وهو التبرك بما لم يرد دليل شرعي يدل على جواز التبرك به، معتقدًا أن الله جعل فيه بركة، أو التبرك بالشيء الذي ورد التبرك به في غير ما ورد في الشرع التبرك به فيه.
وهذا بلا شك محرم؛ لأن فيه إحداث عبادة لا دليل عليها من كتاب أو سنة، ولأنه جعل ما ليس بسبب سببًا، فهو من الشرك الأصغر؛ ولأنه يؤدي إلى الوقوع في الشرك الأكبر تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين - ص: ٢٨٩
أنواع التبرك البدعي
النوع الأول: التبرك بالنبي ﷺ بعد وفاته
الذي بقي من التبرك بعد وفاته أمران فقط هما:
١ - الإيمان به وطاعته واتباعه.
ومن المعلوم أن هذا واجب على المكلفين، وأن من أداه سيحصل على الخير العظيم والأجر الجزيل، وعلى سعادة الدارين، وهذا ما يسمى بالبركات المعنوية للرسول ﷺ، وأنعم بذلك من فضل وخير.
٢ - التبرك بآثاره الحسية المنفصلة منه ﷺ
وعلى هذا فما عدا ذلك من صيغ التبرك بالرسول ﷺ بعد وفاته غير مشروع، بل هو ممنوع.
هذا وإن مما تتحتم معرفته هنا أنه مع وجوب اعتقاد عظم شأن الرسول ﷺ وعلو منزلته، وعموم بركته حيًا وميتًا، ومع عظم محبة الناس له ﷺ، إلا أن هذا يجب أن لا يؤدي إلى رفعه فوق منزلته، أو الغلو في محبته، كما يظهر مثلًا في ممارسات التبرك بالرسول ﷺ غير المشروع.
كما ينبغي أن يعلم أيضًا أن منع التبرك بالرسول ﷺ في بعض الأحوال، لا يعني انتقاص حقه أو التقليل من شأنه ﷺ. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع – بتصرف - ص: ٣١٧
أ- مظاهر التبرك الممنوع بقبره ﷺ:
تشرع زيارة قبر الرسول ﷺ بدون شد الرحال إليه، وأن فاعل ذلك يثاب عليه كما يثاب على زيارة القبور، إلا أن هذه الزيارة لابد أن تكون على الوجه المشروع كما سلف إيضاحه.
ولكن بعض الزائرين لقبره ﵊ لم يكتفوا بالزيارة الشرعية، بل أحدثوا بدعا وأمورًا، بحجة التماس البركة والخير والأجر، ونحو ذلك.
ولا شك أن ذلك ممنوع من جهة الشرع، كما سيأتي توضيحه بإذن الله. ويمكن بيان أبرز مظاهر ذلك التبرك الممنوع بقبره ﷺ فيما يلي:
١ - طلب الدعاء أو الشفاعة من الرسول ﷺ عند قبره:
إن هذا العمل من أنواع التوسل غير المشروع بالرسول ﷺ، فإن التوسل مشروع ونافع في حياته ﷺ فقط، وبشفاعته يوم القيامة.
أما طلب ذلك بعد وفاته، عند قبره، أو غير قبره ﷺ، كأن يقول الشخص: يا رسول الله استغفر الله لي، ادع الله أن يغفر لي، أو يهديني، أو ينصرني، فهذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين، وليست واجبة ولا مستحبة باتفاقهم، وكل بدعة ليست واجبة ولا مستحبة فهي بدعة سيئة، وهي ضلالة باتفاق المسلمين (١).
_________________
(١) من كتاب «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» لابن تيمية (ص: ١٤ - ٢١) بتصرف واختصار.
[ ٣ / ١٨٥ ]
أما سؤال الرسول ﷺ بعد وفاته حاجة، أو الاستغاثة به لكشف كربة، ونحو ذلك، فهذا أبعد مراتب البدع، وهو من أنواع الشرك بالله تعالى (١)، لأنه من باب الاستعانة أو الاستغاثة بمخلوق بما لا يقدر عليه إلا الله ﵎ (٢).
٢ - أداء بعض العبادات عند القبر النبوي:
من أشهر هذه العبادات الدعاء والصلاة عند القبر. وإن من يعمل ذلك يظن أو يعتقد أن الدعاء عند قبره ﷺ مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت، وأن الصلاة عند القبر أرجى للقبول (٣)، فيقصد زيارته لذلك (٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الفعل ونحوه: (فهذا من المنكرات المبتدعة باتفاق أئمة المسلمين، وهي محرمة، وما علمت في ذلك نزاعًا بين أئمة الدين) (٥).
وقال أيضًا ﵀ مبينًا حكم الدعاء عند القبر النبوي: (ولا يقف عند القبر للدعاء لنفسه، فإن هذا بدعة، ولم يكن أحد من الصحابة يقف عند القبر يدعو لنفسه، ولكن كانوا يستقبلون القبلة، ويدعون في مسجده) (٦) اهـ.
ويدخل فيما تقدم من بدع الزيارة: الجلوس عند القبر، وحوله، لتلاوة القرآن الكريم، وذكر الله ﷿ (٧)، وما قد يتبع ذلك من رفع الصوت، وطول القيام أو الجلوس عند القبر، مما يضايق الآخرين من المصلين أو الزوار، أو يشوش عليهم، وأيضًا تجديد الزائر التوبة عند القبر الشريف، كما ادعى بعضهم استحبابه (٨).
وهكذا فإن قصد أي نوع من أنواع العبادة الأخرى، كالطواف (٩) ونحوه، مما قد يعمل عند القبر تبركًا، فإن ذلك كله من البدع المحدثة في الدين، ولأن الطواف خاص بالكعبة فقط.
وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معللًا عدم مشروعية أداء العبادات عند القبر النبوي: (لو كان للأعمال عند القبر فضيلة لفتح للمسلمين باب الحجرة، فلما منعوا من الوصول إلى القبر، وأمروا بالعبادة في المسجد: علم أن فضيلة العمل فيه لكونه في مسجده ولم يأمر قط بأن يقصد بعمل صالح أن يفعل عند قبره ﷺ) (١٠).
٣ - التمسح بالقبر أو تقبيله، ونحو ذلك:
_________________
(١) من كتاب «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» (ص: ١١٩)، وكتاب «الرد على البكري» لابن تيمية (ص: ٥٥) بتصرف.
(٢) انظر إن شئت تفاصيل هذه المسألة في كتاب غاية الأماني في الرد على النبهاني للألوسي (ص: ٢٥٦) فما بعدها، وانظر أيضًا لهذه المسألة ونحوها كتاب «كشف الشبهات» للإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وقد طبع ضمن القسم الأول لمؤلفاته (ص: ١٥٣ - ١٨٣) وهو كتاب نفيس.
(٣) ومن باب أولى قصد الصلاة تجاه القبر. انظر: «إغاثة اللهفان» لابن القيم (١/ ١٩٤).
(٤) «الرد على البكري» لابن تيمية (ص: ٥٦) بتصرف.
(٥) «الرد على البكري» لابن تيمية (ص: ٥٦).
(٦) «مجموعة الرسائل الكبرى» لابن تيمية (٢/ ٤٠٨)، وانظر «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٦٨١).
(٧) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٧٣٧) بتصرف، ومن رسالة الألباني بعنوان «مناسك الحج والعمرة في الكتاب والسنة وآثار السلف، ورد ما ألحق الناس بها من البدع» (ص: ٦١).
(٨) انظر مثلًا كتاب «وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى» للسمهودي (٤/ ١٣٩٩)، وكتاب «حقيقة التوسل والوسيلة على ضوء الكتاب والسنة» لموسى محمد علي (ص: ٩٤).
