وتحت هذا الباب أربعة فصول هي كالتالي:
١ - الفصل الأول: منهج التعامل مع الكفار.
٢ - الفصل الثاني: مظاهر الولاء للكفار.
٣ - الفصل الثالث: الآثار المترتبة على موالاة الكفار.
٤ - الفصل الرابع: واقع المسلمين اليوم من موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
الفصل الأول: منهج التعامل مع الكفار
وتحته المباحث التالية:
١ - المبحث الأول: الإسلام بين دعوى التعصب والتسامح مع الكفار.
٢ - المبحث الثاني: مفهوم الحرب والسلم في الإسلام.
٣ - المبحث الثالث: تعامل المسلمين مع أهل الذمة والعهد في دار الإسلام.
٤ - المبحث الرابع: تعامل المسلمين مع الكفار المحايدين.
٥ - المبحث الخامس: تعامل المسلمين مع الكفار المحاربين.
- الفرع الأول: المحاربون من أهل الأوثان.
- الفرع الثاني: المحاربون من اليهود.
- الفرع الثالث: المحاربون من النصارى.
[ ٢ / ٥٩١ ]
المبحث الأول: الإسلام بين دعوى التعصب والتسامح مع الكفار
قد يتبادر إلى ذهن البعض منا، من خلال ما تقدم عرضه في موضوع الموالاة والمعاداة في الإسلام، أن الإسلام يأمر بالانطواء والعزلة عن غير المسلمين، وأنه يربي أتباعه على إضمار الحقد والكراهية لغير المسلمين وأن أتباعه يتعصبون لأنفسهم وأهل عقيدتهم، دون أن يراعوا حقوق الطوائف الأخرى، ولا شك أن هذا الفهم الخاطئ مبعثه الجهل أو الحقد الدفين في النيل من الإسلام والمسلمين، وإلا فالحقيقة أنه لم يوجد مبدأ من المبادئ في الكون كله وعبر تاريخه الطويل تسامح مع أعدائه وعاملهم بالعدل مثل الدين الإسلامي، وهذا القول ليس مجرد ادعاء وإنما هو واقع يشهد له التاريخ وتبرهن عليه الأحداث فالرسول - ﷺ - عندما أقام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة كان فيها ثلاث قبائل من اليهود، هم بنو قريظة، وقنو قينقاع، وبنو النضير، فلو كان الرسول بغير هذه الصفة لما احتاج أن يوقع معهم معاهدة تعاون وحسن جوار، ولأمكنه أن يفعل بهم مثل ما يفعل الشيوعيون بالمعارضين لهم في روسيا وتشيكوسلفاكيا وغيرها من بلدان
[ ٢ / ٥٩٣ ]
العالم، وأن يضعهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التبعية المطلقة أو الموت ومن يطالع نصوص المعاهدة بين الرسول - ﷺ - واليهود يعلم علم اليقين أن الإسلام عادل مع أهل الكتاب فقد ورد في الوثيقة النبوية المبرمة بين المهاجرين والأنصار التي وادع فيها الرسول - ﷺ - اليهود ما نصه (لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم وإن بينهم النصر على من حاربهم، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وإن من خرج آمن ومن قعد آمن إلا من ظلم أو أِثَم) (١). وفي فتح مكة دليل واضح وبرهان ساطع على تسامح الإسلام ورحمته حتى بأعدائه، فهل عرف التاريخ أن جماعة غلبت على أمرها وطردت من بلدها، وأوذيت في نفسها ومالها، فلما استطاعت العودة إلى ديارها، وتمكنت من رءوس أعداءها، لم تمتد يدها إلى عدوها بسوء، ولم تأخذ منه بثأر؟ وهل عرف في التاريخ أن عدوين يلتقيان بعد طول صراع مرير مخضب بالدماء فلا يكون في لقائهما شحناء ولا بغضاء؟
إنما روح الإسلام الخالدة، التي لا تنتصر للنفس والذات بقدر ما تنتصر للإسلام، إنها القيادة الرحيمة، حتى بمن كانوا بالأمس أعداءها، لقد اجتمعت قريش حول الرسول - ﷺ - في ذهول واستسلام، وفي داخل كل نفس صراع من الخوف والرجاء، حتى هتف فيهم رسول الله - ﷺ -: «ما تظنون أني فاعل بكم؟». قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. فقال لهم رسول الله - ﷺ -: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
هذا كل الحساب بين الجيش الزاحف المنتصر وبين أهل مكة المستسلمين (٢).
_________________
(١) انظر تهذيب سيرة ابن هشام/ عبد السلام هارون ص١٤٠ - ١٤٣. وانظر تاريخ الإسلام السياسي د/ حسن إبراهيم ج١ ص١٠٢. وانظر البداية والنهاية لابن كثير ج٣ ص٢٢٤ - ٢٢٥.
(٢) انظر موسوعة التاريخ الإٍسلامي/ أحمد شلبي ج١ص٣٤٢. وانظر فتح مكة/ محمد أحمد باشميل ص٢٩٦.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
إنه رسول الله - ﷺ -، الداعية الذي لا يجد الحقد على مقاوميه إلى نفسه سبيلا، فقد مَنَّ عليهم بعد كفاح دام بينه وبينهم إحدى وعشرين سنة، لم يتركوا فيها طريقًا للقضاء عليه وعلى أتباعه وعلى دعوته إلا سلكوه، فلما تم له النصر عليهم وفتح عاصمتهم، لم يزد أن استغفر لهم وأطلق حريتهم، إن هذا لا يصدر إلا عن رسول كريم لم يرد بدعوته ملكًا ولا سيطرة، وإنما أراد الله له أن يكون هاديًا وفاتحًا للعقول والقلوب (١).
وفي كتاب كتبه النبي - ﷺ - لأساقفة نجران قال فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي للأسقف أبي الحارث، وأساقفة نجران وكهنتهم ورهبانهم وكل ما تحت أيديهم من قليل وكثير! جوار الله ورسوله لا يغير أسقف من أسقفته، ولا راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته، ولا يغير حق من حقوقهم، ولا سلطانهم ولا ما كانوا عليه من ذلك. جوار الله ورسوله أبدًا ما أصلحوا ونصحوا عليهم غير مبتلين بظلم ولا ظالمين» (٢).
وهذا الكتاب يبين مدى التسامح مع النصارى واحترام حقوقهم وأنهم لا يظلمون ولا يُظْلَمون، وقد سار على ذلك خلفاءُ رسول الله - ﷺ - وصحابته الكرام فهذا عمرو بن العاص (﵁) عندما فتح المسلمون مصر كتب بيده أمانًا للبطريق بنيامين ورده إلى كرسيه بعد أن تغيب عنه زهاء ثلاثة عشرة سنة، وأمر عمرو باستقباله عندما قدم من الإسكندرية أحسن استقبال (٣). وعندما تمكن القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي من دحر الصليبيين بعد تسعين سنة من مجازر الغدر والخيانة والفساد في الأرض لم يعاملهم بالمثل، إذ إنه لما أسلمت له الحامية النصرانية، أمنهم على حياتهم، وكانوا أكثر من مائة ألف نسمة وسمح لهم بالخروج في أمان
_________________
(١) انظر السيرة النبوية دروس وعبر د/ مصطفى السباعي ص٢٣٠ - ١٣١.
(٢) انظر البداية والنهاية لابن كثير ج٥ ص٥٥، وانظر حياة الصحابة ج١ ص١٢٣.
(٣) تاريخ الإسلام السياسي/ حسن إبراهيم ج١ ص٢٤٠.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
وسلام وأعطاهم مهلة أربعين يومًا للخروج وقام بمداواة جرحاهم وتمريض مرضاهم وسمح لهم بحمل ما يحملون من أموال منقولة (١).
وعندما هجم قائد التتر قطلوه شاه على دمشق وأسر عددًا من المسلمين والذميين من اليهود والنصارى، ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية (﵀) معه جمع من العلماء وطلبوا فك الأسرى فسمح لهم قائد التتر بأسرى المسلمين دون غيرهم فرفض الشيخ ومن معه وقالوا: لا بد من افتكاك جميع الأسرى هم أهل ذمتنا، ولا نرضى ببقاء أسير من أهل الملة ولا من أهل الذمة، فإن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، فأطلق القائد التتري جميع الأسرى، وقد تكرر هذا الموقف من شيخ الإسلام ابن تيمية (﵀) عندما كتب رسالته إلى ملك قبرص سراجون لافتكاك أسرى المسلمين وأهل الذمة من رعايا الدولة الإسلامية (٢).
ومن هذا العرض الموجز يتضح أن الإسلام يقف مع الكفار موقفًا معتدلًا، في السماحة من غير ذل وهوان، فأصحاب الإسلام لا تنطوي ضمائرهم على الغل والحقد والكراهية والدس والمكر بالآخرين، فبسماحة الإسلام يتعامل المسلم مع الناس جميعًا على أساس العدل والاحترام المتبادل دون أن يكون ذلك على حساب الاستهانة بالعقيدة الإسلامية وشعائر الإسلام، فالمعاملة شيء، ومحبة القلب ومودته للكفار شيء آخر حيث إن الإنسان يتعامل في أغلب الأحوال مع من يحب ومن لا يحب في بيعه وشرائه ونحو ذلك، أما مودة القلب والنصرة والمساعدة، فلا يمنحها إلا لمن يحب، وهذه هي الموالاة المنهي عن بذلها للكفار قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا
_________________
(١) انظر العلاقات الدولية في الإسلام د/ كامل سلامة الدقس ص٣٣٤.
(٢) انظر الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام/ علي علي منصور ص٣٥٨.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (١) فالآيات تأمر المسلم أن لا يتخذ بطانة من الكفار وأن لا يحبهم وهم لا يزالون متلبسين بصبغة الكفر، وأن لا يناصرهم أو يؤيدهم بقول أو فعل ما لم يسلموا، إن تلك الآيات تنوير وتبصير للمسلمين في كل زمان ومكان، بأن لا ينخدعوا في معاملة أعدائهم وبهرج ألسنتهم فيندفعوا بسذاجة وغباء إلى اتخاذهم بطانة وأصحابًا وأصدقاء وأصفياء، فإن عداوة الكفار للمسلمين عداوة متأصلة، لا تغسلها سماحة أو مودة من المسلمين للكفار أو حسن صحبة لهم، والتحذير في هذه الآيات المتقدمة ليس مقصورًا على فترة تاريخية معينة، وإنما هو حقيقة دائمة تواجه واقعًا دائمًا، كما نرى مصداق ذلك في ماضينا المعهود وحاضرنا المشهود، وقد بين الله ذلك في آيات متعددة قال تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) (٢)، وقال تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (٣). وقد عبرت الآيات عن قوة الإصرار والاستمرار في العداوة من قبل الكفار وذلك بالتعبير بالفعل المضارع (لا يزالون) و(ولن ترضى) و(وما تخفي صدورهم أكبر) ونسوق بعض النماذج الواقعية عبر فترات تاريخية متباعدة لنبرهن على تسامح الإسلام وتعصب أعدائه ضده، عندما تكون للأعداء الغلبة والنصر على المسلمين، ونستدل على تعصبهم من أقوالهم وشهادة بعض المنصفين منهم يقول: (جيبون) «إن الصليبيين خدام الرب يوم استولوا على بيت المقدس في ١٥/ ٧/١٠٩٩م رأوا أن يكرموا الرب
_________________
(١) سورة آل عمران من آية (١١٨) إلى آية (١٢١).
(٢) سورة البقرة آية (١٠٩).
(٣) سورة البقرة آية (١٢٠).
[ ٢ / ٥٩٧ ]
بذبح سبعين ألف مسلم، ولم يرحموا الشيوخ ولا الأطفال ولا النساء، في مذبحة استمرت ثلاثة أيام بلياليها، ولم تنته إلا لما أعياهم الإجهاد من القتل فقد حطموا رءوس الصبيان على الجدران وألقوا بالأطفال الرضع من سطوح المنازل، وشووا الرجال والنساء بالنار، وبقروا البطون ليروا هل ابتلع أهلها الذهب، ثم يقول: كيف ساغ لهؤلاء بعد هذا كله أن يضرعوا إلى الله طالبين البركة والغفران» (١).
وقد سبق أن ذكرنا موقف صلاح الدين الأيوبي عندما تغلب على هؤلاء وحاصر مائة ألف صليبي ومع ذلك تركهم يرتحلون بسلام فمن المتعصب يا ترى؟؟
ومثال آخر، ما فعله الصليبيون في الأندلس عندما تغلبوا على المسلمين، فقد قال أحد كتاب الغرب أنفسهم وهو المدعو (جوستاف لوبون) قال: لما أُجْلِيَ العرب (٢) سنة (١٦١٠م) اتخذت جميع الذارئع للفتك بهم فقتل أكثرهم، وكان مجموع من قتل إلى ميعاد الجلاء ثلاثة ملايين من الناس في حين أن العرب لما فتحوا أسبانيا، تركوا السكان يتمتعون بحريتهم الدينية محتفظين بمعاهدهم ورئاساتهم غير مكلفين إلا بدفع الجزية وهي بمقدار ما كنوا يبذلونه لملوك الْقوط، وقد بلغ من تسامح العرب طول حكمهم في أسبانيا مبلغًا قلما يصادف الناس مثله هذه الأيام (٣).
ولو انتقلنا من مواقف الصليبين إلى مواقف اليهود لرأينا العجب العجاب، فإن نظرة اليهود الدينية إلى غير اليهود تشبه نظرة الإنسان إلى الحيوان، فقد جاء في الوثيقة الرابعة من وثائق اليهود التاريخية فيما نشره
_________________
(١) انظر العلاقات الدولية في الإسلام د/ كامل سلامة الدقس ص٣٣٣.
(٢) المراد بالعرب في هذا الكلام هم المسلمون ولكن أعداء الإسلام يحاولون تغيير المفاهيم الإسلامية إلى مفاهيم قومية عرقية ضيقة سخيفة.
(٣) انظر حضارة العرب/ جوستاف لوبون ص ٢٧٩ ترجمة عادل زعيتر.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
السيد – جواد رفعت في كتابه الوثائقي (الإسلام وبنو إسرائيل) حيث ورد من ضمن ما تضمنته هذه الوثيقة قولهم ما يلي:
«يا أبناء إسرائيل، اسعدوا واستبشروا خيرًا، لقد اقتربت الساعة التي سنحشر فيها هذه الكتل الحيوانية في اصطبلاتها، وسنخضعها لإرادتنا ونسخرها لخدمتنا» (١).
ولو نظرنا إلى ما فعله ويفعله اليهود في فلسطين من قتل وتشريد وظلم وبطش وعدوان، وما يفعله صنائع اليهود وعملاؤهم حول فلسطين لوجدنا أن ذلك أعظم برهان على تعصب اليهود وأذنابهم ضد المسلمين.
ولو تجاوزنا اليهود والنصارى إلى الملحدين من أهل الأوثان لرأينا ما تقشعر لهوله الأبدان، وتتفطر له الأكباد، فقد روى ابن كثير فيما رواه من أحداث عام ٦٥٦هـ عندما تغلب مشركو التتار على المسلمين في بغداد شنوا حملة حقد وتعصب وظلم وطغيان فأبادوا الرجال والنساء صغارًا وكهولًا، وفر من فر من الناس إلى المقابر، وأغلق البعض منهم على نفسه في الحانات ودخل البعض منهم في قنى الأوساخ، ولكن القلوب المسعورة في حب الإجرام وإراقة الدماء، والمملوءة بالحقد والكراهية على أهل الإسلام، طاردت كل هؤلاء، وبواسطة بعض أهل الذمة من اليهود والنصارى، الذين تنكروا للمسلمين ولما قدموه لهم من حسن المعاملة واحترام الحقوق، ولم يمض على بغداد أربعين يومًا حتى أصبحت خاوية على عروشها، وتراكمت الجثث كالأطواد في الطرقات، ثم سقط عليها المطر فانتفخت وتغير الهواء وحصل الوباء، وسار الهواء إلى الشام فمات بسبب ذلك خلق كثير، هذه صورة من صور التعصب قام بها أعداء الإسلام والمسلمين في حق أهل الإسلام، وهي حقيقة تاريخية وقصة واقعية ليست من نسج الخيال، وقد اختلف المؤرخون في عدد القتلى في بغداد، إلا أن
_________________
(١) انظر مكايد يهودية عبر التاريخ/ عبد الرحمن حسن الميداني ص٤٤٦، ٤٤٧.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
تقديراتهم تقول أن عدد القتلى ما بين الثمانمائة ألف إلى المليون نفس (١)، ولو مررنا بروسيا وما فعلته الثورة الشيوعية بالمسلمين في بخارى وسمرقند وغيرها من الولايات الإسلامية لرأينا ما لم يحصل له مثيل في التاريخ حيث أقدم الشيوعيون على قتل كل من يتفوه بكلمة لا إله إلا الله فقد نشروا في عام (١٩٢٣م) أنه يوجد داخل الاتحاد السوفيتي ثلاثون مليونًا من المسلمين يحافظون على عقائد باطلة وخرافات من العصور الوسطى وإننا قد اتخذنا الخطط والتدابير اللازمة لإزالتها (٢).
وفعلًا فقد باشر الشيوعيون تنفيذ مخططاتهم في مصادرة الحريات وكبت المعتقدات، وحاولوا بقوة الحديد والنار إلزام الناس بالأوهام الماركسية والخرفات اللينينية فقد أغلقت حكومة روسيا الشوعية في مقاطعة تركستان (١٤) أربعة عشر ألف مسجد، وفي منطقة الأورال (٧) سبعة آلاف مسجد وفي منطقة القوقاز (٤) أربعة آلاف مسجد، فبلغ مجموع المساجد التي منع المسلمون من الصلاة فيها (٢٥) خمسة وعشرين ألف مسجد، وقد حولت هذه المساجد إلى دور للبغاء ومباءات للخمر، ونوادي للمجون - واسطبلات للخيول وحظائر للبهائم، وقد حول جامع سمرقند الفخم الجميل إلى ناد لكبار الملحدين (٣). وهل تظن أن الأمر توقف عند ذلك الحد، بل لقد تجاوز ذلك إلى التصفية الجسدية للمسلمين، ولو أردنا استعراض تلك المآسي الدامية لما وسعتها المجلدات والأضابير، ولكن حسبنا أن نقول أن الروس قبلة الأقزام في الشرق المنكوب قد قتلوا في ربع قرن ستة وعشرين مليونًا من المسلمين بمعدل مليون كل سنة، وقد تفننوا في طريقة التعذيب والقتل حتى وصل بهم الأمر إلى أن يأتوا بأحد زعماء المسلمين فيحفروا له حفرة في الطريق العام ثم يكلفون المسلمين وجميع
_________________
(١) انظر البداية والنهاية لابن كثير ج١٣ ص٢٠٢.
(٢) انظر الإسلام والمبادئ المستوردة ص٢٢، ٢٣.
(٣) انظر التضليل الاشتراكي د/ صلاح الدين المنجد ص٨٤.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
السكان في تلك المدينة تحت وطأة التعذيب والإرهاب أن يأتوا بفضلاتهم الآدمية التي تتسلمها الدولة من الأهالي كل يوم لتستخدمها في السماد فيلقوها على الزعيم المسلم في حفرته وقد ظلت هذه العملية ثلاثة أيام والرجل يختنق في الحفرة على هذا النحو حتى مات بصورة لا مثيل لها في التاريخ، وكان قصدهم تنفير الناس عن كل ما له صلة بالإسلام.
وقد سارت يوغسلافيا على طريقة روسيا بعد تحولها إلى الشيوعية فقد أباد (تيتو) ما يقارب المليون من المسلمين (١). ولكن الغريب ولا غرابة في هذا العصر أن السفاكين في روسيا ويوغسلافيا يستقبلون بكل حفاوة وتكريم في بعض الأقطار الإٍسلامية، وكأن شيئًا لم يكن، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولو ألقينا نظرة على ما حصل ويحصل للمسلمين من الوثنيين الهنود لوجدناه لا يقل شناعة عما حصل من غيرهم، فعندما أعلن انفصال باكستان عن الهند، فر ثمانية ملايين من المسلمين مهاجرين إلى الباكستان ممن أفزعتهم الهجمات البربرية المتوحشة، من عباد البقر ولكنهم لم يتركوهم يذهبون بسلام، بل طوقت مسيرتهم الحكومة الهندية المجرمة فذبحتهم وأفنت الكثير منهم، ولم يصل إلى الباكستان سوى ثلاثة ملايين أما الخمسة الباقية، فقد قضي عليها، ثم أعلنت الحكومة عن خدعة جديدة حيث زعمت أنها ستنقل الموظفين المسلمين الذين يرغبون التحول إلى باكستان عبر قطارات النقل وقد شحنت أول دفعة منهم وكان عددهم خمسين ألفًا، وعندما اقترب القطار بين الحدود الهندية والباكستانية ودخل في أحد الأنفاق خرج من الناحية الثانية وليس فيه إلا أشلاء ممزقة من عوامل التخريب التي دبرت وخططت لهذا الغرض (٢).
فيا ترى من المتعصب ومن المتسامح؟؟ إن ما ذكرناه عن مواقف
_________________
(١) انظر العلاقات الدولية في الإسلام د/ كامل سلامه الدقس ص١٦٣ – ١٦٥.
(٢) المصدر السابق ص١٦٣.
[ ٢ / ٦٠١ ]
أعداء الإسلام والمسلمين، عند تمكنهم من أهل الإسلام، غيض من فيض، وقطرة من بحر، وهذا كله مصداق لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (١).
إن من تسامح المسلمين مع أهل الذمة والمستأمنين أن يقروا في بلاد الإسلام على تعاطي بعض المحرمات في الدين الإسلامي إذا كان ذلك على جهة التخفي والإسرار وقصروه على أنفسهم مثل شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، ويطبق عليهم في المحاكم قانون الأحوال الشخصية المنبثق عن عقيدتهم في قضايا الزواج والطلاق والمهر والأولاد والنفقة وما إلى ذلك.
بينما نجد أن المسلمين الذين يقيمون في بلاد الغرب والشرق الكافر لا يطبق بحقهم قانون الأحوال الشخصية للمسلمين وإنما يطبق بحقهم القانون المحلي لتلك الدولة وتلك البلاد فلو تزوج المسلم بأكثر من زوجة واحدة، فزواجه باطل بمقتضى قوانينهم الوضعية، وقد يحاكم كمجرم، أما لو زنيا برضاهما فلا شيء عليهما، ولو طلبت الزوجة من زوجها المسلم تأمين النفقة والسكن، أو الطلاق، فلا يمكن للمحاكم الوضعية الكافرة أن تحقق لها ذلك (٢).
وفي أمريكا لو أرادت المسلمة أن تتزوج بنصراني وهي لا تزال في عصمة زوجها المسلم، فإن القوانين الأمريكية تبيح ذلك ولا تسمح للزوج الأول المسلم حتى في إبداء حق المطالبة بزوجته أو الاعتراض على عقد الزواج الثاني (٣).
_________________
(١) سورة آل عمران آية (١١٨).
(٢) انظر نظرية الإسلام وهديه/ أبو الأعلى المودودي ص١٨٦ – ١٨٨.
(٣) انظر العلاقات الدولية في الإسلام د/ كامل الدقس ص٣١٦ - ٣١٧.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
وقد صدر في إنجلترا قانون يمنع الاعتراف بأي زواج يتم على الطريقة الإسلامية، فلا يعتبر العقد قد وجد بحكم القانون لديهم، فلو تزوجت المرأة بعد زواجها الشرعي في الإسلام بدون طلاق لاعتبر الزواج الثاني دون الأول في القانون الإنجليزي (١).
وقد طلبت إحدى السيدات المسلمات المطلقة في جنوب أفريقيا مؤخر مهرها بعد طلاقها فرفضت المحكمة ذلك مدعية بطلان شرعية الزواج المعقود حسب الشريعة الإسلامية (٢).
ومع ذلك وللأسف الشديد يصف الببغاوات الإسلام والمسلمين بالتعصب والتشدد والجمود والتطرف وكبت الحريات بينما يصفون أجنحة المكر الثلاثة، النصارى، واليهود، وأهل الأوثان بالتسامح والاعتدال والمحافظة على حريات الأفراد وحقوقهم، فيا ترى من الذي يشهد له الواقع ويصدقه التاريخ نحن المسلمين أم هؤلاء الحاقدون؟؟؟
_________________
(١) انظر العلاقات الدولية في الإسلام د/ كامل سلامة الدقس ص٣١٦، ٣١٧.
(٢) انظر مجلة المجتمع الكويتية عدد ٥٣٨ السنة الحادية عشرة في ١١/ ١٠/١٤٠١هـ ص٣٥.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
المبحث الثاني: مفهوم الحرب والسلم في الإسلام
إن من حق الدين الإسلامي أن يتحرك ابتداء في كل اتجاه، وأن ينساح في الأرض متى وجد إلى ذلك سبيلا، فهذا الدين ليس رسالة خاصة بالعرب، بل إنه دين للإنسان أينما وجد في المكان والزمان، فالله ﷿ ليس ربًا للعرب وحدهم، ولا حتى لمن يعتنقون العقيدة الإٍسلامية وحدهم بل هو (رب العالمين) وهذا الدين أراد الله به أن يرد العالمين إلى ربهم وأن ينتزعهم من العبودية لغير الله، إن الإسلام ليس مجرد عقيدة، حتى يقنع الناس بإبلاغ عقيدته للناس بوسيلة البيان، إنما هو منهج يتمثل في تجمع تنظيمي حركي يزحف لتحرير كل الناس وإخراجهم من عبودية العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ثم يتحتم على الإسلام أن يزيل جميع الأنظمة الطاغية والتجمعات الكافرة بوصفها من معوقات إبلاغ الدعوة للناس وليحرر بإزالتها الأفراد من التأثيرات الفاسدة، التي تقيد حرية الاختيار لدى الأفراد، وتحجب عنهم رؤية النور الإلهي، وإلا فإن الله ﷿ قد قرر مبدأ (لا إكراه في الدين) أي لا إكراه على اعتناق العقيدة، ولكن متى
[ ٢ / ٦٠٤ ]
يكون ذلك؟ يكون ذلك إذا خرج العباد من سلطان العبيد، إلى سلطان الله وإذا خرجوا من ظلم المناهج الكافرة إلى عدالة الإسلام، وإذا استقى الناس من نبع الإسلام الصافي بدلًا من كدر الجاهلية، وبعبارة أدق إذا كان الدين كله لله، أما أن تتأصل مناهج الكفر والضلال في الأرض وتعلو راياتهم في مشارق الأرض ومغاربها، ويصل الخطر إلى أن يُغْزَى المسلمون في عقر دارهم وتستباح مقدساتهم وتسلب منهم أموالهم وديارهم، وينشر الكفر بينهم بوسائل إعلامهم، ومناهج تعليمهم، ومع ذلك نرى ونسمع من يدعو إلى ترك الجهاد ومسالمة أعداء الله فهذا مخالف لمنهج الإسلام. إن الإسلام ليس مجرد مجموعة من النصوص الكلامية، أو جملة من المناسك والشعائر التعبدية. كما يفهم معظم الناس في هذه الأيام عندما يسمعون كلمة (دين) يتبادر إلى ذهنهم أن ذلك محصور في الصلاة والصيام والزكاة والحج فقط.
والحق أن الدين الإسلامي نظام كامل يحكم حياة الفرد والجماعة والدولة والعالم أجمع، ومن ذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، والجهاد في الإسلام يعني القضاء على سائر النظم الباطلة الجائرة في العالم، وأن يقطع دابرها، ويمحوا آثارها من الوجود، ويستبدل الناس عن تلك الأنظمة الجاهلية بنظام صالح مصلح للحياة، يرى أنه خير للإنسانية جمعاء من النظم الأخرى، وقد أثبت التطبيق العملي عبر التاريخ كله أن الإسلام هو النظام الصالح المصلح للحياة الذي يحمي البشرية من أدواء الشر والطغيان، وإن فيه سعادة البشرية في العاجلة والآجلة (١)، في الوقت الذي ظهرت فيه ضحالة الأنظمة الرأسمالية والشيوعية بين الإفراط والتفريط. إن أمة الإسلام أمة دعوة وجهاد، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
وما يفهمه البعض أو يحتج به البعض الآخر من وجود نصوص قرآنية تدعو إلى مسالمة الكفار وعدم قتال من لم يقاتل منهم، والأمر بالعفو والصفح عن الكفار
_________________
(١) انظر في ظلال القرآن/ سيد قطب م٣ ج٩ ص٧٥٦ - ٧٥٩.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
فنقول إن هذه النصوص قد ورد من الآيات ما خصصها أو نسخ حكمها فاقرأ إن شئت من أول سورة التوبة إلى نهاية الآية الثامنة والعشرين منها، تجد تحديدًا دقيقًا لطبيعة العلاقة مع الكفار، وهذا المقطع من تلك السورة من آخر ما نزل من القرآن الكريم حيث نزلت تلك الآيات في نهاية السنة التاسعة من الهجرة (١).
أما الكف عن القتال في مكة فهو لم يكن إلا مجرد مرحلة في خطة طويلة الأمد.
وهناك سبب آخر وهو أن حرية الدعوة وحرية إبلاغها للناس كانت مكفولة بحماية بني هاشم، حيث كان أبو طالب يحمي ظهر رسول الله - ﷺ - من شر أعدائه، فكان الرسول - ﷺ - يصدع بالدعوة، ويخاطب بها الآذان والعقول والقلوب، ولم يكن هناك سلطة سياسية منظمة وأجهزة بوليسية تمنع من الدعوة، أو تمنع الأفراد من سماعها، ومن ثم فلا يجوز اتخاذ تلك الفترة، حجة في ترك الجهاد ومسالمة الكفار، أو موادعتهم لأن قياس واقع المسلمين في العصور المتأخرة على تلك الفترة في مثل هذا الوجه أمر لا تتوفر فيه شروط القياس الصحيح.
إن من البديهيات التي يجب أن يدركها كل مسلم أن الكفار لم ولن يسالموا المسلمين أبدًا، وإن وجد شيء من ذلك نادرًا، فهو لا يصدر عن رغبة حقيقية في مسالمة الإسلام ومهادنة المسلمين، وإنما يكون نتيجة اضطرار واقعي إلى حين، وإلا فإنه متى شعرت قوى الكفر والضلال أن المعسكر الإسلامي في ضائقة تهدد وجوده، أو على الأقل تجعل الانقضاض عليه مأمون العاقبة في حقهم انقضوا عليه ومزقوه إربًا وهذا ما حصل للمسلمين في الأندلس فقد روى المقري أنه في ربيع الأول سنة (٨٩٧هـ)
_________________
(١) انظر في ظلال القرآن/ سيد قطب م٤ ج١٠ ص٨٢.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
اصطلح النصارى مع المسلمين ووقع معهم المسلمون شروط الصلح وكانت سبعة وستين شرطًا منها ما يلي:
١ - تأمين حياة جميع الأفراد المسلمين وتركهم في أماكن سكناهم.
٢ - عدم التعدي على الممتلكات المنقولة وغير المنقولة.
٣ - إبقاء المساجد على ما هي عليه، وأن لا يدخل اليهود والنصارى بيت مسلم.
٤ - لا يولى على المسلمين نصراني ولا يهودي، وأن يفك جميع أسرى المسلمين.
٥ - أن لا يؤخذ أحد بذنب غيره.
٦ - أن لا يقهر من أسلم بالعودة إلى الكفر قهرًا حسيًا أو معنويًا.
٧ - أن توفر الحماية للمسلم على نفسه وماله وعرضه.
وغير ذلك من الشروط:
ثم عقب المقري (١) على ذلك بقوله: «ولكن الأسبانيين نكثوا العهد وخانوا الوعد والاتفاق، ونقضوا الشروط كلها» (٢). اهـ.
فهم قد حملوا على البقية الباقية من المسلمين إلى الفرار إلى شمال أفريقيا، والبعض منهم تنصر، والأغلب منهم قتل في حملات التفتيش التي قامت بها النصارى للقضاء على المسلمين، فلم تأت سنة (٩٠٤هـ) إلا وقد
_________________
(١) هو أحمد بن محمد بن أحمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي اليعيش بن محمد المالكي، الأشعري، التلمساني، نزيل فاس، ثم القاهرة، المشهور بالمقري (أبو العباس، شهاب الدين) مؤرخ، أديب ولد في تلمسان، سنة ٩٩٢هـ - وتوفي بالقاهرة سنة (١٠٤٢هـ) في جمادي الآخرة. من تصانيفه الكثيرة نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، فتح المتعال في وصف النعال. نعال النبي - ﷺ -، أزهار الرياض في أخبار عياض، روض الآس العاطر الأنفاس في ذكر من لقيتهم من أعلام مراكش وفاس، والبدأة والنشأة في النظم والأدب. انظر معجم المؤلفين عمر رضا كحاله ج٢ ص٧٨.
(٢) انظر نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب م٤ ص٥٢٥ - ٥٢٨.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
جف أثر المسلمين من الأندلس وعفى عليه الدهر بعد ثمانية قرون من الاستقرار (١) ويقول المؤرخ الأسباني باللستر: «إن النصارى أخذوا يظلمون المغلوبين من المسلمين ويضايقونهم في دينهم بوسائل العنف والقسوة حتى اضطر كثير منهم إلى الهجرة من أسبانية ولم يبق بالأندلس سوى عرب متنصرين ينعتونهم بنصارى الظاهر لا نصارى الباطن ثم اضطر الباقي إلى الجلاء أو التنصر» (٢). اهـ.
وهذه حقيقة يجب أن يفهمها كل من ينتمي إلى الإسلام، أنه لا سلم ولا سلام بين الكفر والإسلام قال تعالى: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) (٣) ونحن نرى مصداق ذلك أمامنا اليوم فالفتوحات الإسلامية قد توقفت منذ عشرة قرون تقريبًا أو أكثر، ومع ذلك فإن أعداء الإسلام طيلة هذه المدة وهم يحاربون الإسلام والمسلمين ابتداء من الحروب الصليبية ثم الاستعمار والاحتلال، ولا تزال بلاد المسلمين تكتوي بنار الكفار في صورة مباشرة كما هو حاصل في فلسطين وأفغانستان والفلببين وايريتريا وبصورة غير مباشرة كما هو الشأن في معظم الأقطار الإسلامية، حيث يقوم سماسرة اليهود والنصارى، وعبيد ماركوس اليهودي وميشيل عفلق الصليبي بخدمة أهل الكفر على اختلاف أنواعهم وذلك بتتبع طلائع حزب الله المؤمن والفتك بهم في كل مكان من العالم، رغم أن وضع المسلمين في العصر الحاضر لا يشكل خطرًا مؤثرًا على وجود الكفار وحياتهم.
ولكنها العداوة المتأصلة التي لا يرضيها إلا فناء الإسلام والمسلمين قال تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (٤)
_________________
(١) انظر العلاقات الدولية في الإسلام. د/ كامل سلامة الدقس ص٣٢٢ - ٣٢٤. وانظر أبيدوا الإسلام دمروا أهله/ جلال العالم ص٨ - ٢٤.
(٢) انظر العلاقات الدولية في الإسلام. د/ كامل سلامة الدقس ص٣٢٣.
(٣) سورة البقرة آية (٢١٧).
(٤) سورة البقرة آية (١٢٠).
[ ٢ / ٦٠٨ ]
فصفة العداوة أصيلة فيهم، تبدأ من نقطة كراهيتهم للإسلام ذاته، مرورًا بصدهم عنه، وينتهي بهم الأمر إلى الوقوف في وجهه، وتربصهم بالمؤمنين الدوائر، فهم عندما يتمكنون من المسلمين يفتكون بهم بلا شفقة ولا رحمة، لأن الرحمة لا تعرف إلى قلوبهم سبيلًا، ولا يمنعهم عهد ولا وعد ولا يتحرجون من مذمة، أو قطع مودة قال تعالى: (لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) (١).
ولذلك أمر الله بقتالهم في قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (٢) ولكن أكثر الذين يكتبون عن العلاقات الدولية في الإسلام، يهولهم ويتعاظمهم أن يكون الأمر الإلهي هكذا، وأن تكون هذه هي الأحكام النهائية في الإسلام فأجهدوا أنفسهم بتلمس القيود للنصوص المطلقة والأخيرة، من خلال بعض النصوص المرحلية التي نزلت في أول الدعوة.
إن الذين يحاولون تمييع موقف الإسلام في الجهاد، إنما يفعلون ذلك لأنهم يواجهون هجومًا صليبيًا منظمًا لئيمًا ماكرًا خبيثًا يقول لهم: إن العقيدة الإسلامية قد انتشرت بالسيف، وإن الجهاد كان لإكراه الناس قسرًا على الدخول في العقيدة الإسلامية وانتهاك حرمة حرية الاعتقاد عند الآخرين.
والمسألة بهذا المفهوم غير مستساغة، لو كان الأمر كذلك، لكن الحقيقة أن الإسلام يقوم على قاعدة (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (٣) ولذلك انطلق بالسيف مجاهدًا ليوفر للناس الضمان الحقيقي لحرية الاعتقاد، وليحطم الأنظمة التي تكره الناس على الباطل وتمنع وصول الحق إليهم، ليبقى الناس أحرارًا في اختيار العقيدة التي يريدونها، إن شاءوا
_________________
(١) سورة التوبة آية (١٠).
(٢) سورة التوبة آية (٢٩).
(٣) سورة البقرة آية (٢٥٦).
[ ٢ / ٦٠٩ ]
دخلوا في الإسلام فكان لهم ما للمسلمين من حقوق، وعليهم ما عليهم من واجبات، وكانوا إخوانًا في الدين للمنتمين إلى الإسلام، وإن شاءوا بقوا على عقائدهم وأدوا الجزية، إعلانًا عن استسلامهم في انطلاق الدعوة الإسلامية بينهم بلا مقاومة، ومشاركة منهم في نفقات الدولة المسلمة التي تحميهم من اعتداء المعتدين عليهم، وتكفل لهم الحقوق العامة في ظل منهج الإسلام.
إن الإسلام لم يكره فردًا على تغيير عقيدته، كما فعلت الصليبية على مدار التاريخ في الأندلس قديمًا وزنجبار حديثًا، لتكرههم على التنصر وأحيانًا لا تقبل منهم حتى التنصر فتبيدهم لأنهم مسلمون (١).
إن دعوة الإسلام إلى السماحة في معاملة أهل الكتاب والبر بهم وصلتهم والعدل معهم والإحسان إليهم شيء مطلوب من المسلم ولكنه يختلف عن الولاء الذي لا يكون إلا لله ورسوله وللجماعة المسلمة. فالمسلم يعطي خالص محبته ومودته ومناصرته لله ثم لرسوله ثم للمؤمنين بهذا الدين، ولا يمكن أن يرقى إلى مستوى هؤلاء أو يزاحمهم أحد من الكفار في صفة من تلك الصفات، أما تعامله مع الكفار، فالكفار يعاملهم المسلم على أنهم أحد نوعين:
الأول: كفار محاربون. وهؤلاء لا يجوز معهم أي نوع من أنواع البر والصلة والإحسان ما دام أنهم يعلنون حالة الحرب لله ولرسوله وللمؤمنين (٢) إلا إذا رأى المسلم فردًا أو جماعة أن البر بهم والصلة لهم والإحسان إليهم سبب قوي في دعوتهم واستمالتهم إلى الإسلام فهذه حالة استثنائية تقدر بقدرها.
_________________
(١) انظر في ظلال القرآن/ سيد قطب ص٨١ – ١١٢، وص١١٥، ١٣٥، وص١٤٩ – ١٥٢، وص١٦٩ – ١٨٥ من المجلد الثالث الجزء العاشر.
(٢) انظر فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز على هذا الموضوع في مجلة الدعوة السعودية عدد (٨٢٣) في ١١/ ٢/٤٠٢ هـ ص١٩.
[ ٢ / ٦١٠ ]
الثاني: الكفار المسالمون، وهم الكفار المستأمنون – والكفار من أهل الذمة والكفار المحايدون، فهؤلاء يجوز لنا أن نقدم لهم من البر والصلة والإحسان ما لا يجوز مع غيرهم من المحاربين، وسوف نتناول المعاملة التفصيلية مع هؤلاء وأولئك في مبحث لاحق إن شاء الله، وحسبنا أن نشير إلى قوله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (١) فقد سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن عن هذه الآية فأجاب:
«إن هذا إخبار من الله جل ذكره لعباده المؤمنين بأنه لم ينههم عن البر والعدل والإنصاف في معاملة أي كافر كان من أهل الملل إذا كان لم يقاتل
المسلمين في الدين ولم يخرجهم من ديارهم، إذ العدل والإحسان والإنصاف مطلوب محبوب شرعًا، ولذا علل الحكم بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) وأما قوله (أَنْ تَبَرُّوهُمْ) أي لا ينهاكم عن بر وصلة من لم يقاتل في الدين» (٢). اهـ.
وقد اختلف علماء التفسير هل الآية محكمة أو منسوخة على أقوال: هي:
١ - قال ابن زيد (٣) وقتادة (٤) ونقل عن ابن شهاب (٥) الخفاجي أن هذه الآية
_________________
(١) سورة الممتحنة آية (٨).
(٢) انظر الدرر السنية ج١٠ ص١٨٣ - ١٨٤
(٣) هو عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم. فقيه، محدث، مفسر. توفي في أول خلافة هارون الرشيد. له من الكتب الناسخ والمنسوخ، والتفسير انظر معجم المؤلفين ج٥ ص١٣٨.
(٤) هو قتادة بن دعامة بن عرنين بن عمرو بن ربيعة السدوسي، البصري (أبو الخطاب) ولد سنة (٦٠هـ) وتوفي سنة (١١٧هـ). مفسر من آثاره: تفسير القرآن. انظر معجم المؤلفين ج٨ ص١٢٧.
(٥) هو أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي – المعروف بشهاب البصري الحنفي ولد بالقرب من القاهرة حوالي عام (٩٧٩هـ) وتعلم على يد علماء بلده ثم رحل إلى الحجاز وأدى فريضة الحج والتقى بكثير من علماء مكة والمدينة، ثم رحل إلى الأستانة فالتقى فيها بعدد من العلماء، ثم عين قاضيًا في عهد السلطان مراد، ثم انتقل إلى قضاء القاهرة وتوفي بها سنة (١٠٦٩هـ) وله من المصنفات: شرح على تفسير البيضاوي سماه (عناية القاضي) وله كتابان من كتب السيرة وله غير ذلك من المؤلفات. انظر معجم المؤلفين/ عمر رضان كحالة ج٢ ص ١٣٨، وانظر دائرة المعارف الإسلامية ج ٨ص ٣٩٦ - ٣٩٩.
[ ٢ / ٦١١ ]
منسوخة بآية القتال في سورة براءة بقوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (١) وبغيرها من آيات القتال (٢).
٢ - قال جماعة من أهل التفسير إن الآية أباحت صلة النساء والصبيان لأنهم ممن لا يقاتل فإذن الله ببرهم، وقالوا هي محكمة، واحتجوا بأن أسماء بنت أبي بكر (﵂) سألت النبي - ﷺ - هل تصل أمها (قتيلة) حين قدمت عليها وهي مشركة؟ قال: «نعم». أخرجه البخاري ومسلم (٣).
٣ - وقال مجاهد المراد بهذه الآية هم الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا فأذن الله ببرهم والإحسان إليهم (٤).
٤ - قال جماعة من المفسرين: هذه الآية رخصة في صلة الذين لم ينصبوا الحرب للمسلمين، ودليل على جواز برهم، وإن كانت الموالاة لهم منقطعة (٥).
ويقول محمد بن جرير الطبري: وأولى الأقوال بالصواب قول من قال:
_________________
(١) سورة التوبة آية (٥).
(٢) انظر زاد المسير في علم التفسير/ عبد الرحمن بن الجوزي ج٨ ص٢٣٧. وانظر تفسير القرطبي ج١٨ ص٥٩ - ٦٠ وانظر تفسير الطبري ج٢٨، ص٤٣. وانظر أحكام القرآن لابن العربي ج٤ ص١٧٧٣ وانظر أحكام القرآن للجصاص ج٣ ص٤٣٧، وانظر تفسير آيات الأحكام محمد علي السايس ج٤ ص١٣٩ - ١٤٠.
(٣) انظر المصادر المتقدمة نفس المكان وانظر زيادة في ذلك مختصر تفسير ابن كثير/ محمد علي الصابوني ج٣ ص٤٨٤.
(٤) انظر جامع البيان في تفسير القرآن للطبري ج٢٨ ص٤٣، وانظر تفسير آيات الأحكام محمد علي السايس ج٤ ص١٣٩، ١٤٠.
(٥) المصادر السابقة مع زيادة تفسير ابن سعدي ج٧ ص٣٥٦، وفتح القدير للشوكاني ج٥ ص٢١٣.
[ ٢ / ٦١٢ ]
أن المراد بالآية جميع الأصناف ممن لم يقاتل المسلمين، إذا لم يكن في برهم والإحسان إليهم دلالة لأهل الحرب على عورات أهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح (١). اهـ.
وعلى هذا يترجح القول لدي بعدم النسخ في الآية لوجوه هي:
١ - إن الجمع بينها وبين آية القتال ممكن غير متعذر، ودعوى النسخ يصار إليها عند تعذر الجمع، وعدم إمكان الجمع إن دل عليه دليل.
٢ - إن السنة متظاهرة بطلب الإحسان والعدل مطلقًا ولا قائل بالنسخ في ذلك.
٣ - يحمل كلام ابن زيد وقتادة وابن شهاب الخفاجي بأن النسخ في كليهما بمعنى التخصيص.
٤ - إن القتال بالسيف وتوابعه، من العقوبات، والغلظة في محلها مخصوص من هذا العموم.
ووجه مناسبة الآية لما قبلها من الآيات في السورة أنه لما ذكر الله تعالى نهيه لعباده المؤمنين عن اتخاذ عدوه وعدوهم أولياء يلقون إليهم بالمودة، ثم ذكر حال خليله إبراهيم (﵇) ومن آمن معه في قولهم وبراءتهم من قومهم المشركين حتى يؤمنوا، وذكر أن لعباده المؤمنين أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه، خِيْفَ أن يتوهم أحد أو يظن أن البر والعدل داخلان في ضمن ما نهى الله عنه من الموالاة المحرمة، فناسب أن يدفع هذا الوهم بهذه الآية (٢). والله هو الهادي إلى طريق الصواب.
_________________
(١) انظر تفسير الطبري ج٢٨ ص٤٣، وانظر تفسير آيات الأحكام محمد علي السايس ج٤ ص١٣٩ - ١٤٠.
(٢) انظر الدرر السنية ج١٠، ص١٨٤.
[ ٢ / ٦١٣ ]
المبحث الثالث: تعامل المسلمين مع أهل الذمة والعهد في دار الإسلام
١ - أهل الذمة:
أهل الذمة هم المعاهدون من النصارى واليهود وغيرهم ممن يقيم بدار الإسلام (١). أما المرتدون فلا يجوز عقد الذمة لهم إجماعًا (٢).
بل لا بد من الإسلام أو القتل، وقد جاء في الحديث الشريف «وذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلمًا فعليه مثل ذلك» (٣).
وقال العلماء في تفسير (ذمتهم) بمعنى الأمان الذي يعطونه (٤).
وعقد الذمة هو عقد يصير بمقتضاه غير المسلم في ذمة المسلمين
_________________
(١) انظر القاموس المحيط ج٤ ص١١٥.
(٢) انظر تفسير القرطبي ج٨ ص١١٠ - ١١١
(٣) فتح الباري ج٦ ص٢٧٣.
(٤) انظر كشاف القناع ج١ ص٧٠٤.
[ ٢ / ٦١٤ ]
أي في عهدهم وأمانهم على وجه التأبيد، وله الإقامة بدار الإسلام على وجه الدوام (١).
وقال آخرون: إن عقد الذمة هو إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية، والتزام أحكام الملة (٢).
والذي يتولى إبرام عقد الذمة مع غير المسلمين هو الإمام الشرعي أو نائبه، ولا يصح من غيرهما على الراجح من الأقوال في هذه المسألة (٣). ومن أهداف عقد الذمة أن يختلط الذميون مع المسلمين ويطلعوا على محاسن الإسلام، مما قد يدفعهم ذلك إلى اعتناق الإسلام والدخول فيه وأهل الذمة إنما قبلوا هذا العقد، لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا والقاعدة العامة أن أهل الذمة مثلهم كمثل المسلمين في الحقوق والواجبات. إلا أن هذه القاعدة يرد عليها استثناءات وهي أن الدولة الإسلامية، تشترط لبعض الوظائف والحقوق، توفر العقيدة الإسلامية في الشخص الذي يشغل بعض الوظائف ويمنح بعض الحقوق، ولا تكتفي بتبعية الفرد لها في سجل دائرة النفوس، والواقع أنه لا غرابة في مثل ذلك لأن جميع الدول تفرق بين المواطنين فيها في الحقوق والواجبات بناء على نوع المبدأ الذي يلتزمه الشخص وتلتزمه الدولة وبناء على الكفاءة العلمية والقدرة الإنتاجية، والدولة الإسلامية تلتزم بالإسلام التزامًا تامًا ولذلك فمن الطبيعي أن تقدم المسلم المخلص في إسلامه على من سواه، لأنها محكومة بالإسلام والإسلام قد وضع القواعد المتبعة في هذا الشأن، فلا تملك الدولة الإسلامية إلا حسن التطبيق، ولو خرجت عن قواعد الإسلام وأحكامه في هذه القضية أو غيرها لاعتبر ذلك كفرًا وردة عن الإسلام (٤).
_________________
(١) انظر أحكام الذميين والمستأمنين. د/ عبد الكريم زيدان ص٢٢.
(٢) المصدر السابق نفس المكان.
(٣) انظر مغني المحتاج ج٤ ص٢٤٣.
(٤) انظر أحكام الذميين والمستأمنين. د/ عبد الكريم زيدان ص١.
[ ٢ / ٦١٥ ]
إن الإسلام لا يقر الظلم لأهل الذمة ولا يعمل على إذكاء العداوة ضدهم، ولا يبني سياسته على تعمد إهانتهم وعزلهم عن المجتمع (١). ولكنه في نفس الوقت، لا يتميع في التعامل معهم حتى يطغى باطلهم على الحق، ويعلو كفرهم على شرع الله، وإنما يتعامل معهم وفق شروط معتدلة، تحفظ للمسلمين دينهم، وتحفظ لأهل الذمة أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وهذا الذي يقدمه الإسلام لمخالفيه في العقيدة من أهل الذمة، لا يمكن أن يقدمه أي مبدأ من المبادئ الجاهلية، لمن يخالفونه في الرأي فضلًا عمن يخالفونه في الاعتقاد.
وما ورد في الكتاب والسنة مما قد يفهم منه خطأ قصد الإهانة والاحتقار للكفار من أهل الذمة فإن المقصود بذلك هو ألا يظن أولئك أو يظن أحد من المسلمين أن الذميين ومن في حكمهم تجب معاملتهم على غرار معاملة المسلمين سواء بسواء، وهذا أمر غير مقبول حيث لا مساواة بين الكفر والإسلام. فالإسلام يعتبر أهل الذمة في داخل الدولة الإسلامية مواطنين من الدرجة الثانية، ولكنه يحقق لهم قدرًا من الحماية والرعاية قلما يتوفر لهم في ظل أنظمتهم الجاهلية نفسها.
وقد اختلف العلماء في معنى الصغار المذكور في قوله تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (٢). على قولين:
القول الأول: ذهب بعض الفقهاء إلى تفسير الصغار بأنه نوع من الإهانة والإذلال الفعلي، ولكن هذا القول لا دليل عليه، ولا هو مقتضى الآية ولا نقل عن رسول الله - ﷺ - ولا عن صحابته أنهم فعلوا ذلك (٣).
_________________
(١) انظر التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام/ محمد الغزالي ص٣٨.
(٢) سورة التوبة آية (٢٩).
(٣) انظر أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج١ ص٢٤.
[ ٢ / ٦١٦ ]
القول الثاني: إن الصغار المذكور في الآية هو التزامهم لجريان أحكام الملة عليهم، وإعطاء الجزية فإن التزام ذلك هو الصغار (١). وهو الصواب في نظري والله أعلم.
وقد خص بعض العلماء جواز الإذلال والامتهان الفعلي عند عدم الدفع للجزية فإنه يجوز تعزير الممتنع عن دفع الواجب بدون عذر شرعي مقبول (٢).
وقيل أنه لما كان في المفهوم العام أن يد المعطي العليا ويد الآخذ السفلي، أمر المسلمون بعكس ذلك بأن يأخذوها على وجه تكون فيه يد المعطي السفلى ويد الآخذ العليا، وفي ذلك دلالة على أنه لا يجوز وضع أهل الذمة ومن في حكمهم من المستأمنين في مرافق الدولة التي يظهرون فيها تكبرهم، واستعلاءهم على المسلمين، فإنه في هذه الحالة تنعكس الصورة، حيث يصبح الكفار هم الأعلون والمسلمون في موقع الذلة والصغار، وهذا ما حذرنا الله عنه في قوله تعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٣) ولذلك قال الفقهاء: إذا وجدت مثل هذه الحالة فإن الكفار الذين هم بهذه الصفة لا حرمة لهم في دمائهم وأموالهم لأن الله تعالى مدَّ أمد القتال إلى غاية وهي إعطاء الجزية مع الصغار، فإذا كانت حالة الذميين منافية لذلك في دار الإسلام، فلا عصمة لأموالهم وأنفسهم وليست لهم ذمة (٤). حيث قد اشترط عمر ﵁ تلك الشروط التي فيها الذل والصغار لهم، فمتى خرجوا على تلك الشروط فلا عهد لهم ولا ذمة (٥).
_________________
(١) المصدر السابق نفس المكان.
(٢) المصدر السابق نفس المكان.
(٣) سورة آل عمران آية (١٣٩).
(٤) انظر أحكام أهل الذمة/ ابن القيم الجوزية ج١ ص٢٤ - ٢٥.
(٥) المصدر السابق ج٢ ص٦٥٧.
[ ٢ / ٦١٧ ]
٢ - المستأمنون أو أهل العهد:
المستأمن: بكسر الميم هو الطالب للأمان، وبالفتح بمعنى اسم المفعول أي صار آمنًا ومأمونًا (١) والأصل في الأمان قوله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) (٢) وقوله - ﷺ -: «، ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل» (٣) وهذا الأمان الذي يعطى للمستأمن أمان مؤقت بخلاف الأمان الذي يعطى لأهل الذمة فهو أمان مؤبد ما التزموا بشروط العقد، بخلاف أمان المستأمن فهو أمان يلزم تحديده بمدة زمنية معينة، وينعقد الأمان بحق المستأمن بكل لفظ يفيد ذلك المعنى سواء كان صريحًا أو كتابة، كما ينعقد بالكتابة والرسالة والإشارة ونحو ذلك (٤).
وللحربي المستأمن أن يعمل بمقتضاه فيدخل دار الإسلام آمنًا ولا يجوز لأحد التعرض له بسوء، ويجب على كافة المسلمين رعاية هذا الأمان، والعمل بموجبه ما دام هذا الأمان قد تم بالشروط المعتبرة شرعًا (٥).
أما إذا كان الأمان صادرًا من حاكم خارج على الإسلام، فلا طاعة له ولا أمان لمن أمنهم من الكفرة أمثاله، كما يفعل بعض المتسلطين على رقاب المسلمين. حيث يستخدمون الخبراء والمستشارين والمقاتلين من روسيا وأمريكا وكوبا وغيرها من دول الكفر والضلال لمقاتلة المسلمين في عقر دارهم، فهؤلاء لا عهد لهم ولا أمان لأن من أعطاهم الأمان لا يملك الحق الشرعي في ذلك (٦).
_________________
(١) رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار/ محمد أمين ج٣ ص٣٤١.
(٢) سورة التوبة آية (٦).
(٣) انظر فتح الباري ج١٢ ص٤٢.
(٤) انظر المغني ج٨ ص٣٩٧.
(٥) المصدر السابق ج٨ ص٣٩٨.
(٦) انظر الهداية شرح بداية المبتدئ – كلاهما تأليف برهان الدين المرغيناني، ج٤ ص٣٠٠. وانظر كشاف القناع عن متن الإقناع/ منصور بن إدريس ج١ ص٦٩٥. وانظر مغني المحتاج/ محمد بن أحمد الشربيني ج٤ ص٢٣٨.
[ ٢ / ٦١٨ ]
وينتقص أمان المستأمن إذا كان في الأمان مفسدة وضرر على المسلمين، كما تقدم، كما أن للإمام الشرعي نقض أمان المستأمن عند الخوف من خيانة ونحو ذلك (١).
ولأهل العهد (أو المستأمنين) إذا دخلوا دار الإسلام الأمان على نفوسهم وأموالهم، ولهم أن يقيموا فيها فيما عدا الحرم والحجاز والجزيرة العربية في بعض الأقوال مدة معلومة يحددها الإمام فإن قلت عن أربعة أشهر كانت بغير جزية، وإن بلغت السنة وجب أخذ الجزية عليهم (٢).
ويجب على المستأمن الامتناع عن كل قول أو فعل يوحي بانتقاص الدين الإسلام أو الازدراء بعقيدة المسلمين، وإذا خالف ذلك وجب عليه من العقوبة مثل ما يجب على غيره من المخالفين سواء كان المخالف مسلمًا أو ذميًا أو معاهدًا.
والدليل على ذلك أن يهودية كانت موادعة -أي مستأمنة غير ذمية- قد شتمت الرسول - ﷺ - فأهدر دمها ولم يعاقب قاتلها (٣).
وكذلك أنس بن زنيم من بني بكر، هجا رسول الله - ﷺ - فأهدر دمه مع أنه لم يكن ذميًا، وإنما كان موادعًا فهو في حكم المستأمن (٤).
_________________
(١) مغني المحتاج ج١ ص٣٠٠.
(٢) انظر الأحكام السلطانية للماوردي ص١٤٦. وانظر نيل الأوطار للشوكاني. ج٨ ص٢٢٢ - ٢٢٣.
(٣) انظر الصارم المسلول على شاتم الرسول/ ابن تيمية ص٦٠ - ٦١.
(٤) المرجع السابق ص٨٠٦.
[ ٢ / ٦١٩ ]
المبحث الرابع: تعامل المسلمين مع الكفار المحايدين
سبق أن تناولنا موقف الدولة الإسلامية من الكفار عامة وقلنا في توجيه مفهوم الحرب والسلم في الإسلام أن الدولة الإسلامية الحقة دولة دعوة وجهاد. في سبيل الله، وهي تدعو أول ما تدعو بالحكمة والموعظة الحسنة وإبلاغ الدعوة بالكلمة الطيبة والمجادلة اللطيفة، قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (١).
وهذا العمل ليس تدخلًا في شئون الآخرين على جهة الإفساد كما يصوره أعداء الإسلام، وإنما هو تدخل لإصلاح حالهم في الدنيا والآخرة، فإن أبوا ذلك وحالوا بين المسلمين وبين إبلاغهم كلمة الحق، وجب عند
ذلك استعمال النوع الثاني من أساليب الدعوة وهو الجهاد، فالجهاد
يضطر إليه المسلمون اضطرارًا، ليس حبًا منهم لإراقة الدماء، ولا لقسر الناس كأفراد على الدخول في الإسلام، وإنما يحتاجون إليه كما يحتاج الطبيب إلى استئصال بعض الأعضاء الفاسدة في الجسم محافظة على سلامة الجسم كله من
_________________
(١) سورة النحل آية (١٢٥).
[ ٢ / ٦٢٠ ]
الموت وسريان المرض فيه، وكذلك المجاهدون يستأصلون القوة الفاسدة التي تقف في وجه الحق وتمنع الدعوة والدعاة من أن يبلغوا الناس دين الله كما أنزله الله، ودعا إليه رسوله - ﷺ - (١).
ولذلك إذا وجد من الكفار من يرغب التعامل مع المسلمين على أساس السلم، وتبادل المنافع والاحترام المتبادل، وإطلاق حرية الدعوة إلى الله بين أفرادهم وداخل مجتمعاتهم وأن يقفوا موقف الحياد في قتال المسلمين عدوًا ذا شوكة، فإن الأدلة الشرعية تقرر وجوب مسالمتهم، ما دامت حرية الدعوة إلى الإسلام مكفولة، فليس هناك حاجة إلى الحرب أو القتال، حيث إن الإسلام لا يريد أن يكره الناس أن يكونوا معه، ولكنه لا يسمح لهم أن يقفوا ضده، أو يحاربوه بأية وسيلة من وسائل الحرب المتعددة، فهو لا يعتبر كل من ليس معه عدوا له تجب محاربته والقضاء عليه، كما هو منهج المبادئ الوضعية، والقوانين الجاهلية، بل يحمل هؤلاء الذين يقفون من الإسلام موقف الحياد، بأنهم أناس يجهلون حقيقة الإسلام ومميزاته العظام، فهو يرجو من هؤلاء المحايدين أن ينحازوا إلى الإسلام، حينما تزول الملابسات والتصورات التي تمنعهم من الدخول فيه وقد حصل هذا بالفعل في بلاد النوبة (٢) وغيرها من بلاد المسلمين.
قال تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) (٣) وهذه الآية من الآيات المحكمة التي لم يتطرق إليها النسخ (٤) وهي تعني أن الله أوجب مسالمة من يقف من
_________________
(١) انظر النظم الدولية في القانون والشريعة. د/ عبد الحميد الحاج ص١٤١ - ١٤٧.
(٢) النوبة منطقة ممتدة على شاطئ النيل من أسوان جنوب مصر حتى دنقلة في السودان. انظر ذلك في الموسوعة العربية/ محمد شفيق غربال، م٢ ص١٨٥١.
(٣) سورة النساء آية (٩٠).
(٤) انظر الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس ص١١١.
[ ٢ / ٦٢١ ]
المسلمين موقف الحياد، فلا يحاربهم، لا يعين عليهم محاربًا قال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (١) فهذه الآية والتي قبلها نص صريح واضح في تقرير مبدأ مسالمة المحايدين من الكفار لأن ذلك مما يتفق وروح الدعوة الإسلامية التي انتشرت بطريق السلم في أندونيسيا والسودان والصومال ووسط أفريقيا، وجنوب شرق آسيا عامة، حيث يعتبر الإسلام الحرب ضرورة لدفع العدوان المانع من وصول الدعوة إلى الناس فإن زال المانع والتزم غير المسلمين جانب السلم مع المسلمين وسارت العلاقات بينهما سيرًا طبيعيًا دون أن يكدر صفوها شيء وجب اعتبار هؤلاء محايدين، ووجب الكف عن أذاهم وحسن معاملتهم.
ومن الأمثلة العملية على وجود المحايدين من الإسلام ما يلي:
١ - حالة أهل الحبشة فقد اعتبرها المسلمون من البلاد التي لا يجوز بدؤها بالقتال، فقد ورد فيما يروى عن النبي - ﷺ - أنه قال: «اتركوا الحبشة ما تركوكم، فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة» (٢) وقد ضعف الألباني هذا الحديث (٣) وقد سئل الإمام مالك ﵀ عن صحة هذا الحديث فلم يعترف بصحته، ولكن قال: «لم يزل الناس يتحامون غزوهم» (٤).
وورد أيضًا فيما يروى عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم» (٥) وقد حسن الألباني الاستشهاد به ومال
_________________
(١) سورة الممتحنة آية (٨).
(٢) رواه النسائي في سننه ج٨ ص٤٤، والبيهقي في السنن الكبرى ج٩، ص١٧٦ وأبو داود في سننه ج٤ ص١٦٢.
(٣) أخرجه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ج٢ ص٤١٥ - ٤١٧ برقم (٧٧٢).
(٤) انظر بداية المجتهد/ محمد بن أحمد القرطبي ج١ ص٣٦٩.
(٥) رواه أبو داود والنسائي. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ج٢ ص٤١٦.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
إلى توثيقه. ولكن الصواب أن معناه لا يصح الأخذ به، فلو صح عند أصحاب رسول الله - ﷺ - وعملوا به لما توجهت جيوش الفتح الإسلام إلى تركيا والقسطنطينية حيث لو توقف المسلمون في حدود الشام، لما توجه الترك لحربهم لو علموا ذلك من المسلمين.
أما بلاد الحبشة فقد أعتبرت في عهد الصحابة (﵃) أكثر من بلاد محايدة، بل هي بلاد مناصرة لأهل الإيمان، لمعاملتها الحسنة للمسلمين في هجرتهم إليها أيام النجاشي.
ولكن بما أن أحكام الإسلام لم تكن نافذة فيها فهي ليست دار إسلام، وباعتبارها مسالمة لأهل الإسلام مناصرة لهم فهي ليست دار حرب وعلى هذا يمكن أن تسمى (دار حياد) بمفهوم العصر الحاضر (١).
٢ - يشبه موقف أهل الحبشة موقف أهل النوبة في جنوب مصر وشمال السودان على ضفتي نهر النيل من أسوان في مصر إلى دنقلة في السودان وهي مملكة نصرانية في السابق وقفت في وجه المسلمين الفاتحين واستعصت عليهم وكلفت الجانبين خسائر جسيمة، وأخيرًا عقد ملكها عقد صلح مع المسلمين يقوم على مبدأ التسامح بينهم في حرية الدعوة والاعتقاد وحسن الجوار، وتبادل المنافع الاقتصادية، حيث إن مصر تمد بلاد النوبة بالحبوب والثياب والخيل، والنوبة تمد مصر بالماشية وعمال فلاحة الأرض، لينصرف المسلمون إلى الجهاد وقد استمرت هذه المعاهدة أكثر من ستمائة سنة حتى الحكم الفاطمي في مصر (٢). وبهذا لم تكن بلاد النوبة في ذلك العهد من دار الإسلام لعدم نفاذ أحكام الإسلام فيها، ولا من دار العهد لعدم وجود علاقة الخضوع والتبعية للمسلمين.
_________________
(١) انظر العلاقات العامة والخاصة في الإسلام تأليف مجموعة من الدكاترة ص٩.
(٢) انظر تاريخ الإسلام السياسي د/ حسن إبراهيم ج٢ ص٢٠٤. وانظر آثار الحرب في الفقه الإسلامي د/ وهبة الزحيلي ص٩١٤. وانظر العلاقات العامة والخاصة في الإسلام/ مجموعة أساتذة ٩٨.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
ولا بدار حرب تعلن عداوتها للإسلام والمسلمين، فهي إذا يمكن تسميتها دار مسالمة وموادعة وحياد.
ويمكن أن تعتبر بعض الدول الأوروبية الصغيرة مثل النمسا وسويسرا التي تقف في الظاهر من قضايا الإسلام موقف المحايد، دولًا محايدة ما لم يثبت خلاف ذلك من محاربة للإسلام والمسلمين، أو تتعاون مع المحاربين للإسلام وأهله. وقد روى ابن سعد أن النبي - ﷺ - وادع بني صخر من كنانة ألا يغزوهم ولا يغزوه ولا يكثروا عليه، ولا يعينوا عليه عدوًا، وكتب بينه وبينهم كتابًا بذلك (١).
ويجوز استخدام الكفار المسالمين المحايدين للدعاية لصالح المسلمين وإيقاع الرعب والهزيمة المعنوية في الكفار المحاربين فقد مر معبد بن أبي معبد الخزاعي برسول الله - ﷺ - وهو في حمراء الأسد (٢) بعد موقعة أحد، ومعبد يومئذ مشرك فقال: يا محمد لقد عز علينا ما أصابك ولوددنا أن الله عافاك فيهم ثم خرج رسول الله - ﷺ - بحمراء الأسد، حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء (٣).
وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله - ﷺ - وأصحابه، وقالوا: أصبنا جل أصحابه، وأشرافهم وقادتهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم! لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم.
فلما رأى أبو سفيان معبدًا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط! يتحرقون عليكم تحرقًا! من الحنق (٤) عليكم، لم أر مثله قط! قال ويحك، ما تقول؟ قال: والله ما
_________________
(١) انظر في ظلال القرآن م٤ ج١٠، ص١٢٣.
(٢) حمراء الأسد مكان على بعد ثمانية أميال من المدينة نحو مكة.
(٣) الروحاء قرية لمزينة على مسافة ليلتين من المدينة.
(٤) الحنق: شدة الغيظ.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
أرى أن ترحل حتى نرى نواصي الخيل: قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم. قال: فإني أنهاك عن ذلك (١).
وبناء على ذلك فإن الكفار المسالمين المحايدين لا تجب معاداتهم ولا تصح موالاتهم، وإنما يعاملون بالعدل والإحسان والبر، فلا يعادون عداوة المحاربين ولا يوالون موالاة المؤمنين وإنما يجوز معهم التعامل على أساس العدل والصلة بالمعروف وكف الأذى والعدوان عنهم، ما دام أنهم يبادلون المسلمين هذا الشعور، ويقفون منهم ذلك الموقف المتسامح الذي ينبئ عن مبدأ قبول الدعوة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وهذه هي الغاية التي يريدها الإسلام في الدعوة والجهاد، فإذا توفرت في قوم وجب الكف عنهم واحترام حقوقهم إذا كانوا يحترمون المسلمين، ويلتزمون بموقف الحياد من الإسلام وأهله التزامًا حقيقيًا صادقًا لا مراوغة فيه ولا احتيال.
وإذا حصل نزاع بين الكفار بعضهم مع بعض فإنه يجوز للمسلمين تأييد أحد الطرفين على الآخر تأييدًا معنويًا وذلك مثل ما حصل من الحرب بين الفرس والروم، فعندما هزم الفرس الروم في أول الأمر فرح كفار مكة وقالوا للمسلمين لقد هزم إخواننا الفرس إخوانكم من أهل الكتاب حيث كان كفار قريش يوالون الفرس نظرًا إلى أنهم جميعًا أميون وكان المسلمون يقفون بمشاعرهم مع الروم لأنهم أهل كتاب فدارت المعركة مرة أخرى وانتصر الروم على الفرس وفرح المسلمون بذلك (٢). ونزل في ذلك قوله تعالى: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (٣).
_________________
(١) انظر تهذيب سيرة ابن هشام/ عبد السلام هارون ص١٩٤.
(٢) انظر تفسير ابن كثير ومعه تفسير البغوي – معالم التنزيل – ج٦ ص٤١٢ – ٤١٦ – (ط – ١ – مطبعة المنار بمصر – ١٣٤٧هـ).
(٣) سورة الروم آية (١ - ٥).
[ ٢ / ٦٢٥ ]
المبحث الخامس: تعامل المسلمين مع الكفار المحاربين
إن التجربة والتاريخ قد أثبتا أن الكفر ملة واحدة، وإن أعداء الإسلام كل لا يتجزأ، فهم يقفون منا موقفًا عدائيًا واحدًا على مر العصور وتكرار الدهور.
إنهم قد يختلفون في مناهجهم ومنطلقاتهم في الحياة فيما بينهم ولكنهم يجمعون على عداوة الإسلام وحربه رغم تباينهم ورغم حرص المسلمين على موادعتهم ومسالمتهم ورغم أن معظم مصالحهم عند المسلمين وهؤلاء المحاربون يمكن تقسيمهم إلى ثلاثة أقسام.
١ - المحاربون من أهل الأوثان.
٢ - المحاربون من اليهود.
٣ - المحاربون من النصارى.
وكل من هؤلاء لهم مواقف عدائية لا يقل بعضها عن البعض ولكن موقف المسلم في معاداته لمن ينكر وجود الله إنكارًا كليًا أشد من موقفه من
[ ٢ / ٦٢٦ ]
اليهود والنصارى الذين يؤمنون بوجود الله، وإن كانوا لا يطبقون شرعه، ولا يلتزمون بمنهجه.
وعداوة المسلم للمحاربين اليهود أشد من عداوته للمحاربين النصارى عملًا بقوله تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) (١) فيكون النصارى في الدرجة الثالثة بعد اليهود هذا إذا كان هؤلاء كلهم أهل حرب للإسلام والمسلمين، وهم دائمًا في الغالب كذلك وقد نهى الله ﷿ عن موالاة المحاربين للإسلام والمسلمين أيا كان نوعهم قال تعالى:
١ - (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (٢).
٢ - وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) (٣).
٣ - قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٤).
٤ - قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٥) ومحاربة هؤلاء للإسلام قد تأتي من طرف واحد من هذه الأطراف.
_________________
(١) سورة المائدة آية (٨٢).
(٢) سورة المجادلة آية (٢٢).
(٣) سورة الممتحنة آية (١).
(٤) سورة المائدة آية (٥١).
(٥) سورة المائدة آية (٥٧).
[ ٢ / ٦٢٧ ]
الثلاثة وقد تأتي من بعضهم مثل تعاون النصارى مع اليهود في فلسطين وأهل الأوثان مع النصارى في الهند وجنوب شرق آسيا والشيوعيين مع اليهود في روسيا، وقد تأتي منهم جميعًا بناء على مكر يمكرونه وتآمر يتآمرونه على الإسلام والمسلمين.
ولنبدأ بعرض موجز يوضح محاربة هذه الأصناف أو معظم المنتمين إليها للإسلام والمسلمين.
المحاربون من أهل الأوثان
إن الشيوعيين عبدة أوثان وإن ادعوا العلم والمعرفة ذلك أنهم يقدسون المادة ويرون أنها الفاعلة لكل شيء فيمنحونها خصائص الألوهية ويتخذونها لهم إلهًا من دون الله ذلك أن شعارهم «لا إله والحياة مادة» (١) ومهما
يكن من أمر فإن الشيوعية صناعة يهودية قام على بعثها وترويجها ماركس اليهودي الألماني، وقد خلفه على ذلك عدد من أعضاء المجلس الشيوعي الذي حكم روسيا سنة (١٩٥١م) حيث كان سبعة عشر عضوًا من اليهود الصرحاء وكان ستالين الرئيس البارز للشيوعية متزوجًا بيهودية (٢)، وفي اجتماع سري لليهود في فلسطين حضره الحاخام (جو آشيم برنز) قال فيه أيها السادة كلكم يعرف مدى الصلة القائمة بيننا وبين إخواننا اليهود في روسيا، وما لهم من أيادي كريمة في مساعدتنا، وخاصة بموقفهم منا إبان حرب فلسطين، وهذا الموقف رجح كفتنا، ومكننا من طرد العرب الغزاة عن أرض وطننا المقدس، ولو لم تكن الأسلحة التي أمدونا بها والتي نقلتها إلينا طائراتهم في الوقت المناسب لما قامت إسرائيل ألبتة، والأسلحة التي ندفع بها اليوم
_________________
(١) انظر الاشتراكية والإسلام/ تعريب صهيب عبد الغفار تأليف مسعود الندوي ص٢٧. وانظر حكم الإسلام في الاشتراكية/ عبد العزيز البدري ص١١٩. وانظر نقض الاشتراكية الماركسية/ غانم عبده ص٨.
(٢) انظر كتاب الكيد الأحمر/ عبد الرحمن حنبكة ص٩٣.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
عن حدودنا في إسرائيل هي أيضًا مما أرسله لنا إخواننا اليهود في روسيا وهي التي دفعت بالألوف من يهودها للالتحاق بالقوات الإسرائيلية ليساعدونا في حرب التحرير (١)، وهي ما تزال تساعدنا حتى اليوم لقاء ما قدمناه لها في ثورتها، وتنظيم شئونها، وتثبيت دعائم الشيوعية فيها (٢).
وقد نشرت جريدة المدينة المنورة بتاريخ ٢٥ رجب سنة ١٣٩٩هـ العدد (٤٦٢٢) ما يلي:
هاتفيًا - من عبد الباري عطوان:
لندن - وُزعت في لندن أمس الثلاثاء منشورات صادرة عن منظمة إنكليزية أمريكية مناهضة للشيوعية والصهيونية فيها حقائق مذهلة مدعومة بالأرقام والأسماء تقول:
«إن مجلس السوفيت الأعلى والمكتب السياسي فيه» يتألف منه ٩٠% من اليهود السوفيت، وإن أبرز الزعماء السوفيت ينتمون إلى الصهيونية حتى أن "ليونيد بريجينف" وهو الشخص الوحيد من بين كبار الشخصيات السوفيتية الذي ليس يهودي الأصل متزوج من يهودية، وإن جميع أولاده تربوا على الطريقة اليهودية ويجيدون اللغة العبرية ونالوا قسطًا من الثقافة الصهيونية (٣).
وبناء على ذلك فإن الشيوعيين وعملاءهم في كل مكان يسيرون وفق
_________________
(١) في برنامج بثته إذاعة الكويت عصر يوم الاثنين ٢/ ١/١٤٠١هـ، ١٠/ ١١/١٩٨٠م. أن المعدل السنوي لهجرة اليهود المدربين عسكريًا وعلميًا وصناعيًا من روسيا إلى دولة اليهود في إسرائيل (٢٥) ألف يهود وأنه خلال العشر سنوات الماضية هاجر إلى إسرائيل ربع مليون يهودي يشكلون القوة الرئيسية الضاربة في إسرائيل. انظر مجلة البلاغ عدد ٥٦٧ في ١٥/ ١/١٤٠١هـ. فماذا يقول باعة الجولان وأنصارهم في ليبيا وعدن؟
(٢) انظر كتاب الكيد الأحمر/ عبد الرحمن حنبكة ص١٠٠ - ١٠١.
(٣) المصدر السابق ص٩٣/ ٩٤.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
مخطط بروتوكلات حكماء صهيون (١) والبرهان على ذلك أن الشيوعية ما تحل في بلد إلا وتجعل فاتحة عملها سحق المسلمين حتى النهاية وهذا الحقد الدفين إنما هو جزء من حقد اليهود ضد الإسلام والمسلمين، ففي روسيا قتل الشيوعيون ما لا يقل عن ستة وعشرين مليونًا من المسلمين في خلال ربع قرن (٢). وأغلق أكثر من أربعة وعشرين ألف مسجد (٣).
وها هي الشيوعية اليوم تكمل ما فعلته بالأمس في غزوها لأفغانستان فقد قتلت ما يقارب المليون (٤) وشردت مليونين ونصف لاجئ في باكستان (٥).
ولا تزال قواتها تحصد المسلمين وسوف تتجاوزهم إلى غيرهم إن استطاعت ذلك، وروسيا الشيوعية ليست الدولة الشيوعية الوحيدة التي تحارب الإسلام في أفغانستان وغير أفغانستان، بل معها كل الدول الشيوعية فقد أسر المجاهدون الأفغان جنودًا كوبيين ومجريين وبلغاريين وغيرهم وقد سبق أن أشرنا إلى ما فعله الشيوعي تيتو في يوغسلافيا حيث قتل ما يقارب المليون من المسلمين (٦).
