تمهيد في الإيمان وجود الله تعالى وأقسام التوحيد:
الفصل الأول: فطرية المعرفة بوجود الله
وجود الله تعالى أمر فطري، مغروز في النفس البشرية؛ فعندما خلق الله تعالى آدم ﵇ أخذ منه، ومن ذريته، الشهادة على أنه ربهم ومعبودهم الحق فقال ﷾: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣].
وقد كانت دعوة الأنبياء جميعًا تنبثق من هذا الأصل الفطري العظيم؛ وهو الإيمان بالله تعالى؛ والدعوة لتوحيده في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته، فما أثر عن أمة من الأمم إنكارها لوجود الله تعالى، إلا ما نسب إلى فرعون، والدهرية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨): (وأشهر من عرف تجاهله، وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وقد كان مستيقنًا به في الباطن؛ كما قال له موسى: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء: ١٠٢]، وقال تعالى عنه وعن قومه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: ١٤]) (١).
ونص شيخ الإسلام في موضع آخر على أن فرعون كان معترفًا بالله في الباطن، فقال: (وفرعون لم يقل هذا لعدم معرفته في الباطن بالخالق، ولكن أظهر خلاف ما في نفسه؛ كما قال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: ١٤].
وأما الدهرية فهم لم ينكروا وجود الله تعالى؛ كما قال الشهرستاني (ت ٥٤٨): (أما تعطيل العالم عن الصانع العليم، القادر الحكيم، فلست أراها مقالة، ولا عرفت عليها صاحب مقالة، إلا ما نقل عن شرذمة قليلة من الدهرية أنهم قالوا: كان العالم في الأزل أجزاء مبثوثة، تتحرك على غير استقامة، فاصطكت اتفافًا؛ فحصل العالم بشكله الذي تراه عليه، ولست أرى صاحب هذه المقالة ممن ينكر وجود الصانع؛ بل هو يعترف بالصانع، لكنه يحيل سبب وجود العالم على البحث والاتفاق؛ احترازًا عن التعليل) (٢).
ومما يجب العلم به أن هذا المصطلح – أي (وجود الله تعالى) أو (إثبات الصانع)، أو (إثبات واجب الوجود)، وغيرها – هي مصطلحات مبتدعة، برزت في الوسط الإسلامي، مع ظهور فرق الابتداع، واختلاط المسلمين بأهل الشك والريب، من أهل البلاد المفتوحة، فما كانت البيئة الإسلامية تعرف مثل هذه المصطلحات المحدثة.
ولعل مثل هذه المقالات روجها زنادقة البلاد المفتوحة؛ حقدًا وحسدًا على هذا الدين وأهله، عندما هالهم سرعة انتشاره وتقبله من أهل تلك البلاد، فعكف هؤلاء الزنادقة وغيرهم من القادة الدينيين على تأليف المقالات المنحرفة وزرع الشبه والريب بين المسلمين الجدد.
_________________
(١) ابن تيمية «ردء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٣٨) ت د. محمد رشاد سالم – ط١ - ١٤٠١ - جامعة الإمام محمد بن سعود، وانظر .. أبي العز الحنفي، «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ١٧) ت الألباني ط الأزهر.
(٢) الشهرستاني «نهاية الإقدام في علم الكلام» (ص: ١٢٣ - ١٢٤) ت- الفرد جيوم – لندن ١٩٣٤.
[ ١ / ١٥٣ ]
ومما يوضح هذا التعليل أن بلاد فارس والعراق وغيرها قد تعرضت إلى هجمات فكرية عنيفة من الصابئة ودهاقنة الفرق يعاونهم اليهود والنصارى، والسمنية الهنود، الذين كانوا يطوفون في البلاد الإسلامية ويزرعون الشبه والشكوك، ولا شك أن هذه الجماعات قد نشأت ونظمت نفسها، وبدأت عملها في القرن الأول الهجري.
ومن أمثلة ذلك ما روي أن مجموعة من الملاحدة سألوا (١): (ما الدلالة على وجود الصانع، فقال لهم: دعوني فخاطري مشغول بأمر غريب، قالوا: ما هو؟ قال: بلغني أن في دجلة سفينة عظيمة مملوءة من أصناف الأمتعة العجيبة؛ وهي ذاهبة وراجعة من غير أحد يحركها ولا يقوم عليها، فقالوا له: أمجنون أنت؟ قال وما ذاك؟ قالوا: أهذا يصدقه عاقل؟ فقال: فكيف صدقت عقولكم أن هذا العالم بما فيه من الأنواع والأصناف العجيبة وهذا الفلك الدوار السيار يجري وتحدث هذه الحوادث بغير محدث وتتحرك هذه المتحركات بغير محرم؟ فرجعوا على أنفسهم بالملام) (٢).
ومنها أيضًا أولئك السمنية الهنود الذين جادلوا الجهم بن صفوان (ت ١٢٨هـ) في الإله المعبود فتحير الجهم، ولم يدر ما يجيب وتوقف عن الصلاة أربعين يومًا حتى يتبين له ما يعبد بزعمه، ثم أحدثت هذه المجادلة الانحراف الكبير في عقلية الجهم؛ مما حدا به إلى نفي الصفات، وفتح بابًا كبيرًا من أبواب الشر في عقيدة الأمة (٣).
فهذه الموجات الإلحادية التي غزت العالم الإسلامي في مراحل تكونه الأولى كانت من أهم الأسباب التي فتحت باب الجدل في وجود الله تعالى، وفي أسمائه وصفاته، على تلك الطريقة المبتدعة المذمومة، التي خالفت ما جاء به الكتاب والسنة من تقرير هذه المسائل بالطريقة السهلة الميسرة المقبولة.
وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية على أن أصول هذه المقالات المبتدعة هم الجهمية وغيرهم من فرق الابتداع، فقال: (إذا كانت معرفته والإقرار به ثابتًا في كل فطرة، فكيف ينكر ذلك كثير من النظار؛ نظار المسلمين وغيرهم، وهم يدعون أنهم يقيمون الأدلة العقلية على المطالب الإلهية، فيقال لهم أول من عرف في الإسلام بإنكار هذه المعرفة – هم أهل الكلام؛ الذين اتفق السلف على ذمهم، من الجهمية، والقدرية، وهم عند سلف الأمة من أضل الطوائف، وأجهلهم، ولكن انتشر كثير من أصولهم في المتأخرين؛ الذين يوافقون السلف على كثير مما خالفهم سلفهم الجهمية، فصار بعض الناس يظن أن هذا قول صدر في الأصل عن علماء مسلمين، وليس كذلك إنما صدر أولًا عمن ذمه أئمة الدين، وعلماء المسلمين) (٤).
وتبعا لهذا الانحراف في تقرير وجود الله تعالى عند الجهمية، والمبتدعة اتسع انحراف المتكلمين من المعتزلة وغيرهم، فاشترطوا النظر والاستدلال، والشك لحصول العلم بالصانع بزعمهم، وقد فند شيخ الإسلام هذا الزعم الباطل، فقال: (ليس هذا قول أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، ولا قاله أحد من الأنبياء والمرسلين، ولا هو قول المتكلمين، ولا غالبهم، بل هذا قول محدث في الإسلام، ابتدعه متكلمو المعتزلة، ونحوهم من المتكلمين الذين اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمهم، وقد نازعهم في ذلك طوائف من المتكلمين من المرجئة، والشيعة، وغيرهم، وقالوا: بل الإقرار بالصانع فطري ضروري بديهي، لا يجب أن يتوقف على النظر والاستدلال بل قد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن معرفة الله، والإقرار به لا يقف على هذه الطرق التي يذكرها أهل النظر) (٥). العقيدة الإسلامية لعطا الله بخيت المعايطة – ص: ١٣
_________________
(١) نسب شارح الطحاوية هذه الحادثة لأبي حنيفة ﵀ وأن الملاحدة سألوه هو (ص: ٢٣) في حين نسبها ابن تيمية إلى بعض أهل العلم. «درء تعارض» (٣/ ١٢٦).
(٢) ابن تيمية «درء التعارض» (٣/ ١٢٧).
(٣) «عقائد السلف» الإمام أحمد بن حنبل «الرد على الزنادقة» (ص: ٦٥) ت – النشار وطالبي ط منشأة المعارف الإسكندرية – ١٩٧١م.
(٤) ابن تيمية «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٤٣١) – جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصي النجدي – ﵀، وولده محمد.
(٥) ابن تيمية «نقض تأسيس الجهمية» (٥/ ٤٧٣) – بتصرف – ت عبد الرحمن بن محمد العاصي وولده، وانظر «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٥٠) ونسبة هذه الطرق إلى المبتدعة والجهمية.
[ ١ / ١٥٤ ]
الفصل الثاني: وصف الله تعالى بالوجود
وجود الله معلوم من الدين بالضرورة، وهو صفة لله بإجماع المسلمين، بل صفة لله عند جميع العقلاء، حتى المشركين، لا ينازع في ذلك إلا مُلْحِد دهري، ولا يلزم من إثبات الوجود صفة لله أن يكون له موجِد لأن الوجود نوعان:
الأول: وجود ذاتي:
وهو ما كان وجوده ثابتًا له في نفسه، لا مكسوبًا له من غيره، وهذا هو وجود الله سبحانه وصفاته؛ فإنَّ وجوده لم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد:٣]
الثاني: وجود حادث:
وهو ما كان حادثًا بعد عدم، فهذا الذي لابد له من موجد يوجده وخالق يحدثه، وهو الله سبحانه، قال تعالى: اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الزمر:٦٢ - ٦٣]، وقال تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ [الطور: ٣٥ - ٣٦] فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء – ٣/ ١٩٠
[ ١ / ١٥٥ ]
الفصل الثالث: معرفة الله
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
معرفة الله قسمان:
١ – معرفة وجود ومعاني، وهذا هو المطلوب منا.
٢ – ومعرفة كنه وحقيقة، وهذا غير مطلوب منا لأنه مستحيل.
يعني: لو قال قائل: تعرف الله مثلا: تعرف حقيقة ذاته وحقيقة صفاته؟ لكان الجواب: لا، لا نعلم ذلك وليس مطلوب منا والوصول إلى ذلك مستحيل، فالمطلوب إذن معرفة الذات بالوجود ومعرفة الصفات بالمعاني، أما معرفة الكنه والحقيقة فهذا مما لا يعلمه إلا الله ﷿، فصار قول المؤلف في معرفة الله لا بد فيه من هذا التسديد، قوله: (أول واجب على العبيد): أول واجب على الإنسان أن يعرف الله، وقالوا: المراد أول واجب لذاته، وأما أول واجب لغيره فهو النظر والتدبر الموصل إلى معرفة الله، فالعلماء قالوا: أول ما يجب على الإنسان أن ينظر فإذا نظر وصل إلى غاية وهي المعرفة فيكون النظر أول واجب لغيره، والمعرفة أول واجب لذاته، وقال بعض أهل العلم: إن النظر لا يجب لا لغيره ولا لذاته، لأن معرفة الله ﷿ معلومة بالفطرة، والإنسان مجبول عليها ولا يجهل الله ﷿ إلا من اجتالته الشياطين ولو رجع الإنسان إلى فطرته لعرف الله دون أن ينظر أو يفكر، قالوا: ودليل ذلك قوله ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة» (١) وقوله سبحانه في الحديث القدسي: «إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين» (٢) فصار الصارف عن مقتضى الفطرة حادث وارد على فطرة سليمة، فأول ما يولد الإنسان يولد على الفطرة ولو ترك ونفسه في أرض برية ما عبد غير الله، ولو عاش في بيئة مسلمة ما عبد غير الله، وحينئذ تكون عبادته لله، إذا عاش في بيئة مسلمة يكون المقوم لها شيئين: وهما الفطرة والبيئة، لكن إذا عاش في بيئة كافرة فإنه حينئذ يحدث عليه هذا المانع لفطرته من الاستقامة، لقوله ﷺ: «فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (٣)، إذن معرفة الله ﷿ لا تحتاج إلى نظر في الأصل، ولهذا عوام المسلمين الآن هل هم فكروا ونظروا في الآيات الكونية والآيات الشرعية حتى عرفوا الله أم عرفوه بمقتضى الفطرة؟ ولا شك أن للبيئة تأثيرًا، ما نظروا بل إن بعض الناس – والعياذ بالله – إذا نظر وأمعن ودقق وتعمق وتنطع ربما يهلك، كما قال ﷺ: «هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون» (٤)،
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه مسلم (٢٨٦٥). من حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁.
(٣) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) مسلم (٢٦٧٠). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ ..
[ ١ / ١٥٦ ]
فالصحيح: إذن ما قاله المؤلف أن: أول واجب: معرفة الله، أما النظر: فلا نقول: إنه واجب، نعم لو فرض أن الإنسان احتاج إلى النظر فحينئذ يجب عليه النظر لو كان إيمانه فيه شيء من الضعف يحتاج إلى التقوية فحينئذ لا بد أن ينظر، ولهذا قال تعالى: أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:١٨٥] وقال: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ [المؤمنون: ٦٨] وقال تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص: ٢٩] فإذا وجد الإنسان في إيمانه ضعفًا حينئذٍ يجب أن ينظر، لكن لا ينظر هذا الناظر من زاوية الجدل والمعارضات والإيرادات، لأنه إن نظر من هذه الزاوية يكون مآله الضياع والهلاك يورد عليه الشيطان من الإيرادات ما يجعله يقف حيران، ولكن ينظر من زاوية الوصول إلى الحقيقة، فمثلًا: نظر إلى الشمس هذا المخلوق الكبير الوهاج لا يقول من الذي خلقه؟ خلقه الله ﷿، فيقول: من الذي خلق الله؟ لا، يقول خلقه الله ويسكت، لأن الرسول ﵊ أمرنا أن ننتهي إذا قال لنا الشيطان من خلق الله؟ لنقطع التسلسل، الحاصل: أن النظر لا يحتاج إليه الإنسان إلا للضرورة كالدواء لضعف الإيمان وإلا فمعرفة الله مركوزة بالفطر، وقول المؤلف: (معرفة الإله بالتسديد): أي بالصواب، لكن ما هو الطريق إلى معرفة الله ﷿؟ الطريق: قلنا بالفطرة قبل كل شيء، فالإنسان مفطور على معرفة ربه تعالى وأن له خالق، وإن كان لا يهتدي إلى معرفة صفات الخالق على التفصيل ولكن يعرف أن له خالقًا كامل من كل وجه، ومن الطرق التي توصل إلى معرفة الله: العقل، الأمور العقلية فإن العقل يهتدي إلى معرفة الله بالنظر إلى ذاته – هذا إذا كان القلب سليما ً من الشبهات – فينظر إلى ما بالناس من نعمة فيستدل به على وجود المنعم، لأنه لولا وجود المنعم ما وجدت النعم وعلى رحمته فلولاه ما وجدت ينظر إلى إمهال الله ﷿ للعاصين فيستدل به على حلم الله وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ [فاطر: ٤٥] لأن أكثر الناس على الكفر، فلو أراد الله أن يؤاخذه – أن يؤاخذهم على أعمالهم – ما ترك على ظهرها من دابة، ننظر في السماوات والأرض فنستدل به على عظم الله فإن عظم المخلوق يدل على عظم الخالق،، وهكذا، نعرف الله تعالى بإجابة الدعاء، فنعرف بهذا وجود الله وقدرته ورحمته وصدقه ﷿، ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠] أخذ الله للكافرين بالنكبات والهزائم تدل على أن الله شديد العقاب، وأنه من المجرمين منتقم، ونصر الله لأوليائه تدل على أن الله ينصر من شاء شرح العقيدة السفارينية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ص١٢٨
كما أنه يجب على من أراد أن يعرف الله تعالى المعرفة التامة أن يفحص عن منافع جميع الموجودات، وأما دلالة الاختراع فيدخل فيها وجود الحيوان ووجود النبات ووجود السموات، وهذه الطريقة تنبني على أصلين موجودين بالقوة في جميع فطر الناس:
[ ١ / ١٥٧ ]
أحدهما: أن هذه الموجودات مخترعة، وهذا معروف بنفسه في الحيوان والنبات، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ الآية [الحج: ٧٣]؛ فإنا نرى أجسامًا جمادية ثم تحدث فيها الحياة، فنعلم قطعًا أن هاهنا موجدًا للحياة، ومنعمًا بها وهو الله ﵎، وأما السموات فنعلم من قبل حركاتها التي لا تفتر أنها مأمورة بالعناية بما هاهنا ومسخرة لنا، والمسخر المأمور مخترع من قبل غيره ضرورة.
وأما الأصل الثاني: فهو أن كل مخترع فله مخترع، فيتضح من هذين الأصلين أن للموجود فاعلًا مخترعًا له، وفي هذا الجنس دلائل كثيرة على عدد المخترعات.
وكذلك كان واجبًا على من أراد معرفة الله تعالى حق معرفته أن يعرف جواهر الأشياء ليقف على الاختراع الحقيقي في جميع الموجودات، لأن من لم يعرف حقيقة الشيء لم يعرف حقيقة الاختراع، ولهذا أشار تعالى وتقدس بقوله: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ [الأعراف: ١٨٥] وكذلك أيضًا من تتبع معنى الحكمة في موجود أعني معرفة السبب الذي من أجله خلق الغاية المقصودة به كان وقوفه على دليل العناية أتم. فهذان الدليلان هما دليل الشرع.
وأما أن الآيات المنبهة على الأدلة المفضية إلى وجود الصانع سبحانه في الكتاب العزيز هي مختصرة في هذين الجنسين من الدلالة، فهذا بين لمن تأمل الآيات الواردة في الكتاب العزيز في هذا المعنى، إذا تصفحت وجدت على ثلاث أنواع:
إما آيات تتضمن التنبيه على دلالة العناية.
وإما آيات تتضمن التنبيه على دلالة الاختراع.
وإما آيات تجمع الأمرين من الدلالة جميعًا.
فأما الآيات التي تتضمن دلالة العناية فمثل قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا – إلى قوله - وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا [النبأ: ١٦] ومثل قوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا – إلى قوله - أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان:٦١] ومثل قوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ [عبس:٢٤] ومثل هذا في القرآن كثير.
وأما الآيات التي تضمنت دلالة الاختراع فقط فمثل قوله تعالى: فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ [الطارق:٦] ومثل قوله تعالى: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ الآية [الغاشية:١٧]، ومثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ الآية [الحج: ٧٣] ومن هذا قوله حكاية عن إبراهيم ﷺ: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٩] إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى.
[ ١ / ١٥٨ ]
فأما الآيات التي تجمع الدلالتين فهي كثيرة أيضًا، بل هي الأكثر مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ – إلى قوله تعالى - فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢١ - ٢٢] فإن قوله: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٢١] تنبيه على دلالة الاختراع، وقوله: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء تنبيه على دلالة العناية، ومثل قوله تعالى: وَآَيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ المَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ [يس: ٣٣] وقوله: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:١٩١]. وأكثر الآيات الواردة في هذا المعنى يوجد فيها النوعان من الدلالة.
فهذه الدلالة هي الصراط المستقيم الذي دعا الله تعالى الناس منه إلى معرفة وجوده، ونبههم على ذلك بما جعل في فطرهم من إدراك هذا المعنى، وإلى هذه الفطرة الأولى المغروزة في طباع البشر الإشارة بقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ – إلى قوله تعالى - قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف: ١٧٢] ولهذا قد يجب على من كان وكده طاعة الله في الإيمان به، وامتثال ما جاء به رسله أن يسلك هذه الطريقة حتى يكون من العلماء الذين يشهدون لله بالربوبية، مع شهادته لنفسه، وشهادة ملائكته له، كما قال ﵎: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَأُولُو العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ودلالة الموجودات من هاتين الجهتين هو التسبيح المشار إليه بقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤].
فقد بان من هذا أن الأدلة على وجود الصانع تعالى منحصرة في هذين الجنسين: دلالة العناية، ودلالة الاختراع. وأن هاتين الطريقتين هما بأعيانهما طريقة الخواص، وأعني بالخواص العلماء، وإنما الاختلاف بين المعرفتين في التفصيل: أعني أن الجمهور يقتصرون في معرفة العناية والاختراع على ما هو مدرك بالمعرفة الأولى المبنية على علم الحس، وأما العلماء فيزيدون إلى ما يذكرون من هذه الأشياء بالحس ما يدركون بالبرهان، أعني من العناية والاختراع، حتى لقد قال بعض العلماء: إن الذي أدرك العلماء من معرفة منافع أعضاء الإنسان والحيوان هو قريب ألف منفعة. وإذا كان هذا هكذا فهذه الطريقة هي الطريقة الشرعية والطبيعية، وهي التي جاءت بها الرسل ونزلت بها الكتب. والعلماء ليسوا يفضلون الجمهور في هذين الاستدلالين من قبل الكثرة فقط؛ بل ومن قبل التعمق في معرفة الشيء الواحد نفسه؛ فإن مثال الجمهور في النظر إلى الموجودات مثالهم في النظر إلى المصنوعات التي ليس عندهم علم بصنعتها؛ فإنهم إنما يعرفون من أمرها أنها مصنوعات فقط، وأن لها صانعًا موجودًا، ومثال العلماء في ذلك مثال من نظر إلى المصنوعات التي عنده علم ببعض صنعتها وبوجه الحكمة فيها، ولاشك أن من حاله من العلماء بالمصنوعات هذه الحال فهو أعلم بالصانع من جهة ما هو صانع من الذي لا يعرف من تلك المصنوعات إلا أنها مصنوعة فقط. وأما مثال الدهرية في هذا الذين جحدوا الصانع ﷾ فمثال من أحس مصنوعات فلم يعترف أنها مصنوعات، بل نسب ما رأى فيها من الصنعة إلى الاتفاق والأمر الذي يحدث من ذاته. بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية – ١/ ١٧٢
[ ١ / ١٥٩ ]
الفصل الرابع: أقسام التوحيد
تمهيد
تنوعت عبارات علماء أهل السنة في التعبير عن أنواع التوحيد، ولكنها مع ذلك التنوع متفقة في المضمون، ولعل السبب في ذلك هو أن تلك التقسيمات مأخوذ من استقراء النصوص، ولم ينص عليها باللفظ مباشرة، ولذلك فمن العلماء (١) من قسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، هي:
١ - توحيد الربوبية
٢ - توحيد الأسماء والصفات
٣ - توحيد الألوهية
ومن المتأخرين من زاد قسمًا رابعًا على الأقسام الثلاثة السابقة وسماه:
٤ - توحيد الأتباع أو توحيد الحاكمية (أي التحاكم إلى الكتاب والسنة)، ولكن يلاحظ على من ذكر هذا القسم أن هذا القسم في الحقيقة داخل ضمن توحيد الألوهية؛ لأن العبادة لا تقبل شرعًا إلا بشرطين هما:
١ - الإخلاص.
٢ - الإتباع.
كما قال تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠].
ومن العلماء من قسم التوحيد إلى قسمين، وهذا هو الأغلب في كلام أهل العلم المتقدمين لأنهم يجمعون بين توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وذلك بالنظر إلى أنهما يشكلان بمجموعهما جانب العلم بالله ومعرفته ﷿، فجمعوا بينهما لذلك، بينما توحيد الألوهية يشكل جانب العمل لله.
وتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام راجع إلى اعتبار متعلق التوحيد، وتقسيمه إلى قسمين راجع إلى اعتبار ما يجب على الموحد.
فمن العلماء من يقول: التوحيد قسمان (٢):
القسم الأول: توحيد المعرفة والإثبات:
ويريد به توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وسمي بتوحيد المعرفة؛ لأن معرفة الله ﷿ إنما تكون بمعرفة أسمائه، وصفاته، وأفعاله.
والإثبات: أي إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات والأفعال.
القسم الثاني: توحيد القصد والطلب:
ويراد به الألوهية، وسمي بتوحيد القصد والطلب، لأن العبد يتوجه بقلبه ولسانه وجوارحه بالعبادة لله وحده رغبة ورهبة، ويقصد بذلك وجه الله، وابتغاء مرضاته.
ومن العلماء من يقسم التوحيد إلى قسمين هما (٣):
القسم الأول: التوحيد العلمي الخبري:
والمقصود به توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات.
وسمي بالتوحيد العلمي: لأنه يعتني بجانب معرفة الله، فالعلمي أي (العلم بالله).
والخبري: لأنه يتوقف على الخبر أي: (الكتاب والسنة).
القسم الثاني: التوحيد الإرادي الطلبي:
والمقصود به توحيد الألوهية، وسمي بالتوحيد الإرادي لأن العبد له في العبادات إرادة، فهو إما أن يقوم بتلك العبادة أو لا يقوم بها، وسمي بالطلبي؛ لأن العبد يطلب بتلك العبادات وجه الله ويقصده ﷿ بذلك.
ومن العلماء من يقسم التوحيد إلى قسمين فيقول (٤):
القسم الأول: التوحيد القولي:
والمراد به توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وسمي بالقولي لأنه في مقابل توحيد الألوهية الذي يشكل الجانب العلمي من التوحيد، وأما هذا الجانب فهو مختص بالجانب القولي العلمي.
القسم الثاني: التوحيد العملي:
والمراد به توحيد الألوهية، وسمي بالعملي؛ لأنه يشمل كلًا من عمل القلب، وعمل اللسان، وعمل الجوارح التي تشكل بمجموعها جانب العمل من التوحيد، فالتوحيد له جانبان: جانب تصديقي علمي، وجانب انقيادي عملي.
ومن العلماء من يقسم التوحيد إلى قسمين فيقول:
القسم الأول: توحيد السيادة:
ويُعنَى بذلك توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وسمي بذلك لأن تفرد الله بأفعاله وأسمائه وصفاته يوجب له السيادة المطلقة، والتصرف التام في هذا الكون خلقًا، ورزقًا، وإحياء، وإماتة، وتصرفًا وتدبيرًا، ﷾. فمن واجب الموحد أن يفرد الله بذلك.
والقسم الثاني: توحيد العبادة:
المراد به توحيد الألوهية، وتسميته بذلك واضحة لا تحتاج إلى مزيد تفصيل. معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات لمحمد بن خليفة التميمي –بتصرف- ص: ٣٧
_________________
(١) انظر: «طريق الهجرتين» (ص:٣٠)، و«شرح الطحاوية» (ص:٧٦)، و«لوامع الأنوار» للسفاريني (١/ ١٢٨)، و«تيسير العزيز الحميد» (ص: ١٧ - ١٩).
(٢) ممن ذكر ذلك ابن القيم في كتابه «مدارج السالكين» (٣/ ٤٤٩).
(٣) ممن ذكر ذلك ابن القيم في كتابه «مدارج السالكين» (٣/ ٤٥٠)، وابن تيمية في «الصفدية» (٢/ ٢٢٨).
(٤) ممن ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية: انظر: «مجموع الفتاوى» (١/ ٣٦٧).
[ ١ / ١٦٠ ]
المبحث الأول: توحيد الربوبية
معناه الاعتقاد الجازم بأن الله وحده رب كل شيء ومليكه، لا شريك له، وهو الخالق وحده وهو مدبر العالم والمتصرف فيه، وأنه خالق العباد ورازقهم ومحييهم ومميتهم، والإيمان بقضاء الله وقدره وبوحدانيته في ذاته، وخلاصته هو: توحيد الله تعالى بأفعاله.
وقد قامت الأدلة الشرعية على وجوب الإيمان بربوبيته ﷾، كما في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ١].
وقوله: أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: ٥٤].
وقوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: ٢٩].
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٨].
وهذا النوع من التوحيد لم يخالف فيه كفار قريش، وأكثر أصحاب الملل والديانات؛ فكلهم يعتقدون أن خالق العالم هو الله وحده، قال الله ﵎ عنهم: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: ٢٥].
وقال: قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [المؤمنون: ٨٤ - ٩٠].
وذلك لأن قلوب العباد مفطورة على الإقرار بربوبيته ﷾ ولذا فلا يصبح معتقده موحدًا؛ حتى يلتزم بالنوع الثاني من أنواع التوحيد، توحيد الألوهية الوجيز في عقيدة السلف الصالح لعبد الحميد الأثري - ص٥٥
[ ١ / ١٦١ ]
المبحث الثاني: توحيد الألوهية
هو إفراد الله تعالى بأفعال العباد، ويسمى توحيد العبادة، ومعناه الاعتقاد الجازم بأن الله - ﷾ - هو: الإله الحق ولا إله غيره، وكل معبود سواه باطل، وإفراده تعالى بالعبادة والخضوع والطاعة المطلقة، وأن لا يشرك به أحد كائنًا من كان، ولا يصرف شيء من العبادة لغيره؛ كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والدعاء، والاستعانة، والنذر، والذبح، والتوكل، والخوف والرجاء، والحب، وغيرها من أنواع العبادة الظاهرة والباطنة، وأن يعبد الله بالحب والخوف والرجاء جميعا، وعبادته ببعضها دون بعض ضلال.
قال الله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥]
وقال: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون: ١١٧].
وتوحيد الألوهية هو ما دعت إليه جميع الرسل، وإنكاره هو الذي أورد الأمم السابقة موارد الهلاك.
وهو أول الدين وآخره وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها ولأجله أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وسلت سيوف الجهاد، وفرق بين المؤمنين والكافرين، وبين أهل الجنة وأهل النار.
وهو معنى قوله تعالى: لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ.
قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]. الوجيز في عقيدة السلف الصالح لعبد الحميد الأثري - ص٥٦
[ ١ / ١٦٢ ]
المبحث الثالث: توحيد الأسماء والصفات
معناه الاعتقاد الجازم بأن الله ﷿ له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو متصف بجميع صفات الكمال، ومنزه عن جميع صفات النقص، متفرد بذلك عن جميع الكائنات.
وأهل السنة والجماعة: يعرفون ربهم بصفاته الواردة في القرآن والسنة، ويصفون ربهم بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسمائه وآياته، ويثبتون لله ما أثبته لنفسه من غير تمثيل، ولا تكييف ولا تعطيل، ولا تحريف، وقاعدتهم في كل ذلك قول الله ﵎: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١].
وقوله: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٨٠].
وأهل السنة والجماعة: لا يحددون كيفية صفات الله جل وعلا لأنه ﵎ لم يخبر عن الكيفية، ولأنه لا أحد أعلم من الله سبحانه بنفسه، قال تعالى: قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ [البقرة: ١٤٠]
وقال تعالى: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل: ٧٤]
ولا أحد أعلم بالله من رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي قال الله ﵎ في حقه: وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ٣ - ٤] الوجيز في عقيدة السلف الصالح لعبد الحميد الأثري - ص٦٠
وسيأتي الكلام عن كل قسم على حدة في موضعه من الموسوعة إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ١٦٣ ]
المبحث الرابع: مشروعية هذا التقسيم
قال الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في (أضواء البيان) (١): (وقد دل استقراء القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: توحيده في ربوبيته.
الثاني: توحيده جل وعلا في عبوديته.
النوع الثالث: توحيده جل وعلا في أسمائه وصفاته).
وقال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله: (هذا التقسيم الاستقرائي لدى متقدمي علماء السلف أشار إليه ابن منده وابن جرير الطبري وغيرهما وقرره شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وقرره الزبيدي في تاج العروس، وشيخنا الشنقيطي في (أضواء البيان) وآخرين رحم الله الجميع، وهو استقراء تام لنصوص الشرع، وهو مطرد لدى أهل كل فن، كما في استقراء النحاة كلام العرب إلى اسم وفعل وحرف، والعرب لم تفه بهذا، ولم يعتب على النحاة في ذلك عاتب، وهكذا من أنواع الاستقراء (٢).
وهذا التقسيم موجود مع بداية التصنيف والتدوين لمسائل العقيدة ومن الأدلة على ذلك بعض النصوص الواردة عن السلف في بيان ذلك:
النص الأول: للإمام أبي عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري حيث قال في كتابه (الإبانة) ما نصه: ( وذلك أن أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يعتقد العبد ربانيته ليكون بذلك مباينا لمذاهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعا.
والثاني: أن يعتقد وحدانيته ليكون مباينا بذلك مذاهب أهل الشرك الذين أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره.
والثالث: أن يعتقده موصوفا بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفا بها من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه .. (٣» وكلامه هذا صريح في أن أصل الإيمان بالله وتوحيده مبني على هذه الأمور الثلاثة فسمى الأول اعتقاد الربانية والثاني اعتقاد الوحدانية والثالث اعتقاد اتصافه بالصفات العلى اللازمة لكمال الله ﷾.
والنص الثاني: للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده ﵀ حيث فصل وبوب في كتابه القيم: (كتاب التوحيد) في الأقسام الثلاثة للتوحيد فمن تبويباته:
١ - ذكر ما وصف الله ﷿ به نفسه ودل على وحدانيته ﷿ وأنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
٢ - ذكر معرفة بدأ الخلق.
٣ - ذكر معرفة أسماء الله ﷿ الحسنة التي تسمى بها وأظهرها لعباده للمعرفة والدعاء والذكر - وأبواب أخرى كثيرة فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى الكتاب المذكور.
ولذلك وصف الكتاب ومباحثه محققه الدكتور علي الفقيهي بقوله:
(قسم المؤلف التوحيد إلى أربعة أقسام حيث جعل أسماء الله الحسنى قسما مستقلا ثم أتبعها بالصفات، وأقسام التوحيد الذي ذكرها هي:
الوحدانية في الربوبية.
توحيد الألوهية وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله.
توحيد أسماء الله الحسنى.
الصفات) (٤) (٥).
وقد سبق هذين الإمامين إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة ﵀ في تصنيف كتاب مستقل في توحيد المعرفة والإثبات وسماه كتاب (التوحيد وإثبات صفات الرب ﷿).
_________________
(١) «أضواء البيان» للعلامة محمد الأمين الشنقيطي (٣/ ٤١٠)
(٢) «التحذير من مختصرات الصابوني في التفسير» للعلامة بكر أبو زيد (١٣٣ حاشية رقم ٢ ضمن الردود ط ١/ ١٤١٤ دار العاصمة - الرياض).
(٣) «الإبانة» (٢/ ١٧٢ - ١٧٣).
(٤) «التوحيد ابن مندة» (١/ ٣٣) تحقيق علي بن ناصر الفقيهي ط الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.
(٥) انظر في ذلك: «القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد»، عبد الرزاق البدر، دار ابن عفان.
[ ١ / ١٦٤ ]
وسبق الجميع الإمام محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ في تصنيف كتاب التوحيد في الرد على الجهمية ضمن كتابه الجامع الصحيح المعروف بصحيح الإمام البخاري.
ومما يدل على أن لفظ التوحيد واعتبار أقسامه أمر متعاهد عليه عند السلف قديما افتتاح الإمام الطحاوي عقيدته بقوله: نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له .. ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه ولا إله غيره .. ثم قال: (له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق) (١). قواعد في بيان حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة لعادل الشيخاني-ص ٩٧
وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز عن هذا التقسيم ومشروعيته فأجاب بما يلي:
الحمد لله، فهذا التقسيم مأخوذ من الاستقراء والتأمل لأن العلماء لما استقرؤوا ما جاءت به النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ظهر لهم هذا، وزاد بعضهم نوعا رابعا هو توحيد المتابعة، وهذا كله بالاستقراء
فلا شك أن من تدبر القرآن الكريم وجد فيه آيات تأمر بإخلاص العبادة لله وحده، وهذا هو توحيد الألوهية، ووجد آيات تدل على أن الله هو الخلاق وأنه الرزاق وأنه مدبر الأمور، وهذا هو توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون ولم يدخلهم في الإسلام، كما يجد آيات أخرى تدل على أن له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأنه لا شبيه له ولا كفو له، وهذا هو توحيد الأسماء والصفات الذي أنكره المبتدعة من الجهمية والمعتزلة والمشبهة، ومن سلك سبيلهم.
ويجد آيات تدل على وجوب اتباع الرسول ﷺ ورفض ما خالف شرعه، وهذا هو توحيد المتابعة، فهذا التقسيم قد علم بالاستقراء وتتبع الآيات ودراسة السنة، ومن ذلك:
قول الله سبحانه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٤]
وقوله ﷿: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٢١]
وقوله جل وتعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة: ١٦٣]
وقوله سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٦ - ٥٧]
وقوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:٥٤]
وقال سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١]
وقال ﷿: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ١ - ٤]
وقال جل شأنه: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [آل عمران: ٣١].
وقال سبحانه: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النور: ٥٤] والآيات الدالة على ما ذكر من التقسيم كثيرة.
_________________
(١) «العقيدة الطحاوية بشرح ابن أبي العز» (٩٢) تحقيق أحمد شاكر ط دون/١٤١٣هـ.
[ ١ / ١٦٥ ]
ومن الأحاديث: قول النبي ﷺ في حديث معاذ ﵁ المتفق على صحته: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» (١)
وقوله ﵊: «من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار» (٢).
وقوله لجبريل ﵇ لما سأله عن الإسلام قال: «أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة » الحديث (٣).
وقوله ﷺ: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصا الله» (٤).
وقوله ﵊: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل يا رسول الله ومن يأبى؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» (٥) والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الإله هو المعبود المطاع فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب المخضوع له غاية الخضوع.
وقال: فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها وتخضع له وتذل له وتخافه وترجوه وتنيب إليه في شدائدها وتدعوه في مهماتها وتتوكل عليه في مصالحها وتلجأ إليه وتطمئن بذكره وتسكن إلى حبه، وليس ذلك إلا لله وحده، ولهذا كانت لا إله إلا الله أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداءه وأهل غضبه ونقمته، فإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله.
نسأل الله أن يوفق المسلمين جميعا من حكام ومحكومين للفقه في دينه والثبات عليه والنصح لله ولعباده، والحذر مما يخالف ذلك، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لعبد العزيز بن عبد الله بن باز - ٦/ ٢١٥
_________________
(١) رواه البخاري (٢٨٥٦)، ومسلم (٣٠). من حديث معاذ بن جبل ﵁.
(٢) رواه البخاري (٤٤٩٧). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٣) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) رواه البخاري (٢٩٥٧)، ومسلم (١٨٣٥). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) رواه البخاري (٧٢٨٠). من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ١٦٦ ]
المبحث الخامس: العلاقة بين هذه الأقسام للتوحيد
هذه الأقسام تشكل بمجموعها جانب الإيمان بالله الذي نسميه التوحيد، فلا يكمل لأحد توحيده إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة، فهي متكافلة متلازمة، يكمل بعضها بعضًا، ولا يمكن الاستغناء ببعضها عن الآخر، فلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، وكذلك لا يصح ولا يقوم توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الله في ربوبيته وألوهيته لا يستقيم بدون توحيد الله في أسمائه وصفاته، فالخلل والانحراف في أي نوع منها هو خلل في التوحيد كله. (فمعرفة الله لا تكون بدون عبادته، والعبادة لا تكون بدون معرفة الله، فهما متلازمان) (١).
وقد أوضح بعض أهل العلم هذه العلاقة بقوله: (هي علاقة تلازم وتضمن وشمول).
فتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية.
وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية.
وتوحيد الأسماء والصفات شامل للنوعين معًا.
بيان ذلك: أن من أقر بتوحيد الربوبية وعلم أن الله سبحانه هو الرب وحده لا شريك له في ربوبيته لزمه من ذلك الإقرار أن يفرد الله بالعبادة وحده ﷾؛ لأنه لا يصلح أن يعبد إلا من كان ربًا خالقًا مالكًا مدبرًا، وما دام كله لله وحده وجب أن يكون هو المعبود وحده.
ولهذا جرت سنة القرآن الكريم على سوق آيات الربوبية مقرونة بآيات الدعوة إلى توحيد الألوهية، ومن أمثلة ذلك:
قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢١].
وأما توحيد الألوهية فهو متضمن لتوحيد الربوبية؛ لأن من عبد الله ولم يشرك به شيئًا فهذا يدل ضمنًا على أنه قد اعتقد بأن الله هو ربه ومالكه الذي لا رب غيره.
وهذا أمر يشاهده الموحد من نفسه، فكونه قد أفرد الله بالعبادة ولم يصرف شيئًا منها لغير الله، ما هو إلا لإقراره بتوحيد الربوبية، وأنه لا رب، ولا مالك، ولا متصرف إلا الله وحده.
وأما توحيد الأسماء والصفات فهو شامل للنوعين معًا، وذلك لأنه يقوم على إفراد الله تعالى بكل ما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى التي لا تنبغي إلا له ﷾، والتي من جملتها: الرب – الخالق – الرازق – الملك، وهذا هو توحيد الربوبية.
ومن جملتها: الله – الغفور – الرحيم – التواب، وهذا هو توحيد الألوهية (٢).
فائدة: القرآن كله دعوة للتوحيد.
قال ابن القيم ﵀: (كل سورة في القرآن هي متضمنة للتوحيد، بل نقول قولًا كليًا: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه.
فإن القرآن:
١ - إما خبر عن الله وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري.
٢ - وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي.
٣ - وإما أمر ونهي، وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته.
٤ - وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده.
٥ - وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خرج عن حكم توحيده.
فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم) (٣). معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات لمحمد بن خليفة التميمي– ص: ٤٠
_________________
(١) «تحذير أهل الإيمان» (١/ ١٤٠) (ضمن مجموعة الرسائل المنيرية).
(٢) انظر: «الكواشف الجلية عن معاني الواسطية» للشيخ عبد العزيز السلمان (ص: ٤٢١ - ٤٢٢).
(٣) «مدارج السالكين» (٣/ ٤٤٩ - ٤٥٠).
[ ١ / ١٦٧ ]
الباب الأول: توحيد الربوبية
الفصل الأول: تعريف توحيد الربوبية ومنزلته.
المبحث الأول: مدلول كلمة الرب من حيث الاشتقاق اللغوي:
فالرب مصدر أريد به اسم الفاعل – أي أنه راب، قال الراغب الأصفهاني: (الرب مصدر مستعار للفاعل) (١).
قال ابن الأنباري: (الرب: ينقسم إلى ثلاثة أقسام: يكون الرب: المالك، ويكون الرب: السيد المطاع ، والرب: المصلح ..). فهذه ثلاثة أصول ترجع إليها معاني كلمة الرب.
فالأصل الأول: بمعنى المالك والصاحب، ومن هذا المعنى قول الرسول ﷺ في ضالة الإبل «فذرها حتى يلقاها ربها» (٢).
والأصل الثاني: بمعنى السيد المطاع، قل الطبري: (وأما تأويل قوله: (رب) فإن الرب في كلام العرب متصرف على معان: فالسيد المطاع فيها يدعى ربًا، ومن ذلك قول لبيد بن ربيعة العامر:
وأهلكن يومًا رب كندة وابنه ورب معد بين خبت وعرعر
يعني رب كندة: سيد كندة (٣).) اهـ.
ومن هذا المعنى قول الرسول ﷺ في حديث أشراط الساعة: (أن تلد الأمة ربها) أي سيدها – وهذا لفظ البخاري.
وأما الأصل الثالث: فبمعنى المصلح للشيء المدبر له، ولذلك قال بعض أهل العلم باشتقاق كلمة الرب من التربية. قال الراغب: (الرب في الأصل التربية، وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد التمام) (٤).
وقال الطبري بعد أن ذكر المعاني الثلاثة لكلمة (الرب) قال: (وقد يتصرف معنى الرب في وجوه غير ذلك، غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة) (٥). منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٢١٥
_________________
(١) «المفردات» للراغب (ص: ٣٣٦).
(٢) رواه البخاري (٩١). من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁.
(٣) «تفسير الطبري» (١/ ١٤١).
(٤) «المفردات» (ص: ٣٣٦).
(٥) «تفسير الطبري» (١/ ١٤٢).
[ ١ / ١٦٨ ]
المبحث الثاني: معنى كلمة الرب من حيث هي اسم لله تعالى
قال - ابن جرير - في معنى اسم (الرب) لله ﷾: (فربنا جل ثناؤه: السيد الذي لا شبه له، ولا مثل في سؤدده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر) (١).
ولا تستعمل كلمة (الرب) في حق المخلوق إلا مضافة فيقال: رب الدار ورب المال.
قال ابن قتيبة ﵀: (ولا يقال للمخلوق: هذا (الرب) معرفًا بالألف واللام كما يقال لله، إنما يقال رب كذا فيعرف بالإضافة لأن الله مالك كل شيء، فإذا قيل: (الرب) دلت الألف واللام على معنى العموم، وإذا قيل لمخلوق: رب كذا ورب كذا نسب إلى شيء خاص لأنه لا يملك شيئًا غيره) (٢).
وعلى هذا إذا ذكر اسم الرب معرفًا فلا يطلق إلا على الله تعالى، وزاد الراغب أن كلمة (رب) غير مضافة ولا معرفة لا تطلق إلا على الله فقال (٣): (ولا يقال الرب مطلقًا إلا الله تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات نحو قوله تعالى: لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ.) اهـ، وقال ابن الأثير أيضًا: (ولا يطلق غير مضاف إلا على الله تعالى) (٤).
وأما كلمة (رب) بالإضافة فتقال لله ولغيره بحسب الإضافة فمن الأول قوله تعالى: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ومن الثاني اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ [يوسف: ٤٢] في قول يوسف ﵇ لأحد صاحبيه في السجن (٥).
ومصدر رب يرب الربوبية والرباية، إلا أن الرباية لا تقال في الله، وإنما في غيره، قال الراغب: (والربوبية مصدر يقال في الله ﷿، والرباية تقال في غيره). (٦) منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٢١٧
_________________
(١) «تفسير الطبري» (١/ ١٤٢)، وانظر: «تفسير غريب القرآن» لابن قتيبة (ص: ٩).
(٢) «تفسير غريب القرآن» (ص: ٩).
(٣) «المفردات» (ص: ٣٣٦).
(٤) «النهاية في غريب الحديث» (٢/ ١٧٩).
(٥) انظر: «المفردات» للراغب (ص: ٣٣٦) و«النهاية في غريب الحديث» (٢/ ١٧٩).
(٦) «المفردات» للراغب (ص: ٣٣٦).
[ ١ / ١٦٩ ]
المبحث الثالث: تعريف توحيد الربوبية اصطلاحًا
هو الإقرار الجازم بأن الله تعالى رب كل شيء ومليكه، وخالقه، ومدبره، والمتصرف فيه، لم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، ولا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، ولا مضاد له (ولا مماثل له)، (ولا سمي له)، ولا منازع في شيء من معاني ربوبيته ومقتضيات أسمائه وصفاته. أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة لحافظ بن أحمد الحكمي– ص: ٣٠
ومنهم من عرفه بأنه: الاعتقاد بأن الله هو الخالق الرازق المدبر لكل شيء وحده لا شريك له (١).
وهو يشتمل على ما يلي:
١ - الإيمان بوجود الله تعالى.
٢ - الإقرار بأن الله تعالى خالق كل شيء، ومالكه، ورازقه، وأنه المحيي، المميت، النافع، الضار، المتفرد بإجابة الدعاء، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، المقدر لجميع الأمور، المتصرف فيها، المدبر لها، ليس له في ذلك كله شريك (٢).
وقد تكاثرت الأدلة في القرآن والسنة في إثبات الربوبية لله تعالى، فكل نص ورد فيه اسم (الرب) أو ذكر فيه خصيصة من خصائص الربوبية، كالخلق، والرزق، والملك، والتقدير، والتدبير، وغيرها فهو من أدلة الربوبية، كقوله تعالى: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، وكقوله سبحانه: أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف: ٥٤]، وكقوله جل وعلا: قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [المؤمنون: ٨٨] (٣)، والملكوت: الملك.
وقد أمر الله العباد بالنظر والتفكر في آيات الله الظاهرة من المخلوقات العلوية والسفلية، ليستدلوا بها على ربوبيته ﷾. تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين– ص: ٤١
فالرب هو المالك كما قال تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ [الحشر: ٢٣] ويقول: وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [المائدة: ١٧]، وقال: فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس: ٨٣].
والرب هو الخالق البارئ المصور كما قال عن نفسه: هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ [الحشر: ٢٤]، فلا خالق سواه، وهو الذي برأ الخلق فأوجدهم بقدرته المصور خلقه كيف شاء وكيف يشاء (٤).
والرب هو المبدئ والمعيد كما قال: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الروم: ٢٧]، فهو الذي ابتدأ الأشياء كلها فأوجدها، إذ هو الأول الذي ليس قبله شيء، ثم هو يعيدها سبحانه.
والرب هو المحيي والمميت، الذي أحيا بأن خلق فيهم الحياة، والذي خلق الموت كما خلق الحياة. كما قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: ٢] ويقول: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الدخان: ٨].
والرب هو النافع الضار، قال تعالى: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا [يونس: ٢١] وقال: قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا [الفتح: ١١].
والرب هو المعطي المانع كما قال تعالى: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ [فاطر: ٢]، وقال الرسول ﷺ في دعائه بعد الفراغ من الصلاة: «اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت» (٥).
والرب هو المدبر لأمر هذا الكون كما قال: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ [يونس: ٣٦]. وقال: وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ [يونس: ٣١]، وقال يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ [الرعد: ٢].
والرب هو الخالق الرازق القوي القدير كما قال تعالى: قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد: ١٦]، وقال هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ [فاطر: ٩] وقال: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٨]، وقال: إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٠]. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف – ١/ ٢٢٧
_________________
(١) ينظر: «مجموعة التوحيد» (١/ ٥).
(٢) «شرح الطحاوية» (ص:٢٥)، «مدارج السالكين» باب التوحيد (١/ ٣٣ - ٤٦، ٣/ ٤٦٨)، «تيسير العزيز الحميد» (ص:١٧)، «القول السديد» (ص:١٨)، «معارج القبول» (١/ ٩٩).
(٣) «مدارج السالكين» (٣/ ٤٦٨ - ٤٦٩)، «شرح الطحاوية» (ص: ٤٢ - ٤٣)، «المدخل لدراسة العقيدة» (ص: ١٠٢).
(٤) انظر: «تفسير الطبري» (٢٣/ ٣٠٥).
(٥) رواه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
[ ١ / ١٧٠ ]
المبحث الرابع: منزلة توحيد الربوبية
إذا أقر العبد بانفراد الرب ﵎ بالخالق والحكم، وشهد بذلك، فإن ذلك يقوده إلى تحقيق توحيد الإلهية، فإن الأمرين متلازمان، فمن أقر لله بالربوبية لزمه أن يقر له بالإلهية: (فإن أول ما يتعلق القلب يتعلق بتوحيد الربوبية، ثم يرتقي إلى توحيد الإلهية، كما يدعو الله سبحانه عباده في كتابه بهذا النوع من التوحيد إلى النوع الآخر، ويحتج عليهم به، ويقررهم به، ثم يخبر أنهم ينقضونه بشركهم به في الإلهية) (١).
وبيان ذلك أن من أثبت لله خصائص الربوبية من الخلق، والإحياء، والإماتة، والنفع، والضر، والإسعاد، والإشقاء – استسلم لله تعالى في كل شيء، فيعلم أن ما أصابه فمن الله ولم يكن ليخطئه، وأنه إذا دخل الجنة فبتوفيق الله وفضله، وإذا دخل النار فبحكمته وعدله، وكل ذلك قدره الله تعالى، فإذا علم ذلك، لجأ إلى خالقه ليستعين به في جلب المنافع ودفع المضار، وليستهديه الصراط المستقيم، فيورث ذلك محبة عظيمة في قلب العبد لربه تعالى، فيقدم محاب ربه على كل شيء، ويورثه ذلك الخوف من الله وتعظيمه وتوقيره: (فهذه علامة توحيد الإلهية في هذا القلب، والباب الذي دخل إليه منه: توحيد الربوبية، أي: باب توحيد الإلهية: هو توحيد الربوبية) (٢).
وبهذا التقديم تظهر أهمية الإقرار بالربوبية لله تعالى، وهذه المعرفة فطرية في قلوب بني آدم إلا أن أكثر الناس الذين وقعوا في الشرك إنما وقعوا فيه لإتيانهم بما يناقض توحيد الإلهية، لذلك جاءتهم الرسل بالدعوة إلى هذا النوع من التوحيد – أعني توحيد الإلهية – وإذا أقر الإنسان لله بالربوبية ولم يوحده في عبوديته ما نفعه إقراره هذا – لذلك يقول الله جل وعلا: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف: ١٠٦]، قال مجاهد ﵀ في تفسير هذه الآية: (إيمانهم قولهم: الله خالقنا، ويرزقنا، ويميتنا، فهذا إيمان، مع شرك عبادتهم غيره). اهـ منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد بن عبد اللطيف -بتصرف – ١/ ٢٤٢
_________________
(١) «مدارج السالكين» (١/ ٤١٣).
(٢) «مدارج السالكين» (١/ ٤١٣).
[ ١ / ١٧١ ]
الفصل الثاني: الإقرار بالربوبية
المبحث الأول: فطرية الإقرار بالربوبية
لا شك أن الإقرار بالربوبية أمر فطري والشرك حادث طارئ والأبناء تقلدوه عن الآباء فإذا احتجوا يوم القيامة بأن الآباء أشركوا ونحن جرينا على عادتهم كما يجري الناس على عادة آبائهم في المطاعم والملابس والمساكن يقال لهم: أنتم كنتم معترفين بالصانع مقرين بأن الله ربكم لا شريك له وقد شهدتم بذلك على أنفسكم فإن شهادة المرء على نفسه هي إقراره بالشيء ليس إلا قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ [النساء:١٣٥] وليس المراد أن يقول: أشهد على نفسي بكذا بل من أقر بشيء فقد شهد على نفسه به فلم عدلتم عن هذه المعرفة والإقرار الذي شهدتم به على أنفسكم إلى الشرك؟ بل عدلتم عن المعلوم المتيقن إلى ما لا يعلم له حقيقة تقليدا لمن لا حجة معه بخلاف اتباعهم في العادات الدنيوية فإن تلك لم يكن عندكم ما يعلم به فسادها وفيه مصلحة لكم بخلاف الشرك فإنه كان عندكم من المعرفة والشهادة على أنفسكم ما يبين فساده وعدولكم فيه عن الصواب فإن الدين الذي يأخذه الصبي عن أبويه هو: دين التربية والعادة وهو لأجل مصلحة الدنيا فإن الطفل لا بد له من كافل وأحق الناس به أبواه ولهذا جاءت الشريعة بأن الطفل مع أبويه على دينهما في أحكام الدنيا الظاهرة وهذا الدين لا يعاقبه الله عليه - على الصحيح - حتى يبلغ ويعقل وتقوم عليه الحجة وحينئذ فعليه أن يتبع: دين العلم والعقل وهو الذي يعلم بعقله هو أنه دين صحيح فإن كان آباؤه مهتدين كيوسف الصديق مع آبائه قال: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ [يوسف:٣٨] وقال ليعقوب بنوه: نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ [البقرة:١٣٣] وإن كان الآباء مخالفين الرسل كان عليه أن يتبع الرسل كما قال تعالى: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا [العنكبوت:٨] فمن اتبع دين آبائه بغير بصيرة وعلم بل يعدل عن الحق المعلوم إليه فهذا اتبع هواه كما قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ [البقرة:١٧٠] وهذه حال كثير من الناس من الذين ولدوا على الإسلام يتبع أحدهم أباه فيما كان عليه من اعتقاد ومذهب شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي - ١/ ٣١٤
وتعتبر معرفة الله تعالى والإقرار بوجوده من الأمور الضرورية الفطرية التي غرسها الله تعالى في فطر الناس، وشهدت بها عقولهم، بل فطر القلوب عليه أعظم من فطرتها على الإقرار بغيره من الموجودات ولذا فإن الإيمان بوجود الله تعالى، وتحقيق كمال وحدانيته أصل الدين وقوامه، ولبه وصميمه، وهو في الواقع أمر لا يحتاج إلى سرد الأدلة وحشد البراهين، ولهذا لم يكثر في كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ﷺ الحديث عن إثبات وجود الله ﷿، لكن لما وجد شرذمة من الناس تنكر وجود الله مكابرة؛ كفرعون، أو لتغير الفطرة لسبب خارجي: فإن الله تعالى قد أقام من الدلائل الباهرة، والبراهين القاطعة ما يبهر العقول، ويقود القلوب إلى التسليم والانقياد.
وهذه الأدلة إنما يصار إليها ليزداد المؤمن إيمانًا ويقينا، ومعرفة بالله وتعظيما له، وأما من فسدت فطرته، وتغيرت جبلته، فهذه الأدلة واعظة ومرشدة للعودة إلى الفطرة التي ند عنها، وتنكر لها.
[ ١ / ١٧٢ ]
وجماع القول: أن الإقرار بوجود الله والاعتراف به مستقر في قلوب الخلق جميعا وأنه من لوازم خلقهم، ضروري فيهم، وإن قدر أنه حصل بسبب.
ولقد حكى أهل العلم إجماع الأمم، واتفاق الملل، وتوافق الفطر على هذا الأمر الضروري، ومن هؤلاء الأئمة الأعلام، والصفوة الكرام: شيخ الإسلام ابن تيمية، في غير ما موضع من كتبه ورسائله.
نص ما حكاه شيخ الإسلام من الإجماع: قال: (أهل الفطر كلهم متفقون على الإقرار بالصانع) (١).
وبين أن هذا الأمر قد اجتمع على الإقرار به جميع الثقلين – الإنس والجن – حيث قال: (والمقصود هنا أن من المعروف عند السلف والخلف أن جميع الجن والإنس معترفون بالخالق مقرون به، فعلم أن أصل الإقرار بالصانع والاعتراف به مستقر في قلوب جميع الإنس والجن وأنه من لوازم خلقه، ضروري فيهم، وإن قدر أنه حصل بسبب كما أن اغتذاءهم الطعام والشراب هو من لوازم خلقهم، وذلك ضروري فيهم) (٢).
وأوضح أن الإقرار بوجود الله وربوبيته لم يكن ينازع فيه المشركون الذين دعتهم رسلهم إلى عبادة الله وحده، حيث قال: (وأما الرب فهو معروف بالفطرة: قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ [إبراهيم: ١٠] فالمشركون من عباد الأصنام وغيرهم من أهل الكتاب معترفون بالله مقرون به أنه ربهم وخالقهم ورازقهم، وأنه رب السموات والأرض والشمس والقمر، وأنه المقصود الأعظم) (٣).
وذكر أن الإقرار بالخالق وكماله أمر فطري ضروري مركوز في فطر البشر السليمة من الانحراف والتغير، إذ يقول: (إن الإقرار بالخالق وكماله يكون فطريًا ضروريًا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة، وأحوال تعرض لها) (٤).
وعد الإقرار بالله مما اتفق عليه جميع المؤمنين، من الأولين والآخرين، بل وجميع الكتب الإلهية حيث يقول:. .. (ومنه ما هو متفق عليه بين جميع المؤمنين، من الأولين والآخرين، وجميع الكتب الإلهية: مثل الإقرار بالله) (٥)
ولم يكثر السلف – ﵏ – الخوض في إثبات وجود الله تعالى وحشد الأدلة لتقريره؛ لأنه من القضايا المسلمة المستقرة في الفطرة البشرية؛ ولذا لم ينقل عنهم من الأقوال في تقرير وجود الله ﷿ إلا شيئًا يسيرا ورد في شأن الفطرة وأخذ الميثاق والإشهاد على ذلك والآيات الكونية والنفسية.
ومن ذلك قول محمد بن كعب القرظي – في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الأعراف: ١٧٢]-: (أقرت الأرواح قبل أن تخلق أجاسدها) (٦).
وقال مجاهد بن جبر – في قوله تعالى: صِبْغَةَ اللهِ [البقرة: ١٣٨]-: "فطرة الله التي فطر الناس عليها" (٧).
وأما الكلبي والحسن فقد قالا – في قول الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى [الأعراف: ١٧٢]-: (أخذ ميثاقهم أنه ربهم، فأعطوه ذلك، ولا تسأل أحدًا كافرًا ولا غيره: من ربك؟، إلا قال: الله) (٨).
وقال السدي: (ليس في الأرض أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف أن ربه الله) (٩).
وقال ابن جرير – في تفسير قول الله تعالى: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى [الأعراف: ١٧٢]-: (يقول تعالى ذكره؛ شهدنا عليكم أيها المقرون بأن الله ربكم) (١٠).
وبين الراغب الأصفهاني أن معرفة الله ﷿ مركوزة النفوس، حيث قال: (معرفة الله تعالى العامية – أي الإجمالية – مركوزة في النفس، وهي معرفة كل أحد أنه مفعول، وأن له فاعلا فعله ونقله من الأحوال المختلفة) (١١). المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين - بتصرف – ص: ٢٣٧
_________________
(١) «الفتاوى الكبرى» (٦/ ٣٦٨).
(٢) «الدرء» (٨/ ٤٨٢).
(٣) «رسالة في الكلام على الفطرة» لابن تيمية ضمن «مجموع الرسائل الكبرى» (٢/ ٣٣٧).
(٤) «المجموع» (٦/ ٧٣).
(٥) «المجموع» (١٢/ ٤٧٥).
(٦) «تفسير ابن جرير» (٦/ ١١٦).
(٧) «تفسير ابن جرير» (١/ ٦٢٣).
(٨) «تفسير ابن جرير» (٦/ ١١٦).
(٩) «تفسير ابن جرير» (٦/ ١١٦).
(١٠) «تفسير ابن جرير» (٦/ ١١٧).
(١١) «الذريعة إلى مكارم الشريعة» (ص: ١٩٩).
[ ١ / ١٧٣ ]
المبحث الثاني: عدم كفاية الإقرار بالربوبية للبراءة من الشرك
إن توحيد الربوبية هو أحد أنواع التوحيد الثلاثة؛ ولذا فإنه لا يصح إيمان أحد، ولا يتحقق توحيده إلا إذا وحد الله في ربوبيته، لكن هذا النوع من التوحيد ليس هو الغاية من بعثة الرسل ﵈، ولا ينجي وحده من عذاب الله ما لم يأت العبد بلازمه توحيد الألوهية.
ولذا يقول الله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف: ١٠٦]، والمعنى أي: ما يقر أكثرهم بالله ربًا وخالقًا ورازقًا ومدبرًا- وكل ذلك من توحيد الربوبية - إلا وهم مشركون معه في عبادته غيره من الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تعطي ولا تمنع.
وبهذا المعنى للآية قال المفسرون من الصحابة والتابعين.
قال ابن عباس ﵄: (من إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون).
وقال عِكْرِمَة: (تسألهم من خلقهم، ومن خلق السماوات والأرض، فيقولون الله، فذلك إيمانهم بالله، وهم يعبدون غيره).
وقال مجاهد: (إيمانهم قولهم: الله خالقنا، ويرزقنا، ويميتنا، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بن زيد: (ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله، ويعرف أن الله ربُّه، وأنَّ الله خالقُه ورازقُه، وهو يشرك به، ألا ترى كيف قال إبراهيم: قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]) (١).
والنصوص عن السلف في هذا المعنى كثيرة، بل لقد كان المشركون زمن النبي ﷺ مقرين بالله ربًا خالقًا رازقًا مدبرًا، وكان شركهم به من جهة العبادة حيث اتخذوا الأنداد والشركاء، يدعونهم، ويستغيثون بهم، وينزلون بهم حاجاتهم وطلباتهم.
وقد دل القرآن الكريم في مواطن عديدة منه على إقرار المشركين بربوبية الله مع إشراكهم به في العبادة، ومن ذلك قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [العنكبوت: ٦١]، وقوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [العنكبوت: ٦٣]، وقوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [الزخرف: ٨٧]، وقوله تعالى: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩].
_________________
(١) «تفسير ابن جرير» (١٦/ ٢٨٩).
[ ١ / ١٧٤ ]
فلم يكن المشركون يعتقدون أن الأصنام هي التي تنزل الغيث وترزق العالم وتدبر شؤونه، بل كانوا يعتقدون أن ذلك من خصائص الرب سبحانه، ويقرون أن أوثانهم التي يدعون من دون الله مخلوقة لا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضرًا ولا نفعًا استقلالًا، ولا موتًا، ولا حياة، ولا نشورًا، ولا تسمع، ولا تبصر، ويقرون أن الله هو المتفرد بذلك لا شريك له، ليس إليهم ولا إلى أوثانهم شيء من ذلك، وأنه سبحانه الخالق وما عداه مخلوق، والرب وما عداه مربوب، غير أنهم جعلوا له من خلقه شركاء ووسائط، يشفعون لهم بزعمهم عند الله، ويقربونهم إليه زلفى؛ ولذا قال الله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣]، أي ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمر الدنيا.
ومع هذا الإقرار العام من المشركين لله بالربوبية إلا أنه لم يدخلهم في الإسلام، بل حكم الله فيهم بأنهم مشركون كافرون، وتوعدهم بالنار والخلود فيها، واستباح رسوله ﷺ دماءهم وأموالهم لكونهم لم يحققوا لازم توحيد الربوبية وهو توحيد الله في العبادة.
وبهذا يتبين أن الإقرار بتوحيد الربوبية وحده دون الإتيان بلازمه توحيد الألوهية لا يكفي ولا ينجي من عذاب الله، بل هو حجة بالغة على الإنسان تقتضي إخلاص الدين لله وحده لا شريك له، وتستلزم إفراد الله وحده بالعبادة. فإذا لم يأت بذلك فهو كافر حلال الدم والمال. أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة لنخبة من العلماء ص١٥
وهذا التوحيد - أي توحيد الربوبية - لا يكفي العبد في حصول الإسلام بل لا بد أن يأتي مع ذلك بلازمه من توحيد الألوهية لأن الله تعالى حكى عن المشركين أنهم مقرون بهذا التوحيد لله وحده قال تعالى: قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ [يونس:٣١] وقال تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:٨٧] وقال: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [العنكبوت:٦٣] وقال تعالى: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ الآية [النمل:٦٢] فهم كانوا يعلمون أن جميع ذلك لله وحده ولم يكونوا بذلك مسلمين بل قال تعالى وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ [يوسف:١٠٦] قال مجاهد: في الآية: إيمانهم بالله قولهم: إن الله خلقنا ويرزقنا ويميتنا فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وعن ابن عباس وعطاء والضحاك نحو ذلك، فتبين أن الكفار يعرفون الله ويعرفون ربوبيته وملكه وقهره وكانوا مع ذلك يعبدونه ويخلصون له أنواعا من العبادات كالحج والصدقة والذبح والنذر والدعاء وقت الاضطرار ونحو ذلك ويدَّعون أنهم على ملة إبراهيم ﵇ فأنزل الله تعالى مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران:٦٧] وبعضهم يؤمن بالبعث والحساب وبعضهم يؤمن بالقدر
كما قال زهير:
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر
ليوم الحساب أو يعجل فينقم
وقال عنترة:
يا عبل أين من المنية مهرب
إن كان ربي في السماء قضاها
ومثل هذا يوجد في أشعارهم فوجب على كل من عقل عن الله تعالى أن ينظر ويبحث عن السبب الذي أوجب سفك دمائهم وسبي نسائهم وإباحة أموالهم مع هذا الإقرار والمعرفة وما ذاك إلا لإشراكهم في توحيد العبادة الذي هو معنى لا إله إلا الله تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد لسليمان بن عبد الله آل الشيخ - ص١٧
قال ابن القيم:
فما كان له سبحانه فهو متعلق بألوهيته وما كان به فهو متعلق بربوبيته وما تعلق بألوهيته أشرف مما تعلق بربوبيته ولذلك كان توحيد الألوهية هو المنجي من الشرك دون توحيد الربوبية بمجرده فإن عباد الأصنام كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء وربه ومليكه ولكن لما لم يأتوا بتوحيد الألوهية وهو عبادته وحده لا شريك له لم ينفعهم توحيد ربوبيته عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية - ص٣٥
[ ١ / ١٧٥ ]
المبحث الثالث: الفرق بين مجرد الإقرار بالربوبية وبين توحيد الربوبية
إن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء وكانوا مع هذا مشركين قال تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ [يوسف:١٠٦] قالت طائفة من السلف: تسألهم من خلق السموات والأرض؟ فيقولون: الله وهم مع هذا يعبدون غيره قال تعالى: قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [المؤمنون:٨٤ – ٨٩] فليس كل من أقر بأن الله تعالى رب كل شيء وخالقه يكون عابدا له دون ما سواه داعيا له دون ما سواه راجيا له خائفا منه دون ما سواه يوالي فيه ويعادي فيه ويطيع رسله ويأمر بما أمر به وينهى عما نهى عنه وعامة المشركين أقروا بأن الله خالق كل شيء وأثبتوا الشفعاء الذين يشركونهم به وجعلوا له أندادا قال تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ [الزمر:٤٣ - ٤٤] وقال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس:١٨] وقال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:٩٤] وقال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا [البقرة:١٦٥] ولهذا كان أتباع هؤلاء من يسجد للشمس والقمر والكواكب ويدعوها ويصوم وينسك لها ويتقرب إليها ثم يقول: إن هذا ليس بشرك إنما الشرك إذا اعتقدت أنها المدبرة لي فإذا جعلتها سببا وواسطة لم أكن مشركا ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ - ص١١
[ ١ / ١٧٦ ]
المبحث الرابع: مقتضيات الإقرار لله تعالى بالربوبية
إذا أقر العبد لله تعالى بالربوبية، فإن إقراره هذا يقتضي أمورًا لابد منها، فإن لم يلتزم هذه المقتضيات ما نفعه إقراره بالربوبية لله، فهذه المقتضيات هي:
الأول منها: (ألا يعتقد العبد نفعًا ولا ضرًا ولا حركة ولا سكونًا ولا بسطًا ولا خفضًا ولا رفعًا ولا إعطاء ولا منعًا ولا إحياءً ولا إماتةً ولا تدبيرًا ولا تصريفًا إلا والله ﷾ هو فاعله وخالقه لا يشركه في ذلك ولا يملك واحد منه شيئًا) (١) وقد دخل في هذا: الإيمان بالقضاء والقدر
الثاني: إثبات رب مباين للعالم، يقول ابن القيم ﵀: (إن الربوبية المحضه تقتضي مباينة الرب للعالم بالذات كما باينهم بالربوبية وبالصفات والأفعال، فمن لم يثبت ربًا مباينًا للعالم فما أثبت ربًا) (٢) وهذا قاله عند تفسير قول الله تعالى: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، والعالم هو كل ما سوى الله تعالى.