(٩) «الروض المربع» للبهوتي (ص: ١٥٢)، «مجموعة الرسائل الكبرى» لابن تيمية (٢/ ٤١٠)، «الإيضاح في المناسك» للنووي (ص: ١٦٠)، «المدخل» لابن الحاج (١/ ٢٦٣)، «الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع» للسيوطي (ص: ١٢٥)، «الإبداع في مضار الابتداع» لعلي محفوظ (ص: ١٦٦)، وغيرها.
(١٠) «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ٢٣٦، ٢٣٧).
[ ٣ / ١٨٦ ]
إن التمسح بحائط قبر الرسول ﷺ باليد أو غيرها – على أي وجه كان – أو تقبيله رجاء الخير والبركة، مظهر من مظاهر البدع عند بعض الزوار.
وقد نص على كراهة ذلك الفعل، وعلى النهي عنه جماعة من العلماء (١)، وقال الإمام الغزالي ﵀: إنه عادة النصارى واليهود (٢).
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ اتفاق العلماء على أن من زار قبر النبي ﷺ، أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين – الصحابة وأهل البيت وغيرهم – أنه لا يتمسح به، ولا يقبله (٣).
أما ما يروى عن بعض العلماء أنه فعل ذلك أو أجازه ففيه نظر (٤).
وقال شيخ الإسلام مبينًا حكم تقبيل الجمادات: (ليس في الدنيا من الجمادات ما يشرع تقبيلها إلا الحجر الأسود، وقد ثبت في الصحيحين أن عمر ﵁ قال: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) (٥) (٦) ..
وقال في موضع آخر مبينًا سبب كراهة العلماء للتمسح بقبر النبي ﷺ أو تقبيله، قال ﵀: (لأنهم علموا ما قصده النبي ﷺ من حسم مادة الشرك، وتحقيق التوحيد، وإخلاص الدين لله رب العالمين) (٧).
وقال أيضا: (لأن التقبيل والاستلام إنما يكون لأركان بيت الله الحرام، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق) (٨).
وللإمام النووي رحمه الله تعالى كلام نفيس حول حكم هذا الفعل بقبر الرسول ﷺ، أرى أن من المناسب ذكره هنا لأهميته.
قال ﵀ ما نصه: (يكره مسحه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يبعد منه كما يبعد منه لو حضر في حياته ﷺ، هذا هو الصواب، وهو الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه، وينبغي أن لا يغتر بكثير من العوام في مخالفتهم ذلك، فإن الاقتداء والعمل إنما يكون بأقوال العلماء، ولا يلتفت إلى محدثات العوام وجهالاتهم، ولقد أحسن السيد الجليل أبو علي الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى في قوله ما معناه: اتبع طرق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطريق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين. ومن خطر بباله أن المسح باليد ونحوه أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته، لأن البركة إنما هي في ما وافق الشرع، وأقوال العلماء، وكيف يبتغى الفضل في مخالفة الصواب؟) (٩) اهـ.
_________________
(١) انظر الكتب الآتية: «الشفا» للقاضي عياض (٢/ ٨٥)، «إحياء علوم الدين» للغزالي (١/ ٢٥٩)، «الحوادث والبدع» للطرطوشي (ص: ١٤٨)، «المغني» لابن قدامة (٣/ ٥٥٩)، «الإيضاح» للنووي (ص: ١٦١)، «المدخل» لابن الحجاج (١/ ٢٦٣)، «الأمر بالأتباع» للسيوطي (ص: ١٢٥)، «وفاء الوفا بأخبار المصطفى» للسمهودي (٤/ ١٤٠٢).
(٢) «إحياء علوم الدين» للغزالي (١/ ٢٧١).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ٧٩).
(٤) راجع «الرد على الأخنائي» لابن تيمية (ص: ١٦٩، ١٧١)، «أوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة» لأحمد بن يحيى النجمي (ص: ٣٠٣ - ٣٠٦).
(٥) «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ٧٩).
(٦) الحديث رواه البخاري (١٥٩٧) ومسلم (١٢٧٠).
(٧) «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ٨٠).
(٨) «مجموعة الرسائل الكبرى» لابن تيمية (١/ ٢٩٨).
(٩) «الإيضاح في المناسك» للإمام النووي (ص: ١٦١).
[ ٣ / ١٨٧ ]
وهكذا تبين لنا أن التمسح بالقبر أو تقبيله (١)، ونحو ذلك مما قد يعمل عند القبر الشريف تبركًا، كإلصاق البطن أو الظهر بجدار القبر (٢)، أو التبرك برؤية القبر (٣)، كل ذلك من البدع المذمومة.
إلى غير ذلك من مظاهر التبرك غير المشروع بقبر النبي ﷺ التي يراها من يزور مسجده ﷺ ويسلم عليه. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع – ص: ٣٢٤
ب- التبرك بالمواضع التي جلس أو صلى فيها ﷺ
لابد من معرفة الفرق بين هذين الأمرين (وهما):
أحدهما: ما قصده الرسول ﷺ من العبادات – كالصلاة ونحوها – في أي بقعة أو مكان، فإنه يشرع قصده وتحري مكانه، اقتداء به ﷺ وطلبًا للأجر والثواب، وهذا لا خلاف فيه.
الثاني: ما فعله الرسول ﷺ من العبادات وغيرها، في أي مكان، دون قصده لمكان بذاته، أو أداء العبادة فيه، فهذا مما لا يشرع قصده أو تحريه، وهو محل البحث هنا.
وعلى هذا فإن ما فعله الرسول ﷺ على وجه التعبد فهو عبادة يشرع التأسي به فيه، فإذا تخصص زمان أو مكان بعبادة، كان تخصيصه بتلك العبادة سنة (٤).
فقصد الصلاة أو الدعاء في الأمكنة التي كان النبي ﷺ يقصد الصلاة أو الدعاء عندها سنة، اقتداء برسول الله ﷺ واتباعًا له، كما إذا تحرى الصلاة أو الدعاء في وقت من الأوقات، فإن قصد الصلاة أو الدعاء في ذلك الوقت سنة كسائر عباداته، وسائر الأفعال التي فعلها على وجه التقرب (٥).
ومن أمثلة هذا قصد الرسول ﷺ الصلاة خلف مقام إبراهيم ﵇، وكما كان يتحرى الصلاة عند الاسطوانة في مسجده ﷺ، وكما يقصد المساجد للصلاة، ويقصد الصف الأول، ونحو ذلك (٦). أما ما لم يكن كذلك فلا يشرع قصده.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية موضحًا حكم هذه المسألة: (لم يشرع الله تعالى للمسلمين مكانًا يقصد للصلاة إلا المسجد، ولا مكانًا يقصد للعبادة إلا المشاعر، فمشاعر الحج، كعرفة ومزدلفة ومنى تقصد بالذكر والدعاء والتكبير لا الصلاة، بخلاف المساجد، فإنها هي التي تقصد للصلاة، وما ثم مكان يقصد بعينه إلا المساجد والمشاعر، وفيها الصلاة والنسك وما سوى ذلك من البقاع فإنه لا يستحب قصد بقعة بعينها للصلاة ولا الدعاء ولا الذكر، إذ لم يأت في شرع الله ورسوله قصدها لذلك، وإن كان مسكنًا لنبي أو منزلًا أو ممرًا.
فإن الدين أصله متابعة النبي ﷺ وموافقته بفعل ما أمرنا به وشرعه لنا وسنه لنا، ونقتدي به في أفعاله التي شرع لنا الاقتداء به فيها، بخلاف ما كان من خصائصه.
فأما الفعل الذي لم يشرعه هو لنا، ولا أمرنا به، ولا فعله فعلًا سن لنا أن نتأسى به فيه، فهذا ليس من العبادات والقرب، فاتخاذ هذا قربة مخالفة له ﷺ) (٧) اهـ.
_________________
(١) أقبح من هذا تقبيل الأرض حول القبر. انظر: «وفاء الوفا» للسمهودي (٤/ ١٤٠٦).