ومع ذلك يستقبل - قبل هلاكه في بعض البلاد الإسلامية - كأعز صديق للمسلمين.
_________________
(١) انظر بروتوكولات حكماء صهيون ص١٢٧ ترجمة محمد التونسي.
(٢) أثر العلاقات الدولية في الإسلام د/ كامل سلامة الدقسي ص١٦٣.
(٣) انظر التضليل الاشتراكي. د/ صلاح الدين المنجد، ص٨٤.
(٤) انظر مجلة المجتمع عدد (٥٥٠) في ١٣/ ١/١٤٠٢هـ، ص ٢٠ - ٢٥، فقد ذكر عبد رب الرسول سياف زعيم المجاهدين أن عدد الذين استشهدوا أكثر من ثمانمائة ألف مسلم.
(٥) هذا العدد من كلمة عبد رب الرسول سياف أحد قادة المجاهدين الأفغاني من كلمته التي ألقاها في مؤتمر القمة الإسلامي الذي عقد بالطائف في الفترة من ١٩ إلى ٢٣ من شهر ربيع الثاني ١٤٠١هـ.
(٦) انظر العلاقات الدولية في الإسلام د/ كامل سلامة الدقس، ص١٦٣ - ١٦٥.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
لقد تجاوز خطر الشيوعية والشيوعيين ذلك، إلى التغلغل في داخل البلدان الإسلامية حيث نشأت أحزاب شيوعية في معظم البلاد الإسلامية بعضها ظاهر، وبعضها مستتر وهدف هذه الأحزاب حسب المخطط اليهودي الصليبي هو القضاء على الإسلام وجعل المسلمين أمة ممسوخة لا قيمة لهم في الحياة وقد وصل بعض رجال الشيوعية إلى السلطة في بعض البلاد الإسلامية وبدأوا يمارسون دورهم الخياني في الحرب ضد الإسلام والمسلمين والبعض الآخر يعمل من وراء الستار تمهيدًا للقفز إلى سدة الحكم، وكل هذه الأحزاب الطاغوتية الكافرة على ولاء تام مع اليهود وارتباط وثيق بهم، يمثل ارتباط الفرع بالأصل ففي سنة ١٩٤٨م طلعت جريدة الراية العراقية الشيوعية تقول: «إن الشعب العراقي يرفض أن يحارب الشعب الإسرائيلي الشقيق» (١). اهـ.
وأرسل خالد بكداش العميل الشيوعي لروسيا (فرج الله الحلو) أحد الشيوعيين في سوريا إلى تل أبيب للتنسيق مع اليهود واستقدام (تخمان لفنيسكي) اليهودي كي يعمل مستشارًا للحزب الشيوعي في سوريا، وفي أواخر الستينات نشر لطفي الخولي الشيوعي المصري في جريدة الأهرام: «إن المصريين لا يضمرون إلا الحب والتقدير للعمال والفلاحين اليهود» وكأن هؤلاء لم يسفكوا دماء الفلسطينيين ولم يحتلوا أرضهم (٢).
بل لقد وصل الأمر بالشيوعيين العرب والفلسطينيين منهم خاصة أن يلتقوا تحت العلم الإسرائيلي في مؤتمرات دولية وندوات عالمية جنبًا إلى جنب مع أفراد من عصابات اليهود وفي جلسات ود على كأس وشراب، وقد قرر هؤلاء أن يعملوا في صف حزب (راكاح) اليهودي، المموه بالشيوعية وهؤلاء يدورون بين أيدي الأخطبوط اليهودي، وهم لم يدركوا من سذاجتهم أنه لا فرق بين سيد شرقي أو سيد غربي أو طاغية شرقي أو طاغية غربي أو
_________________
(١) انظر مجلة الإصلاح عدد ٢٦ جمادى الثاني (١٤٠٠هـ) ص٧.
(٢) انظر مجلة الإصلاح عدد (٢٦) جمادى الثاني (١٤٠٠هـ) ص٧.
[ ٢ / ٦٣١ ]
محتل رأسمالي مبطن، أو محتل رأسمالي مفضوح، أو كوهين رأسمالي أو كوهين اشتراكي طالما يعمل الجميع لخدمة دولة الكيان الصهيوني، وطالما يحاربون الإسلام والمسلمين، فإن الكفر ملة واحدة شرقية وغربية ووسطى ولكن أين من يسمع ويبصر ثم يعي (١). قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (٢). وفي جامعة "بيرزيت" سئل رئيس مجلس الطلبة المنتخب وهو شيوعي عربي فلسطيني - عن سر اتحادهم مع الكتل اليهودية والنصرانية ضد الكتلة الإسلامية فأجاب: «نحن على استعداد أن نتحد مع الشيطان ضد الاتجاه الإسلامي» (٣).
هذه نماذج للشيوعية التي تحارب الإسلام في الخارج والداخل وقد يقول بعض المخدوعين السذج إن الشيوعية كمذهب اقتصادي لا علاقة لها بالأديان، فلماذا تناصبونها العداء وهي بهذا الشكل؟
والرد على ذلك إنما يكون بتتبع الشيوعية نظرية وواقعًا. ففي المجال النظري يقول ماركس اليهودي الألماني: «الدين أفيون الشعوب» هذا شعاره وشعار ببغاواته أذنابه، ويقول ماركس أيضًا: «لا بد لكل شيوعي أن يتخلص من رجال الدين بأي وسيلة وبأي صورة» (٤). اهـ.
ودعاة الاشتراكية هم دعاة إلى الشيوعية ولكنهم يريدون خداع الشعوب الإسلامية باستعمال مصطلح أخف وقعًا على الأسماع من
الشيوعية، وليغرروا بالضعفاء والسذج من العمال والكادحين، إنهم سوف
_________________
(١) انظر مجلة المجتمع الكويتية عدد (٥٤٧) الثلاثاء ٢٩/ ١٢/١٤٠١هـ. السنة الحادية عشرة ص٢٥ عن مقال من هم الخونة بقلم يوسف العظم.
(٢) سورة البقرة آية (٦، ٧).
(٣) انظر مجلة المجتمع الكويتية العدد (٥٥٠) السنة الحادية عشرة الثلاثاء ١٣/ ١/١٤٠٢هـ، ص٤٧.
(٤) انظر العلاقات الدولية في الإسلام. د/ كامل سلامة الدقس ص١٦٣.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
يجعلون لهم الأرض جنة خضراء، ولكن الواقع في البلدان الشيوعية عكس ذلك تمامًا فهذه بولندا تريد أن تطلق الشيوعية إلى غير رجعة بعد أن اكتوت بنارها وجنت مرارة تطبيقها.
وكإثبات على أن الاشتراكية ضد الأديان ولا تلتقي معها نذكر ما نشرته مجلة كومنست السوفيتية في أول يناير سنة (١٩٦٤م) حيث جاء فيها ما يلي:
إن بين الاشتراكية العلمية وبين الأديان السماوية صراعًا مستمرًا، ولقد أوصانا لينين منذ البداية بأنه لن يستقر التحول الاشتراكي الصحيح إلا بالقضاء على الدين (١).
فروسيا بدأت تنافس أمريكا في محاربة المسلمين، فبعد أن كانت أمريكا تدعم إسرائيل وتمنحها التأييد المطلق والدعم القوي أخذت روسيا تشعل الحروب في البلاد الإسلامية في آسيا وأفريقيا لضرب الإسلام والمسلمين، فقد حاولت إذلال شعب أرتيريا المسلم لصالح الأحباش الشيوعيين، وحاولت إذلال الجزيرة العربية عن طريق تدخلها بواسطة عملائها في جنوب الجزيرة وشمالها، وأخيرًا احتضن الدب الروسي أفغانستان واجتاحها بكل ما يملك من قوة لسحق الطلائع الإسلامية التي انبعثت في أرض أفغانستان والتي بدأت تهدده في عقر داره.
وسوف تستمر الحرب بين الإسلام والشيوعية حتى يأذن الله بنصره للمؤمنين على الكافرين، عند توفر أسباب النصر وانتفاء الموانع من قبل المسلمين أنفسهم قال تعالى: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (٢).
_________________
(١) استمع إلى محاضرة مسجلة للدكتور/ علي جريشه بعنوان أعداء في طريق الدعوة. تسجيلات اليمامة بالرياض البطحاء عمائر الدغيثر.
(٢) سورة محمد آية (٧).
[ ٢ / ٦٣٣ ]
وقال تعالى: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (١). وقال تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (٢).
فيجب أن لا نخاف من أعدائنا بقدر ما نخاف من أنفسنا، فلو صلحت منا النيات والأقوال والأفعال، لتنزل علينا النصر الذي وعدنا الله به في كتابه الكريم كما في الآيات السابقة، ولكن لم يحصل النصر لأن نفوس المسلمين تعيش في معزل عن منهج الله وعن تطبيق شرعه، ولذلك فمن الطبيعي أن يصيب المسلمين ما أصابهم فهذه سنة الله قال تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (٣).
وأهل الأوثان في الهند يشنون حملة ضد المسلمين الذين يقدر عددهم بثمانين مليون مسلم تقريبًا وقد سبق أن أشرنا إلى أنه أثناء انفصال باكستان عن الهند قَتَل عباد البقر ما لا يقل عن خمسة ملايين مسلم في أثناء هجرتهم من الهند إلى باكستان (٤). ولا زالوا يحاربون المسلمين حتى هذا اليوم ففي عيد الأضحى في ١٠/ ١٢/١٤٠٠هـ قام الهندوس مع الهندوك بإطلاق مجموعات من الخنازير بين المسلمين في مصلى العيد وكان الهدف من ذلك هو التحرش بالمسلمين وكانت فرق من الجيش الذي يمثل الهندوس والهندوك معظمه على مقربة من ذلك وبعد أن بدأ النزاع بين المسلمين وأعدائهم بلحظات فتح هؤلاء الحاقدون نيران أسلحتهم على المسلمين وقتلوا المئات واعتقلوا الآلاف (٥). ومع ذلك لم تتحرك الدول
_________________
(١) سورة الروم آية (٤٧).
(٢) سورة غافر آية (٥١).
(٣) سورة البقرة آية (١٢٤).
(٤) انظر العلاقات الدولية في الإسلام/ كامل سلامة الدقس ص١٦٣.
(٥) انظر مجلة الاعتصام العددين الثامن والتاسع السنة الرابعة والأربعون شعبان ورمضان ١٤٠١هـ ص١٧.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
التي تدعي الإسلام ولا الشعوب الإسلامية بأي نوع من أنواع الاستنكار، بل إن العلاقات تتوطد يومًا بعد يوم مع هؤلاء الوثنيين الذين يحاربون الله ورسوله والمؤمنين. فلا حول ولا قوة إلا بالله.
المحاربون من اليهود
إن عداوة اليهود وحربهم للإسلام أمر لا يحتاج إلى دليل إلا إذا كانت الشمس تحتاج في إثباتها إلى دليل، وقد يفرق بعض السذج والأغبياء بين اليهود والصهاينة بأن اليهود مسالمون طيبون وأن الصهاينة هم الأعداء المحاربون ونحن نقول إن ذلك من مكر اليهود وتضليلهم، فاليهود صهاينة والصهاينة يهود، والله ﷿ قد أعطانا تأكيدًا في عداوة اليهود للمسلمين في قوله تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) (١).
والتعبير القرآني يفيد الاستقبال والاستمرار، وهو وإن كان موجهًا للرسول - ﷺ - فإن الأمة داخلة في ذلك كما هو منهج القرآن الكريم في هذه الآية ونحوها من آيات القرآن الكريم فاليهود كلهم اليوم يعلنون الحرب على الإسلام والمسلمين سواء اليهود الذين انتزعوا المسجد الأقصى والأرض المباركة أو اليهود الذين يتربعون على مقاعد الكونغرس الأمريكي أو اليهود في مجلس السوفيت الأعلى أو اليهود في بريطانيا وفرنسا وأوروبا كلها كل هؤلاء أعداء لنا، وينظرون إلينا بأننا مجرد حيوانات لخدمتهم فقد قال أحد قادتهم في احتفال ماسوني في سنة (١٩٦٤م): «إنه نتيجة لمجهوداتكم المثمرة سيأتي اليوم الذي تحطمون فيه الدين الإسلامي والمسيحي ويتخلص المسلمون والمسيحيون من معتقداتهم الباطلة المتعفنة» (٢). اهـ.
_________________
(١) سورة المائدة آية (٨٢).
(٢) انظر حكومة العالم الخفية/ تأليف - شبريب سبيريد وفيتش ترجمة مأمون سعيد ص١٣.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
وقد جاء في التلمود «والشعب المختار هم اليهود فقط، أما باقي الشعوب فهم حيوانات» (١)، واليهود يغتصبون البلاد الإسلامية ويسرقونها ثم إذا تركوا جزءًا لمصلحتهم الخاصة أو للحصول على ما هو أكبر منه تجدهم يشعرون كأنه ملكهم الخاص قال (إسحاق نافون) أحد البارزين في دولة التسلط والعدوان على دار الإسلام وذلك أثناء تسليم العريش لمصر وبحضور (أنور السادات) قال نافون: «إننا في هذه اللحظات لا نعيد العريش إلى مصر ولكننا نتنازل عن جزء هام من أرضنا من أجل السلام» (٢).
واليهود في صلحهم مع مصر أو غير مصر لم يجنحوا إلى السلم كما يدعي بعض الخونة الذين خانوا الله ورسوله وخانوا آماناتهم، وإنما هم حتى في صلحهم المزعوم هم محاربون لله ورسوله والذين آمنوا، وهذا الأمر الذي قد يسميه السذج من الناس صلحًا أسلوب من أساليب الحرب ووسيلة من وسائل المكر الخبيث التي يستخدمونها ضد الإسلام والمسلمين. فهذا الصلح المزعوم حقق لليهود مصالح كثيرة لا يمكن لهم أن يحققوها عن طريق الحرب وهي كما يلي:
١ - تمكنوا من عزل مصر عن بقية الدول التي تدعي الإسلام، ومصر تمثل الثقل الكبير في هذه المجموعة، فالقضاء عليها قضاء على الشوكة الكبرى، وتحطيم معنوي للدويلات الصغرى التي كانت تشعر بالقوة في موقف مصر معها.
٢ - أنهم بهذا الصلح الوهمي أوقفوا عملية التصنيع الحربي وأجهضوا الخطة المرسومة لذلك، وذلك حتى تفقد الشعوب الإسلامية الأمل في إمكانية التصنيع الحربي، ولكي يضغطوا على الدول المنتسبة إلى
_________________
(١) انظر مقارنة بين الأديان (١) اليهودية/ أحمد شلبي ص٢٧٦.
(٢) انظر مجلة البلاغ العدد (٥١٤) في ٢٣/ ١١/١٣٩٩ هـ ص٤٠.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
الإسلام لتتسابق إلى شراء الأسلحة - نتيجة شعورها بالضعف والخوف عند عزل مصر عنها - من الدول المتقدمة صناعيًا والتي لديها مخزون كبير من الأسلحة وقد استغنت عنه نظرًا لوجود ما هو أقوى منه فتكًا وكفاءة، فهي تريد التخلص منه ولكن بعد أن تأخذ ثمنه أضعافًا مضاعفة، وهي ترى أنها قادرة على إبطال مفعوله لو استخدم في غير صالحها وصالح عملائها.
٣ - إن الصلح مهد لليهود الدخول في مصر، ومصر مركز التأثير الفكري والعسكري على بقية دول المنطقة وفيها إمكانيات كبيرة للتعاون مع اليهود نظرًا لوجود نسبة كبيرة من النصارى وقلة من اليهود الذين يتمتعون بنفوذ لا بأس به في مراكز القيادة والتوجيه ولوجود عامة المسلمين في فقر مدقع يجعل من السهل على اليهود اصطيادهم بطرق متعددة وبذلك يتمكن اليهود بالتآمر مع النصارى على ضرب المسلمين في مصر وعزلهم عن مركز السلطة وسحقهم حتى النهاية وبذلك تستسلم بقية الشعوب الإسلامية لمخططات اليهود ومطالبهم.
٤ - إن في الصلح فرصة لبناء دولة اليهود في الداخل وإعطائها حالة من الأمن والاستقرار لتشجيع اليهود في الداخل والخارج لبناء المؤسسات الاقتصادية والهجرة إليها من الخارج أكثر من ذي قبل.
٥ - إن في الصلح فرصة للوقيعة بين الدول العربية التي هي في الحقيقة تدور في فلك المخططات اليهودية من حيث تشعر أو لا تشعر، فالدول التي سمت نفسها دول جبهة الصمود والتصدي هي تسير ضمن فلك المجموعة الشيوعية التي هي بالتالي تخضع للسيطرة اليهودية فكريًا وعمليًا والدول التي التزمت بالصمت أو أظهرت جانبًا من الرضا والتأييد الخفي أو المعلن لمصالحة اليهود هي أيضًا تسير في فلك الدول الغربية التي يوجهها اليهود في لندن أو واشنطن وبالتالي فإن الصراع المفتعل
[ ٢ / ٦٣٧ ]
بين الزعامات العربية يخدم اليهود سواء كان الولاء لليهود الشرقيين أو اليهود الغربيين فإن النتيجة واحدة سواء بسواء.
٦ - إن في صلح اليهود مع مصر قضاء على الإسلام في داخل مصر بواسطة الشروط التي وضعتها إسرائيل في مجال الفكر والاعتقاد والفن وما إلى ذلك، فاليهود عندما يتنازلون عن سيناء لمصر مقابل القضاء على الإسلام في داخل مصر أعظم كسبًا من الاحتفاظ بسيناء في الوقت الذي يتزايد فيه عدد المسلمين العاملين للإسلام بإخلاص في داخل مصر مما يشكل خطرًا عظيمًا على محو إسرائيل من الوجود كله، وبهذا الصلح تمهد إسرائيل الطريق لتمديد حدودها إلى ما وراء نهر النيل عندما تخلو أرض مصر من الإسلام والمسلمين. وحكم الإسلام في الأعداء المحاربين الذين يحتلون أرض المسلمين ويقاتلون المسلمين لأجل دينهم ويخرجونهم من ديارهم أو يظاهرون على إخراجهم أن قتالهم وجهادهم فرض عين على كل مسلم ما لم يوجد العدد الكافي لحربهم ودحرهم عن دار الإسلام (١).
فهذه البلاد الإسلامية التي احتلها الكفار من اليهود أو أشباه اليهود يجب على كل مسلم صادق في إسلامه محاربتهم وطردهم عن دار الإسلام بالقوة.
حيث إن جهاد المعتدي ومقاومة عدوانه دفاعًا عن الدين ودفاعًا عن النفس هما جانبان لحق واحد لا يمكن قبول تركه أو التنازل عنه بحال من الأحوال (٢).
وجهاد الكفار أو المرتدين داخل الدولة الإسلامية من غير أهل العهد والذمة أولى وألزم من جهاد الكفار خارج دار الإسلام، وعلى هذا فإن آيات
_________________
(١) انظر المغني والشرح الكبير ج ١٠ص ٣٦٦.
(٢) انظر النظرية المعاصرة للحياد - دكتوره/ عائشة راتب ص ٢٣٧.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
الجهاد في دلالتها على جهاد الكفار المحاربين في الداخل قبل الكفار المحاربين في الخارج قال تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (١).
وقال تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (٢). فإذا كان قتال الكفار المحاربين خارج الدولة الإسلامية فما بالك بالكفار المحاربين داخل الدولة الإسلامية سواء كانوا كفارًا بالأصالة كاليهود والنصارى. أو بالردة والموالاة لهؤلاء، كالذين يتولون الشيوعيين أو اليهود أو النصارى، فهؤلاء كفار ومن يتول الكفار موالاة تامة فحكمه الكفر سواء كان هؤلاء الكفار خارج بلاد المسلمين أو داخلها قال تعالى: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (٣).
يقول ابن سعدي في تفسيره: إن ذلك الظلم يكون بحسب التولي فإن كان توليًا تامًا، كان ذلك كفرًا مخرجًا عن الإٍسلام وإن كان أقل من ذلك فقد يكون كبيرة من كبائر الذنوب أو ما دونها بحسب درجة الموالاة لهؤلاء الكفار (٤).
وبناء على ذلك فإن الذين يتولون اليهود أو النصارى أو الشيوعيين الوثنيين أو البعثيين أو نحوهم من الكفار، ويناصرونهم بالقول والفعل أو بأحدهما ليسوا من أهل الإسلام وإن زعموا ذلك، خاصة إذا كانت موالاتهم موالاة تامة، أو توليًا مطلقًا.
وموالاة الكفار المحاربين لله ورسوله داخل البلاد الإسلامية أكبر إثمًا
_________________
(١) سورة التوبة آية (٥).
(٢) سورة التوبة آية (٣٦).
(٣) سورة الممتحنة آية (٩).
(٤) انظر تفسير ابن سعدي ج٧ ص٣٥٧.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
وأعظم جريمة، وأشد ضررًا على الإسلام والمسلمين من موالاتهم خارج البلاد الإسلامية، وإن كان كلا الأمرين موجبًا للخروج من الإسلام.
ولم يحدث أن المسلمين صالحوا أعداءهم وهم في موقف المهزوم وأعداؤهم في موقف المنتصر، ثم احترم الأعداء شروط الصلح ولم ينقضوها (١). ذلك أن الأعداء ليس لديهم منطلق صحيح يمنعهم من الغدر والخيانة سوى قوة المسلمين والخوف من سطوتهم ولذلك فإن الذين يسعون لمصالحة اليهود هذه الأيام يجهلون حقيقة اليهود ويجهلون وصف القرآن لهم ويجهلون أحداث التاريخ:
قالوا السلام سبيلنا يا ويحهم أو يرجع الحق السليب سلام (٢)
ما أيد الحق المضاع كمنطق تدلى به شفة السلاح الدام (٣)
ولقد كانت الخنساء أوفى لأخيها من كثير من حكام البلاد الإسلامية لأمتهم حيث قالت:
ولن أسالم قومًا كنت حربهم حتى تعود بياضًا حلكة العار (٤)
المحاربون من النصارى
إن عداوة النصارى لأهل الإسلام لا تقل خبثًا ومكرًا عن عداوة اليهود ومكرهم، ولكن النصارى قد اتفقوا مع اليهود حيث وضع الصليبيون يدهم بيد اليهود في محاربة أهل الإسلام، وقد سيطر اليهود من أجل ذلك على زمام القيادة في معظم الدول النصرانية التي لا يمثل اليهود فيها إلا قلة قليلة، وهذه المودة والتعاون لم تكن موافقة عابرة وإنما أدرك هؤلاء الأعداء
_________________
(١) انظر صفحة ٥٧٦ من هذه الرسالة.
(٢) انظر شعراء الدعوة الإسلامية ج٣ ص١٠٨.
(٣) المصدر السابق ج٢ ص٥٩.
(٤) الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري ص٤٤ (ط - ١ - ١٣٩٧).
[ ٢ / ٦٤٠ ]
الخبثاء أن التنسيق بينهم هو سبب تمكنهم وحصولهم على مقاصدهم من المسلمين، فإن في مجلس الشيوخ الأمريكي سبعين صهيونيًا وقد كان من أبرز الوزراء اليهود كيسنجر الذي لعب دورًا خطيرًا في التمهيد للمصالحة مع اليهود، ومنهم مستشار (الأمن القومي وثمانية عشر يهوديًا كانوا في إدارة الرئيس الأمريكي كارتر) (١).
والنصارى لا يزالون يحاربون المسلمين ويخططون لحربهم فقد صرح (ريجان) في حديث أدلى به لجريدة صنداي تايمز البريطانية ما نصه: «إن هناك احتمال نشوب حرب دينية في منطقة الشرق الأوسط، فقد عاد المسلمون إلى الفكرة القائلة بأن الطريق الوحيد إلى الجنة هو الاستشهاد في محاربة المسيحيين واليهود» (٢). اهـ.
وهذا التصريح فيه إعلان الحرب ضد المسلمين لأنه بين أن منطقة الحرب ستكون في الشرق الأوسط كما يسميه أي أنها حرب للمسلمين في بلادهم وعقر دارهم فهو لا يخشى على أوروبا أو أمريكا من الإسلام ولكن يريد القضاء على الإسلام فيما يسميه (الشرق الأوسط) ليتمكن اليهود والنصارى من تحقيق مآربهم فيه، وبذلك يضاف صليبي محارب جديد إلى قائمة الصليبيين في العالم الذين دمروا وسحقوا المسلمين في صمت رهيب وهم على سبيل المثال:
١ - فرديناند ماركوس - في الفلبين.
٢ - جاليوس نيريري - في أفريقيا.
٣ - مالكم فريزر - في أستراليا.
٤ - ريجان - في أمريكا.
٥ - البابا - في أوروبا.
٦ - الأساقفة في أمريكا اللاتينية.
_________________
(١) انظر المجتمع عدد (٤٨١) في ٥/ ٧/١٤٠٠هـ السنة الحادية عشرة ص٢٩.
(٢) انظر مجلة الدعوة المصرية العدد (٥٦) السنة الثلاثون (٤٣٠) شهر صفر ١٤٠١هـ.
[ ٢ / ٦٤١ ]
وكل من هؤلاء قام بدور عظيم في محاربة الإسلام والمسلمين، ولا يزال البعض منهم سائرًا هو أو خلفاؤه في الطريق نفسه، وحتى النصارى في داخل الشعوب الإسلامية تحركوا بناء على تنسيق منظم بين هؤلاء وقيادة الصليبيين في العالم الغربي، وتعاون اليهود في إسرائيل وخارج إسرائيل. فقد تحرك نصارى لنبان وهم يسعون بالتعاون مع دولة اليهود لإقامة دولة نصرانية مجاورة لإسرائيل، لتتقوى إحداهما بالأخرى ولا تزال الحرب قائمة من أجل تقسيم لبنان وتشتيته.
وفي مصر تحرك الأقباط ليقيموا دولة نصرانية في جنوب مصر وهم الآن يكدسون الأسلحة في الكنائس التي انتشرت بشكل كبير في (دولة العلم والإيمان)!!!
وكانت الأسلحة تأتيهم على شكل طرود وتدخل بتغافل من المسئولين أو تغفيلهم عن ذلك، ولم يكتفوا بذلك بل يجري بناء ميناء غير رسمي مقابل (واد النترون) ليتمكنوا من إنزال السلاح عن طريق السفن، وقد تم أخيرًا إعطاء النصارى مساحة (١٠٠٠) فدان وقد تم تسويرها ويجري تدريب القبط فيها استعدادًا للانقضاض على المسلمين (١).
وقد قام البابا (شنودة) ممثل الطائفة النصرانية في مصر بزيارات متعددة لأمريكا وأوروبا والاتحاد السوفيت وذلك لينسق تخطيطه مع أجنحة المكر الثلاثة، وحكام المسلمين وشعوبهم نيام عن أعدائهم، يحسنون إلى من يسيء إليه ويتوددون إلى من يعاديهم، ويناصرون من يخذلهم ويكرمون من يغتصب أرضهم، ويقتل إخوانهم، وينهب خيراتهم، فهل هناك خسة ودناءة وذلة أعظم من هذا الموقف مع أعداء الله؟!! (٢)
لقد وصل حقد الأقباط في مصر إلى أن يطلقوا النار على المصلين
_________________
(١) انظر مجلة الدعوة المصرية العدد (٥٦) السنة الثلاثون (٤٣٠) شهر صفر ١٤٠١هـ.
(٢) انظر محاضرة مسجلة للدكتور علي جريشة بعنوان أعداء في طريق الدعوة - تسجيلات اليمامة- الرياض- البطحاء- عمائر الدغيثر.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
كما حصل ذلك في أحداث الزاوية الحمراء وتجاوز الأمر ذلك إلى الأطفال فقد أطلقوا النار على الطفل معتز أمين علي وعمره ثلاث سنوات وأطلقوا النار على أخته التي تحمله وهي طفلة في السنة العاشرة فمات الطفل في الحال أما أخته فقد كسرت فخذاها وأصيبت إصابات بالغة.
فأي مبدأ أو دين يبيح قتل الأطفال في مثل هذه السن وبمثل هذه الصورة سوى حقد أولئك الحاقدين الذين يحقدون على كل مسلم سواء كان طفلًا رضيعًا أو شيخًا هرمًا أم شابًا جلدًا فالأمر كله عندهم سواء (١).
إن واجب المسلم مع من يحاربون الله ورسوله والمؤمنين أن يرد عليهم الصاع صاعين، فلا يستصغر لأهل الباطل، ولا يلين لمتجبر، ولا يستكين لكافر.
فموقف المؤمن مع أعداء الله يكون أبيًا مستعليًا عزيزًا، فلا يذل لمطلب من مطالبهم، ولا يمرغ وجهه في التراب تطلعًا لعرض زائل منهم قال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (٢).
وقال تعالى: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (٣).
فمن تولى الذين يحاربون الله ورسوله والمؤمنين فهو ظالم لنفسه ولأمته، والظلم قد يصل بالإنسان إلى درجة الشرك. قال تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (٤). وأي ظلم أشد من موالاة وموادة ومناصرة من حارب الله ورسوله والذين آمنوا، ألا فهل من متعظ ومتدبر ومطبق لأمر الله ورسوله؟
_________________
(١) انظر الدعوة المصرية عدد ٦٤ السنة الحادية والثلاثون (٤٣٨) شوال ١٤٠١هـ ص١٣.
(٢) سورة الفتح آية (٢٩).
(٣) سورة الممتحنة آية (٩).
(٤) سورة لقمان آية (١٣).
[ ٢ / ٦٤٣ ]
الفصل الثاني: مظاهر الولاء للكفار
(١) تمهيد لدراسة هذا الفصل.
(٢) المبحث الأول: موالاة الكفار في الحقوق العامة.
(٣) المبحث الثاني: موالاة الكفار في العلاقات الاجتماعية.
(٤) المبحث الثالث: موالاة الكفار في الشئون الاقتصادية.
(٥) المبحث الرابع: موالاة الكفار في الشئون الحربية.
(٦) المبحث الخامس: موالاة الكفار في الحقوق الجنائية.
(٧) المبحث السادس: موالاة الكفار في الإقامة بينهم والعمل عندهم.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
التمهيد لدراسة هذا الفصل
إن الأمثلة الدالة على موالاة الكفار يختلف الحكم عليها بالنسبة لأفرادها تبعًا لاختلاف أنواع الموالاة ونية الموالي وقصده، فهناك أنواع من الموالاة قد تكون كفرًا، وقد تكون معصية بحسب النية والقصد، وحسب العوامل المؤثرة في الموالاة قوة وضعفًا، فالأنواع التي قد ترتفع بصاحبها إلى الكفر وقد تتدنى به إلى العصيان ما يلي:
أولًا: الركون القليل إلى الكفار: قال تعالى: (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) (١). فإذا كان الركون القليل إلى الكفار موجب لعذاب الدنيا والآخرة فمن الأولى في الركون الكثير أو الركون المطلق؟
ثانيًا: إعطاء الكافرين أسرار المؤمنين: ومثل هذه الحال ما حصل
من حاطب بن أبي بلتعة (﵁) فإخبار الكافرين بأسرار المؤمنين
_________________
(١) سورة الإسراء آية (٧٤، ٧٥).
[ ٢ / ٦٤٧ ]
لدفع خطط المؤمنين أو لتوقي الكافرين من المؤمنين ولاء يخرج من الإيمان (١). إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فإن الله يتوب على من تاب. قال تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ) (٢).
ثالثًا: طاعة الكافرين في معصية الله: وقد نهى الله عن ذلك في قوله تعالى: (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ) (٣).
وقال تعالى: (وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) (٤).
رابعًا: تولية الكافرين مصالح المسلمين: إن تولية الكافرين على مصالح المسلمين، مع وجود من يسد مسدهم من المسلمين أمر لا يقره الإسلام، وإن تقديم الكفار على المسلمين في الوظائف والمجالس والهيئات لهو دليل على موالاتهم من دون المؤمنين.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (٥).
خامسًا: محبة الكفار ومودتهم: إن الإكرام العام للكفار والبشاشة في وجوههم ومحبتهم واستئمانهم على أموال المسلمين وخيراتهم الظاهرة والخفية دليل على موالاتهم ومحبتهم وقد قال رسول الله - ﷺ - «المرء مع من أحب» (٦).
_________________
(١) انظر جند الله ثقافة وأخلاقًا/ سعيد حوي ص١٨٣.
(٢) سورة النساء آية (١٤٦).
(٣) سورة الأحزاب آية (٤٨).
(٤) رواه مسلم انظر صحيح مسلم ج ٤ ص ٢٣٤.
(٥) سورة الشعراء آية (١٥٢ - ١٥٣).
(٦) سورة آل عمران آية (١١٨).
[ ٢ / ٦٤٨ ]
سادسًا: التشبه بهم في أمور كفرهم: إن التشبه بهم في أمور كفرهم، معاونة لهم على كفرهم، وإظهار الرضا بكفرهم، وتحقيق لأهوائهم ورغباتهم، وقد قال رسول الله - ﷺ -: «من تشبه بقوم فهو منهم» (١).
سابعًا: ذكر ما فيه تعظيم لهم: إن من موالاة الكفار ما درج عليه الحكام والرؤساء في هذا العصر من إرسال برقيات التهاني والمدح والإطراء في مناسبات التزاور والأعياد التي ما أنزل الله بها من سلطان والدليل على أن هذه الأعمال موالاة للكفار، ما ورد من النهي عن إطلاق لفظة سيد على المنافق فكيف بالكافر الصريح قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقولوا للمنافق سيدنا فإنه إن يك سيدكم فقد أسخطتم ربكم ﷿» (٢).
ثامنًا: تفضيل السكنى والإقامة بين الكفار اختيارًا: إن من أنواع الموالاة للكفار تفضيل السكنى والإقامة بينهم اختيارًا في ديارهم وحضور مجالسهم مع إمكان الحصول على مقام مأمون بين المسلمين. فإن سماع كلامهم القبيح، مع الاستمرار في الجلسة دون الرد أو الغضب أو الخروج من ذلك موالاة توجب كفر من يفعل ذلك قال تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (٣).
هذه بعض الأمثلة على أنواع الموالاة للكفار وهي ليست للحصر
_________________
(١) رواه أحمد وأبو داود والطبراني في الكبير، قال العراقي: سنده صحيح. انظر كتاب جند الله ثقافة وأخلاقًا/ سعيد حوى ص١٨٥.
(٢) أخرجه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد وأحمد. وقال الألباني: حديث صحيح. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني م٢ ص١٠١ رقم الحديث (٣٧١).
(٣) سورة النساء آية (١٤٠).
[ ٢ / ٦٤٩ ]
وإنما المراد معرفتها، وإمكان القياس عليها فيما لم يرد ذكره، أو فيما هو قريب منها، ولا فرق بين من يعمل هذه الأمور مع أقربائه الكفار أو مع غيرهم فمن فعل شيئًا من هذه الأمور فهو موال للكفار، وهذه الموالاة قد تكون كفرًا وقد تكون معصية بحسب العوامل المحيطة بذلك.
أما التولي للكفار فهو كفر مخرج عن الإسلام (١). لأن التولي أخص من الموالاة كما سبق بيان ذلك (٢). ومن أمثلة التولي التي يصير بها المسلم مرتدًا ما يلي:
أولًا: مناصرة الكفار: إن مناصرة الكفار بالقول أو الفعل من أعظم الدلائل الدالة على توليهم وموالاتهم كما يفعل كثير من الذين يدافعون عن الكفار والملحدين أو يدعون إلى مذاهبهم الضالة واعتقاداتهم الفاسدة فكل من انتسب إلى حزب ضال يقوم أساسًا على غير الإسلام ودعا إليه وأيد أهله فهو غير مسلم لأن من خرج من حزب الله دخل في حزب الشيطان بلا جدال. قال تعالى: (أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) (٣).
ثانيًا: إظهار الطاعة والموافقة للمشركين على دينهم أو بعض دينهم: قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) (٤)، فإذا كانت الطاعة في بعض الأمور موجبة للردة فما الطاعة بأمور كثيرة أقل شأنًا من ذلك وقد
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد ص١٢٠ - ١٢٢.
(٢) انظر ص٢١ - ٣٩ من هذه الرسالة.
(٣) سورة الحشر آية (١١).
(٤) سورة محمد آية (٢٥، ٢٦).
[ ٢ / ٦٥٠ ]
استدل الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب على ردة من أظهر الطاعة والموافقة للمشركين من غير إكراه ملجئ بأكثر من عشرين آية وبعدد من أحاديث الرسول - ﷺ - وقال إنه يكون بإظهار الطاعة والموافقة مرتدًا خارجًا عن دين الإسلام، وإن كان يشهد أن لا إله إلا الله، ويفعل أركان الإسلام الخمسة فإن ذلك لا ينفعه (١).
وما يصير به المسلم مرتدًا إظهار الطاعة للكفار في الظاهر ولو كان باطنه يعتقد الإيمان، ما لم يكن مكرها إكراهًا ملجئًا فإن أظهر لهم الطاعة بدون إكراه فهو مرتد ولو كان باطنه يعتقد الإيمان، حيث إن الكفار لم يريدوا من النبي - ﷺ - تغيير عقيدته، وإنما أرادوا منه موافقتهم في الظاهر على ما يعملون، فنهى الله نبيه محمدًا - ﷺ - عن ذلك بقوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) (٢). أي ودوا لو تميل إليهم فيميلوا إليكم (٣). وقوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) (٤). الآيات.
وبهذا يرد على الذين يرون أن الذي يكفر به المسلم هو عقيدة القلب خاصة وهم الكرامية والجهمية وأبو الحسين الصالحي أحد رؤساء القدرية (٥).
ويسير على طريقهم في ذلك بعض العلماء المعاصرين حيث يرى سالم علي البهنساوي أن المعاصي لا يترتب عليها كفر صاحبها وأنه لا يخرج من الملة إلا الكفر الاعتقادي (٦).
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد ص٢٨٧ وانظر تفسير القرطبي ج١٨ ص٢٣٠.
(٢) سورة القلم آية (٩).
(٣) انظر مختصر الطبري على هامش المصحف الكريم (ط - دار الشروق).
(٤) سورة الكافرون آية (١، ٢).
(٥) انظر شرح الطحاوية ص٢٦٦.
(٦) انظر كتابه - الحكم وقضية تكفير المسلم - تأليف سالم علي البهنساوي ص٤٥، ٥٤، ٥٥.
[ ٢ / ٦٥١ ]
وحول هذا المعنى يقول محمد عبد الحكيم خيال: «إن الخطة الجديدة لتقويض الدعوة الإسلامية، تقع في إطار الاستثمار العام لفكرة التكفير والجاهلية التي تقوم على إحكام بتكفير الحاكم وجاهلية المجتمع وتكفير جزافي للأفراد لأن موالاة الكافرين كفر، ولأن ظاهر المجتمع الكفر والرضا بالكفر فيثبت الكفر ظاهرًا دون أن يثبت يقينًا إلى نهاية هذا الجدل الكلامي الذي دخل على المسلمين في وقت عزهم وازدهار دولتهم وعلو كلمتهم "هذا نص كلامه"» (١). اهـ.
ونحن في ردنا على ذلك لا نريد أن ندافع عن الخوارج وأصولهم ولا نريد أن نبيح ما حرم الله من موالاة الكفار ومحبتهم بل نلتزم الوسط فلا نكفر بكل معصية كما هو مذهب الخوارج ولا نقول بعدم تكفير من حكم الله ورسوله بكفرهم، لأن مثل هذا القول استدراك على الله ﷿ وهو موجب لكفر قائله، بل نقول إذا ثبتت الأدلة الشرعية على الحكم بالكفر في قول أو فعل أو اعتقاد، ثم فعل إنسان - ما - ما ثبت الدليل على كفر فاعله فإنه يحكم بكفره إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع والحكم يكون على ظاهر الحال والله يتولى السرائر، وهو يحاسبه فإن شاء أدخله جنته وإن شاء عذبه بالنار، وموالاة الكفار وتوليهم من ذلك ما يكون كفرًا مخرجًا من الإسلام تواترت الأدلة على الحكم بذلك، ومنها ما هو كبيرة من كبائر الذنوب ومنها ما هو دون ذلك فإن كان مرتدًا فينبغي الغلظة عليه أشد من غيره من الكفار لأنه معاد لله ورسوله، على بصيرة، بعد ما عرف الحق فأنكره، فإذا كان الدليل قد ورد أن من أعان ظالمًا فقد شاركه في ظلمه، فكيف بمن يعين الكفار والمنافقين على كفرهم ونفاقهم (٢).
والمقصود من ذلك هو التنبيه على ما يكثر وقوعه ممن ينتسبون إلى
_________________
(١) انظر - الخوارج - الأصول التاريخية لمسألة تكفير المسلم - تأليف الدكتور مصطفى حلمي تقديم محمد عبد الحكيم خيال ص - ك - من التقديم.
(٢) انظر مجموعة التوحيد ص١٢١ - ١٢٧.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
الإسلام في إظهارهم الموافقة للكفار خوفًا منهم من غير إكراه فعلي على الموافقة، أو طمعًا في مال أو منصب أو جاه وهم يظنون أنهم لا يكفرون بذلك، إذا كان القلب كارهًا لهم، ويستدلون على ذلك بدعوى الإكراه وبقوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) (١) ولكن الصحيح أن للتقية عند العلماء شروطًا منها:
١ - أن يكون الرجل في قوم كفار يخاف منهم على نفسه وأهله فيجوز له أن يظهر المحبة والموالاة بشرط أن يضمر خلاف ما يظهر لهم وبأن يعرض في كلامه ما أمكن وعلى هذا فالتقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلب.
٢ - أن التقية رخصة فلو تركها وصبر على ما يناله في سبيل الله كان أفضل مثل ما حصل من بعض الصحابة (٢) (﵃) فيما فصلنا في موضوع الإكراه سابقًا.
والقول بكفر من والى الكفار أو رضي عنهم أو أعانهم على كفرهم ليس جدلًا كلاميًا دخل على المسلمين في وقت عزهم وازدهار دولتهم كما يعتقد البعض، ولكن ذلك أصل من أصول الإسلام ومبانيه العظام، وقد ذكرنا من الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة ما فيه الكفاية لمن وفقه الله
وهداه، وبهذا الأصل تحدث أئمة الدعوة وشيوخ الإسلام فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يرى عدم تكفير المعين للكفار والراضي عنهم والموالي لهم
ابتداء بل لا بد من إقامة الحجة عليه، نظرًا لغلبة الجهل وقلة العلم
بأوامر الرسالة في كثير من المتأخرين ولذلك لا يجوز تكفيرهم بذلك
حتى يبين لهم ما جاء به الرسول - ﷺ - مما يخالف أقوالهم وأعمالهم، وهذا ما سار
_________________
(١) سورة آل عمران آية (٢٨).
(٢) انظر حاشية تفسير الطبري غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد القمي على جامع البيان في تفسير القرآن للطبري ج٣ ص١٧٨ - ١٧٩.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ابتداء دعوته فإنه إذا سمعهم يدعون زيد بن الخطاب (﵁) قال: (الله خير من زيد) تمرينًا لهم على نفي الشرك بلين الكلام نظرًا إلى المصلحة وعدم التنفير لهم (١).
وعلى هذا إذا قامت عليهم حجة التبليغ ثم استمروا في إعانتهم لأهل الباطل وموالاتهم المطلقة للكفار ومناصرتهم لهم والرضى عنهم وعن أفعالهم المختصة بكفرهم فإنه يحكم بكفر وردة هؤلاء، لأنهم صاروا معاندين، قال تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ) (٢).
ومن المعلوم أن قيام الحجة عليهم ليس معناه أن يفهموا كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر وعمر (﵄) بل إذا بلغه كلام الله ورسوله، وخلا من شيء يعذر به ثم ترك العمل بما أمره الله به ورسوله مستهترًا أو مستبيحًا لفعل ما حرم الله أو تاركًا ما أوجب الله فهو كافر مرتد وشأنه في ذلك شأن الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن في قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) (٣).
إن ما حدث للمسلمين من إضاعة للإسلام ومقدساته وديار المسلمين واعتداء على الأنفس والأعراض والأموال إنما كان بسبب جهل بعض المسلمين بحقائق الإسلام وواجباته ومن أهم تلك الأمور التي جهلها المسلمون المعاصرون احتضان أعداء الله ومسايرتهم في خط انحرافهم،
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد ص ٣٧ - ٣٩.
(٢) سورة التوبة آية (٦٣).
(٣) سورة الكهف آية (٥٧).
[ ٢ / ٦٥٤ ]
وما علموا أن المتابعة الجزئية للكفار المقرونة بالمحبة والمودة لهم كفر مخرج من الملة (١).
لأن الحكم يتعلق بنوع العمل لا بكثرته، فقطرة البول ناقضة للوضوء، ولا حد لأكثره، وما أسكر كثيره فقليله حرام وكذلك شأن الموالاة مع الكفار إذا ارتبطت الموالاة القولية أو الفعلية بالمحبة والمودة.
وقبل أن نبدأ في استعراض الأمثلة التفصيلية على موالاة الكفار نود أن نبين بعض الشروط التي يقتضيها عقد الذمة والعهد في حق أهل الذمة والمستأمنين في دار الإسلام حتى يكون الناظر إلى معاملتهم مدركًا للأساس الذي ينطلق منه المسلمون الحقيقيون في التعامل مع الكفار في دار الإسلام، وهذه الشروط مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وفعل الصحابة الكرام، وما اتفق عليه فقهاء الإسلام وملخص تلك الشروط كما يلي:
١ - أن لا يحدثوا كنيسة (٢) ولا ديرًا (٣)، ولا قلاية (٤)، ولا صومعة (٥) ولا يجددون ما خرب منها، إلا في حالة واحدة، وهي إذا فتحت البلاد صلحًا واشترط أهلها ذلك لأنفسهم في الصلح، فإن المؤمنين يجب عليهم الوفاء بهذا الشرط.
٢ - أن لا يمنع أهل الذمة وأهل العهد أحدًا من أقربائهم من الدخول في الإسلام إذا اختاروا ذلك.
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد ص١٢٠ - ١٢٢.
(٢) الكنيسة متعبد اليهود والنصارى. انظر المعجم الوسيط ج٢ ص٨٠٦.
(٣) الدير خان النصارى. لسان العرب ج١ ص١٠٤٢.
(٤) هي كالصومعة وهي تعريب كلاذة وهي من البيوت التي يتعبد بها النصارى. انظر اللسان العرب ج٣ ص١٥٨.
(٥) الصومعة بناء دقيق الرأس عال في الفضاء يتخذها الرهبان منارة لهم. لسان العرب ج٢ ص٤٧٥.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
٣ - أن لا يذكروا الله أو كتابه أو رسوله بطعن أو انتقاص.
٤ - أن لا يتعرضوا لصحابة رسول الله - ﷺ - بذم أو ازدراء وأن لا يؤذوا مسلمًا، ولا يفتنوه عن دينه، ولا يعتدوا على أحد من المسلمين في نفس أو مال أو عرض.
٥ - أن لا يعينوا أعداء الإسلام، ولا ينصروهم على المسلمين بأي وسيلة من الوسائل الممكنة.
٦ - أن لا يجاهروا بأي نوع من أنواع المنكرات كشرب الخمر وأكل الخنزير، وإظهار الصلبان، وندب الموتى والنياحة عليهم.
٧ - أن لا يظهروا أي نوع من أنواع العبادة الخاصة بهم مثل أصوات النواقيس وتلاوة كتبهم المقدسة لديهم، والشعائر الخاصة بكفرهم.
٨ - أن يتميزوا في هيئتهم بما يميزون به عن غيرهم، من غير كشف عورة ولا إحداث فتنة (١).
وبعد هذا التقديم الموجز نبدأ بذكر بعض الأمثلة على موالاة الكفار.
_________________
(١) انظر الأحكام السلطانية والولايات الدينية الماوردي ص١٤٥. وانظر مختصر تفسير ابن كثير/ محمد علي الصابوني ج٢ ص١٣٦. وانظر تاريخ الطبري ج٤ ص١٥٨ - ١٦٠.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
المبحث الأول: موالاة الكفار في الحقول العامة
وتحت هذا المبحث ستة أمثلة.
(١) المثال الأول: إطلاق حرية الدعوة إلى الكفر بين المسلمين.
(٢) المثال الثاني: السماح بتعلم الكفر وتعليمه بين المسلمين.
(٣) المثال الثالث: إباحة ظهور المحرمات بين المسلمين.
(٤) المثال الرابع: إطلاق يد الكفار في بناء المعابد لهم في بلاد الإسلام.
(٥) المثال الخامس: منح الكفار حرية التنقل والإقامة في بلاد المسلمين.
(٦) المثال السادس: تمليك الكفار لما يتخذونه موضعًا لمعصية الله.
(٧) المثال السابع: تأجير الأماكن والذوات لمن يتخذها غرضًا لمعصية الله.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
المثال الأول: إطلاق حرية الدعوة إلى الكفر بين المسلمين
الأصل أن لا يسمع في دار الإسلام إلا صوت الحق ورأي المسلمين في قضايا الإسلام، والذي يطلع على نصوص المعاهدات والوثائق في عهد النبي - ﷺ - وعهد الصحابة (رضوان الله عليهم) يرى ذلك جليًا وقد بنى الفقهاء على ذلك قاعدة فيما يتعلق بحقوق غير المسلمين في دار الإسلام (١).
ولذا فإنه لا يجوز لغير المسلمين أن يدعوا إلى الكفر والضلال في وسط المجتمع المسلم حيث إن مقتضى عقد الذمة والعهد يلزم الكفار بإخفاء شعائر الكفر وعدم إظهارها في مجتمع المسلمين أما لو دعا الكفار بعضهم بعضًا على جهة الخفاء فلا نتبعهم في ذلك وقد ذكر شمس الدين بن قدامة (٢)
_________________
(١) انظر ص٦٢٢ - ٦٢٣ من هذه الرسالة.
(٢) هو عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي، (شمس الدين، أبو محمد، أبو الفرج) فقيه، محدث، خطيب، ولد بسفح قاسيون في دمشق سنة (٥٩٧هـ) وسمع من أبيه وابن طبرزد وأبي القاسم الحرستاني وجماعة، وتفقه على عمه موفق الدين، وروى عنه محي الدين النووي وأحمد بن عبد الدايم وتقي الدين بن تيمية والبرزالي والمزي وغيرهم، ولي القضاء مدة تزيد على اثنتي عشرة سنة على كره منه، ولم يتناول على ذلك أجرة، ثم عزل نفسه في آخر عمره وتوفي بدمشق في ربيع الآخر ودفن بسفح قاسيون. من تصانيفه، شرح المقنع لعمه موفق الدين في عشر مجلدات، تسهيل المطلب في تحصيل المذهب، وكلاهما في فروع الفقه الحنبلي. انظر معجم المؤلفين ج٥ ص١٦٩، ص١٧٠.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
المقدسي وجوب إخفاء كفرهم بقوله: «ويمنعون من إظهار المنكر وضرب الناقوس والجهر بكتابهم» (١).
فإذا أظهروا الدعوة إلى الكفر بالخطب في أماكن تجمع الناس واستعملوا مكبرات الصوت أو استخدموا الصحف والمجلات والكتب والإذاعات والنشرات وغير ذلك من وسائل البلاغ والإعلام فإنه والحالة هذه يجب على الدولة الإسلامية إذا وُجدت وقامت في مثل تلك الأوضاع أن تضرب بيد من حديد على هؤلاء وأذنابهم من ضعاف الإيمان، وأن تلزم أهل الذمة والعهد بالذلة والصغار، فدار الإسلام هي موضع لإظهار الدين الإسلامي. وشعائر الإسلام من شعائر التعبد ووسائل الدعوة الأخرى التي يجب أن تنطلق إلى كل بيت وكل إنسان في دار الإسلام ولذلك يجب أن لا يظهر في دار الإسلام إلا صوت الحق ودعوة الله أكبر، ولا إله إلا الله، وأن تقبع الأفكار الضالة والعقائد الفاسدة في سراديب الظلام والكهوف المهجورة، حتى يسموا الناس إلى صفاء الإيمان وعزة الإسلام بلا كدر يخبث صفوه ويعكر نقاءه.
وقد ذهب الدكتور/ عبد الكريم زيدان إلى القول بأن لأهل الذمة إبداء محاسن دينهم، وقد قال إن ذلك من الأمور المباحة للذميين وهو ما تجري عليه البلاد الإسلامية في الوقت الحاضر، ففي العراق نصت المادة الثانية عشرة من الدستور المؤقت على أن «حرية الأديان مصونة ويجب احترام الشعائر الدينية» وكان دستور مصر لسنة (١٩٥٦م) ينص في مادته
_________________
(١) انظر المغني والشرح الكبير ج١٠ ص٦٢٠.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
الثالثة والأربعين على أن «حرية الاعتقاد مطلقة وتحمي الدولة شعائر الأديان» (١).
ونحن نقول للذين يرون إطلاق ألسنة الكفار في دار الإسلام للنيل من الإسلام وأهله، لقد جنيتم بهذه الدعوة على أمتكم من حيث تشعرون أو لا تشعرون، وخالفتم أمر الله ورسوله وسيرة خلفائه، وأقوال الفقهاء من أهل الإسلام، والرد على هذا الأمر يتلخص بالنقاط التالية:
١ - قوله تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (٢)، فإن هذه الآية وإن قيل إنها نزلت في قوم أسلموا ثم ارتدوا عن الإسلام ثم أسلم بعضهم بعد ذلك (٣). ولكن الآية أعم من ذلك، فكل من قصد أو أعان على إظهار الكفر بشعائره المختلفة فقد ابتغى غير الإسلام دينًا، وإن كل من يرى إمكانية تعايش الإسلام والمسلمين مع الكفر والكفار جنبًا إلى جنب على قدم المساواة فقد سلب الإسلام أهم خصائصه في كونه منهج الحياة الفريد الوحيد الذي لا يزاحم في دار الإسلام، إن الإسلام بمشاركته مناهج الكفر والضلال في مجتمع - ما - وتحت قيادة واحدة يعتبر معطلًا حيث لا يستطيع التأثير في حياة البشر، ما لم تنصب آثاره في نظام اجتماعي كامل يعيش الناس في إطاره النظيف الوضيء دون مزاحمة من خَبَثٍ الجاهلية وكدرها (٤).
٢ - قول الله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ
_________________
(١) انظر أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام، د/ عبد الكريم زيدان ص١٠١ - ١٠٢.
(٢) سورة آل عمران آية (٨٥).
(٣) انظر تفسير القرطبي ج٤ ص١٢٨ - ١٢٩.
(٤) انظر في ظلال القرآن/ سيد قطب ج٣ ص٦٢٦.
[ ٢ / ٦٦١ ]
مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) (١).
(فالمهيمن) اسم من أسماء الله تعالى بمعنى الرقيب المسيطر على كل شيء الحافظ له (٢). وفي الآية المتقدمة (مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه) أي عاليًا ومرتفعًا على جنس الكتب السابقة (٣). ومن ثم يجب أن يكون هذا الكتاب هو الفيصل في كل قضية سواء كان الاختلاف في التصور الاعتقادي بين المسلمين وغيرهم، أو كان الاختلاف بين المسلمين أنفسهم، فهو المرجع الذي يعودون إليه بآرائهم في شأن الحياة كلها، ولا قيمة لآراء الرجال ودعوى المدعين ما لم يكن لها أصل تستند إليه من هذا المرجع الأخير (٤).
٣ - قول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (٥). فهذه الآية تدل على أن الله ﷿ جعل شأن الإسلام عاليًا غالبًا قاهرًا لغيره من الشرائع السابقة وكذلك يجب أن يكون المسلمون (٦). وإذا وجد من يزاحم الإسلام في دار الإسلام بالدعوة إلى غير الإسلام فمعنى ذلك عدم إظهار دين الله على غيره من العقائد الباطلة ومعنى ذلك أن الدار التي تسمح بالدعوة إلى غير الله دار كفر لا دار إسلام.
٤ - روى البخاري عن ابن عباس (﵂) قال: أوصى رسول
_________________
(١) سورة المائدة آية (٤٨).
(٢) المعجم الوسيط ج٢ ص١٠١٥.
(٣) تفسير القرطبي ج٦ ص٢١٠.
(٤) انظر في ظلال القرآن/ سيد قطب ج٦ ص٧٤٧.
(٥) سورة الصف آية (٩).
(٦) تفسير القرطبي ج١٨ ص٨٦.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
الله - ﷺ - عند موته بثلاث: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ونسيت الثالثة» (١).
وعن عائشة (﵂) قالت: آخر ما عهد رسول الله - ﷺ - أن قال: «لا يترك بجزيرة العرب دينان» (٢). فهذا الحديث والذي قبله يدلان دلالة صريحة على عدم إباحة بقاء المشرك أو الكافر في جزيرة العرب حتى ولو كانوا يخفون كفرهم واعتقادهم ولذلك رُوي أن عمر بن الخطاب (﵁) أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز إلى تيماء وأريحاء وأطراف الشام (٣). تنفيذًا لأمر الرسول - ﷺ - فإذا كان مقام الكافر غير مقبول في داخل الجزيرة فمن باب أولى أن لا يقبل إظهاره الكفر في عموم بلاد المسلمين، فإن الإسلام وإن تسامح مع غير المسلمين في تركهم على عقيدتهم ودياناتهم الضالة يزاولونها بخفية وحذر فإنه لا يمكن أن يتسامح معهم في أن يطلق لهم حرية الدعوة إلى الكفر والضلال بالوسائل الظاهرة.
٥ - إن الغرض من الجهاد في سبيل الله أن يكون الدين كله لله، كما قال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) (٤).
وتمكين الكفار من إظهار كفرهم والدعوة إليه بحرية تامة يجعل الدين له ولغيره وهذا مناقض لمبدأ الجهاد وغايته (٥).
٦ - ورد من ضمن شروط عمر (﵁) قولهم: «ولا نرغب في ديننا ولا ندعو إليه أحدًا» (٦).
_________________
(١) انظر فتح الباري ج٦ ص١٧١.
(٢) انظر نيل الأوطار للشوكاني ج٨ ص٢٢٢.
(٣) المصدر السابق المكان نفسه.
(٤) سورة الأنفال آية (٣٩).
(٥) انظر الشروط العمرية ص٣٣.
(٦) المصدر السابق ص٧٣.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
لأن الدعوة إلى الباطل مستلزمة ولا بد في الطعن بالحق، وقد قال تعالى: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) (١).
وقد ذكر الماوردي هذا الشرط ضمن الشروط الواجبة على أهل الذمة نحو جماعة المسلمين (٢).
٧ - إن أئمة المذاهب الفقهية في الإسلام، أبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد وأتباعهم قالوا بوجوب إخفاء شعائر الكفار التعبدية إلا في الأماكن النائية والقرى الصغيرة الخاصة بهم (٣).
٨ - يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (﵀): «ليس لأهل الذمة إظهار شيء من شعائر دينهم في ديار الإسلام، فيمنعون من إظهار التوراة ولا يرفعون أصواتهم بالقراءة، والصلاة، وعلى ولي الأمر منعهم من ذلك» (٤). اهـ.
وهذه الأدلة جميعًا تدل على عدم تمكين أهل الذمة من إظهار كفرهم بدار الإسلام، وهم اليوم قد آذوا المسلمين عن طريق التسلل والاحتيال فكيف لو تملكوا وسائل الدعوة والإعلام وصرح لهم بذلك في ديار المسلمين؟ لحصل بذلك ردة وفتنة تجعل الحليم حيرانًا، وهذا هو الحاصل في عصرنا الحاضر حيث أسلم الأوباش زمام القيادة والتوجيه لهم في معظم البلاد الإسلامية فنشروا فيها الإلحاد وأكثروا فيها الفساد وأصبح المسلم غريبًا.
إن القوانين المطبقة في العراق ومصر في حق أهل الذمة هي قوانين
_________________
(١) سورة التوبة آية (١٢).
(٢) انظر الأحكام السلطانية والولايات الدينية للماوردي ص١٤٦.
(٣) انظر أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام د/ عبد الكريم زيدان ص٩٩.
(٤) انظر مختصر الفتاوى المصرية/ ابن تيمية ص٥١٧.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
جاهلية لا تمثل رأي الإسلام في قليل أو كثير بل إن ما ورد في المادة الثانية عشرة من الدستور العراقي المؤقت من قولهم (حرية الأديان مصونة) وما ورد في دستور مصر لسنة (١٩٥٦م) في مادته الثالثة والأربعين «على أن حرية الاعتقاد مطلقة وتحمي الدولة شعائر الأديان» (١). كل هذه النصوص دعوة إلى إباحة الردة عن الإسلام بطريقة لبقة والخروج على منهج الله لكل من تسول له نفسه ذلك، وكذلك تدل هذه النصوص بمساواة الإسلام بغيره من العقائد والمعتقدات الباطلة حيث جعلت الإسلام على قدم المساواة مع المحرفة التي لا يعتنقها إلا واحد أو اثنان في المائة في بعض المجتمعات الإسلامية.
لقد مكن أعداء الإسلام لأنفسهم في بلاد المسلمين عن طريق صنائعهم من ضعاف الإيمان إلى أن يكون لهم منبر يدعون به إلى باطلهم بجميع الوسائل المغرية وحسب مبدئهم القذر الغاية تبرر الوسيلة، فأقاموا مدارس التنصير والتكفير وأسسوا الصحف والمجلات، وتملكوها ووضعوا الخطط لمناهجها ومنطلقاتها، ولو رجعنا إلى أقدم الصحف والمجلات في مصر والشام لرأينا أن الذي أشرف عليها وقام بتأسيسها هم النصارى وأعوانهم مثل جريدة الأهرام وأخبار اليوم وغيرها من الصحف والمجلات (٢).
وقد تعدى الأمر أهل الذمة إلى الشيوعيين الذين ينكرون وجود الله ويكذبون بجميع الرسل والكتب السماوية وينكرون البعث والجزاء، فقد أصبح لبعضهم في بعض البلاد التي كانت إسلامية صحف تتحدث باسمهم
_________________
(١) انظر ص٦٢٦ من هذه الرسالة.
(٢) لقد ذكر ذلك الأستاذ/ يوسف العظم مفصلًا في بحث ألقاه في مؤتمر الفقه الإسلامي الأول الذي عقد بالرياض في فندق أنتركنتننتال في الفترة من ١/ ١١/١٣٩٦هـ حتى نهاية اليوم الثامن منه تناول فيه الذين أسسوا الصحف ووسائل الإعلام في بلاد الإسلام بتفصيل موضوعي وتحقيق دقيق مبرهنا على ذلك بالأسماء والأرقام.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
وتحمل شعارهم، فقد أصدر الحزب الشيوعي التونسي صحيفته الرسمية المرخص لها بعد أن كان يعمل في الظل وتحمل هذه الصحيفة اسم "الطريق الجديد" وتحت العنوان صورة المطرقة والمنجل شعار الشيوعية الرسمي (١).
وهذا يدلنا على أن تونس تسير على نفس طريق أفغانستان حين سمح ظاهر شاه للشيوعيين بالوجود فكان ما كان من أمر أفغانستان فهل يراد لتونس أن تتحول إلى بلد لا يذكر اسم الله فيه.
ولم يكتف الأعداء بذلك. بل قاموا بنشر المجلات والكتب الهدامة وتسخير الأقلام المأجورة لصالحهم، وشوهوا كتب التاريخ وخاصة التاريخ الإسلامي عن طريق كتابهم الحاقدين على الإسلام والمسلمين، وترجموا الكتب التي تهدم العقيدة والأخلاق بحجة أنه يقرأها غير المسلمين ونحن بدعوتنا إلى تجفيف منابع الكفر والضلال وردمها، لا نقصد من ذلك الحجر على عقول الناس من أن ينظروا أو يقرأوا ما هو موجود في العالم من حولهم، ولكننا نريد أن لا يوضع الشر في طبق من ذهب بين أيدي أناس لا يميزون بين الغث والسمين، ثم إن عمر الإنسان قصير لا يستطيع أن يقرأ كل ما كتب عن الخير والشر ليعقد مقارنة حول ذلك ثم يتخذ موقفًا معينًا من ذلك، فنريد أن لا نشغله بالشر ونعلمه إياه، وهو لم يعرف الخير ولم يتعمق فيه فالطفل الصغير ألزم الإسلام والديه أو من يتكفل بحضانته بأن يرعاه عن الأخطار التي يبلغ الحلم فيميز بين الخير والشر وكذلك الجاهل يجب أن تمنع عنه وسائل الشر حتى يدرك من العلم الشرعي ما يستطيع التمييز به بين الحق والباطل.
ولذلك نقول أن ترك الكفار يدعون إلى كفرهم بالوسائل المختلفة
_________________
(١) انظر مجلة الإصلاح عدد (٤٤) محرم ١٤٠٢هـ السنة الخامسة ص٤٧.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
داخل البلاد الإسلامية أمر يمنعه الإسلام حماية لعقيدة الأمة وأخلاقها من التضليل والتحريف.
أما حرية الرأي فليس لأهل الذمة أو غيرهم من الكفار حق اختيار الحاكم الشرعي أو انتخاب رئيس الدولة الإسلامية أو حق المشاركة في عزله وتنحيته، لأن ذلك يتم وفق مقاييس الإسلام وموازينه، وهم لا يؤمنون بها ولذلك لا يحتسبون في هذا المجال سلبًا ولا إيجابًا ولذلك جعل الماوردي حق اختيار الحاكم المسلم مشروطًا بثلاثة شروط هي:
أولًا: العدالة الجامعة لشروطها، وهذا الشرط منتف في الكافر.
ثانيًا: العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها، وهذا أيضًا منتف بحق الكافر.
ثالثًا: الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح وبتدبير المصالح أقوم وأعرف (١).
وبعبارة مختصرة يشترط في حق من ينتخب الحاكم المسلم مثل ما يشترط في حق الحاكم نفسه، من كونه مسلمًا عاقلًا مكلفًا، وعلى هذا فلا يجوز للمسلمين أخذ رأي غير المسلمين في مسألة انتخاب الخليفة المسلم ولا في مسألة إدارة الشئون العامة في الأمة (٢).
ولكن نظرًا لموالاة الكفار والتبعية الذليلة لهم من قبل بعض الحكام ومن قبل بعض المرتدين والمنافقين في بلاد الإسلام فقد تجرأ هؤلاء على الدعوة إلى الكفر في داخل البلاد الإسلامية، وذلك بتوجيه المؤسسات الإعلامية، والتعليمية، وغيرها من الوسائل، لنشر الكفر وتزيينه للناس ومحاربة الحق وتشويه معالمه في أذهان الناس حتى نشأت أجيال من
_________________
(١) انظر الأحكام السلطانية للماوردي ص٦.
(٢) انظر أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام. د/ عبد الكريم زيدان ص٨٣.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
المسلمين لا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا، بل لقد أصبح العكس هو الحاصل فقد أصبح في أذهان الكثير من المنتمين إلى الإسلام المنكر معروفًا والمعروف منكرًا والباطل حقًا والحق باطلًا فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
المثال الثاني: السماح بتعليم الكفر وتعليمه بين المسلمين
الأصل في منهج الإسلام أن لا يتعلم الناس في دار الإسلام إلا الحق، ولذلك نجد الإسلام يلزم أهل الذمة والعهد بعدم إظهار وسائل تعليم الكفر بين المسلمين كما هو واضح في شروط عقد الذمة والعهد عند الفقهاء، حيث قد اتفق الفقهاء على منع أهل الذمة وأهل العهد من إقامة مدارس لهم في دار الإسلام (١).
إلا أن الدكتور/ عبد الكريم زيدان، يرى أن لأهل الذمة ومن في حكمهم التمتع بإقامة مدارس خاصة بهم، يعلمون فيها أولادهم وفق
_________________
(١) انظر أهل الذمة في الإسلام د/ أ. س- ترتون. ترجمة د/ حسن حبشي ص١٦١. وانظر الأحكام السلطانية للماوردي ص١٤٥. وانظر مختصر تفسير ابن كثير ج٢ ص١٣٦ وانظر تاريخ الطبري م٢ ج٤ ص١٥٨ - ١٦٠. وانظر شرح الشروط العمرية/ تأليف ابن قيم الجوزية/ تحقيق دكتور/ صبحي الصالح ص٣٣. وانظر أهل الذمة ج٢ ص٧٩٧.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
ديانتهم، ويستدل على ذلك بأن المسلمين بعد فتح خيبر وانتصارهم على اليهود جمعوا الغنائم وكان فيها نسخ من التوراة فأمر النبي - ﷺ - بردها إلى اليهود (١).
والذي أراه وأرجحه في هذا الموضوع هو عدم جواز إقامة مدارس أو مناهج دينية خاصة بهم سواء كان ذلك بتمويل منهم أو من بيت مال المسلمين وذلك لعدة أسباب هي كما يلي:
أولًا: أن ما استدل به الدكتور عبد الكريم زيدان من إرجاع نسخ التوراة إلى اليهود على جواز إنشاء المدارس فهو غير صحيح وذلك أنه نقل عن المقريزي هذا الأثر وهو حديث ضعيف (٢). لأن من الفقهاء من أجاز أخذ كتبهم، حيث قالوا إن كانت مما ينتفع به ككتب الطب واللغة والشعر فهي غنيمة، وإن لم يمكن الانتفاع بها كأن تكون من التوراة أو الإنجيل فإن أمكن الانتفاع بجلودها وأوراقها بعد غسلها غسلت وهي غنيمة، وإن لم يمكن فلا تدخل في الغنيمة ولا يجوز بيعها (٣). ولم يذكروا ردها إليهم، مما يدل على ضعف القول بردها إليهم.
ثانيًا: على فرض صحة رواية الرد عليهم، فإنها لا تكون دليلًا على جواز إقامة المدارس الخاصة بأهل الذمة لتعليم ديانتهم فإنهم إنما يقرون على قراءة كتبهم في بيوتهم وكنائسهم على جهة الخفاء مع عدم رفع الصوت بها وإقامة المدارس لذلك إظهارًا لديانتهم وإعلانًا لها، والإسلام والمسلمون أقروهم على حرية العقيدة وحرية التعليم الفردي على جهة الصغار والاستخفاء لا أن يصبحوا دولة داخل الدولة الإسلامية (٤). يقول العلامة أبو الأعلى المودوي في موضوع تعليم أهل الذمة إنه يجب عليهم أن
_________________
(١) انظر أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام ص١٠١.
(٢) إمتاع الأسماع للمقريزي ص٣٢٣. ج١.
(٣) انظر المغني والشرح الكبير ج١٠ ص٤٩١.
(٤) انظر مختصر تفسير ابن كثير م٢ ص١٣٦ وانظر الأحكام السلطانية للماوردي ص١٤٥.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
يقبلوا النظام التعليمي العام الذي تقرره الدولة الإسلامية لجميع أفراد الأمة ولكنهم لا يكرهون على نيل التعليم الإسلامي، ويكون لهم الحق في تعلم دينهم في أماكنهم الخاصة بهم (١). فإقامة المدارس لهم والاعتراف بتدريس عقائدهم الباطلة لا يجوز لأن ذلك لو حصل من الدولة المسلمة كان اعترافًا منها بصحة تلك العقائد الباطلة وهذا أمر لا يجوز لأن التعليم الجماعي حق وولاية من ولايات الدولة المسلمة، ولا يمكن للدولة والأمة الإسلامية أن تنفق أو تقرر الإنفاق بشكل ظهر على باطل معروف بطلانه سلفًا، لأن التعليم يقام لهدف الإصلاح، وتعليم الكفر لا يحقق إلا الفساد، ومن أهداف عقد الذمة مع غير المسلمين هو اختلاط هؤلاء مع المسلمين وإشعارهم بالأمن والطمأنينة على حياتهم وأموالهم بين المسلمين، وكل هذا رجاء أن ينفذ شعاع الإيمان إلى نفوسهم فيبدد ظلمات الجهل التي حجبت عنهم نور اليقين وأبعدتهم عن الصراط المستقيم (٢).
ثالثًا: يقول أحد كتاب الغرب أنفسهم: «لقد كان الخوارج أشد ميلًا إلى الذميين من أهل السنة ولذلك خالفوا ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - فأباحوا للذميين الجهر بدينهم» (٣).
فكان مقتضى مذهب أهل السنة والجماعة عدم تمكين أهل الذمة والمستأمنين من باب أولى من الجهر بدينهم.
وهذا الأمر قد أكد عليه ابن قدامة المقدسي حيث يقول: «ويمنعون من إظهار المنكر وضرب الناقوس والجهر بكتابهم» (٤). وهل إقامة المدارس لتعليم التوراة والإنجيل لا تدخل تحت الجهر بكتابهم؟ وهذا لا
_________________
(١) انظر نظرية الإسلام وهديه/ أبو الأعلى المودودي ص٣٦٢.
(٢) انظر العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين. د/ بدران أبو العينين بدران ص١٦٠.
(٣) انظر أهل الذمة في الإسلام د/ أ. س - ترتون ترجمة د/ حسن حبشي ص١٦١.
(٤) انظر حاشية المغني والشرح الكبير ج١٠ ص٦٢٠.
[ ٢ / ٦٧١ ]
يعني حرمانهم من التعليم في بلاد الإسلام، فالإسلام قد تكفل بتعليم أبناء أهل الذمة مع أبناء المسلمين جنبًا إلى جنب وهو يعلمهم الحق وما ينفعهم في الحياة ولا يلزمهم بدراسة العقيدة الإسلامية دراسة إلزامية وقد كانت جامعات الأندلس التي أنشأها المسلمون في قربطة وغرناطة وغيرها من المدن تعلم آلاف الشباب من غير المسلمين سواء كانوا من أهل الذمة أو من المستأمنين القادمين من أوروبا كلها (١).
يقول الدكتور/ أحمد شلبي: «إن مما أخذ على هشام بن عبد الرحمن الداخل في الأندلس هو إذنه لليهود والنصارى بإنشاء المدارس والمعابد لهم واستعمال عدد منهم في وظائف الدولة» (٢).
رابعًا: ينطلق أكثر الكتاب والمحدثين في معاملة أهل الكتاب من النص التالي: «اتركوهم وما يدينون» (٣). وهذا الأثر على فرض صحته وعدم ضعفه، فإنه لا يمكن حمله على العموم في كل شيء وإلا لما كان لعقد الذمة أي معنى، فالمقصود من عقد الذمة والأمان للمستأمنين هو نفع المسلمين بإيصال الدعوة إلى هؤلاء بدون قتال وأخذ الجزية والخراج منهم وتبادل السلع معهم مما يتكون منه قوة اقتصادية ومعنوية للإسلام والمسلمين، كما أن في ذلك إتاحة الفرصة للكفار عندما يعيشون في وسط المسلمين ويشاهدون منهج الإسلام والمسلمين في صورة واقعية مما يغريهم بالدخول في الإسلام، وإن اعتراف الشريعة الإسلامية بأهل الذمة وأهل العهد لا يعني أبدًا إقرارهم على جميع ما انطوت عليه حياتهم من زيغ وانحراف وتصورات فاسدة لأن هذا الإقرار المطلق ينافي طبيعة الإسلام
_________________
(١) انظر موسوعة التاريخ الإسلامي ج٤ ص٩٧ تأليف/ أحمد شلبي.
(٢) المصدر السابق ج٤ ص٤٥.
(٣) انظر مقرر الفقه للصف الثاني ثانوي/ تأليف الشيخ مناع القطان ص٨٧ الطبعة الثانية (١٣٩٧هـ).
[ ٢ / ٦٧٢ ]
الذي أخذ على عاتقه تصحيح الأوضاع الخاطئة في العالم كله فضلًا عن أناس يعيشون بداخله.
إن هدف الإسلام من مرونة التعامل مع الكفار إلى حد معقول يقصد به إخراج هؤلاء من الظلام إلى النور، ومن دركات الجهل إلى بحبوحة النور المبين.
فعندما يسمح الإسلام أن يعيش الكفار في وسط مجتمعه إنما يعتبر ذلك وسيلة من وسائل الدعوة، وأن هذا الأسلوب ألطف وأحب من قتلهم عند امتناعهم عن الإسلام (١).
خامسًا: إن من الأدلة التي يمكن الاستناد إليها والاستئناس بها في منع الكفار من تعلم الكفر في دار الإسلام بشكل ظاهر، ما ورد في كتب بعض المؤرخين من أن عمرو بن العاص كتب إلى عمر بن الخطاب (﵄) أن هناك مكتبة عظيمة في الإسكندرية يستشيره في أمرها فرد عليه عمر كتابا يقول فيه: «وأما الكتب التي ذكرتها فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله غنى عن ذلك وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله، فلا حاجة إليه».
فتقدم عمرو بن العاص (﵁) وأمر بإحراقها.
وقد ذكر هذه الرواية عبد اللطيف البغدادي (٢).
_________________
(١) انظر أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج١ ص١٨ وانظر ما هي علاقة الأمة الإسلامية بالأمم الأخرى، د/ أحمد محمود الأحمد ص٤١ - ٤٢.
(٢) هو عبد اللطيف بن يوسف البغدادي الشافعي، ويعرف بابن اللباد، طبيب رياضي، أديب، نحوي، لغوي، متكلم، محدث، مؤرخ مشارك في غير ذلك من العلوم، ولد ببغداد سنة (٥٥٧هـ) وحدث ببغداد ودمشق والقدس وحلب وحران، وبلاد الروم، وملطية، والحجاز. وتوفي ببغداد في ١٢/ ١/٦٢٩هـ من تصانيفه الكثيرة: الجامع الكبير في المنطق والطبيعي، والإلهي في عشر مجلدات، الكتاب الجلي في الحساب الهندي، =
[ ٢ / ٦٧٣ ]
وأشار إلى ذلك أيضًا ابن القفطي (١)، وأبو الفرج (٢)، والملطي (٣).
وقد حصل نزاع كبير بين المثبتين لهذه الرواية والنافين لها وعلى كل حال فإن المسلمين لديهم رغبة عظيمة في محو كل آثار الشرك ومحو كل كتاب يصرف أو يمنع قارئه عن التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم وقد أحرق المسلمون مكاتب الفرس عند فتح بلادهم كما ذكر ذلك حاجي (٤)
_________________
(١) = المجرد في غريب الحديث، الدرة المضيئة، المقالة في الدواء والغذاء ومعرفة طبقاتها. انظر معجم المؤلفين ج٦ ص١٥.
