الأصل في القسم أو الحلف، أن يكون بالله تعالى، لأنه عبادة، ومعلوم أن العبادة لا يجوز أن تصرف إلا لله ﷿، ولذا فإنه لا يجوز القسم أو الحلف بغيره سبحانه. وقد ثبت في الصحيحين: أن النبي ﷺ قال: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» (١) وفي لفظ: «من حلف بغير الله فقد أشرك» رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححوه (٢). فإذا فهم هذا فيتعين أنه لا يجوز الحلف بمخلوق على مخلوق، فكيف يجوز الحلف بالمخلوق على الخالق .. !؟ كأن يقول مثلًا: اللهم إني أقسمت عليك بفلان أو أسألك بحق فلان أن تقضي حاجتي
قد يتأثر المخلوق إذا أقسمت عليه بعظيم أو مكرم لديه فيتحول عن عزمه الذي كان عازمًا على فعله إلى مرادك الذي أقسمت عليه بأن يلتزم به أما الله سبحانه، فلا أحد يستطيع أن يحول مراده أو يؤثر عليه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا: وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ [المؤمنون: ٨٨]. أي هو السيد العظيم الذي لا أعظم منه أحد الذي له الخلق والأمر، ولا معقب لحكمه، الذي لا يمانع ولا يخالف، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. فمن كان هذا شأنه، كيف تقسم عليه بمخلوق؟ ألا إن شأن الله أعظم من ذلك، وإن الله تعالى جده وتقدست أسماؤه، وجلت صفاته، هو الذي يقسم به على مخلوقاته، لا أن يقسم عليه بمخلوقاته.
ألا ترى معي يا أخي المسلم، أن الإقسام على الله بمخلوقاته ليس شركًا فحسب .. بل هو تقرب إلى الله بالشرك به !!! والمفروض بالتقرب أن يكون بشيء يرضي المتقرب منه ولا يفكر عاقل بأن يتقرب إلى أحد بما يكره. وإن هؤلاء الذين يقسمون على الله بمخلوقاته يتقربون إلى ربهم بذلك .. والله سبحانه لا يرضيه أن يشرك به عباده فضلًا عن أن يتقربوا إليه بهذا الشرك وما أدري إذا كان هؤلاء يدرون ما يفعلون أو لا يدرون !!!؟
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
ثم نسأل: إذا كان الحلف عبادة هل المحلوف به أعظم، أم المحلوف عليه أعظم ؟ سيقولون بل المحلوف به أعظم فإذا كان المحلوف به أعظم فعندما نحلف على الله بأحد خلقه من يكون هنا المحلوف عليه ؟!!! سيقولون: المحلوف به هو المخلوق والمحلوف عليه هو الله الخالق. فنقول: أرأيتم كيف جعلتم المخلوق أعظم عندكم من الخالق ؟!!! نعوذ بالله من الشرك والكفر وسوء المنقلب في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٦٤٦).
(٢) رواه أبو داود (٣٢٥١) والترمذي (١٥٣٥) وأحمد (٢/ ١٢٥) (٦٠٧٣) وابن حبان (١٠/ ١٩٩) والحاكم (٤/ ٣٣٠) من حديث عبد الله بن عمر، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي هذا حديث حسن، وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وصححه ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٤٥٩) وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد»: إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».
[ ٣ / ١٢٥ ]
أرأيت يا أخي المسلم كيف يستولي الشيطان على هؤلاء فيريهم الحق باطلًا والباطل حقًا ؟ أرأيت يا أخي إلى أية هاوية يريد الشيطان أن يرديهم فيها.؟ ترى هل شعروا بهمز الشيطان ونفخة ونفثه يسري في كيانهم كما يسري السم في الجسد ؟ وهل سيظلون هكذا طائعين منقادين كالأنعام إلى جهنم وبئس المصير أسيظلون هكذا أم يفلتون من حبال عدوهم ويهربون إلى ربهم تائبين منيبين إليه، يذرفون دموع الندم ويرجون من الله رحمة ومغفرة والله إن فعلوا لوجدوا الله توابًا رحيمًا. فبادروا يا رعاكم الله إلى كنف التواب الرحيم، تلقوا عفوه وكرمه ورضوانه رغم ما أسلفتم من الذنوب والآثام قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزُّمر: ٥٣]. وإن الكريم سبحانه لا يغفر ذنوبكم فحسب بل يبدلها حسنات، وهذا جزاء التائبين المستغفرين المؤمنين العاملين. اسمعوا قوله تعالى: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: ٧٠]. وقد أنحى العلماء باللائمة على من يقسم بالمخلوق، وأقاموا النكير عليه، وحذروا منه أشد التحذير، لما فيه من المساس بالألوهية والعياذ بالله تعالى.