(٢) من كتاب «الإيضاح» للنووي (ص: ١٦٠، ١٦١)، «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٢١٩)، «الأمر بالأتباع» للسيوطي (ص: ١٢٥)، «الإبداع» لعلي محفوظ (ص: ١٦٦). ومنهم من يضع خده على القبر استشفاء. انظر كتاب «التوسل والزيارة في الشريعة الإسلامية» لمحمد الفقي (ص: ٢١٦).
(٣) ذكر هذا بعضهم على سبيل الترغيب. انظر كتاب «الشفا» للقاضي عياض (٢/ ٨٥).
(٤) «مجموعة الرسائل والمسائل» لابن تيمية (٥/ ٢٦٠).
(٥) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٧٤٦، ٧٤٧) بتصرف.
(٦) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٧٤٢).
(٧) «مجموعة الرسائل والمسائل» (٥/ ٢٦٣، ٢٦٤).
[ ٣ / ١٨٨ ]
وبناء على ما تقدم فإن المواضع التي صلى فيها الرسول ﷺ بالمدينة – ما عدا مسجده ﷺ ومسجد قباء – أو على طرقها، أو بمكة – ما عدا المسجد الحرام – ونحو ذلك مما لم يقصده بذاته، كبعض المساجد بمكة أو المدينة وما حولهما، المبنية على آثار صلاة الرسول ﷺ، في حضره أو سفره أو غزواته – إن صح ذلك – لا تشرع الصلاة فيها على سبيل القصد، والقربة، والتبرك، وستأتي أدلة ذلك.
وكذلك فإن المواضع والبقاع والجبال التي جلس أو أقام فيها الرسول ﷺ – ما عدا المشاعر – لا تقصد العبادة فيها التماسًا للبركة.
وكذا فإن الآبار التي شرب منها الرسول ﷺ – ما عدا بئر زمزم – أو اغتسل منها، لا تقصد تبركًا واستشفاء
أدلة عدم شرعية التبرك بالمواضع التي جلس أو صلى فيها ﷺ:
يمكن الاستدلال على عدم شرعية التبرك بهذه المواضع – على الوجه المتقدم – من عدة أوجه:
أحدها: لا يوجد دليل من النصوص الشرعية يفيد جواز ذلك الفعل أو استحبابه.
ولا شك أن الجلوس في تلك المواضع للصلاة أو الدعاء أو الذكر ونحو ذلك قربة وتبركًا من أنواع العبادة، والعبادات مبناها على الاتباع لا على الابتداع.
الثاني: أن الصحابة ﵃ لم ينقل عن أحد منهم أنه تبرك بشيء من المواضع التي جلس فيها رسول الله ﷺ، أو البقع التي صلى عليها ﵊ اتفاقًا، مع أنهم أحرص الأمة على التبرك بالرسول ﷺ، ومع علمهم بتلك المواضع، وشدة محبتهم للرسول ﷺ وتعظيمهم له، واتباعهم لسنته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجًا وعمارًا ومسافرين، ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي ﷺ، ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبًا لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسنته، وأتبع لها من غيرهم) (١).
فتحري هذا ليس من سنة الخلفاء الراشدين التي حث الرسول ﷺ على التمسك بها، بل هو مما ابتدع.
ولم ينقل قصد الصلاة في تلك البقاع التي صلى فيها الرسول ﷺ إلا عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، وهو لم يكن يقصد التبرك – كما سيأتي إيضاحه – مع أن قول الصحابي إذا خالفه نظيره ليس بحجة، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة (٢).
وكما أن أداء الصلاة ونحوها من أنواع العبادة غير مشروع عند الآثار النبوية تبركًا، فإن التمسح أو التقبيل لشيء منها ممنوع أيضًا، كما عليه سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: (المكان الذي كان النبي ﷺ يصلي فيه بالمدينة النبوية دائمًا، لم يكن أحد من السلف يستلمه ولا يقبله، ولا المواضع التي صلى فيها بمكة وغيرها) (٣).
الوجه الثالث: نهي السلف الصالح عن هذا التبرك قولًا وفعلًا.
لقد أنكر هذا التبرك السلف الصالح ﵏، من الصحابة والتابعين فمن بعدهم.
وكان على رأس هؤلاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الخليفة الراشد.
_________________
(١) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٧٤٨).
(٢) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٧٤٨) بتصرف.
(٣) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٨٠٠).
[ ٣ / ١٨٩ ]
فعن المعرور بن سويد ﵀ قال: (خرجنا مع عمر بن الخطاب، فعرض لنا في بعض الطريق مسجد، فابتدره الناس يصلون فيه، فقال عمر: ما شأنهم؟ فقالوا: هذا مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ، فقال عمر: أيها الناس، إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم مثل هذا، حتى أحدثوها بِيَعًا، فمن عرضت له فيه صلاة فليصل، ومن لم تعرض له فيه صلاة فليمض) (١).
قال ابن تيمية ﵀ معلقًا على هذه القصة: (لما كان النبي لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه، بل صلى فيه لأنه موضع نزوله، رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي ﷺ في الصورة، ومتشبه باليهود والنصارى في القصد، الذي هو عمل القلب وهذا هو الأصل، فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل) (٢) اهـ.
وورد في قصة أخرى أن عمر بن الخطاب ﵁ بلغه أن ناسًا يأتون الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ فأمر بها فقطعت.
هذا قول عمر بن الخطاب ﵁ وفعله، الذي قال عنه النبي ﷺ: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» (٣).
وقد قال ابن وضاح القرطبي ﵀ بعد أن روى هاتين القصتين: (وكان مالك بن أنس، وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار للنبي ﷺ ما عدا قباء وأحدًا) (٤).
ثم قال: (وسمعتهم يذكرون أن سفيان الثوري دخل مسجد بيت المقدس، فصلى فيه، ولم يتبع تلك الآثار، ولا الصلاة فيها، وكذلك فعل غيره أيضًا ممن يقتدى به، وقدم وكيع أيضًا مسجد بيت المقدس فلم يعد فعل سفيان).
ثم قال أخيرًا: (فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين، فقد قال بعد من مضى: كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرًا عند من مضى) (٥) الخ.
تلك نماذج لنهي السلف الصالح رحمهم بأقوالهم وأفعالهم عن هذا التبرك المبتدع.
الوجه الرابع: أن منع هذا التبرك من باب سد الذريعة، ويمكن إيضاح ذلك من عدة وجوه:
أحدها: أن النهي عن هذا الفعل سد لذريعة الشرك والفتنة (٦)، فهو وسيلة إلى الفتنة بتلك المواضع، وتعظيمها، وربما أفضى ذلك إلى جعلها معابد (٧).
الثاني: أن ذلك الفعل يشبه الصلاة عند المقابر (٨)، إذ هو ذريعة إلى اتخاذ تلك الآثار مساجد.
والنصوص الشرعية تحرم اتخاذ قبور الأنبياء مساجد مع أنهم مدفونون فيها، وهم أحياء في قبورهم (٩)، فما بالك بالمواضع الأخرى لهم.
الثالث: أن هذا الفعل ذريعة إلى التشبه بأهل الكتاب في أفعالهم، كما حذر عمر ﵁.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق ٢/ ١١٨ (٢٧٣٤).
(٢) «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» (١/ ٢٨١).
(٣) رواه أحمد٢/ ٥٣، والترمذي (٣٦٨٢) وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. وقال الألباني «تخريج مشكاة المصابيح» (٥٩٨٨): حسن أو أعلى.
(٤) المقصود إتيان قبور شهداء أحد لزيارتهم والسلام عليهم، وفي كتاب «الاعتصام» للشاطبي (١/ ٣٤٧) هكذا (ما عدا قباء وحده) نقلًا عن ابن وضاح.
(٥) «البدع والنهي عنها» لابن وضاح القرطبي (ص: ٤٣).