(٢) هو علي بن يوسف بن إبراهيم بن إسحاق الشيباني القفطي، عالم، أديب، ناثر، ناظم، مشارك في النحو واللغة والفقه وعلم القرآن والحديث والأصول والمنطق والرياضة والنجوم والهندسة والتاريخ والجرح والتعديل ولد سنة (٥٦٨هـ) بمدينة قفط من الصعيد الأيمن بمديرية قنا بمصر ونشأ بالقاهرة ورحل إلى حلب، وولي الوزارة فيها وتوفي في رمضان سنة (٦٤٦هـ) من تصانيفه الكثيرة: الإصلاح لما وقع من الخلل في كتاب الصحاح للجوهري، الكلام على الجامع الصحيح للبخاري، أخبار العلماء بأخبار الحكماء، نهزة الخاطر ونزهة الناظر في أحسن ما نقل من على ظهور الكتب، والدرر الثمين في أسماء المصنفين. انظر معجم المؤلفين ج٧ ص٢٦٣.
(٣) هو غريغورس أبو الفرج بن أهرون المعروف بابن العبري، ولد سنة (١٢٢٦م) في مدينة ملطية بأرمينية الصغرى. وتعلم في صغره اليونانية والسريانية والعبرية ثم اشغل بالفلسفة واللاهوت، وترقى في سلم المناصب النصرانية حتى وصل إلى (مغريانا) وهي كلمة فارسية معناها المثمر. وهذا المنصب من أكبر المناصب بعد منصب البطريرقية وهو أشبه بكبير (الأساقفة) على الجهات الواقعة بين النهرين والعراق العجمي، وألف أكثر من ثلاثين كتابًا بالعربية والسريانية في الفلسفة وعلم الهيئة والتاريخ والنحو والشعر وغيرها من بينها كتابة مختصر الدول. انظر حاشية تاريخ الإسلام السياسي ج١ ص٢٤٢.
(٤) انظر تاريخ الإسلام السياسي د/ حسن إبراهيم ج١ ص٢٤٢.
(٥) هو مصطفى بن عبد الله القسطنطين الحنفي، الشهير بين علماء البلد بكتاب جلي، وبين أهل الديوان بحاجي خليفة. مؤرخ، عارف بالكتب ومؤلفيها، مشارك في بعض العلوم. ولد بالقسطنطينية في ذي القعدة سنة (١٠١٧هـ)، تولى أعمالًا كتابية في الجيش العثماني، وقام برحلات متعددة، واهتم بجمع الكتب واقتناء المؤلفات الثمينة - توفي بالقسطنطينية سنة ١٠٦٧هـ. وله مصنفات كثيرة منها: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون في مجلدين، تحفة الكبار في أٍسفار البحار، ميزان الحق في التصوف، سلم الوصول إلى طبقات الفحول في التراجم، تحفة الأخيار في الحكم والأمثال والأشعار. انظر معجم المؤلفين ج١٢ ص٢٦٢ - ٢٦٣.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
خليفة في كتابه كشف الظنون (١).
وإحراق الكتب أمر كان معروفًا في القديم والحديث وشائعًا ولكن هناك فرق بين عمل المسلمين وعمل غيرهم، فغير المسلمين يكون إحراقهم للكتب التي هي مصدر الفكر والرأي تشفيًا من أعدائهم كما فعل التتار بقيادة هولاكو التتري سنة (٦٥٦هـ) بإلقاء خزائن الكتب في نهر دجلة حتى تغير ماؤه من كثرة المداد الذي تحلل من الكتب التي ألقيت به (٢).
أما المسلمون فلا يفعلون ذلك تشفيًا من أعدائهم أو حقدًا عليهم وإنما يفعلون ذلك حرصًا على سلامتهم، واجتهادًا في وقايتهم من استمرار التلقي من تلك المصادر الملوثة والاجتهادات الخاطئة، والأفكار الضالة الفاسدة.
إن الحفاظ على التصور السليم والفهم المستقيم والأخلاق الكريمة أهم من المحافظة على الصحة الجسدية.
إن إدارات الطب الوقائي في العالم أجمع تحرص على منع أسباب المرض قبل وقوعه وذلك بالقضاء على الأسباب المكونة له وكذلك أمراض القلب يجب منع أسبابها قبل وقوعها وقد فعل ذلك عبد الله بن طاهر (٣) حيث
_________________
(١) انظر كشف الظنون حاجي خليفة م١ ص٣٣ من المقدمة.
(٢) انظر تاريخ الإسلام السياسي د/ حسن إبراهيم ج١ ص٢٤٢ - ٢٤٦.
(٣) هو عبد الله بن طاهر بن الحسين، تولى نيابة مصر بعد العشرين ومائتين، ثم تولى أمر خراسان وما حولها من أعمال الري وطبرستان وما يتصل بها وكان خراج هذه البلدان حين =
[ ٢ / ٦٧٥ ]
أتلف في سنة (٢١٣هـ) كتبًا فارسية من مؤلفات المجوس (١).
فإذا ترجح لدينا منع الكتب والمجلات ووسائل التعليم المختلفة التي لا تعلم الناس الخير وإنما تنقلهم إلى الكفر وعلومه فمن باب أولى منع المدارس والمعاهد التي تقام لتدريس الكفر بكل أنواعه ولا يقصر ذلك على أبناء أهل الذمة والمستأمنين بل يجب منع كافة اليهود والنصارى والشيوعيين، وإرساليات التكفير من أن يدخلوا بكتاب أو كتب تنضح بالكفر والانحراف إلا إذا كان ذلك على جهة الاستعمال الخاص لأهل الذمة والمستأمنين خاصة إذا كانت هذه الكتب من كتبهم المقدسة لديهم، بعد أخذ الطرق الكفيلة والضمانات الواجبة في عدم تسرب تلك الكتب إلى أيدي البسطاء من المسلمين.
وإذا تقرر منع تداول الكتب المعتبرة عند أهل الكتاب بشكل علني وواضح، فمن باب أولى منع افتتاح المدارس التي تدرس تلك العقائد التافهة الهزيلة.
ولكن كيف حالنا وقد خرج فينا هذه الأيام جماعة من المنافقين الموالين للكفار حذو القذة بالقذة؟!!
فقد أمرت بعض الحكومات وزراء التعليم فيها بوضع مناهج تعليمية مشتركة بين المسلمين وغير المسلمين، وذلك بتأليف كتب تضم جزءًا من تعاليم الإسلام وجزءًا من تعاليم النصرانية أو غيرها، وقد سبق إلى هذه الخيانة العظمى (مصطفى كمال حلمي) وزير التعليم في مصر يتقدم على رئيسه السادات في موالاة اليهود والنصارى، وكسب ثقتهم ومودتهم ولا شك أن مثل هذا العمل مخالف للصواب من عدة وجوه:
_________________
(١) = مات ثمانية وأربعين مليون درهم وتوفي في شهر ربيع الأول سنة (٢٣٠هـ) بنيسابور. انظر تاريخ الطبري ج١١ ص١٣. وانظر البداية والنهاية لابن كثير ج١٠ ص٣٠٢ - ٣٠٣.
(٢) انظر تاريخ الإسلام السياسي د/ حسن إبراهيم ج١ ص٢٤٢ - ٢٤٦.
[ ٢ / ٦٧٦ ]
أولًا: إن هذا العمل فيه مساواة بين العقيدة الإسلامية واعتقادات أهل الكفر التي لا يجوز النظر فيها لغير أهل العلم وأهل الدراية عند الحاجة إلى نقدها وكشف عورها، فكيف تُدرّس هذه العقائد الباطلة لأطفال لا يفقهون من العلم شيئًا؟
ثانيًا: أنه لو كان تعلم التوراة والإنجيل ونحوهما من معتقدات الكفار جائزًا أو أمرًا مرغوبًا فيه لما غضب رسول الله - ﷺ - عندما رأى في يد عمر بن الخطاب (﵁) صحيفة من التوراة فقال: «إنه والله لو كان موسى حيًا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني» (١) فإذا كان الرسول - ﷺ - قد نهى عمر مع مكانته في الإسلام فكيف تُقرر على من لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه.
ثالثًا: لو كان هذا العمل مباحًا في نظر علماء الإسلام وحكامهم السابقين لسبقونا إلى ذلك وطبقوه عمليا.
رابعًا: إن المدارس التي فتحت في البلاد الإسلامية بغير وجه شرعي لتعليم النصرانية، قد تعمدت في مناهجها الطعن في الإسلام وفي شخص رسول الله - ﷺ -.
فقد نشرت جريدة القبس الكويتية أن كتابًا يدرس في المدرسة الفرنسية بالكويت: يحتوي على إساءة بالغة للإسلام، ويطعن في شخص رسول الله - ﷺ - (٢).
فهذه واحدة من تلك المؤسسات التنصيرية المنتشرة في معظم البلاد الإسلامية.
وقد عمدت بعض الدول المنتسبة إلى الإسلام في موالاتها لأعداء الله
_________________
(١) رواه الحافظ أبو يعلى عن حماد عن الشعبي عن جابر. انظر معالم في الطريق/ سيد قطب ص١٦ (ط - ١).
(٢) انظر مجلة المجتمع عدد (٥٢٥) السنة الحادية عشرة في ١٦/ ٦/١٤٠١ هـ ص٦.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
في مجال التعليم إلى استبعاد تدريس العلوم الشرعية استبعادًا كليًا والبعض الآخر من الدول جعلت دراسة العلوم الشرعية دراسة غير أساسية في مناهج تعليمها فلا يترتب على المواد الشرعية نجاح أو رسوب وهذا العمل كفر لأن حال الفاعل لذلك كحال من لم يلتفت إلى التوحيد ولا تعلمه ولا دخل فيه، فهو يريد أن لا يكون مع المسلمين ولا مع الكفار، فهذا الموقف بحد ذاته كفر لأن واجب المسلم أن يكون مع المسلمين قولًا وفعلًا واعتقادًا (١)، ومن لم يكن كذلك يكون داخلًا تحت مفهوم قول الله تعالى: (سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) (٢).
فإلغاء تدريس العلوم الشرعية كفر وردة عن الإسلام، لأن الدافع إلى ذلك هو استجلاب مودة اليهود والنصارى وأعداء الإسلام واستصغار شأن الإسلام والعلوم الإسلامية في نظر أولئك الأنذال.
والذين لا يوجد لديهم أقليات من غير المسلمين من اليهود والنصارى نجد أنهم أحلوا دراسة مبادئ الكفر محل دراسة علوم الإسلام، فأصبحت بعض الأقطار المسلمة يدرس أبناؤها مبادئ الشيوعية الماركسية التي وضع بعض ملامحها اليهودي الألماني ماركس وأتباعه من أهل الإجرام كما يدرس أولئك أبناء المسلمين الاشتراكية التي هي فرع من الشيوعية وكل من الاشتراكيات المتعددة والبرامج الشيوعية المختلفة كلها تقوم على إنكار وجود الله وإنكار التقيد بالنظام الإسلامي عقيدة ونظامًا اقتصاديًا للحياة.
وبناء على ذلك فإن الذين يسمحون بتدريس مبادئ الكفر وعقائد الضلال في دار الإسلام والمسلمين أو يلزمون المسلمين بدراستها في
_________________
(١) انظر الدرر السنية ج١ ص٦٦.
(٢) سورة النساء آية (٩١).
[ ٢ / ٦٧٨ ]
الخارج (١) هؤلاء ليسوا من المسلمين وأهل الإسلام لأنهم اختاروا موالاة الكفار على موالاة الله ورسوله والذين آمنوا ولأنهم فضلوا أو نزلوا تعليم الكفر إلى منزلة تعليم الإسلام وهذا مخالف لما يجب أن يكون عليه المسلم الحق بل إن من يفعل ذلك الفعل قد شابه اليهود الذين فضلوا دين المشركين على دين المسلمين. قال تعالى: (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا) (٢). فالذين يفضلون دراسة وتدريس مبادئ الكفر والضلال بأنواعها المختلفة على منهج الإسلام وعلومه القيمة داخلون تحت من تعنيهم هذه الآية.
ولم يقتصر الأمر على السماح بتدريس الكفر للكفار وأشباه الكفار في بلاد المسلمين بل لقد وصل الأمر إلى وضع المؤسسات التعليمية التي تحتضن أبناء المسلمين في أيدي الكفار لكي ينشؤهم على وفق أهوائهم ومخططاتهم الإجرامية في الوقت الذي يمكن جعل هذه المؤسسات التعليمية في أيد مسلمة. لقد أقام المكفرون المضللون - أي المبشرون حسب زعمهم - جامعات ومدارس تضلل المسلمين عن دينهم في بلاد الإسلام مثل الجامعة الأمريكية في بيروت، وكلية في بغداد، وجامعة بالسند، والجامعة الأمريكية بالقاهرة، وغيرها من الجامعات الأمريكية المنثورة هنا وهناك (٣). والتي تستقبل كل عام عشرات الآلاف من أبناء المسلمين ليتخرجوا منها بعد بضع سنوات وقد محيت آثار الإسلام من أذهانهم، إلا ما شاء الله منهم. ولم يقتصر الأمر على السماح بإقامة
_________________
(١) مثل ما يحصل في اليمن والصومال والعراق وسوريا وليبيا والمغرب وغيرها من بلاد المسلمين التي ترسل ألوفًا من الشباب إلى روسيا وغيرها من الدول الشيوعية بدعوى العلم وهم في الحقيقة يدرسون الشيوعية والاشتراكية ليعودوا دعاة لها في بلاد المسلمين. انظر - الابتعاث ومخاطره - تأليف محمد الصباغ ص٤.
(٢) سورة النساء آية (٥١).
(٣) انظر المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام/ محمد محمود الصواف ص٢١٢ - ٢٢٤. وانظر التبشير والاستعمار، د/ مصطفى الخالدي، د/عمر فروخ ص٦٥ - ١١٢.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
مؤسسات تعليمية تعلم أبناء المسلمين الكفر بتمويل من الخارج بل لقد وصل الأمر إلى أن تقام مؤسسات تعليمية في بلاد المسلمين ولأبناء المسلمين وتمول من أموال المسلمين وتدار من قبل أُناس ليسوا بمسلمين ليحققوا من خلالها عزل أبناء المسلمين عن دينهم، فقد نشرت جريدة الجزيرة في عددها (٣١٧٤) في ٢٠ جمادى الآخرة (١٤٠١هـ) إعلانًا من كلية البحرين الجامعية تطلب فيه عددًا من الموظفين بتوقيع عميد كلية البحرين الجامعية د/ وليم - أ - ستيوارت فهل عجزت البحرين أن تجد من بين (١٠٠٠) مليون مسلم شخصًا قديرًا على إدارة كليتها تلك غير هذا؟
إن الجواب على ذلك معروف، ولكن التبعية العمياء لأعداء الإسلام هي التي أوصلتنا إلى مثل هذه الحال، وإلى فقدان الثقة بأنفسنا وبإخواننا في الإسلام، الأمر الذي جعلنا نرتمي في أحضان أعدائنا بلا حدود.
إن أي شخص منصف لو نظر إلى آثار المؤسسات التعليمية التي يقيمها أعداء الإسلام في بلاد المسلمين وإلى ما قاله أعداء الإسلام أنفسهم عن تلك الآثار (١)، لقال بوجوب إنهاء تلك المدارس وتصفيتها، فكيف يحصل ممن يُعَوَّل عليهم بإدانة تلك المؤسسات ومحاربتها القول بجواز ذلك أو إقراره.
وخلاصة القول في هذا الموضوع أنه لا يجوز للدولة المسلمة أن تسمح بإقامة المدارس لأصحاب الديانات المخالفة للإسلام لأن ذلك من الجهر بدينهم وهو الأمر الذي منعه جمهور الفقهاء (٢). ولكن لا يعني ذلك أن تلزمهم الدولة الإسلامية بدراسة العلوم الإسلامية (٣).
وقد ذهب الأستاذ/ سعيد حوى إلى القول بجواز إنشاء المدارس
_________________
(١) انظر المصدرين السابقين المكان نفسه.
(٢) انظر ص٦٣٦ من هذه الرسالة.
(٣) انظر نظرية الإسلام وهديه لأبي الأعلى المودوي ص٣٦٢.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
الخاصة بغير المسلمين بعد حصولهم على إذن مسبق من الدولة الإسلامية - الملتزمة بالإسلام قولًا وفعلًا - وتحت إشرافها الدائم (١).
وهذا القول موافق فيما يؤدي إليه إلى ما ذهب إليه جمهور العلماء حيث إن اشتراك إذن الدولة الإسلامية وإشرافها التام والدائم يعني أن لا تتضمن مناهج الدراسة أي إساءة إلى الإسلام والمسلمين.
_________________
(١) انظر من أجل خطوة إلى الأمام على طريق الجهاد المبارك/ تأليف سعيد حوى ص٢٣.
[ ٢ / ٦٨١ ]
المثال الثالث: إباحة ظهور المحرمات بين المسلمين إرضاء للكفار وأشباههم
إن من واجبات صاحب الولاية الشرعية واختصاصاته الأساسية أن يمنع انتشار أي محرم بين المسلمين وفي داخل المجتمع المسلم، ولذلك فإن الإسلام وإن ترك لأهل الذمة شرب الخمر وأكل لحم الخنزير والإفطار في نهار رمضان في داخل المجتمع المسلم إلا أن ذلك مشروط بأن لا يتعداهم إلى سواهم بأي شكل من الأشكال فليس لأهل الذمة أن يبيعوا الخمر للمسلمين، ولا يهدوها لهم، ولا يعاونوهم على صنعها ولا يعصروها لمسلم ولا يحملوها إليه. ولا يبيعها ذمي إلى ذمي آخر جهارًا، وإذا شربها الذمي فسكر، ثم ظهر بين المسلمين وجب تعزيره على إظهاره للشرب
أما ما يختفون به في بيوتهم من غير ضرر بالمسلمين بوجه من الوجوه، فلا يتعرض لهم، أما إذا كانوا لا ينتهون عن إظهار الخمر، أو عن معاونة المسلمين عليها، فإنهم يعاقبون بما يكفل عدم إظهار هذا المنكر ووصوله إلى أيدي المسلمين (١). ويجوز دخولهم دار الإسلام بالخمر والخنزير وذلك
_________________
(١) انظر مختصر الفتاوى لابن تيمية (﵀) ص٥٠٢ - ٥٠٣.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
عندما يتحقق الحاكم المسلم العدل أنه اشتروها لاستعمالهم الخاص لأنفسهم أو فيما بينهم بعد أن يضع القيود والشروط الكفيلة بعدم تعدي هؤلاء وأضرارهم بالمسلمين (١).
أما إذا خِيْفَ بيعها إلى مسلم وإفساد دينه بذلك أو ضبط حالات من ذلك وجب منع دخول الخمر والخنزير، لأن من القواعد الشرعية المقررة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولو اتجر غير المسلم بالخمر والخنزير أو ما هو محرم بين المسلمين، أو في مكان لا يوجد فيه أحد من أهل الذمة فقال بعض الفقهاء بوجوب إراقة الخمر وقتل الخنزير ونفيه إن كان غير ذمي. وتعزيره إن كان ذميًا على ذلك (٢). ونظرًا لموالاة أكثر الحكام في عصرنا الحاضر لأعداء الإسلام والمسلمين فقد أباحت هذه الحكومات بيع الخمر وترويجها في داخل المجتمع المسلم وبخاصة على الخطوط الجوية والفنادق الخاصة والعامة كما أباحت الفطر في نهار رمضان لعامة الناس بحجة أن هذه الأمكنة يرتادها أناس من غير المسلمين، وهم في عملهم هذا لم يسألوا أنفسهم عن موقف الإسلام في ذلك، ولم يضعوا للمجتمع المسلم الذي يحكمونه أي حساب في السؤال عن هذا التصرف الطائش، لأنهم يعلمون أن المجتمع لم يسألهم عما هو أكبر من ذلك فمن باب أولى أن لا يسألهم عن هذه الجريمة التي تضاف إلى غيرها من أنواع الجرائم التي تزاحمت في أذهان الناس وعقولهم حتى بدأ بعضها ينسي البعض الآخر.
ومن موالاة الكفار ترك نسائهم ورجالهم عراة بين المسلمين، حيث قد ابتليت هذه الأمة فيما ابتليت به هجرة كثيرة من الكفار إليها لمقاصد متعددة وأغراض متنوعة وقد استقبلهم المسلمون في أول الأمر بحسن نية
_________________
(١) أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج١ ص٦٣ - ٦٤.
(٢) أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج١ ص١٥٩، انظر كتاب الخراج لأبي يوسف ص١٣٣. وانظر كتاب الخراج/ ليحيى بن آدم القرشي ص٦٨، ص٦٩.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
وبسذاجة وسطحية متناهية وقد خدعهم حسن المظهر ولطف التعامل وما أدركوا أن ذلك أسلوب من أساليب المكر ووسيلة من وسائل الخداع، ثم توالى الكفار وبدأوا يظهرون على حقيقتهم رويدًا رويدًا فبدأت نساؤهم تنتشر في الأسواق والأمكنة العامة بصورة مثيرة للفحشاء والمنكر فتهافت ضعاف النفوس على تلك المناظر تهافت الذباب على الفضلات وقد رأت بعض نساء المسلمين أن تلك المظاهر تدعو إلى الشهرة ومتابعة الأنظار لها فحاولت عن جهل وغباء أن تقلد تلك النساء الكافرات فخلعت رداء العفة والطهارة وخرجت تحاكي المرأة الكافرة حذو القذة بالقذة حتى عم معظم البلاد الإسلامية ردة أخلاقية ومظاهر إباحية يندى لها الجبين.
وما كان ذلك يحصل لو وقف المسلمون مع الكفار موقفًا جادًا وتعاملوا معهم وفق ما يقتضيه شرع الله الذي يحمي المجتمع من كل رذيلة ويحفظ له كل فضيلة.
وقد يسأل إنسان عن موقف الإسلام من لباس الكفار في دار الإسلام؟
والجواب أن الإسلام يحرم على الناس كافة إظهار عوراتهم سواء كانوا مسلمين أو كافرين رجالًا أو نساء وهذا هو الأصل في دار الإسلام، حيث إن النظر إلى شعر المرأة ومفاتنها محرم لغير ضرورة شرعية تلجئ إلى ذلك سواء كانت المرأة مسلمة، أو كتابية فحكمها سواء (١).
ولم يكن للكفار لباس خاص بهم في عهد رسول الله - ﷺ - والسبب والله أعلم أنه حتى الكفار الذين كانوا في ذلك الوقت لم يكن لديهم الدياثة والتهتك والعرى مثل ما هو موجود في الأزمنة المتأخرة التي ظهرت معظم النساء الكافرات وأشباه الكافرات كاشفات عن عوراتهن.
فالمرأة الكافرة في المجتمع المسلم لا تطالب بالحجاب الشرعي
_________________
(١) انظر فتح الباري ج٦ ص١٩١.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
الذي فرضه الإسلام على المسلمة، وإنما تطالب بستر عورتها وهي ما عدا الوجه والكفين. أي بما لا يجوز أن ينظر إليه المسلم من ذوات المحارم عدا الزوجة فإنها مستثناة من ذلك (١).
وبدأ وجوب الغيار بين المسلمين والكفار في عهد عمر بن الخطاب (﵁) حيث إن خالد بن عرفطة (٢) أمير الكوفة جاءت إليه امرأة نصرانية فأسلمت، وذكرت أن زوجها يضربها على النصرانية وأقامت على ذلك البينة، فضربه خالد وحلق ناصيته، وفرق بينه وبينها.
فشكاه النصراني إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (﵁) فأشخصه وسأله عن ذلك، فقص عليه القصة فقال: الحكم ما حكمت به.
وكتب إلى الأمصار أن يجزوا نواصيهم، ولا يلبسوا لبسة المسلمين، حتى يعرفوا من بينهم (٣).
ومن شروط عمر (﵁) على أهل الذمة التزامهم بزي مغاير للمسلمين وخاصة الرجال منهم فقد ورد في الشروط العمرية «وأن نلزم زينًا حيثما كنا، وألا نتشبه بالمسلمين في المركب واللباس ونحوه» (٤). فهذه سنة سنها من أمر الرسول - ﷺ - باتباع سنته في قوله
_________________
(١) انظر تفسير سورة النور لأبي الأعلى المودودي ص١٦١، ١٧١، وانظر تفسير القرطبي ج١٢ ص٣٠٩ - ٣١٠ وجـ١٤ ص١٧٩ - ١٨١.
(٢) هو خالد بن عرفطة العذري وعذرة من قضاعة استخلفه سعد بن أبي وقاص (﵁) على الكوفة ونزلها وهو معدود في أهلها، توفي سنة ستين وقيل إحدى وستين من الهجرة. انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة ج٢ ص٨٧ - ٨٨.
(٣) انظر أحكام أهل الذمة - لابن قيم الجوزية ج١ص٢٣٦.
(٤) انظر شرح الشروط العمرية/ ابن قيم الجوزية/ تحقيق صبحي الصالح ص٧٩.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
- ﷺ - من حديث طويل «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ » الحديث (١).
فالمسلم ذكرًا كان أو أنثى يتشبه ويتأسى بمن أمرنا الله بالاقتداء بهم وهم رسول الله - ﷺ - وأصحابه وأمهات المؤمنين وأما الكافر الذي يعيش بين المسلمين فيجب عليه أن يلبس لباس أمثاله من الكفار بشرط أن لا يظهر شيئًا من عورته، وأن يغاير لباس المسلمين حتى يعلم أنه كافر فلا يطالب بما يطالب به المسلم ولا يقتدي به من يراه في أفعاله لعلمه أنه كافر.
أما المرأة الكافرة في دار الإسلام، فإنه يجب عليها من الستر مثل ما يجب على المرأة المسلمة، فلا يصح أن تتبرج، ولا أن تختلط بالرجال الأجانب اختلاطًا يدعو إلى الفحشاء والمنكر (٢).
ولذلك لم يذكر ابن قيم الجوزية في موضوع الغيار بين المسلمين وأهل الذمة صفة غيار النساء بل إن كل ما ذكره غالبًا متعلق بغيار الرجال (٣). وإن كان أشار بعض الكتاب إلى غيار النساء بارتداء الثوب الأصفر وشد المنطقة حول الوسط (٤). ولكن شروط عمر (﵁) على أهل الذمة لم تتناول شيئًا من ذلك (٥).
_________________
(١) رواه أحمد وأبو داود. انظر مسند أحمد ج٤ ص١٢٦ - ١٢٧ وانظر سنن أبي داود ج٤ ص٢٠٠ - ٢٠١ (باب لزوم السنة) رقم الحديث (٤٦٠٧). ومن الفتح الرباني عن ابن ماجه والترمذي وأبي داود حسن صحيح وعن الحاكم وابن حبان صحيح على شرطهما. انظر الفتح الرباني ج١ ص١٩٠ ط-١، ٢ - دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان.
(٢) انظر مجلة الدعوة المصرية العدد (٥٦) السنة الثلاثون (٤٣٠) شهر صفر ٤٠١ هـ ص٤٠ إجابة الشيخ محمد عبد الله الخطيب على ذلك.
(٣) انظر أحكام أهل الذمة - ابن قيم الجوزية ج١ ص٢٣٦ - ٢٣٨.
(٤) انظر تاريخ الطبري ج١١ ص٣٦ - ٣٧. وانظر أهل الذمة في الإسلام د/ أ. س. ترتون. ترجمة وتعليق د/ حسن حبشي ص١٣٢.
(٥) انظر شرح الشروط العمرية/ تحقيق صبحي الصالح ص٧٩ وما بعدها ص١١٠.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
والسبب والله أعلم أن النساء لا يخرجن إلا نادرًا وذلك لا يقتضي تمييزًا ولا غيارًا، وقد رُوي أن عمر بن عبد العزيز (﵁) نهى النسوة النصرانيات عن زيارة الحمامات في الأسواق (١) وهذا يدل على أن نساء أهل الذمة ملزمات في المجتمع المسلم بعدم إظهار الزينة وبستر كل ما يدعو إلى إثارة الشهوة وإيقاظ الفتنة من جسدها، ولا يجوز الاحتجاج على هذا بقوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) لأن الزامهن بستر سؤاتهن وصدورهن وما إلى ذلك ليس إكراهًا على الدخول في الإسلام بل هو خضوع لنظامه العام في الحياة، وإن بقيت على الكفر.
وقد ذكر الطبري أنه في عهد المتوكل قد ألزم نساء أهل الذمة إذا أرادت إحداهن الخروج أن تتدثر بالدثار الأصفر حين تغادر بيتها إلى الخارج وتضع المنطقة حول وسطها (٢). وفي سنة (٧٣٤هـ) ألزم الخليفة (٣) في بغداد والقاهرة وما حولهما الذميين بلبس الإزار الأصفر والأزرق، وفي سنة (٧٥٥هـ) ألزم الخليفة (٤) النصرانيات بلبس الإزار الأزرق، واليهوديات بلبس الإزار الأحمر (٥). وإقرارهم على شرب الخمر وأكل لحم الخنزير،
_________________
(١) الولاة والقضاة للكندي ص٦٩.
(٢) تاريخ الطبري ج١١ ص٣٦ - ٣٧.
(٣) هو الخليفة المستكفي بالله أمير المؤمنين أبو الربيع بن الحاكم بأمر الله العباسي اسمه أحمد بن علي بن الحسن الهاشمي العباسي ولد سنة (٦٨٣هـ) وتولى الخلافة يوم الأحد لعشرين من ذي الحجة سنة (٧٠١هـ) وخطب له على المنابر بالبلاد المصرية والشامية وسارت بذلك الرسائل البريدية إلى جميع البلاد الإسلامية وتوفي سنة (٧٤٠هـ). انظر البداية والنهاية لابن كثير ج١٤ ص٢٠، ١٨٧.
(٤) هو الملك الصالح صلاح الدين بن سلطان الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون، تولي الخلافة في سنة (٧٥٣هـ) وخلع من منصب الخلافة في شهر شوال من سنة (٧٥٥هـ) وتولي مكانه أخوه الملك الناصر حسن بعد خلعه. انظر البداية والنهاية لابن كثير ج ١٤، ص ٢٤١، ٢٥١.
(٥) انظر حسن المحاضرة للسيوطي ج٢ ص٢١٢ - ٢١٤ وانظر البداية والنهاية لابن كثير ج١٤ ص٢٤٩ - ٢٥٠.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
لا يبيح لهم إظهار ذلك في بلاد المسلمين علانية، أو إدخالها على وجه الشهرة لأن ذلك من إظهار شعائر الكفر في دار الإسلام وهو أمر ممنوع في الشرع الإسلامي كما تقدم إيضاح ذلك (١). فإذا كان هذا ممنوعًا فمن باب أولى منع النساء الكافرات الكاسيات العاريات من الخروج في وسط المجتمع المسلم لأن خطرهن أشد من خطر ظهور الخمر والخنزير، وقد قال رسول الله - ﷺ - «ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء» (٢).
وإذا كان الإسلام قد ألزم المسلمات المؤمنات المحصنات بحصانة الإيمان فمن باب أولى أن يلزم الكافرات اللاتي هن أقرب إلى كل رذيلة وأبعد عن كل فضيلة وقد ذكر الدكتور عبد الكريم زيدان أنه يُمنع أهل الذمة ومن في حكمهم من أهل العهد من إظهار الفسق فيما يعتقدون حرمته كالفواحش ونحوها كما يمنع المسلم منها سواء بسواء (٣).
وقد ورد في الحديث «لعن رسول الله - ﷺ - المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال» (٤).
فهذا الحديث عام في لعن كل من يتشبه من النساء بالرجال أو العكس سواء كان مسلمًا أو كافرًا، ولما كان هذا الشيء أمرًا منكرًا وإظهاره في المجتمع الإسلامي إظهارًا للمنكر، فإنه يلزم بمقتضى عقد الذمة والعهد أن لا يُظْهِرَ هؤلاء منكرًا أيا كان نوع هذا المنكر إذا أرادوا أن يعيشوا مع المجتمع الإسلامي بصدق وأمان. وخروج النساء الكافرات في وسط المجتمع المسلم بلباس يدعو إلى الإثارة والفتنة إما أن يكون داخلًا ضمن حدود القانون المدني أو ضمن دائرة الحقوق الشخصية، وفي كلا الحالين فإنه غير جائز تكشف النساء الكافرات في المجتمع المسلم.
_________________
(١) انظر ص٥٦٩ - ٥٧٥ من هذه الرسالة.
(٢) انظر صحيح مسلم ج٤ ص٢٠٩٨ (كتاب الرقاق).
(٣) انظر أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام د/ عبد الكريم زيدان ص١٩٠.
(٤) انظر فتح الباري ج١٠ ص٣٣٢ (باب اللباس).
[ ٢ / ٦٨٨ ]
فالقانون المدني مبني على وجوب احترام مشاعر الناس جميعًا ولا يجوز أن يعترض أحد لمشاعرهم وغرائزهم بالإثارة وإحداث الألم فيها وهذه المظاهر التي تظهر بها النساء الكافرات في دار الإسلام اعتداء على مشاعر الناس وإيذاء لأرواحهم سواء كان الناظر في ذلك مسلمًا أو كافرًا وذلك لأمرين:
الأمر الأول: إذا كان الناظر إلى تلك النساء الكافرات العاريات من لباس العفة والفضيلة، مسلمًا فإنه يجد في تلك المظاهر ما يثير غيرته الدينية على هذا المنكر الظاهر وهذه الصور التي تتنافى مع أحكام الإسلام، وإن كان من ضعاف الإيمان فقد يجد من الإثارة الجنسية ما يسبب له الألم والحرج والضيق، فهو مهما يكن إنسانًا حساسًا ذا لحم ودم يحس بما يرى ويسمع فيتأثر بذلك سلبًا أو إيجابًا.
الأمر الثاني: لو فرضنا أن المسلمين غضوا أبصارهم عن تلك المناظر العارية والصور الخليعة فإن الذكور من الكفار سيصيبهم من تلك المظاهر ما يشعل نار الفاقة والشعور بالحرمان في أنفسهم مما يدفعهم إلى ارتكاب جرائم متعددة الأنواع والأشكال كي يطفئوا تلك النار الملتهبة في أنفسهم والتي لا تجد ما يحد من قوتها أو يوجهها التوجيه السليم نظرًا لبعدهم عن الإيمان والإسلام.
ففي القانون المدني المبني على الشريعة الإسلامية نص يدل على تساوي المسلمين وأهل الذمة في التكاليف الظاهرة في الجانب الأخلاقي ولم يستثن من ذلك في حق الذميين سوى الخمر والخنزير، فلهم أن يصنعوا الخمر ويشربوها خفية دون أن يخرج منها أو من أذاها شيء إلى المسلمين ولهم أن يربوا الخنازير ويأكلوها ويبيعوها بينهم (١).
_________________
(١) انظر المبسوط للسرخس ج١٣ ص١٣٧ - ١٣٨.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
هذا إذا قلنا إن عدم خروج النساء الكافرات بمظاهر العري والتكشف من الحقوق المدنية.
أما إذا قال شخص إن خروج المرأة باللباس الذي تريده من حقوقها الشخصية.
فنقول إنه رغم ضعف هذا القول للأسباب التي تقدم ذكرها فإن قانون الأحوال الشخصية، لليهود والنصارى مستمد من التوراة والإنجيل رغم تحريفهما، وليس فيهما ما يبيح هذا العري الفاضح والتبرج الجاهلي وفي المجتمع المسلم يعامل أهل الذمة في قانون الأحوال الشخصية بما يبيحه لهم دينهم، أما ما ثبت تحريمه عليهم وعلى المسلمين فيمنع عنه الجميع على حد سواء (١).
والنصوص الموجودة في الإنجيل بهذا الخصوص تأمر المرأة بارتداء البرقع وتذكر قياسات مختلفة له (٢).
كما أن التوراة قد ذكر فيها أن (ربيكار) قد ارتدت ذات البرقع لأنها كانت محترمة (٣).
ويمكن الاستدلال على وجوب ستر عورة المرأة الكافرة وإخفائها للزينة في المجتمع المسلم هو أن المسلم إذا تزوج الكتابية على رأي من يرى جواز ذلك، يلزمها بالحجاب لأن ترك الحجاب ليس من دينها ولا من دين الإسلام.
وعلة النهي عند من يرى كراهية نكاح الكتابيات هو أن الكتابية تتناول ما يحرم على المسلم من خمر أو خنزير، ولم يذكروا أن من علة النهي
_________________
(١) انظر نظرية الإسلام وهديه/ أبو الأعلى المودودي.
(٢) انظر ما قاله (متى) الإنجيل - الكتب المقدسة - طبعات الملك جمر الثاني عشر ج٢ ص٨٤٦ مكان الطبع نيويورك عام الطبع (١٩٤٦م) (١٩٥٢م).
(٣) انظر ما قاله مترجم الكتب المقدسة. المصدر نفسه والمكان نفسه.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
كونها تخرج سافرة متبرجة بزينتها (١). ويضاف إلى تلك الأدلة ما روي أن طلحة بن عبيد الله تزوج بيهودية، وحذيفة بن اليمان تزوج نصرانية فغضب عمر (﵁) غضبًا شديدًا للزواج من هؤلاء النسوة الكافرات (٢) ومعلوم يقينًا أن طلحة وحذيفة لن يتزوجا بنساء متبرجات مبتذلات مائلات مميلات غير ملتزمات بمظهر العفة والفضيلة، حتى ولو كن غير مسلمات، لأن من عادة العرب في الجزيرة فيما سبق المحافظة على العرض والعفة والابتعاد عن أسباب الرذيلة واستعظامهم لهذا الأمر حتى وصلت بهم الغيرة على العرض إلى وأد بناتهم قبل بلوغهن سن الرشد.
وبناء على ذلك فليس لأولئك المرتدين أخلاقيًا أي عذر في ترك النساء كاسيات عاريات مائلات مميلات في بلاد المسلمين.
إنه لو كانت هناك دولة إسلامية حقة لما سمحت بانتشار تلك الردة الأخلاقية في ديار المسلمين. ولو كان هناك جمهور مسلم يوالي الإسلام ويعادي أعداءه لما رضي بتلك الردة الأخلاقية ولما استكان بذلة وهوان تحت أقدام المتسلطين، من الكفرة الصرحاء والمنافقين العملاء. إن ما تعج به بلاد المسلمين من تفسخ وعرى وتهتك ومجون أمر لا مبرر له سواء كان الفاعل لذلك كافرة أو مسلمة أو كافرًا أو مسلمًا، لأن الإسلام يحارب الفحشاء والمنكر في دار الإسلام أيا كان مصدرها مسلمًا أو كافرًا، ولكن نظرًا لموالاة كثير من السلطات للكفار بما فيها الموالاة الأخلاقية فقد أصبح المسلم في داره كأنه في دار الكفار لما يرى من مظاهر الكفر التي يندى لها جبين كل مسلم غيور.
فأحكام أهل الكفر تجري بسفحها وقانونهم يعلو بها ظاهرًا يبدو (٣)
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
_________________
(١) انظر العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين. د/ بدران أبو العينين بدران ص٤٩.
(٢) انظر تفسير الفخر الرازي ج٦ ص٦١.
(٣) انظر ديوان عقود الجواهر المنضدة الحسان/ سليمان بن سحمان ص٢٨٢.
[ ٢ / ٦٩١ ]
المثال الرابع: إطلاق يد الكفار في بناء المعابد لهم في بلاد المسلمين
قبل أن نستعرض ما يقوم به سماسرة اليهود والنصارى في إطلاق يد الكفار في بناء الكنائس وتعميرها في أرض الإسلام والمسلمين، ننظر إلى أقوال فقهاء الإسلام في هذا الشأن حتى يكون القارئ على بينة بما يجوز وما لا يجوز في ذلك فلا ينخدع بما يقوله المضللون في هذا الشأن فيعرف أعداءه وأعداء دينه من خلال ما يقومون به من أعمال تدل على موالاتهم وتبعيتهم للكفار.
ومن خلال نظرتي في هذا الموضوع يظهر لي أن حكم بناء الكنائس وتجديدها في ديار المسلمين على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: البلاد التي أحدثها المسلمون وأقاموها مثل الكوفة والبصرة وبغداد والقاهرة والمعادي وحلوان والقيروان ونحوها من المدن والقرى التي نشأت بعد الفتح الإسلامي لا يجوز فيها إحداث كنيسة (١) ولا
_________________
(١) انظر في تعريفها ص٦٢٢ من هذه الرسالة.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
بيعة (١) ولا دير (٢) ولا صومعة (٣)، لأنها أنشأت في العهد الإسلامي وهي تمثل الإسلام وأهله (٤).
القسم الثاني: البلاد التي فتحها المسلمون عنوة مثل الإسكندرية بمصر والقسطنطينية في تركيا ونحو ذلك من المدن والقرى، فلا يجوز إحداث شيء من البيع والكنائس فيها، وإن كان يجوز ترك ما هو موجود فيها على الرأي الراجح من أقوال الفقهاء، وقال بعضهم بوجوب الهدم لأنها بلاد مملوكة للمسلمين، ولكن الأولى إبقاؤها وعدم تجديد ما خرب منها (٥).
القسم الثالث: ما فتح صلحًا بين المسلمين وبين سكانها. والمختار في ذلك هو ترك ما كان موجودًا بها من كنائس وبيع على ما هي عليه وقت الفتح، ومنع بناء وإعادة ما هدم منها وهو رأي الإمام الشافعي وأحمد (رحمهما الله) إلا إذا اشترط أهل الذمة في عقد الصلح مع الإمام إقامتها فعهدهم يجب الوفاء به (٦). وحين يتعدى أهل الذمة شروط الصلح فحينئذ يجوز هدم ما بقي منها بناء على نقض العهد من قبلهم، ويظهر من الآثار
_________________
(١) معبد النصارى والجمع بيع. انظر المعجم الوسيط ج١ ص٧٩.
(٢) انظر في بيان معناه ص٦٢٢ من هذه الرسالة.
(٣) انظر في بيان معناها ص٦٢٢ من هذه الرسالة.
(٤) انظر المغني والشرح الكبير ج١٠، ص٦١٨ - ٦٢٠. وانظر أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام د/ عبد الكريم زيدان ص٩٦ - ٩٧. وانظر إجابة الشيخ محمد عبد الله الخطيب في مجلة الدعوة المصرية العدد (٥٦) السنة الثلاثون (٤٣٠) في صفر ١٤٠١هـ، ص٤٠، حول سؤال وجه إليه في حكم بناء الكنائس في دار الإسلام.
(٥) انظر المغني والشرح الكبير ج١٠، ص٦١٨ - ٦٢٠ وانظر أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام د/ عبد الكريم زيدان ص٩٦ - ٩٧ وانظر إجابة الشيخ محمد عبد الله الخطيب في مجلة الدعوة المصرية العدد (٥٦) السنة الثلاثون (٤٣٠) في صفر ١٤٠١هـ، ص٤٠ حول سؤال وجه إليه في حكم بناء الكنائس في دار الإسلام.
(٦) المصادر السابقة نفس المكان.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
الواردة في ذلك أن الإسلام لا يجيز إحداث الكنائس في دار الإسلام، وأن السياسة الشرعية ترمي إلى تقليلها تدريجًا كلما واتت الفرصة إلى ذلك لأنها باطل يجب زواله من دار الإسلام ولذلك ورد في الحديث «لا تبنى الكنيسة في الإسلام ولا يجدد ما خرب منها» (١).
ولكن كثيرًا من حكام اليوم قد تجاوزوا هذه المسألة كما تجاوزوا غيرها من أحكام الإسلام فبدلًا أن يعمروا المساجد ويعينوا المسلمين على ذلك بدأ هؤلاء الحكام ينظرون إلى المساجد نظرة عداء وكم من المساجد التي هدمت على المصلين في الشام وغيرها من بلاد المسلمين بينما نجد التغافل والتغاضي عن بناء الكنائس وانتشار سدنتها من المكفرين والمفسدين في الأرض، لقد وصل الأمر إلى أن يتزعم بعض الرؤساء المحسوبين من أهل الإسلام بناء الكنائس من بيت مال المسلمين ليقيم شعائر الكفر بعد أربعة عشر قرنًا من تحطيمها وكمثال على ذلك نذكر ما صرح به رئيس مصر (السادات) عندما وقع على وثيقة الاستسلام لليهود والنصارى، دعاه (وليام ميتن دورف) رئيس شركة أمريكية مشهورة جدًا اسمها (تيفاني) ومنح الرئيس المصري جائزة مقدمة من النصارى لمصالحة السادات لليهود، وعند ذلك فكر السادات كيف يرد الجميل؟
فوجد أن أعز شيء لديهم هو أن يقيم لهم الكنائس في مصر في الوقت الذي يسلم فيه الرئيس المصري القدس لليهود - فطلب السادات من (وليام متن) أن يصاحبه إلى مصر حتى يضع معه أساسًا لكنيسة عظمى في جبل سيناء وقد قبل هذا العرض وهو في طريقه للتنفيذ (٢). إلا أن يشاء الله غير ذلك.
_________________
(١) رواه كثير بن مرة عن علي بن أبي طالب عن عمر بن الخطاب ﵄ عن رسول الله - ﷺ - انظر المغني والشرح الكبير ج١٠ ص٦٢٠.
(٢) انظر مجلة المجتمع الكويتية عدد (٤٧٩) السنة الحادية عشر في ٢٨/ ٦/١٤٠٠هـ. ص١٥.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
ولم يكتف السادات بذلك بل أصدر قرارًا جمهوريًا سمح بموجبه ببناء خمسين كنيسة لكل عام (١) وعلى هذا ستبلغ الكنائس المحدثة خلال عشرة أعوام خمسمائة كنيسة، وعندما اضطرت حكومة السادات لهدم كنيسة تقع في وسط أحد الشوارع الجديدة، قامت ببناء إحدى عشرة كنيسة بدلًا من كنيسة واحدة، ويصرح القانون البلدي في مصر في عهد السادات، أنه لا بد من طلب الترخيص لبناء المساجد وعلى أي مستوى، أما الكنائس فإنها تبنى بدون أي ترخيص (٢) وليس هذا الأمر خاصًا بمصر وحدها، بل لقد تجاوز الأمر ذلك إلى دبي والفجيرة وأبو ظبي، فقد نشرت مجلة الإصلاح الصادرة من دبي في دولة الإمارات صورة لكنيسة ضخمة في دبي وقالت في تعليقها هذه إحدى كنائس دبي وقد ضاهت في علوها مآذن المساجد في ذلك البلد المسلم. وفي أبو ظبي وضع مخطط لمدينة الرويس النفطية ومن ضمنه تصميم لكنيسة كبرى سوف تقام هناك، وقد وزعت الإرساليات -التبشيرية- في دبي منشورات لجمع التبرعات لهذه الكنيسة التي تعتبر الثانية من نوعها في أبو ظبي (٣).
وفي الفجيرة تجري اتصالات على مستوى كبير للحصول على ترخيص من حكومة الفجيرة لإقامة مجمع يشتمل على بعض الكنائس والمدارس والمراكز التنصيرية (٤).
كل هذا يجري في بلاد المسلمين وخاصة في جزيرة العرب التي قال عنها رسول الله - ﷺ -: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلمًا» (٥).
_________________
(١) المصدر السابق عدد (٥٤٤) السنة الحادية عشرة في ٢٤/ ١١/١٤٠١هـ. ص٢٢.
(٢) انظر مجلة الإصلاح عدد (٢٦) جمادى الثانية (١٤٠٠هـ) ص٢١.
(٣) انظر مجلة الإصلاح عدد (٤٠) السنة الثالثة رمضان (١٤٠١هـ) ص٨ - ٩.
(٤) انظر مجلة الإصلاح عدد (٢٦) جمادى الثانية (١٤٠٠هـ) ص١٣.
(٥) رواه مسلم وأحمد والترمذي. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، م٢ ص٦٢٩ رقم الحديث (٩٢٤).
[ ٢ / ٦٩٥ ]
أليس هؤلاء الذين يسمحون ببناء الكنائس في بلاد المسلمين عامة والجزيرة العربية خاصة أو يتغافلون عما هو موجود منها قد عظموا أعداء الله أكثر من تعظيمهم لله ولرسوله ولدين الإسلام وأحبوهم أكثر من حبهم لله ورسوله، ولولا ذلك لما عصوا أمر الله ورسوله وأطاعوا أمر المشركين وطلبوا رضاهم بإقامة تلك الكنائس التي هي إظهار للكفر على الإسلام.
كيف لا؟ والله ﷿ قد طلب منهم عكس ذلك وهو إظهار الإسلام على الكفر في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (١). وأمرنا بالاقتداء بالرسول - ﷺ - في قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (٢)، وفي الحديث عن ابن عباس (﵄) قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تصلح قبلتان في أرض وليس على مسلم جزية» (٣).
فبماذا يجيب الذين ينشرون الكنائس والبيع في أرض المسلمين؟ هل أصبح حبهم لليهود والنصارى أعظم من حبهم لله ورسوله والمؤمنين؟
اللهم إننا نبرأ إليك مما يفعله المتسلطون على رقاب المسلمين في موالاتهم لأعدائك وعداوتهم لأوليائك، إنك حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) سورة الصف آية (٩).
(٢) سورة الأحزاب آية (٢١).
(٣) رواه أحمد وأبو داود. انظر نيل الأوطار للشوكاني ج٨ ص٢١٩.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
المثال الخامس: منح الكفار حرية التنقل والإقامة بين المسلمين
لقد بلغ من تسامح الإسلام مع غير المسلمين المخالفين له في العقيدة، أن يقرهم على السكنى الدائمة كأهل الذمة أو المؤقتة كأهل العهد مع حرية التنقل والإقامة ما لم يخالفوا مقتضى العقد والعهد، إلا أن هناك استثناء من ذلك حيث قسم الفقهاء دار الإسلام إلى أربعة أقسام هي كما يلي:
أولًا: المسجد الحرام:
أجمع الفقهاء على أن المسجد الحرام لا يجوز أن تطأه قدم مشرك كافر بالأصالة أو بالردة كمعتنقي المذاهب الشيوعية أو البعثية ونحوها، لعموم قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) (١). وقد بعث رسول الله - ﷺ - عليًا بعد نزول هذه الآية يعلن للناس في
_________________
(١) سورة التوبة آية (٢٨).
[ ٢ / ٦٩٧ ]
الحج «أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان» (١).
ثانيًا: منطقة الحرم وهي مكة وما طاف بها من نصب حرمها:
فليس لغير المسلم أيا كان نوع كفره أن يدخلها لا مقيمًا ولا مارًا بها وهذا هو مذهب الشافعية والحنابلة، وخالف أبو حنيفة في ذلك حيث يرى جواز المرور بمنطقة الحرم دون الإقامة فيها ما عدا المسجد الحرام فلا يجوز أن يقربه مشرك وحجته في ذلك أن الآية خصصت المسجد الحرام فلا يتعدى ذلك إلى غيره مما لم يشمله الدليل.
ورد القائلون بمنع دخول منطقة الحرم كلها، أن القرآن الكريم نهى غير المسلمين عن اقتراب المسجد الحرام والمقصود به الحرم كله، لا المسجد الحرام فقط، لأنه عبر عن الكل بذكر الجزء المهم فيه (٢).
والراجح في هذه المسألة المنع من دخول منطقة الحرم بكاملها وذلك للأسباب الآتية:
١ - إن الله ذكر تحريم دخول المسجد الحرام ونص عليه صراحة والمسجد الحرام جزء يسير من الحرم كله ولذلك ذهب عطاء إلى أنه يحرم تمكين المشرك من دخول الحرم أجمع (٣).
٢ - وردت أحاديث صحيحة بإخراج اليهود والنصارى من الجزيرة كلها فمن باب أولى أن تشمل منطقة الحرم، حيث ورد في صحيح مسلم ما يؤكد ذلك (٤).
_________________
(١) انظر صور من حياة الرسول أمين دويدار ص٥٨٢.
(٢) انظر أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام د/ عبد الكريم زيدان ص٩٢.
(٣) انظر تفسير القرطبي ج٨ ص١٠٤.
(٤) انظر نيل الأوطار للشوكاني ج٨ ص٢٢٢. وانظر الأحكام السلطانية للماوردي ص١٦٧.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
ثالثًا: سكنى الجزيرة والحجاز لغير المسلمين:
الأصل في ذلك ما روي من الأحاديث الدالة على منع سكنى الجزيرة والحجاز لغير المسلمين، حيث روي عن ابن عباس (﵁) قال اشتد برسول الله - ﷺ - وجعه يوم الخميس وأوصى عند موته بثلاث: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ونسيت الثالثة» (١) وعن ابن عمر (﵁) أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلمًا» (٢) وعن عائشة (﵂) قالت آخر ما عهد رسول الله - ﷺ - أنه قال: «لا يترك بجزيرة العرب دينان» (٣) وعن أبي عبيدة بن الجراح (﵁) قال: آخر ما تكلم به رسول الله - ﷺ - «أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب» (٤).
وعن ابن عمر (﵄) «أن عمر أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز وذكر يهود خيبر إلى أن قال أجلاهم عمر إلى تيماء وأريحاء» (٥).
وظاهر ما تدل عليه هذه الأحاديث وفعل عمر (﵁) أنه يجب إخراج المشركين من كل مكان داخل في مسمى جزيرة العرب وقد حدد الخليل (٦) بن أحمد جزيرة العرب بأنها من بحر الحبشة غربًا إلى بحر
_________________
(١) رواه البخاري. انظر فتح الباري ج٦ ص١٧٠ (باب الجهاد) ح٣٠٥٣.
(٢) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم في كتاب الوصية ج٣/ ١٢٥٨ ح١٦٣٧ ورواه أحمد والترمذي وصححه. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني م٢، ص٦٢٩، رقم الحديث (٩٢٤) وانظر نيل الأوطار للشوكاني ج٨ ص٢٢٢ وانظر المغني والشرح الكبير ج١٠، ص٦١٣.
(٣) نيل الأوطار للشوكاني ج٨ ص٢٢٢.
(٤) رواه أحمد. انظر نيل الأوطار ج٨ص٢٢٢.
(٥) رواه البخاري ومسلم. انظر فتح الباري ج٦ ص٢٥٢ وانظر صحيح مسلم ج٣ ص١١٨٧ - ١١٨٨ (باب المساقات - ٦).
(٦) هو الخليل بن أحمد بن عمرو بن تمين الفراهيدي، الأزدي، اليحمدي، البصري، (أبو عبد =
[ ٢ / ٦٩٩ ]
فارس شرقًا ومن الفرات شمالًا إلى بحر الهند جنوبًا، وهذا يوافق مفهومنا الجغرافي المعاصر من البحر الأحمر غربًا إلى الخليج شرقًا، ومن أرض العراق شمالًا إلى حضرموت جنوبًا وهذا هو الموافق لنصوص الحديث (١).
وحدد الأصمعي جزيرة العرب بأنها ما بين أقصى عدن إلى ريف العراق طولًا ومن جدة وما والاها إلى أطراف الشام، وسميت بجزيرة العرب لإحاطة البحار بها، وهي بحر الهند وبحر القلزم وبحر فارس وبحر الحبشة وأضيفت إلى العرب لأنها كانت بأيديهم منذ القدم (٢).
وقد اختلف العلماء في مسألة النهي عن سكنى الجزيرة والحجاز فمنهم من حمل أحاديث النهي كلها على الحجاز فقط دون بقية الجزيرة العربية ومنهم من حمل أحاديث النهي على مسمى الجزيرة كلها بما فيها الحجاز.
وخلاصة القولين كما يلي:
القول الأول:- هو قول جماعة من الفقهاء حيث قالوا: إن الذي يُمْنَع المشركون من سكناه من الأرض، هي أرض الحجاز خاصة وهي مكة والمدينة واليمامة وما والاها من قرى وأحياء وذلك لعدة أسباب هي:
١ - إن أكثر الفقهاء قد اتفقوا على أن اليمن لا يمنع أهل الذمة من سكناها مع أنها من جملة جزيرة العرب، وهذا قول الجمهور من الشافعية والحنفية والحنابلة والشيعة الإمامية (٣).
٢ - استدل القائلون بالنهي عن سكنى المشركون للحجاز فقط بحديث أبي
_________________
(١) = الرحمن) ولد سنة (١٠٠هـ) وأصبح نحويًا لغويًا، وهو أول من استخرج علم العروض وحصن به أشعار العرب وتوفي سنة (١٧٠هـ) انظر معجم المؤلفين/ ج٤ ص١١٢.
(٢) انظر فتح الباري ج٦ ص١٧١ وص٢٧٠ - ٢٧٢ من نفس الجزء ونفس الكتاب.
(٣) انظر الأحكام السلطانية للقاضي أبي يعلى الحنبلي ص١٧٩ - ١٨١.
(٤) انظر أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام د/ عبد الكريم زيدان ص٩٢.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
عبيدة وفعل عمر المتقدمين (١). فقالوا: إن عمر (﵁) أجلى أهل الذمة من الحجاز فلحق بعضهم بالشام وبعضهم بالكوفة وأجلى أبو بكر (﵁) قومًا فلحقوا بخيبر، فاقتضى ذلك أن المراد بالنهي الحجاز لا غير.
القول الثاني: قول من يرى أنه يجوز أن يسكن في جزيرة العرب مشرك بعد دخولها في الإسلام وجزيرة العرب هي ما سبق أن أشرنا إلى تحديد الخليل بن أحمد والأصمعي لها، وتحديدهما لها لا يختلف عما هو معروف عند علماء هذا الفن في عصرنا الحاضر سوى الاختلاف في اللفظ من جزيرة العرب إلى شبه الجزيرة العربية وعلى هذا فجزيرة العرب أو شبه الجزيرة العربية لا يجوز أن يسكنها مشرك على هذا القول وحجة أهل هذا القول هي ما يلي:
١ - تواتر الأحاديث الدالة على أنه لا يجوز أن يسكن الجزيرة مشرك ولا يجتمع فيها دينان بعد الإسلام وقد تقدمت هذه الأحاديث برواياتها المختلفة.
٢ - إن هذه الأحاديث كما تدل طرق الرواية لها من آخر ما عهد به الرسول - ﷺ - لهذه الأمة فلم يأت بعدها أحاديث يمكن أن تنسخ العمل بها أو تخصص مفهومها.
٣ - إن تخصيص الحجاز من الجزيرة العربية إذا كان ذلك لرعاية مصلحة الأمة، فإن المصلحة في إخراجهم من الجزيرة العربية كلها أقوى وأوجب.
٤ - إن حمل الجزيرة على الحجاز إن صح مجازًا من إطلاق اسم الكل وإرادة الجزء فهو معارض بالقلب وهو أن يقال: إن المراد بالحجاز جزيرة
_________________
(١) انظر ص٦٦١ - ٦٦٦ من هذه الرسالة.
[ ٢ / ٧٠١ ]
العرب من إطلاق اسم الجزء وإرادة الكل، فترجيح أحد المجازين مفتقر إلى دليل، ولا دليل يرجح أحد المجازين.
٥ - إن في خبر النهي عن جزيرة العرب زيادة لم تغير حكم الخبر الخاص بالحجاز والزيادة في مثل ذلك مقبولة.
٦ - إن استنباط علة التقرير في غير الحجاز هي المصلحة، فرع لثبوت الحكم. والأحكام المستنبطة إنما تؤخذ من حكم الأصل بعد ثبوته والدليل لم يدل إلا على نفي وجود المشركين في الحجاز والجزيرة العربية معًا كما في حديث مسلم (١) وحديث: «لا يترك بجزيرة العرب دينان» فاستثناء غير الحجاز واقع في مقابلة النص المصرح فيه بأن العلة كراهية اجتماعي دينين في مكان واحد، فكان مقتضى القياس أنه لو فرضنا أن النص لم يقع إلا على إخراجهم من الحجاز لكان المتعين قياسًا إلحاق بقية جزيرة العرب بذلك لهذه العلة، فكيف والنص الصحيح يصرح بوجوب إخراج كل مشرك من جزيرة العرب.
٧ - إن الحديث الذي استدل به من يرى الإخراج من الحجاز فقط حيث ذكر لفظ الحجاز فيه، فيه الأمر بإخراجهم من نجران كما ذكر ذلك في الحديث، وليس نجران من الحجاز، فلو كان لفظ الحجاز مخصصًا للفظ الجزيرة على انفراده، أو دالًا على أن المراد بجزيرة العرب الحجاز فقط لكان هذا إهمالًا لبعض الحديث وإعمالًا لبعضه الآخر وهذا باطل.
٨ - إن غاية ما في حديث أبي عبيدة الذي صرح فيه بلفظ أهل الحجاز هو أن مفهومه معارض لمنطوق ما في حديث ابن عباس المصرح فيه بلفظ جزيرة العرب والمفهوم لا يقوى على معارضة المنطوق فكيف يرجح عليه (٢).
_________________
(١) انظر ص٦٦١ من هذه الرسالة.
(٢) انظر نيل الأوطار للشوكاني ج٨ ص٢٢٢ - ٢٢٥.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
والذي أطمئن إليه مما تقدم فيما يتعلق بالحرم والحجاز والجزيرة العربية هو أن يعاملوا على النحو التالي:-
١ - منطقة الحرم كلها لا يجوز أن يدخلها مشرك سواء كان مسافرًا أم مقيمًا لدلالة النصوص المتقدمة على ذلك، وأرى ضعف ما ذهب إليه الأحناف، من جواز دخول الحرم عدا المسجد الحرام دخولًا مؤقتًا، لأن قولهم هذا عن اجتهاد ولا اجتهاد مع النص.
٢ - منطقة الحجاز والجزيرة العربية كلها يجوز للذميين والمستأمنين دخول الحجاز والجزيرة العربية بصفة مؤقتة، حيث كان النصارى يتجرون في زمن عمر بن الخطاب (﵁) بالمدينة وكان يضرب لمن قدم منهم تاجرًا مدة معلومة يلزمه مغادرة المدينة بعد انقضائها وهذا ما صرح به الحنابلة والشافعية والزيدية (١). ولعل هذا لا يتعارض مع منطوق الأحاديث التي تنهى عن دخول الحجاز وجزيرة العرب بحمل دلالة هذه الأحاديث على أن المراد بذلك السكنى الدائمة، لا المرور العابر أو الإقامة المؤقتة لعمل ما.
ولذلك فإنني مع من يقول بعدم جواز التصريح بالإقامة المستمرة في الحجاز والجزيرة العربية لغير المسلمين عملًا بظاهر الأحاديث الدالة على ذلك وما حصل من تقرير في إقامة أهل الذمة في اليمن وسواد العراق والشام، فإنما كان عن اجتهاد من الصحابة (﵃) ولمصلحة رأوا العمل بها في حينها مؤقتًا، وهو لا يعني أن هذا هو قرارهم النهائي في هذه المسألة، وأن إقرارهم لذلك إقرارًا نهائيًا. فقد روى الإمام أحمد أن عمر بن عبد العزيز أمر نائبه في صنعاء أن يهدم جميع الكنائس في اليمن فهدمها في صنعاء وغيرها من المدن، وكذلك فعل هارون الرشيد حيث أمر بهدم ما كان موجودًا في سواد بغداد، وكذلك فعل المتوكل حيث استفتى العلماء
_________________
(١) انظر أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام د/ عبد الكريم زيدان ص٩٣.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
لديه ثم بعث بفتواهم إلى الإمام أحمد بن حنبل لأخذ موافقته على ذلك فأجابه بالموافقة على هدم كنائس سواد العراق (١).
ولذلك فإن من أنواع الخطأ الفاحش الذي تقع فيه الدول المعاصرة هو منح المشركين على اختلاف أنواعهم التصريح بالإقامة المستمرة في دول الجزيرة العربية، وذلك بمنح جنسيات تلك الدول إلى حثالة اليهود والنصارى وأهل الأوثان بينما كثير من الدعاة إلى الله، لا يجدون ملجأ أو مغارة يأون إليها ويحتمون بها من جبروت المتجبرين واضطهاد الظالمين.
أحرام على بلابله البوح حلالًا للطير من كل جنس!!
رابعًا: سكنى المشركين وإقامتهم الدائمة خارج الجزيرة العربية:
فيرى جمهور العلماء جواز إقامة أهل الذمة إقامة مستمرة خارج حدود الجزيرة العربية من دار الإسلام وذلك وفق شروط أهل الذمة التي بينها رسول الله - ﷺ - وطبقها أصحابه، بحيث لا يصدر منهم ما يضر بصالح الإسلام والمسلمين، والمستأمنين يلزمهم ذلك بموجب عقد الأمان وإن كان البعض من علماء الإسلام يرى إخراج كل مشرك من كل بلد غلب عليها المسلمون عنوة، ولم يكن بالمسلمين حاجة وضرورة ملحة إلى بقائهم وقالوا إن ذلك لا يختص بجزيرة العرب، وإنما خصها الرسول - ﷺ - بذلك لأنها هي التي كانت تخضع للمسلمين حين وفاة الرسول - ﷺ - وهذا هو رأي الإمام الطبري (٢).
والراجح أن ما عدا الجزيرة العربية والحرم يرجع ذلك إلى ما يراه الإمام وأهل الحل والعقد في الأمة، وما تقتضيه السياسة الشرعية ومصلحة الأمة في إبقاء أهل الذمة وأهل العهد أو إخراجهم من دار الإسلام عند ترجيح أصلح الأمرين في حق الإسلام والمسلمين.
_________________
(١) انظر شرح الشروط العمرية/ تأليف ابن قيم الجوزية/ تحقيق صبحي الصالح ص٢٩ - ٣٠.
(٢) انظر فتح الباري ج٦ ص٢٧٠ - ٢٧٢.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
ولكن شتان بين ما هو كائن وما يجب أن يكون فقد غزت جمعيات التنصير معظم البلاد الإسلامية بمسميات ظاهرة وخفية، جاعلة نصب عينيها إخراج المسلمين عن الإسلام، وإذا تجاوزنا البلاد الإسلامية التي يوجد بها كثافة سكانية من المسلمين وقلة من غير المسلمين كمصر وأندونيسيا وباكستان، إلى البلاد التي في الأصل سكانها مسلمون مائة في المائة ولا يسكنها إلا قلة من غير المسلمين كالإمارات العربية في الخليج فإننا نجد بها (٥٤) أربعًا وخمسين بعثة تنصيرية بين إنكليزية وأمريكية، وفي الكويت مجلس اتحاد الكنائس لدول المنطقة رغم أن موقع الكويت وغيرها من دول الخليج داخل في مفهوم الجزيرة العربية ويشمله النهي الذي نهى فيه رسول الله - ﷺ - عن إقامة المشركين في الجزيرة العربية، وقد بلغت نسبة غير المسلمين في دول الخليج ٣٠% ثلاثين في المائة بالنسبة إلى المسلمين أي ما يقارب المليون من الكفرة المشركين حيث إن مجموع عدد سكان دول الخليج (٣.١٤٦.٠٧٨) ونسبة غير المسلمين منهم ما يعادل الثلث حسب إحصائية تفصيلية نشرتها مجلة المجتمع الكويتية (١).
فهل هذه النسبة العالية من غير المسلمين في صالح الإسلام والمسلمين؟ وهل يرضى مثل هذا العمل رب العالمين، في الوقت الذي يموت فيه ملايين المسلمين من الفقر والحاجة والحرمان؟
ومما تقدم يدرك المسلم خطورة ما نحن فيه في عصرنا الحاضر من استقدام مئات الآلاف من أهل الكفر والضلال وتوزيعهم في مختلف البلاد الإسلامية وهذا أمر له خطورته من وجهين.
الوجه الأول – إن ذلك التعاون المطلق مع الكفار معصية يحاسبنا الله عليها، وإن ملء البلاد الإسلامية بالكفار عمل بعكس ما أمر الله به من إخراج المشركين من جزيرة العرب، وأكثر الذين يسرحون ويمرحون في ديار
_________________
(١) انظر مجلة المجتمع الكويتية عدد (٥٥٣) الثلاثاء صفر ٢٦/ ٢/١٤٠٢هـ. ص٢٠ - ٢٣.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
المسلمين لا مبرر لوجودهم من وجهة النظر الإسلامية، لإمكان استبدالهم بملايين المسلمين العاطلين عن العمل في مشارق الأرض ومغاربها والذين يشكلون بمجموعهم اكتفاء ذاتيًا في معظم مجالات العمل ومتطلبات الحياة.
ولكن نظرًا لموالاة كثير من ولاة الأمر في البلاد الإسلامية للكفار فقد أصبحوا يتنافسون في استقدام الكفار واتخاذهم بطانة لهم من دون المؤمنين، بل إن ندماءهم وخلانهم وأهل ثقتهم وأمناء أسرارهم، هم من الكفار وأشباه الكفار.
وهذا دليل كاف على إدانة أولئك المسئولين وتوليهم لأعداء الله ومحبتهم لهم وقد ورد في الحديث الصحيح «المرء مع من أحب» (١).
الوجه الثاني: إن بلاد المسلمين وخاصة جزيرة العرب مستهدفة قبل غيرها من قبل أعداء الإسلام لسببين.
١ - أنها منبع الإسلام ومطلع النور الذي بدد غياهب الجهل والظلم في العالم أجمع، ولذلك يخشى الأعداء من أن تشرق شمس الإسلام من جديد فتذهب ليلهم الحالك الذي يجدون في ظلمته كل مسوغات الاستعباد والتسلط على المسلمين.
ولذلك يسعون ليل نهار لمحاصرة التحرك الإسلامي في كل مكان وضربه قبل اشتدد عوده حتى لا تقوم للإسلام قائمة.
٢ - إن دول الجزيرة قد حباها الله من نعمة الظاهرة والباطنة مما لا يعلمه إلا الله ومكنها من أن يكون مفتاح إنارة العالم كله بيدها ولكنها لم تمارس دورها القيادي كما يجب في الربط بين قوة الطاقة وقوة وعظمة الرسالة وجعل أحدهما مكملًا للآخر، بل لقد سلبت الأمرين معًا بأبخس الأثمان.
_________________
(١) رواه مسلم: انظر صحيح مسلم ج٤ ص٢٠٣٢ (باب البر والصلة) رقم الحديث (٢٦٤١).
[ ٢ / ٧٠٦ ]
وقد يسأل سائل فيقول: ما هو المخرج من واقعنا المؤلم الذي نعيش فيه؟
والجواب كما أعتقد وأرى أنه يجب علينا سلوك الطرق التالية:
أولًا: التعاون الجاد الصادق مع المسلمين المخلصين الموحدين الذين يمثلون حقيقة الإسلام وجوهره، لا مع المسلمين المزيفين ولا مع الحكومات التي تعمل ضد الإسلام والمسلمين.
إن من الجهل المركب أن يعتقد شخص أو جماعة أو دولة أنه من الممكن شراء ولاء الناس ومودتهم بالمال والمنافع المادية، فهو وإن حصل ذلك في بعض الظواهر المؤقتة فإن نهاية ولاء من أحبك على مصلحة يكون بفقدها عدوًا، ولذلك نرى كثيرًا ما تنقلب الصداقة عداوة بين كثير من الأفراد والجماعات والدول وقد يحصل العكس نظرًا لعدم وجود ضابط من الدين والعقيدة السليمة يحكم تلك العلاقات مسبقًا فالمحبة في الله والمودة في سبيله أقوم وأبقى ولذلك قال تعالى: (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (١).
وقد أمر الله بالتعاون مع المسلمين وتفريج الكربات عنهم قال - ﷺ -: «ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة» (٢) أليس من الأفضل تهيئة العمل الشريف المبني على الأخوة في الله لإخواننا في مشارق الأرض ومغاربها؟ بدلًا من أن نتركهم يرتمون في أحضان دعاة الكفر وسماسرة الفاتيكان وجمعيات أهل الصليب، بينما بطون الكفار تصاب بالتخمة من خيرات المسلمين في داخل بلاد المسلمين وخارجها.
_________________
(١) سورة الأنفال آية (٦٣).
(٢) متفق عليه. انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين ج١، ص٢٥٧ رقم الحديث (٢٤٦) (باب قضاء حوائج المسلمين).
[ ٢ / ٧٠٧ ]
إن مما يجب على ولاة المسلمين الصادقين أن لا يستقدموا كافرًا وهم يجدون ما يسد مسده من أهل الإسلام إن استقدام الكفرة إلى ديار الإسلام وخاصة جزيرة العرب معصية لله ورسوله، ومخالفة لنهج الخلفاء الراشدين كما تقدم بيان ذلك (١).
ثانيًا: إن في المجتمع الإسلامي الكبير طاقات فنية وقدرات علمية تجعل المسلمين لديهم اكتفاء ذاتيًا في معظم المهن والعلوم بحيث تصبح الحاجة إلى الكفار في شبه النادر والقليل ولكن أين من يهتم بذلك ويسعى لتطبيقه في واقع المسلمين، لقد فتحت كثير من الدول الباب على مصراعيه لدخول الكفار بطرق مختلفة وأسباب متباينة، حتى امتلأت بلاد المسلمين بسيل جارف من هؤلاء الكفار رجالًا ونساءً، فأصبح المسلم لا يكاد يرى بينهم إلا نادرًا، وصار المسلم في بلده غريبًا، حتى أن الواحد منا إذا دخل بعض المحلات التجارية لدينا وجد كل شيء مصبوغًا بصبغة الكفار ووجد الباعة من الكفار والمشترين منهم كذلك وكأن المحل في لندن أو باريس أو نيويورك أو طوكيو أو بكين، كأنه ليس في بلدة من بلدان المسلمين. إن الكفار وخاصة النصارى منهم يركزون هذه الأيام على الهجرة إلى البلاد الإسلامية، لإفسادها ومحاولة تنصير المسلمين فيها.
فقد عقدوا مؤتمرًا كنيسيًا في أمريكا لتنصير المسلمين في ولاية كولورادو، تم فيه مناقشة أربعين بحثًا عن خطط التنصير وبرامج التكفير في البلاد الإسلامية، واتخذوا عدة قرارات وتوصيات، كان من أهمها في هذا الموضوع قولهم: «يجب بذل الاهتمام الكافي والتركيز بقوة على زرع جاليات مسيحية في قلب العالم الإسلامي» (٢).
_________________
(١) انظر ص٦٦٠ - ٦٦٦ من هذه الرسالة.
(٢) انظر المجتمع الكويتية عدد ٥٢٥ في ١٦/ ٦/١٤٠١ هـ ص٣٠.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
فهل نترك لهم تحقيق هذه الفرصة التي يطمحون إليها بكل شوق؟
إن الإسلام لا يخشى من تواجد غير المسلمين في دار الإسلام لو كان المسلمون متمسكين بإسلامهم، عاملين بحقيقة الإسلام.
أما تمكين الكفار في بلاد المسلمين، في الوقت الذي يعيش فيه المسلمون بلا هوية أو عقيدة تربطهم بالإسلام الصحيح فإن ذلك خيانة وموالاة لأعداء الله وأعداء رسوله، ومحاربة للإسلام والمسلمين. فهل يعي المجازفون بمصيرهم ومصير أمتهم إلى الهاوية هذا الخطر، بعد أن أثبت التاريخ أن قلب الجزيرة العربية هو أسلم البلاد الإسلامية بسبب ندرة تواجد الكفار فيه في سالف الأزمان.
ثالثًا: العمل على إقصاء المنافقين والمرتدين من شيوعيين وبعثيين (١) ونحوهم عن مراكز التوجيه ومقاليد السلطة في الأمة الإسلامية. فمن ظهرت منه علامات النفاق كبت نفاقه في قلبه ومن ظهرت منه علامات الردة باعتناق المذاهب الكافرة نفذ فيه حكم الله لأن هؤلاء جميعًا مدخل خبيث لأعداء الإسلام، وسلم لدخول الكفار إلى بلاد المسلمين واستباحة حماها.
رابعًا: العمل على إحياء الدعوة الإسلامية، وإطلاق يد الدعاة إلى الله في أن يدعوا بكل حرية ونشاط ليوجدوا البديل الصالح بدلًا من أنصاف المسلمين وركام المنافقين الذين هم عالة على أنفسهم وعلى أمتهم جميعًا.
_________________
(١) يقول ميشيل عفلق: (إن حزب البعث مدين للماركسية في جانبه الفلسفي وبرنامجه الاشتراكي) اهـ. انظر التبشير والاستعمار ص٢٥٧ وهذه شهادة لا يستهان بها على كفر من ينهج منهج الأحزاب البعثية أو ينضم إليها ويواليها، خاصة وأنها شهادة صادرة من مؤسس حزبي البعث في سوريا والعراق، فهل يعي المخدوعون بأنه لا تعارض بين حزب البعث ودين الإسلام؟ بعد صدور الشهادة على كفرهم من كبيرهم الذي علمهم الكفر قال تعالى: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ) سورة التوبة آية (١٧).
[ ٢ / ٧٠٩ ]
وقد يقول قائل: ما هو الخطر الذي يهدد المسلمين من وجود الكفار بينهم وهل حصل شيء من ذلك فيما مضى يوجب الخوف منهم مستقبلًا؟
والجواب أن نقول: ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية (﵀) حيث يقول: «لقد رأينا المسلمين الذين عاشروا اليهود والنصارى هم أقل إيمانًا من غيرهم، ممن عاشوا مع المسلمين الخالصين من الشرك» (١).
فإذا كان هذا ما رآه شيخ الإسلام قبل سبعة قرون فما بالك لو رأى ما وصلت إليه البلاد الإسلامية التي يوجد فيها أقليات غير إسلامية من فساد وردة وانحلال، لقد أثبت الواقع التاريخي أن البلاد التي بقيت فيها أقليات غير إسلامية كمصر والشام والعراق قد سبقت غيرها من بلاد الإسلام إلى الفساد وهو أمر مشاهد معلوم، ولا يعني هذا أن البلاد داخل حدود الجزيرة العربية سليمة نقية ولكنها ستكون في آخر القائمة بعد تلك الديار إن لم يتدارك الله الجميع برحمته، ودليل آخر أثبت أن كثرة الفساد تكثر حيث يكثر الكفار، ذلك أن البلاد التي دخلها الاستعمار العسكري بعد القضاء على الدولة الإسلامية أشد تأثرًا بالفساد من البلاد التي بقيت تحتفظ باستقلال محدود عن الكفار في الجزيرة العربية.
فكيف وهذه التجارب ماثلة أمامنا لم نتعظ ولم نعتبر بل لقد وصل الأمر إلى أن نصدر لهم أبناءنا كما يصدرون لنا الماشية من الأنعام ونستقدم الكفار كاستقدامنا لبقية السلع الاستهلاكية سواء بسواء، فضاع معظم أبنائنا في الخارج وقضى الوافدون من الكفار على معظم البقية الباقية منهم في داخل بلاد المسلمين فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
_________________
(١) انظر الجواب الفائض في الرد على أرباب القول الرائض/ تأليف الشيخ سليمان بن سحمان الدوسري ص٤٣ الورقة (٢٢). مخطوطة بقسم المخطوطات بجامعة الرياض برقم (٣٤١٣).