قال شارح العقيدة الطحاوية:
(وإن الإقسام على الله بحق فلان، فذلك محذور، لأن الإقسام بالمخلوق لا يجوز فكيف على الخالق؟! وقد قال ﷺ: «من حلف بغير الله فقد أشرك» (١) ولهذا قال أبو حنيفة وصاحباه ﵃: يكره أن يقول الداعي: أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام، والمشعر الحرام، ونحو ذلك. حتى كره أبو حنيفة ومحمد ﵄، أن يقول الرجل: اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك ولم يكرهه أبو يوسف ﵀ لما بلغه الأثر فيه (٢)، كما أن القول بجاه فلان عندك، أو نتوسل إليك بأنبيائك ورسلك وأوليائك. ومراده أن فلانًا عندك ذو وجاهة وشرف ومنزلة فأجب دعاءنا. وهذا أيضًا محذور فإنه لو كان هذا، هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه في حياة النبي ﷺ لفعلوه بعد موته. وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه، يطلبون منه أن يدعو لهم، وهم يؤمنون على دعائه، كما في الاستسقاء وغيره. فلما مات رسول الله ﷺ قال عمر ﵁ – لما خرجوا يستسقون -: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا. معناه: بدعائه الله لنا، وشفاعته عنده، وليس المراد أنا نقسم عليك به، أو نسألك بجاهه عندك، إذ لو كان ذلك مرادًا، لكان جاه النبي ﷺ أعظم وأعظم من جاه العباس). اهـ
ويروى أن داود ﵇ قال: «اللهم إني أسألك بحق آبائي عليك، فأوحى إليه: وما حق آبائك علي؟» (٣).
وقال أبو الحسن القدوري في شرح كتاب الكرخي:
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٢٥١)، والترمذي (١٥٣٥) واللفظ له، وأحمد (٢/ ١٢٥) (٦٠٧٢). من حديث ابن عمر ﵄. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: حديث حسن. وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٧٣٥) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وأحمد شاكر في «المسند» (٨/ ٢٢٢). وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.
(٢) قال الزيلعي في «نصب الراية» (٤/ ٢٧٣) هو حديث مرفوع موضوع.
(٣) قيل إنه ضعيف وقد رويناه بصيغة التمريض للدلالة على ضعفه، وذكرناه اسئناسا للمناسبة مع بيان ضعفه.
[ ٣ / ١٢٦ ]
(قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة: (لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: أسألك بمعاقد العز من عرشك. وأن يقول: بحق فلان، وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام) قال أبو الحسن: أما المسألة بغير الله، فمنكرة لأنه لا حق لغير الله عليه، وإنما الحق له على خلقه). وفي قوله له: (المسألة بخلقه لا تجوز: لأنه لا حق للمخلوق على الخالق، فلا يجوز، يعني: وفاقًا).
وقال ابن بلدجي في شرح المختار: (ويكره أن يدعو الله إلا به. ولا يقول: أسألك بملائكتك أو أنبيائك، أو نحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على خالقه).
وقال نعمان خير الدين الحنفي في (جلا العينين) وذكر العلائي في شرح التنوير عن التتارخانية: أن أبا حنيفة قال: (لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به). وجميع متون الحنفية أن قول الداعي المتوسل بحق الأنبياء والأولياء وبحق البيت الحرام، مكروه كراهة تحريم، وهي كالحرام في العقوبة بالنار اهـ. التوصل إلى حقيقة التوسل المشروع والممنوع لمحمد نسيب الرفاعي - بتصرف – ص: ١٨٦
وللتوسل غير المشروع (البدعي) صور متعددة، ومنها:
١ - التوسل إلى الله بدعاء الموتى أو الغائبين، والاستغاثة بهم ونحو ذلك، فهذا شرك أكبر مخرج عن ملة الإسلام مناف للتوحيد.