(٦) «إغاثة اللهفان» لابن القيم (١/ ٣٦٨).
(٧) من كتاب «التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية» لعبد العزيز بن ناصر الرشيد (ص: ٣٤٠)، وانظر كتاب «هذه مفاهيمنا» لصالح آل الشيخ (ص: ٢١٢).
(٨) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٧٤٥).
(٩) «مجموعة الرسائل والمسائل» لابن تيمية (٥/ ٢٦٢) بتصرف.
[ ٣ / ١٩٠ ]
الوجه الخامس: أن بركة ذوات الأنبياء والمرسلين لا تتعدى إلى الأمكنة الأرضية، والله أعلم، وإلا لزم أن تكون كل أرض وطئها النبي، أو جلس عليها، أو طريق مر بها تطلب بركتها، ويتبرك بها، وهذا لازم باطل قطعًا، فانتفى الملزوم إذًا (١).
قال الشيخ صديق حسن ﵀: (قالوا: المشي في أرض مشى فيها رسول الله ﷺ يكفر السيئات، خصوصًا مع النية الصالحة وفيها بشرى له برجاء أن يكون متبعًا آثاره الشريفة، قلت: وذلك يحتاج إلى سند، لأن المكفر إنما هو اتباع هديه وسنته ظاهرًا وباطنًا دون تتبع آثاره الأرضية فقط، فتدبر) (٢).
وبهذه الأوجه وغيرها يستدل على عدم مشروعية التبرك المذكور. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع – ص: ٣٣٩
وما ورد عن ابن عمر ونزوله في مواضع نزول النبي ﷺ ونحو ذلك مردود بفعل سائر الصحابة
وقد تبين أن أحدا من السلف لم يكن يفعل ذلك، إلا ما نقل عن ابن عمر: أنه كان يتحرى النزول في المواضع التي نزل فيها النبي ﷺ والصلاة في المواضع التي صلى فيها، حتى أن النبي ﷺ توضأ وصب فضل وضوئه في أصل شجرة. ففعل ابن عمر ذلك وهذا من ابن عمر تحر لمثل فعله. فإنه قصد أن يفعل مثل فعله، في نزوله وصلاته، وصبه للماء وغير ذلك، لم يقصد ابن عمر الصلاة والدعاء في المواضع التي نزلها.
أن لا تكون تلك البقعة في طريقه، بل يعدل عن طريقه إليها، أو يسافر إليها سفرا قصيرًا أو طويلا مثل من يذهب إلى حراء ليصلي فيه ويدعو، أو يذهب إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى ليصلي فيه ويدعو، أو يسافر إلى غير هذه الأمكنة من الجبال وغير الجبال، التي يقال فيها مقامات الأنبياء أو غيرهم، أو مشهد مبني على أثر نبي من الأنبياء، مثل ما كان مبنيًا على نعله، ومثل ما في جبل قاسيون، وجبل الفتح، وجبل طور زيتا الذي ببيت المقدس، ونحو هذه البقاع، فهذا مما يعلم كل من كان عالما بحال رسول الله ﷺ، وحال أصحابه من بعده، أنهم لم يكونوا يقصدون شيئا من هذه الأمكنة.
ارتياد جبل حراء والغار ونحوه من البدع التي لم تشرع ولم يفعلها الصحابة والسلف الصالح.
فإن جبل حراء الذي هو أطول جبل بمكة، كانت قريش تنتابه قبل الإسلام وتتعبد هناك، ولهذا قال أبو طالب في شعره:
وراق ليرقى في حراء ونازل
وقد ثبت في (الصحيح) «عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتي غار حراء، فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، ثم يرجع فيتزود لذلك، حتى فجأه الوحي، وهو بغار حراء، فأتاه الملك، فقال له: اقرأ. فقال لست بقارئ قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، ثم قال: اقرأ. فقال لست بقارئ قال: مرتين أو ثلاثا- ثم قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ١ - ٥]، فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره» (٣) الحديث بطوله.
_________________
(١) من كتاب «هذه مفاهيمنا» (ص: ٢١١)، وانظر: «مجموعة الرسائل والمسائل» لابن تيمية (٥/ ٢٦٣).
(٢) من كتاب «رحلة الصديق إلى البيت العتيق» لصديق حسن خان (ص: ٢١).
(٣) رواه البخاري (٣).
[ ٣ / ١٩١ ]
فتحنثه وتعبده بغار حراء كان قبل المبعث. ثم إنه لما أكرمه الله بنبوته ورسالته، وفرض على الخلق الإيمان به وطاعته واتباعه، وأقام بمكة بضع عشرة سنة هو ومن آمن به من المهاجرين الأولين الذين هم أفضل الخلق، ولا يذهب هو ولا أحد من أصحابه إلى حراء. ثم هاجر إلى المدينة واعتمر أربع عمر: عمرة الحديبية التي صده فيها المشركون عن البيت -والحديبية عن يمينك وأنت قاصد مكة إذا مررت بالتنعيم عند المساجد التي يقال إنها مساجد عائشة، والجبل الذي عن يمينك يقال له جبل التنعيم، والحديبية غربيه- ثم إنه اعتمر من العام القابل عمرة القضية، ودخل مكة هو وكثير من أصحابه، وأقاموا بها ثلاثا. ثم لما فتح مكة وذهب إلى ناحية حنين والطائف شرقي مكة، فقاتل هوازن بوادي حنين، ثم حاصر أهل الطائف وقسم غنائم حنين بالجعرانة، فأتى بعمرة من الجعرانة إلى مكة، ثم إنه اعتمر عمرته الرابعة مع حجة الوداع، وحج معه جماهير المسلمين، ولم يتخلف عن الحج معه إلا من شاء الله، ولم يشرع النبي ﷺ لأمته زيارة تلك البقاع والمشاهد وهو في ذلك كله، لا هو ولا أحد من أصحابه يأتي غار حراء، ولا يزوره، ولا شيئا من البقاع التي حول مكة، ولم يكن هناك عبادة إلا بالمسجد الحرام، وبين الصفا والمروة، وبمنى والمزدلفة وعرفات، وصلى الظهر والعصر ببطن عرنة، وضربت له القبة يوم عرفة بنمرة، المجاورة لعرفة.
ثم بعده خلفاؤه الراشدون وغيرهم، من السابقين الأولين، لم يكونوا يسيرون إلى غار حراء ونحوه للصلاة فيه والدعاء.
وكذلك الغار المذكور في القرآن في قوله تعالى: ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التوبة: ٤٠]، وهو غار بجبل ثور، يمان مكة، لم يشرع لأمته السفر إليه وزيارته والصلاة فيه والدعاء، ولا بنى رسول الله ﷺ بمكة مسجدا، غير المسجد الحرام، بل تلك المساجد كلها محدثة، مسجد المولد وغيره، ولا شرع لأمته زيارة موضع المولد ولا زيارة موضع بيعة العقبة الذي خلف منى، وقد بني هناك له مسجد.
ومعلوم أنه لو كان هذا مشروعا مستحبا يثيب الله عليه، لكان النبي ﷺ أعلم الناس بذلك، ولكان يعلم أصحابه ذلك، وكان أصحابه أعلم بذلك وأرغب فيه ممن بعدهم، فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك علم أنه من البدع المحدثة، التي لم يكونوا يعدونها عبادة وقربة وطاعة، فمن جعلها عبادة وقربة وطاعة فقد اتبع غير سبيلهم، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله.
وإذا كان حكم مقام نبينا ﷺ في مثل غار حراء الذي ابتدئ فيه بالإنباء والإرسال، وأنزل عليه فيه القرآن، مع أنه كان قبل الإسلام يتعبد فيه. وفي مثل الغار المذكور في القرآن الذي أنزل الله فيه سكينته عليه.
