع الجماعة الإسلامية بدون عذر شرعي
_________________
(١) انظر الفتاوى ابن تيمية (٣٥، ٣٦).
(٢) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (٢/ ٤١١).
(٣) رواه النسائي انظر سنن النسائي (٨/ ٣٦) وقال الألباني: حديث حسن. انظر: صحيح الجامع الصغير (٢/ ١٧/ ١٤٧٤).
(٤) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (٢/ ٢٣٠) رقم الحديث (٦٣٦).
[ ١ / ٤٠٨ ]
وإنما خوف من نقص يصيبه في نفسه أو أهله أو ماله فإنه مرتكب لإثم عظيم وذنب كبير وتلك هي أعذار المنافقين قال تعالى: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [الفتح: ١١] وهذا هو النفاق المحض (١) مع أن مقتضى الإيمان الصحيح أن لا يخشوا أحدا غير الله، ولذلك قال في آخر الآية المتقدمة (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا) فالذين يعتزلون شعائر الإسلام والجماعة المسلمة، خوفا وتحسبا لنقص يصيبهم في أنفسهم أو أموالهم أو أهليهم، فهم مفضلون للدنيا على الآخرة وهم حينئذ داخلون تحت قول الله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ) [النحل: ١٠٧].
وقوله: (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ) [إبراهيم: ٣] فلو كان هناك طريق للجهاد لا يخسر فيه الإنسان قطرة من دمه ولا درهما من ماله، ولا يفارق فيه أهلا ولا ولدا، لتسابق إليه المنافقون، ولما تحمل أصحاب رسول الله - ﷺ - تبعة التضحية بالمال والنفس والأهل في سبيل الله مع وجود ما يقوم مقام ذلك، فإذا كان التخلف عن رسول الله - ﷺ - في غزوة واحدة موجب لوصف هؤلاء المتخلفين بالنفاق كما في قوله تعالى: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [التوبة: ٨١، ٨٢] فإذا كان هؤلاء سينالهم العذاب بتخلفهم عن معركة واحدة فما ظنك بمن يقف موقف المتفرج في صراع الحق مع الباطل بصفة
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي (١٦/ ٢٦٨).
[ ١ / ٤٠٩ ]
مستمرة، إيثارا للسلامة، وطلبا للراحة، واستصغار للدعوة وأصحابها، ألا يكون هذا أعظم إثما ممن تخلف عن معركة واحدة.
ألا يكون موقف هذا المعتزل للدعوة والدعاة يوحي بعدم اكتراثه واهتمامه بالإسلام والمسلمين؟
إن الخوف من أهم الأسباب التي تقعد بضعاف الإيمان عن الموالاة في الله والمعاداة فيه.
إن الذين يعيشون لبطونهم وفروجهم، أخوف ما يخافون على حظوظهم الدنيوية، ولذلك تراهم يضحون بالإسلام والمسلمين، من أجل ذلك، فيدفعهم الخوف والجبن إلى تملق كل صاحب سلطة، ومجاراة كل طاغية، وإلى تحريف الكلم عن مواضعه طلبا لرضا ذوي السلطان، وأقل هؤلاء درجة من يلوذون بالصمت، في أشد المواقف حاجة إلى كلمة الحق عند السلطان الجائر.
فعن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعا: «إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره» (١) وهذا يدل على أن إيثار رضا المخلوق بما يجلب له سخط خالقه، نوع من الشرك، لأنه قدم رضا المخلوق على رضا الخالق ﷿، وعن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من التمس رضا الله بسخط الناس، ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» رواه ابن حبان في صحيحه (٢).
فالواجب على المسلم إذا عرف الحق أن يتبعه وأن يقول به دون
_________________
(١) الجامع الفريد ص (١٤٤).
(٢) المصدر السابق ص (١٤٥).
[ ١ / ٤١٠ ]
خوف من أحد، أو مجاملة لأحد، لأن هذا هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والساكت عن الحق شيطان أخرس فكيف ينزل الخوف من الناس منزلة أعظم من منزلة الخوف من الله؟ إن هذا الأمر لا يجوز سواء في حق الفرد أو الجماعة المسلمة لأن المسلم إذا عرف الحق يجب عليه أن يتوكل على الله في الدعوة إليه وبيانه، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الأنفال: ٦٤] وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق: ٣] وعن ابن عباس ﵄ قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم - ﷺ - حين ألقي في النار، وقالها محمد - ﷺ - حين قالوا له (١): (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران: ١٧٣].
أما إذا قصد الإنسان بأعماله الدنيا خاصة، فطبيعي أن يخشى على فراقها ويضحي بكل شيء في سبيل بقائها حتى ينسلخ من عقيدته وهذا لون من ألوان الشرك، قال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [هود: ١٥].
وعلى هذا فإن الخوف من غير الله الذي يجعل الإنسان يترك ما أوجب الله عليه من الواجبات الشرعية، هو نوع من أنواع الشرك يجب على المسلم الابتعاد عنه (٢).
_________________
(١) رواه البخاري والنسائي انظر فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (٣٥٦، ٣٥٧) وانظر مجموعة التوحيد (٢٠٠، ٢٠١).
(٢) انظر الفتح المجيد شرح كتاب التوحيد، عبد الرحمن بن حسن (٣٤٤).
[ ١ / ٤١١ ]
قال تعالى: (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: ٤٤].
وقد يقول قائل لماذا إذًا نرى بعض العلماء والمفكرين يتغاضون عن كثير من المنكرات والمحرمات في بلادهم ويتجاهلون وجودها؟ ألا يعني ذلك خوفهم من صاحب السلطان وبطشه؟
والجواب على ذلك في رأيي أنه ليس كل من رأى منكرا وسكت عنه يكون راضيا به أو خائفا من أن ينكره، ولكن قد يكون الإنكار في بعض الأحوال ليس هو الأصلح للدعوة والدعاة إلى الله وإن كان الإنكار بصفة عامة أمرا صالحا، وذلك راجع إلى طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه المسلم فقد يعيش المسلم في مجتمع ملتزم بالإسلام وفي هذه الحال يكفي أن يجهر بإنكار المنكر فيجد من السلطة والمجتمع العون الكامل لتغيير هذا المنكر وإزالته، وقد يكون المسلم في مجتمع أفراده مسلمون وسلطته كافرة، وفي هذا الحال يتوجه بالإنكار والدعوة إلى المجتمع لأن السلطة ليست مستعدة للاستجابة إلا بمنطق القوة، والقوة ليست متوفرة بأيدي الدعاة في كل الظروف.
وقد يكون المسلم في مجتمع كافر، بدولته وأفراده وفي مثل هذه الحال ليس من الحكمة الوقوف في وجه المجتمع كله وهو قطرة في بحر.
ففي مثل هذه الحال يلجأ إلى الدعوة الخاصة عن طريق الاتصال بالأفراد وربما بسرية تامة كما فعل نوح ﵇ مع قومه وكما فعل نبينا محمدٌ - ﷺ - في مكة حيث أمضى ثلاث سنوات يدعو الناس سرًا وتلك الأساليب في الدعوة هي من الحكمة التي أمرنا الله بها في قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ
[ ١ / ٤١٢ ]
أَحْسَنُ) [النحل: ١٢٥] وقال تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ) [البقرة: ٢٦٩] وبناء على ذلك فإن من يسلك إحدى هذه السبل مع مجتمعه الذي يعيش فيه لا يعتبر من المنقطعين عن الدعوة ولا يوصف بالخوف أو الجبن في تجاهله لبعض المنكرات، لأنه ينظر إلى الأمور بحكمة وروية تختلف عن نظرة أهل الضحالة في العلم والتفكير الذين يقعد بهم الخوف عن العمل للإسلام في كل الميادين، أو الذين يندفعون بلا حكمة ورؤية في محاربة قشور الباطل وأغصانه ناسين أو متناسين العمل الجاد لاقتلاع جذور الباطل واجتثاث أصوله من أعماقها، فالباطل كالشجرة التي كلما قطع منها غصن خرج بدل منه ولا يزول الباطل إلا باقتلاع أصله قال تعالى: (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ) [إبراهيم: ٢٦، ٢٧] ولذلك يجب أن نميز بين من يعمل لله بحكمة ومن يترك العمل لله خوفا من الناس.
[ ١ / ٤١٣ ]
المبحث الثالث: العلماء بين طريق الجهاد وطريق الاعتزال
إن مما لا شك فيه أن العلماء هم ورثة الأنبياء وهم الأتقى لله قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: ٢٨].
ولو وجد هؤلاء العلماء أن طريق الاعتزال يقودهم إلى بر الأمان في الدنيا والآخرة لسلكوه ودعوا الناس إليه، لأنهم هم الأعرف بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وهم أقدر على استنباط الأحكام ومعرفتها كما قال تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء: ٨٣] فلو استنبط العلماء جواز الاعتزال عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتخلي عن جماعة المسلمين والاكتفاء بإصلاح النفس وتأدية الشعائر التعبدية المتعلقة بذات الفرد لما وقف العلماء تلك المواقف التي جعلتهم يقدمون أنفسهم وأموالهم رخيصة في سبيل الله.
[ ١ / ٤١٤ ]
لقد كان بإمكان أولئك المجاهدين أن يلجئوا إلى الآيات والأحاديث التي قد يستوحى من ظاهرها جواز العزلة عن الصراع بين الحق والباطل، فيفسروا تلك النصوص على النحو الذي يعفيهم من تعب الجهاد ومشاقه المضنية ويريحهم من سياط المتسلطين ومعتقلات الطغاة المجرمين ولكنهم أدركوا أن هذا الطريق الذي سلكوه هو الطريق الصحيح، فمشوا فيه مستهينين ومستصغرين وصابرين على جميع العقبات التي تواجههم فيه حيث إن ذلك الطريق هو طريق الجهاد الموصل إلى مرضاة الله وجنته يقول أحد هؤلاء المجاهدين:
وسبيل دعوتنا الجهاد، وإنه إن ضاع ضاعت حرمة الأوطان
والموت أمنية الدعاة، فهل ترى ركنا يعاب بهذه الأركان؟ (١).