[ ٢ / ٧١٠ ]
المثال السادس: تمليك الكفار لما يتخذونه موضعًا لمعصية الله
الأصل أنه لا يقر في البقاء في دار المسلمين من المشركين سوى أهل الذمة، أما أهل الأوثان والمرتدون فلا يصح بقاؤهم في دار الإسلام فضلًا عن تملكهم ولكن الحكم الشرعي شيء وواقعنا المعاصر شيء آخر.
ففي واقعنا المعاصر لا يوجد أهل الذمة بالمفهوم الشرعي المتعارف عليه عند فقهاء المسلمين، ولذلك فإن ما نكتبه لا يتعدى مخيلة بعض المتعلمين أو بطون الكتب، أما الواقع العملي فبينه وبين الإسلام بون شاسع بحيث لا يفكر معظم المسلمين في مثل تلك القضايا من قضايا الإسلام، ولكننا نبين ما يجب أن يكون عليه المسلمون إذا أرادوا الإسلام أو رجعوا له فنقول:
إن مسألة تملك العقار من قبل أهل الذمة في دار الإسلام مسألة تحدث فيها الفقهاء بين الجواز والمنع على قولين:
[ ٢ / ٧١١ ]
القول الأول: ذهب كثير من فقهاء البصرة إلى القول بجواز بيع الأرض من المسلم إلى الذمي. قال بذلك أبو حنيفة وأبو يوسف ويروى ذلك عن الحسن بن صالح وأبي عبيد، وهو مذهب الثوري والشافعي (١).
وحجة هؤلاء هو قياس بيع العقار من مساكن ومزارع ونحو ذلك على جواز بيع السوائم، وهو قياس مع الفارق حيث إن السوائم منفعتها وذواتها محدودة الوجود سريعة الانتقال والزوال بخلاف العقار فإن ذاته ومنفعته تبقى مدة طويلة غير محدودة.
والأمر الثاني: أنهم استدلوا بأن عمر بن الخطاب (﵁) دفع الأرض المفتوحة عنوة في سواد الكوفة ومصر والشام وخراسان لأهلها بعد تمليكها من قبل الدولة الإسلامية وجاز بيعهم تلك الأرض للمسلمين، فلو لم يكونوا قد ملكوها بوضع اليد عليها لما جاز بيعهم لها (٢).
القول الثاني: وهو قول الإمام مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وقول عامة أهل الحجاز، ويروى عن ابن القاسم وهو ما ذهب إليه ابن قيم الجوزية، من أنه لا يجوز أن يترك الذمي يشتري أرض المسلم في دار الإسلام من مساكن ومزارع لأن في شرائها ضررًا على المسلمين، حيث إن
الأصل أن يقر أهل الذمة على ما كانوا عليه من غير تعد منهم إلى الاستيلاء فيما ثبت للمسلمين الحق فيه من عقار ونحوه، قال تعالى: (وَأَوْرَثَكُمْ
أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا) (٣) فكيف بعد أن أورثنا
الله أرضهم نرجعها إليهم، ولذلك رجح الشافعي وأبو عبيد وطائفة من
_________________
(١) انظر المغني والشرح الكبير ج٢ ص٥٩٣ وانظر أحكام أهل الذمة ج١ ص١٤١ - ١٤٩.
(٢) انظر الخراج في الفقه الإسلامي رسالة ماجستير مقدمة من/ حمود بن مرشد السليمان ص١٦٧.
(٣) سورة الأحزاب آية (٢٧).
[ ٢ / ٧١٢ ]
أصحاب أحمد والمشهور عند أصحاب مالك، أن أهل الذمة لا يمكنون من شراء الأرض أو اكترائها من المسلمين (١).
وإنما أقروا في الإقامة بدار الإسلام بالجزية للضرورة العارضة والحكم المقيد بالضرورة، مقدر بقدرها لا يتعدى إلى كل شيء ولذلك أجاب أصحاب القول الثاني وهم القائلون بمنع بيع أرض المسلم إلى الذمي على ما احتج به أصحاب القول الأول بعدة إجابات هي كما يلي:-
أ- ما فعله عمر (﵁) في مشاورته لمعاذ بن جبل (﵁) في قسمتها بين الفاتحين أو وضع الخراج عليها يدل على عدم ملكية أصحابها لها في ذلك الوقت حيث أشار معاذ بقوله: «إنك إن قسمتها صار الربع العظيم في أيدي القوم ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد والمرأة الواحدة، ثم يأتي بعدهم قوم يسدون في الإسلام سدًا وهم لا يجدون شيئًا، فانظر أمرًا يسع أولهم وآخرهم» (٢).
ب- أما بيعهم لها بعد ذلك فيحتمل أنهم أسلموا وهذا هو الحاصل في سواد العراق ومصر والشام وخراسان، والإسلام عصمة للنفس والمال كما في الحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» (٣).
وقد روى البيهقي أن امرأة أسلمت من أهل نهر الملك قال: فقال
_________________
(١) انظر أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج١ ص١٤١ - ١٤٨.
(٢) انظر السنن الكبرى للبيهقي ج٩، ص١٣٧ - ١٣٩.
(٣) انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري ج١ ص٧٥.
[ ٢ / ٧١٣ ]
عمر أو كتب عمر (﵁): إن اختارت أرضها وأدت ما على أرضها فخلوا بينها وبين أرضها، وإلا خلوا بين المسلمين وبين أراضيهم (١)، وروي عن أبي عون الثقفي قال: إن عمر وعليًا (﵄) كانا إذا أسلم الرجل من أهل السواد تركاه يقوم بخراجه في أرضه (٢)، وروي أن عمر بن عبد العزيز (﵀) كتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن – فذكره فقال فيه: ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض (٣). ولحديث «من أسلم على شيء فهو له» (٤). وقد يكون البيع الحاصل من أهل الذمة على افتراض حصوله بيعًا لنصيبهم من المنفعة الناتجة من الأرض لا بيعًا للأرض ذاتها وعلى هذا إذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال.
والرأي الراجح هو عدم جواز بيع العقار من مساكن ومزارع ونحوها لأهل الذمة أو لغيرهم من أهل الكفر وخاصة داخل حدود الجزيرة العربية فإنه محرم بالنصوص الثابتة كما تقدم (٥) ذلك لأن بيعهم العقار يترتب عليه إقامتهم فيها إقامة دائمة وهذا يتعارض مع النهي عن بقاء المشركين في جزيرة العرب، ولذلك فإن من يسمح أو يرضى بتملك المشركين للعقار في داخل الجزيرة العربية يكون مخالفًا لما أمر به رسول الله - ﷺ - مواليًا لأعداء
الإسلام أما ما يقع خارج الجزيرة العربية من بلاد المسلمين فإن النهي عن بيع العقار للكفار نهي تحريم على رأي جمهور العلماء منهم الإمام مالك
وأهل المدينة والإمام أحمد وهو ما ذهب إليه الطبري ورجحه شيخ الإسلام
ابن تيمية (٦). ولذلك لم يثبت أحد من السلف حق الشفعة للذمي على
_________________
(١) انظر السنن الكبرى للبيهقي ج٩ ص١٤١.
(٢) المصدر السابق نفس المكان.
(٣) المصدر السابق نفس المكان.
(٤) انظر المغني والشرح الكبير ج١٠ ص٤٨٢.
(٥) انظر ص٦٦٠ - ٦٦٦ من هذه الرسالة.
(٦) انظر اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم ص٢٤٢ – ٢٤٤ وانظر فتح الباري ج٦ ص٢٧٠ - ٢٧٢.
[ ٢ / ٧١٤ ]
المسلم وقال الإمام أحمد في تعليل ذلك إن الشخص الذي يملكه المسلم إذا أوجبنا فيه شفعة الذمي نكون قد أوجبنا على المسلم أن ينقل الملك في عقاره إلى الذمي بطريق القهر للمسلم وهذا خلاف الأصول.
ولهذا نص أحمد على أن البائع للشخص إذا كان مسلمًا وشريكه ذميًا لم يجب له شفعة، لأن الشفعة في الأصل إنما هي من حقوق أحد الشريكين على الآخر، وهي من الحقوق التي تجب على المسلم للمسلم كإجابة الدعوة، وعيادة المريض ونحو ذلك، وهذا كله عن أحمد مخصوص بالمسلمين دون غيرهم (١).
وقال أبو حنيفة وبعض فقهاء البصرة: إن بيع العقار للذميين جائز مع الكراهية (٢). وقد ذكرنا حجتهم وحجة القائلين بالرد عليهم، والذي أطمئن إليه وأرجحه في ذلك هو عدم جواز بيع العقار لغير المسلمين في دار الإٍسلام لأن في ذلك تثبيتًا لأقدامهم وضمانًا لاستمرارهم والأولى أن يضيق عليهم فيسلموا أو تضيق بهم دار الإسلام فيرحلوا إلى أجناسهم من الكفار عند عدم وجود ما يربطهم بالأرض من مساكن ومزارع ونحو ذلك.
ومما يؤسف له أن بعض الدول الخليجية قد منحت جنسيتها إلى بعض الكفار مما جعل لهم الحق في شراء العقارات وتعميرها كما أنها أعطت البعض الآخر منهم قروضًا كي يعمروا بها مساكن فخمة رغم أن دخولهم عالية جدًا بينما يوجد من ضعاف المسلمين من يسكنون الأعشاش والطين، وهم ينتمون إلى هذا الدين وإلى هذه البلاد أبًا عن جد.
وفي مصر والشام يقدم الكفار على المسلمين في تمليك الأراضي والمساكن فضلًا عن أن يتساووا معهم في ذلك، وقد استغل اليهود هذا
_________________
(١) انظر اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ص٢٤٣.
(٢) انظر المغني والشرح الكبير ج٢، ص٥٩٣ وانظر أحكام أهل الذمة ج١ ص١٤١ - ١٤٩.
[ ٢ / ٧١٥ ]
الأسلوب فتملكوا معظم الأراضي الفلسطينية قبل بدء الاحتلال الفعلي فقبل فترة الانتداب البريطاني استطاع اليهود أن يملكوا بالشراء النقدي (٦٥٠) ألف دونم بمساعدة أصحاب الملايين من الغرب وفي عهد الانتداب استطاع اليهود أن يحصلوا على (٢.٠٧٥.٠٠٠) مليونين وخمسة وسبعين ألف دونم (١) وهذا الأسلوب الذي اتبعه اليهود في فلسطين هو الأسلوب الذين يريدون تكراره في عملية السلام والانفتاح على مصر وغيرها من الدول المجاورة لانتزاع مواقع قدم لهم فيها يساعدهم على تثبيت الغزو العسكري عندما تحين الفرصة لذلك.
فمن الواجب على كل مسلم فردًا كان أو حاكمًا أن لا يبيع شبرًا من أرض الإسلام والمسلمين لكافر مهما كانت صفته ومنزلته، لأن ملكية المسلم للأرض ملكية اسمية، وملكيتها الحقيقة للإسلام وللمسلمين الذين طهروها بدمائهم الزكية من درن الكفر وتسلطه عليها (٢).
_________________
(١) انظر خطر اليهودية العالمية على الإسلام والمسيحية/ عبد الله التل ص٢٥٠ - ٢٦٤.
(٢) انظر ص٦٦٠ - ٦٦٦ من هذه الرسالة.
[ ٢ / ٧١٦ ]
المثال السابع: تأجير الأماكن والذوات لمن يتخذها هدفًا لمعصية الله
الأصل في الإجارة الإباحة لأنها عقد على منفعة مباحة بعوض معلوم (١). فقد اشترط الفقهاء أن تكون المنفعة التي يريد المستأجر الانتفاع بها من العين المؤجرة مباحة، فلا تصح الإجارة على نفع محرم. كأن يؤجر داره مكانًا للزنا أو الغناء. أو تتخذ كنيسة أو لبيع الخمر ونحوه من المحرمات (٢).
ومالك العين المؤجرة قد يكون دولة أو فردًا من الأفراد وفي
كلا الحالين يشترط في العين المؤجرة أن ينتفع بها في منفعة مباحة، فلو أجرت دولة أرضها أو جزءً من أرضها لدولة كافرة لكي تستخدمها قاعدة لضرب الإسلام والمسلمين فإن هذا العقد باطل من أساسه والمنفعة المترتبة
على ذلك محرمة وهذا العمل بحد ذاته موالاة للكفار ومحادة لله ولرسوله وللمؤمنين وهذا للأسف ما تتبعه بعض الدول التي تدعي الإسلام، حينما
_________________
(١) الروض المربع/ منصور بن يونس البهوتي ص٢١٤.
(٢) المصدر السابق ص٢١٥.
[ ٢ / ٧١٧ ]
تعقد اتفاقًا مع بعض الدول الكافرة، فإن تلك الدول تشترط على الدول التي تدعي الإسلام أن تسمح لها بوضع قواعد عسكرية فيها، والهدف من ذلك هو حماية المصالح الاستعمارية لها في العالم الإسلامي، ومساعدة بعد أدعياء الإسلام حين يضرب بعضهم البعض الآخر لإضعاف الخصمين والاستيلاء عليهم في النهاية كما حصل للمسلمين في الأندلس من قبل النصارى (١).
وما علم أولئك الذين باعوا أنفسهم وأمتهم للكفار.
إن مسئولية الحاكم المسلم عما يدخل بلاده من الكفار كمسئولية صاحب البيت عما يدخل بيته من أفراد فلا يجوز للحاكم العدل أن يجعل بلاد المسلمين أو بعضها تحت تصرف الكفار لكي يجعلوها قاعدة ينطلقون منها لضرب بعض المسلمين وإلحاق الضرر بهم كما لا يجوز تخصيص بقعة معينة في دار الإسلام تكون مخصصة للكفار يزاولون فيها جميع أنواع الفسق والفجور التي تجري في بلادهم.
ولكن للأسف أن الواقع خلاف ذلك فقد وافقت مصر على منح الولايات المتحدة الأمريكية حق تطوير قاعدة رأس بنياس مقابل مساعدات عسكرية قيمتها (١٦٥٠) مليون دولارًا لكي يصبح هذا الموقع قاعدة دائمة للولايات المتحدة لحماية مصالحها وتهديد مصالح المسلمين وضرب بعضهم ببعض، كما وافق سلطان عمان على أن تستعمل الولايات المتحدة قاعدة بريطانية قديمة في جزيرة مصيرة، وعلى تحسين قاعدة (سيب) التي تقع في مدخل مضيق هرمز وذلك بحجة مقاومة القواعد السوفيتية في عدن وسوريا وليبيا وغيرها من البلاد العربية (٢).
وبالتالي فقد أصبحت بعض البلاد الإسلامية مقسمة إلى قواعد
_________________
(١) انظر ظهر الإسلام أحمد أمين ج٣ ص٧.
(٢) انظر مجلة المجتمع عدد ٥٢٢ السنة الحادية عشرة في ٢٥ جمادى الأولى ١٤٠١هـ، ص٣٤ - ٣٦.
[ ٢ / ٧١٨ ]
عسكرية بعضها تابع للشرق وبعضها تابع للغرب وهذا الوضع يفقدها شخصيتها واستقلالها الحقيقي وتمكين للكفار أن يضربوا المسلمين بعضهم ببعض فيحطموا الجميع ثم يقتسموا الغنيمة كما فعلوا إبان الحرب العالمية الثانية.
ومن التأجير المحرم ما يفعله بعض المسلمين من تأجيرهم دورهم لمن يتخذونها موضعًا لمعصية، ولقد حرم الإسلام على المسلم أن يقدم أي نوع من التعاون للكفار فيما يترتب عليه معصية الله ومعصية رسوله قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (١) وقد سئل ابن سيرين (﵀) عن رجل يبيع داره أو يؤجرها من نصراني يتخذها بيعة أو كنيسة، فتلا قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (٢) فعد بيع الدار وتأجيرها على الكفار الذين يتخذونها موضعًا لعصيان الله، بجعلها كنيسة، أو مكانًا لبيع الخمر أو مزاولة البغاء فيها ونحو ذلك، موالاة للكفار، يستحق على ذلك الوعيد ما يلحق من تولي الكفار (٣).
وقال القاضي من أصحاب الإمام أحمد (﵀) لا يجوز أن يؤجر المسلم داره أو بيته ممن يتخذه بيتًا للنار كالمجوسي أو كنيسة مثل اليهودي والنصراني، أو مكانًا تباع فيه المحرمات وترتكب فيه الفواحش، سواء اشترط المستأجر ذلك أو لم يشترط لكنه يعلم أنه سيفعل فيه ذلك.
وعلى هذا فقد ألحق أصحاب الإمام أحمد الإجارة في حكم البيع مع اختلافهم في قول الإمام أحمد بالمنع.
_________________
(١) سورة المائدة آية (٢).
(٢) سورة المائدة آية (٥١).
(٣) انظر الكلام المروي عن ابن سيرين في رسالة مخطوطة من ثلاث ورقات بعنوان: تحذير من ينتمي إلى الإسلام من الاحتماء بأعداء الملك العلام/ جمع علوي بن أحمد بن عبد الرحمن السقاف نسخت عام (١٢٩٩) توجد في قسم المخطوطات بجامعة الرياض برقم (١١٥٠).
[ ٢ / ٧١٩ ]
هل يعني ذلك الكراهية، أم التحريم؟
والراجح والله أعلم إن كان اتخذها للمعصية في أمر ظاهر فذلك محرم على المسلم بيعها أو تأجيرها لمن يتخذها للمعصية عملًا بقوله تعالى: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (١). وإن كان حصول المعصية فيها محتملًا وقوعه في الخفاء فإن النهي عن ذلك للكراهية لا لعدم التأكد أو ظهور شيء من ذلك.
وقال أبو حنيفة يجوز أن يؤجرها لكافر ولو حاصل منه معصية لله فيها ودليله في ذلك أن الأجرة مقابل المدة الزمنية بالأجرة لا تستحق بفعل هذه الأشياء أو عدم فعلها كما لو اكترى دارًا لينام فيها أو يسكنها، فإن الأجرة تلزم المستأجر، وإن لم يفعل ذلك فيها.
وخالفه عامة الفقهاء، وقالوا: إذا غلب على ظنه أن المستأجر ينتفع بها في محرم حرمت عليه الأجرة لأن الأجرة مقابل أن ينتفع بها في مباح لا في محرم والدليل على ذلك أن النبي - ﷺ - لعن عاصر الخمر ومعتصرها والعاصر إنما يعصر عصيرًا مباحًا، ولكن إذا رأى أن المعتصر سوف يتخذ خمرًا وعصره لذلك، استحق اللعنة وهذا أصل مقرر في الشريعة الإسلامية (٢).
قال رسول الله - ﷺ -: «لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها، ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه» (٣).
وبناء على ذلك فإن كل من يشارك في تهيئة محرم وتيسيره للناس
داخل تحت هذا الوعيد وذلك مثل بائعي المخدرات ونحوها، أو أصحاب محلات بيع وتأجير الأغاني ويلحق بذلك المغنيات والممثلات العاهرات
_________________
(١) سورة المائدة آية (٢).
(٢) انظر اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم - ابن تيمية ص٢٣٢ - ٢٣٧.
(٣) رواه أبو داود وابن ماجه. انظر سنن أبي داود ج٣ ص٣٢٦، وانظر سنن ابن ماجه، ج٢ ص٣٣٠.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
والأشرطة الخليعة ويدخل في ذلك أصحاب المجلات الداعرة والكتب الهدامة، فإن كل هذه الأعمال والمشاركة فيها والإعانة عليها جريمة يؤاخذ عليها المسلم في الدنيا والآخرة (١).
فيجب على المسلم الغيور على دينه وأمته أن لا يتعامل بمثل هذه الأعمال ولا يعامل من يتعاملون بها، ولو دفعوا في ذلك عوضًا كثيرًا، فإن طلب رضا الله مقدم على كل شيء ومن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه ولكن للأسف فإن واقع المسلمين بعيد عن ذلك كل البعد فقد أصبح المسلمون يتسابقون إلى اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار القادمين إلى البلاد الإسلامية، كل يعرض عليهم تأجير ما يملك بغض النظر عما يرتكبون في تلك المساكن من كفر وفساد ظاهر وخفي، فالموالاة للمال والمعاداة فيه أصبحت عند بعض المسلمين أعظم منزلة من الموالاة في الله والمعاداة فيه فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
_________________
(١) انظر الفتاوى في مجلة الدعوة السعودية عدد ٩٩٠ في ١٦/ ٨/١٤٠٥هـ، ص٢٦ - ٢٧، إجابة الشيخ عبد العزيز بن باز.
[ ٢ / ٧٢١ ]
المبحث الثاني: موالاة الكفار في العلاقات الاجتماعية
وتحت ذلك أربعة فروع هي:
١ - الفرع الأول: السلام على الكفار والزيارة لهم.
٢ - الفرع الثاني: تهنئة الكفار والثناء عليهم.
٣ - الفرع الثالث: تشييع موتى الكفار وتعزيتهم في ذلك.
٤ - الفرع الرابع: الزواج بالنساء الكافرات وتزويجهم المسلمات.
[ ٢ / ٧٢٣ ]
الفرع الأول: السلام على الكفار والزيارة لهم
عن أبي هريرة (﵁): أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه» (١).
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر (﵄) أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» متفق عليه (٢). وعن أسامة (﵁) أن النبي - ﷺ - مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين -عبدة الأوثان واليهود- فسلم عليهم النبي - ﷺ - متفق عليه (٣).
وقد اختلف العلماء في رد السلام على الكفار وابتدائهم به فمذهب الشافعية - تحريم ابتدائهم بالسلام وهو قول أكثر العلماء ومذهب السلف.
_________________
(١) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج٤ ص١٧٠٧.
(٢) رواه البخاري ومسلم. انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين ج١ ص٦٧٠.
(٣) متفق عليه. المصدر السابق نفس المكان.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
وذهبت طائفة إلى جواز ابتداء الكفار بالسلام روي ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة (١) وابن أبي محيريز (٢) وهو قول بعض الشافعية ونقل عن الماوردي (٣)، وقد احتج هؤلاء بعموم الأحاديث الدالة على إفشاء السلام.
ورد عليهم القائلون بالمنع من الابتداء بالسلام على الكفار بأن أحاديث الأمر بالسلام عامة قد ورد ما يخصصها.
وقد قال بعض الشافعية بأن ابتداء الكفار بالسلام مكروه لا محرم وقد ضعف النووي هذا القول.
ونقل عن القاضي وجماعة من أهل العلم أنه يجوز ابتداؤهم بالسلام للضرورة والحاجة، نقل ذلك أيضًا عن علقمة (٤) والنخعي. وذكر أن الأوزاعي يقول: إن سلمت فقد سلم الصالحون وإن تركت فقد ترك الصالحون.
_________________
(١) يوجد خمسة من الصحابة يكنون بهذه الكنية ولم أتميز أيهم. انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة/ ابن الأثير ج٥ ص١٣٨ - ١٣٩.
(٢) هو عبد الله بن محيريز بن جنادة بن عبيد القرشي الجمحي الملكي، نزيل بيت المقدس تابعي جليل روى عن عدد من الصحابة ووثقه غير واحد. وأثنى عليه جماعة من الأئمة وهو ثقة من رجال الشيخين كان يختم القرآن كل جمعة توفي ﵀ سنة تسع وتسعين من الهجرة. انظر البداية والنهاية لابن كثير ج٩ ص١٨٥ - ١٨٦.
(٣) هو علي بن محمد بن حبيب البصري المعروف بالماوردي (أبو الحسن) فقيه، أصولي، مفسر، أديب، سياسي، درس بالبصرة وبغداد وولي القضاء ببلدان كثيرة، وبلغ منزلة عند ملوك بني بويه، ولد سنة (٣٦٤هـ) وتوفي ببغداد سنة (٤٥٠هـ) من تصانيفه الحاوي الكبير في فروع الفقه الشافعي في مجلدات كثيرة، تفسير القرآن الكريم، أدب الدين والدنيا، الأحكام السلطانية انظر معجم المؤلفين ج٧ ص١٨٩.
(٤) هو علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك النخعي الهمداني، أبو شبل: تابعي، جليل، كان فقيه العراق، يشبه ابن مسعود في هديه وسمعته وفضله، ولد في حياة النبي - ﷺ - وروى الحديث عن الصحابة، ورواه عنه كثيرون وشهد صفين، وغزا خراسان، وأقام بخوارزم سنتين، وبمرور مدة، وسكن الكوفة وتوفي بها سنة (٦٢هـ). انظر البداية والنهاية ج٨ ص٢١٧.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
وأما مسألة الرد عليهم إذا ابتدؤا بالسلام على المسلم فقال الشافعية يجب الرد عليهم بأن يقول وعليكم أو عليكم فقط كما ذكر في الحديث الصحيح.
وروى ابن وهب (١) وأشهب عن مالك أنه قال: لا يرد ﵈، وذكر عن الماوردي أنه يرد عليهم وعليكم السلام ولكن لا يقول و(رحمة الله) وهو ضعيف لمعارضته نص الحديث الصحيح.
والراجح من ذلك أن الرد عليهم بقول الرسول - ﷺ -: «وعليكم» عند الشك وعدم تحقيق السامع من نطق السلام، أما إذا نطق الكافر بقول: السلام عليكم، فإن الذي تقتضيه الأدلة الشرعية أن يقال له: وعليك السلام، فإن هذا من باب العدل، والله يأمر بالعدل والإحسان وقد قال تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) (٢) والأمر بالاقتصار على قول الراد (وعليكم) بناء على السبب الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم من الدعاء قال تعالى: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ) (٣).
أما السلام على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين فجائز الابتداء به كما تقدم في الحديث، وذلك من عظيم خلقه وكمال حلمه - ﷺ - وحثه على الرفق والصبر والحلم وملاطفة الناس، ما لم تدع حاجة ماسة إلى المخاشنة والغلظة معهم وإظهار البغض لهم (٤).
_________________
(١) هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي بالولاء المصري المالكي (أبو محمد) فقيه، مفسر، محدث، مقرئ، ولد بمصر في ذي القعدة سنة (١١٥هـ) وروى عن عدد من العلماء، وصحب الإمام مالك بن أنس عشرين سنة وتوفي بمصر لخمس بقين من شبعان سنة (١٩٧هـ) من تصانيفه: الجامع في الحديث، أهوال يوم القيامة، الموطأ الصغير، الموطأ الكبير، تفسير القرآن الكريم. انظر معجم المؤلفين/ ج٦ ص١٦٢.
(٢) سورة النساء آية (٨٦).
(٣) سورة المجادلة آية (٨).
(٤) انظر فيما تقدم: صحيح مسلم بشرح النووي ج١٤ ص١٤٤ - ١٤٥. وانظر أحكام أهل الذمة - ابن قيم الجوزية ص١٩١ - ١٩٣. وانظر المغني والشرح الكبير ج١٠ ص٦٢٥ - ٦٢٦.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
وموضوع السلام الذي تقدم ذكره هو السلام بين مسلم وكافر يعرف العربية والرد بها.
ولكن ما حكم العمل مع أولئك الذين لا يعرفون لغة العرب في بدئهم بالسلام أو الرد عليهم، أو بدئهم بتحيتهم التي تختلف عن السلام لفظًا ومعنى، أو الرد عليهم إذا حيوا بتلك التحية التي لا تحمل معنى السلام؟
والذي أراه في هذه المسألة هو ترك ابتداء هؤلاء بالسلام وإذا حيوا بتحية جاز رد مثلها عليهم.
ويرى البعض استحباب هجر الكافر ونحوه إذا كان مظهرًا لعادات الكفر متلبسًا بأفعال الكفار بين المسلمين ودليلهم في ذلك أن النبي - ﷺ - وفد عليه وفد من نجران هم شرحبيل بن وداعة الهمداني وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي، وجبار بن فيض الحارثي، وذلك أنهم عندما وصلوا إلى المدينة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم في السفر، ولبسوا حللًا لهم وخواتيم الذهب ثم انطلقوا إلى رسول الله - ﷺ - فسلموا عليه فلم يرد عليهم، وتعرضوا لكلامه نهارًا طويلًا فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل وخواتيم الذهب فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف (﵄) وكانا معرفة لهما، فوجداهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن! إن نبيكم كتب إلينا كتابًا فأقبلنا مجيبيين له فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا، وتصدينا لكلامه نهارًا طويلًا فأعيانا أن يكلمنا، فما الرأي منكم؟ أترون أن نرجع؟
فقالا لعلي بن أبي طالب (﵁) وهو في القوم -ما ترى
يا أبا الحسن: في هؤلاء القوم؟ فقال علي لعثمان وعبد الرحمن: أرى أن
[ ٢ / ٧٢٨ ]
يضعوا حللهم هذه وخواتيهم هذه ويلبسوا ثياب السفر ويعودوا إليه
- ففعلوا فسلموا عليه فرد عليهم النبي - ﷺ - السلام. ثم قال: «والذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الأولى وإن إبليس لمعهم» (١).
فما ظنك بمن يرفع أعلام الكفر وشعاراته التي تتعارض مع صريح القرآن كرفع الصليب ونحوه عند قدوم الكفار، أو من يستقبل الكفار وأِشباه الكفار الذي تقطر أيديهم من دماء المسلمين الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى أن يقولوا ربنا الله.
لقد أصبحت معانقة الكفار والبشاشة في وجوهم أمرًا مألوفًا عند كثير من قادة البلاد الإسلامية وعامتها بل لقد وصل الأمر عند البعض إلى أن يبادل زوجته مع زوجة ضيفه الكافر لتصاحبه وتداعبه كما حصل من زوجة السادات (جيهان) التي قبلت (بيغن) وعانقته، وقبله عانقت كارتر وراقصته ومن بعدهما كيسنجر وآخرهم الأمير تشارلز؟ (٢).
إن معانقة الكفار عامة، ونسائهم خاصة أمر لا يقره الإسلام فقد روت عائشة (﵂) حيث قالت: «والله ما مست يده -تعني رسول
الله - ﷺ - يد امرأة قط في المبايعة، ما بايعهن إلا بقوله قد بايعتك على ذلك» (٣).
أما مسألة زيارة الكفار وعيادتهم إذا مرضوا، فإن مما لا شك فيه أن
_________________
(١) روى ذلك الحافظ بن كثير عن الحافظ أبي بكر البيهقي عن أبي عبد الله الحافظ وأبي سعيد بن محمد بن موسى بن الفضيل قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير عن سلمة بن يسوع عن أبيه عن جده- قال يونس. وكان نصرانيًا فأسلم أن رسول الله - ﷺ - الحديث. انظر البداية والنهاية لابن كثير ج٥ ص٥٤ وقد رجعت إلى السنن الكبرى للبيهقي فلم أعثر لهذا النص على ذكر.
(٢) انظر مجلة المجتمع الكويتية عدد ٥٤٢ السنة الحادية عشرة في ٩/ ١١/٤٠١هـ، ص٣.
(٣) أخرجه البخاري. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ج٢، ص٥٢ - ٥٦، رقم الحديث (٥٢٩ - ٥٣٠).
[ ٢ / ٧٢٩ ]
الأعمال مرتبطة بالنيات - روي عن عمر بن الخطاب (﵁) أنه قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى » الحديث (١). فزيارة المسلم للكافر تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: زيارة القريب أو الجار أو الصاحب الكافر من قبل المسلم وهذه قد تكون مستحبة، إذا زاره ليعرض عليه الإسلام ويرغبه في الدخول فيه، وخاصة إذا رأى أن في زيارته له فرصة أن يقبل منه الدعوة إلى الدخول في دين الله، كما حصل من رسول الله - ﷺ - عندما زار الغلام اليهودي وهو مريض وعرض عليه الإسلام فأسلم (٢).
وفي الصحيحين عن سعيد بن المسيب (﵁) أن أباه أخبره فقال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه النبي - ﷺ - فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله - ﷺ - لأبي طالب «أي عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله» فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله - ﷺ - يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب (٣).
القسم الثاني: الزيارة المباحة: وهي الزيارة لقوم من المشركين لم يقصد بها الدعوة، ولم يقصد بها الطمع في شيء مما هم مختصون به وإنما صلة للقرابة ونحو ذلك حيث قال المروذي (٤): بلغني أن أبا عبد الله (أحمد
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم. انظر جامع العلوم والحكم/ عبد الرحمن بن شهاب الدين الحنبلي ص٥.
(٢) انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري ج٣ ص٢١٩. وج١٠ص١١٩.
(٣) رواه البخاري ومسلم. انظر أحكام أهل الذمة ج١ ص٢٠١، وانظر المغني والشرح الكبير ج١٠، ص٦١٧.
(٤) لعله أبو بكر المروذي المتوفي سنة (٢٥٧هـ) وهو غير المروزي. انظر أحكام أهل الذمة ج١ ص٢٠٠.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
بن حنبل) سُئِلَ عن رجل له قرابة نصراني: هل يعوده؟ قال نعم. قيل له نصراني! قال أرجو ألا تضيق العيادة (١).
وروي عن أنس بن مالك (﵁) أنه كان يقول: كان رسول الله - ﷺ - إذا عاد رجلًا على غير دين الإسلام لم يجلس عنده وقال: كيف أنت يا يهودي، يا نصراني (٢)؟.
القسم الثالث: وهي الزيارة المحرمة التي تدل على موالاة الكفار وهي الزيارة التي لا يقصد بها عمل خير في سبيل الله، وإنما يقصد بها الانبساط معهم والسرور لمشاهدة منكراتهم، والتعاون معهم في ذلك، قال جعفر بن محمد سئل الإمام أحمد بن حنبل (﵀) عن الرجل يعود شريكًا له يهوديًا أو نصرانيًا؟ قال: لا ولا كرامة (٣).
فالذي يختار صحبة الكفار ويأنس بهم بدلًا من المؤمنين ويفرح بالجلوس معهم ويفتخر به عند الناس لا شك أن هذا الفعل دليل على المحبة والمودة لهم ولأفعالهم وأقوالهم، وهذه هي الموالاة المنهي عنها فقد ورد في الحديث «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (٤)، وحديث: «المرء مع من أحب» (٥). فليحذر المسلم من الوقوع فيما حرم الله من حيث يشعر أو لا يشعر.
_________________
(١) انظر أحكام أهل الذمة ج١ ص٢٠٠.
(٢) المصدر السابق ج١ ص٢٠٢.
(٣) المصدر السابق ج١ ص٢٠١.
(٤) رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح، وقال الترمذي حديث حسن، انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين ج١ ص٣٤١ وصححه النووي. انظر تحفة الأخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة والحب والبغض والهجران، حمود التويجري ص٢٥ وقد ضعف الألباني هذا الحديث. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ج٢ ص٦٣٣ رقم الحديث ٩٢٧.
(٥) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج٤ ص٢٢٧٠.
[ ٢ / ٧٣١ ]
الفرع الثاني: تهنئة الكفار والثناء عليهم
إن الكفار يمكن تقسيمهم من حيث موقفهم من أهل الإسلام إلى قسمين:
(أ) كفار محاربون.
(ب) كفار مسلمون.
فالكفار المحاربون لله ورسوله والمؤمنين لا تجوز تهنئتهم سواء كانوا أفرادًا أو حكومات وسواء كانوا محاربين حربًا عسكرية أم حربًا فكرية وأخلاقية، فلا يصح من المسلم أن يهنئ الفرد منهم بزواج أو ولد أو قدوم من سفر أو نجاح أو نحو ذلك، ما لم يضع في حسبانه أن يكون ذلك وسيلة من وسائل الدعوة له إلى الله، أما إذا لم يوجد منه هذا الشعور وهذه النية فعمله هذا موالاة للكفار يوجب الإثم والمؤاخذة على ذلك عند الله ﷿ الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
وتهنئة الأفراد أو الحكومات بالمناسبات التي يعظمها الكفار أمر محرم مثل أعيادهم التي يحتفلون بها كعيد الميلاد وعيد الفصح أو أعيادهم
[ ٢ / ٧٣٢ ]
الوطنية، أو ذكرى إنجاز من إنجازاتهم التي يراد بها في حقيقة الأمر تدمير الإسلام والمسلمين (١).
والدليل على هذا التحريم هو أمر الله ﷿ لنا بالغلظة والشدة على الكفار قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (٢) وقال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (٣). وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (٤).
أما أهل الذمة والمستأمنون في دار الإسلام أو الكفار المسالمون خارج دار الإسلام، فقد روي عن أحمد بن حنبل (﵀) أنه أباح التهنئة مرة، ومنعها أخرى، وذلك مثل التهنئة بالزواج والولد والعودة من السفر والسلامة من المكروه، وهذا الأمر عند من قال إن التهنئة جائزة إذا أريد بها حسن المعاشرة والملاطفة تمهيدًا للدعوة إلى الإسلام.
أما رواية المنع عن أحمد ومن وافقه، فتحمل على من قصد مجرد التقرب إلى هؤلاء الكفار، بغير قصد الدعوة إلى الله ودعوة هؤلاء إلى الإسلام، ومن رأى إباحة التهنئة عند مصاحبة النية الحسنة لها، قيد الألفاظ التي تستعمل بالتهنئة، بأن تكون من الألفاظ المشتركة بيننا وبينهم، أما التهنئة بشعائر الكفر المختصة بهم. فهذا أمر محرم بالاتفاق (٥). مثل تهنئتهم بعيد الميلاد ونحوه من أعياد الجاهلية، أو مثل التهنئة بمناسبة تأسيس الحزب الشيوعي أو البعثي أو الاشتراكي أو القومي أو الوطني أو غير ذلك
_________________
(١) انظر اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ابن تيمية ص١٦٩.
(٢) سورة التحريم آية (٩).
(٣) سورة الفتح آية (٢٩).
(٤) سورة التوبة آية (١٢٣).
(٥) انظر أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج١ ص٢٠٥.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
من أحزاب الكفر ومناسباتهم المتعددة (١)، كما أن هناك بدعة جديدة درج الناس على التهنئة بها من غير نظرة فاحصة إلى العدو السابق واللاحق وتلك هي ذكر جلاء الاستعمار عن بلد - ما - فتأتي التهاني من الأفراد والحكومات بهذه المناسبة مع أن المتسلط على الدار أخبث من الاستعمار! وشبيه بهذه المسألة ما يحصل من اتحاد مزيف بين نظامين كافرين فتأتي خطابات التهنئة والتأييد بالوحدة والاتحاد، وبعد أسابيع أو شهور تختلف الكلاب على فريستها، فتنفصل الوحدة، ويلغى الاتحاد فتنهال خطابات التأييد والاستحسان من نفس الذين أرسلوا الخطابات السابقة لينقضوا ما أبرموه بأنفسهم.
إن هذا النهج يسقط قيمة الشعوب ويسقط قيمة الأفراد والأمم التي لا تحترم مواقفها ولا تثبت عند رأي تراه أو قول تقوله.
إن الأفراد والشعوب التي تعطي ولاءها وتأييدها لمن يستحق ومن لا يستحق، إنما تبرهن بذلك على أنها تنطلق في ولائها من منطلق عشوائي بعيدًا عن العقل وتوجيهات الوحي الإلهي فالفرد أو الشعب الذي ينطلق في ولائه وعداوته من منهج أصيل يكون ثابتًا في مواقفه التي يتخذها فإن قال: نعم، لم يقل: لا، مهما كلفه ذلك من جهد وتضحية، وإن قال: لا، لم يقل: نعم. مهما ترتب على ذلك من تضحيات وتكاليف، لأنه لا يقول: لا، أو نعم، إلا بعد أن يستند إلى قاعدة شرعية تجعل موقفه ثابتًا لا يتغير.
أما أهل النفاق فهم الذين يتذبذبون ويتناقضون في ولائهم، لأن ولاءهم تحكمه المادة والمصلحة الخاصة، ولذلك فإن ولاءهم، ولاء مزيفًا
_________________
(١) مثال ذلك ما فعله الرئيس العراقي صدام حسين والرئيس الليبي معمر القذافي، حيث أرسل كل منهما رسالة تهنئة بمناسبة الذكرى الثالثة لتولي الشيوعي العميل لروسيا بابراك كارمال على أفغانستان. انظر مجلة الإرشاد العدد (٩) السنة الثالثة رمضان سنة (١٤٠١هـ) ص٤٩ نقلًا عن امباكيت انترناشيونال (١١/ ٦/١٩٨١م).
[ ٢ / ٧٣٤ ]
يجب عدم الأخذ به أو الاعتماد عليه، فهو أول من يتملق الكفار ويطلب رضاهم.
وقد قال العلماء: من هنأ عبدًا بمعصية، أو بدعة، أو كفر، فقد تعرض لمقت الله وغضبه (١)، وهذا دليل على أنه لا يجوز مدح أعداء الله فقد روى ابن أبي الدنيا وأبو يعلى والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس (﵁) قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا مُدِحَ الفاسق غَضِبَ الرب واهتز لذلك العرش» (٢).
وروي عن بريدة (﵁) قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تقولوا للمنافق سيدنا فإنه إن يك سيدكم فقد أسخطتم ربكم ﷿» (٣). فإذا كان مدح المنافق الذي يتظاهر بالإسلام، والذي قد تخفى حقيقة نفاقه على بعض المسلمين موجبًا لسخط الله. فما رأيك بمن يمدح الكفار الصرحاء الذين يعلنون الحرب على الله ورسوله والمؤمنين صباح مساء؟
لقد أمر الله المسلم أن يجتنب مناسبات الكفار وأعيادهم قال تعالى: (ولا يشهدون الزور) (٤) وهذا أقل ما يفعله المسلم نحو الكفار، لأن الواجب على المسلم أن يدعو الكفار إلى الإسلام باللسان أو السنان، فإن لم يستطع فلا أقل من مجافات الكفار ومجانبتهم، فقد روى البيهقي بإسناد صحيح عن البخاري صاحب الصحيح عن عمر بن الخطاب (﵁) قال: «اجتنبوا أعداء الله في عيدهم» (٥) وعمر (﵁) من
_________________
(١) انظر أحكام أهل الذمة ابن القيم الجوزية ج١ ص٢٠٦.
(٢) انظر تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة والحب والبغض والهجران تأليف حمود بن عبد الله التويجري ص٢٦.
(٣) رواه أبو داود والنسائي والبخاري في الأدب المفرد وقال الألباني عنه إنه صحيح. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ج١ ص١٠٠، رقم الحديث (٣٧١).
(٤) سورة الفرقان آية (٧٢).
(٥) انظر تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة/ حمود التويجري ص٢١. وتعليقًا على هذا الحديث نقول: «إن بعض المنتمين إلى الإسلام بدأوا يتبنون أعياد الكفار ويحتفلون بها مثل احتفالهم بعيد الفطر وعيد الأضحى إن لم يكن ذلك أشد، فقد سمعت إذاعة الكويت في نشرة أخبارها صباحًا في الساعة السادسة من يوم الجمعة ٦/ ٣/١٤٠٢هـ الموافق ١/ ١/١٩٨٢م يناير وهي ترفع أسمى آيات الشكر والتقدير والتهنئة السعيدة إلى مقام أميرها وحكومته وشعب الكويت والأمة العربية والإسلامية بمناسبة عيد رأس السنة الميلادية وتعلن عن منح الدولة أجازة رسمية لكافة العاملين بها من مسلمين ونصارى وبوذيين وغيرهم يوم السبت ٧/ ٣/١٤٠٢هـ ١٢/ ١/١٩٨٢م فهل الكويت دولة نصرانية أو دولة إسلامية؟ ولماذا يعدل النصارى بالمسلمين في الوقت الذي لا تتجاوز فيه نسبة النصارى في الكويت ٤% حسب ما نشرته مجلة المجتمع الكويتية من واقع الإحصاءات الرسمية، في حين أن الدولة النصرانية لا تأبه للمسلمين ولا لأعيادهم رغم أن نسبة المسلمين في بعض البلاد النصرانية تصل أكثر من ٢٦% كما هو الشأن في أثيوبيا حيث إن عدد المسلمين (٦) مليون من أصل (٢٢) مليون. فلماذا نكرمهم وهم يهينوننا. ونقدرهم وهم يسخرون منا؟ إن مثل هذه المعادلة، لا يشعر المسلم معها بالعزة والكرامة بل يشعر بالذلة والمهانة. انظر مجلة المجتمع عدد (٥٥٣) في ٢٦/ ٢/١٤٠٢هـ ص٢٣ وانظر الموسوعة العربية الميسرة/ محمد شفيق غربال ج١ ص٥٣ وص١٥٨. بشأن نسبة المسلمين والنصارى».
[ ٢ / ٧٣٥ ]
المؤمنين الذين أمرنا الله باتباع سبيلهم، فقد روي عن مالك بن أنس أنه قال، قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله - ﷺ - وولاة الأمر من بعده سنة، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله من عمل بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وصلاه جهنم وساءت مصيرًا (١).
وقد كثرت المخالفات في مثل هذا الأمر حتى أصبح كثير من المنتمين إلى الإسلام يطلقون لفظة الأخ والمجاهد والشهيد على كبراء المنافقين والكفار، في الوقت الذي كان فيه المسلمون الصادقون من أهل الورع والتقوى في سلف هذه الأمة يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات وتهنئة الجهال بمنصب القضاء والتدريس والإفتاء، تجنبًا لمقت الله، وخوفًا من عذابه وخشية من أن يدخلوا في باب الغش والتدليس على الناس، في مدح وتهنئة وتزكية من لا يستحق ذلك (٢).
_________________
(١) إيقاظ همم أولي الأبصار/ صالح بن محمد بن نوح الفلاني ص٦٥.
(٢) انظر أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج١ ص٢٠٦.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
أما إذا هنأ الرجل بعض أصحاب المناصب من المسلمين. خاصة الواقعين في بعض المعاصي مداراة لشرهم وخوفًا من سطوتهم، ولم يترتب على هذه التهنئة ضياع حق من حقوق أفراد الرعية، ولم تكن التهنئة دعمًا لباطل يريدون إقراره، أو حق يريدون إبطاله، فهي لا بأس بها، أما إن كانت لغير ذلك من الأمور المحرمة. فهي موالاة للباطل وأهله ومعاداة للحق وأصحابه، وقد يترتب عليها كفر فاعلها وقد تنزل إلى درجة التحريم (١). والله الهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) انظر أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج١ ص٢٠٦.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
الفرع الثالث: تشييع موتى الكفار وتعزيتهم في ذلك
الكفار من حيث موقفهم من الإسلام ينقسمون إلى قسمين:
كفار محاربون. وكفار مسالمون.
فالكفار المحاربون لله ورسوله والمؤمنين لا يجوز شهود جنائزهم ولا حضور مراسيم (١) تشييعهم إلى حفرهم الملتهبة بعسير النار وسوء القرار، ولا تجوز تعزيتهم على ذلك، لأن المحارب لله ورسوله والمؤمنين سواء مات على فراشه أو في المعركة ضد الإسلام والمسلمين فلا يختلف الحكم في حقه، ما دام يناصب المسلمين العداء لأجل إسلامهم، وفي موقف الرسول - ﷺ - من قتلى المشركين في بدر منهج ونبراس في ذلك حيث أمر النبي - ﷺ - الصحابة (﵃) بجرهم إلى القليب كما تجر الميتة من الغنم -برغم صلة القرابة بين هؤلاء وبين معظم المسلمين- فلم يقم الرسول - ﷺ - نحوهم بأي إجراء يستشعر منه الحزن والندم على هؤلاء الكفار
_________________
(١) جمع مرسوم وهو قانون ذو صبغة تشريعية لأمر (ما) المعجم الوسيط ج١ ص٣٤٥.
[ ٢ / ٧٣٨ ]
ولم يأمر بدفنهم حسبما تعود عليه الكفار، أو يشاركهم في ذلك فقد عاش الرسول - ﷺ - في مكة والمدينة بعد البعثة ثلاثًا وعشرين سنة لم يذكر أهل الحديث والتاريخ أنه شيع جنازة كافر أو عزى أحدًا منهم في ذلك. ومن ذلك عمه أبو طالب لم يشيعه ولم يعز فيه عليًا (﵁) (١).
أما أهل الذمة والعهد والمسالمون من الكفار فالأصل عدم جواز حضور موتاهم أو المشاركة في تشييعها والذهاب معها إلى كنيسة أو بيعة أو نحو ذلك كما لا يجوز حضور جنازة أحد من هؤلاء وقت دفنها والدليل على ذلك أن الرسول - ﷺ - قد نُهِي عن الصلاة على المنافقين في قوله تعالى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) (٢). فإذا كان الله ﷿ قد نهى عن الصلاة والقيام على جنائز المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر فإن من يظهر الكفر علانية أولى بهذا الحكم، فكيف من يعلن كفره وحربه للإسلام والمسلمين، وقد ذكر الله ﷿ أن علة النهي عن الصلاة وشهود دفن الجنازة في قبرها هي الكفر وهي متوفرة في الكفار جميعًا محاربين ومسالمين ومنافقين.
وبناء على ذلك لا يجوز حضور جنائز الكفار مطلقًا وخاصة في موضعين:
١ - حضور أماكن الصلاة على الكفار في الكنائس والبيع وما في حكمها ويلحق بذلك ما إذا كان الميت كافرًا بالردة عن الإسلام أو منافقًا ظاهر النفاق، فإنه لا يصح للمسلم المتمسك بإسلامه الصلاة أو القيام على هؤلاء جميعًا.
٢ - لا يجوز القيام على قبر الكافر وقت الدفن أيًا كان نوع كفره عملًا بنص
_________________
(١) انظر البداية والنهاية لابن كثير ج٣ ص١٢٥ - ١٢٦.
(٢) سورة التوبة آية (٨٤).
[ ٢ / ٧٣٩ ]
الآية المتقدمة حيث تدل على النهي عن الصلاة والقيام على قبر الكافر ودلالة النصوص على ذلك قطعية الثبوت، قال تعالى: (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) (١).
وقد يعترض على ذلك معترض فيقول: إن النبي - ﷺ - قد أمر علي بن أبي طالب (﵁) أن يواري أبا طالب في قبره عند وفاته بمكة والجواب أن مواراة علي لوالده، إن ثبتت يقينًا فهي منسوخة بهذه الآية حيث إن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين بالمدينة (٢)، والمتأخر ينسخ المتقدم كما هي القاعدة فلا إشكال في ذلك.
وقد ورد في بعض الآثار ما يدل على أنه يجوز للمسلم أن يحضر جنازة قريبه الكافر ويشيعها مع المشيعين بشروط ثلاثة:
الأول: أن يكون الكافر الميت قريبًا للمسلم قرابة مباشرة كأن يكون من آبائه أو أبنائه أو إخوانه أو نحو ذلك.
ثانيًا: أن لا يحضر الصلاة عليه، ولا يقوم على قبره أثناء الدفن.
ثالثًا: أن يسير أمام الجنازة بعيدًا عنها قليلًا وأن يقف بعيدًا عن القبر وإذا أرادوا الدفن رجع ويستحسن أن يكون راكبًا لما في ذلك من إظهار عزة المسلم واستعلائه على الكفار حسًا ومعنى.
والدليل على ذلك ما روي أن قيس بن شماس أتى إلى النبي - ﷺ - فقال: إن أمي توفيت وهي نصرانية، وهو يحب أن يحضرها فقال له النبي - ﷺ -: «اركب دابتك، وسر أمامها، فإذا ركبت وكنت أمامها فلست معها» (٣) وروي أيضًا أن الحارث بن أبي ربيعة شهد جنازة أمه وكان يقوم
_________________
(١) نفس الآية المتقدمة.
(٢) انظر تفسير القرطبي ج٨ ص٢٢١.
(٣) انظر أحكام أهل الذمة ج١ ص٢٠٣.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
ناحية عن القبر (١). وقد سُئِلَ الإمام أحمد (﵀) عن رجل مسلم يموت له قريب يهودي أو نصراني ماذا يفعل معه فقال: يركب دابته ويسير أمام الجنازة فلا يكون خلفها، فإذا أرادوا الدفن رجع (٢).
ولا يجوز للمسلم أن يحثو التراب على قريبه الكافر عند مواراته إلا إذا لم يكن هناك من يقوم بهذا العمل من الكفار، وتلك الحالة من الضرورات التي تقدر بقدرها.
ولكن شتان بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، لقد بدل معظم المسلمين نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار، ولا نريد أن نستطرد في هذا الموضوع بذكر الأمثلة والنماذج فيكفي نموذج من تلك المهازل التي يندى لها الجبين، فقد آثار مرض (تيتو) اهتمام الإعلام العالمي كله بما فيه الإعلام الهزيل في بلاد المسلمين، وقد أطال الله مرضه عدة شهور وفي كل لحظة نسمع من وسائل الإعلام المختلفة تفصيلات دقيقة عن كل ساعة من ساعات احتضاره الطويلة حتى أهلكه الله، وبعد موته شيعه اليهود والنصارى والوثنيون ولا عجب في ذلك فإن الكفر ملة واحدة.
ولكن العجب أن يسارع أناس يحسبون على الإسلام فيشاركون في تشييع جثمان هذا الكافر المحارب لله ورسوله والمؤمنين، والذي أباد من المسلمين ما يربو على مليون مسلم في يوغسلافيا بعد توليه الأمر فيها وقد قام بإلقاء المسلمين رجالًا ونساء في "مفارم" اللحوم التي تصنع لحوم (البولوبيف) ليخرجوا من الناحية الأخرى عجينة من اللحم والعظام والدماء (٣).
ولم يكتف بمحاربة المسلمين في يوغسلافيا بل عقد صداقات مع كثير
_________________
(١) المصدر السابق ج١ ص٢٠٢.
(٢) المصدر السابق نفس المكان.
(٣) انظر العلاقات الدولية في الإسلام/ الدكتور/ كامل سلامة القدس ص١٦٤.
[ ٢ / ٧٤١ ]
من الزعماء الخارجين على الإسلام، ليحارب الإسلام في بلاد المسلمين فقد كان صديقًا حميمًا لعبد الناصر (١). على مدى ربع قرن، ظهرت آثار تلك الصداقة بما منيت به مصر من محاربة للإسلام والمسلمين على يد عبد الناصر وخليفته السادات وجنودهما الخاطئين.
إننا لو قارنا بين موقف الدول التي تدعي الإسلام في اهتمامها بـ (تيتو) في مرضه و(بوتو) في محاكمته وقتله، والبابا في إصابته ومحاولة قتله، وبين موقفها من المسلمين عمومًا في سوريا وأفغانستان والفلبين ومصر وتونس وغيرها من البلاد الإسلامية التي يذبح فيها المسلمون بالآلاف وتكتظ بهم السجون ومع ذلك لا أحد يذكرهم أو يتحدث عنهم بوسائل الإعلام العالمية أو الإقليمية لأنهم مسلمون.
لقد قضى كثير من علماء الإسلام وقادة الفكر نحبهم أمثال سيد قطب وحسن الهضيبي وأبي الأعلى المودودي واعتقل نجم الدين أربكان مدة طويلة وشرد عصام العطار فلم يجد من يئويه سوى دولة كافرة هي ألمانيا الغربية، ومع ذلك لم يشر إليهم الإعلام الخارجي أو الإعلام التابع له في البلاد الإسلامية بما يستحقون من اهتمام وتقدير، في الوقت الذي يهتم فيه الإعلام المحسوب على الإسلام بأناس هم فحم من فحم جهنم.
لقد تجاوز الأمر تشييع الكفار حديثي العهد بالموت إلى زيارة رفات الكفار الذين ماتوا من آلاف ومئات السنين فكثير من الحكام المتسلطين على رقاب المسلمين يسرقون من قوت الضعفاء وكسائهم، ما يشترون به الورود والزهور، ليضعوها على قبر ماركس اليهودي وأخيه لينين، وماوتس تنغ وتيتو، والجندي المجهول في فرنسا وقبور العائلة المالكة في بريطانيا، ووثن
_________________
(١) انظر نافذة على الجحيم/ لمجموعة كتاب، وانظر البوابة السوداء/ لأحمد رائف، وانظر القابضون على الجمر - محمد أنور رياض، وانظر الفراعنة الصغار في هيلتون الناصرية/ جابر رزق.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
اليهود أتاتورك في تركيا وغير هؤلاء من الأوثان، فهل هناك ولاء للكفار أشد من الموالاة لهم حتى بعد أن يصبحوا وقودًا لجهنم ورفاتًا بائدة في التراب.
أما مسألة التعزية للكفار:
فإن كان الكافر محاربًا لله ورسوله والمؤمنين فلا تجوز تعزيته مطلقًا ويؤخذ ذلك من فعل الرسول - ﷺ - وفعل أصحابه.
أما إذا كان الكافر ذميًا أو مستأمنًا أو مسالمًا، فقد توقف فيها كثير من العلماء عندما سئلوا عن ذلك وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل (﵀) سُئِلَ أكثر من مرة فقال: لا أدري.
وقد روي عن هريم (١) قال: سمعت الأجلح (٢) عزى نصرانيًا فقال: عليك بتقوى الله والصبر (٣)، وقال حرب: قلت لأبي إسحاق: فكيف يعزي المسلم المشرك؟ قال: يقول أكثر الله مالك وولدك.
وأما تعزية الكافر للمسلم فلم يرد بها ما يدل على منعها ولم يرد صيغة معينة للرد، فقد سُئِلَ الإمام أحمد سأله عباس بن محمد الدوري. قال: قلت لأبي عبد الله: اليهودي والنصراني يعزيانني، أي شيء أرده عليهما؟ فأطرق ساعة ثم قال: ما أحفظ فيه شيئًا (٤).
وقال أبو سيف: بلغنا أن رجلًا نصرانيًا كان يأتي الحسن البصري
ويغشى مجلسه، فمات، فسار الحسن إلى أخيه ليعزيه فقال له: «أثابك الله
_________________
(١) هو هريم بن سفيان التتجلي، وهو ممن روى عنه إسحاق السلولي. انظر أحكام أهل الذمة - ج١ ص٢٠٤.
(٢) في الأصل (الأشح) بالحاء المهملة. واسمه عبد الله بن سعيد توفي (٢٥٧هـ) انظر المصدر السابق نفس المكان.
(٣) المصدر السابق نفس المكان.
(٤) المصدر السابق ج١ ص٢٠٤ - ٢٠٥.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
على مصيبتك ثواب من أصيب بمثلها من أهل دينك، وبارك الله لنا بالموت وجعله خير غائب ننتظره» (١). عليك بالصبر فيما نزل به من المصائب.
وخلاصة القول في ذلك أن الكفار المحاربين لا يجوز تشييع موتاهم ولا حضور جنائزهم على أي وجه يشعر بالتقدير والاحترام ولو كان ذلك جائزًا لفعله الرسول - ﷺ - مع معه أبي طالب، ولكن يجوز مواراة الكافر المحارب في بئر ونحوه عند عدم من يقوم بذلك من الكفار أنفسهم.
أما أهل الذمة والعهد والمسالمين من الكفار فالأصل عدم حضور جنائزهم ويستثنى من ذلك ما إذا كان الميت أبًا أو أخًا أو ابنًا للمسلم فإنه يجوز للمسلم أن يشيعه بشرط عدم حضور الصلاة عليه في كنيسة أو نحوها وكذلك عدم حضوره وقت الدفن إلا إذا لم يوجد من يدفنه من الكفار باشر دفنه للضرورة.
أما مسألة التعزية إذا كان الكافر محاربًا لله ورسوله والمؤمنين فلا تجوز التعزية مطلقًا بحق الكفار المحاربين.
أما أهل الذمة والعهد والمسالمين من الكفار فقد قال الفقهاء بالجواز والمنع، ومن أجاز اشترط قصد الملاطفة والدعوة إلى الله.
والله الهادي والموفق إلى سواء السبيل.
_________________
(١) انظر الخراج لأبي يوسف ص٢١٧.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
الفرع الرابع: الزواج بالنساء الكافرات وتزويجهم المسلمات
قد يعترض معترض على أن موالاة الكفار غير محرمة بالصورة التي ذكرناها فيما سلف من مباحث هذه الرسالة محتجًا بأن قوله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (١) ليس على إطلاقه حيث إن الكتابية سواء كانت ذمية أو محاربة مندرجة تحت ما نهى الله عن مودتهم ومحبتهم، فكيف يحل التزوج بها عملًا بقوله تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (٢) مع النهي عن مودة من حاد الله ورسوله، علمًا بأن الزواج من الكتابية فيه مودة، ويترتب على هذه المودة محبة ومناصرة قال تعالى: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ
_________________
(١) سورة المجادلة آية (٢٢).
(٢) سورة المائدة آية (٥).
[ ٢ / ٧٤٥ ]
أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) (١) فكيف نوفق بين آيات النهي عن موالاة الكفار وبين أدلة إباحة الزواج من الكتابيات مع الدليل على أن الزواج فيه مودة للمتزوج بها؟
والجواب على ذلك أن للعلماء في الزواج من الكتابية حربية كانت أو ذمية قولين:
القول الأول: هو قول ابن عباس (﵁) حيث يقول بحرمة نكاح نساء أهل الكتاب ويوافقه على ذلك بعض الشافعية والحنابلة في ظاهر المذهب والمالكية فيما هو المشهور عندهم (٢). ويستدلون على ذلك بأدلة هي كما يلي:
١ - قول الله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) (٣) ووجه الدلالة أن الآية أفادت بعمومها تحريم نكاح المشركات والكتابيات من المشركات، سواء كانت ذمية أو محاربة.
٢ - قول الله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) (٤) فقد دلت الآية على أن حل التزوج بالإماء، يشترط له إيمانهن وعدم قدرة المتزوج بهن على طول الحرة، فإذا انتفى الإيمان منهن بأن كن كتابيات مثلًا انتفى الحكم وهو الحل، فيحرم نكاحهن بناء على أن الحكم متى علق بشرط أوجب ذلك نفي الحكم عند عدم توفر الشرط.
_________________
(١) سورة الروم آية (٢١).
(٢) انظر تبيين الحقائق للزيلعي ج٢ ص١١٦ وانظر المغني والشرح الكبير ج٢ ص٢٦٧ وانظر كشاف القناع ج٢ ص٢٨ وانظر مغني المحتاج ج٢ ص٨٤ وانظر الكافي في فقه أهل المدينة المالكي/ يوسف بن عبد الله القرطبي ج٢ ص٥٤٣ وانظر تفسير القرطبي/ محمد بن أحمد القرطبي ج٢ ص٦٧.
(٣) سورة البقرة آية (٢٢١).
(٤) سورة النساء آية (٢٥).
[ ٢ / ٧٤٦ ]
فانتفاء الإيمان في الإماء، يستلزم تحريم الزواج بهمن (١).
٣ - قول الله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (٢).
فقد دلت الآية على أن من لم يؤد الجزية من الكفار للمسلمين، ويكون في حرب معهم مطلوب قتاله، منهي عن محبته ومودته، فلا يحل للمسلم التزوج بنسائهم، لأن الزواج مودة ومحبة ونصرة.
٤ - قول الله تعالى: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) (٣). فقد حرم الله على المؤمنين تمسكهم بالزوجات الكافرات، وحرم عليهم أن يجعلوهن في عصمتهم بنهيه الوارد في هذه الآية، فكان دليلًا على تحريم ابتداء نكاحهن، لأنه طريق إلى المنهي عنه المحرم، وهو الإمساك بعصم الكوافر، وما يؤدي إلى المحرم فهو محرم.
٥ - ما روي بسند صحيح عن الليث عن نافع عن ابن عمر كان إذا سئل عن نكاح الرجل للنصرانية أو اليهودية قال: حرم الله المشركات على المؤمنين ولا أعلم شيئًا من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى، وهو عبد من عباد الله (٤)، وقد توفرت فيها علة النهي المقتضية للتحريم في قوله تعالى: (أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) (٥).
_________________
(١) انظر العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين د/ بدران أبو العينين بدران ص٥٤ - ٥٥.
(٢) سورة التوبة آية (٢١).
(٣) سورة الممتحنة آية (١٠).
(٤) انظر فتاوى ابن تيمية ج٤ ص٨٤.
(٥) سورة البقرة آية (٢٢١).
[ ٢ / ٧٤٧ ]
٦ - ما روي أن عمر بن الخطاب (﵁) فرق بين من تزوجوا بكتابيات وأزواجهم. فحين تزوج طلحة بن عبيد الله بيهودية وحذيفة بن اليمان بنصرانية، غضب عمر غضبًا شديدًا، فقال: نطلق يا أمير المؤمنين فلا تغضب، فقال: «إن حل طلاقهن فقد حل نكاحهن، ولكن انزعهن منكم انتزاعًا» (١)، فدل هذا على عدم جواز نكاح المسلمين للكتابيات، لأنه لو كان حلالًا جائزًا لما غضب عمر (﵁) ولأنكر عليه الصحابة (رضوان الله عليهم) ولصح إيقاع الطلاق، فكان تفريقه وعدم إجازته الطلاق دليلًا على حرمتهن.
ومن الأدلة العقلية على حرمة الزواج بالكتابيات ما يلي:
١ - إن المرأة الكتابية تعارض دليل حلها وهو قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) وتعارض دليل حرمتها وهو قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) وفي مثل تلك الحال يلزم الرجوع إلى الأصل وهو التحريم، لأن الإبضاع مما يلزم الاحتياط فيها فيحرم على المسلمين لهذا الزواج من الكتابيات (٢).
٢ - إن الكتابية مستمسكة بكتاب دار القول فيه بين حالين هما: التغيير أو النسخ، والمغير تزول صفة الكتاب عنه، وكذلك المنسوخ، ترتفع أحكامه، وحينئذ يكون لا فرق بينه وبين ما لم يكن، وعليه، تكون الكتابية في حكم من لا كتاب لها، ومن هذا شأنها لا يحل نكاحها لتحقق النقص الفاحش فيها فساوت عابدة الوثن (٣).
_________________
(١) انظر تفسير الفخر الرازي ج٦ ص٦١ وانظر أحكام القرآن للجصاص ج٢ ص٣٢٤ - ٣٢٨.
(٢) انظر العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين د/ بدران أبو العينين بدران ص٤٥.
(٣) انظر العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين د/ بدران أبو العينين بدران ص٤٥ نقلًا عن الحاوي الكبير للماوردي ج١٠ مخطوط بدار الكتب المصرية.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
هذه جملة أدلة من قالوا بمنع الزواج من الكتابيات وغيرهن من باب أولى وعلى هذا القول فلا تعارض مع آيات النهي عن موالاة الكفار، وأدلة المنع من زواج الكفار بل إن رأي القائلين بمنع الزواج من النساء الكافرات يرجح أدلة وجوب مفاصلة الكفار وعدم مخالطتهم حيث علل الباري ﷿ ترك نكاح المشركين بقوله: (أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (١).
القول الثاني: وهو قول من يقول بجواز نكاح الكتابيات وقد استدل أصحاب هذا القول بالأدلة الآتية:
قال تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (٢) فقد عطف الله المحصنات في الآية على الطيبات المصرح بحلها في صدر الآية، والمحصنات معناها الحرائر أو العفيفات فتكون الآية دليلًا على حل الحرائر أو العفائف من أهل الكتاب، لأن قضية العطف تقتضي التشريك في الحكم وعلى هذا فالآية محكمة وليس حكمها بمنسوخ على القول بعد تناول آية البقرة وهي قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) لأهل الكتاب، فتكون كل من الآيتين متناولة لأفرادها، وعليه فلا نسخ ولا تخصيص، وعلى القول الثاني وهو أن آية تحريم المشركات متناولة للكتابيات، تكون آية المائدة وهي قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) مخصصة للعموم في قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) أو ناسخة لها على الخلاف المعروف في علم الأصول (٣).
ويرد القائلون بجواز نكاح الكتابيات على أدلة المانعين بما يلي:
١ - يجيب القائلون بجواز الزواج من الكتابية عن قوله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا
_________________
(١) سورة البقرة آية (٢٢١).
(٢) سورة المائدة آية (٥).
(٣) انظر العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين د/ بدران أبو العينين بدران ص٤٥.
[ ٢ / ٧٤٩ ]
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (١) أن هذه الآية لم تتعرض بصريح اللفظ لتحريم الزواج، بل اقتضت النهي عن موادة أهل الحرب عمومًا، فلا يثبت التحريم بالقياس مع وجود النص، إذ لا يلزم من كون عقد الزواج طريقًا من طرق المودة والمحبة، أن يحرم التزوج فغاية ما تدل عليه الآية الكراهية لا التحريم حيث وردت آيات في صلة ذوي الرحم من غير المسلمين مثل قوله تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) (٢) فالزوجة بعد عقد الزوجية تصبح من ذوي القرابة ومصاحبتها بالمعروف أمر واجب حتى لو كانت غير مسلمة لأن ذلك من حسن المعاشرة التي تقودها إلى الإسلام.
٢ - أجاب من يرى إباحة الزواج من الكتابيات عن قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) إن هذه الآية قد ورد ما يدل على إلغاء هذا الشرط حيث إن الآية في قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) شاملة للحرائر والإماء ثم أن الأمة الكتابية يجوز قياسها على الأمة المسلمة بجامع جواز الوطء في كل منهما بملك اليمين، فحيث جاز نكاح الأمة المسلمة اتفاقًا، يجوز كذلك نكاح الأمة الكتابية (٣).
٣ - وأجاب القائلون بإباحة الزواج من الكتابيات عن قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ) الآية: إن الآية دعت إلى قتال
_________________
(١) سورة المجادلة آية (٢٢).
(٢) سورة لقمان آية (١٥).
(٣) انظر العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين د/ بدران أبو العينين بدران ص٥٠.
[ ٢ / ٧٥٠ ]
من يمتنع عن دفع الجزية للمسلمين وعدم قتال من يدفعها من الصغار والذلة، وحيث لا علاقة بين دفع الجزية وحِل الزواج، ولا علاقة بين عدم دفعها وحرمته، فلا دلالة في الآية على تحريم الزواج بالكتابية الحربية أو حلها (١).
٤ - وأجاب من يرى الإباحة في زواج المسلم بالكتابية عن قوله تعالى: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) بأن اللام في الكوافر لتعريف العهد والكوافر المعهودات كن مشركات عبدة أوثان، إذ الآية وردت في مشركات الحديبية وهن كذلك، وعليه فلا تتناول الآية الكتابيات، وعلى أن الخطاب متوجه لمن كانت في عصمته كافرة مشركة تركها بدار الحرب، أما الكتابيات فإن دلالة الآية لا تشملهن من هذا الوجه ولذلك فهم الصحابة (رضوان الله عليهم) ذلك، فطلق عمر امرأتين له كانتا مشركتين بمكة حين نزلت الآية بالحديبية (٢).
٥ - وأجاب القائلون بالإباحة في زواج الكتابية من المسلم، بأن ما رُوي عن عمر بن الخطاب (﵁) من الأمر لطلحة وحذيفة بترك زوجتيهما من الكفار، غير جيد السند، قال ذلك ابن عطية، بل قيل في هذا الأثر: إنه غريب، ثم قالوا: والذي نقل عن عمر أنه قال لمن تزوج من الكتابيات: طلق، فطلقوهن ما عدا حذيفة (﵁) فقال هي خمرة فطلقها، فهذا الأثر يدل على عدم التحريم في نهاية الكلام حيث لولا أن العقد صحيح لم يطلب عمر الطلاق من المتزوج، ويؤيد ذلك ما نقل ابن وهب وابن المنذر- نقلًا صحيحًا عن عمر (﵁) قوله بجواز نكاح الكتابيات (٣).
_________________
(١) المصدر السابق نفس المكان.
(٢) المصدر السابق نفس المكان، وانظر فتاوى ابن تيمية ج٤ ص٨٤.
(٣) انظر المغني لابن قدامة ج٧ ص٥٠٠ وانظر العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين د/ بدران أبو العينين بدران ص٥١.
[ ٢ / ٧٥١ ]
٦ - ورد القائلون بالإباحة على المعقول الأول وهو أن الأصل في الإبضاع التحريم ولذلك فهي مما يلزم الاحتياط فيها فيحرم على المسلمين لهذا الزواج من الكتابيات.
فقال من يرى الإباحة أن هذا القول ليس على إطلاقه، وغير مسلم به حيث إن قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) (١) يفيد بعد تعداد محرمات النكاح، أن الكتابيات داخلات في عموم آية الحل غير مخرجات منها، حيث إن آية النهي عن نكاح المشركات غير متناولة للكتابيات، وتكون آية المائدة وهي قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) جاءت مؤكدة للحل الوارد في العموم دفعًا لتوهم حرمتهن، كما فهم بعض الصحابة ذلك (٢).
٧ - ثم رد القائلون بالإباحة على المعقول الثاني، بأن من لها كتاب مبدل أو منسوخ يصح أن تندرج تحت من لها شبهة كتاب، نظرًا لكتابها المغير وصحة دينها في أصله، وبذلك لا مساواة بينها وبين من لا كتاب لها أصلًا، وتفرقة الشارع الحكيم بينهما في الأحكام دليل ناطق على ذلك. فقد حقن دماء أهل الكتاب دون أهل الشرك، وأحل ذبيحة أهل الكتاب دون أهل الشرك فناسب أن تفارق الكتابية المشركة في حكم النكاح بها فلا تساويها في حرمة التزوج بها (٣).
خلاصة القول في هذه المسألة:
إن الآية التي نهت عن موادة الكفار آية عامة، ولم يصرح فيها بالنص على عدم موادة الزوجة غير المسلمة، أما مسألة الزواج من الكتابية، وما
_________________
(١) سورة النساء آية (٢٤).
(٢) انظر تفسير المنار - رشيد رضا ج٦ ص١٦١ وانظر العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين د/ بدران أبو العينين بدران ص٥١.
(٣) انظر العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين د/ بدران أبو العينين بدران ص٥٢.
[ ٢ / ٧٥٢ ]
يترتب على ذلك فهذه مسألة فقهية خلافية، أشرنا إلى رأي الفريقين في ذلك وأدلتهم في هذا الموضوع ولكننا لا نجزم بالإباحة أو التحريم في هذه المسألة ولكن الذي يظهر من هذه المسألة أن الزواج بالكتابية مكروه في أقرب الأقوال إلى الاعتدال، وقد قال بكراهية الزواج بالكتابية كل من الحنفية والمالكية والشافعية وإن اختلفوا في درجة الكراهية من كراهية التنزيه إلى كراهية التحريم تبعًا إلى نوع الكتابية إذا كانت ذمية أو حربية مقيمة في دار الإسلام أو خارج دار الإسلام.
وخالفهم في ذلك الحنابلة فقالوا بجواز نكاح الكتابية مطلقًا بلا كراهية، وهو خلاف رأي الجمهور، ومخالف لما يفهم من قوله تعالى: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) (١) حيث فضل الله ﷿ المرأة المسلمة المؤمنة على الكافرة، ولا جدال في أن الزواج بالكتابية ليس على درجة الإباحة والمساواة بالنسبة إلى المرأة المسلمة ولهذا يترجح لدي أن الزواج بالكتابية مكروه في أفضل الاحتمالات، وإن كانت المسألة تدور رواء المصلحة والمفسدة، فإذا غلب على الظن أن الزواج بالكتابية فيه مصلحة شرعية في حق الزوج أو حق الزوجة أو حق المسلمين عامة فهو مباح وقد يكون ممدوحًا، وإذا ترتب على الزواج أو غلب على الظن أن هذا الزواج فيه مضرة على المسلم في دينه ودين أولاده، وعلى المسلمين من حوله فإنه محرم لما يترتب عليه من مفاسد، حيث إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح (٢).
ويرى القائلون بجواز نكاح نساء أهل الكتاب، إن نكاحهن من قبل المسلم الملتزم بالإسلام قولًا وعملًا، لا يترتب عليه موالاة للكفار بالصورة المنهي عنها شرعًا وذلك لعدة أسباب هي كما يلي:
_________________
(١) سورة البقرة آية (٢٢١).
(٢) انظر كتاب الفقه على المذاهب الأربعة/ عبد الرحمن الجزيري ج٤ ص٧٦ - ٧٧، وانظر تفسير الطبري ج٢ ص٢٢١ - ٢٢٤ وانظر تفسير القرطبي ج٣، ص٦٩ - ٧٢، وانظر العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين د/ بدران أبو العينين بدران ص٦٥.
[ ٢ / ٧٥٣ ]
١ - إن الزوجة الكتابية هي بمثابة ذوي القرابة من غير المسلمين كالوالدين ونحوهما، فإن الله ﷿ أمر بمصاحبة الوالدين إذا كانا غير مسلمين بالمعروف قال تعالى: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) (١) والزوجة تنزل منزلة هؤلاء فمهما كانت درجة البر بالزوجة الكتابية فإنها لن تصل إلى مرتبة البر بالوالدين اللذين يشتركان معها في الكفر والقرابة.
٢ - إن البر بالكفار سواء كانوا ذوي قرابة كالوالدين أو الزوجة أو غيرهم من الكفار، لا يعني ذلك مودتهم في القلب من كل وجه، ولا يعني أن يتنازل عن شيء من أحكام الإسلام مهما صغر طلبًا لرضاهم واستجلابًا لمودتهم، فالولاء للإسلام أعظم منزلة من منزلة البر وحسن الصحبة للكفار، ولذلك يضحي المسلم بذوي القرابة والنسب من الكفار عندما تصطدم مطالبهم مع مطالب العقيدة الإسلامية أو تتعارض معها وقد سبق أن ذكرنا نماذج من ذلك فيما سلف (٢). وعلى هذا فلا موالاة للكفار في مصاحبة الزوجة أو الوالدين من غير المسلمين بالبر والمعروف. لأن الموالاة للكفار مطلقًا، إنما تكون بمساواتهم مع المؤمنين أو تنزيلهم منزلة أقرب من منزلة أهل الإسلام أو التنازل عن شيء من أحكام الإسلام استجلابًا لمودتهم وحصول رضاهم. وهذا غير واقع من المسلمين الملتزمين بالإسلام، الذين يجعلون حب الله ورسوله والمؤمنين مقدمًا على كل ما عدا ذلك من صلات القرابة والنسب والمنافع الأخرى، فلا يقدمون شيئًا على مراد الله ورسوله، مهما كانت منزلته ومكانته في نفوسهم.
فالمؤمن يصير حبه فيما يرضي مولاه، وإن كان مخالفًا لهواه، ويكون بغضه لما يكرهه مولاه، وإن كان موافقًا لهواه، قال تعالى عن يوسف
_________________
(١) سورة لقمان آية (١٥).
(٢) انظر ص٣٢ - ٣٣ من هذه الرسالة.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
(﵇): (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) (١) مع أن الجماع شيء محبب إلى النفس قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) (٢) ولكن الجماع لما كان بطريق يبغضه الله ويغضب على فاعله بهذا الوصف تركه (٣).