٢ - التوسل إلى الله بفعل الطاعات عند قبور الموتى ومشاهدهم، والبناء عليهم، وسترها، والدعاء عندها، فهذا شرك أصغر مناف لكمال التوحيد الواجب.
٣ - التوسل إلى الله بمنزلة الصالحين، ومكانتهم عند الله؛ وهو محرم لأن عملهم ينفعهم هم، كما قال تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وقوله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». (١).
ومكانتهم تنفعهم هم، والله لا يقاس على خلقه، فإن رضاه عن عبد لا يحتاج فيه إلى الوسائط، وغضبه عليه لا تنفع فيه الوسائط، وإنما يكون ذلك في حق المخلوق لما في قبول الوسائط من منافع تعود إليهم؛ لكونهم شركاء لبعضهم في المنافع والأمور، ولذا فإن الصحابة عدلوا عن التوسل بالرسول ﷺ بعد موته إلى العباس ليدعو لهم، ولو كان ذلك جائزًا بعد موته لكان التوسل به أولى، وعدولهم دليل على أن المستقر عندهم عدم جوازه مع أن مكانة الرسول ﷺ لا يبلغها أحد، وإنما أتي من أجاز التوسل بالمكانة والمنزلة عند الله من حيث قاس الله على الخلق.
وأما حديث الأعمى الذي قال للرسول ﷺ اللهم إني أتوسل بك يا محمد إلى ربك.
فإن ذلك طلب من الرسول ﷺ أن يدعو له؛ ولذا قال له الرسول ﷺ قل: «اللهم شفعه في» وهذا على فرض صحته وإلا فإن هذا الحديث منقطع السند.
وأما «توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم» فهو حديث موضوع.
ذكر ذلك ابن الجوزي، وابن تيمية، والشوكاني وغيرهم من أهل العلم، وبذا يعلم حرمة الدعاء بقول بعضهم أسألك بجاه فلان.
٤ - التوسل بذوات الصالحين كقول بعضهم (أسألك بمحمد) وهذا اللفظ بدعي محرم، وهو محتمل لمعان كلها فاسدة غير مشروعة وهي:
أ- أن يقصد التوسل بالمكانة والمنزلة.
ب- أن يريد الإقسام به على الله، والحلف بغير الله محرم وهو من الشرك الأصغر.
ج- أن يريد أن يكون واسطة بين الله وعبده في جلب منفعة أو دفع ضر، وهذا شرك المشركين، وهو شرك أكبر مخرج عن ملة الإسلام. قال تعالى عن المشركين: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى.
_________________
(١) رواه مسلم (١٦٣١).
[ ٣ / ١٢٧ ]
د- أن يقصد التبرك بذكر هذا اللفظ وهو أيضًا محرم لاحتماله المقاصد المتقدمة من جهة، ولكونه ليس مأخوذًا به شرعًا فيفعل، بل إن الصحابة لم يفعلوه، وهكذا من بعدهم من التابعين وتابعيهم، مما يدل على أنه بدعة محدثة، والرسول ﷺ يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١). وقال: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١٦٥
ومما يدل على بدعيته أيضا أن الأدعية الواردة في القرآن الكريم وهي كثيرة، لا نجد في شيء منها التوسل بالجاه أو الحرمة أو الحق أو المكانة لشيء من المخلوقات، وهاك بعض الأدعية الكريمة على سبيل المثال: يقول ربنا جل شأنه معلمًا إيانا ما ندعو به ومرشدًا: لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٢٨٦] ويقول: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١] ويقول: فَقَالُواْ عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [يونس:٨٥ - ٨٦] ويقول: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ، إلى قوله رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم: ٣٥ - ٤١] ويقول على لسان موسى ﵇: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه: ٢٥ - ٢٨] ويقول سبحانه: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا [الفرقان: ٦٥]، إلى آخر ما هنالك من الأدعية القرآنية الكريمة، وبعضها مما يعلمنا الله تعالى أن ندعو به ابتداء، وبعضها مما يحكيه سبحانه عن بعض أنبيائه ورسله، أو بعض عباده وأوليائه، وواضح أنه ليس في شيء منها ذاك التوسل المبتدع الذي يدندن حوله المتعصبون، ويخاصم فيه المخالفون.