وسنعرض في هذا المبحث نماذج حية لرجال عمر الإيمان قلوبهم فلم يأبهوا بجاه أو سلطان، ولم يرضخوا لجبروت أو طغيان، بل لقد كافحوا الطغيان في أوج قوته وبطشه وقهروا الجبروت في عنفوانه وتطاوله ولم يكن لهم من سلاح سوى سلاح الإيمان الذي يعلو به المؤمن فوق كل سلاح لقد كان بإمكان هؤلاء جميعا أن يعيشوا مع أممهم وحكامهم بغير هذا الأسلوب وغير هذا الطريق، لو أنهم أرادوا العيش الرغيد والمتاع الزهيد الذي يتكالب عليه علماء السوء وسماسرة الطغاة، ولكنهم كانوا أكبر من أن تفتنهم الدنيا أو تقعد بهم الشهوات والشبهات، ومواقف العلماء في ذلك أكثر من أن تحصر ولكن حسبنا أن نذكر بعض الصور للذكرى إن الذكرى تنفع المؤمنين فمن هذه المواقف ما يلي:
أولا موقف سعيد بن جبير (٢) مع الحجاج:
كان سعيد بن جبير ﵀ معروفا بشدة الورع والتقوى قد أوتي
_________________
(١) انظر شعراء الدعوة الإسلامية أحمد الجدع وحسني جرار (٥/ ٧).
(٢) هو سعيد بن جبير الأسدي الوالبي من أكابر أصحاب ابن عباس ﵄ كان من أئمة الإسلام في التفسير والفقه وأنواع العلوم وكثرة العمل الصالح مات ﵀ سنة (٩٥ هـ)، وله من العمر (٧٤) سنة انظر البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ٩٨، ٩٩) وانظر الإسلام بين العلماء والحكام للبدري (١٣٨ - ١٤٣).
[ ١ / ٤١٥ ]
لسانا ناطقا بالحق، وقلبا حافظا للعلم، وسرعة بديهة بإلقاء الحجة القوية في وجه الخصم، وكان الحجاج معروفا بالفسق والتعدي على حرمات الناس في أنفسهم وأموالهم، فخاف من وجود سعيد بن جبير بين الرعية نظرا لحبها له وثقتها به فقرر التخلص منه بالترغيب والترهيب.
فقد حمل سعيد بن جبير إلى الحجاج ولما دخل عليه سأله الحجاج عدة أسئلة كلها سخرية وتبكيت واستهزاء فرد عليه سعيد ردًا مفحمًا.
ثم أمر الحجاج بطبق مملوء باللؤلؤ والزبرجد، والياقوت فجمعه بين يده لعل ذلك يغري سعيد بن جبير فيكون ثمنا لصمته وسكوته، ولكن سعيدا أدرك الهدف من ذلك وقال للحجاج: إن كنت جمعت هذا لتتقي به فزع يوم القيامة فصالح، وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت ولا خير في شيء للدنيا إلا ما طاب وزكا (١).
فلم ينفع الحجاج هذا الإغراء بالمال والذهب، فليس ابن جبير من عباد المال، ولا من الذين يبيعون دينهم بدنياهم، ولذلك ضاق الحجاج ذرعا بسعيد فقال له: اختر يا سعيد أي قتلة أقتلك؟ فقال سعيد: اختر أنت لنفسك فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة، فقال: أتريد أن أعفو عنك؟ فقال: إن كان العفو فمن الله، وأما أنت فلا براءة لك ولا عذر.
فأمر به الحجاج فذبح من الوريد إلى الوريد ولسانه رطب بذكر الله (٢).
_________________
(١) انظر الإسلام بين العلماء والحكام (١٤١).
(٢) انظر وفيات الأعيان لابن خلكان (٢/ ١١٢) وانظر الإسلام بين العلماء والحكام عبد العزيز البدري (١٣٨ - ١٤٣).
[ ١ / ٤١٦ ]
وقد قيل للحسن البصري ﵀: إن الحجاج قد قتل سعيد بن جبير فقال: اللهم أنت على فاسق ثقيف، والله لو أن من بين المشرق والمغرب اشتركوا في قتله لكبهم الله ﷿ في النار (١) اهـ.
وقال أحمد بن حنبل ﵀: قتل الحجاج سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه (٢) اهـ.
ثانيًا: عندما قام المأمون بتأييد المعتزلة ضد أهل السنة والجماعة في مسألة القول بخلق القرآن، وقف الإمام أحمد ﵀ ناصر السنة وهازم البدعة كالطود الشامخ لم يرهبه تهديد أو يرغبه إغراء ووعيد، حتى لقد أشفق عليه بعض تلاميذه وأقربائه، فقد جاءه عمه إسحاق فقال: يا أبا عبد الله قد أجاب أصحابك، وقد أعذرت فيما بينك وبين الله، وبقيت أنت في الحبس والضيق، فقال: يا عم إذا أجاب العالم تقية والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق؟ (٣) اهـ.
ثالثًا: عندما سجن الإمام أبو حنيفة ﵀ بعد أن ضرب بأمر أبي جعفر المنصور، زارته أمه في السجن فقالت له: يا نعمان إن علما ما أفادك غير الضرب والحبس لحقيق بك أن تنفر عنه فأجابها: يا أمه لو أردت الدنيا لوصلت إليها، ولكني أردت أن يعلم الله أني صنت العلم ولم أعرض نفسي فيه للهلكة (٤).
رابعًا: إن الجهاد والتعرض للاستشهاد أعظم أجرا وأنفع للمسلمين من الذين يخفون رءوسهم في التراب رغم رؤيتهم للمنكرات ظانين أن قيامهم ببعض شعائر الإسلام التي لا تكلفهم شيئا من أنفسهم وأموالهم كافية في حملهم إلى مراتب الشهداء والصالحين والمجاهدين في سبيل الله.
_________________
(١) المصدر السابق نفس المكان.
(٢) المصدر السابق نفس المكان.
(٣) انظر الإسلام بين العلماء والحكام للبدري (١٦٥ - ١٦٦).
(٤) انظر المصدر السابق رقم الصفحة (٢٢١).
[ ١ / ٤١٧ ]
ومع أن الحق خلاف ما توهموه، حيث إن الواجب هو الجمع بين تأدية شعائر التعبد، مع الجهاد مع الجماعة المسلمة لنصرة هذا الدين بالقول والفعل، وهذا ما فهمه العالم المجاهد عبد الله بن المبارك (١) ﵀ حيث كان يحج سنة ويجاهد أخرى حتى توفي وهو في درب الجهاد، وكان هذا العالم الجليل صديقا للفضيل بن عياض (٢) وكان الفضيل منقطعا للعبادة في أشرف مكان وهو المسجد الحرام، فكتب عبد الله بن المبارك رسالة وقصيدة إلى أخيه الفضيل بن عياض يقول في بعض أبياتها:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي غبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب (٣)
لقد كتب ابن المبارك هذا الكلام في وقت لم يكن الجهاد فيه فرض عين كما هو الحال حيث يستبيح اليهود والنصارى والشيوعيون معظم البلاد الإسلامية، وقد وصف ابن المبارك انقطاع صديقه لنوافل العبادات بأنها لعب وهي عبادة تقع في أشرف بقعة على هذه الأرض، ترى ماذا يقول ابن المبارك عن أدعياء العلم الذين يفتون بمصالحة اليهود على مقدسات المسلمين والذين يركعون تحت أقدام الطغاة المستبدين؟ رحم الله العلماء العامملين الذين لا يبررون أخطاءهم وأخطاء حكام السوء في عصرهم بمبررات واهية، تبيح لهم ترك الجهاد، وتبرر للطغاة المجرمين البطش والتنكيل بأهل الحق والرشاد.
_________________
(١) انظر ترجمته ص (٢٥١) من هذه الرسالة.
(٢) انظر ترجمته ص (١٤٤) من هذه الرسالة.
(٣) انظر الإسلام بين العلماء والحكام للبدري ص (٢٢٩)، وانظر تذكرة الدعاة لبهي الهولي ص (٢١٢)
[ ١ / ٤١٨ ]
خامسا: إن في موقف العز بن عبد السلام من الملك الصالح أيوب صاحب مصر درسا لمن لا يخشى إلا الله تعالى فقد استضاف الشيخ عبد العزيز بن عبد السلام الملقب بالعز بن عبد السلام الملك الصالح أيوب حيث نزل الشيخ ضيفا عنده في مصر بعد أن طرد الشيخ من الشام، وفي يوم من الأيام كان الملك أيوب في محفل من المحافل، قد أحاط به الأمراء والحكام ورجال الجيش وسراة الحاشية، وأقبل الناس عليه يقبلون يديه ويحنون له الهامات ويطأطئون له الرءوس في موكب يشعر بالذلة والخضوع لغير الله فخرج العز بن عبد السلام يشق الصفوف المتراصة ويفري الجموع المحتشدة ليهتف في وجه الملك في قوة المؤمن وعزم الموحد لم تباع الخمور في عهدك وأنت ساه لاه في هذه الأبهة وهذا النعيم؟ وما كان للسلطان إلا أن يعتذر في رفق، ويجيب في لين أنا ما علمت بهذا .. لعله من زمان أبي فيعيد العز بن عبد السلام قولته أشد مضاء من سابقتها فيقول: ما زدت عن كونك من الذين يقولون: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) [الزخرف: ٢٣] فيأمر السلطان بإغلاق تلك الخمارة فيسأل الشيخ رجل من خاصته ممن أدهشتهم جرأة الشيخ في الحق أمام هذه الجموع فيقول: أما خفته؟ فقال الشيخ: والله يا بني .. لقد استحضرت هيبة الله تعالى، فصار السلطان أمامي كالقط الصغير (١).
سادسا: موقف الشيخ ابن تيمية ﵀ وهو في السجن حيث كتب إليه بعض إخوانه يشيرون عليه بالموافقة والمجاراة والمداهنة لخصومه ليتخلص من السجن فقال في رسالة رد بها عليهم قوله: أما بعد فقد وصلت الورقة التي ذكر فيها الشيخان الناسكان، ما ذكرا، جعلهما الله من الأئمة المتقين الذين جمعوا بين الصبر والإيقان، وعلموا أن الله ناصر حزبه ومنجز وعده، ومنتقم من حزب الشيطان لعباد الرحمن، ولكن بما اقتضت.
_________________
(١) انظر الإيمان وأثره في نهضة الشعوب، يوسف العظم (٥٩ - ٦٢).
[ ١ / ٤١٩ ]
حكمته ومضت به سنته، من الابتلاء والامتحان الذي يميز الله به أهل الصدق والإيمان من أهل النفاق والبهتان (١).
قال تعالى: (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [العنكبوت: ١ - ٣].