فمن المعلوم أن مقامات غيره من الأنبياء أبعد عن أن يشرع قصدها، والسفر إليها لصلاة أو دعاء أو نحو ذلك، إذا كانت صحيحة ثابتة. فكيف إذا علم أنها كذب، أو لم يعلم صحتها.
وأيضا- فإن المكان الذي كان النبي ﷺ يصلي فيه بالمدينة النبوية دائما، لم يكن أحد من السلف يستلمه ولا يقبله، ولا المواضع التي صلى فيها بمكة وغيرها. فإذا كان الموضع الذي كان يطؤه بقدميه الكريمتين، ويصلي عليه، لم يشرع لأمته التمسح به ولا تقبيله، فكيف بما يقال: إن غيره صلى فيه أو نام عليه؟
[ ٣ / ١٩٢ ]
وإذا كان هذا ليس بمشروع في موضع قدميه للصلاة، فكيف بالنعل الذي هو موضع قدميه للمشي وغيره؟ هذا إذا كان النعل صحيحا، فكيف بما لا يعلم صحته، أو بما يعلم أنه مكذوب: كحجارة كثيرة يأخذها الكذابون وينحتون فيها موضع قدم، ويزعمون عند الجهال أن هذا الموضع قدم النبي ﷺ، وإذا كان هذا غير مشروع في موضع قدميه، وقدمي إبراهيم الخليل، الذي لا شك فيه، ونحن مع هذا قد أمرنا أن نتخذه مصلى، فكيف بما يقال إنه موضع قدميه، كذبا وافتراء عليه كالموضع الذي بصخرة بيت المقدس، وغير ذلك من المقامات.
فإن قيل فقد أمر الله أن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى، فيقاس عليه غيره. قيل له: هذا الحكم خاص بمقام إبراهيم الذي بمكة، سواء أريد به المقام الذي عند الكعبة موضع قيام إبراهيم، أو أريد به المشاعر: عرفة ومزدلفة ومنى، فلا نزاع بين المسلمين أن المشاعر خصت من العبادات بما لا يشركها فيه سائر البقاع، كما خص البيت بالطواف. فما خصت به تلك البقاع لا يقاس به غيرها. وما لم يشرع فيها فأولى أن لا يشرع في غيرها ونحن استدللنا على أن ما لم يشرع هناك من التقبيل، والاستلام أولى أن لا يشرع في غيرها، ولا يلزم أن يشرع في غير تلك البقاع مثل ما شرع فيها. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية– ٢/ ٨٠٣
ج- حكم التبرك بأثر قدم الرسول ﷺ:
ذلك أنه يوجد في بعض البلدان ما يسمى (أثر موطئ قدم الرسول ﷺ) وهو عبارة عن حجارة عليها أثر قدم، يزعم بعض الناس أنها قدم الرسول ﷺ، فيتبركون بها مسحًا وتقبيلًا ومشاهدة، وغير ذلك، كالدعاء عندها، ونحوه، وقد ينشئون الزيارة لأجل ذلك.
والكلام على بطلان ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن ما يدعى وجوده من آثار قدمه الشريفة ﵊ غير صحيح؛ لعدة أسباب، منها ما يأتي:
١ - عدم وجود ما يثبت صحة شيء من ذلك، فليس هناك أدلة معتبرة يعتمد عليها، وإنما الأمر مجرد إشاعات فقط في البداية، اكتسبت الشهرة بعد ذلك، خصوصًا عند العوام.
٢ - نص المحققون من العلماء والحفاظ على إنكار صحة آثار القدم النبوية على الأحجار (١).
وإن من علامات زيف آثار القدم ما قرره صاحب كتاب (الآثار النبوية) حين قابل بين المعروف من تلك الآثار، حيث قال: (المعروف الآن من هذه الأحجار سبعة: أربعة منها بمصر، وواحد بقبة الصخرة ببيت المقدس، وواحد بالقسطنطينية، وواحد بالطائف، وهي حجارة سوداء، إلى الزرقة في الغالب، عليها آثار أقدام متباينة في الصورة والقدم، لا يشبه الواحد منها الآخر) (٢).
٣ - أن ما استفاض واشتهر خصوصًا على ألسنة الشعراء والمداح من تأثير قدمه ﷺ في الصخر إذا وطئ عليه لا أصل له، فهو كذب مختلق (٣).
الوجه الثاني: لو صح وجود شيء من آثار قدم الرسول ﷺ افتراضًا، فإنه لا يجوز التبرك به على وجه من الوجوه، لما يأتي:
١ - ما تقدم تقريره والاستدلال عليه. .. من عدم مشروعية التبرك بالمواضع التي جلس أو صلى فيها الرسول ﷺ، وأثر القدم جزء من هذه المواضع، ولذا لم يتبرك به السلف الصالح رحمهم الله تعالى.
_________________
(١) أورد المؤلف أحمد تيمور باشا صاحب كتاب «الآثار النبوية» جملة من أسماء هؤلاء العلماء. انظر كتابه هذا (ص: ٦٨، ٦٩)، وراجع «الاقتضاء» (٢/ ٨٠٠)، و«مجموع فتاوى ابن تيمية» (٢٧/ ١٣).
(٢) «الآثار النبوية» لأحمد تيمور باشا (ص: ٥٣).
(٣) انظر كتاب «فتح المتعال في مدح النعال» للمقري (ص: ٣٤٩، ٣٥١)، وكتاب «الآثار النبوية» (ص: ٥٣، ٦٣).
[ ٣ / ١٩٣ ]
وقد نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (الموضع الذي كان ﷺ يطؤه بقدميه الكريمتين، ويصلي عليه، لم يشرع لأمته التمسح به ولا تقبيله) (١).
وقال في موضع آخر ﵀: (قصد الصلاة والدعاء عندما يقال إنه قدم نبي، أو أثر نبي، أو قبر نبي من البدع المحدثة، المنكرة في الإسلام، لم يشرع ذلك الرسول ﷺ، ولا كان السابقون الأولون والتابعون لهم بإحسان يفعلونه، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين، بل هو من أسباب الشرك، وذرائع الإفك) (٢).
٢ - اتفق العلماء على ما مضت به السنة من أنه لا يشرع الاستلام والتقبيل لمقام إبراهيم ﵇ (٣) – الموجود به موضع قدميه – وإذا كان هذا غير مشروع في موضع قدمي إبراهيم ﵇ – الذي لا شك فيه – مع أنا قد أمرنا أن نتخذه مصلى، فكيف بما يقال إنه موضع قدم الرسول ﷺ – كذبًا وافتراء (٤) -.
هذا ما يتعلق بحكم التبرك بأثر قدم الرسول ﷺ.
وهكذا الحكم أيضًا في كل ما قد ينسب إلى المصطفى ﷺ من آثار أخرى مشابهة، كأثر الكف، أو المرفق، أو الرأس وغير ذلك (٥)، فإنه لا يوجد لها مستند شرعي صحيح، يثبت صحة نسبتها إلى الرسول ﷺ، ثم أنه لا يشرع التبرك بها على أي وجه من الوجوه لو صح شيء منها، والله ﷾ أعلم. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن بن محمد الجديع – ص: ٣٥٢
د - حكم التبرك بمكان ولادة الرسول ﷺ:
ذكر بعض المتأخرين من المؤرخين أن بمكة موضعًا مشهورًا يقال إنه مكان مولد النبي ﷺ، وأنه يزار بعد صلاة المغرب من الليلة الثانية عشرة من شهر ربيع الأول في كل سنة، من قبل بعض الفقهاء والأعيان، على طريقة خاصة، فيدخلون فيه ويخطبون ويدعون لولاة الأمر، ثم يعودون إلى المسجد الحرام قبيل العشاء (٦).