الثالث: أن يتوصل العبد بالإقرار بالربوبية إلى الإقرار بالألوهية فيجردها لله تعالى فلا يصرف أي نوع من أنواع العبادات لغير الله ﵎. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٢٣٢
_________________
(١) «مجلة الجامعة الإسلامية السنة – ١١ – العدد ٢ – مفهوم الربوبية» للشيخ سعد ندا (ص: ١٢٤).
(٢) «مدارج السالكين» (١/ ٨٤).
[ ١ / ١٧٧ ]
الفصل الثالث: مسلك القرآن في إثبات الربوبية
تمهيد:
لم تكن مسألة إثبات وجود الله تعالى هدفًا أساسيا من الأهداف، وذلك لأن الإقرار بوجود الله أمر فطري فطر الله عليه الخلق. والله سبحانه أبين وأظهر من أن يجهل فيطلب الدليل على وجوده.
وقد وجد قليل من الناس سابقًا ممن ينكر وجود الله تعالى إما مكابرة وعنادًا كفرعون، أو لتغير الفطرة بسبب خارجي.
واليوم وإن كان قد كثر القائلون بعدم وجود الخالق إلا أنهم قليل جدًا إلى جنب من يقر بوجوده، وهم مع ذلك يحيلون خلقهم إلى الطبيعة!.
وللسبب المذكور سابقًا نجد أن الاستدلال على وجود الله تعالى في القرآن لم يكن مقصودًا أصالة، وإنما يمكن أن يستنتج ذلك استنتاجًا. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد بن عبد اللطيف – ١/ ٢٧٦
ومع ذلك ـلم يكتف القرآن الكريم باستثارة الفطرة المقرة بوجود الله تعالى، بل حفل بالأدلة العظيمة، والآيات الباهرة الدالة على وجوده، وعظمته ﷾، فكل ما في هذا الوجود من خلق وعناية بهذا الكون، وتسييره، على أكمل نظام، وحكمة هو دلالة صادقة على وجود الله تعالى المدبر لهذا الكون.
وذلك لأن الأدلة على وجوده، وعظمته تعزز مكنون الفطرة، وتزيدها يقينًا واستقامة، والأدلة يحتاج إليها أيضًا من فسدت فطرته، حيث يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (الإقرار بالخالق وكماله، كما يكون فطريًا ضروريًا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس، عند تغير الفطرة، وأحوال تعرض لها) (١).
وعندما ظهرت الجهمية ومن تابعهم من فرق الابتداع، لم يأتوا بطرق مفيدة وصائبة في معرفة الخالق﷾ – بل عقدوا الطرق السهلة وأطالوها، وغاية ما عندهم من الطرق هو الاستدلال بحدوث الحوادث على محدث موجد لها، وقد اعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذه الطريقة جزء من الطريقة القرآنية فقال: (هذه الطريقة جزء من الطريقة المذكورة، وهي التي جاءت بها الرسل، وكان عليها سلف الأمة وأئمتها، وجماهير العقلاء من الأولين؛ فإن الله يذكر في آياته ما يحدثه في العالم من السحاب، والمطر، والنبات، والحيوان، وغير ذلك من الحوادث، ويذكر في آياته خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، ونحو ذلك) (٢).
وقد أثبت الواقع الذي عاشه الصحابة - رضوان الله عليهم - أن الأدلة القرآنية يحتاج إليها من تعرضت فطرته لأحوال من الشرك والكفر، فتأتي هذه الأدلة لتنبيه الفطرة، وإيقاظها من انحرافاتها، فعن محمد- ت:٩٨هـ- ابن جبير - ت:٥٩هـ - ابن مطعم عن أبيه ﵁ قال: (قدمت على النبي ﷺ في فداء الأسرى، فاضطجعت في المسجد بعد العصر، وقد أصابني الكرى، فنمت، فأقيمت صلاة المغرب، فقمت فزعًا بقراءة النبي ﷺ في المغرب وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ [الطور:١ - ٢] فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد، فكان يومئذ أول ما دخل الإسلام قلبي) (٣).
وفي البخاري قال جبير بن معطم ﵁: «سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ [الطور:٣٥ - ٣٧]، كاد قلبي أن يطير» (٤).
قال الإمام الخطابي: (كأنه انزعج عند سماع هذه الآية لفهمه معناها، ومعرفته بما تضمنته ففهم الحجة، فاستدركها بلطيف طبعه) (٥).
إن الأثر الذي أحدثته هذه الآيات القرآنية بقلب هذه الصحابي الجليل، وكانت سببًا من أسباب إسلامه وإيمانه، تبين لنا مدى أثر الأدلة القرآنية في إحياء الفطرة ومعالجتها من ظلمات الشرك، والكفر، ولقد سمع القرآن الكريم الجمهرة الكبيرة من العرب، وغيرهم منذ بدء الإسلام وإلى يومنا هذا وعجائبه لا تنقضي، وأدلته العظيمة ما زالت سببًا كبيرًا في دخول الناس أفواجًا في هذا الدين. العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها لعطاء الله بخيت المعايطة - ص: ٢٨ - ٣١
_________________
(١) «مجموعة الفتاوى» (٦/ ٧٣)
(٢) «درء تعارض العقل» (٣/ ٨٣)
(٣) رواه ابن عساكر في «مختصر تاريخ دمشق» لابن منظور (ص: ٧٥٦). وانظر: «تاريخ دمشق» لابن عساكر (٥٠/ ٧). ورواه بنحوه البخاري (٤٨٥٤).
(٤) رواه البخاري (٤٨٥٤).
(٥) ابن حجر – «فتح الباري» (٨/ ٦٠٣)
[ ١ / ١٧٨ ]
المبحث الأول: مسلك الإلزام والرد على من انحرفت فطرهم
فمن الإلزام قوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور: ٣٥].
والذين انحرفت فطرهم هم الذين أنكروا الخالق ﵎ فقال الله عنهم وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: ٢٤] فأنكروا البعث وأنكروا أن يكون لهم رب يفنيهم، فرد الله عليهم بقوله: وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية: ٢٤] أي ليس لهم علم يقين يدل على صحة قولهم، سواء كان هذا العلم خبرًا، أو كان حجة وبرهانًا عقليًا، ثم بين الله أنهم في اعتقادهم الذي نطقوا به بألسنتهم شاكون ومرتابون، وهذا أمر واضح لاتباعهم الظن (١).
ومن أوجه الرد على من انحرفت فطرهم: ما جاء عن فرعون الذي كان يقول لقومه: مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص: ٣٨] فتابعه قومه على ذلك كما قال تعالى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ [الزخرف: ٥٤] فسأل فرعون موسى فقال: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ٢٣] أي من هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟ قال ابن كثير – ﵀ – (هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف) (٢).
وذلك رد على من قال: إن فرعون سأل عن ماهية الرب، وهذا غلط لأنه كان منكرًا جاحدًا ولم يكن مقرًا حتى يسأل عن الماهية، ويبينه قوله تعالى: قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى [طه: ٤٩] وهنا أجاب موسى ﵇ لما سأله عن رب العالمين: قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا أي خالق جميع ذلك ومالكه والمتصرف فيه وهو الذي خلق الأشياء كلها، العالم العلوي وما فيه من الكواكب، والعالم السفلي وما فيه من عجائب المخلوقات كالجبال والبحار والأشجار، وهذا الرد على فرعون واضح، لأنه لا يمكن أن يدعي ملكه لكل هذه الأشياء، وإنما كان له نوع ملك وهو محدود على مصر، فعندما سمع هذه الحجة التفت إلى من حوله من الملأ قائلًا أَلَا تَسْتَمِعُونَ على سبيل التهكم. ثم زاد موسى ﵇ الحجج فقال: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ. أي خالقكم وخالق آبائكم الأولين الذين كانوا قبل فرعون وزمانه، فكيف تصح منه دعوى الربوبية إذا؟ فما كان من فرعون إلا أن وصف موسى بالجنون فقال: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ إمعانًا في تضليل قومه، فأجاب موسى بقوله: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ أي هو الذي جعل المشرق مشرقًا تطلع منه الشمس والكواكب، والمغرب تغرب فيه الشمس والكواكب بنظام دقيق لا يتغير على حسب تقديره، وتقرير الحجة: إن كان فرعون صادقًا في دعواه الربوبية فليعكس الأمر، فغلب وانقطع فعدل إلى استعمال قوته وسلطانه إلى آخر القصة. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد بن عبد اللطيف – ١/ ٢٧٦
_________________
(١) انظر: «تفسير الطبري» (٢٢/ ٨٠).
(٢) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٣/ ٣٣٢).
[ ١ / ١٧٩ ]
المبحث الثاني: مسلك ذكر الآيات الدالة على الربوبية
وهي العلامات المخلوقة المحكمة الإتقان:
فدلالتها من جهة أنها مخلوقة محدثة، ومن جهة إحكامها وإتقانها، قال الله تعالى: وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢٠ - ٢١]. فلينظر الإنسان إلى آثار قدرة الله فيه والتدبير منذ أن كان نطفة في رحم أمه، ثم تنقله من طور إلى آخر إلى خروجه إلى الدنيا وله من الأعضاء والحواس مما يظهر آثار الإحكام الإلهي.
وهكذا إذا نظر الإنسان في أمر هذا العالم وما فيه من السير الدقيق المنظم البديع، فإنه يحصل له العلم بأن له خالقًا خلقه بعلم وحكمة.
قوله تعالى: اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٣].
قال الحافظ ابن رجب: (وأخبر ﷾ أنه إنما خلق السموات والأرض ونزل الأمر لنعلم بذلك قدرته وعلمه، فيكون دليلًا على معرفته ومعرفة صفاته، كما قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: ١٢]) (١) اهـ. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد بن عبد اللطيف – ١/ ٢٧٨
ومن الأدلة الشرعية على توحيد الربوبية: قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام: ١]
قوله تعالى: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ١].
قوله تعالى: قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الرعد: ١٦].
وقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الروم: ٤٠].
وقوله تعالى: هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ [لقمان: ١١].
وقوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ [الطور: ٣٥ - ٣٦].
وقوله تعالى: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥].
طريقة القرآن في الاستدلال على توحيد الربوبية:
سلك القرآن عددًا من الأساليب منها:
أولًا: الاستدلال باستحالة صدور الوجود من عدم كما في قوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ [الطور: ٣٥ - ٣٦].
وصورة هذا الدليل في الآية:
_________________
(١) «شرح حديث أبي الدرداء في طلب العلم» (ص: ٤٠).
[ ١ / ١٨٠ ]
إما أن يكونوا خلقوا أنفسهم وهذا باطل لأنه يلزم منه الدور وهو باطل حيث يترتب كل من الفرضين على الآخر فكونهم خلقوا أنفسهم يستلزم وجودهم قبل الخلق إذ لا يصدر الوجود من العدم ضرورة، إذ لا معنى للعدم إلا عدم الوجود ولا معنى للوجود إلا كون الشيء ليس بمعدوم.
وإما يكونوا لا خالق لهم أصلًا فيكون العدم هو الذي أوجدهم وهذا باطل إذ لا معنى للعدم إلا عدم الوجود فيلزم من قولهم بهذا الفرض الجمع بين النقيضين وهو كون الشيء موجودًا معدومًا والوجود والعدم نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان ولا يمكن أن ينشأ واحد منهما من الآخر.
والفرض الثالث أن يكون لهم خالق هو الله ﷾.
ثانيًا: الاستدلال بما في العالم من التغير المانع من قدمه إذ التغير علامة الحدوث والخلق فلابد إذا له من خالق ويدل عليه قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [فاطر: ١١].
وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ [النور: ٤٣ - ٤٤].
ثالثًا: إن الكون ممكن الوجود وما كان كذلك فهو مخلوق لا يمكن أن يكون واجب الوجود لأن إمكان العدم عليه والوجود ينفي وجوبه. ويدل عليه قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [إبراهيم: ١٩]
رابعا: أن الكون وجد على سبيل الإتقان مما يمنع كونه وجد من غير موجد ويدل عليه قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ [الملك: ٣ - ٤].
خامسا: إبطال الشرك في الربوبية كما في قوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [المؤمنون: ١٩].
وصورة الدليل في الآية هو: (إن الإله الحق لا بد أن يكون خالقًا فاعلًا يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر، فلو كان معه سبحانه إله آخر يشركه في ملكه لكان له خلق وفعل وحينئذ فلا يرضى تلك الشركة بل إن قدر على قهر ذلك الشريك والتفرد بالملك والألوهية دونه فعل وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب بذلك الخلق كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بملكه وإذا لم يقدر المنفرد منهم على قهر الآخر والعلو عليه فلابد من أحد ثلاثة أمور:
إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه.
وإما أن يعلو بعضهم على بعض.
وإما أن يكونوا تحت قهر ملك واحد يتصرف فيهم كيف يشاء ولا يتصرفون فيه.
فالفرض الأول غير ممكن إذ لابد أن تبين أثار فعله في الكون. والفرض الثاني ممتنع ضرورة اختلال الكون نتيجة العلو وتضارب الإرادات، والثالث هو الحق وهو كون الرب هو الإله الواحد) (١). إتحاف المريد بمعرفة التوحيد لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ٢٦
_________________
(١) «شرح الطحاوية» (ص: ٢٦، ٢٧) «الأسئلة والأجوبة الأصولية» (ص: ٢٠٦، ٢٠٧).
[ ١ / ١٨١ ]
الفصل الرابع: أنواع الأدلة الدالة على إثبات الربوبية
تمهيد
الإيمان بالله تعالى يتضمن الإيمان بوحدانيته، واستحقاقه للعبادة؛ لأن وجوده – جل وعلا – لا شك فيه ولا ريب، وقد دل على وجوده ﷾: الفطرة، والعقل، والشرع، والحس الإيمان حقيقته خوارمه نواقضه عند أهل السنة لعبدالله بن عبدالحميد الأثري - ص١١٤
[ ١ / ١٨٢ ]
المبحث الأول: دلالة الفطرة
الفطرة في اللغة: فعلها ثلاثي وهو فطر، والحالة منه: الفطرة كالجلسة، وهي بمعنى الخلقة.
قال ابن فارس عن أصل هذه الكلمة ( أصل صحيح يدل على فتح شيء وإبرازه، ومنه الفطرة: وهي الخلقة) (١) اهـ.
وأتى بالفتح قبل الإبراز لأنه سبب من أسبابه.
وفي اللسان: والفطرة تعني: الابتداء والاختراع (٢).
والأمر ظاهر في أنه لا خلاف بين هذه المعاني الثلاثة، الخلقة، والابتداء، والاختراع.
وقال الشيخ السعدي ﵀ في تعريفها: (هي الخلقة التي خلق الله عباده عليها وجعلهم مفطورين عليها وعلى محبة الخير وإيثاره وكراهية الشر ودفعه، وفطرهم حنفاء مستعدين لقبول الخير والإخلاص لله والتقرب إليه) (٣).
ودليل الفطرة راسخ في نفوس البشر إلا ما غير منها، والدليل إذا كان راسخًا في النفس يكونه قويًا لا يحتاج الشخص معه إلى استدلال، ولهذا فهو أصل لكل الأدلة الأخرى الدالة على الإقرار بوجود الرب سبحانه، فهي مؤيدة له ومثبتة للإقرار. ولتقرير أصل هذا الدليل إليك بعض الأدلة الدالة على ذلك:
١) لجوء الإنسان وفزعه إلى خالقه سبحانه، سواء كان هذا الإنسان موحدًا أو مشركًا عند الشدة والحاجة.
فإن بني آدم جميعًا يشعرون بحاجتهم وفقرهم، وهذا الشعور أمر ضروري فطري، إذ الفقر وصف ذاتي لهم، فإذا ألمت بالإنسان – حتى المشرك – مصيبة قد تؤدي به إلى الهلاك فزع إلى خالقه سبحانه والتجأ إليه وحده واستغنى به ولم يستغن عنه، وشعور هذا الإنسان بحاجته وفقره إلى ربه تابع لشعوره بوجوده وإقراره، فإنه لا يتصور أن يشعر الإنسان بحاجته وفقره إلى خالقه إلا إذا شعر بوجوده، وإذا كان شعوره بحاجته وفقره إلى ربه أمرًا ضروريًا لا يمكنه دفعه، فشعوره بالإقرار به أولى أن يكون ضروريًا (٤).
قال الله تعالى: وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [يونس: ١٢].
وقال تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا [الإسراء: ٦٧].
وقال تعالى: وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [الزمر: ٨].
فرجوع الإنسان وإنابته إلى ربه عند الشدائد دليل على أنه يقر بفطرته بخالقه وربه سبحانه، وهكذا كل إنسان إذا رجع إلى نفسه أدنى رجوع عرف افتقاره إلى الباري سبحانه في تكوينه في رحم أمه وحفظه له، وعرف كذلك افتقاره إليه في بقائه وتقلبه في أحواله كلها، وتبقى هذه المعرفة في نفسه قوية لأن الحاجة استلزمتها، فتكون أوضح من الأدلة الكلية مثل افتقار كل حادث إلى محدث (٥).
٢) ورود التكليف بتوحيد العبادة أولًا:
_________________
(١) «معجم مقاييس اللغة» (٤/ ٥١٠) – مادة (فطر).
(٢) «لسان العرب» (٥/ ٥٨)، مادة (فطر)، والأصل أنه لابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث» (٣/ ٤٥٧).
(٣) «بهجة قلوب الأبرار» (ص: ٦٤).
(٤) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٥٣٢ - ٥٣٣).
(٥) انظر: «مجموع الفتاوى» (١/ ٤٨ - ٤٩). و«درء تعارض العقل والنقل» (٣/ ١٢٦). و«دلائل التوحيد» للقاسمي (ص: ١٩١ - ١٩٢).
[ ١ / ١٨٣ ]
لقد تقدم ذكر الأدلة الدالة على أن أول ما يكلف به المكلف: عبادة الله جل وعلا ومما يؤكد تلك الحقيقة هو أن الله تعالى نص على محل النزاع بين الرسل وأقوامهم بقوله: وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا [الإسراء: ٤٦]. أي أنهم يولون مدبرين عند طلب عبادة الله وحده دون غيره، ويوضحه كذلك قوله: ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر: ١٢].
ولذلك بعث الله رسله بالتوحيد وترك الشرك فقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥].
وعلى هذا يكون تقرير هذه الحجة بأمرين:
الأول: لو لم يكن الإقرار بالله تعالى وبربوبيته فطريًا لدعاهم إليه أولًا – إذ الأمر بتوحيده في عبادته فرع الإقرار به وبربوبيته فيكون بعده (١).
الثاني: لو لم يكن الإقرار بالله تعالى وبربوبيته فطريًا لساغ لمعارضي الرسل عند دعوتهم لهم بقول الله تعالى: فَاعْبُدُونِ أن يقولوا: نحن لم نعرفه أصلًا فكيف يأمرنا، فلما لم يحدث ذلك دل على أن المعرفة كانت مستقرة في فطرهم (٢).
ويؤيده الدليل الثالث الذي سيأتي ذكره إن شاء الله. ولم يعرف من ينكر وجوده من أقوام الرسل إلا ما كان من فرعون، ومع هذا فإنكاره كان تظاهرًا ولم يكن باطنًا كما قال تعالى: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ [الإسراء: ١٠٢] وقال: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: ١٤].
٣) إلزام المشركين بتوحيد الربوبية ليقروا بتوحيد الألوهية (٣):
ووجه الدلالة: إن المشركين لو لم يكونوا مقرين بربوبية الله تعالى لما قررهم به، ولهذا كانت تقول الرسل لقومها: أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى [إبراهيم: ١٠].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فدل ذلك على أنه ليس في الله شك عند الخلق المخاطبين، وهذا يبين أنهم مفطورون على الإقرار) (٤) اهـ.
٤) التصريح بأن الفطرة مقتضية للإقرار بالرب وتوحيده وحبه في الأدلة السمعية:
قال رسول الله ﷺ «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه» (٥) والصوب أن الفطرة هنا هي فطرة الإسلام، وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة، وليس المراد أن الإنسان حين يخرج من بطن أمه يعلم هذا الدين موحدًا لله فإن الله تعالى يقول: وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا [النحل: ٧٨] وإنما المراد أن فطرته مقتضية وموجبة لدين الإسلام ولمعرفة الخالق والإقرار به ومحبته. ومقتضيات هذه الفطرة وموجباتها تحصل شيئًا بعد شيء وذلك بحسب كمال الفطرة وسلامتها من الموانع (٦).
والأدلة القاضية بصحة هذا التفسير كثيرة منها:
أولًا: ورود روايات لهذا الحديث تفسر الفطرة منها قوله ﷺ: «على هذه الملة» (٧).
_________________
(١) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٣/ ١٣٠ - ٨/ ٤٩١).
(٢) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٤٤٠).
(٣) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٤٧٩).
(٤) «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٤٤١).
(٥) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٣٨٣).
(٧) رواه مسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ١٨٤ ]
ثانيًا: إن الصحابة فهموا من الحديث أن المراد بالفطرة: الإسلام، ولذلك سألوا الرسول ﷺ عقب ذلك عن أطفال المشركين لوجود ما يغير تلك الفطرة السليمة وإلا لما سألوا عنهم وأيضًا فإن أبا هريرة – ﵁ – تلا قوله تعالى: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم: ٣٠] عقب هذا الحديث. مما يدل أنه فهم أن المراد من الفطرة: الإسلام.
ثالثًا: إن هذا الحديث يؤيده ظاهر القرآن، وهو قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم: ٣٠] فقد عم الله كل الناس بهذه الفطرة في قوله النَّاسَ وأضافها إليه إضافة مدح لا إضافة ذم لأنها منصوبة على المصدرية التي دل عليها الفعل أَقِمْ فيكون المعنى: إن إقامة الوجه للدين حنيفًا هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها (١). وتفسير الآية بهذا المعنى منقول عن عامة السلف (٢).
رابعا: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه «خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين » (٣) والحنيفية: الإسلام.
خامسًا: لم يذكر النبي ﷺ لموجب الفطرة ومقتضاها شرطًا، بل ذكر ما يمنع موجبها حيث قال: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه» (٤) ومع ذلك لم يذكر عند تغيرها بمؤثر خارجي: أو يسلمانه، مما يدل على أن المراد بالفطرة معرفة الله والإقرار به، بمعنى أن ذلك هو مقتضى فطرتهم، وأن حصولها لا يتوقف على وجود شرط وإنما على انتفاء الموانع (٥).
٥) برهان عقلي:
وهو أنه إذا فرض جدلًا أن معرفة الله تعالى نظرية وطلب إقامة الأدلة على الإقرار به وبربوبيته، فإنه لابد من وجود علوم ضرورية فطرية أولية تنتهي إليها العلوم النظرية، ولا يمكن إثباتها بعلوم نظرية كذلك لما يلزم من الدور القبلي والتسلسل في المؤثرات. وهذه العلوم الضرورية شرط وجودها صحة الفطرة وسلامتها، فبالفطرة السليمة مع حسن النظر يحصل المطلوب من العلم (٦).
ويوضح هذا أن الذي يستدل لإثبات الرب سبحانه لابد أن ينقدح في نفسه أن الدليل الذي يستدل به هو بعينه يؤدي إلى مطلوبه الذي شعر به أولًا، فهاهنا أمران: الشعور بمطلوبه، والدليل المؤدي إليه (٧)، وبهذا يتضح أنه لولا ما في القلوب من الاستعداد لمعرفة الحقائق لما قام نظر ولا استدلال (٨)، والحقيقة المطلوبة هنا: معرفة وجود الله. ويوضحه كذلك: أن مجرد التعليم والتحضيض لا يحصل به العلم والإرادة لولا وجود قوة في النفس قابلة لذلك التعليم وتلك الإرادة، فإن البهائم والجمادات لو علمت وحضضت بوسائل تعليمية كالتي لبني آدم لما حصل لها ما يحصل لبني آدم مع أن الوسائل متفقة، مما يدل على أن القوابل مختلفة، والقابل هو مقتضى الفطرة.
اعتراضات على دليل الفطرة:
الاعتراض الأول: لو كانت المعرفة فطرية فكيف أُثر عن بعض الخلق إنكار وجود الله تعالى؟
والجواب:
أولًا: إن الإقرار بالخالق يكون فطريًا في حق من سلمت فطرته، كما هو نص الحديث السابق.
ثانيًا: إن من أثر عنه إنكار الخالق في البشر قليلون جدًا مقارنة مع من يثبت وجوده، وهم على قسمين:
_________________
(١) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٣٧٢).
(٢) انظر: «تفسير الطبري» (٢٠/ ٩٧).
(٣) رواه مسلم (٢٨٦٥) بلفظ: «وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم». من حديث عياض بن حمار ﵁.
(٤) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٤٥٤).
(٦) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٣/ ٣٠٩).
(٧) انظر: «مجموع الفتاوى» (١/ ٤٨).
(٨) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٥/ ٦٢).
[ ١ / ١٨٥ ]
قسم ينكره ظاهرًا فقط كما تقدم في شأن فرعون.
قسم آخر هو في الحقيقة معترف في قرارة نفسه بوجود مدبر وصانع، ويحيل ذلك إلى الطبيعة أو غيرها!. مما يدل على وجود علوم أولية فطرية، وإنما حصل ما حصل بسبب المؤثر الخارجي.
الاعتراض الثاني (١):
لو كانت معرفته فطرية ضرورية فكيف ينكر ذلك كثير من النظار ويدعون أنهم يقيمون الأدلة على وجوده؟
والجواب:
أولًا: إن من أنكر هذه المعرفة الفطرية الضرورية هم أهل الكلام المذموم الذين ذمهم السلف، ولم يؤثر هذا الإنكار عن علماء المسلمين، بل إنهم نصوا على خلاف هذا كما صح عن الإمام الزهري (٢)، فهؤلاء المتكلمون تأثروا بمؤثر خارجي.
ثانيًا: إن الإنسان قد يقوم بنفسه من العلوم والإرادات وغيرها من الصفات ما لا يعلم أنه قائم بنفسه. فهاهنا أمور وهي: علم الإنسان بعلم ما، وعلمه بأنه يعلم هذا العلم، وطلبه الدليل على هذا العلم، وكل إنسان يشعر من نفسه الفرق بين هذه الأمور، فالعلم بشيء قد يكون قائمًا بإنسان وإن كان غائبًا عنه علمه بأنه يعلم ذلك الشيء، ولكن إذا ذكر له تذكر، وأحس من نفسه بالمعرفة. وقد تقدم أنه لولا وجود علوم ضرورية فطرية لما صح نظر ولا استدلال ولا تم وقام.
الاعتراض الثالث (٣):
قالوا: إن المعرفة لا تحصل مبتدأة في النفس، بل لابد لها من طريق.
الجواب:
أولًا: إن هذا من موارد النزاع وهو هل المعرفة نظرية أو فطرية، وعليه فلا يصلح إيرادها قضية مسلمًا بها، وقد دللنا سابقًا على صحة القول بأنها فطرية.
ثانيًا: أن يقابل هذا القول بالمعارضة فيقال: إنها قد تحصل في النفس مبتدأة ولا يمكنهم حينئذ أن يقيموا دليلًا على نفي ذلك، وإن أقاموه فباستقراء يكون إما فاسدًا وإما ناقصًا.
ثالثًا: إن أهل الكلام أثبتوا علومًا ضرورية، منها علم الإنسان بوجود نفسه، فإذا كان هذا ضروريًّا، فالعلم بربوبية الخالق أولى أن يكون ضروريًّا في حق من سلمت فطرته، وإن زعم المتكلم أن ذلك يحتاج إلى طريق. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٢٣٢
_________________
(١) انظر: «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» (١٦/ ٣٤٠).
(٢) انظر: «فتح الباري» (٣/ ٢٤٨)، والحديث رواه البخاري (١٣٥٨) وقال: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب قال ابن شهاب: (يصلى على كل مولود متوفى وإن كان لغيّة من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام يدعي أبواه الإسلام أو أبوه خاصة وإن كانت أمه على غير الإسلام إذا استهل صارخًا يصلي عليه ولا يصلى على من لا يستهل من أجل أنه سقط ).
(٣) انظر: هذا الاعتراض والجواب عنه في «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٣٧).
[ ١ / ١٨٦ ]
هذا وإن من فضل الله ورحمته أن فطر كل إنسان على توحيده وابتغاء وجهه بحيث يكون ذلك أصلًا يولد عليه كل مولود وهذا هو معنى حديث الفطرة وقول الرسول ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (١) فالفطرة هي الإسلام الذي أصله توحيد الله بالإرادة والمحبة، وأما الأديان المحرفة فهي مخالفة للفطرة، وانحراف عن الأصل الذي هو الإسلام ولهذا فإن القلب لا يمكن أن يطمئن ويستقر إلا إلى ما فطره الله عليه من إرادته ومحبته وحده وكل إرادة ومحبة لغير الله فهي عذاب وصرف للفطرة عن أصلها، مهما يكن المراد المحبوب وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش» (٢) مع أنه دعاء بالتعاسة والانتكاس لمن كان عبدًا للدينار فإنه أيضًا تقرير لواقع حاصل، وهو أن كل من كان معبوده المال فلابد أن يكون حاله من تعاسة إلى تعاسة، ومن انتكاس إلى انتكاس، لمخالفته لحقيقة فطرته بحب الله وإرادة وجهه وحده ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة لعبد الله بن محمد القرني - ص١٦٣
قال ابن كثير رحمه الله تعالى، في تفسير قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ الأعراف: ١٧٢
وذهب طائفة من السلف والخلف أن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة - وفي رواية - على هذه الملة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء» (٣) أخرجاه وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم» (٤) وعن الأسود بن سريع من بني سعد قال «غزوت مع رسول الله ﷺ أربع غزوات قال فتناول القوم الذرية بعدما قتلوا المقاتلة فبلغ ذلك الرسول ﷺ فاشتد عليه ثم قال: ما بال قوم يتناولون الذرية فقال رجل يا رسول الله أليسوا أبناء المشركين؟ فقال: إن خياركم أبناء المشركين ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها فأبواها يهودانها وينصرانها» (٥)
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه البخاري (٢٨٨٧). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه البخاري (١٣٨٥)، ورواية «على هذه الملة» رواها مسلم (٢٦٥٨).
(٤) رواه مسلم (٢٨٦٥).
(٥) رواه أحمد (٤/ ٢٤) (١٦٣٤٦) واللفظ له، والدارمي (٢/ ٢٩٤)، والحاكم (٢/ ١٣٤). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٨/ ٢٨٩): مشهور ثابت. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٣١٦): رواه أحمد بأسانيد والطبراني في الكبير والأوسط .. وبعض أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤٠٢): وهو كما قالا - أي: الحاكم والذهبي -.
[ ١ / ١٨٧ ]
قال الحسن: ولقد قال الله تعالى في كتابه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِيَّتَهُمْ [الأعراف:١٧٢] قالوا ولهذا قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ولم يقل من آدم مِنْ ظُهُورِهِمْ ولم يقل من ظهره ذُرِيَّتَهُمْ أي جعل نسلهم جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن كقوله تعالى: وَهُوَ الذِّي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فيِ الأَرْض [الأنعام:١٦٥] وقال: وَيَجْعَلَكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْض [النمل:٦٢] وقال تعالى: كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَةِ قَوْمٍ آخَرِين [الأنعام:١٣٣] ثم قال تعالى: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى أي أوجدهم شاهدين بذلك قائلين له حالا، قال الشهادة تكون بالقول كقوله تعالى: قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا [الأنعام:١٣٠] الآية وتارة تكون حالا كقوله تعالى: مَا كَانَ للمُشْرِكِينَ أَنْ يُعَمِّرُوا مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالكُفْر [التوبة: ١٧] أي حالهم شاهد عليهم بذلك لا أنهم قائلون ذلك، وكذا قوله تعالى: وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيد [العاديات: ٧] كما أن السؤال تارة يكون بالمقال، وتارة يكون بالحال كقوله تعالى: وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوه [إبراهيم: ٣٤] معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص٩٣
وقال ابن تيمية ﵀ في معرض كلامه على إقرار الناس بفطرهم على وجود الخالق ﷾: ولهذا كان أكثر الناس على أن الإقرار بالصانع ضروري فطري وذلك أن اضطرار النفوس إلى ذلك أعظم من اضطرارها إلى ما لا تتعلق به حاجتها ألا ترى أن الناس يعرفون من أحوال من تتعلق به منافعهم ومضارهم كولاة أمورهم ومماليكهم وأصدقائهم وأعدائهم مالا يعلمونه من أحوال من لا يرجونه ولا يخافونه ولا شيء أحوج إلى شيء من المخلوق إلى خالقه فهم يحتاجون إليه من جهة ربوبيته إذ كان هو الذي خلقهم وهو الذي يأتيهم بالمنافع ويدفع عنهم المضار: وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ [النحل: ٥٣]
وكل ما يحصل من أحد فإنما هو بخلقه وتقديره وتسبيبه وتيسيره وهذه الحاجة التي توجب رجوعهم إليه حال اضطرارهم كما يخاطبهم بذلك في كتابه وهم محتاجون إليه من جهة ألوهيته فإنه لا صلاح لهم إلا بأن يكون هو معبودهم الذي يحبونه ويعظمونه ولا يجعلون له أندادا يحبونهم كحب الله بل يكون ما يحبونه سواه كأنبيائه وصالحي عباده إنما يحبونهم لأجله كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» (١) ومعلوم أن السؤال والحب والذل والخوف والرجاء والتعظيم والاعتراف بالحاجة والافتقار ونحو ذلك مشروط بالشعور بالمسئول المحبوب المرجو المخوف المعبود المعظم الذي تعترف النفوس بالحاجة إليه والافتقار الذي تواضع كل شيء لعظمته واستسلم كل شيء لقدرته وذل كل شيء لعزته فإذا كانت هذه الأمور مما تحتاج النفوس إليها ولا بد لها منها بل هي ضرورية فيها كان شرطها ولازمها وهو الاعتراف بالصانع به أولى أن يكون في النفوس وقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «كل مولود يولد على الفطرة» (٢) ويروي عن ربه: «خلقت عبادي حنفاء» (٣) ونحو ذلك لا يتضمن مجرد الإقرار بالصانع فقط بل إقرارا يتبعه عبودية لله بالحب والتعظيم وإخلاص الدين له وهذا هو الحنيفية وأصل الإيمان قول القلب وعمله أي علمه بالخالق وعبوديته للخالق والقلب مفطور على هذا وهذا وإذا كان بعض الناس قد خرج عن الفطرة بما عرض له من المرض إما بجهله وإما بظلمه فجحد بآيات الله واستيقنتها نفسه ظلما وعلوا لم يمتنع أن يكون الخلق ولدوا على الفطرة درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ٢/ ٢٤
_________________
(١) رواه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣). من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٢) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه مسلم (٢٨٦٥). من حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁.
[ ١ / ١٨٨ ]
المبحث الثاني: دلالة الحس
وأما دلالة الحس على وجود الله، فإن الإنسان يدعو الله ﷿، يقول: يا رب! ويدعو بالشيء، ثم يستجاب له فيه، وهذه دلالة حسية، هو نفسه لم يدع إلا الله، واستجاب الله له، رأى ذلك رأي العين وكذلك نحن نسمع عمن سبق وعمن في عصرنا، أن الله استجاب لهم فالأعرابي الذي دخل والرسول ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة قال: هلكت الأموال، وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا قال أنس: والله، ما في السماء من سحاب ولا قزعة (أي: قطعة سحاب) وما بيننا وبين سلع (جبل في المدينة تأتي من جهته السحب) من بيت ولا دار وبعد دعاء الرسول ﷺ فورًا خرجت سحابة مثل الترس، وارتفعت في السماء وانتشرت ورعدت، وبرقت، ونزل المطر، فما نزل الرسول ﷺ إلا والمطر يتحادر من لحيته ﵊ (١) وهذا أمر واقع يدل على وجود الخالق دلالة حسية وفي القرآن كثير من هذا، مثل: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَه [الأنبياء:٨٣ - ٨٤] وغير ذلك من الآيات شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ٥٦
_________________
(١) رواه البخاري (٩٣٣)، ومسلم (٨٩٧).
[ ١ / ١٨٩ ]
المبحث الثالث: دلالة الآيات الكونية
- دليل الخلق والحدوث
كل حادث لا بد له من محدث ولا محدث للحوادث إلا الله ﷿، والحقيقة أن دلالة الحوادث على المحدث دلالة حسية عقلية:
أما كونها حسية: فلأنها مشاهدة بالحس.
وأما كونها عقلية: فلأن العقل يدل على أن كل حادثٍ لا بد له من محدث.
ولهذا سئل أعرابي: بم عرفت ربك؟ فقال: الأثر يدل على المسير، والبَعْرَة تدل على البعير، فسماء ذات أبراجٍ وأرض ٌ ذات فجاج وبحارٌ ذات أمواج ألا تدل على السميع البصير؟ الجواب: بلى، هذا أعرابي استدل على أن هذه الحوادث العظيمة تدل على خالقٍ عظيم ﷿، هو السميع البصير، فالحوادث دليل على وجود المحدث، ثم كل حادثٍ منها يدل على صفةٍ مناسبةٍ غير الوجود، فنزول المطر يدل لا شك على وجود الخالق ويدل على رحمته وهذه دلالةٌ غير الدلالة على الوجود، وجود الجدب والخوف والحروب تدل على وجود الخالق وتدل على غضب الله ﷿ وانتقامه، فكل حادثٍ فله دلالتان:
دلالةٌ كلية عامة: تشترك فيها جميع الحوادث وهي وجود الخالق وجود المحدث.
ودلالةٌ خاصة: في كل حادثٍ بما يختص به كدلالة الغيث على الرحمة ودلالة الجدب على الغضب وهكذا.
وهناك دلالة أخرى: النوازل التي تنزل لسبب دالة على وجود الخالق، مثل: دعاء الله ﷿ ثم استجابته للدعاء دليل على وجوده، وهذه وإن كانت من باب دلالة الحادث على المحدث لكنها أخص، لما دعا النبي ﷺ الله أن يغيث الخلق قال: «اللهم أغثنا اللهم أغثنا» ثم نشأ السحاب وأمطر قبل أن ينزل من المنبر، هذا حديث أنس (١) يدل على وجود الخالق وهذا أخص من دلالة العموم شرح العقيدة السفارينية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ص٤٥
ومن أمثلة الآيات القرآنية التي تتحدث عن الدلائل الكونية المتعلقة بالخلق والتكوين قوله –تعالى -: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت: ٣٧] وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ [الروم: ٢٠] وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ [الروم: ٢٢ - ٢٥]، فهذه الآيات كونية وإن شئت، فقل: كونية قدرية، وكانت آية لله، لأنه لا يستطيع الخلق أن يفعلوها، فمثلًا: لا يستطيع أحد أن يخلق مثل الشمس والقمر، ولا يستطيع أن يأتي بالليل إذا جاء النهار، ولا بالنهار إذا جاء الليل، فهذه الآيات كونية شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ١٢٤
_________________
(١) رواه البخاري (٩٣٣)، ومسلم (٨٩٧).
[ ١ / ١٩٠ ]
المبحث الرابع: دلالة الشرع
هذه الطريقة قد تبدو غريبة خاصة على علماء الكلام، ولكن سيتم بيان وجه دلالتها على وجود الله تعالى بما يزيل غرابتها إن شاء الله. وقد سلك بعض العلماء هذه الطريقة كالقاضي أبي يعلى في كتابه: (عيون المسائل) وأبي بكر البيهقي في كتابه (الاعتقاد) والخطابي في رسالة: (الغنية عن الكلام) وأشار شيخ الإسلام إلى صحتها وشرعيتها إذا حررت (١). وقال ابن القيم: (وهذه الطريق من أقوى الطرق وأصحها وأدلها على الصانع وصفاته وأفعاله. وارتباط أدلة هذه الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة العقلية الصريحة بمدلولاتها، فإنها جمعت بين دلالة الحس والعقل، ودلالتها ضرورية بنفسها، ولهذا يسميها الله آيات بينات) (٢).
وبيان هذه الطريق من وجهين:
الوجه الأول: الآيات والبراهين – وهي المعجزات.
الوجه الثاني: العلوم والأحكام المتضمنة لمصالح الخلق التي جاءوا بها.
الوجه الأول: الآيات والبراهين – وهي المعجزات:
بين الله تعالى في كتابه العزيز أنه أرسل رسله بالوحي وأيدهم بالآيات تصديقًا لهم فقال: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ [الحديد: ٢٥] وقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ [النحل: ٤٣ - ٤٤] وقال الرسول ﷺ «ما من الأنبياء من نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة» (٣) وسماها الله تعالى برهانًا كذلك، فقال عن آيتي العصا واليد اللتين أرسل بهما موسى ﵇: فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ [القصص: ٣٢].
فسماها الله تعالى آية وبرهانًا وبينة، وذلك لقوة دلالتها على المطلوب، وأنه بمجرد حدوثها يحصل العلم الضروري، فهي من جنس الآيات من دلالتها على المراد، بل هي أقوى لغرابتها وعظمتها.
ومن المعلوم أن الرسول إذا جاء قومه وادعى أنه رسول الله يوحى إليه بأنه لا إله إلا الله، أيده الله وصدقه بآية، فههنا أمور:
الأول: دعواه أنه رسول.
الثاني: أن الله هو الذي أرسله سواء كان المخاطب يقر بوجوده أو لا يقر.
الثالث: أنه مرسل لدعوة الناس إلى إفراد الله بالألوهية.
فإذا جاء الرسول بآية وهي العلامة التي تدل على صدقه ثبتت الرسالة وكذلك الربوبية ضمنًا، وذلك لأنها حدث من جنس لا يقدر على مثله البشر وحصلت عند دعوى الرسول الرسالة، كيف وإذا انضم إلى ذلك ما عرف من أحوال الأنبياء وصدقهم وما حصل لهم ولأتباعهم من التأييد والنصر، ولأعدائهم من الهلاك والخسران ولذلك فليس بلازم أن تتقدم معرفة العبد بوجود الله تعالى على حصول الآية والمعجزة ومن ثم تقرر النبوة، لأنها من جنس الآيات المخلوقة المحدثة التي لابد لها من محدث أحدثها (٤).
_________________
(١) انظر: «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» (١١/ ٣٧٩).
(٢) «الصواعق المرسلة» لابن القيم (٣/ ١١٩٧).
(٣) رواه البخاري (٤٩٨١)، ومسلم (١٥٢). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٩/ ٤١).
[ ١ / ١٩١ ]
ويمكن الاستدلال لها بما حدث بين موسى ﵇ وفرعون، كما قص الله تعالى ذلك في القرآن فقال آمرًا موسى وهارون ﵉: فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ [الشعراء: ١٦ - ٣٣].
ومعلوم أن فرعون قد ادعى أنه ربهم الأعلى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات: ٢٤].
فهو وإن كان يتظاهر بذلك إلا أنه في باطنه يقر بربوبية الله على خلقه. كما قال الله عنه ومن حوله من الملأ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: ١٤]. والآيات ساقها الله تعالى للرد عليه في هذه الدعوى التي تظاهر بها، ولذلك لما حاجه موسى ﵇ بالآيات الظاهرة قال له: قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: ٢٩] فأصر على موقفه وعناده – فدعاه موسى ﵇ لبرهانين عظيمين وهما قلب العصا ثعبانًا وإخراج اليد بيضاء بعد ضمها فلو كان ذلك لا يدل على مطلوب موسى ﵇ وإبطال دعوى فرعون لما دعاه إليه موسى ﵇، بل إنه سماه مبينًا فقال: قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ [الشعراء: ٣٠].
فتقرر من هذا النص أنه يمكن إثبات ربوبية الله ووجوده بالآيات المعجزات وإن لم يكن المخاطب مقرًا بذلك ومن ثم يقوم لله بالعبادة.
وأما إن كان المخاطب مقرًا بوجود الله بفطرته التي لم تتغير فإنه بالآية والمعجزة تتقرر عنده النبوة والوحدانية في الإلهية كما قال الله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ [هود: ١٣ - ١٤]، فهذا نص واضح على أنه بالآية – وهي هنا معجزة القرآن – تثبت وتتقرر الرسالة والوحدانية ضرورة (١) ومعلوم أن توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، فإذا ثبت الأول ثبت الثاني تضمنًا، ضرورة ثبوت المتضمن بثبوت المتضمن. فثبت أنه يمكن إثبات الربوبية بآيات الأنبياء.
الوجه الثاني: العلوم والأحكام المتضمنة لمصالح الخلق التي جاءوا بها:
أولًا: العلوم:
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١١/ ٣٧٩).
[ ١ / ١٩٢ ]
فالرسل جميعًا اتفقوا على الإخبار بأشياء معينة – يقطع المرء بأنهم لم يتواطؤا عليها ومن ذلك: دعوتهم جميعًا إلى عبادة إله واحد، وكذلك بشارة موسى وعيسى برسالة رسولنا محمد عليهم الصلاة والسلام من غير تواطؤ منهم على بعد في الأزمنة والأمكنة، فكان ذلك على الوجه الذي بشرا به.
والرسول ﷺ قد أخبر بأخبار الأمم الماضين مع القطع بأنه كان يعيش في أمة أمية، وكذلك قد أخبر بأمور تحصل في المستقبل، وقد حصلت، منها ما هو في القرآن، ومنها ما هو في السنة، فمما ورد في القرآن قوله تعالى: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم: ١ - ٤] فكان كما أخبر، ومما ورد في السنة: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده» (١) وقوله: «خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه من يشاء» (٢) وكانت خلافة أبي بكر ﵁ سنتين وثلاثة أشهر، وخلافة عمر ﵁: عشر سنين ونصفًا، وخلافة عثمان ﵁ اثنتي عشرة سنة، وخلافة علي ﵁ أربع سنين وتسعة أشهر، وخلافة الحسن ﵁ ستة أشهر، ثم نشأ الملك وكان معاوية ﵁ أول ملوك المسلمين وهو أفضلهم (٣)، فكان الأمر كما أخبر الرسول ﷺ.
والأخبار في هذا كثيرة جدًا يحصل بمجموعها القطع والعلم الضروري، فيدل ذلك على صدقه في الرسالة وعلى وجود الخالق سبحانه، لأنه هو الذي أطلعه على ذلك إذ أنه لا يعقل أبدًا أن يتحدث الإنسان ويخبر بأشياء ويصدق فيها دائمًا دون تردد، ودون أن يجرب عليه كذب، إلا إذا كان موحى إليه، وأن الذي أوحى إليه هو الذي بيده الأمور وتتطابق أخباره مع قدره، وهذا ظاهر.
ثانيًا: الأحكام المتضمنة لمصالح الخلق:
فقد تضمنت شريعة النبي ﷺ أمورًا عظيمة، يقطع الإنسان أنها لا يمكن أن تكون إلا من خالق عليم حكيم، فالشريعة جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، وهذا واضح جدًا في الضروريات الخمس: الدين، والعقل والنفس، والمال، والعرض. ويراجع في هذا الكتب التي بُحث فيها عن حكمة التشريع ومقاصد الشريعة الإسلامية. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٢٩١
_________________
(١) رواه البخاري (٣٦١٨)، ومسلم (٢٩١٨). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه أبو داود (٤٦٤٦)، والحاكم (٣/ ١٥٦)، والطبراني (٧/ ٨٤) (٦٤٥٩). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.
(٣) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٥٤٥).
[ ١ / ١٩٣ ]
المبحث الخامس: دلالة العقل
فأما دلالة العقل، فنقول: هل وجود هذه الكائنات بنفسها، أو وجدت هكذا صدفة؟ فإن قلت: وجدت بنفسها، فمستحيل عقلًا ما دامت هي معدومة؟ كيف تكون موجودة وهي معدومة؟! المعدوم ليس بشيء حتى يوجد، إذًا لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها وإن قلت: وجدت صدفة، فنقول: هذا يستحيل أيضًا، فأنت أيها الجاحد، هل ما أنتج من الطائرات والصواريخ والسيارات والآلات بأنواعها، هل وجد هذا صدفة؟! فيقول: لا يمكن أن يكون فكذلك هذه الأطيار والجبال والشمس والقمر والنجوم والشجر والجمر والرمال والبحار وغير ذلك لا يمكن أن توجد صدفة أبدًا ويقال: إن طائفة من السمنية جاءوا إلى أبي حنيفة ﵀، وهم من أهل الهند، فناظروه في إثبات الخالق ﷿، وكان أبو حنيفة من أذكى العلماء فوعدهم أن يأتوا بعد يوم أو يومين، فجاءوا، قالوا: ماذا قلت؟ قال أنا أفكر في سفينة مملوءة من البضائع والأرزاق جاءت تشق عباب الماء حتى أرست في الميناء ونزلت الحمولة وذهبت، وليس فيها قائد ولا حمالون قالوا: تفكر بهذا؟! قال: نعم قالوا: إذًا ليس لك عقل! هل يعقل أن سفينة تأتي بدون قائد وتنزل وتنصرف؟! هذا ليس معقول! قال: كيف لا تعقلون هذا، وتعقلون أن هذه السماوات والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب والناس كلها بدون صانع؟ فعرفوا أن الرجل خاطبهم بعقولهم، وعجزوا عن جوابه هذا أو معناه وقيل لأعرابي من البادية: بم عرفت ربك؟ فقال: الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟ ولهذا قال الله ﷿: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور: ٣٥] فحينئذ يكون العقل دالًا دلالة قطعية على وجود الله شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين ١/ ٥٦
نعم إن العقل دال على وجود الله تعالى، وانفراده بالربوبية، وكمال قدرته على الخلق وسيطرته عليهم، وذلك عن طريق النظر والتفكر في آيات الله الدالة عليه. وللنظر في آيات الله والاستدلال بها على ربوبيته طرق كثيرة بحسب تنوع الآيات وأشهرها طريقان:
الطريق الأول: النظر في آيات الله في خلق النفس البشرية وهو ما يعرف بـ (دلالة الأنفس)، فالنفس آية من آيات الله العظيمة الدالة على تفرد الله وحده بالربوبية لا شريك له، كما قال تعالى: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢١]، وقال تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس: ٧]، ولهذا لو أن الإنسان أمعن النظر في نفسه وما فيها من عجائب صنع الله لأرشده ذلك إلى أن له ربًا خالقًا حكيمًا خبيرًا؛ إذ لا يستطيع الإنسان أن يخلق النطفة التي كان منها؟ أو أن يحولها إلى علقة، أو يحول العلقة إلى مضغة، أو يحول المضغة عظامًا، أو يكسو العظام لحمًا؟
الطريق الثاني: النظر في آيات الله في خلق الكون وهو ما يعرف بـ (دلالة الآفاق)، وهذه كذلك آية من آيات الله العظيمة الدالة على ربوبيته، قال الله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣].
ومن تأمل الآفاق وما في هذا الكون من سماء وأرض، وما اشتملت عليه السماء من نجوم، وكواكب، وشمس، وقمر، وما اشتملت عليه الأرض من جبال، وأشجار، وبحار، وأنهار، وما يكتنف ذلك من ليل ونهار وتسيير هذا الكون كله بهذا النظام الدقيق؛ دله ذلك على أن هناك خالقًا لهذا الكون، موجدًا له مدبِّرًا لشؤونه، وكلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات، وتغلغل فكره في بدائع الكائنات علم أنها خُلقت للحق وبالحق، وأنها صحائف آيات، وكتب براهين ودلالات على جميع ما أخبر به الله عن نفسه، وأدلة على وحدانيته. أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة لنخبة من العلماء ص١٢
[ ١ / ١٩٤ ]
الفصل الخامس: الضلال في توحيد الربوبية
المبحث الأول: مضادة توحيد الربوبية
يضاد توحيد الربوبية الإلحاد، وإنكار وجوب الرب ﷿.
ويضاده –أيضًا- اعتقاد متصرف مع الله ﷿ في أي شيء؛ من تدبير الكون، من إيجاد، أو إعدام، أو إحياء، أو إماتة، أو جلب خير، أو دفع شر، أو غير ذلك من معاني الربوبية، أو اعتقاد منازع له في شيء من مقتضيات أسمائه وصفاته، كعلم الغيب، أو كالعظمة، والكبرياء، ونحو ذلك (١).
وكما يضاده –أيضًا- اعتقاد مشرع مع الله ﷿ لأنه هو الرب وحده، وربوبيته شاملة لأمره الكوني والشرعي. رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد– ص: ١٢٧
_________________
(١) انظر: «أعلام السنة المنشورة» (ص: ٥٦).
[ ١ / ١٩٥ ]
المبحث الثاني: إنكار الربوبية
لم ينكر توحيد الربوبية أحد من البشر إلا طائفة من الشذاذ، المكابرين، المعاندين، المنكرين لما هو متقرر في فطرهم؛ فإنكارهم إنما كان بألسنتهم مع اعترافهم بذلك في قرارة أنفسهم.
ومن أشهر من عرف بذلك فرعون؛ الذي قال لقومه –كما أخبر الله عنه-: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات: ٢٤] وقال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص: ٣٨].
وكلامه هذا مجرد دعوى لم يقم عليها بينة، ولا دليل، بل كان هو نفسه غير مؤمن بما يقول.
قال –تعالى- على لسان موسى ﵇: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء: ١٠٢].
وأخبر –﷿- وهو العليم بذات الصدور – أن كلام فرعون ودعواه لم يكن عن عقيدة ويقين، وإنما هو مكابرة وعناد، قال تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: ١٤].
وممن أنكر ذلك –أيضًا- الشيوعيون، فلقد أنكروا ربوبية الله، بل أنكروا وجوده –﷾- بناءًا على عقيدتهم الخبيثة الفاجرة التي تقوم على الكفر بالغيب، والإيمان بالمادة وحدها.
وهم في الحقيقة لم يزيدوا على أن سموا الله بغير اسمه، بحيث ألهوا الطبيعة، ونعتوها بنعوت الكمال التي لا تليق بأحد إلا الله – ﷿ – فقالوا: الطبيعة حكيمة، الطبيعة تخلق، إلى غير ذلك.
وكلامهم هذا باطل متهافت، بل إن أصحاب هذا المبدأ انشقوا على أنفسهم، ولعن بعضهم بعضًا، وكفر بعضهم ببعض (١). رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد– ص: ١٢٧
_________________
(١) انظر: «الشيوعية» لمحمد بن إبراهيم الحمد.
[ ١ / ١٩٦ ]
الفصل السادس: حدود العذر بالجهل بتوحيد الربوبية
هذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات، كما قالت الرسل ﵈ فيما حكى الله عنهم: قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [إبراهيم: ١٠] ولم يعرف عن أحد من الطوائف أنه قال: إن العالم له صانعان متماثلان في الصفات والأفعال، فإن الثنوية من المجوس والمانوية القائلين بالأصلين: النور والظلمة، وأن العالم صدر عنهما متفقون على أن النور أفضل من الظلمة، وهو الإله المحمود، وأن الظلمة شريرة مذمومة، وهم متنازعون في الظلمة: هل هي قديمة أو محدثة؟، فلم يثبتوا ربَّيْن متماثلين.
وأما النصارى القائلون بالتثليث، فإنهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب ينفصل بعضهم عن بعض، بل هم متفقون على أن صانع العالم واحد، ويقولون: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد
والمشركون من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السماوات والأرض واحد، كما أخبر تعالى عنهم بقوله: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: ٢٥]، وقوله قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٥] (١).
فلا شك أن الإيمان بالله وحده لا شريك له، وأنه وحده المستحق للربوبية أمر فطر عليه الناس وهم في عالم الذر، كما قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٤].
قال الحافظ ابن كثير ﵀: ( دل على أن الفطرة التي فطروا عليها من التوحيد) (٢).
ومما يدل على هذا قوله ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (٣). قال ابن أبي العز – ﵀ -: (لا يقال: إن معناه يولد ساذجًا لا يعرف توحيدًا ولا شركًا، كما قال بعضهم) (٤).
ومنه قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿: «خلقت عبادي حنفاء فاجتالهم الشياطين » (٥).
وبناء على ما سبق من الأدلة الشرعية والأدلة الواقعية على أن الناس فطروا على توحيد الرب ﷿، أمكن القول أن الحجة على وحدانية الرب ﵎ وتفرده بالخلق قد قامت عليهم، وهي حجة مستقلة على من أنكر ربوبية الله تعالى أو أشرك معه فيها غيره معه أو دونه، أو ادعى الجهل بها.
_________________
(١) «شرح العقيدة الطحاوية» (١/ ٢٥ - ٢٩) بتصرف يسير.
(٢) «تفسير القرآن العظيم» (٢/ ٢٧٥).
(٣) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) «شرح العقيدة الطحاوية» (١/ ٣٣).
(٥) رواه مسلم (٢٨٦٥) بلفظ: «وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم». من حديث عياض بن حمار ﵁.
[ ١ / ١٩٧ ]
ولكن من رحمة الله بخلقه لما وقع الناس في شيء من الشرك بالله في ربوبيته وغيروا فطرهم، أرسل لهم الرسل تذكرهم بما في فطرهم، وتأمرهم بما هو مقتضى هذه الفطرة. قال ابن أبي العز – ﵀ -: (فلما كان هذا الشرك في الربوبية موجودًا في الناس، بين القرآن بطلانه، كما في قوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [المؤمنون: ٩١] (١).
وفي هذا المعنى قوله تعالى: أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل: ١٧]، وقوله تعالى: قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [الإسراء: ٤٢].
فقضية توحيد الربوبية التي جعل الله ﷿ الإقرار بها مركوزًا في الفطر، وبعد ما أرسلت الرسل بزيادة بيانها والدعوة إلى عبادة الله وحده التي هي مقتضى الإقرار بتوحيد الربوبية، فهذه القضية أصبحت من بديهيات العقائد المعلومة لجميع الناس، لا عذر لأحد في إنكارها بدعوى الجهل أو الشبهة أو غيرها من الدعاوى؛ لأن إنكار ذلك يناقض الفطرة التي فطر الله الناس عليها ونصب الأدلة الباهرة عليها.
ولهذا فإذا أردنا تحديد مناط قيام الحجة على الناس في قضية توحيد الربوبية، فإننا نأخذ بعين الاعتبار بديهية المسألة وأنها فطرية، ولذلك جاءت الأدلة الشرعية للتذكير بهذه العقيدة الفطرية، وكذلك أدلة الخلق المنصوبة الدالة على وحدانية الخالق المدبر ﷾.
قال الحافظ ابن القيم ﵀ معلقا على آية الإشهاد في سورة الأعراف: (ولما كانت هذه آية الأعراف في سورة مكية، ذكر فيها الميثاق والإشهاد العام لجميع المكلفين ممن أقر بربوبيته ووحدانيته وبطلان الشرك. وهو ميثاق وإشهاد تقوم عليهم الحجة وينقطع به العذر، وتحل به العقوبة ويستحق بمخالفته الإهلاك، فلابد أن يكونوا ذاكرين له عارفين به، وذلك ما فطرهم عليه من الإقرار بربوبيته وأنه ربهم وفاطرهم، وأنهم مخلوقون مربوبون. ثم أرسل إليهم رسله يذكرونهم بما في فطرهم وعقولهم، ويعرفونهم حقه عليهم وأمره ونهيه ووعده ووعيده) (٢).
وقال الشيخ الحكمي – ﵀ – مبينًا أنواع المواثيق التي أخذها الله ﷿ على بني آدم حتى يتحدد مناط قيام الحجة على الإنسان، قال: ( هذه المواثيق كلها ثابتة بالكتاب والسنة:
الأول: الميثاق الذي أخذه الله تعالى عليهم حين أخرجهم من ظهر أبيهم آدم ﵇ وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى الآيات وهو الذي قاله جمهور المفسرين ﵏ في هذه الآيات، وهو نص الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما.
الميثاق الثاني: ميثاق الفطرة، وهو أنه ﵎ فطرهم شاهدين بما أخذه عليهم في الميثاق الأول، كما قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم: ٣٠]
الميثاق الثالث: هو ما جاءت به الرسل وأنزلت به الكتب تجديدًا للميثاق الأول وتذكيرًا به رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ١٦٥].
_________________
(١) «شرح العقيدة الطحاوية» (١/ ٣٨ - ٣٩).
(٢) «الروح» (٢/ ٥٥٥).
[ ١ / ١٩٨ ]
فمن أدرك هذا الميثاق وهو باق على فطرته وهي شاهدة بما ثبت في الميثاق الأول، فإنه يقبل ذلك من أول مرة ولا يتوقف؛ لأنه جاء موافقًا لما في فطرته وما جبله الله عليه، فيزداد بذلك يقينه ويقوى إيمانه، فلا يتلعثم ولا يتردد. ومن أدركه وقد تغيرت فطرته عما جبله الله من الإقرار بما ثبت في الميثاق الأول بأن كان قد اجتالته الشياطين عن دينه وهوده أبواه أو نصراه أو مجساه، فهذا إن تداركه الله تعالى برحمته فرجع إلى فطرته وصدق بما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، نفعه الميثاق الأول والثاني. وإن كذب بهذا الميثاق، كان مكذبا بالأول، فلم ينفعه إقراره به يوم أخذه الله عليه، حيث قال (بلى) جوابا لقوله تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: ١٧٢]، وقامت عليه حجة الله وغلبت عليه الشقاوة وحق عليه العذاب. ومن يهن الله فما له من مكرم، إن الله يفعل ما يشاء.
ومن لم يدرك هذا الميثاق بأن مات صغيرًا قبل التكليف، مات على الميثاق الأول على الفطرة، فإن كان من أولاد المسلمين، فهم مع آبائهم. وإن كان من أولاد المشركين، فالله أعلم بما كان عاملا لو أدركه، كما في الصحيحين عن ابن عباس ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين، فقال ﷺ: «الله تعالى إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين» (١).
فتوحيد الربوبية قامت به الحجة القاطعة للعذر، ولهذا كان زبدة الرسالة المحمدية هي الدعوة إلى لازم هذا التوحيد وهو توحيد الألوهية، وهو عبادة الله وحده دون شريك، إذ انحراف الناس غالبًا ما يكون في هذا النوع من التوحيد، ولهذا احتاجوا على مدى التاريخ البشري إلى الرسل التي تدعوهم إلى عبادة الله تعالى وحده دون شريك، قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦].
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ﵀: (وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام والتصوف. ويظن هؤلاء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد، وأنهم إذا شهدوا هذا وفنوا فيه فقد فنوا في غاية التوحيد. فإن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء، لم يكن موحدا حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده. فيقر بأن الله وحده هو المستحق للعبادة، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك) (٢).
والخلاصة أنه لما كان المشركون مقرين بتوحيد الربوبية بل وببعض تفاصيله، فالأولى والأحرى أن يكون المسلمون كذلك، فلا يتوقع إذن من مسلم أن يجهل هذا التوحيد أو تشتبه عليه بعض تفاصيله، فضلًا عن أن ينكر شيئًا من خصائص الرب ﷿ كالتفرد بالوحدانية والخلق والتدبير، أو ينسبه جل وعلا إلى نقص، كأن ينسب له الولد أو الصاحبة أو اللغوب أو غيرها من النقائص – تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا -، أو أن يسب الله تعالى .. فهذا كله مما لا يتصور ورود الجهل فيه على أحد من المسلمين، لذلك إذا صدر من أحد شيء من هذه الكفريات، فإنه يكفر ولا يعذر بأي عذر كان جهل أو غيره. لكن أن يقع منهم الجهل بتوحيد الألوهية، فهذا وارد بل واقع، وهو أمر خطير جدا، لذلك يجب أن نرى حدود ما يعذر به المسلم إذا وقع فيما يخالف توحيد الألوهية. الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر معاش – ص: ١٢٦
_________________
(١) «معارج القبول» (١/ ٤٠ - ٤٢).
(٢) «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد» (ص: ١٦).
[ ١ / ١٩٩ ]
الفصل السابع: نقد منهج المتكلمين في إثبات الربوبية
المبحث الأول: بدعية طريقة المتكلمين في الاستدلال على وجود الخالق ﷿ وذم العلماء لها
أن الإيمان به تعالى والإقرار بوجوده أمر فطرت عليه القلوب، أعظم من فطرتها على الإقرار بغيره من الموجودات، فهو سبحانه أبين وأظهر من أن يجهل، فيطلب الدليل على وجوده.
يقول الحافظ العلامة ابن القيم: "سمعت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية – قدس الله روحه – يقول: كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء؟ وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
ومعلوم أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من جود النهار، ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما" (١).
لذلك لم يكن إثبات وجود الله ﵎ من حيث هو موجود من الأهداف القرآنية، ولم يكن ذلك هدفًا من أهداف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعلى رأسهم نبينا محمد ﷺ، ولهذا قالت الرسل لأممهم: أَفِي اللهِ شَكٌّ [إبراهيم: ١٠]. إلا أن القرآن الكريم لم يتجاهل هذه القضية بل نبه إليها، وأشار إلى دلائلها؛ إذ الفطر قد تتغير وتفسد، والإيمان واليقين قد يضعف، فأقام الله ﷿ من الدلائل الباهرة، والبراهين القاطعة ما يبهر العقول، ويقود القلوب إلى التسليم والانقياد، فكل شيء يدل على وجود الله تعالى؛ إذ ما من شيء إلا وهو أثر من آثار قدرته سبحانه، وما ثم إلا خالق ومخلوق، والمخلوق يدل على خالقه فطرة وبداهة، إذ ما من أثر إلا وله مؤثر، كما اشتهر في قول الأعرابي الذي سئل: كيف عرفت ربك؟ فقال – بفطرته السليمة – البعرة تدل على البعير؛ والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، أرض ذات فجاج، وجبال وبحار وأنهار، أفلا تدل على السميع البصير؟ (٢).
فهذه المسألة – مع منتهى وضوحها وجلائها – تخبط الناس فيها خبط عشواء، وأكثروا فيها القيل والقال، واشتد بينهم النزاع، وطال الجدال.
ويعتبر المتكلمون أكثر من اشتغل بتقرير وجود الخالق ﷿ والاستدلال له، غير أنهم لم يسيروا في ذلك على منهج الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح، وإنما أتوا بطريقة مخترعة مستمدة من الفلسفة والمنطق اليوناني، فترتب على ذلك مفاسد عديدة في أبواب الاعتقاد. سلك المتكلمون في الاستدلال على إثبات وجود الله تعالى، طريقة مبتدعة، مذمومة في الشرع، كما أنها مخطرة، مخوفة في العقل، ألا وهي ما يسمونه (دليل الأعراض وحدوث الأجسام).
واعتمدوا فيما نهجوه على الجواهر والأعراض (٣) وما يتعلق بها من الإمكان أو الحدوث أو غير ذلك مما ذكروه، لكون العالم مؤلفًا من أجزاء حادثة، والمؤلف من أجزاء حادثة حادث، والحادث جائز الوجود؛ إذ يجوز تقديره عدمًا قبل الوجود، فلما اختص العالم بالوجود الممكن بدلًا عن العدم الجائز احتاج إلى موجد وافتقر إلى صانع وهو الله تعالى (٤).
قال الإيجي: "قد علمت أن العالم إما جوهر أو عرض، قد يستدل على إثبات الصانع بكل واحد منهما إما بإمكانه أو بحدوثه، بناء على أن علة الحاجة عندهم إما الحدوث وحده أو الإمكان مع الحدوث شرطًا أو شطرًا فهذه وجوه أربعة:
_________________
(١) «مدارج السالكين» لابن القيم (١/ ٦٠).
(٢) انظر: «ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان» لابن الوزير (ص: ٨٣).
(٣) انظر: «الإرشاد» للجويني (ص: ٣٩)، و«التعريفات» للجرجاني (ص: ٧٩)، (ص: ١٤٩).
(٤) انظر على سبيل المثال والمختصر في «أصول الدين» لعبد الجبار (ص: ١٧٢ - ١٧٣)، «التوحيد» للماتريدي (ص: ١٢٩، ٢٣١، ٢٣٣)، و«الإرشاد» للجويني (ص: ٣٩)، و«تهافت الفلاسفة» للغزالي (ص: ٣٩) و«نهاية الإقدام» للشهرستاني (ص: ٥ - ٦)، «المحصل» للرازي (ص: ١٤٧)، «التمهيد» للباقلاني (ص: ٣٧).
[ ١ / ٢٠٠ ]
الأول: الاستدلال بحدوث الجواهر، قيل: هذه طريقة الخليل صلوات الرحمن وسلامه عليه، حيث قال: قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام: ٧٦]، وهو أن العالم الجوهري أي المتحيز بالذات حادث كما مر، وكل حادث فله محدث كما تشهد بذلك بديهة العقل (١).
وأما إدعاؤهم أن طريقتهم في الاستدلال على وجود الله تعالى بدليل الجواهر والأعراض الدال على حدوث العالم هي طريقة إبراهيم الخليل فيما حكى الله عنه في قوله: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام: ٧٦] فادعاء باطل مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول وللغة العربية التي نزل بها القرآن واستدلال في غير محله، فإن أحدًا من سلف الأمة وأئمتها أهل العلم والإيمان لم يقل بذلك، كما ذكر الإمام الدارمي، وغيره من علماء أهل السنة؛ بل وبينوا أن هذا من التفاسير المبتدعة (٢).
وقد فسر أئمة المفسرين: الأفول بـ (المغيب) (٣). وكذا فسره أهل اللغة وغريب القرآن بذلك (٤).
ثم إن إبراهيم ﵇ لم يكن يقصد الاستدلال بمجرد الحركة على نفي الربوبية، ولو كان يقصد ذلك لكفاه تحرك هذه الكواكب من مشرقها إلى مغربها دليلًا على ما أراد، وإنما استدل بأفولها ومغيبها عن عين عابديها على عدم استحقاقها للعبادة، لأن الذي يستحق العبادة لا ينبغي أن يغيب عن عين عابدة لحظة واحدة، وهذه الكواكب لا تملك لنفسها أن تمنعها من الإحتجاب والمغيب عن أعين عابديها فلا تصلح أن تكون آلهة تعبد من دون الله.