٣ - إن النساء اللاتي يتزوجن بالمسلمين لا يقعن تحت مفهوم من يحاد الله ورسوله في قوله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (٤) نظرًا لضعفهن وقصورهن وتبعيتهن للأزواج في ذلك قال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (٥) فقد ذكر جماعة من المفسرين إن المراد بهذه الآية النساء والصبيان، فإن برهم وصلتهم غير محرمة ما داموا بهذا الوصف وإنما المنهي عن موالاتهم هم الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (٦).
ومعلوم قطعًا أن المرأة التي رضيت بالزواج من المسلم ودخلت تحت ولايته وإن كانت كتابية فهي غير داخلة تحت من لا تصح موالاتهم في هذه الآية.
٤ - إن المسلم الملتزم بالإسلام لا يمكنه التسامح فيما يخرجه هو وأولاده
_________________
(١) سورة يوسف (٣٣).
(٢) سورة آل عمران آية (١٤).
(٣) انظر لطائف المعارف/ تأليف عبد الرحمن بن رجب الحنبلي، ص١٦١.
(٤) سورة المجادلة آية (٢٢).
(٥) انظر أحكام القرآن لابن العربي ج٤ ص١٧٧٣. وانظر زاد المسير في علم التفسير/ عبد الرحمن بن الجوزي ج٨ص٢٣٧ وانظر تفسير الطبري ج٢٨ ص٤٣ - وانظر تفسير القرطبي ج١٨ص٥٩ وانظر مختصر تفسير ابن كثير محمد علي الصابوني م٣ ص٤٨٤.
(٦) سورة الممتحنة آية (٩).
[ ٢ / ٧٥٥ ]
عن الإسلام ولذلك فإن زوجته وإن كانت غير مسلمة، فهي غير قادرة في الغالب والعادة على أن تؤثر على عقيدته وعقيدة أولاده، نظرًا لما للرجل من قوة الإرادة وحق القيومية على المرأة، ولذلك جعل الإسلام أمر ضمان سلامة الرجل وسلامة أولاده من الانحراف موكولًا إلى عناية الله وتوفيقه، أولًا، وثانيًا إلى قوة الرجل وصلابة إيمانه وشدة غيرته على محارم الله.
ولكن الأمر قد تغير اليوم بالنسبة للذين يتزوجون بالكتابيات حيث إن معظمهم ليسوا ملتزمين بالإسلام، وهذا يدل على عدم أهليتهم من الناحية الإسلامية، أن يكونوا أزواجًا لنساء مسلمات، فضلًا عن نساء كافرات فمعظم الذين يتزوجون بالكافرات في هذا العصر إنما يتخذون قرار الزواج بعد سلسلة من الوقاع المحرم واللقاءات غير الشرعية، مضافًا إلى ذلك ترك الصلاة وشرب المحرمات. فهم من أجل ذلك كله وغيره لا يمثلون الصورة الإسلامية في الزواج من الكتابية، كما أن النساء الكافرات اللاتي يتزوج بهن بعض أدعياء الإسلام لسن كتابيات بالمعنى الصحيح، فهن لا يؤمن بالكنيسة ومعتقداتها وسلطتها، كما أن معظمهن غير محصنات بسبب التسيب في العلاقات الاجتماعية عند الكفار، مما يفقد المرأة الكافرة صحة العقد عليها من قبل المسلم، لأن الإسلام اشترط على قول من يقول بجواز النكاح بالكتابيات، شروطًا: الأول أن تكون كتابية، ومن لا تؤمن بكتاب لا ينطبق عليها هذا الوصف كما هو شأن كثير من نساء الغرب، والشرط الثاني الإحصان، وهذا الشرط يكاد يكون معدومًا عند كثير من النساء الكافرات. نظرًا إلى أن قضية العرض قضية شخصية خاصة، لا دخل لها في ميزان الجرح والتعديل لديهم، وانعدام هذين الشرطين يجعل الزواج بالكتابية باطلًا باتفاق المسلمين وبنص القرآن الكريم على ذلك (١).
وقد فشل معظم المتزوجين بالكتابيات فشلًا ذريعًا في هذا العصر
_________________
(١) انظر مجلة الدعوة السعودية عدد ٨١٢ الاثنين ٩/ ١١/١٤٠١هـ ص٢٤ - ٢٥.
[ ٢ / ٧٥٦ ]
حيث انسلخ معظمهم من دين الإسلام، بعد أن قضت زوجته الكافرة على البقية الباقية من التصور الإسلامي لديه، كما أن معظم النساء الكافرات سيطرت على الرجل في مسألة الأبناء في ديانتهم وحتى تسميتهم ووجدت من القوانين الجاهلية والنظم الوضعية ما يحميها ويقف معها ضد حق الرجل وولايته على أولاده.
فالزواج من الكتابيات في هذا العصر قد ثبت ضرره نظرًا إلى أن الذين يتزوجون بالكتابيات مسلمون مزيفون، وقد ترتب على ذلك مفاسد كثيرة، نظرًا إلى أن معظم الدول الكافرة لا تعترف بأحكام الإسلام، فيما يتعلق بالزواج والطلاق وولاية الأولاد، وقد واجه هذه المشكلة بشكل واسع معظم المبتعثين الذين تزوجوا بأمريكا وأوروبا، وعندما أرادوا العودة إلى بلادهم امتنعت زوجاتهم من المجيء معهم، واحتفظت بأبنائها معها ووقف القضاء بتلك الدول مع النساء الكافرات، ونذكر مثلًا واحدًا يصور تلك المأساة التي يقع فيها بعض المبتعثين من الدول الإسلامية.
فقد ابتعثت شركة أرامكو أحد موظفيها السعوديين واسمه (هزاع) إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتعرف هزاع على فتاة أمريكية ثم تزوجها وولدت له ابنًا أسمته (هنري بن هزاع) وابنة أسمتها (لينا بنت هزاع) وعندما أراد العودة إلى بلده رفضت الزوجة المجيء معه وتمسكت بأبنائها ووقف القضاء معها، وعاد (هزاع) بخفي حنين مخلفًا وراءه هنري ولينا بالولايات المتحدة الأمريكية (١).
فهل مثل هذا الزواج يعتبر موفقًا؟ وهل تبيح الشريعة الإسلامية مثل هذا الزواج الذي تسقط فيه قيومية الرجل حتى في اختيار الأسماء لأبنائه وبناته؟
_________________
(١) انظر جريدة الرياض عدد (٤٩٥٤) السنة السابعة عشرة السبت ٢٦/ ١٢/١٤٠١هـ ص٢٤ العمود الأخير.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
وبعد هذا الاستعراض المفصل لموضوع الزواج بالكتابيات فإني لا أستطيع القول بإباحة هذا الأمر أو منعه، ولكنني أرى طرح هذا الموضوع أمام المجتهدين من العلماء ليروا فيه رأيًا نهائيًا، وفي حالة ترجيح الزواج بالكتابيات عليهم أن يضعوا شروطًا تفصيلية في حق الزوج والزوجة تقضي على التسيب الحاصل من الزواج بالكافرات في عصرنا الحاضر، ولكي لا تستغل أحكام الإسلام من قبل أناس هم أبعد الناس عن الإسلام وعن أهل الكتاب على حد سواء (١).
أما مسألة تزويج المرأة المسلمة بالرجل الكافر فقد حال الإسلام بين المرأة المسلمة وبين زواجها من غير المسلم، نظرًا إلى أن المرأة في غالب أحوالها ضعيفة الإرادة أمام زوجها، فيخشى عليها أن تطيعه في معصية الله أو أن توافقه في الردة عن دين الله، أو أن تواليه على ما يغضب الله، فلذلك منع الإسلام زواج المسلمة بغير المسلم، وأباح زواج المسلم بالكتابية على قول من قال بذلك مع بعض التحفظات على هذا الزواج (٢).
وبحكم الشرع الإسلامي يستحيل على المسلمة الزواج بغير المسلم (٣) ولم يرد قط حدوث حادثة تدل على الخروج على هذه القاعة طيلة قرون مضت (٤).
إلا أن أعداء الإسلام بجهودهم التنصيرية المركزة يحاولون كسر هذا الحاجز عن طريق بعض ضعاف الإيمان، أو من ينتسبون إلى الإسلام اسمًا لا حقيقة، وهم في مفهوم الإسلام الصحيح وفي واقع حالهم مرتدون خارجون عن الإسلام.
_________________
(١) انظر مجلة المسلمون العدد الخامس الجمعة ١ صفر ١٤٠٢هـ ص٦٠ - ٦١.
(٢) انظر كتاب الفقه على المذاهب الأربعة/ عبد الرحمن الجزيري ج٤ ص٧٦ - ٧٧.
(٣) انظر الدرر النسية ج٦ ص٣٣٤.
(٤) انظر أهل الذمة في الإسلام د/أ. س ترتون - ترجمة د/ حسن حبشي ص٢١٨.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
فقد ذكر أن هناك ست حالات وقعت من هذا القبيل في جزر القمر تحت وطأة الفقر والجهل والإغراء المادي وفي ظل سلطة لا تطبق أحكام الإسلام (١) وحصل مثل ذلك في أندونيسيا والفلبين، وبعض الدول الأفريقية، وهذا التصرف الفردي لا يضير الإسلام بقدر ما يأثم الفاعل في نفسه لأن الدولة الإسلامية الحقة غائبة عن التصدي لمثل هذه الأمور.
ومن قبيل زواج المسلمة بالكافر ما يقع فيه بعض المسلمين في العصر الحاضر حين يزوجون نساءهم لأشخاص يعتنقون مبادئ وينتمون إلى أحزاب خارجة عن الإسلام، توجب كفر من ينتمي إليها أو يعتقد اعتقاداتها كحال الذين يعتنقون الشيوعية أو ينتمون إلى أحزابها أو يوالونها على كفرها ومثل ذلك من ينتمي إلى حزب البعث أو الأحزاب الاشتراكية، فهؤلاء لا يجوز نكاحهم للنساء المسلمات ابتداء لأنهم غير مسلمين، كما لا يجوز بقاء النساء المسلمات في عصمتهم بعد اعتناقهم لتلك المبادئ الكافرة التي توجب كفر من يعتقدها أو يتبعها أو يدعو إليها، لأن كل من خرج من حزب الله دخل في حزب الشيطان بلا جدال، قال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (٢).
وقد ذكرنا جواب لجنة الفتوى بالأزهر حول زواج المسلمة بالشيوعي وأنه زواج باطل (٣). ويقاس على تلك الحال جميع الانتماءات والاعتقادات التي توجب كفر صاحبها وردته عن الإسلام أما إذا أسلمت المرأة وهي في عصمة رجل كافر سواء كان يهوديًا أو بعثيًا أو نصرانيًا أو اشتراكيًا أو شيوعيًا أو وثنيًا، فإن كان ذلك قبل الدخول بها فمذهب جمهور العلماء من الفقهاء أن الفرقة تقع بينهما في الحال، أما إن كان إسلام المرأة بعد الدخول بها فقال بعض العلماء: إن أسلم في عدتها فهي على نكاحها، وإن لم يسلم
_________________
(١) انظر المجتمع عدد (٤٨٠) السنة الحادية عشرة في ٢٨/ ٦/١٤٠٠هـ. ص٢١ - ٢٢.
(٢) سورة آل عمران آية (٨٥).
(٣) انظر ص٤٥٦، من هذه الرسالة.
[ ٢ / ٧٥٩ ]
حتى انقضت العدة، فقد بانت منه، وهناك رأي آخر وهو أن المرأة إذا أسلمت تخير بين طلب الفرقة أو انتظار إسلام الزوج وإن طالت المدة وهو الأرجح (١). ولكن لا يلزمها خلال العدة الانتظار والبقاء مع الزوج الكافر عملًا بقوله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (٢).
أما إن أسلم الزوج ولم تسلم المرأة، فإنه يعرض على المرأة الإسلام فإن أسلمت في العدة بقيا على نكاحهما وإن أبت انفسخ النكاح ساعة إبائها سواء كان ذلك قبل الدخول بها أو بعده، وهذا إذا كانت الزوجة مشركة وثنية، أو كانت كتابية على قول من يقول بعدم صحة الزواج بالكتابيات للمسلمين كما تقدم قريبًا (٣)، أما من يرى جواز نكاح الكتابيات للمسلمين فإنه لا يوجب مفارقة الكتابية لزوجها المسلم (٤).
والله الهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) انظر أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج١ ص٣٢١ - ٣٤٥. وانظر كتاب الكافي في فقه أهل المدينة المالكي/ يوسف بن عبد الله القرطبي، ج٢ ص٥٤٩ - ٥٥٠.
(٢) سورة النساء آية (١٤١).
(٣) انظر ص٧٠٠ - ٧٠٣، من هذه الرسالة.
(٤) انظر ص٧٠٣ - ٧١٠، من هذه الرسالة.
[ ٢ / ٧٦٠ ]
المبحث الثالث: موالاة الكفار في الشئون الاقتصادية
وتحت ذلك خمسة أمثلة هي كما يلي:-
١ - المثال الأول: إباحة التعامل بالربا مع الكفار ومن أجلهم.
٢ - المثال الثاني: إعطاء المساعدات المالية للكفار.
٣ - المثال الثالث: تمكين الكفار من استغلال أموال المسلمين.
٤ - المثال الرابع: تمكين الكفار من الوظائف الهامة في البلاد الإسلامية.
٥ - المثال الخامس: توريث الكفار والنفقة عليهم من أهل الإسلام.
[ ٢ / ٧٦١ ]
المثال الأول: إباحة التعامل بالربا مع الكفار ومن أجلهم
لقد أباح الإسلام التعامل التجاري مع الكفار سواء كان الكفار في داخل الدولة الإسلامية أم خارجها ولكن ذلك التعامل معهم مشروط بشروط ومقيد بقيود، تجعل التعامل معهم ضمن ضوابط معينة تحقق المصلحة للمسلمين دون أن تكون بابًا للشر عليهم، ومن التعامل التجاري مع الكفار في داخل الدولة الإسلامية ما كان يجري بين المسلمين في المدينة وبين اليهود وغيرهم من المشركين من تعامل تجاري فقد كان سبب إجلاء بني قينقاع أن امرأة من المسلمين قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ يهودي لتشتري منه فربط ذلك اليهودي طرف ثوبها إلى ظهرها فلما قامت انكشفت عورتها، فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ اليهودي فقتله، وقام اليهود على المسلم فقتلوه، ثم اشتد الأمر بينهما، حتى حاصرهم رسول الله - ﷺ - وأجلاهم عن المدينة (١).
_________________
(١) انظر تهذيب سيرة ابن هشام/ عبد السلام هارون ص١٧٤ - ١٧٥.
[ ٢ / ٧٦٣ ]
وقد سأل مهنا بن يحيى الشامي وهو فقيه عالم: الإمام أحمد بن حنبل عن البيع والشراء مع الكفار فأجابه بأنه لا بأس في ذلك (١)، وقد كانت هناك أسواق في مكة وكان المسلمون يشهدونها وشهد بعضها النبي - ﷺ - ومن هذه الأسواق ما كان في موسم الحج من تجارات مختلفة هذا فيما يتعلق بالتعامل التجاري مع الكفار داخل دار الإسلام والمسلمين أما التعامل التجاري مع الكفار في دار الحرب فهو جائز حيث كان ذلك مقررًا من قبل الرسول - ﷺ - فقد كانت تجارة عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف (﵄) ذاهبة وآيبة بين الشام والمدينة وكانت الشام دار حرب على الإسلام والمسلمين، فالسفر إلى بلاد الكفار لغرض التجارة، مع حفظ العبد لدينه، وقدرته على إظهار دينه أمر لا مانع منه عند توفر الأسباب الداعية إلى ذلك وانتفاء الموانع التي يخشى منها على دين الإنسان ونفسه وماله (٢). ولا شك أن أسواق الكفار تشتمل على المعصية، أو ما يستعان به على المعصية فإن وجد الإنسان من نفسه القدرة على الامتناع عن مفاسدهم ومجانبة باطلهم جاز له السفر وإلا كان السفر في حقه محرمًا، عند ضعف القدرة عن مقاومة الإغراءات ووسائل الفساد في المجتمع الكافر عملًا بالحديث الشريف «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٣) ومن دخل دار الحرب من المسلمين وهو مبعوث لرسالة أو تاجر، أو طالب معرفة لديهم، بأمان منهم فخيانتهم محرمة عليه، لأنهم إنما أعطوه الأمان مقابل ترك خيانتهم، وعدم الاعتداء على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم (٤).
_________________
(١) انظر اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم/ ابن تيمية ص٢٣٠ - ٢٣٢. وانظر أحكام أهل الذمة ج١ ص٢٧٠.
(٢) انظر اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم/ ابن تيمية ص٢٣٠ - ٢٣٢. وانظر نيل الأوطار للشوكاني ج٨، ص٢٢١.
(٣) رواه النسائي والترمذي، وقال حديث حسن صحيح. انظر جامع العلوم والحكم/ عبد الرحمن بن شهاب الحنبلي ص١٠١.
(٤) انظر الفتاوى السعدية/ ابن سعدي ج١ ص٩٧.
[ ٢ / ٧٦٤ ]
ولا يجوز للمسلم الذي يحمل التجارة إلى دار الحرب، أن يحمل لهم ما يستعينون به على منكر لديهم، فلا يجوز حمل عنب أو تمر أو شعير يتخذونه خمرًا، وكذلك لا يجوز أن يبيعهم سلاحًا يقاتلون به مسلمًا. أما بيعهم ما هو مأكول وملبوس ومركوب مما هو مباح لنا ولهم فهو جائز (١).
وأهل الذمة وأهل العهد، إذا زاولوا التجارة في دار الإسلام فإن للحاكم المسلم الخيار بين أخذ العشر أو نصف العشر أو أكثر من ذلك أو أقل أو أن يسمح لهم ويعفيهم من أي التزام مالي، أو يعفي بعض البضائع دون بعض، وذلك لما يراه في صالح الإسلام والمسلمين، فهذه الأمور مبنية على رعاية المصلحة العامة للمسلمين في دار الإسلام، وتخضع للسياسة الشرعية المتمشية مع مصلحة الأمة وسلامتها (٢).
أما حكم التعامل معهم وأخذ نقودهم وهم قد يكسبونها عن طريق الربا أو القمار أو الفواحش أو ما إلى ذلك.
فجمهور العلماء على جواز التعامل معهم، وإن كانت مصادر أموالهم محرمة لاقتحامهم ما حرم الله، فقد دل الدليل على ذلك من الكتاب والسنة قال تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) (٣). وهذا نص في حل طعامهم مع أنه قد يدخل عليهم بطرق محرمة، وعامل النبي - ﷺ - أهل الكتاب وأقر التعامل معهم في مناسبات شتى، وقد رجح القرطبي ذلك (٤).
أما التعامل معهم بالربا في خارج دار الإسلام أو السماح لهم بالتعامل بالربا مع المسلمين أو بين بعضهم البعض في دار الإسلام فلا يجوز قولًا واحدًا للأدلة القطعية المتواترة من الكتاب والسنة (٥). لأن الله ﷿ إذا
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم - ابن تيمية ص٢٣٠ - ٢٣٢.
(٢) انظر أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج١ ص١٤٩ - ١٧٥.
(٣) سورة المائدة آية (٥).
(٤) انظر تفسير القرطبي ج٦ ص١٢ - ١٣.
(٥) انظر المغني والشرح الكبير ج١٠ ص٥١٥.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
حرام على المسلم أمرًا، فإنه لا يجوز أن يستحل هذا المحرم في أي زمان أو مكان إلا ما ورد الشرع بتخصيصه كالميتة ونحوها، ذلك أن تحريم هذه المحرمات أمر مطلق، فلا يجوز للإنسان أن يتعلل باستباحته للمحرم أنه موجود في مجتمع كافر لا حرمة له، فقد كان المسلمون يعيشون مع كفار قريش في مكة، واليهود في المدينة ومع ذلك لم يقع منهم تعامل مع هؤلاء الكفار، في الربا أو القمار أو نحو ذلك (١).
والربا والقمار حكمهما كحكم الزنا، وقد وردت الآيات الدالة على تحريم الزنا مطلقة من غير تخصيص على تحريم الزنا بالمسلمات فقط (٢). ويقول الإمام الشافعي (﵀): «الإسلام ملزم للمسلم حيثما كان بوجوب تطبيق أحكامه وأداء فرائضه من عبادات وواجبات وهي لا تسقط إذا كان في بلاد الكفار أو غيرها من الديار، ما دام حيًا عاقلًا مختارًا» (٣).
وقد كتب رسول الله - ﷺ - إلى مجوس هجر «إما أن تذروا الربا أو تأذنوا بحرب من الله ورسوله» (٤) وفي هذا الوعيد ما يدل على أنه لا يجوز لأهل الذمة وأهل العهد التعامل بالربا ونحوه من المحرمات في جميع الشرائع فلا وجه لما يتعلل به بعض المهزومين في عقيدتهم وأخلاقهم من أن السماح في بعض المحرمات إنما هو لوجود فئة من أهل الذمة وأهل العهد من غير المسلمين، كما تفعل ذلك بعض المؤسسات الاقتصادية العاملة في بعض البلاد الإسلامية حيث تتعامل بالربا بصورة ظاهرة وخفية، وتعلن الحرب على الله ورسوله والمؤمنين وهي بذلك تخرج على شريعة الله وتخالف أمره، ومن حارب الله فقد هزم قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ
_________________
(١) المصدر السابق، ص٥١٥.
(٢) انظر الخراج لأبي يوسف ص١٨٩.
(٣) انظر الحرب والسلم في شريعة الإسلام د/ مجيد خدوري ص١٩٩.
(٤) انظر أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام د/ عبد الكريم زيدان ص١١٠.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) (١). فوجود غير المسلمين في بلاد الإسلام لا يبرر إباحة الربا بأي وجه من الوجوه في البلاد الإسلامية.
أما مشاركة المسلم لغير المسلم في تجارة ونحوها، فإن الشافعية يكرهون مشاركة المسلم لغير المسلم في المعاملات المالية، لما روي عن ابن عباس (﵄) قال: «لا تشاركن يهوديًا ولا نصرانيًا ولا مجوسيًا، لأنهم يربون والربا لا يحل» (٢).
وقال الحنابلة تجوز المشاركة بشرط أن لا يخلو غير المسلم بالمال دون المسلم، لأن غير المسلم يعمل بالربا، فإذا تولى المسلم العدل تصرفات الشركة بنفسه زال المحذور فتجوز المشاركة حينئذ بهذا الشرط (٣). وطائفة الكفار المحاربين الممتنعين ينصر بعضهم بعضًا فهم كالشخص الواحد لذا فإنه يجوز للحاكم أن يشترط عليهم عند دخولهم إلى بلاد الإسلام أن لا يأخذوا للمسلمين شيئًا، وما أخذوا بطريقة غير مشروعة يكونون ضامنين له، والمضمون يؤخذ من أموال التجار المحاربين عامة كما فعل النبي - ﷺ - مع الأسير العقيلي حين قال: «يا محمد، علام أوخذ فقال بجريرة خلفائك من ثقيف» وأسره النبي - ﷺ - وحبسه لينال بذلك من حلفائه مقصوده.
ولو أسرنا حربيًا قادمًا إلى دار الإسلام لأي غرض بقصد تخليص من أسٍروه منا جاز ذلك باتفاق المسلمين (٤). ولنا أن نحبسه حتى يردوا أسيرنا ولو اخذنا مال حربي حتى يردوا علينا ما أخذوه لمسلم جاز ذلك إذ اشترط عليهم الإمام ذلك عقد الأمان عند الدخول (٥).
_________________
(١) سورة البقرة آية (٢٧٨، ٢٧٩).
(٢) المصدر السابق ص٥٥٥. رقم (٢).
(٣) انظر المغني ج٥ ص٣ - ٤.
(٤) انظر مختصر الفتاوى المصرية/ ابن تيمية ص٥١٦.
(٥) المصدر السابق نفس المكان.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
وبناء على ذلك إذا قام الكفار المحاربون بالتضييق على المسلمين لديهم، فيجوز للمسلمين معاملة الكفار المستأمنين بمثل ما يعامل به المسلمون في بلاد الكفار عملًا بقوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) (١) ولكن هذه المعاملة ليست مطلقة من كل وجه، فقد يتعامل الكفار مع المسلمين في دار الكفر بأنواع من الظلم، ولا مجاراة في الظلم وهذا ما يؤكد أن مصدر حقوق الأجنبي في دار الإسلام هي الشريعة الإسلامية وما تمثله من أخلاق كريمة ومثل عليا (٢).
أما أهل الذمة فلا يجوز أخذهم بجريرة غيرهم من الكفار ما لم يتواطئوا مع أهل الحرب وتثبت خيانتهم، فعند ذلك يجوز معاقبتهم بجريمة خيانتهم، كما فعل النبي - ﷺ - مع بني قريظة عندما انحازوا إلى الأحزاب وظاهروهم على المسلمين (٣). قال تعالى: (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا) (٤).
ونستنتج مما تقدم أنه محرم على المسلمين أفرادًا وحكومات أن يتعاملوا بالربا سواء فيما بينهم أو مع البنوك الأجنبية في بلادهم حيث إن الأصل هو عدم السماح لأي مصرف في البلاد الإسلامية أن يتعامل بالربا على أي شكل من الأشكال، كما أن تعامل الأفراد أو الدول بالربا مع البنوك الربوية خارج البلاد الإسلامية أمر محرم لا يجوز، لأن الواجبات والمحرمات لا تسقط عن المسلم في أي مكان كان ما دام عاقلًا مختارًا (٥).
وعلى هذا فإن الذين يمنحون التصاريح المتعددة للبنوك الربوية التي
_________________
(١) سورة النحل آية (١٢٦).
(٢) انظر أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام. د/ عبد الكريم زيدان ص٧٤.
(٣) انظر تهذيب سيرة ابن هشام ص٢٢٥ - ٢٣٥.
(٤) سورة الأحزاب آية (٢٦).
(٥) انظر الحرب والسلم في شرعة الإسلام د/ مجيد خدوري ص١٩٩.
[ ٢ / ٧٦٨ ]
ملأت كل مدينة وقرية وكل منعطف وشارع، موالين لأعداء الله، محاربين لله ورسوله والمؤمنين بأعمالهم، وإن نافقوا بأقوالهم، وادعوا أنهم مسلمين فإن المسلم الحقيقي هو الذي يقف عند حدود الله، فلا يحل ما حرم الله من أنواع الربا، فمن استحل التعامل بالربا فقد خرج من الإسلام. قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (١).
_________________
(١) سورة المائدة آية (٤٤).
[ ٢ / ٧٦٩ ]
المثال الثاني: إعطاء المساعدات المالية للكفار
تختلف صلة المسلمين بالكفار تبعًا لاختلاف موقفهم من الإسلام ومكان وجودهم من المسلمين فإن كانوا من أهل الذمة والعهد فلهم حقوق خاصة على المسلمين وإن كانوا من الكفار المحاربين الذين يسكنون خارج دار الإسلام فلهم طريقة خاصة في المعاملة تتناسب وحالهم، وإن كانوا من الكفار المسالمين القاطنين خارج دار الإسلام فلهم معاملة خاصة بهم، وبناء على هذا التقسيم يمكن أن تتنوع أنواع المساعدات وتختلف باختلاف أصناف الكفار الذين تتعامل معهم الدولة الإسلامية.
إن الأصل الذي يجب أن تهتم به الدولة الإسلامية في قضية المساعدات المالية هم أهل الإسلام، فإن الصدقة الواجبة على أفراد المسلمين من زكاة الأموال وزكاة البدن ونحوهما إنما تجب لفقراء المسلمين على أغنيائهم كما في حديث معاذ (﵁) الذي ورد فيه «فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على
[ ٢ / ٧٧٠ ]
فقرائهم» (١)، وقد روي عن جرير بن عبد الحميد عن الليث عن مجاهد قال «لا تتصدق على اليهودي ولا النصراني، إلا أن تجد مسلمًا» (٢). وعلى هذا فإنه لا يجوز إعطاء الكفار من أنواع البر والصدقة إلا بعد كفاية المسلمين، والكفار يمكن تقسيمهم إلى ثلاث فئات:
(أ) أهل عهد وذمة.
(ب) كفار مسالمون.
(ج) كفار محاربون.
وإعطاء الكفار من المال هل يكون من الزكاة، أو من غيرها؟ فهذه المسائل تحتاج إلى توضيح مفصل، يوضح كل مسألة بمفردها على النحو التالي:
المسألة الأولى: حكم إعطاء المال لأهل الذمة والعهد.
يجوز إعطاء الذمي والمستأمن من بيت مال المسلمين إذا رأى الحاكم الشرعي أن ذلك في مصلحة الإسلام والمسلمين، وأن ذلك مما يقتضيه الواجب الإسلامي بمقتضى عقد الذمة والعهد، كما يجوز للأفراد إعطاء قراباتهم من الكفار عند الحاجة إلى ذلك.
فقد روي عن ابن عباس (﵄) أنه قال كان المسلمون لا يرضخون لقراباتهم من المشركين (٣). فنزلت (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) (٤)، وقد سار على
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم - انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين ج٢ ص٧٩٠ - ٧٩١ رقم الحديث (١٠٧٧).
(٢) انظر كتاب الأموال لأبي عبيد ج٤ ص٢٢٧.
(٣) انظر تفسير القرطبي ج٣ ص٣٣٧.
(٤) سورة البقرة آية (٢٧٢).
[ ٢ / ٧٧١ ]
ذلك النبي - ﷺ - فقد ذكر النقاش أن النبي - ﷺ - أتى بصدقات فجاءه يهودي فقال: أعطني فقال النبي - ﷺ - «ليس لك من صدقة المسلمين شيء» فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت: هذه الآية فدعاه النبي - ﷺ - فأعطاه (١).
وقد وجد عمر بن الخطاب (﵁) شيخًا من اليهود يسأل الناس، فقال: ما أنصفناك، إن كنا أخذنا منك الجزية في شيبتك ثم ضيعناك في كبرك! قال: ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه (٢). وفعل مثل ذلك عمر بن عبد العزيز (﵁) (٣). ولهذا قال أبو عبيد في كتاب الأموال: لو علم عمر أن فيها سنة مؤقتة من رسول الله - ﷺ - ما تعداها إلى غيرها (٤). وفي صلح خالد بن الوليد مع أهل الحيرة في زمن أبي بكر الصديق (﵁) قد سجل لهم ما يلي:
«وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيًا فافتقر، وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت عنه جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين ما أقام بدار الهجرة والإسلام» (٥).
وقد صرح المالكية بأن دفع الضرر عن المسلمين ومن في حكمهم من أهل الذمة والمستأمنين فرض كفاية حيث نظروا إلى وجوب الإحسان والعدل مع كل إنسان ترفرف فوق رأسه راية الإسلام، مسلمًا كان، أو مذعنًا لأحكام الإسلام في الدولة الإسلامية (٦).
المسألة الثانية: حكم مساعدة الكفار بالمال خارج الدولة الإسلامية.
_________________
(١) انظر الصحيح المسند من أسباب النزول/ مقبل بن هادي الوادعي ص٢٣.
(٢) تفسير القرطبي ج٣ ص٣٣٧.
(٣) انظر الخراج لأبي يوسف ص١٤٤. وانظر أحكام أهل الذمة لابن قيم الجوزية ص٣٨ ج١.
(٤) انظر كتاب الأموال لأبي عبيد ص٤٤ - ٤٦.
(٥) انظر كتاب الخراج لأبي يوسف ص١٤٤.
(٦) انظر حاشية الدسوقي ج٢ ص١٥٥.
[ ٢ / ٧٧٢ ]
الأصل في هذه المسألة أنه لا يجوز إعطاء الكفار من أهل الحرب وما دونهم مساعدات مالية أو عينية، إلا لغرض يراد به صالح الإسلام والمسلمين، فبذل المال للكفار بلا هدف أو غاية سامية شرعية أمر لا يجوز لأنه حينئذ يدخل في مجال التبذير في أقل الأحوال والله ﷿ قد ذم المبذرين وعدهم إخوان الشياطين وبالرجوع إلى الكتاب والسنة نجد أن هناك أدلة تبيح بذل المال للكفار عند تأليف قلوبهم على الإسلام قال الله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) (١)، ولم يرد ذكر للمؤلفة قلوبهم فيما عدا هذه الآية وقد اختلف المفسرون في المراد بالمؤلفة قلوبهم على أقوال منها ما يلي:
أولًا: إن المراد بالمؤلفة قلوبهم قوم كانوا في صدر الإسلام ممن يظهر الإسلام يُتألفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم (٢).
ثانيًا: قال الزهري: إن المؤلفة قلوبهم من أسلم من يهودي أو نصراني وإن كان غنيًا (٣).
ثالثًا: قال بعض المتأخرين: إنهم صنف من الكفار يعطون ليتألفوا على الإسلام، وكانوا لا يسلمون بالقهر والسيف، ولكن يسلمون بالعطاء والإحسان (٤).
رابعًا: قال بعض العلماء هم قوم أسلموا في الظاهر ولم تستيقن قلوبهم، فيعطون ليتمكن الإسلام في صدورهم (٥).
خامسًا: قال جماعة إن المؤلفة قلوبهم هم قوم من عظماء المشركين
_________________
(١) سورة التوبة آية (٦٠).
(٢) انظر تفسير القرطبي ج٨ ص١٧٨.
(٣) انظر تفسير القرطبي ج٨ ص١٧٨.
(٤) انظر تفسير القرطبي ج٨ ص١٧٩.
(٥) المصدر السابق المكان نفسه.
[ ٢ / ٧٧٣ ]
لهم أتباع، يعطون ليستدرجوا مع أتباعهم إلى الإسلام (١). وهذه الأقوال متقاربة، والقصد منها جميعًا، أن يكون الإعطاء لمن لا يتمكن إسلامه حقيقة إلا بالعطاء، فكأن ذلك ضرب من ضروب الجهاد، وقد أعطى النبي - ﷺ - عددًا منهم حديثي عهد بالإسلام على مائة من الإبل، وكانوا أشرافًا وحويطب بن عبد العزي، وصفوان بن أمية، ومالك بن عوف، والعلاء بن جارية، فسمي هؤلاء أصحاب المئين (٢).
وقد ورد في الحديث الصحيح «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليَّ منه، خشية أن يكب في النار على وجهه» (٣).
وفي كتاب الأموال عن سعيد بن المسيب (﵀) أنه قال: «إن رسول الله - ﷺ - تصدق بصدقة على أهل بيت من اليهود فهي تجري عليهم» (٤). وروى الإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة أن رسول الله - ﷺ - بعث إلى أهل مكة خمسمائة دينار لما قحطوا وأمر أن يدفع ذلك إلى أبي سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية قبل إسلامهما ليفرقاها على فقراء مكة فقبل ذلك أبو سفيان وأبو صفوان بن أمية، وكان أهل مكة في ذلك الوقت مشركين حربيين، فإذا صح ذلك في حقهم، فمن باب أولى أن يصح التصدق على الكفار المسالمين وأهل الذمة وأهل العهد لأنهم أولى بالرعاية والبر وخاصة من يقعون تحت مسئولية الدولة الإسلامية (٥).
وقد اختلف العلماء في بقاء العمل في إعطاء الكفار الذين يؤلفون على الإسلام على ثلاثة أقوال:
_________________
(١) المصدر السابق المكان نفسه. وانظر نيل الأوطار للشوكاني ج٤ ص٢٣٣ - ٢٣٤.
(٢) المصدر السابق المكان نفسه.
(٣) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج١ ص١٣٢ (كتاب الإيمان).
(٤) انظر كتاب الأموال لأبي عبيد ص٦١٣.
(٥) انظر أحكام الذميين والمستأمنين د/ عبد الكريم زيدان ص١٠٣. وانظر السير الكبير وشرحه ج١ص٦٩.
[ ٢ / ٧٧٤ ]
القول الأول: من قال بانقطاع هذا الصنف من الناس بعز الإسلام وظهوره فإن الله قد أعز الإسلام وأهله وقطع دابر الكافرين فلا يعطون، فأما الإسلام أو الجزية، أو القتال، وقد قال بذلك عمر بن الخطاب والحسن البصري والشعبي (١) وهو المشهور من مذهب مالك بن أنس وأصحاب الرأي وبذلك قال بعض علماء الحنفية حيث قالوا: اجتمع الصحابة رضوان الله عليهم في خلافة عمر (﵁) على سقوط سهم المؤلفة قلوبهم.
القول الثاني: قول جماعة من العلماء إن إعطاء المؤلفة قلوبهم باق، لأن الإمام ربما احتاج إلى ذلك في تأليف قلوب بعض الناس على الإسلام، وإنما قطعهم عمر (﵁) حين رأى عزَّ الإسلام، قال يونس سألت الزهري -محمد بن شهاب- عنهم فقال: لا أعلم ناسخًا في ذلك. وقال أبو جعفر النحاس: فعل هذا الحكم ثابت عند الحاجة إليه فإذا رأى الحاكم المسلم العدل أن أحدا يحتاج إلى تألفه، أو يخاف منه على المسلمين أن تلحق المسلمين منه آفة، أو يرجى أن يتحسن إسلامه بعد الدفع إليه دفع إليه.
وقد ذهب الشيخ عبد العزيز بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والإرشاد إلى القول بجواز مساعدة الفقراء من الرجال والنساء والأطفال مهما كانت جنسياتهم واعتقاداتهم بشرط أن لا يكونوا منتمين إلى دولة معادية الإسلام والمسلمين (٢). اهـ.
القول الثالث: إن الكفار، وحديثي العهد بالإسلام يعطون عند الحاجة إلى ذلك في بعض الأوقات وهو قول القاضي عبد الوهاب (٣). وقال
_________________
(١) هو عامر بن شراحيل الشعبي من شعب همدان وكنيته (أبو عمر) ولد سنة (١٩هـ) ونشأ بالكوفة وكان علامة أهل الكوفة، محدث، فقيه، حافظ، شاعر، اتصل بعبد الملك بن مروان واستقضاه عمر بن عبد العزيز، وتوفي فجأة سنة (١٠٤هـ) بالكوفة. له كتاب الكفاية في العبادة والطاعة. انظر معجم المؤلفين عمر رضا كحالة/ ج٥ ص٥٤.
(٢) انظر مجلة الدعوة السعودية عدد (٨٢٣) في ١١/ ٢/١٤٠٢ ص١٩.
(٣) انظر تفسير القرطبي ج٨ ص١٨١.
[ ٢ / ٧٧٥ ]
ابن العربي: إن قوي الإسلام زال العطاء لهم وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم كما كان رسول الله - ﷺ - يعطيهم فإن في الحديث: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء» (١).
وقد مر عمر بن الخطاب (﵁) عند مقدمه بالجابية من أرض دمشق بقوم مجذومين من النصارى، فأمر أن يعطوا من الصدقات وأن يجري عليهم القوت (٢).
فهذه الآثار تدل على جواز إعطاء الكفار مساعدات مالية عندما يرى الحاكم المسلم العدل أن ذلك من مصلحة الإسلام والمسلمين ومن مقتضيات السياسة الشرعية للدولة الإسلامية. ولكن اختلف العلماء هل يجوز إعطاؤهم من الزكاة أم من غيرها من بيت المال إذا كان العطاء على مستوى الدولة دون الأفراد؟
وخلاصة الخلاف في هذه المسألة كما يلي:
القول الأول: قول من يقول بجواز إعطائهم من الزكاة لأنهم داخلون في مسمى الفقراء والمساكين أو باعتبار أنهم جماعة من المؤلفة قلوبهم قال بذلك، زُفَر، والأباضية، ولكن اشترطوا لذلك شروطًا:
١ - منها عدم وجود المسلم المستحق لها.
٢ - تعذر إرسالها إلى الإمام الشرعي.
القول الثاني: وهو قول جمهور العلماء إن الزكاة بقسميها زكاة المال وزكاة البدن لا يجوز أن يدفع منها لكافر، سواء كان ذميًا أو مستأمنًا أو
_________________
(١) انظر أحكام القرآن لابن العربي/ ج٢ ص٩٥٤ وانظر الحديث في صحيح مسلم ج١ ص١٣٠ في كتاب الإيمان باب (٦٥).
(٢) تاريخ البلاذري ص١٧٧.
[ ٢ / ٧٧٦ ]
مسالمًا أو محاربًا، ودليل هؤلاء ما ورد من حديث معاذ (﵁) «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» (١). وما روي عن يحيى بن سعيد عن أشعث عن الحسن قال: «لا يعطى من الزكاة نصراني، ولا يهودي، ولا مجوسي» (٢) وعن عبد الرحمن بن سفيان عن إبراهيم بن مهاجر قال: قلت لإبراهيم النخعي: إن لنا أظارا (٣)، من اليهود والنصارى أما أتصدق عليهم؟ فقال أما من الزكاة فلا (٤) لأنها خالص مال المسلم فلا تخرج إلا لمسلم. وعن يزيد عن هشام عن الحسن قال: ليس لأهل الذمة في شيء من الواجب حق (٥). ولكن إذا أراد الرجل تصدق عليهم من غير ذلك، يعني يعطون من صدقة التطوع دون صدقة الفريضة.
قال أبو عبيد في كتاب الأموال: إنما كره العلماء إعطاءهم من الزكاة خاصة، لحديث معاذ المتقدم ذكره، حيث إنه الأصل في هذه المسألة (٦) وكل هذه الآثار تدل على المنع وهو ما ذهب إليه الجمهور من العلماء، إلا أن قلة منهم قالوا: يجوز دفع الزكاة إلى الكفار عند تحقق الشرطين المتقدمين، وهما عدم وجود المسلم المستحق لها، وتعذر إرسالها إلى بيت المال (٧).
والذي أرجحه في هذه المسألة أنه لا يجوز إعطاء الكفار من الزكاة وخاصة المحاربين فلا يجوز إعطاؤهم حتى ولو لم يجد مسلمًا يستحقها ولم
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم انظر ص٧٢٢ من هذه الرسالة.
(٢) انظر كتاب الأموال لأبي عبيد ج٤ ص٧٢٧.
(٣) جمع ظئر وهي المرضع ويطلق على الأب من الرضاعة أيضًا. انظر لسان العرب من ص٦٣٩.
(٤) انظر كتاب الأموال لأبي عبيد ج٤ ص٧٢٧ - ٧٢٩.
(٥) المصدر السابق المكان نفسه.
(٦) المصدر السابق المكان نفسه.
(٧) انظر كتاب الأموال/ لأبي عبيد ج٤ ص٧٢٧ - ٧٢٩.
[ ٢ / ٧٧٧ ]
يستطع إيصالها إلى بيت مال المسلمين في وقتها فالأولى أن يبقيها أمانة عنده حتى تحين أول فرصة فيدفعها إلى مستحقيها لأن دفعها إلى الحربي يترتب عليه ضرر في حق الإسلام والمسلمين بخلاف تركها عنده، فلا يترتب على ذلك من الضرر بمثل ضرر دفعها إلى غير مستحقها، أما غير المحارب، من المسالمين وأهل الذمة وأهل العهد، فإن المسلم إذا وجبت عليه الزكاة ولم يجد من المسلمين من يستحقها وتعذر إيصالها إلى بيت المال بطريق لا يكلفه ما يشق عليه في العادة والعرف جاز له عند ذلك دفعها إلى الفقراء من هؤلاء ولا يلزمه ذلك، فلو كان المسلم بإحدى الدول الكافرة كمثل الطلبة المبتعثين ثم حل وقت زكاة ماله أو بدنه فدفع إلى من يثق به في البلاد الإسلامية مبلغًا من المال الذي هو زكاة ماله ليوزعه على فقراء المسلمين لكان أولى وأفضل من توزيعه على فقراء الكفار وكذلك زكاة بدنه لو أرسل نقودًا يشتري بها طعامًا في بلاد المسلمين وتوزع على فقراء المسلمين فذلك أولى لأن العلة في صدقة الفطر هي إغناء الفقراء عن السؤال في يوم العيد (١). والفقراء المطلوب فرحتهم ومنفعتهم هم فقراء المسلمين دون فقراء الكفار، فلو أوصى المسافر إلى بلاد الكفار أو أناب عنه من يقوم بتوزيع الزكاة الواجبة عليه في حينها لكان جائزًا كما أعتقد حيث إن ذلك ينسجم مع منهج الإسلام في اليسر والسهولة على المسلمين قال تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) (٢).
أما إعطاء المال للكفار من غير الزكاة، فالآثار تدل على جواز ذلك. وقد تقدم ذكر بعض الأدلة على هذا الموضوع ومن الأدلة الإضافية ما جاء في السير الكبير وشرحه: أنه لا بأس أن يصل المسلم قريبه المشرك
_________________
(١) انظر نيل الأوطار للشوكاني ج٤ ص٢٥٨.
(٢) سورة المائدة آية (٦).
[ ٢ / ٧٧٨ ]
لحديث سلمة بن الأكوع (﵁) قال صليت الصبح مع النبي - ﷺ - فقال: هل أنت واهب لي ابنة أم فِرْقَة؟ قلت نعم. فوهبتها له فبعث بها إلى خاله حزن بن أبي وهب وهو مشرك وهي مشركة (١). وقد عقد البخاري في صحيحه باب الهدية للمشركين (٢). وذكر قول الله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (٣).
وقوله تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) (٤). وحديث ابن عمر (﵄) قال رأي عمر حلة على رجل تباع فقال للنبي - ﷺ - ابتع هذه الحلة، تلبسها يوم الجمعة وإذا جاءك الوفد فقال: إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة، فأتي رسول الله - ﷺ - منها بحلل، فأرسل إلى عمر منها بحلة فقال عمر: كيف ألبسها وقد قلت فيها ما قلت؟ قال: إني لم أكْسُكها لتلبسها، تبيعها أو تكسوها. فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم (٥).
ومثل هذا الحديث حديث أسماء بنت أبي بكر (﵄) قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله - ﷺ - فاستفتيت رسول الله - ﷺ - قال: إن أمي قدمت وهي راغبة. أفأصل أمي؟ قال نعم صلي أمك (٦).
والذي يؤخذ من الآيات والأحاديث المتقدمة أن البر والصلة للأقرباء
_________________
(١) انظر شرح السير الكبير ج١ ص٦٩ للسرخسي (ط - ١).
(٢) انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري ج٥ ص٢٣٢.
(٣) سورة الممتحنة آية (٨).
(٤) سورة لقمان آية (١٥).
(٥) رواه البخاري: انظر فتح الباري ج٥ ص٢٣٢ - ٢٣٣.
(٦) الفرقة بالكسر السقاء الممتلئ لا يستطاع بمخض حتى يفرق. انظر القاموس المحيط للفيروز أبادي ج٣ ص٢٧٥. رواه البخاري. انظر فتح الباري ج٥ ص٢٣٢ - ٢٣٣.
[ ٢ / ٧٧٩ ]
من المشركين لا يستلزم المحبة والتوادد والموالاة المنهي عنها بحق الكفار في قوله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (١). فإن هذه الآية عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل.
وقال الخطابي في ذلك: إن الرحم الكافرة توصل من المال ونحوه كما توصل الرحم المسلمة لكن تتميز الرحم المسلمة بالمحبة والمودة القلبية والرضا، لأن المسلم قد تجرد من أقبح صفة يمكن أن يتصف بها إنسان على وجه الأرض ألا وهي صفة الكفر (٢). اهـ.
وقد قال جماعة من أهل العلم: إن صلة القرابة من الكفار كانت مباحة في أول الدعوة، ثم نسخت الصلة والمساعدة للكفار (٣). بقوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) (٤). اهـ.
والذي أميل إليه في هذا الموضوع هو أن الله ﷾ أباح للمسلم البر والصلة والمكافأة بالمعروف والعدل في التعامل مع المشركين خاصة إذا كانوا قرابة في النسب بشرط أن يكونوا غير محاربين لنا في الدين ولا مساعدين على حربنا وإخراجنا من ديارنا بأية صورة من صور التعاون المذموم، أما إذا كانوا محاربين لله ورسوله والمؤمنين فإن صلتهم محرمة ومساعدتهم جريمة وإن كانوا من أقرب الناس نسبًا قال تعالى: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (٥).
_________________
(١) سورة المجادلة آية (٢٢).
(٢) انظر فتح الباري ج٥ ص٢٣٤.
(٣) المصدر السابق المكان نفسه.
(٤) سورة التوبة آية (٥).
(٥) سورة الممتحنة آية (٩).
[ ٢ / ٧٨٠ ]
وبناء على ما تقدم من توضيح وبيان فإن الدول المعاصرة التي تبذر أموال المسلمين على شكل إعانات وتبرعات وقروض طويلة الأجل وقروض بفوائد ربوية، ترتكب جريمة كبيرة، وتقترف إثمًا عظيمًا في حق نفسها وأمتها ودينها، حيث تخالف بسلوكها هذا نهج الإسلام ونظامه في التعامل مع غير المسلمين. فكيف تدفع التبرعات السخية لمن يحارب الله ورسوله والذين آمنوا، بينما أكثر الشعوب الإسلامية تعيش على تبرعات غير المسلمين؟ ومن شدة فقرها وحاجتها فهل يكون أعداء الإسلام أرحم بفقراء المسلمين من أغنياء المسلمين أنفسهم؟ ولماذا يؤثر أغنياء المسلمين بصدقاتهم وتبرعاتهم أغنياء الكفار على فقراء المسلمين؟
إن الذين يؤثرون الكفار ببرهم وإحسانهم على المسلمين يجازفون بسعادتهم وسعادة شعوبهم، من أجل أن يرضوا أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء المؤمنين، وتلك غاية الموالاة للكفار إن الإحسان والبر وتقديم المساعدات الكبرى - بلا هدف إسلامي صحيح - لمن يحارب الله ورسوله والمؤمنين، خيانة وذلة ونذالة لا يقدم عليها إلا من لا خلق له ولا دين.
فلقد أجمع المسلمون على تحريم بيع الأسلحة ونحوها لأهل الحرب لما يخشون من استخدامها ضد المسلمين (١).
فكيف بمن يدعمون الدول والحكومات التي تعلن الحرب على الإسلام والمسلمين بالمال والبترول والولاء، بينما أهل الحق الشرعي لا يجدون من يساندهم أو يساعدهم بكلمة تذهب عبر موجات الأثير فضلًا عن المساعدات العينية؟
ولا نريد أن نستطرد في ذكر الأمثلة على ذلك، وإنما نشير إلى ذلك إشارة سريعة للتأكيد على صحة ما نقول:
فقد عقد بنك البحرين الوطني، والمؤسسة المصرفية المتحدة اتفاقًا
_________________
(١) انظر اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم/ ابن تيمية ص٢٣٠ - ٢٣٢.
[ ٢ / ٧٨١ ]
يقضي بتقديم قرض بقيمة (٥٠) مليون دولار لصالح البنك المركزي الفلبيني، ومدة القرض ثمان سنوات بفائدة ربوية بواقع ٢/ ١ من ٠.٠١ نصف من واحد في المائة من قيمة القرض (١).
وهذا القرض لو استعرضناه من وجهة النظر الإسلامية لوجدناه يشتمل على ثلاث جرائم كبرى ورئيسية هي كما يلي:
١ - الجريمة الأولى في هذا القرض هي مساعدة حكومة ماركوس الصليبي الحاقد على الإسلام والمسلمين والذي يقتل المسلمين صباح مساء في جنوب الفلبين بلا شفقة ولا رحمة (٢). وهذا عمل محرم، وتأييد ومناصرة لأهل الكفر على أهل الإسلام. قال الله تعالى: (فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ) (٣) وأي مظاهرة أشد من تقوية الكفار بالمال الذي سيحاربون به المسلمين.
٢ - الجريمة الثانية هي جريمة التعامل بالربا عن رضى وعلم واختيار والربا محرم بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فأين محل هؤلاء من الإسلام؟ وما هو الإسلام في عرفهم؟
٣ - الجريمة الثالثة أن هذا التصرف خذلان للإسلام والمسلمين، ففي الوقت الذي تمتد فيه يد هؤلاء بالملايين لأعداء الإسلام والمسلمين نجد أنهم يحجمون عن تقديم أي عون للمسلمين المسحوقين في ذلك البلد، وهذا خلاف لما أمر الله به وأمر به رسوله - ﷺ -. قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (٤).
_________________
(١) انظر مجلة المجتمع عدد (٥٣٦) في ١٣/ ٩/١٤٠١هـ السنة الحادية عشرة ص١٥.
(٢) انظر ص٨٤٥ - ٨٤٧ من هذه الرسالة.
(٣) سورة القصص آية (٨٦).
(٤) سورة المائدة آية (٢).
[ ٢ / ٧٨٢ ]
وقال الرسول - ﷺ -: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله ولا يحقره» (١).
وأي خذلان للمسلم أعظم من إعانة عدوه عليه.
ومثل هذا التصرف اللامسئول، ما قامت به حكومة الكويت حيث تبرعت بمبلغ اثني عشر مليونًا من الدولارات لإقامة مجمع رياضي في الهند، سوف يقام على مقابر المسلمين الذين انتهكت حكومة الهند حرمتهم أحياء وأمواتًا (٢) فيا ليت الحكومة الكويتية دفعت هذا المبلغ لإقامة مساجد للمسلمين في الهند أو دفعت هذا المبلغ لدعم جامعة عليكرة الإسلامية التي تكاد تتوقف الدراسة فيها نظرًا لضعف الموارد المالية لديها، أو دفعت هذا المبلغ لإيواء الأسر الإسلامية التي تشب وتشيب على أرصفة الشوارع في الهند.
إن ما حصل من البحرين والكويت والسعودية وغيرها ما هو إلا قليل من كثير فإلى متى تبقى دماء المسلمين وأجسادهم رخيصة و يبقى مال المسلمين نهبًا لغيرهم؟!!!
وقد تجاوز الأمر مسألة مساعدة الكفار المحاربين لله ورسوله والمؤمنين بالمال الإسلامي إلى بناء الأصنام من أموال المسلمين في بلاد الكفار.
فقد نشرت جريدة القبس الكويتية الصادرة في ٣/ ٢/١٩٨٠م خبرًا تحت عنوان «مائة ألف دولار من الكويت مساهمة منها لبناء النصب التذكاري للمدعو (مارتن لوثر كنك) في مدينة واشنطن بالولايات المتحدة
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم. انظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين ج٢ ص١٠٨٠ رقم الحديث (١٥٧٢)
(٢) انظر مجلة المجتمع عدد (٥٢١) السنة الحادية عشرة في ١٨/ ٥/١٤٠١ ص١٦.
[ ٢ / ٧٨٣ ]
الأمريكية» (١). اهـ. فهل هناك مهزلة أو سخف أو غباء أو فقدان هوية أشد من ذلك؟ حتى تتبرع دولة من الدول المحسوبة على الإسلام فتبني صنمًا وتقيم وثنًا لأكبر كاهن نصراني صليبي، في أغنى دولة في العالم، بينما أطفال المسلمين يموتون جوعًا، ويعيش معظمهم حفاة عراة يفترشون الجليد، ويلتحفون صقيع السماء في أفغانستان وبورما وبنغلاديش والفلبين وسوريا ولبنان وايرتيريا، وغيرها من البلدان الإسلامية المنكوبة.
فهل (لوثر كنك) أهم من ألفي طفل مسلم باعهم الصليبيون في لبنان إلى جمعيات التنصير والتكفير في أوربا وأمريكا ليصبحوا قسيسين ورهبانًا للنصرانية في المستقبل القريب؟ (٢).
إن الأمر ليس أمر الكويت وحدها، وإنما يشاركها دول في مثل ذلك ولكنها قد تكون متميزة عن بقية دول المنطقة بأن لديها قدرًا من الحرية الصحفية، بينما بقية الدول يجري فيها مثل ذلك أو أعظم من ذلك تحت جنح الظلام، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
_________________
(١) انظر المصدر السابق المكان نفسه.
(٢) انظر مجلة المجتمع الكويتية عدد (٥٢١) في ١٨/ ٥/١٤٠١هـ. ص١٦.
[ ٢ / ٧٨٤ ]
المثال الثالث: تمكين الكفار من استغلال أموال المسلمين
إن الإنسان لو ألقى نظرة على الدول العربية والإسلامية لرأي أن أهم مصادر دخلها هو البترول فهو المصدر الوحيد لمعظم الدول العربية والبترول ثروة ناضبة كما يؤكد ذلك أهل الاختصاص في هذا المجال.
فقد ذكر وزير البترول الكويتي في تقرير له في أحد مؤتمرات الأوابك: «أننا لو أخذنا الاحتياطات النفطية خارج المناطق الشيوعية لوجدنا أن العالم لديه في نهاية سنة ١٩٧٨م ١٣٩٨هـ احتياطي نفطي مقداره (٨٥) بليون طن وعلى فرض أن معدل النمو الاقتصادي يمكن إبقاؤه عند حد ٣% في السنة وهي نسبة مشكوك في بقائها كثيرًا، وعلى فرض وجود اكتشافات نفطية تبلغ بليون طن في السنة على مدى العشر سنوات القادمة، فإن كل احتياطي النفط المعروف في الوقت الحاضر زائد كمية النفط التي يمكن اكتشافها لا تكفي لاستهلاك العالم بين عامي ١٩٧٩م - ٢٠٠٨م - ١٣٩٩هـ - ١٣٢٨هـ- البالغ (١٠٠) بليون طن أي أن مجموع الاحتياط مع ما يمكن اكتشافه = ٨٥ + ١٠ = ٩٥ بليون واستهلاك العالم من البترول حسب الإحصائيات العالمية خلال الفترة المذكورة سوف يكون (١٠٠) بليون
[ ٢ / ٧٨٥ ]
طن أي بنقص خمسة بلايين طن عن الكمية الموجودة والمتوقعة» (١).
ومسألة إنتاج النفط بكميات كبيرة رغم عدم الحاجة إلى ثمنه ورغم غلبة الظن في نفاذه، قد تكون مسألة غير اختيارية لبعض الدول، كما يقول المثل (مكره أخاك لا بطل) ولكن الأغرب من ذلك كله أن الدول النفطية لا تستثمر قيمة بترولها استثمارًا صحيحًا فإن نظرة واحدة إلى الأرصدة العربية الموجودة في بنوك العالم تظهر الأموال الهائلة التي لا يستثمرها العرب المسلمون حق الاستثمار وهذه الأرصدة هي كما يلي:
١ - المملكة العربية السعودية (٧٧) بليون دولار.
٢ - الكويت (٣٨) بليون دولار.
٣ - الإمارات وقطر (٢٦) بليون دولار.
ويكون المجموع لهذه الأرصدة هو: (١٤١) بليون دولار (٢).
وهذا التقدير قبل ثلاث سنوات أي قبل أن تقفز الأسعار إلى الضعف، ولكن السؤال لماذا لا تستثمر هذه الأموال لصالح الإسلام والمسلمين؟
إن واقع المسلمين لا يرقى إلى مستوى ما يملكون من ثروة فهم في فقر مدقع وتدهور مشين في جميع مجالات الحياة، فلا يملكون قوة عسكرية ضاربة، ولا مصانع إنتاجية كبيرة، ولا ثروة زراعية كافية، ولا طاقة بشرية علمية قادرة. مع أن المجال رحب وواسع لاستثمار هذه الأموال كلها في صالح هذه الأغراض فهناك مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة في السودان والعراق وفي شمال أفريقيا وأعالي النيل في مصر، إضافة إلى
_________________
(١) انظر مجلة البلاغ العدد (٥١٣) في ١٦/ ١١/١٣٩٩هـ من صفحة ٦ - ١٢.
(٢) انظر مجلة المجتمع عدد ٤٢٢ في ٥/ ١/١٣٩٩هـ ص١٧.
[ ٢ / ٧٨٦ ]
المساحات الهائلة من الأراضي الزراعية في باكستان وأفغانستان وأندونسيا وماليزيا وبعض الدول المسلمة الأخرى وهذه الدول جميعها تملك إمكانات زراعية لو عمل أصحاب الأموال على مساعدتها في تطويرها واستغلالها الاستغلال التام، لاستفاد الجميع وأفادوا معهم الإنسانية جمعاء، حيث يموت ثلاثون مليون طفل سنويًا من قلة الغذاء.
ثم إن ترك هذه الأموال في أيدي أعدائنا تقوية لهم ضدنا ووسيلة يستخدمونها للضغط علينا كما حصل مع إيران فالسعيد من وعظ بغيره.
والدول الغربية تتعامل معنا كما يتعامل المنشار مع الخشب فهي تستغلنا في بيعنا علينا وشرائها منا وقد وضح هذه الحقيقة الدكتور/ عودة أبو بدينة نائب رئيس الخزانة في فرست ناشيونال بنك أوف شيكاغو حيث يقول: إن الدول المصدرة للنفط قد دعمت الميزان التجاري الأمريكي بما يكفي للتغطية وإحداث فائض، وذلك من خلال الطرق التالية:
أولًا: من خلال الأرباح الفائضة للسلع التي تصدرها أمريكا إلى الدول النفطية.
ثانيًا: من خلال أرباح الشركات النفطية الأمريكية في الشرق الأوسط.
ثالثًا: من خلال تدفق قيمة النفط إلى أسواق المال الأمريكية.
وعلى هذا فكل دولار دفعته أمريكا ثمنًا للنفط من بلدان الشرق الأوسط، يساوي بعد التحليل والمقارنة قيمة الأرباح للسلع والخدمات التي حصلت عليها الولايات المتحدة من الدول النفطية، فخلال الأعوام (١٩٧٧م - ١٩٧٩م) بلغت قيمة النفط الذي اشترته أمريكا (٧.٢) مليارات دولار وبلغت الأرباح عن الفترة نفسها (٨.١٥٥) مليارات دولار وقد أوضح هذه الحقيقة بالبيانات والأرقام الدقيقة والتفصيلية ولولا خشية الإطالة والخروج عن الموضوع لأوردنا تلك التفاصيل (١).
_________________
(١) انظر مجلة الاقتصاد والأعمال السنة الثانية العدد (١٨) - بيروت - لبنان ص١٩ - ٢٠.
[ ٢ / ٧٨٧ ]
وبعبارة موجزة فإن النفط يصل إلى قلب الولايات المتحدة بالمجان. ومع ذلك كله فإن أمريكا والدول الغربية كافة لا تتعامل معنا على نحو يمكن أن يتكافأ مع ما نقدمه لهم من خدمات وما نتنازل عنه لهم من حقوق.
يقول الدكتور/ جاك شاهين أستاذ الإعلام في جامعة (الينوي) بالولايات المتحدة «إن معنى أن تكون عربيًا في أمريكا، هو أن تكون مثارًا للسخرية من وسائل الإعلام، فالعرب دائمًا محتقرون في القصص والأفلام السينمائية، والكتب المتحركة، والكاريكاتير والمجلات والصحف والكتب المدرسية» (١). اهـ.
والعربي يظهر من خلال كل هذه الوسائل الشديدة الجماهيرية على أنه «المخرب الأحول ذو الأنف المعقوف، القذر، المقطب الحاجبين، المتخلف، المجنون جنسيًا، الثري المتلاف، الشهواني الانتهازي، الطماع، البليد، الإرهابي، الجاهل المركب».
ويقول الدكتور/ وليد خدوري مديرة إدارة الإعلام بمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول في ندوة عقدت في لندن قبل عامين «إن من المسلم به أن العرب قد احتفظ لهم الغرب بصورة بائسة حتى خلال التاريخ الحديث» (٢). اهـ.
وهذه النظرة الظالمة الجائرة تعكس موقفًا عدائيًا متحيزًا بصورة متعمدة ومعادية لجميع البلاد الإسلامية.
وقد تخطو جميع الأنظمة والقوانين الصادرة منهم بمنع الكتابات أو الرسوم ذات الصبغة العنصرية، وقد اعترف بهذه الحقيقة الدكتور/ جونتان
_________________
(١) انظر مجلة اليمامة العدد (٦٧١) السنة التاسعة والعشرون الجمعة ١٨/ ١٢/١٤٠١هـ ص٣ - ٧.
(٢) المصدر السابق المكان نفسه.
[ ٢ / ٧٨٨ ]
ديمبل أحد المشاركين في ندوة الصحافة الدولية عام (١٩٧٩م) (١).
ونحن أوردنا هذه النقول لندحض حجج الذين يحسنون الظن بأعداء الإسلام والمسلمين، ولنقول لهم هآنتم تفتحون لهم قلوبكم وبلادكم وتضحون لرضاهم بدينكم ودنياكم، وهم يسخرون منكم بأقوالهم وأفعالهم وصدق الله العظيم حيث يقول: (هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (٢).
إن الدول الإسلامية مطالبة اليوم بأن تكون على مستوى المسئولية في تصرفاتها ومعاملاتها، وأن تستخدم قدراتها المالية والبشرية فيما يعود نفعه على الإسلام والمسلمين. قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (٣).
إن الله ﷿ قد مكن لهذه الأمة وأعطاها من القدرات المعنوية والحسية ما يجعلها رائدة العالم في كل زمان ومكان ففي هذا العصر الذي تتباهي به الدول الصناعية الكافرة في الشرق والغرب نجد أن الله ﷿ قد حبا الدول الإسلامية، بأن يكون بيدها نصف إنتاج العالم من النفط حيث تنتج في السنة (١٤٦١) مليون طن من النفط وتصدر ثلثي مجموع صادرات الدول المنتجة للنفط في العالم (٤).
وهذا مما يقيم الحجة عليها في تبليغ الرسالة وتأدية الأمانة التي كلفها الله بها فهي وإن ضعفت في مجال الصناعة فقد عوضها الله عن ذلك في مجالات أخرى سهلة ميسرة حيث مكنها من السيطرة على أغلى مادة يحتاج
_________________
(١) المصدر السابق المكان نفسه.
(٢) سورة آل عمران آية (١١٩).
(٣) سورة القصص آية (٧٧).
(٤) انظر مجلة المجتمع عدد ٤٤٠ السنة العاشرة في ١٣/ ٥/١٣٩٩هـ.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
إليها الناس في العالم، فكان الواجب عليها أن ترعى حق الله في ذلك وأن تستخدم ما أوتيت من مال الله فيما يحبه الله ويرضاه ولكن الواقع بعيد عما يجب أن يكون فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[ ٢ / ٧٩٠ ]
المثال الرابع: تمكين الكفار من الوظائف الهامة في البلاد الإسلامية
إن الأصل في منهج الدول الإسلامية الحقيقة، أن لا يتولى الوظائف الخاصة والعامة إلا أهل الإسلام، لأن غير المسلمين قوم لا تؤمن خيانتهم، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (١).
ولذلك قال جمهور العلماء: بأنه لا يستعان بالكافر عند وجود من يقوم مقامه من المسلمين، وقد أصبحت هذه المسألة كقاعدة مطردة في حياة المسلمين السابقين (٢).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (﵀): «لا يجوز أن يولّى
_________________
(١) سورة آل عمران آية (١١٨).
(٢) انظر تفسير آيات الأحكام/ محمد علي السايس ج٢ ص٧. وانظر تفسير القرطبي ج٤ ص١٧٩. وانظر الآداب الشرعية والمنح المرعية/ محمد بن مفلح الحنبلي ج٢ ص٤٦٢ - ٤٦٤. وانظر مختصر الفتاوى المصرية/ ابن تيمية ص٥١٦ - ٥١٧.
[ ٢ / ٧٩١ ]
الكتابي شيئًا من ولايات المسلمين على جهات سلطانية، ولا أخبار الأمراء، ولا غير ذلك من المناصب الهامة ذات المساس بمصالح الأمة وقوتها» (١). اهـ.
وقد روى الإمام أحمد (﵀) بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري (﵁) قال: قلت لعمر (﵁): «إن لي كاتبًا نصرانيًا» قال: مالك قاتلك الله! أما سمعت الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (٢). ألا اتخذت حنيفًا مسلمًا قال. قلت: «يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه».
قال لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أضلهم الله ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله (٣).
وورد على عمر (﵁) كتاب معاوية بن أبي سفيان (﵁) أما بعد. يا أمير المؤمنين فإن في عملي كاتبًا نصرانيًا لا يتم أمر الخراج إلا به، فكرهت أن أقلده دون أمرك، فكتب إليه عافانا الله وإياك قرأت كتابك في أمر النصراني. أما بعد: فإن النصراني قد مات. والسلام (٤). يعني مراد عمر (﵁) أنه لو قدر موت هذا النصراني فما كان معاوية صانعًا بعد موته فليصنعه الآن، وهذا أمر من عمر (﵁) لمعاوية (﵁) بإبعاد النصراني وتولية غيره من المسلمين مكانه من غير مراجعة، وإخبار له بأن المسلمين في غنية عن أعداء الله في مثل هذه المهام، ومثل ذلك ما رواه هلال الطائي عن وسق
_________________
(١) مختصر الفتاوى المصرية/ ابن تيمية ص٥١٢.
(٢) سورة المائدة آية (٥١).
(٣) انظر اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ص٥٠ وانظر السنن الكبرى للبيهقي ج١٠ص١٢٧ كتاب آداب القاضي.
(٤) انظر أحكام أهل الذمة لابن قيم الجوزية ج١ ص٢١١.
[ ٢ / ٧٩٢ ]
الرومي قال كنت مملوكًا لعمر (﵁) فكان يقول لي أسلم فإنك إن أسلمت استعنت بك على أمانة المسلمين، فإنه لا ينبغي أن أستعين على أمانتهم، من ليس منهم، فأبيت فقال لا إكراه في الدين. فلما حضرته الوفاة أعتقني فقال اذهب حيث شئت (١). ويروى أنه كتب بعض عمال عمر (﵁) إليه يستشيرونه في استعمال الكفار، فقالوا: إن المال قد كثر ولا يحصيه إلا هم، فاكتب إلينا بما ترى، فكتب إليهم، «لا تدخلوهم في دينكم، ولا تسلموهم ما منعهم الله منه، ولا تأمنوهم على أموالكم، وتعلموا الكتابة فإنما هي حلية الرجال» (٢).
ثم قال: من كان قبله كاتب من المشركين، فلا يعاشره ولا يؤازره ولا يجالسه، ولا يعتضد برأيه، فإن رسول الله - ﷺ - لم يأمر باستعمالهم ولا خليفته من بعده (٣) اهـ.
وروي أن عمر بن عبد العزيز (﵁) كتب إلى بعض عماله. «أما بعد: فإنه بلغني أن في عملك كاتبًا نصرانيًا، يتصرف في مصالح المسلمين والله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٤). فإذا أتاك كتابي هذا فادع حسان بن زيد -يعني ذلك الكاتب إلى الإسلام- فإن أسلم فهو منا ونحن منه، وإن أبى فلا تستعن به، ولا تتخذ أحدًا على غير دين الإسلام في شيء من مصالح المسلمين». اهـ. فأسلم حسان وحسن إسلامه (٥).
ويروى أن عمر (﵁) كتب إلى أبي هريرة (رضي الله
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص ج٢ ص٣٧.
(٢) انظر أحكام أهل الذمة ج١ ص٢١١.
(٣) انظر أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج١ ص٢١١.
(٤) سورة المائدة آية (٥٧).
(٥) المصدر السابق ج١ ص٢١٤.
[ ٢ / ٧٩٣ ]
عنه) كتابًا جاء فيه «وأبعد أهل الشرك وأنكر فعالهم، ولا تستعن في أمر من أمور المسلمين بمشرك، وساعد على مصالح المسلمين بنفسك» (١).
وعن عمر (﵁) قال: «لا تستعملوا أهل الكتاب فإنهم يستحلون الرشا، واستعينوا على أموركم وعلى رعيتكم بالذين يخشون الله تعالى، وقيل لعمر (﵁): إن هاهنا رجلًا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم أفلا يكتب عنك؟ فقال: لا اتخذ بطانة من دون المؤمنين (٢). فعمر بن الخطاب (﵁) كان يحسن معاملتهم ولا يستعين بهم في أعمال المسلمين» (٣).
وقد أمرنا الله ﷿ على لسان رسوله باتباع سنة الخلفاء الراشدين حيث روي عنه - ﷺ - أنه قال «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ» (٤).
فمما تقدم نستنتج أن توظيف الكفار في بلاد المسلمين كان في بداية الأمر نادرًا وقليلًا جدًا، وكان أمرًا مستنكرًا إلا عند الضرورة القصوى، رغم أن الكفار كانوا يعملون بصفة أجراء مستخدمين أذلاء مستصغرين أمام المسلمين، ولكن المسلمين مع ذلك كانوا يستعظمون هذا الأمر، فقد أنكر علي بن عيسى (٥) على ابن الفرات تقليده ديوان الجيش لرجل نصراني
_________________
(١) المصدر السابق ج١ ص٢١٢.
(٢) انظر تفسير القرطبي ج٤ ص١٧٩.
(٣) انظر ظهر الإسلام/ أحمد أمين ج١ ص٨٣.
(٤) رواه ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود، وأبو داود والترمذي من رواية العرباض بن سارية وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. انظر جند الله ثقافة وأخلاقًا/ تأليف سعيد حوى ص ١٤٠. وانظر ص٦٤٩ من هذه الرسالة.
(٥) يوجد علي بن عيسى بن عبيد الله (أبو الحسن) النحوي المعروف بالرماني، ولد سنة (٢٩٦هـ) وكانت له يد طولى في النحو واللغة، والمنطق والكلام وله تفسير كبير، وتوفي سنة (٣٨٤هـ) ولا أدري هل هو المقصود أم لا؟ حيث إنه كان في سن السادسة عشرة عندما توفي ابن الفرات. انظر البداية والنهاية/ لابن كثير ج١١ ص١٥١. وانظر ج١١ ص٣١٤.
[ ٢ / ٧٩٤ ]
فقال: «ما اتقيت الله في تقليدك ديوان الجيش رجلًا نصرانيًا، وجعلت أنصار الدين وحماة العقيدة والبيضة يقبلون يده ويمثلون أمره» (١) وللمهدي عامل نصراني تجاوز حدوده، فاستدعاه بعض المسلمين إلى القاضي سوار بن عبد الله وحضروا لديه، وبعد الأدلاء بالأقوال طلب البينة فشهدت على النصراني وتعديه منهج الحق، ثم خرج النصراني وعاد بكتاب المهدي الذي سبق أن أعطيه، فدخل المسجد هو وجماعة من النصارى ثم تجاوز الجالسين وحاول الخدم منعه فأبى حتى حضر أمام سوار بن عبد الله فدفع إليه الكتاب فرماه سوار ولم يقرأه، وقال ألست نصرانيًا؟ فقال: بلى. أصلح الله القاضي. ثم رفع سوار رأسه وقال جروه برجله خارج المسجد وأقسم أن لا ينظر له في شيء حتى يوفي المسلمين حقوقهم، فقال كاتب القاضي: قد فعلت اليوم أمرًا يخشى أن يكون له عاقبة. فقال: أعز أمر الله يعزك الله (٢).
وفي عهد المهدي قويت شوكة أهل الذمة قليلًا ومكنهم من بعض المناصب التي هي بالقياس إلى ما يحصل في زماننا شيء لا يذكر، ولكن المسلمين في ذلك الوقت لقوة الإيمان لديهم وشدة حساسيتهم للمنكر - استعظموا ذلك، فاجتمع بعض الصالحين ثم ذهبوا إلى المهدي وأنشد أحدهم عند الخليفة هذه الأبيات:
بأبي وأمي ضاعت الأحلام أم ضاعت الأذهان والأفهام
من صد عن دين النبي - ﷺ - محمد أله بأمر المسلمين قيام
ألا تكن أسيافهم مشهورة فينا، فتلك سيوفهم أقلام
_________________
(١) انظر ظهر الإسلام/ أحمد أمين ج١ ص٨٣. وانظر كتاب الوزراء/ للصابي ص٩٥.
(٢) أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج١ ص٢١٧.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
فكتب إلى جميع عماله أن لا يتركوا أحدًا من أهل الذمة يكتب عند أحد منهم (١).
وقد ذكر المؤرخون والعلماء أن من فضائل هارون الرشيد أنه ما قلد أحدًا من أهل الذمة منصبًا يضار المسلمون من خلاله، فقد قلد الفضل بن يحيى أعمال خرسان، وجعفرا أخاه، ديوان الخراج، ولذلك عُمِرت المساجد والجوامع وأقيمت الصهاريج وأماكن السقيا، وجعلت الدواوين لليتامى والعجزة ولو مكن لأهل الذمة لما حصل شيء من ذلك (٢).
وفي عهد المأمون كان يحضر مجلسه يهودي، فأتى أحد الشعراء المسلمين وأراد أن يوقع بهذا اليهودي، أو يسلم، فأنشد أبياتًا منها:
يا ابن الذين طاعته في الورى وحكمه مفترض واجب
إن الذي عظمت من أجله يزعم هذا أنه كاذب
فالتفت المأمون إلى اليهودي وقال: أصحيح ما يقول؟ قال نعم، فأمر بإبعاده، وقيل بقتله (٣).
وفي عهد المتوكل حج المتوكل في إحدى السنوات فسمع بعض رجاله رجلًا يطوف بالبيت ويدعو على المتوكل علنًا فأخذه الحرس، وجاءوا به سريعًا إليه، فقال ما حملك على ما صنعت؟ فقال والله يا أمير المؤمنين، ما قلت الذي قلته إلا وقد أيقنت بالقتل، ولكن اسمع كلامي وأمر بقتلي بعد ذلك إن أردت، فقال: قل. فقال: سأطلق لساني بما يرضي الله ورسوله، ويغضبك يا أمير المؤمنين، قد اكتنف دولتك، كتاب
_________________
(١) المصدر السابق ص٢١٦.
(٢) انظر أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج١ ص٢١٧. وانظر أحداث سنة (١٩١هـ) في البداية والنهاية/ لابن كثير ج١ ص٢٠٦ وتاريخ الطبري ج١٠ ص١٠٠ (ط - الحسينية).
(٣) أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج١ ص٢١٩.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
من أهل الذمة، أحسنوا الاختيار لأنفسهم وأساءوا الاختيار للمسلمين وابتاعوا دنياهم بآخرة أمير المؤمنين، خفتهم ولم تخف الله، وأنت مسئول عما اجترحوا وليسوا مسئولين عما اجترحت، فلا تصلح دنياهم، بفساد آخرتك، فإن أخسر الناس صفقة يوم القيامة، من أصلح دنيا غيره بفساد آخرته، واذكر ليلة تتمخض صبيحتها عن يوم القيامة، وأول ليلة يخلو فيها المرء بقبره ليس معه إلا عمله، فبكى المتوكل إلى أن أغشى عليه، ثم أمر بإزالتهم (١).