وذكر بعضهم أن هذا الموضع يفتح يوم الاثنين من شهر ربيع الأول ليتبرك به الناس – بالصلاة، والدعاء، والتمسح ونحو ذلك – فهو أول تربة مست جسمه الطاهر ﵊ (٧)، وحتى ادعى بعض العلماء أن الدعاء يستجاب في مولد النبي ﷺ عند الزوال (٨).
فهل التبرك بمكان ولادة الرسول ﷺ مشروع أم ممنوع؟.
والجواب: أن حكم هذه المسألة لا يختلف عن أمثالها من المسائل السابقة، وهو عدم الجواز، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: اختلاف العلماء والمؤرخين في تعيين مكان ولادته ﷺ (٩)، وعدم وجود أدلة صحيحة تحدد هذا الموضع يقينًا.
وأما المكان المشهور – المشار إليه آنفًا – فمحل شك لدى كثير من العلماء.
وقد تطرق الرحالة أبو سالم العياشي إلى تحقيق مكان المولد، وساق اختلاف العلماء فيه، ثم ناقش ذلك القول المشهور بين الناس.
_________________
(١) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٨٠٠).
(٢) «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» (٢٧/ ١٤٥).
(٣) انظر: «أخبار مكة» للأزرقي (٢/ ٢٩، ٣٠)، «إغاثة اللهفان» لابن القيم (١/ ٢١٢).
(٤) «الاقتضاء» (٢/ ٧٩٩، ٨٠٠) بتصرف.
(٥) انظر: «الآثار النبوية» لأحمد تيمور باشا (ص: ٦١، ٦٢).
(٦) من كتاب «الجامع اللطيف في فضل مكة وأهلها وبناء البيت الشريف» لابن ظهيرة – المتوفى سنة ٩٨٦هـ - (ص: ٣٢٦)، و«كتاب إعلام العلماء الأعلام» للقطبي – المتوفى سنة ١٠١٤هـ (ص: ١٥٤) باختصار.
(٧) «رحلة ابن جبير» (ص: ٩٢) بتصرف.
(٨) انظر: «إعلام العلماء والأعلام» للقطبي (ص: ١٥٤).
(٩) انظر مثلًا «شفاء الغرام» (١/ ٢٦٩)، «الجامع اللطيف» (ص: ٣٢٥ - ٣٢٧)، «أخبار الكرام» (ص: ٢٢٠، ٢٢١).
[ ٣ / ١٩٤ ]
ومما أورده قوله: (والعجب أنهم عينوا محلًا من الدار مقدار مضجع، وقالوا له: موضع ولادته ﷺ، ويبعد عندي كل البعد تعيين ذلك من طريق صحيح أو ضعيف، لما تقدم من الخلاف في كونه في مكة أو غيرها، وعلى القول بأنه فيها ففي أي شعابها؟ وعلى القول بتعيين هذا الشعب ففي أي الدور؟ وعلى القول بتعيين الدار يبعد كل البعد تعيين الموضع من الدار، بعد مرور الأزمان والأعصار، وانقطاع الآثار).
ثم قال أيضًا ﵀ مستبعدًا صحة تحديد ذلك المكان: (والولادة وقعت في زمن الجاهلية، وليس هناك من يعتني بحفظ الأمكنة، سيما مع عدم تعلق غرض لهم بذلك، وبعد مجيء الإسلام فقد علم من حال الصحابة وتابعيهم ضعف اعتناقهم بالتقييد، بالأماكن التي لم يتعلق بها عمل شرعي، لصرفهم اعتناءهم ﵃ لما هو أهم، من حفظ الشريعة، والذب عنها بالسنان واللسان) (١) اهـ.
ولا شك أن اختلاف العلماء والمؤرخين في تحديد موضع الولادة دليل على عدم اهتمام الصحابة الأجلاء ﵃ به – لأنه لا يتعلق به عمل شرعي – وإلا لنقل اتفاقهم على مكان معين معروف، كما تعرف أماكن مشاعر الحج مثلًا.
فهذا إذًا من دلائل عدم مشروعية التبرك بمكان الولادة، فالصحابة أحرص من غيرهم على فعل الخير والمسارعة إليه.
الوجه الثاني: لو صحت معرفة مكان ولادة النبي ﷺ لما جاز التبرك به على أي وجه، لما تقدم تقريره والاحتجاج له من عدم مشروعية التبرك بالمواضع التي جلس أو صلى فيها الرسول ﷺ، ونحو ذلك من الآثار المكانية، ومكان الولادة جزء منها.
أما الاستدلال على شرعية تعظيم المكان الذي ولد فيه نبي، والتبرك به، بما روي أن جبريل ﵇ أمر محمدًا ﷺ ليلة الإسراء والمعراج بصلاة ركعتين ببيت لحم، حيث ولد عيسى ﵇ (٢)، فيجاب عنه بما يأتي:
١ - أن علماء الحديث وغيرهم حكموا على هذه الرواية بأنها منكرة موضوعة، فلم يثبت عن النبي ﷺ أنه صلى في بيت لحم (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ثبت في الصحيح «أن النبي ﷺ لما أتى بيت المقدس ليلة الإسراء صلى فيه ركعتين» (٤) ولم يصل بمكان غيره ولا زاره، وحديث المعراج فيه ما هو في الصحيح، وفيه ما هو في السنن والمسانيد، وفيه ما هو ضعيف، وفيه ما هو من الموضوعات المختلقات، مثل ما يرويه بعضهم فيه «أن النبي ﷺ قال له جبريل: هذا قبر أبيك إبراهيم، انزل فصل فيه، وهذا بيت لحم مولد أخيك عيسى، انزل فصل فيه» (٥) فهذا ونحوه من الكذب المختلق باتفاق أهل المعرفة). إلى أن قال: (وبيت لحم كنيسة من كنائس النصارى، ليس في إتيانها فضيلة عند المسلمين، سواء كان مولد عيسى أو لم يكن) (٦).
وقال ابن القيم ﵀: (قد قيل: إنه – أي النبي ﷺ – نزل ببيت لحم، وصلى فيه، ولم يصح ذلك عنه ألبتة) (٧).
_________________
(١) «الرحلة العياشية» المسماة (ماء الموائد) للعياشي (١/ ٢٢٥).
(٢) من كتاب «القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل ﷺ» للشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري (ص: ٤٣، ١٣٨) نقلًا عن رسالة لمحمد بن علوي المالكي.
(٣) انظر كتاب «القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل ﷺ» للشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري (ص: ١٣٨ - ١٤٥) فقد أفاض مؤلفه وفقه الله في نقل كلام أهل العلم وحكمهم على هذه الرواية وأسانيدها.
(٤) رواه مسلم (١٦٢).
(٥) ينظر كتاب «المجروحين» (١/ ٢٢٥) لابن حبان.
(٦) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٨١٤).
(٧) «زاد المعاد» لابن القيم (٣/ ٣٤).
[ ٣ / ١٩٥ ]
٢ - لو ثبت أنه ﵊ صلى ليلة الإسراء في بيت لحم، لم يكن في ذلك ما يؤيد جواز الصلاة في مكان ولادة النبي ﷺ تبركًا واحتسابًا للأجر، لعدم صحة القياس في أمور العبادة، فهي توقيفية.
فضلًا عن أن النبي ﷺ لم يأمر أمته بتعظيم بيت لحم، ولم يأمرها بالصلاة فيه، ولم يكن أحد من الصحابة ﵃ يعظم بيت لحم ويصلي فيه (١)، فليس في إتيانه فضيلة عند المسلمين كما تقدم، وكذا مكان ولادة النبي ﷺ، والله تعالى أعلم. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن بن محمد الجديع – ص: ٣٥٥
النوع الثاني: التبرك بالأولياء والصالحين
وردت أدلة كثيرة تدل على مشروعية التبرك بجسد وآثار النبي ﷺ، كشعره وعرقه وثيابه وغير ذلك.