فهذه طريقة إبراهيم ﵇ في نفي ألوهية الكواكب، وهذا هو مقصوده مما يناقض ما ذهب إليه المتكلمون في تأويلهم الأفول بالحركة والتغير واستدلالهم بذلك لتقرير منهجهم العقلي في إثبات وجود الله المبني على دليل الإمكان والوجوب أو الجواهر والأعراض (٥).
وهكذا نجد المتكلمين يستدلون على حدوث العالم بحدوث الأعراض التي هي صفات الأجسام القائمة بها إما الأكوان وإما غيرها، وتقرير المقدمات التي يحتاج إليها هذا الدليل من إثبات الأعراض التي هي الصفات أولًا، أو إثبات بعضها كالأكوان التي هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق، وإثبات حدوثها ثانيا، بإبطال ظهورها بعد الكون وإبطال انتقالها من محل إلى محل ثم إثبات امتناع خلو الجسم ثالثًا، إما عن كل جنس من أجناس الأعراض بإثبات أن الجسم قابل لها، وأن القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده، وإما عن الأكوان وإثبات امتناع حوادث لا أول لها رابعًا، وهو مبني على مقدمتين:
أحدهما: أن الجسم لا يخلو عن الأعراض التي هي الصفات.
_________________
(١) «شرح المواقف»، ومعه «شرح الجرجاني» (٢/ ٢ - ٣) وما بعدها.
(٢) انظر: «رد الإمام الدارمي على بشر المريسي» (ص: ٥٥)، و«درء التعارض» لابن تيمية (١/ ٣١٤).
(٣) انظر: «تفسير الطبري» (٥/ ٢٤٦)، و«تفسير البغوي» (٢/ ٩٠)، و«تفسير ابن كثير» (٢/ ١٥٦).
(٤) انظر: «الصحاح» للجوهري (٤/ ٦٢٣)، و«معجم مقاييس اللغة العربية» لابن فارس (١/ ١١٩)، و«لسان العرب» لابن منظور (١١/ ١٨) (مادة: الأفل) و«المفردات في غريب القرآن» للراغب الأصفهاني (ص: ٢٣).
(٥) انظر: «درء التعارض» (١/ ٣١٤ - ٣١٥)، (٨/ ٣٥٥ - ٣٥٦)، (٩/ ٨٢ - ٨٤)، و«منهاج السنة» (١/ ٤٤ - ١٤٥)، (٢/ ١٤١ - ١٤٣)، و«الرد على المنطقيين» (ص: ٣٠٤ - ٣٠٥)، و«بغية المرتاد» (ص: ٣٦٠ - ٣٧٤).
[ ١ / ٢٠١ ]
والثانية: أن ما لا يخلو عن الصفات التي هي الأعراض فهو محدث؛ لأن الصفات التي هي الأعراض لا تكون إلا محدثة، وقد يفرضون ذلك في بعض الصفات التي هي الأعراض كالأكوان، وما لا يخلو عن جنس الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا تتناهى (١).
ومن خلال ما سبق عرضه لا يخالج أحدًا شك في صعوبة هذا الدليل، وشدة غموضه وتعقيده، واشتماله على مقدمات عسيرة عويصة، مما لا يؤمن معه على سالكه ومقتفيه التعثر وسوء المغبة وبعد التيه، فهي كما قيل: لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل.
وليعلم أن الاستدلال بحدوث أشياء وتغيرها وتحولها من حال إلى حال في حد ذاته استدلال صحيح، نبه عليه القرآن الكريم وأشار إليه في أكثر من موضع، غير أن الأمر الذي هو محل النقد في هذا الدليل هو طريقتهم في إثبات حدوث العالم، ومن ثم زعمهم أن طريقتهم تلك هي طريقة إبراهيم الخليل ﵇.
وعلى كل، فقد اشتد نكير أهل العلم من أهل السنة والجماعة، بل وحتى المحققين من المتكلمين على مسلك هذه الطريقة، وحصر الدليل على إثبات وجود الله تعالى فيها.
نص ما حكاه شيخ الإسلام من الإجماع: ناقش شيخ الإسلام استدلال المتكلمين بهذا الدليل في كثير من رسائله ومؤلفاته، وأوضح بطلان هذا الدليل بالمنقول والمعقول، وكان من جملة ما استدل به على بطلانه، واحتج به اتفاق السلف - ﵏ -، وانعقاد إجماعهم على بدعية هذه الطريقة التي سلكها المتكلمون في إثبات الصانع، وذمهم لها، حيث قال: (المقصود هنا أن كثيرًا من أهل النظر صار ما يوجبونه من النظر والاستدلال ويجعلونه أصل الدين والإيمان هو هذه الطريقة المبتدعة في الشرع المخالفة للعقل الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمها وذم أهلها) (٢).
وقال أيضًا: (ولكن الاستدلال على ذلك بالطريقة الجهمية المعتزلة، طريقة الأعراض والحركة والسكون، التي مبناها على أن الأجسام محدثة لكونها لا تخلو عن الحوادث، وامتناع حوادث لا أول لها، طريقة مبتدعة في الشرع باتفاق أهل العلم بالسنة، وطريقة مخوفة في العقل، بل مذمومة عند طوائف كثيرة) (٣).
وذكر (أن هذا الدليل لم يستدل به أحد من الصحابة والتابعين ولا من أئمة المسلمين، فلو كانت معرفة الرب ﷿ والإيمان به موقوفة عليه للزم أنهم كانوا غير عارفين بالله ولا مؤمنين به، وهذا من أعظم الكفر باتفاق المسلمين؛ بل إن الأنبياء والمرسلين لم يأمروا واحدًا بسلوك هذا السبيل، فلو كانت المعرفة موقوفة عليه وهي واجبة لكان واجبًا، وإن كانت مستحبة كان مستحبًا، ولو كان واجبًا أو مستحبًا لشرعه رسول الله ﷺ، ولو كان مشروعًا لنقلته الصحابة) (٤).
قال: (الإقرار بالصانع فطري ضروري بديهي لا يجب أن يتوقف على النظر والاستدلال؛ بل قد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن معرفة الله والإقرار به لا يقف على هذه الطرق التي ذكرها أهل طريقة النظر) (٥).
وقال أيضا: (أن أصل المعرفة والإقرار بالصانع لا يقف على النظر والاستدلال؛ بل يحصل بديهة وضرورة؛ ولهذا يقر بالصانع جميع الأمم مع عظيم شركهم وكفرهم وأنهم لا يسلكون من هذه الطرق المشهورة عند النظار مثل الاستدلال بالحدوث على المحدث، وبالإمكان على الواجب) (٦).
ونقل كلامًا لأبي الحسن الأشعري ضمنه اتفاق السلف على الاستغناء عن هذه الطريقة، وأقره على ذلك (٧).
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤).
(٢) «النبوات» (ص: ٨٥).
(٣) «منهاج السنة النبوية» (١/ ٣٠٣).
(٤) انظر: «نقض التأسيس» (١/ ٦١٩).
(٥) انظر: «نقض التأسيس» (٢/ ٤٧٣).
(٦) انظر: «نقض التأسيس» (٢/ ٤٧٣).
(٧) انظر: «درء التعارض» (٧/ ٢٢٤).
[ ١ / ٢٠٢ ]
وبين (أن طريقة الاستدلال بما يشاهد حدوثه قد جاء به القرآن، واتفق عليها السلف والأئمة، ولكن تمشيا مع الضرورة والحس، ولا يحتاج مع ذلك إلى إقامة دليل على حدوث ما يحدث من الأعيان، بل يستدل بذلك على وجود المحدث تعالى) (١).
وفي ذلك يقول: (طريقة الاستدلال بما يشاهد حدوثه جاء بها القرآن، واتفق عليها السلف والأئمة) (٢).
ذكر من حكى الإجماع أو نص على المسألة ممن سبق شيخ الإسلام: (لقد أنكر أهل العلم – ﵏ – على المتكلمين سلوكهم هذه المسالك المعقدة، فوسموهم بالبدعة والضلالة، وبينوا فساد طريقتهم عقلًا، وتحريمها شرعًا، وأقوال أهل العلم – ﵏ – في بيان عظم خطر هذه الطريقة وصعوبتها كثيرة، ومن ذلك إجابة أبي حنيفة حينما سأله السائل عما أحدثه الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة؛ فإنها بدعة) (٣).
وقد سئل القاضي ابن سريج عن التوحيد، فذكر توحيد المسلمين، وقال: (وأما توحيد أهل الباطل فهو الخوض في الجواهر والأعراض، وإنما بعث النبي ﷺ بإنكار ذلك) (٤).
وعقب شيخ الإسلام على هذا القول بقوله: (ولم يرد بذلك أنه أنكر هذين اللفظين، فإنهما لم يكونا قد أحدثا في زمنه، وإنما أراد إنكار ما يعنى بها من المعاني الباطلة؛ فإنه أول من أحدثهما الجهمية والمعتزلة) (٥).
ويقول أبو الحسن الأشعري: (وإذا ثبت بالآيات صدقه ﷺ، فقد علم صحة كل ما أخبر به النبي ﷺ عنه، وصارت أخباره ﵇ أدلة على صحة سائر ما دعانا إليه من الأمور الغائبة عن حواسنا وصفات فعله، وصار خبره ﵇ عن ذلك سبيلًا إلى إدراكه، وطريقًا إلى العلم بحقيقته، وكان ما يستدل به من أخباره ﵇ على ذلك أوضح دلالة من دلالة الأعراض التي اعتمد على الاستدلال بها الفلاسفة، ومن اتبعها من القدرية، وأهل البدع المنحرفين عن الرسل ﵈) (٦).
وبين صعوبة هذا الدليل، وشدة خفائه، وكثرة مقدماته، وأشار إلى أن السلف الصالح ومن تبعهم من الخلف قد عدلوا عن هذه الطرق المعقدة الغامضة. وأعرضوا عما صارت إليه الفلاسفة ومن اتبعهم من القدرية وغيرهم من أهل البدع من الاستدلال بذلك، لاستغنائهم بالأدلة الواضحة في ذلك عنه (٧).
وممن قرر اتصاف هذه الطريقة بالاعوجاج والخطورة، ووجود الغنية فيما استدل به السلف – ﵏ -؛ لما فيه من الوضوح والسلامة أبو سليمان الخطابي حيث قال: (فإن قال هؤلاء القوم: فإنكم قد أنكرتم الكلام، ومنعتم استعمال أدلة العقول، فما الذي تعتمدون عليه في صحة أصول دينكم؟ ومن أي طريق تتوصلون إلى معرفة حقائقها؟ وقد علمتم أن الكتاب لم يعلم حقه، وأن الرسول لم يثبت صدقه إلا بأدلة العقول، وأنتم قد نفيتموها؟!
_________________
(١) انظر: «درء التعارض» (٧/ ٢٢٣).
(٢) انظر: «درء التعارض» (٥/ ٢٩٤).
(٣) ذكره ابن قدامة المقدسي في «ذم التأويل» (ص: ٣٢، ٣٣).
(٤) نقله عنه شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٣٠٥).
(٥) نقله عنه شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٣٠٥).
(٦) «رسالة إلى أهل الثغر» (ص: ١٨٤، ١٨٥).
(٧) «رسالة إلى أهل الثغر» (ص: ١٨٦ - ١٩١).
[ ١ / ٢٠٣ ]
قلنا: إننا لا ننكر أدلة العقول والتوصل بها إلى المعارف، ولكننا لا نذهب في استعمالها إلى الطريقة التي سلكتموها في الاستدلال بالأعراض وتعلقها بالجواهر، وانقلابها فيها على حدوث العالم وإثبات الصانع، ونرغب إلى ما هو أوضح بيانًا وافصح برهانًا – إلى أن قال – فأما مثبتوا النبوات فقد أغناهم الله تعالى عن ذلك، وكفاهم كلفة المؤونة في ركوب هذه الطريقة المنعرجة التي لا يؤمن العنت على راكبها، والابتداع والانقطاع على سالكها) (١).
وقال – بعد ما ذكر جملة من الأدلة على إثبات الصانع ﷿ ومال إلى الأدلة الشرعية منها -: (وقد أبى متكلموا زماننا هذا، إلا الاستدلال بالأعراض وتعلقها بالجواهر وانقلابها فيها، وزعموا أنه لا دلالة أقوى من ذلك ولا أصح منه. ونحن وإن كنا لا ننكر الاستدلال بهذا النوع من الدلالة، فإن الذي نختاره ونؤثره هو ما قدمنا ذكره؛ لأنه أدلة اعتبار وطريق السلف من علماء أمتنا، وإنما سلك المتكلمون في الاستدلال بالأعراض مذهب الفلاسفة وأخذوه عنهم) (٢).
وقد تنبه أبو حامد الغزالي إلى بدعية هذا الدليل، وأنه ليس من طريقة الرسول ﷺ، ولا صحابته رضوان الله عليهم، فأعلن ذلك رغم سلوكه له حيث يقول: (فليت شعري متى نقل عن رسول الله ﷺ، أو عن الصحابة ﵃ إحضار أعرابي أسلم، وقوله له: الدليل على أن العالم حادث: أنه لا يخلو عن الأعراض، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث) (٣).
أما أبو الحسن الآمدي – فقد قلل من شأن هذا الدليل، فقال بعد أن نقله بطوله: (وهو عند التحقيق سراب غير حقيقة) (٤).
وكذا يرى ابن رشد الحفيد عدم صحة هذا الدليل، أو جدواه، ويرى أن في غيره من الطرق الشرعية غنية عنه، ويظهر ذلك بوضوح من خلال نقده لطريقة الأشعرية في إثبات وجود الخالق بهذا الدليل حيث قال: (وطريقتهم التي سلكوا في بيان حدوث الجزء الذي لا يتجزأ، وهو الذي يسمونه الجوهر الفرد: طريقة معتاضة، تذهب عن كثير من أهل الرياضة في صناعة الجدل، فضلا عن الجمهور، ومع ذلك فهي طريقة غير برهانية، ولا مفضية بيقين إلى وجود الباري) (٥).
واستدل ابن عبد البر على فساد هذه الطريقة وبدعيتها، بعدم سلوك الصحابة لها، مع ما نطق به القرآن من تزكيتهم وتقديمهم، والإطناب في مدحهم وتعظيمهم، فلو كانت هذه الطريقة لديهم مشهورة، أو من أخلاقهم معروفة لاستفاض عنهم النقل، ولتواترت بها الرواية والخبر، وفي ذلك يقول: (ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبًا، وفي الجسم ونفيه، والتشبيه ونفيه لازمًا، ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم. ولو كان ذلك من علمهم مشهورًا، أو من أخلاقهم معروفًا لاستفاض عنهم، ولشهروا به كما شهروا بالقرآن والروايات) (٦).
_________________
(١) «الغنية عن الكلام وأهله» للخطابي نقلا عن «نقض التأسيس» (١/ ٢٥٤)، و«درء التعارض» (٧/ ٢٩٢ - ٢٩٤).
(٢) كتاب «شعار الدين» للخطابي، نقلا عن «نقض التأسيس» (١/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، و«درء التعارض» (٧/ ٢٩٤).
(٣) «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة» للغزالي (ص: ١٢٧، ٢٠٢، ٢٠٣).
(٤) «غاية المرام في علم الكلام» للآمدي (ص: ٢٦٠).
(٥) «الكشف عن مناهج الأدلة» لابن رشد (ض: ٤٣).
(٦) «التمهيد» لابن عبد البر (٧/ ١٥٢).
[ ١ / ٢٠٤ ]
وبنحو ما استدل به ابن عبد البر استدل أبو المظفر السمعاني حيث يقول: (وقد علمنا أن النبي ﷺ لم يدعهم في هذه الأمور إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر وذكر ماهيتهما، ولا يمكن لأحد من الناس أن يروي في ذلك عنه ولا عن أحد من الصحابة ﵃ من هذا النمط حرفًا واحدًا فما فوقه، لا في طريق تواتر ولا آحاد، فعلمنا أنهم ذهبوا خلاف مذهب هؤلاء وسلكوا غير طريقهم، وأن هذا طريق محدث مخترع لم يكن عليه رسول الله ﷺ، ولا أصحابه ﵃، وسلوكه يعود عليهم بالطعن والقدح ونسبتهم إلى الجهل وقلة العلم في الدين واشتباه الطريق عليهم) (١).
وما أصدق عبارة ابن عقيل في هذه القضية: (أنا أقطع أن الصحابة ماتوا ولم يعرفوا لا الجوهر ولا العرض. فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن. وإن رأيت طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت) (٢).
وأشار العمراني إلى تصريح العلماء بتحريم الكلام، وبدعية هذا الطريق بقوله: (قد صرح العلماء من أهل الحديث والفقهاء المشهورون بتحريم الكلام، وقالوا هو محدث وبدعة في الدين، وقالوا لو كان طريقًا صحيحًا لمعرفة الله سبحانه لنبه الله سبحانه في القرآن ولأمر النبي ﷺ به وتكلمت به الصحابة ﵃. وقد علم النبي ﷺ أصحابه الاستنجاء ودلهم على جميع الأحكام فلو كان الكلام من مهمات الدين لنبه النبي ﷺ عليه) (٣).
مستند الإجماع: استند العلماء في إجماعهم في هذه المسألة على ما ورد من نصوص كثيرة في الكتاب والسنة من النهي عن الابتداع في الدين، ولا سيما في مسألة مهمة كهذه، تتعلق بعقيدة المسلم وأصل دينه.
فقد تتبع أهل العلم آي الكتاب، وكلام رب الأرباب، وسنة رسول الله ﷺ ما تواتر منها وما كان من أحاديث الآحاد، وأقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم من الأئمة المتبوعين، فلم يقفوا على حرف واحد يدل على تلك الطريقة المذمومة، فانعقد على الحكم ببدعيتها إجماعهم، واتفقت على ذم أهلها أقوالهم.
وإنما جاء التنبيه على دلالة الخلق والإبداع في القرآن الكريم في عدة مواضع كقوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ [الطور: ٣٥ - ٣٦]، وقوله تعالى: أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا [مريم: ٦٧]، وقوله تعالى: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [مريم: ٩].
والمتأمل في كتاب الله يجده مملوءًا بالآيات التي تدعو الإنسان إلى النظر والتفكر تلك الدلائل القاطعة المبثوثة في الآفاق وفي الأنفس، لا النظر الذي سلكه المتكلمون في استدلالهم بدليل الأعراض وحدوث الأجسام.
فالاستدلال بالآيات الكونية وما هو مشاهد ومحسوس وما تدل عليه الضرورة والفطر والحس منهج قويم من مناهج أهل السنة والجماعة، فقد عقد أهل العلم – رحمهم الله تعالى – فصولًا كثيرة في كتبهم ساقوا تحتها عددًا كبيرًا من الآيات والأحاديث وأقوال السلف للدلالة على وحدانية الله ﷿ بدليل خلق السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح والجبال والهواء والماء وخلق الإنسان وانتقاله من طور النطفة إلى العلقة ثم المضغة ثم العظام ثم إنشائه خلقا آخر.
ولعل من أبلغ الأدلة الحاثة على الاستدلال بما هو مشاهد ومحسوس من الآيات الكونية المبثوثة في الآفاق وفي الأنفس قول الله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣].
وقوله تعالى: وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢٠ - ٢١].
وعلى كل؛ فلم يرد في كتاب الله ولا سنة رسول الله ولا أقوال السلف الصالح ما يشير إلى مسلك المتكلمين في هذه المسألة، بل جاء التحذير منه والحكم ببدعيته، واشتد نكير أهل العلم على من سكله وقرره. المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٢٣٧
_________________
(١) «الانتصار لأهل الحديث» للسمعاني (ص: ٦٩، ٧٠، ٧١).
(٢) «تلبيس إبليس» لابن الجوزي (ص: ٨٥).
(٣) «الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار» للعمراني (١/ ١٢٩).
[ ١ / ٢٠٥ ]
المبحث الثاني: خطأ المتكلمين في إيجابهم النظر على المكلف ودعواهم أن المعرفة موقوفة عليه
تقرر في المبحث السابق اتفاق العلماء على بدعية الطريقة التي سلكها المتكلمون في إثبات وجود الله تعالى، وأن هذه الطريقة فيها فساد كثير في وسائلها ومقاصدها، فأما وسائلها فمع صعوبتها ففيها خطورة ومزلات عظيمة، وأما مقاصدها فغايتها إثبات وجود الخالق جل وعلا وتدبيره لهذا الكون وهذا الأمر قد فطر الناس عليه، فوجود الخالق ﷿ أظهر من كل شيء على الإطلاق، فهو أظهر للبصائر من الشمس للأبصار، وأبين للعقول من كل ما تعقله وتقر بوجوده، فما ينكره إلا مكابر بلسانه، وأما قلبه وعقله وفطرته فكلها تكذبه (١).
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، من جعل هذه الطريقة المعتاضة المبتدعة أحد الطرق الموصلة إلى معرفة الله ﷿، حتى زعم المتكلمون أن من لم يعرفها، ويستدل بها على وجود الله تعالى لا يقبل ولا يصح إيمانه.
ومن ثم أوجبوا على المكلف الاستدلال بها لمعرفة الخالق جل وعلا، إذ إن أول واجب على المكلف عندهم النظر، أو القصد إلى النظر المفضي – في نظرهم – إلى قيام الاستدلال وصحة البرهان.
يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي: (إن سأل سائل فقال: ما أول ما أوجب الله عليك؟ فقل النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى؛ لأنه تعالى لا يعرف ضرورة ولا بالمشاهدة، فيجب أن نعرفه بالتفكير والنظر) (٢).
ويقول عبد القاهر البغدادي: (الصحيح عندنا قول من يقول: إن أول الواجبات على المكلف النظر والاستدلال المؤديات إلى المعرفة بالله تعالى وبصفاته وتوحيده وعدله وحكمته، ثم النظر والاستدلال المؤديان إلى جواز إرسال الرسل منه، وجواز تكليف العباد ما شاء، ثم النظر المؤدي إلى وجوب الإرسال والتكليف منه، ثم النظر المؤدي إلى تفصيل أركان الشريعة، ثم العمل بما يلزمه منها على شروطه) (٣).
ويقول الجويني: (أول ما يجب على العاقل البالغ – باستكمال سن البلوغ أو الحلم شرعًا – القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العالم ..) (٤).
بل وذكر حكم من مات قبل أن يكتسب معرفة الله تعالى عن النظر والاستدلال قائلا: (فمن اخترمته المنية قبل أن ينظر وله زمن يسع النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى ولم ينظر مع ارتفاع الموانع، ومات بعد زمان الإنكار فهو ملحق بالكفر، وأما لو أمضى من أول الحال قدرًا من الزمان يسع بعض النظر لكنه قصر في النظر ثم مات قبل مضي الزمان الذي يسع في مثله النظر الكامل فإن الأصح في ذلك، الحكم بكفره لموته غير عالم مع بدء التقصير منه فليلحق بالكفرة «٥).
وقد اعتبر السنوسي النظر والاستدلال بالأقيسة المنطقية شرطًا للدخول في الإسلام، ومن عاند في أدائه وجب استخراجه منه بالسيف إلى أن يموت (٦).
وهكذا أضاف المتكلمون إلى بدعتهم السابقة بدعة أخرى، رتبوا عليها أحكام شنيعة تقشعر منها الجلود، كتسميتهم من لم يتبع هذه الطريقة مقلدًا محكومًا عليه بالكفر والخسران أو الفسق، فيلزم من قولهم هذا أنهم هم المؤمنون الناجون فقط دون سواهم، ويكون العوام – وهم أكثر المسلمين – ليسوا بمؤمنين ولا ناجين من النار، بل حتى العلماء الذين لم يسلكوا مسالكهم ويتبعوا طريقتهم! وفي هذا تحجير لواسع، وتضييق لرحمة الله، وابتداع لقول لم يسبقوا إليه.
_________________
(١) انظر: «مفتاح دار السعادة»، لابن القيم (١/ ٢١٢).
(٢) «المحيط بالتكليف» للقاضي عبد الجبار (ص: ٢٦)، و«شرح الأصول الخمسة» له (ص: ٧٠، ٧٦).
(٣) «أصول الدين» للبغدادي (ص: ٧٥).
(٤) «الشامل» للجويني (ص: ٢٦).
(٥) «الشامل» للجويني (ص: ٣٢، ٣٣).
(٦) انظر: «شرح أم البراهين» للسنوسي (ص: ١٦، ١٧).
[ ١ / ٢٠٦ ]
وعلى كل حال؛ فإن القول الحق في هذه المسألة، والذي تشهد له النصوص، وعليه اتفاق السلف والأئمة – كما حكاه شيخ الإسلام عنهم في أكثر من موضع – هو أن أول واجب على المكلف الشهادتان.
وقد حكى انعقاد الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم – رحمهم الله تعالى – وفي ذلك إبطال لما ذهب إليه المتكلمون في هذه المسألة، وأحد أوجه الرد عليهم وتزيف لقولهم، ودحض لشبهتهم، وتخطئة لمنهجهم وطريقتهم.
نص ما حكاه شيخ الإسلام من الإجماع: بين ﵀ أن معرفة الله والإقرار به لا يقف على هذه الطرق المذمومة عند السلف، بل بعض هذه الطرق لا تفيد عندهم المعرفة فضلًا عن أن يكون الله لا يقر به مقر ولا يعرفه عارف إلا بهذه الطريقة المذمومة والتي أوجبها المتكلمون على المكلف للدخول في الإسلام حيث يقول: (بل قد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن معرفة الله والإقرار به لا يقف على هذه الطرق التي يذكرها أهل طريقة النظر؛ بل بعض هذه الطرق لا تفيد عندهم المعرفة فضلا عن أن يكون الله لا يقر به مقر ولا يعرفه عارف إلا بالطريقة المشهورة له من إثبات حدوث العالم بحدوث صفاته مع دعواهم أن الله لا يعرف إلا بهذه الطريقة) (١).
وقال أيضا: (وليس هذا قول أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، ولا قاله أحد من الأنبياء والمرسلين، ولا هو قول كل المتكلمين ولا غالبهم، بل هذا قول محدث في الإسلام ابتدعه متكلموا المعتزلة ونحوهم من المتكلمين الذين اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمهم) (٢).
وحكى اتفاق السلف – رحمهم الله تعالى – على تخطئة المتكلمين في إيجابهم هذا النظر المعين على المكلف لتحصيل المعرفة، وإيقافهم المعرفة عليه بقوله: (والمقصود هنا أن هؤلاء الذين قالوا: معرفة الرب لا تحصل إلا بالنظر، ثم قالوا: لا تحصل إلا بهذا النظر، هم من أهل الكلام – الجهمية القدرية ومن تبعهم – وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وجمهور العلماء من المتكلمين وغيرهم، على خطأ هؤلاء في إيجابهم هذا النظر المعين، وفي دعواهم أن المعرفة موقوفة عليه. إذ قد علم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ أنه لم يوجب هذا على الأمة ولا أمرهم به، بل ولا سلكه هو ولا أحد من سلف الأمة في تحصيل هذه المعرفة) (٣).
وقال بعد ذكره لأقوال المتكلمين ومن تبعهم في إيجاب هذا النظر: (كلها غلط مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، بل وباطلة في العقل أيضًا) (٤).
وأوضح اللوازم الفاسدة من إيقاف المتكلمون معرفة الله تعالى وتحصيلها على هذا النظر المعين من الالتزام بالقول بعدم معرفة الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين بالله، والإيمان به، ولا شك أن هذا من أعظم الكفر باتفاق المسلمين، وفي ذلك يقول: (إن هذا الدليل لم يستدل به أحد من الصحابة والتابعين ولا من أئمة المسلمين، فلو كانت معرفة الرب ﷿ والإيمان به موقوفة عليه للزم أنهم كانوا غير عارفين بالله ولا مؤمنين به، وهذا من أعظم الكفر باتفاق المسلمين) (٥).
وإذا كان قول المتكلمين بأن أول واجب على المكلف النظر المعين – المستفاد من دليل الأعراض وحدوث الأجسام – فاسد مطرح مذموم عند السلف، فما هو القول الصحيح الذي اتفق عليه السلف والأئمة، وتؤيده النصوص والأدلة؟
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية مجيبا عن هذا السؤال: (والمقصود هنا أن السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب البلوغ) (٦).
_________________
(١) «النقض» (٢/ ٤٧٣).
(٢) «النقض» (٢/ ٤٧٣).
(٣) «المجموع» (١٦/ ٣٣٠).
(٤) «المجموع» (١٦/ ٣٣٢).
(٥) «النقض» (١/ ٦١٩).
(٦) «الدرء» (٨/ ١١)، وانظر «النقض» (٨/ ٨).
[ ١ / ٢٠٧ ]
وبين أن (الشهادة تتضمن الإقرار بالصانع تعالى وبرسوله، وأما مجرد الإقرار بالصانع دون الإتيان بالشهادتين فهذا لا يصير به الرجل مؤمنًا، بل ولا يصير مؤمنا بأن يعلم أنه رب كل شيء حتى يشهد أن لا إله إلا الله، ولا يصير مؤمنًا بذلك حتى يشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ) (١).
وقال – في معرض نقده لمن أوجب النظر على المكلف، وجعله أول الواجبات-: (والنبي ﷺ لم يدع أحدًا من الخلق إلى النظر ابتداء، ولا إلى مجرد إثبات الصانع، بل أول ما دعاهم إليه الشهادتان، وبذلك أمر أصحابه) (٢).
وقال أيضًا – بعد أن ساق جملة من الأحاديث الدالة على أن أول ما يدعى إليه الشهادتان وكذلك الأمر بقتال الناس حتى يأتوا بالشهادتين -: (وهذا مما اتفق عليه أئمة الدين، وعلماء المسلمين، فإنهم مجمعون على ما علم بالاضطرار من دين الرسول، أن كل كافر فإنه يدعى إلى الشهادتين، سواء كان معطلا، أو مشركًا، أو كتابيًا، وبذلك يصير الكافر مسلمًا، ولا يصير مسلما بدون ذلك) (٣).
وقال أيضا: (أجمع المسلمون على أن الكافر إذا أراد أن يسلم يكتفى منه بالإقرار بالشهادتين) (٤).
وقال كذلك: (وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر) (٥).
وقال في موضع آخر: (فأما الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين) (٦).
ذكر من حكى الإجماع أو نص على المسألة ممن سبق شيخ الإسلام: جاءت هذه المسألة نتيجة للمسألة السابقة والتي أكثر أهل الكلام الاشتغال بها، فأحدثوا في دين الله ما لم يأذن به، ولم يرد عن رسول الله ﷺ ولم يكن عليه سلفنا الصالح.
وقد اشتد نكير أهل العلم – رحمهم الله تعالى – على كلتا المسألتين، ووسموا أهلها بالابتداع والضلال، وبينوا فساد ما ذهبوا إليه، وحذروا من مغبة ما يؤول إليه. وقد استعرضنا جملة من أقوال أهل العلم – رحمهم الله تعالى – عند الحديث عن المسألة الأولى.
استدلالهم بدليل الأعراض وحدوث الأجسام، وها نحن نذكر جملة أخرى تنضاف إلى ما سبق لتكون موضحة لموقف أهل العلم – رحمهم الله تعالى – من المسألة الأصل وما نمى عنها.
فقد حكى الإمام أبو بكر بن المنذر الإجماع على أن الكافر إذا أقر بالشهادتين وتبرأ من كل دين خالف دين الإسلام وهو بالغ صحيح يعقل أنه يصير بذلك مسلمًا حيث قال: (أجمع كل من أحفظ عنه على أن الكافر إذا قال لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن ما جاء به محمد ﷺ حق، وأبرأ من كل دين خالف الإسلام وهو بالغ صحيح يعقل، أنه مسلم) (٧).
فانظر كيف تجرأ هؤلاء المتكلمون على خرق هذا الإجماع وإطراحه، ولا غرو في ذلك فإن هؤلاء ليس لهم خبرة بأقوال الصحابة والتابعين وأقوال أئمة المسلمين في مسائل أصول الدين، بل إنما يعرفون أقوال الجهمية والمعتزلة ونحوهم من أهل الكلام المحدث وهؤلاء كلهم مبتدعه عند سلف الأمة وأئمتها (٨).
ولهذا تجد في كتب أهل الكلام ما يدل على غاية الجهل بما قاله الرسول والصحابة والتابعون وأئمة الإسلام مما يوجب أن يقال: كأن هؤلاء نشأوا في غير ديار الإسلام ولا ريب أنهم نشأوا بين من لم يعرف العلوم الإسلامية حتى صار المعروف عندهم منكرًا والمنكر معروفًا ولبسهم فتن ربي فيها الصغير وهرم فيها الكبير، وبدلت السنة بالبدعة والحق بالباطل (٩).
_________________
(١) «النقض» (٨/ ١١، ١٢).
(٢) «النقض» (٨/ ٦).
(٣) «النقض» (٨/ ٧).
(٤) «الدرء» (٧/ ٤٣٧).
(٥) «المجموع» (٧/ ٣٠٢).
(٦) «المجموع» (٧/ ٦٠٩).
(٧) «الإجماع» لابن المنذر (ص: ١٥٤).
(٨) انظر: «الصفدية» (٢/ ٢٦٨).
(٩) انظر: «النقض» (٢/ ٤٨٢).
[ ١ / ٢٠٨ ]
فمع وضوح هذا الإجماع وصراحته، إلا أنا نجد الجويني والإيجي يدعيان الإجماع على أن أول واجب على المكلف النظر أو القصد إلى النظر المؤدي إلى معرفة الله!
وبطلان هذا الإجماع المدعى ظاهر لكل من له من العلم أدنى نظر، إذ إن فيه مخالفة لصحيح المنقول ولإجماع من يعتد بإجماعه من أهل العلم، وحاشا أن تجتمع الأمة على أمر مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول فإن هذا ضلال، والأمة لا تجتمع على ضلال.
ثم إن بعض المتكلمين أيضًا قد خالفوا الجويني والإيجي في هذا الإجماع وقالوا بخلافه فكيف يدعيان الإجماع على ذلك إذن؟!
واسمع إلى ما قاله أبو جعفر السمناني وهو من رؤوس الأشاعرة عن هذه المسألة: (إن هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة وتفرع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا يكفي التقليد في ذلك) (١).
وقد استنكر ابن حزم على من جعل النظر والاستدلال أول الواجبات، وسمى من خالف هذه الطريقة مقلدًا لا يقبل إيمانه بقوله: ( إن الرسول ﷺ منذ بعث لم يزل يدعو الناس الجم الغفير إلى الإيمان بالله تعالى وبما أتى به، ويقاتل من أهل الأرض من قاتله، ويستحل سفك دمائهم، وسبي نسائهم وأولادهم، وأخذ أموالهم متقربًا إلى الله تعالى بذلك، وأخذ الجزية وإصغاره.
ويقبل ممن آمن به ويحرم ماله ودمه وأهله وولده، ويحكم له بحكم الإسلام، وفيهم المرأة البدوية، والراعي، والراعية، والفلاح الصحراوي الوحشي، والزنجي المسبي، والزنجية المجلوبة، والرومية، والجاهل، والضعيف في فهمه فما منهم أحد ولا غيرهم قال له ﵇: إني لا أقبل إسلامك ولا يصح لك دين حتى تستدل على صحة ما أدعوك إليه ثم جرى على هذه الطريقة جميع الصحابة ﵃ أولهم عن آخرهم، ولا يختلف أحد في هذا الأمر.
ثم جميع أهل الأرض إلى يومنا هذا ومن المحال الممتنع عند أهل الإسلام أن يكون ﵇ يغفل أن يبين للناس ما لا يصلح لأحد الإسلام إلا به، ثم تتفق على إغفال ذلك أو تعمد عدم ذكره جميع أهل الإسلام وتنبه له هؤلاء الأشقياء!.
ومن ظن أنه وقع في الدين على ما لم يقع عليه رسول الله ﷺ فهو كافر بلا خلاف فصح أن هذه المقالة خرق للإجماع، وخلاف لله تعالى ولرسوله ﷺ، وجميع أهل الإسلام قاطبة) (٢).
وقال ابن عبد البر: (إنه من نظر إلى إسلام أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وسعد وعبد الرحمن وسائر المهاجرين والأنصار وجميع الوفود الذين دخلوا في دين الله أفواجًا علم أن الله ﷿ لم يعرفه واحد منهم إلا بتصديق النبيين بأعلام النبوة ودلائل الرسالة، لا من قبل حركة ولا من باب الكل والبعض، ولا من باب كان ويكون، ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبًا، وفي الجسم ونفيه والتشبيه ونفيه لازما ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم، ولو كان ذلك من عملهم مشهورًا أو من أخلاقهم معروفًا لاستفاض عنهم ولشهروا به كما شهروا بالقرآن والروايات) (٣).
_________________
(١) نقله عنه الحافظ ابن حجر في «الفتح» (١٣/ ٣٦١)، ونقله أيضا شيخ الإسلام في «الدرء» (٧/ ٤٠٧) بتصرف.
(٢) «الفصل في الملل والأهواء والنحل» لابن حزم (٤/ ٧٥ - ٧٦).
(٣) «التمهيد» (٧/ ١٥٢).
[ ١ / ٢٠٩ ]
وممن نص على مخالفة المتكلمين فيما أوجبوه على المكلف لإجماع المسلمين أبو المظفر السمعاني حيث يقول: (فإنهم – أي أهل الكلام – قالوا: أول ما يجب على الإنسان النظر المؤدي إلى معرفة الباري ﷿ وهذا قول مخترع لم يسبقهم إليه أحد من السلف وأئمة الدين، ولو أنك تدبرت جميع أقوالهم وكتبهم لم تجد هذا في شيء منها منقولًا من النبي ﷺ ولا من أصحابه وكذلك من التابعين بعدهم.
وكيف يجوز أن يخفى عليهم أول الفرائض وهم صدر هذه الأمة والسفراء بيننا وبين رسول الله؟!.
هذا وقد تواترت الأخبار أن النبي ﷺ كان يدعو الكفار إلى الإسلام والشهادتين ولم يرو أنه دعاهم إلى النظر والاستدلال، وإنما يكون حكم الكافر في الشرع أن يدعى إلى الإسلام فإن أبى وسأل النظرة والإمهال أن لا يجاب إلى ذلك
ولا يجوز على طريقهم الإقدام على هذا الكافر بالقتل والسبي إلا بعد أن يذكر له هذا ويمهل لأن النظر والاستدلال لا يكون إلا بمهلة وخصوصًا إذا طلب الكافر ذلك، وربما لا يتفق النظر والاستدلال في مدة يسيرة فيحتاج إلى إمهال الكفار مدة طويلة تأتي على سنين، ليتمكنوا من النظر على التمام والكمال وهو خلاف إجماع المسلمين) (١).
وممن عاب على المتكلمين إيجابهم النظر على المكلف أبو حامد الغزالي بقوله: (من أشد الناس غلوا وإسرافًا طائفة من المتكلمين كفروا عوام المسلمين وزعموا أن من لم يعرف الكلام معرفتنا ولم يعرف العقائد الشرعية بأدلتها التي حررناها كافر.
فهؤلاء ضيقوا رحمة الله الواسعة على عباده أولًا، وجعلوا الجنة وقفًا على شرذمة يسيرة من المتكلمين، ثم جعلوا ما تواتر من السنة ثانيًا، إذ ظهر من عصر الرسول ﷺ وعصر الصحابة حكمهم بإسلام طوائف من أجلاف العرب كانوا مشتغلين بعبادة الوثن ولم يشتغلوا بتعليم الدليل، ولو اشتغلوا به لم يفهموه، ومن ظن أن مدرك الإيمان بالكلام والأدلة المحررة والتقسيمات المرتبة فقد أبعد
وليت شعري متى نقل عن الرسول ﷺ وعن الصحابة إحضار أعرابي أسلم وقولهم له: الدليل على أن العالم حادث، أن لا يخلو عن الأعراض، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وعد النبي ﷺ أن من تكلم بكلمة التوحيد أجرى عليه أحكام المسلمين، فثبت بهذا أن مأخذ التكفير من الشرع لا من العقل، إذ الحكم بإباحة الدم، والخلود في النار شرعي لا عقلي خلافًا لما ظنه بعض الناس) (٢).
ونص عبد القادر الجيلاني على أن أول ما يجب على من أراد الدخول في دين الإسلام التلفظ بالشهادتين، والبراءة من كل دين يخالفه حيث قال: (الذي يجب على من يريد الدخول في دين الإسلام أولا أن يتلفظ بالشهادتين لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويتبرأ من كل دين غير دين الإسلام، ويعتقد بقلبه وحدانية الله تعالى) (٣).
وقال ابن الصلاح – في معرض كلامه على حديث ضمام بن ثعلبة ﵁ وفيه قال ﵁: «يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق» ثم قال ﷺ في آخر الحديث: «لئن صدق ليدخلن الجنة». (٤).
وفي الحديث دلالة على صحة ما ذهب إليه الأئمة العلماء في أن العوام المقلدين مؤمنون، وأنه يكتفي منهم بمجرد اعتقادهم الحق جزمًا من غير شك وتزلزل، خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة.
_________________
(١) «الانتصار لأصحاب الحديث» للسمعاني (ص: ٦١، ٦٢، ٦٣).
(٢) «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة» للغزالي (ص: ١٣٤ – ٢٠٢).
(٣) «الغنية» الجيلاني (١/ ٢).
(٤) رواه البخاري (١٢)، من حديث أنس ﵁.
[ ١ / ٢١٠ ]
وبين وجه الدلالة من الحديث أنه ﷺ قرر ضمامًا على ما اعتمد عليه في تعرف رسالته وصدقه ﷺ من مناشدته ومجرد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك قائلا له: أن الواجب عليك أن تستدرك ذلك من النظر في معجزاتي، والاستدلال بالأدلة القطعية التي تفيدك العلم (١).
مستند الإجماع: من تأمل نصوص الكتاب والسنة وجدها حافلة بذكر الأمر الذي بعث الله ﷿ من أجله المرسلين، واجتمعت عليه كلمتهم أجمعين، فكان ذلك الأمر هو أوجب الواجبات، أول الفرائض والمطلوبات والذي شغل حيزاَ من حياتهم، بل كل حياتهم لتبليغه والدعوة إليه، فكان وظيفتهم والحكمة من بعثتهم، ألا وهو عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، لا كما زعم المتكلمون أنه النظر المؤدي إلى معرفة الباري؛ فدونك الأدلة على ذلك، من الكتاب والسنة:
فمن الكتاب: قول الله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦].
وقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]. ونظائرهما كثير.
ووجه الدلالة من هاتين الآيتين ظاهر وصريح في أن الرسل إنما بعثوا لأمر الناس بعبادة الله ودعوتهم إلى ذلك، بل دلت الآية على حصر مهمتهم ووظيفتهم في ذلك، ولو كان النظر أوجب الواجبات وأولها، لنبه عليه الشارع الحكيم، ولكان على رأس الاهتمام من الأنبياء والمرسلين، ولما لم يكن كذلك تبين بطلان ما ذهب إليه المتكلمون، وفساد طريقتهم ومسلكهم.
وأما السنة: فقد أخرج البخاري من حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ «لما بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى نحو أهل اليمن قال له إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى» (٢).
وفي رواية: «ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» (٣).
وعن سهل بن سعد: «أن رسول الله ﷺ أعطى الراية عليا ﵁ يوم خيبر، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام » (٤).
ووجه الدلالة من الحديثين بينة؛ إذ لو كان النظر إلى معرفة الله تعالى واجبًا كما يدعي المتكلمون لأمر ﷺ بالدعوة إليه أولا، ولما قدم عليها غيره، ومن ثم تظهر مخالفة المتكلمين لما جاء به رسول الله ﷺ.
ومن الأدلة أيضا ما أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله». (٥)
ووجه الدلالة ظاهر بين؛ إذ إن الرسول ﷺ علق كفه عن قتال الناس على شرط به يعصم المرء دمه وماله، ألا وهو التلفظ بالشهادتين، بخلاف ما سلكه المتكلمون من الحكم بسفك دم من لم يعرف الله تعالى بالطرق والأقيسة العقلية التي ابتدعوها.
فالرسول ﷺ دعا الناس إلى توحيد الله ﷿ وقبل إسلام من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهؤلاء المتكلمون يدعون الناس إلى الاستدلال والدخول في الإسلام بهذه الطريقة المبتدعة ويجعلونه أول واجب على المكلف ومن لم يعرف أو عاند في تركه حكم بكفره وسفك دمه، فتأمل ما بين المنهجين من البون الشاسع والفرق الكبير. المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع لمجموعة مؤلفين – ص: ٢٦٠
_________________
(١) «صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط» لابن الصلاح (ص: ١٤٢ - ١٤٤).
(٢) رواه البخاري (٧٣٧٢).
(٣) رواه البخاري (١٣٩٥).
(٤) رواه البخاري (٤٢١٠)، ومسلم (٢٤٠٦).
(٥) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
[ ١ / ٢١١ ]
المبحث الثالث: المتكلمون يعتنون بتقرير الربوبية، ويسكتون عن الألوهية
ومن أهل الكلام: من أطال نظره في تقرير هذا التوحيد- توحيد الربوبية-: إما بدليل أن الاشتراك يوجب نقص القدرة وفوات الكمال، وبأن استقلال كل من الفاعلين بالمفعول محال، وإما بغير ذلك من الدلائل، ويظن أنه بذلك قرر الوحدانية وأثبت أنه لا إله إلا هو، وأن الإلهية هي: القدرة على الاختراع أو نحو ذلك، فإذا ثبت أنه لا يقدر على الاختراع إلا الله، وأنه لا شريك له في الخلق، كان هذا معنى قولنا: لا إله إلا الله، ولم يعلم أن مشركي العرب كانوا مقرين بهذا التوحيد، كما قال تعالى وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [لقمان:٢٥] وقال تعالى قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ الآيات، وقال تعالى وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:١٠٦] قال ابن عباس وغيره: (تسألهم: من خلق السماوات والأرض؟ فيقولون: الله، وهم مع ذلك يعبدون غيره) وهذا التوحيد هو من التوحيد الواجب، لكن لا يحصل به الواجب، ولا يخلص بمجرده عن الإشراك الذي هو أكبر الكبائر، الذي لا يغفره الله، بل لا بد أن يخلص لله الدين، فلا يعبد إلا إياه، فيكون دينه كله لله اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ٢/ ٨٥٤
[ ١ / ٢١٢ ]
الباب الثاني: توحيد الألوهية
الفصل الأول: تعريف الإله واشتقاق اسم الله والفرق بين الرب والإله
المبحث الأول: المعنى اللغوي لكلمة (الإِلَه)
الألوهية هي مصدر أله يأله، قال الجوهري: (أله – بالفتح – إلاهة، أي عبد عبادة، ومنه قرأ ابن عباس ﵄: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [الأعراف: ١٢٧] بكسر الهمزة قال وعبادتك وكان يقول: إن فرعون كان يعبد في الأرض ومنه قولنا: (الله) وأصله: (إله) على فعال بمعنى مفعول أي معبود، كقولنا: إمام فعال: لأنه مفعول أي مؤتم به) اهـ (١).
وعلى هذا فإن الألوهية صفة لله تعالى تعني استحقاقه جل وعلا للعبادة بما له من الأسماء والصفات والمحامد العظيمة (٢) ولذلك قال ابن عباس ﵄ (والله ذو الألوهية والمعبودية على خلقه أجمعين) (٣) اهـ. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٥٤
ويقول ابن سيده: (والإلهة والألوهة والألوهية العبادة) وأما الألوهية التي جاءت هذه الكلمة لإثبات استحقاق الله وحده لها فهي من مجموع كلام أهل اللغة أيضًا فزع القلب إلى الله، وسكونه إليه، واتجاهه إليه لشدة محبته له، وافتقاره إليه ويجمعهما كون الله هو الغاية والمراد والمقصود مطلقًا.
يقول ابن الأثير: أصله من أله يأله إذا تحير، يريد: إذا وقع العبد في عظمة الله وجلاله وغير ذلك من صفات الربوبية وصرف وهمه إليها أبغض الناس حتى لا يميل قلبه إلى أحد.
ويقول أبو الهيثم: (الله: أصله إله ولا يكون إلها حتى يكون معبودًا، وحتى يكون لعابده خالقًا ورازقًا ومدبرًا وعليه مقتدرًا وأصل إله ولاه فقلبت الواو همزة ومعنى ولاه أن الخلق إليه يؤلهون في حوائجهم ويفزعون إليه فيما ينوبهم كما يوله طفل إلى أمه)، ويقول الإمام ابن القيم: اسم الله دال على كونه مألوهًا معبودًا تألهه الخلائق محبة وتعظيمًا وخضوعًا وفزعًا إليه في الحوائج والنوائب ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة لعبد الله بن محمد القرني - ص٣٧
_________________
(١) «الصحاح» للجوهري (٦/ ٢٢٢٣) مادة (أله)، وانظر «تفسير أسماء الله الحسنى» للزجاج (ص: ٢٦).
(٢) انظر: «شرح الواسطية» لابن عثيمين (ص: ١١).
(٣) رواه الطبري (١/ ١٢٣).
[ ١ / ٢١٣ ]
المبحث الثاني: اشتقاق لفظ الجلالة (الله)
واختلفوا في كونه مشتقا أو لا، ذهب الخليل وسيبويه وجماعة من أئمة اللغة والشافعي والخطابي وإمام الحرمين ومن وافقهم إلى عدم اشتقاقه لأن الألف واللام فيه لازمة فتقول يا الله ولا تقول يا الرحمن، فلولا أنه من أصل الكلمة لما جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام وقال آخرون إنه مشتق، واختلفوا في اشتقاقه إلى أقوال أقواها أنه مشتق من أله يأله إلهة، فأصل الاسم الإله فحذفت الهمزة وأدغمت اللام الأولى في الثانية وجوبا فقيل الله، ومن أقوى الأدلة عليه قوله تعالى: وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام:٣] مع قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف:٨٤] ومعناه ذو الألوهية التي لا تنبغي إلا له، ومعنى ألَه يألَهُ إلاهةً عبد يعبد عبادة فالله المألوه أي المعبود ولهذا الاسم خصائص لا يحصيها إلا الله ﷿، وقيل إنه هو الاسم الأعظم معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص٧٦
وقال الشيخ محمد خليل هراس في شرحه للعقيدة الواسطية: واسم الجلالة؛ قيل: إنه اسم جامدٌ غير مشتقٍّ؛ لأن الاشتقاق يستلزم مادة يُشْتَقُّ منها، واسمه تعالى قديم، والقديم لا مادَّة له، فهو كسائر الأعلام المَحْضَة، التي لا تتضمَّن صفاتٍ تقوم بمسمَّياتِها والصحيح أنه مشتقٌّ واختُلِفَ في مبدأ اشتقاقه، فقيل: من أَلَهَ يَأْلَهُ أُلوهَةً وإِلهَةً وأُلوهِيةً؛ بمعنى: عبدَ عِبَادةً
وقيل: من أَلِهَ - بكسر اللام - يَأْلَهُ - بفتحها - أَلَهًا؛ إذا تحيَّر والصحيح الأوَّل، فهو إلهٌ؛ بمعنى مأْلوهٍ؛ أي: معبود وعلى القول بالاشتقاق يكون وصفًا في الأصل، ولكن غَلَبَتْ عليه العَلَمِيَّة، فتجري عليه بقية الأسماء أخبارًا وأوصافًا؛ يقال: الله رحمنٌ رحيمٌ سميعٌ عليمٌ؛ كما يقال: الله الرَّحمن الرَّحيم إلخ شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن خليل هراس - ص٤٥
[ ١ / ٢١٤ ]
المبحث الثالث: الفرق بين الرب والإله في المعنى
- فالاسم الأول - الإله - يتضمن غاية العبد ومصيره ومنتهاه وما خلق له وما فيه صلاحه وكماله وهو عبادة الله والاسم الثاني – الرب - يتضمن خلق العبد ومبتداه وهو أنه يربه ويتولاه مع أن الثاني يدخل في الأول دخول الربوبية في الإلهية والربوبية تستلزم الألوهية أيضا والاسم الرحمن يتضمن كمال التعليقين وبوصف الحالين فيه تتم سعادته في دنياه وأخراه ولهذا قال تعالى: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ [الرعد:٣٠] فذكر هنا الأسماء الثلاثة وربي والإله وقال: عليه توكلت وإليه متاب كما ذكر الأسماء الثلاثة في أم القرآن لكن بدأ هناك باسم الله ولهذا بدأ في السورة بإياك نعبد فقدم الاسم وما يتعلق به من العبادة لأن (الرب) هو القادر، الخالق، البارئ، المصور، الحي، القيوم، العليم، السميع، البصير، المحسن، المنعم، الجواد، المعطي، المانع، الضار، النافع، المقدم، المؤخر، الذي يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته التي له منها ما يستحقه من الأسماء الحسنى مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١٤/ ١٢
- اسم الله أدل على مقصود العبادة التي لها خلق الخلق
ففاتحة دعوة الرسل الأمر بالعبادة قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٢١] وقال ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله» (١) وذلك يتضمن الإقرار به وعبادته وحده فإن الإله هو المعبود ولم يقل حتى يشهدوا أن لا رب إلا الله فإن اسم الله أدل على مقصود العبادة له التي لها خلق الخلق وبها أمروا مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ٢/ ١٣
- اسم الرب أحق بحال الاستعانة والمسألة
والرب هو المربي الخالق الرازق الناصر الهادي وهذا الاسم أحق باسم الاستعانة والمسألة ولهذا يقال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ [نوح:٢٨]، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:٢٣]، رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص:١٦]، ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا [آل عمران:١٤٧]، رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:٢٨٦] فعامة المسألة والاستعانة المشروعة باسم الرب مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١٤/ ١٣
- إقرار الخلق بالله من جهة ربوبيته أسبق من إقرارهم به من جهة ألوهيته
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ولما كان علم النفوس بحاجتهم وفقرهم إلى الرب قبل علمهم بحاجتهم وفقرهم إلى الإله المعبود وقصدهم لدفع حاجاتهم العاجلة قبل الآجلة كان إقرارهم بالله من جهة ربوبيته أسبق من إقرارهم به من جهة ألوهيته وكان الدعاء له والاستعانة به والتوكل عليه فيهم أكثر من العبادة له والإنابة إليه ولهذا إنما بعث الرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له الذي هو المقصود المستلزم للإقرار بالربوبية وقد أخبر عنهم أنهم لئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله وأنهم إذا مسهم الضر ضل من يدعون إلا إياه وقال وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فأخبر أنهم مقرون بربوبيته وأنهم مخلصون له الدين إذا مسهم الضر في دعائهم واستعانتهم ثم يعرضون عن عبادته في حال حصول أغراضهم وكثير من المتكلمين إنما يقررون الوحدانية من جهة الربوبية وأما الرسل فهم دعوا إليها من جهة الألوهية وكذلك كثير من المتصوفة المتعبدة وأرباب الأحوال إنما توجههم إلى الله من جهة ربوبيته لما يمدهم به في الباطن من الأحوال التي بها يتصرفون وهؤلاء من جنس الملوك وقد ذم الله ﷿ في القرآن هذا الصنف كثيرا فتدبر هذا فإنه تنكشف به أحوال قوم يتكلمون في الحقائق ويعملون عليها وهم لعمري في نوع من الحقائق الكونية القدرية الربوبية لا في الحقائق الدينية الشرعية الإلهية وقد تكلمت على هذا المعنى في مواضع متعددة وهو أصل عظيم يجب الاعتناء به والله سبحانه أعلم مجموع الفتاوى لأحمد بن عبد الحليم ابن تيمية - ١٤/ ١٤
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه (٢٥) ومسلم في صحيحه (٢٢) من حديث ابن عمر ﵄.
[ ١ / ٢١٥ ]
الفصل الثاني: تعريف توحيد الألوهية ومنزلته والأدلة عليه وأنواعها
المبحث الأول: تعريف توحيد الألوهية
المراد بتوحيد الألوهية: إفراد الله جل وعلا بالتعبد في جميع أنواع العبادات (١). ويعبر بعض أهل العلم بالعبادة بدل التعبد، ولا فرق، إذ مراده بالعبادة معناها المصدري وهو التعبد. والتعبد له ركنان وشرطان لصحته، أما الركنان: فغاية الخضوع والتذلل لله، وكمال المحبة له. وأما الشرطان: فمعرفة المعبود – وهو الله ﷾ -، ومعرفة دينه الشرعي الجزائي، والمقصود بالعبادات: ما يتعبد به لله تعالى من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، ولها شرطان: المتابعة فيها – أي أن تكون وفق ما جاء به الرسول ﷺ، والصدق والإخلاص لله جل وعلا فيها.
وهذا هو معنى شهادة ألا إله إلا الله – وتمام تحقيقها بشهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ.
ومما يوضح أن التعريف السابق هو تعريف لشهادة ألا إله إلا الله قول الله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨] قال ابن جرير: (وقوله: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ يقول تعالى ذكره: وجعل قوله إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ ِإلَّا الَّذِي فَطَرَنِي وهو قول لا إله إلا الله: كلمة باقية في عقبه، وهم ذريته، فلم يزل في ذريته من يقول ذلك من بعده.) (٢) اهـ.
وكلمات السلف كلها تدور حول هذا المعنى فمنهم من فسر الكلمة بشهادة ألا إله إلا الله ومنهم من فسرها بالإسلام (٣).
ولا خلاف بين القولين، إذ الإسلام هو الاستسلام لله بالعبودية، وهو الدين الذي لا يقبل الله من أحد شيئًا سواه، وهذا هو معنى لا إله إلا الله المتركبة من النفي والإثبات؛ نفي عبادة ما سوى الله، وإثبات العبادة لله وحده، وهذان هما النفي والإثبات نفسهما الواردان في الآية بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي.
ويؤكد صحة هذا التفسير أن إبراهيم ﵇ جعل الكلمة في بنيه بأمرين: الدعاء والوصية (٤) أما الدعاء – ففي قوله: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ [إبراهيم: ٣٥] فهذا تبري من عبادة ما سوى الله تعالى، وهذا يستلزم إفراد الله جل وعلا وحده بالعبادة – ولذلك كان من دعائه: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ [البقرة: ١٢٨] وأما الوصية ففي قوله: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [البقرة: ١٣١ - ١٣٢] فبين الله تعالى أن إبراهيم ﵇ وصى بنيه بالإسلام، وكذلك يعقوب ﵇ وصى بها بنيه وعهدوا بها إلى أولادهم من بعدهم، ثم إن الله بين صيغة هذه الوصية بقوله: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٣].
_________________
(١) انظر: «رسالة في معنى العبادة لأبي بطين ضمن مجموعة التوحيد» (١/ ١٧٠).
(٢) «تفسير الطبري» (٢١/ ٥٨٩).
(٣) انظر: «تفسير الطبري» (٢١/ ٥٨٩ - ٥٩٠).
(٤) انظر: «أضواء البيان» (٧/ ٢٣١).
[ ١ / ٢١٦ ]
فهذا نص في أن الوصية هي الإسلام وهي قولهم: نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وبه يظهر ظهورًا جليًا أن الكلمة هي الإسلام – أي الاستسلام لله بالعبودية – وقد لخص ذلك ابن جرير الطبري بقوله (وهي الإسلام الذي أمر به نبيه ﷺ وهو إخلاص العبادة والتوحيد لله وخضوع القلب والجوارح له) (١) اهـ. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٧٥
وتوحيد الألوهية: هو إفراد الله بالعبادة (٢). ويسمى باعتبار إضافته إلى الله تعالى بـ (توحيد الألوهية)، ويسمى باعتبار إضافته إلى الخلق بـ (توحيد العبادة)، و(توحيد العبودية) و(توحيد الله بأفعال العباد)، و(توحيد العمل)، و(توحيد القصد)، و(توحيد الإرادة والطلب)، لأنه مبني على إخلاص القصد في جميع العبادات، بإرادة وجه الله تعالى (٣).
وهذا التوحيد من أجله خلق الله الجن والإنس، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، ومن أجله أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، كما قال سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦]، ومن أجله قامت الخصومة بين الأنبياء وأممهم، وبين أتباع الأنبياء من أهل التوحيد وبين أهل الشرك وأهل البدع والخرافات، ومن أجله جردت سيوف الجهاد في سبيل الله، وهو أول الدين وآخره، بل هو حقيقة دين الإسلام (٤)، وهو يتضمن أنواع التوحيد.
فتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية ولتوحيد الأسماء والصفات (٥)، فإن من عبد الله تعالى وحده، وآمن بأنه المستحق وحده للعبادة، دل ذلك على أنه مؤمن بربوبيته وبأسمائه وصفاته، لأنه لم يفعل ذلك إلا لأنه يعتقد بأن الله تعالى وحده هو المتفضل عليه وعلى جميع عباده بالخلق، والرزق، والتدبير، وغير ذلك من خصائص الربوبية، وأنه تعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلا، التي تدل على أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له.
ومع أهمية هذا التوحيد فقد جحده أكثر الخلق، فأنكروا أن يكون الله تعالى هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وعبدوا غيره معه.
قال العلامة المجتهد محمد بن إسماعيل الصنعاني: (اعلم أن الله تعالى بعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم يدعون العباد إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، لا إلى إثبات أنه خلقهم ونحوه، إذ هم مقرون بذلك، كما قررناه وكررناه، ولذا قالوا: أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ [الأعراف: ٧٠] أي لنفرده بالعبادة، ونخصه بها من دون آلهتنا؟ فعبدوا مع الله غيره، وأشركوا معه سواه، واتخذوا له أندادًا) (٦). تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين– ص: ٥٣
_________________
(١) «تفسير الطبري» (٣/ ٩٣ - ٩٤).
(٢) «تطهير الاعتقاد» للصنعاني: الأصل الثالث (ص: ١٣)، «الدرر السنية» (٢/ ٢٩١)، و«ينظر شرح الطحاوية» (ص: ٢٤).
(٣) «شرح الطحاوية» (ص: ٢٤)، «مجموعة التوحيد» (١/ ٦)، «الدرر السنية» (٢/ ٢٥٠، ٣٠٤) «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٢٢)، «القول السديد» (ص: ١٩)، «القواعد الحسان» (ص: ١٩٢)، «الحق الواضح المبين» (ص: ٥٧)، «القول المفيد» (١/ ٩).
(٤) «شرح الطحاوية» (ص: ٢١ - ٢٤ - ٢٩)، «تطهير الاعتقاد» للصنعاني (ص: ٢٠)، «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٢٠ - ٢١)، «الدر النضيد» للشوكاني (ص: ٦٥)، «قرة عيون الموحدين» لعبد الرحمن بن حسن (ص: ٤)، «معارج القبول» (٢/ ٤٠٢ - ٤١٠).
(٥) «شرح الطحاوية» (ص: ٢٩ - ٣٢ - ٤١)، «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٢٣)، «قرة عيون الموحدين» (ص: ٥).
(٦) «تطهير الاعتقاد» (ص: ١٢، ٢٠)، وينظر «قرة عيون الموحدين» (ص: ٤).
[ ١ / ٢١٧ ]
المبحث الثاني: منزلة توحيد الألوهية
إن التوحيد هو إفراد الله جل وعلا بالتعبد في جميع أنواع العبادات وهذا هو تحقيق كلمة لا إله إلا الله ولا تصح إلا بالمتابعة وهي شهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ. والذي عليه أهل السنة والجماعة أن أول واجب هو الشهادتان، كما حكى عنهم ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: (إن السلف والأئمة متفقون على أن أول ما يؤمر به العباد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقب البلوغ) (١) اهـ.
والأدلة على أن أول الواجبات هو عبادة الله بما شرع يمكن تلخيصها في أربعة أدلة عامة:
الدليل الأول: هو أن جميع الرسل دعوا إلى توحيد الله جلا وعلا وإخلاص العبادة له كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦]، وقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]. ولقد وردت آيات كثيرة تبين أن آحاد الرسل يأتون قومهم فيقولون لهم: اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ.
ويتضح هذا الدليل بالعلم بأمرين وهما:
الأمر الأول: إن الأصل في بني آدم التوحيد وكان ذلك مدة عشرة قرون بين آدم ونوح ﵉، فقد كانوا على التوحيد ثم نشأ فيهم الشرك – ثم إن الأصل في بني آدم: الإقرار بالله.
الأمر الثاني: معرفة الشرك الذي وقعوا فيه وهو الشرك في الألوهية.
فإذا علم الأمران، وهما: أن الأصل في بني آدم توحيد الله بعبادته، وأن الشرك الذي وقعوا فيه هو الشرك في العبادة لا إنكار وجود الله وتفرده بالخلق والرزق، علم أن الرسل جاءوا بدعوة الناس إلى عبادة الله وحده وترك عبادة غيره، فيعلم من هذا أن أول واجب على المكلف هو توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له خاصة وأن الأدلة دالة على أن كل مولود يولد على الفطرة. فيبقى بعد ذلك أن من لم يقر بوجود الله عليه أن يقر أولًا ليتوصل بإقراره هذا إلى عبادة الله فيكون وجوب إقراره وسيلة لواجب مقصود وهو إفراد الله بالعبادة، إذ الإقرار وحده لا يكفي.
الدليل الثاني: إن الغاية من خلق الإنسان هي العبادة. كما قال الله جل وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] فقد بين الله جل وعلا أنه خلق الناس لهذه الغاية وهي عبادته، وبين سبحانه أنه فطر الناس على الإقرار به ولذلك فإنه أول ما يأمرهم يأمرهم بعبادته كما قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٢١].
الدليل الثالث: وهو كما قال أبو المظفر بن السمعاني: (تواترت الأخبار أن النبي ﷺ كان يدعو الكفار إلى الإسلام والشهادتين) (٢).
_________________
(١) «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ١١). وانظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٧٥).
(٢) «مختصر الانتصار لأهل الحديث - ضمن صون المنطق والكلام للسيوطي» (ص: ١٧٢).
[ ١ / ٢١٨ ]
ومن ذلك قول الرسول ﷺ لمعاذ ﵁ لما بعثه إلى اليمن: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» (١). وقوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله» (٢). وقد كان الرسول ﷺ عند بيعة الرجال والنساء أول ما يبدأ به في البيعة قوله: «بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا» (٣).
الدليل الرابع:
الإجماع: وهذا الإجماع حكاه ابن المنذر بقوله: (أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن الكافر إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأن كل ما جاء به محمد حق، وأبرأ إلى الله من كل دين يخالف دين الإسلام، وهو بالغ صحيح يعقل: أنه مسلم) (٤) اهـ.
وقد ذكر أبو المظفر بن السمعاني أن القول بأن أول الواجبات هو النظر قول مبتدع لم يكن معروفًا عند الصحابة ولا التابعين، إذ لو كان معروفًا لنقلوه لنا لشدة اهتمامهم بهذا الدين، كيف والمدعى أنه أول الواجبات! – وإنما المعروف أنهم كانوا يدعون إلى الإسلام، وهم الذين نقلوا طريقة الرسول ﷺ في دعوته، مما يدل على أن المستقر عندهم هو أن أول شيء يدعى إليه الكافر هو الشهادتان – وهما أول واجب (٥).
وقد حكى هذا الاتفاق شيخ الإسلام ابن تيمية كما تقدم النقل عنه وحكاه كذلك تلميذه ابن القيم فقال: (وأجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد دخل في الإسلام) (٦).
وهذا يدل على أنه أول الواجبات، ولو أتى بغير الشهادتين ما اعتبر ذلك.
ومن المعلوم أن الشهادة تتضمن الإقرار بالله تعالى وبرسوله ﷺ، فكل من شهد لله تعالى بالألوهية فشهادته فرع إقراره بوجوده وربوبيته، ولكن إذا وجد من لم يقر بالله لتغير فطرته فهذا يجب عليه النظر أولًا، لأنه وسيلة لإقراره لله تعالى بالعبودية، فوجوب مثل هذه الحالة يعتبر من وجوب الوسائل التي تؤدي إلى الغاية (٧).
فإن المعرفة بوجود الله جل وعلا لا تكفي العبد، بل ولا حتى إيمانه بأن الله هو الرب الخالق حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ (٨). منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٨٦
قال الشيخ حافظ الحكمي-رحمه الله تعالى- في شرح قوله في منظومة (سلم الوصول):
وَهوَ الَّذي به الإله أرْسَلا رُسْلَهُ يَدْعُونَ إلَيْهِ أولا
_________________
(١) رواه البخاري (١٤٥٨)، ومسلم (١٩). بلفظ: «عبادة الله» بدلًا من «شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله».
(٢) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) رواه البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩). من حديث عبادة بن الصامت ﵁.
(٤) نقله عنه شيخ الإسلام في «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٧)
(٥) انظر: «مختصر كتابه الانتصار لأهل الحديث ضمن صون المنطق والكلام» (ص: ١٧١ - ١٧٢).
(٦) «مدارج السالكين» (٣/ ٤٢١).
(٧) انظر هذا في «معرض الرد على الأشعرية في مسألة أول واجب على المكلف» (ص: ٣٢٣ - ٣٢٤).
(٨) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ١١ - ١٢).