وأما الخليفة المقتدر بالله فإنه في سنة خمس وتسعين ومائتين عزل كتاب النصارى وعمالهم، وأمر أن لا يستعان بأحد من أهل الذمة (٢). حتى إنه أمر بقتل أبي ياسر النصراني عامل مؤنس الحاجب لتعديه على حقوق المسلمين.
وكذلك الخليفة الراضي بالله كثرت الشكايات من أهل الذمة في زمانه ومن الذين شكوا الشاعر مسعود بن الحسين الشريف البياضي حيث يقول:
يا ابن الخلائف من قريش والأولى طهرت أصولهم من الأدناس
قلدت أمر المسلمين عدوهم ما هكذا فعلت بنو العباسي
حاشاك من قول الرعية أنه ناس لقاء الله أو متناسي
ما لعذر إن قالوا غدا هذا الذي ولى اليهود على رقاب الناس
ما كنت تفعل بعدهم لو أهلكوا فافعل وعدّ القوم في الأرماس (٣)
وفي عهد الخليفة المستنصر بالله زاد نفوذهم حتى بدأ يغبطهم بعض المسلمين على مناصبهم كما صور ذلك الشاعر الراضي بن البواب حيث يقول:
_________________
(١) انظر أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج١ ص٢٢٢.
(٢) انظر البداية والنهاية لابن كثير ج١١ ص١٠٨. وانظر أحكام أهل الذمة ج١ ص٢٢٤.
(٣) أحكام أهل الذمة ج١ ص٢٢٥.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
يهود هذا الزمان قد بلغوا غاية آمالهم وقد ملكوا
العز فيهم، والمال عندهم ومنهم المستشار والحكم
يا أهل مصر إني قد نصحت لكم تهودوا كي تنالوا ما ملكوا (١)
وقد ولى العزيز بالله نصرانيًا اسمه (عيسى بن نسطورس) كتابة الأموال، واستناب بالشام يهوديًا اسمه (منشا) فاعتز بولايتهما النصارى واليهود، وأوذي المسلمون، وقد عمد أهل مصر الغيورون على الإسلام والمسلمين، فوضعوا دمية على شكل مجسم لإنسان ووضعوا بين يديه ورقة كبيرة كتبوا عليها «بالذي أعز اليهود بمنشا والنصارى بعيسى بن نسطورس وأذل المسلمين بك إلا كشفت ظلامتي» وأقعدوا تلك الدمية على طريق العزيز بالله، فلما رآها أمر بأخذها، وقرأ ما فيها، ثم قبض على النصراني واليهودي فأودعهما السجن وأخذ منهما أموالًا كثيرة وأبعدهما وقراباتهما عن الحكم وكذلك فعل الحاكم بأمر الله (٢).
وقد لزم الملك الصالح صلاح الدين ابن السلطان الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور بن قلاوون أهل الذمة بالذلة والصغار، وأمر أن لا يستخدم منهم أحد في الدواوين السلطانية ولا في شيء من الأشياء التي يمكن أن يكون عملهم بها مضرًا على الإسلام والمسلمين، وذلك خلال حكمه ما بين (٧٥٣ - ٧٥٥هـ) (٣).
وهذه المواقف كلها تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أنه لا يجوز تمكين اليهود والنصارى من الوظائف والمهن التي يحققون من خلالها الاستعلاء على المسلمين، تمشيًا مع قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ) (٤).
_________________
(١) انظر تاريخ الإسلام السياسي. د/ حسن إبراهيم ج٤ ص١٨٣.
(٢) انظر ظهر الإسلام/ أحمد أمين ج١ ص٨٢. وانظر البداية والنهاية/ لابن كثير ج١١ص٣٢٠.
(٣) انظر البداية والنهاية/ لابن كثير ج١٤ ص٢٥٠.
(٤) سورة آل عمران آية (١١٨).
[ ٢ / ٧٩٨ ]
وجميع الروايات المروية عن عمر بن الخطاب (﵁) بطرقها المختلفة تؤكد الالتزام بمعنى هذه الآية، وتوصل هذا المفهوم بما لا يدع مجالًا للشك أو التردد، من أن الاستعانة بغير المسلمين لا تجوز إلا عند الضرورة القصوى وبقدر ضئيل لا يشكل خطرًا أو ضررًا على الإسلام والمسلمين وقد عد ابن تيمية الاستعانة بالنصيريين من أكبر الكبائر مع أنهم يدعون الإسلام. فكيف بالكفار الصرحاء الذين يعلنون كفرهم وعداوتهم للإسلام والمسلمين (١). اهـ.
ولكن المسلمين قد تجاوزوا هذا الحكم كما تجاوزوا غيره من الأحكام الشرعية وتذللوا مع أعداء الله أكثر مما يجب لدرجة أن أحد كتاب الغرب أنفسهم وهو (آدم متز) أحد مؤرخي الغرب يقول: «من الأمور التي نعجب لها كثيرًا كثرة عدد العمال والمتصرفين غير المسلمين في أمور الدولة الإسلامية» (٢).
وهذا يدلنا على أن الدولة الإسلامية قد فتحت صدرها بكل رحابة لغير المسلمين وأشركتهم في إدارة شئونها وهي تعلم أنهم يخالفونها في العقيدة والغاية، وهذا الموقف هو أقصى درجات التعاون مع المخالفين في العقيدة والتسامح معهم ولكن ذلك كله ما كان يقابل من أهل الذمة بالاستحسان والاعتراف بالجميل بل كان البعض منهم يستغل هذا التسامح لتهييج روح الانتقام والتسلط على رقاب المسلمين وهذا ما حصل في الأيام الأولى من خلافة الآمر بأمر الله، فقد كان أحد الذميين كاتبًا للخليفة، فآذى المسلمين واحتكر الوظائف والمصالح لأهل ملته، وعندما أحس بتمركزهم وخوف انتقام المسلمين منهم جمع أبناء ملته وخطب فيهم قائلًا: نحن ملاك هذه الديار وقد أخذها المسلمون منا وتغلبوا عليها واغتصبوها من أيدينا فنحن
_________________
(١) انظر مختصر الفتاوى المصرية/ لابن تيمية ص ٤٧٦.
(٢) انظر كتاب الإسلام انطلاق لا جمود. د/ مصطفى الرافعي ص١٦.
[ ٢ / ٧٩٩ ]
مهما فعلنا بالمسلمين من مكر وخديعة فهو قبالة (١) ما فعلوه بنا، فجميع ما نأخذه من أموالهم وأموال ملوكهم حل لنا وبعض ما نستحقه عليهم (٢). هذه نظرة عامة أهل الكتاب إلى المسلمين، وهذا ما يطبقه أعداء الله في واقع المسلمين اليوم حيث نهبوا خيرات المسلمين المادية والمعنوية وفرقوا شمل الأمة الإسلامية وخططوا ويخططون للوقيعة بها في شتى المجالات وهذا الفعل إنما هو مصداق لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (٣). فنحن لم نعقل أمر الله في مقاطعة الذين كفروا والابتعاد عنهم ولذلك أصابنا ما حذرنا الله منه قال تعالى: (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) (٤). إن واجب الحكومات والشعوب التي تدعي الإسلام إن كانت صادقة في دعواها، أن تعمل على تقديم المسلمين وتفضيلهم على الكفار عند الاستقدام والتوظيف وذلك أمر واجب عقلًا وشرعًا، ففي الشرع يقول الله ﷿ (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (٥). وفي الحديث عن أبي هريرة (﵁) عن النبي - ﷺ - قال: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه » الحديث (٦).
_________________
(١) أي مثل الدَيْن عليهم نسترده منهم. انظر المعجم الوسيط ج٢ ص٧١٩.
(٢) انظر أحكام أهل الذمة/ ابن قيم الجوزية ج١ ص٢٢٧.
(٣) سورة آل عمران آية (١١٨).
(٤) سورة التوبة آية (٨).
(٥) سورة المائدة آية (٢).
(٦) رواه مسلم وانظر نزهة المتقين شرح رياض الصالحين ج١ ص٢٥٨.
[ ٢ / ٨٠٠ ]
وأما من حيث العقل فإن المسلم عندما يوفر فرصة العمل لأخيه فإنما يعينه على الحياة بوسيلة شريفة وهذا نوع من التكافل الاجتماعي بين المسلمين وثانيًا أن المسلم عندما يستقدم للعمل أحد إخوانه المسلمين فمعنى ذلك أنه لم يدخل في الأمة الإسلامية والمجتمع الإسلامي جسمًا غريبًا على المسلمين في أقل الأحوال، بخلاف من يستقدم الكافر فإنه إن لم يكن هذا عدوا لدودا لهذا الدين وهذه الأمة فأقل أحواله أنه غريب على المسلمين في عقيدته وأقواله وأفعاله يخشى فساده ولا يؤمن ضرره على الإسلام والمسلمين وما يتعلل به البعض من أن الكفار أحسن خدمة، وأكثر أمانة وأقوى التزامًا بالعمل ومواعيده، فالرد أن هذه صفات توجد في المسلمين والكفار وهي مشتركة بين الناس جميعًا ولكن تلك الصفات باعثها في المؤمن غير باعثها في الكافر، فالكافر قد يتخذ تلك الصفات للدعاية لنفسه ولكفره وليخدع بها بعض الناس في التعامل كي يصل إلى هدفه الحقيقي في استغلال الغير إلى أبعد الحدود وبطريقة لا يشعر بها المستغل أنهم يستغلونه، أما المؤمن فإن الباعث للصفات الحسنة في نفسه هو مجرد الإيمان بالله ربا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا ورسولًا، ولذلك إذا توفرت في المسلم صفة الإيمان الحقيقي توفرت فيه جميع الصفات الحسنة لأن الأخلاق الكريمة من ثمار الإيمان الصحيح ومن علاماته، فدور المسلم هو البحث عن إخوانه المسلمين الذين يجمعون بين القول والعمل والذين تظهر عليهم علامات الصدق والإيمان فيجب عليه أن يأخذ باعتباره أساسًا أن المعاملة مع غير المسلمين لا تجوز إلا عند الضرورة القصوى ووفق شروط معينة لا تتوفر في عامة الكفار ممن يعملون في دار الإسلام وقد ورد في الأثر «ومن قلد رجلًا على عصابة وفي تلك العصابة من هو أرضى منه لله فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين» (١).
فالواجب عند الاختيار هو اختيار من هو أقرب إلى الله ورسوله
_________________
(١) الحسبة في الإسلام أو وظيفة الحكومة الإسلامية/ ابن تيمية ص٨.
[ ٢ / ٨٠١ ]
والمؤمنين وفي الغالب لا يوجد كامل، فيفعل خير الخيرين ويدفع شر الشرين، ولهذا كان عمر بن الخطاب (﵁) يقول: «اللهم أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة» (١).
وعندما يتعذر على المسلم إحلال مسلم محل كافر بعد بذل الجهد واستفراغ الوسع فلا مانع من استخدام الكافر عند ذلك فإن الله ﷿ ما جعل علينا في الدين من حرج قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (٢). ولكنه بعيد جدًا أن يبحث المسلم في المجتمع الإسلامي الكبير عن شخص ذي صفات ومواصفات معينة فلا يجده بين المسلمين حتى يضطر إلى التعاقد مع الكفار، إلا إذا كانت تلك الصفات والمواصفات التي ينشدها يحرمها الإسلام، فهو يلجأ إلى غير المسلمين لأنها شبه مباحة في نظرهم، ولأنهم لا يرون في فعلها غضاضة. ولا يتحرجون عن ارتكاب تلك الدنايا. في الوقت الذي يمتنع المسلم عن فعلها بكل عزة وإباء.
وبناء على ذلك فإن استعمال الكفار لا يجوز إلا بشرطين:
١ - تعذر من يحل محل الكفار من المسلمين.
٢ - أن يؤمن جانبهم على الإسلام والمسلمين.
ولهذا يجوز للمسلمين أن يستخدموا الكفار في الوظائف التعليمية عند عدم وجود من يقوم مقامهم من المسلمين ولكن ذلك مشروط بعدم حصول الأذى للمسلمين في عقيدتهم وأنفسهم، فلا بد أن تكون مادة العلم الذي يراد تعليمه، مادة مباحة، فلا يجوز تعليم الأشياء المحرمة سواء كان المعلم مسلمًا أو كافرًا مثل الغناء والرقص وضروب السحر والشعوذة وما إلى ذلك، وأن يكون المسلم أمينًا مأمونًا على أبناء المسلمين، بحيث لا
_________________
(١) الحسبة في الإسلام أو وظيفة الحكومة الإسلامية/ ابن تيمية ص٨.
(٢) سورة البقرة آية (٢٨٦).
[ ٢ / ٨٠٢ ]
يستغل وجوده بين أبناء المسلمين لزرع الفسق والكفر في قلوب التلاميذ والدليل على جواز تعليم غير المسلم للمسلمين ما فعله النبي - ﷺ - مع بعض أسرى بدر حيث طلب من بعض الأسرى الذين لا مال لديهم، أن يفدوا أنفسهم بأن يعلم الواحد منهم عشرة من غلمان المسلمين ويخلي سبيله (١).
وقد يحتاج الإنسان في طلب العلاج لبعض الأمراض المستعصية إلى أن يذهب إلى طبيب يهودي أو نصراني، وذلك جائز وفق شروط معينة وهي أن يكون اليهودي أو النصراني خبيرًا بهذه المهنة ثقة عند الناس مأمونًا من عدم استغلال مهنته والدعوة إلى المنكر ومحاربة الحق، فإذا كان بهذه الشروط ولم يجد مسلمًا يساويه في الدرجة والاختصاص جاز له أن يستطبه، كما يجوز له أن يودعه المال عند الحاجة وأن يعامله في البيع والشراء (٢)، فقد استأجر النبي - ﷺ - ابن أريقط وهو رجل مشرك حين هاجر من مكة إلى المدينة وائتمنه على نفسه وماله، ولكنه مع ذلك كان أجيرًا مستخدمًا لا معينًا مكرمًا (٣). وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله - ﷺ - مسلمهم وكافرهم، وقد روي أن الحارث بن كلدة - وكان كافرًا - قد أمرهم النبي - ﷺ - أن يستطبوه، وهذا كله مشروط بأن لا يوجد طبيب مسلم على درجته من الطب، فإذا وجد طبيب مسلم، فالمسلم أحق بمنفعة أخيه حيث إن قوة المسلم قوة لإخوانه وقوة الكافر قوة لأعدائه، ومساعدة المسلمين لأعداء الله بما يقويهم على أهل الإسلام محرم عليهم (٤). ولكن يدفع أخف الضررين عند الحاجة إلى ذلك في مثل هذه الصورة والله المستعان والهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) انظر البداية والنهاية/ لابن كثير ج٣ ص٣٢٨.
(٢) انظر مختصر الفتاوى المصرية/ ابن تيمية ص٥١٦ - ٥١٧.
(٣) انظر فتح الباري كتاب الإجارة ج٤ ص٤٤٢ ح٢٢٦٣.
(٤) انظر مختصر الفتاوى المصرية ابن تيمية ص٥٠٥، ص٥١٦ - ٥١٧.
[ ٢ / ٨٠٣ ]
المثال الخامس: توريث الكفار والنفقة عليهم من أهل الإسلام
لا يجوز شرعًا التوارث بين المسلم والكافر، فقد قال جمهور الصحابة والفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة وغيرهم بأنه لا يجوز أن يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم لقول النبي - ﷺ - «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» (١). حيث إن التوارث مبناه على الموالاة والمناصرة وليس بين المسلم والكافر موالاة أو مناصرة لاختلافهما في العقيدة وإنما قد يكون بينهما على أحسن الأحوال مصاحبة بالمعروف لا ترقى إلى درجة التوارث، التي هي خاصة بين المسلم وأقربائه من المسلمين في النسب وخالف في ذلك جماعة من أهل الفقه فقالوا في توريث المسلم من الكافر دون العكس، محتجين بما روي عن معاذ (﵁) أنه ورث مسلمًا من يهودي محتجًا بأن رسول الله - ﷺ - قال: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» (٢) وربما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «الإسلام يزيد ولا ينقص» (٣).
_________________
(١) رواه البخاري. انظر صحيح البخاري ج٨ ص١٩٤ (باب الفرائض).
(٢) انظر نيل الأوطار للشوكاني ج٦ ص٧٣ - ٧٤.
(٣) انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري ج١٢ ص٥٠. وانظر أحكام القرآن للجصاص ج٢ ص١٠١.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
وكذلك قياس الإرث على النكاح فنحن ننكح نساءهم، ولا ينكحوا نساءنا فكذلك يجب أن نرثهم ولا يرثونا (١).
وقد ناقش أصحاب القول الأول أهل القول الثاني بأن الحديث المروي عن معاذ (﵁) مراد به أن الإسلام يعلو بالحجة والبرهان فلا تعلق له بالإرث (٢).
أما الحديث الثاني فالمقصود به من يرتد عن الإسلام لقلة من يرتد وكثرة من يسلم، أما قياس الأرث على النكاح فلا يصح فإن العبد ينكح الحرة ولا يرثها والنكاح مبني على قضاء الوطر والتوالد بخلاف التوارث فمبناه على الموالاة والمناصرة فلا يصح القياس على ذلك (٣).
وفي رأينا أن قول الجمهور هو القول الراجح وهو عدم توريث الكافر من المسلم أو العكس وذلك لقوة أدلة الجمهور وسلامتها من المعارض الصريح، ولذلك يجب على القضاة في المحاكم الشرعية وأهل الولايات الإسلامية أن لا يورثوا أهل الردة من الشيوعيين والبعثيين والاشتراكيين والماسونيين ونحوهم من المرتدين. ولم يبق في مسألة التوارث بين المسلم والكافر إلا مسألة واحدة هي الإرث بالعتق وهذه مسألة خاصة خلافية يمكن الرجوع إليها في الكتب المتخصصة في ذلك (٤). والله الهادي إلى سواء السبيل.
أما مسألة النفقة:
فقد يظن البعض من الناس أن نفقة المسلم على أقربائه من الكفار
_________________
(١) انظر المغني/ لابن قدامة ج٦ ص٢٩٤.
(٢) المصدر السابق ج٦ ص٢٩٥.
(٣) انظر شرح النيل وشفاء العليل/ محمد بن يوسف اطفيش ج٨ ص٢٦١.
(٤) انظر المغني/ لابن قدامة ج٦ ص٣٤٩ - ٣٥٠.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
وصلته لهم، أنها نوع من أنواع الموالاة، كما قد يظن البعض الآخر أن منع النفقة عليهم وقطع الصلة بهم، أنها نوع من أنواع المعاداة للكفار وحيث إن هذا الأمر قد يشكل على بعض المسلمين، ونظرًا لصلته الوثيقة بموضوع الولاء والعداء رأينا أن نبين رأي الشرع في هذه المسألة حتى يكون المسلم على بينة في تعامله مع أقربائه من غير المسلمين أو في نظرته لمن يتعامل مع غير المسلمين من الذين تربطهم رابطة القرابة، فنقول: إن الفقهاء اختلفوا في موضوع النفقة على قولين:
القول الأول: قول جمهور من الحنفية والشافعية والمالكية والشيعة الإمامية والزيدية، حيث يقولون إن اتحاد الدين ليس بشرط في وجوب النفقة بين القرابة، وهم يستدلون بعموم الأدلة الدالة على وجوب النفقة قال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) إلى قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا) (١). فالإنفاق عليهما حال فقرهما من أحسن وجوه الإحسان، وإن التأذي بترك النفقة عليهما عند عجزهما أكثر من تأذيهما بكلمة أفٍ، فكان النهي عن التأفيف نهيًا عن ترك الإنفاق من باب أولى.
وقال تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) (٢). وهذه الآية نزلت في الوالدين الكافرين، وهل المعروف أن يترك الولد أبويه وهما في حالة عري وجوع شديد؟ (٣). وبناء على هذا يجب على المسلم النفقة لأقربائه من الكفار.
القول الثاني: قول من يقول بعدم وجوب النفقة على المسلم لقرابته
_________________
(١) سورة الإسراء آية (٢٣).
(٢) سورة لقمان آية (١٥).
(٣) انظر أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام.
[ ٢ / ٨٠٦ ]
الكفار، وهو قول الحنابلة (١). ودليلهم قول الله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) (٢) فوجب أن يكون من تلزمه نفقة غيره وارثًا له، واختلاف الدين يمنع التوارث فيمنع النفقة.
لأن بين المتوارثين قرابة تقتضي كون الوارث أحق بمال المورث من سائر الناس فيجب أن يختص بوجوب صلته بالنفقة دونهم، والنفقة بعد هذا وذاك من باب الصلة والمواساة فلا تجب مع اختلاف الدين (٣).
والراجح في ذلك هو قول الجمهور، لقوة ما احتجوا به من أدلة على وجوب النفقة على المسلم لقراباته من أهل الذمة.
وأما ما احتج به الحنابلة من وجوب اتحاد الدين كشرط لوجوب النفقة، فإن هذا في غير قرابة التولد، اما القول بأن النفقة واجبة للمواساة والصلة، فلا تجب مع اختلاف الدين. فالجواب أنها وجبت في هذه القرابة للجزئية، وهذا المعنى لا يختلف باختلاف الدين، وحتى إذا كان وجوب النفقة للمساواة والصلة، فإن اختلاف الدين لا يمنع من الصلة (٤).
أما نفقة المسلم على قراباته من الكفار المحاربين، سواء كانوا خارج دار الإسلام أو داخلها، فإن بذل النفقة لهم لا يجب ولا يجوز، إلا بنية تأليفهم للإسلام، ويدخل في ذلك الأقرباء الذين يعتنقون المبادئ الهدامة وينضمون إلى الأحزاب الكافرة سواء كانت شيوعية أو بعثية أو اشتراكية أو ماسونية أو صليبية أو وثنية أو نحو ذلك، حيث إن المسلم منهي عن بر من يحارب الله ورسوله والذين آمنوا. قال تعالى: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ
_________________
(١) انظر المغني والشرح الكبير ج٩ ص٢٥٩.
(٢) سورة البقرة آية (٢٣٣).
(٣) انظر المغني/ لابن قدامة ج٧ص٥٨٥.
(٤) انظر الوصايا في الفقه الإسلامي/ محمد سلام مدكور ص٣٢٣.
[ ٢ / ٨٠٧ ]
قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (١).
والقريب المستأمن من يلحق بالحربي حكمًا حيث إن النفقة هي من باب الصلة والبر، فلا يستحقها الحربي وإن كان مستأمنًا. وعلى هذا فلا تجب النفقة بين المسلم والمستأمن حتى في قرابة التوالد (٢).
فكيف حال من ينفقون على الكفار المحاربين لله ورسوله والمؤمنين وهم لا يرتبطون بهم في نسب ولا سبب مباح؟ أليس مثل هذا التصرف موالاة للكفار يوجب غضب الله ومقته وعذابه لمن يصنع ذلك من أدعياء الإسلام؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
_________________
(١) سورة الممتحنة آية (٩).
(٢) انظر أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام. د/ عبد الكريم زيدان ص٤٧٦.
[ ٢ / ٨٠٨ ]
المبحث الرابع: موالاة الكفار في الشؤون الحربية
وتحت ذلك ثلاثة فروع:
١ - الفرع الأول: الاستعانة بالكفار في القتال.
٢ - الفرع الثاني: الدخول في حماية الكفار.
٣ - الفرع الثالث: الاستعانة بسلاح الكفار.
[ ٢ / ٨٠٩ ]
الفرع الأول: الاستعانة بالكفار في القتال
إن المتتبع لآيات القرآن الكريم والسنة النبوية يجد من الآيات والأحاديث ما تدل دلالة قطعية على غش الكفار للمسلمين وعداوتهم لهم وخيانتهم لقضاياهم، وتمنيهم السوء للمسلمين ومسرتهم بذلك، وعداوتهم لله ورسوله، فمن والاهم وأعزهم وولاهم أمور المسلمين، فقد خالف ما أمر الله ﷿ بحقهم من وجوب الغلظة والشدة عليهم، ومن اعتقد فيهم النصح والإخلاص فقد كذب بما أخبر الله به عنهم من خيانة وغش وإرادة السوء بالمسلمين قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (١). وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (٢).
وقال تعالى: (وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (٣) فلا يجوز
_________________
(١) سورة آل عمران آية (٧٥).
(٢) سورة آل عمران آية (١١٨).
(٣) سورة النساء آية (٨٩).
[ ٢ / ٨١١ ]
الانخداع بما يظهره الكفار من صداقة وإخلاص حيث إنهم أعداء عقيدة لا ترجى مودتهم، وما يتظاهرون به من صداقة ونصح، فإنما هو لأغراض في أنفسهم، ولمصالحهم الخاصة، وللمكر والوقيعة بالمسلمين كالأفعى ينخدع الجاهل برقبتها ونعومتها وفي فمها السم الزعاف، وهؤلاء الكفار كذلك فإن مبدأهم في التعامل مع المسلمين، أن لا إثم ولا خطيئة عليهم في خيانة المسلمين في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، بل يرون ذلك قربة وقصاصًا عما فعله المسلمون بأسلافهم في الشام ومصر والأندلس (١).
وقد حذرنا الله منهم، وبين لنا مواقفهم منا، ونظرتهم إلينا في التعامل والمعاملة، حتى نكون على بينة في معاملتنا لهم، فإن الاستعانة بهم في مصالح المسلمين بصورة غير شرعية، لون من ألوان موالاتهم وتوليهم، وقد بين الله ﷿ أن من تولاهم فإنه منهم، ولا يتم إيمان العبد بربه حتى يتبرأ منهم، فإن البراءة منهم، دليل على عدم موالاتهم، ومن قلدهم الوظائف الهامة والمناصب الكبرى في ديار الإسلام، فقد اتخذهم بطانة من دون المؤمنين، وخالف الأمر بوجوب كسر شوكتهم والشدة عليهم وإشعارهم بالصغار بين المسلمين حتى يسلموا فيعتزوا بالإسلام، أو تضيق بهم نفوسهم في المجتمع الإسلامي الطاهر النظيف، فيلحقوا بالكفار أمثالهم أو يبقوا في وضع ضعيف مهين بحيث لا يشكلون خطرًا على الإسلام والمسلمين، فإذلال الكفار من غير ظلم أو تعد لما شرعه الله لهم من حقوق، أمر مطلوب من كل مسلم قال تعالى: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (٢). وقال تعالى: (وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) (٣). وقال تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (٤). وهذا لا يتأتى مع توليتهم
_________________
(١) انظر ما قاله أحدهم في (أحكام أهل الذمة) / لابن قيم الجوزية ج١ ص٢٢٧.
(٢) سورة الفتح آية (٢٩).
(٣) سورة التوبة آية (١٢٣).
(٤) سورة التوبة آية (٢٩).
[ ٢ / ٨١٢ ]
المناصب القيادية في الجيش وجعل الخبراء العسكريين والمستشارين منهم فإن معاملتهم بهذه الصفة تتنافى مع مقتضى الآيات المتقدمة في معاملة الكفار.
وقد اختلف العلماء في مسألة الاستعانة بالكفار في الحرب على قولين:
القول الأول: هو قول من قال بعدم جواز الاستعانة بالكفار في الحرب وهو مذهب المالكية (١). وبه قال الإمام أحمد (﵀) (٢) وقد استدل المانعون بعدد من الآيات والأحاديث هي كما يلي:-
١ - قول الله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) (٣). قيل: إنها نزلت في عبادة ابن الصامت (﵁) فقد كان له حلفاء من اليهود فلما خرج النبي - ﷺ - يوم الأحزاب قال: له عبادة، يا نبي الله إن معي خمسمائة من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي، فاستظهر بهم على العدو فأنزل الله هذه الآية (٤).
٢ - قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (٥). فقد رجح
_________________
(١) انظر روائع البيان تفسير آيات الأحكام من القرآن/ محمد علي الصابوني ج١ ص٤٠٢ - وانظر تفسير آيات الأحكام/ محمد علي السايس ج٢ ص٧.
(٢) انظر الأحكام السلطانية/ للقاضي أبي يعلى الحنبلي ص٣٩، ٢٢٥.
(٣) سورة آل عمران آية (٢٨).
(٤) انظر تفسير آيات الأحكام/ محمد علي السايس ج٢ ص٦. وانظر جامع البيان للقرطبي ج٤ ص٥٨. وانظر روائع البيان في تفسير آيات الأحكام من القرآن/ محمد علي الصابوني ج١ ص٤٠٣. وانظر أحكام القرآن للجصاص ج٢ ص٣٦ - ٣٧.
(٥) سورة آل عمران آية (١١٨).
[ ٢ / ٨١٣ ]
القرطبي عدم جواز الاستعانة بالكفار حيث يقول: إن الله قد وضح لنا العلة في النهي عن اتخاذهم بطانة بقوله: (لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) ثم ختم الآية بقوله: (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) فهل نكذب بيان الله فيهم ونصدقهم فنقربهم ونتقرب إليهم؟ (١). وفي زاد المسير قال القاضي أبو يعلى: هذه الآية دليل على أنه لا يجوز الاستعانة بالكفار في أمر من أمور المسلمين (٢).
٣ - قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٣). قال ابن خويز منداد: هذه الآية تضمنت مع مثيلاتها المنع من التأييد والانتصار بالمشركين ونحو ذلك (٤).
ويقول القرطبي: إن الصحيح من مذهب الشافعي هو منع الاستعانة بالكفار في القتال (٥). وهو ما ذهب إليه القرطبي أيضًا (٦).
وقد ذكر أن الشافعي علل ذلك بأنه طريق لأن يكون للكافرين على المؤمنين سبيلا (٧).
وأجاب من يرى الجواز بأن السبيل هو اليد وهي للإمام الذي استعان بالكفار (٨).
٤ - ومن الأحاديث ما روى مسلم في صحيحه عن عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: خرج رسول الله - ﷺ - قبل بدر، فلما كان بحرّة الوبر أدركه رجل
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي ج٤ ص١٨٠.
(٢) انظر زاد المسير في علم التفسير/ عبد الرحمن بن الجوزي ج١ ص٤٤٧.
(٣) سورة المائدة آية (٥٧).
(٤) انظر تفسير القرطبي ج٦ ص٢٢٤.
(٥) انظر تفسير القرطبي ج٦ ص٢٢٤.
(٦) المصدر السابق المكان نفسه.
(٧) انظر نيل الأوطار للشوكاني ج٨ ص٤٤.
(٨) المصدر السابق المكان نفسه.
[ ٢ / ٨١٤ ]
قد كان يذكر منه جرأة ونجدة ففرح أصحاب رسول الله - ﷺ - حين رأوه. فلما أدركه قال لرسول الله - ﷺ -: جئت لأتبعك، وأصيب معك قال له رسول الله - ﷺ - «تؤمن بالله ورسوله؟ قال لا قال فارجع: فلن أستعين بمشرك» قالت: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل فقال له كما قال أول مرة. فقال له النبي - ﷺ - كما قال أول مرة. قال: «فارجع فلن نستعين بمشرك». قال: ثم رجع فأدركه بالبيداء. فقال كما قال أول مرة «تؤمن بالله ورسوله؟» قال: نعم. فقال له رسول الله - ﷺ - «فانطلق» (١).
٥ - روى الواقدي أن خبيب بن يساف، كان رجلًا شجاعًا وكان يأبى الإسلام فلما خرج رسول الله - ﷺ - إلى بدر، خرج هو وقيس بن محرث، فعرضا على رسول الله - ﷺ - أن يخرجا معه، فقال «لا يخرج معنا رجل ليس على ديننا» فقال خبيب: قد علم قومي أني عظيم الغناء في الحرب فأقاتل معك للغنيمة قال: «لا، ولكن أسلم ثم قاتل» (٢).
٦ - روى الإمام أحمد عن خبيب عن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال أتيت رسول الله - ﷺ - وهو يريد غزوًا أنا ورجل من قومي ولم نسلم، فقلنا إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدًا لا نشهده معهم «قال أو اسلمتما» قلنا لا! «قال فلا نستعين بالمشركين على المشركين» قال فأسلمنا وشهدنا معه، فقتلت رجلًا وضربني ضربة وتزوجت بابنته بعد ذلك، فكانت تقول: لا عدمت رجلاَ وشحك هذا الوشاح فأقول: لا عدمت رجلًا عجل أباك النار (٣).
القول الثاني: قول من جوَّز الاستعانة بالكفار عند الحاجة إلى ذلك
_________________
(١) صحيح مسلم ج٣ ص١٤٤٩ - ١٤٥٠ وسنن أبي داود ج٣ ص٧٥.
(٢) انظر صور من حياة الرسول - ﷺ - ص٣٢٥/ أمين دويدار. وانظر نيل الأوطار للشوكاني ج٨ص٤٣.
(٣) مسند الإمام أحمد ج٣ ص٤٥٤. وانظر أسد الغابة في معرفة الصحابة ج٢ ص١٠٢.
[ ٢ / ٨١٥ ]
وهو قول جمهور الشافعية والحنابلة والأحناف (١). وقد استدل أصحاب هذا القول بعدة أحاديث هي كما يلي:
١ - ما روي أن قزمان خرج مع أصحاب رسول الله - ﷺ - يوم أحد وهو مشرك فقتل ثلاثة من بني عبد الدار حملة لواء المشركين حتى قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله ليأزر هذا الدين بالرجل الفاجر» (٢).
٢ - وفي صلح الحديبية كان الرسول - ﷺ - قد بعث أثناء توجهه إلى مكة عندما كان بذي الحليفة عينًا له من قبيلة خزاعة اسمه بشر بن أبي سفيان ليأتيه بخبر أهل مكة، وبشر بن أبي سفيان كان مشركًا من قبيلة خزاعة، وفي هذا تأكيد لجواز الاستعانة بالمشركين، عند الطمأنينة إليهم (٣).
٣ - وقد شارك في معركة أحد مع المسلمين مخريق بن ثعلبة اليهودي عقيدة وديانة العربي نسبًا وعرقًا، وكان قتاله تنفيذًا للمعاهدة المبرمة بين النبي - ﷺ - وبين اليهود، فدعا اليهود إلى حمل السلاح مع المسلمين فقالوا اليوم يوم السبت، فأخذ سلاحه ولحق برسول الله - ﷺ - فقاتل حتى قتل، وقال إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء وكان له سبعة بساتين وقد جعلها رسول الله - ﷺ - أوقافًا بالمدينة (٤).
٤ - إن النبي - ﷺ - قد استعان بيهود بني قينقاع وقسم لهم، واستعان بصفوان بن أمية في يوم حنين (قبل إسلامه) فدل ذلك على الجواز (٥).
_________________
(١) انظر روائع البيان في تفسير آيات الأحكام من القرآن ج١ ص٤٠٢ وانظر تفسير آيات الأحكام/ محمد علي السايس ج٢ ص٧. وانظر نيل الأوطار للشوكاني ج٨ ص٤٣، وانظر زاد المعاد/ لابن قيم الجوزية ج٢ ص١٩٠، وانظر كتاب الإسلام انطلاق لا جمود/ د/ مصطفى الرافعي ص١٦ وانظر الدرر السنية ج٧ ص٣٧٦.
(٢) انظر نيل الأوطار للشوكاني ج٨ ص٤٤، وانظر غزوة أحد/ محمد أحمد باشميل ص٢٢٨.
(٣) انظر فقه السيرة محمد سعيد رمضان البوطي ص٢٥٢. وانظر زاد المعاد لابن القيم الجوزي ج٢ ص١٢٣. وانظر نيل الأوطار للشوكاني ج٨ص٤٥.
(٤) انظر غزوة أحد/ محمد أحمد باشميل ص٢٢٦ - ٢٣١.
(٥) انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة ج٣ ص٢٢. وانظر روائع البيان في تفسير القرآن ج١ ص٤٠٢. وانظر تفسير آيات الأحكام/ محمد علي السايس ج٢ ص٧. وانظر نيل الأوطار للشوكاني ج٨ ص٤٣.
[ ٢ / ٨١٦ ]
٥ - وعن ذي مخبر قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ستصالحون الروم صلحًا وتغزون أنتم وهم عدوًا من ورائكم» (١).
٦ - وعن الزهري أن النبي - ﷺ - استعان بناس من اليهود في خيبر في حربه فأسهم لهم (٢).
وقد رد أصحاب هذا القول على أصحاب القول الأول القائلين بعدم جواز الاستعانة بالكفار بردود هي:-
أ- إن أدلة النهي عن الاستعانة بالكفار منسوخة بفعل الرسول - ﷺ - وعمله كما تقدم ذكر ذلك (٣).
ب- إن القائلين بالجواز لم يذكروا أنه يجوز الاستعانة بالكفار مطلقًا وإنما قيدوا ذلك بشرطين هما:-
١ - الحاجة إلى الكفار في حالة عدم وجود من يحل محلهم من المسلمين.
٢ - الوثوق بهم، وغلبة الظن على أمانتهم، وعدم مكرهم. أما بدون هذين الشرطين فلا تجوز الاستعانة بهم بحال من الأحوال وهذا هو الراجح، وعلى ذلك يحمل حديث عائشة (﵂) المذكور في صحيح مسلم، ويحصل الجمع بين الأدلة أدلة المنع وأدلة الجواز (٤).
_________________
(١) رواه أحمد وأبو داود. انظر نيل الأوطار للشوكاني ج٨ ص٤٣.
(٢) رواه أبو داود في مراسيله. المصدر السابق نفس المكان.
(٣) انظر روائع البيان تفسير آيات الأحكام من القرآن. ج١ ص٤٠٢، وانظر تفسير آيات الأحكام/ محمد علي السايس ج٢ ص٧.
(٤) انظر المصدرين السابقين، من نفس المكان.
[ ٢ / ٨١٧ ]
وقد نقل عن الشافعي (﵀) ما يوافق هذا المعنى حيث روي أنه قال: «إن رأى الإمام أن الكافر حسن النية، حسن الرأي مأمون الجانب على المسلمين، وكانت الحاجة داعية إلى الاستعانة به جاز ذلك وإلا فلا» (١).
ولعل هذا هو المتفق مع أدلة النهي وأدلة الجواز، إذ روي أنه - ﷺ - قبل معونة صفوان بن أمية يوم حنين، وهو مشرك، فتكون المسألة في ذلك داخلة تحت مفهوم السياسة الشرعية لمصلحة الدعوة الإسلامية (٢).
والظاهر لي من الأدلة عدم جواز الاستعانة بالمشركين إلا عند توفر الشرطين المتقدمين وذلك لسببين:
السبب الأول: إن الأحاديث التي استدل بها على جواز الاستعانة بالكفار لا تسلم من مقال أو توجيه يجعل العمل بها غير ملزم. فمقاتلة قزمان مع المسلمين لم يثبت أنه - ﷺ - أذن له بذلك في ابتداء الأمر، وغاية ما فيه، أنه يجوز للإمام السكوت عن كافر قاتل مع المسلمين (٣).
وأما استعانته - ﷺ - ببشر بن أبي سفيان عينا له على قريش وهو مشرك فإنما استعان به بما دون القتال، وهذه المسألة أقرب في الجواز من مسألة القتال والحرب (٤).
وأما ما روي عن الزهري مرسلًا، فإن مراسيل الزهري ضعيفة والمسند فيه الحسن بن عمارة وهو ضعيف (٥).
وأما استعانته - ﷺ - بابن أبي من المنافقين فليس من قبيل الاستعانة
_________________
(١) انظر مغني المحتاج ج٤ ص٢٢١.
(٢) انظر فقه السيرة/ محمد سعيد رمضان البوطي ص١٩٠.
(٣) انظر نيل الأوطار للشوكاني ج٨ ص٤٥.
(٤) فقه السيرة/ محمد سعيد رمضان البوطي ص٢٥٢.
(٥) انظر نيل الأوطار للشوكاني ص٤٥.
[ ٢ / ٨١٨ ]
بالكفار لأنه مظهر للإسلام، والمنافق يحكم عليه بحسب ظاهره والله ﷿ يتولى سره (١).
السبب الثاني: إن توجيه أدلة الجواز وأدلة المنع ممكن باتباع الأوجه التالية:-
الوجه الأول: ما قال الشافعي (﵁) إن النبي - ﷺ - غرس الرغبة في الذين ردهم، فردهم رجاء أن يسلموا فصدّق الله ظنه فيهم، وفيه نظر لأن قوله - ﷺ - «فارجع فلن نستعين بمشرك» نكرة في سياق النفي وهي تفيد العموم (٢).
الوجه الثاني: قول الجماعة إن الاستعانة كانت ممنوعة، ثم رخص فيها قال: ذلك الحافظ في التلخيص، وعليه نص الإمام الشافعي (٣).
الوجه الثالث: ما ذكر في البحر عن العترة وأبي حنيفة وأصحابه أنها لا تجوز الاستعانة بالكفار والفساق، إلا عندما يستقيمون على أوامر الولي المسلم ونواهيه، واستدلوا بأن استعانته - ﷺ - بمن سبق ذكرهم إنما كانت بهذا الوصف، بمعنى أن يكون الكفار مأمورين منهيين، لا آمرين ناهين (٤).
أما استعانته - ﷺ - بالمنافقين فقد انعقد الإجماع على جواز الاستعانة بهم على الكفار، فقد استعان النبي - ﷺ - بابن أبي وأصحابه، وكذلك الاستعانة بالفساق على الكفار (٥).
ومن هذا الباب الاستعانة بالفساق على البغاة حيث يرى الإمام الشوكاني جواز ذلك (٦).
_________________
(١) انظر المصدر السابق نفس المكان.
(٢) انظر نيل الأوطار للشوكاني ج٨ ص٤٣ - ٤٤.
(٣) المصدر السابق المكان نفسه.
(٤) المصدر السابق المكان نفسه.
(٥) المصدر السابق المكان نفسه.
(٦) المصدر السابق المكان نفسه.
[ ٢ / ٨١٩ ]
الوجه الرابع: اشتراط بعض أهل العلم ومنهم الهادوية، أنها لا تجوز الاستعانة بالكفار والفساق، إلا إذا كان مع الإمام جماعة يستقل بهم في إمضاء الأحكام الشرعية، على الذين استعان بهم ليكون المستعان بهم مغلوبين لا غالبين، كما كان وضع المنافقين مع رسول الله - ﷺ -.
وبناء على ما تقدم فقد اشترط القائلون بجواز الاستعانة بالكفار شروطًا تجعل الاستعانة بالكفار عند الضرورة القصوى، وفي مجالات لا تؤثر في عقيدة الإسلام وحياة المسلمين وهذه الشروط كما يلي:-
١ - أن لا يوجد من المسلمين من يقوم مقام الكافر أو الكفار الذين يراد الاستعانة بهم.
٢ - أن يستعان بهم فيما دون القتال مع المسلمين كما هو رأي الجمهور (١).
٣ - أن يكون المستعان بهم من الكفار فيه نصح ونفع للمسلمين.
٤ - أن لا يستقل الكافر برأي أو مشورة، عن رأي أهل الحل والعقد من المسلمين، بل يكون تابعًا مأمورًا، لا آمرًا متبوعًا.
٥ - أن لا يكون للمشركين صولة ودولة يخشى منها التعاون مع من استعان بهم المسلمون من الكفار لضرب الإسلام وأهله.
٦ - أن يكون الكافر أو الكفار المستعان بهم مستخدمين أجراء لا أنصارًا مكرمين.
٧ - إن جاز على بعض الأقوال الاستعانة بالمشرك في حرب غيره من المشركين فلا يجوز بحال من الأحوال الاستعانة بالمشركين في حرب البغاة من أهل الإسلام (٢).
_________________
(١) انظر فقه السيرة/ محمد سعيد رمضان البوطي ص١٩٠.
(٢) انظر الدرر السنية ج٧ ص٣٧٦.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
ولكن الناظر إلى أحوال المسلمين اليوم يجد عكس ذلك تمامًا حيث إن الكفار يقدمون على المسلمين في ديار الإسلام فهم المستشارون العسكريون والخبراء المنفذون، ولهم من الامتيازات العظيمة والتسهيلات الواسعة ما جعلهم يحصلون على تقدير مادي ومعنوي، لا يحصل عليه المسلم الذي يساويهم أو يتفوق عليهم علمًا وعملًا، فبلاد المسلمين تكتظ بملايين النصارى واليهود وأهل الأوثان الذين يحملون جنسيات مختلفة وهم في حقيقة أمرهم جواسيس للأعداء وقد كشفت الحروب الثلاثة مع اليهود جوانب من ذلك (١).
بينما كثير من أهل الخبرة والمعرفة من المسلمين مهاجرون إلى دول الغرب والشرق بسبب سوء المعاملة التي يتلقونها في داخل البلاد الإسلامية فواقع المسلمين عكس ما يجب أن يكون تمامًا، حيث إنهم أذلاء في معاملة الكافرين أشداء في معاملة المؤمنين فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
_________________
(١) انظر كتاب كيف تحطمت الطائرات عند الفجر، وكتاب سقوط الجولان، تأليف/ خليل مصطفى/ ضابط استخبارات الجولان قبل حرب ١٣٨٧هـ-١٩٦٧م.
[ ٢ / ٨٢١ ]
الفرع الثاني: الدخول في حماية الكفار
يجوز للمسلمين أن يدخلوا في حماية غير المسلمين إذا دعت الحاجة إلى ذلك، سواء كان المجير من أهل الكتاب كالنجاشي إذ كان نصرانيًا عند الهجرة إلى الحبشة ثم أسلم بعد ذلك، أو كان مشركًا كما حصل من المهاجرين إلى الحبشة عندما بلغهم، إن أهل مكة أسلموا، فاستخف ذلك الخبر منهم ثلاثة وثلاثين رجلًا فأقبلوا راجعين حتى إذا دنوا من مكة بان لهم فساد ذلك الخبر، فلم يدخل أحد منهم إلا بجوار أو مستخفيًا، وكان منهم عثمان (١) بن مظعون (﵁) فقد دخل بجوار الوليد بن المغيرة فأنفذ جواره.
ودخل أبو سلمة بن عبد (٢) الأسد في جوار أبي طالب لكونه ابن أخته بنت عبد المطلب، فتعرضت له قبيلة بني مخزوم وأبت أن تنفذ له جواره
_________________
(١) انظر ترجمته في أسد الغابة في معرفة الصحابة ج٣ ص٣٨٥ - ٣٨٧.
(٢) انظر ترجمته في المصدر السابق ج٥ ص٢١٨.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
وقالت لأبي طالب قد أمنعت منا ابن أخيك محمدًا فما لك ولصاحبنا؟ فقال: إنه استجارني وإن أنا لم أمنع ابن أختي، لم أمنع ابن أخي: فقام أبو لهب فقال يا معشر قريش والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ ما تزالون توثبون عليه في جواره من بني قومه والله لتنتهن عنه أو لنقومن معه في كل ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد فتركوه مراعاة لأبي لهب (١).
وقد دخل الرسول - ﷺ - في حماية أبي طالب حتى توفي أبو طالب وهو قائم بذلك، ودخل الرسول في حماية وجوار المطعم بن عدي بعد رجوعه من الطائف إلى مكة.
وهذا مشروط - بحكم البداهة - بأن لا يترتب على هذه الحماية أضرار بالدعوة الإسلامية، أو تنازل جزئي أو كلي عنها، أو تغيير لبعض أحكام الدين، أو سكوت على بعض المحرمات، فإن الرضا بمثل هذه الأمور من صميم الموالاة للكفار، فلا يجوز الدخول في مثل هذه الحماية التي يكون ثمنها التضحية ببعض أحكام الإسلام، والدليل على ذلك ما كان من موقف النبي - ﷺ - حينما طلب منه عمه أبو طالب أن يبقى على نفسه ولا يحمله ما لا يطيق، فلا يتحدث عن آلهة المشركين بسوء، فقد وطن نفسه - ﷺ - إذ ذاك للخروج من حمايته، وأبى أن يسكت عن شيء مما يجب عليه بيانه وإيضاحه (٢).
وكفار اليوم أشد خبثًا ومكرًا من كفار الأمس، فلو طلب المسلمون الحماية والمساعدة من بعض الكفار ضد البعض الآخر، وأعطوهم على ذلك المنافع المتعددة والتسهيلات الكثيرة فهم لن يقفوا مع المسلمين موقف النجدة والمساعدة والحماية والرعاية أبدًا، وقد جربت البلاد الإسلامية
_________________
(١) انظر: تحذير من ينتمي إلى الإسلام من الاحتماء بأعداء الملك العلام مخطوطة من ثلاث ورقات جمع علي بن أحمد السقاف سنة (١٢٩٩هـ) بقسم المخطوطات بجامعة الرياض برقم (١١٥٠).
(٢) انظر فقه السيرة د/ محمد سعيد رمضان البوطي ص١٠٢.
[ ٢ / ٨٢٣ ]
الدخول في معاهدات الحماية مع أوروبا وأمريكا، فكانت النتيجة لهذه الحماية الاستعمار وخراب الديار ونهب الثمار، وتجزئة البلاد الإسلامية. ودخلت مصر في حماية مع روسيا فكانت النتيجة تجسس اليهود الروس على مصر وتثبيطهم حتى تمكن اليهود من إحداث الهزيمة النكراء على مصر عام ١٣٨٧هـ - ١٩٦٧م وصدق الله العظيم حيث يقول (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).
والغرض من الدخول في حماية الدول الكبرى في عصرنا الحاضر، لا يراد به نصرة الإسلام والمسلمين، وإنما يراد به حماية المرتدين والمنافقين في داخل البلاد الإسلامية، من ضربات المسلمين المخلصين، والإبقاء على العملاء الذين يمنحون كامل ودهم وولائهم لأعداء الإسلام.
فالدول التي تخضع لحماية الغرب أو الشرق في العالم الإسلامي اليوم، إنما تفعل ذلك لحماية ما تمثله من ظلم وطغيان واستبداد فهي تدرك أنه ليس لها في المجتمعات التي تحكمها أي ولاء صادق سوى من فئة قليلة من النفعيين والمنافقين، ولذلك تلجأ هذه الدول إلى حماية الدول الكبرى كي تضمن بقاءها ولتحمي مواضع أقدامها من السقوط والانهيار.
وأخوف ما تخافه الدول الكبرى وعملاؤها في الدول الصغرى هو الإسلام، ولذلك نرى أن أي تحرك إسلامي يتم رصده ومتابعته من أول وهلة، ويسعى العملاء مع أسيادهم لإجهاضه والقضاء عليه قبل أن يشتد عوده ويقوى على مقاومة الطغيان.
فما أن يحدث أي حدث في بلد - ما - إلا وَيُجْعَل المسلمون هم الضحية لذلك الحدث، ويسارع الكفار جميعًا من الداخل والخارج لتمزيق المسلمين والقضاء عليهم بكل ما أوتوا من قوة.
فهل ندرك حقيقة أعدائنا، ونتيقن أن الكفر ملة واحدة وأن الكفار بعضهم أولياء بعض، وأن المستجير بالكفار الكبار على الكفار الصغار
[ ٢ / ٨٢٤ ]
كالمستجير من الرمضاء بالنار؟
أم لا نزال نعلق الآمال الكاذبة في حماية الدول الشرقية أو الغربية للبلاد الإسلامية، وهي التي قد رأينا ما رأينا من تآمر وعدوان على الإسلام والمسلمين؟
ووالله لو صدق المسلمون مع الله وأخلصوا دينهم لله، وصدقوا مع أنفسهم ومع إخوانهم لما احتاجوا إلى الدخول في حماية رجل كافر فضلًا عن دول كافرة، ولما شعروا بالخوف والهلع الذي يزلزل الأرض من تحت أقدامهم قال تعالى: (فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (١). وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٢).
_________________
(١) سورة الأنعام آية (٤٨).
(٢) سورة الأحقاف آية (١٣).
[ ٢ / ٨٢٥ ]
الفرع الثالث: الاستعانة بسلاح الكفار
إن السلاح سلعة من السلع التجارية التي يجوز للمسلم أن يشتريها من المسلم أو الكافر، ولكن شراء السلاح من الكافر خاصة يجب أن لا يترتب عليه موالاة لأعداء الله أو مودة أو مناصرة لهم، فقد ذُكِرَ لرسول الله - ﷺ - أن عند صفوان بن أمية أدراعًا وأسلحة، فأرسل إليه - وصفوان يومئذ مشرك - وطلب منه تلك الدروع والأسلحة. فقال صفوان: أغصبًا يا محمد؟! قال: بل عارية: وهي مضمونة حتى نؤديها إليك. فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح (١).
ومما تقدم يتضح لي أن الاستعانة ببعض ممتلكات الكفار كالسلاح وأنواع المعدات والصناعات المختلفة، أمر جائز ولا خلاف بين العلماء في ذلك (٢).
_________________
(١) انظر فقه السيرة د/ محمد سعيد رمضان البوطي ص٢٩٨.
(٢) انظر زاد المعاد لابن قيم الجوزية ج٢ ص١٩٠ - ١٩٢.
[ ٢ / ٨٢٦ ]
بشرط أن لا يجر ذلك إلى موالاة الكفار أو مودتهم، فنأخذ منهم السلاح بلا مودة أو محبة لهم، مثل ما أنهم يأخذون منا البترول وبقية السلع بأسعار رمزية ومع ذلك يعادوننا ويوالون أعداءنا فضلًا عن أن يقفوا منا موقف المسالم.
فلماذا نركع تحت أقدامهم؟ ونفتح لهم قلوبنا وبلادنا ليفسدوا فيها مقابل قطع من السلاح البالي الذي لا يسمن ولا يغني من جوع إلا ضد الضعفاء من المسلمين، في الوقت الذي هم يأخذون منا أكثر مما يعطونا ومع ذلك يضمرون لنا الحقد والكراهية والمكر والاستغلال، فإذا كنا لا نستطيع أن نستغني عن أسلحتهم وصناعاتهم في الوقت الحاضر، فلا أقل من أن نستغني عن محبتهم ومودتهم في حال كفرهم بالله، فإن الرسول - ﷺ - وهو أسوتنا وقدوتنا في الحياة أخذ من صفوان بن أمية السلاح وهو في مركز القوة والاستعلاء ولم يتعامل معه بصورة المستجدي الضعيف، وهكذا يجب أن نتعامل مع الأعداء.
ولكن الحاصل في وقتنا الحاضر أن كثيرًا من الدول المنتسبة إلى الإسلام، إذا عقدت صفقة من الأسلحة مع إحدى الدول الكافرة، بادرت إلى إرسال مئات الشباب بحجة التدريب على هذه الأسلحة، فيعود أولئك المتدربون آلات تدير آلات، قد حطمت عقيدتهم ومسخت أخلاقهم وزرع في قلوبهم حب الكفر وبغض الإسلام، فيعودون أعداء لأمتهم وقوتهم ودينهم، فماذا استفادت الأمة من ذلك، اشترت السلاح من الأعداء ودفعت بالأيدي التي سوف تدير السلاح إلى العدو كي يصنعهم على عينه وهواه، فأصبحت الجيوش في معظم البلاد الإسلامية بمثابة قواعد عسكرية للأعداء، ولذا فإنه من الملاحظ على عامة الجيوش في البلاد الإسلامية أنها تقف دومًا في حماية الطغاة والمستبدين، وتزداد جرأة وشجاعة عندما يكون خصومها من المسلمين العزل، فصارت حالة المسلمين مع جيوشهم كحال القائل:
[ ٢ / ٨٢٧ ]
أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني
وقد يسأل سائل ما هو البديل عن ذلك؟
والجواب كما يأتي في قضية الابتعاث (١) هو الاهتمام بنوعية الأفراد ونوعية التكوين الثقافي للأفراد بحيث يتم تحصين الأفراد علميًا وخلقيًا وفكريًا ضد مخططات الأعداء ومقاصدهم الخبيثة.
كما أنه يمكن استقدام الخبراء اللازمين للتدريب على الأسلحة لفترة محدودة وتحت إشراف دقيق يتم فيه توجيه الخبراء والمتدربين لتحقيق الهدف المنشود من شراء الأسلحة والتدريب عليها، وبذلك نضمن في أقل الأحوال سلامة الأفراد من أن ينفرد بهم الكفار، فيسيطروا على عقلياتهم وأخلاقهم سيطرة تامة كما هو حاصل في وقتنا الحاضر من معظم البلاد الإسلامية.
وإذا كانت بعض دول الكفر تحتكر أنواعًا من الأسلحة فلا تبيعها إلا بثمنين:
الثمن الأول: هو الموالاة لها على كفرها بالقول والفعل.
الثمن الثاني: هو نهب خيرات البلاد والعباد مقابل عدد من قطع السلاح التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فإن واجب المسلمين أن يرفضوا التعامل بمثل تلك الصورة التي تنطوي على استذلال الكفار للمسلمين، وأن يتعامل المسلمون مع الكفار من مركز القوة والعزة والأنفة والإباء قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (٢) فلا يجوز موالاة الكفار مقابل السلاح أو غيره. فلا يوالي الكفار من أجل سلاحهم أو الدخول في حمايتهم، أو قتالهم معه، إلا منافق ظاهر النفاق قال تعالى: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا
_________________
(١) انظر ص٧٨٧ - ٨١٣ من هذه الرسالة.
(٢) سورة المنافقين آية (٨).
[ ٢ / ٨٢٨ ]
دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (١).
_________________
(١) سورة المائدة آية (٥٢).
[ ٢ / ٨٢٩ ]
المبحث الخامس: موالاة الكفار في الحقوق الجنائية
١ - الفرع الأول: قتل المسلم بالكافر.
٢ - الفرع الثاني: إهانة المسلم بما دون القتل تكريمًا للكافر.
٣ - الفرع الثالث: الستر على جواسيس الكفار وحماية مجرميهم.
[ ٢ / ٨٣١ ]
الفرع الأول: قتل المسلم بالكافر
إن موالاة ومناصرة المسلم لأخيه المسلم واجب شرعي، بشرط أن لا يترتب على ذلك معصية أو تعطيل حكم شرعي من أحكام الله، ولما كان قتل المسلم بالكافر يوحي بموالاة الكافر ومناصرته ضد المسلم، فقد وضحت السنة النبوية هذا الجانب، وتحدث الفقهاء عنه بما لا يتطلب زيادة لمستزيد.
فقد أجمع الفقهاء على أن المسلم لا يقتل بالكافر الحربي (١). أما إذا كان ذميًا أو مستأمنا فقال جمهور الفقهاء بعدم القتل أيضًا (٢). وقد استدلوا بحديث «وأن لا يقتل مسلم بكافر» (٣) وحديث «المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده، ومن أحدث حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة
_________________
(١) انظر فتح الباري ج١٢ ص٢٦١ (كتاب الديات).
(٢) بداية المجتهد/ محمد بن أحمد القرطبي ج٢ ص٣٩٩.
(٣) رواه البخاري. انظر فتح الباري ج١٢ ص٢٦١.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
والناس أجمعين» (١) وروي أيضًا عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - قال: «لا يقتل مؤمن بكافر» (٢).
ولهذا ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يقتل مسلم بكافر سواء كان الكافر ذميًا أو معاهدًا، أما المحارب فلا خلاف فيه حيث إنه ليس له أي شبهة تجعل قتله ممنوعًا أو مؤاخذًا عليه، واستدل الجمهور على قولهم بأنه لا يجوز قتل المسلم بالكافر بالأدلة التالية:
١ - إن من شروط القصاص المساواة، ولا مساواة بين المسلم والكافر فالإسلام ينبوع الكرامة، والكفر ينبوع الهوان، قال تعالى: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) (٣).
٢ - إن في إباحة دم الذمي والمستأمن شبهة قائمة لوجود الكفر المبيح للدم وعقد الذمة والعهد شيء عارض منع القتل مع بقاء العلة فمن الوفاء بالعهد أن لا يقتل المسلم ذميًا أو معاهدًا، فإن حصل القتل لم يتجه القول إلى القود، لأن الشبهة المبيحة لقتله موجودة ومع قيام الشبهة لا يلزم القول بالقود.
ولأن عصمة الدم وإيجاب القود على القاتل مشروط بالإسلام قال رسول الله - ﷺ - «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (٤) فذكر أن عصمة الدم هو الإسلام، وعليه فالكافر غير معصوم الدم فلا يقتص بالمسلم منه.
وخالف في ذلك الأحناف فقالوا يقتل المسلم قصاصًا بالذمي دون
_________________
(١) أخرجه أبو داود. انظر بداية المجتهد ج٢ ص٣٩٩.
(٢) أخرجه أبو داود. المصدر السابق نفس المكان.
(٣) سورة الحشر آية (٢٠).
(٤) رواه مسلم انظر صحيح مسلم ج١ ص٥٢، ٥٣.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
المستأمن (١) وقد استدلوا بأدلة منها عموم آيات القصاص مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) (٢). وقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) (٣). وقوله تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) (٤) من غير فصل بين قتيل وقتيل ونفس ونفس ومظلوم ومظلوم.
ومن أدلتهم ما روى ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد الرحمن البيلماني أن النبي - ﷺ - أقاد مسلمًا بذمي وقال: «أنا أحق من وفى بذمته» (٥) وقد ضعف البيهقي هذه الرواية (٦).
وقال الجمهور: إن هذا الحديث لو ثبت لكان منسوخًا، نظرًا إلى أنه كان في قصة المستأمن الذي قتله عمرو بن أمية، وحديث «لا يقتل مؤمن بكافر» كان يوم الفتح (٧).
وقال الأحناف أيضًا: إن حديث «وأن لا يقتل مسلم بكافر» يراد به غير المعاهد حيث إنه لفظ عام قد ورد ما يخصص المعاهد منه، وقد رجح هذا القول عبد القادر عودة (٨)، واستدل الأحناف أيضًا أن المسلم تقطع يده إذا سرق مال الذمي، فوجب قتله إذا قتل، لأن حرمة دمه أعظم من حرمة ماله (٩).
وقد أجاب الجمهور بأن ذلك قياس حسن لولا النص على عدم قتل
_________________
(١) انظر فتح الباري ج١٢ ص٢٦١.
(٢) سورة البقرة آية (١٧٨).
(٣) سورة المائدة آية (٤٥).
(٤) سورة الإسراء آية (٣٣).
(٥) انظر أحكام القرآن للجصاص ج١ ص١٤١.
(٦) انظر السنن الكبرى للبيهقي ج٨ ص٣٠ - ٣٤.
(٧) انظر التشريع الجنائي الإسلامي/ عبد القادر عودة ج١ ص٣٣٩.
(٨) انظر أحكام القرآن للجصاص ج١ ص١٤٤.
(٩) انظر فتح الباري ج١٢ ص٢٦٢.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
المسلم بالكافر، وقالوا إن السرقة حق لله، ومن ثم لو أعيدت السرقة بعينها لم يسقط الحد ولو عفا المسروق منه، بخلاف القتل، والقصاص في القتل يشعر بالمساواة، ولا مساواة بين المسلم والكافر بخلاف القطع في السرقة فلا يشترط له المساواة.
ولا نريد أن نسترسل في مناقشة أدلة الطرفين مما قد يخرج بنا عن مقصود الرسالة في تحديد العلاقة والمعاملة بين المسلم الجاني والكافر المجني عليه في دار الإسلام، وما يجب أن يعرفه ويتخذه كل مسلم كي يحدد موقفه من ذلك بما يتفق مع نظرة الإسلام في هذه القضية، وخلاصة القول في ذلك هو أن المسلم إذا قتل ذميًا أو معاهدًا، فينظر الحاكم المسلم والقاضي المسلم إلى الدوافع والأسباب التي دفعت إلى القتل هل هي في صالح الإسلام والمسلمين أم لمصالح شخصية ومنافع مادية، ثم ينظر كذلك إلى الذمي والمستأمن هل كانا قائمين بما يجب عليهما محافظين على العقد والعهد أم لا؟
فالذي يجب على المسلم القاتل للذمي أو المستأمن ليس حد قصاص وإنما هي عقوبة تعزيرية، تخضع للسياسة الشرعية (١).
فللحاكم المسلم العدل أن يعزر القاتل تعزيرًا بما دون القتل، وأن يعامله بما هو أخف من ذلك مثل معاملة الكفار للكافر إذا قتل مسلمًا، فغالب أحوالهم لا يوجبون القصاص على الكافر إذا قتل المسلم، فمن باب المعاملة بالمثل يترجح عدم جواز قتل المسلم بالكافر، عملًا بقوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) (٢).
وإن كان الإسلام لا يبيح مجاراة الكفار في ظلمهم وغطرستهم بصفة عامة.
_________________
(١) انظر السياسة الشرعية لابن تيمية ص١٤٦.
(٢) سورة النحل آية (١٢٦).
[ ٢ / ٨٣٦ ]
ومما تقدم يتضح أن قتل المسلم بالكافر ليس حدًا لا تصح الزيادة فيه أو النقص منه، ولذلك عارض جمهور العلماء مسألة القصاص في قتل المسلم بالكافر، للحديث الصحيح في ذلك «وألا يقتل مسلم بكافر» (١) والمرتد عن الإسلام كافر من جنس الكفار، فالذي ينتمي إلى الأحزاب الشيوعية، أو الأحزاب البعثية، أو الأحزاب الاشتراكية، أو المنظمات الماسونية، فإنه كافر ومرتد لخروجه من حزب الله إلى أحزاب الكفر والضلال، ولذلك لو قتل المسلم واحدًا ممن ينتمون إلى تلك الأحزاب الكافرة، فإنه لا يعاقب باعتباره قاتلًا عمدًا سواء قتل المرتد قبل الاستتابة أو بعدها، لأن كل جناية على المرتد هدرًا ما دام باقيًا على ردته (٢).
ولكن للأسف الشديد ونظرًا لغياب الحكومة الإسلامية الحقة فإن المسلم اليوم لو قتل جاسوسًا من جواسيس اليهود والنصارى أو راهبًا من رهبانهم الذين ينشرون الفساد والإلحاد في بلاد الإسلام لأخذته السلطات الدخيلة على الإسلام والمسلمين، بالنواصي والأقدام، ولقتلته بهذا الكافر المحارب لله ورسوله والمؤمنين، وكذلك الشأن لو قتل المسلم شيوعيًا ينكر وجود الله ثم اقتيد إلى إحدى المحاكم التي يتربع على مقاعدها بعض القضاة الذين لا هم لهم إلا التكسب والأجر الزهيد، لحاولوا بشتى الوسائل وبالشاذ من الأقوال أن يحققوا رغبة الحاكم في قتل المسلم بالكافر المرتد عن الإسلام، وهذا ليس من قبيل الادعاء والتجني، بل هو الواقع، فعندما قتل أحد دعاة الشيوعية بالمغرب بأيدي مجهولة، عمدت السلطة إلى إلصاق التهمة بالمخلصين من المسلمين، وأجرت لهم، أو للبعض منهم محاكمات صورية كان من نتائج ذلك الحكم بالسجن المؤبد على بعضهم والبعض
_________________
(١) رواه البخاري، انظر فتح الباري ج١٢ ص٢٦١ وصححه كذلك بعد تنقيح جميع طرقه، وتخريج الأحاديث المعارضة له في اللفظ والمعنى الشيخ ناصر الدين الألباني، حيث يرى وجوب العمل به وضعف ما ذهب إليه الحنفية من جواز قتل المسلم بالكافر بعد تضعيفه لجميع الروايات التي يحتجون بها. انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة ج١ ص٤٧٣ - ٤٧٦.
(٢) انظر التشريع الجنائي الإسلامي/ عبد القادر عودة ج١ ص٥٣٤ - ٥٣٥.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
الآخر شبه مؤبد، والبعض أودع السجن من خمس سنوات وهو لم يحاكم حتى محاكمة مزيفة (١).
كل ذلك إكرامًا للشيوعية والشيوعيين أعداء الإسلام والمسلمين. إلا أنها ردة لا أبا بكر لها!!!
وحتى لا يتوهم أحد أن الإسلام يشجع على سفك دماء الغير بدون سبب مباح نقول: إن الإسلام عندما خفف العقوبة من القتل إلى ما هو دون ذلك، إنما نظر إلى شبهة الكفر المانعة من تكافؤ دم المسلم مع دم الكافر ولكن يجب على المسلم القاتل للذمي والمستأمن عقوبة تعزيرية في الدنيا إذا كان الذمي والمستأمن ملتزمين بما يجب عليهما نحو الإسلام والمسلمين فقد وعد الله ﷿ من اعتدى على قتل معاهد سواء كان ذميًا أو مستأمنًا بحرمانه من الجنة، إذا لم يتب عن ذنبه قال رسول الله - ﷺ -: «من قتل نفسًا معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا» (٢).
وهذا من حماية الإسلام للمعاهد الملتزم بالعهد سواء كان يهوديًا أو نصرانيًا، إذا كان في دار الإسلام، وقد روي أيضًا عن رسول الله - ﷺ - «ألا من قتل نفسًا معاهدة لها ذمة الله ورسوله، فقد خفر ذمة الله، ولا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسين خريفًا» (٣).
وهذان الحديثان يستدل بهما من يرى عدم جواز القصاص من المسلم
_________________
(١) انظر مجلة المجتمع الكويتية عدد (٣٤) السنة التاسعة في ٣٠/ ٣/١٣٩٩هـ. ص١٧ وعدد (٤٨٥) السنة الحادية عشرة في ٣/ ٨/١٤٠٠. ص٦٠٤، وعدد (٤٨١) السنة الحادية عشرة في ٥/ ٧/١٤٠٠هـ ص١٣، ص١٦ - ١٨.
(٢) رواه البخاري. انظر فتح الباري ج١٢ ص٢٥٩.
(٣) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. انظر سنن الترمذي ج٢، ص٤٢٩، (باب الديات) رقم الحديث (١٤٢٤).
[ ٢ / ٨٣٨ ]
بالكافر، للاقتصار في أمره على الوعيد الأخروي دون الدنيوي (١). وقد رجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (﵀) في مختصر الفتاوى المصرية (٢).
والذي يظهر لي أن الأولى عدم جواز قتل المسلم بالكافر أيا كان نوع الكافر للحديث الصحيح الوارد في ذلك ولعدم تكافؤ المسلم مع الكافر بسبب الكفر، وإن كان هذا الموضوع بجملته من العقوبات التعزيرية التي هي متروكة للحاكم والقاضي إذا كانا عدلين مسلمين فلهما النظر في ذلك من منظار السياسة الشرعية، وما يحقق المصلحة العامة للإسلام والمسلمين ولكن أين من ينظر إلى مثل هذه الموضوعات من الحكام والقضاة بمنظار الإسلام؟
فلا حول ولا قوة إلا بالله.
_________________
(١) انظر فتح الباري ج١٢ ص٢٦٠.
(٢) انظر مختصر الفتاوى المصرية/ ابن تيمية ص٤٦٥.
[ ٢ / ٨٣٩ ]
الفرع الثاني: إهانة المسلم بما دون القتل دفاعًا عن الكافر
ذكرنا فيما سبق حكم القصاص من المسلم إذا قتل كافرًا وبينا الحكم والراجح في ذلك، وفي هذا الفرع نتناول مسألة اعتداء المسلم على الكافر بما دون القتل، من لطم أو شجاج أو تجريح بالكلام أو نحو ذلك، وهل يجب على المسلم القصاص أو التعزير كما لو اعتدى على مسلم مساو له سواء بسواء؟ أم أن التعدي على الكافر ينظر إليه باعتبار آخر لما فيه من صفة الكفر؟
والجواب على ذلك أن اعتداء المسلم على الكافر الذمي أو المستأمن من أجل مصلحة دنيوية أو حقوق مادية موجب للقصاص والتعزير على العقوبات التي تدخل في هذا الباب. وهذا ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة حيث يرى أن المسلم والكافر يكافئ بعضهم البعض الآخر ما دام الكافر معصوم الدم بعهد أو أمان.
إلا أنه يرى القصاص مطلقًا، أما الشافعي وأحمد فيرون القصاص فيما دون النفس فقط. وخالف في ذلك الإمام مالك حيث يرى أنه لا
[ ٢ / ٨٤٠ ]
قصاص بين المسلم والكافر حتى فيما دون القتل فلو قطع مسلم يد كافر فلا يقتص من المسلم لانعدام التكافؤ، لأن القصاص فيما دون النفس يقتضي المساواة بين الطرفين ولا مساواة بين المسلم والكافر (١).
أما إذا اعتدى المسلم على الكافر الذمي أو المستأمن بسبب تطاولهما على الله ورسوله ودين الإسلام، فقام المسلم بتغيير ما صدر منهم من المنكر بالقول أو الفعل أو بهما معًا، وأدبهم على ذلك بضرب ونحوه وهو غير متجاوز في العقوبة ما يجب عليهم أصلًا من عقوبة تجاه هذا المنكر فإن المسلم في هذه الحالة لا يعاقب على ما صدر منه بحق الذمي أو المستأمن، ما دام أن ما صدر منه إنما كان بدافع تغيير المنكر الذي رآه بيده، فإن من حق كل مسلم أن يغير المنكر الذي يراه بيده أو قوله أو بقلبه عند أضعف درجات الإيمان، كما ورد في صحيح مسلم «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه. فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان» (٢). سواء كان هذا المنكر صادرًا من مسلم أو معاهد أو ذمي، ما دام هذا المنكر غير مباح أصلًا في حق المعاهد أو الذمي كشرب الخمر أو أكل لحم الخنزير، فإنه ليس من حق المسلم أن ينكر على هؤلاء مثل ذلك الشيء الذي يرونه مباحًا في دينهم، ما لم يجاهروا بهذه المحرمات ويتحدوا بها مشاعر المسلمين.
أما ما عدا ذلك من المحرمات عند أهل الكتاب، فإن المسلم ينكر على المعاهد والذمي كما ينكر على المسلمين سواء بسواء، ولو اقتضى الأمر تأديبهم بالفعل أو القول - دون تعدٍ - فلا قصاص عليه ولا تعزير والدليل على ذلك ما روي عن أبي سعيد الخدري (﵁) قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي - ﷺ - قَد لُطِمَ وجهه فقال: يا محمد. إن رجلًا من أصحابك من الأنصار قد لطم وجهي. فقال: ادعوه، فدعوه، فقال:
_________________
(١) انظر التشريع الجنائي الإسلامي/ عبد القادر عودة ج٢ ص٢١٥.
(٢) رواه مسلم. انظر صحيح مسلم ج١ ص٦٩ (كتاب الإيمان) باب النهي عن المنكر.
[ ٢ / ٨٤١ ]
ألطمت وجهه؟ قال: يا رسول الله، إني مررت باليهود فسمعته يقول: والذي اصطفى موسى على البشر، قال فقلت: أعلى محمد - ﷺ - قال فأخذتني غضبة فلطمته. قال: لا تخيروني من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جزى بصعقة الطور (١). فلم يقتص الرسول - ﷺ - للذمي من المسلم وهذا دليل على أن المسلم لما كان الدافع إلى فعله هو الغيرة لله ولرسوله وكان الذمي متعد بموجب عقد الذمة الذي يلزم أهل الذمة بعدم قول أو فعل أي شيء فيه انتقاص لله ولرسوله ودين الإسلام، كان ذلك مسقطًا للجزاء على المسلم، وفي هذا الحديث دليل على أن الذمي أو المعاهد إذا أقدم على ما فيه انتقاص الإسلام والمسلمين جاز للمسلم المعروف بالعلم والعدالة تعزيره على ذلك، إذا كان الموقف لا يحتمل تأجيل ذلك ورفعه إلى الإمام، ولا عقوبة عليه في ذلك (٢) ولكن ذلك لا يعني جواز ظلم المعاهد أو التعدي عليه بغير حق فقد ورد في الحديث «ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة» (٣). وهذا يدلنا على حسن رعاية الإسلام لحقوق غير المسلمين إلا عند إساءتهم للإسلام والمسلمين فحينئذ تسقط الحصانة عنهم، ويعاملون معاملة المحاربين للإسلام والمسلمين.
_________________
(١) رواه البخاري. انظر فتح الباري ج١٢ ص٢٦٣.
(٢) انظر فتح الباري ج١٢ ص٢٦٣ وانظر التشريع الجنائي الإسلامي عبد القادر عودة ج١ ص٥٠٥ - ٥١١.
(٣) أخرجه أبو داود والبيهقي - انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني م١ ص١٨٥ رقم الحديث (٤٤٦).
[ ٢ / ٨٤٢ ]
الفرع الثالث: الستر على جواسيس الكفار وحمايتهم
إن من موالاة الكفار ومناصرتهم، ما تقوم به بعض الدول والأفراد من ٣مساعدة جواسيس الكفار وحمايتهم، واستقدامهم بصورة مختلفة وطرق متباينة ليعبثوا بأرض المسلمين فسادًا، وليتخذوا بها أوكارًا ومرابض يفرخون من خلالها للأحزاب الكافرة والدعوات الهدامة، وينقلوا ما في المجتمع المنتسب إلى الإسلام من سلبيات وتناقضات لاستغلالها في حرب الإسلام وأهله بالطرق المختلفة.
وهؤلاء الذين يؤون جواسيس الكفار ويتسترون عليهم حكمهم حكم هؤلاء الكفار لأن المعين على الشيء له حكم المباشر له (١). ولقوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (٢) وقد اتفق العلماء على وجوب قتل الجاسوس المشرك (٣)، وقد نقل ابن العربي القول بقتل الجاسوس المسلم
_________________
(١) انظر الفتاوي لابن تيمية ج٣٥ ص٩١.
(٢) سورة المائدة آية (٥١).
(٣) انظر فتح الباري ج٦ ص١٦٩.
[ ٢ / ٨٤٣ ]
الذي يتجسس على المسلمين لصالح الكفار، ورجح ذلك حيث قال: «وهو الصحيح لإضراره بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض» (١).
ومن هؤلاء الذين يتسترون على جواسيس الكفار الرئيس السوري - حافظ النصيري - فقد عفا وأطلق سراح ثلاثة وعشرين جاسوسًا لليهود في سوريا. بينما قتل في ساعة واحدة ألف نفس أو تزيد في سجن تدمر الصحراوي من خيرة المسلمين في سوريا.
إن حافظ النصيرية ليس محسوبًا أصلًا على الإسلام عند المسلمين الحقيقيين، ولكن هناك من يواليه وينصره بالقول والفعل ويتستر على جرائمه وهو يفعل باليهود هذا الفعل، ويفعل بالمسلمين ذاك الفعل، ومع ذلك يعتقد من يواليه وينصره أنه قائم على الصراط السوي، وسائر على الطريق المستقيم، رغم تلك الجرائم البشعة التي يندى لها الجبين.