سابعا: من المواقف العلماء الذين اختاروا طريق الجهاد والدعوة إلى الله على طريق العزلة والاعتزال، موقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وذلك أنه ثار في وجه الشرك والمشركين غير مبال بما يلاقيه في سبيل الله، وبعد أن شاع أمر الدعوة وأصبحت خطرا يهدد أهل الفسق والفجور، تآمر عليه بعض الفسقة وسطوا على بيته ليلا لاغتياله، فعلم بهم الناس فصاحوا بهم فهربوا، فلم يطمئن الشيخ بعد هذه الحادثة إلى المقام في حريملاء، فانتقل منها إلى العيينة وتلقاه أميرها ابن معمر بالقبول والمناصرة في أول الأمر ولكنه كان واليا من قبل ابن عرير حاكم الأحساء، وقد وشى بعض دعاة السوء وجهل الضلال بالشيخ إلى ابن عرير فكتب إلى ابن معمر خطابا يأمره فيه بطرد الشيخ من بلده فما كان من ابن معمر إلا أن ينفذ أمر سيده، ومنها انتقل الشيخ إلى الدرعية حيث كتب الله له النصر بالتعاون مع الإمام محمد بن سعود (٢).
ثامنا: من مشاركة العلماء في قضايا أمتهم وجهادهم الذي يستعلي على الإغراءات المادية ما حصل من جمال الدين الأفغاني (٣) مع سلطان
_________________
(١) انظر العقيدة والآداب الإسلامية للشيخ محمد بن عبد الوهاب (٣٢٥ - ٣٢٩).
(٢) هو الإمام محمد بن سعود بن محمد بن مقرن من قبيلة عنزة تولى حكم الدرعية سنة (١١٣٩) وبعد توليه بتسعة عشر عاما التقى بالشيخ محمد بن عبد الوهاب وتعاونا معا في مجاهدة أهل الشرك والضلال إحدى وعشرين سنة حتى توفي الإمام سنة (١١٧٩) بعد إمارة دامت أربعين سنة انظر عنوان المجد في تاريخ نجد عثمان بن بشر (٦٣).
(٣) هو جمال الدين الأفغاني من أشهر أعلام الإسلام في القرن التاسع عشر الميلادي القرن الثالث عشر الهجري ولد في أسعد آباد على مقربة من كنار من أعمال كابل في أفغانستان عام ١٢٥٤ هـ الموافق (١٨٣٨) من أسرة حنفية المذهب درس العلوم الإسلامية في صباه ثم انصرف وهو في الثانية عشرة من عمره إلى دراسة الفلسفة وقام بعدة جولات في العالم الإسلامي والعالم كله، وهو يجمع بين الكتابة والخطابة والصحافة والسياسة، كان من أكبر الدعاة إلى فكرة الجامعة الإسلامية وأنشأ في فرنسا مجلة العروة الوثقى بالاشتراك مع تلميذه محمد عبده وتوفي جمال الدين الأفغاني عام (١٨٩٧) انظر دائرة المعارف الإسلامية (٧/ ٩٥، ١٠٠) وانظر الموسوعة الحركية فتحي يكن (١/ ٢١ - ٢٦).
[ ١ / ٤٢٠ ]
تركيا حيث أراد السلطان عبد الحميد أن يشتري صمته فمنحه رتبة قاض عسكري وهي وظيفة يسيل لها لعاب كثير من أصحاب المناصب والشهوات بما تقتضيه من رواتب وحلل زاهية ومركز مرموق في نظر عبدة الدرهم والدينار، ولكن جمال الدين الأفغاني لم يكن من هذا النوع فعندما جاء رجال السلطان يتسابقون إليه بهذه البشرى قال لهم: قولوا لمولاكم السلطان: إن جمال الدين الأفغاني يرى رتبة العلم هي أعلى رتبة ثم قولوا له: إنني لا أستطيع أن أكون مثل البغل المزركش (١).
وفي موقفه الثاني درس للذين لا يهتمون إلا بمصلحتهم الخاصة وراحتهم النفسية ولو كان ذلك على حساب الإسلام والمسلمين فقد هبط إلى مطار تركيا منفيا من إيران فسأله أحد مستقبليه عن حقائب متاعه فقال: أما صندوق الكتب فها هنا، مشيرا إلى صدره، وأما صندوق الثياب فهذه مشيرا إلى الجبة التي يرتديها ثم قال: كنت في أول عهدي بالنفي أستصحب جبة ثانية وسراويل ولكن لما توالى النفي صرت أستثقل الجبة الثانية، فآثرت ترك التي علي إلى أن تخلق فأستبدلها بغيرها (٢).
تاسعا: يقول الشيخ عمر التلمساني رئيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر: إنني في كل ما أسعى إليه أبتغي مصلحة الدعوة الإسلامية.
_________________
(١) انظر الإيمان وأثره في نهضة الشعوب يوسف العظم (٦٥، ٦٦).
(٢) انظر المصدر السابق.
[ ١ / ٤٢١ ]
وليست لي مصلحة خاصة، فأنا لا أطمع أن أكون وزيرا أو مديرا وقد بلغت من العمر ستة وسبعين عاما فماذا انتظر بعد ذلك؟ ولولا أنها بيعة لله تتطلب وفاء وتضحية في سبيله، لاعتزلت العمل في ذلك ولكني أريد أن ألقى الله ﷿ ببيعي وليكن ما يكون (١).
ولم يمنع رئيس دولة العلم والإيمان، كما يدعي زورا وبهتانا، من أن يعتقل هذا الشيخ المسن الذي بلغ من العمر سبعة وسبعين عاما بغيرذنب سوى أن يقول ربي الله في الوقت الذي يكتفي فيه السادات بتجريد صوري للبابا شنودة من منصب لا يملك فيه حلًا ولا عقدًا (٢).
لقد كان بإمكان هؤلاء العلماء المجاهدين، أن يتحولوا إلى علماء انعزاليين ووعاظ مسكنة، يقرءون أفكار الحكام ورغباتهم قبل أن ينطقوا بها فيصدروا لهم الفتاوى المعلبة الجاهزة ويلوون أعناق النصوص ويتكلفون في التأويل البعيد عن مدلول النص ومفهومه، ويستدلون بالضعيف من الأدلة كي يكسبوا مقعدا وثيرا بجانب حاكم ظالم، ويقبضوا مالا وفيرا ولو كان هذا المال قد سلب من عرق الكادحين، وقوت الضعفاء والمساكين ولكن العلماء العاملين أدركوا بما فتح الله عليهم من علم نافع وفهم ثاقب وهداية في القول والعمل أن الجهاد في سبيل الله هو الطريق الموصل إلى مرضاته وجنته، وأن الجهاد يكون بالحسنى تارة عندما يكون الضالون أفرادا يحتاجون إلى الإرشاد والتقويم، وتنوير الأفهام وإيضاح الطريق المستقيم، ويكون تارة بالقوة حين تملك الفئة الباغية قوة تقف بها في طريق الناس لتصدهم عن الحق والهدى وتعطل بقوتها تنفيذ شريعة الله (٣).
فهل يبقى لدعاة الاعتزال مستمسك بعد هذا التوضيح والبيان؟
_________________
(١) المجتمع الكويتية عدد ٤٧٦ السنة الحادية عشرة في ٢٩/ ٥/ ١٤٠٠ ص (٢٥).
(٢) انظر المجتمع الكويتية عدد (٥٤٢٢) السنة الحادية عشرة في (٩/ ١١/ ١٤٠١) هـ ص (١٨) وانظر صحيفة الأنباء العدد (٢٠٥٠) السنة السادسة في (٨/ ١١/ ١٤٠١) ص (١/ ١٩).
(٣) انظر هذا المعنى في ظلال القرآن سيد قطب (٧/ ٦٣).
[ ١ / ٤٢٢ ]
الفصل الرابع: دعوى الإكراه في عدم الموالاة في الله والمعاداة فيه
الإكراه هو حمل الإنسان على ما لا يرضاه من القول أو الفعل بحيث لو خلي ونفسه لما باشر ذلك القول أو الفعل (١).
والذين يدعون الإكراه في عدم موالاة المسلمين، أو معاداة الكافرين يلجئون إلى الاعتذار والاحتجاج ببعض النصوص من الكتاب والسنة.
فمن الكتاب قول الله تعالى:
١ - (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ) [آل عمران: ٢٨].
٢ - قول الله تعالى: (إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) [النحل: ١٠٦].
_________________
(١) انظر أصول الفقه، محمد الخضري بك ص (١٠٦).
[ ١ / ٤٢٣ ]
٣ - قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ) إلى قوله: (عَفُوًّا غَفُورًا) [النساء: ٩٧، ٩٩].
٤ - (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) [النساء: ٧٥].
ومن السنة قول الرسول - ﷺ -:
٥ - عن ابن عباس ﵄ قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (١).
فدل الحديث بعمومه على عدم مؤاخذة المكره فيما أكره عليه من قول أو فعل، وتلك جملة أدلة الذين يدعون الإكراه في عدم موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين حيث يقولون إن الله عذر المستضعفين الذين لا يمتنعون من ترك ما أمر الله به لولا استضعافهم والمكره لا يكون إلا مستضعفا غير ممتنع من فعل ما أمر به من قبل الكفار وأشباههم (٢).
والرد على دعوى من يعممون الإكراه في كل قول أو فعل يرتكبونه أن نناقش تلك الأدلة واحدًا بعد الآخر حتى يتضح المفهوم الصحيح للإكراه ونوع ما يجوز الإكراه فيه، وما لا يجوز فيه الإكراه فنقول وبالله التوفيق:
أولًا: إن المراد بقول الله تعالى: (إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) أي إلا أن تخافوا منهم خوفا جازما، فلا بأس حينئذ بإظهار مودتهم باللسان تقية ومداراة
_________________
(١) رواه ابن ماجه انظر سنن ابن ماجه (١/ ٦٣٠) رقم الحديث (٢٠٧٠).
(٢) انظر فتح الباري (١٢/ ٣١١).
[ ١ / ٤٢٤ ]
لهم ودفعا لشرهم وأذاهم، مع طمأنينة القلب إلى بغضهم وعداوتهم (١).
وقد اختلف أهل العلم في جواز التقية (٢) مع الكفار:
١ - فقال معاذ بن جبل (٣) ومجاهد ﵄: كانت التقية قبل قوة الإسلام، أما اليوم فقد أعز الله الإسلام وأعز المسلمين أن يتقوا من عدوهم (٤).
٢ - قال الحسن البصري ﵀: التقية جائزة للمسلم إلى يوم القيامة ولا تقية في القتل (٥).