[ ١ / ٢١٩ ]
يقول: (وهو) أي توحيد الإلهية (الذي به الإله) ﷿ (أرسل رسله) من أولهم إلى آخرهم (يدعون إليه أولا) قبل كل أمر يدعو إلى شيء قبله، فهم وإن اختلفت شرائعهم في تحديد بعض العبادات والحلال والحرام لم يختلفوا في الأصل الذي هو إفراد الله سبحانه بتلك العبادات افترقت أو اتفقت، لا يشرك معه فيها غيره. كما قال رسول الله ﷺ: «نحن معاشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد» (١) وقد أخبر الله ﷿ عن اتفاق دعوة رسله إجمالًا وتفصيلًا فقال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالذِّي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيه [الشورى: ١٣] وهؤلاء هم أولو العزم من الرسل: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبينا محمد ﷺ وكذلك بقية الرسل، وقال تعالى: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يَعْبُدُون [الزخرف: ٤٥] وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِيَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُون [الأنبياء: ٢٥] وقال الله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أَمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا الله وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت [النحل: ٣٦] وقال الله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ١٦ - ١٦٥] وفي الصحيح عن المغيرة ﵁ قال: «قال سعد بن عبادة ﵁: لو رأيت رجلًا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: تعجبون من غيرة سعد، والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين. ولا أحد أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة» (٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٣٤٤٢)، ومسلم (٢٣٦٥). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه البخاري (٧٤١٦)، ومسلم (١٤٩٩). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
[ ١ / ٢٢٠ ]
وأما مقامات التفصيل فقال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم [الأعراف: ٥٩] إلى آخر الآيات، وقال تعالى: وَإِلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُون [الأعراف: ٦٥] إلى آخر الآيات وقال تعالى: إِلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قُوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه [الأعراف: ٧٣] إلى آخر الآيات، وقال الله تعالى: وَإِلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه [الأعراف: ٨٥] إلى آخر الآيات، وقال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام: ٧٤ - ٧٨]. وهذا في مقام مناظرته ﵊ لعباد الكواكب على سبيل الاستدراج أو التوبيخ ليبين لهم سخافتهم وجهلهم وضعف عقولهم في عبادتهم هذه الكواكب المخلوقة لحكمة الله ﷿ المسخرة بقدرته وغفلتهم عن خالقها ومسخرها والمتصرف فيها وتركهم عبادته أو إشراكهم معه فيها غيره ﷿ فلما أقام عليهم الحجة: قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ [الأنعام: ٧٨ - ٨٢] أي الَّذِينَ آمَنُواْ يعني صدقوا ووحدوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم أي شرك إذ هو الظلم الذي لا يغفره الله ﷿، وفي الصحيح: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لما نزلت الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ قال أصحاب النبي ﷺ: أينا لم يظلم نفسه؟ فأنزل الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم [لقمان: ١٣]» (١) فالذين آمنوا الإيمان التام الذي لم تشبه شوائب الشرك الأكبر المنافي لجميعه، ولا الشرك الأصغر المنافي لكماله، ولا معاصي الله المحبطة ثمراته من الطاعات، فأولئك لهم الأمن التام من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، والاهتداء التام في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٩٣٧). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
[ ١ / ٢٢١ ]
وبحسب ما ينقص من الإيمان ينقص من الأمن والاهتداء، وباجتناب المعاصي يحصل تمامها. ثم قال تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: ٨٣] وقال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاء يَنطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنبياء: ٥١ - ٦٧] إلى آخر الآيات، وقال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء: ٦٩ - ٨٢] وقال تعالى: وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإٍبْرَاهِيمَ إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ [الصافات: ٨٣ - ٩٧] إلى آخر الآيات.
[ ١ / ٢٢٢ ]
وقال تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا [مريم: ٤١ - ٤٥].
فبين لأبيه أن آلهته لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع ولا تقدر على جلب خير ولا دفع شر ولا تغني عنه شيئا. فتبين بذلك أن عبادة مثل هذا جهل وضلال. ثم بين له أن عنده دواء ذلك الداء، والهدى من ذلك الضلال فقال تعالى: إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ العِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيا وبين أن فعله ذلك عبادة للشيطان، موجب لعذاب الرحمن وولاية الشيطان، عياذا بالله من ذلك. وقال تعالى: وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [العنكبوت: ١٥ - ١٧] إلى آخر الآيات. وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨] وقال تعالى عن يوسف ﵇: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [يوسف: ٣٧ - ٤٠] الآيات وغيرها. وكذلك قص الله تعالى علينا عن جميع الرسل من نوح إلى محمد ﷺ فقال تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَعلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم: ٩ - ١٢] الآيات. ولو ذهبنا نذكر قصص الرسل ومحاورتهم مع قومهم وعواقب ذلك لطال الفصل. وأما نبينا محمد ﷺ وسيرته في قومه وصبره على أذاهم وما جرى له معهم فأجلى من الشمس في نحر الظهيرة، والقرآن كله من فاتحته إلى خاتمته في شأن ذلك. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص٥٠١
[ ١ / ٢٢٣ ]
المبحث الثالث: أنواع الأدلة الدالة على توحيد الألوهية
تمهيد:
قد وردت في القرآن أدلة تقرر توحيد الألوهية بأحسن تقرير وبأقوى حجة لا يمكن دفعها أبدًا ويمكن حصر هذه الأدلة في خمسة أنواع:
النوع الأول: إلزام المشركين باعترافهم بتوحيد الربوبية ليقروا بتوحيد الألوهية الذي ينكرونه
النوع الثاني: بيان حال الآلهة التي تعبد دون الله في الدنيا والآخرة بصفة تقرر عدم استحقاقها للعبادة
النوع الثالث: تذكير المشركين بما يكمن في نفوسهم من التوحيد وأنه لا برهان لهم ولا حجة في شركهم
النوع الرابع: بيان أن الحكم لله وحده شرعًا وجزاءً
النوع الخامس: إجماع الكتب السماوية على استحقاق الله للعبادة وحده. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف – ١/ ١٠٧
[ ١ / ٢٢٤ ]
المطلب الأول: إلزام المشركين باعترافهم بتوحيد الربوبية ليقروا بتوحيد الألوهية الذي ينكرونه
فإنه قد تكرر في القرآن بيان أن الخالق هو الذي يستحق أن يعبد، وأن المتفرد بالنعم الظاهرة والباطنة هو الذي يستحق أن يعبد دون ما سواه. فظهر من هذا أن هذا النوع من الأدلة يكون في مسألتين:
المسألة الأولى: العلم بأن الله هو المنفرد بالخلق والتدبير (١).
المسألة الثانية: العلم بأنه المنفرد بهبة النعم الظاهرة والباطنة (٢):
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
قال عكرمة (نهاهم الله تعالى أن يشركوا به شيئًا وأن يعبدوا غيره أو يتخذوا له ندًا وعدلًا في الطاعة فقال: كما لا شريك لي في خلقكم وفي رزقكم الذي أرزقكم وملكي إياكم ونعمتي التي أنعمتها عليكم فكذلك فأفردوا لي الطاعة وأخلصوا لي العبادة ولا تجعلوا لي شريكًا وندًا من خلقي فإنكم تعلمون أن كل نعمة عليكم مني) (٣). اهـ
فقد بين الله تعالى استحقاقه للعبادة لأنه هو الخالق والرازق – وأمرهم أمر إيجاب بقوله: اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ. وقال الله تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٤ - ١٨].
ففي هذه الآيات تقرير التوحيد لله تعالى؛ فالاستفهام في قوله تعالى أَغَيْرَ اللهِ إنكاري، أي كيف أتخذ وليًا غير الله فأطيعه وأعبده والله هو خالق السموات والأرض الذي يرزق الخلق ولا يحتاج إليهم فهو الغني عن كل ما سواه فلذلك أمره الله بعبادته وحده ونهاه عن الشرك. ثم بين الله تعالى أن الثواب والعقاب بيده، وبين تعالى أنه على كل شيء قدير ولا يعجزه شيء وهو المتصرف وحده فله القدرة الكاملة والعزة الظاهرة – فإذا كان ذلك كذلك كيف لا تُخلص له العبادة (٤)!
_________________
(١) انظر: «القواعد الحسان لتفسير القرآن» للسعدي (ص: ١٩٣).
(٢) انظر: «القواعد الحسان لتفسير القرآن» للسعدي (ص: ١٩٣ - ١٩٤)، و«تفسير السعدي» (١/ ٢٦).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (١/ ٣٦٩ - ٣٧٠)
(٤) انظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، و«تفسير السعدي» (٢/ ١٧٧).
[ ١ / ٢٢٥ ]
وقال تعالى: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الأنعام: ١٠١ - ١٠٢] وفيها أن الخالق والوكيل على كل شيء بحفظه ورزقه وتصريفه هو الذي يستحق أن يعبد – قال ابن جرير: (يقول جل ثناؤه لهم: أيها الجاهلون: إنه لا شيء له الألوهية والعبادة إلا الذي َخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، فإنه لا ينبغي أن تكون عبادتكم وعبادة جميع من في السموات والأرض إلا له خالصة بغير شريك تشركونه فيها. فإنه خالق كل شيء وبارئه وصانعه، وحق على المصنوع أن يفرد صانعه بالعبادة) (١).
هذا وقد كان المشركون يقرون بتوحيد الربوبية – ولذلك قال الله جل وعلا عنهم وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ [يوسف: ١٠٦] قال عكرمة مولى ابن عباس في تفسير الآية السابقة: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولون الله فذلك إيمانهم وهم يعبدون غيره) (٢) اهـ.
ومثل هذا التفسير منقول عن ابن عباس ﵄ وغيره (٣).
ولذلك فإن الله قررهم بهذا النوع من التوحيد – أي إذا كنتم أيها المشركون تقرون لله بأنه خالق كل شيء ورازقه فعليكم أن تقروا كذلك لله تعالى بالألوهية وحده وتتقوه ولا تعبدوا غيره. قال الله تعالى: قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [يونس: ٣١ - ٣٢].
قال ابن جرير عند قوله أَفَلاَ تَتَّقُونَ: (أفلا تخافون عقاب الله على شرككم وادعائكم ربًا غير من هذه الصفة صفته، وعبادتكم معه من لا يرزقكم شيئًا ولا يملك لكم ضرًا ولا نفعًا؟) (٤).
وقال تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ.
_________________
(١) «تفسير الطبري» (١٢/ ١٢ - ١٣).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ٢٨٦).
(٣) انظر: «تفسير الطبري» (١٦/ ٢٨٨).
(٤) «تفسير الطبري» (١٥/ ٨٤).
[ ١ / ٢٢٦ ]
فهذه الآيات جاءت بعد أن ذكر الله إهلاكه لفرعون وقومه وذهاب ملك سبأ وإهلاك ثمود قوم صالح ﵇ وإهلاك قوم لوط ﵇ ووجه المناسبة كما قال ابن جرير ﵀: (قل يا محمد لهؤلاء الذين زينا لهم أعمالهم من قومك فهم يعمهون: آلله الذي أنعم على أوليائه هذه النعم التي قصها عليكم في هذه السورة، وأهلك أعداءه بالذي أهلكهم به من صنوف العذاب التي ذكرها لكم فيها خير أما تشركون من أوثانكم التي لا تنفعكم ولا تضركم ولا تدفع عن أنفسها ولا عن أوليائها سوءًا ولا تجلب إليها ولا إليهم نفعًا؟ يقول: إن هذا الأمر لا يشكل على من له عقل، فكيف تستجيزون أن تشركوا عبادة من لا نفع عنده لكم ولا دفع ضر عنكم في عبادة من بيده النفع والضر وله كل شيء؟ ثم ابتدأ تعالى ذكره تعديد نعمه عليهم) (١). ثم ذكر الآيات وتفسيرها. وقد بين الله تعالى خصائص ربوبيته في هذه الآيات الدالة على أنه المعبود وحده – وأن ما سواه لا يستحق شيئًا من العبادة، فإنه كلما ذكر شيئًا من خصائصه قال: أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ أي يقدر على ذلك أو يفعله؟ والجواب: لا. وإذا كان كذلك كان هو المستحق لأن يعبد وحده، ولذلك نص الله على ذلك بقوله تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ بعد أن ابتدأ الآيات بقوله: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ثم بين تعالى عجز كل من يدعي شيئًا من خصائص ربوبيته لغيره تعالى فقال آمرًا نبيه ﷺ بأن يخاطبهم بصيغة التعجيز: قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ.
وبعد هذا التقرير يظهر جليًا أن التوكل والاستعانة ونحوها إنما تكون بالله رب الأرض والسموات الذي بيده الأمر كله – وهذا هو الذي تقتضيه الفطرة السليمة – فإن الذي خلق وقدر وهدى والذي بيده ملكوت كل شيء هو الذي يتوكل عليه ويستعان به وحده – وأن الذي أنعم على الحق بأنواع النعم التي لا تعد ولا تحصى كما قال الله تعالى: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا [النحل: ١٨] هو الذي يشكر ويحب لما أنعم به وهو الذي يرجى ويرغب إليه وحده. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف – ١/ ١٠٧
_________________
(١) «تفسير الطبري» (١٩/ ٤٨٣).
[ ١ / ٢٢٧ ]
المطلب الثاني: بيان حال الآلهة التي تعبد دون الله في الدنيا والآخرة بصفة تقرر عدم استحقاقها للعبادة
وهذا النوع من الأدلة يبين الله جل وعلا فيه أن ما دونه مخلوق مربوب له وأنهم لا يخلقون شيئًا ولا يملكون شيئًا، ومن كانت هذه صفته فإنه لا يستحق العبادة أبدًا، ويبين الله تعالى عدم نفع ما يعبد من دونه من المخلوقات في الدنيا ولا في الآخرة، ليؤكد أنها لا تستحق العبادة، ويمكن حصر هذا النوع من الأدلة في ثلاثة مسائل:
المسألة الأولى: معرفة ما يعبد من دون الله من المخلوقات وبيان نقصها من جميع الوجوه.
المسألة الثانية: تعجيز المسئولين من دون الله.
المسألة الثالثة: الإخبار عن التعادي الحاصل بعد البعث.
المسألة الأولى: معرفة ما يعبد من دون الله من المخلوقات وبيان نقصها من جميع الوجوه (١):
قال الله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا [الفرقان: ٣].
ففي هذه الآية تقريع للمشركين بعبادتهم ما دون الله وتنبيه لهم على موضع خطأ فعلهم ببيان أن آلهتهم التي يعبدونها لا تخلق شيئًا بل هي مخلوقة ومع ذلك فهي لا تملك دفع ضر عن نفسها ولا جلب منفعة إليها ولا تملك إماتة ولا إحياء ولا بعثًا – فهذه هي صفتها فهي لا تستحق العبادة (٢).
وقد ذكر الله تعالى هذه الآيات بعد قوله: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا الفرقان: ١ - ٢ [.]
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فأفردوا أيها الناس لربكم الذي نزل الفرقان على عبده محمد نبيه ﷺ الألوهة وأخلصوا له العبادة دون كل ما تعبدون من دونه من الآلهة والأصنام والملائكة والجن والإنس، فإن كل ذلك خلقه وفي ملكه، فلا تصلح العبادة إلا لله الذي هو ملك جميع ذلك) (٣).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ عند قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ [الروم: ٤٠] قال: ولا شك أن الجواب الذي لا جواب لهم غيره هو: لا، أي: ليس من شركائنا من يقدر على أن يفعل من ذلك المذكور من الخلق والرزق والإماتة والإحياء، فلما تعين اعترافهم وبخهم منكرًا عليهم بقوله: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (٤) اهـ.
ومن الآيات التي تبين ضعف ما يعبد من دون الله وأنه لا يخلق شيئًا فلا يستحق أن يعبد قوله تعالى: قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [يونس: ٣١].
ومنها قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج: ٧٣ - ٧٤].
_________________
(١) انظر: «القواعد الحسان» (ص: ١٧، ١٩٤).
(٢) انظر: «تفسير الطبري» (١٩/ ٢٣٧).
(٣) «تفسير الطبري» (١٩/ ٢٣٦).
(٤) «أضواء البيان» (٣/ ٤١٣).
[ ١ / ٢٢٨ ]
واتضح من هذه الآية أن من يعبد شيئًا مع الله لا يكون قد قدر الله تعالى حق قدره. وفي هذا الدلالة الواضحة على أن الله تعالى ذكر من الحجج الدالة على توحيده وصرف العبادة إليه وحده لا شريك له: أن غيره لا يخلق شيئًا وأنه ضعيف مربوب لله فوجب ألا يصرف إليه شيء من العبادة.
المسألة الثانية: تعجيز المسئولين من دون الله (١):
وهذه المسألة وإن كانت داخلة في عموم المسألة قبلها إلا أنه قد ورد إفرادها بالذكر في القرآن الكريم – وترد كذلك مرتبطة مع تلك المسألة.
ومن هذه الآيات قوله تعالى: قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا [الإسراء: ٥٦] وفي هذه الآية تعجيز للمدعوين من دون الله سواء كانوا ملائكة أو جنًا أو إنسًا أو أصنامًا أو غير ذلك إذا أراد الله إنزال ضر أن يدفعوه أو يحولوه إلى نفع أو يحولوا الضر إلى آخرين ولا شك أن المدعوين من دون الله عاجزون عن ذلك إذ المقدر هو الله تعالى، فلا يقدر أحد أن يغير ما قدره الله. وبهذا يعلم أن أولئك لا يجوز صرف شيء من العبادة إليهم إذ المستحق لأن يعبد هو الذي لا يعجزه شيء وهو الله ﷾.
ومن ذلك أن الله تعالى قد ذكر عجائب قدرته في خلق الإنسان والبحار وما يستخرج منها وما يجري فيها من الفلك وخلقه الليل والنهار والشمس والقمر وجريان ذلك بنظام دقيق محكم – فبعد أن ذكر ذلك قال: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: ١٣ - ١٤] ففي هذه الآية بيان لعجز من يدعى من دون الله إما لعدم سماعه أصلًا أو لعدم استجابته إن سمع الدعاء. وهذا يدل على عدم استحقاق غير الله للعبادة.
وقد يذكر الله تعالى أن التعجيز يقع في الآخرة أيضا، فمن ذلك قول الله تعالى: وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا [الكهف: ٥٢]. وقوله تعالى: وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ [القصص: ٦٤].
_________________
(١) انظر: «رسالة الشرك ومظاهره» (ص: ١٩٣).
[ ١ / ٢٢٩ ]
ومن الآيات الجامعة في هذا الباب قول الله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٢ - ٢٣] ففي هذه الآية يأمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يقول للمشركين: ادعوا الذين زعمتموهم شركاء لله ليجلبوا لكم نفعًا أو يدفعوًا عنكم ضرًا فإنهم لا يستطيعون ذلك وهذا يفيد عدم استحقاقهم للعبادة (١) ثم بين الله تعالى عجز المدعوين من دونه بقوله: لَا يَمْلِكُونَ الآية – وفي هذا يقول ابن القيم: (فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين بمجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك وسدتها عليهم أحكم سد وأبلغه، فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود لما يرجو من نفعه، وإلا فلو لم يرج منه منفعة لم يتعلق قلبه به، وحينئذ فلابد أن يكون المعبود مالكًا للأسباب التي ينفع بها عباده، أو شريكًا لمالكها أو ظهيرًا أو وزيرًا ومعاونًا له أو وجيهًا ذا حرمة وقدر يشفع عنده، فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه وبطلت انتفت أسباب الشرك وانقطعت مواده، فنفى سبحانه عن آلهتهم أن تملك مثقال ذرة في السموات والأرض، فقد يقول المشرك: هي شريكة لمالك الحق فنفى شركتها له، فيقول إلا الشفاعة، فنفاها عن آلهتهم وأخبر أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فهو الذي يأذن للشافع، فإن لم يأذن له لم يتقدم بالشفاعة بين يديه، كما يكون في حق المخلوقين، فإن المشفوع عنده يحتاج إلى الشافع ومعاونته له فيقبل شفاعته وإن لم يأذن له فيها، وأما من كل ما سواه فقير إليه بذاته وهو الغني بذاته عن كل ما سواه فكيف يشفع عنده أحد بدون إذنه!) (٢).
ومن الأحاديث في هذا الباب قول الرسول ﷺ لابن عباس ﵄ «يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» (٣).
_________________
(١) انظر: «تفسير الطبري» (٢١/ ٢٩٩ - ٢٣٠).
(٢) «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٦١ - ٤٦٢).
(٣) رواه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١/ ٢٩٣) (٢٦٦٩)، والحاكم (٣/ ٦٢٣). قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث كبير عال من حديث عبد الملك بن عمير عن ابن عباس ﵄ إلا أن الشيخين ﵄ لم يخرجا شهاب بن خراش ولا القداح في الصحيحين وقد روي الحديث بأسانيد عن ابن عباس غير هذا، وصححه عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٣/ ٣٣٣).
[ ١ / ٢٣٠ ]
ففي هذه الوصية الأمر بالاستعانة بالله وحده وسؤاله وحده، ثم ذكر أصلًا عظيمًا عليه مدار الوصية وهو تقدير الله ﷿ للأشياء كلها قال ابن رجب: (واعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذكر قبله وبعده فهو متفرع عليه وراجع إليه، فإن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه ﷿ وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوده، فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع ولا يضر ولا يغني عن عابده شيئًا، فمن علم أنه لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع غير الله، أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال والتضرع والدعاء وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعًا، وأن يتقي سخطه ولو كان فيه سخط الخلق جميعًا، وإفراده بالاستعانة به والسؤال له، وإخلاص الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء، بخلاف ما كان المشركون عليه من إخلاص الدعاء له عند الشدائد ونسيانه في الرخاء ودعاء من يرجون نفعه من دونه – قال الله ﷿: قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [الزمر: ٣٨]) اهـ (١).
المسألة الثالثة: الإخبار عن التعادي الحاصل بعد البعث
وهذا من تمام عدم نفع ما يعبد من دون الله، وفيه حسم لمادة الشرك بالله إذ أنه مع عدم نفعه يضر صاحبه في الآخرة، فإن من يعبد غير الله تعالى يتبرأ منه معبوده يوم القيامة وينقلب ضدًا له وتنقطع بينهما أسباب المودة مع استحكام العداوة ولعن بعضهم بعضًا، ومن الآيات في هذا الباب قول الله تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاء الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ [القصص: ٦٢ - ٦٤].
ومنها قول الله تعالى: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: ١٣ - ١٤].
ومنها قول الله تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف: ٥ - ٦] ومنها قول الله تعالى: وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [مريم: ٨١ - ٨٢].
ومنها قول الله تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام: ٩٤].
ومن ذلك ما قاله الله تعالى عن خليله إبراهيم ﵇: وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ [العنكبوت: ٢٥].
فالآيات السابقة أفادت عدم نفع ما يعبد من دون الله، بل أفادت وقوع العداوة والبغضاء مما يدل على بطلان عبادتها، وأن المستحق لأن يعبد هو الله وحده لا شريك له. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف – ١/ ١١٣
_________________
(١) «جامع العلوم والحكم» لابن رجب الحنبلي (١/ ٤٨٤ - ٤٨٥).
[ ١ / ٢٣١ ]
المطلب الثالث: تذكير المشركين بما يكمن في نفوسهم من التوحيد وأنه لا حجة ولا برهان لهم في شركهم
فهذا النوع فيه مسألتان:
المسألة الأولى: تذكير المشركين بما يكمن في نفوسهم من التوحيد.
المسألة الثانية: بيان أنه لا حجة للمشركين ولا برهان لهم في شركهم.
أما المسألة الأولى: وهي تذكير المشركين بما يكمن في نفوسهم من التوحيد (١):
فهذا يحدث في أوقات الشدة، فإن المشركين كانوا إذا ركبوا في الفلك واشتدت الرياح هيجانًا وتلاطمت الأمواج وأوشكوا على الغرق أيقنوا أنه لا ينجيهم إلا الله، فعند ذلك يتركون أصنامهم ويلتجئون إلى الله وحده، فيحتج الله عليهم بأنه يجب أن يفردوه بالدعاء وحده في السراء والضراء. فمن الآيات في هذا الباب قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [يونس: ٢٢ - ٢٣].
ومنها قوله تعالى: قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ [الأنعام: ٦٣ - ٦٤] ومنها قوله تعالى: وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [الزمر: ٨].
ومنها قول الله تعالى: وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا [الإسراء: ٦٧].
قال الشيخ محمد الأمين: (لا يخفى على الناظر في هذه الآية الكريمة أن الله ذم الكفار وعاتبهم بأنهم في وقت الشدائد والأهوال خاصة يخلصون العبادة له وحده ولا يصرفون شيئًا من حقه لمخلوق، وفي وقت الأمن والعافية يشركون به غيره في حقوقه الواجبة له وحده التي هي عبادته وحده في جميع أنواع العبادة ويعلم من ذلك أن بعض جهلة المتسمين بالإسلام أسوأ حالًا من عبدة الأوثان فإنهم إذا دهمتهم الشدائد وغشيتهم الأهوال والكروب التجأوا إلى غير الله ممن يعتقدون فيه الصلاح، في الوقت الذي يخلص فيه الكفار العبادة لله، مع أن الله جل وعلا أوضح في غير موضع أن إجابة المضطر وإنجاءه من الكرب من حقوقه التي لا يشاركه فيها غيره ) (٢).
_________________
(١) انظر «رسالة الشرك ومظاهره» (ص: ١٩٤).
(٢) «أضواء البيان» (٣/ ٦١٤ - ٦١٥).
[ ١ / ٢٣٢ ]
وقال الشوكاني في تفسير آية يونس المتقدمة: (وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد وبيان أن هؤلاء المشركين كانوا لا يلتفتون إلى أصنامهم في هذه الحالة وما يشابهها، فيا عجبًا لما حدث في الإسلام من طوائف يعتقدون في الأموات، فإذا عرضت لهم في البحر مثل هذه الحالة دعوا الأموات ولم يخلصوا لله كما فعله المشركون!) (١).
فإذا صفا الفكر واستيقظت الفطرة أيقن الإنسان أنه لا يعبد إلا الله وحده في جميع أنواع العبادات، وبمثل هذا كان قد أسلم عكرمة بن أبي جهل فقد روى سعد بن أبي وقاص – ﵁ – ما حاصله: (أن النبي ﷺ لما أهدر يوم الفتح دم جماعة منهم عكرمة بن أبي جهل هرب من مكة وركب البحر، فأصابهم عاصف فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئًا – فقال عكرمة: لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ما ينجيني في البر غيره، اللهم إن لك عهدًا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوًا كريمًا فجاء فأسلم) (٢). اهـ
وأما المسألة الثانية: وهي أنه لا حجة للمشركين ولا برهان لهم في الشرك (٣): فهذا نوع من الأدلة العامة التي تبطل على المشركين عبادتهم لغير الله وتلزمهم بإفراد العبادة لله جل وعلا. فإن المشركين قد طولبوا بإقامة الدليل والبرهان على شركهم فعجزوا عن ذلك. وأخبر الله أنهم إنما يستندون في ذلك على تقليد آبائهم الضالين ويتبعون الظن الذي لا يدل على الحق بأي حال. ثم إن الله تعالى يخاطب المشركين بأسلوب فيه ترهيب عسى أن يعودوا إلى صوابهم. فيخبرهم أنهم سيسألون الحجة والبرهان على شركهم يوم القيامة فيعجزون هناك، ويعلمون علم اليقين أنهم كانوا على باطل ويندمون على شركهم وتعنتهم ولات حين مندم.
فمن الآيات الدالة على أنه لا حجة للمشركين في شركهم سوى الظن: قول الله تعالى: أَلا إِنَّ لِلّهِ مَن فِي السَّمَاوَات وَمَن فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ [يونس: ٦٦] قال الحافظ ابن كثير: (ثم أخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض وأن المشركين يعبدون الأصنام وهي لا تملك شيئًا ولا ضرًا ولا نفعًا ولا دليل لهم على عبادتهم بل إنما يتبعون في ذلك ظنونهم وتخرصهم وكذبهم وإفكهم) (٤).
ومن هذه الآيات ما قصه الله عن أصحاب الكهف فقال: هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الكهف: ١٥] قال ابن جرير في قوله: لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ [الكهف: ١٥]: (هلا يأتون على عبادتهم إياها بحجة بينة) وقال الشيخ محمد الأمين: (لَّوْلَا في الآية الكريمة للتحضيض، وهو الطلب بحث وشدة، والمراد بهذا الطلب التعجيز لأنه من المعلوم أنه لا يقدر أحد أن يأتي بسلطان بين على جواز عبادة غير الله تعالى، والمراد بالسلطان البين: الحجة الواضحة) (٥).
_________________
(١) «فتح القدير» (٢/ ٤٣٥).
(٢) رواه النسائي (٧/ ١٠٥). وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٥٤٩) كما أشار في المقدمة. وابن القيم في «زاد المعاد» (٣/ ١١٠). وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ١٧١): رجاله ثقات. وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي» (٤٠٧٨).
(٣) انظر: «أضواء البيان» (٤/ ٣٠ - ٣٢).
(٤) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٤٢٤).
(٥) «أضواء البيان» (٤/ ٣١).
[ ١ / ٢٣٣ ]
ومن الآيات كذلك قول الله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ [الحج: ٧١] ومن الآيات كذلك قول الله تعالى: وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ [الزخرف: ٢٠ - ٢٣].
فهذه الآيات فيها بيان أن المشركين احتجوا بباطل من القول على زعمهم صحة عبادتهم غير الله، واستندوا في ذلك إلى أمرين، الأول بمشيئة الرحمن فكان بقاؤهم على الشرك – على زعمهم – مما يرضاه الله، وظنوا أن عدم أخذهم بالعذاب دليل على رضى الله عليهم – والأمر الثاني هو استنادهم على تقليد آبائهم وكل ذلك من الخرص والظن، فدل ذلك على بطلان عبادتهم غير الله، فلزم من هذا إفراد الله جل وعلا بالعبادة وحده لا شريك له.
ومن الآيات كذلك قول الله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الأحقاف: ٤] فإن الله تعالى طالب المشركين في هذه الآية بالدليل السمعي والعقلي على صحة عبادتهم غير الله (١).
وهما حجتان قاطعتان وبرهانان ساطعان إن وجدا، وإلا، فإن الدليل العقلي يدل على أن الذي خلق هو الذي يعبد لا المخلوق المربوب ولذلك قال: أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ثم طالبهم بالدليل السمعي النقلي: اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ وكل ذلك للتعجيز – ولا يستطيعون إثبات شيء من ذلك – فدل على بطلان عبادتهم غير الله، وأن الواجب هو إفراد الله جل وعلا بالعبادة (٢).
ثم إن الله تعالى بين أنه سيسأل المشركين حجتهم يوم القيامة، ولن يجدوهم في وقت هم أشد حاجة لعذر يعتذرون به، فقال الله تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ [القصص: ٧٤ - ٧٥].
قال مجاهد في قوله: فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ قال: (حجتكم لما كنتم تعبدون وتقولون) (٣).
فعلم مما تقدم أن من الأدلة الدالة على وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة والكفر بالطواغيت هو ما أقامه الله من الحجة على استحقاقه للعبادة، ثم بيانه فساد عمل المشركين باتباعهم للظن وعدم إقامتهم للحجة الساطعة على عبادة آلهتهم التي يعبدونها، وهذا النوع من الاستدلال هو من نوع الإبطال المستلزم لصحة نقيض ما أبطل، أي إذا بطلت عبادة غير الله بما تقدم من الأدلة الدالة على ضعف غير الله وعجزه، وبما ثبت من عدم نفع غيره، بل ثبت ضرره على عابده، كان نقيض هذا هو الحق، وهو ترك عبادة غير الله وإفراد الله وحده بالعبادة، إذ هو وحده المتصف بالصفات التي بها تستحق العبادة. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف – ١/ ١٢٢
_________________
(١) انظر: «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٦٥).
(٢) انظر: «تفسير الطبري» (٢٢/ ٩٢).
(٣) رواه عنه الطبري في تفسيره (١٩/ ٦١٤).
[ ١ / ٢٣٤ ]
المطلب الرابع: بيان أن الحكم لله وحده شرعًا وجزاء:
من أنواع الأدلة لتقرير توحيد الألوهية بيان أن الحكم لله تعالى دون سواه. وحكمه تعالى شامل للحكم الشرعي الأمري، والحكم الجزائي القضائي وهذا من ربوبية الله تعالى، فإنه جل وعلا قد حكم شرعًا فأمر أن تكون العبادة له وحده دون سواه، ونهى عن عبادة غيره، وبين بطلان عمل المشركين وصحة عمل الموحدين، وقد بين الله حكمه الجزائي القضائي من نصره لأوليائه الموحدين في الدنيا وإثابتهم في الآخرة، وعذابه الدنيوي والأخروي لأعدائه المشركين به، وكل ذلك للتنفير من عبادة غيره وإفراده وحده بالعبادة. فتبين من هذا العرض أن هذا النوع شامل لمسائل:
المسألة الأولى: (١) من حكم الله الشرعي: الأمر بعبادته وحده لا شريك له، وتوجيه المشركين إلى سؤاله وحده.
المسألة الثانية: (٢) ومن حكمه الشرعي: حكمه ببطلان عمل المشركين وصلاح عمل الموحدين.
المسألة الثالثة: ومن حكمه الجزائي: إثابته لأوليائه الموحدين ونصرهم في الدنيا والآخرة، وحكمه بنقيض ذلك على المشركين.
أما المسألة الأولى: وهي الأمر بعبادة الله جل وعلا وتوجيه المشركين إلى سؤاله وحده، فإن الله تعالى قد قال: إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف: ٤٠].
وقال الله تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٦٨ - ٧٠].
فبين الله تعالى أن له الخلق والاختيار، فهو يخلق ما يشاء، ويختار ما يشاء، ولا أحد يشاركه في ذلك، ولذلك نزه نفسه عن شرك المشركين (٣) ثم بين الله تعالى انفراده بالحكم، وهو شامل لكل قضاء يقضيه (فالحلال ما أحله تعالى والحرام ما حرمه والدين ما شرعه والقضاء ما قضاه) (٤).
وإن مما قضاه الله تعالى وصية وأمرًا: عبادته وحده لا شريك له كما قال: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣].
وإن الله تعالى وجه المشركين إلى إخلاص الدعاء له وحده فقال تعالى: وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف: ٢٨ - ٢٩].
وقد بين لهم الله تعالى بطلان دعائهم غير الله بأوجه كثيرة كعجز من يدعونه وأنه مربوب مخلوق لا يملك شيئًا وإن الله تعالى أمر كل الناس بدعائه وحده لا شريك له وترك الإفساد في الأرض بالشرك وغيره فقال: ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٥ - ٥٦].
المسألة الثانية: ومن حكمه الشرعي حكمه ببطلان عمل المشركين وصلاح عمل الموحدين:
_________________
(١) انظر «القواعد الحسان» للسعدي (ص: ١٨) و«رسالة الشرك ومظاهره» (ص: ١٩٥).
(٢) انظر: «القواعد الحسان» (ص: ١٧).
(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٩٧).
(٤) «أضواء البيان» (٤/ ٨٢).
[ ١ / ٢٣٥ ]
فمن حكم الله الشرعي حكمه بصلاح عمل الموحدين وحسنه وذلك يوجب تقديمه على كل عمل، فمن الآيات في هذا الباب قول الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء: ١٢٥] قال ابن جرير: (وهذا قضاء من الله جل ثناؤه للإسلام وأهله بالفضل على سائر الملل غيره وأهلها) (١) اهـ.
وقال الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ [فصلت: ٣٣ - ٣٤] أي أنه لا أحد أحسن قولًا ممن آمن بالله ودعا إلى الإيمان به واستسلم لشرع الله فقام بأمره واجتنب نهيه، ثم بين الله حكمه الشرعي بعدم تساوي الحسنة والسيئة. والأظهر في الكلمتين – أي الحسنة والسيئة – العموم كما قال ابن جرير: (ولا يستوي الإيمان بالله والعمل بطاعته والشرك به والعمل بمعصيته) (٢).
وقد حكم الله بضلال المشركين وعملهم، فبين أنه لا أضل من المشركين ولا ضلال أبعد من ضلال عملهم، فهذا حكم شرعي يوجب ترك الشرك فقال: وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا [النساء: ١١٦].
المسألة الثالثة: ومن حكمه الجزائي: إثابته لأوليائه الموحدين ونصرهم في الدنيا والآخرة، وحكمه بنقيض ذلك على المشركين:
فإن الله تعالى قد حكى عن إهلاكه للمشركين المكذبين للرسل وإنجائه لأوليائه الموحدين من الرسل وأتباعهم، وأبقى لنا وسائل لنتعرف على صدق ذلك بما نراه ونسمعه بطرق قطعية، ثم يذكر أن في ذلك آية، أي علامة على صحة استحقاقه للعبادة وأن عبادة غيره باطلة لا نفع فيها بل فيها ضرر.
فمن ذلك قول الله تعالى: وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ [العنكبوت: ٣٨] فقال تفصيلا عن ثمود: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النمل: ٤٥ - ٤٦] (إلى أن قال عنهم) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [النمل: ٥١ - ٥٣].
وقد قص الله ﷿ في سورة الشعراء قصص الرسل مع أقوامهم، وأنهم جاءوهم بالتوحيد، فيقع التكذيب من أكثر الناس، فينزل الله عليهم عذابه بسبب ذلك ويذكر إنجاءه للموحدين ثم يقول: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء: ٨ - ٩] والآية: العلامة، أي علامة على صحة استحقاقه العبادة وبطلان عبادة غيره.
وهذا الذي ذكره الله من تعذيب المشركين به وإنجاء الموحدين كله في الدنيا.
وأما في الآخرة فالنصوص كثيرة جدًا فمنها قول الله تعالى: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة: ٧٢]. وقال تعالى: وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا [الإسراء: ٣٩] وفي الموحدين يقول رسول الله ﷺ «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة» (٣). منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله لخالد عبد اللطيف – ١/ ١٢٨
_________________
(١) «تفسير الطبري» (٩/ ٢٥٠).
(٢) «تفسير الطبري» (٢١/ ٤٧١).
(٣) رواه البخاري (١٢٩). من حديث أنس ﵁. ورواه مسلم (٩٣). من حديث جابر بن عبدالله ﵁.
[ ١ / ٢٣٦ ]
المطلب الخامس: إجماع الكتب السماوية على استحقاق الله للعبادة وحده:
فإن الرسل جميعهم قد جاءوا بإخلاص الدين كله لله واتفقوا على ذلك، وهذه حجة برهانية في أن الله هو المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له وأنه لا منازع له في ذلك، ولذلك يطالب المشركين بأن يذكروا ما عندهم من براهين توجب العبادة لغير الله سواء كانت سمعية أو عقلية، فلم يستطيعوا إثبات ذلك
أما الآيات في هذه المسألة فمنها قول الله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦] وقال: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف: ٤٥] وقال تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢١ - ٢٥].
وهذا يوضح بطلان ما عليه المشركون من الشرك بالله تعالى، فإنه لا مستند لهم في إشراكهم بالله غيره من دليل سمعي ولا عقلي، بل الأدلة كلها السمعية والعقلية على خلاف افترائهم وزعمهم، فالذي خلق هو الذي يعبد وهو الذي يشكر على ما أنعم، وهو الآمر الناهي فيلتزم أمره ونهيه – وذلك الذي اتفقت عليه الرسل، فالرسل كلهم على تباعدهم في الأزمنة والأمكنة مع كمال صدقهم وظهور الآيات والبراهين الدالة على صدقهم، اتفقوا على وجوب عبادة الله وحده وتحريم الشرك به، فآيات الرسل دالة على صحة دعواهم النبوة والرسالة وعلى وحدانية الله، قال الله تعالى مبينًا معجزة القرآن ودلالتها: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ [هود: ١٣ - ١٤] فبين الله أنه بالمعجزة تثبت الرسالة والوحدانية. واتفاق الرسل على هذا المبدأ دليل آخر على وجوب عبادة الله وحده وترك عبادة غيره. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– بتصرف - ١/ ١٣٤
[ ١ / ٢٣٧ ]
المطلب السادس: دلالة العقل والنقل على توحيد الألوهية
وجه دلالة العقل على ذلك هو العلم بحسن التوحيد وقبح الشرك، فالعقل يدرك حسن عبادة الله الذي خلق فأحسن خلقه مع اتصافه بصفات الكمال وتنزهه عن صفات النقص، فهو المحسن إلى خلقه بأنواع النعم والمتفضل عليهم بأنواع الفضائل، فكل ذلك يدل على حسن عبادته رغبة فيما عنده من الخير، والعقل كذلك يدرك قبح عبادة غير الله، إذ كل من هو دون الله مخلوق مربوب فقير إلى ربه، لا يملك شيئًا، فكيف يُعطى شيئًا لا يستحقه ويُساوى بالخالق المنعم!، خاصة وأن النفوس مفطورة على الإقرار بالله والميل إلى ما ينفع ويرجى نفعه. وأما السمع فإنه دال على حسن التوحيد وقبح الشرك ويزيد على دلالة العقل: بإثبات العقاب على ترك التوحيد والثواب على تحقيقه. وأدلة القرآن دالة على أن العقل يعلم حسن التوحيد وقبح الشرك دون إثبات الجزاء، فمن ذلك:
الأول: أنه قد ورد في القرآن ضرب الأمثلة على بطلان الشرك وهي مقاييس عقلية، فلو لم يكن العقل مدركًا لقبحه وحسن التوحيد لما ضرب الله هذه الأمثلة ولاكتفى بالأمر بتوحيده والنهي عن الشرك به.
ومن الآيات الواردة بضرب الأمثلة قول الله تعالى: ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [النحل: ٧٥ - ٧٦]، ففيها مثلان؛
فالمثل الأول: مثل الكافر والمؤمن – والثاني: مثل ضربه الله ليبين عدم استحقاق غيره للعبادة بضعفه وعدم قدرته، وعدم فهمه وعقله. وأما الله سبحانه فهو الذي يأمر بالعدل وهو التوحيد (١).
وقال تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٢٩] وهذا مثل ضربه الله للمشرك الذي يعبد آلهة شتى، وللموحد الذي يعبد إلهًا واحدًا وهو الله لينبه على قبح الشرك وحسن التوحيد (٢).
الثاني: ما أقامه الله من الأدلة العقلية لاستحقاقه للعبادة وحده لا شريك له كتفرده بالخلق والتدبير والرزق وعدم استحقاق غيره لذلك
_________________
(١) انظر: «تفسير الطبري» (٨/ ١٤/١٥٠ - ١٥١) و«تفسير البغوي» (٥/ ٣٣).
(٢) انظر: «مدارج السالكين» (٣/ ٤٥٣).
[ ١ / ٢٣٨ ]
فلو لم يكن فيما أقامه من أدلة عقلية فائدة لاكتفى بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك دون أن يلزمهم باعترافهم بتوحيد الربوبية ليقروا بتوحيد الألوهية. وما أبقاه الله من أدلة عقلية يراها ويسمعها الناس تدل على قبح الشرك من إهلاكه عادًا وثمود وإنجائه للموحدين: كما قال: وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ [العنكبوت: ٣٨]. وما ذكره بعد إهلاكه للمشركين وإنجائه للموحدين بقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء: ٨ - ٩] والآية هي العلامة الدالة على ما هي علامة له، فهذا الخبر متضمن لدليل عقلي وهو: لو كان ما عليه المشركون صحيحًا لما أهلكهم الله، ولو كانت عبادة الآلهة التي عبدت دون الله صحيحة لنفعت أصحابها بكف العذاب ودفعه. وقال الله تعالى عن إبراهيم ﵇: أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: ٨٧ - ٨٦] أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٥ - ٩٦] فخطاب إبراهيم ﵇ لقومه خطاب عقلي وهو: ما ظنكم بربكم إذا لقيتموه يوم القيامة وقد عبدتم غيره أن يفعل بكم، وما ظنكم به من ظن السوء حتى عبدتم غيره! مع أن الأصنام التي عبدوها لم تدفع عن نفسها ضرًا إذ قام بتحطيمها، وهي كذلك مخلوقة مربوبة مثل من يعبدها بل أقل شأنًا! فكيف يستقيم عقل من يعبدها!.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فهذا كله يبين قبح ما كانوا عليه قبل النهي. فلولا أن حسن التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له وقبح الشرك ثابت في نفس الأمر معلوم بالعقل لم يخاطبهم بهذا إذ كانوا لم يفعلوا شيئًا يذمون عليه) (١).
ويؤكد هذا ما جاء في استعمال القرآن بعد ضرب الأمثلة وإقامة الأدلة من مخاطبة العقول بقوله: كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وهذه الآية جاءت بعد مثل ضربه الله ﷿ ليبين أنه أولى بالتنزيه عن الشركاء من الأسياد من البشر في عدم رضاهم بمشاركة مماليكهم لهم في حقهم فقال: ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الروم: ٢٨].
الثالث: مطالبة الله المشركين بالدليل العقلي والسمعي على شركهم:
وفي ذلك يقول الله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الأحقاف: ٤] قال ابن القيم: (فطالبهم بالدليل السمعي والعقلي) (٢).
فمطالبته إياهم بالدليل العقلي وهو في قوله: أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ دليل على أن العقل يعلم بطلان صرف شيء من العبادة لغير الله، إذ العابد إنما يرجو ممن يعبده نفعًا أو دفع ضر عنه – والذي لا يخلق ولا يملك شيئًا لا استقلالًا ولا شركة ضعيف فقير عاجز لا يغني شيئًا فلم يستحق أن يعبد.
وأما العقاب على ترك التوحيد فهذا لا يكون إلا بعد ورود الشرع – كما قال ابن القيم: (إن العقاب على ترك هذا الواجب يتأخر إلى حين ورود الشرع كما دل عليه قوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥] وقوله: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا .. [الملك: ٨ - ٩] وقوله: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص: ٥٩] وقوله: ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام: ١٣١] فهذا يدل على أنهم ظالمون قبل إرسال الرسل وأنه لا يهلكهم بهذا الظلم قبل إقامة الحجة عليهم.) (٣) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فينبغي أن يعلم أن استحقاق العباد للعذاب بالشرك فما دونه مشروط ببلاغ الرسالة في أصل الدين وفروعه) (٤). منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ١٣٦
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٦٨١ - ٦٨٢).
(٢) «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٦٥).
(٣) «مدارج السالكين» (٣/ ٤٥٣ - ٤٥٤).
(٤) «قاعدة في المحبة» لشيخ الإسلام ضمن «جامع الرسائل» (٢/ ٢٩٣).
[ ١ / ٢٣٩ ]
المطلب السابع: دلالة توحيد الربوبية على توحيد الألوهية
دلالة توحيد الربوبية على توحيد الألوهية فهي دلالة التزام؛ لأنه خارج عن معناه مثل دلالة التوبة على التائب فالتوبة غير التائب دلالة الوالد على الولد، فالولد غير الوالد شيء خارج عنه، فتوحيد الربوبية غير توحيد الألوهية.
فدلالة توحيد الربوبية على دلالة توحيد الألوهية دلالة التزام هو شيء خارج عن معناه. أما دلالة الألوهية على الربوبية فهي دلالة تضمن لأنه في ظل الألوهية توحيد الربوبية، هذه الثلاث دلالات تسمى دلالة التضمن، ودلالة الالتزام، ودلالة المطابقة.
فدلالة الالتزام دلالة الشيء على خارج معناه كدلالة توحيد الربوبية على توحيد الألوهية، ودلالة التضمن هي دلالة الشيء على جزء من معناه كدلالة توحيد الألوهية على توحيد الربوبية، ودلالة المطابقة: دلالة الشيء على جميع معناه كدلالة الألوهية على الربوبية والألوهية. شرح العقيدة الطحاوية لعبدالعزيز الراجحي – أشرطة مفرغة
[ ١ / ٢٤٠ ]
المبحث الرابع: عقد الإسلام، وبم يثبت؟
المقصود بعقد الإسلام هو أصل الدين، أي القدر الشرعي الذي متى ما التزمه المكلف نجا به من الكفر، وكذلك نجا به من الخلود في النار إذا مات على ذلك. فبه يصير الكافر مسلمًا، والعدو وليًا، والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال. كما يترتب على الإقرار بهذا الأصل الدخول في مسمى أهل القبلة، واستحقاق ما لهم من حقوق، ووجوب ما عليهم من واجبات.
وفائدة هذا المبحث وثمرته هي: الوقوف على ما يتحقق به أصل الإسلام، ومن يحكم له به، وهل يعذر أحد بجهل بعض أركانه أو بعدم الالتزام بها؟ ومن ثمة يكون هذا m المبحث من الأصول اللازمة لدراسة حكم الجهل بمسائل الاعتقاد على التفصيل.
ويتحقق أصل الدين بالإقرار المجمل بكل ما صح به الخبر عن النبي ﷺ تصديقًا وانقيادًا. وهذا المعنى تعبر عنه الشهادتان؛ ولهذا جعلهما الله ﵎ باب الدخول إلى الإسلام، وجعل النطق بهما هو مناط عصمة الدماء والأموال والأعراض.
ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قال: لا إله إلا الله، عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها، وحسابه على الله ﷿» (١). وفي رواية: « حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به» (٢). وفي رواية له أيضا من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم الله دمه وماله، وحسابه على الله ﷿» (٣).
قال الحافظ ابن رجب ﵀: (ومن المعلوم بالضرورة أن النبي ﷺ كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك، ويجعله مسلما. فقد أنكر على أسامه بن زيد قتله لمن قال: لا إله إلا الله لما رفع عليه السيف، واشتد نكيره عليه. ولم يكن النبي ﷺ يشترط على من جاءه يريد الإسلام، أن يلتزم الصلاة والزكاة) (٤).
فالشهادة لله بالوحدانية تعني الإقرار المجمل بالتوحيد، والبراءة المطلقة من الشرك، والشهادة لمحمد ﷺ بالرسالة تعني الإقرار المجمل بكل ما جاء به ﷺ من عند الله تصديقا وانقيادا.
وهذا كان منهج رسول الله ﷺ في قبول من كان يأتيه من الكفار يريد الإسلام، كما جاء في الأحاديث المتقدمة، وكما جاء في كلام الحافظ ابن رجب ﵀، وهكذا كان أمره لرسله إلى القبائل والملوك وأهل الكتاب، وكذلك إذا بعث السرايا أن يدعوا إلى توحيد الله ويقاتلوا عليه.
عن أبي معبد مولى ابن عباس قال: سمعت ابن عباس يقول: «لما بعث النبي ﷺ معاذ إلى نحو أهل اليمن، قال له: إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى عبادة الله » (٥) الحديث؛ وفي رواية: «ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله» (٦).
_________________
(١) رواه البخاري (٢٩٤٦)، ورواه مسلم (٢١).
(٢) رواه مسلم (٢١).
(٣) رواه مسلم (٢٣).
(٤) «جامع العلوم والحكم» (ص: ٨٣). ط١، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت ١٤٠٨هـ.
(٥) رواه البخاري (١٤٥٨)، ومسلم (١٩).
(٦) رواه البخاري (١٣٩٥).
[ ١ / ٢٤١ ]
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ويفتح الله عليه فدعا عليا، فبعثه فقال: اذهب فقاتل، حتى يفتح الله عليك، ولا تلتفت. فمشى ساعة – أو قال: قليلا -، ثم وقف ولم يلتفت، فقال: يا رسول الله، علام أقاتل الناس؟، قال: قاتلوهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك، منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» (١).
وبناء على ما سبق، فإن وصف المسلم لا يثبت للمكلف على الحقيقة التي يصير بها مسلما عند الله إلا بأمرين:
الأول: تحقق هذا الأصل في القلب.
الثاني: النطق باللسان بالبراءة من الشرك والالتزام بالتوحيد، وهذا في حالة الخلو من الموانع والأعذار الشرعية المعتبرة كالبكم والإكراه.
فهذا القدر – وهو أصل الدين – إذا ما تحقق ولم ينقض بقول أو عمل أو اعتقاد، فقد نجا صاحبه من الكفر، ومن الخلود في النار، وهذا ما أطلق عليه شيخ الإسلام ابن تيمية اسم (الإيمان المجمل)، حيث قال: (فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا على الإسلام، والتزموا شرائعه، وكانوا من أهل الطاعة لله ورسوله، فهم مسلمون، ومعهم إيمان مجمل. ولكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم إنما يحصل شيئًا فشيئًا إن أعطاهم الله ذلك) ا. هـ (٢).
وعلى هذا، فإن نفي الإيمان المجمل معناه نفي مطلق الإيمان، وسقوط صاحبه في الكفر الأكبر الناقل عن الملة، ويتحقق هذا بانتفاء أو نقض أحد عناصره من التصديق أو الانقياد أو الإقرار.
ومن خلال ما سبق بيانه، يتبين لنا جليا أن أول واجب على المكلف هو: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، لا كما يقول أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية أن أول ما يجب على العبد النظر في الأدلة العقلية على وجود الله تعالى، أو القصد إلى النظر أو غيره (٣).
قال الحافظ ابن حجر: (قال القرطبي: لو لم يكن في (علم) الكلام إلا مسألتان، هما من مبادئه، لكان حقيقا بالذم.
إحداهما: قول بعضهم: إن أول واجب الشك؛ إذ هو اللازم لوجوب النظر، أو القصد إلى النظر.
والثانية: قول جماعة منهم: من لم يعرف الله بالطرق التي رتبها أهل الكلام، لم يصح إيمانه.
والقائل بهاتين المسألتين كافر؛ لجعله الشك في الله تعالى واجبا، ومعظم المسلمين كفارًا، حتى يدخل في عموم كلامه السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وهذا معلوم الفساد من الدين بالضرورة) (٤).
والخلاصة: أن هذا الالتزام المجمل هو الذي يتوقف على تحقيقه ثبوت عقد الإسلام، فلا يكون المرء مسلما إلا باستيفائه. كما أنه شرط في صحة الأعمال وقبولها، فهو سابق على غيره من التكاليف.
أما الالتزام بباقي الواجبات، فإنه يأتي بعد تحقيق هذا الأصل، فإن حصل التزام وعمل، استلزم ذلك بقاء وصف الإسلام واستمراره، وهذا مصداق أمر النبي ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن أن يدعو إلى الشهادتين، فمن أطاعه على ذلك، أعلمه بالصلاة ثم الزكاة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀-: (الكافر إذا أسلم وقلنا له: قد وجبت عليك الصلاة، فإنه يلتزمها وينويها؛ لاستشعاره لها جملة ولم يعلم صفتها، بل كل من آمن بالرسول ﷺ إيمانا راسخا، فإن إيمانه متضمن لتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، وإن لم يعلم ولم يقصد أنواع الأخبار والأعمال. ثم عند العلم بالتفصيل، إما أن يصدق ويطيع، فيصير من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أو يخالف ذلك، فيصير إما منافقا، وإما عاصيا فاسقا، أو غير ذلك (٥).
والثمرة النهائية التي نستخلصها من هذا المبحث هو: أنه لا عذر لأحد بالجهل في هذا الأصل، فمن لم يتحقق لديه، لم يكن مسلما، دون اعتبار لعلم أو لجهل. فإن هذا مما انعقد به الإجماع بقين المسلمين بكفر كل من لم يدن بدين الإسلام. فكل من لم يشهد لله بالوحدانية، ولمحمد ﷺ بالرسالة، فهو كافر بلا نزاع، سواء كان يهوديا أو نصرانيا أو وثنيا أو غيره.
أما ما كان من نزاع في بعض هذه الطوائف ممن لم تبلغهم نذارة ولم يصلهم بلاغ، فهو فيما يتعلق بأحكام الآخرة، هل يخلدون في النار لكفرهم، أو يعفى عنهم؛ لعدم بلوغ الحجة إليهم، أم يمتحنون في عرصات يوم القيامة؟. أما في الدنيا فهم كفار بلا نزاع. الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر بن أحمد– ص: ٥٣
_________________
(١) رواه مسلم (٢٤٠٥).
(٢) «الإيمان» (ص: ٢٥٧) –تحقيق الشيخ ناصر الدين الألباني-.
(٣) انظر: «إتحاف المريد بجوهرة التوحيد» لعبد السلام اللقاني (ص: ٤٢).
(٤) «فتاح الباري» (١٣/ ٣٥٠).
(٥) «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ٢٧ - ٢٨).
[ ١ / ٢٤٢ ]
المبحث الخامس: تأثير عارض الجهل على توحيد الألوهية
إن توحيد الربوبية الذي أقر به الخلق لا يكفي وحده، بل هو من الحجة عليهم، فلا بد من الإقرار بتوحيد الألوهية الذي هو إفراد الله تعالى بالعبادة الخالصة. وهو معنى (لا إله إلا الله)، (إذ الإله: هو الذي يؤله فيعبد محبة وإنابة وإجلالًا وإكرامًا ولهذا كانت "لا إله الله أحسن الحسنات، وكان التوحيد بقول (لا إله إلا الله) رأس الأمر) (١). وهذا هو حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، كما في الحديث الصحيح الذي رواه معاذ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «أتدري ما حق الله على عباده؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟، قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقهم أن لا يعذبهم» (٢).
ولهذا التوحيد لوازم ظاهرة وباطنة، وهي من أوامر الله تعالى للمؤمنين به الموحدين، وهي قبل ذلك من موجبات العبودية لله الواحد القهار الذي له صفات الكمال والجلال، كما قال الله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء [آل عمران: ٢٦]، وقال تعالى: وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ [النحل: ٥٣]، وقال تعالى: وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ [الأنعام: ١٧]، وقال تعالى: وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ [يونس: ١٠٧]، وقال تعالى: قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ [الزمر: ٣٨]، وقال تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]، وقال تعالى: وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٨٨]، وقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: ٥].
(ونظائر هذا في القرآن كثير، وكذلك في الأحاديث، وكذلك في إجماع الأمة، لا سيما أهل العلم والإيمان منهم، فإنه عندهم قطب رحى الدين، كما هو الواقع) (٣).
لذلك وجب على الإنسان المؤمن الموحد من أعمال القلب ومن أعمال الجوارح ما يحقق به حقيقة التوحيد لله ﷿، وما يحقق به حقيقة العبودية في نفسه، فيحقق في نفسه تعظيم الرب جل وعلا ومحبته، ورجاءه والخوف منه، والرضا به والتسليم له، والطاعة له والانقياد عملًا بالقلب والجوارح معًا.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (١/ ٢٢ - ٢٣).
(٢) رواه البخاري (٥٩٦٧)، ومسلم (٣٠).
(٣) «مجموع الفتاوى» (١/ ٢١).
[ ١ / ٢٤٣ ]
ومن أهم الأعمال القلبية التي يتحقق بها كمال التوحيد الرضا (وقد جاء هذا الرضا بأنواعه مبينا في سورة الأنعام التي هي سورة التوحيد العظمى، فقد اشتملت على ثلاثة أنواع من الرضا هي جماع التوحيد كله:
١ - الرضا بالله ربا لا شريك له في التقرب والتأله والتعبد: قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: ١٦٤].
٢ - الرضا بالله حكما لا شريك له في التشريع والطاعة: أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا [الأنعام: ١١٤].
٣ - الرضا بالله وليا لا شريك له في محبته وموالاته: قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الأنعام: ١٤].
ولهذا قال النبي ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا» (١). وقال ﵊: «من قال حين يسمع النداء: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولًا، غفرت له ذنوبه» (٢).
واللوازم الظاهرة التي يتحقق بها التوحيد تتلخص في أتباع أوامر الله واجتناب نواهيه، وتحقيق ذلك بأتباع الرسول ﷺ والالتزام بالشريعة. وهذا هو مقتضى الشهادتين (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).
ومما يلي مقام الرضا من أعمال القلوب، مقام الصدق والإخلاص (وهذان عملان قلبيان من أعظم أعمال القلوب وأهم أصول الإيمان. فأما الصدق، فهو الفرقان بين الإيمان والنفاق، وأما الإخلاص، فهو الفرقان بين التوحيد والشرك – في قول القلب واعتقاده، أو في إرادته ونيته – والأعمال – التي رأسها وأعظمها شهادة أن (لا إله إلا الله) – لا تقبل إلا بتحقق الصدق والإخلاص
وأكذب الله المنافقين في دعوى الإيمان وقول الشهادة؛ لانتفاء الصدق، فقال: إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون: ١]
كما أبطل سبحانه زعم أهل الكتاب والمشركين أن دينهم هو الحق بانتفاء الإخلاص، فقال: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة: ١] إلى أن يقول وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: ٥]، وقال تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: ٣١]
فعلى محك الصدق والإخلاص بطلت أكثر دعاوي العابدين وهلك أكثر الثقلين، فالصدق يخرج كل من عبد مع الله غيره، أو أراد غيره معه في عمل من أعمال العبادة، كما في الحديث الصحيح: قال الله ﵎: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (٣).) (٤).
_________________
(١) رواه مسلم (٣٤). من حديث العباس بن عبدالمطلب ﵁.
(٢) رواه مسلم (٣٨٦). من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.
(٣) رواه مسلم (٢٩٨٥). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) «ظاهرة الإرجاء» (ص: ٤٣٩).
[ ١ / ٢٤٤ ]
والمنافي لهذا التوحيد هو الشرك بالله تعالى، وهو صور كثيرة واقعة في حياة الناس اليوم لأسباب كثيرة، منها قلة الدعاة إلى توحيد الله تعالى بالعبادة والطاعة، ومنها إعراض الناس عن تعلم أحكام الدين اشتغالا منهم بالدنيا والشهوات، ومنها الجهل المتفشي في كثير من أقطار المسلمين وخاصة الجهل بالدين الصحيح، وإلا، فعلم الضلالة والبدع منتشر وله مؤسسات وهيئات تقوم عليه وترعاه وتنشره بين المسلمين.
والذي يهمنا من هذه الأسباب الجهل الذي أدى بالناس إلى التفريط في حق خالقهم عليهم، فوقعوا في المخالفات التي تنافي توحيد الألوهية بالكلية أو تنافي بعض تفاصيل هذا التوحيد. فما هي حدود العذر بالجهل فيما يتعلق بتوحيد الألوهية؟.
الحكم في هذه المسألة ينبني على جملة من القواعد:
١ - تحديد أبرز الصور التي تنافي توحيد الألوهية.
٢ - إذا قلنا: إنه لا تكفير ولا عقاب إلا بعد قيام الحجة، فلابد من تحديد مناط قيام الحجة في هذه المسألة ونحن نحاول تطبيق هذه القاعدة على الواقع.
٣ - تحديد دائرة ما يعذر به في هذه المسألة وما لا يعذر.
تحديد أبرز الصور التي تنافي توحيد الألوهية:
- عدم إفراد الله تعالى بالعبادة، كمن أظهر الإيمان نفاقًا أو صلى أو ذبح لغير الله أو دعا أو استغاث بغيره، أو أطاع مخلوقًا في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل، ومنهم أهل الكتاب والمشركون الذين اتخذوا من دون الله أولياء من الأنبياء أو غيرهم، وعبدوهم زاعمين أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، ومن هؤلاء أيضا غلاة القبوريين المنتسبون للإسلام ممن يستغيثون بالأموات ويطلبون منهم قضاء الحاجات ويتقربون إليهم بالذبح، ثم يزعمون أنهم إنما يفعلون ذلك معهم ليقربوهم إلى الله زلفى.
- الاعتراض والكراهية لما أنزل الله بعضه أو كله، وهذا مما وقعت فيه الأمة كليا أو جزئيا، فوقع فيها الاعتراض على توحيد المعرفة والإثبات، والاعتراض على الأمر الشرعي بالتحليل والتحريم، والاعتراض على أمره الكوني. فاعترض كثير منهم على صفاته وشريعته وقضائه وقدره (١). الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر بن أحمد– ص: ٣٧٨
_________________
(١) انظر: «مدارج السالكين» (٣/ ٦٩ - ٧١).
[ ١ / ٢٤٥ ]
المبحث السادس: تحديد دائرة ما يُعذر به في توحيد الألوهية وما لا يعذر به
إن إفراد الله ﷾ بالعبادة والطاعة ونبذ ما سواه من المعبودات الباطلة هو لب دين الإسلام، وهو المقصود من الشهادتين، فلابد لدخول الإسلام من الإقرار المجمل بالإسلام والبراءة المجملة من كل دين يخالفه اعتقادًا بالقلب وانقيادًا بالجوارح. وإذا لم يتحقق هذا بأن يعتقد صحة دين آخر مع الإسلام، أو أن يصرف شيئا من العبادة لغير الله معتقدًا استحقاق ذلك الغير لتلك العبادة، فمن كانت هذه حاله، فلا يسمى موحدًا، بل هو كافر كفرا أصليًا.
قال الحافظ ابن القيم – ﵀ -: (الإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك، والإيمان بالله ورسوله وأتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا، فليس بمسلم، وإن لم يكن كافرًا معاندًا، فهو كافر جاهل. فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارا، فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله، إما عنادًا أو جهلًا وتقليدًا لأهل العناد) (١).
يفهم مما سبق أنه لا عذر بالجهل في الإقرار المجمل بالإسلام والبراءة المجملة من كل دين يخالفه، فكل من لم يدن بدين الإسلام الذي لبه وزبدته إفراد الله ﵎ بالعبادة والطاعة، فهو كافر، سواءً كان ذلك عنادًا أم جهلًا.
فعبادة غير الله معه أو من دونه مما ينافي أصل التوحيد، ولهذا كل ما كان من الاعتقادات أو الأعمال مما ينافي أصل التوحيد كالتوجه بأنواع العبادات كالصلاة والسجود لغير الله، اعتقادًا أن ذلك الغير يستحق العبادة مع الله أو من دونه، كل هذا مما ينافي مدلول الشهادتين، فكان لا عذر لأحد بجهل أو غيره إذا وقع فيه؛ لأن أمر التوحيد قد قامت عليه الحجة بصورة كثيرة، منها الميثاق الذي أخذه الله على بني آدم الذي جاءت الرسل تذكر به وهي الصورة الثانية، ثم الإقرار بالشهادتين.
فالجهل بهذا الأصل لا يعتبر عذرا للحكم بقيام الحجة فيه على كل معين أقر بالشهادتين، وإنما يعذر بالجهل في بعض تفاصيل هذا الأصل إذا لم تبلغ المكلف الحجة فيها، أو قامت في ذهن المكلف شبهات يعذر بها.
ومما يدخل في هذا المعنى كذلك أي مما ينافي أصل التوحيد مما هو واقع في الأمة – ولا حول ولا قوة إلا بالله – الإعراض والكراهية لما أنزل الله تعالى بعضه أو كله. وهذا مما يحتاج الكلام فيه إلى بسط وتفصيل.
يقول الإمام ابن القيم – ﵀ – عند حديثه عن أنواع الاعتراض المنافي للرضا: (النوع الثاني: الاعتراض على شرعه وأمره. وأهل هذا الاعتراض ثلاثة أنواع:
أحدها: الاعتراض عليه بآرائهم وأقيستهم المتضمنة تحليل ما حرم الله ﷾، وتحريم ما أباحه، وإسقاط ما أوجبه، وإيجاب ما أسقطه، وإبطال ما صححه، وتصحيح ما أبطله، واعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وتقييد ما أطلقه، وإطلاق ما قيده.
وهذه هي الآراء والأقيسة التي اتفق السلف قاطبة على ذمها، وصاحوا على أصحابها من أقطار الأرض، وحذروا منهم، ونفروا عنهم.
الثاني: الاعتراض على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشياطنية المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرعه على لسان رسوله
_________________
(١) «طريق الهجرتين» (ص: ٤١١).
[ ١ / ٢٤٦ ]
الثالث: الاعتراض على ذلك بالسياسات الجائرة التي لأرباب الولايات التي قدموها على حكم الله ورسوله، وحكموا بها بين عباده، وعطلوا لها وبها شرعه وعدله وحدوده. فقال الأولون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل. وقال الآخرون: إذا تعارض الأثر والقياس قدمنا القياس. وقال أصحاب الذوق والكشف والوجد: إذا تعارض الذوق والوجد والكشف وظاهر الشرع قدمنا الذوق والوجد والكشف. وقال أصحاب السياسة: إذا تعارضت السياسة والشرع، قدمنا السياسة. فجعلت كل طائفة قبالة دين الله وشرعه طاغوتا يتحاكمون إليه) (١).
(وأصل هذه الاعتراضات التلقي عن غير الله ورسوله، والاستمداد من غير الوحي وتحكيم غيره، فمنهم من حكم العقل بزعمه، فنقل فلسفات الوثنيين وحثالة فكر التائهين، وهؤلاء هم أصحاب الكلام (والفلسفة).
- ومنهم من حكم الذوق والوجد والكشف وانتكس بالعقل المسلم إلى حضيض الخرافة والوهم، (وهؤلاء هم ضلال الصوفية وملاحدتهم).
- ومنهم من حكم الأقيسة العقلية والأعراف السياسية بحجة تحقيق المصلحة ومراعاة الأصول الكلية – وهم فقهاء الرأي وعلماء السلاطين من جهة، وحكام عصور الانحراف من جهة أخرى -، فأحلوا من الدماء والأموال والفروج ما ورد النص الصريح بتحريمه، وكان ذلك مع وقوعه في دائرة الاجتهاد الخطأ أو التطبيق المتعسف ممهدًا لما وقعت فيه الأمة في العصر الحديث من الشرك الأكبر، والاعتراض الأطم بتحكيم القوانين الوضعية وإحلالها محل الشريعة، بل الكراهية الصريحة لكثير مما أنزل الله وبخاصة في الجهاد والحجاب والموالاة والسياسية) (٢). الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر بن أحمد– ص: ٣٨٥
_________________
(١) «مدارج السالكين» (٣/ ٦٩ - ٧١).
(٢) «ظاهرة الإرجاء» للشيخ د. سفر الحوالي (ص: ٤١١) بتصرف يسير.