وفي معظم البلاد الإسلامية تجد عملاء وجواسيس اليهود والنصارى والشيوعيين يسرحون ويمرحون بكل حرية وطلاقة في عرض البلاد الإسلامية وطولها، بعلم من السلطات الحاكمة أو بغير علم، وحتى لو اكتشف بعض الأنظمة الحاكمة في البلاد الإسلامية، شبكة تجسس من هذا القبيل لاكتفت بالنفي لهؤلاء خارج بلادها، بينما لو وقع في يدها فرد أو جماعة تدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة لاعتبر ذلك خيانة عظمى يستحق أصحابها أن يعلقوا على أعواد المشانق ويودعوا في غياهب السجون عشرات السنين.
فيا ترى هل مثل هؤلاء يقيمون للموالاة في الله والمعاداة فيه أي وزن أو تقدير؟
رحمتك اللهم يا رب، ولا حول ولا قوة إلا بك.
_________________
(١) انظر أحكام القرآن لابن العربي ج٤ ص١٧٧٠ - ١٧٧٢.
[ ٢ / ٨٤٤ ]
المبحث السادس: موالاة المسلم للكفار في بلادهم
سنتناول هذا المبحث في فرعين هما:
١ - الفرع الأول: موالاة الكفار في السفر إليهم والإقامة بينهم.
٢ - الفرع الثاني: موالاة الكفار في العمل لديهم وتحت ولايتهم.
[ ٢ / ٨٤٥ ]
الفرع الأول: موالاة الكفار في السفر إليهم والإقامة بينهم
يختلف حكم السفر والإقامة بدار الكفار تبعًا لاختلاف النية والمقصد الباعث على السفر والإقامة عند الكفار، فقد ورد في الحديث الصحيح «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (١). والنية إنما تدل عليها الأعمال الظاهرة، فإن كانت الأعمال الظاهرة حسنة والنية حسنة فالعمل حسن، وإن كانت النية سيئة فالعمل سيئ ولو حسن العمل في الظاهر لأنه يدخل حينئذ في باب النفاق.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (﵀): «الإقامة في كل بلد تكون لأسباب فإذا كانت في موضع يكون فيه أطوع لله ورسوله، وأفعل للحسنات والخير، بحيث يكون المسلم أعلم بذلك وأقدر عليه، وأنشط له، فهي أفضل من الإقامة في موضع يكون حاله فيه في طاعة الله ورسوله دون ذلك» (٢). اهـ. ومن ذلك نستدل على أن الإقامة في بلد - ما - أمر نسبي
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم: انظر جامع العلوم والحكم/ عبد الرحمن بن رجب الحنبلي ص٥.
(٢) انظر مجموع الفتاوى/ ابن تيمية ج٢٧ ص٣٩.
[ ٢ / ٨٤٧ ]
يتعلق بنية الشخص نفسه، والظروف المحيطة به، فقد تكون إقامة المسلم في أرض يسود بها الضلال ويستعلي بها الكفر، أفضل إذا كان مجاهدًا في سبيل الله، داعيًا إلى منهج الله بقوله وفعله من إقامته في أرض كل أهلها من الناس الصالحين الطيبين (١).
ولذلك يمكن تقسيم السفر والإقامة بين الكفار إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: مَنْ سفره مأمور به شرعًا وصاحبه مجاهد في سبيل الله حتى يرجع وذلك إذا كان الذهاب إلى الكفار بقصد الدعوة إلى الله، أو تعلم ما هو وسيلة إلى مرضاة الله وخذلان أعدائه. ودليل هذا النوع سفر الرسول - ﷺ - إلى أهل الطائف يعرض الإسلام عليهم، وكانت كلها دار كفر في ذلك الوقت، فلم يمنعه ذلك من السفر إليها والإقامة بينهم بعض الوقت. وكذلك بعث الرسول - ﷺ - بالرسل إلى ملوك أهل الأرض ومن حولهم وهم كفار، فقد بعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك الفرس ودحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر - وهو هرقل - ملك الروم، وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب مصر، وشجاع بن وهب بن أسد بن خزيمة إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك عرب النصارى، وسليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي، وعمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك النصارى بالحبشة وهو أصحمة بن الحر (٢).
فهؤلاء الأشخاص الذين يستحب لهم الذهاب إلى الكفار يشترط فيهم أن يكونوا عارفين لدينهم بأدلته الشرعية. متمسكين بعقيدتهم مأمونًا عليهم في ظاهر حالهم من الوقوع في الفتنة، قاصدين من سفرهم وسكناهم مع الكفار إظهار دين الله والدعوة إليه، ومعرفة ما يعينهم على ذلك.
القسم الثاني: من أقسام السفر والإقامة مع الكفار ما يكون مباحًا.
_________________
(١) انظر الابتعاث ومخاطره/ محمد بن لطفي الصباغ ص١٢.
(٢) انظر البداية والنهاية/ لابن كثير ج٤ ص١٨٠.
[ ٢ / ٨٤٨ ]
وهو من كان سفره لحاجة دنيوية كتجارة أو علاج وهو عارف لدينه بأدلته آمن من الفتنة، مظهر لدينه بعداوة الكفار والبراءة منهم، قادر على التأثير في الكفار دون التأثر بهم، وهذا ما حصل من رسول الله - ﷺ - فقد سافر النبي - ﷺ - إلى الشام في تجارة، وهذا السفر دليل قاطع على جواز السفر إلى الكفار والتجارة معهم. فإن قيل، كان ذلك قبل النبوة، فالرد أنه - ﷺ - لم يتدنس قبل النبوة بحرام، ولا اعتذر عن ذلك حين بُعِثَ، ولا منع أحدًا من الصحابة في حياته ولا منع ذلك أحد من خلفائه بعد وفاته.
فقد كانوا يسافرون في فك الأسرى، وفي حمل الرسائل إلى ملوك أهل الأرض، فقد أرسل الرسول - ﷺ - عثمان بن عفان (﵁) إلى أهل مكة وهم أهل حرب للإسلام والمسلمين فدل ذلك على أن السفر لغرض مباح يكون مباحًا ولغرض مستحب يكون مستحبًا (١).
وقد كان للتجار المسلمين تأثير عظيم على كثير من البلدان التي ارتحلوا إليها، فحملوا معهم بضاعة الدعوة إلى الله بجانب البضائع الدنيوية فكانوا بذلك فاتحين لبلاد لم تطأها أقدام الجيوش الإسلامية، وإنما انتشر الإسلام فيها بفضل الله ثم بفضل أولئك الذين حملوا الإسلام بأقوالهم وأفعالهم فكانوا قدوة حسنة ومثلًا أعلى يقتدي بهم، ومن هذه البلاد أندونسيا وماليزيا ومعظم الدول الواقعة في شرق وجنوب آسيا ووسط أفريقيا وشرقها مثل تشاد ونيجيريا ويوغندا والسودان والصومال وما حولها.
القسم الثالث: ما يكون سفره وإقامته في بلاد الكفار حرام وكبيرة من كبائر الذنوب، وذلك من كان سفره لحاجة دنيوية وهو عارف لدينه بأدلته آمن من الفتنة، ولكنه غير قادر على إظهار دينه وتأدية شعائر الإسلام علانية وبحرية تامة، من فعل للواجبات وترك للمحرمات، وإظهار البغض والعداوة للكفار والبراءة منهم، فهذا لا يكون سفره وإقامته بين الكفار كفر ولكن
_________________
(١) انظر سير القرطبي ج٦ ص١٣.
[ ٢ / ٨٤٩ ]
السفر والإقامة بين الكفار في هذه الحالة معصية تختلف درجتها باختلاف القدر المسموح به من إظهار الدين أو عدمه، ولذلك يجب على المسلم أن يحتاط لنفسه في هذه الناحية فلا يجوز السفر أو الإقامة في بلد لا يسمح أهله بإظهار شعائر الإسلام، وذلك مثل البلاد الشيوعية وما شاكلها، ولكن للأسف الشديد إن بعض الدول المعاصرة مثل اليمن والصومال وسوريا وليبيا وغيرها من الدول ترسل أعدادًا من أبناء المسلمين إلى الدول الشيوعية مثل روسيا وكوبا وتشيكوسلفاكيا والمجر وبلغاريا وغيرها من الدول الشيوعية، مع العلم أن هذه الدول لا تسمح للمسلم بمزاولة أي شعيرة من شعائر الإسلام، فلا يرضى بذلك من المسئولين والطلاب إلا أناس ليسوا من الإسلام في شيء (١).
القسم الرابع: من أقسام السفر والإقامة مع الكفار، ما يكون ردة وخروج عن الإسلام، وهذا الحكم ينطبق على كل من سافر إلى الكفار وأقام معهم مدة طويلة أو قصيرة، فرضي عن الكفار، وأظهر الموافقة على كفرهم، ومدح ما هم فيه من كفر، أو استحسن ذلك وأظهر لهم المودة والاحترام مع ما هم متلبسين به من كفر، فولاهم موالاة المحب لمحبوبه وركن إليهم، وأنس بقربه منهم، ولم يتميز عنهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال فهو منهم (٢)، قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٣).
وعلى ضوء ذلك يمكن القول: بأنه إذا استطاع المسلم إظهار الإسلام في بلد لم تحرم الإقامة فيه على من صان دينه وباين الكفر وأهله وأظهر العداوة لأعداء الله (٤). وعلى ذلك يمكن حمل مفهوم الآيات والأحاديث
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد ص٤٧، ٣٠٣.
(٢) انظر رسالة في الجهاد/ للشيخ عبد الرحمن بن حماد آل عمر ص٣١ - ٣٢.
(٣) سورة المائدة آية (٥١).
(٤) انظر الدرر السنية ج٩ ص٢١٣.
[ ٢ / ٨٥٠ ]
الواردة في ذم مساكنة الكفار والإقامة معهم على من لم يقدر على إظهار دينه، أو رضي عنهم وتابعهم على دينهم وإن كان يدعي الإسلام، فمن الأدلة الواردة في ذم مخالطة المشركين على ذلك الوصف المتقدم ما يلي:-
أولًا- قول الله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (١). لأن الرضا بالكفر كفر، وعلى هذا استدل العلماء بأن الراضي بالذنب كفاعله، لأن الذي يدعي الإسلام، ويكون مع المشركين في الاجتماع بهم، والنصرة لهم، والسكن معهم بحيث يعده المشركون أو المرتدون عن الإسلام أنه واحد منهم، فهو كافر مثلهم، وإن ادعى الإسلام (٢).
ولا فرق في ذلك بين المدة القريبة أو المدة البعيدة، فكل بلد لا يقدر المسلم على إظهار دينه فيه، لا يجوز له المقام فيه ولو يومًا واحدًا إذا كان يقدر على الخروج منه (٣). فحكم الإقامة كحكم السفر في ذلك، نظرًا لما يترتب عليهما من منافع أو مفاسد متشابه في حق الفرد والأمة على حد سواء (٤).
وقد قال القرطبي في الآية المتقدمة في قوله تعالى: (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) (٥): إن هذه الآية نزلت في المنافقين الذين يجالسون أحبار اليهود
_________________
(١) سورة النساء آية (١٤٠).
(٢) انظر مجموعة التوحيد ص٤٨.
(٣) المصدر السابق المكان نفسه.
(٤) المصدر السابق المكان نفسه.
(٥) سورة النساء آية (١٤٠).
[ ٢ / ٨٥١ ]
فيسخرون من القرآن وهم معهم، فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر ولم يستطع تغييره.
وقال الكلبي (١) إن هذه الآية منسوخة (٢). بقوله تعالى: (وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (٣).
قال القشيري (٤)، إن الآية الأخيرة ليست منسوخة بالأولى بل المعنى ما عليكم من حسابهم إذا قمتم بتذكيرهم وزجرهم أما إذا رضيتم فلا يجوز الجلوس معهم ويصبح حينئذ أمرًا محرمًا (٥)، وقال قتادة: إن الآية التي تفيد عدم مسئولية المسلمين بعد النصح والبيان منسوخة (٦). بقوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (٧). ولكن الراجح أن هذه الآية الأخيرة متناولة لعموم المسلمين في حق عموم الكفار، أما الفرد المسلم في بلاد الكفار فمن غير المتصور أنه بعد نصحه للكفار أن يقاتلهم إذا لم
_________________
(١) هو محمد السائب بن بشر بن عمرو بن الحارث الكلبي (أبو النضر) مفسر، إخباري، نسابة، راوية، ولد بالكوفة وشهد وقعة دير الجماجم مع ابن الأشعث وتوفي بالكوفة سنة (١٤٦هـ) من آثاره: تفسير القرآن الكريم. انظر معجم المؤلفين/ عمر رضا كحاله ج١٠ ص١٥.
(٢) انظر تفسير القرطبي ج٥ ص٤١٨.
(٣) سورة الأنعام آية (٦٩).
(٤) يوجد بهذا الاسم:
(٥) القشيري (أبو الفضل) بكر بن محمد. انظر معجم المؤلفين ج٣ ص٧٤.
(٦) القشيري (أبو نصر) عبد الرحيم بن عبد الكريم. انظر معجم المؤلفين ج٥ ص٢٠٧.
(٧) القشيري (أبو القاسم) عبد الكريم بن هوازن. انظر معجم المؤلفين ج٦ ص٦. وانظر الإعلام للزركلي ج٥ ص١٩٨. ولم يتضح لي صاحب هذا القول منهم.
(٨) انظر تفسير القرطبي ج٧ ص١٥.
(٩) المصدر السابق نفس المكان.
(١٠) سورة التوبة آية (٥).
[ ٢ / ٨٥٢ ]
يستجيبوا له لأن القتال مسئولية جماعية في حق الأمة وليس واجبًا فرديًا على أفراد المسلمين المتواجدين داخل دار الكفار (١).
ثانيًا - قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (٢).
يقول سيد قطب (﵀): يمضي هذا الحكم إلى آخر الزمان متجاوزًا تلك الحالة الخاصة في مكة إلى ما يماثلها في كل زمان ومكان يلحق هذا الحكم كل مسلم تناله الفتنة في دينه في أية أرض، ثم تمسكه أمواله ومصالحه وقراباته وصداقاته وخوفه من متاعب التنقل والارتحال إلى دار الإسلام (متى وجدت) التي يحيا فيها حياة إسلامية في ظل شريعة الله (٣).
ثالثًا - قول الله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) (٤). يقول القرطبي: إن الآية دليل على عدم الدخول إلى أرض العدو ودخول الكنائس والبيع، ومجالسة الكفار وأهل البدع وهم في تلك الحالة التي نهي عن مجالستهم فيها وقلما تجد الكفار في حالة من حالات الإعراض عن الخوض في آيات الله، وهذا الأمر يستدعي الانتباه عند مجالسة الكفار ورد باطلهم عليهم عند تعرضهم لأحكام الله وآياته أو مفارقتهم عند عدم القدرة على الإنكار عليهم (٥).
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي ج٥ ص٤١٧ - ٤١٨ وج٧ ص١٤ - ١٥.
(٢) سورة النساء آية (٩٧).
(٣) انظر في ظلال القرآن/ سيد قطب م٢ ص٤٩٨ - ٥٠٠.
(٤) سورة الأنعام آية (٦٨).
(٥) انظر تفسير القرطبي ج٧ ص١٢.
[ ٢ / ٨٥٣ ]
رابعًا: عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة -أو قال- لا ذمة له» (١).
وروي عن سمرة بن جندب (﵁) قال: أما بعد قال رسول الله - ﷺ -: «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله» (٢) وفي هذين الحديثين وعيد شديد لمن جامع المشركين وساكنهم اختيارًا وخاصة من لم يستطع إظهار دين الله عندهم وإعلان البراءة منهم ومن كفرهم فليحذر المسلمون المقيمون بين الوثنين والمرتدين والنصارى والمجوس من أن يلحقهم هذا الوعيد الشديد الذي قد يؤدي بهم إلى الخروج عن دائرة الإسلام، فهذا الوعيد الشديد يقتضي تحريم الإقامة بين ظهراني المشركين لمن عجز عن إظهار دينه وهو قادر على الهجرة إلى بلد يظهر فيه الإسلام، كما أن السفر إلى البلاد التي لا يُظهر فيها دينه لا يجوز له ذلك، لما يترتب على ذلك من ترك شعائر الإسلام، وإظهار الدين ليس كما يتصوره البعض من مجرد إقامة الصلاة والصيام والزكاة والحج وعداوة القلب وبغضه للكفار سرًا، فإن ذلك لا يكفي في النجاة من عذاب الله، بل لا بد مع ذلك من إظهار المعتقد الصحيح ومخالفة كل طائفة من طوائف الكفر فيما اشتهر عنها والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء والبراءة منهم ومما يعبدون (٣). وهذه ملة إبراهيم الخليل (﵇) وهي الدين القويم والصراط المستقيم، ومبناها الحب في الله والبغض في الله والموالاة فيه والمعاداة فيه، إذ هي أوثق عرى الإيمان ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كَثُرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك (٤).
_________________
(١) انظر أحكام القرآن للجصاص ج٢ ص٥٤٢. وقد ذكر الرازي في كتاب الجرح والتعديل ج٢ ص٥٠٢. أن له صحبة وأنه روى عن مالك وقيس بن حازم والشعبي.
(٢) رواه أبو داود في سننه ج٣ ص٩٣. وقال عنه الألباني: حديث حسن. انظر صحيح الجامع الصغير ج٦ ص٢٧٩.
(٣) انظر مجموعة التوحيد ص٣٠٠.
(٤) انظر كتاب الجواب الفائض في الرد على أرباب القول الرائض تأليف/ سليمان بن سحمان ص٦ مخطوطة في جامعة الرياض قسم المخطوطات برقم (٣٤١٣).
[ ٢ / ٨٥٤ ]
يقول الشيخ سليمان بن سحمان معقبًا على ذلك بما يلي: «إن قولنا لا تجوز الإقامة والسفر إلى بلاد المشركين لمن لا يستطيع إظهار دينه، ولم يكن من الضعفاء المعذورين وهذا لا يعني كفر من فعل ذلك، وإنما هو آثم عاص، ولكن يلحق من أباح واستباح السفر والإقامة بدون قيد أو شرط فهذا كافر لإباحته ما حرم، الله، لا لمجرد السفر أو الإقامة عند الكفار» (١). اهـ.
أما من يرى إباحة ذلك لجهله وعدم علمه بأن في ذلك نصًا شرعيًا يمنع السفر والإقامة بدون إظهار الدين، أو يرى الإباحة بناء على تأويل أو شبهة عرضت له، ولم يتبين له وجه الحق، فهذا إن كان رده لأجل هذه الشبهة التي عرضت له، فإن عمله هذا قادح في إيمانه، لأنه لم يبذل الوسع في طلب الحق والتحقيق في الأمر، بل حسَّن الظن بمن يقلد وهو دون الأول الذي لا شبهة في كفره وتكفيره، ولكنه على كل حال آثم في عدم البحث عن الحق وسؤال أهل الذكر كما أمر الله ﷿.
وقد يحتج بعض الناس على جواز مخالطة الكفار والسفر معهم وإليهم والإقامة بينهم بما يجري داخل الدولة الإسلامية في جواز وجود الذميين والمستأمنين بين المسلمين. فما هو الفرق بين إقامة الكفار في دار الإسلام أو إقامة بعض المسلمين بدار الكفار؟
والجواب على ذلك أن أهل الذمة والمستأمنين في دار الإسلام يعلم الخاص والعام أنهم يعيشون في ظل الدولة الإسلامية ويعاملون معاملة خاصة بحيث لا يكون لهم تأثير سلبي على الأمة الإسلامية، فأهل الإسلام متميزون عنهم بدينهم ولهم الغلبة والظهور والقهر على الأعداء فلا يقاس
_________________
(١) المصدر السابق ص٨.
[ ٢ / ٨٥٥ ]
هذا على مخالطة الكفار في ديارهم حال ظهورهم وغلبتهم على أهل الإسلام أو كونهم هم أهل الغلبة والسلطان في بلادهم (١).
ولا شك أن مخالطة الكفار ومعاشرتهم بغير نية دعوة، وصلابة عقيدة وسيلة من الوسائل المحرمة، والوسائل تتخذ حكم غاياتها، فأكثر المسافرين والمخالطين والمعاشرين لأهل الكفر هم من الغوغاء والعوام من المسلمين وغالبًا أن هؤلاء لا يعرفون ما أوجب الله عليهم من معاداة المشركين، ولا ما حرم الله ورسوله من موالاتهم، وأن منها ما يخرج من الملة ومنها ما هو دون ذلك (٢). وقد يستدل البعض الآخر على جواز مساكنة الكفار والإقامة معهم بهجرة المسلمين إلى الحبشة والإقامة بين الكفار، ونحن نقول إن الذهاب من حيث المبدأ إلى الكفار جائز بشرط إظهار الدين علانية ومعاداة المشركين لأن المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة كانوا كذلك، فإن النجاشي أظهر الإيمان بالنبي - ﷺ - والقرآن حين قرأ عليه جعفر بن أبي طالب (﵁) صدر سورة مريم أذعن وصدق، وأظهر المخالفة لقومه.
وأيضًا فإن قريشًا لما بعثوا عمرو بن العاص (﵁) قبل إسلامه إلى النجاشي ليرد من هاجر إليه من المسلمين غضب النجاشي غضبًا شديدًا حتى خاف عمرو أن يوقع به ورد هدايا قريش إليها وقال مخاطبًا لجعفر وأصحابه «اذهبوا فأنتم سيوم (٣) بأرضي من سبكم غرم» (٤). فأظهروا دينهم ووحدوا ربهم ولم يمنعهم منه أي مانع، ولم يعارضهم معارض، ولم يحصل منهم موالاة أو ركون لمن كان هناك من النصارى
_________________
(١) انظر الجواب الفائض في الرد على أرباب القول الرائض/ سليمان بن سحمان الدوسري ص٣٣ مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات برقم (٣٤١٣).
(٢) المصدر السابق ص٤٢.
(٣) سيم من سوم الماشية إذا أرسلها، وسوّم فلان فلانًا، خلاه وما يريد. المعجم الوسيط ج١ ص٤٦٨.
(٤) انظر الدرر السنية ج٩ ص١٩٧ - ١٩٨.
[ ٢ / ٨٥٦ ]
ولا وقع منهم شيء مما يُكره فعله في حق المسلم، وإنما صاروا دعاة إلى الله بأقوالهم وأفعالهم وسببًا في إسلام من أسلم من أهل الحبشة فأين أولئك الصفوة الكرام من الذين يسافرون ويقيمون بدار الكفار في وقتنا الحاضر إننا نجد أن كثيرًا من المنتسبين إلى الإسلام اليوم إذا ذهبوا إلى بلاد الكفار ركنوا إليهم واتخذوهم بطانة من دون المؤمنين، وأظهروا الموافقة والإعجاب والتقدير لأهل الكفر ومناهج الكفار، وعادوا إلى المسلمين دعاة إلى الكفر إلا من عصم الله منهم، فنجدهم ينادون بموادة أهل الشرك ومحبتهم بأقوالهم وأفعالهم، ويستغلون وظائفهم في الإعلام والتعليم وغير ذلك من المجالات لخدمة أعداء الإسلام، ولم يكتفوا بذلك بل إن البعض منهم نصب نفسه لمعاداة الإسلام وأهله، وهذا خروج عن الإسلام أعاذنا الله من ذلك.
أما من يستدل على جواز مساكنة الكفار بقصة مؤمن آل فرعون على اعتبار أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما ينسخه، فإنه قد أظهر دينه وقام على فرعون وملائه مقامًا عظيمًا، فنصحهم ودعاهم، فقد قال الله عنه: (وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ) (١). فأظهر لهم إيمانه ودعاهم إليه، وقال الله في حقه: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) (٢). فقد قام على آل فرعون مقام أنبيائهم فما داهن في دينه، ولا كتمه بل أظهر المخالفة لفرعون وقومه فما حصل منه إلا ما يحبه الله ويرضاه (٣).
وقد تساءل الشيخ سليمان بن سحمان عن المقام بدار الكفر ثم رد على هذا التساؤل بأبيات هي كما يلي:-
_________________
(١) سورة غافر آية (٣٨).
(٢) سورة غافر آية (٤٥).
(٣) انظر الدرر السنية ج٩ ص١٩٧ وانظر الجواب الفائض في الرد على أرباب القول الرائض. سليمان بن سحمان ص٧٥ - ٧٦.
[ ٢ / ٨٥٧ ]
ترى المرء يكفيه الصلاة وصومه وإظهاره في الصحب إني لمسلم
وأبغض أهل الكفر لكن أخافهم فلست أريهم ما يسيء ويؤلم
وليس بشرط أن أصرح عندهم بتكفيرهم جهرًا ولا أتكلم
وكيف وأموالي لديهم وعندهم معاشي وأوطاني فكيف التقدم
إذا لم أوافقهم وربي عالم بما ينطوي قلبي عليه ويكتم
من الحب للإسلام والدين والهدى وبغضي لأهل الكفر والله يعلم
فإن كان هذا الحب والبغض كافيًا ولو لم أصرح بالعداوة فيهموا
فما وجه هذا من كتاب وسنة أجيبوا على هذا السؤال وأفهموا (١)
وأجاب على ذلك بأبيات هي كما يلي:
والله حرم مكث من هو مسلم في كل أرض حلها الكفارُ
ولهم بها حكم الولاية قاهرًا فاربأ بنفسك في المقام شنارُ
وانظر حديثًا في البراءة قد أتى نقل الثقات رواته الأخيارُ
_________________
(١) ديوان عقود الجواهر المنضدة الحسان/ سليمان بن سحمان ص٢٢١.
[ ٢ / ٨٥٨ ]
فيه البراءة بالصراحة قد أتت من كل من يسكن مع الأشرار
قد صرحت فيمن أقام ببلدة مستوطنًا وولاتها الكفار
والمرء ليس بمظهر للدين بل للمكث في أوطانه يختارُ
إلا الذي هو عاجز مستضعف فالنص جاء بعذره لا العار (١)
ويقول في قصيدة أخرى:
وحبكم الدنيا وإيثار جمعها على الدين أضحى أمره قد تحكما
لذلك داهنتم وواليتموا الذي بأوصاف أهل الكفر قد صار مظلمًا
وجوزتمو من جهلكم المسافر إقامته بين الغواة تحكما
بغير دليل قاطع بل بجهلكم وتلبيس أفاك أراد التهكما
ويا مؤثر الدنيا على الدين إنما على قلبك الران الذي قد تحكما
وعاديت بل واليت فيها ولم تخف عواقب ما تجني وما كان أعظما
أغرتك دنياك الدنية راضيًا بزهرتها حتى أبحت المحرما (٢)
_________________
(١) ديوان عقود الجواهر المنضدة الحسان/ سليمان بن سحمان ص٧٦ - ٧٧.
(٢) المصدر السابق ص١٩٨ - ٢٠٠.
[ ٢ / ٨٥٩ ]
فمن المعلوم أن عداوة المشركين واجبة على كل مسلم في كل زمان ومكان وعداوة القلب وبغضه لا تكفي في إبراء الذمة عند مساكنة الكفار ومخالطتهم، بل لا بد من إظهار العداوة لهم، ولكفرهم بالقول والفعل كما قال تعالى: في شأن إبراهيم ﵇ (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) (١). فلا بد من إظهار العداوة والبغضاء للكفار، والتصريح لهم بالبراءة منهم ومما يعبدون، سواء كان المسلم بدار الإسلام أم بدار الكفر، إلا عند وجود الإكراه المجلئ الذي يحمل الإنسان على موافقة الكفار في الظاهر دون الباطن، أو كان من المستضعفين المعذورين عند الله، وفيما عدا هذه الحال لا يجوز للمسلم المقام بين الكفار وهو غير مظهر للدين مع أنه حر طليق قادر على الانتقال عنهم ومفارقتهم، فالعذر في موافقة الكفار في الظاهر دون الباطن خاص بالأسير المسلم ونحوه الذي أمره ليس بيده، وإنما أمره بيد الكفار، وهذا لا ينطبق على الذين يسافرون إلى بلاد الكفار ويقيمون بينهم برغبتهم، وهم قادرون على تركها في أي وقت شاءوا فهؤلاء لا عذر لهم في مداهنة الكفار وموافقتهم في الظاهر وإن خالفوهم في الباطن.
وقد يقول قائل أنا لا أتبرأ من المشركين ولا أعاديهم لأن هذه الآية وغيرها من الآيات ليست نصًا في الحكم على من لم يعاد المشركين.
والجواب: أن يقال: إن قولك هذا رد على الله وخروج من الدين، لأن الله ﷿ يقول: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (٢).
_________________
(١) سورة الممتحنة آية (٤).
(٢) سورة المجادلة آية (٢٢).
[ ٢ / ٨٦٠ ]
فهذه الآية دلت على انتفاء الإيمان الواجب لمن قام بموادة من حاد الله ﷿، كما دلت بمفهوم المخالفة على محبة المؤمنين المطيعين لله.
ومن يرى أن إظهار العداوة والتصريح بها للكفار خاص بالرسل إذ هي البلاغ الذي عليهم، ولا تجب على آحاد الناس فهذا القول من أبطل الباطل وأعظم المغالطات (١)، حيث إن الله تعالى قد بين أن الموالاة والمعاداة من سنة أبينا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم، فلا يرغب عن سنة إبراهيم إلا من سفه نفسه قال تعالى: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) (٢). فعداوة القلب وبغضه وموالاته لا تكفي في النجاة من عذاب الله مع القدرة على إظهار العداوة والتصريح بها بين الكفار لمن يسافر باختياره ويقيم بينهم بمحض إرادته فأين التصريح بالعداوة والبغضاء ممن يسافر إلى بلاد الكفار في وقتنا الحاضر؟
إن الذي يحصل غالبًا من أحوال المسافرين والمقيمين عند الكفار هو الموافقة وإظهار الرضا وربما الإعجاب بكفرهم، حتى لقد رجع الكثير منهم دعاة إلى الماسونية والصليبية والشيوعية والإباحية البهيمية، والشخص المتمسك بالإسلام والذي يعتبر من العاضيَّن عليه بالنواجذ في بلاد الكفار هو الذي يسكت عن هؤلاء الكفار ويعتزلهم، ويجد ويجتهد في حماية نفسه من أن يذوب فيما لديهم من مستنقعات الفساد وأوحال الرذيلة، والإغراءات العفوية والمتعمدة التي يرسمها الأعداء للإيقاع بأبناء المسلمين.
وبناء على ذلك فإن إظهار الدين - الذي هو ترك المحرمات وتأدية الواجبات وإظهار العداوة للكفر والكفار - أمر يتعذر تحقيقه وحصوله في
_________________
(١) انظر الجواب الفائض في الرد على أرباب القول الرائض/ سليمان بن سحمان ص٤٩. (مخطوطة) بجامعة الرياض قسم المخطوطات برقم (٣٤١٣).
(٢) سورة البقرة آية (١٣٠).
[ ٢ / ٨٦١ ]
معظم بلاد الكفار، فإن السفر والإقامة في تلك البلاد التي لا يظهر المسلم فيها دينه بالشروط المعتبرة عند العلماء عمل محرم، وغير جائز في الإسلام، كيف لا يكون ذلك! والهجرة مستحبة من بلاد الكفار إلى دار الإسلام وإن كان المسلم قادرًا على إظهار دينه، فكيف إن لم يقدر على إظهار الدين؟ ألا يكون سفره وإقامته على تلك الحال عمل محرم ودليل من أدلة موالاته للكفار إن لم يكن مكرهًا على ذلك إكراهًا ملجئًا (١).
يقول الشيخ سليمان بن سحمان: «إن مذهبنا أن لا نكفر من سافر إلى بلاد الكفار أو جلس عندهم وهو مظهر للإسلام موالي لأهله مبغض للكفر معاد لأهله.
وإنما نكفر من أقام بدار الكفار، ووافقهم على كفرهم ورضي به. وأذل الدين لأجل غرض دنيوي.
أما من أقام في دار الكفار وهو قادر على الهجرة ولم يتمكن من إظهار دينه فمقامه بينهم محرم لا يرقى إلى درجة الكفر ما لم يحصل موافقة للكفار في الظاهر والباطن» (٢) اهـ.
ومن الأسباب التي دعت العلماء إلى أن يهتموا بموضوع السفر والإقامة بين الكفار هو ما رأوه من آثار سيئة وانتكاسات كبرى لحال كثير من الذين وطنوا أنفسهم على المقام بين الكفار فخسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين.
يقول الشيخ سليمان بن سحمان: «إن السفر إلى بلاد المشركين من الوسائل التي تجر إلى مخالطتهم، وتمنع من إظهار الدين عندهم ويقع بسببها إظهار الموافقة لهم، والبشاشة واللين عند مقابلتهم، والرضا أو عدم
_________________
(١) انظر الجواب الفائض في الرد على أرباب القول الرائض/ سليمان بن سحمان ص٨٢. (مخطوطة) بجامعة الرياض قسم المخطوطات برقم (٣٤١٣).
(٢) المصدر السابق ص٨٧ - ٩٠.
[ ٢ / ٨٦٢ ]
المبالاة بأعمالهم، وهذا الأمر من أكبر الوسائل المفضية إلى مشاهدة المنكر والسكوت عنه، فالإثم لا يحصل بمجرد المخالطة وإكثار السفر والإقامة بينهم وإنما بالرضا والموافقة على كفرهم ويدخل فيه ما هو دون ذلك من الفجور وقول الزور والظلم والفسوق، وأنواع المعاصي فإن الرضا بأعمال الكفر كفر، والرضا بما دون الكفر كل بحسبه كذلك» (١). اهـ.
وقد قال ابن دقيق العيد: «إن الوسيلة إلى الطاعة طاعة كما أن الوسيلة إلى المعصية معصية» (٢). اهـ.
وقد نهى الله ﷿ عن الوسائل المفضية إلى الكفر قال تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (٣). فذكر تعالى أن علة النهي عن الزواج بالمشركين والمشركات أنهم يدعون إلى النار في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم وأن مخالطتهم مصدر من مصادر الخطر على المسلمين، وهذا الخطر ليس خطرًا دنيويًا فقط بل قد يكون شقاءً أبديًا، فيستفاد من تعليل النهي في الآية السابقة النهي عن مخالطة كل مشرك ومبتدع، لأنه إذا لم يصح التزوج من الكفار على قول من قال بالتحريم أو على قول من قال بكراهية ذلك (٤)، مع أن الزواج فيه مصالح كثيرة، فالخلطة المجردة من أهداف الدعوة إلى الله أولى خصوصًا الخلطة التي فيها ارتفاع المشرك على المسلم حسًا ومعنى (٥).
_________________
(١) انظر الجواب الفائض في الرد على أرباب القول الرائض/ سليمان بن سحمان ص٥٦، الورقة (٢٨) مخطوطة بقسم المخطوطات بجامعة الرياض برقم (٣٤١٣).
(٢) المصدر السابق المكان نفسه.
(٣) سورة البقرة آية (٢٢١).
(٤) انظر صفحة ٧٠٠ - ٧١٢ من هذه الرسالة.
(٥) انظر تفسير ابن سعدي ج١ ص٢٧٤ - ٢٧٥.
[ ٢ / ٨٦٣ ]
وينقل الشيخ سليمان بن سحمان عن ابن تيمية قوله: «أنه قال -أي شيخ الإسلام- في قوله تعالى: (إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) (١). إن الطائفة المعفو عنها كانت عاصية، لا كافرة إما بسماع الكفر دون إنكاره أو بالجلوس مع الذين يخوضون في آيات الله، أو بكلام هو ذنب وليس كفر» (٢) اهـ.
وقد قال تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) (٣). فقد ذكر بعض المفسرين أن الزور عيد المشركين، فيكون الحكم هو النهي عن حضور أعياد المشركين وما في حكمها من أفعال كفرهم (٤). قال تعالى: (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (٥).
وبناء على ما تقدم فإن الإقامة الاختيارية المصحوبة بالرضا في المقام ببلد يعلو فيه الشرك والكفر، وتظهر منه مظاهر الردة والنكول عن الإسلام وترفع فيه شعارات الإلحاد والفساد لهو مقام لا يرتضيه الله من المسلم، ولا يرضاه المسلم الحقيقي لنفسه، حيث إن المسلم لا يمكن أن تطمئن نفسه في بلد تهدم فيه أركان التوحيد، وترفع فيه شعائر الكفر ويسوده الطغاة والفجرة، ويستذل فيه أهل الإيمان والإسلام.
إن الرضا بالمقام في مثل هذا الوضع لا يصدر إلا عن قلب رانت عليه الذنوب والمعاصي، وانطفأت فيه جذوة الإيمان، واستمرأ الملذات واستعبدته الشهوات حتى فقد الإحساس بالمسئولية نحو نفسه ونحو الإسلام
_________________
(١) سورة التوبة آية (٦٦).
(٢) انظر الجواب الفائض في الرد على أرباب القول الرائض/ سليمان بن سحمان، مخطوطة بجامعة الرياض قسم المخطوطات برقم (٣٤١٣) ص٥٧.
(٣) سورة الفرقان آية (٧٢).
(٤) انظر تفسير القرطبي ج١٣ ص٧٩ - ٨٠.
(٥) سورة الأنعام آية (٦٨).
[ ٢ / ٨٦٤ ]
والمسلمين وماتت في نفسه الغيرة على محارم الله وأحكام الإسلام. ويستثنى من ذلك المستضعفون الذين يقيمون مع الكفار بغير رغبة أو رضًا أو اختيار منهم، قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (١) فهؤلاء لا إثم ولا حرج عليهم، ولكن معظم المسلمين الذين يقيمون في بلدان الكفر اليوم لا ينطبق عليهم وصف الاستضعاف، حيث إن معظمهم يذهب إليها برغبة منه واختيار، ولمقاصد مادية وأهداف دنيوية بحتة، لا صلة لها بالعمل للإسلام والمسلمين، وهذا هو المحذور الشرعي في خلطة الكفار والمقام بينهم (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (٢).
أما المسلم المستضعف الذي يقيم بين الكفار فعليه أن يعلم أن مقامه حالة استثنائية ويجب عليه أن لا يرضى بالمقام بينهم، وأن يعلم أن المقام معهم على هذه الحال ضرورة يجب أن تزول باتخاذ أسبابها العاجلة والآجلة.
قال تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) (٣). فبين تعالى مقالتهم الدالة على أنهم لم يقيموا مختارين للمقام، وذلك أنهم يدعون الله أن يخرجهم، فدل ذلك على حرصهم على الخروج، وأنه متعذر عليهم، ويدل على ذلك وصفهم أهل القرية بالظلم، وسؤالهم ربهم أن يجعل لهم وليًا يتولاهم ويتولونه، وأن يجعل لهم ناصرًا ينصرهم على أعدائهم الذين هم بين أظهرهم.
قال تعالى: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا
_________________
(١) سورة البقرة آية (٢٨٦).
(٢) سورة التوبة آية (٦٣).
(٣) سورة النساء آية (٧٥).
[ ٢ / ٨٦٥ ]
يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) (١). فذكر تعالى في هذه الآية حالتهم التي هم عليها وهي أنهم لا يستطيعون حيلة للخروج ولا يجدون طريقًا إلى ذلك (٢).
والحاصل من ذلك أن المستضعفين هم العاجزون عن الخروج من بين أظهر المشركين وهم مع ذلك يطلبون من الله أن يهيء لهم الخروج ممن يقيمون معهم على الظلم.
فدل ذلك على أن المسلم إذا كان يقدر على الخروج من بلاد المشركين ولم يمنعه من ذلك إلا الرغبة في وطن المشركين وعشرتهم أو نحو ذلك، فإن الله تعالى لم يعذر من تعذر بذلك وسماه ظالمًا لنفسه فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (٣). قال ابن كثير وغيره: إن هذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين فهو مرتكب حرامًا بالإجماع وبنص هذه الآية المتقدمة (٤). اهـ.
قال السدي (٥) لما أسر العباس وعقيل ونوفل قال رسول الله - ﷺ - «افد نفسك وبر أخويك»، قال يا رسول الله - ﷺ - ألم نصل قبلتك ونشهد
_________________
(١) سورة النساء آية (٩٨).
(٢) انظر مختصر تفسير ابن كثير/ محمد علي الصابوني م١ ص٤٢٧.
(٣) سورة النساء آية (٩٧).
(٤) انظر تفسير مختصر ابن كثير/ محمد علي الصابوني م١ ص٤٢٧. وانظر زاد المسير في علم التفسير/ عبد الرحمن بن الجوزي ج٢ ص١٧٨.
(٥) هو إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير القرشي (أبو محمد) مفسر، سكن الكوفة وتوفي سنة (١٢٧هـ) من آثاره تفسير القرآن الكريم. انظر معجم المؤلفين/ عمر رضا كحاله. ج٢ ص٢٧٦.
[ ٢ / ٨٦٦ ]
شهادتك، قال «يا عباس إنكم خاصمتم فَخُصِمْتُم» ثم تلى قوله تعالى: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) (١). رواه ابن أبي حاتم (٢). اهـ.
ومن خلال تلك الآيات يتضح لنا أن المستضعف الحقيقي هو الذي لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلًا للخروج من دار الكفار أما الذي يقيم مع الكفار برغبته واختياره إيثارًا لحب الأهل والمال والولد والمسكن غير ضائق بالمقام بين الكفار، وهو غير مظهر للدين، فهو كاذب في دعواه وعذره غير مقبول عند الله تعالى ولا عند رسوله، ولا عند أهل العلم بشريعة الله، ولذلك فإن الناس في موضوع الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام على ثلاثة أضرب:
الضرب الأول: من تجب عليه الهجرة، وهو من يقدر عليها. ولا يمكنه إظهار دينه والقيام بواجبات الإسلام مع المقام بين الكفار.
فهذا تجب عليه الهجرة لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (٣). وهذا وعيد شديد يدل على وجوب الهجرة لمن قدر عليها وهو في مجتمع لا يسمح بظهور شعائر الإسلام، لأن إظهار شعائر الإسلام واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٤).
الضرب الثاني: من لا هجرة عليه بسبب العجز عنها لمرض أو إكراه أو ضعف كالنساء أو الولدان ونحوهم، فمثل هؤلاء لا هجرة عليهم لقوله تعالى: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً
_________________
(١) سورة النساء آية (٩٧).
(٢) انظر مجموعة التوحيد ص٣٠٢.
(٣) سورة النساء آية (٩٧، ٩٨).
(٤) انظر المغني والشرح الكبير ج١٠ ص٥١٤ - ٥١٥.
[ ٢ / ٨٦٧ ]
وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) (١). ولا توصف باستحباب لكونها غير مقدور عليها.
الضرب الثالث: من تستحب له ولا تجب عليه وهو من يقدر عليها ولكنه يتمكن من إظهار دينه في دار الكفار، فتستحب له ليتمكن من جهاد الكفار وتكثير سواد المسلمين، ولا تجب عليه لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة، فقد روي أن نعيم (٢) النحام حين أراد أن يهاجر جاءه قومه بنو عدي فقالوا له: أقم عندنا وأنت على دينك ونحن نمنعك ممن يريد أذاك، وأكفنا ما كنت تكفينا، وكان يقوم بأيتام بني عدي، وأراملهم فتخلف عن الهجرة مدة، ثم هاجر بعد ذلك فقال له النبي - ﷺ -: «قومك كانوا خيرًا لك من قومي لي، قومي أخرجوني وأرادوا قتلي، وقومك حفظوك ومنعوك» فقال: يا رسول الله: «بل قومك أخرجوك إلى طاعة الله وجهاد عدوه، وقومي ثبطوني عن الهجرة وطاعة الله» أو نحو هذا القول (٣).
ومما تقدم يتبين لنا أن الناس في سفرهم وإقامتهم مع المشركين ينقسمون إلى قسمين:-
القسم الأول: من يجوز لهم السفر والإقامة بدار الكفار وهم:-
أولًا: من يقصد بسفره الدعوة إلى الله بقوله وفعله وهو متمكن من إظهار
_________________
(١) سورة النساء آية (٩٨، ٩٩).
(٢) هو نعيم بن عبد الله النحام بن عدي بن كعب القرشي العدوي، أسلم قديمًا وكان من الأوائل في الإسلام. قيل أسلم بعد عشرة أنفس وقيل بعد ثمانية وثلاثين إنسانًا وكان يكتم إسلامه أول الأمر، ثم أظهره وأراد الهجرة فمنعه قومه لأنه كان ينفق على الأرامل من بني عدي، فقالوا له أقم عندنا على أي دين شئت، فوالله لا يتعرض إليك أحد إلا ذهبت أنفسنا جميعًا دونك، ثم قدم مهاجرًا بعد ست سنين من الهجرة واستشهد في اليرموك سنة خمس عشرة من الهجرة في خلافة عمر بن الخطاب (﵁) وقيل استشهد بأجنادين سنة ثلاث عشرة في خلافة الصديق (﵁). انظر: أسد الغابة في معرفة الصحابة ج٥ ص٣٣ - ٣٤.
(٣) انظر: المغني والشرح الكبير ج١٠ ص٥١٤.
[ ٢ / ٨٦٨ ]
دينه مأمون عليه من الفتنة في ظاهر حاله مظهرًا الموالاة للمسلمين والمعاداة للكافرين.
الثاني: من يكون سفره مباحًا شرعًا وهو من سافر لبيع وشراء أو علاج أو نحو ذلك وهو عارف بدينه مأمون عليه في ظاهر حاله من الفتنة مظهرًا الموالاة للمسلمين والمعاداة للكافرين.
الثالث: المستضعفين من النساء والولدان ونحوهم الذين لا يستطيعون حيلة للخروج ولا يجدون طريقًا إلى ذلك.
القسم الثاني: الذي لا يجوز لهم السفر والإقامة بدار الكفار وهم:
أولًا: من يكون سفره وإقامته ببلاد الكفار حرام أو كبيرة من كبائر الذنوب، وذلك من يسافر لحاجة دنيوية وهو عارف لدينه، مأمون عليه من الفتنة، ولكنه لا يستطيع إظهار دينه، وتأدية شعائر الإسلام علانية وبحرية تامة.
ثانيًا: من يكون سفره وإقامته ببلاد الكفار ردة وكفر وذلك في حق من أظهر الموافقة للكفار على كفرهم، واستحسن ما هم فيه من كفر ومدحه، ولم يتميز عنهم بتحليل الحلال وتحريم الحرام (١)، فهو صورة طبق الأصل لهم وقد قال الله فيمن هذه صفته (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٢).
وبناءً على ذلك فإن الأصل في منهج الإسلام هو إبقاء المسلم في دار الإسلام، والانتقال إليها من دار الكفر، وأما عكس ذلك وهو الانتقال من دار الإسلام إلى دار الكفر، فهذا مشروط بشروط ومقيد بقيود يجب على المسلم الملتزم بالإسلام حقًا وصدقًا الوقوف عندها، وعدم تجاوزها، وقد
_________________
(١) انظر الجهاد: تأليف/ عبد الرحمن بن حماد آل عمر ص ٣١ - ٣٢.
(٢) سورة المائدة آية (٥١).
[ ٢ / ٨٦٩ ]
أشرنا فيما تقدم إلى ثلاثة أنواع من المسلمين يجوز لهم السفر والإقامة بين الكفار وفي دار الكفر، وذلك أن سفرهم ومقامهم بين الكفار إما لمصلحة الدعوة الإسلامية كالذين يدعون إلى الإسلام، أو الذين يزاولون أعمالًا مشروعة مع محافظتهم على الواجبات وترك المحرمات وإظهار الحق ومودته، وانتقاد الباطل وكراهيته، وإما لمصلحة النفس وهؤلاء هم المستضعفون من المسلمين، وتلك الحالات الثلاث لا تنطبق على معظم المبتعثين إلى الدول الكافرة ولا على المسافرين إليها.
وعلاج هذه الظاهرة في رأيي لا يكون بإغلاق الحدود بيننا وبين الكفار ولكن بتعميق مفهوم الإيمان في النفوس وغرس القناعة الذاتية في الأفراد فالرسول - ﷺ - لم يقم حواجز حول المدينة ليبحث مقاصد المسافرين ويمنع الناس من السفر إلى بلاد الشام ومكة قبل الفتح وإنما كان يعلم أن لدى كل مسلم حصانة ذاتية من داخل النفس بسبب صدق الإيمان وقوة الإسلام.
أما اليوم وقد فُقِدَت هذه الحصانة الذاتية والمناعة الداخلية فإنه يجب على الدول التي تدعي الإسلام أن لا تسمح للمسلم بالخروج إلى دار الكفار إلا إذا أبرز المسلم شهادة تزكية معتبرة تدل على صلاحه واستقامته في ظاهر حاله وأنه مظنة التأثير دون التأثر، وأنه يتمتع بقسط كبير من التقوى والورع الذي يمنح النفس القدرة على مقاومة إغراءات الكفار ومفاسدهم كما يقاوم الجسم القوي السليم عدوى الأمراض الجسدية والوبائية.
واشتراط شهادة التزيكة والعدالة أمر لا اعتراض عليه حسب معرفتي وتقديري، لأنه إذا كانت الدول تشترط على المسافرين منها وإليها إحضار شهادة تطعيم دولية ضد الأمراض المعدية الحسية، فإن خطر الأمراض الاعتقادية والفكرية والسلوكية على الإنسان المسلم أشد من خطر الأمراض الجسدية لأن إصابة الإنسان في عقيدته وسلوكه قد تجعله من المخلدين في نار جهنم.
[ ٢ / ٨٧٠ ]
ولذلك يجب دراسة أحوال المبتعثين والمسافرين إلى الدول الكافرة ومعرفة موقف تلك الدول من أبناء المسلمين الموجودين فيها ومدى تمكينها لهم من مزاولة واجبات الإسلام، وهل تسعى إلى إفسادهم بالطرق المختلفة أم لا؟
فإذا توفرت الأسباب الصالحة والمبيحة للمقام بين الكفار جاز ابتعاث الطلاب والسفر إلى الدول الكافرة، عند الحاجة إلى ذلك.
ولكن الحاصل في عصرنا الحاضر خلافًا لما يجب أن يكون، فأعداء الأمة الإسلامية هم الآمرون الناهون في معظم الأقطار الإسلامية، ولذلك تراهم قد جعلوا الابتعاث والسفر إلى بلاد الكفار بابًا من أبواب تكفير المسلمين وارتدادهم عن الإسلام وذلك أن الابتعاث يشتمل على سلبيات هي كما يلي:-
أولًا: إرسال شباب صغار السن من المرحلة الثانوية وما في مستواها وهم أجهل ما يكونون في عقيدتهم ودينهم، ولا يعرفون عيوب وسيئات الأنظمة والديانات في بلاد الكفار.
ثانيًا: إن معظم الشباب يبتعثون ويشترط عليهم أن يكونوا غير متزوجين، أو لا يشجعون على استصحاب أزواجهم معهم مما يترتب على ذلك فساد أخلاق كثير من المبتعثين وسقوطهم في حمأة الرذيلة، إلا من عصم الله.
ثالثًا: إغراق المبتعثين بالناحية المالية إما من أهله إن كان من أبناء التجار أو من ذوي السلطان، أو من الدولة حيث تدفع بعض الدول الإسلامية وخاصة النفطية مبالغ طائلة مما يكون لذلك مردود عكسي على معظم الطلاب في المجتمعات الكافرة أو شبه الكافرة.
رابعًا: إن الابتعاث يتم في كثير من الأحيان لأغراض تافهة ومقاصد هزيلة مثل أن يبتعث أناس لدراسة الموسيقى أو الرياضة أو ما إلى ذلك من
[ ٢ / ٨٧١ ]
قضايا سطحية لا تفيد الأمة في دينها ودنياها ولا تخدمها في قضاياها الأساسية والمصيرية.
خامسًا: إن الدول التي تبعث بأبنائها إلى بلاد الكفار، لا توفر لهم الحماية اللازمة، في إظهار دينهم، وحرية عبادتهم في بلاد الكفار ولا تدعمهم بمالها وجاهها في ذلك، رغم أنها لوجدت في هذا الموضوع لاستطاعت تحقيق شيء مرضى في ذلك، ولكن فاقد الشيء لا يعطيه.
سادسًا: إن التجربة أثبتت فشل معظم المبتعثين في عقيدتهم وسلوكهم وفي العلوم التي ابتعثوا لتحصيلها، نظرًا إلى أنهم يُرْمَون في بلاد الكفار بلا حسيب أو رقيب، سوى العيون التي تطارد كل من ينال من مقام الحاكم وقدسيته، أما مسألة العقيدة والأخلاق فإن الطالب في حل من ذلك، فليعتقد كل إنسان ما شاء، وليتخلق كل إنسان بما شاء من أخلاق الكفار وصفاتهم ما دام يعطي الولاء لصاحب السيادة والسلطان.
وقد عاد آلاف من الطلاب من الشرق والغرب، ومع ذلك فإن حال المسلمين تسير من سيء إلى أسوأ، فماذا حقق الطلاب الذاهبون الآيبون على مدى نصف قرن للبلاد الإسلامية؟ هل حققوا تقدمًا عسكريًا يستردون به الأوطان السليبة ويعيدون به الكرامة المهدورة تحت أقدام الصهاينة اليهود.
الأعداء ليسوا أغبياء كي يعلموا أبناء المسلمين علمًا هو سبب قوة الأعداء ضد الإسلام والمسلمين، فاللص مهما يكن غبيًا لا يسلم سلاحه لعدوه، لأنه يعرف أن سر تفوقه على عدوه هو هذا السلاح الذي بيده، وقد عاد إلينا كثير من الأبناء بقشور الغرب والشرق دون أن يحلموا معهم اللباب، فهم إما ببغاوات لمهازل الغرب، أو إمعات لسخافات الشرق، قد فقدوا أصالتهم الاعتقادية وشعائرهم التعبدية وأصبحوا ذيولًا لصهاينة الشرق والغرب.
[ ٢ / ٨٧٢ ]
والذي نستنتجه من هذا العرض المتقدم أن البلاد الإسلامية لو أخلصت دينها لله، وصدق قادتها في ولائهم للإسلام والمسلمين لحرصوا على ابتعاث الشباب المؤمن الصادق في إيمانه المخلص في عقيدته ولتحققت لهم ثلاثة أهداف رئيسية:
أولًا: أن يكون ابتعاث الشباب المؤمن وسيلة من وسائل الدعوة في بلاد قد خيم على أهلها ظلام الجاهلية، وظلم أنظمتها، حيث إن المسلم الملتزم بالإسلام يكون داعية بقوله وفعله وسلوكه في المجتمع الذي هو فيه كما حصل من معظم المسلمين، كانوا دعاة إلى الإسلام في أسفارهم إلى أفريقيا وجنوب شرقي آسيا.
الثاني: أن الشباب المؤمن سوف يكون جادًا في تعلم العلم النافع والتحصيل المفيد، مما يترتب على ذلك وجود الخبرة اللازمة للعلوم والصناعات الأساسية اللازمة لنمو الأمة وتطورها تطورًا صحيحًا، فإن الذي يطلب العلم بغير عقيدة أو مبدأ كريم لا يجني إلا القشور.
ثالثًا: إنه في أقل الأحوال تسلم عقيدة هؤلاء الشباب من الانحراف والتبديل، ويسلم المجتمع من شر المبادئ الهدامة والعقائد الضالة التي عاد بها كثير من المبتعثين إلى بلاد الإسلام.
فالسلامة في أقل الأحوال غنيمة بالقياس إلى من خسر الدنيا والآخرة نتيجة مخالطة الكفار والمقام بينهم كما هو شان كثير من المبتعثين والمسافرين إلى بلاد الكفار بصورة غير شرعية، فهل نتعظ بما سلف؟ أم لا تزال الأمة الإسلامية تلدغ عشرات المرات وهي في سباتها لا تفيق.
وخلاصة القول في موضوع السفر والإقامة بين الكفار أن هذا الأمر يدور على أربعة أحكام هي:-
١ - الاستحباب.
٢ - الإباحة.
[ ٢ / ٨٧٣ ]
٣ - التحريم الذي لا يخرج من الملة.
٤ - التحريم الذي يقتضي الردة والكفر.
وقد فصلنا المقتضى لهذه الأحكام في أول هذا المبحث تفصيلًا نعتقد أن فيه الكفاية والله حسبنا ونعم الوكيل.
[ ٢ / ٨٧٤ ]
الفرع الثاني: موالاة الكفار في العمل لديهم وتحت ولايتهم
إن المسلم الحقيقي هو الذي ينطلق من قاعدة التشريع الإسلامي في أعماله ومعاملاته وفي شئون حياته كلها، وبما أن وضع المسلم نفسه في خدمة مصالح الكفار والعمل لديهم قد يدخل في باب التعاون على الإثم والعدوان، ومظاهرة الكافرين على المؤمنين فقد تناول الفقهاء هذا الموضوع بالدراسة والتحليل على ضوء ما ورد في هذا الخصوص من الكتاب والسنة.
فقال الحنابلة: إنه لا يجوز للمسلم أن يمكن من نفسه للكافر أن يستأجره ليخدمه، سواء كان هذا الكافر ذميًا أو مستأمنًا أو محاربًا (١). لأن استخدام الكافر للمسلم استذلال له، فكأن في إجارة المسلم نفسه من الكافر إذلال لنفسه وليس من حق المسلم أن يذل نفسه للكافر، لأن الله تعالى يقول: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (٢). ولأن
_________________
(١) انظر المغني/ لابن قدامة ج٥ ص٥٠٥.
(٢) سورة النساء آية (١٤١).
[ ٢ / ٨٧٥ ]
الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، وقد ذهب الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى عدم جواز عمل المسلم عند الكافر استنادًا إلى هذه الآية (١).
وعند الحنفية يجوز للمسلم أن يؤجر نفسه للكافر مع الكراهية لذلك وهو قول الشافعي (﵀) وحجتهم في ذلك هو أن تأجير النفس عقد معاوضة على منفعة فيجوز كالبيع (٢).
ويستدلون على ذلك بروايات وأحداث مختلفة هي كما يلي:-
١ - ما روي أن عليًا بن أبي طالب (﵁) أجر نفسه من يهودي يسقي له، وأخبر النبي - ﷺ - وبذلك فلم ينكر عليه لأنه عقد معاوضة، لا يتضمن إذلالًا للمسلم فأشبه بمبايعته (٣).
٢ - ما روى الطبراني عن كعب بن عجرة (﵁) أنه اشتغل عند يهودي، فسقى له إبله كل دلو بتمرة، وأخبر النبي - ﷺ - بذلك فما أنكر عليه شيئًا (٤).
٣ - ما حصل من يوسف ﵇ مع فرعون مصر حيث عرض يوسف نفسه على فرعون مصر كما ذكر الله -﷿- ذلك حكاية عن يوسف (﵇) بقوله تعالى: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (٥).
قال ابن زيد: كان لفرعون ملك مصر خزائن كثيرة فسلم سلطانه كله إلى يوسف (٦). اهـ.
_________________
(١) الدرر السنية ج٩ ص١٨٧.
(٢) المغني/ لابن قدامة ج٥ ص٥٠٥.
(٣) المغني/ لابن قدامة ج٥ ص٥٠٥.
(٤) رواه الطبراني عن كعب بن عجرة ﵁، وروى أبو يعلى مثل ذلك عن علي بن أبي طالب (﵁). انظر التعصب والتسامح بين النصرانية والإسلام/ محمد الغزالي ص٥٥.
(٥) سورة يوسف آية (٥٥).
(٦) انظر تفسير القرطبي ج٩ ص٢١٥.
[ ٢ / ٨٧٦ ]
وقد استدل أهل العلم في هذه الآية أنه يباح للرجل الفاضل أن يعمل عند الرجل الفاجر والسلطان الكافر، بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعل لا يعارضه فيه، فيصلح منه ما شاء، وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الرجل الفاجر وشهوته وفجوره، فلا يجوز ذلك (١)، وقال قوم: إن هذا كان ليوسف خاصة، وهو اليوم غير جائز (٢)، بناء على الخلاف الأصولي حول موضوع هل شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يأت ما يخصصه من شرعنا.
وقد رجح القرطبي القول بالجواز في العمل عند الكفار بالشروط المتقدمة (٣). وقال الماوردي: إن كان المولى ظالمًا فقد اختلف الناس في جواز الولاية من قبله على قولين:-
الأول: جواز تولي الوظيفة من قبل الكافر إذا عمل المتولي للوظيفة بالحق فيما تقلده من مهمة دون تدخل من الكافر، لأن يوسف ولي من قبل فرعون، باعتبار يوسف ذا سلطة مطلقة، فهو يتصرف بفعله لا بفعل غيره.
الثاني: أنه لا يجوز تولي العمل إذا كان المولّى للعمل ظالمًا، لما فيه من تولي الظالمين بالمعونة لهم على ظلمهم، وتزكيتهم بتقلد أعمالهم (٤). وأجاب من ذهب إلى هذا المذهب عن ولاية يوسف من قبل فرعون بجوابين:-
١ - إن فرعون يوسف كان صالحًا، وإنما الطاغي فرعون موسى.
٢ - إن يوسف نظر في أملاكه دون أعماله فزالت عنه التبعة فيه.
وقال جماعة من أهل العلم: إن العالم العامل والرجل الصالح إذا
_________________
(١) نفس المصدر السابق ج٩ ص٢١٥.
(٢) نفس المصدر السابق نفس المكان.
(٣) نفس المصدر السابق نفس المكان.
(٤) انظر تفسر القرطبي ج٩ ص٢١٥.
[ ٢ / ٨٧٧ ]
علم كل منهما أنه لا سبيل إلى دفع الظلم والضر عن الناس إلا بتولية من قبل الكافر أو الفاسق فله أن يعمل عنده (١).
وقال الماوردي: إن الأصح من إطلاق هذين القولين أن يفصل ما يتولاه المسلم من جهة الكافر أو الظالم على ثلاثة أقسام:-
الأول: ما يجوز لأهله فعله من غير اجتهاد في تنفيذه مثل الصدقات وأنواع الزكاة فيجوز للمسلم أن يتولى هذه الأمور من جهة الظالم لأن النص على مستحقها قد أغنى عن الاجتهاد فيها، وجواز تفرد أربابها بها قد أغنى عن التقليد.
الثاني: ما لا يجوز أن يتفرد به أربابه ويلزم الاجتهاد في مصرفه كأموال الفيء، فلا يجوز توليها من جهة الظالم، لأنه يتصرف بغير حق ويجتهد فيما لا يستحق.
الثالث: ما يجوز أن يتولاه لأهله، وللاجتهاد فيه مدخل - كالقضاء وإصدار الأحكام فإن كان النظر تنفيذًا للحكم بين متراضيين، وتوسطًا بين متخاصمين جاز، وإن كان إلزامًا وإجبارًا لم يجز (٢).
ويقول الشوكاني في الفتح: «إنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان الظالم أن يرفع منار الحق، ويهدم ما أمكنه من الباطل» أن يطلب ذلك لنفسه، وجاز له أن يصف نفسه بالأوصاف التي لها ترغيب فيما يرومه (٣). اهـ.
ويقول ابن العربي في تفسيره: إن يوسف ﵇ لم يسأل العزيز
_________________
(١) انظر جامع البيان في تفسير القرآن/ للطبري ج١٣ ص١٩ مع حاشيته - غرائب القرآن ورغائب الفرقان/ تأليف: الحسن بن محمد النيسابوري. وانظر تفسير القرطبي ج٩ ص١٠٨.
(٢) انظر الأحكام السلطانية - للماوردي ص٧٢ - ٧٥.
(٣) انظر فتح القدير للشوكاني ج٣ ص٣٥.
[ ٢ / ٨٧٨ ]
أن يجعله على خزائن الأرض سؤال ولاية، وإنما كان سؤال تخل وترك لينتقل الأمر إليه كله، بتمكين الله ومشيئته (١)، ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ) (٢). اهـ.
وذكر الشوكاني في الفتح عند تفسير قوله تعالى: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) (٣). فقال إن هذه الآية خاصة بالمشركين، وإن النهي المذكور في الآية مراد به المشركين وقد وصفوا بالظلم لأن الشرك ظلم (٤)، قال تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (٥). اهـ. والصحيح أن الآية عامة للمشركين وغيرهم من أهل البدع والمعاصي، فإن الصحبة لهم قد تكون كفرًا أو معصية في بعض الأحوال (٦).
فإن كانت الصحبة عن ضرورة وتقية، وهي الإكراه الملجئ في النطق بالكفر دون فعله، ودون الاعتداء على الناس ظلمًا في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فقد سبق بيان ذلك بشروطه المعلومة (٧).
أما العمل مع الكفار ومن في حكمهم من المرتدين والمنافقين، فينظر في ذلك إلى المصلحة الغالبة، فكل من أمروه ابتداء أن يدخل في شيء من أعمالهم التي أمرها إليهم، وجب عليه ذلك فضلًا عن أن يقال له جائز (٨)، إذا كان في ذلك طاعة لله كالمناصب الدينية والأعمال المباحة، وكان واثقًا
_________________
(١) انظر أحكام القرآن/ لابن العربي ج٣ ص١٠٨٠.
(٢) سورة يوسف آية (٥٦).
(٣) سورة هود آية (١١٣).
(٤) انظر فتح القدير/ للشوكاني ج٢ ص٥٣١.
(٥) سورة لقمان آية (١٣).
(٦) انظر تفسير القرطبي ج٩ ص١٠٨.
(٧) انظر صفحة ٣٩٥ - ٤١٤ من هذه الرسالة. وانظر تفسير القرطبي ج٤ ص٥٧ وص٤١٧، ج٦ ص٢، ج٩ ص١٠٨.
(٨) انظر فتح القدير/ للشوكاني ج٢ ص٥٣١.
[ ٢ / ٨٧٩ ]
من نفسه القيام بما وكل إليه من أعمال الخير بشرط أن لا يمدح هؤلاء الظالمين أو يدافع عن ذمهم، أو يبرر أخطاءهم.
وأما ما ورد من النهي عن الدخول في الإمارة وأعمال الولاة فذلك مقيد بعدم القدرة على عصيان الأمر إذا صدر فيما لا تصح الطاعة فيه، أو مع ضعف المأمور عن القيام بما أمر به من واجبات مباحة (١)، أما مخالطة الظلمة والدخول عليهم لجلب مصلحة عامة أو خاصة أو دفع مفسدة عامة أو خاصة، مع كراهة ما هم عليه من الظلم، وعدم ميل النفس إليهم ومحبتها لهم وكراهة المواصلة لهم، لولا جلب تلك المصلحة، أو دفع تلك المفسدة، فعلى فرض صدق مسمى الركون على مثل هذا الفعل، فهو مخصص بالأدلة الشرعية الدالة على مشروعية جلب المصالح ودفع المفاسد، والأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، ولا تخفى على الله خافية (٢).
وفي الجملة يجب على من ابتلي بمخالطة من فيه ظلم، أن يزن أقواله وأفعاله، وما يأتي وما يذر بميزان الشرع وأن يرجح مصلحة الدعوة على مصلحته الخاصة، في كل ما يأخذ أو يدع من قول أو فعل (٣).
فقد كان يوسف الصديق ﵇ نائبًا لفرعون مصر وكان فرعون وقومه مشركين، ومع ذلك فعل يوسف من العدل والخير ما أقدره الله عليه ودعاهم إلى الإيمان حسب الطاقة والإمكان (٤).
وقد قال علماء الأصول في مسألة شرع من قبلنا، هل يكون شرعًا لنا؟
_________________
(١) المصدر السابق نفس المكان.
(٢) انظر فتح القدير للشوكاني ج٢ ص٥٣١. وانظر مورد الظمآن عبد العزيز بن سلمان ج٣ ص١٢٣.
(٣) نفس المصدر السابق.
(٤) انظر أسباب اختلاف الفقهاء. د/ عبد الله عبد المحسن التركي ص١٢٥.
[ ٢ / ٨٨٠ ]
فقال بعضهم: إذا ورد النص في شرعنا، حكاية عن شرع من قبلنا على جهة الاستدلال والإقرار من غير إنكار، تقرر ضمنًا الاستدلال به والعمل بموجبه (١). وهذا هو المفهوم من قصة يوسف مع عزيز مصر كما أعتقد والله أعلم بالصواب. والذي أرجحه في هذه المسألة، هو أن ينظر المسلم الذي يريد أن يعمل عند الكافر أو من في حكمه من المرتدين - إلى نوع العمل هل هو من الأعمال التي ينظر إليها حسب العرف الشرعي بأنها أعمال فيها امتهان للكرامة وقضاء على العزة أم لا؟ فإن كان العمل مثل الكتابة والتعليم والنيابة في البيع والشراء ونحو ذلك فلا بأس بها ما دام يعمل بعزة وكرامة وهو قادر على ترك العمل عند رؤية أية إهانة أو جفاء. أما الأعمال التي تشعر بالذلة والامتهان والاحتقار، فلا يجوز للمسلم مزاولتها عند الكفار وما دونهم من الظلمة وأهل الفسوق نظرًا لقضائها على عزة المسلم التي أمر الله بالمحافظة عليها، قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (٢) فإعزاز المسلم لنفسه إعزازًا لدينه وإهانته لنفسه إهانة لما يحمله من مبدأ وعقيدة في الحياة.
ومن أمثلة الأعمال التي يكون فيها إهانة للمسلم عند أعداء الله أن يعمل لديهم طباخًا أو حمالًا أو غسالًا، أو عامل نظافة أو نحو ذلك، أو أن يعمل لهم ما هو من شعائر كفرهم وخصائص ملتهم، كأن يكنس كنائسهم أو يذبح لهم خنزيرهم، أو يصنع لهم الخمر أو يقدمها بين أيديهم. فقد سأل الإمام أحمد بن حنبل رجل بناء فقال: «أأبني للمجوس ناووسا (٣)؟ قال لا تبني لهم، ولا تعنهم على ما هم فيه من كفر» (٤). اهـ.
_________________
(١) انظر الحسبة أو وظيفة الحكومة الإسلامية/ ابن تيمية ص٨.
(٢) سورة المنافقون آية (٨).
(٣) انظر اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم/ ابن تيمية ص٢٣٢.
(٤) الناووس صندوق من خشب أو نحوه يضع النصارى فيه جثة الميت. انظر المعجم الوسيط ج٢ ص٩٧١.
[ ٢ / ٨٨١ ]
وقد نُقِلَ عن محمد بن الحكم وسأله عن الرجل المسلم يحفر لأهل الذمة قبرًا بكراء؟ قال: لا بأس به (١).
والفرق بينهما أن الناووس من خصائص دينهم الباطل كالكنيسة بخلاف القبر المطلق، فإنه ليس في نفسه معصية ولا من خصائص دينهم.
وقد ورد سؤال من محمد بن عبد الله بن فاضل من مدينة فاس بالمغرب إلى الشيخ أحمد حسن مسلم عضو لجنة الفتوى بالأزهر قال فيه: «إن ابني يعمل في إحدى المؤسسات الإنشائية بفرنسا وهذه المؤسسة تتولى أحيانًا بناء فنادق تضم صالات للقمار والرقص والخمر وما إلى ذلك، فماذا تقولون في عمله هذا؟ فرد الشيخ بأنه يجب عليه أن يبتعد عن المشاركة في أعمال يكون مآلها إلى معصية الله» (٢).
وبناء على ما تقدم فإن العمل عند الكفار يكون موالاة لهم إذا توفرت الشروط التالية أو بعض منها في العامل لديهم من المسلمين وهذه الشروط كما يلي:-
١ - إذا كان يتابع الكفار متابعة مطلقة، وينفذ أوامرهم في معصية الله.
٢ - إذا كان عاجزًا عن القيام بأوامر الله، وإظهار شرعه تحت ولاية الكفار في حدود ما تشمله ولايته.
٣ - إذا كان مادحًا للكفار راضٍ عن كفرهم، مواليًا لأوليائهم عدوًا لأعدائهم.
٤ - إذا كان يعمل لديهم بأعمال تتنافى مع مبدأ العزة والشرف والكرامة والاستعلاء.
فكل من يعمل مع الكفار وتتوفر فيه واحدة من هذه الصفات أو أكثرها
_________________
(١) المصدر السابق نفس المكان.
(٢) انظر مجلة المسلمون العدد (٣) الجمعة ١٧ محرم ١٤٠٢هـ ص٢١.
[ ٢ / ٨٨٢ ]
فعمله معهم محرم، وهو موال لأعداء الله مجانب لما أمر الله به بقوله تعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (١).
_________________
(١) سورة آل عمران آية (١٣٩).
[ ٢ / ٨٨٣ ]
الفصل الثالث: العقوبات المترتبة على موالاة الكفار
١ - المبحث الأول: العقوبة التعزيرية لمن يوالي الكفار.
٢ - المبحث الثاني: العقوبة الإلهية التي تجري وفق السنة الربانية بحق من يوالون الكفار.
٣ - المبحث الثالث: العقوبة الأخروية لمن يوالون الكفار.
[ ٢ / ٨٨٥ ]
المبحث الأول: العقوبة التعزيرية لمن يوالي الكفار
سبق أن أوضحنا في تعريف الموالاة أنها تعني محبة الكفار ومناصرتهم وتأييدهم، ومساعدتهم بما يظهر به كفرهم، ويقوى به باطلهم على المسلمين. ولذلك فإن من يشارك بمثل هذه الأمور بأية صورة، وعلى أي وجه من الوجوه يكون مواليًا للكفار أو متواليًا لهم ويعاقب على ذلك عقوبة مغلظة شرعًا بموجب ما دلت عليه الشريعة الإسلامية، وتنفذ هذه العقوبة الدولة الإسلامية إذا وُجِدَتْ. وهذه العقوبة تختلف تبعًا لدرجة الموالاة للكفار. فمن الموالاة ما يوجب القتل، ومنها ما يوجب العقوبة بما دون القتل بمراتب متفاوتة، حيث إن عقوبة الموالاة عقوبة تعزيرية كما هو الرأي الراجح من أقوال العلماء (١).
فالقتل يكون في حق من تولى الكفار توليًا تامًا، أو والاهم موالاة
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي ج١٨ ص٥٢ - ٥٣. وانظر أحكام القرآن/ لابن العربي ج٤ ص١٧٧٠ - ١٧٧٣، وانظر نيل الأوطار للشوكاني ج٧ص٢٠٥.
[ ٢ / ٨٨٧ ]
مطلقة «أي بمعنى أنه يجب القتل على من كانت موالاته موجبة للردة عن الإسلام، وذلك مثل إظهار الطاعة والموافقة للمشركين على دينهم من غير إكراه ملجئ». وكذلك يقتل من كانت موالاته للكفار كبيرة من كبائر الذنوب، وذلك مثل الذين يتجسسون على المسلمين لغرض دنيوي مع سلامة العقيدة وكراهية الكفر، فهذا النوع من الموالاة للكفار لا يحكم بردة الفاعل لذلك، وإنما يقتل بخطيئته بعد قيام البينة الشرعية على ذلك.
قال بذلك ابن القاسم وسحنون والقرطبي، ويروى عن ابن سحنون أنه قال: «إن ماله لورثته» (١). اهـ. وهذا يرجح القول بأنه يقتل تعزيرًا لا حدًا لأنه لو كان قتله حدًا لكان مرتدًا والمرتد لا يرث ولا يورث (٢).
وذهب إلى القول بقتل من يوالي الكفار بتجسس أو نحوه الإمام مالك، وصحح ذلك القرطبي معللًا هذا الأمر بقوله: «إن ذلك يضر بالمسلمين ويفسد حالهم» (٣). اهـ.
وقال ابن القاسم (٤) وأشهب (٥) يجتهد في ذلك الإمام حسبما يراه من التعزير المناسب، وقال عبد الملك بن جريج: إذا تكرر منه ذلك وكانت
عادته قُتِلَ لأنه جاسوس، وبذلك قال ابن الماجشون (٦)، واشترط التكرار في
_________________
(١) انظر نيل الأوطار للشوكاني ج٧ ص٢٠٥.
(٢) المصدر السابق نفس المكان.
(٣) انظر تفسير القرطبي ج١٨ ص٥٢ - ٥٣. وانظر أحكام القرآن/ لابن العربي ج٤ ص١٧٧٠ - ١٧٧٣.
(٤) هو عبد الرحمن بن القاسم العتقي (١٩١). انظر الأعلام للزركلي م٥ ص١٧١.
(٥) هو أشهب بن عبد العزيز بن داود القيسي العامري الجعدي، أبو عمرو ولد سنة (١٤٥هـ). وهو فقيه الديار المصرية في عصره كان صاحب الإمام مالك. قال عنه الشافعي: ما أخرجت مصر أفقه من أشهب، وأشهب لقب له، مات سنة (٢٠٤هـ) بمصر في نفس البلد والعام الذي توفي فيه الإمام الشافعي. انظر الأعلام للزركلي ج١ ص٣٣٣.
(٦) هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة التيمي، المدني (أبو عبد الله) (ابن الماجشون)، فقيه محدث، حافظ، أصله من أصبهان، نزل المدينة، ثم قصد بغداد فتوفي بها سنة (١٦٤هـ) ودفن في مقابر قريش. انظر معجم المؤلفين ج٥ ص٢٥١.
[ ٢ / ٨٨٨ ]
هذا معللًا هذا الاشتراط بأن حاطبًا لم يتكرر منه ذلك، ولذلك أخذ في أول فعلة باللوم على ذلك (١).
وفي رأيي أن اشتراط التكرار لا يلزم الأخذ به، فإن العلة الظاهرة في ترك قتل حاطب (﵁) أنه شهد بدرًا، وهذه العلة التي قامت به منتفية في حق غيره والله أعلم (٢).
وبناء على ذلك فإن الذي يتجسس على المسلمين من أدعياء الإسلام لحساب الكفار بالأصالة أو العمالة يجب قتله وهو إما أن يقتل مرتدًا، إذا كان يحب ظهور الكفر وخذلان الإسلام، أو يقتل تعزيرًا بكبيرته إذا تعاون مع أعداء الإسلام لمصلحة دنيوية مع سلامة الإعتقاد، وحبه للإسلام وكراهيته للكفر.
ولذلك يجب على كل مسلم حين إطلاعه على شخص أو جماعة توالي الكفار أن يرفع أمرهم إلى الحاكم المسلم مع الدولة المسلمة إذا وجدا، ليرى فيهم صاحب الولاية الشرعية رأيه في ذلك بموجب القضاء الشرعي المستقل عن هيمنة الحاكم وتدخلاته غير الشرعية (٣).
فإذا لم يكن الحاكم قائمًا بشرع الله ومنفذًا له أنكر المسلم أو جماعة المسلمين حسب القدرة والاستطاعة في ذلك.
وقد قال ابن عقيل من أصحاب الإمام أحمد وابن العربي وغيرهما
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي ج١٨ ص٥٢ - ٥٣، وانظر أحكام القرآن/ لابن العربي ج٤ ص١٧٧٠ - ١٧٧٣.