وإذا انتقلنا إلى السنة الشريفة لنطلع منها على أدعية النبي ﷺ التي ارتضاها الله تعالى له، وعلمه إياها، وأرشدنا إلى فضلها وحسنها، نراها مطابقة لما في أدعية القرآن السالفة من حيث خلوها من التوسل المبتدع المشار إليه، وهاك بعض تلك الأدعية النبوية المختارة:
_________________
(١) رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).
[ ٣ / ١٢٨ ]
فمنها دعاء الاستخارة المشهور الذي كان النبي ﷺ يعلمه أصحابه إذا هموا بأمر كما كان يعلمهم القرآن، وهو: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، وعاجله وآجله، فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، وعاجله وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به» (١).
ومنها: «اللهم أصلح لي ديني، الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر» (٢) و: «اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي » (٣) و: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى» (٤) و: «اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك» (٥) و: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ومحمد نعوذ بك من النار» (٦). ومثل هذه الأدعية في السنة كثير، ولا نجد فيها دعاء واحدًا ثابتًا فيه شيء من التوسل المبتدع الذي يستعمله المخالفون.
ومن الغريب حقًا أنك ترى هؤلاء يعرضون عن أنواع التوسل المشروعة السابقة.
فلا يكادون يستعملون شيئًا منها في دعائهم أو تعليمهم الناس مع ثبوتها في الكتاب والسنة وإجماع الأمة عليها، وتراهم بدلًا من ذلك يعمدون إلى أدعية اخترعوها، وتوسلات ابتدعوها لم يشرعها الله ﷿، ولم يستعملها رسوله المصطفى ﷺ، ولم ينقل عن سلف هذه الأمة من أصحاب القرون الثلاثة الفاضلة، وأقل ما يقال فيها: إنها مختلف فيها، فما أجدرهم بقوله ﵎: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ َ خَيْرٌ [البقرة:٦١].
ولعل هذا أحد الشواهد العملية التي تؤكد صدق التابعي الجليل حسان بن عطية المحاربي ﵀ حيث قال: (ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سننهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة) (٧).
هذا ولم ننفرد نحن بإنكار تلك التوسلات المبتدعة، بل سبقنا إلى إنكارها كبار الأئمة والعلماء، وتقرر ذلك في بعض المذاهب المتبعة، ألا وهو مذهب أبي حنيفة ﵀، فقد جاء في (الدر المختار) (٢/ ٦٣٠) – وهو من أشهر كتب الحنفية – ما نصه:
_________________
(١) [٣٧٣٥]» رواه البخاري (١١٦٢).
(٢) [٣٧٣٦]» رواه مسلم (٢٧٢٠).
(٣) رواه النسائي (٣/ ٥٥) وأحمد (٤/ ٢٦٤) وابن حبان (٥/ ٣٠٤) والحاكم (١/ ٧٠٥) وأبو يعلى (٣/ ١٩٥) من حديث عمار بن ياسر، قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٧٧): رجاله ثقات إلا أن عطاء بن السائب اختلط، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٣٠١).
(٤) [٣٧٣٨]» رواه مسلم (٢٧٢١).
(٥) [٣٧٣٩]» رواه الترمذي (٣٥٠٢) والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ١٠٧) من حديث عبد الله بن عمر، قال الترمذي هذا حديث حسن غريب، وقال الشوكاني في «تحفة الذاكرين» (٤٨٢): غاية رتبة هذا الحديث أن يكون حسنا، وحسنه الألباني في «صحيح الترمذي».
(٦) [٣٧٤٠]» رواه الطبراني (١/ ١٩٥) والحاكم (٣/ ٧٢١) من حديث أسامة بن عمير، والحديث سكت عليه الحاكم والذهبي، وقال ابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ٣٧٣): حسن وله شاهد، وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (١٣٠٤).
(٧) [٣٧٤١]» رواه الدارمي (١/ ٥٨)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (١/ ٩٣).
[ ٣ / ١٢٩ ]
(عن أبي حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، والدعاء المأذون فيه، المأمور به.
ما استفيد من قوله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠]).