[ ١ / ٢٤٧ ]
الفصل الثالث: الشهادتان
المبحث الأول: شهادة (لا إله إلا الله)
المطلب الأول: معنى شهادة لا إله إلا الله
ومعنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله وهو في غير موضع من القرآن، ويأتيك في قول البقاعي صريحا قوله (وحده) تأكيد للإثبات (لا شريك له) تأكيد للنفي قال الحافظ: كما قال تعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:١٦٣] وقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:٢٥] وقال: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:٦٥] فأجابوه ردًا عليه بقولهم: أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا [الأعراف:٧٠] وقال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:٦٢] فتضمن ذلك نفي الإلهية عما سوى الله، وهي العبادة وإثباتها لله وحده لا شريك له، والقرآن من أوله إلى آخره يبين هذا ويقرره ويرشد إليه (ذكر كلام العلماء، في معنى لا إله إلا الله) قال الوزير أبو المظفر في الإفصاح: قوله: شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي أن يكون الشاهد عالمًا بأنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ [محمد: ١٩] قال: واسم (الله) بعد (إلا) من حيث أنه الواجب له الإلهية، فلا يستحقها غيره سبحانه قال: وجملة الفائدة في ذلك: أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، فإنك لما نفيت الإلهية وأثبت الإيجاب لله سبحانه كنت ممن كفر بالطاغوت وآمن بالله وقال ابن القيم في البدائع ردًا لقول من قال: إن المستثنى مخرج من المستثنى منه قال ابن القيم: بل هو مخرج من المستثنى منه وحكمه، فلا يكون داخلًا في المستثنى، إذ لو كان كذلك لم يدخل الرجل في الإسلام بقوله: لا إله إلا الله لأنه لم يثبت الإلهية لله تعالى وهذه أعظم كلمة تضمنت بالوضع نفي الإلهية عما سوى الله وإثباتها له بوصف الاختصاص فدلالتها على إثبات إلهيته أعظم من دلالة قولنا: (الله إله) ولا يستريب أحد في هذا البتة انتهى بمعناه وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره (لا إله إلا الله) أي لا معبود إلا هو وقال الزمخشري: الإله من أسماء الأجناس كالرجل والفرس، يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق وقال شيخ الإسلام: الإله هو المعبود المطاع، فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع، قال: فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها، وتخضع له وتذل له، وتخافه وترجوه، وتنيب إليه في شدائدها، وتدعوه في مهماتها، وتتوكل عليه في مصالحها، وتلجأ إليه وتطمئن بذكره، وتسكن إلى حبه، وليس ذلك إلا لله وحده، ولهذا كانت (لا إله إلا الله) أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداءه وأهل غضبه ونقمته، فإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله وقال ابن القيم: (الإله) هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالًا وإنابة، وإكرامًا وتعظيمًا وذلًا وخضوعًا وخوفًا ورجاء وتوكلًا وقال ابن رجب: (الإله) هو الذي يطاع فلا يعصى، هيبة له وإجلالًا، ومحبة وخوفًا ورجاء، وتوكلًا عليه، وسؤالًا منه ودعاء له، ولا يصلح هذا كله إلا الله ﷿، فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك
[ ١ / ٢٤٨ ]
قدحًا في إخلاصه في قول (لا إله إلا الله) وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك وقال البقاعي: لا إله إلا الله، أي انتفاء عظيمًا أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما يكون علمًا إذا كان نافعًا، وإنما يكون نافعًا إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهل صرف وقال الطيبي: (الإله) فعال بمعنى مفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب، من أله إلهة أي عبد عبادة قال الشارح: وهذا كثير في كلام العلماء وإجماع منهم فدلت (لا إله إلا الله) على نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى كائنًا ما كان، وإثبات الإلهية لله وحده دون كل ما سواه، وهذا هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل ودل عليه القرآن من أوله إلى آخره، كما قال تعالى عن الجن: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن:١ - ٢] فلا إله إلا الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفيًا وإثباتًا، واعتقد ذلك وقبله وعمل به وأما من قالها من غير علم واعتقاد وعمل، فقد تقدم في كلام العلماء أن هذا جهل صرف، فهي حجة عليه بلا ريب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ - ص٣٤
[ ١ / ٢٤٩ ]
المطلب الثاني: فضل شهادة لا إله إلا الله
قال الشيخ حافظ الحكمي﵀- في شرح قوله في (سلم الوصول):
وَقَدْ حَوَتْهُ لَفْظَةُ الشَّهَادَهْ فَهِيَ سَبِيلُ الْفَوْزِ وَالسَّعَادَهْ
مَن قَالَهَا مُعْتَقِدًا مَعْنَاها وَكَانَ عَامِلًا بِمُقْتَضَاهَا
في القَوْلِ والفِعْلِ ومَاتَ مُؤمِنا يُبْعَثُ يَوْمَ الْحَشرِ نَاجٍ آمِنَا
[ ١ / ٢٥٠ ]
يقول: (لفظة الشهادة) أي شهادة أن لا إله إلا الله (فهي) أي هذه الكلمة (سبيل الفوز) بدخول الجنة والنجاة من النار قال الله ﷿: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:١٨٥] (و) هي سبيل (السعادة) في الدارين أي طريقهما لا وصول إليهما إلا بهذه الكلمة، فهي الكلمة التي أرسل الله بها رسله وأنزل بها كتبه، ولأجلها خلقت الدنيا والآخرة والجنة والنار وفي شأنها تكون الشقاوة والسعادة، وبها تؤخذ الكتب باليمين أو الشمال، ويقل الميزان أو يخف، وبها النجاة من النار بعد الورود، وبعدم التزامها البقاء في النار، وبها أخذ الله الميثاق، وعليها الجزاء والمحاسبة، وعنها السؤال يوم التلاق إذ يقول تعالى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:٩٢] وقال تعالى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف: ٦] فأما سؤاله تعالى الذين أرسل إليهم يوم القيامة فمنه قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:٦٥] والآيات قبلها وبعدها وغير ذلك وأما سؤاله المرسلين فمنه قوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجَبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّك أَنْتَ عَلامُ الغُيُوب [المائدة: ١٠٩] وغير ذلك من الآيات، وهي أعظم نعمة أنعم الله ﷿ بها على عباده أن هداهم إليها، ولهذا ذكرها في سورة النحل التي هي سورة النعم، فقدمها أولا قبل كل نعمة فقال تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ [النحل: ٢] وهي كلمة الشهادة ومفتاح دار السعادة، وهي أصل الدين وأساسه ورأس أمره وساق شجرته وعمود فسطاطه، وبقية أركان الدين وفرائضه متفرعة عنها، ومتشعبة منها مكملات لها مقيدة بالتزام معناها والعمل بمقتضاها، فهي العروة الوثقى التي قال الله ﷿: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا [البقرة:٢٥٦] قاله سعيد بن جبير والضحاك، وهي العهد الذي ذكر الله ﷿ إذ يقول: لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا [مريم:٨٧] قال ذلك عبد الله بن عباس ﵄ قال: (هو شهادة أن لا إله إلا الله، والبراءة من الحول والقوة إلا بالله، وأن لا يرجو إلا الله ﷿) (١) وهي الحسنى التي قال الله ﷿: فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل: ٥ - ٧] الآيات، قاله أبو عبد الرحمن السلمي والضحاك ورواه عطية عن ابن عباس (٢) وهي كلمة الحق التي ذكر الله ﷿ إذ يقول تعالى: إِلا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:٨٦] قال ذلك البغوي وهي كلمة التقوى التي ذكر الله ﷿ إذ يقول: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا [الفتح:٢٦] وروى ذلك ابن جرير وعبد الله بن أحمد والترمذي بأسانيدهم إلى أبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ (٣)
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٨/ ٢٥٥) وهو من رواية علي بن أبي طلحة عنه وروايته عنه منقطعة.
(٢) رواه البغوي (٨/ ٤٤٢). وعطية العوفي فيه مقال معروف. انظر: «الضعفاء والمتروكين» للنسائي (٤٨١)، و«الضعفاء» للعقيلي (١٣٩٢)، و«الكامل في الضعفاء» لابن عدي (١٥٣٠).
(٣) رواه الترمذي (٣٢٦٥)، وأحمد (٥/ ١٣٨) (٢١٢٩١) .. قال أبو عيسى: غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحسن بن قزعة. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.
[ ١ / ٢٥١ ]
وهي القول الثابت الذي ذكر الله ﷿ إذ يقول تعالى: يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم:٢٧] أخرجاه في الصحيحين عن البراء بن عازب ﵁ عن النبي ﷺ (١) وهي الكلمة الطيبة المضروبة مثلا قبل ذلك إذ يقول تعالى: ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء [إبراهيم:٢٤] قاله علي بن طلحة عن ابن عباس (٢)، أصلها ثابت في قلب المؤمن، وفرعها العمل الصالح في السماء صاعد إلى الله ﷿ وكذا قال الضحاك وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وغير واحد وهي الحسنة التي ذكر الله ﷿ إذ يقول: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام: ١٦٠] قال الله تعالى: مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعِ يَوْمَئِذٍ آمِنُون [النمل:٨٩] قال ذلك زين العابدين إبراهيم النخعي، وعن أبي ذر مرفوعا «هي أحسن الحسنات» (٣) وهي تمحو الذنوب والخطايا وهي المثل الأعلى الذي ذكر الله ﷿ إذ يقول: وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الروم:٢٧] قال ذلك قتادة ومحمد بن جرير، ورواه مالك عن محمد بن المنكدر وهي سبب النجاة كما في صحيح مسلم أن النبي ﷺ سمع مؤذنا يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله فقال ﷺ: خرجت من النار» (٤) وفيه عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله حرم الله عليه النار» (٥)، وفي حديث الشفاعة: «أخرجوا من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» (٦) وهي سبب دخول الجنة كما في الصحيحين عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق وأن النار حق أدخله الله الجنة من أي أبواب الجنة الثمانية شاء» (٧)، وفي رواية: «أدخله الله الجنة على ما كان من عمل» (٨) وهي أفضل ما ذكر الله ﷿ به، وأثقل شيء في ميزان العبد يوم القيامة كما في المسند عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ: «إن نوحا ﵊ قال لابنه عند موته: آمرك بلا إله إلا الله فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعن في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن لا إله إلا الله ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كل حلقة مبهمة لفصمتهن لا إله إلا الله» (٩)،
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٦٩)، ومسلم (٢٨٧١).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ٥٦٧). ورواية علي بن أبي طلحة عنه مرسلة.
(٣) رواه الطبري (١٢/ ٢٧٩) وحسنه ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (ص١٢٩)، والألباني في «كلمة الإخلاص» لابن رجب (ص٥٥).
(٤) رواه مسلم (٣٨٢).
(٥) رواه مسلم (٢٩).
(٦) رواه الحاكم (١/ ١٤١) وقال الذهبي صحيح الإسناد، وشطره الثاني في البخاري (٢٢).
(٧) رواه البخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٢٨).
(٨) رواه البخاري (٣٤٣٥).
(٩) رواه أحمد (٢/ ١٦٩) (٦٥٨٣). وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٣٤) ..
[ ١ / ٢٥٢ ]
وفي الترمذي والنسائي وفي المسند عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا كل سجل مثل مد البصر ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا، أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول لا يا رب فيقول أفلك عذر؟ فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله، فيقول: أحضر وزنك فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: فإنك لا تظلم، قال فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله تعالى شيء» (١) وهي التي لا يحجبها شيء دون الله ﷿ وفيه أيضا عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من عبد قال لا إله إلا الله مخلصا إلا فتحت لها أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش» (٢)، وهي الأمان من وحشة القبور وهول الحشر واعلم أن النصوص الواردة في فضل هذه الشهادة كثيرة لا يحاط بها، وفيما ذكرنا كفاية، ويكفيك في فضل لا إله إلا الله أخبار النبي ﷺ أنها أعلى جميع شعب الإيمان، كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون – أو بضع وستون- شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» وهذا لفظ مسلم (٣) (من قالها) أي قال هذه الكلمة حال كونه (معتقدا) أي عالما ومتيقنا (معناها) الذي دلت عليه نفيا وإثباتا (وكان) مع ذلك (عاملا بمقتضاها) على وفق ما علمه منها وتيقنه فإن ثمرة العلم به (في القول) أي قول القلب واللسان (والفعل) أي عمل القلب واللسان والجوارح قال الله ﷿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:٢ - ٣] (ومات مؤمنا) أي على ذلك، وهذا شرط لا بد منه فإنما الأعمال بالخواتيم قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة» (٤) الحديث في الصحيحين عن أبي ذر بطوله (يبعث يوم الحشر) أي يوم الجمع (ناج) من النار (آمنا) من فزع يوم القيامة قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٣] وقال الله تعالى: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [النحل:٨٩] معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص٥٠٩
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٨٥٠)، وابن ماجه (٤٣٠٠)، وأحمد (٢/ ٢١٣) (٦٩٩٤)، والحاكم (١/ ٤٦، ٥٢٩). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح لم يخرج في الصحيحين وهو صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٥/ ١٧٣) - كما أشار إلى ذلك في مقدمته -. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١١/ ١٧٦): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.
(٢) رواه الترمذي (٣٥٩٠) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.
(٣) رواه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥).
(٤) رواه البخاري (٥٨٢٧)، ومسلم (٩٤). من حديث أبي ذر ﵁.
[ ١ / ٢٥٣ ]
المطلب الثالث: أقوال العلماء في المراد من الأحاديث الواردة في فضل كلمة التوحيد
اعلم أن الأحاديث الدالة على أن الشهادتين سبب دخول الجنة والنجاة من النار لا تناقض بينها وبين أحاديث الوعيد التي فيها: من فعل ذنب كذا فالجنة عليه حرام، أو لا يدخل الجنة من فعل كذا، لإمكان الجمع بين النصوص بأنها جنان كثيرة كما أخبر النبي ﷺ وبأن أهل الجنة أيضا متفاوتون في دخول الجنة في السبق وارتفاع المنازل، فيكون فاعل الذنب لا يدخل الجنة التي أعدت لمن لم يرتكبه، أو لا يدخلها في الوقت الذي يدخل فيه من لم يرتكب ذلك الذنب، وهذا واضح مفهوم للعارف بلغة العرب وكذلك لا تناقض بين الأحاديث التي فيها تحريم أهل هاتين الشهادتين على النار وبين الأحاديث التي فيها إخراجهم منها بعد أن صاروا حمما لإمكان الجمع بأن تحريم من يدخلها بذنبه من أهل التوحيد بأن تحريمه عليها يكون بعد خروجه منها برحمة الله ثم بشفاعة الشافعين، ثم يغتسلون في نهر الحياة ويدخلون الجنة، فحينئذ قد حرموا عليها فلا تمسهم بعد ذلك أو يكون المراد أنهم يحرمون مطلقا على النار التي أعدت للكافرين التي لا يخرج منها من دخلها، وهي ما عدا الطبقة العليا من النار التي يدخلها بعض عصاة أهل التوحيد ممن شاء الله تعالى عقابه وتطهيره بها على قدر ذنبه، ثم يخرجون فلا يبقى فيها أحد وهذه إشارة كافية في هذا الموضع، وقد ذكر الحافظ بن رجب رحمه الله تعالى في هذا الباب كلاما حسنا بعد سياقه حديث معاذ وحديث عتبان وحديث أبي ذر وحديث عبادة وأحاديث هذا الباب نوعان: أحدهما ما فيه أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة ولم يحجب عنها، وهذا ظاهر، فإن النار لا يخلد فيها أحد من أهل التوحيد الخالص، بل يدخل الجنة ولا يحجب عنها إذا طهر من ذنوبه بالنار، وقد يعفو الله عنه فيدخله الجنة بلا عقاب قبل وحديث أبي ذر معناه أن الزنا والسرقة لا يمنعان دخول الجنة مع التوحيد، وهذا حق لا مرية فيه، وليس فيه أن لا يعذب عليها مع التوحيد، وفي مسند البزار عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «من قال لا إله إلا الله نفعته يوما من الدهر يصيبه قبل ذلك ما أصابه» (١) الثاني فيه أنه يحرم على النار، وقد حمله بعضهم على الخلود فيها أو على ما يخلد فيها أهلها وهي ما عدا الدرك الأعلى من النار، فإن الدرك الأعلى يدخله كثير من عصاة الموحدين بذنوبهم ثم يخرجون بشفاعة الشافعين وبرحمة أرحم الراحمين وفي الصحيحين: «إن الله تعالى يقول: وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله» (٢)
_________________
(١) رواه الطبراني في «الأوسط» (٦/ ٢٧٤)، و«الصغير» (١/ ٢٤١). قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٣٤١): رواته رواة الصحيح. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٢٢): رواه البزار والطبراني في «الأوسط» و«الصغير» ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب»: (صحيح).
(٢) البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣). من حديث أنس ﵁ ..
[ ١ / ٢٥٤ ]
وقالت طائفة من العلماء: المراد من هذه الأحاديث أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار ومقتض لذلك، ولكن المقتضى لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه أو لوجود مانع، وهذا قول الحسن ووهب بن منبه وهو أظهر وقال الحسن للفرزدق وهو يدفن امرأته: ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة قال الحسن: نعم العدة، لكن للا إله إلا الله شروطا، فإياك وقذف المحصنات وقيل للحسن: إن أناسا يقولون من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك (١) وهذا الحديث: «إن مفتاح الجنة لا إله إلا الله» أخرجه الإمام أحمد بإسناد منقطع عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا سألك أهل اليمن عن مفتاح الجنة فقل: لا إله إلا الله» ويدل على هذا كون النبي ﷺ رتب دخول الجنة على الأعمال الصالحة في كثير من النصوص، وكما في الصحيحين عن أبي أيوب أن رجلا قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم» (٢) وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ «أن رجلا قال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان فقال الرجل: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئا ولا أنقص منه، فقال رسول الله ﷺ: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» (٣) وفي المسند عن بشير بن الخصاصية قال: «أتيت النبي ﷺ لأبايعه، فاشترط علي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن أقيم الصلاة وأن أوتي الزكاة وأحج حجة الإسلام وأن أصوم رمضان وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله، أما اثنتين فوالله ما أطيقها، الجهاد والصدقة، فقبض رسول الله ﷺ يده ثم حركها وقال: فلا جهاد ولا صدقة! فبم تدخل الجنة إذا؟ قلت: أبايعك، فبايعته عليهن كلهن» (٤)
_________________
(١) رواه البخاري معلقًا قبل حديث (١٢٣٧) كتاب: الجنائز، باب: في الجنائز، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله. ورواه موصولًا في «التاريخ الكبير» (٢٦١)، ورواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٤/ ٦٦)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (١/ ٢٧٤). قال البوصيري في «إتحاف الخيرة» (٨/ ٨٥): رواه إسحاق بن راهويه بإسناد حسن، وقد علقه البخاري لوهب. وله شاهد مرفوع من حديث معاذ بن جبل رواه أحمد بن حنبل، والبزار، والطبراني في كتاب «الدعاء» بسند ضعيف. وقال ابن حجر في «المطالب العالية» (٣/ ٢٥٤): إسناده حسن موقوف، قد علقه البخارى لوهب وانظر: «تغليق التعليق» (٢/ ٤٥٣ - ٤٥٤).
(٢) رواه البخاري (١٣٩٦)، ومسلم (١٣).
(٣) رواه البخاري (١٣٩٧)، ومسلم (١٤).
(٤) رواه أحمد (٥/ ٢٢٤) والحاكم (٢/ ٣٤٧). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٤٧): ورجال أحمد موثقون ..
[ ١ / ٢٥٥ ]
ففي الحديث أن الجهاد والصدقة شرط في دخول الجنة مع حصول التوحيد والصلاة والصيام والحج ونظير هذا أن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ﷺ» ففهم عمر وجماعة من الصحابة أن من أتى الشهادتين امتنع من عقوبة الدنيا بمجرد ذلك، فتوقفوا عن قتال مانعي الزكاة، وفهم الصديق ﵁ أنه لا يمتنع قتاله إلا بأداء حقوقها لقوله ﷺ: «فإذا فعلوا ذلك منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» وقال: الزكاة حق المال وهذا الذي فهمه الصديق ﵁ قد رواه عن النبي ﷺ صريحا غير واحد من الصحابة، منهم ابن عمر وأنس وغيرهما ﵃، وأنه قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» (١) ودل على ذلك قوله تعالى: فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ [التوبة: ٥] الآية ولا تثبت إلا بأداء الفرائض مع التوحيد، ولما قرر أبو بكر ﵁ هذا للصحابة رجعوا إلى قوله ورأوه صوابا، فإذا علم أن عقوبة الدنيا لا ترتفع عمن أدى الشهادتين مطلقا، بل يعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام، فكذلك عقوبة الآخرة وقد ذهب طائفة إلى أن هذه الأحاديث المذكورة أولا وما في معناها كانت قبل نزول الفرائض والحدود، منهم الزهري والثوري وغيرهما، وهذا بعيد جدا، فإن كثيرا منها كانت بالمدينة بعد نزول الفرائض والحدود، وفي بعضها أنه كان في غزوة تبوك وهي في آخر حياة الرسول ﷺ، وهؤلاء منهم من يقول: هذه الأحاديث منسوخة، ومنهم من يقول هي محكمة ولكن ضم إليها شرائط، ويلتفت هذا إلى أن زيادة النص هل هي نسخ أم لا؟ والخلاف في ذلك بين الأصوليين مشهور، وقد صرح الثوري بأنها منسوخة، وأنه نسختها الفرائض والحدود وقد يكون مرادهم بالنسخ البيان والإيضاح، فإن السلف كانوا يطلقون النسخ على مثل ذلك كثيرا ويكون مرادهم أن آيات الفرائض والحدود تبين توقف دخول أهل الجنة والنجاة من النار على فعل الفرائض واجتناب المحارم فصارت النصوص منسوخة أي مبينة مفسرة، ونصوص الحدود والفرائض ناسخة أي مفسرة لمعنى تلك النصوص موضحة لها وقالت طائفة تلك النصوص المطلقة قد جاءت مقيدة في أحاديث أخرى، ففي بعضها: «من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة» (٢) وفي بعضها «مستيقنا» (٣)، وفي بعضها: «يقولها من قلبه» (٤)،
_________________
(١) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢).
(٢) رواه أحمد (٥/ ٢٣٦) (٢٢١١٣)، وابن حبان (١/ ٤٢٩) (٢٠٠). من حديث معاذ بن جبل ﵁. وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٣٥٥) وقال: صحيح على شرط الشيخين.
(٣) رواه مسلم (٣١).
(٤) رواه أحمد (١/ ٦٣) (٤٤٧). من حديث عثمان بن عفان ﵁. ورواه ابن حبان (١/ ٤٣٤)، والحاكم (١/ ١٤٣) من حديث عثمان بن عفان عن عمر ﵄. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وقال البوصيري في «إتحاف الخيرة» (٦/ ١٣٨): هذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٥): رجاله ثقات. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١/ ٢٢١): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٥٢٨): صحيح.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وهذا كله إشارة إلى عمل القلب وتحققه بمعنى الشهادتين، فتحققه بمعنى شهادة أن لا إله إلا الله أن لا يأله قلبه غير الله حبا ورجاء وخوفا وطمعا وتوكلا واستعانة وخضوعا وإنابة وطلبا وتحققه بشهادة أن محمدا رسول الله ﷺ أن لا يعبد بغير ما شرعه على لسان نبيه – محمد - ﷺ وتحقيق هذا المعنى وإيضاحه أن قول العبد (لا إله إلا الله) يقتضي أن لا إله غير الله، والإله الذي يطاع ولا يعصى هيبة وإجلالا ومحبة وخوفا ورجاء وتوكلا عليه وسؤالا منه ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله لغير الله ﷿، فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحا في إخلاصه في قوله لا إله إلا الله ونقصًا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من المعاصي التي منشأها من طاعة غير الله ﷿ أو خوفه أو رجائه أو التوكل عليه أو العمل، كما ورد إطلاق الكفر والشرك على الربا وعلى الحلف بغير الله ﷿ وعلى التوكل على غير الله والاعتماد عليه وعلى من سوى بين الله وبين المخلوق في المشيئة مثل أن يقول ما شاء الله وشاء فلان، وكذا قوله: مالي إلا الله وأنت، وكذلك ما يقدح في التوحيد وتفرد الله بالنفع والضر كالطيرة والرقى المكروهة وإتيان الكهان وتصديقهم بما يقولون وكذلك اتباع هوى النفس فيما نهى الله عنه قادح في تمام التوحيد وكماله، ولهذا أطلق الشرع على كثير من الذنوب التي منشأها من هوى النفس أنها كفر وشرك كقتال المسلم ومن أتى حائضا أو امرأة في دبرها ومن شرب الخمر في المرة الرابعة وإن كان ذلك لا يخرجه من الملة بالكلية، ولهذا قال السلف: كفر دون كفر، وشرك دون شرك، وقد ورد إطلاق الإله على الهوى المتبع قال تعالى: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الفرقان:٤٣] قال الحسن رحمه الله تعالى: هو الذي لا يهوى شيئا إلا ركبه، وقال قتادة: هو الذي كلما هوى شيئا ركبه وكلما اشتهى شيئا أتاه لا يحجزه عن ذلك ورع ويشهد لهذا الحديث الصحيح عن النبي ﷺ «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش» (١)، فدل هذا على أن من أحب شيئا وأطاعه وكان من غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله وعادى لأجله، فهو عبده، وكان ذلك الشيء معبوده وإلهه ويدل عليه أيضا أن الله تعالى سمى طاعة الشيطان في معصيته عبادة للشيطان كما قال تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ [يس:٦٠] وقال تعالى حاكيا عن خليله إبراهيم ﵊: يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا [مريم:٤٤] فمن لم يتحقق بعبودية الرحمن وطاعته فإنه يعبد الشيطان بطاعته، ولم يخلص من عبادة الشيطان إلا من أخلص عبودية الرحمن وهم الذين قال فيهم: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ [الحجر:٤٢] فهم الذين حققوا قول لا إله إلا الله وأخلصوا في قولها وصدقوا قولهم بفعلهم فلم يلتفتوا إلى غير الله محبة ورجاء وخشية وطاعة وتوكلا، وهم الذين صدقوا في قول لا إله إلا الله، وهم عباد الله حقا فأما من قال لا إله إلا الله بلسانه ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذب قوله فعله، ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ [القصص:٥٠] وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ [ص:٢٦] ثم قال رحمه الله تعالى: فيا هذا كن عبدا لله لا عبدا للهوى، فإن الهوى يهوي بصاحبه في النار أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:٣٩]، «تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار» والله لا ينجو غدا من عذاب الله إلا من حقق عبودية الله وحده ولم يلتفت إلى شيء من الأغيار، من علم أن إلهه ومعبوده فرد فليفرده بالعبودية ولا يشرك بعبادة ربه أحدا انتهى كلامه رحمه الله تعالى معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص٥٢٨
_________________
(١) رواه البخاري (٢٨٨٧).
[ ١ / ٢٥٧ ]
المطلب الرابع: مراتب شهادة لا إله إلا الله
تمهيد:
إن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره وقوله وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه فلها أربع مراتب: فأول مراتبها: علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته وثانيها: تكلمه بذلك ونطقه به وإن لم يعلم به غيره بل يتكلم به مع نفسه ويذكرها وينطق بها أو يكتبها وثالثها: أن يعلم غيره بما شهد به ويخبره به ويبينه له ورابعها: أن يلزمه بمضمونها ويأمره به فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربعة علم الله سبحانه بذلك وتكلمه به وإعلامه وإخباره لخلقه به وأمرهم وإلزامهم به مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لمحمد بن عبدالله بن القيم - ٣/ ٤٥١
[ ١ / ٢٥٨ ]
مرتبة العلم
أما مرتبة العلم فإن الشهادة بالحق تتضمنها ضرورة وإلا كان الشاهد شاهدا بما لا علم له به قال الله تعالى: إِلا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:٨٦] وقال النبي ﷺ «على مثلها فاشهد وأشار إلى الشمس» (١) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لمحمد بن عبدالله بن القيم - ٣/ ٤٥١
_________________
(١) رواه الحاكم في «المستدرك» (٤/ ١١٠) وقال صحيح الإسناد، وقال الذهبي في التلخيص: بل واه، ورواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٠/ ١٥٦) وقال: لم يرو من وجه يعتمد عليه، وقال الزيلعي في «نصب الراية» (٤/ ١٤٠٤): قلت: رواه كذلك ابن عدي في " الكامل " والعقيلي في " كتابه " وأعلاه بمحمد بن سليمان ابن مشمول وأسند ابن عدي تضعيفه عن النسائي ووافقه وقال: عامة ما يرويه لا يتابع عليه إسنادا ولا متنا، وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٦١٧): فيه نظر، وقال ابن حجر في «التلخيص» (٤/ ١٩٨): في إسناده محمد بن سليمان بن مسمول وهو ضعيف، وقال الألباني في تخريج الطحاوية (٩٠) ضعيف.
[ ١ / ٢٥٩ ]
مرتبة التكلم والخبر
وأما مرتبة التكلم والخبر فمن تكلم بشيء وأخبر به فقد شهد به وإن لم يتلفظ بالشهادة قال تعالى: قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم [الأنعام:١٥٠] وقال تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف:١٩] فجعل ذلك منهم شهادة وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدوها عند غيرهم قال النبي ﷺ: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» (١). وشهادة الزور هي قول الزور كما قال تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:٣٠] وسمى الله تعالى إقرار العبد على نفسه شهادة قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ [النساء:١٣٥] فشهادة المرء على نفسه هي إقراره على نفسه وفي الحديث الصحيح في قصة ماعز الأسلمي: «فلما شهد على نفسه أربع مرات رجمه رسول الله» (٢) وقال تعالى: قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ [الأنعام:١٣٠] وهذا وأضعافه يدل على أن الشاهد عند الحاكم وغيره لا يشترط في قبول شهادته أن يتلفظ بلفظ الشهادة كما هو مذهب مالك وأهل المدينة وظاهر كلام أحمد ولا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين اشتراط ذلك وقد قال ابن عباس: «شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب» (٣) ومعلوم أنهم لم يتلفظوا بلفظ الشهادة والعشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة لم يتلفظ في شهادته لهم بلفظ الشهادة بل قال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة» (٤) الحديث وأجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد دخل في الإسلام وشهد شهادة الحق ولم يتوقف إسلامه على لفظ الشهادة وأنه قد دخل في قوله: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» (٥) وفي لفظ آخر «حتى يقولوا لا إله إلا الله» (٦) فدل على أن مجرد قولهم لا إله إلا الله شهادة منهم وهذا أكثر من أن تذكر شواهده من الكتاب والسنة فليس مع من اشترط لفظ الشهادة دليل يعتمد عليه والله أعلم مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لمحمد بن عبدالله بن القيم - ٣/ ٤٥١
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٥٩٩)، والترمذي (٢٢٩٩)، وابن ماجه (٢٣٧٢). وقال الترمذي: غريب ولا نعرف لأيمن سماعا من النبي وقد اختلفوا في رواية الحديث عن سفيان بن زياد. وقال ابن القطان في «الوهم والإيهام» (٤/ ٥٤٨): لايصح. وقال ابن الملقن في «خلاصة البدر المنير» (٢/ ٤٣١): إسناده ضعيف وله طريق آخر فيه مقال. وقال الزيلعي في «تخريج الكشاف» (٢/ ٣٨٣): -فيه- زياد العصفري قال ابن القطان مجهول.
(٢) رواه البخاري (٥٢٧١) ومسلم (١٦٩١).
(٣) رواه البخاري (٥٨١).
(٤) رواه أبو داود (٤٦٤٩)، والترمذي (٣٧٤٨)، وابن ماجه (١٣٣)، وأحمد (١/ ١٨٧) (١٦٢٩). من حديث سعيد بن زيد ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٥/ ٤٣٦) - وذلك كما أشار في مقدمته -. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ١١٢): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.
(٥) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث ابن عمر ﵁.
(٦) رواه البخاري (١٣٩٩)، ومسلم (٢٠). من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٢٦٠ ]
مرتبة الإعلام والإخبار
فصل وأما مرتبة الإعلام والإخبار فنوعان: إعلام بالقول وإعلام بالفعل وهذا شأن كل معلم لغيره بأمر تارة يعلمه بقوله وتارة بفعله ولهذا كان من جعل دارا مسجدا وفتح بابها لكل من دخل إليها وأذن بالصلاة فيها معلما أنها وقف إن لم يتلفظ به وكذلك من وجد متقربا إلى غيره بأنواع المسار معلما له ولغيره أنه يحبه وإن لم يتلفظ بقوله وكذلك بالعكس وكذلك شهادة الرب ﷻ وبيانه وإعلامه يكون بقوله تارة وبفعله تارة أخرى فالقول هو ما أرسل به رسله وأنزل به كتبه ومما قد علم بالاضطرار أن جميع الرسل أخبروا عن الله أنه شهد لنفسه بأنه لا إله إلا هو وأخبر بذلك وأمر عباده أن يشهدوا به وشهادته سبحانه أن لا إله إلا هو معلومة من جهة كل من بلغ عنه كلامه وأما بيانه وإعلامه بفعله فهو ما تضمنه خبره تعالى عن الأدلة الدالة على وحدانيته التي تعلم دلالتها بالعقل والفطرة وهذا أيضا يستعمل فيه لفظ الشهادة كما يستعمل فيه لفظ الدلالة والإرشاد والبيان فإن الدليل يبين المدلول عليه ويظهره كما يبينه الشاهد والمخبر بل قد يكون البيان بالفعل أظهر وأبلغ وقد يسمى شاهد الحال نطقا وقولا وكلاما لقيامه مقامه وأدائه مؤداه كما قيل:
وقالت له العينان سمعا وطاعة وحدرتا بالدر لما يثقب
وقال الآخر:
شكا إلي جملي طول السرى صبرا جميلي فكلانا مبتلى
وقال الآخر:
امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويدا قد ملأت بطني
ويسمى هذا شهادة أيضا كما في قوله تعالى ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلون من أعمال الكفر وأقواله فهي شهادة بكفرهم وهم شاهدون على أنفسهم بما شهدت به والمقصود أن الله سبحانه يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالة عليه فإن دلالتها إنما هي بخلقه وجعله ويشهد بآياته القولية الكلامية المطابقة لما شهدت به آياته الخلقية فتتطابق شهادة القول وشهادة الفعل كما قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣] أي أن القرآن حق فأخبر أنه يدل بآياته الأفقية والنفسية على صدق آياته القولية الكلامية وهذه الشهادة الفعلية قد ذكرها غير واحد من أئمة العربية والتفسير قال ابن كيسان شهد الله بتدبيره العجيب وأموره المحكمة عند خلقه أنه لا إله إلا هو مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لمحمد بن عبدالله بن القيم - ٣/ ٤٥٢
[ ١ / ٢٦١ ]
مرتبة الأمر والإلزام
وأما المرتبة الرابعة وهي الأمر بذلك والإلزام به وإن كان مجرد الشهادة لا يستلزمه لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه فإنه سبحانه شهد به شهادة من حكم به وقضى وأمر وألزم عباده به كما قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣] وقال تعالى: وَقَالَ اللهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ [النحل:٥١] وقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة: ٥] وقال تعالى: لاَّ تَجْعَل مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ [الإسراء: ٢٢] وقال الله ﷾: وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [القصص:٨٨] والقرآن كله شاهد بذلك ووجه استلزام شهادته سبحانه لذلك أنه إذا شهد أنه لا إله إلا هو فقد أخبر وبين وأعلم وحكم وقضى أن ما سواه ليس بإله وأن إلهية ما سواه أبطل الباطل وإثباتها أظلم الظلم فلا يستحق العبادة سواه كما لا تصلح الإلهية لغيره وذلك يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلها والنهي عن اتخاذ غيره معه إلها وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات كما إذا رأيت رجلا يستفتي أو يستشهد أو يستطب من ليس أهلا لذلك ويدع من هو أهل له فتقول هذا ليس بمفت ولا شاهد ولا طبيب المفتي فلان والشاهد فلان والطبيب فلان فإن هذا أمر منك ونهي وأيضا فإن الأدلة قد دلت على أنه سبحانه وحده المستحق للعبادة فإذا أخبر أنه هو وحده المستحق للعبادة تضمن هذا الإخبار أمر العباد وإلزامهم بأداء ما يستحقه الرب تعالى عليهم وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم فإذا شهد سبحانه أنه لا إله إلا هو تضمنت شهادته الأمر والإلزام بتوحيده وأيضا فلفظ الحكم والقضاء يستعمل في الجمل الخبرية فيقال للجملة الخبرية قضية وحكم وقد حكم فيها بكيت وكيت قال تعالى: أَلا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [الصافات: ١٥١] فجعل هذا الإخبار المجرد منهم حكما وقال في موضع آخر: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ. [القلم: ٣٥] لكن هذا حكم لا إلزام معه والحكم والقضاء بأنه لا إله إلا هو متضمن للإلزام والله سبحانه أعلم مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية - ٣/ ٤٥٤
[ ١ / ٢٦٢ ]
المطلب الخامس: شروط لا إله إلا الله
الشرط الأول: العلم
والمراد به العلم بمعناها المراد منها نفيا وإثباتا المنافي للجهل بذلك، قال الله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الله [محمد:١٩] وقال الله تعالى: إِلا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ [الزخرف:٨٦] أي بلا إله إلا الله وَهُمْ يَعْلَمُون بقلوبهم معنى ما نطقوا به بألسنتهم قال الله تعالى: شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَأُولُوا العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيم [آل عمران:١٨] وقال الله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذِّينَ يَعْلَمُونَ وَالذِّينَ لا يَعْلَمُون إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَاب [الزمر:٩] وقال الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ [فاطر:٢٨] وقال الله تعالى: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا للنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا العَالِمُون [العنكبوت:٤٣] وفي الصحيح عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» (١)
الشرط الثاني: اليقين
اليقين المنافي للشك بأن يكون قائلها مستيقنا بمدلول هذه الكلمة يقينا حازما، فإن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن، فكيف إذا دخله شك، قال الله تعالى: إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الذِّينَ آمَنُوا بِالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله – إلى قوله – أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون [الحجرات:٣] فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يرتابوا، أي لم يشكوا، فأما المرتاب فهو من المنافقين والعياذ بالله الذين قال الله تعالى فيهم: إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [التوبة:٤٥] وفي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ولا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة» (٢) وفي رواية: «لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما فيحجب عن الجنة» (٣) وفيه عنه ﵁ من حديث طويل أن النبي ﷺ بعثه بنعليه فقال: «من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة» (٤) الحديث، فاشترط في دخول قائلها الجنة أن يكون مستيقنا بها قلبه غير شاك فيها، فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط
الشرط الثالث: القبول
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦).
(٢) رواه مسلم (٢٧).
(٣) رواه مسلم (٢٧). من حديث أبي هريرة أو أبي سعيد الخدري ﵄.
(٤) رواه مسلم (٣١).
[ ١ / ٢٦٣ ]
القبول لما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه، وقد قص الله ﷿ علينا من أنباء ما قد سبق من إنجاء من قبلها وانتقامه ممن ردها وأباها كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الزخرف:٢٣ - ٢٥] وقال الله تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ [يونس:١٠٣] وقال الله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:٤٧] وكذلك أخبرنا بما وعد به القابلين لها من الثواب، وما أعده لمن ردها من العذاب، كما قال تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ إلى قوله: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ [الصافات:٢٢ - ٣٦] فجعل الله تعالى علة تعذيبهم وسببه هو استكبارهم عن قول لا إله إلا الله، وتكذيبهم من جاء بها، فلم ينفوا ما نفته ولم يثبتوا ما أثبتته، بل قالوا إنكارا واستكبارا أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ [ص:٥ - ٧] وقالوا ههنا: أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ فكذبهم الله ﷿ ورد ذلك عليهم عن رسوله ﷺ فقال: بَلْ جَاءَ بِالحَقِّ وَصَدَّقَ المُرْسَلِين [الصافات:٣٧] إلى آخر الآيات، ثم قال في شأن من قبلها: إِلا عِبَادَ الله المُخْلَصِين أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُوم فَوَاكِهَ وَهُمْ مُكْرَمُون فِي جَنَّاتِ النَّعِيم [الصافات:٤١] إلى آخر الآيات، وقال الله تعالى: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [النحل:٨٩] وفي الصحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» (١)
الشرط الرابع: الانقياد
_________________
(١) رواه البخاري (٧٩)، ومسلم (٢٢٨٢).
[ ١ / ٢٦٤ ]
الانقياد لما دلت عليه المنافي لترك ذلك قال تعالى: وَأَنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَه [الزمر:٥٤] وقال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ [النساء:١٢٥] وقال تعالى: وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى [لقمان:٢٢] أي بلا إله إلا الله وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [لقمان: ٢٢] ومعنى يسلم وجهه أي ينقاد، وهو محسن موحد ومن لم يسلم وجهه إلى الله ولم يك محسنا فإنه لم يستمسك بالعروة الوثقى وهو المعني بقوله تعالى: وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ [لقمان:٢٣ - ٢٤] وهذا تمام الانقياد وغايته
الشرط الخامس: الصدق
الصدق فيها المنافي للكذب، وهو أن يقولها صدقا من قلبه يواطئ قلبه لسانه، قال الله تعالى: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:١ - ٣] إلى آخر الآيات وقال تعالى في شأن المنافقين الذين قالوها كذبا: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [البقرة:٨ - ١١] وكم ذكر الله تعالى من شأنهم وأبدى وأعاد وكشف أستارهم وهتكها وأبدى فضائحهم في غير ما موضع من كتابه كالبقرة وآل عمران والنساء والأنفال والتوبة وسورة كاملة في شأنهم وغير ذلك وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار» (١) فاشترط في إنجاء من قال هذه الكلمة من النار أن يقولها صدقا من قلبه، فلا ينفعه مجرد التلفظ بدون مواطأة القلب وفيهما أيضا من حديث أنس بن مالك وطلحة بن عبيد الله ﵄ من قصة الأعرابي وهو ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بن بكر لما سأل رسول الله ﷺ عن شرائع الإسلام فأخبره، «قال: هل علي غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوع"، قال: والله لا أزيد عليها ولا أنقص منها، فقال رسول الله ﷺ: "أفلح إن صدق"» (٢) وفي بعض الروايات «إن صدق ليدخلن الجنة» (٣) فاشترط في فلاحه ودخول الجنة أن يكون صادقا
الشرط السادس: الإخلاص
_________________
(١) رواه البخاري (١٢٨)، ومسلم (٣٢).
(٢) رواه البخاري (٤٦)، ومسلم (١١).
(٣) رواه مسلم (١٢).
[ ١ / ٢٦٥ ]
الإخلاص وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك، قال الله تعالى: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:٣] وقال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:٥] الآية وقال الله تعالى: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ [الزمر:٢] وقال الله تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ [الزمر:١١]، قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي [الزمر:١٤] وقال الله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:١٤٦] وغير ذلك من الآيات وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه» (١) وفي الصحيح عن عتبان بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ﷿» (٢) وفي جامع الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما قال عبد قط لا إله إلا الله مخلصا إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر» (٣)
الشرط السابع: المحبة
_________________
(١) رواه البخاري (٩٩).
(٢) رواه البخاري (٤٢٥)، ومسلم (٣٣).
(٣) رواه الترمذي (٣٥٩٠) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.
[ ١ / ٢٦٦ ]
المحبة لهذه الكلمة ولما اقتضته ودلت عليه ولأهلها العاملين بها الملتزمين لشروطها وبغض ما ناقض ذلك قال الله ﷿: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ [البقرة:١٦٥]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ [المائدة:٥٤] فأخبرنا الله ﷿ أن عباده المؤمنين أشد حبا له، وذلك لأنهم لم يشركوا معه في محبته أحدا كما فعل مدعو محبته من المشركين الذين اتخذوا من دونه أندادا يحبونه كحبه، وعلامة حب العبد ربه تقديم محابه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله ومعاداة من عاداه، واتباع رسول الله ﷺ واقتفاء أثره وقبول هداه وكل هذه العلامات شروط في المحبة لا يتصور وجود المحبة مع عدم شرط منها قال الله ﵎: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا [الفرقان:٤٣] الآيات، وقال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ [الجاثية:٢٣] فكل من عبد مع الله غيره فهو في الحقيقة عبد هواه، بل كل ما عصى الله به من الذنوب فسببه تقديم العبد هواه على أوامر الله ﷿ ونواهيه وقال تعالى في شأن الموالاة والمعاداة فيه: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [الممتحنة:٤] الآيات وقال الله تعالى: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ [المجادلة:٢٢] الآية، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:٥١] الآيات، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [التوبة:٢٣ - ٢٤] الآيتين، وقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء [الممتحنة:١] إلى آخر السورة وغير ذلك من الآيات وقال تعالى في اشتراط اتباع الرسول ﷺ: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران:٣١] وقال رسول الله ﷺ: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن
[ ١ / ٢٦٧ ]
يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» أخرجاه من حديث أنس ﵁ (١) وفيهما عنه وعن أبي هريرة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» (٢) وذلك الذي جاء به رسول الله ﷺ هو الخبر عن الله والأمر بما يحبه الله ويرضاه والنهي عما يكرهه ويأباه، فإذا امتثل العبد ما أمره الله به واجتنب ما نهاه عنه وإن كان مخالفا لهواه كان مؤمنا حقا، فكيف إذا كان لا يهوى سوى ذلك وفي الحديث: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض فيه» (٣) وقال ابن عباس ﵄: (من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك وقد أصبح غالب مؤاخاة الناس اليوم على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا) (٤) وقال الحسن البصري وغيره من السلف: ادعى قوم محبة الله ﷿ فابتلاهم الله بهذه الآية: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران:٣١] وقال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن سنان قال حدثنا فليح قال حدثنا هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» (٥) قال حدثنا محمد بن عبادة أخبرنا يزيد حدثنا سليم – وأثنى عليه – حدثنا سعيد بن ميناء حدثنا – أو سمعت – جابر بن عبد الله ﵄ يقول: «جاءت ملائكة إلى النبي - ﷺ - وهو نائم فقال بعضهم إنه نائم. وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا إن لصاحبكم هذا مثلا فاضربوا له مثلا. فقال بعضهم إنه نائم. وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا مثله كمثل رجل بنى دارا، وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة. فقالوا أولوها له يفقهها فقال بعضهم إنه نائم. وقال بعضهم إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا فالدار الجنة، والداعي محمد - ﷺ - فمن أطاع محمدا - ﷺ - فقد أطاع الله، ومن عصى محمدا - ﷺ - فقد عصى الله، ومحمد - ﷺ - فرق بين الناس» (٦) ومن هنا يعلم أنه لا تتم شهادة أن لا إله إلا الله إلا بشهادة أن محمدا رسول الله ﷺ، فإذا علم أنه لا تتم محبة الله ﷿ إلا بمحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه، فلا طريق إلى معرفة ما يحبه تعالى ويرضاه، وما يكرهه ويأباه إلا باتباع ما أمر به رسول الله ﷺ واجتناب ما نهى عنه، فصارت محبته مستلزمة لمحبة رسول الله ﷺ وتصديقه ومتابعته، ولهذا قرن محبته بمحبة رسول الله ﷺ في مواضع كثيرة من القرآن كقوله ﷿: قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:٢٤] وغير ذلك من الآيات معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص٥١٨ – ٥٢٤
_________________
(١) رواه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣).
(٢) رواه البخاري (١٥)، ومسلم (٤٤).
(٣) رواه أحمد (٤/ ٢٨٦) (١٨٥٤٧) والطيالسي في «المسند» (١/ ١٠١) (٧٤٧)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٧/ ٨٠). من حديث البراء بن عازب ﵁. قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٨٥): رواه أحمد والبيهقي كلاهما من رواية ليث بن أبي سليم. وقال العراقي في «المغني» (٢/ ١٢٤): رواه أحمد من حديث البراء بن عازب وفيه ليث بن أبي سليم مختلف فيه. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٩٤): رواه أحمد وفيه ليث بن أبي سليم وضعفه الأكثرون. قال الألباني في (صحيح الترغيب والترهيب) (٣٠٣٠): حسن لغيره.
(٤) رواه ابن أبي شيبة بنحوه (٧/ ١٣٤).
(٥) رواه البخاري (٧٢٨٠).
(٦) رواه البخاري (٧٢٨١).
[ ١ / ٢٦٨ ]
المطلب السادس: نواقض لا إله إلا الله
النواقض: جمع ناقض، وهو المفسد، فالنواقض هي المفسدات لمعنى الشهادة، بحيث لا تترتب على نطقها واعتقادها والعمل بمدلولها – آثارها وهي الدخول في الإسلام، والبراء من ضده، وعليه فإذا وجد في العبد ناقض من النواقض، فإنه لا يكون من المسلمين، ولا يكتسب أحكام المسلمين، بل يعطى أحكام أهل الشرك والكفر، إن كان الناقض وجد معه ابتداء، والردة إن وجد بعد أن دخل الإسلام، المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١١١
ونواقض (لا إله إلا الله) وتسمى (نواقض الإسلام) و(نواقض التوحيد) وهي الخصال التي تحصل بها الردة عن دين الإسلام، فهي كثيرة، وقد ذكر بعضهم أنها تصل إلى أربعمائة ناقض (١).
وهذه النواقض تجتمع في ثلاثة نواقض رئيسية هي:
١ - الشرك الأكبر: وهو أنواع كثيرة ٢ - الكفر الأكبر: وهو أنواع كثيرة
٣ - النفاق الاعتقادي تسهيل العقيدة الإسلامية لعبد الله بن عبد العزيز الجبرين – بتصرف - ص٦٤
والأحكام المترتبة على وجود الناقض نوعان:
الأول: عدم دخوله في الإسلام إن وجد الناقض معه ابتداء، على معنى أنه نطق بها، واعتقد مدلولها، وعمل بموجباتها مع وجود ما يناقضها فيه.
الثاني: أن يرد عليه الناقض بعد دخوله في الإسلام، فيكون بوروده عليه مرتدًا، خارجًا عن دين الإسلام.
والنواقض هي:
أولًا: الجهل بمعنى الشهادة: فإن قولها لا ينفع المتكلم بها بلا فهم ومعرفة.
ثانيًا: الشك والتردد في مدلولها، أو بعضه: لأنه بذلك يفرض جوازه وعدمه، حتى ولو رجح أحد الطرفين، فلابد من اليقين به.
ثالثًا: الشرك بالله: فإن البراء منه جزء معناها، لأن معناها يتضمن أمرين:
١ - إثبات الألوهية، والعبادة، والطاعة له وحده.
٢ - نفي استحقاق شيء من الألوهية، والعبادة، والطاعة لما سواه، وهذا القسم هو الشرك بالله. كما قال ﷾ عن إبراهيم ﵇: إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، وهذا يستلزم العلم بالشرك وحدوده، حتى يمكن اجتنابه، والبراء منه ومن أهله، فإن عدم المعرفة به أوقع الكثير من الناس في شرك المشركين، ظنًا منه أنه من التوحيد المأمور به، أو في أقل الأحوال أنه جائز، لا محظور فيه.
رابعًا: الكذب العقدي (النفاق): بأن يبدي الإيمان ويضمر الكفر، قال تعالى عن المنافقين: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ فالمضاد هو من يعرف معنى هذه الكلمة، ويقبله ويعمل بما تقتضيه، وما يلزم قائلها من واجبات الدين، ويصدق قلبه لسانه.
خامسًا: البغض لهذه الكلمة، وما تحمله من معنى، وعداء أهلها، ومقاومة دعاتها، ومحاولة صد الناس عنها، بالدعوة إلى ما يضادها، ونصرة أهله، ومحبتهم واتخاذهم أولياء من دون الله: قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ. وقال سبحانه: قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ.
_________________
(١) الدرر السنية (١/ ١٠٠).
[ ١ / ٢٦٩ ]
سادسًا: الترك لمعناها ولفظها والعمل بموجبها جملة وتفصيلًا: فلا يصلي، ولا يصوم، ولا يحج، ولا يزكي، ولا يعمل أي عمل من أعمال الإسلام، وإن ادعى فهمه للمعنى، وأنه معتقد له، أو محب لأهله، مبغض لضده، وأهل ذلك الضد، فإن ذلك لا يغني عنه من الله شيئًا، فلا يدخل في الإسلام وإن دخل فيه فهو مرتد عنه.
سابعًا: الرد والإعراض عن معناها واعتقاده: فإن مشركي العرب كانوا يعلمون معناها، لكنهم رافضون له، غير راضين به، قال الله تعالى: إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ.
وقد اتخذ بعض العلماء في بيان النواقض طريقة غير التي بنينا عليها بحثنا، فقسم النواقض إلى أربعة أنواع هي:
الأول: الناقض القولي: كـ (سب) الله، وسب الرسول، والبراء من دين الإسلام، ودعوى أن النفع والضر بيد غير الله، ودعاء غير الله، والاستغاثة بغيره، والاستجارة بسواه ونحو ذلك.
الثاني: الناقض الفعلي: كالسجود لغيره، والركوع لسواه، والصلاة لغيره، ونحو ذلك.
الثالث: الناقض الاعتقادي: كاعتقاد تعدد الإله أو أن هناك من يجيب الدعاء، ويكشف الضر سواه، ونحو ذلك.
الرابع: الشك في شيء من مدلولاتها: كالشك في كون الله إلهًا واحدًا أو أكثر وفي كون الكاشف للضر الله، أو غيره ونحو ذلك.
ومن العلماء من اختار تقسيمًا ثالثًا هو:
أولًا: النواقض المتعلقة بالذات والإلهية: كالشرك، وإنكار الصفات، والأسماء وإنكار الربوبية، ونحو ذلك.
ثانيًا: النواقض المتعلقة بالنبي ﷺ: كإنكار الرسالة، أو ما جاء به الرسول، أو إنكار بعض ما جاء به، وجحده.
ثالثًا: النواقض المتعلقة بالشريعة: كتجويز التعبد بغيرها، أو الحكم بغير ما أنزل الله، أو إنكار ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام، أو الاستهزاء بالدين وأهله، أو الإعراض عن دين الإسلام لا يتعلمه ولا يعمل به.
رابعًا: النواقض المتعلقة بأعداء الله – أفعالهم – كموالاة المشركين، ومظاهرتهم، ومعاونتهم على المسلمين، والسحر، والكهانة، والعرافة، ونحوها.
وهذه التقاسيم مهما اختلفت موارد التقسيم فيها، فإنها متفقة غير مختلفة، وإن لحظ كل واحد منهم موردًا خاصًا به يرجع إليه التقسيم، وهي في جملتها تقاسيم صحيحة المعنى والمبنى، فلا حرج في اعتبار أي واحد منها، لأن اختلافها اختلاف في الأسلوب، لا في أصل الفكرة ولا معناها. المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم بن محمد البريكان– ص: ١١١
[ ١ / ٢٧٠ ]
المبحث الثاني: شهادة أن محمدا رسول الله
المطلب الأول: معنى شهادة أن محمدًا رسول الله
والشهادة بأن محمدًا رسول الله تتضمن تصديقه في كل ما أخبر وطاعته في كل ما أمر فما أثبته وجب إثباته وما نفاه وجب نفيه كما يجب على الخلق أن يثبتوا ما أثبته الرسول لربه من الأسماء والصفات وينفوا عنه ما نفاه عنه من مماثلة المخلوقات فيخلصون من التعطيل والتمثيل ويكونون على خير عقيدة في إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل وعليهم أن يفعلوا ما أمرهم به وأن ينتهوا عما نهاهم عنه ويحللوا ما أحله ويحرموا ما حرمه فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله ولهذا ذم الله المشركين في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما لكونهم حرموا ما لم يحرمه الله ولكونهم شرعوا دينا لم يأذن به الله كما في قوله تعالى: وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا [الأنعام: ١٣٦] إلى آخر السورة وما ذكر الله في صدر سورة الأعراف وكذلك قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١] وقد قال تعالى لنبيه ﷺ: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا [الأحزاب:٤٥ - ٤٦] فأخبره أنه أرسله داعيا إليه بإذنه فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك ومن دعا إليه بغير إذنه فقد ابتدع والشرك بدعة والمبتدع يؤول إلى الشرك ولم يوجد مبتدع إلا وفيه نوع من الشرك كما قال تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة ٣١] وكان من شركهم أنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم وقد قال تعالى: قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة: ٢٩] فقرن بعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر أنهم لا يحرمون ما حرمه الله ورسوله ولا يدينون دين الحق والمؤمنون صدقوا الرسول فيما أخبر به عن الله وعن اليوم الآخر فآمنوا بالله واليوم الآخر وأطاعوه فيما أمر ونهى وحلل وحرم فحرموا ما حرم الله ورسوله ودانوا دين الحق فإن الله بعث الرسول يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث فأمرهم بكل معروف ونهاهم عن كل منكر وأحل لهم كل طيب وحرم عليهم كل خبيث اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ٢/ ٨٤٢
و(معنى شهادة أن محمدًا رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع) (١).
وهذه الشهادة هي الشطر الثاني من الركن الأول من أركان الإسلام الخمسة، كما أن الإيمان بالنبي ﷺ داخل في الركن الرابع من أركان الإيمان الستة، ويشهد لذلك حديث جبريل المشهور.
ويلاحظ أننا عرّفنا الشهادة والإيمان به بتعريف واحد، وهذا الأمر يصح في حالة الإفراد. أما في حالة الاقتران فالإيمان به يختص بتصديق القلب وإقراره، والشهادة يراد بها نطق اللسان واعترافه، ويجب تحقيق هذه الشهادة معرفة وإقرارًا، وانقيادًا وطاعة (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما الإيمان بالرسول فهو المهم، إذ لا يتم الإيمان بالله بدون الإيمان به، ولا تحصل النجاة والسعادة بدونه، إذ هو الطريق إلى الله سبحانه، ولهذا كان ركنا الإسلام: -أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله-) (٣). حقوق النبي ﷺ على أمته لمحمد خليفة التميمي -١/ ٣٧
_________________
(١) الأصول الثلاثة للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٩) ضمن مجموعة الرسائل المفيدة.
(٢) «زاد المعاد» (١/ ٣٤).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٨/ ٦٣٨، ٦٣٩).
[ ١ / ٢٧١ ]
المطلب الثاني: تعريف الإيمان بالنبي ﷺ
(الإيمان بالرسول: هو تصديقه، وطاعته، واتباع شريعته) (١) وهذه الأمور هي الركائز التي يقوم عليها الإيمان بالنبي ﷺ، وعن بيان هذه الأمور المطلوبة عند الإيمان بالنبي ﷺ قال العلماء:
أ- أما تصديقه ﷺ فيتعلق به أمران عظيمان:
أحدهما: إثبات نبوته وصدقه فيما بلغه عن الله، وهذا مختص به ﷺ (٢).
ويندرج تحت هذا الإثبات والتصديق عدة أمور منها:
١ - الإيمان بعموم رسالته إلى كافة الثقلين إنسهم وجنهم.
٢ - الإيمان بكونه خاتم النبين، ورسالته خاتمة الرسالات.
٣ - الإيمان بكون رسالته ناسخة لما قبلها من الشرائع.
٤ - الإيمان بأنه ﷺ قد بلغ الرسالة وأكملها، وأدى الأمانة، ونصح لأمته حتى تركهم على البيضاء ليلها كنهارها.
٥ - الإيمان بعصمته ﷺ.
٦ - الإيمان بماله من حقوق خلاف ما تقدم ذكره، كمحبته وتعظيمه ﷺ.
الثاني: (تصديقه فيما جاء به، وأن ما جاء به من عند الله حق يجب اتباعه. وهذا يجب عليه ﷺ وعلى كل أحد) (٣).
فيجب تصديق النبي ﷺ جميع ما أخبر به عن الله ﷿، من أنباء ما قد سبق، وأخبار ما سيأتي، وفيما أحل من حلال، وحرّم من حرام، والإيمان بأن ذلك كله من عند الله ﷿، قال تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ٣ - ٤].
قال شارح العقيدة الطحاوية: (يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانًا عامًا مجملًا، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول ﷺ على التفصيل فرض على الكفاية) (٤).
ب- طاعته واتباع شريعته: إن الإيمان بالرسول ﷺ كما يتضمن تصديقه فيما جاء به فهو يتضمن كذلك العزم على العمل بما جاء به، وهذه هي الركيزة الثانية من ركائز الإيمان به ﷺ.
وهي تعني: الانقياد له ﷺ وذلك بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه وزجر امتثالًا لقوله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧]. فيجب على الخلق اتباع شريعته، والالتزام بسنته، مع الرضا بما قضاه والتسليم له، والاعتقاد الجازم أن طاعته هي طاعة لله، وأن معصيته معصية لله، لأنه هو الواسطة يين الله وبين الثقلين في التبليغ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (يجب على الخلق الإقرار (٥) بما جاء به النبي ﷺ، فما جاء به القرآن العزيز أو السنة المعلومة وجب على الخلق الإقرار به جملة وتفصيلًا عند العلم بالتفصيل، فلا يكون الرجل مؤمنًا حتى يقر بما جاء به النبي ﷺ، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فمن شهد أنه رسول الله شهد أنه صادق فيما يخبر به عن الله تعالى فإن هذا حقيقة الشهادة بالرسالة) (٦). حقوق النبي ﷺ على أمته لمحمد خليفة التميمي -١/ ٣٤
_________________
(١) كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» (ص: ٩٢).
(٢) «مجموع الفتاوى» (١٥/ ٩١).
(٣) «مجموع الفتاوى» (١٥/ ٩١).
(٤) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٦٦).
(٥) يقول ابن تيمية في بيان معنى الإقرار: (إن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق وعمل القلب الذي هو الانقياد). «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦٣٨، ٦٣٩).
(٦) «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٥٤).
[ ١ / ٢٧٢ ]
المطلب الثالث: وجوب الإيمان بنبوته ورسالته ﷺ
الأدلة من القرآن والسنة على وجوب الإيمان به ﷺ.
أ-الأدلة من القرآن:
أوجب الله ﷾ على الثقلين – الإنس والجن – الذين أدركتهم رسالة النبي ﷺ أن يؤمنوا بالنبي ﷺ وبما جاء به كما شهدت بذلك نصوص الكتاب العزيز.
كما أكد الله وجوب الإيمان بأن جعله مقترنًا بالإيمان به ﷾ في مواضع كثيرة من القرآن الكريم منها:
قال تعالى: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ، وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الحديد: ٧ - ٨]، وقال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [التغابن: ٨].
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا [النساء: ١٣٦]، وقال تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفتح: ٤]، وقال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: ١٥٨]، وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات: ١٥]. والإيمان به ﷺ واحد من ثلاثة حقوق اقترن بها حقه ﷺ مع حق الله تعالى في القرآن الكريم.
أما الحق الثاني له: فهو طاعته قال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آل عمران: ١٣٢]،
والحق الثالث هو: محبته قال تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: ٢٤]، (كما أن الإيمان به واجب متعين لا يتم إيمان إلا به ولا يصح إسلام إلا معه) (١).
وقال تعالى في حق من لم يؤمن: وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا [الفتح: ١٣].
وبما تقدم من آيات يعلم وجوب الإيمان بالرسول ﷺ وأهميته وأنه لا يتم الإيمان بالله بدون الإيمان به، كما لا تحصل نجاة ولا سعادة بدون الإيمان به لأنه هو الطريق إلى الله ﷾، ولذلك كان أول أركان الإسلام (شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله).
_________________
(١) «الشفا» للقاضي عياض (٢/ ٥٣٨) بتصرف.
[ ١ / ٢٧٣ ]
ب- الأدلة من السنة على وجوب الإيمان به ﷺ:
وردت في السنة أحاديث كثيرة جدًا تدل على وجوب الإيمان به ﷺ على الجن والإنس الذين أدركتهم رسالته، سواء كانوا أهل كتاب، أم ليسوا بأهل كتاب، ويستوي في ذلك عربهم وعجمهم، وذكرهم وأنثاهم، فلا يسع أحدًا من هؤلاء الخروج عن شريعته، أو التعبد لله بغير ما جاء به. لأن الله لا يقبل من أحد عملًا يخالف شرع نبيه محمد ﷺ.
قال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥] ومن تلك الأحاديث الواردة في هذا الشأن:
أ- عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» (١).
٢ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» (٢).
٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (٣) ..
٤ - وعن ابن عباس ﵄ في حديث وفد عبد القيس أن النبي ﷺ قال لهم: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس » (٤) الحديث.
٥ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: بعثني رسول الله فقال: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب.» (٥).
وهذه الأحاديث وغيرها تؤكد وجوب الإيمان به ﷺ وبما جاء به، وكذلك طاعته، ويكون ذلك بأن يحل ما أحل الله ورسوله، ويحرم ما حرم الله ورسوله، ويوجب ما أوجبه الله ورسوله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويكره ما كرهه الله ورسوله.
ج- دليل الإجماع:
أجمعت الأمة على وجوب الإيمان بالنبي ﷺ، كما أجمعت كذلك على أن كل من قامت عليه الحجة برسالة محمد ﷺ من الإنس والجن فلم يؤمن به استحق عقاب الله تعالى كما يستحقه أمثاله من الكافرين الذين بعث إليهم الرسول وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين وسائر طوائف المسلمين أهل السنة والجماعة وغيرهم (٦). لأن الرسول ﷺ هو الذي جاء بذلك وذكره الله في كتابه وبينه الرسول أيضا في الحكمة المنزلة عليه من غير الكتاب، فإن الله تعالى أنزل عليه الكتاب والحكمة، ولم يبتدع المسلمون شيئا من ذلك من تلقاء أنفسهم (٧). حقوق النبي ﷺ على أمته لمحمد خليفة التميمي -١/ ٦٨
_________________
(١) رواه مسلم (٢١).
(٢) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
(٣) رواه مسلم (١٥٣). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) رواه البخاري (٥٣) وهذا لفظه، ومسلم (١٧). من حديث ابن عباس ﵄.
(٥) رواه البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (٢٩) واللفظ لمسلم.
(٦) «إيضاح الدلالة في عموم الرسالة» لشيخ الإسلام ابن تيمية مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية (٢/ ٩٩).
(٧) «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» (١/ ١٢٦).
[ ١ / ٢٧٤ ]
المطلب الرابع: وجوب محبته ﷺ
المسألة الأولى: المعنى الصحيح لمحبة النبي ﷺ وانقسام الناس فيها
اعلم أن الله ﷾ قد أوجب لنبينا ﷺ على القلب واللسان والجوارح حقوقًا زائدة على مجرد التصديق بنبوته، كما أوجب سبحانه على خلقه من العبادات على القلب، واللسان، والجوارح أمورًا زائدة على مجرد التصديق به سبحانه. وحرم سبحانه لحرمة رسوله - مما يباح أن يفعل مع غيره - أمورًا زائدة على مجرد التكذيب بنبوته.
فمن تلك الحقوق حقه ﷺ بأن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه وولده وجميع الخلق كما دلت على ذلك الأدلة من القرآن والسنة (١) والتي سيأتي ذكرها.
(فحب النبي ﷺ من أعظم واجبات الدين) (٢).
فهذه المحبة الواجبة له ﷺ هي من محبة الله، فهي حب لله وفي الله، ذلك لأن محبة الله توجب محبة ما يحبه الله، والله يحب نبيه وخليله ﷺ، فوجب بذلك محبته حقًا، فهي متفرعة عن محبة الله وتابعة لها، واقتران ذكرها مع محبة الله في القرآن والسنة إنما هو للتنبيه على أهميتها وعظم منزلتها.
وبمقتضى هذه المحبة يجب موافقة الرسول ﷺ في حب ما يحبه، وكره ما يكرهه، أي بتحقيق المتابعة له فيحب بقلبه ما أحب الرسول، ويكره ما كرهه الرسول، ويرضى بما يرضى الرسول، ويسخط ما يسخط الرسول، ويعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض.
وقد انقسم الناس في فهمهم لهذه المحبة إلى ثلاثة أقسام هي:
القسم الأول: أهل الإفراط.
القسم الثاني: أهل التفريط.
القسم الثالث: الذين توسطوا بين الإفراط والتفريط.
أما أصحاب القسم الأول: فهم الذين بالغوا في محبته بابتداعهم أمورًا لم يشرعها الله ورسوله ﷺ، ظنًا منهم أن فعل هذه الأمور هو علامة المحبة وبرهانها.
ومن تلك الأمور احتفالهم بمولده، ومبالغتهم في مدحه، وإيصاله إلى أمور لا تنبغي إلا لله تعالى ومن ذلك قول قائلهم:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذًا بيدي فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم (٣)
وقوله:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
فإذا كانت الدنيا والآخرة من جود الرسول ﷺ، ومن بعض علومه علم اللوح والقلم لأن (من) للتبعيض، فماذا للخالق جل وعلا؟
إضافة إلى صرف بعض أنواع العبادة له كالدعاء، والتوسل، والاستشفاع، والحلف به، والطواف، والتمسح بالحجرة التي فيها قبره ﷺ إلى غير ذلك من البدعيَّات والشركيَّات التي تفعل بدعوى المحبة للرسول ﷺ، وهي أمور لم يشرعها الله ورسوله ﷺ ولم يفعلها الصحابة رضوان الله عليهم الذين عرفوا بإجلالهم وتقديرهم ومحبتهم لرسول الله ﷺ، وإضافة إلى ذلك فإن ما يقوم به هؤلاء هي أمور مخالفة لما جاء به الشارع، بل هي أمور قد حذر الشارع من فعلها، ولقد صار حظ أكثر أصحاب هذا القسم منه ﷺ مدحه بالأشعار والقصائد المقترنة بالغلو والإطراء الزائد الذي حذر منه الشارع الكريم، مع عصيانهم له في كثير من أمره ونهيه، فتجد هذا النوع من أعصى الخلق له صلوات الله عليه وسلامه (٤).
_________________
(١) «الصارم المسلول» (ص ٤٢٠، ٤٢١) بتصرف يسير.
(٢) «الرد على الأخنائي» (ص: ٢٣١).
(٣) «ديوان البوصيري» (ص: ٢٣٨).
(٤) «تيسير العزيز الحميد» (ص: ١٨٦).
[ ١ / ٢٧٥ ]
فيا ترى أي محبة هذه التي يخالف أصحابها شرع نبيهم، فيحلوا ما حرم الله، ويحرموا ما أحل الله، فكرهوا ما أحب الله ورسوله، وأحبوا ما كرهه الله ورسوله. فكيف تكون لهؤلاء محبة وهم قد ابتدعوا ما ابتدعوه من أمور لم تشرع في الدين، ونعلم أن رسول الله ﷺ قد تبرأ ممن ابتدع في هذا الدين فقال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) ..
والذي يجب على أمثال هؤلاء أن يعلموا أن محبة الرسول وتعظيمه إنما تكون بتصديقه فيما أخبر به عن الله، وطاعته فيما أمر به، ومتابعته، ومحبته وموالاته، لا بالتكذيب بما أرسل به، والإشراك به والغلو فيه، فهذا لا يعدو كونه كفرًا به، وطعنًا فيما جاء به ومعاداة له (٢).