(٢) انظر: زاد المعاد لابن قيم الجوزية ج٢ ص٦٨.
(٣) انظر فتح الباري ج٦ ص١٤٤ - ١٦٩.
[ ٢ / ٨٨٩ ]
بوجوب القتل لمن يناصر الكفار على المسلمين بتجسس ونحوه وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد (﵏): «إن من تعاون مع الكفار من المنتسبين إلى الإسلام بتجسس ونحوه لا يقتل ويفهم من كلامهم أنه يعزر بما دون القتل» (١). اهـ.
والرأي الراجح فيما يظهر لي من القولين السابقين هو القول بالقتل إذا كانت الموالاة موجبة للردة أو كانت كبيرة من كبائر الذنوب لأن الأصل في هذه المسألة معاملة الرسول لحاطب بن أبي بلتعة (﵁) فإن النبي - ﷺ - منع عمر بن الخطاب (﵁) عندما قال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنقه فقد نافق. فقال رسول الله - ﷺ -: «إنه شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٢).
فإن ظاهر العلة في ترك حاطب (﵁) أنه شهد بدرًا ولو لم يكن كذلك لكان مستحقًا للقتل، لأنه علله بعلة مانعة من القتل منتفية في حق غيره ولو كان الإسلام مانعًا من قتله لم يعلل بأخص منه، لأن الحكم إذا علل بالأعم كان الأخص عديم التأثير وهذا أقوى حجة والله أعلم (٣).
ويؤيد هذا القول موقف عمر (﵁) فقد رُوِيَ أن ابن الجارود سيد ربيعة أخذ درباسًا وقد بلغه أنه يخاطب المشركين بعورات المسلمين، وهم بالخروج إليهم، فصلبه ابن الجارود فصاح يا عمراه - ثلاث مرات - فأرسل إليه عمر، فلما قدم على عمر أخذ عمر الحربة فعلا بها
_________________
(١) انظر نيل الأوطار للشوكاني ج٨ ص١٥٥.
(٢) انظر تفسير القرطبي ج١٨ ص٥٠.
(٣) انظر زاد المعاد لابن قيم الجوزية ج٢ ص٦٨. وانظر تفسر القرطبي ج١٨ ص٥٢ - ٥٣. وانظر الدرر السنية ج١ ص٢٣٥. وانظر أحكام القرآن لابن العربي ج٤ ص١٧٧٠ - ١٧٧٢.
[ ٢ / ٨٩٠ ]
لحيته، وقال: لبيك يا درباس - ثلاث مرات - فقال لا تعجل، إنه كاتب العدو، وهم بالخروج إليهم، فقال عمر قتلته على الهم (١) وأينا لا يهم. فأمضى عمر اجتهاد ابن الجارود فيه.
وقد اختلف العلماء. هل المتولي للكفار بالتجسس أو نحو ذلك إذا قتل بذلك الذنب يكون القتل مكفرًا لذنبه أم لا؟
فقال النووي: «إذا قتل المرتد وهو متمسك بردته، فإن قتله على هذه الصفة لا يكون كفارة له عن ذلك» (٢). اهـ.
ورجح الشوكاني هذا الرأي، حيث يرى أن المرتد يقتل وهو على الكفر كما يقتل غيره من الكفار أثناء الحرب (٣).
وعلى هذا يمكن القول بأن من تولى الكفار توليًا تامًا أو موالاة مطلقة ثم قتل على ذلك ولم يتب قبل موته أنه داخل تحت هذا الوعيد الشديد ومتعرض لعذاب الله في الدنيا بالقتل وفي الآخرة لعذاب النار وسوء القرار أعاذنا الله من ذلك.
أما ما يقع من موالاة للكفار لا تصل إلى درجة الردة والكفر، ولم تكن كبيرة من كبائر الذنوب، فإن هذه الأنواع من الموالاة يعزر من ارتكب شيئًا منها بما هو دون القتل كما هو رأي الإمام الشافعي وأحمد وأبو حنيفة (﵏) (٤).
وفي ذلك يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: «إن موالاة الكفار لأجل دنياهم مع بغض القلب لهم موجبة
_________________
(١) انظر أحكام القرآن لابن العربي ج٤ ص١٧٧٢.
(٢) انظر صحيح مسلم بشرح النووي ج٢ ص٩٧.
(٣) انظر نيل الأوطار للشوكاني ج٧ ص٢٠٥ - ٢١٢.
(٤) انظر نيل الأوطار للشوكاني ج٨ ص١٥٥. وانظر زاد المعاد/ لابن القيم ج٢ ص٦٨. وانظر مختصر الفتاوى المصرية/ لابن تيمية ص٥٠٢.
[ ٢ / ٨٩١ ]
للتعزير، والهجر والتأديب، ونحو ذلك مما يزجر الفاعل وأمثاله عن موالاة الكفار ومداهنتهم» (١). اهـ.
ومن العقوبات المترتبة على موالاة الكفار أنه إذا كان الموالي للكفار حاكمًا، فإن موالاته للكفار هذه إما أن تكون موالاة كفر وردة عن الإسلام وفي هذه الحال تسقط البيعة للحاكم والحكومة بنص القرآن الكريم وإجماع الأمة، قال تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (٢) فلا يجوز أن يكون للكافرين تسلطًا واستيلاء على المؤمنين، وإن وجد شيء من ذلك، فهو على خلاف الشرع ولا شك، فلا يجوز إقراراه (٣). لأن ولاية الكافرين على المسلمين أعظم سبيل للتسلط والاستيلاء عليهم.
وقد أمر الله ﷿ بعدم الإذعان والطاعة لولي الأمر إذا كان كافرًا بالردة أو بالأصالة قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (٤). فطاعة المؤمنين واجبة بنص الآية لولي الأمر إذا كان مؤمنًا من المؤمنين، والمرتد بالولاء للكفار قد خرج بردته من أن يكون مسلمًا فضلًا عن أن يكون مؤمنًا من المؤمنين، وبذلك يفقد حق السمع والطاعة من الأمة، فلا حرج ولا إثم عليها لو سحبت البساط من تحته، بعد أن فقد أهليته لهذا المنصب بسبب موالاته للكفار ومناصرته لهم.
وقد تكون موالاة الحاكم والحكومة للكفار كبيرة من كبائر الذنوب لا ترقى إلى درجة الكفر ولكنها توجب فسق وجور الحكومة أو الحاكم وقد اختلف العلماء في جواز الخروج على الحاكم الفاسق أو الجائر كما تقدمت الإشارة إلى ذلك (٥).
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد ص١٢٦.
(٢) سورة النساء آية (١٤١).
(٣) تفسير ابن سعدي ج٢ ص٢٠٠.
(٤) سورة النساء آية (٥٩).
(٥) انظر صفحة ٤٦٧ - ٤٨٦ من هذه الرسالة.
[ ٢ / ٨٩٢ ]
ولكن مبدأ التسامح مع الحكام أو الحكومات التي تتصف بصفة الفسق أو الجور أو الظلم في موالاتها لأعداء الله وتقريبهم، مبدأ خطير على كيان الأمة ووجودها، في الوقت الذي يعتبر فيه المساس بدستور وضعي في دولة غير إسلامية خيانة عظمى يعاقب المتعدي في ذلك بأقصى العقوبات فضلًا عن التنحية والاستبدال (١).
أما إذا كانت الموالاة للكفار من صغائر الذنوب التي لا ترقى إلى درجة الكبائر فالواجب في ذلك هو نصح الحاكم أو الحكومة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن حتى يرجعوا عما ارتكبوه من إثم وخطيئة.
وأما إذا كانت الموالاة للكفار صادرة من فرد أو جماعة من الناس لا يمثلون رأي الحاكم أو الحكومة فإن الواجب رفع أمرهم إلى الحاكم أو الحكومة لإيقاع العقوبة اللازمة عليهم فيما إذا كانت الموالاة للكفار موجبة لردة الموالي لهم، أو كانت تمثل كبيرة من كبائر الذنوب، وقد ذكرنا أن العقوبة الراجحة في مثل ذلك هي القتل (٢).
أما إذا كانت الموالاة للكفار مما يوجب فسق الموالي لهم وعصيانه فقد أشرنا إلى كيفية التعامل مع الفسقة والعصاة في قضية الموالاة والمعاداة فيما تقدم (٣).
أما كيفية التعامل مع من يتولى الكفار أو يواليهم من الأفراد في القضايا الخاصة مثل أكل الذبائح التي يذبحها من يتولى الكفار، أو التزوج بالنساء اللاتي يوالين الكفار، أو تزويج الرجال الذين يتولون الكفار، فقد
_________________
(١) انظر رسالة في عزل الرئيس الأعلى للدولة في نظام الحكم في الإسلام د/ علي بن فهيد السرباتي ص١٣١ - ١٣٢.
(٢) انظر صفحة ٨٢٥ - ٨٢٦ من هذه الرسالة.
(٣) انظر صفحة ٤٢٥ - ٤٤٥ من هذه الرسالة.
[ ٢ / ٨٩٣ ]
اختلف العلماء في ذلك. هل يحكم بردة من يتولى الكفار فيعامل معاملة المرتدين في أكل الذبائح وفي حكم الزواج، أم يلحق بمن تولاهم من الكفار؟.
فإن تولى اليهود فحكم التعامل معه حكم التعامل مع اليهود، وإن تولى النصارى فحكم التعامل معه حكم التعامل مع النصارى، وإن تولى الشيوعيين أو الوثنيين فحكمه حكمهم.
ومرجع الاختلاف في ذلك هو الاختلاف في تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (١).
فقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال هي:-
القول الأول: إن المراد بذلك أهل الأوثان من العرب غير المسلمين لأنه لو أراد المسلمين لكانوا إذا تولوا الكفار صاروا مرتدين والمرتد إلى النصرانية أو اليهودية لا يكون منهم في شيء من أحكامهم، فلا تؤكل ذبيحته، وإذا كانت المرتد إلى الكفار امرأة فلا تنكح ولا يثبت بينهما شيء من حقوق الولاية لحديث: «من بدل دينه فاقتلوه» (٢). فيقتل لردته. ولهذا رجح جماعة من المفسرين بأن المراد بذلك هم العرب الوثنيون لا المسلمون المرتدون عن الإسلام بالولاء للكفار (٣).
القول الثاني: إن الآية خطاب للمسلمين وإخبار بأن من تولاهم أي اليهود والنصارى فهو كافر مثلهم بموالاته إياهم، والحكم عليه بالكفر لا يمنع مع أكل ذبيحته ومناكحة المرأة منهم، إذا كانوا لا يزالون ينتسبون إلى
_________________
(١) سورة المائدة آية (٥١).
(٢) رواه البخاري: انظر فتح الباري ج٦ ص١٤٩.
(٣) انظر أحكام القرآن - للجصاص ج٢ ص٤٤٤ - ٤٤٥. وانظر تفسير الطبري ج٦ ص١٧٩. وانظر تفسير القرطبي ج٣ ص٢١٧. وانظر أحكام القرآن/ لابن العربي ج٢ ص٦٣٠.
[ ٢ / ٨٩٤ ]
أهل الإسلام، وإن كفروا باعتقادهم لما يعتقدونه من كفر وما يفعلون من مفاسد، وكان أبو الحسن الكرخي (١) ممن يذهب إلى ذلك (٢).
القول الثالث: ما روي عن الإمام الشافعي (﵀) أنه قال: إنما أباح الله ﷿ ذبائح ونساء أهل الكتاب من بني إسرائيل خاصة أما من كان دخيلًا فيهم من سائر الأمم ممن دان بدينهم فلم يعن بهذه الآية وليس هو ممن يحل أكل ذبيحته أو تزوج نسائه لأنه ليس ممن أوتي الكتاب في نظر المسلمين.
وهذا القول مروي أيضًا عن عمر وعلي بن أبي طالب (﵄) فقد روي عن علي أنه قال: «لا تأكلوا ذبائح نصارى بني تغلب فإنهم إنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر» (٣).
والذي أرجحه من هذه الأقوال هو القول بأن من تول اليهود أو النصارى أو غيرهم من الكفار فإنه يحكم بردته وكفره فإن كان الذي تولاهم يهودًا أو نصارى أو ما زال يدعي الإسلام يتظاهر به بعض الأحيان، لم يَحْرم أكل ذبائحه أو التزوج بالنساء اللائي هنَّ بهذا الوصف.
وإن كان الذين تولاهم مدعي الإسلام شيوعيين أو وثنيين فحكمه كحكمهم في الكفر والعمالة وهذا ما يتفق مع ظاهر الآية في قوله تعالى:
_________________
(١) وهو عبيد الله بن الحسين بن دلال الكرخي الحنفي (أبو الحسن) ولد سنة (٢٦٠هـ). وتوفي ببغداد في (١٥) شعبان سنة ٣٤٠هـ (فقيه، أديب، من تصانيفه شرح الجامع الكبير، وشرح الجامع الصغير، وكلها في فروع الفقه الحنفي، وله مسألة الأشربة وتحليل نبيذ التمر) .. انظر معجم المؤلفين/ ج٦ ص٢٣٩.
(٢) انظر أحكام القرآن للجصاص ج٢ ص٤٤٤ - ٤٤٥.
(٣) انظر أحكام القرآن - للإمام الشافعي ج٢ ص٥٨. وانظر تفسير الطبري ج٦ ص٦٣ - ٦٥.
[ ٢ / ٨٩٥ ]
(وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) (١). وفي الحديث: «من كثر سواد قوم فهو منهم» (٢). وعلى هذا نقول: إن الموالي يتخذ حكم من والاه سواء بسواء ويعامل معاملة من تولاه من الكفار.
_________________
(١) سورة المائدة آية (٥١).
(٢) رواه أبو يعلى وعلي بن معبد عن عبد الله بن مسعود في كتاب الطاعة وله تتمة، وكذا الديلمي وابن المبارك عن أبي ذر موقوفًا. انظر جند الله ثقافة وأخلاقًا/ سعيد حوى ص١٨٣.
[ ٢ / ٨٩٦ ]
المبحث الثاني: العقوبة الإلهية التي تجري وفق السنة الربانية بحق من يوالون الكفار ويؤذون المؤمنين
من خلال قراءة التاريخ يتبين أن نهاية الظالمين بالموالاة للكفارة والمعاداة للمؤمنين واحدة ويبدو أن هناك سنة ربانية يجهلها كثير من الفراعنة وجنودهم بسبب بعدهم عن الله، وتلك السنة الربانية قد دل عليها الحديث القدسي «من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب» (١). قال ابن هبيرة «ويستفاد من هذا الحديث تقديم الأعذار على الإنذار» (٢). ووجه ذلك أنه لما قدم معاداة من هو بهذه الصفة من الولاية لله فكأنه أعذر إلى كل سامع بل إلى كل عارف له، إن من هذا شأنه لا ينبغي أن يعادى، بل يجب أن يحب ويوالي، فإذا لم يفعل فقد أعذر الله إليه، ونبهه على أن من عادى ولي الله فقد استحق العقوبة البالغة على عداوته له، فقال تعالى منذرًا له في الحديث القدسي: «فقد آذنته بالحرب» أي جزاء على ما صنع مع وليّ (٣).
_________________
(١) رواه البخاري، انظر فتح الباري ج١١ ص٣٤٠ - ٣٤١.
(٢) المصدر السابق ج١١ ص٣٤٢.
(٣) انظر ولاية الله والطريق إليها/ إبراهيم هلال ص٣٤٧.
[ ٢ / ٨٩٧ ]
فإن الحرب تنشأ عن العداوة، والعداوة تنشأ عن المخالفة، وغاية الحرب الهلاك، والله ﷿ لا يغلبه غالب. فكان المعنى: أن من عادى ولي الله بالقول أو الفعل أو بهما معًا، فقد تعرض لإهلاك الله له، فأطلق الحرب وأريد لازمه، أي عمل به ما يعمل العدو والمحارب (١).
ولذا يمكن أن نقول: إن الموالي للكافرين والمحارب للمؤمنين جعل نفسه في مكان المعاند لله ﷿ بعداوته لأولياء الله ومحبته لأعداء الله فكأنه أمام نفسه مقام المحارب لله أصالة، وهو أحقر وأذل من أن يحارب ربه، لكنه خيلت له نفسه الأمارة بالسوء هذا الخيال الباطل، فعادى من أمره الله بموالاته ومحبته مع علمه بأن ذلك مما يسخط الرب ويوجب حلول العقوبة عليه. وإيقاعه في المهالك التي لا ينجو منها (٢).
قال الفاكهاني: «في هذا الحديث وعيد وتهديد شديد، لأن من حارب الله تعالى أهلكه الله» (٣). وهو من المجاز البليغ، لأن من كره ما أحبه الله تعالى، خالف الله ﷾، ومن خالف الله ﷿ عانده، ومن عانده أهلكه، وإذا ثبت هذا في جانب المعاداة، ثبت ضده في جانب الموالاة.
فمن والى أولياء الله ﷿ أكرمه الله وحماه (٤).
فإذا كان مجرد العداوة لولي من أولياء الله مؤذنًا بحرب الله ﷿ لمن عاداه.
فكيف إذا تعدى الأذى لأكثر من مجرد العداوة، فآذنوا بالقول والفعل ولأكثر من ولي بل عادوا أولياء الله جميعًا في كل صقع من أصقاع الأرض؟
_________________
(١) انظر فتح الباري ج١١ ص٣٤٢.
(٢) انظر ولاية الله والطريق إليها/ إبراهيم هلال ص٣٤٧.
(٣) انظر فتح الباري ج١١ ص٣٤٢.
(٤) المصدر السابق ج١١ ص٣٤٣.
[ ٢ / ٨٩٨ ]
ألا يكون ذلك مؤذنًا بحرب الله لهم، إن الله يمهل ولا يهمل، قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته» (١).
وقد وعد الله ﷿ بالمدافعة عن المؤمنين من أوليائه جميعًا فضلًا عن الدفاع عن الولي الواحد. قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) (٢).
ومن سنة الله ﷿ أن يعامل من يتولون الكفار بنقيض قصدهم حيث إن أهم الأسباب التي تدفع إلى موالاة الكفار، طلب العزة من قبل الكفار كما يتصور ذوي النفوس المريضة، ولكن سنة الله الربانية تحول دون تحقق أحلامهم تلك.
إن آيات القرآن الكريم توضح لنا بجلاء أنه لا يتولى الكفار ويتقرب إليهم بالمودة والنصرة إلا منافق ظاهر النفاق، قال تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) (٣).
فنفى ﷾ عن أهل الإيمان موالاة الكفار وأثبت ذلك للمنافقين في قوله تعالى: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (٤). وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا
_________________
(١) رواه البخاري. انظر فتح الباري ج٨ ص٣٥٤.
(٢) سورة الحج آية (٣٨).
(٣) سورة آل عمران آية (٢٨).
(٤) سورة النساء آية (١٣٨، ١٣٩).
[ ٢ / ٨٩٩ ]
عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (١). فتبين من ذلك أن المنافقين هم الذين يتخذون الكافرين أولياء، يوالونهم بالمودة والنصرة متجاوزين ولاية المؤمنين معرضين عنها، معلقين طلب العزة والتمكين على الأعداء متناسين قول الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (٢).
وقد جرب حكام هذه الأمة وشعوبها عبر التاريخ ألوانًا من موالاة الأعداء فما جنوا من ذلك سوى الخيبة والذل والعار والمهانة في الدنيا والآخرة.
ففي الأندلس كان الولاء للأعداء لعبة قذرة سلكها أمراءُ الطوائف حتى نفض الصليبيون البساط من تحت أقدامهم وألقوا بهم في مزبلة التاريخ وأصبحت هذه البلاد حسرة في نفس كل مسلم حين يذكر ما فيها من حضارة وآثار للمسلمين ثم يذكر أولئك الأوباش الذين أضاعوا ذلك الفردوس المفقود بسبب ولائهم لأعداء الله وأعداء الإسلام والمسلمين (٣).
لقد وصلت الحماقة والخيانة والنذالة والذلة إلى أن يوالي أحدهم الكافر ضد أبيه المسلم.
فقد تعاون مخزاة (أبو عبد الله محمد الخائن) مع الصليبيين «فرديناندو إيزبلا» ضد والده محمد بن سعد (المعروف بالزغل) وضد عمه حتى تم النصر للنصارى ضد المسلمين، وبعد ذلك انقلب فرديناند على أبي عبد الله فسلب منه ممتلكاته وسلم هذا الخائن مفاتيح آخر مدينة إسلامية بالأندلس لفرديناند، وهو يبكي كما تبكي النساء على بلد إسلامي أضاعه، وخيانة لن ينساها له التاريخ تمثلت بموالاة الأعداء ضد أقرب الناس إليه فخرج هذا الخائن (٨٩٧هـ - ١٤٩٢م) ذليلًا محتقرًا إلى أفريقية
_________________
(١) سورة المائدة آية (٥١ - ٥٢).
(٢) سورة المنافقون آية (٨).
(٣) انظر موسوعة التاريخ الإسلامي/ أحمد شلبي ج٤ ص٣٦ - ٤٠.
[ ٢ / ٩٠٠ ]
ليقضي بقية عمره يعيش على السؤال والاستجداء (١). فهل من متعظ ومعتبر؟
وقبل صحوة الأمة الإسلامية على يد «محمود نور الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي» تنافس على وزارة مصر كل من «شاور وضرغام» واستعان كل منهما بالصليبيين على منافسه ولولا أن قيض الله لمصر صلاح الدين الأيوبي لأصبحت مصر مثل الأندلس أو أشد (٢). وفي عهد المماليك كان الأمراء وحكام الولايات الصغيرة يعيدون لعبة ملوك الطوائف، فيستعينون بالصليبيين والتتار على إخوانهم، ويدفعون قيمة تلك الاستعانات من كرامتهم وكرامة أمتهم ولولا أن من الله على المسلمين بالمظفر قطز، والظاهر بيبرس لصارت حال المسلمين على غير ما كانت عليه بوجودهما.
وبعد ذلك بمدة من الزمن ظهر بين المسلمين صنيعة اليهود (كمال أتاتورك) الذي كان أعظم نموذجًا للخيانة والولاء للأعداء، فقد ملك عليه حبه وولاؤه للأعداء كل شيء، وأعلن ذلك دون خجل أو وجل (٣) أو حياء أو مواربة (٤)، وأعلن الحرب على الإسلام والمسلمين في تركيا وخارجها فقضى على الخلافة الإسلامية وبدل الحروف العربية بالحروف اللاتينية وألغى الآذان بلغة القرآن، وفرض الأزياء الغربية، وأمر بنزع الحجاب عن المرأة المسلمة، وأشاع المنكرات، وأعلن أنه يدين بالولاء الكامل للغرب النصراني اليهودي، وأنه لا علاقة لتركيا بالإسلام (٥).
ولقد كان لهذا الولاء المطلق للأعداء آثاره السيئة والمدمرة على أتاتورك نفسه حيث باع آخرته ودنياه لأعداء الله الذين لا يملكون له نفعًا ولا
_________________
(١) انظر المصدر السابق ج٤ ص٧٨.
(٢) انظر البداية والنهاية/ لابن كثير ج١٢ ص٢٥٥ - ٢٥٦.
(٣) رجل: أي خوف وفزع - النظر المعجم الوسيط ج٢ ص١٠٢٥.
(٤) مواربة: أي مخاتلة أو مخادعة - انظر المعجم الوسيط ج٢ ص١٠٣٥.
(٥) انظر كتاب «الرجل الصنم» / تأليف ضابط تركي سابق - ترجمة/ عبد الله عبد الرحمن ص٤٤٠.
[ ٢ / ٩٠١ ]
ضرًا في الدنيا والآخرة، وعلى تركيا كلها حيث إنها بولائها لأعداء الإسلام قد خسرت كل شيء، فلا هي حفظت دينها وكرامتها، ولا هي نعمت بالرخاء المزعوم من دول الغرب الصليبية، فغدت ضائعة تتخبط في متاهات الحياة إلى وقتنا الحاضر (١).
ولقد سلك طريق الولاء للأعداء الشريف «عبد الله بن حسين بن علي» فشارك في الحرب العالمية الأولى مساعدًا بريطانيًا ضد دولة الخلافة وأنصارها وكذلك فعل أثناء الحرب العالمية الثانية، فكافأته بريطانيا على ذلك بأن نصبته ملكًا على المملكة الأردنية الهاشمية (١٩٤٦م) بعد أن كان يحلم بإمبراطورية عربية واسعة ثم كانت نهايته الاغتيال عام (١٩٥١م) (٢).
ونتيجة لهذه الموالاة سقطت دولة الخلافة، واقتسم الحلفاء البلاد الإسلامية، وكان من آثار ذلك استيلاء اليهود على فلسطين واستيلاء المستعمرين على بقية البلاد الإسلامية التي ما زالت تكتوي بنار الاستعمار وعملاء الاستعمار وفي شاه إيران عبرة وعظة للذين يوالون أعداء الله، فقد أعطى ولاءه الكامل للصليبيين واليهود ولكنهم خذلوه وأسلموه في نهاية الأمر حتى لقد قال في مذكراته التي بدأ ينشرها في أول نفيه: «إن الرئيس الأمريكي كارتر قد ألقى به خارج إيران كالفأر الميت» (٣).
وقد صدر كتاب بعنوان (رهينة الخميني) ألفه (روبرت كارمن دريغيوس) نشر فيه معلومات تفصيلية عن علاقة المخابرات المركزية الأمريكية بإسقاط الشاه والقضاء عليه (٤).
_________________
(١) انظر مجلة الأمان عدد (٧٩) السنة الثانية في ٢٧/ ٩ك ١٤٠٠ هـ ص١٩ - ٢٠.
(٢) انظر الموسوعة العربية الميسرة/ شفيق غربال ج٢ ص١١٧٨.
(٣) انظر مجلة الدعوة المصرية العدد (٤٧) السنة التاسعة والعشرون جمادى الأولى (١٤٠٠هـ) ص٢٤.
(٤) نشرت هذا الموضوع صحيفة السياسة الكويتية على شكل حلقات متواصلة وانظر هذه الصحيفة عدد (٤٧٧٤) السنة السادسة عشرة الثلاثاء ١٥/ ١٢/١٤٠١هـ ص١٥.
[ ٢ / ٩٠٢ ]
وكذلك فعل الروس بمن والاهم في أفغانستان فقد قضوا على (داود خان) و(نور تراقي) و(حفيظ الله أمين) و(بابراك كارمل في الطريق وقد كان هؤلاء كلهم من الذين تولوا أعداء الله السوفيت فسلط الله الظلمة على أتباعهم، وصدق الله العظيم حيث يقول: (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (١).
وكذلك شأن السادات فقد أعلن الولاء التام للنصارى في أمريكا واليهود في إسرائيل وتنكر لمبادئ الإسلام والمسلمين، وضحى بهما من أجل ترضية أعداء الإسلام، وكان يظن أنه سوف يجد بولاء اليهود والنصارى العزة والتمكين فخاب ظنه وصدق عليه قول الله تعالى: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (٢).
فقد هلك غير مأسوف عليه من قبل الأعداء والأصدقاء جميعًا وصدق فيه قول الشاعر:
قد كان ينظر للحياة مديدة
لا البؤس يطرقها ولا هي تقطع
في كل يوم خطبة مشئومة
فيها الوعيد لكل سمع يقرع
في لحظة هوت الزعامة جثة
والروح في أحشائه تتقطع
وكفى موالاة اليهود جناية
لا شيء يمحو عارها أو يشفع (٣)
_________________
(١) سورة الأنعام آية (١٢٩).
(٢) سورة النساء آية (١٣٨، ١٣٩).
(٣) انظر المجتمع الكويتية عدد (٥٥٠) في ١٣/ ١/١٤٠٢هـ ص٤٣.
[ ٢ / ٩٠٣ ]
وهذه السنة الإلهية الماضية على من يوالي أعداء الله ليست خاصة بالحكام بل تشمل كل من تعاون مع أعداء الله من العلماء والعساكر والجنود.
فقد يقف بعض أدعياء العلم مع الحكام الظلمة يبررون لهم ظلمهم للمؤمنين ومطاردتهم للموحدين وخذلانهم للمجاهدين، ومن هذا النوع موقف ابن أبي دؤاد في تأليبه السلطان على الإمام أحمد بن حنبل، فقد وقف يطالب بدمه جهارًا نهارًا، ولكن الله كتمه غيظه في صدره فقد أصيب بالفالج فبقي عظامًا بدون لحم، فقال ابن شراعة البصري فيه قصيدة منها هذين البيتين:
لم تخش من رب السماء عقوبة فسننت كل ضلالة وفساد
كم من كريمة معشر أرملتها ومحدث أوثقت بالأقياد (١)
وقد دارت الدائرة على عساكر عبد الناصر وزبانيته فهم ما بين مجنون ومقتول ومطرود وكذلك شأن البعثيين في سوريا فقد انقلبوا على كل من أيدهم من أهل الانتماء إلى المسلمين السنة أمثال نور الدين الأتاسي وصلاح البيطار وأمين الحافظ وغيرهم من المخدوعين بموالاة الكفرة من النصيريين والصليبيين (٢).
وهذه نماذج سقناها للذكرى والاعتبار وبيان سنة الله فيمن يوالي أعداءه ويعادي أولياءه مهما اختلف الزمان وبعد المكان فهل من متعظ ومعتبر؟؟.
_________________
(١) انظر كتاب أحمد بن حنبل بين محنة الدين ومحنة الدنيا/ أحمد عبد الجواد ص٤٢ - ٤٣.
(٢) انظر: الأخوان المسلمون والمؤامرة على سوريا ص٤٣. جابر رزق.
[ ٢ / ٩٠٤ ]
المبحث الثالث: العقوبة الأخروية لمن يوالون الكفار
لقد بين الله ﷿ في أكثر من آية عقوبة الذين يتولون الكفار في الآخرة، وأن جزاءهم جهنم وبئس القرار. قال تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا) (١). وقال تعالى: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) (٢). وقال تعالى: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) (٣).
_________________
(١) سورة الفرقان آية (٢٧ - ٢٩).
(٢) سورة الأحزاب آية (٦٨).
(٣) سورة البقرة آية (١٦٧).
[ ٢ / ٩٠٥ ]
وعن عائشة (﵂) أن رسول الله - ﷺ - قال: «ثلاث أحلف عليهن لا يجعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له، وأسهم الإسلام ثلاثة، الصلاة والصوم والزكاة ولا يتولى الله عبدًا في الدنيا فيوليه غيره يوم القيامة، ولا يحب رجل قومًا إلا جُعِل معهم» (١).
فمودة المنافقين والمرتدين لأسيادهم من أهل الكفر والضلال لا تنفعهم يوم القيامة في شيء فهي شبيهة بمودة أهل الأوثان لأوثانهم، فمن تولى الكفار ووالاهم، فقد اتخذهم أوثانًا من دون الله، وذلك بحبه لهم وتقديم محبتهم على محبة الله، وتعظيمهم على تعظيم الله، وتقديم مقامهم على مقام الله ﷿، وجزاء هذا الأمر ما ذكره الله تعالى في قوله: (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) (٢).
فليفقه وليتيقظ وليستيقظ من يوالي الكفار على خطورة هذا الأمر قبل (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (٣).
فهل يتعظ الحكام والأشخاص والشعوب من تلك النهاية التي يؤول إليها من يوالي الكفار، فيقطعوا موالاتهم ونصرتهم ومحبتهم عن الكفار بالأصالة أو بالردة، ويعطوا ولاءهم لله ورسوله والمؤمنين كما قال تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
_________________
(١) رواه أحمد بإسناد جيد والطبراني في الكبير من حديث ابن مسعود. انظر مورد الظمآن لدروس الزمان - تأليف عبد العزيز بن محمد السلمان ج١ (ط - ١٠) ص١٢١.
(٢) سورة العنكبوت آية (٢٥).
(٣) سورة الزمر آية (٥٦ - ٥٨).
[ ٢ / ٩٠٦ ]
وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (١).
فمن بدَّل موالاة الله ورسوله والمؤمنين بموالاة الكافرين فقد استحق الوعيد الشديد، كما دل على ذلك الآيات المتقدمة. وقد أنشد في هذا المعنى الشيخ صالح السالم آل بنيان في قصيدة له فيمن يوالي أعداء الله منها ما يلي:-
فيا من تعادون الإله وحزبه
وتنقصون أهل الدين والدين فاسمعوا
لتصلون نارًا قد أعدت وهيئت
بها مكان للكفار مأوى ومضجع
وصبرًا ذوي الإسلام من قول مبغض
عدو لكم أمسى من الغيظ مترع (٢)
_________________
(١) سورة المائدة آية (٥٥ - ٥٦).
(٢) انظر المجموع رقم (١٦٣٨) من المجاميع المخطوطة بقسم المخطوطات بجامعة الرياض ص٣٠٦.
[ ٢ / ٩٠٧ ]
الفصل الرابع: واقع المسلمين اليوم من موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين
إن المسلم اليوم عندما يحاول دراسة واقع المسلمين المعاصرين خاصة في موضوع الموالاة في الله والمعاداة فيه، لا يدري من أين يبدأ؟ ولا أين ينتهي؟ حيث سيواجه واقعًا مؤلمًا محزنًا مبكيًا يدع الحليم حيرانا.
لأنه ما من بقعة من بقاع الأرض إلا وفيها صوت من أصوات المسلمين المعذبين تحت وطأة الكفار أو عملاء الكفار.
فلا أدري كما يقول الشاعر:
من أين أبتدئ الحكاية؟ كلها غصص تثير كوامن الأشجان (١)
وكما يقول الآخر:
في كل أفق على الإسلام دائرة ينهد من هولها رضوى وثهلان
_________________
(١) انظر مجلة الأمة العدد الحادي عشر السنة الأولى ذي القعدة ١٤٠١هـ ص٣٢ شعر مأمون فريز جرار.
[ ٢ / ٩٠٨ ]
ذبح وصلب وتقتيل بإخوتنا كما أعدت لتشفي الحقد نيران
يستصرخون ذوي الإيمان عاطفة فلم يغثهم بيوم الروع أعوان
فاليوم لا شاعر يبكي ولا صحف تحكي ولا مرسلات عند شان
هل هذه غيرة أم هذه ضعة؟ للكفر ذكر وللإسلام نسيان (١)
فمآسي المسلمين أكثر من أن تحصر ومعظمها أشهر من أن يذكر ولكن حسبنا أن نذكر نماذج وأمثلة موجزة لأولئك المعذبين الذين لا ذنب لهم إلا أن يقولوا: ربنا الله، ومع ذلك تخلى عنهم أدعياء الإسلام وتركوهم وحدهم بين أنياب الوحوش القذرة في الشرق أو الغرب، أو أسلموهم إلى أيدي القصابين الأجراء العملاء لهذين المعسكرين، وكأن الأمر لا يعني هؤلاء المنتسبين إلى الإسلام في قليل أو كثير.
إنه ليس سهلًا على المسلم أن يقف متفرجًا وإخوانه في الإسلام يذبحون أمامه كما تذبح الشياه، وليس سهلًا على المؤمن أن يشاهد دولة كبرى - تعادي الإسلام - كروسيا الشيوعية تجتاح دولة إسلامية صغيرة ضعيفة كأفغانستان لتقتل أبناءها وتفتنهم عن دينهم وتشردهم من أوطانهم في مخيمات واهية يفترشون الثلج ويلتحفون صقيع النجوم ويأكلون القليل من الطعام.
إن المنافق يسكت عن هذا العمل ولا يبالي.
وإن الكافر يؤيد هذا العمل ولا يبالي.
وإن المؤمن هو الذي لا يرضى بذلك ولا يقر الضيم على الناس كافة فكيف بإخوانه في الإسلام؟ فهل نفد المؤمنون في بلاد الإسلام ولم يبق فيها إلا الكفار والمنافقون؟
هذا ما يظهر من لسان حال القاطنين في ديار الإسلام لأنه لو كان
_________________
(١) انظر كتاب أغاني الكفاح - بقلم شعراء الدعوة الإسلامية ص٦٥.
[ ٢ / ٩٠٩ ]
العكس لظهر ذلك واقعًا عمليًا ولكن المنافقين والكفار المرتدين الذين يرتبطون بعجلة الغرب أو الشرق هم الذين يرضون بالخنوع والخضوع والذلة والضعة لأن كلا منهم عبد للمادة والمصلحة يقول الشاعر العربي:
ولا ينام على ضيم يراد به إلا الأذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته وذا يشدَّ فلا يرثي له أحد (١)
إن الدخول في تفاصيل المصائب والمآسي التي تقع على المسلمين شيء لا يمكن حصره ونخشى لو اطلع على ذلك أحد من ضعاف الإيمان لأصيب باليأس والقنوط لشدة ما يرى وهول ما يسمع كما يقول الشاعر:
أمسك بقلبك أن يطير مفزعًا وتول عن دنياك حتى حين
فالهول عات والحقائق مرة تسمو على التصوير والتبيين (٢)
وسنحاول بإيجاز ذكر بعض البلاد التي ابتليت بتسلط الكفار على المسلمين، وماذا قدم لها المسلمون بمقتضى واجب الموالاة في الله والمعاداة فيه؟ وسنبدأ بذلك حسب الأهمية والموقع ومقدار البلوى ومكانتها وما تقتضيه الحكمة وتسمح به الظروف.
أولًا: فلسطين:
منذ ثلث قرن واليهود يستوطنون فلسطين وتزداد رقعة دولتهم يومًا بعد يوم، ولقد استبيحت أموال الشعوب الإسلامية ودماؤها باسم فلسطين وتحرير فلسطين ومع ذلك لم يتحقق شيء لأن الذين تولوا القيادات في الدول التي تدعي مناهضة اليهود، هم صنائع لليهود ولذلك ضربوا الإسلام
_________________
(١) انظر مجلة الفكر الإسلامي العدد الثالث - السنة التاسعة - ربيع الثاني (١٤٠٠هـ) ص٢٥.
(٢) انظر نافذة على الجحيم ص١٣٥ ملحمة شعرية عدد أبياتها (٢٩٦) بيتًا من الشعر تحكي قصة التعذيب داخل السجن الحربي في مصر أيام عبد الناصر، وهي من شعر الدكتور/ يوسف القرضاوي.
[ ٢ / ٩١٠ ]
في بلادهم ومهدوا الطريق للتوسع اليهودي، وعندما شرد اليهود بعض اللاجئين من فلسطين كيف استقبلهم أهل البلاد المجاورة؟ لقد أنزل بهم أهل البلاد التي فروا إليها مذبحة عظيمة، لم يتلقوها داخل إسرائيل نفسها فصارت حالهم كحال القائل:
والمستجير بعمر عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار
لقد أخرجهم الملك حسين من الأردن بعد أن قتل منهم حوالي ثلاثة آلاف نفس، ثم ذهبوا إلى لبنان فلحق بهم الطاغية النصيري فأحرقهم تحت مخيم تل الزعتر في الموقعة المشهورة والمعلومة لدى الجميع (١). ثم تحالف عليهم اليهود مع الصليبيين في لبنان بطريقة حرب الاستنزاف وتلك الحرب قائمة حتى كتابة هذه الرسالة.
ولكن الحقيقة التي يجب أن لا ننساها أن معظم الفلسطينيين وخاصة من يتزعمون مناهضة اليهود أهل لما أصابهم لأنهم أناس ابتعدوا عن منهج الله ووالوا أعداء الله في أول أمرهم وآخره ولذلك لم ينصرهم الله على أعدائهم، فهم رغم ضعفهم وهوانهم والتصاقهم بالتراب لم يتعظوا بما أصابهم ولم يرجعوا إلى ربهم، بل لقد وقف بعضهم موقف المؤيد للغزاة المجرمين الذين غزو أفغانستان ليضموا بذلك سقوط بلد آخر يضاف إلى فلسطين فقد صرح بمثل هذه التصريحات (ياسر عبد ربه) و(فاروق قدومي) من كبار الناطقين باسم منظمة التحرير الفلسطينية (٢).
ولكن لا يعني هذا تبرير تخاذل المسلمين في قضية شعب مسلم هو الشعب الفلسطيني الذي فيه الصالحون والطالحون، فيجب أن يكون الولاء والمودة لأهل الخير والصلاح من أهل فلسطين وأن نضع أيدينا في أيديهم لتحرير القدس وبقية أرض الإسلام من اليهود وأذناب اليهود في فلسطين وما حولها.
_________________
(١) انظر ص٥٤٢ من هذه الرسالة.
(٢) انظر البلاغ العدد (٥٢٦) في ٩/ ٣/١٤٠٠ هـ ص١٩.
[ ٢ / ٩١١ ]
ثانيًا: أفغانستان:
إن شعب أفغانستان كما هو معلوم شعب مسلم عريق في الإسلام شديد التمسك به، وبعد أن بدأت الشيوعية تترنح للسقوط في الاتحاد السوفيتي وفي بولندا، وبسبب نقص المواد الغذائية وفشل المزارع والمعامل الجماعية التي تسيطر عليها الدولة، وعادت كل من تركيا وإيران إلى محاولة التشبث بالإسلام، أحس أعداء الله بالخطر الذي يكاد يزلزل الأرض من تحت أقدامهم، فعمد السوفييت إلى الهجوم على أفغانستان، كما عمد الصليبيون إلى قلب نظام الحكم في تركيا وإشعال فتيل الحرب بين العراق وإيران، وما إن دخلت جيوش الروس إلى أفغانستان بواسطة بعض العملاء والخونة حتى هب الشعب الأفغاني المسلم وأعلن الجهاد ضد الغزاة، وقد وصل هذا الشعب بتضحياته حدًا يؤكد عظمة الإسلام واستعلاء أهل الإيمان في كل زمان ومكان.
فهم رغم أنهم لم يتلقوا أي دعم جدي ممن كان يجب عليهم ذلك إلا أنهم لم يستذلوا ويستكينوا للأعداء فقد باعوا مواشيهم ومحاصيلهم الزراعية ليشتروا بها الطلقات النارية، والقنابل الصغيرة والبنادق من تجار السلاح الذين يبيعونها عليهم بأغلى الأثمان، ولقد وصل الأمر إلى أن باعت نساؤهم حليها لشراء السلاح، واقتصروا في قوتهم على الخبز الجاف (١) كل ذلك حفاظًا على دينهم وإسلامهم وجرحاهم لا يتلقون أي شكل من أشكال العناية الصحية والطبية إلا على نطاق محدود في باكستان، ومع ذلك كله فما وهنوا وما ضعفوا لما أصابهم في سبيل الله.
أما عن موقف بقية المسلمين من أفغانستان فقد ذكرنا موقف بعض أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية من غزو أفغانستان وتأييدهم ذلك وكذلك
_________________
(١) انظر مجلة المجتمع الكويتية عدد (٤٧٦) السنة الحادية عشرة ق٢٩/ ٥/٤٠٠هـ ص٢٠.
[ ٢ / ٩١٢ ]
وقفت كل من حكومة سوريا النصيرية وحكومة عدن وليبيا والجزائر موقف المؤيد للعميل بابراك كارمل العميل الشيوعي للسوفيت ضد المسلمين وهذا الموقف غير غريب على تلك الدول لأنها لا تمثل الإسلام ولا تمثل شعوبها المسلمة تمثيلًا صحيحًا.
وبعض الدول المنتسبة إلى الإسلام التزمت جانب الصمت حيال هذا الموضوع وتناست هذا الشعب وتجاهلت تلك المأساة وكأن شيئًا من ذلك لم يحدث.
وقد قال عبد الرب سياف المتحدث الرسمي باسم المجاهدين الأفغان «إن المجاهدين لم يستلموا فلسًا واحدًا أو درهمًا واحدًا من الحكومات ولم يستلموا رصاصة واحدة منهم وحتى على المستوى الإعلامي فهناك إهمال وعدم مبالاة بالقضية الأفغانية إلا فيما يخدم المعسكر الغربي المعادي للشيوعية. وقد زار عبد رب الرسول سياف كلًا من الكويت ودولة الإمارات العربية بعد عقد مؤتمر الطائف بهدف جمع بعض المساعدات للمجاهدين فلم يؤبه له ولم يحظ بأي استقبال أو ترحيب رسمي أو إعلامي، مما جعله يكتب كتابًا بيده إلى حاكم الإمارات قال فيه: لو أنني كنت على رأس وفد رياضي أو غنائي لكانت حفاوتكم بي تبلغ مداها» (١).
وقد علقت المجتمع بقولها: كيف تستقبل الكويت قائدًا يمثل جهادًا هزم أقوى دولة في العالم وزعيمًا يمثل شعبًا مجاهدًا وعالمًا من أوعى علماء الإسلام في أفغانستان بمثل هذا التهاون واللامبالاة؟ بينما ترتعد فرائض هذه الدولة نفسها إكرامًا وحفاوة لشاعر الإباحية الجنسية نزار قباني الذي زار الكويت بعد زيارة ذلك المجاهد العملاق (٢).
_________________
(١) انظر مجلة المجتمع الكويتية عدد (٥٥٠) السنة الحادية عشرة في ١٣/ ١/١٤٠٢هـ ص٧.
(٢) المصدر السابق المكان نفسه.
[ ٢ / ٩١٣ ]
ما عذرنا أمام الله ﷿؟ ثم أمام إخواننا الذين يجاهدون عدوًا شرسًا يستهدف الإسلام والمسلمين ليس في أفغانستان وحدها وإنما في كل الرقعة الإسلامية، ومع ذلك نبخل عليهم بقليل من المال والتقدير في حين أن أموال المسلمين يستثمرها أعداء الإسلام من يهود وصليبيين ووثنيين أفلا نكون بعملنا هذا نخذل أنفسنا وإخواننا الذين هم خط الدفاع الأول عنا وعن إسلامنا،؟ فهل يكون أهل الشيوعية أشد موالاة ونصرة منا نحن المسلمين؟.
ثالثًا: الفلبين:
تقع الفلبين على بعد حوالي (٨٠٥) ميلًا من ساحل جنوب شرق آسيا وتتكون من سبعة آلاف ومائة جزيرة أكبرها جزيرة (لوزون) في المنطقة الجنوبية وعدد سكانها ستة وأربعون مليونًا وأربعمائة ألف منهم عشرون في المائة من المسلمين وقد دخل الإسلام إليها في أوائل القرن الحادي عشر الهجري السادس عشر للميلاد، وبعد أن استقلت الفلبين اسميًا عام ١٩٤٦م وضمت إليها الإمارات الإسلامية أراد أعداء الإسلام القضاء على الإسلام فيها على ثلاث مراحل:
١ - المرحلة الأولى: هي محاولة تحويل المسلمين إلى نصارى عن طريق التكفير والتضليل بإدخالهم في الديانة النصرانية.
٢ - المرحلة الثانية: هي محاولة إفساد المجتمع الإسلامي ونشر جميع عوامل الفساد والإفساد في هذا المجتمع.
٣ - المرحلة الثالثة: هي حملات الإبادة التي تشنها الحكومة ضد المسلمين.
إن المسلمين في جنوب الفلبين يتعرضون لأبشع أنواع الظلم والطغيان بل إنهم يتعرضون لحرب الإبادة المستمرة، فالحكومة الفلبينية العميلة للاستعمار والأداة المنفذة لخططه في جنوب شرق آسيا تقوم باستمرار
[ ٢ / ٩١٤ ]
بعمليات التقتيل الجماعي والمذابح المروعة ضد المسلمين الأبرياء حتى وصل بها الأمر إلى تدمير قرى المسلمين وإحراقها بمن فيها وضرب تجمعات المسلمين في المساجد والمدارس وإتلاف محاصيلهم الزراعية والحيوانية.
ولذلك فإن من الواجب على المسلمين في كل مكان، الوقوف مع إخوانهم المسلمين في الفلبين، وأن يقدموا لهم كل ما يمكن من الدعم المادي والمعنوي لإنقاذ الإسلام والمسلمين في تلك البقعة.
ولكن للأسف فإن المسلمين في الفلبين لا يتلقون الدعم المادي والمعنوي سواء على مستوى الشعوب أو على مستوى الحكومات إلا من نزر يسير جدًا الأمر الذي يجعلهم غير قادرين على تحقيق الدفاع المطلوب عن أنفسهم، ضد قوات ماركوس الصليبي الذي يدعمه اليهود والصليبيون دعمًا قويًا، وبعض الدول الإسلامية تمتلك وسيلة ضغط مناسبة على ماركوس وهي عدم بيعه البترول الذي يتدفق من أراضي المسلمين ليكون وقودًا للطائرات والدبابات التي تطارد المسلمين وتقتلهم فإن الشرع يحرم التعاون معه في المجالات المختلفة ما دام يحارب أهل الإسلام. قال تعالى: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (١).
رابعًا: سوريا:
إن سوريا المسلمة تعيش مأساة عظيمة على يد السفاحين النصيريين لم يلاقيها أي بلد إسلامي في أعتى عصور الاستعمار وقد أشرنا فيما سبق (٢) إلى نماذج من حربهم للإسلام والمسلمين ومع ذلك وللأسف
_________________
(١) سورة الممتحنة آية (٩).
(٢) انظر ص٥٤٢ - ٥٤٩ من هذه الرسالة.
[ ٢ / ٩١٥ ]
الشديد تجد الدول التي تنتمي إلى الإسلام تتعامل معهم بشكل عادي كأنهم لم يرتكبوا إثمًا ولم يقترفوا ذنبًا وكأن المسلمين والمسلمات الذين يذبحون صباح مساء قطيعًا من الماشية لا يهتم بهم ولا يؤبه لهم.
مال هذا العالم العجيب؟ قد تبلد إحساسه وانقطعت الشفقة والرحمة من فؤاده كيف تحصل فيه أعتى المآسي وأدمى المجازر ولا يستطيع أحد أن يرفع صوته منكرًا للظلم على الظالمين؟ ماذا نقول للتاريخ وللأجيال القادمة؟ حينما يعلمون أن فظائع دامية وجرائم عاتية كانت ترتكب بحق شعب مسلم مؤمن وله مئات الملايين من إخوانه يتفرجون عليه وهو يداس تحت الأقدام.
ماذا نقول لربنا الذي أمرنا بالتعاون مع إخواننا في قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (١)؟. أنقول: إننا كنا لاهين بأموالنا وشهوتنا، ننفق آلاف الملايين على الأمور التافهة، والقضايا الهزيلة وإخواننا في كل مكان بحاجة إلى كل درهم لطعام يسدون به رمق الجوع أو لثوب يسترون به العورات المكشوفة، أو لبيت وسكن بدل الخيام والعراء، أو لطلقة في نحر عدو كافر يستهدف الإسلام وكل المسلمين؟.
أم نقول: إننا خشينا اغتصاب أولئك القوم لئلا يكشفوا عُوَرَانا «ومن كان بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجر». إن جرائم أولئك العصابة القذرة يعجز الوصف والبيان عن تصويرها وبيانها، ويقف المرء في خجل وانكسار حين ينتسب إلى أمة بمثل هذا العدد ومع ذلك يفعل بأبنائها مثل ذلك الفعل المشين.
صديق ليس ينفع يوم بؤس قريب من عدو في القياس
تنكرت البلاد ومن عليها كأن أناسها ليسوا بناس (٢)
_________________
(١) سورة المائدة آية (٢).
(٢) ديوان الإمام الشافعي ص٥٠.
[ ٢ / ٩١٦ ]
خامسًا: المسلمون في كمبوديا:
يروي الأستاذ الدكتور/ علي جريشة عن أحد التلاميذ الفارين من الشيوعية في كمبوديا، أنه كان في كمبوديا مليونان من المسلمين وسط سبعة ملايين من الوثنيين وحدث الانقلاب الشيوعي عام (١٩٧٣م) فماذا فعل الشيوعيون بالمسلمين؟
يقول: لقد قتلت الشيوعية ثلثي عدد المسلمين ولم يبق من المسلمين إلا بضعة آلاف لاجئين في خيام وفي صحراء تايلند يعانون الفقر والجوع والعري والحرمان، ويعانون ما هو أشد من ذلك حيث تعرض عليهم تايلند أن يقبلوا (التنصير) ويصبحوا نصارى حتى يعطوا من المساعدات التي تأتي من الجهات الصليبية، وإما أن يعودوا إلى كمبوديا الشيوعية ليلحقوا بمن سبقهم من إخوانهم الذين دفنوا تحت الأرض بعمق عشرة أمتار.
وعن طريقة إبادة المسلمين في تايلند أفاد بأنهم يكلفون عددًا من الرجال بحفر حفرة عمقها عشرة أمتار وعرضها خمسون مترًا، ثم يلقون بالناس فيها وهم أحياء وتأتي الجرافات وتهيل عليهم التراب وأما الأطفال فلهم طريقة أخرى وهي أنهم يضعونهم في أكياس من النايلون المقوي، ثم يوثقون رباطها ويربطونهم في جذوع الشجر ويتركونهم يتقلبون داخلها حتى يختنقوا داخل الأكياس وهكذا قضوا على حوالي مليون وسبعمائة ألف (١). اهـ. وللمسلم أن يتساءل أين الذين يتحدثون عن حقوق الإنسان؟
أم أنهم لا يهتمون إلا بالإنسان الصليبي أو اليهودي أو الشيوعي أو الوثني أما المسلم فلا قيمة له في نظر أولئك، ولا بواكي له من أدعياء الإسلام.
أين المسلمون؟ أين أمة تعد اليوم ألف مليون مسلم؟
_________________
(١) انظر المجتمع عدد ٤٧٧ السنة الحادية عشرة في ٧/ ٦/١٤٠٠هـ ص٣١.
[ ٢ / ٩١٧ ]
أين أمة تمتلك أهم الموارد الاقتصادية في العالم؟ ومع ذلك تنتهك حرمتها وتستباح كرامتها، ويستهين بها أعداؤها.
سادسًا: بورما:
إن المسلمين في أراكان من (بورما) قد لقوا الكثير من الظلم والإرهاب وحرب الاستئصال فقد قتل البوذيون مئة ألف مسلم واختطفوا خمسة آلاف من النساء وفعلوا الفاحشة بما لا يقل عن خمسمائة مسلمة أمام أزواجهن وأبنائهن وإخوانهن وقد فر حوالي (٢٠٠) مئتي ألف مسلم إلى الصحراء، وغدت قرى المسلمين خرابًا بلقعا، واجتاز حوالي (١٥) ألف من هؤلاء نهر (نان) بحثًا عن مأوى في بنجلادش (١).
وهكذا نرى هؤلاء المسلمين البؤساء كغيرهم دون مأوى أو عناية أو رعاية من إخوانهم المسلمين في كل مكان.
سابعًا: المسلمون في الهند:
يضطهد المسلمون في الهند تحت الحكم الوثني اضطهادًا مريرًا. فمنذ عام (١٩٤٦م) - إلى عام (١٩٧٩م) وقعت تسعة آلاف وخمسمائة واثنان وأربعون مجزرة ضد المسلمين (٢).
ذهب ضحيتها عشرات الملايين من المسلمين ما بين قتيل وجريح ومشرد، وفي عام (١٤٠٠هـ) أطلق عباد البقر مجموعة من الخنازير على المسلمين وهم في مصلى العيد، للسخرية واستهزاء بالمسلمين ثم أعقبوا
_________________
(١) المصدر السابق عدد (٥١٦) السنة الحادية عشرة في ١٢/ ٤/١٤٠١هـ ص٣٣ - ٣٥.
(٢) انظر إحصائية في مجلة (سوريا انديا) الهندية الشهرية عدد يونيو عام (١٩٧٩م) وانظر ترجمة ذلك في المجتمع عدد (٥٢٥) في ١٦/ ٦/١٤٠١هـ ص١٠.
[ ٢ / ٩١٨ ]
ذلك بهجوم على المسلمين ذهب ضحيته خمسمائة من المسلمين عدا الجرحى والمفقودين (١).
وفي أثناء انفصال باكستان عن الهند قضى الهنود الوثنيون على قرابة خمسة ملايين مسلم أثناء هجرتهم من الهند إلى باكستان (٢).
وعندما أراد مجيب - الشيطان - زعيم البنغاليين فصل باكستان الشرقية عن باكستان الغربية وقف الهنود الوثنيون مع هذا العميل وخاضوا المعركة ضد باكستان وألحقوا بها هزيمة منكرة حتى تم لهم ما أرادوا من فصل باكستان الشرقية ببنغلاديش حاليًا - عن باكستان الغربية.
ومع كل هذه الجرائم والمآسي ترتبط معظم الدول المحسوبة على الإسلام بعلاقات ودية وتعاونية مع تلك الدولة الوثنية، وتقدم لها عامة الدول في العالم الإسلامي المساعدات الاقتصادية والتأييد السياسي بلا حدود في الوقت الذي تحارب فيه حكومة الهند المسلمين في داخل الهند وخارجها.
ففي داخل الهند تقوم هذه الحكومة الوطنية باضطهاد المسلمين وتحرمهم حتى من أبسط حقوقهم السياسية والاجتماعية، رغم تشدقها بالديمقراطية، ولكنها على كل حال مثل الديمقراطية العربية، لأنها شعار بلا محتوى، واسم بلا مسمى، كما هو شأن الديمقراطية العربية في مفهوم القادة العرب.
وفي خارج الهند تقف الحكومة الهندية موقف الصديق المخلص مع دولة اليهود في فلسطين، وقد نشرت جريدة السياسة الكويتية بعددها الصادر في ٢٨/ ٨/١٩٨٠م عن صفقة سرية بين الهند وإسرائيل تقوم الهند بتزويد
_________________
(١) انظر مجلة الاعتصام العددان الثامن والتاسع السنة الرابعة والأربعون شعبان ورمضان ١٤٠١، ص١٧.
(٢) انظر العلاقات الدولية في الإسلام. د/ كامل سلامة الدفس صفحة ١٦٢ - ١٦٣.
[ ٢ / ٩١٩ ]
إسرائيل بقطع غيار الدبابات الإسرائيلية. فإذا كان هذا ما تفعله حكومة الهند الوثنية بالمسلمين في الهند وبالمسلمين خارج الهند، فماذا قدمت الدول المحسوبة على الإسلام لمسلمي الهند؟ بماذا عاقبت الدول المحسوبة على الإسلام حكومة الهند في تعاملها مع اليهود؟ أليس الجواب لا شيء في كلا الحالين؟ وهذا يعني أن لا موالاة ولا معاداة في الله، من قبل حكام البلاد الإسلامية، فهل هان علينا ديننا وإخواننا في الهند؟ أم هانت علينا فلسطين والمسجد الأقصى؟ حتى ننسى أعداءنا ومن يقف مع أعدائنا من أهل الأوثان. فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ثامنًا: جزر القمر:
هي مجموعة من الجزر يقدر عدد سكانها بحوالي ثمانمائة ألف نسمة وقد استقلت اسميًا عام (١٩٧٥م) وبعد ذلك تسمت بجمهورية جزر القمر الإسلامية، وهو اسم بلا مسمى وإنما قصد بذلك خديعة المسلمين في الخارج واستغلال سذاجتهم في أخذ القروض والمنافع الاقتصادية منها أما في الداخل فكل شيء يسير مناقضًا للإسلام ورغبات المسلمين، فقد استقدم رئيس النظام في هذه الجزر سبعة آلاف من المرتزقة الفرنسيين لحماية نظامه وتأييده في ضرب الشعب المسلم في الداخل حتى لقد كافأ الرئيس حراسه الفرنسيين بالزواج الأسمى من بنات المسلمين (١)، الأمر الذي لم يجرؤ عليه أحد من قبل في أن يجعل ولاية للكافر على المسلمة وهو أمر مجمع على تحريمه بين كل المسلمين كما تقدم (٢).
وهذه الجمهورية التي تتسمى بالإسلام تلزم الناس بالعمل وقت صلاة الجمعة وتعطل يوم الأحد، ومع ذلك يستقبل ممثلوها في البلاد الإسلامية
_________________
(١) انظر مجلة المجتمع الكويتية عدد (٤٨٠) السنة الحادية عشرة في ٢٨/ ٦/١٤٠٠هـ ص٢١ - ٢٢.
(٢) انظر ص٧١٢ - ٧١٤ من هذه الرسالة.
[ ٢ / ٩٢٠ ]
كأعز الأصدقاء وخير الأوفياء فهل هان علينا أمر ديننا إلى هذا الحد حتى نستقبل المحاربين له أعز من استقبال المؤمنين؟، اللهم رحمتك يا رب.
تاسعًا: المسلمون اليونانيون:
إن حكومة اليونان الصليبية تفتك بمسلمي تراقيا الذين يبلغ عددهم (١٧٠) ألف مسلم يوناني وقد تنازلت تركيا عن هذا الجزء حين توقيع معاهدة (لوزان) وقد بدأت السلطات اليونانية بتطبيق سياسة التجنيس القائمة على إذابة المسلمين في بوتقة الصليبية وعلى طرح حجج مفادها بأن المسلمين الموجودين في اليونان هم من أصل نصراني وعليهم أن يرجعوا إلى أصلهم ونسبهم المتصل بإسكندر المقدوني، وقد عملوا على غسل أدمغة الأطفال والمراهقين بدعايات مسموعة تفرض عليه تلقي التعاليم النصرانية المتعارضة مع الإسلام، ولم تكتف السلطات اليوناية بذلك بل منعت إطلاق الأسماء الإسلامية على المواليد مثل أحمد، ومحمد وحسين وعلي وعمر ونحو ذلك (١).
وقد بدأت السلطات باعتقال الأئمة والعلماء ومنع تدريس القرآن في المساجد، وقد منعت الحكومة مسلمي تراقيا من تملك العقارات رغم قدمهم في التاريخ وحاولت الضغط والإكراه والضرب بغية إجبار المسلمين على بيع مساكنهم ومزارعهم لقصد إضعافهم وطردهم من بلادهم، وحتى موتى المسلمين لم يسلموا من الأذى فقد اجتاحوا مقابر المسلمين واعتدوا على حرمتها وتناسوا أبسط القواعد الأخلاقية في ذلك، علمًا بأن مقابر النصارى في اسطنبول في تركيا تحفظ وتصان وتحاط بأسوار وحدائق غناء كل ذلك دليل على أخلاقية المسلمين العالية في حين أن الأعداء لا يحترمون للمسلمين أي شعور (٢).
_________________
(١) انظر مجلة المجتمع عدد ٤٧٨ السنة الحادية عشرة في ١٤/ ٦/١٤٠٠هـ ص٣٠ - ٣٢.
(٢) انظر مجلة المجتمع عدد ٤٧٨ السنة الحادية عشرة في ١٤/ ٦/١٤٠٠هـ ص٣٠ - ٣٢.
[ ٢ / ٩٢١ ]
إن الصمت والسكوت الرهيب لما يتعرض له المسلمون في تراقيا وعدم الإصغاء لإغاثتهم، أو التفكير في نجدتهم لهو مما يمزق القلوب ويلصق العار بالمسلمين والعالم أجمع.
عاشرًا: المسلمون في تونس:
تفيد الأنباء الواردة من تونس أن خلافًا جرى بين (محمد الصياح) أمين الحزب الحاكم، وبين رئيس مجلس الوزراء (الهادي نويرة) حيث يطلب الأول أن تكون الحملة ضد الإسلام على الطريقة السوفياتية بينما يطلب الثاني أن تكون الحملة على الطريقة الأمريكية وهي عملية القتل البطئ (١).
وسواء كانت الطريقة الأولى أو الثانية هي المتبعة في حرب الإسلام في تونس فإن المستفيد من ذلك هم الأعداء، وحتى الحكومة التونسية وإن حققت بعض المصالح العاجلة فإنها في النهاية لن تحصد سوى الدمار لها ولشعبها.
فلقد سفك عبد الناصر دم الآلاف من الشباب المؤمن وسجن الكثير واستخدم أكثر من أسلوب، فما الذي جناه عبد الناصر لنفسه ولشعبه؟.
وشاه إيران الذي أستذل شعبه، ومثل به أشد أنواع التمثيل، وسرق خيراته وتركه يئن ألمًا وفقرًا، فماذا حل بعد ذلك بالشاه؟ لقد ذهب كل من عبد الناصر وشاه إيران والسادات ليلقى كل منهم جزاءه العادل عند من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور الذي قال: (إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ) (٢).
إن واجب الشعوب الإسلامية والحكومات الحقة أن لا تمنح ودها ونصرتها وتعاطفها لأولئك الأنذال الذين يريدون ربط المسلمين بأذناب الشرق أو الغرب، وأن تعرف حقيقة من تتعامل معهم وأن لا تعطي ولاءها
_________________
(١) انظر المجتمع عدد (٤٦٨) السنة العاشرة في ١٨/ ٣/١٤٠٠هـ ص١٦ - ١٧.
(٢) سورة السجدة آية (٢٢).
[ ٢ / ٩٢٢ ]
إلا لمن يستحق ذلك الولاء، ولكن أين من يفهم ذلك ويطبقه؟ لقد حصل في تونس ما لم يحصل في تاريخ الدول الإسلامية قط. فقد دخل الحزب الشيوعي الانتخابات كحزب معترف به من قبل الدولة ومن قبل المرتدين عن الإسلام من الشعب وكذلك دخل الاشتراكيون الذين هم فصيلة من فصائل الشيوعية وحصلوا على نسبة ٤.١٦% (١).
بينما وصف (مزالي) حركة الاتجاه الإسلامي بأنهم أقلية، وقبيل الانتخابات تم اعتقال أربعين عضوًا من أنصار الحركة الإسلامية واودعوا في غياهب السجون بدون ذنب إلا أن يقولوا: ربنا الله (٢). ولم تسجل لهم دوائر الانتخابات أي نسبة ولو ٩٩.١% (٣).
فقل لي بربك هل هذه دولة إسلامية؟ أم هل هذا شعب مسلم؟ يصوت فيه لصالح الماسونيين والشيوعيين والاشتراكيين، ويسدل الستار فيه على حزب الله وأهله، كأن لم يكن للإسلام والمسلمين وجود في هذه البقعة من العالم فإلى الله المشتكي، وهو وحده المرتجى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والمغرب مثل تونس ومثل بقية البلاد الإسلامية، ففي المغرب يعتقل مجموعة من الشباب المسلم منذ خمس سنوات بدون محاكمة بتهمة قتل أحد الدعاة إلى الشيوعية الماركسية (٤).
فيا ترى لو كان المقتول مسلمًا بأيدي الشيوعيين هل يعتقل الشيوعيون مثل هذه المدة؟ وهل يعاملون بمثل ما يعامل به المسلمون داخل السجون من قتل وإهانة وتعذيب؟ أم أن الوضع يختلف بالنسبة لغير المسلمين؟.
_________________
(١) انظر مجلة اليمامة عدد (٦٧٦) في ٢٤/ ١/١٤٠٢هـ ص٣٦ - ٣٧.
(٢) انظر المجتمع عدد (٥٣٨) في ١١/ ١٠/١٤٠١هـ ص١٨ - ٢٥.
(٣) انظر مجلة اليمامة عدد (٦٧٦) في ٢٤/ ١/١٤٠٢هـ ص٣٦ - ٣٧.
(٤) انظر المجتمع عدد (٤٨١) السنة الحادية عشرة في ٥/ ٧/١٤٠٠هـ ص٣ وص١٦ - ١٨.
[ ٢ / ٩٢٣ ]
وفي رسالة بعثتها مجموعة من الطالبات المسلمات المغربيات من مدينة طنجة من إحدى الثانويات ذكرن فيها أن مدير هذه المدرسة جمع الفتيات المحجبات وقال لهن: ارمين هذا الحجاب وإلا رميت بكن في الشارع وتلفظ بألفاظ بذيئة فاسقة، وتقول إحداهن لماذا ينصح المدير - المفضل - ويطالب برمي الحجاب في الوقت الذي يشجع فيه الطالبات اللاتي يتعاطين الحشيش والأفيون والخمر، ويقضين الليل كله مع الأجانب، وهذا يحصل بعلم المدير ومساعدته أحيانًا؟ (١). اهـ.
فانظر كيف يحافظ الحكام على الخارجين على الإسلام وعلى حقوق الشيوعيين والنصارى بينما حقوق المسلمين مهدرة في كل مكان.
إن حكم الشرع يقتضي من كل دولة مسلمة أن تقتل كل مرتد عن الإسلام سواء كان شيوعيًا أو بعثيًا أو اشتراكيًا أو ماسونيًا أو غير هؤلاء من دعاة الإلحاد والفساد في الأرض.
وواجب الشعوب الإسلامية أن لا ترضى عن وجود هؤلاء بينها، وعلى قمة السلطة في بلادها، فكيف وهؤلاء يقومون بإذلال المسلمين من أجل عيون الكفار ونيل رضاهم؟ فهل هؤلاء الذين يحاربون المسلمين ويحمون المرتدين من شيوعيين وبعثيين، هل هم من الإسلام في شيء والله ﷿ يقول: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)؟ (٢).
الحادي عشر: موزمبيق:
إن بلاد موزمبيق ما تزال تحمل اسم القائد المسلم (موسى بن بيق) يسكن فيها ما يزيد عن أربعة ملايين من المسلمين يشكلون أكثر من ٤٠% من مجموع السكان، وقد أعلن رئيسها (سامورا) عداءه للدين حتى قال «أنا
_________________
(١) انظر مجلة المسلمون عدد (٧) في ١٥/ ٢/١٤٠٢هـ ص٧.
(٢) سورة المائدة آية (٥١).
[ ٢ / ٩٢٤ ]
أتوقع الزمان الذي يصبح فيه الدين ليس إلا أحداثًا من الماضي ليست لها قيمة في تاريخ الحركة الشيوعية» (١).
وليس هناك من جديد في توقع كهذا من حاكم شيوعي ولكن الجديد في ذلك هو قوة الحملة العنيفة التي شنها ضد المسلمين والتي لم يتجرأ عليها النظامان الشيوعيان في أنغولا وأثيوبيا حيث لم يتجرأ على إبطال الأعياد الدينية في حين أن (سامورا) أعلن إلغاءها دون حرج، إن (ستالين موزمبيق) قد فرض الإلحاد على المسلمين في جميع المدارس وقد أصدر أمرًا بحظر استيراد نسخ القرآن الكريم أو تداولها في المكتبات، وقد أمر بوقف تدريس القرآن الكريم في المدارس والمساجد، وكذلك فإن طباعة الكتب الإسلامية أو استيرادها أمر محظور فقد وضع القيود الصارمة والغرامات الباهظة جدًا، ومنع إلقاء الخطب والمواعظ في المساجد والأماكن العامة إلا بعد الموافقة المسبقة من الدولة، وقد أصدر أمرًا بالتجنيد الإجباري للرجال والنساء على حد سواء وهذا غيض من فيض ولكن لو ألقينا نظرة على موقف الدول والشعوب التي تنتمي إلى الإسلام لوجدنا أنها تدعم نظام (سامورا ماتشل) بالمساعدات الاقتصادية والمواقف المعنوية وبعضها قد يرتبط معه بولاء نظرًا إلى انتمائهم إلى الشيوعية الماركسية، والبعض الآخر قد يجهل أو يتجاهل موقف ذلك المأجور العميل لأعداء الإسلام، إن المسلمين لا يتعاملون مع غيرهم من منطلق الإسلام ولذلك هانوا أمام أعدائهم، وأمام المسلمين الغيورين على الإسلام.
الثاني عشر: أوغندا:
لعل الناس في خضم الأحداث الخطيرة التي تجتاح العالم الإسلامي قد نسوا البلد الأفريقي الذي افترسه الصليبيون وذلك البلد هو (أوغندا) لقد زحفت القوات الصليبية على أوغندا تحت سمع العالم الإسلامي وبصره
_________________
(١) انظر الأمان عدد ٧٩ في السنة الثانية - رمضان (١٤٠٠هـ) ص٣٢.
[ ٢ / ٩٢٥ ]
وهو واقف يتفرج حتى تحقق للصليبين ما أرادوا، وعند سيطرتهم على الأمور في أوغندا شنوا حرب إبادة على المسلمين، تمثلت في القتل والتعذيب ومصادرة الأموال وهدم المساجد (١). وأصبح كل من يعلن إسلامه مجرمًا وقد عمل الحكام الجدد على تحويل المسجد الجامع الكبير بالعاصمة إلى فندق أطلقوا عليه اسم (نيريري) الصليبي رئيس حكومة تنزانيا، وألغت الحكومة الجديدة بعد عيدي أمين العطلة في يوم الجمعة واستبدلت ذلك بيوم الأحد وإذا استمرت الحال على ما هي عليه فإن الإسلام سيمحى كليًا من أوغندا إلا أن يشاء الله (٢).
وليست هذه المشكلات التي ذكرناها هي كل مشكلات المسلمين اليوم في العالم الإسلامي وليس يحارب الإسلام في هذه البلدان وحدها بل إن هناك بلدانًا أهلها أكثر التصاقًا بالإسلام ومع ذلك يحارب الإسلام فيها بصور متعددة، فنحن كما يقول الشاعر:
إنى اتجهت إلى إسلام في بلد تجده كالطير مقصوصًا جناحاه
كم صرفتنا يد كنا نصرفها وبات يحكمنا شعب ملكناه (٣)
ومن أقوى ما يصور واقع المسلمين قول الشاعر فيما يلي:
في كل أرض بلد موثق يعيش في القيد وفي كربه
قد عقه الخارج من صلبه وخانه النابت من تربه
قسوا عليه وهم أهله في محنة الدهر وفي خطبه
قد شاركوا الطاعم من لحمه وساعدوا الغاصب في غصبه
يرتزق الخائن من بيعه ويسعى مع الساعي إلى صلبه
_________________
(١) انظر المصدر السابق المكان نفسه.
(٢) انظر المجتمع عدد ٤٧٩ السنة الحادية عشرة في ٢١/ ٦/١٤٠٠هـ ص١٣. وانظر البلاغ عدد (٦١٦) في يوم الأحد الموافق ١٨/ ١/١٤٠٢هـ ص١١.
(٣) شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث ج٢ ص٦٥.
[ ٢ / ٩٢٦ ]
ألسنة تهذي لتضليله وأنمل تمتد إلى سلبه (١)
وواقع المسلمين اليوم من الموالاة في الله والمعاداة فيه هو ما يصوره شاعر الدعوة في قوله ما يلي:
أيها القوم أعيروا سمعكم إنني أقذف نارًا لا كلامًا
ما أنا الشاكي ولكن أمة أصبحت تشكو كما يشكو اليتامى
تبصر الشر ولا تنكره وعن المعروف جنبًا تتحامى
وتداري كل دجال ولو بث في أبنائها الرأي الحراما
وترجى من أعاديها الهدى وتواليهم قضاء واحتكامًا
كم صفيق الوجه صفقنا له وسفيها قد جعلناه إمامًا
بحت الأصوات في تمجيده وهو للأعداء سهمًا وحساما
وشريف القصد شهرنا به وظلمناه اعتداء واتهاما (٢)
وقد يسأل الإنسان نفسه سؤالًا لماذا يُحَارَبُ الإسلام بهذه القوة والوحشية حتى من بعض أدعياء الإسلام؟.
والجواب على ذلك هو أن أعداء الإسلام على اختلاف نزعاتهم وتعدد مذاهبهم قد اتفقوا على شيء واحد وهو حرب الإسلام ومقاومته، وذلك أن الدين الإسلامي يفسد عليهم خططهم ومآربهم الدنيئة التي لا تعيش إلا في ظل مجتمع ونظام جاهلي يتخذ من الأفراد آلهة من دون الله.
(أ) فالاستعمار:
يعلم علم اليقين أنه لا حياة له مع وجود الإسلام لأنه - أي الإسلام - يحتم على أتباعه أن يكونوا أعزة في ديارهم كرامًا في أوطانهم وهذا أمر لا يقره الاستعمار ولا يرضاه.
(ب) الطغاة والمتجبرون والمستعبدون:
واثقون كل الثقة بأن لا وجود لهم عند وجود الإسلام الحقيقي لأن
_________________
(١) المصدر السابق ج١ ص٣٤.
(٢) المصدر السابق ج٥ ص٢٤ - ٢٦.
[ ٢ / ٩٢٧ ]
الإسلام أول ما يحارب الظلم والطغيان والاستبداد والبطش والجبروت والتعدي على الناس بغير حق.
(ج) الإباحيون ودعاة الانحلال والفساد والتهتك والرذيلة:
يعلمون كل العلم أن في قيام الإسلام موتًا لهم وتجفيفًا لمستنقعاتهم الآسنة حيث يدعو الإسلام إلى حياة شريفة كريمة نظيفة من كل دنس ورجس.
(د) دعاة الشيوعية والاشتراكية التي تحارب الظلم - كما يقول ببغاواتها:
يعلمون أن لا وجود لهم في بلد يسعى لتطبيق الإسلام الحق لأن أول ما يهدف إليه الإسلام تحقيق التكافل الاجتماعي بين أفراد الأمة المسلمة وإقامة العدل في الأرض والمساواة في توزيع الثروة الجماعية ونشر المحبة والأخوة والسلام، والتكافل الاجتماعي هو بيت العنكبوت الذي يتمسك به دعاة الشيوعية والاشتراكية، فإذا لم يوجد المبرر لهم فكيف يحافظ هؤلاء على مغتصباتهم ومغتصبات أسيادهم في بلاد المسلمين فهم جميعًا كما يقول الشاعر:
خفافيش أعشاها النهار بضوئه ووافقها قطع من الليل مظلم (١)
ومن هذا الاستعراض المتقدم لمآسي المسلمين ومصائبهم ودور المسلمين عامة والحكومات خاصة في موالاة المؤمنين المنكوبين على أيدي أعداء الإسلام من الشرق والغرب أو أيدي عملائهم المخلصين نجد الحقيقة المرة التي تقول «إن المسلمين قد عطلوا هذا الأصل العظيم من أصول الإسلام، وقطعوا أوثق عرى الإيمان فلم يوالوا في الله من تجب موالاته ولم يعادوا في الله من تجب معاداته ولم يكتفوا بهذا الموقف المتبع من أهل الحق والباطل على حد سواء بل قد عكسوا الصورة رأسًا على عقب
_________________
(١) الدرر السنية ج٩ ص٣٦٤.
[ ٢ / ٩٢٨ ]
فحاربوا أولياء الله حربًا، لا هوادة فيها مستغلين كل الوسائل الممكنة في ذلك، وتولوا الكفار موالاة تامة بالقول والفعل والاعتقاد، وقد دأبوا على تحقيق هذا المفهوم الزائف والكفر البواح بكل قوة ووسيلة يمتلكونها لتحقيق هذا الغرض الذي هو مطلب من مطالب الكفار في القضاء على الإسلام والمسلمين».
ولكن أملنا بالله ﷿ كبير في أن يرد المسلمين إلى منهج الإسلام فيوالوا أولياء الله ويعادوا أعداءه وما ذلك على الله بعزيز.
[ ٢ / ٩٢٩ ]