أما غير النبي ﷺ من الأولياء والصالحين فلم يرد دليل صحيح صريح يدل على مشروعية التبرك بأجسادهم ولا بآثارهم، ولذلك لم يرد عن أحد من أصحاب النبي ﷺ، ولا عن أحد من التابعين أنهم تبركوا بجسد أو آثار أحد من الصالحين، فلم يتبركوا بأفضل هذه الأمة بعد نبيها، وهو أبو بكر الصديق ﵁، ولا بغيره من العشرة المبشرين بالجنة، ولا بأحد من أهل البيت ولا غيرهم، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، لحرصهم الشديد على فعل جميع أنواع البر والخير، فإجماعهم على ترك التبرك بجسد وآثار غيره ﷺ من الصالحين دليل صريح على عدم مشروعيته.
وعليه فإن من تبرك بذات أو آثار أحد من الصالحين غير النبي ﷺ قد عصى الله تعالى، وعصى نبيه محمدًا ﷺ، وأعطى هذه الخاصية التي خص بها ربنا جل وعلا نبيه ﷺ لغيره من البشر، وسواهم بالنبي ﷺ في ذلك، فسوى عموم الأولياء والصالحين بخير البشر وسيد ولد آدم ﷺ، وهذا فيه هضم لحقه ﷺ، ودليل على نقص محبته ﵊ في قلب هذا المتبرك.
ومن أنواع التبرك المحرم بالصالحين:
أ) التمسح بهم، ولبس ثيابهم، أو الشرب بعد شربهم طلبًا للبركة.
ب) تقبيل قبورهم، والتمسح بها، وأخذ ترابها طلبًا للبركة، وقد حكى جمع من أهل العلم إجماع العلماء على أن هذا كله منهي عنه (٢)، وذكر أبو حامد الغزالي الشافعي المتوفي سنة ٥٠٥هـ، وغيره من علماء الشافعية والحنفية أن هذه الأفعال من عادات النصارى، وذكر بعض علماء الشافعية وبعض علماء الحنفية أن استلام القبور تبركًا كبيرة من كبائر الذنوب.
ج) عبادة الله عند قبورهم تبركًا بها، معتقدًا فضل التعبد لله تعالى عندها، وأن ذلك سبب لقبول هذه العبادة، وسبب لاستجابة الدعاء.
النوع الثالث: التبرك بالأزمان، والأماكن، والأشياء التي لم يرد في الشرع ما يدل على مشروعية التبرك بها.
ومن أمثلة هذه الأشياء:
١ - الأماكن التي مر بها النبي ﷺ، أو تعبد لله فيها اتفاقًا من غير قصد لها لذاتها، وإنما لأنه ﷺ كان موجودًا في هذه الأماكن وقت تعبده لله تعالى بهذه العبادة، ولم يرد دليل شرعي يدل على فضلها.
_________________
(١) من كتاب «الرد القوي على الرفاعي والمجهول وابن علوي» للشيخ حمود التويجري (ص: ٨٨) بتصرف، وانظر «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٨١٣).
(٢) ينظر: رسالة «زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور» (ص: ٢٤ - ٣٢)، «الاستغاثة في الرد على البكري» (١/ ٣٥٦)، «مجموع الفتاوى» (٤/ ٥٢١، ٢٦/ ٩٧، ٢٧/ ٧٩ - ١٠٩، ١٣٦ - ٢٩٤)، «الاختيارات» الجنائز (ص: ٩٢)، «الصارم المنكي» (ص: ١٠٩ - ١٧٨)، «الزواجر»: الكبيرة (٩٣ - ٩٨، ١/ ١٤٩).
[ ٣ / ١٩٦ ]
ومن هذه الأماكن: جبل ثور، وغار حراء، وجبل عرفات، والأماكن التي مر بها النبي ﷺ في أسفاره، والمساجد السبعة التي قرب الخندق، والمكان الذي يزعم بعضهم أن النبي ﷺ ولد فيه – مع أنه مختلف في مكان ولادته ﵊ اختلافًا كثيرًا – ومثل الأماكن التي قيل إنه ولد فيها نبي أو ولي أو عاشوا فيها ونحو ذلك – مع أن كثيرًا من ذلك لم يثبت -.
فلا يجوز للمسلم قصد زيارة هذه الأماكن للتعبد لله تعالى عندها، أو فوقها، بصلاة أو دعاء أو غيرهما، كما لا يجوز للمسلم مسح شيء من هذه الأماكن لطلب البركة، ولا يشرع صعود هذه الجبال لا في أيام الحج ولا غيرها، حتى جبل عرفات، لا يشرع صعوده في يوم عرفة، ولا غيره، ولا التمسح بالعمود التي فوقه، وإنما يشرع الوقوف عند الصخرات القريبة منه إن تيسر، وإلا وقف الحاج في أي مكان من عرفات.
ولذلك لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه قصد شيئًا من هذه الأماكن للتبرك بها بتقبيل أو لمس أو غيرهما ولا أن أحدًا منهم قصدها للتعبد لله فيها.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى» (١) رواه البخاري ومسلم، وثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ الذي هو ثاني الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم (أنه لما رأى الناس وهو راجع من الحج ينزلون فيصلون في مسجد، فسأل عنهم، فقالوا: مسجد صلى فيه النبي ﷺ، فقال: إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من مر بشيء من هذه المساجد فحضرت الصلاة فليصل، وإلا فليمض) (٢).
فهذا قول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الذي قال عنه النبي ﷺ: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» (٣). وقال عنه النبي ﷺ وعن أبي بكر – ﵄ – «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (٤).
وهو – أي قول عمر السابق – يدل على التحذير من التبرك بالأماكن التي مر بها أو تعبد فيها نبينا ﷺ دون قصد لها، وعلى عدم مشروعية قصد هذه الأماكن للتعبد لله فيها، وعلى هذا أجمع سلف هذه الأمة وكل من سار على طريقتهم؛ ولأن ذلك من المحدثات التي لا دليل عليها.
_________________
(١) رواه البخاري (١١٩٧)، ومسلم (٨٢٧).
(٢) رواه عبد الرزاق (٢/ ١١٨) (٢٧٣٤). قال ابن تيمية في «التوسل والوسيلة» (٢٠٣)، وابن كثير في «مسند الفاروق» (١/ ١٤٢): إسناده صحيح.
(٣) [٣٩٥٨]» رواه الترمذي (٣٦٨٢)، وأحمد (٢/ ٥٣) (٥١٤٥)، وابن حبان (١٥/ ٣١٨)، والحاكم (٣/ ٩٣)، والطبراني في «الأوسط» (٣/ ٣٣٨)، قال الترمذي هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٧/ ١٣٣): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي». والحديث روي عن أبي هريرة، ومعاوية ابن أبي سفيان، وأبو ذر الغفاري، وبلال، ﵃.
(٤) رواه الترمذي (٣٦٦٣، ٣٧٩٩) وابن ماجه (٩٧)، وأحمد (٥/ ٣٨٥) (٢٣٣٢٤). وقال: هذا حديث حسن. وحسنه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٦٥)، وابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٥٧٩). وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.
[ ٣ / ١٩٧ ]
٢ - التبرك ببعض الأشجار وبعض الأحجار وبعض الأعمدة وبعض الآبار والعيون التي يظن بعض العامة أن لها فضلًا، إما لظنهم أن أحد الأنبياء والأولياء وقف على ذلك الحجر، أو لاعتقادهم أن نبيًا نام تحت تلك الشجرة، أو يرى أحدهم رؤيا أن هذه الشجرة أو هذا الحجر مبارك، أو يعتقدون أن نبيًا اغتسل في تلك البئر أو العين، أو أن شخصًا اغتسل فيها فشفي، ونحو ذلك، فيغلون فيها ويتبركون بها فيتمسحون بالأشجار والأحجار، ويغتسلون بماء هذه البئر أو تلك العين طلبًا للبركة، ويعلقون بالشجرة الخرق والمسامير والثياب، فربما أدى بهم غلوهم هذا في آخر الأمر إلى عبادة هذه الأشياء، واعتقاد أنها تنفع وتضر بذاتها.