فالآية دليل على جواز التقية، ولكن التقية المقصودة في هذه الآية كما فهمها السلف الصالح من هذه الأمة، هي جواز النطق بالإيمان، أما تفسير التقية بأنها جواز الكذب المطلق بالقول والفعل بلا حدود أو قيود فهذا تفسير خاطئ وهو ما ذهب إليه بعض مفسري الشيعة حيث يوجبون التقية ويرون أنها واجب شرعي حتى يقوم القائم المنتظر (٦).
_________________
(١) التقية الخشية والخوف والتقية عند بعض الفرق إخفاء أمر ومصانعة الناس في أمر أو أمور أخرى انظر المعجم الوسيط (٢/ ١٠٦٣ - ١٠٦٥).
(٢) انظر روائع البيان في تفسير آيات الأحكام محمد علي الصابوني (١/ ٣٩٨).
(٣) هو معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الخزرجي الأنصاري، وهو أحد السبعين الذين شهدوا بيعة العقبة الثانية من الأنصار، وقد شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - وقد قال الرسول - ﷺ - في حقه: «خذوا القرآن من أربعة» ذكر منهم معاذ بن جبل، وقد أرسله رسول الله - ﷺ - إلى اليمن وبقي فيها حتى توفي رسول الله - ﷺ - ثم انتقل بعد ذلك إلى الشام فتوفي هو وبعض أفراد عائلته في طاعون عمواس سنة (١٨) هـ وكان عمره ثمانية وثلاثين سنة انظر أسد الغابة (٤/ ٣٧٦ - ٣٧٨).
(٤) انظر تفسير القرطبي (٤/ ٥٧).
(٥) انظر تفسير القرطبي (٤/ ٥٧).
(٦) انظر السنة والشيعة إحسان إلهي ظهير (١٥٦ - ١٥٨).
[ ١ / ٤٢٥ ]
والعدو الذي يتقى شره نوعان:
(١) عدو سبب عداوته على الأغراض الدنيوية، فإذا كانت العداوة بسبب المال أو المنصب أو أذى النفس فهو حق راجع للإنسان نفسه، فإن داراهم بترك بعض حقه لهم فهو جائز، لأن ذلك الترك لا يلحق الدين منه نقصان مباشر (١).
(٢) عدو سبب عداوته الاختلاف في الدين، والعداوة من هذا النوع توجب على المسلم الهجرة من ذلك المكان إلى مكان يستطيع فيه إظهار دين الله، أما إذا لم يستطع لكونه ممن رخص الله لهم من العجزة والنساء والصبيان الذين أذن الله لهم بالبقاء مع الكفار نظرا لأنهم من المستضعفين أو لم يجد مكانا يستطيع أن يتجه إليه ليظهر فيه دين الله، كما هو واقع المسلمين اليوم في عامة بلاد المسلمين، جاز له المكث بين الكفار والموافق لهم ظاهرا بقدر الضرورة مع السعي الجاد لتغيير الواقع الجاهلي الذي يعيش فيه إلى صالح الإسلام والمسلمين، فإن عجز سعى في حيلة للخروج والفرار بدينه من هذه القرية الظالم أهلها، فإن عجز عن الخروج جاز له موافقة الكفار في الظاهر دون الباطن على الأمور القولية، دون الأعمال الفعلية، والموافقة لهم بهذه الشروط حينئذ رخصة، وإظهار ما في قلبه من عزيمة فلو جاهدهم فقتل فهو شهيد كما سيأتي بيان ذلك قريبا بإذن الله تعالى في ثنايا هذا المبحث.
ثانيًا: إن المراد بالآية في قوله تعالى: (إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) الإكراه على التلفظ بكلمة الكفر عندما يكون المسلم بيد الكفار يعذبونه على ذلك، فيجوز أن ينطق بكلمة الكفر ترضية لهم، إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان، وذلك مثل ما حصل مع عمار بن ياسر ﵁
_________________
(١) انظر فتح الباري (٥/ ١٢٤).
[ ١ / ٤٢٦ ]
عندما أجاب الكفار إلى التلفظ بكلمة الكفر بعد تعذيبه واستشهاد والديه، ثم إنه لما قال هذه الكلمة التي طلب الكفار منه أن يقولها أتى بعد قولها وهو يبكي حزنا وغما على موافقتهم فقال له النبي - ﷺ -: «إن عادوا فعد» (١).
ثالثًا: إن المستضعفين بمكة لم يكن منهم مجاراة للكفار في كل ما يريدون بحجة الاستضعاف أو الإكراه، فهم لم يسجدوا لصنم ولم يشربوا خمرا، ولم يرتكبوا فاحشة إرضاء للكفار، وكل ما فعلوه هو أنهم أقاموا مع الكفار في دارهم، مع أنهم أحاطوا أنفسهم بعزلة قولية وفعلية عن الكفار وما يعبدون من دون الله.
أما ما ورد في بعض روايات أسباب النزول من أن سبب نزول قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [النساء: ٩٧] هو أن بعض المسلمين المستضعفين في مكة أجبرهم الكفار على الخروج معهم إلى معركة بدر فقتل عدد منهم فأنزل الله هذه الآية (٢).
فالصحيح أن الذين خرجوا مع الكفار ليسوا من المستضعفين للأسباب الآتية:
١ - إن الكفار لم يكرهوا من خرج من المسلمين مع المشركين في بدر إكراها ملجئا بدليل أن الروايات تذكر عن ابن عباس قوله: أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله - ﷺ - (٣) فأنزل الله قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي (١٠/ ١٨٠).
(٢) انظر الصحيح المسند من أسباب النزول مقبل بن هادي الوادعي (٥١).
(٣) رواه البخاري انظر فتح الباري (٨/ ٢٦٢) كتاب التفسير (٤٥٩٦).
[ ١ / ٤٢٧ ]
ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا) [النساء: ٩٧ - ٩٩].
ولو أكرهوا على ذلك إكراها ملجئا لورد من البيان ما يوضح تلك الحال.
٢ - إن إقامة هؤلاء الذين خرجوا مع الكفار في بدر، إقامة غير شرعية في الأصل، حيث إن الله ﷿ لم يعذر أحدا في الإقامة بدار الكفار سوى المستضعفين، والقادرين على حمل السلاح ليسوا من المستضعفين.
٣ - إنه لو قدر فرضا على أنهم خرجوا مكرهين إكراها ملجئا فإن الواجب عليهم هو الانضمام إلى المسلمين، لأن الإكراه مهما يكن مصدره لا يبيح للمسلم حمل السلاح على أخيه بحجة الإكراه (١) وحيث إن خروج هؤلاء لم يكن مشروعا للأسباب المتقدمة لم يعذرهم الله تعالى ولذلك قال في حقهم: (فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
وقد يقول قائل: إن المسلمين في مكة من غير المستضعفين لم يكونوا معذورين أصلا في البقاء في مكة لإمكان الهجرة إلى المدينة.
لكن ما هو الحكم وما هو المخرج الشرعي للمسلمين الذين يعيشون اليوم تحت ظل حكومات كافرة تدفع بهم في معظم الأحيان إلى محاربة
_________________
(١) انظر فتح الباري (١٢/ ٣١٦، ٣١٧). وانظر التشريع الجنائي الإسلامي، عبد القادر عودة (١/ ٥٦٨). وانظر جامع العلوم والحكم، عبد الرحمن بن رجب الحنبلي (٣٥٤).
[ ١ / ٤٢٨ ]
الإسلام والمسلمين في الداخل والخارج، وهم مكرهون على ذلك، حيث لا يجدون بلدا أو دولة إسلامية تحميهم وتؤويهم وإن وجدوا فلا يستطيعون الخروج إلا بإذن هؤلاء الكفار، وهم لا يسمحون لهم حتى بالتفكير في الخروج فهم بين نارين إما أن يحملوا السلاح في وجه إخوانهم المؤمنين وإما أن يعلنون الرفض والعصيان فيكون مصيرهم الموت على أيدي هؤلاء الكافرين بدعوى الخيانة والعصيان، فما العمل في مثل تلك الحال التي يعاني منها معظم المسلمين اليوم في بلاد الإسلام؟
والجواب كما يظهر لي والله أعلم يتمثل في سلوك أحد الطرق التالية:
(١) إذا كان هناك جماعة مسلمة قائمة منحازة بنفسها في داخل هذه الدولة التي تحارب الإسلام وجب عليه شرعا الانضمام إلى تلك الجماعة والعمل معها بشكل ظاهري أو خفي، ووجب بذل المال والنفس في مناصرتها وتأييدها والجهاد معها، واعتبر التخلي عنها أو خذلانها من التولي يوم الزحف كما أن محاربتها بالفعل بدعوى الإكراه موجب لعذاب النار كما بين الله ذلك في حق من خرج من المسلمين مع المشركين ضد المسلمين في بدر.
(٢) أن يفارق المشركين مفارقة سكن ومقام إذا استطاع إلى ذلك سبيلا فإن لم يستطع فيلجأ إلى المكر بأعداء الإسلام كما فعل نعيم بن سعود ﵁ حين أوقع الفرقة بين الأحزاب، فمن لا يجد جماعة إسلامية منظمة ينضم إليها في بلده ولا يستطيع الخروج إلى بلاد المسلمين ودعي لحرب أناس مؤمنين فعليه أن يمكر بأعداء الله ويعاملهم بنقيض قصدهم ويطعنهم من خلفهم ويقوم بعمل كل ما من شأنه أن يثبطهم ويخذلهم ويلحق الهزيمة الساحقة بهم، وحينئذ يكون جنديا مجاهدا بين صفوف الأعداء وهو في تلك الحال أشد على الأعداء من المؤمنين الذين يعلنون حربهم على الكفر وأهله في شكل مستقل فهو إن صدق في النية مع
[ ١ / ٤٢٩ ]
الله ﷿ أدرك فضل المجاهدين وأصاب المقتل من الكافرين، وحينئذ يظفر بما يظفر به المؤمنون المجاهدون.
(٣) إذا عجز عن الانضمام إلى الجماعة الإسلامية في بلده أو خارج بلده وعجز عن المكر بأعداء الإسلام والمسلمين، وأكرهه أعداء الإسلام على إيذاء المؤمنين وجب عليه شرعا الامتناع عن فعل ما أكره عليه.