ونحوه في (الفتاوى الهندية) (٥/ ٢٨٠). وقال القُدوري في كتابه الكبير في الفقه المسمى بـ (شرح الكرخي) في (باب الكراهة): (قال بشر بن الوليد حدثنا أبو يوسف قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك، أو بحق خلقك، وهو قول أبي يوسف، قال أبو يوسف: معقد العز من عرشه هو الله، فلا أكره هذا، وأكره أن يقول: بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام، قال القُدوري: المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للخلق على الخالق، فلا تجوز وفاقًا). نقله شيخ الإسلام في (القاعدة الجليلة) وقال الزبيدي في (شرح الإحياء) (٢/ ٢٨٥): (كره أبو حنيفة وصاحباه أن يقول الرجل: أسألك بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، أو بحق البيت الحرام والمشعر الحرام، ونحو ذلك، إذ ليس لأحد على الله حق، وكذلك كره أبو حنيفة ومحمد أن يقول الداعي: «اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك» (١)، وأجازه أبو يوسف لما بلغه الأثر فيه).
أقول: لكن الأثر المشار إليه باطل لا يصح، رواه ابن الجوزي في (الموضوعات) وقال: (هذا حديث موضوع بلا شك)، وأقره الحافظ الزيلعي في (نصب الراية) (٢) فلا يحتج به، وإن كان قول القائل: (أسألك بمعاقد العز من عرشك) يعود إلى التوسل بصفة من صفات الله ﷿، فهو توسل مشروع بأدلة أخرى كما سبق، تغني عن هذا الحديث الموضوع. قال ابن الأثير ﵀: (أسألك بمعاقد العز من عرشك، أي بالخصال التي استحق بها العرش العز، أو بمواضع انعقادها منه، وحقيقة معناه: بعز عرشك، وأصحاب أبي حنيفة يكرهون هذا اللفظ من الدعاء).
فعلى الوجه الأول من هذا الشرح، وهو الخصال التي استحق بها العرش العز، يكون توسلًا بصفة من صفات الله تعالى فيكون جائزًا، وأما على الوجه الثاني الذي هو مواضع انعقاد العز من العرش، فهو توسل بمخلوق فيكون غير جائز، وعلى كلٍ فالحديث لا يستحق زيادة في البحث والتأويل لعدم ثبوته، فنكتفي بما سبق. التوسل أنواعه وأحكامه لمحمد ناصر الدين الألباني – ص ٣٤
- والذي قاله أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم من العلماء - من أنه لا يجوز أن يسأل الله تعالى بمخلوق، لا بحق الأنبياء ولا غير ذلك - يتضمن شيئين:
- أحدهما: الإقسام على الله ﷾ به، وهذا منهيٌّ عنه عند جماهير العلماء كما تقدم، كما ينهى أن يقسم على الله بالكعبة والمشاعر باتفاق العلماء.
- والثاني: السؤال به، فهذا يجوزه طائفة من الناس، ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف، وهو موجود في دعاء كثير من الناس، لكنَّ ما روي عن النبي ﷺ في ذلك كله ضعيفٌ بل موضوع، وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة، إلا حديث الأعمى الذي علَّمه أن يقول: «أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة» (٣) .. قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية– ص١١٤
_________________
(١) [٣٧٤٢]» والحديث رواه الطبراني (٢٥/ ١٢) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (١/ ٣٢٤) من حديث قيلة بنت مخرمة ﵂، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٨٣): إسناده حسن، وروى البيهقي في «كتاب الدعوات الكبير» (١/ ٤٢٤) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ نحوه، قال ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ٤٦٤): موضوع بلا شك، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٣٢٨): (فيه) عامر بن خداش هذا هو النيسابوري قال شيخنا الحافظ أبو الحسن كان صاحب مناكير وقد تفرد به عن عمر بن هارون البلخي وهو متروك متهم، وقال السخاوي في «القول البديع» (٣٢٩): سنده واه بمرة، وقال الشوكاني في «تحفة الذاكرين» (٢٣٣): موضوع، وقال الألباني في «ضعيف الترغيب» (٤١٨): موضوع.
(٢) [٣٧٤٣]» انظر «نصب الراية» (٤/ ٣٣٨).
(٣) [٣٧٤٤]» رواه الترمذي (٣٥٧٨) وابن ماجه (١٣٨٥) وأحمد (٤/ ١٣٨) (١٧٢٧٩) والطبراني (٩/ ٣٠) وابن خزيمة في «صحيحه» (٢/ ٢٢٥) وعبد بن حميد (١/ ١٤٧) من حديث عثمان بن حنيف، قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال الشوكاني في «تحفة الذاكرين» (٢٣٠): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».
[ ٣ / ١٣٠ ]