ولا شك أن التبرك بالأشجار والأحجار والعيون ونحوها، بأي نوع من أنواع التبرك، من مسح أو تقبيل، أو اغتسال، أو غيرها مما سبق ذكره تبركًا وتعظيمًا محرم بإجماع أهل العلم، ولا يفعله إلا الجهال؛ لأنه إحداث عبادات ليس لها أصل في الشرع، ولأنه من أعظم أسباب الوقوع في الشرك الأكبر، ولما روى أبو واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ قبل حنين، ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم وأمتعتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال ﷺ: «الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل: اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: ١٣٨]، ثم قال: إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم» (١).
فلما طلب حدثاء العهد بالإسلام من الصحابة شجرة يتبركون بها تقليدًا للمشركين أنكر عليهم النبي ﷺ ذلك، وأخبرهم أن طلبهم هذا يشبه طلب بني إسرائيل من موسى ﵇ أن يجعل لهم آلهة تقليدًا لمشركي زمانهم، فطلبهم مشابه لطلب بني إسرائيل من جهة طلب التشبه بالمشركين فيما هو شرك، وإن كان ما طلبه هؤلاء الصحابة من الشرك الأصغر.
ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه ليس هناك حجر أو غيره يشرع مسحه أو تقبيله تبركًا، حتى مقام إبراهيم الخليل – ﵇ – لا يشرع تقبيله مطلقًا مع أنه قد وقف عليه، وأثرت فيه قدماه – ﵇ -، وهذا كله قد أجمع عليه أهل العلم.
ومسح الحجر الأسود وتقبيله، وكذلك مسح الركن اليماني في أثناء الطواف إنما هو من باب التعبد لله تعالى، واتباع سنة النبي ﷺ، ولذلك قال عمر ﵁ لما قبل الحجر الأسود: (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) (٢) رواه البخاري ومسلم.
كما أنه يجب قطع الأشجار وهدم الآبار والعيون، وإزالة الأحجار التي يتبرك بها العامة، حسمًا لمادة الشرك، كما فعل عمر – ﵁ – حين قطع شجرة بيعة الرضوان.
٢ - التبرك ببعض الليالي والأيام التي يقال: إنها وقعت فيها أحداث عظيمة، كالليلة التي يقال إنها حصل فيها الإسراء والمعراج، ونحو ذلك تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين - ص: ٢٩٦
النوع الرابع: التبرك بالأماكن والأشياء الفاضلة
وردت نصوص شرعية كثيرة تدل على فضل وبركة كثير من الأماكن، كالكعبة المشرفة، والمساجد الثلاثة، وكثير من الأزمان كليلة القدر ويوم عرفة، وكثير من الأشياء الأخرى، كما زمزم، والسحور للصائم، والتبكير في طلب الرزق ونحوه، وغير ذلك.
_________________
(١) رواه الترمذي (٢١٨٠)، وأحمد (٥/ ٢١٨) (٢١٩٤٧). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.
(٢) [٣٩٦١]» رواه البخاري (١٥٩٧) ومسلم (١٢٧٠).
[ ٣ / ١٩٨ ]
والتبرك بهذه الأشياء يكون بفعل العبادات وغيرها مما ورد في الشرع ما يدل على فضلها فيها، ولا يجوز التبرك بها بغير ما ورد، وعليه فمن تبرك بالأزمان، أو الأماكن، أو الأشياء التي وردت نصوص تدل على فضلها أو بركتها بتخصيصها بعبادات أو تبركات معينة لم يرد في الشرع ما يدل على تخصيصها بها، فقد خالف المشروع، وأحدث بدعة ليس لها أصل في الشرع، وذلك كمن يخص ليلة القدر بعمرة، وكمن يتبرك بجدران الكعبة بتقبيلها أو مسحها، أو يتمسح بمقام إبراهيم أو بالحجر المسمى حجر إسماعيل، أو بأستار الكعبة، أو بجدران المسجد الحرام، أو المسجد النبوي وأعمدتهما ونحو ذلك، فهذا كله محرم، وهو من البدع المحدثة، وقد اتفق أصحاب النبي ﷺ وسلف هذه الأمة على عدم مشروعيته (١)، وعندك أن يتبرك بأحجار أو تراب شيء من المواضع الفاضلة بالتمرغ عليه أو يجمعه أو الاحتفاظ به.
ومما يدل أيضًا على تحريم التبرك بالأشياء الفاضلة بغير ما ورد في الشرع ما ثبت في (صحيح البخاري) عن ثاني الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بأتباع سنتهم: عمر بن الخطاب ﵁ والذي قال عنه النبي ﷺ: «إن الله جعل الحق على قلب عمر ولسانه» (٢)، وقال ﷺ عنه وعن أبي بكر: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (٣)، أنه قال ﵁ لما قبل الحجر الأسود: (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك) (٤) رواه البخاري ومسلم، فقول عمر هذا صريح في أن تقبيل الحجر الأسود إنما هو اتباع للنبي ﷺ، فالمسلم يفعله تعبدًا لله تعالى، واقتداء بخير البرية ﷺ، وليس من باب التبرك في شيء.
وإذا كان هذا في شأن الحجر الأسود الذي هو أفضل الكعبة، فغيره من الأماكن والأشياء الفاضلة أولى، فيتعبد المسلم فيها بما ورد في الشرع ولا يزيد عليه.
ومما يدل كذلك على تحريم التبرك بالأشياء الفاضلة بغير ما ورد في الشرع ما ثبت عن حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عم النبي ﷺ عبد الله بن عباس – ﵄ – أنه أنكر على من استلم أركان الكعبة الأربعة؛ لأن النبي ﷺ لم يستلم إلا الحجر الأسود والركن اليماني (٥).رواه البخاري. تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين - بتصرف– ص: ٣٠٨
_________________
(١) «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص: ٨٠٨، ٨٠٩)، «مجموع الفتاوى» (٤/ ٥٢١، ٢٧/ ٧٩، ١٠٦ - ١١٠)، «الاختيارات» الجنائز (٩٢)، و«الحج» (ص: ١١٨)، «زيارة القبور» للبركوي الحنفي (ص: ٥٢)، «مجلس الأبرار» للرومي الحنفي مع «خزينة الأسرار» لسبحان بخش الهندي الحنفي (ص: ١٣٠)، و«نقائش الأزهار للسورتي الحنفي (ص: ١٦١) نقلًا عن «جهود علماء الحنفية» (ص: ٦٥٧)، «إصلاح المساجد» للقاسمي (ص: ٥٢)، «القول السديد» للسعدي (ص: ٥٣)، «فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم» (٥/ ١١، ١٢).
(٢) [٣٩٦٣]» رواه الترمذي (٣٦٨٢)، وأحمد (٢/ ٥٣) (٥١٤٥)، وابن حبان (١٥/ ٣١٨)، والحاكم (٣/ ٩٣)، والطبراني في «الأوسط» (٣/ ٣٣٨)، قال الترمذي هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٧/ ١٣٣): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي».والحديث روي عن أبي هريرة، ومعاوية ابن أبي سفيان، وأبو ذر الغفاري، وبلال، ﵃.
(٣) رواه الترمذي (٣٦٦٣، ٣٧٩٩) وابن ماجه (٩٧)، وأحمد (٥/ ٣٨٥) (٢٣٣٢٤). وقال: هذا حديث حسن. وحسنه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٦٥)، وابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٥٧٩). وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.
(٤) [٣٩٦٥]» رواه البخاري (١٥٩٧) ومسلم (١٢٧٠).
(٥) رواه البخاري (٢٤٤).
[ ٣ / ١٩٩ ]