حيث قد انعقد الإجماع على أنه لا يجوز للمسلم ولو أكره أن يفدي نفسه بغيره من إخوانه، بل عليه أن يصبر على البلاء ويسأل الله العافية، ولا يحول الظلم عن نفسه إلى غيره من إخوانه المؤمنين (١) وخاصة في مسألة القتل فإنه إن قتل مسلمًا بغير حق شرعي بحجة الإكراه وجب عليه شرعا القصاص (٢) وأثم إثما عظيما، أما الإكراه فيما دون القتل في حق الغير ففيه قولان:
القول الأول: من يرى أن الأفضل في حق المكره في حق الغير أن يأخذ بالعزيمة والشدة وأن يمتنع عن ما أكره عليه وإن ضرب أو قتل أو عذب في ذلك فهو أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة، وهذا القول يقول به أصحاب الإمام مالك ﵏ (٣) حيث يرون أنه إذا اجتمع مبيح ومحرم قدم المحرم (٤).
القول الثاني: هو قول من يرى جواز الأخذ برخصة الإكراه فيما عدا القتل فلا يرى أحد جواز قتل المسلم ظلما بدعوى الإكراه، فالذين يرون جواز الأخذ برخصة الإكراه فيما دون القتل لا يبيحون الأخذ برخصة الإكراه على الإطلاق، وإنما يقولون بدفع أعظم الضررين بأدناهما في حق نفسه.
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي (١٠/ ١٨٢، ١٨٣) وانظر فتح الباري (١٢/ ٣١٦، ٣١٧) وانظر التشريع الجنائي الإسلامي عبد القادر عودة (١/ ٥٦٨).
(٢) انظر المصادر المتقدمة نفس المكان، وانظر أصول الفقه، محمد الخضري (١٠٩).
(٣) انظر تفسير القرطبي (١٠/ ١٨٢، ١٨٣).
(٤) انظر أصول الفقه، محمد الخضري بك (٣٠٧).
[ ١ / ٤٣٠ ]
وحق أخيه الذي أكره على إيذائه بناء على القاعدة الفقهية في دفع أعظم الضررين بأدناهما (١).
رابعًا: إن الحديث الوارد في موضوع الإكراه وهو «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهو عليه» لفظ عام قد ورد تخصيصه بأدلة منها ما يلي:
١ - قول الله تعالى: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: ١٦٤].
فقد أجمع أهل العلم المعتد بهم، أنه لا يجوز للإنسان أن يفتدي نفسه من القتل بقتل غيره من الأبرياء (٢).
٢ - إن حديث إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه حديث في جميع طرقه ضعف وإن كان مشهورا، فقد أنكره الإمام أحمد بن حنبل جدا، وسئل أبو حاتم فقال هذه أحاديث منكرة كأنها موضوعة (٣).
٣ - إن القتل للغير بدعوى الإكراه معارض بالنهي الشديد عن قتل المؤمن لأخيه المؤمن قال تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [آل عمران: ٩٤] وفي الحديث كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا من مات مشركا، أو مؤمن قتل مؤمنا متعمدا (٤).
والمكره على القتل ظلما متعمدا للقتل، عندما يعلم أنه يقتل إنسانا
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي (١٠/ ١٨٢، ١٨٣) وانظر فتح الباري (٥/ ٢٤) وانظر كشف الخفا (٢/ ٢٦٩).
(٢) انظر جامع العلوم والحكم، عبد الرحمن بن رجب الحنبلي (٣٥٤ - ٣٥٥).
(٣) المصدر السابق (٣٥٠).
(٤) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (١/ ٢٤) رقم الحديث (٥١١).
[ ١ / ٤٣١ ]
بغير حق وقد ذكر علماء الأصول أنه إذا اجتمع مصلحة ومفسدة قدم درء المفسدة على جلب المصلحة، وبنوا على ذلك قاعدة أنه لو تعارض مبيح ومحرم قدم المحرم على المبيح (١).
والذي أراه في مثل هذا المقام هو دفع أعظم المفسدتين بأدناهما كما هو مقرر عند عامة العلماء (٢) اهـ.
وعلى القول بصحة حديث: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» فإن الحديث عام قد ورد تخصيصه بما يلي:
(١) قول الله تعالى: (إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) [النحل: ١٠٦].
فقد ذكر هل التفسير أنها نزلت في عمار بن ياسر، وعمار أكره على القول دون الفعل (٣).
(٢) إن الله ﷿ قد ذم الذين خرجوا من المسلمين مع أهل مكة لمحاربة المسلمين في بدر على القول بأنهم خرجوا مكرهين فإن الآية مخصصة للحديث إذ لو كان الإكراه عذرا شرعيا في مثل هذه المسألة لما قال الله في حقهم (أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [النساء: ٩٧].
وخلاصة القول في مسألة الإكراه أن الإكراه ينقسم إلى قسمين وكل قسم ينقسم إلى عدة أقسام، ونظرًا إلى أن معظم هذه الأقسام لا يدخل في موضوعنا هذا فسنقتصر على ذكر ثلاثة أنواع لها صلة بموضوعنا وهي:
(أ) الإكراه المعنوي.
_________________
(١) انظر إرشاد الفحول في علم الأصول للشوكاني (١٢٨٤) (ط دار المعرفة (١٣٩٩» وانظر أصول الفقه، محمد الخضري بك (٣٠٧).
(٢) انظر تفسير القرطبي (١٠/ ١٨٠)، وانظر مجموعة التوحيد (٢٣٧).
(٣) انظر تفسير القرطبي (١٠/ ١٨٠)، وانظر مجموعة التوحيد (٢٣٧)
[ ١ / ٤٣٢ ]
(ب) الإكراه الفعلي في مجال القول.
(ج) الإكراه الفعلي في مجال الأفعال في حق الغير.
أولا: الإكراه المعنوي:
هناك طائفة من الناس ممن يعز عليهم أن يعرضوا أنفسهم وأولادهم وأموالهم، للتضحية في سبيل الله، يقولون بأنهم مكرهين إكراها معنويا على التلفظ بالكفر، وإقراره لأنه يغلب على ظنهم أنهم إذا لم يقولوا الكفر ويقروا بألفاظه، فسوف يتعرضون للأذى والفتنة في أنفسهم وأموالهم وأولادهم، وقد يستدل هؤلاء بقصة عمار بن ياسر التي تقدم ذكرها قريبا (١) ولكن أين هؤلاء من عمار بن ياسر ﵁ الذي تبرأ من المشركين وسبهم وسب دينهم، ومعبوداتهم واستشهدت والدته تحت التعذيب وعذب هو في نفسه عذابا شديدا؟ حتى كان الرسول - ﷺ - يمر بهم وهو يقول: «اصبروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» ومع هذا كله لم يقع من عمار ﵁ إلا موافقة الكفار على قوله واحدة تحت وطأة التعذيب والتهديد ولم ينشرح صدره بقولها بل ذهب إلى رسول الله - ﷺ - وهو يبكي ولم يطمئن إلى تكرار تلك الكلمة أو ما يماثلها عند الكفار ولم يوافقهم في أي فعل من أفعال الكفر، فكيف يحتج بقصة عمار هؤلاء الذين يسارعون بدون إكراه فعلي إلى التملق والمداهنة للكفار وأشباه الكفار وهم لم يطلب منهم ذلك فضلا عن أن يكرهوا عليه؟، ثم إذا ناقشهم أحد بذلك قالوا نحن مكرهون على هذا السلوك.
والصحيح أن الاستجابة القولية والفعلية للكفار من غير إكراه ملجئ غير معتبرة ولا جائزة عند جمهور أهل العلم (٢).
_________________
(١) انظر (٣٩٨) من هذه الرسالة.
(٢) انظر فتح الباري (١٢/ ٣١٥، ٣١٦) وانظر مجموعة التوحيد (٢٩٧).
[ ١ / ٤٣٣ ]
حيث يرى الإمام أحمد بن حنبل وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما لله أن الإكراه لا يكون معتبرا إلا بمباشرة التعذيب، من ضرب أو إرادة قتل أو سجن مغلظ أو نحو ذلك.
أما التهديد اللفظي والمعنوي، من قبل الكفار وأشباههم فلا يكون إكراها فالأسير المسلم إن خشي من الكفار أن يعذبوه أو يسجنوه أو يحولوا بينه وبين امرأته، وأولاده وماله لم يصح له التكلم بكلمة الكفر حتى يحصل الإكراه بالفعل، أما الخوف من أن يحول الكفار بينه وبين أهله وماله أو أن يعذبوه في نفسه فلا يكون ذلك إكراها، لأن الخوف من الشيء قبل وقوعه ليس إكراها (١) ولأنه ما من مسألة من مسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا ويخشى الإنسان أن يصيبه منها أذى، فلو جاز للمسلم أن يترك كل مسألة يخشى الأذى منها لما وجدنا من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويجاهد في سبيل الله.
ثانيًا: الإكراه الفعلي على النطق بألفاظ الكفر:
خصص بعض العلماء الإكراه بأنه رخصة في جواز النطق بكلمة الكفر في الأقوال فقط دون الأفعال عند وجود الشروط اللازمة لذلك وهي:
١ - طمأنينة القلب بالإيمان في موالاة الله ورسوله والمؤمنين ومعاداة أعدائه.
٢ - وجود الإكراه الملجئ بالفعل الحامل للإنسان على إرادة التخلص من أذى الكفار وعذابهم.
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٢٩٧) وانظر تفسير القرطبي (١٠/ ١٨٢، ١٨٣) وانظر زاد المسير في علم التفسير، عبد الرحمن بن الجوزي (٤/ ٤٩٦، ٤٩٧).
[ ١ / ٤٣٤ ]
قال بذلك الحسن البصري والأوزاعي (١) وسحنون (٢) وأحمد بن حنبل وإن كان الإمام أحمد يرى أن الأولى الثبات على الحق ولو قتل على ذلك (٣).
وأما ما ورد عن النبي - ﷺ - أنه أوصى طائفة من أصحابه وقال: «لا تشركوا بالله وإن قطعتم وحرقتم» (٤) فالمراد به الشرك بالقلوب لا بالألفاظ كمثل قوله تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا) [العنكبوت: ٨] وسائر الأقوال متصور عليها الإكراه، ولهذا إذا أكره بغير حق على قول من الأقوال لم يترتب عليه حكم من الأحكام، ولم يؤاخذ به في أحكام الدنيا والآخرة، إذا كان قلبه مطمئمنا بالإيمان وهذا هو الفارق بين المكره والناسي والجاهل (٥).
ثالثا: الإكراه الملجئ على الأفعال التي تخالف الإسلام.