كما يجب عليهم أن يفرقوا بين الحقوق التي يختص بها الله وحده، وبين الحقوق التي له ولرسله، والحقوق التي يختص بها الرسول، فقد ميز سبحانه بين ذلك في مثل قوله وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفتح: ٩]، فالتعزير والتوقير للرسول والتسبيح بكرة وأصيلًا لله، وكما قال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ، فالطاعة لله ولرسوله، والخشية والتقوى لله وحده وكما يقول المرسلون: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح: ٣].
فعلى هؤلاء أن يعلموا أن محبة الرسول ﷺ لا تنال بدعائه والاستغاثة به، فتلك أمور صرفها لغير الله يعد شركًا مع الله، فالله وحده هو الذي يدعى، ويستغاث به، فهو رب العالمين، وخالق كل شيء، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وهو القريب الذي يجيب الداع إذا دعاه، وهو سميع الدعاء سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا
أما أصحاب القسم الثاني: فهم أهل التفريط الذين قصروا في تحقيق هذا المقام فلم يراعوا حقه ﷺ في وجوب تقديم محبته على محبة النفس والأهل والمال. كما لم يراعوا ماله من حقوق أخرى كتعزيره، وتوقيره، وإجلاله، وطاعته، واتباع سنته، والصلاة والسلام عليه، إلى غير ذلك من الحقوق العظيمة الواجبة له. والسبب في ذلك يعود إلى إحدى الأمور التالية أو إليها جميعًا وهي:
أولًا: إعراض هؤلاء عن سنة نبيهم ﷺ وعن اتباع شرعه بسبب ما هم عليه من المعاصي، وإسرافهم في تقديم شهوات أنفسهم وأهوائهم على ما جاء في الشرع من الأوامر والنواهي.
ثانيًا: اعتقاد الكثير أن مجرد التصديق يكفي في تحقيق الإيمان، وأن هذا هو القدر الواجب عليهم، ولذا تراهم يكتفون بالتصديق بنبوة محمد ﷺ، دون تحقيق المتابعة له، وهذا هو حال أهل الإرجاء الذين يؤخرون العمل عن مسمى الإيمان، ويقولون إن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، أو تصديق القلب وإقرار اللسان، وما أكثرهم في زماننا هذا.
ثالثًا: جهل الكثير منهم بأمور دينهم بما فيها الحقوق الواجبة له ﷺ، والتي من ضمنها محبته ﷺ، فكثير من الناس - ولا حول ولا قوة إلا بالله - ليس لهم من الإسلام إلا اسمه وليس لهم من الدين إلا رسمه.
فالواجب على هؤلاء أن يعودوا إلى رشدهم، وأن يقلعوا عن غيهم، وما هم عليه من المعاصي والذنوب التي هي سبب نقصان إيمانهم، وضعف محبتهم، وبعدهم عما يقربهم إلى الله تعالى.
_________________
(١) رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).
(٢) «الرد على الأخنائي» (ص: ٢٤، ٢٥) بتصرف.
[ ١ / ٢٧٦ ]
كما يجب عليهم أن يعلموا أن مجرد التصديق لا يسمى إيمانًا بل الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بطاعة الرحمن، وينقص بطاعة الشيطان، فليس لأحد أن يخرج العمل عن مسمى الإيمان، فلذلك يجب على كل من يؤمن بالله ورسوله أن يطيع الله ورسوله، ويتبع ما أنزل الله من الشرع على رسوله ﷺ، فبذلك يحصل الإيمان، فإن الاتباع هو ميزان الإيمان، فبحسب اتباع المرء يكون إيمانه، فمتى ما قوي اتباعه قوي إيمانه والعكس بالعكس.
كما يجب عليهم معرفة أمور دينهم وبخاصة الواجب منها، والتي من ضمنها معرفة ما للمصطفى ﷺ من الحقوق الواجبة، فلقد ذم الله ﵎ أولئك النفر الذين لم يعرفوا ما للنبي ﷺ من حق في عدم رفع الصوت عند مخاطبته أو مناداته، ووصفهم الله بأنهم لا يعقلون قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [الحجرات: ٤]، وفي السورة نفسها أثنى على الذين عرفوا حق المصطفى ﷺ فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [الحجرات: ٣]، والله ﷾ يقول في كتابه العزيز قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩]. وليعلم هؤلاء أنه لا يتحقق لهم إيمان ولا محبة إلا باتباعهم للمصطفى ﷺ، واقتدائهم بسنته، والسير على نهجه وهداه.
أما القسم الثالث: فهم الذين توسطوا بين الطرفين السابقين أهل الإفراط وأهل التفريط. فأصحاب هذا القسم هم السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم، الذين آمنوا بوجوب هذه المحبة حكمًا، وقاموا بمقتضاها اعتقادًا وقولًا وعملًا. فأحبوا النبي ﷺ فوق محبة النفس، والولد، والأهل، وجميع الخلق امتثالًا لأمر الله وأمر رسوله ﷺ، فجعلوه أولى بهم من أنفسهم تصديقًا لقوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب: ٦]، وأيقنوا بوجوب أن يوقى بالأنفس والأموال طاعة لقوله تعالى: مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ [التوبة: ١٢٠]. وقاموا بمقتضى هذه المحبة اعتقادًا وقولًا وعملًا بحسب ما أو جب الله لنبيه ﷺ من حقوق على القلب واللسان والجوارح من غير إفراط ولا تفريط. فآمنوا وصدقوا بنبوته ورسالته وما جاء به من ربه ﷿. وقاموا- بحسب استطاعتهم- بما يلزم من طاعته، والانقياد لأمره، والتأسي بفعله، والاقتداء بسنته، إلى غير ذلك مما يعد من لوازم الإيمان برسالته.
قال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] وامتثلوا لما أمر به ﷾ من حقوق زائدة على مجرد التصديق بنبوَّته وما يدخل في لوازم رسالته.
فمن ذلك امتثالهم لأمره سبحانه بالصلاة عليه والتسليم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]. وما أمر به سبحانه من تعزيره وتوقيره قال تعالى: وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ. فتعزيره يكون بنصره، وتأييده، ومنعه من كل ما يؤذيه ﷺ.
[ ١ / ٢٧٧ ]
وتوقيره: يكون بإجلاله وإكرامه، وأن يعامل بالتشريف، والتكريم، والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار (١).
ويدخل في ذلك مخاطبته بما يليق قال تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا.
وحرمة التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن، وحرمة رفع الصوت فوق صوته وأن يجهر له بالكلام كما يجهر الرجل للرجل قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [الحجرات: ١ - ٣].
فقاموا بهذه الأمور امتثالًا وطاعة لأمر الله ﵎، وأدوا ما فرض عليهم من الحقوق الأخرى التي يطول ذكرها وهم مع قيامهم بهذه الأمور لم يتجاوزوا ما أمروا به، فلم يغالوا ولم يبالغوا كما فعل أهل الإفراط الذين وصفوا النبي ﷺ بأمور لا تنبغي لغير الله كعلم الغيب، وصرفوا له أمورًا لا يجوز صرفها لغير الله كدعائه، والسجود له، والاستغاثة به والطواف بقبره.
بل هم مؤمنون بأن ما أكرم الله به نبيه ﷺ من النبوة، والرسالة، والرفعة، وعظم القدر، وشرف المنزلة، كل ذلك لا يوجب خروجه عن بشريته وعبوديته لله قال تعالى: قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء: ٩٣].
واعتقدوا أنه ليس من المحبة في شيء الغلو في حقه وقدره ووصفه بأمور قد اختص الله بها وحده، بل علموا أن في هذا مخالفة ومضادة لتلك المحبة، ومناقضة لما أمر به ﷾ نبيه ﷺ أن يقوله لأمته: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النمل: ٦٥].
وقال تعالى: قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [الأعراف: ١٨٨].
فكل غلو في حقه ﷺ ليس من محبته في شيء بل يعد مخالفة لما أمر به فيجب الابتعاد عن ذلك والحذر من عقوبته قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ كما يعد مشاقة للرسول ﷺ. قال تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: ١١٥]، ولذا فإنه يجب الحذر من حال الغلاة الذين غلوا في حق النبي ﷺ بما ابتدعوه من الأمور التي لم يشرعها الله في كتابه أو على لسان رسوله، بل حذر الله ورسوله منها.
_________________
(١) «الصارم المسلول» (ص: ٤٢٢).
[ ١ / ٢٧٨ ]
وقد يظن البعض بأن السير على منهج أهل التوسط فيه انتقاص من قدر النبي ﷺ وغمط لحقه، والأمر على عكس ما يظنون فالذي يعتقده السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين أن الحق الواجب أن يثنى على النبي ﷺ بما هو أهل له من الخصائص الثابتة له التي خصه الله بها، والفضائل العظيمة التي شرفه بها، والصفات الحقيقية والخلقية التي كان عليها، وذلك للتعرف وتعريف الناس بفضله ومكانته وعظيم قدره عند الله وعند خلقه حتى يتأسى ويقتدى به في أقواله وأفعاله، فهو الأسوة والقدوة عليه أفضل الصلاة والتسليم قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١].
فمن صميم المحبة له ﷺ الاشتغال بمعرفة سيرته بقصد التأسي والاقتداء بما كان عليه من كريم الخصال، ومحاسن الأفعال والأقوال. وكذا معرفة شمائله، ودلائل نبوته التي تعمق إيمان المسلم بصدق نبوته، وتزيد في محبته وتعظيمه ﷺ. ولقد اهتم السلف بهذه الجوانب وأولوها رعايتهم واهتمامهم، فاعتنوا بتأليف المؤلفات التي أوضحت هذه الجوانب وأبرزتها، فقد ألفت لهذا الغرض كتب الشمائل التي اعتنت بذكر صفاته وأحواله في عباداته، وخلقه، وهديه، ومعاملاته (١)، كما ألفت كتب الدلائل التي اعتنت بدلائل وعلامات نبوته ﷺ (٢).
هذا بالإضافة إلى ما كتب في الفضائل والخصائص التي كانت للنبي ﷺ. كما اعتنوا بأصل هذه الجوانب جميعها ألا وهو سيرته الشريفة ﷺ، فقد ألفت لهذا الغرض المؤلفات التي اعتنت بحياته منذ ولادته إلى وفاته، وضمت في جوانب ذلك الحديث عن نشأته، وبعثته، وما حدث له من الأمور قبل الهجرة وبعدها، وما كان من أمر دعوته، وغزواته، وسراياه، وما يتعلق بهذه الجوانب وغيرها مما هو داخل في سيرته (٣). فقد دونت هذه الجوانب جميعها وخدمت بقصد أن يتأسى الناس به ﷺ، وأن يتعرفوا على كمال ذاته ﷺ وما تميز به من صفات، وتفرد به من أخلاق، لتزيد تلك المعرفة من محبتهم له، وتنميتها في قلوبهم، ولتبعث في نفوسهم تعظيمه وإجلاله.
وبهذا يعلم أن أهل التوسط لم ينتقصوا من قدره ﷺ، بل حفظوا وحافظوا على كل ما من شأنه أن يضمن استمرارية محبة الأمة وتعظيمها له.
فهذه حال أهل التوسط وهذا هو منهجهم، فمن أراد أن يسير على النهج القويم، ويسلك الصراط المستقيم فعليه بسبيل أهل الإيمان وطريقهم، ألا وهو الكتاب والسنة، فذاك طريق الحق، والحق أحق أن يتبع.
وهذا منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين، فقد كانت محبتهم للنبي ﷺ تحكمها قواعد الكتاب والسنة، فما أمر به الشارع ائتمروا به، وما نهى عنه الشارع انتهوا عنه، ولم يحكموا في هذه المحبة عواطفهم وأهواءهم كما فعل أهل الإفراط الذين زلت بهم أقدامهم بسبب غلوهم في حقه، ذاك الغلو الذي دفعهم إليه تحكيم أهوائهم، وهو غلو ما أنزل الله به من سلطان، بل إن نصوص الشرع تنص على تحريمه، وإنه ليصدق وصف أهل الإفراط بقوله تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص: ٥٠].
فخلاصة القول في هذا الجانب أن المفهوم الصحيح لمحبته ﷺ يتمثل في ذلك المفهوم الذي كان عليه سلف الأمة وأئمتها من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، ومن سار على نهجهم وسلك سبيلهم. ذلك المفهوم المستمد من آيات القرآن ونصوص السنة والذي لم يخرج عنهما قيد أنملة. حقوق النبي ﷺ على أمته لمحمد خليفة التميمي -١/ ٢٨٩
_________________
(١) من تلك الكتب: كتاب «الشمائل» للترمذي، وكتاب «الشمائل» لابن كثير.
(٢) منها: كتاب «دلائل النبوة» لأبي نعيم الأصبهاني، وكتاب «دلائل النبوة» للبيهقي.
(٣) ومن أشمل الكتب التي تحدثت عن سيرته ﷺ كتاب «السيرة لابن كثير».
[ ١ / ٢٧٩ ]
المسالة الثانية: التحذير من المحبة البدعية
يظن البعض من الناس أن له الحق في التعبير عن محبته للنبي ﷺ بما يراه ويستحسنه من الأمور، من غير أن يراعي في ذلك قواعد الشرع وأصوله، وهذا الصنف من الناس تراه منساقًا مع عواطفه، جاعلًا لها حق التشريع في هذا الدين. فتراه يغلو في حق النبي ﷺ حتى كمل به إلى بعض مراتب الألوهية. وتراه يبتدع في دين الله أمورًا تصل إلى حد العظائم. وتراه يقدم على الشركيات والكفريات. وكل ذلك بدعوى محبة النبي ﷺ ولقد حكم الله ﷿ بالضلال على هذا الصنف فقال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ [القصص: ٥٠].
فالمتبعون لعواطفهم وأهوائهم المحكمون لها، لابد وأن يكونوا نابذين لهدي الله المتمثل في الكتاب والسنة، واللذين يشتملان على قواعد هذا الدين وأصوله والتي من ضمنها تحريم الابتداع في الدين والإحداث فيه، وتحريم الغلو بشتى مظاهره وأشكاله، وتحريم الشرك بمختلف صوره وألوانه.
ولذلك حكم الله بضلالهم وغوايتهم، وبعدهم عن الصراط المستقيم. فحري بأمثال هؤلاء أن يقلعوا عن غيهم، وأن يحكموا في عواطفهم كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ.
فمحبة النبي ﷺ من الدين، وتحقيقها يكون عن طريق ما شرع في هذا الدين، لا عن طريق البدع وما تهواه النفوس، فالبدع قد حذرنا نبينا ﷺ منها بقوله: «إياكم ومحدثات الأمور» (١) وهذا الحديث يعني في هذا المقام أن ليس لأحد الحق في التعبير عن محبة النبي ﷺ إلا بما جاء به النبي ﷺ، فعلى المسلم أن يدرك هذا الأمر، وليحذر من سبل أهل الضلال والانحراف.
قال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣].
وإن الناظر في أحوال أولئك المفتونين بالبدع تحت دعوى محبة النبي ﷺ يجد أنهم قد رغبوا في تلك الأمور المبتدعة لأنها أمور لا مشقة فيها على النفس، فجعلوها بدلًا مما يجب عليهم من الأعمال والطاعات التي تشق على نفوسهم الضعيفة المريضة، فالمحبة عند هؤلاء تنحصر في مظاهر التعظيم اللساني المليء بالغلو والشرك، والمقترن بالاجتماع على موائد الطعام والذي لا يخلو في بعض الأحيان من المنكرات والمحرمات.
ويحق للمرء أن يتساءل: أي محبة هذه التي تجيز لهؤلاء أن يبتدعوا في دين الله بزيادة أو نقص، أو تغيير أو تبديل؟ لاشك أن فعل هذه الأمور يناقض المحبة ويضادها جملة وتفصيلًا، ولا عذر لفاعلها فيما أقدم عليه وإن كان فعل ذلك بحسن نية، فحسن النية لا يبيح الابتداع في الدين، فلقد كان جل ما أحدث أهل الملل قبلنا من التغيير في دينهم عن حسن نية، فمازالوا على حالهم تلك حتى صارت أديانهم على غير ما جاءت به رسلهم.
ومما يؤسف له أن كثيرًا من الناس يتمسك بتلك البدع تقليدًا لمشائخه أو عشيرته أو أهل بلده. إلى غير ذلك من العصبيات الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي أعمت بصائر الكثير منهم وأضلتهم عن سبيل الله.
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢) وأحمد (٤/ ١٢٦) (١٧١٨٤)، والحاكم (١/ ١٧٦). من حديث العرباض بن سارية. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ليس له علة ووافقه الذهبي. وقال ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٦٤): ثابت صحيح، وحسنه البغوي في «شرح السنة» (١/ ١٨١)، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».
[ ١ / ٢٨٠ ]
ولقد كان من الحري بهؤلاء أن يقتدوا بصحابة رسول الله ﷺ، الذين كانوا أشد الأمة محبة للنبي ﷺ، وأشدهم تعظيما له، وكانوا أحرص الناس على الخير ممن جاء بعدهم، والذين بذلوا أنفسهم وأموالهم في هذا السبيل. فلقد كان من سنن الصحابة رضوان الله عليهم حرصهم على اتباع النبي ﷺ لأنهم يؤمنون بأن منشأ محبته وثباتها وقوتها إنما يكون بمتابعته ﷺ في أقواله، وأفعاله، وسلوكه، وتصرفاته.
كما أنهم يؤمنون بأن الابتداع في الدين يضاد تلك المحبة وينافيها ولذلك لم يعهد عنهم أنهم ابتدعوا أشياء من عند أنفسهم لإظهار محبتهم للنبي ﷺ كما ابتدع المتأخرون ما ابتدعوه من البدع تحت ستار المحبة والتعظيم له ﷺ. فإذا كان هذا هو شأن الصحابة فيما أثر عنهم من الآثار وهم المشهود لهم بأنهم أشد الأمة وأفضلها محبة وتعظيمًا للنبي ﷺ، أفلا يسع من جاء بعدهم ما وسعهم، فيتركوا تلك الأمور المبتدعة التي أحدثت من بعدهم، والتي لم يأذن بها الله ولم تكن من هدي رسول الله ﷺ، ولا من عمل أصحابه ﵃ وأرضاهم، ومن لم يتسع له ما اتسع للصحابة ﵃، فلا وسع الله عليه في الدنيا ولا في الآخرة.
فعن قتادة قال: قال ابن مسعود ﵁: (من كان منكم متأسيًا فليتأس بأصحاب محمد ﷺ، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم) (١) حقوق النبي ﷺ على أمته لمحمد خليفة التميمي -١/ ٣٦٧
_________________
(١) «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١١٩).
[ ١ / ٢٨١ ]
المطلب الخامس: وجوب تعزيره، وتوقيره، وتعظيمه ﷺ
المسألة الأولى: معنى التعزير، والتوقير، والتعظيم.
قال تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح: ٩].
وقال تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٧].
أ- أما التعزير في اللغة:
فيقول صاحب معجم مقاييس اللغة عن أصل هذه الكلمة: (عزر) العين والزاء. والراء: كلمتان:
أحدهما: التعظيم والنصر. والكلمة الأخرى: جنس من الضرب. فالأولى: النصر والتوقير كقوله تعالى: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ والأصل الآخر: التعزير وهو الضرب دون الحد (١).
وفي النهاية في غريب الحديث (أصل التعزير: المنع والرد. فكأن من نصرته قد رددت عنه أعداءه ومنعتهم من أذاه. ولهذا قيل للتأديب الذي هو دون الحد تعزير، لأنه يمنع الجاني أن يعاود الذنب، يقال عزرته، وعزرته. فهو من الأضداد) (٢).
وجاء في تهذيب اللغة: (عزر) قال الله ﷿: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ
جاء في التفسير في قوله تعالى وَتُعَزِّرُوهُ أي لتنصروه بالسيف وَعَزَّرْتُمُوهُمْ عظمتموهم. وقيل: نصرتموهم.
واللفظة تستعمل لعدة معان هي:
١ - التعزير: النصر باللسان والسيف.
٢ - التعزير: التوقير.
٣ - التعزير: التأديب دون الحد.
٤ - التعزير: التوقيف على الفرائض والأحكام (٣).
وأما عن المعنى الشرعي المراد هنا:
فعن ابن عباس ﵄: وَعَزَّرُوهُ يقول: (حموه ووقروه) (٤).
وعن مجاهد قال: (عزروه: سددوا أمره، وأعانوا رسوله ونصروه) (٥).
وعن قتادة في قوله: وَتُعَزِّرُوهُ قال: (ينصروه) (٦).
وقال ابن جرر الطبري: وَعَزَّرُوهُ (وقروه، وعظموه، وحموه، من الناس) (٧).
وقال أيضًا بعد أن نقل قول ابن عباس ومجاهد وقتادة: (وهذه الأقوال متقاربات المعنى، وإن اختلفت ألفاظ أهلها بها، ومعنى التعزير في هذا الموضع: التقوية بالنصر والمعونة، ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال) (٨).
وقال شيخ الإسلام: (التعزير: اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه من كل ما يؤذيه) (٩).
ب- وأما عن التوقير في اللغة:
ففي معجم مقاييس اللغة: (وقر) الواو. والقاف. والراء: أصل يدل على ثقل في الشيء ومنه الوقار: الحلم والرزانة (١٠).
وجاء في تهذيب اللغة: (وقر الرجل من الوقار، يقر، فهو وقور. ووقرت الرجل: إذا عظمته، ومنه قوله ﷿: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ (١١».
وفي لسان العرب: (وقر الرجل: بجله، والتوقير: التعظيم والترزين) (١٢).
وأما المعنى الشرعي المراد هنا:
فقال ابن عباس: (وَتُوَقِّرُوهُ يعني التعظيم) (١٣).
وقال قتادة: (وَتُوَقِّرُوهُ أمر الله بتسويده وتفخيمه) (١٤).
وقال أيضًا: (وَتُوَقِّرُوهُ أي ليعظموه) (١٥).
وقال ابن جرير الطبري: (فأما التوقير فهو التعظيم والإجلال والتفخيم) (١٦).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (التوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار) (١٧).
قال ابن كثير: (التوقير: هو الاحترام، والإجلال، والإعظام) (١٨).
ج- وأما التعظيم في اللغة:
ففي لسان العرب (التعظيم: التبجيل: يقال لفلان عظمة عند الناس: أي حرمة يعظم لها) (١٩).
ولفظ (التعظيم) لا يرد في خطاب الشارع كما ورد لفظ (التعزير) و(التوقير) لكن العلماء استعملوه في كلامهم عند هذه المسألة وذلك لقربه في المعنى إلى ذهن السامع، ولتأديته للمعنى المراد من لفظتي (التعزير) و(التوقير). حقوق النبي ﷺ على أمته لمحمد خليفة التميمي -٢/ ٤١٩
_________________
(١) «مقاييس اللغة» (٤/ ٣١١).
(٢) «النهاية» (٣/ ٢٢٨).
(٣) «تهذيب اللغة» (٢/ ١٢٩ - ١٣٠) بتصرف.
(٤) «تفسبر الطبري» (٩/ ٨٥).
(٥) «تفسير الطبري» (٩/ ٨٥).
(٦) «تفسير الطبري» (٢٦/ ٧٥).
(٧) «تفسير الطبري» (٩/ ٨٥).
(٨) «تفسير الطبري» (٢٦/ ٧٥).
(٩) «الصارم المسلول» (ص ٤٢٢).
(١٠) «معجم مقاييس اللغة» (٦/ ١٣٢).
(١١) «تهذيب اللغة» (٩/ ٢٨٠).
(١٢) «لسان العرب» (٥/ ٢٩١).
(١٣) «تفسير الطبري» (٢٦/ ٧٤).
(١٤) «تفسير الطبري» (٢٦/ ٧٤).
(١٥) «تفسير الطبري» (٢٦/ ٧٥).
(١٦) «تفسير الطبري» (٢٦/ ٧٥).
(١٧) «الصارم المسلول» (ص٤٢٢).
(١٨) «تفسير ابن كثير» (٤/ ١٨٥).
(١٩) «لسان العرب» (١٢/ ٤١٠ - ٤١١).
[ ١ / ٢٨٢ ]
المسألة الثانية: وجوب توقيره وتعظيمه ﷺ والأدلة على ذلك
إن تعظيم النبي ﷺ، وإجلاله، وتوقيره، شعبة عظيمة من شعب الإيمان، وهذه الشعبة غير شعبة المحبة (١) بل إن منزلتها ورتبتها فوق منزلة ورتبة المحبة. ذلك لأنه ليس كل محب معظمًا، ألا ترى أن الوالد يحب ولده ولكن حبه إياه يدعوه إلى تكريمه ولا يدعوه إلى تعظيمه.
والولد يحب والده فيجمع له بين التكريم والتعظيم. والسيد قد يحب مماليكه، ولكنه لا يعظمهم. والمماليك يحبون ساداتهم ويعظمونهم.
فعلمنا بذلك أن التعظيم رتبته فوق رتبة المحبة (٢).
فمن حق النبي ﷺ على أمته أن يهاب ويعظم ويوقر ويجل أكثر من كل ولد لوالده، ومن كل عبد لسيده، فهذا حق من حقوقه الواجبة له مما يزيد على لوازم الرسالة، وهو ما أمر الله به في كتابه العزيز قال تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح: ٩].
وقال تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٧].
فأبان أن حق الرسول ﷺ في أمته أن يكون معزرًا موقرًا مهيبًا. وأخبر سبحانه أن الفلاح إنما يكون لمن جمع بين الإيمان به وتعزيره، ولا خلاف في أن التعزير هاهنا التعظيم (٣).
وفي الجمع الحاصل في الآيتين بين الإيمان به وتعظيمه، تنبيه وإرشاد إلى أن القيام بحقوقه ﷺ يعد من الإيمان الواجب الذي لا يتم إيمان العبد إلا به. قال الحليمي: (فمعلوم أن حقوق رسول الله ﷺ أجل، وأعظم، وأكرم، وألزم لنا، وأوجب علينا من حقوق السادات على مماليكهم، والآباء على أولادهم، لأن الله تعالى أنقذنا به من النار في الآخرة، وعصم به لنا أرواحنا، وأبداننا، وأعراضنا، وأموالنا، وأهلينا، وأولادنا في العاجلة، فهدانا به لما إذا أطعناه فيه أدانا إلى جنات النعيم. فأية نعمة توازي هذه النعم، وأية منة تداني هذه المنن. ثم إنه جل ثناؤه ألزمنا طاعته، وتوعدنا على معصيته بالنار. ووعدنا باتباعه الجنة. فأي رتبة تضاهي هذه الرتبة، وأي درجة تساوي في العلا هذه الدرجة. فحق علينا أن نحبه، ونجله، ونعظمه، ونهابه أكثر من إجلال كل عبد سيده، وكل ولد والده. وبمثل هذا نطق القرآن، ووردت أوامر الله جل ثناؤه) (٤).
ففي القرآن الكريم آيات كثيرة جاء فيها التأكيد على هذا الحق من حقوقه ﷺ وبخاصة في جوانب معينة من جوانب تعظيمه ومن تلك الآيات ما يلي:
١ - قوله تعالى: لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: ٦٣] (ففي هذه الآية نهي من الله أن يدعوا رسول الله ﷺ بغلظ وجفاء، وأمر لهم أن يدعوه بلين وتواضع) (٥).
وروى الطبري بسنده عن مجاهد في تفسيرها فقال: (أمرهم أن يدعوه يا رسول الله في لين وتواضع، ولا يقولوا: يا محمد، في تجهم) (٦).
وعن قتادة قال: (أمرهم أن يفخموه ويشرفوه) (٧).
_________________
(١) انظر «المنهاج في شعب الإيمان» للحليمي (٢/ ١٢٤) الشعبة الخامسة عشرة. وكذلك «الجامع في شعب الإيمان» للبيهقي (١/ ٣٠٠) الشعبة الخامسة عشرة.
(٢) «المنهاج في شعب الإيمان» للحليمي (٢/ ١٢٤).
(٣) «المنهاج في شعب الإيمان» (٢/ ١٢٥) بتصرف.
(٤) «المنهاج في شعب الإيمان» (١٢٤ - ١٢٥) و«الجامع لشعب الإيمان» (٣٠٢ - ٣٠٣).
(٥) «تفسير الطبري» (١٨/ ١٧٧).
(٦) «تفسير الطبري» (١٨/ ١٧٧).
(٧) «تفسير الطبري» (١٨/ ١٧٧).
[ ١ / ٢٨٣ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في تفسيرها: (خص الله نبيه في هذه الآية بالمخاطبة بما يليق به، فنهى أن يقولوا: يا محمد، أو يا أحمد، أو يا أبا القاسم، ولكن يقولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، وكيف لا يخاطبونه بذلك، والله سبحانه أكرمه في مخاطبته إياه بما لم يكرم به أحدًا من الأنبياء، فلم يدعه باسمه في القرآن قط، بل يقول يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [الأحزاب: ٢٨] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ [الأحزاب: ٥٠] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب: ١] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [الطلاق: ١] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم: ١] يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧] يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ [المزمل: ١ - ٢] يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ [المدثر: ١ - ٢] يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ [الأنفال: ٦٤].
مع أنه سبحانه قال: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ [البقرة: ٣٥] قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ [البقرة: ٣٣] يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود: ٤٦] يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا [هود: ٧٦] يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ [الأعراف: ١٤٤] يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ [ص: ٢٦] يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ [المائدة: ١١٠]) (١).
وقال ﵀: (وإذا كنا في باب العبارة عن النبي ﷺ علينا أن نفرق بين مخاطبته والإخبار عنه. فإذا خاطبناه كان علينا أن نتأدب بآداب الله تعالى حيث قال: لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: ٦٣] فلا تقول يا محمد، يا أحمد، كما يدعو بعضنا بعضًا بل نقول: يا رسول الله، يا نبي الله. والله ﷾ خاطب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأسمائهم فقال: يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة: ٣٥] يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ [هود: ٤٨] يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [طه: ١١ - ١٢] يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران: ٥٥].
ولما خاطبه ﷺ قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ [الأنفال: ٦٤] يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [المائدة: ٤١] يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧] يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [المزمل: ١] يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر: ١٠] فنحن أحق أن نتأدب في دعائه وخطابه.
_________________
(١) «الصارم المسلول» (ص ٤٢٢ - ٤٢٣).
[ ١ / ٢٨٤ ]
وأما إذا كنا في مقام الإخبار عنه قلنا: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله) وقلنا: محمد رسول الله وخاتم النبيين، فنخبر عنه باسمه كما أخبر الله سبحانه لما أخبر عنه ﷺ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠] وقال: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا [الفتح:٢٩] وقال: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران: ١٤٤] وقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ [محمد: ٢].
فالفرق بين مقام المخاطبة ومقام الإخبار فرق ثابت بالشرع والعقل (١).
٢ - وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الحجرات: ١ - ٥] فهذه الآيات اشتملت على جملة من الآداب التي أدب الله بها عباده المؤمنين فيما يجب أن يعاملوا به الرسول ﷺ من التوقير، والاحترام، والتبجيل، والإعظام وهذه الآداب هي:
أولًا: أنه حرم التقدم بين يديه بالكلام حتى يأذن، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
قال ابن كثير في معناها: (أي لا تسارعوا في الأشياء بين يديه أي: قبله، بل كونوا تبعًا له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ ﵁ حيث قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن: «بم تحكم؟ قال: بكتاب الله تعالى. قال ﷺ: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله ﷺ. قال ﷺ: فإن لم تجد؟ قال ﵁: أجتهد رأيي، فضرب في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ لما يرضي رسول الله ﷺ» (٢).
فالغرض منه أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقدم بين يدي الله ورسوله) (٣).
_________________
(١) «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٢٩٧، ٢٩٨).
(٢) رواه أبو داود (٣٥٩٢)، والترمذي (١٣٢٧)، وسكت عن أبي داود. وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل. وصححه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٩/ ٢١٢). وقال الذهبي في «تلخيص العلل المتناهية» (٢٦٩): حسن الإسناد ومعناه صحيح. وقال ابن الملقن في «شرح البخاري» (٣٣/ ٦٩): إسناده جيد.
(٣) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٢٠٥).
[ ١ / ٢٨٥ ]
وقال الحليمي عند تعليقه على هذه الآية: (والمعنى لا تقدموا قولًا أو فعلًا بين يدي قول رسول الله ﷺ وفعله فيما سبيله أن تأخذوه عنه من أمر دين أو دنيا، بل أخروا أقوالكم وأفعالكم إلى أن يأمر رسول الله ﷺ في ذلك بما يراه، فإنكم إذا قدمتم بين يديه كنتم مقدمين بين يدي الله ﷿، إذ كان رسوله لا يقضي إلا عنه، وَاتَّقُوا اللَّهَ أي احذروا عقابه بتقديمكم يين يدي رسول الله ومعاملته بما يوهم الاستخفاف به، ومخالفة شيء مما يأمركم به عن الله بوحي متلو أو بوحي غير متلو إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي سميع لما تقدمونه بين يدي رسوله ﷺ، أو تأتونه اقتداء به واتباعًا له، عليم بما يكون منكم من إجلاله أو خلاف ذلك، فهو يجزيكم بما سمعه ويعلمه منكم) (١).
ولقد تأدب الصحابة مع ربهم ومع رسولهم، فما عاد بعد نزول هذه الآية مقترح منهم يقترح على الله ورسوله، وما عاد واحد منهم يدلي برأي لم يطلب منه رسول الله ﷺ أن يدلي به، وما عاد أحد يقضي برأيه في أمر أو حكم إلا أن يرجع قبل ذلك إلى قول الله وقول النبي ﷺ.
حتى كان الرسول ﷺ يسألهم عن اليوم الذي هم فيه، والمكان الذي هم فيه، وهم يعلمونه حق العلم، فيتحرجون أن يجيبوا إلا بقولهم: الله ورسوله أعلم. خشية أن يكون في قولهم تقدم بين يدي الله ورسوله. ومن ذلك ما جاء في حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي ﵁ أن النبي ﷺ- سأل في حجة الوداع: «أي شهر هذا؟ .. قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أن سيسميه بغير اسمه، قال: أليس ذو الحجة؟ قلنا: بلى. قال: فأي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس البلدة؟ قلنا بلى. قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس يوم النحر؟ قلنا بلى. ..» (٢) الحديث. فهذه صورة من الأدب، ومن التحرج، ومن التقوى التي انتهى إليها الصحابة بعد سماعهم ذلك النداء، وذلك التوجيه، وتلك الإشارة إلى التقوى، تقوى الله السميع العليم.
ثانيًا: أنه حرم رفع الصوت فوق صوت النبي ﷺ وأن يجهر له بالكلام كما يجهر الرجل للرجل، وهذا من باب الأدب مع النبي ﷺ في الحديث والخطاب، ومن التوقير الذي يجب له، ذلك التوقير الذي ينعكس على نبرات أصوات الصحابة ليتميز بذلك شخص الرسول ﷺ بينهم ويميز مجلسه فيهم، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات: ٢].
_________________
(١) «المنهاج في شعب الإيمان» (٢/ ١٢٧).
(٢) رواه البخاري (١٧٤١)، ومسلم (١٦٧٩).
[ ١ / ٢٨٦ ]
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: (هذا أدب ثانٍ أدب الله تعالى به المؤمنين، أن لا يرفعوا أصواتهم يين يدي النبي ﷺ فوق صوته، وقد روي أنها نزلت في الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، فعن ابن أبي مليكة قال: (كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر ﵄، رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس ﵁ أخي بن مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر، قال نافع لا أحفظ اسمه فقال أبو بكر لعمر ﵄: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ الآية) قال ابن الزبير ﵁: فما كان عمر ﵁ يسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر) (١).
فقد نهى الله ﷿ عن رفع الأصوات بحضرة رسول الله ﷺ، وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ (أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي ﷺ قد ارتفعت أصواتهما فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربًا) (٢).
وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره ﷺ كما كان يكره في حياته ﵊، لأنه محترم حيًّا وفي قبره ﷺ دائمًا.
ثم نهي عن الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبة من عداه، بل يخاطب بسكينة، ووقار، وتعظيم، ولهذا قال ﵎: وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ كما قال: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا.
وقوله ﷿: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك فيغضب الله تعالى لغضبه، فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري، كما جاء في الصحيح: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالًا يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالًا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض» (٣).
ثم ندب الله تعالى إلى خفض الصوت عنده وحث على ذلك، وأرشد إليه ورغب فيه فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى أي أخلصها لها، وجعلها أهلًا ومحلًا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٤).
وجاء في الكشاف عند تفسير هذه الآيات قوله: (أعاد النداء عليهم- أي في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كل خطاب وارد، وتطرية الإنصات لكل حكم نازل، وتحريك هممهم لئلا يفتروا ويغفلوا عن تأملهم، وما أخذوا به عند حضور مجلس رسول الله ﷺ من الأدب الذي المحافظة عليه تعود عليهم بعظيم الجدوى في دينهم.
وذلك لأن في إعظام صاحب الشرع إعظام ما ورد به، ومستعظم الحق لا يدعه استعظامه أن يألو عملًا بما يحدوه عليه، وارتداعًا بما يصده عنه، وانتهاء إلى كل خير.
_________________
(١) رواه البخاري (٤٨٤٥).
(٢) رواه البخاري (٤٧٠).
(٣) رواه البخاري (٦٤٧٨).
(٤) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦).
[ ١ / ٢٨٧ ]
والمراد بقوله: لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيّ أنه إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه بصوته، وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عاليًا لكلامكم، وجهره باهرًا لجهركم، حتى تكون ميزته عليكم لائحة، وسابقته واضحة، وامتيازه عن جمهوركم كشية الأبلق (١). غير خاف، لا أن تغمروا صوته بلغطكم، وتبهروا منطقه بصخبكم.
وبقوله وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ أنكم إذا كلمتموه وهو صامت فإياكم والعدول عما نهيتم عنه من رفع الصوت، بل عليكم أن لا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، وأن تتعمدوا في مخاطبته القول البين المقرب من الهمس، الذي لا يضاهي الجهر، كما تكون مخاطبة المهيب المعظم، عاملين بقوله عز شأنه: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وليس الغرض من رفع الصوت ولا الجهر ما يقصد به الاستخفاف والاستهانة، لأن ذلك كفر، والمخاطبون مؤمنون وإنما الغرض صوت هو في نفسه والمسموع من جرسه غير مناسب لما يهاب به العظماء، ويوقر الكبراء، فيتكلف الغض منه، ورده إلى حد يميل به إلى ما يستبين فيه المأمور به من التعزير والتوقير. ولم يتناول النهي أيضًا رفع الصوت الذي لا يتأذى به رسول الله ﷺ وهو ما كان منهم في حرب، أو مجادلة معاند، أو إرهاب عدو أو ما أشبهه، فلم ينهوا عن الجهر مطلقًا حتى لا يسوغ لهم أن يكلموه إلا بالهمس والمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مقيد بصفة أعلى، الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منه فيما بينهم، وهو الخلو عن مراعاة أبهة النبوة، وجلالة مقدارها، وانحطاط سائر الرتب وإن جلت عن رتبتها) (٢).
(ومن البداهة أن هذه الآيات وأمثالها في تأديب الأمة وتعليمها إنما جاءت بأسلوبها المعجز لتفخيم شأن النبي ﷺ وإظهار رفعة قدره المنيف، وسمو منزلته ﷺ فوق كل منزلة أحد من الخلق، وهي مسوقة في مواضعها من القرآن الكريم لتعليم الأمة أفرادًا وجماعات الأدب الأكمل مع النبي ﷺ في كل ما يتصل بمخاطبته والتحدث إليه، والإصغاء إلى حديثه، ومجالسته حتى يستشعر المؤمن بقلبه وروحه وكافة إحساساته ومشاعره ما أوجبه الله تعالى من توقيره ﷺ توقيرًا يجلي رفيع قدره، وعظيم مقامه، ويظهر تشريف الله تعالى له بما ميزه به على سائر الخلق، وقد اتفق أهل العلم من أئمة أعلام الأمة على أن حرمته ﷺ بعد وفاته كحرمته في حياته) (٣).
ثالثًا: أن الله ﵎ ذم الذين ينادونه من وراء الحجرات وهي بيوت نسائه فقال: أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ، ثم أرشد تعالى إلى الأدب في ذلك فقال: وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ أي: لكان لهم في ذلك الخيرة والمصلحة في الدنيا والآخرة (٤)، فكره إليهم النداء على هذه الصفة المنافية للأدب والتوقير اللائق بشخص النبي ﷺ، ولكن لهم ما يجب عليهم وهو الصبر والانتظار حتى يخرج إليهم، وحبب إليهم التوبة والإنابة، ورغبهم في المغفرة والرحمة (٥).
_________________
(١) معناها كما في «حاشية ابن المنير على الكشاف» (٤/ ٣٥١): قوله (كشية الأبلق) في الصحاح (الشية): لون يخالف معظم لون الفرس وغيره. وفيه أيضا: اللغط الصوت والجلبة. وفيه الصخب: الصياح والجلبة.
(٢) «الكشاف» (٣/ ٥٥٤، ٥٥٥).
(٣) كتاب «محمد رسول الله ﷺ منهج ورسالة» تأليف محمد الصادق إبراهيم عرجون (٤/ ٣٣٣).
(٤) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٢٠٨).
(٥) «في ظلال القرآن» لسيد قطب (٦/ ٣٣٤٠) بتصرف يسير.
[ ١ / ٢٨٨ ]
قال الحليمي: (في هذه الآية يسلي الله نبيه ﷺ بما أخبره من أن الذين يصيحون خارج منزله ولا يصبرون حتى يخرج إليهم إنما حملهم على ذاك جهلهم وقلة عقلهم وأكثرهم لا يهتدون إلى ما يلزمهم من تعظيمك في حال مخاطبتك) (١).
٣ - وقال تعالى: مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ [التوبة: ١٢٠].
قال الحليمي: (فأعلمهم أن نفس الرسول ﷺ أكرم، وأشرف، وأزكى، وأجمل من أنفسهم، فلا يسعهم من ذلك أن يصرفوا أنفسهم عما لا يصرف نفسه عنه، فيتخلفوا عنه إذا خرج لجهاد أعداء الله معتذرين من شدة حر، أو طول طريق، أو عوز ماء، أو قلة زاد، بل يلزمهم متابعته ومشايعته على أي حال رضيها لنفسه، وفي هذا أعظم البيان لمن عقل، وأبين الدلالة على وجوب تعظيمه وإجلاله وتوقيره) (٢).
٤ - وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الأحزاب: ٥٣].
فنهاهم ﷾ عن أن يعاملوا رسول الله ﷺ بالتوسع في الانبساط والاسترسال كما يعامل من لا يهاب ولا يتقى، فيدخل بيته بغير إذنه إذا دعاهم إلى طعام لم ينضج، وأحاطوا به منتظرين إدراكه، وإذا حضر الطعام ودخلوا وطعموا لزموا مجالسهم مستأنسين بالمحادثة، وأخبرهم أن ذلك منهي عنه، إذ كان النبي ﷺ قد تأذى منه ويستحى أن يكلمهم، كما أدبهم فيما ينبغي عليهم تجاه معاملتهم مع أزواجه ﷺ، وهذا كله مما يدل على ماله ﷺ من التعظيم، والاحترام.
٥ - وقد جاء بعد هذه الآيات الأمر بالصلاة والسلام عليه ﷺ حيث قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦].
ووجه إيصال هذه الآية بما قبلها هو أنه لما كان من الواجب على المكلفين تعظيم النبي ﷺ برفع الأذى عنه، وإظهار شرفه وكرامته، فذكر الله تعالى القسم الأول- أي رفع الأذى- في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ [الأحزاب: ٥٣] إلى آخرها وذكر القسم الثاني- أي إظهار شرفه وكرامته- في هذه الآية الثانية، وبدأ بالأول لأن دفع المفاسد أهم.
وأيضًا لما أرشد الله تعالى المؤمنين إلى تعظيمه ﷺ بتعلم سلوك طريق الأدب معه في أشياء كثيرة تتعلق بحياته وموته إظهارًا لشرفه، وتعظيمًا له، عقبه بما يدل على أنه تعالى أيضًا معظم لشأنه أيضًا، وكذلك ملائكته المقربون حملة العرش وحفظته، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
وفيه بيان لمنقبة عظيمة له ﷺ، فإن الملك قد يأمر بإكرام شخص ولا يكون عنده بمكان، فأزيل هذا التوهم، وبين أنه أكرم الخلق على ربه تعالى
_________________
(١) «المنهاج في شعب الإيمان» (٢/ ١٢٨).
(٢) «المنهاج في شعب الإيمان» (٢/ ١٢٦).
[ ١ / ٢٨٩ ]
٦ - وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب: ٥٧ - ٥٨]
فالله تعالى من تعظيمه لنبيه ﷺ حفظ له كرامته، وصان له حقه، ففرق بين أذاه وأذى المؤمنين، فأوجب على من آذى النبي ﷺ اللعن والطرد من رحمته، وهذا حكم على من آذاه بالكفر، وفي الآخرة له العذاب المهين ومصيره إلى جهنم وبئس المصير. بينما حكم على من آذى المؤمنين بالبهتان والإثم، والفرق يين الحكمين ناتج عن الفرق بين حق النبي ﷺ وحق غيره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في استدلاله بهذه الآية على وجوب قتل من آذى النبي ﷺ: (ودلالتها من وجوه:
أحدها: أنه قرن أذاه بأذاه كما قرن طاعته بطاعته، فمن آذاه فقد آذى الله تعالى، وقد جاء ذلك منصوصًا عنه، ومن آذى الله فهو كافر حلال الدم. بين ذلك أن الله تعالى جعل محبة الله ورسوله، وإرضاء الله ورسوله، وطاعة الله ورسوله شيئًا واحدًا فقال تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة:٢٤] وقال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ [آل عمران: ١٣٢] في مواضع متعددة، وقال تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: ٦٢] فوحد الضمير، وفي ذلك إشارة إلى أن إرضاء الله إرضاء للرسول، وإرضاء الرسول فيه إرضاء لله، وقال أيضًا: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ [الفتح: ١٠] وقال أيضًا: يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول الأنفال: ١ []
وجعل شقاق الله ورسوله، ومحادة الله ورسوله، وأذى الله ورسوله، ومعصية الله ورسوله شيئًا واحدًا، فقال: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأنفال: ١٣] وقال: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة: ٢٠] وقال تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة: ٦٣] وقال: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [النساء: ١٤].
وفي هذا وغيره بيان لتلازم الحقين، وأن جهة حرمة الله تعالى ورسوله جهة واحدة، فمن آذى الرسول فقد آذى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله، لأن الأمة لا يصلون ما بينهم ويين ربهم إلا بواسطة الرسول، ليس لأحد منهم طريق غيره، ولا سبب سواه، وقد أقامه الله مقام نفسه في أمره ونهيه، وإخباره وبيانه، فلا يجوز أن يفرق بين الله ورسوله في شيء من هذه الأمور.
وثانيها: أنه فرق بين أذى الله ورسوله وبين أذى المؤمنين والمؤمنات، فجعل على هذا أنه قد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا وجعل على ذلك اللعنة في الدنيا والآخرة وأعد له العذاب المهين، ومعلوم أن أذى المؤمنين قد يكون من كبائر الإثم وفيه الجلد، وليس فوق ذلك إلا الكفر والقتل.
الثالث: أنه ذكر أنه لعنهم في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابًا مهينًا، واللعن: الإبعاد عن الرحمة، ومن طرده عن رحمته في الدنيا والآخرة لا يكون إلا كافرًا، فإن المؤمن يقرب إليها بعض الأوقات ولا يكون مباح الدم، لأن حقن الدم رحمة عظيمة من الله، فلا تثبت في حقه ) (١).
_________________
(١) «الصارم المسلول» (ص ٤٠ - ٤١).
[ ١ / ٢٩٠ ]
ومما يوضح ذلك أن سب النبي ﷺ قد تعلق به عدة حقوق: أ- حق الله سبحانه من حيث كفر برسوله، وعادى أفضل أوليائه وبارزه بالمحاربة، ومن حيث طعن في كتابه ودينه، فإن صحتهما موقوفة على صحة الرسالة، ومن حيث طعن في ألوهيته، فإن الطعن في الرسول طعن في المرسِل، وتكذيبه تكذيب لله ﵎ وإنكار لكلامه وأمره وخبره وكثير من صفاته.
ب- وتعلق به حق جميع المؤمنين من هذه الأمة ومن غيرها من الأمم، فإن جميع المؤمنين مؤمنون به خصوصًا أمته، فإن قيام أمر دنياهم ودينهم وآخرتهم به، بل عامة الخير الذي يصيبهم في الدنيا والآخرة بوساطته وسفارته، فالسب له أعظم عندهم من سب أنفسهم، وآبائهم، وأبنائهم، وسب جميعهم، كما أنه أحب إليهم من أنفسهم، وأولادهم، وآبائهم، والناس أجمعين.
ج- وتعلق به حق رسول الله كلها من حيث خصوص نفسه، فإن الإنسان تؤذيه الوقيعة في عرضه أكثر مما يؤذيه أخذ ماله، وأكثر مما يؤذيه الضرب، بل ربما كانت عنده أعظم من الجرح ونحوه، خصوصًا من يجب عليه أن يظهر للناس كمال عرضه، وعلو قدره لينتفعوا بذلك في الدنيا والآخرة (١).
٧ - وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة: ١٠٤].
قال بعض المفسرين: هي لغة كانت في الأنصار، نهوا عن قولها تعظيمًا للنبي ﷺ وتبجيلًا له، لأن معناها ارعنا نرعك، فنهوا عن قولها، إذ مقتضاها كأنهم لا يرعونه إلا برعايته لهم، بل حقه أن يرعى على كل حال.
وقيل: كانت اليهود تعرض بها للنبي ﷺ بالرعونة، فنهي المسلمون عن قولها قطعًا للذريعة، ومنعًا للتشبه بهم في قولها لمشاركة اللفظة، وقيل غير هذا (٢).
٨ - وقال تعالى: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا [الأحزاب: ٥٣].
ففي هذه الآية حرم الله على الأمة أن تنكح أزواجه من بعده لأن ذلك يؤذيه، وجعله عظيمًا عند الله تعظيمًا لحرمته ﷺ، فحرم تعالى على الأمة ما هو مباح أن يعامل به بعضهم بعضًا، وذلك تمييزًا لنبيه ﷺ وتعظيمًا لشأنه. وقد ذكر أن هذه الآية نزلت لما قال بعض الناس: لو قد توفي رسول الله ﷺ تزوجت عائشة (٣).
ولو أن أحدًا أقدم على هذا الأمر فنكح أزواجه أو سراريه لكانت عقوبته في الشرع هي القتل جزاء له بما انتهك من حرمته، والدليل على ذلك ما رواه مسلم بسنده عن أنس بن مالك ﵁: «أن رجلًا كان يتهم بأم ولد رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ لعلي اذهب فاضرب عنقه فأتاه علي فإذا هو في ركي يتبرد فيها، فقال له علي أخرج فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر فكف علي عنه، ثم أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنه لمجبوب ما له ذكر» (٤).
_________________
(١) «الصارم المسلول» (ص٣٩٣ - ٣٩٤).
(٢) «الشفا» (٢/ ٥٩١).
(٣) «الصارم المسلول» (ص ٥٩).
(٤) رواه مسلم (٢٧٧١).
[ ١ / ٢٩١ ]
قال ابن تيمية ﵀: (فهذا الرجل أمر النبي ﷺ بضرب عنقه لما قد استحل من حرمته، ولم يأمر بإقامة حد الزنا، لأن إقامة حد الزنا ليس هو ضرب الرقبة، بل إن كان محصنًا رجم، وان كان غير محصن جلد، ولا يقام عليه الحد إلا بأربعة شهداء أو بالإقرار المعتبر، فلما أمر النبي ﷺ بضرب عنقه من غير تفصيل بين أن يكون محصنًا أو غير محصن علم أن قتله لما انتهكه من حرمته فلما تبين أنه كان مجبوبًا علم أن المفسدة مأمونة منه ) (١).
وبالإضافة إلى ما تقدم، فقد أوجب الله على الأمة احترام أزواج النبي ﷺ وجعلهن أمهات في التحريم والاحترام (٢).
فقال تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب: ٦] ففي هذه الآية رفع الله مقام أزواج النبي ﷺ وبوأهن منزلة عالية، وهي منزلة الأمومة لجميع المؤمنين، وفي ذلك من الحرمة والاحترام، والتوقير، والإكرام، والإعظام ما يوجب على كل مسلم أن يحفظ لهن هذا الحق ويؤديه على الوجه المطلوب منه شرعًا.
وهذه المنزلة لأمهات المؤمنين هي من التشريف والتعظيم الذي أعطاه الله للنبي ﷺ.
٩ - وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور: ٦٢ - ٦٣].
ففي هاتين الآيتين الكريمتين منهج تعظيم قدر النبي ﷺ، وبيان ما ينبغي أن يكون عليه حال المؤمنين في جميع أمورهم التي تربطهم به ﷺ نبيًا ورسولًا، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق، وخلع عليه جلابيب حرصه عليهم، وعزة عنتهم عليه وجاء في (الكشاف) عند تفسير هذه الآيات: (أراد الله ﷿ أن يريهم عظيم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله ﷺ بغير إذنه، إذا كانوا معه على أمر جامع فجعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله مع تصدير الجملة بإنما وإيقاع المؤمنين مبتدأ مخبرًا عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين، ثم عقبه بما يزيده توكيدًا وتشديدًا حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النور: ٦٢] وضمنه شيئًا آخر، وهو أنه جعل الاستئذان كالمصدق بصحة الإيمان، وعرض بالمنافقين وتسللهم لواذًا) (٣).
_________________
(١) «الصارم المسلول» (ص: ٥٩ - ٦٠).
(٢) «الصارم المسلول» (ص: ٤٣٣).
(٣) «الكشاف» (٣/ ٧٨) بتصرف يسير.
[ ١ / ٢٩٢ ]
وبهذه النصوص يتبين للمسلم أن حقوق رسول الله ﷺ أجل، وأعظم، وأكرم، وألزم لنا وأوجب علينا من حقوق السادات على مماليكهم، والآباء على أولادهم، لأن الله تعالى أنقذنا به من النار في الآخرة، وعصم به لنا أرواحنا، وأبداننا، وأعراضنا، وأموالنا، وأهلينا، وأولادنا في العاجلة، فهدانا به لأمر إذا أطعناه فيه أدانا إلى جنات النعيم، فأية نعمة توازي هذه النعم، وأية منة تداني هذه المنن. ثم إنه جل ثناؤه ألزمنا طاعته، وتوعدنا على معصيته بالنار، ووعدنا باتباعه الجنة، فأي رتبة تضاهي هذه الرتبة، وأي درجة تساوي في العلا هذه الدرجة.
فحق علينا إذًا أن نحبه، ونجله، ونعظمه، ونهابه، فبهذا نكون من المفلحين: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٧] فالآية بينت أن الفلاح إنما يكون لمن جمع إلى الإيمان به تعزيره، ولا خلاف أن التعزير هنا التعظيم (١)، فلقد سجل الله في هذه الآية الفلاح بأسلوب الحصر للذين تأدبوا بهذا الأدب القرآني الرفيع.
وكما قال تعالى في الإنافة بمقامه الأشرف، وبيان حقه على كل مؤمن ومؤمنة: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح: ٨ - ٩].
وقد ذهب علماء السلف إلى أن الضمير في قوله جل شأنه: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ راجع إلى رسول الله ﷺ ومعناه: تعظموا رسول الله ﷺ وتفخموه في أدب المخاطبة والتحدث إليه ومجالسته. قال ابن تيمية: (فالتسبيح لله وحده، والتعزير والتوقير للرسول، والإيمان بالله ورسوله) (٢).
فهذه الآيات وغيرها نزلت لتبين مقام شرف رسول الله ﷺ وعظيم منزلته عند ربه، مما يوجب على المؤمنين برسالته أن يكونوا في مخاطباتهم معه على سنن الإجلال والتعظيم. حقوق النبي ﷺ على أمته لمحمد خليفة التميمي -٢/ ٤٢٣
_________________
(١) «شعب الإيمان» للبيهقي، شعبة التعظيم (١/ ٣٠٢، ٣٠٣).
(٢) «بغية المرتاد» (ص ٥٠٤).
[ ١ / ٢٩٣ ]
المطلب السادس: نواقض الإيمان بالنبي ﷺ
إن مما ينبغي معرفته بعد توضيح معنى الإيمان بالنبي ﷺ، وتبيين شروط الشهادة ومراتبها، أن تعرف نواقض هذا الأمر ومبطلاته حتى يحترز المسلم من الوقوع فيها، فعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني » (١) الحديث.
وعن عمر بن الخطاب ﵁: (إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية) (٢).
ولهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم أعظم هذه الأمة إيمانًا لكمال معرفتهم بالخير والشر، وكمال محبتهم للخير، وبغضهم للشر، لما علموه من حسن حال الإيمان والعمل الصالح، وقبح حال الكفر والمعاصي.
ولمعرفة نواقض الإيمان به ﷺ نقول:
لما كان الإيمان به ﷺ يعني تصديقه وتصديق ما جاء به ﷺ، والانقياد له، فإن الطعن في أحد هذين الأمرين ينافي الإيمان ويناقضه. فالنواقض على هذا الاعتبار يمكن تقسيمها إلى قسمين:
القسم الأول: الطعن في شخص الرسول ﷺ.
القسم الثاني: الطعن فيما أخبر به الرسول ﷺ مما هو معلوم من الدين بالضرورة، إما بإنكاره أو بانتقاصه.
القسم الأول: الطعن في شخص الرسول ﷺ:
ومما يدخل تحت هذا القسم نسبة أي شيء للرسول ﵊ مما يتنافى مع اصطفاء الله له لتبليغ دينه إلى عباده، فيكفر كل من طعن في صدق الرسول ﷺ، أو أمانته، أو عفته، أو صلاح عقله ونحو ذلك.
كما يكفر من سب الرسول ﷺ، أو عابه، أو ألحق به نقصًا في نفسه، أو نسبه، أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرّض به، أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه، أو التصغير لشأنه، أو الغض منه أو العيب له، فهو ساب له، والحكم فيه حكم الساب يقتل كفرًا، وكذلك من لعنه، أو دعا عليه، أو تمنى مضرة له، أو نسب إليه مالا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام، وهُجر ومنكر من القول وزور، أو عيره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو تنقصه ببعض العوارض البشرية الجائزة المعهودة لديه (٣).
فالساب إن كان مسلمًا فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم.
وإن كان ذميًا فإنه يقتل أيضًا في مذهب مالك وأهل المدينة، وهو مذهب أحمد وفقهاء الحديث، وهو المنصوص عن الشافعي نفسه كما حكاه غير واحد (٤).
وهذا الحكم على الساب والمستهزئ، يستوي فيه الجاد والهازل بدليل قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر، (فالسب المقصود بطريق الأولى)، وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله ﷺ جادًا أو هازلًا فقد كفر.
_________________
(١) رواه البخاري (٣٦٠٦)، ومسلم (١٨٤٧).
(٢) «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٩٠).
(٣) «الشفا» للقاضي عياض (٢/ ٩٣٢) بتحقيق علي محمد البجاوي.
(٤) «الصارم المسلول على شاتم الرسول» لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص: ٤، ٨) بتصرف.
[ ١ / ٢٩٤ ]
وقد رُوي عن رجال من أهل العلم منهم ابن عمر، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة- دخل حديث بعضهم في بعض- أنه قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء، فقال له عوف بن مالك: كذبت ولكنك رجل منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ، فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نلعب ونتحدث حديث الركب، نقطع به عناء الطريق.
قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقًا بنسعة ناقة رسول الله ﷺ، وإن الحجارة لتنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله ﷺ: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون» ما يلتفت إليه، ولا يزيده عليه (١) (٢).
فهؤلاء لما تنقصوا النبي ﷺ حيث عابوه والعلماء من أصحابه، واستهانوا بخبره أخبر الله أنهم كفروا بذلك وإن قالوه استهزاء فكيف بما هو أغلظ من ذلك؟ (٣).
ومن الأدلة على كفر الطاعن في شخص الرسول ﷺ قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [الأحزاب: ٥٧].
واللعن: الإبعاد عن الرحمة، ومن طرده عن رحمته في الدنيا والآخرة لا يكون إلا كافرًا (٤).
وفي هذه الآية قرن الله بين أذى النبي ﷺ وأذاه، كما قرن في آيات أخر بين طاعته وطاعة نبيه، وفى هذا وغيره بيان لتلازم الحقين، وأن جهة حرمة الله تعالى ورسوله جهة واحدة، فمن آذى الرسول فقد آذى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله، لأن الأمة لا يصلون ما بينهم وبين ربهم إلا بواسطة النبي ﷺ، وليس لأحد منهم طريق غيره، ولا سبب سواه، وقد أقامه الله مقام نفسه في أمره ونهيه، وإخباره وبيانه، فلا يجوز أن يفرق بين الله ورسوله في شيء من هذه الأمور (٥).
ومن الأدلة الواردة في السنة حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال:
قال رسول الله ﷺ: «من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله، فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟، قال: نعم » الحديث (٦). فعلم من هذا الحديث أن من آذى الله ورسوله كان حقه أن يقتل كما قتل كعب بن الأشرف، والأدلة من الكتاب والسنة على هذه المسألة كثيرة ولا مجال لاستيعابها هنا.
- الإجماع: وقد أجمعت الأمة على قتل منتقصه من المسلمين وسابه، وكذلك حكى غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره.
_________________
(١) «تفسبر ابن كثير» (٢/ ٣٦٧).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٧/ ٣١٣) بلفظ مقارب. قال الوادعي في «الصحيح المسند من أسباب النزول» (١٢٢): رجاله رجال الصحيح إلا هشام بن سعد فلم يخرج له مسلم إلا في الشواهد وله شاهد بسند حسن.
(٣) «الصارم المسلول» (ص: ٣١ - ٣٣).
(٤) «الصارم المسلول» (ص: ٤١).
(٥) «الصارم المسلول» (ص: ٤٠ - ٤١) بتصرف.
(٦) رواه البخاري (٤٠٣٧).
[ ١ / ٢٩٥ ]
وقال الإمام إسحاق بن راهوية أحد الأئمة الأعلام: (أجمع المسلمون على أن من سب الله، أو سب رسوله ﷺ، أو دفع شيئًا مما أنزل الله ﷿، أو قتل نبيًا من أنبياء الله ﷿ أنه كافر بذلك وإن كان مقرًا بكل ما أنزل إليه). وقال الخطابي: (لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله). وقال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ والمتنقص له كافر، والوعيد جاء عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر (١).
ومن المعلوم أن سب النبي ﷺ تعلق به عدة حقوق:
١ - حق الله سبحانه:
من حيث كفر برسوله، وعادى أفضل أوليائه، وبارزه بالمحاربة، ومن حيث طعن في كتابه ودينه، فإن صحتهما موقوفة على صحة الرسالة، ومن حيث طعن في ألوهيته، فإن الطعن في الرسول طعن في المرسل، وتكذيبه تكذيب لله ﵎، وإنكار لكلامه، وأمره، وخبره، وكثير من صفاته.
٢ - وتعلق حق جميع المؤمنين:
من هذه الأمة ومن غيرها من الأمم به، فإن جميع المؤمنين مؤمنون به خصوصًا أمته فإن قيام أمر دنياهم ودينهم وآخرتهم به، بل عامة الخير الذي يصيبهم في الدنيا والآخرة بواسطته وسفارته، فالسب له أعظم عندهم من سب أنفسهم، وآبائهم، وأبنائهم، وسب جميعهم، كما أنه أحب إليهم من أنفسهم، وأولادهم، وآبائهم، والناس أجمعين.
٣ - وتعلق حق رسول الله ﷺ به:
من حيث خصوص نفسه، فإن الإنسان تؤذيه الوقيعة في عرضه أكثر مما يؤذيه أخذ ماله، وأكثر مما يؤذيه الضرب، بل ربما كانت عنده أعظم من الجرح ونحوه، خصوصًا من يجب عليه أن يظهر للناس كمال عرضه وعلو قدره لينتفعوا بذلك في الدنيا والآخرة، فإن هتك عرضه وعلو قدره قد يكون أعظم عنده من قتله، فإن قتله لا يقدح عند الناس في نبوته ورسالته وعلو قدره كما أن موته لا يقدح في ذلك، بخلاف الوقيعة في عرضه فإنها قد تؤثر في نفوس بعض الناس من النفرة عنه، وسوء الظن به ما يفسد عليهم إيمانهم، ويوجب لهم خسارة الدنيا والآخرة (٢).
وبهذا يعلم أن السب فيه من الأذى لله ولرسوله ولعباده المؤمنين ما ليس في غيره من الأمور كالكفر والمحاربة.
وبما تقدم ذكره من الأدلة يتضح انتقاض إيمان من طعن في شخص الرسول ﷺ بسب، أو استهزاء، أو انتقاص سواء كان في ذلك جادًا أو هازلًا.
_________________
(١) «الصارم المسلول» (ص: ٣ - ٤).
(٢) «الصارم المسلول» (ص: ٢٩٣ - ٢٩٤).
[ ١ / ٢٩٦ ]
ويستثنى من ذلك المكره بدليل قوله تعالى: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل: ١٠٦] فالآية نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد ﷺ، فوافقهم على ذلك مكرهًا وجاء معتذرًا إلى النبي ﷺ فأنزل الله هذه الآية، وروى أن مما قاله أنه سب النبي ﷺ وذكر آلهتهم بخير، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا رسول الله ما تركت حتى سببتك، وذكرت آلهتهم بخير، قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنًا بالإيمان، فقال: إن عادوا فعد» (١). وفي ذلك أنزل الله: إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ، ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاء لمهجته، ويجوز له أن يأبى، كما كان بلال ﵁ يأبى عليهم ذلك، وهم يفعلون به الأفاعيل (٢).
القسم الثاني: من نواقض الإيمان بالنبي ﷺ:
الطعن فيما أخبر به الرسول لا- مما هو معلوم من الدين بالضرورة- إما بإنكاره أو انتقاصه.
فإذا اجتمعت الشروط التالية في المنكر وهي:
أ- أن يكون ذلك الأمر المنغص من الأمور التي أجمعت عليها الأمة، وأن يكون من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة: أي أن يكون علمه منتشرًا كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، وعموم رسالته (٣).
ب- أن لا يكون المنكر حديث عهد بالإسلام لا يعرف حدوده، فهذا إذا أنكر شيئًا من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة جهلًا به فإنه لا يكفر (٤).
ج- أن لا يكون المُنكِر مكرهًا على ذلك، فإن المكره له حكم آخر كما قدمنا ذلك.
والمُنكِر في هذه الحالة يحكم بكفره وانتقاض إيمانه. والمنتقص لأمور الدين إذا كان غير مكره فإنه يكفر سواء كان جادًا في ذلك أم هازلًا.
والأمثلة على هذا القسم كثيرة جدًا نذكر منها على سبيل المثال ما يختص بجانب الإيمان برسالة النبي ﷺ.
أولًا: أن يعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، وأن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذين يفضلون القانون الوضعي على حكم الشرع، ويصفون الشريعة الإسلامية بالقصور والرجعية وعدم مسايرة التطور، وهذا من أعظم المناقضة لشهادة أن محمدًا رسول الله.
ثانيًا: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به فهو كافر (٥).
ثالثًا: اعتقاد الإنسان أنه يسعه الخروج عن شريعة النبي ﷺ. ولهذا الأمر صورتان:
الأولى: أن لا يرى وجوب تصديق الرسول ﷺ ولا وجوب طاعته فيما أمر به، وإن اعتقد مع ذلك أن الرسول ﷺ عظيم القدر علمًا وعملًا، وأنه يجوز تصديقه وطاعته، ولكنه يقول إنه لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحدًا، ويرى أنه تحصل النجاة والسعادة بمتابعة الرسول وبغير متابعته، وهذا هو قول الفلاسفة الصابئة، وهذا القول لا ريب في كفر صاحبه، فمن نواقض الإسلام أن يعتقد الإنسان عدم كفر المشركين، ويرى صحة مذهبهم، أو يشك في كفرهم.
وهذا القول هو الذي ينادي به في وقتنا الحاضر من يدعون إلى وحدة الأديان، ويروج لهم في ذلك الماسونية اليهودية.
الثانية: من يرى طلب العلم بالله من غير خبره، أو العمل لله من غير أمره، وهؤلاء وإن كانوا يعتقدون أنه يجب تصديق الرسول أو تجب طاعته، لكنهم في سلوكهم العلمي والعملي غير سالكين هذا المسلك، بل يسلكون مسلكًا آخر إما من جهة القياس والنظر، وإما من جهة الذوق والوجدان، وإما من جهة التقليد، وما جاء عن الرسول إما أن يعرضوا عنه وإما أن يردوه إلى ما سلكوه.
وإضافة إلى هذه النواقض فإن الإيمان بالنبي ﷺ ينتقض أيضا بالنواقض العامة الأخرى للإسلام. حقوق النبي ﷺ على أمته لمحمد خليفة التميمي -١/ ٤٨
_________________
(١) رواه الحاكم (٢/ ٣٥٧) والبيهقي (٨/ ٢٠٨، ٢٠٩). قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٢٩٥): إسناده صحيح وزاد بعضهم وفي هذا أنزلت: من كفر بالله من بعد إيمانه .. الآية. وقال ابن حجر في «الدراية» (٢/ ١٩٧): إسناده صحيح إن كان محمد بن عمار سمعه من أبيه. وقال الألباني في «فقه السيرة» (١٠٣): في ثبوت هذا السياق نظر وعلته الإرسال.
(٢) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٨٧، ٥٨٨) بتصرف.
(٣) انظر: «صحيح مسلم بشرح النووي» (١/ ٢٠٥).
(٤) انظر: «صحيح مسلم بشرح النووي» (١/ ٢٠٥).