سبق أن أوضحنا في أول هذا المبحث أن العلماء قد أجمعوا على أنه لا يجوز لمسلم أن يقتل مسلما بدعوى الإكراه (٦) أما إيذاء المسلم لأخيه
المسلم فيما دون النفس تحت وطأة الإكراه فالراجح من الأقوال عدم جواز
_________________
(١) انظر ترجمته (١٣٢) من هذه الرسالة.
(٢) هو عبد السلام بن سعيد التنوخي الحمصي الأصل القيرواني المالكي ويلقب بسحنون أبو سعيد ولد سنة (١٦٠) هـ وأصبح فقيها ثم تولى القضاء بالقيروان وارتحل في طلب العلم وسمع من سفيان بن عيينة وغيره، وتوفي في اليوم الخامس من شهر رجب من سنة (٢٤٠) من مصنفاته المدونة الكبرى في الفقه المالكي في أربعة مجلدات، وعليها يعتمد فقهاء القيروان، انظرالبداية والنهاية لابن كثير (١٠/ ٣٢٣) وانظر معجم المؤلفين عمر رضا كحالة (٥/ ٢٢٤).
(٣) انظر تفسير القرطبي (١٠/ ١٨٢، ١٨٣) وانظر زاد المسير في علم التفسير (٤/ ٤٩٦) وانظر الإيمان أركانه حقيقته نواقضه د/ محمد نعيم ياسين (١٩١ - ١٩٤).
(٤) انظر تفسير القرطبي (١٩/ ٢٩٣).
(٥) انظر جامع العلوم والحكم عبد الرحمن بن رجب الحنبلي (٣٥٤، ٣٥٥).
(٦) انظر فتح الباري (١٢/ ٣١٦، ٣١٧) وانظر التشريع الجنائي الإسلامي عبد القادر عودة (١/ ٥٦٨).
[ ١ / ٤٣٥ ]
ذلك، كما هو رأي الذين يرون أن الصبر على الابتلاء أولى من الأخذ بالرخصة وعلى رأس هؤلاء الإمام أحمد بن حنبل ﵀ (١).
وفي رأيي أنه في مثل هذه الحال التي يتعرض فيها المسلم للإكراه في إيذاء أخيه أن يدفع أعظم المفسدتين بأدناهما في حقه وحق أخيه على حد سواء، وهذا على قول من يرى جواز الأخذ بالرخصة أما من يرى أن الصبر على الأذى أولى من دفع الضرر عن النفس ليقع على نفس أخرى بريئة، فأقول: إنه ليس من حق المسلم أن يدفع الضرر عن نفسه بضرر مثله أو أشد منه في حق أخيه، ولكن لو دفع أعظم الضررين بأدناهما سواء في حق نفسه أو حق أخيه لكان ذلك عدلا وإنصافا في حق الاثنين معا بحسب القدرة والاستطاعة فيما دون مسألة القتل (٢).
أما من قتل مؤمنا بدعوى الإكراه فقد احتمل إثما وذنبا كبيرا، قال تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء: ٩٣].
وقد ذهب ابن عباس ﵄ إلى أن المسلم إذا قتل مؤمنا متعمدا لا تقبل له توبة.
وقال الجمهور: إن القاتل للمؤمن عمدا تقبل توبته إذا كانت توبة صادقة، وتوبة نصوحا، واستدلوا على ذلك أن الكفر أعظم من القتل، والتوبة عن الكفر مقبولة فعن القتل أولى (٣)، وعلى كل حال فإن من المرجح قبول توبة القاتل للمؤمن عمدا وإن كان الوعيد في حقه شديدا فقد
_________________
(١) انظر المصدرين السابقين نفس المكان وانظر تفسير زاد المسير (٤/ ٤٩٦).
(٢) انظر التشريع الجنائي الإسلامي (١/ ٥٧٥، ٥٧٦).
(٣) انظر تفسير آيات الأحكام، محمد علي السايس (١٢٦، ١٢٧).
[ ١ / ٤٣٦ ]
أكدت الآية المتقدمة قريبا أن من يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وعليه غضب من الله ولعنة وله عذاب عظيم، ووردت أحاديث بهذا المعنى وإن كان في طرقها ضعف مثل حديث: «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله ﷿ مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله» (١). وحديث: «يجيء المقتول ظلما يوم القيامة معلقا رأسه بإحدى يديه إما بشماله وإما بيمينه أخذا صاحبه بيده الأخرى تشخب أوداجه حيال عرش الرحمن يقول: يا رب سل عبدك هذا علام قتلني»، يقول ابن عباس فما جاء بعد نبيكم نبي، ولا نزل كتاب بعد كتابكم (٢) ولهذا ذهب ابن عباس إلى القول بعدم قبول توبة من يقتل مؤمنا متعمدا وقد ذكرنا أن الراجح هو قبول التوبة، ولكن على كل حال فإن الوعيد في هذه المسألة شديد فيجب على كل مسلم أن ينشد الحيطة والسلامة لنفسه في دنياه وأخراه فلا يقتل مسلما ولا يعين على قتل مسلم بغير حق سواء بالقول أو الفعل حتى ولو أكره على ذلك فإن الإكراه في مسألة القتل لا يعفى من المسئولية الجنائية ولذلك اختلف الفقهاء في أمثال هذه الحال، هل يكون القصاص على الآمر أم على المأمور أم عليهما جميعا؟ وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال هي:
١ - قول جمهور الفقهاء أن القصاص على الآمر والمأمور على حد سواء لاشتراكهما في جريمة القتل، وهو قول مالك والشافعي والمشهور عن أحمد (٣).
٢ - قال جماعة يجب القود والقصاص على الآمر دون المأمور، لأن المكره صار كالآلة في يد الآمر، وهذا القول هو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي (٤).
_________________
(١) تفسير آيات الأحكام، محمد على السايس (١٢٦، ١٢٧) وانظر سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني (٢/ ١، ٢) رقم الحديث (٥٠٣).
(٢) انظر تفسير آيات الأحكام محمد علي السايس (٢/ ١٢٦، ١٢٧).
(٣) انظر جامع العلوم والحكم، عبد الرحمن بن رجب الحنبلي (٣٥٤، ٣٥٥).
(٤) انظر المصدر السابق المكان نفسه وانظر تفسير القرطبي (١٠/ ١٨٢، ١٨٣).
[ ١ / ٤٣٧ ]
٣ - قول زفر (١) إن القصاص على المأمور وحده دون الآمر لأنه قادر على الامتناع وهو إثم بالاتفاق (٢) من الجميع.
والذي نرجحه في هذه المسألة هو أن القصاص على الآمر والمأمور جميعا، لأن الآمر وهو صاحب السلطة والولاية، أمر ظلما وهو خلاف ما يجب عليه، وذلك إثم يؤاخذ عليه، والمأمور نفذ هذا الظلم وأجراه بفعله، وهو كذلك يؤاخذ على تنفيذ الظلم وإجرائه، ومن يحتج بأن العقوبة على الآمر دون المأمور بقوله تعالى: (إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) فالجواب أن لا تقية في الأعمال ولا إكراه عليها كما تقدم بيان ذلك (٣).
فماذا يعمل جلادو الطغاة وزبانيتهم الظالمون حيال هذه النصوص العظيمة من الوعيد لمن آذى مسلما، وبأي وجه يقدمون على الله، وأيديهم تقطر من دماء الأبرياء والمظلومين، والمقهورين بغير حق، أيظن أولئك أن الله غافل عما يعملون؟ قال تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ) [إبراهيم: ٤٣] وقال تعالى: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي
_________________
(١) هو زفر بن الهذيل بن قيس العنبري أبو الهذيل فقيه، تفقه على أبي حنيفة له مصنفات مات سنة (١٥٨) هـ انظر معجم المؤلفين عمر رضا كحالة (٤/ ١٨١).
(٢) انظر جامع العلوم والحكم عبد الرحمن بن رجب الحنبلي (٣٥٤، ٣٥٥) وانظر أصول الفقه محمد الخضري بك (١٠٦، ١٠٨).
(٣) المصدر السابق نفسه.
[ ١ / ٤٣٨ ]
ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ) [فصلت: ١٩ - ٢٤].
وقد اختلف العلماء عند حصول الإكراه على الشخص أيهما أفضل في حقه الأخذ بالرخصة فيما أكره عليه، أم الصبر على الأذى وعدم تنفيذ ما أكره على فعله ولو أدى ذلك إلى استشهاده؟ وفي هذه المسألة قولان:
القول الأول: من يقول إن الأخذ برخصة الإكراه أولى من الصبر على الأذى، قال بذلك ابن مسعود ﵁ حيث يروي عنه أنه قال: «ما من كلام يدرأ عني سوطين من أذى سلطان إلا كنت متكلما به» (١) اهـ ..
وقال بعض أهل العراق إن الشخص إذا تهدد بقتل أو قطع أو ضرب يخشى منه التلف فالأولى له أن يفعل ما أكره عليه فيما لا يتعلق بحق الغير، مثل أن يكره على شرب خمر، أو أكل لحم الخنزير فإن لم يفعل حتى قتل خفنا أن يكون آثما لأنه في هذه الحال كالمضطر لأكل الميتة وشرب الماء النجس (٢).
ولو ترك المضطر أكل الميتة أو شرب الماء النجس حتى مات لأثم في ذلك.
وقال ابن العربي: إن التلفظ بالكفر عند الإكراه عليه ناسخ لآيات وأحاديث المصابرة على العذاب اهـ.
فهو يستوي عنده الأمران، التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه عليها، أو الصبر على العذاب حتى القتل ويكون قتله شهادة (٣).
القول الثاني: قول من يقول إن الصبر على الأذى وتحمل القتل أو
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي (١٠/ ١٨٢، ١٨٣).
(٢) انظر المصدر السابق (١٠/ ١٨٨).
(٣) انظر أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ١١٦٥ - ١١٧٠).
[ ١ / ٤٣٩ ]
الضرب أو الحبس أولى من الأخذ بالرخصة وإجابة الطالب إلى ما طلب من محرم تحت وطأة الإكراه، وقد استدل أصحاب هذا القول بحديث رسول الله - ﷺ - الذي رواه خباب بن الأرت ﵁ قال: شكونا إلى رسول الله - ﷺ - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون (١).
ففي هذا الحديث وفي قصة بلال، ووالدي عمار سمية وياسر وقصة خباب بن الأرت في بطحاء مكة، وخبيب بن عدي وقصة أصحاب الأخدود وقصة الإمام أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم ممن صبروا على العذاب في سبيل الله أكبر دليل على أن الصبر على الأذى أولى لمن وثق من نفسه في قوة التحمل وصلابة العقيدة (٢).
إن قمة الإيمان تتمثل بأولئك الذين بلغوا القمة في الصبر والتضحية واليقين، ولم يدفعهم الخوف أو الإكراه إلى تنفيذ أوامر الطغاة والظلمة والمجرمين فلم يهرولوا أمام أعداء الإسلام ويلهثوا تحت أقدامهم، ويكيلوا لهم المدح الكاذب وينفذوا أوامرهم في معصية الله، فما ظنك بمن ينفذ
_________________
(١) رواه البخاري انظر فتح الباري (١٢/ ٣١٦) باب الإكراه.
(٢) انظر المغني والشرح الكبير (١٠/ ١٠٧) وانظر تفسير القرطبي (١٩/ ٢٨٦ - ٢٩٤) وانظر في ظلال القرآن، سيد قطب (م٨/ج ٣٠/ ٥٢٨ - ٥٣٠) وانظر أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (٢/ ٩٨ - ١٠٠) وانظر تفسير الأحكام، محمد على السايس (٣/ ٥٤، ٥٥) وانظر روائع البيان في تفسير آيات القرآن محمد علي الصابوني (١/ ٤٠٢، ٤٠٣).
[ ١ / ٤٤٠ ]
أوامر الطغاة وهو لم يضرب سوطا في سبيل الله؟ كيف لو ضرب أو منع راتب شهر واحد ماذا يفعل بالإسلام والمسلمين؟
إن مفهوم الإكراه قد اعتراه شيء من الغبش وسوء التصور عند بعض المسلمين حتى أصبح هذا الأمر مشجبا يعلق عليه المتخاذلون في نصرة الإسلام والمسلمين كل أسباب التخاذل والقصور في شأن الموالاة والمعاداة في الله، وقد أوضحنا المفهوم الصحيح للإكراه بما فيه الكفاية كما أعتقد، والله الهادي إلى سواء السبيل.
[ ١ / ٤٤١ ]
الفصل الخامس: العملاء الذين يوالون الأعداء للمصلحة الشخصية
العملة باطنة الرجل في الشر (١) والعملة السرقة والخيانة (٢) والعميل هو من يعامل غيره في شأن من الشئون والجمع عملاء (٣) وقد استطاع أعداء الإسلام نظرا لجهودهم المتواصلة ونظرا لبعد كثير من المسلمين عن التمسك بالإسلام قولا وفعلا أن يتخذوا من مدعي الإسلام عملاء لهم ودمى يحركونها ضد الإسلام والمسلمين وقد تعاون اليهود والنصارى والملحدون الوثنيون على شراء ذمم بعض المنتسبين إلى الإسلام اسما لا حقيقة بغية مساعدة هؤلاء الكفار في هدم الإسلام وتجزئة المسلمين، وقد نجح هؤلاء في تكوين العملاء الذين يعملون كأجراء لروسيا الشيوعية أو يعملون لحساب التحالف اليهودي الصليبي فمعظم الدول في البلاد الإسلامية إما عميلة لروسيا الشيوعية، أو للدول الغربية في أوروبا أو أمريكا ولذلك تجدهم
_________________
(١) انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي (٤/ ٢١).
(٢) المصدر السابق (٤/ ٢٢).
(٣) انظر المعجم الوسيط (٢/ ٦٣٤).
[ ١ / ٤٤٣ ]
يختلفون في كل لقاء قمة بينهم تبعا لاختلاف الولاء والانتماء للدول الكبرى فهم يعلنون استقلالهم في الظاهر وهم عبيد أرقاء، وعملاء أجراء، في حقيقة الأمر والواقع، حيث باعوا أنفسهم لأعداء دينهم وأمتهم بثمن بخس زهيد مقابل دراهم معدودة، ومنافع محدودة، ومناصب موعودة، وشهوات مبذولة ومتع مرذولة، وشهرة ثمنها الخيانة والردة عن الإسلام، وهؤلاء العملاء تختلف تخصصاتهم ومراكزهم في الأمة، فمنهم حكام ظالمون يحاربون الفضيلة وينشرون الرذيلة ومنهم سياسيون ينفذون سياسة أعداء الإسلام في عزل المسلمين والقضاء عليهم، ومنهم خبراء ماليون ينفذون خطط أعداء الإسلام عن طريق المصالح المالية، إما بتطبيق النظام الرأسمالي الغربي بما فيه من ربا واحتكار واستغلال، أو بالتلويح بالاشتركية وتأميم الأمور الخاصة والعامة.
ومنهم عسكريون ينفذون خطط أعداء الإسلام في تعويد الجنود على الطاعة العمياء وعبادة أشخاص الحكام والانهماك في لذة الكأس والجنس، والحيلولة بين أهل الإيمان وبين الوصول إلى قطاعات القوات المسلحة حتى لا يكون بيد أهل الحق سلاح يدافعون به عن حقهم (١).
ومنهم إعلاميون ينفذون خطط أعداء الإسلام، من خلال الكلمة المكتوبة ومن خلال المقالة المسموعة ومن خلال الصورة المرئية، وعمالة أهل الإعلام لأعداء الإسلام أشد من غيرها نظرا لتأثير الإعلام على كل إنسان وكل بيت ولذلك تجد العملاء لأعداء الإسلام من الإعلاميين يحرصون على نشر الفاحشة في الذين آمنوا من خلال الكلمة والصورة فما من مشهد من المشاهد المرئية إلا والتركيز على الجنس ظاهر فيها بشكل ظاهر أو خفي، ويستعملون لهذه الغاية الدنيئة كل الحيل والمبررات التي تجعل عملهم هذا مستساغا مقبولا عند عامة الناس حتى يتدرجوا بالناس خطوة خطوة إلى عقر الرذيلة ونهايتها.
_________________
(١) انظر أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها عبد الرحمن الميداني (١٩ - ٢٢).
[ ١ / ٤٤٤ ]
ومنهم جواسيس يتجسسون على أهل الإسلام والإيمان يتظاهرون بالصلاح والتقوى والزهد والورع وهم في حقيقتهم وواقع أمرهم يعملون جواسيس لأعداء الإسلام، والذين يتجسسون على المسلمين، فيهم شبه باليهود المنافقين الذين كانوا يتجسسون على المسلمين بالمدينة المنورة، لينالوا من الإسلام وأهله، فقد تظاهر بعض اليهود بالدخول في الإسلام والالتزام به، ولكنهم في حقيقة الأمر منافقون، ومن هؤلاء: داعس، وسعد بن حنيف، وزيد بن اللصيت، ورافع بن حريملة، وغيرهم وقد قال رسول الله - ﷺ - عن رافع يوم مات: اليوم مات منافق عظيم (١) اهـ.
وقد كان هؤلاء يتخذون المسجد وحلقات العلم مجلسا لهم ليتسقطوا أخبار المسلمين، ويطلعوا على أسرارهم، وينقلوا ذلك إلى حلفائهم من المشركين، ولكن المسلمين شكوا في تهجدهم وفي أفعالهم فراقبوهم حتى ظهر منهم ما ينقل الشك إلى اليقين، فانقض عليهم المسلمون وأخرجوهم من المساجد وأنفذوا فيهم حكم الله (٢).
وكون المسلم يمتهن مهنة التجسس على المؤمنين لصالح الكافرين وإخوان الكافرين جريمة كبيرة وخيانة عظمى، وهو حينئذ يضع نفسه في مصاف اليهود والمنافقين لأنهم هم الذين كانوا يتعاملون مع المسلمين بهذا الأسلوب الماكر الخبيث، وهذا العمل مضر بالإسلام والمسلمين من طريقين.
الأول: أن استباحة المسلم للتجسس على أهل الإسلام وخاصة المعروفين بالصلاح والتقوى والاستقامة لصالح حكام لو حوكموا بحكم الشرع لوجب قتل الكثير منهم لخروجهم عن الإسلام بالردة والكفر، فلا يليق بمسلم يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر أن يفعل ذلك لأن تولي الكفار
_________________
(١) انظر مقارنة الأديان (١) اليهودية د. أحمد شلبي (٣٢٢، ٣٢٣).
(٢) المصدر السابق نفس المكان وانظر أسد الغابة في معرفة الصحابة (٢/ ٢٣٩، ٢٤٠).
[ ١ / ٤٤٥ ]
كفر وموالاة من يتولاهم كذلك كما هو واضح من الأدلة في الكتاب والسنة التي تقدمت في أول هذه الرسالة (١) وقد ورد في الحديث الصحيح الذي منه «لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف» (٢) والتجسس على المؤمنين لصالح الطواغيت والمجرمين معصية كبيرة وإثم عظيم، كيف لا وقد نهى الله ﷿ عن التجسس على المؤمنين بما هو دون ذلك؟ قال تعالى: (وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) [الحجرات: ١٢] وفي الحديث عن رسول الله - ﷺ - قال: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا، ولا تباغضوا، وكونوا إخوانا» (٣).
وفي رواية أخرى تتمة لهذا الحديث: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره» (٤) وأي ظلم وخذلان واحتقار أشد من تجسس المسلم على أهل الإسلام، إن الفاعل لذلك قد جمع بين صفتين من صفات الذم الشنيع والكفر الصريح.
الأولى: إنه شابه اليهود الذين يحضرون مجالس الذكر ويدعون الإسلام لمعرفة أسرار المسلمين والوقيعة بهم كما حصل من الأشخاص الذين تقدم ذكرهم وكما حصل من ابن سبأ وأعوانه من دس على الإسلام والمسلمين.
الثانية أن الذين يتجسسون على المسلمين بظهورهم بمظاهر الصلاح والتقوى مع أنهم يبطنون الولاء للكفار وأشباه الكفار هؤلاء منافقون وهم الذين قال الله فيهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا
_________________
(١) انظر (٥٧ - ١٠٦) من هذه الرسالة.
(٢) رواه مسلم في صحيحه (٣/ ١٤٦٩) ورواه البخاري انظر فتح الباري (١٣/ ٢٠٣) ورواه أحمد في مسنده (٣/ ٦٧).
(٣) رواه البخاري انظر فتح الباري (٩/ ١٩٨).
(٤) رواه البخاري ومسلم، انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين (٢/ ١٠٨٠) رقم الحديث (١٥٧٢).
[ ١ / ٤٤٦ ]
هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) [البقرة: ٨ - ١٠] وقد قال الله ﷿ في شأنهم (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) [النساء: ١٤٥] فمثل هذا العمل هو منتهى العداء للمؤمنين والتولي للكافرين، وهو غاية التعاسة وقمة الضلال والانحراف أعاذنا الله من مضلات الفتن ومزالق الانحراف.