(٥) «الجامع الفريد»: (رسالة نواقض الإسلام) للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص: ٢٨٢).
[ ١ / ٢٩٧ ]
الفصل الرابع: تعريف العبادة وبيان إطلاقها وأركانها وشروطها
المبحث الأول: تعريف العبادة
فالعبادة: الطاعة مع الخضوع – قال الراغب: (العبودية: إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل) (١).
وقال الزجاج (ومعنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع) (٢) وقال الجوهري (أصل العبودية: الخضوع والتذلل) (٣).
ومن التعريف اللغوي السابق يمكن أن يقال عن العبادة الشرعية إنها: الانقياد والخضوع لله تعالى على وجه التقرب إليه بما شرع مع المحبة. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٥٥
_________________
(١) «مفردات ألفاظ القرآن» (ص: ٥٤٢).
(٢) «لسان العرب» (٣/ ٢٧٣)، مادة: (عبد).
(٣) «لسان العرب» (٣/ ٢٧١)، مادة: (عبد).
[ ١ / ٢٩٨ ]
أو كما عرفها ابن تيمية –رحمه الله تعالى-بقوله: العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضا بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف لعذابه وأمثال ذلك هي من العبادة لله وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له والمرضية له التي خلق الخلق لها كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:٥٦] وبها أرسل جميع الرسل كما قال نوح لقومه: اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:٥٩] وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل:٣٦] وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:٢٥] وقال تعالى: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:٩٢] كما قال في الآية الأخرى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون:٥١] وجعل ذلك لازما لرسوله إلى الموت قال: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:٩٩] وبذلك وصف ملائكته وأنبياءه فقال تعالى: وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:١٩] وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [الأعراف:٢٠٦] وذم المستكبرين عنها بقوله: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:٦٠] ونعت صفوة خلقه بالعبودية له فقال تعالى: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [الإنسان:٦] وقال: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان:٦٣] الآيات ولما قال الشيطان: قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الأعراف:١٦] قال الله تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:٤٢] وقال في وصف الملائكة بذلك: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء:٢٦] إلى قوله: وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء:٢٨] وقال تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم:٨٨] وقال تعالى عن المسيح الذي ادعيت فيه الإلهية والنبوة: إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ [الزخرف:٥٩] ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى» (١) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١٠/ ١٤٩
_________________
(١) رواه البخاري (٣٤٤٥) بلفظ (ابن مريم). من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
[ ١ / ٢٩٩ ]
المبحث الثاني: إطلاقات العبادة
للعبادة معان بحسب ما تتعلق به، وبحسب كونها مصدرًا أو اسمًا، وبحسب المتوجه بها إليه، وبحسب ما يلاحظ فيها من حق، فهذه أربعة إطلاقات:
الإطلاق الأول: إطلاقات العبادة بحسب ما تتعلق به:
فالعبادة من حيث تعلقها بعموم الخلق وخصوصهم تنقسم إلى عبادة عامة كونية وإلى خاصة شرعية (١).
فالعبادة العامة: هي عبادة القهر والملك وهي تشمل أهل السموات والأرض كلهم مؤمنهم وكافرهم، فالجميع عبيد مربوبون لله قال الله تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٨٨ - ٩٣] وقد ذكر ابن القيم أن هذا النوع يأتي على خمسة أوجه وهي:
١ - إما منكرًا كما في الآية المذكورة سابقًا.
٢ - أو معرفًا باللام، كقوله تعالى: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ [غافر: ٣١].
٣ - أو مقيدًا بإشارة أو نحوها، كقوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ [الفرقان: ١٧].
٤ - أو أن يذكروا في عموم عباده فيندرجوا مع أهل طاعته في الذكر، كقوله تعالى: أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [الزمر: ٤٦].
٥ - أن يذكروا موصوفين بفعلهم كقوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: ٥٣].
وهذا المثال المذكور في الوجه الخامس لا يسلم من اعتراض كما قال ابن القيم نفسه: (وقد قال: إنما سماهم عباده إذا لم يقنطوا من رحمته وأنابوا إليه واتبعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربهم فيكونون من عبيد الإلهية والطاعة) (٢) اهـ.
وأما العبادة الخاصة الشرعية، فهي عبادة الطاعة والخضوع والذل والمحبة الاختيارية، وهي خاصة لمن وفقه الله من المكلفين من الأنبياء والمرسلين وعامة المؤمنين بهم.
ومن الآيات الواردة فيها قول الله تعالى: يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ [الزخرف: ٦٨] وقوله: فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر: ١٧ - ١٨] والآيات في هذا المعنى كثيرة.
الإطلاق الثاني: إطلاقات العبادة بحسب الاسمية والمصدرية:
فالعبادة باعتبارها مصدرًا تعني التعبد، وهو فعل العابد وتعريفها: (التذلل لله محبة وتعظيمًا بفعل أوامره واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه) (٣) اهـ.
وأما باعتبارها اسمًا، فهي تعني: المتعبد (٤) به وتعريفها: (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة) (٥).
ومن التعريف المذكور في معنى العبادة باعتبارها اسمًا يتضح أن للعبادة أربع مراتب وهي: قول القلب، وقول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح، وهذا معنى قوله: (من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة) وقد فصل ابن القيم هذه المراتب فقال:
_________________
(١) انظر: «مدارج السالكين» (١/ ١٢٥).
(٢) «مدارج السالكين» (١/ ١٢٧).
(٣) هذا التعريف لابن عثيمين في «المجموع الثمين» من فتاويه (٢/ ٢٥).
(٤) انظر: «تقريب التدميرية» لابن عثيمين (ص: ١٢٩).
(٥) هذا التعريف لشيخ الإسلام ابن تيمية في «رسالة العبودية ضمن مجموعة التوحيد» (٢/ ٤٥٤).
[ ١ / ٣٠٠ ]
(قول القلب: هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه وعن أسمائه وصفاته وأفعاله، وملائكته ولقائه على لسان رسله.
وقول اللسان: الإخبار عنه بذلك والدعوة إليه والذب عنه وتبيين بطلان البدع المخالفة له، والقيام بذكره وتبليغ أوامره.
وعمل القلب: كالمحبة له والتوكل عليه والإنابة إليه والخوف منه والرجاء له، وإخلاص الدين له، والصبر على أوامره وعن نواهيه وعلى أقداره والرضى به عنه، والموالاة فيه والمعاداة فيه، والذل له، والخضوع، والإخبات إليه والطمأنينة به، وغير ذلك من أعمال القلوب، التي فرضها أفرض من أعمال الجوارح، ومستحبها أحب إلى الله من مستحبها، وعمل الجوارح بدونها إما عديم المنفعة أو قليل المنفعة.
وأعمال الجوارح: كالصلاة والجهاد ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات، ومساعدة العاجز، والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك.) (١) اهـ.
فظهر من هذا أن جميع أمور الديانة من الاعتقادات والإرادات والأقوال والأعمال داخلة في مسمى العبادة.
ولما جهل كثير من المتأخرين حقيقة العبادة على الوجه المذكور أعلاه كان من الأفضل زيادة البيان لبعض أنواع العبادة بذكر أمثلة لها – خاصة المتنازع فيها – مع نقل أقوال الأئمة الأعلام وبيانهم أنها من العبادة وأن صرفها لغير الله لا يجوز.
ومن هذه الأمثلة: الاستعاذة والاستغاثة والحلف.
فالاستعاذة: طلب العوذ – وهي الالتجاء إلى الله تعالى من الشر لإزالته أو دفعه (٢). والاستغاثة: طلب الغوث، وهي: إزالة الشدة، كالاستنصار وهو طلب النصر. ولا خلاف في أنه تجوز الاستغاثة بالمخلوق فيما كان قادرًا عليه من الأمور (٣) ومنه قول الله تعالى: وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ [الأنفال: ٧٢] وقوله: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص: ١٥]. وأما ما لا يقدر عليه إلا الله كغفران الذنوب وإنزال الرزق وكل ما هو من خصائص الربوبية فلا يستغاث فيه إلا بالله جل وعلا. قال الله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ [الأنفال: ٩]. وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ [فاطر: ٣].
والاستعاذة والاستغاثة نوعان من أنواع الدعاء – والدعاء عبادة كما أخبر الرسول ﷺ بقوله: «الدعاء هو العبادة» (٤) ثم تلا قول الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠]، ومن أقوال أهل العلم في أن الدعاء عبادة: (قال نعيم بن حماد في كتابه (الرد على الجهمية): دلت هذه الأحاديث على أن القرآن غير مخلوق، إذ لو كان مخلوقًا لم يستعذ بها، إذ لا يستعاذ بمخلوق، قال الله تعالى: فَاسْتَعِذْ بِاللهِ [الأعراف: ٢٠٠] وقال النبي ﷺ: «وإذا استعذت فاستعذ بالله» (٥) اهـ.
_________________
(١) «مدارج السالكين» (١/ ١٢٠ - ١٢١). وانظر: «تطهير الاعتقاد» (ص: ١١).
(٢) انظر: «فتج المجيد» (ص: ١٧٣).
(٣) انظر: «فتح المجيد» (ص: ١٧٦)، و«الدر النضيد» للشوكاني (ص: ١٤٤).
(٤) رواه أبو داود (١٤٧٩)، والترمذي (٢٩٦٩)، وابن ماجه (٣١٠١)، وأحمد (٤/ ٢٧١) (١٨٤١٥)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٤٥٠) (١١٤٦٤)، وابن حبان (٣/ ١٧٢) (٨٩٠)، والحاكم (١/ ٦٦٧). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال النووي في «الأذكار» (٤٧٨): إسناده صحيح.
(٥) لم أقف عليه بهذا اللفظ.
[ ١ / ٣٠١ ]
وهذا الكلام ساقه نعيم بن حماد ليدلل على أن القرآن غير مخلوق، وحجته في ذلك ما ورد في الاستعاذة بكلمات الله وأسمائه الحسنى، فلو كانت مخلوقة لم جازت الاستعاذة بها وهذا يؤكد أن هذه المسألة – وهي عدم جواز الاستعاذة بغير الله – كانت معلومة عند الموافق والمخالف، وإلا لما أوردها عليهم.
ونظير هذا الاستدلال وهذا القول: قول ابن خزيمة: فإنه قال: (أفليس العلم محيطًا يا ذوي الحجا أنه غير جائز أن يأمر النبي ﷺ بالتعوذ بخلق الله من شر خلقه؟ هل سمعتم عالمًا يجيز أن يقول الداعي: أعوذ بالكعبة من شر خلق الله؟ أو يجيز أن يقول الداعي: أعوذ بالصفا والمروة، أعوذ بعرفات ومنى من شر ما خلق الله؟ هذا لا يقوله ولا يجيز القول به مسلم يعرف دين الله، محال أن يستعيذ مسلم بخلق الله من شر خلقه) (١) اهـ.
وقد أورد الإمام البخاري في كتابه الصحيح باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها ضمن كتاب التوحيد، ثم ساق فيه تسعة أحاديث، ومقصوده بهذه الترجمة: إثبات أن أسماء الله تعالى غير مخلوقة، لأنه قد وردت الاستعاذة بها والسؤال بها، لأن المخلوق لا يستعاذ به ولا يسأل به.
ويؤكد صحة هذا المعنى الذي تدل عليه ترجمته هو أنه أورد في الباب تسعة أحاديث وتاسعها لفظه: «لا تحلفوا بآبائكم ومن كان حالفًا فليحلف بالله» (٢) وقد قال في كتابه خلق أفعال العباد: (٣) (وليس لأحد أن يحلف بالخواتيم والدراهم البيض وألواح الصبيان التي يكتبونها ثم يمحونها مرة بعد مرة، وإن حلف فلا يمين عليه لقول الله ﷿ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا [البقرة: ٢٢]).
فهذا نص واضح من الإمام البخاري يفيد أن الحلف بغير الله يعتبر شركًا، وإيراده حديث الأمر بالحلف بالله وحده في باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها يدل على أنه يرى عدم جواز السؤال والاستعاذة بغير الله تعالى، وهذا واضح.
والإطلاق الثالث للعبادة:
هو باعتبار المتوجه بها إليه: فمن توجه بعبادته لله تعالى كانت هذه العبادة توحيدًا، ومن توجه بها إلى غير الله كانت شركًا، فعن الثاني يقول الله جل وعلا فيمن دعا غيره: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر: ١٣ - ١٤] فدعاؤهم لغير الله عبادة لهم، وسماها الله تعالى شركًا، وهكذا كل عبادة من صلاة وصيام وزكاة وحج وغير ذلك إذا توجه بها صاحبها إلى الله تعالى كان ذلك توحيدًا، وإذا صرفها إلى غير الله تعالى كانت شركًا.
الإطلاق الرابع للعبادة: باعتبار ما يُلاحظ فيها من حق: فإن العبادة قد تطلق على معنى أخص وهو ما يقابل المعاملات، ولذلك فإن الفقهاء في كتب الفقه يدرجون أبوابًا في قسم العبادات وهي: الصلاة والزكاة والصيام والحج، وما عداها في باب المعاملات وهذا لا يعني أن العبادات منحصرة في المذكورات فقط بل تشمل غيرها، بل إن المعاملات نفسها داخلة في مسمى العبادة العام وذلك من جهة التزامها وفق الشرع. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٥٦
_________________
(١) «التوحيد» لابن خزيمة (١/ ٤٠١ - ٤٠٢).
(٢) رواه البخاري (٧٤٠١). من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) «خلق أفعال العباد» (ص: ١٥٩).
[ ١ / ٣٠٢ ]
المبحث الثالث: أركان العبادة
المطلب الأول: الركن الأول كمال الخضوع والذل
وهو أن يستكين العبد لله تعالى ويخضع له ويذل. والذل له أربع مراتب كما ذكر ابن القيم:
(المرتبة الأولى: مشتركة بين الخلق، وهي ذل الحاجة والفقر إلى الله، فأهل السموات والأرض جميعًا محتاجون إليه فقراء إليه، وهو وحده الغني عنهم، وكل أهل السموات والأرض يسألونه وهو لا يسأل أحدًا. المرتبة الثانية: ذل الطاعة والعبودية، وهو ذل الاختيار وهذا خاص بأهل طاعته وهو سر العبودية. والمرتبة الثالثة: ذل المحبة، فإن المحب ذليل بالذات، وعلى قدر محبته له يكون ذله.
والمرتبة الرابعة: ذل المعصية والجناية، فإذا اجتمعت هذه المراتب الأربع: كان الذل لله والخضوع له أكمل وأتم، إذ يذل له خوفًا وخشية، ومحبة وإنابة، وطاعة وفقرًا وفاقة) (١) اهـ. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٦٥
_________________
(١) «مدارج السالكين» (١/ ٢٢٤).
[ ١ / ٣٠٣ ]
المطلب الثاني: الركن الثاني كمال المحبة
فإن الذي يدل على اعتبار كمال الحب مع كمال الذل هو أن أصل التأله: التعبد وهو كما يقول ابن القيم: (التعبد آخر مراتب الحب، يقال: عبده الحب وتيمه إذا ملكه، وذلك لمحبوبه) (١) اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والعبادة تجمع كمال المحبة وكمال الذل، فالعابد محب خاضع، بخلاف من يحب من لا يخضع له، بل يحبه ليتوسل به إلى محبوب آخر، وبخلاف من يخضع لمن لا يحبه كما يخضع للظالم، فإن كلا من هذين ليس عبادة محضة) (٢) اهـ.
ومما يدل على أن هذا الحب ركن لابد منه قول الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ [البقرة: ١٦٥].
قال ابن القيم: (فأخبر أن من أحب من دون الله شيئًا كما يحب الله تعالى فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا، فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية، فإن أحدًا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند في الربوبية، بخلاف ند المحبة) (٣) اهـ. فإذا تبين هذا علم أن إفراد الله بالمحبة أصل العبادة، وهذا يستلزم أن يكون الحب كله لله ولأجله وفيه (٤).
ويوضح شيخ الإسلام ابن تيمية حقيقة حب الله وما يحب لله فيقول: (وكل ما أمر الله أن يحب ويعظم فإنما محبته وتعظيمه لله، فالله هو المحبوب المعظم في المحبة والتعظيم، والمقصود المستقر الذي إليه المنتهى، وأما ما سوى ذلك فيحب لأجل الله، أي لأجل محبة العبد لله يحب ما أحبه الله، فمن تمام محبة الشيء محبة محبوب المحبوب وبغض بغيضه، ويشهد لهذا الحديث: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله» (٥).) (٦) اهـ.
وشرط صحة المحبة: المتابعة التي لابد فيها من الصدق والإخلاص. ومما يدل على أن أتباع أمر المحبوب واجتناب نهيه لازم للمحبة قول الله تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ [آل عمران: ٣١] فجعل الله تعالى أتباعهم لرسوله ﷺ علامة على صدق محبتهم لله، وجعل حبه لهم مشروطًا بأتباعهم له، فعلم بهذا استحالة ثبوت محبتهم لله وثبوت محبة الله لهم بدون المتابعة للرسول ﷺ، وهذا يدل على أن المحبة مستلزمة للمتابعة (٧).
فإن لم تتحقق المتابعة والطاعة يكون مدعي المحبة كاذبًا في دعواه محبة الله ويكون من الكافرين، وهذا المعنى هو ما قررته الآية التي تلي الآية التي تقدم ذكرها، وهي قول الله تعالى: قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [آل عمران: ٣٢].
ومن العرض السابق يعلم أن للعبادة بمعنى التعبد شرطين هما: معرفة المعبود، ومعرفة دينه.
_________________
(١) «مدارج السالكين» (٣/ ٢٨).
(٢) «قاعدة في المحبة ضمن جامع الرسائل» (٢/ ٢٨٤).
(٣) «مدارج السالكين» (٣/ ٢١).
(٤) انظر: «مدارج السالكين» (١/ ١١٩).
(٥) رواه الطبراني (١١/ ٢١٥) (١١٥٣٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٧٠) (٩٥١٣) بلفظ: «أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله». من حديث ابن عباس ﵄. وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ٤٤٠) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.
(٦) «قاعدة في المحبة ضمن جامع الرسائل» (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨).
(٧) انظر: «تفسير الطبري» (٦/ ٣٢٢)، و«مدارج السالكين» (١/ ١١٩).
[ ١ / ٣٠٤ ]
فأما الشرط الأول وهو: معرفة المعبود ﷾ فهو واضح جدًا، فإنه حتى يتحقق الذل والخضوع للمعبود فإنه يشترط أن تتحقق معرفته، والسبيل إلى ذلك هو العلم بما للمعبود سبحانه من الأسماء والصفات ومعاني الربوبية فإنه (لا تكون العبادة إلا مع المعرفة للمعبود) (١).
وأما الشرط الثاني: وهو معرفة دينه – فإنه واضح في البيان المتقدم في شرط المحبة – فإن شرطها هو متابعة أوامر المعبود واجتناب نواهيه، وأوامره ونواهيه هي دينه الذي أنزله، ولا يمكن أن تتحقق المتابعة لدينه إلا بعد معرفته، ولذلك كانت معرفة دين الله شرطًا في التعبد. وقد بين ابن القيم مراتب العلم بالله وبدينه بقوله: (فأما العلم به سبحانه فخمس مراتب: العلم بذاته، وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، وتنزيهه عما لا يليق به. والعلم بدينه مرتبتان: إحداهما: دينه الأمري الشرعي وهو الصراط المستقيم الموصل إليه، والثانية: دينه الجزائي المتضمن ثوابه وعقابه، وقد دخل في هذا العلم: العلم بملائكته وكتبه ورسله) (٢) اهـ. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ١/ ٦٥
العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له فإن آخر مراتب الحب هو التتيم وأوله العلاقة لتعلق القلب بالمحبوب ثم الصبابة لانصباب القلب إليه ثم الغرام وهو الحب اللازم للقلب ثم العشق وآخرها التتيم يقال تيم الله أي عبد الله فالمتيم المعبد لمحبوبه ومن خضع لإنسان مع بعضه له لا يكون عابدا له ولو أحب شيئا ولم يخضع له لم يكن عابدا له كما قد يحب ولده وصديقه ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا الله وكل ما أحب لغير الله فمحبته فاسدة وما عظم بغير أمر الله كان تعظيمه باطلا قال الله تعالى: قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره [التوبة:٢٤] فجنس المحبة تكون لله ورسوله كالطاعة فإن الطاعة لله ورسوله والإرضاء لله ورسوله والله ورسوله أحق أن يرضوه والإيتاء لله ورسوله وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٥٩] مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١٠/ ١٥٣
والعبودية مدارها على قاعدتين هما أصلها: حب كامل وذل تام ومنشأ هذين الأصلين هما مشاهدة المنة التي تورث المحبة ومطالعة عيب النفس والعمل التي تورث الذل التام وإذا كان العبد قد بنى سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين لم يظفر عدوه به إلا على غرة وغيلة وما أسرع ما ينعشه الله ﷿ ويجبره ويتداركه برحمته الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب لمحمد بن أبي بكرابن قيم الجوزية - ص١١
ولابد في عبادته من أصلين أحدهما: إخلاص الدين له، والثاني: موافقة أمره الذي بعث به رسله ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئًا وقال الفضيل بن عياض: في قوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا [هود:٧] قال: أخلصه وأصوبه قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه قال: إذا كان العمل خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١/ ٣٣٣
ومن لا إخلاص له ولا متابعة فليس عمله موافقا للشرع: وليس هو خالصا للمعبود كأعمال المتزينين للناس المرائين لهم بما لم يشرعه الله ورسوله وهؤلاء شرار الخلق وأمقتهم إلى الله ﷿ ولهم أوفر نصيب من قوله: لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ [آل عمران:١٨٨] يفرحون بما أتوا من البدعة والضلالة والشرك ويحبون أن يحمدوا باتباع السنة والإخلاص وهذا الضرب يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إلى العلم والفقر والعبادة عن الصراط المستقيم فإنهم يرتكبون البدع والضلالات والرياء والسمعة ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوه من الاتباع والإخلاص والعلم فهم أهل الغضب والضلال مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية - ١/ ٨٤
_________________
(١) «الفروق في اللغة» لأبي هلال العسكري (ص: ٢١٥).
(٢) «مدارج السالكين» (١/ ١٢٨).
[ ١ / ٣٠٥ ]
المبحث الرابع: بيان مُستَحِقِّها
الذي يستحق العبادة هو الله جل وعلا وحده دون غيره، فإن العبادة لا تكون إلا للخالق المنعم قال الله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥] وهذا أسلوب يفيد الحصر والاختصاص (١)، ومعنى هذه الآية مركب من أمرين: نفي وإثبات، فالنفي: خلع جميع المعبودات بغير حق في جميع أنواع العبادات. والإثبات: إفراد الله تعالى وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه المشروع، فقوله: إِيَّاكَ يفيد الحصر: أي لا أحدًا سواك، وهذا هو النفي، أما الإثبات ففي قوله: نعبد أي وحدك، وهذا المعنى يستفاد من آيات كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦] وقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة: ٢١] فهذا إثبات، ثم ذكر النفي في آخر الآية التالية: فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢] ومنها قوله: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ [البقرة: ٢٥٦]. فالنفي في قوله: (فمن يكفر) والإثبات في قوله: (ويؤمن بالله) (٢).
ومن الآيات الدالة على استحقاق الله للعبادة وحده دون ما سواه قول الله تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [الزخرف: ٨٧] والمعنى كما قال ابن جرير: (فأي وجه يصرفون عن عبادة الذي خلقهم ويحرمون إصابة الحق في عبادته!) (٣).
وبالجملة فإن العبادة: (لا يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى) (٤)
وأما سببها الذي تستحق به فهو الاتصاف بصفات الكمال والتنزه عن النقص فالله هو الخالق لجميع الخلق والمسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة، وكلهم مفتقرون إليه ويرغبون نعمته وفضله، فالحاجة والرغبة في نعمته وفضله يبعثان على الانقياد لله والخضوع له (٥) وبه يعلم أن العبادة: (لا تستحق إلا بغاية الإنعام) (٦) وقال ابن كثير (إنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره، ولهذا قال: فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢].) (٧) اهـ.
فلما كان هو المالك المتصرف في الأمور كيف شاء، كان له سبحانه أن يأمر بما يشاء وينهى، وإنه سبحانه قد أمر بعبادته وحده لا شريك له ونهى عن عبادة غيره.
ويدل على صحة ما ذكرته من السبب الذي تستحق به العبادة ما يذكره الله تعالى من أدلة دالة على استحقاقه وحده العبادة دون غيره، ومن ذلك: بيان أنه الخالق الرازق المنعم، وبيان أن غيره عاجز ضعيف لا يملك شيئًا، وبيان أن الأمر كله له شرعًا وجزاءً وبهذا يتضح سبب وقوع بعض الناس في الشرك بالله تعالى، وذلك لظنهم أن غير الله تعالى يكون منعمًا بشيء استقلالًا أو له تأثير في التصرف ونحو ذلك فيقع في تعظيمه والخوف منه ورهبته ورجائه، وتلك هي عبادته.
والأدلة الدالة على استحقاق الله تعالى العبادة والسبب الذي استحق به العبادة كثيرة، وسأكتفي بذكر دليلين فقط – الأول: في أفضل سورة في القرآن، والثاني: في أعظم آية في القرآن.
_________________
(١) انظر: «شرح الكوكب المنير» (٣/ ٥٢١)، و«أضواء البيان» (١/ ٤١ - ٤٢).
(٢) انظر: «أضواء البيان» (١/ ٤١ - ٤٢).
(٣) «تفسير الطبري» (٢١/ ٦٥٥).
(٤) «مفردات ألفاظ القرآن» للراغب (ص: ٥٤٢).
(٥) انظر: «رسالة الشرك ومظاهره» (ص: ٨٨).
(٦) «الفروق في اللغة» لأبي هلال العسكري (ص: ٢١٥).
(٧) «تفسير ابن كثير» (١/ ٥٧).
[ ١ / ٣٠٦ ]
فالدليل الأول وهو سورة الفاتحة: فإن قول الله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥] جاء بعد آيات تضمنت الحمد لله والثناء الحسن له، وأنه رب العالمين المنعم عليهم بأنواع النعم التي لا تحصى، وأنه الرحمن الرحيم بعباده، والمجازي لهم يوم الدين، فمجيء تلك الآية بعد هذه الآيات يدل على أن ما ذكر قبلها سبب في استحقاق الله جل وعلا للعبادة وحده دون سواه، فإنه قد حمد نفسه بما له من الصفات العظيمة، وبين أنه رب العالمين أي سيدهم وخالقهم ومربيهم ومدبر أمرهم، فله أن يأمرهم بما يشاء، وبين أنه الرحمن الرحيم، فهذان اسمان يبعثان على الرغبة فيما عند الله، ويدفعان توهم بعض المشركين من أنه لا يمكن التقرب إلى الله إلا بواسطة لكثرة الذنوب والمعاصي، ثم بين ملكه ليوم الدين فيبعث هذا على عبادة الله وحده لأنه هو المجازي وحده، وهو الذي يملك الشفاعة ولا يشفع عنده أحد إلا بعد إذنه للشافع ورضاه عن المشفوع له.
وأما الدليل الثاني وهو: آية الكرسي التي هي أعظم آية في القرآن – فإن فيها بيان استحقاق الله تعالى وحده للعبادة والسبب الذي استحق به العبادة – وبيان ذلك: أن الله تعالى بدأها بأنه هو المستحق للعبادة فقال: اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ثم ذكر بعد ذلك من الصفات ما يدل على أنه بها قد استحق العبادة فقال: الْحَيُّ الْقَيُّومُ فالحي اسم دال على حياة الله الكاملة المقتضية كمال علمه وعزته وقدرته وغير ذلك من صفاته الذاتية، والْقَيُّومُ اسم دال على قيام الله بنفسه وقيامه بخلق الموجودات وإحكامها ورزقها وتدبيرها ثم قال: لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ فنفى هذه النقائص ليؤكد كمال ما ذكره من اسميه الْحَيُّ الْقَيُّومُ هذا يقتضي الاعتماد على الله جل وعلا وحده كما قال: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وقال: أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ [الرعد: ٣٣] والمعنى كما قال ابن جرير: (أفالرب الذي هو دائم لا يبيد ولا يهلك قائم بحفظ أرزاق جميع الخلق، متضمن لها، عالم بهم وبما يكسبونه من الأعمال، رقيب عليهم لا يعزب عنه شيء أينما كانوا كمن هو هالك بائد لا يسمع ولا يبصر ولا يفهم شيئًا ولا يدفع عن نفسه ولا عمن يعبده ضرا ولا يجلب إليهما نفعًا كلاهما سواء؟!) (١) اهـ والمقصود هنا ذم من أشرك بالله غيره وهو يعلم أن غيره لا يستحق العبادة، وقد بين الله أنه هو وحده المستحق للعبادة بما ذكره من صفاته سبحانه. ثم بين الله ملكه لكل شيء في آية الكرسي فقال: لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ قال ابن جرير: (وإنما يعني بذلك أنه لا تنبغي العبادة لشيء سواه، لأن المملوك إنما هو طوع يد مالكه وليس له خدمة غيره إلا بأمره) (٢) اهـ.
ثم قال الله تعالى بعدها مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ وفيه رد على زعم المشركين بعد إقرارهم ما تقدم في أول آية الكرسي من أن الله هو الخالق والمالك فزعموا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣] فبين الله تعالى أنه لا يشفع عنده أحد لأحد إلا بعد تخليته إياه من العذاب وإذنه بالشفاعة لمن يشفع له من رسله وأوليائه وأهل طاعته ثم قال تعالى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ والمقصود بيان وجوب إخلاص الدين لله تعالى الذي هو محيط بكل شيء علمًا. ثم بين الله تعالى أن ما سواه لا يعلم شيئًا إلا إذا شاء تعليمه فقال: وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء والمقصود بيان أن العبادة لا تنبغي لمن كان جاهلًا (٣). وهكذا سياق الآية إلى آخرها
وعليه فإنه يعلم مما تقدم أن لاستحقاق الله وحده العبادة دون سواه سببين:
الأول: اتصاف الله جل وعلا بصفات الكمال وتنزهه عن صفات النقص، ومن صفاته: إنعامه وإفضاله على خلقه الباعثان على الرغبة فيما عند الله والقيام بعبادته وشكره، والخوف منه.
الثاني: أمره الشرعي، فالله جل وعلا له الملك وله الأمر فهو مالك لخلقه يتصرف فيهم بأمره، وقد أمرهم بعبادته وترك عبادة غيره. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف - بتصرف– ١/ ٦٩
_________________
(١) «تفسير الطبري» (١٦/ ٤٦٢).
(٢) «تفسير الطبري» (٥/ ٣٩٥).
(٣) «تفسير الطبري» (١٢/ ١٥).
[ ١ / ٣٠٧ ]
الفصل الخامس: الولاء والبراء
المبحث الأول: تعريف الولاء والبراء
الولاء في اللغة: جاء في لسان العرب: الموالاة - كما قال ابن الأعرابي -: أن يتشاجر اثنان فيدخل ثالث بينهما للصلح، ويكون له في أحدهما هوى فيواليه أو يحابيه. ووالى فلان فلانًا: إذا أحبه.
والمولى: اسم يقع على جماعة كثيرة، فهو: الرب، والمالك، والسيد والمنعم، والمعتق، والناصر، والمحب، والتابع، والجار، وابن العم، والحليف، والعقيد، والصهر، والعبد، والمعتق، والمنعم عليه. ويلاحظ في هذه المعاني أنها تقوم على النصرة والمحبة (١)
والولاية – بالفتح - في النسب والنصرة والعتق.
والموالاة – بالضم - من والى القوم. قال الشافعي في قوله ﷺ: «من كنت مولاه فعلي مولاه» (٢) يعني بذلك ولاء الإسلام، كقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:١١].
والموالاة ضد المعاداة، والولي ضد العدو، قال تعالى: يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا [مريم:٤٥].
قال ثعلب: كل من عبد شيئًا من دون الله فقد اتخذه وليًا. وقوله تعالى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ [البقرة:٢٥٧]. وليهم في نصرهم على عدوهم، وإظهار دينهم على دين مخالفيهم. وقيل: وليهم، أي: يتولى ثوابهم ومجازاتهم بحسن أعمالهم.
والولي: القرب والدنو (٣). والموالاة: المتابعة.
والتولي: يكون بمعنى الإعراض، ويكون بمعنى الاتباع. قال تعالى: وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ [محمد:٣٨]. أي: أن تعرضوا عن الإسلام.
وقوله تعالى: وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:٥١].
معناه: من يتبعهم وينصرهم (٤).
وقال صاحب (المصباح المنير) الولي: فعيل بمعنى فاعل، من وليه إذا قام به، ومنه قوله تعالى: الله ولي الذين ءامنوا [البقرة:٢٥٧].
ويكون الولي: بمعنى مفعول، في حق المطيع، فيقال: المؤمن ولي الله. ووالاه موالاة وولاء: من باب (قاتل) أي تابعه (٥).
تعريف البراء في اللغة: قال ابن الأعرابي: بَرِئ إذا تخلص، وبَرِئ، إذا تنزه وتباعد، وبَرِئ: إذا أعذر وأنذر، ومنه قوله تعالى: بَرَاءةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ [التوبة:١] أي: إعذار وإنذار.
وفي حديث أبي هريرة ﵁ لما دعاه عمر إلى العمل فأبى قال عمر: (إن يوسف قد سأل العمل، فقال أبو هريرة: إن يوسف مني بريء وأنا منه براء) (٦). أي برئ عن مساواته في الحكم وأن أقاس به، ولم يرد براءة الولاية والمحبة لأنه مأمور بالإيمان به، انتهى من (النهاية).
والبراء والبريء سواء.
وليلة البراء: ليلة يتبرأ القمر من الشمس، وهي أول ليلة من الشهر (٧).
_________________
(١) «لسان العرب» لابن منظور (٣/ ٩٨٥ - ٩٨٦)، وانظر: «القاموس المحيط» (ص٢٩٤).
(٢) رواه الترمذي (٣٧١٣)، وأحمد (١/ ١١٨) (٩٥٠)، والحاكم (٣/ ١١٨). من حديث زيد بن الأرقم ﵁. قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٥/ ٤٢٣) - كما أشار لذلك في المقدمة -. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.
(٣) «لسان العرب» (٣/ ٩٨٦).
(٤) «لسان العرب» (٣/ ٩٨٨).
(٥) «المصباح المنير» للفيومي (٢/ ٨٤١).
(٦) هذا الأثر ذكره ابن الأثير في كتابه «النهاية في غريب الأحاديث» (١/ ١١٢) تحقيق الزاوي والطناحي.
(٧) «لسان العرب» (١/ ١٨٣)، و«القاموس المحيط» (١/ ٨).
[ ١ / ٣٠٨ ]
تعريف الولاء بالمعنى الاصطلاحي: الولاية هي النصرة والمحبة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين ظاهرًا. قال تعالى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ [البقرة:٢٥٧] (١).
فموالاة الكفار تعني التقرب إليهم وإظهار الود لهم، بالأقوال والأفعال والنوايا (٢).
تعريف البراء بالمعنى الاصطلاحي: هو البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار.
شرح تعريف الولاء والبراء: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الولاية: ضد العداوة: البغض والبعد والولي: القريب يقال: هذا يلي هذا: أي يقرب منه، ومنه قوله ﷺ: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» (٣) أي: لأقرب رجل إلى الميت.
فإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه، ويبغضه ويسخطه ويأمر به وينهى عنه، كان المعادي لوليه معاديًا له. كما قال تعالى: لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة:١]. فمن عادى أولياء الله فقد عاداه، ومن عاداه فقد حاربه ولهذا جاء في الحديث: «ومن عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة» (٤) (٥).
ومسمى الموالاة (لأعداء الله): يقع على شعب متفاوتة منها ما يوجب الردة وذهاب الإسلام بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات (٦). ولما عقد الله الأخوة والمحبة والموالاة والنصرة بين المؤمنين، ونهى عن موالاة الكافرين كلهم من يهود ونصارى وملحدين ومشركين وغيرهم كان من الأصول المتفق عليها بين المسلمين: أنّ كل مؤمن موحّد تارك لجميع المكفرات الشرعية تجب محبته وموالاته ونصرته، وكل من كان بخلاف ذلك وجب التقرب إلى الله ببغضه ومعاداته، وجهاده باللسان واليد بحسب القدرة والإمكان.
وحيث إن الولاء والبراء تابعان للحب والبغض، فإن أصل الإيمان أن تحب في الله أنبياءه وأتباعهم، وتبغض في الله أعداءه وأعداء رسله (٧).
_________________
(١) «شرح الطحاوية» (ص٤٠٣)، و«تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد» (ص٤٢٢).
(٢) كتاب «الإيمان» لنعيم ياسين (ص١٤٥).
(٣) رواه البخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥). من حديث ابن عباس ﵁.
(٤) رواه البخاري (٦٥٠٢) بلفظ: «إن الله قال: من عادى لى وليًا فقد آذنته بالحرب ..». من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه الطبراني في «الأوسط» (١/ ١٩٢) بلفظ: (من أهان لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة). من حديث أنس بن مالك ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٧٠): رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه: عمر بن سعيد أبو حفص الدمشقي وهو ضعيف. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٧٧٥): ضعيف جدًا. وقال في «السلسلة الصحيحة» (٢/ ٣٨٤): إسناده ضعيف، مسلسل بالعلل.
(٥) «الفرقان» لابن تيمية (ص٧).
(٦) انظر: «الرسائل المفيدة» للشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ (ص٤٣).
(٧) انظر: «الفتاوى السعدية» للشيخ عبدالرحمن بن سعدي (١/ ٩٨).
[ ١ / ٣٠٩ ]
وقد ورد عن ابن عباس ﵄ قوله: من أحب في الله، وأبغض في الله ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئًا (١).
وإذا كان حبر هذه الأمة يذكر أن مؤاخاة الناس في زمانه قد أصبحت على أمر الدنيا وأن ذلك لا يجدي على أهله شيئًا، وهذا في القرن الذي هو خير القرون: فجدير بالمؤمن أن يعي ويعرف من يحب ومن يبغض، ومن يوالي ومن يعادي ثم يزن نفسه بميزان الكتاب والسنة ليرى أواقف هو في صفّ الشيطان وحزبه أم في صفّ عباد الرحمن وحزب الله الذين هم المفلحون، وما عداهم فأولئك هم الذين خسروا الدنيا والآخرة!
وإذا أصبحت المؤاخاة والمحبة على أمر الدنيا - كما قال الصحابي الجليل عبدالله بن عباس - فإن تلك المحبة والمؤاخاة لا تلبث أن تزول بزوال العرض الزائل وحينئذ لا يكون للأمة شوكة ومنعة أمام أعدائها.
وفي عصرنا الحاضر عصر المادة والدنيا قد أصبحت محبة الناس في الأغلب على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئًا. ولن تقوم للأمة الإسلامية قائمة إلا بالرجوع إلى الله والاجتماع على الحب فيه والبغض فيه والولاء له والبراء ممن أمرنا الله بالبراء منه، وعندئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. الولاء والبراء في الإسلام لمحمد بن سعيد القحطاني – ص٨٧
_________________
(١) رواه محمد بن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (١/ ٤٠٦)، والعدني في «الإيمان» (٦٣)، وأورده السيوطي في «الدر المنثور» (٨/ ٨٧) وقال: وأخرج ابن أبي شيبة، والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول»، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ثم ذكره بنحوه وفيه الليث بن أبي سليم قال عنه ابن حجر في «تقريب التهذيب» (٢/ ٤٨): صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه.
[ ١ / ٣١٠ ]
المبحث الثاني: أهمية الولاء والبراء
إن الولاء والبراء شرط في الإيمان، كما قال سبحانه: تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [المائدة:٨٣ - ٨٤].
يقول ابن تيمية عن هذه الآية: فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وجد الشرط، وجد المشروط بحرف (لو) التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط، فقال: وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء، ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه (١).
والولاء والبراء أوثق عرى الإيمان، كما قال ﷺ: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله» (٢).
يقول الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب: فهل يتم الدين أو يقام علم الجهاد، أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في دين الله والبغض في الله، والمعاداة في الله والموالاة في الله، ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة، ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء، لم يكن فرقانًا بين الحق والباطل، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (٣).
ويقول الشيخ حمد بن عتيق: فأما معاداة الكفار والمشركين فاعلم أن الله ﷾ قد أوجب ذلك، وأكد إيجابه وحرّم موالاتهم وشدد فيها، حتى إنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد، وتحريم ضده (٤).
وقد كان النبي ﷺ يبايع أصحابه على تحقيق هذا الأصل العظيم، فعن جرير بن عبدالله البجلي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله أبسط يدك حتى أبايعك واشترط علي فأنت أعلم قال: «أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين» (٥).
وجاء من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: " قلت يا نبي الله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عددهن - لأصابع يديه - ألا آتيك، ولا آتي دينك، وإني كنت امرءًا لا أعقل شيئًا إلا ما علمني الله ورسوله، وإني أسألك بوجه الله ﷿ بما بعثك ربك إلينا؟ قال: بالإسلام، قال: قلت: وما آيات الإسلام؟ قال: أن تقول: أسلمت وجهي إلى الله ﷿ وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، كل مسلم على مسلم محرم، أخوان نصيران، لا يقبل الله ﷿ من مشرك بعدما أسلم عملًا أو يفارق المشركين إلى المسلمين (٦).
_________________
(١) «الإيمان» (ص١٤).
(٢) رواه الطبراني (١١/ ٢١٥). من حديث ابن عباس ﵄. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٥٣٩).
(٣) رسالة «أوثق عرى الإيمان» (ص٣٨).
(٤) «النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الاشراك» (ضمن مجموعة التوحيد) (ص٣٦٣).
(٥) رواه النسائي (٧/ ١٤٨)، وأحمد (٤/ ٣٦٥) (١٨٢٥٨). وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: صحيح.
(٦) رواه النسائي (٥/ ٨٢)، وأحمد (٥/ ٤) (٢٠٠٥٥)، والحاكم (٤/ ٦٤٣). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: حسن.
[ ١ / ٣١١ ]
وما أجمل تلك العبارة التي سطرها أبو الوفاء بن عقيل قائلًا: إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة، عاش ابن الراوندي والمعري عليهما لعائن الله ينظمون وينثرون كفرًا وعاشوا سنين، وعظمت قبورهم، واشتريت تصانيفهم، وهذا يدل على برودة الدين في القلب (١).
وأما معنى الولاء فهو المحبة والمودة والقرب، والبراء هو البغض والعداوة والبعد، والولاء والبراء من أعمال القلوب، لكن تظهر مقتضياتهما على اللسان والجوارح.
يقول الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ: وأصل الموالاة الحب، وأصل المعادة البغض، وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة كالنصرة والأنس والمعاونة، وكالجهاد والهجرة، ونحو ذلك من الأعمال (٢).
والولاء لا يكون إلا لله تعالى ولرسوله ﷺ، وللمؤمنين قال سبحانه: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة:٥٥].
فالولاء للمؤمنين يكون بمحبتهم لإيمانهم، ونصرتهم، والنصح لهم، والدعاء لهم، والسلام عليهم، وزيارة مريضهم، وتشييع ميتهم، وإعانتهم، والرحمة بهم، وغير ذلك (٣).
والبراءة من الكفار تكون ببغضهم - دينًا - ومفارقتهم، وعدم الركون إليهم، أو الإعجاب بهم، والحذر من التشبه بهم، وتحقيق مخالفتهم شرعًا، وجهادهم بالمال واللسان والسنان، ونحو ذلك من مقتضيات العداوة في الله (٤).
٢ - ولما كانت موالاة الكفار تقع على شعب متفاوتة، وصور مختلفة، لذا فإن الحكم فيها ليس حكمًا واحدًا، فإن من هذه الشعب والصور ما يوجب الردة، ونقض الإيمان بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من المعاصي (٥).
يقول الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ: ولفظ الظلم والمعصية والفسوق والفجور والموالاة والمعاداة والركون والشرك ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة، قد يراد بها مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة، والأول هو الأصل عند الأصوليين، والثاني لا يحمل الكلام عليه إلا بقرينة لفظية أو معنوية، وإنما يعرف ذلك بالبيان النبوي، وتفسير السنة (٦).
وهذه الموالاة التي تناقض الإيمان، قد تكون اعتقادًا فحسب، وقد تظهر في أقوال وأعمال. والذي يهمنا في هذا المبحث الموالاة العملية، حيث سنورد مسألة مظاهرة الكفار على المسلمين كمثال لتلك الموالاة، وقبل أن نفصل الحديث عن تلك المسألة، فإننا نوضح - باختصار - جملة من الأمثلة على تلك الموالاة العملية، نظرًا لعظم خطرها، وسعة انتشارها، وكثرة الوقوع فيها، فنذكر منها ما يلي:
_________________
(١) «الآداب الشرعية» لابن مفلح (١/ ٢٦٨).
(٢) «الدرر السنية» (٢/ ١٥٧).
(٣) انظر: تفصيل ذلك في رسالة «أوثق عرى الإيمان» لسليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب (ص٤٩ - ٥١)، وكتاب «الولاء والبراء» لمحمد القحطاني، و«الموالاة والمعاداة» لمحماس الجلعود.
(٤) انظر: تفصيل ذلك في رسالة «أوثق عرى الإيمان» لسليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب (ص٤٩ - ٥١)، وكتاب «الولاء والبراء» لمحمد القحطاني، و«الموالاة والمعادة» لمحماس الجلعود.
(٥) انظر: «الدرر السنية» (٧/ ١٥٥، ١٥٩، ٢٢٠)، و«مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» (٣/ ١٠، ٣١، ٣٨، ٥٧).
(٦) «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» (٣/ ٧).
[ ١ / ٣١٢ ]
أ- من أقام ببلاد الكفر رغبةً واختيارًا لصحبتهم، فيرضى ما هم عليه من الدين، أو يمدحه، أو يرضيهم بعيب المسلمين، فهذا كافر عدو لله ورسوله، لقوله تعالى: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ [آل عمران:٢٨] (١).
يقول ابن رشد: فإذا وجب بالكتاب والسنة وإجماع الأمة على من أسلم ببلد الحرب أن يهاجر، ويلحق بدار المسلمين ولا يثوي بين المشركين، ويقيم بين أظهرهم لئلا تجري عليه أحكامهم، فكيف يباح لأحد الدخول إلى بلادهم حيث تجري علينا أحكامهم في تجارة أو غيرها، وقد كره مالك رحمه الله تعالى أن يسكن أحد ببلد يسب فيه السلف فكيف ببلد يكفر فيه بالرحمن، وتعبد فيه من دونه الأوثان، ولا تستقر نفس أحد على هذا إلا وهو مسلم سوء، مريض الإيمان (٢).
ومما حرره ابن حزم في هذه المسألة قوله: قد علمنا أن من خرج عن دار الإسلام إلى دار الحرب فقد أَبِقَ عن الله تعالى، وعن إمام المسلمين وجماعتهم، ويبين هذا حديثه ﷺ أنه بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين (٣) وهو ﵇ لا يبرأ إلا من كافر، قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [التوبة:٧١].
قال أبو محمد: فصح بهذا أن من لحق بدار الكفر والحرب مختارًا محاربًا لمن يليه من المسلمين، فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها من وجوب القتل عليه، متى قدر عليه، ومن إباحة ماله، وانفساخ نكاحه وغير ذلك لأن رسول الله ﷺ لم يبرأ من مسلم. وأما من فرّ إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يحارب المسلمين، ولا أعانهم عليه، ولم يجد في المسلمين من يجيره فهذا لا شيء عليه؛ لأنه مضطر مكره (٤).
ويقول في موضع آخر: من لحق بأرض الشرك بغير ضرورة فهو محارب، هذا أقل أحواله إن سلم من الردة بنفس فراقه جماعة الإسلام، وانحيازه إلى أرض الشرك (٥).
ويقول ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء:٩٧]: هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا بالإجماع (٦).
ولما سئل أحمد بن يحيى الونشريسي عن قوم من الأندلسيين هاجروا من بلادهم الأندلس - وقد كانت دار شرك - إلى دار الإسلام في بلاد المغرب
_________________
(١) انظر: «الدفاع عن أهل السنة والاتباع» لحمد بن عتيق (ص١٢)، و«الدرر السنية» (٧/ ٢٠٢).
(٢) «مقدمات ابن راشد» (٢/ ٦١٢، ٦١٣).
(٣) الحديث: رواه أبو داود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤). من حديث جرير بن عبد الله ﵁. قال البخاري في «البدر المنير» (٩/ ١٦٣): الصحيح أنه مرسل. وقال ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ٣٦٩): صحيح. وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٢٩٨): إسناده صحيح. وقال ابن دقيق العيد في «الإلمام» (٢/ ٤٥٤): صحيح على طريقة بعض أهل الحديث - كما اشترط على نفسه في المقدمة -. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٣/ ٤٠٨) –كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
(٤) «المحلى» (١٣/ ١٣٨، ١٣٩).
(٥) «المحلى» (١٣/ ٣١).
(٦) تفسير ابن كثير ١/ ٥١٤.
[ ١ / ٣١٣ ]
ثم ندموا على تلك الهجرة، وسخطوا وصرحوا بذم دار الإسلام، ومدح دار الكفر وأهله فكتب ﵀ جوابًا مبسوطًا عن هذه النازلة، بعنوان: (أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر، وما يترتب عليه من العقوبات والزواجر) (١) فأورد النصوص الشرعية في تحريم الموالاة الكفرية، ووجوب الهجرة إلى دار الإسلام ثم قال: وتكرار الآيات في هذا المعنى وجريها على نسق وتيرة واحدة مؤكد للتحريم، ورافع للاحتمال المتطرق إليه، فإن المعنى إذا نُصّ عليه وأُكّد بالتكرار فقد ارتفع الاحتمال لا شك، فتتعاضد هذه النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والاجتماعات القطعية على هذا النهي، فلا تجد في تحريم هذه الإقامة، وهذه الموالاة الكفرانية مخالفًا من أهل القبلة المتمسكين بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فهو تحريم مقطوع به من الدين ومن خالف الآن في ذلك أو رام الخلاف من المقيمين معهم والراكنين إليهم، فجوز هذه الإقامة واستخفّ أمرها واستسهل حكمها، فهو مارق من الدين، ومفارق لجماعة المسلمين، ومحجوج بما لا مدفع فيه لمسلم، ومسبوق بالإجماع الذي لا سبيل إلى مخالفته وخرق سبيله (٢).
وجاء في آخر فتواه، قوله للسائل: وما ذكرت عن هؤلاء المهاجرين من قبيح الكلام وسبّ دار الإسلام، وتمني الرجوع إلى دار الشرك والأصنام، وغير ذلك من الفواحش المنكرة التي لا تصدر إلا من اللئام، يوجب لهم خزي الدنيا والآخرة وينزلهم أسوأ المنازل، والواجب على من مكنه الله في الأرض ويسره لليسرى أن يقبض على هؤلاء وأن يرهقهم العقوبة الشديدة، والتنكيل المبرح ضربًا وسجنًا حتى لا يتعدوا حدود الله؛ لأن فتنة هؤلاء أشد ضررًا من فتنة الجوع والخوف ونهب الأنفس والأموال، وذلك أن من هلك هنالك فإلى رحمة الله تعالى وكريم عفوه، ومن هلك دينه فإلى لعنة الله وعظيم سخطه، فإن محبة الموالاة الشركية، والمساكنة النصرانية والعزم على رفض الهجرة والركوب إلى الكفار، والرضى بدفع الجزية إليهم، ونبذ العزة الإسلامية، والطاعة الإمامية، والبيعة السلطانية، وظهور السلطان النصراني عليها وإذلاله إياها فواحش عظيمة مهلكة قاصمة للظهر يكاد أن تكون كفرًا والعياذ بالله (٣).
ويقول الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ: الإقامة ببلد يعلو فيها الشرك والكفر، ويظهر الرفض، ودين الإفرنج ونحوهم من المعطلة للربوبية والإلهية، وترفع فيها شعائرهم، ويهدم الإسلام والتوحيد، ويعطل التسبيح والتكبير والتحميد، وتقلع قواعد الملة والإيمان، ويحكم بينهم بحكم الإفرنج واليونان، ويشتم السابقون من أهل بدر وبيعة الرضوان، فالإقامة بين أظهرهم والحالة هذه لا تصدر عن قلب باشره حقيقة الإسلام والإيمان والدين بل لا يصدر عن قلبٍ رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا، فإن الرضى بهذه الأصول الثلاثة قطب الدين، وعليه تدور حقائق العلم واليقين، وفي قصة إسلام جرير بن عبدالله أنه قال يا رسول الله بايعني واشترط، فقال الرسول ﷺ: «تعبدالله ولا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وأن تفارق المشركين» أخرجه أبو عبدالرحمن النسائي (٤)، وفيه إلحاق مفارقة المشركين بأركان الإسلام ودعائمه العظام.
_________________
(١) انظر المعيار المعرب ٢/ ١١٩ - ١٣٥
(٢) «المعيار المعرب» ٢/ ١٢٣، ١٢٤ = باختصار.
(٣) «المعيار المعرب» (٢/ ١٣٢)، وانظر ما كتبه الونشريسي من مفاسد الإقامة في ديار الكفر في كتابه «المعيار» (٢/ ١٣٧ - ١٤١).
(٤) رواه النسائي (٧/ ١٤٨)، وأحمد (٤/ ٣٦٥) (١٨٢٥٨). وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: صحيح.
[ ١ / ٣١٤ ]
ب- من أطاع الكفار في التشريع والتحليل والتحريم، فأظهر الموافقة في ذلك، فهو كافر وخارج عن الملة، وسنورد بعض النصوص القرآنية في هذا الشأن:
يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:١٠٠].
ومما قاله أبو السعود في تفسير هذه الآية: وتعليق الرد بطاعة فريق منهم للمبالغة في التحذير عن طاعتهم وإيجاب الاجتناب عن مصاحبتهم بالكلية، فإنه في قوة أن يقال: لا تطيعوا فريقًا (١).
وتأمل قوله تعالى: إِن تُطِيعُواْ .. (فإن هذا الفعل جاء مطلقًا، فحذف المتعلق المعمول فيه، ليفيد تعميم المعنى (٢)، فالآية الكريمة تحذر أيّما تحذير عن طاعة أهل الكتاب - فضلًا عن غيرهم من أصناف الكفار - في جميع الأحوال وسائر شؤون الحياة.
ويقول ﷿: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ [آل عمران:١٤٩].
يقول الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب: عند هذه الآية: أخبر تعالى أن المؤمنين إن أطاعوا الكفار فلا بد أن يردوهم على أعقابهم عن الإسلام، فإنهم لا يقنعون منهم بدون الكفر، وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك صاروا من الخاسرين في الدنيا والآخرة، ولم يرخص في مواقفهم وطاعتهم خوفًا منهم. وهذا هو الواقع فإنهم لا يقتنعون ممن وافقهم إلا بشهادة أنهم على حقٍّ وإظهار العداوة والبغضاء للمسلمين (٣).
ويقول ﷾: وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام: ١٢١].
فصرح تعالى بأنهم مشركون في طاعة أولئك الكفار، حينما وافقوهم في تحليل أو تحريم (٤).
وقال ﵎: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ [محمد:٢٥، ٢٦].
فهذا النوع من الموالاة كان سببًا في ردة أولئك القوم (٥)، ولذا يقول ابن حزم: فجعلهم مرتدين كفارًا بعد علمهم الحق، وبعد أن تبيّن لهم الهدى بقولهم للكفار ما قالوا فقط، وأخبرنا تعالى أنه يعرف إسرارهم (٦).
ويقول القاسمي في (تفسيره): ذلك إشارة إلى ما ذكر من ارتدادهم، بِأَنَّهُمْ أي: لسبب أنهم قَالُوا أي: المنافقون الذين كرهوا ما نزل الله أي: اليهود الكارهين لنزول القرآن على رسول الله ﷺ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ أي بعض أموركم، أو ما تأمرون به كما أوضح ذلك قوله تعالى: أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ [الحشر:١١] (٧).
_________________
(١) «تفسير أبي السعود» (١/ ٥٢٣).
(٢) انظر توضيح هذه النكته في كتاب «القواعد الحسان لتفسير القرآن» لعبدالرحمن السعدي (ص٤٦ - ٥١).
(٣) «الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك» (ص٣٣).
(٤) انظر: «أضواء البيان» للشنقيطي (٤/ ٨٣).
(٥) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٨/ ١٩٣).
(٦) «الفصل» (٣/ ٢٦٢).
(٧) «تفسير القاسمي» (١٥/ ٥٦).
[ ١ / ٣١٥ ]
فتلك الآيات الكريمات قد قررت أن بعضًا من الطاعة لأولئك الكفار هي ردة عن دين الإسلام، كموافقتهم في عداوة الرسول ﷺ، أو المظاهرة على محمد ﷺ كما جاء مفصلًا في كتب التفسير (١).
ولذا عاقبهم الله تعالى بحبوط الأعمال، كما جاء في الآيات التالية: فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٢٧، ٢٨]
ومما سطره يراع الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب - ﵏ - عند قوله تعالى: ذلك بأنهم قالوا الآية: أخبر تعالى أن سبب ما جرى عليهم من الردة وتسويل الشيطان والإملاء لهم هو قولهم للذين كرهوا ما نزل الله، سنطيعكم في بعض الأمر فإذا كان من وَعَدَ المشركين الكارهين لما نزل الله بطاعتهم في بعض الأمر كافرًا، وإن لم يفعل ما وعدهم به، فكيف بمن وافق المشركين وأظهر أنهم على هدى (٢). نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبداللطيف - ٣٥٨
_________________
(١) انظر: «زاد المسير» لابن الجوزي (٧/ ٤٠٩)، و«فتح القدير» للشوكاني (٥/ ٣٩)، و«تفسير النسفي» (٥/ ٥١٢).
(٢) «الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك» (٥٠، ٥١).
[ ١ / ٣١٦ ]
المبحث الثالث: عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
على المؤمن أن يعادي في الله ويوالي في الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه – وإن ظلمه. فإن الظلم لا يقطع الموالاة الإيمانية.
قال تعالى:
وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:٩].
(فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي، وأمر بالإصلاح بينهم، فليتدبر المؤمن: أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك. فإن الله سبحانه بعث الرسل، وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام والثواب لأوليائه والإهانة والعقاب لأعدائه.
(وإذا اجتمع في الرجل الواحد: خير وشر، وفجور وطاعة، ومعصية وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة كاللص تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم) (١)
ولمّا كان الولاء والبراء مبنيين على قاعدة الحب والبغض فإن الناس في نظر أهل السنة والجماعة – بحسب الحب والبغض والولاء والبراء – ثلاثة أصناف:
الأول: من يحب جملة. وهو من آمن بالله ورسوله، وقام بوظائف الإسلام ومبانيه العظام علمًا وعملًا واعتقادًا. وأخلص أعماله وأفعاله وأقواله لله، وانقاد لأوامره وانتهى عما نهى الله عنه، وأحب في الله، ووالى في الله وأبغض في الله، وعادى في الله، وقدم قول رسول الله ﷺ على قول كل أحد كائنًا من كان (٢)
الثاني: من يحب من وجه ويبغض من وجه، فهو المسلم الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فيحب ويوالى على قدر ما معه من الخير، ويبغض ويعادى على قدر ما معه من الشر ومن لم يتسع قلبه لهذا كان ما يفسد أكثر مما يصلح .. وإذا أردت الدليل على ذلك فهذا عبد الله بن حمار (٣) وهو رجل من أصحاب رسول الله ﷺ - كان يشرب الخمر، فأتي به إلى رسول الله ﷺ فلعنه رجل وقال: ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» (٤) مع أنه ﷺ لعن الخمر وشاربها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه (٥).
_________________
(١) انظر «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٢٠٨ – ٢٠٩)
(٢) «إرشاد الطالب» لابن سحمان (ص١٣)
(٣) عبد الله بن حمار هكذا أورده ابن سحمان والموجودة في (صحيح البخاري) (١٢/ ٧٥) أنه عبد الله، كان يلقب حمارًا. وقال ابن حجر: كان يهدي إلى النبي ﷺ ويضحكه في كلامه. انظر «الإصابة» (٤/ ٢٧٥).
(٤) رواه البخاري (٦٧٨٠).
(٥) رواه الترمذي (١٢٩٥)، وابن ماجه (٣٣٨١)، والطبراني في «الأوسط» (٢/ ٩٣)،من حديث أنس ﵁، قال الترمذي هذا حديث غريب من حديث أنس وقد روي نحو هذا عن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٢٤٦): رواته ثقات، وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٨/ ٦٩٨): [فيه] شبيب بن بشر وثقه ابن معين فينبغي إذن تصحيحه، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».
[ ١ / ٣١٧ ]
الثالث: من يبغض جملة وهو من كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يؤمن بالقدر خيره وشره، وأنه كله بقضاء الله وقدره وأنكر البعث بعد الموت، وترك أحد أركان الإسلام الخمسة، أو أشرك بالله في عبادته أحدًا من الأنبياء والأولياء والصالحين، وصرف لهم نوعًا من أنواع العبادة كالحب والدعاء، والخوف والرجاء والتعظيم والتوكل، والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة، والذبح والنذر والإبانة والذل والخضوع والخشية والرغبة والرهبة والتعلق، أو ألحد في أسمائه وصفاته واتبع غير سبيل المؤمنين، وانتحل ما كان عليه أهل البدع والأهواء المضلة، وكذلك كل من قامت به نواقض الإسلام العشرة أو أحدها (١)
فأهل السنة والجماعة – إذن – يوالون المؤمن المستقيم على دينه ولاء كاملًا ويحبونه وينصرونه نصرة كاملة، ويتبرؤون من الكفرة والملحدين والمشركين والمرتدين ويعادونهم عداوة وبغضًا كاملين. أما من خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا فيوالونه بحسب ما عنده من الإيمان، ويعادونه بحسب ما هو عليه من الشر.
وأهل السنة والجماعة يتبرؤون ممن حاد الله ورسوله ولو كان أقرب قريب، قال تعالى:
لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة:٢٢].
ويمتثلون لنهيه تعالى في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:٢٣ - ٢٤].
ويلخص الإمام ابن تيمية مذهب أهل السنة والجماعة فيقول:
(الحمد والذم والحب والبغض والموالاة والمعادة إنما تكون بالأشياء التي أنزل الله بها سلطانه، وسلطانه كتابه، فمن كان مؤمنًا وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافرًا وجبت معاداته من أي صنف كان.
قال تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [المائدة: ٥٥ - ٥٦].
وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: ٥١].
وقال: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [التوبة:٧١].
ومن كان فيه إيمان وفيه فجور أعطي من الموالاة بحسب إيمانه، ومن البغض بحسب فجوره، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي كما يقول الخوارج والمعتزلة.
_________________
(١) «إرشاد الطالب» (ص١٩).
[ ١ / ٣١٨ ]
ولا يجعل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون بمنزلة الفساق في الإيمان والدين والحب والبغض والموالاة والمعاداة
قال تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: ٩ - ١٠].
فجعلهم إخوة مع وجود الاقتتال والبغي.
( ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضًا موالاة الدين لا يعادون كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم بشهادة بعض، ويأخذ بعضهم العلم من بعض، ويتوارثون ويتناكحون، ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك) (١)
الولاء والبراء القلبي:
ومن عقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الموضوع أن الولاء القلبي وكذلك العداوة يجب أن تكون كاملة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
(فأما حب القلب وبغضه، وإرادته وكراهته، فينبغي أن تكون كاملة جازمة، لا توجب نقص ذلك إلا بنقص الإيمان، وأما فعل البدن فهو بحسب قدرته، ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة وفعل العبد معها بحسب قدرته فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل.
ذلك أن من الناس من يكون حبه وبغضه وإرادته وكراهته بحسب محبة نفسه وبغضها، لا بحسب محبة الله ورسوله، وبغض الله ورسوله وهذا نوع من الهوى، فإن اتبعه الإنسان فقد اتبع هواه فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص: ٥٠]. (٢)
موقف أهل السنة والجماعة من أصحاب البدع والأهواء:
يدخل في معتقد أهل السنة والجماعة البراءة من أرباب البدع والأهواء.
والبدعة: مأخوذة من الابتداع وهو الاختراع، وهو الشيء يحدث من غير أصل سبق ولا مثال احتذي ولا ألف مثله ومنه قولهم: ابتدع الله الخلق أي خلقهم ابتداء ومنه قوله تعالى:
بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة: ١١٧].
وقوله: قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ [الأحقاف: ٩].
أي لم أكن أول رسول إلى أهل الأرض.
وهذا الاسم يدخل فيما تخترعه القلوب، وفيما تنطق به الألسنة وفيما تفعله الجوارح (٣)
قال ابن الجوزي:
(البدعة عبارة عن فعل لم يكن فابتدع. والأغلب في المبتدعات أنها تصادم الشريعة بالمخالفة وتوجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان) (٤)
ولقائل أن يقول: ما شأننا الآن وأصحاب البدع لا سيما وأنت تتكلم عن ولاء الكفار والبراء منهم وموالاة المؤمنين ونصرتهم؟؟
والجواب على ذلك: أولًا: أن البدعة خطرها عظيم وكبير، والدليل على ذلك أنها تنقسم إلى رتب متفاوتة ما بين الكفر الصريح إلى الكبيرة والصغيرة، وفي هذا يقول الإمام الشاطبي:
(البدعة تنقسم إلى رتب متفاوتة منها ما هو كفر صراح، كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن بقوله:
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (ص ١٠٨ –٢٠١) الطبعة الأولى سنة ١٣٤٩ هـ مطبعة المنار بمصر
(٢) «شذرات البلاتين» (١/ ٣٥٤) و«الأمر بالمعروف لابن تيمية».
(٣) كتاب «الحوادث والبدع» للطرطوشي (٣٨ – ٣٩) تحقيق محمد الطالبي
(٤) «تلبيس إبليس» (ص٢٦)
[ ١ / ٣١٩ ]
وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ [الأنعام: ١٣٦].
وقوله تعالى: وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: ١٣٩].
وقوله: مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ [المائدة: ١٠٣].
وكذلك بدعة المنافقين حين اتخذوا الدين ذريعة لحفظ النفس والمال وما أشبه ذلك مما لا يشك أنه كفر صراح) (١)
وقضية التحليل والتحريم خصوصية لله ﷿، فمن ادعى التحليل والتحريم فقد شرع ومن شرع فقد أله نفسه. وكما أن الله ﷾ هو الخالق فهو أيضًا صاحب الأمر والسلطان، قال تعالى:
أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف: ٥٤].
وقال سبحانه: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ [النحل:١١٦].
فهذه البدعة الكفرية وأمثالها لأصحابها منا العداء والبغض والكره والجهاد بعد الإعذار والإنذار، والبراءة منهم لا تختلف عن البراءة من الكافر الأصلي. فقد قال ﷺ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٢).
قال البغوي:
(وقد اتفق علماء السنة على معاداة أهل البدعة ومهاجرتهم) (٣)
ونعود لرتب البدع كما ذكرها الشاطبي فقال:
(ومن البدع ما هو من المعاصي التي ليست بكفر أو يختلف فيها هل هي كفر أم لا؟ كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة ومن أشبههم من الفرق الضالة.
ومنها ما هو معصية ويتفق على أنها ليست بكفر، كبدعة التبتل (٤) والصيام قائمًا في الشمس والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع.
ومنها: ما هو مكروه كالاجتماع للدعاء عشية عرفة، وذكر السلاطين في خطبة الجمعة على ما قاله ابن عبد السلام الشافعي (٥) وما أشبه ذلك) (٦)
فأرباب هذه البدع يتبرأ منهم أهل السنة والجماعة.
ثانيًا: لخطورة البدع على الدين أورد هنا نماذج من أقوال سلف الأمة في التحذير من البدع وأصحابها. ومن ذلك ما قاله الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ حيث يقول:
_________________
(١) «الاعتصام» (٢/ ٣٧)
(٢) رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨).
(٣) «شرح السنة» (١/ ٢٢٧)
(٤) التبتل: هو الانقطاع عن الدنيا إلى الله. انظر «مختار الصحاح» (ص ٥٣).
(٥) هو سلطان العلماء عبد العزيز السلمي الدمشقي فقيه شافعي بلغ رتبة الاجتهاد ولد سنة ٥٧٧ هـ وتوفي سنة ٦٦٠ هـ من مؤلفاته «التفسير الكبير»، و«الإلمام في أدلة الأحكام»، و«قواعد الشريعة» و«قواعد الأحكام» و«الفتاوى». انظر «الأعلام» للزركلي (٤/ ٢١) الطبعة الرابعة وفية أن له ترجمة في فوات الوفيات (١/ ٢٨٧) و«طبقات السبكي» (٥/ ٨٠) و«النجوم الزاهرة» (٧/ ٢٠٨) و«ذيل الروضتين» (٢١٦) – و«مفتاح السعادة» (٢/ ٢١٢).
(٦) «الاعتصام» (٢/ ٣٧)
[ ١ / ٣٢٠ ]
(من كان مستنًا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم كانوا على الهدي المستقيم) (١). وقال سفيان الثوري ﵀: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها. (٢)
وقال الإمام مالك ﵀: من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الدين، لأن الله تعالى يقول:
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣].
فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا (٣)
وذكر الشاطبي ﵀ أن مفاسد البدع تنحصر في أمرين:
(١) أنها مضادة للشارع، ومراغمة له، حيث نصب المبتدع نفسه منصب المستدرك على الشريعة لا منصب المكتفي بما حد له.
(٢) أن كل بدعة – وإن قلت – تشريع زائد أو ناقص، أو تغيير للأصل الصحيح، وكل ذلك قد يكون على الانفراد، وقد يكون ملحقًا بما هو مشروع فيكون قادحًا في المشروع، ولو فعل أحد مثل هذا في نفس الشريعة عامدًا، لكفر، إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيير – قل أو كثر – كفر (٤).