فقد روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها من جهنم، ومن اكتسى برجل مسلم ثوبا، فإن الله يكسوه مثله من جهنم، ومن قام برجل مسلم مقام سمعة، فإن الله يقوم به مقام سمعة يوم القيامة» (١).
وعن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة عبد أذهب آخرته بدنيا غيره» (٢).
ويقول ابن القيم ﵀:
ويا موقدا نارا لغيرك ضوءها وحر لظاها بين جنبيك يضرم
أهذا جني العلم الذي قد رضيته لنفسك في الدارين جاه ودرهم (٣)
_________________
(١) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (٢) رقم الحديث (٩٣٤).
(٢) انظر سنن النسائي (٢/ ١٣١٢) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي طبع عيسى الحلبي عام ١٣٧٢هـ ١٩٥٢.
(٣) انظر موارد الظمآن لدروس الزمان تأليف عبد العزيز بن سلمان (٢/ ١٠/ ٧٤٠).
[ ١ / ٤٤٧ ]
ويقول الشاعر:
لا تقنطن فإن الله ذو كرم وما عليك إذا تلقاه من بأس
إلا اثنتين فلا تقربهما أبدا الشرك بالله والإضرار بالناس (١)
وقد سأل سليمان بن عبد الملك (٢) رجلا من أهل العلم والعمل يقال له أبو حازم (٣) أسئلة كان منها: من أحمق الناس يا أبا حازم؟ فقال أبو حازم: من حط نفسه في هوى رجل ظالم فباع آخرته بدنياه (٤) وقد نصح رجل المتوكل عندما قرب أهل الذمة وولاهم بعض الأعمال التي كان يجب أن يتولاها المسلمون فقال له ضمن كلام طويل وإن أخسر الناس صفقة يوم القيامة من أصلح دنيا غيره بفساد آخرته (٥) وهكذا يفعل من يتجسس
_________________
(١) انظر عين الأدب والسياسة وزين الحسب والرياسة، تأليف أبي الحسن بن علي بن الهذيل (٤٠).
(٢) هو سليمان بن عبد الملك الخليفة الأموي ولد عام (٦٠) هـ بويع بالخلافة بعد موت أخيه الوليد بن عبد الملك وكان ذلك سنة (٩٦) هـ وقد توفي سليمان بدابق من أرض قنسرين يوم الجمعة لعشر ليالي خلت من صفر سنة (٩٩هـ -٧١٧) م. انظر البداية والنهاية لابن كثير (٩/ ١٦٦ - ١٨٣). وانظر دائرة المعارف الإسلامية (١٢/ ١٧٣، ١٧٤).
(٣) هو هاشم بن بشير بن أبي حازم أبو معاوية السلمي الواسطي كان أبوه طباخا للحجاج بن يوسف ثم بعد ذلك يبيع الكوافخ أي ما يؤتدم به وكان يمنع ابنه من طلب العلم ليساعده على شغله، فأبى الابن إلا أن يسمع الحديث، ومرض هاشم فجاء أبو شيبة قاضي واسط عائدا له، ومعه خلق كثير، فلما رأى والده ما بلغ من أمر ابنه سمح له بطلب الحديث فكان هاشم من سادات العلماء، حدث عنه مالك وشعبة والثوري وأحمد بن حنبل، وخلق كثير كان من الصلحاء العباد وقيل إنه مكث يصلي الصبح بوضوء العشاء قبل موته بعشر سنين، توفي سنة (١٠٨٦) انظر البداية والنهاية لابن كثير (١٠/ ١٨٣، ١٨٤).
(٤) انظر حقوق الإنسان في نظر الشريعة الإسلامية د. عبد السلام الترمانيني (٣٤، ٣٥).
(٥) انظر أحكام أهل الذمة، ابن قيم الجوزية (١/ ٢٢١).
[ ١ / ٤٤٨ ]
على المسلمين يصلح دنيا الطواغيت وحكام السوء مقابل دريهمات قليلة فيفسد على نفسه آخرته باستحقاقه للعذاب الأليم.
وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: لما ذكر الظلمة: «من صدقهم بكذبهم وأعان على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولا يرد عليَّ الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني، وأنا منه وسيرد علىَّ الحوض» (١).
الثاني: إن من سيئات التجسس على المؤمنين، أن امتهان هذه المهنة يشيع بين المسلمين فقدان الثقة والشك الدائم بمن حولهم من أهل الخير فتضعف الموالاة ويقل الإخلاص بين المؤمنين بسبب ذلك وربما انقطعت الموالاة والصلة بين الإخوة المؤمنين نتيجة لبعض الشكوك التي يحدثها الظن السيئ والحذر المفرط وهذا من أهم مقاصد الأعداء في زرع الشكوك وإحداث البلبلة بين المسلمين وحكم من يتجسس على المسلمين لصالح أعداء الإسلام وهو القتل (٢) كما فعل الرسول - ﷺ - في معاوية بن المغيرة بن أبي العاص حيث أمر الرسول - ﷺ - زيد بن حارثة وعمار بن ياسر أن يتعقباه ويقتلاه فوجداه على بعد ثمانية أميال من المدينة، المنورة فقتلاه رميا بالنبل (٣).
وكما فعل عمر بن الخطاب ﵁ مع درباس، الذي كان يخاطب المشركين بعورات المسلمين، فصلبه ابن الجارود، فصاح: يا عمراه ثلاث مرات، فأرسل إليه عمر فلما جاءوا به أخذ عمر الحربة فعلا بها لحيته وقال: لبيك يا درباس (٤) ثلاث مرات، فقال: لا تعجل إنه
_________________
(١) انظر السنة في الإسلام أو وظيفة الحكومة الإسلامية ابن تيمية (٧) ورواه الترمذي والنسائي انظر جند الله سعيد حوى (٣٩١).
(٢) انظر تفسير القرطبي (١٨/ ٥٢، ٥٣) وانظر الدرر السنية (١/ ٢٣٦).
(٣) انظر غزوة أحد محمد أحمد باشميل (٢٧٩ - ٢٨٠).
(٤) انظر أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ١٧٧٠ - ١٧٧٢).
[ ١ / ٤٤٩ ]
كاتب العدو وهم بالخروج إليهم فقال قتلته على الهم وأينا لا يهم؟ فلم يره عمر موجبا للقتل ولكنه أنفذ اجتهاد ابن الجارود فيه (١).
إن تتبع المؤمنين والتجسس عليهم والتظاهر بالتقوى والصلاح من أجل الوقيعة بهم، جريمة عظيمة وإثم كبير وقد يكون فاعل ذلك كافرا مرتدا إذا استباح تتبع أسرار المؤمنين وإفشاء خطط الإصلاح التي يقصدونها وتعمد الوقيعة بهم لحساب فئة كافرة ظالمة، مع محبته لظهور تلك الفئة الكافرة على أهل الحق، واستعلاء الكفر على الإسلام.
قال رسول الله - ﷺ - «ما من امرئ مسلم يخذل امرءا مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله تعالى في مواطن يحب فيها نصرته، وما من امرئ ينصر امرءا مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله ﷿ في مواطن يحب فيها نصرته» (٢) وقد ورد في حديث آخر «يامعشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته» (٢).
هذه الأحاديث كلها وعيد لمن يتتبع عورات المسلمين ويتجسس عليهم لصالح الكفار الأصلاء أو الكفار العملاء من المرتدين والمنافقين، أما التجسس لصالح المسلمين على الكفار والطغاة الظالمين فمستحب وقد يكون واجبا إذا عين الحاكم المسلم العدل ذلك على فرد من أفراد المسلمين أو جماعة منهم، كما فعل حذيفة بن اليمان ﵁ حيث تسلل بأمر الرسول - ﷺ - إلى صفوف الكفار ونقل صورة صادقة عن أحوالهم وانهيار عزيمتهم وعزمهم على الرحيل، وذلك في غزوة
_________________
(١) ، ٢) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب (٤/ ٢٧١) رقم الحديث (٤٨٨٤) وقال الألباني حديث حسن انظر صحيح الجامع الصغير (٥/ ١٦٠/ ٥٥٦٦).
(٢) المصدر السابق (٤/ ٢٧٠) رقم الحديث (٤٨٨٠).
[ ١ / ٤٥٠ ]
الأحزاب (١) هذا الصحابي وأمثاله نموذجا فريدا للعين المسلمة وللباحث الحقيقي الذي يجعل مصلحة الإسلام والمسلمين فوق كل اعتبار ولكن للأسف الشديد أن هذا النوع قد انقطع وانعكس المفهوم فأصبح كثير من رجال المباحث والاستخبارات في بلاد المسلمين همهم كله منصب على حماية شخص الحاكم وأفراد حكومته المقربين وإن كان هذا الحاكم وتلك الحكومة كافرة خارجة على الإسلام والمسلمين.
لقد تحول رجال المباحث والاستخبارات في أغلب الدول المنتسبة إلى الإسلام إلى وحوش كاسرة وكلاب نتنة تنهش لحوم المؤمنين، الاتقياء الانقياء الأبرياء بلا خوف ولا خجل ولا حياء من الله (٢).
لقد أصبح معظم هؤلاء ينظر إلى السلطة الحاكمة بأنها إله يعبد من دون الله، فيقدمون رضاها على رضى الله، وأمرها على أمر الله ورسوله.
إن تقديس الزعامات الكافرة والمرتدة عن الإسلام موالاة لأعداء الله كما أن محاربة المؤمنين بالله، معاداة لله ورسوله والمؤمنين، وأغلب الذين يوالون الزعامات الكافرة إنما يفعلون ذلك من أجل مالها ومناصبها وجاهها وهذا لا ينفعهم في مقياس الإسلام شيئا قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) [الأحزاب: ٥٧، ٥٨].
وأي أذى أشد من العمالة لأعداء الإسلام والخيانة للمسلمين؟ (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور: ٦٣].
_________________
(١) انظر غزوة الأحزاب محمد أحمد باشميل (٢٦٤).
(٢) انظر نافذة على الجحيم وانظر البوابة السوداء أحمد رائف وانظر القابضون على الجمر، محمد نور رياض، وانظر مذبحة الإخوان في ليمان طرة جابر رزق.
[ ١ / ٤٥١ ]
تم الجزء الأول
ويليه
الجزء الثاني
إن شاء الله
[ ١ / ٤٥٢ ]