ويعضد هذا النظر عموم الأدلة في ذم البدع ومنها: قوله ﷺ: «كل بدعة ضلالة» (٥) وقوله ﷺ: «من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» (٦).
وقال أحد علماء السلف:
(لا تجالسوا أصحاب الأهواء، أو قال أصحاب الخصومات فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون) (٧). الولاء والبراء في الإسلام لمحمد بن سعيد القحطاني – ص١٣٨
_________________
(١) «شرح السنة» للبغوي (١/ ٢١٤).
(٢) «شرح السنة» للبغوي (١/ ٢١٦).
(٣) «الاعتصام» (٢/ ٥٣).
(٤) «الاعتصام» (٢/ ٦١) بتصرف بسيط.
(٥) رواه مسلم (٨٦٧).
(٦) رواه مسلم (٢٦٧٤).
(٧) «شرح السنة» للبغوي (١/ ٢٢٧).
[ ١ / ٣٢١ ]
المبحث الرابع: التشبه بالكفار
لا شك أن الدين الإسلامي ليس حريصاَ على تميز المسلمين في المضمون فحسب وإنما حتى في المظهر العام للمسلم في نفسه وللمجتمع الإسلامي في عمومه. ولذلك كان النهي عن التشبه بالكفار أحد التكاليف الربانية لهذه العقيدة. وقد حفل الكتاب والسنة بأدلة كثيرة حول هذه القضية. لأن التشبه بالكفار في الظاهر يورث التشبه بهم في العقيدة أو مودتهم، ومسايرتهم وموافقتهم على هواهم مما يحدث التميع في حياة المسلم ويجعله إمعة يتبع كل ناعق، والله يريد له العزة والكرامة. وإذا تمعنا في طريقة التربية القرآنية: وجدنا أن الإسلام ربى المسلمين على العقيدة الصحيحة فترة طويلة قبل نزول التكاليف، فلما رست جذور هذه الشجرة المباركة في النفوس جاءت التكاليف واحدًا إثر الآخر مما جعل المسلمين يترقون في هذا السلم التربوي الإيماني إلى الذروة.
من هنا جاء النهي عن التشبه بالكفار في العهد المدني. وذلك بعد الجهاد من أجل صيانة وحماية المجتمع الإسلامي من كل دخيل، وحرصًا على بناء الشخصية الإسلامية الفريدة. فكما أن هذه العقيدة فريدة في مضمونها وجوهرها فهي أيضًا فريدة في شكلها ومظهرها. لذا وجب على صاحبها أن يكون متميزًا بعد أن أخرجه الله من الظلمات إلى النور.
وتجتاح العالم الإسلامي اليوم موجة من التبعية الجارفة في كل شيء، ومن ذلك التشبه بالغرب الكافر من قبل ضعاف الإيمان الذين يرون أن ذلك الفعل هو سبيل التقدم والرقي!
وفي هذا يقول الأستاذ محمد أسد (وإن السطحيين من الناس فقط ليستطيعوا أن يعتقدوا أنه من الممكن تقليد مدنية ما في مظاهرها الخارجية من غير أن يتأثروا في الوقت نفسه بروحها.
"إن المدنية ليست شكلًا أجوف فقط، ولكنها نشاط حي. وفي اللحظة التي نبدأ فيها. بتقبل شكلها تأخذ مجاريها الأساسية ومؤثراتها الفعالة تعمل فينا، ثم تخلع على اتجاهنا العقلي كله شكلًا ولكن ببطء ومن غير أن نلحظ ذلك.
ولقد قدر الرسول ﷺ هذا الاختيار حق قدره حينما قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» (١). وهذا الحديث المشهور ليس إيماءة أدبية فحسب، بل تعبير إيجابي يدل على أن لا مفر من أن يصطبغ المسلمون بالمدنية التي يقلدونها؟
"ومن هذه الناحية قد يستحيل أن نرى الفرق الأساسي بين "المهم" وبين غير المهم في نواحي الحياة الاجتماعية وليس ثمة خطأ أكبر من أن نفترض أن اللباس – مثلًا – شيء خارجي بحت وأن لا خوف منه على "حياة الإنسان" العقلية والروحية. إنه على وجه العموم نتيجة تطور طويل الأمد لذوق شعب ما في ناحية معينة وزي هذا اللباس يتفق مع الإدراك البديعي لذلك الشعب ومع ميوله. لقد تشكل هذا الزي ثم ما فتئ يبدل أشكاله باستمرار حسب التبدل الذي طرأ على خصائص ذلك الشعب وميوله. وبلبس الثياب الأوربية يوافق المسلم من غير شعور ظاهر بين ذوقه والذوق الأوربي ثم يشوه "حياته" العقلية بشكل يتفق نهائيًا مع اللباس الجديد وبعمله هذا يكون (المسلم) قد تخلى عن الإمكانيات الثقافية لقومه، وتخلى عن ذوقهم التقليدي، وتقبل لباس العبودية العقلية الذي خلعته عليه المدنية الأجنبية.
_________________
(١) [١٠٣٩]» رواه أبو داود (٤٠٣١)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/ ٤٧١)، من حديث عبد الله بن عمر، وروي من حديث حذيفة وأبي هريرة، وأنس ﵃، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٣٥٩): إسناده صحيح، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٨٢): ثابت [و] إسناده حسن، وقال الألباني في «صحيح أبي داود»: حسن صحيح.
[ ١ / ٣٢٢ ]
" إذا حاكى المسلم أوروبة في لباسها، وعاداتها وأسلوب حياتها فإنه يتكشف عن أنه يؤثر المدنية الأوربية، مهما كانت دعواه التي يعلنها، وإنه لمن المستحيل عمليًا أن تقلد مدنية أجنبية في مقاصدها العقلية والبديعية من غير إعجاب بروحها، وإنه لمن المستحيل أن تعجب بروح مدنية مناهضة للتوجيه الديني، وتبقى مع ذلك مسلمًا صحيحًا.
(إن الميل إلى تقليد التمدن الأجنبي نتيجة الشعور بالنقص هذا ولا شيء سواه، ما يصاب به المسلمون الذين يقلدون المدنية الغربية) (١)
وأصل المشابهة: أن الله جبل بني آدم – بل سائر المخلوقات – على التفاعل بين الشيئين المتشابهين، وكلما كانت المشابهة أكثر: كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم. والمشاركة بين بني الإنسان أشد تفاعلًا فلأجل هذا الأصل وقع التأثر والتأثير في بني آدم فاكتسب بعضهم، أخلاق بعض بالمشاركة والمعاشرة.
والمشابهة في الأمور الظاهرة: توجب مشابهة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي، وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين أقل كفرًا من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى هم أقل إيمانًا من غيرهم ممن جرد الإسلام (٢)
ثم إن المشاركة في الهدي الظاهر: توجب مناسبة وائتلافًا وإن بعد المكان والزمان وهذا أمر محسوس، بل إنها تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر.
وإذا كانت المشابهة في الأمور الدنيوية تورث المحبة والموالاة فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ نعم. إنها تقتضي إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد. والمحبة لهم تنافي الإيمان كما قال تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: ٥١].
وثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان، لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم (٣)
وهنا لابد أن نورد بعض النصوص الكثيرة والمستفيضة من الكتاب والسنة التي نهت عن مشابهة الكفار واتباع أهوائهم.
منها قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [الجاثية: ١٨ - ١٩]. الولاء والبراء في الإسلام لمحمد بن سعيد القحطاني – ص ٢٧٣
قال الله سبحانه: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [الجاثية: ١٦ - ١٩]
_________________
(١) [١٠٤٠]» «الإسلام على مفترق الطرق». ترجمة د. عمر فروخ (ص ٨١ – ٨٣) الطبعة الثامنة سنة ١٩٧٤م دار العلم للملايين.
(٢) [١٠٤١]» «اقتضاء الصراط المستقيم» بتصرف (٢٢)
(٣) [١٠٤٢]» «اقتضاء الصراط المستقيم» بتصرف (ص ٢١٩ - ٢٢٢)
[ ١ / ٣٢٣ ]
أخبر سبحانه، أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغيًا من بعضهم على بعض.
ثم جعل محمدًا ﷺ على شريعة شرعها له، وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته.
وأهواؤهم: هو ما يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك فهم يهوونه، وموافقتهم فيه، اتباع لما يهوونه، ولهذا: يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم، ويسرون به، ويودون أن لو بذلوا عظيمًا ليحصل ذلك، ولو فرض أن ليس الفعل من اتباع أهوائهم فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك أحسم لمادة متابعتهم وأعون على حصول مرضاة الله في تركها، وأن موافقتهم في ذلك قد تكون ذريعة إلى موافقتهم في غيره، فإن " من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه " وأي الأمرين كان، حصل المقصود في الجملة، وإن كان الأول أظهر.
وفي هذا الباب قوله سبحانه: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ [الرعد: ٣٦ - ٣٧]. فالضمير في أهوائهم، يعود - والله أعلم - إلى ما تقدم ذكره، وهم الأحزاب الذين ينكرون بعضه، فدخل في ذلك كل من أنكر شيئًا من القرآن: من يهودي، ونصراني، وغيرهما. وقد قال: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [البقرة: ١٢٠] ومتابعتهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم، إتباع لأهوائهم، بل يحصل إتباع أهوائهم بما هو دون ذلك.
ومن هذا - أيضًا - قوله تعالى: وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [البقرة: ١٢٠].
فانظر كيف قال في الخبر: مِلَّتَهُمْ وقال في النهي: أَهْوَاءهُم، لأن القوم لا يرضون إلا بإتباع الملة مطلقًا، والزجر وقع عن إتباع أهوائهم في قليل أو كثير، ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين، نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونه، أو مظنة لمتابعتهم فيما يهوونه، كما تقدم.
[ ١ / ٣٢٤ ]
ومن هذا الباب قوله سبحانه: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ [البقرة: ١٤٥ - ١٥٠].
قال غير واحد من السلف: معناه، لئلا يحتج اليهود عليكم بالموافقة في القبلة، فيقولون: قد وافقونا في قبلتنا، فيوشك أن يوافقونا في ديننا، فقطع الله بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة، إذ الحجة: اسم لكل ما يحتج به من حق وباطل إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ وهم قريش، فإنهم يقولون: عادوا إلى قبلتنا، فيوشك أن يعودوا إلى ديننا.
فبين سبحانه، أن من حكمة نسخ القبلة وتغييرها، مخالفة الناس الكافرين في قبلتهم، ليكون ذلك أقطع لما يطمعون فيه من الباطل، ومعلوم أن هذا المعنى ثابت في كل مخالفة وموافقة، فإن الكافر إذ اتبع في شيء من أمره، كان له في الحجة مثل ما كان أو قريب مما كان لليهود من الحجة في القبلة.
وقال سبحانه: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٠٥] (وهم: اليهود والنصارى، الذين افترقوا على أكثر من سبعين فرقة، ولهذا نهى النبي ﷺ عن متابعتهم في نفس التفرق والاختلاف، مع أنه ﷺ قد أخبر أن أمته: ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، مع أن قوله: لا تكن مثل فلان، قد يعم مماثلته بطريق اللفظ أو المعنى، وإن لم يعم دل على أن جنس مخالفتهم، وترك مشابهتهم أمر مشروع: ودل على أنه - كلما بعد الرجل عن مشابهتهم فيما لم يشرع لنا - كان أبعد عن الوقوع في نفس المشابهة المنهي عنها، وهذه مصلحة جليلة.
وقال سبحانه لموسى وهارون: قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ [يونس: ٨٩] وقال سبحانه: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف: ١٤٢] وقال تعالى: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: ١١٥] إلى غير ذلك من الآيات.
[ ١ / ٣٢٥ ]
وما هم عليه من الهدي والعمل، هو من سبيل غير المؤمنين، بل ومن سبيل المفسدين، والذين لا يعلمون، وما يقدر عدم اندراجه في العموم، فالنهي ثابت عن جنسه، فيكون مفارقة الجنس بالكلية أقرب إلى ترك المنهي، ومقاربته مظنة وقوع المنهي عنه، قال سبحانه: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ إلى قوله: وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [المائدة: ٤٨ - ٤٩] ومتابعتهم في هديهم، هي من اتباع ما يهوونه، أو مظنة لاتباع ما يهوونه وتركها معونة على ترك ذلك، وحسم لمادة متابعتهم فيما يهوونه.
واعلم: أن في كتاب الله من النهي عن مشابهة الأمم الكافرة وقصصهم التي فيها عبرة لنا بترك ما فعلوه - كثير. مثل قوله، لما ذكر ما فعله بأهل الكتاب من المثلات: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر: ٢] وقوله: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ [يوسف: ١١١] وأمثال ذلك، ومنه ما يدل على مقصودنا، ومنه ما فيه إشارة وتتميم للمقصود.
ثم هذا الذي دل عليه الكتاب: من مشابهة بعض هذه الأمة للقرون الماضية في الدنيا وفي الدين، وذم من يفعل ذلك، دلت عليه - أيضًا - سنة رسول الله ﷺ، وتأول الآية - على ذلك - أصحابه ﵃.
فمما جاء في الاستمتاع: حديث لتأخذن كما أخذت الأمم قبلكم.
فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لتأخذن كما أخذت الأمم من قبلكم: ذراعًا بذراع، وشبرًا بشبر، وباعًا بباع، حتى لو أن أحدًا من أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه - قال أبو هريرة: اقرؤا - إن شئتم - كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً قالوا: يا رسول الله كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب؟ قال: فهل الناس إلا هم؟» (١).
وما أثر عن بعض الصحابة في ذلك.
وعن ابن عباس ﵄، في هذه الآية، أنه قال: (ما أشبه الليلة بالبارحة، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم) (٢).
وعن ابن مسعود ﵁، أنه قال: (أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتًا وهديًا، تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة، غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا؟) (٣).
_________________
(١) رواه أبو يعلى في «المسند» (١١/ ١٨٢) وابن جرير في «التفسير» (١٤/ ٣٤١)، ورواه ابن ماجه (٣٩٩٤) بنحوه، قال العراقي في «الباعث على الخلاص» (١٥): إسناده حسن، قال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في «التفسير» (٧/ ٣٢١)، وابن جرير في «التفسير» (١٤/ ٣٤٢).
(٣) رواه البغوي في «التفسير» (٤/ ٧٢) قال البزار في «البحر الزخار» (٥/ ٤١٦): [فيه] أبو قيس ليس بالقوي، وقد روى عنه غير واحد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٧٣): فيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٧/ ٩١٤): [فيه] ليث بن أبي سليم صدوق ولكنه كان اختلط.
[ ١ / ٣٢٦ ]
وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (المنافقون الذين منكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ، قلنا: وكيف؟ قال: أولئك كانوا يخفون نفاقهم، وهؤلاء أعلنوه) (١).
ما أخذ به الرسول ﷺ في السنة من مشابهة أمته الماضين في الدنيا، وتحذيره من ذلك حديث أبي عبيدة، حين جاء بمال من البحرين
وأما السنة: فجاءت بالإخبار بمشابهتهم في الدنيا، وذم ذلك، والنهي عن ذلك، وكذلك في الدين.
فأما الأول: الذي هو الاستمتاع بالخلاق:
ففي (الصحيحين) - عن عمرو بن عوف: «أن رسول الله ﷺ، بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين، يأتي بجزيتها، وكان رسول الله ﷺ، هو صالح أهل البحرين، وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ، فلما صلى رسول الله ﷺ: انصرف فتعرضوا له، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم، ثم قال: أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ فقالوا: أجل يا رسول الله، فقال: أبشروا، وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم» (٢).
فقد أخبر ﷺ: أنه لا يخاف فتنة الفقر وإنما يخاف بسط الدنيا وتنافسها، وإهلاكها، وهذا هو الاستمتاع بالخلاق المذكور في الآية.
خوف الرسول ﷺ على أمته من فتنة الدنيا:
وفي (الصحيحين) - عن عقبة بن عامر: «أن النبي ﷺ، خرج يومًا، فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض - أو مفاتيح الأرض - وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم: أن تتنافسوا فيها» (٣). وفي رواية: «ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها، وتقتلوا، - فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم». قال عقبة: «فكان آخر ما رأيت رسول الله ﷺ على المنبر» (٤).
وفي (صحيح مسلم)، عن عبد الله بن عمرو ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أي قوم أنتم؟ قال عبد الرحمن بن عوف: نكون كما أمرنا الله ﷿، فقال رسول الله ﷺ: تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، أو - تتباغضون، أو غير ذلك - ثم تنطلقون إلى مساكين المهاجرين، فتحملون بعضهم على رقاب بعض «(٥).
_________________
(١) رواه الطبراني في «الأوسط» (٣/ ١٣٤).
(٢) رواه البخاري (٤٠١٥) ومسلم (٢٩٦١).
(٣) رواه البخاري (٤٠٤٢) ومسلم (٢٢٩٦) (٣٠) واللفظ لمسلم.
(٤) رواه مسلم (٢٢٩٦) (٣١).
(٥) رواه مسلم (٢٩٦٢).
[ ١ / ٣٢٧ ]
وفي (الصحيحين) - عن أبي سعيد ﵁ قال: «جلس رسول الله ﷺ على المنبر، وجلسنا حوله، فقال: إن مما أخاف عليكم بعدي: ما يفتح من زهرة الدنيا، وزينتها، فقال رجل: أو يأتي الخير بالشر يا رسول الله! قال: فسكت عنه رسول الله ﷺ، فقيل ما شأنك تكلم رسول الله ولا يكلمك؟ قال: ورأينا أنه ينزل عليه، فأفاق يمسح عنه الرحضاء وقال: أين هذا السائل؟ - وكأنه حمده - فقال: إنه لا يأتي الخير بالشر» - وفي رواية - فقال: «أين السائل آنفًا أو خير هو؟ - ثلاثًا - إن الخير لا يأتي إلا بالخير، وإن مما ينبت الربيع كما يقتل حبطا، أو يلم، إلا آكلة الخضر، فإنها أكلت حتى إذا امتدت خاصرتها استقبلت عين الشمس، فثلطت وبالت، ثم رتعت - وإن هذا المال خضر حلو، ونعم صاحب المسلم هو، لمن أعطى منه المسكين واليتيم، وابن السبيل -أو كما قال رسول الله ﷺ - وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة «(١).
خوف الرسول ﷺ على أمته من فتنة النساء وأن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء
وروى مسلم في (صحيحه) - عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله سبحانه، مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» (٢).
فحذر رسول الله ﷺ فتنة النساء، معللًا بأن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء.
وهذا نظير ما سنذكره: من حديث معاوية، عنه ﷺ، أنه قال: «إنما هلك بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم» (٣) يعني وصل الشعر.
وكثير من مشابهات أهل الكتاب في أعيادهم وغيرها، إنما يدعو إليها النساء.
ومما جاء في الخوض: حديث افتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين ملة.
وأما الخوض كالذي خاضوا: فروينا من حديث الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل، حتى إذا كان منهم من أتى أمه علانية كان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (٤) رواه أبو عيسى والترمذي، وقال: هذا حديث غريب مفسر، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وهذا الافتراق مشهور عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة، وسعد ومعاوية، وعمرو بن عوف، وغيرهم، وإنما ذكرت حديث ابن عمرو لما فيه من ذكر المشابهة.
_________________
(١) رواه البخاري (١٤٦٥) ومسلم (١٠٥٢).
(٢) رواه مسلم (٢٧٤٢).
(٣) رواه البخاري (٥٩٣٢)، ومسلم (٢١٢٧).
(٤) رواه الترمذي (٢٦٤١)، والحاكم (١/ ٢١٨)، قال الترمذي هذا حديث مفسر غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه، وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٥/ ٣١٦): في طريقه عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
[ ١ / ٣٢٨ ]
حديث ثان في افتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة: فعن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «تفترق اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» (١) رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح
حديث ثالث:
وعن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني الأهواء - كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة». وقال: «إنه سيخرج من أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله، والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به محمد لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به» (٢).
هذا حديث محفوظ من حديث صفوان بن عمرو، عن الأزهر بن عبد الله الحرازي، عن أبي عامر - عبد الله بن لحي، عن معاوية، رواه عنه غير واحد، منهم أبو اليمان، وبقية وأبو المغيرة، رواه أحمد وأبو داود في «سننه».
وقد روى ابن ماجه هذا المعنى من حديث صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد عن عوف بن مالك الأشجعي، ويروى من وجوه أخرى، فقد أخبر النبي ﷺ: بافتراق أمته على ثلاث وسبعين فرقة، واثنتان وسبعون: لا ريب أنهم الذين خاضوا كخوض الذين من قبلهم.
الاختلاف الذي أخبر به النبي ﷺ إما في الدين، أو في الدنيا، أو بهما معًا
ثم هذا الاختلاف الذي أخبر به النبي ﷺ: إما في الدين فقط، وإما في الدين والدنيا، ثم قد يؤول إلى الدماء، وقد يكون الاختلاف في الدنيا فقط.
وهذا الاختلاف الذي دلت عليه هذه الأحاديث: هو مما نهى الله عنه في قوله سبحانه: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا [آل عمران: ١٠٥].
وقوله: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [الأنعام: ١٥٩] وقوله: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣].
حديث: سألت ربي ثلاثًا فأعطاني اثنتين:
وهو موافق لما رواه مسلم في (صحيحه)، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه: «أنه أقبل مع رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه، من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ركعتين، وصلينا معه ودعا ربه طويلًا، ثم انصرف إلينا فقال: سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة: سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة، فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يهلك أمتي بالغرق، فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» (٣).
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٥٩٦) والترمذي (٢٦٤٠) وابن ماجه (٣٩٩١) بنحوه، قال الترمذي حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.
(٢) رواه أبو داود (٤٥٩٧)، وأحمد (٤/ ١٠٢) (١٦٩٧٩)، والحاكم (١/ ٢١٨)، والطبراني «١٩/ ٣٧٦)، قال الحاكم: هذه أسانيد تقام به الحجة في تصحيح هذا الحديث، وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ١٣٧): محفوظ من حديث صفوان بن عمرو، وقال الألباني في «كتاب السنة» (٢): صحيح لغيره.
(٣) رواه مسلم (٢٨٩٠).
[ ١ / ٣٢٩ ]
حديث: إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وخوف الرسول ﷺ على أمته من الأئمة المضلين، وإخباره ﷺ إنه سيلحق حي من أمته بالمشركين، وتعبد فئام الأوثان، ويخرج فيهم ثلاثون كذابون يزعمون النبوة، وإنه لا تزال طائفة منهم على الحق منصورة.
وروى - أيضًا - في (صحيحه) عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي: أن لا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - أو قال: من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا» (١) ورواه البرقاني في (صحيحه) وزاد: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى يعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ﵎» (٢).
وهذا المعنى محفوظ عن النبي ﷺ من غير وجه، يشير إلى أن التفرقة، والاختلاف، لا بد من قوعهما في الأمة، وكان يحذر أمته، لينجو منه من شاء الله له السلامة، كما روى النزال بن سيرة، عن عبد الله بن مسعود قال: «سمعت رجلًا قرأ آية سمعت النبي ﷺ يقرأ خلافها، فأخذت بيده، فانطلقت به إلى النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فعرفت في وجهه الكراهية، وقال: كلاكما محسن، ولا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا» (٣) رواه مسلم.
_________________
(١) رواه مسلم (٢٨٨٩).
(٢) رواه أبو داود (٤٢٥٢)، وابن حبان (٧٢٣٨) والحاكم (٤/ ٤٩٦)، الحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة وإنما أخرج مسلم حديث معاذ بن هشام عن قتادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان مختصرا، ووافقه الذهبي، وقال أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٢/ ٣٢٨): ثابت من حديث أيوب عن أبي قلابة وفيه ألفاظ تفرد بها عن النبي ثوبان، وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ١٤٢): محفوظ من غير وجه، وصححه السخاوي في «البلدانيات» (١٠٥)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».
(٣) رواه البخاري (٢٤١٠)، ولم يروه مسلم كما ذكر المصنف ﵀.
[ ١ / ٣٣٠ ]
ومن ذلك: ما روى الزهري، عن سنان بن أبي سنان الدؤلي عن أبي واقد الليثي أنه قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط؟ فقال رسول الله ﷺ: الله أكبر! إنها السنن، قلتم - والذين نفسي بيده - كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، لتركبن سنن من كان قبلكم» (١). رواه مالك والنسائي والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح - ولفظه «لتركبن سنة من كان قبلكم».
وقد قدمت ما خرجاه في (الصحيحين) - عن أبي سعيد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا يا رسول الله، اليهود والنصارى؟، قال: فمن» (٢).
وما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لتأخذن أمتي مأخذ القرون قبلها: شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، قالوا: فارس والروم؟ قال: فمن الناس إلا أولئك» (٣).
وهذا كله خرج منه مخرج الخبر عن وقوع ذلك، والذم لمن يفعله، كما كان يخبر عما يفعله الناس بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمات.
فعلم أن مشابهتها اليهود والنصارى، وفارس والروم - مما ذمه الله ورسوله، وهو المطلوب، ولا يقال: فإذا كان الكتاب والسنة قد دلا على وقوع ذلك فما فائدة النهي عنه؟ لأن الكتاب والسنة - أيضًا - قد دلا على أنه لا يزال في هذه الأمة طائفة متمسكة بالحق الذي بعث به محمد ﷺ إلى قيام الساعة، وأنها لا تجتمع على ضلالة، ففي النهي عن ذلك تكثير هذه الطائفة المنصورة، وتثبيتها، وزيادة إيمانها، فنسأل الله المجيب: أن يجعلنا منها.
وأيضًا: لو فرض أن الناس لا يترك أحد منهم هذه المشابهة المنكرة، لكان في العلم بها معرفة القبيح، والإيمان بذلك، فإن نفس العلم والإيمان بما كرهه الله خير، وإن لم يعمل به، بل فائدة العلم والإيمان أعظم من فائدة مجرد العمل الذي لم يقترن به علم، فإن الإنسان إذا عرف المعروف، وأنكر المنكر: كان خيرًا من أن يكون ميت القلب، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، ألا ترى أن النبي ﷺ قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»؟ (٤) رواه مسلم.
وفي لفظ: «ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل». (٥).
ومما يدل من القرآن على النهي عن مشابهة الكفار: قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة: ١٠٤] قال قتادة وغيره: (كانت اليهود تقوله استهزاء فكره الله للمؤمنين أن يقولوا مثل قولهم) وقال أيضًا: (كانت اليهود تقول للنبي ﷺ، راعنا سمعك يستهزؤن بذلك، وكانت في اليهود قبيحة).
_________________
(١) [١٠٦١]» رواه الترمذي (٢١٨٠) وأحمد (٥/ ٢١٨) (٢١٩٥٠) وابن حبان (١٥/ ٩٤) والطبراني (٣/ ٢٤٤) والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٤٦) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وأحمد شاكر في «عمدة التفسير» (٢/ ٥٤): [أشار في المقدمة إلى صحته]، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
(٢) [١٠٦٢]» رواه البخاري (٧٣٢٠).
(٣) [١٠٦٣]» رواه البخاري (٧٣١٩).
(٤) [١٠٦٤]» رواه مسلم (٤٩). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٥) [١٠٦٥]» رواه مسلم (٥٠). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
[ ١ / ٣٣١ ]
وروى أحمد عن عطية قال: كان يأتي ناس من اليهود فيقولون: راعنا سمعك، حتى قالها ناس من المسلمين، فكره الله لهم ما قالت اليهود (١).
وقال عطاء: (كانت لغة في الأنصار في الجاهلية).
وقال أبو العالية: إن مشركي العرب كانوا إذا حدث بعضهم بعضًا يقول أحدهم لصاحبه: أرعني سمعك، فنهوا عن ذلك وكذلك قال الضحاك.
فهذا كله يبين أن هذه الكلمة نهى المسلمون عن قولها، لأن اليهود كانوا يقولونها - وإن كانت من اليهود قبيحة ومن المسلمين لم تكن قبيحة - لما كان في مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار، وتطريقهم إلى بلوغ غرضهم.
وأما الإجماع فمن وجوه:-
- من ذلك أن أمير المؤمنين، عمر في الصحابة ﵃، ثم عامة الأئمة بعده، وسائر الفقهاء - جعلوا في الشروط المشروطة على أهل الذمة من النصارى وغيرهم، فيما شرطوه على أنفسهم: أن نوقر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا، إذا أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء، من لباسهم: قلنسوة، أو عمامة أو نعلين، أو فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئًا من السلاح، ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رؤوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كان، وأن نشد الزنابير، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر صليبًا، ولا كتبًا، في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضربًا خفيًا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين. (٢) رواه حرب بإسناد جيد.
وفي رواية أخرى رواها الخلال: وأن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضربًا خفيًا، في جوف كنائسنا، ولا نظهر عليها صليبًا، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة، ولا القراءة في كنائسنا، فيما يحضره المسلمون، وأن لا نخرج صليبًا، ولا كتابًا في سوق المسلمين، وأن لا نخرج باعوثًا - والباعوث: يخرجون يجتمعون كما يخرج يوم الأضحى والفطر - ولا شعانينا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وأن لا نجاورهم بالخنازير، ولا نبيع الخمور- إلى أن قال: وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن لا نتشبه بالمسلمين، في لبس قلنسوة ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا في مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم ولا نكتني بكناهم، وأن نجز مقادم رؤوسنا، ولا نفرق نواصينا، ونشد الزنانير على أوساطنا.
وهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مجمع عليها في الجملة، بين العلماء من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم، وسائر الأئمة، كذلك الشروط التي شرطها عمر بن عبد العزيز تقتضي منعهم من التشبه بالمسلمين.
وروى - أيضًا - أبو الشيخ بإسناده، عن محمد بن قيس، وسعد بن عبد الرحمن بن حبان قالا: دخل ناس من بني تغلب على عمر بن عبد العزيز عليهم العمائم كهيئة العرب، فقالوا يا أمير المؤمنين ألحقنا بالعرب قال: فمن أنتم؟ قالوا: نحن بنو تغلب، قال أولستم من أوسط العرب؟ قالوا نحن نصارى، قال علي بجلم (٣)، فأخذ من نواصيهم، وألقى العمائم وشق رداء كل واحد شبرًا يحتزم به، وقال: لا تركبوا السروج، واركبوا على الأكف، ودلوا رجليكم من شق واحد.
_________________
(١) [١٠٦٦]» رواه ابن جرير في «التفسير» (٢/ ٤٦٠).
(٢) [١٠٦٧]» رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ٢٠٢).
(٣) [١٠٦٨]» الجلم: هو ما يجز به الشعر ونحوه، وهو آلة كالمقص. انظر «مختار الصحاح»، مادة (ج ل م)، (ص ١٠٨).
[ ١ / ٣٣٢ ]
وعن مجاهد أبي الأسود قال: كتب عمر بن عبد العزيز: أن لا يضرب الناقوس خارجًا من الكنيسة، وعن معمر: أن عمر بن عبد العزيز كتب: أن امنع من قبلك، فلا يلبس نصراني قباء، ولا ثوب خز، ولا عصب وتقدم في ذلك أشد التقدم، واكتب فيه حتى لا يخفى على أحد نهي عنه، وقد ذكر لي أن كثيرًا ممن قبلك من النصارى قد راجعوا لبس العمائم، وتركوا لبس المناطق على أوساطهم، واتخذوا الوفر والجمام وتركوا التقصيص، ولعمري إن كان يصنع ذلك فيما قبلك، إن ذلك بك ضعف وعجز، فانظر كل شيء كنت نهيت عنه، وتقدمت فيه، إلا تعاهدته وأحكمته ولا ترخص فيه، ولا تعْد عنه شيئًا.
فاتفق عمر ﵁، والمسلمون معه، وسائر العلماء بعدهم ومن وفقه الله تعالى من ولاة الأمور - على منعهم من أن يظهروا في دار الإسلام شيئًا مما يختصون به، مبالغة في أن لا يظهروا في دار الإسلام خصائص المشركين، فكيف إذا عملها المسلمون وأظهروها؟.
الوجه الثاني من دلائل الإجماع: أن هذه القاعدة قد أمر بها غير واحد من الصحابة والتابعين في أوقات وقضايا متعددة وانتشرت ولم ينكرها منكر من ذلك: نهى أبي بكر عن الصمت لغير سبب لأنه من فعل الجاهلية.
فعن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر الصديق ﵁، على امرأة من أحمس، يقال لها زينب فرآها لا تتكلم، فقال ما لها لا تتكلم؟. قالوا: حجت مصمته، فقال لها تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا عمل الجاهلية، فتكلمت فقالت من أنت؟ قال امرؤ من المهاجرين قالت: أي المهاجرين؟ قال: من قريش قالت: من أي قريش؟ قال: إنك لسؤول، وقال: أنا أبو بكر، قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت لكم أئمتكم قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف، يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى قال: فهم أولئك على الناس. (١) رواه البخاري في (صحيحه).
فأخبر أبو بكر: أن الصمت المطلق لا يحل، وعقب ذلك بقوله: هذا من عمل الجاهلية، قاصدًا بذلك عيب هذا العمل، وذمه.
الوجه الثالث - في تقرير الإجماع:
ما ذكره عامة علماء الإسلام من المتقدمين، والأئمة المتبوعين وأصحابهم في تعليل النهي عن أشياء بمخالفة الكفار، أو مخالفة النصارى، أو مخالفة الأعاجم، وهو أكثر من أن يمكن استقصاؤه، وما من أحد له أدنى نظر في الفقه إلا وقد بلغه من ذلك طائفة، وهذا بعد التأمل والنظر، يورث علمًا ضروريًا، باتفاق الأئمة، من النهي عن موافقة الكفار والأعاجم، والأمر بمخالفتهم.
فمن ذلك: أن الأصل المستقر عليه في مذهب أبي حنيفة: أن تأخير الصلاة أفضل من تعجيلها، إلا في مواضع يستثنونها، كاستثناء يوم الغيم، وكتعجيل الظهر في الشتاء - وإن كان غيرها من العلماء يقولون: الأصل أن التعجيل أفضل - فيستحبون تأخير الفجر والعصر، والعشاء والظهر إلا في الشتاء في غير الغيم. ثم قالوا: يستحب تعجيل المغرب، لأن تأخيرها مكروه لما فيه من التشبه باليهود، وهذا - أيضًا - قول سائر الأئمة، وهذه العلة منصوصة كما تقدم.
وقالوا - أيضًا - يكره السجود في الطاق، لأنه يشبه صنيع أهل الكتاب، من حيث تخصيص الإمام بالمكان، بخلاف ما إذا كان سجوده في الطاق، وهذا - أيضًا - ظاهر مذهب أحمد وغيره، وفيه آثار صحيحة عن الصحابة - ابن مسعود، وغيره.
وقالوا: لا بأس أن يصلي وبين يديه مصحف معلق، أو سيف معلق، لأنهما لا يعبدان، وباعتباره تثبت الكراهة ولا بأس أن يصلي على بساط فيه تصاوير لأن فيه استهانة بالصورة، ولا يسجد على التصاوير لأنه يشبه عبادة الصور، وأطلق الكراهة في الأصل لأن المصلي معظم.
_________________
(١) [١٠٦٩]» رواه البخاري (٣٨٣٤).
[ ١ / ٣٣٣ ]
وقالوا: لو لبس ثوبًا فيه تصاوير كره، لأنه يشبه حامل الصنم، ولا يكره تماثيل غير ذوي الروح لأنه لا يعبد.
وقالوا - أيضًا -: إن صام يوم الشك ينوي أنه من رمضان كره، لأنه تشبه بأهل الكتاب، لأنهم زادوا في مدة صومهم.
وقالوا: فإذا غربت الشمس أفاض الإمام والناس معه على هيئتهم حتى يأتوا مزدلفة، لأن فيه إظهار مخالفة المشركين.
وقالوا - أيضًا -: لا يجوز الأكل والشرب والادهان والتطيب في آنية الذهب والفضة، للرجال، والنساء، للنصوص، ولأنه تشبه بزي المشركين، وتنعم بتنعم المترفين والمسرفين.
وقالوا في تعليل المنع من لباس الحرير في حجة أبي يوسف ومحمد على أبي حنيفة، في المنع من افتراشه وتعليقه والستر به، لأنه من زي الأكاسرة، والجبابرة، والتشبه بهم حرام.
قال عمر: إياكم وزي الأعاجم (١) وقال محمد في الجامع الصغير: ولا يتختم إلا بالفضة.
قالوا: وهذا نص على أن التختم بالحجر والحديد والصفر، حرام، للحديث المأثور: «أن النبي ﷺ رأى على رجل خاتم صفر فقال: ما لي أجد منك ريح الأصنام؟، ورأى على آخر خاتم حديد فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل النار؟» (٢).
ومثل هذا كثير في مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
نماذج من أقوال المالكية:
وأما مذهب مالك وأصحابه، ففيه ما هو أكثر من ذلك، حتى قال مالك فيما رواه ابن القاسم في المدونة: لا يحرم بالأعجمية ولا يدعو بها ولا يحلف.
وقال: ونهى عمر ﵁ عن رطانة الأعاجم وقال: إنها خب (٣). قال: وأكره الصلاة إلى حجر منفرد في الطريق وأما أحجار كثيرة فجائز. قال: ويكره ترك العمل يوم الجمعة كفعل أهل الكتاب يوم السبت والأحد. قال: ويقال من تعظيم الله تعظيم ذي الشيبة المسلم، قيل: فالرجل يقوم للرجل له الفضل والفقه؟ قال: أكره ذلك ولا بأس بأن يوسع له في مجلسه، قال: وقيام المرأة لزوجها حتى يجلس من فعل الجبابرة وربما يكون الناس ينتظرونه فإذا طلع قاموا، فليس هذا من فعل الإسلام، وهو فيما ينهى عنه من التشبه بأهل الكتاب والأعاجم، وفيما ليس من عمل المسلمين، أشد من عمل الكوفيين وأبلغ، مع أن الكوفيين يبالغون في هذا الباب، حتى تكلم أصحاب أبي حنيفة في تكفير من تشبه بالكفار في لباسهم وأعيادهم.
_________________
(١) [١٠٧٠]» رواه ابن حبان (١٢/ ٢٦٨) من حديث قتادة عن أبي عثمان بلفظ: « وإياكم والتنعم وزي العجم » قال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.
(٢) [١٠٧١]» رواه أبو داود (٤٢٢٣)، والترمذي (١٧٨٥)، والنسائي (٨/ ١٧٢) (٥١٩٥) وابن حبان (١٢/ ٢٩٩)، من حديث بريدة بن الحصيب، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي هذا حديث غريب وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعبد الله بن مسلم، وقال النسائي في «السنن الكبرى» (٩٤٤٢): منكر، وقال البغوي في «شرح السنة» (٥/ ٩٢): إسناده غريب وحديث سهل أصح، وقال الشوكاني في «الفتح الرباني» (٨/ ٤٢٤٣): في إسناده عبد الله بن مسلم أبو طيبة السلمي المروزي قال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به، وضعفه الألباني في «ضعيف سنن الترمذي».
(٣) [١٠٧٢]» روى البيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ٢٣٤) (١٨٦٤٠)، وعبد الرزاق في «المصنف» (١/ ٤١١) عن عمر بن الخطاب قال: «لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا عليهم في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم». قال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٥١١)، وابن القيم في «أحكام أهل الذمة» (٣/ ١٢٤٧):إسناده صحيح، وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ٤١٧)، وابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/ ٤٩٤): إسناده صحيح.
[ ١ / ٣٣٤ ]
وقال بعض أصحاب مالك: من ذبح بطيخة في أعيادهم، فكأنما ذبح خنزيرا، وكذلك أصحاب الشافعي ذكروا هذا الأصل في غير موضع من مسائلهم، مما جاءت به الآثار، كما ذكر غيرهم من العلماء، مثل ما ذكروه في النهي عن الصلوات في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها - مثل طلوع الشمس وغروبها - ذكروا تعليل ذلك بأن المشركين يسجدون للشمس حينئذ، كما في الحديث: «إنها ساعة يسجد لها الكفار» (١).
وذكروا في السحور وتأخيره: أن ذلك فرق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، وذكروا في اللباس النهي عما فيه تشبه الرجال بالنساء، وتشبه النساء بالرجال.
وذكروا - أيضًا - ما جاء من أن المشركين كانوا يقفون بعرفات إلى اصفرار الشمس، ويفيضون من جمع بعد طلوع الشمس، وأن السنة جاءت بمخالفة المشركين في ذلك بالتعريف إلى الغروب، والوقوف بجمع إلى قبيل طلوع الشمس، كما جاء في الحديث: «خالفوا المشركين» (٢) و(خالف هدينا هدي المشركين). وذكروا - أيضًا - الشروط على أهل الذمة، منعهم عن التشبه بالمسلمين في لباسهم وغيره، مما يتضمن منع المسلمين أيضًا عن مشابهتهم في ذلك، تفريقًا بين علامة المسلمين وعلامة الكفار.
نماذج من أقوال الشافعية:
وبالغ طائفة منهم، فنهوا عن التشبه بأهل البدع، فيما كان شعارًا لهم، وإن كان مسنونًا، كما ذكره طائفة منهم في تسنيم القبور، فإن مذهب الشافعي: أن الأفضل تسطيحها.
ومذهب أحمد وأبي حنيفة: أن الأفضل تسنيمها.
ثم قال طائفة من أصحاب الشافعي، بل ينبغي تسنيمها في هذه الأوقات، لأن الرافضة تسطحها ففي تسطيحها تشبه بهم فيما هو شعار لهم.
وقالت طائفة: بل نحن نسطحها، فإذا سطحناها لم يكن تسطيحها شعارًا لهم. فالتفت الطائفتان على النهي عن التشبه بأهل البدع فيما هو شعار لهم، وإنما تنازعوا في أن التسطيح هل يحصل به ذلك أم لا؟.
فإن كان هذا في التشبه بأهل البدع، فكيف بالكفار؟.
نماذج من أقوال الحنابلة:
وأما كلام أحمد وأصحابه في ذلك فكثير جدًا، أكثر من أن يحصر، قد قدمنا منه طائفة من كلامه عند ذكر النصوص، عند قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» (٣)، وقوله: «أحفوا الشوارب، وأعفوا اللحى، لا تشبهوا بالمشركين» (٤). قوله: «إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» (٥).
_________________
(١) [١٠٧٣]» رواه مسلم (٨٣٢)، من حديث عمرو بن عبسة السلمي ﵁. ولفظه: ( ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار ).
(٢) [١٠٧٤]» رواه البخاري (١٦٨٤) من حديث عمرو بن ميمون بلفظ: «شهدت عمر﵁ – صلى بجمع الصبح ثم وقف فقال إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون أشرق ثبير وأن النبي – ﷺ- خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس».
(٣) [١٠٧٥]» رواه أبو داود (٤٠٣١)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/ ٤٧١)، من حديث عبد الله بن عمر، وروي من حديث حذيفة وأبي هريرة، وأنس ﵃، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٣٥٩): إسناده صحيح، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٨٢): ثابت [و] إسناده حسن، وقال الألباني في «صحيح أبي داود»: حسن صحيح.
(٤) [١٠٧٦]» رواه البخاري (٥٨٩٢) ومسلم (٢٥٩) من حديث عبد الله بن عمر ﵄ بلفظ: «خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب».
(٥) [١٠٧٧]» رواه البخاري (٥٦٣٣).
[ ١ / ٣٣٥ ]
ومثل قول أحمد: ما أحب لأحد إلا أن يغير الشيب ولا يتشبه بأهل الكتاب، وقال لبعض أصحابه: أحب لك أن تخضب ولا تشبه باليهود، وكره حلق القفا وقال: هو من فعل المجوس من تشبه بقوم فهو منهم وقال: أكره النعل الصرار، وهو من زي العجم.
وكره تسمية الشهور بالعجمية، والأشخاص بالأسماء الفارسية مثل: آذرماه، وقال للذي دعاه: زي المجوس، زي المجوس؟ ونفض يده في وجهه وهذا كثير في نصوصه لا يحصر.
وقال حرب الكرماني: قلت لـ أحمد: الرجل يشد وسطه بحبل ويصلي؟ قال: على القباء لا بأس به، وكرهه على القميص، وذهب إلى أنه من زي اليهود، فذكرت له السفر، وأنا نشد ذلك على أوساطنا، فرخص فيه قليلًا، وأما المنطقة والعمامة ونحو ذلك، فلم يكرهه إنما كره الخيط، وقال: هو أشنع.
قلت: وكذلك كره أصحابه أن يشد وسطه على الوجه الذي يشبه فعل أهل الكتاب. فأما ما سوى ذلك: فإنه لا يكره في الصلاة على الصحيح المنصوص، بل يؤمر من صلى في قميص واسع الجيب أن يحتزم، كما جاء في الحديث، لئلا يرى عورة نفسه، وقال الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد وغيره، منهم: القاضي أبو يعلى وابن عقيل، والشيخ أبو محمد عبد القادر الجيلي، وغيره، في أصناف اللباس وأقسامه:- ومن اللباس المكروه: ما خالف زي العرب، وأشبه زي الأعاجم وعادتهم، ولفظ عبد القادر: ويكره كل ما خالف زي العرب، وشابه زي الأعاجم.
وقال أيضًا أصحاب أحمد وغيرهم، منهم أبو الحسن الآمدي المعروف بـ ابن البغدادي - وأظنه نقله أيضًا عن أبي عبد الله بن حامد -: ولا يكره غسل اليدين في الإناء الذي أكل فيه، لأن النبي ﷺ فعله، وقد نص أحمد على ذلك، وقال: لم يزل العلماء يفعلون ذلك ونحن نفعله وإنما تنكره العامة، وغسل اليدين بعد الطعام مسنون، رواية واحدة.
وإذا قدم ما يغسل فيه اليد، فلا يرفع حتى يغسل الجماعة أيديها لأن الرفع من زي الأعاجم، وكذلك قال الشيخ أبو محمد عبد القادر الجيلي: ويستحب أن يجعل ماء اليد في طست واحد، لما روى في الخبر: «لا تبددوا يبدد الله شملكم».
وروي «أنه ﷺ: نهى أن يرفع الطست حتى يطف» (١) يعني يمتلئ.
وقالوا أيضًا - ومنهم أبو محمد عبد القادر - في تعليل كراهة حلق الرأس، على إحدى الروايتين، لأن في ذلك تشبهًا بالأعاجم، وقال ﷺ:» من تشبه بقوم فهو منهم) «٢).
بل قد ذكر طوائف من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما: كراهة أشياء لما فيها من التشبه بأهل البدع، مثل ما قال غير واحد من الطائفتين - ومنهم عبد القادر-: ويستحب أن يتختم في يساره للآثار، ولأن خلاف ذلك عادة وشعار للمبتدعة.
_________________
(١) [١٠٧٨]» رواه البيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ٢٠٢٠) والقضاعي في «المسند» (١/ ٤٠٨) من حديث أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: «لا ترفعوا الطست حتى يطف اجمعوا وضوءكم جمع الله شملكم»، قال البيهقي في إسناده بعض من يجهل، وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٥٥٣).
(٢) [١٠٧٩]» رواه أبو داود (٤٠٣١)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٦/ ٤٧١)، من حديث عبد الله بن عمر، وروي من حديث حذيفة، وأبي هريرة، وأنس ﵃، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٣٥٩): إسناده صحيح، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٨٢): ثابت [و] إسناده حسن، وقال الألباني في «صحيح أبي داود»: حسن صحيح.
[ ١ / ٣٣٦ ]
وحتى إن طوائف من أصحاب الشافعي، استحبوا تسنيم القبور، وإن كانت السنة عندهم تسطيحها، قالوا: لأن ذلك صار شعارًا للمبتدعة، وليس الغرض هنا تقرير أعيان هذه المسائل، ولا الكلام على ما قيل فيها بنفي ولا إثبات، وإنما الغرض بيان ما اتفق عليه العلماء من كراهة التشبه بغير أهل الإسلام.
وقد يتردد العلماء في بعض هذه القاعدة، لتعارض الأدلة فيها، أو لعدم اعتقاد بعضهم اندراجه في هذه القاعدة، مثل ما نقله الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن لبس الحرير في الحرب؟ فقال: أرجو أن لا يكون به بأس.
قال: وسمعت أبا عبد الله يسأل عن المنطقة والحلية فيها؟ فقال: أما المنطقة فقد كرهها قوم، يقولون: من زي العجم، وكانوا يحتجزون العمائم.
وهذا إنما علق القول فيه، لأن في المنطقة منفعة عارضت ما فيها من التشبه، ونقل عن بعض السلف أنه كان يتمنطق، فلهذا حكى الكلام عن غيره وأمسك.
ومثل هذا هل يجعل قولًا له إذا سئل عن مسألة فحكى فيها جواب غيره ولم يردفه بموافقة ولا مخالفة؟ فيه لأصحابه وجهان:
أحدهما: نعم، لأنه لولا موافقته له لما كان قد أجاب السائل، لأنه إنما سأله عن قوله، ولم يسأله أن يحكي له مذاهب الناس.
والثاني: لا يجعل بمجرد ذلك قولًا له، لأنه إنما حكاه فقط، ومجرد الحكاية لا يدل على الموافقة.
وفي لبس المنطقة أثر، وكلام ليس هذا موضعه.
ولمثل هذا - تردد كلامه في القوس الفارسية، فقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن القوس الفارسية؟ فقال: إنما كانت قسي الناس العربية ثم قال: إن بعض الناس احتج بحديث عمر ﵁: «جعاب وأدم» (١)، قلت: حديث أبي عمرو بن حماس؟ قال: نعم، قال أبو عبد الله يقول: فلا تكون جعبة إلا للفارسية، والنبل فإنما هو قرن.
قال الأثرم: قلت لـ أبي عبد الله: في تفسير مجاهد، قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ [فصلت: ٥] قال: كالجعبة للنبل، قال: فإن كان يسمي جعبة للنبل، فليس ما احتج به الذي قال هذا بشيء، ثم قال: ينبغي أن يسأل عن هذا أهل العربية.
قال أبو بكر: قيل لـ أبي عبد الله: الدراعة يكون لها فرج؟ فقال: كان لـ خالد بن معدان دراعة لها فرج من بين يديها قدر ذراع، قيل لـ أبي عبد الله: فيكون لها فرج من خلفها؟ قال: ما أدري، أما من بين يديها فقد سمعت، وأما من خلفها فلم أسمع، قال: إلا أن في ذلك سعة له عند الركوب ومنفعة. قال: وقد احتج بعض الناس في هذا بقوله تعالى: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] قال الأثرم: قلت لـ أبي عبد الله: واحتج بهذه الآية بعض الناس في القوس الفارسية، ثم قلت: إن أهل خراسان يزعمون أنه لا منفعة لهم في القوس العربية، وإنما النكاية عندهم للفارسية، قال: كيف!؟ وإنما افتتحت الدنيا بالعربية، قال الأثرم: قلت لـ أبي عبد الله ورأيتهم بالثغر لا يكادون يعدلون بالفارسية قال: إنما رأيت الرجل بالشام متنكبًا قوسًا عربية.
_________________
(١) [١٠٨٠]» رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ١٤٧)، قال الألباني في «إرواء الغليل» (٣/ ٣١١): إسناده ضعيف.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وروى الأثرم، عن حفص بن عمر، حدثنا رجاء بن مرجى، حدثني عبد الله بن بشر، عن أبي راشد الحبراني، وأبي الحجاج السكسكي، عن علي قال: «بينما رسول الله ﷺ يتوكأ على قوس له عربية، إذ رأى رجلًا معه قوس فارسية فقال: ألقها فإنها ملعونة، ولكن عليكم بالقسي العربية، وبرماح القنا، فبها يؤيد الله الدين، وبها يمكن لكم في الأرض» (١)، ولأصحابنا في القوس الفارسية ونحوها، كلام طويل، ليس هذا موضعه، وإنما نبهت بذلك على أن ما لم يكن من هدي المسلمين بل هو من هدي العجم أو نحوهم، وإن ظهرت فائدته، ووضحت منفعته، تراهم يترددون فيه، ويختلفون لتعارض الدليلين: دليل ملازمة الهدي الأول، ودليل استعمال هذا الذي فيه منفعة بلا مضرة، مع أنه ليس من العبادات، وتوابعها، وإنما هو من الأمور الدنيوية، وأنت ترى عامة كلام أحمد إنما يثبت الرخصة بالأثر عن عمر أو بفعل خالد بن معدان، ليثبت بذلك أن ذلك كان يفعل على عهد السلف، ويقرون عليه، فيكون من هدي المسلمين، لا من هدي الأعاجم وأهل الكتاب، فهذا هو وجيه الحجة، لا أن مجرد فعل خالد بن معدان حجة.
وأما ما في هذا الباب عن سائر أئمة المسلمين، من الصحابة والتابعين وسائر الفقهاء، فأكثر من أن يمكن ذكر عشره، وقد قدمنا في أثناء الأحاديث كلام بعضهم الذي يدل على كلام الباقين، وبدون ما ذكرناه يعلم إجماع الأمة على كراهة التشبه بأهل الكتاب والأعاجم في الجملة، وإن كانوا قد يختلفون في بعض الفروع، إما لاعتقاد بعضهم أنه ليس من هدي الكفار، أو لاعتقاده أن فيه دليلًا راجحًا، أو لغير ذلك، كما أنهم مجمعون على اتباع الكتاب والسنة، وإن كان قد يخالف بعضهم شيئًا من ذلك لنوع تأويل، والله سبحانه أعلم. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ١/ ١٥٤
_________________
(١) [١٠٨١]» رواه أبو داود في «المراسيل» (٣٩٦) وقال: قد أسند هذا الحديث وليس بصحيح، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢٦٨) وقال: رواه الطبراني عن شيخه بكر بن سهل الدمياطي قال الذهبي وهو مقارب الحديث وقال النسائي ضعيف، وبقية رجاله رجال الصحيح إلا أنى لم أجد لأبي عبيدة عيسى بن سليم من عبد الله بن بشر سماعا.
[ ١ / ٣٣٨ ]
المبحث الخامس: العلاقة بين التشبه والولاء
من نافلة القول: أن الشارع ما ترك خيرًا إلا دل الأمة عليه، وما ترك شرًا إلا حذر الأمة عنه. وحين أمر الشارع الحكيم بمخالفة الكفار – في الهدي الظاهر – فإن ذلك لحكم جليلة (١) منها:
(١) إن المشاركة في الهدي الظاهر: تورث تناسبًا وتشاكلًا بين المتشابهين يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال.
وهذا أمر محسوس، فإن اللابس لثياب الجند المقاتلة – مثلًا – في نفسه نوع تخلق بأخلاقهم، ويصير طبعه مقتضيًا لذلك، إلا أن يمنعه من ذلك مانع.
(٢) إن المخالفة في الهدي الظاهر: توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال. والانعطاف إلى أهل الهدي والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين.
وكلما كان القلب أتم حياة، وأعرف بالإسلام الذي هو الإسلام – لست أعني مجرد التوسم به ظاهرًا، أو باطنًا بمجرد الاعتقادات التقليدية من حيث الجملة – كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطنًا أو ظاهرًا أتم. وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد.
(٣) إن مشاركتهم في الهدي الظاهر: توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التمييز ظاهرًا بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية.
هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحًا محضًا، لو تجرد عن مشابهتهم.
فأما إن كان من موجبات كفرهم فإنه يكون شعبة من شعب الكفر، فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع ضلالتهم ومعاصيهم. وهذا أصل ينبغي أن يتفطن إليه (٢).
مثال واحد من مشابهة اليهود والنصارى:
(العيد):
العيد مظهر مميز للأمة، ومن هنا اخترته مثالًا واحدًا من أمثلة التشبه باليهود والنصارى، وقد وردت الأدلة الكثيرة المحرمة للتشبه بهم في هذا الشأن من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار (٣).
أما الكتاب فقد قال تعالى: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ [الفرقان: ٧٢].
قال مجاهد في تفسيرها إنها أعياد المشركين وكذلك قال مثله الربيع بن أنس والقاضي أبو يعلى والضحاك (٤).
وإذا كان الله قد مدح ترك شهودها الذي هو مجرد الحضور برؤية أو سماع فكيف بالموافقة بما يزيد على ذلك من العمل الذي هو عمل الزور لا مجرد شهوده؟
ومن السنة: عن أنس بن مالك ﵁ قال: «قدم رسول الله ﷺ ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله ﷺ إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما، يوم الأضحى ويوم الفطر» (٥) رواه أبو داود وأحمد والنسائي على شرط مسلم.
_________________
(١) [١٠٨٢]» «اقتضاء الصراط المستقيم» (١١ - ١٢)
(٢) [١٠٨٣]» «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص١٢).
(٣) [١٠٨٤]» أفاض شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذا الموضوع بما يكفي ويشفي في كتابه القيم «اقتضاء الصراط المستقيم». ولذا فما أذكره هنا مقتبس من كلامه ﵀
(٤) [١٠٨٥]» «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص١٨١).
(٥) [١٠٨٦]» رواه أبو داود (١١٣٤)، وأحمد (٣/ ٢٥٠) (١٣٦٤٧)، والحاكم (١/ ٤٣٤)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال النووي في «الخلاصة» (٢/ ٨١٩): إسناده صحيح، وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٤٨٥): إسناده على شرط مسلم، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».
[ ١ / ٣٣٩ ]
ووجه الدلالة: أن اليومين الجاهليين لم يقرهما رسول الله ﷺ ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة بل قال «إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما » والإبدال من الشيء يقتضي ترك المبدل منه، إذ لا يجمع بين البدل والمبدل منه. وهذه العبارة لا تستعمل إلا فيها ترك اجتماعهما كقوله تعالى:
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا [الكهف: ٥٠].
وقوله ﷺ «خيرًا منهما» يقتضي الاعتياض بما شرع لنا عما كان في الجاهلية.
والمحذور في أعياد أهل الكتابين التي نقرهم عليها أشد من المحذور في أعياد الجاهلية التي لا نقرهم عليها، فإن الأمة قد حذروا مشابهة اليهود والنصارى وأخبروا إن سيفعل قوم منهم هذا المحذور، بخلاف دين الجاهلية فإنه لا يعود إلا في آخر الدهر عند اخترام أنفس المؤمنين عمومًا، ولو لم يكن أشد منه فإنه مثله على ما لا يخفى، إذ الشر الذي له فاعل موجود يخاف على الناس منه أكثر من شر لا مقتضي له قوي (١)
أما الإجماع: فما هو معلوم من السير أن اليهود والنصارى والمجوس ما زالوا في أمصار المسلمين بالجزية يفعلون أعيادهم التي لهم، ومع ذلك لم يكن على عهد السلف من المسلمين من يشركهم في شيء من ذلك.
وكذلك ما فعله عمر بخصوص أهل الذمة وما اتفق عليه الصحابة والفقهاء أن أهل الذمة لا يظهرون أعيادهم في دار الإسلام، وإذا كان هذا اتفاقهم فكيف يسوغ للمسلمين فعلها؟ أو ليس فعل المسلم لها أشد من فعل الكافر لها مظهرًا لها؟
وقد قال عمر ﵁: (إياكم ورطانة الأعاجم، وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم فإن السخطة تتنزل عليهم) رواه أبو الشيخ الأصبهاني ورواه البيهقي بإسناد صحيح (٢).
وأما الاعتبار: فالأعياد من جملة الشرع، والمناهج والمناسك التي قال الله فيها: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨].
فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم في سائر المناهج، فإن الموافقة في جميع العيد: موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه: موافقة في بعض شعب الكفر، بل إن الأعياد من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر وأظهر شعائره.
ولا ريب: أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة (٣).
ثم إن عيدهم من الدين الملعون هو وأهله، فموافقتهم فيه موافقة فيما يتميزون به من أسباب سخط الله وعقابه.
ومن أوجه الاعتبار أيضًا: (أنه إذا سوغ فعل القليل من ذلك أدى إلى فعل الكثير، ثم إذا اشتهر الشيء دخل فيه عوام الناس وتناسوا أصله حتى يصير عادة للناس بل عيدًا لهم، حتى يضاهى بعيد الله، بل قد يزيد عليه حتى يكاد أن يفضي إلى موت الإسلام وحياة الكفر) (٤).
_________________
(١) [١٠٨٧]» انظر «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص ١٨٤ – ١٨٦).
(٢) [١٠٨٨]» رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ٢٣٤) (١٨٦٤٠)، وعبد الرزاق في «المصنف» (١/ ٤١١)، قال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٥١١)، وابن القيم في «أحكام أهل الذمة» (٣/ ١٢٤٧): إسناده صحيح، وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ٤١٧)، وابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/ ٤٩٤): إسناده صحيح.
(٣) [١٠٨٩]» «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص ٢٠٨)
(٤) [١٠٩٠]» «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص ٢٠٩).
[ ١ / ٣٤٠ ]
أما ما ينعكس على نفوسهم إذا تشبه بهم المسلمون في العيد خاصة فهو السرور والفرح لأن في ذلك رفعة لباطلهم وتنافيًا لمبدأ القهر والجزية والصغار الواقعين تحته.
وخلاصة المشابهة: أنها تفضي إلى كفر أو معصية غالبًا، أو تفضي إليهما في الجملة وليس في هذا المفضي مصلحة، وما أفضى إلى ذلك كان محرمًا فالمشابهة محرمة، والمقدمة الثانية لا ريب فيها، لأن استقرار الشريعة يدل على أن ما أفضى إلى الكفر غالبًا وما أفضى إليه على وجه خفي حرام وما أفضى إليه في الجملة ولا حاجة تدعو إليه حرام (١).
وبعد أن يتمعن المسلم كل هذه الأحكام بخصوص العيد عليه أن يقيس بمقياس الكتاب والسنة: الأعياد المحدثة اليوم ومن يحدثونها ومن يهنئون بها الكفرة والملاحدة. مثل عيد الثورة! وعيد الجلوس! وعيد الميلاد! وعيد الأم، وعيد تحكيم القانون ونبذ الشريعة وعيد الوطن وعيد الجلاء إلى أخر هذه المسميات والأسماء الجاهلية التي ما أنزل بها من سلطان، والتي هي مضاهاة ومنازعة لشريعة الله وحكمه.
فواجب المسلم أن لا يقر بها ولا يهنئ أحدًا بها ويكتفي بالعيدين الإسلاميين الفطر والأضحى وفي الأيام الأخرى كالجمعة وغيرها ما يغنينا عن استيراد شعائر وشعارات الكفر وأربابه.
صورة مشرقة من صور التميز في المجتمع الإسلامي الأول:
كلما عاد الحديث إلى الرعيل الأول كان له حلاوة خاصة تبعث في النفس الأمل والرجاء بالاقتضاء بأولئك العظام، وتحفز الهمم لتشمر عن ساعد الجد فتلحق بركب قافلة الإيمان، ودعاة الهدى والخير.
ولقد كانت الشروط العمرية التي وضعها الفاروق ﵁ مثالًا رائعًا في تعامل المسلمين مع غيرهم وتميز أهل الذمة عن المسلمين مما يحفظ على المجتمع الإسلامي شخصيته المستقلة ويرعى لأولئك الذميين حقوقهم التي أمر بها هذا الدين الحنيف.
إن الحرص العمري على تميز المسلمين عن غير المسلمين هو عمق هذه العقيدة في نفسه والقيام بمسؤوليته كراع للأمة يعلم أنه مسؤول عنها كما في الحديث الصحيح «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» (٢) متفق عليه.
والذي جعلني أختار موضوع أهل الذمة في هذه النقطة بالذات هو أن وضع الذميين في الدولة الإسلامية وضع خاص غير وضع الكفار الحربيين أو المهادنين.
وحيث ينشأ ويعيش الذميون وسط المجتمع الإسلامي فإن هذا الشيء يجب أن يكون محاطًا بحصانة خاصة للمسلمين لئلا يؤدي احتكاكهم بالذميين إلى التشبه بهم وذوبان الشخصية الإسلامية التي أراد هذا الدين أن تكون فريدة متميزة في كل شيء.
ثم إن من صفات هذا الدين الحنيف العدل حتى مع الكفار، ولكن ما حدود هذا العدل وما سماته؟ خاصة وأنه قد أقر (الذميين) على العيش وسط المجتمع الإسلامي؟
_________________
(١) [١٠٩١]» «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص ٢١٦). .
(٢) [١٠٩٢]» رواه البخاري (٨٩٣) ومسلم (١٨٢٩)، من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
[ ١ / ٣٤١ ]
الجواب: هو ما ورد في (الشروط العمرية) التي نصت على حماية المسلمين وكفلت للذميين حقوقهم على أن يكونوا هم أيضًا متميزين بزيهم وديانتهم حتى لا يلتبس المسلم بالذمي: وينتج من ذلك خليط لا يعرف له اتجاه محدد وهوية خاصة. وهذه الشروط – كما يقول عنها شيخ الإسلام ابن تيمية – منها: ما مقصوده التمييز عن المسلمين في الشعور واللباس، والأسماء، والمراكب والكلام ونحوها ليتميز المسلم من الكافر ولا يشبه أحدهما الآخر في الظاهر. ولم يرض عمر ﵁ والمسلمون بأصل التمييز، بل بالتمييز في عامة الهدي وذلك يقتضي: إجماع المسلمين على التميز عن الكفار ظاهرًا، وترك التشبه بهم، ولقد كان أمراء الهدى مثل العمرين وغيرهما يبالغون في تحقيق ذلك بما يتم به المقصود. ومنها: ما يعود بإخفاء منكرات دينهم وترك إظهارها، كمنعهم من إظهار الخمر، والناقوس والنيران في الأعياد. ومنها: ما يعود بإخفاء شعار دينهم كأصواتهم بكتابهم.
ومنها: ما يعود بترك إكرامهم وإلزامهم الصغار الذي شرعه الله (١). وإليك نص هذه الشروط:
روى سفيان الثوري عن مسروق عن عبدالرحمن بن غنم قال: كتبت لعمر بن الخطاب ﵁ حين صالح نصارى الشام، وشرط عليهم فيه (ألا يحدثوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديرًا ولا كنيسة، ولا قلاية (٢)، ولا صومعة راهب، ولا يجددوا ما خرب، ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم، ولا يؤوا جاسوسًا، ولا يكتموا غشًا للمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن، ولا يظهروا شركًا، ولا يمنعوا ذوي قراباتهم من الإسلام إن أرادوه وأن يوقروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم، ولا يتكنوا بكناهم، ولا يركبوا سرجًا، ولا يتقلدوا سيفًا، ولا يبيعوا الخمور، وأن يجزوا مقادم رؤوسهم، وأن يلزموا زيهم حيثما كانوا، وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم ولا يظهروا صليبًا ولا شيئًا من كتبهم في شيء من طرق المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربًا خفيًا، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من محضرة المسلمين، ولا يخرجوا شعانين، ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم، ولا يظهروا النيران معهم ولا يشتروا من الرقيق ما جرت فيه سهام المسلمين) (٣).
فإن خالفوا شيئًا مما شرطوه فلا ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق (٤) انتهى.
ولهذه الشروط طرق أخرى في روايتها، ولكنها كلها تلتقي عند هذا المعنى، ولذلك عقب ابن القيم ﵀ على اختلاف تلك الروايات بقوله: وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في كتبهم واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها من بعده الخلفاء وعملوا بها (٥).
سبحان الله!!!
_________________
(١) [١٠٩٣]» انظر «اقتضاء الصراط المستقيم» (١٢٢ – ١٢٤).
(٢) [١٠٩٤]» القلاية: مبنى يبنيه النصارى كالمنارة ولا تكون إلا لواحد ينفرد فيها بنفسه ولا يكون لها باب، بل فيها طاقة يتناول منها طعامه وشرابه وما يحتاج إليه. انظر «أحكام أهل الذمة» (٢/ ٦٦٨).
(٣) [١٠٩٥]» رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ٢٠٢)، قال الذهبي في «المهذب» (٧/ ٣٧٦٧): فيه يحيى بن عقبة قال أبو حاتم: يفتعل الحديث وقال النسائي وغيره: ليس بثقة، وقال الألباني في «إرواء الغليل» (٥/ ١٠٣): إسناده ضعيف جدا.
(٤) [١٠٩٦]» «أحكام أهل الذمة» لابن القيم (٢/ ٦٦١ – ٦٦٢)
(٥) [١٠٩٧]» «أحكام أهل الذمة» لابن القيم (٢/ ٦٦٣) انظر «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص١٢).
[ ١ / ٣٤٢ ]
ما هذا البون الشاسع بين تلك القمة وبين هذا الغثاء الذي يعيش اليوم على الأرض متميعًا متسكعًا وراء الكفار والملاحدة. ويحسب نفسه مسلمًا؟
أين تلك العزة والقوة والسلطان الرباني الذي أخذ به ذلك الجيل، وأين الضعف والاستخذاء والتبعية العمياء التي يعيشها (المسلمون) اليوم؟
ترى: هل المنتسبون اليوم للإسلام في درجة الذميين الذين طبقت عليهم هذه الشروط؟
هل "المسلمون" اليوم ذميون للكفار؟
إن الذي يظهر لي أنه حتى على هذا الافتراض الأخير فإن المسلمين اليوم أقل قدرًا من ذميي الأمس. ذميو الأمس: في صغار وفى ذلة وفي زي معين ومكان معين. نعم.
أما مسلمو اليوم ففي صغار وذلة واستكانة عن إسلامهم وتبعية للشرق الملحد والغرب الكافر، وإعجاب وانبهار بما عليه أعداء الإسلام، وسخرية واستهزاء بما كان عليه سلف هذه الأمة!
من هنا فهم أحط قدرًا عند الله – ما داموا بهذه الصفات – وأحقر من أن يهابوا وأصغر من أن يسمع لهم كلمة في المجتمع الدولي المعاصر.
فعلى المسلم الصادق. المسلم الواعي. المسلم المدرك لحقيقة إسلامه أن يعرف أين يضع قدمه ولمن يهب حبه وولاءه، وأن يعلم أن حب أعداء الله وموالاتهم والتشبه بهم لا تلتقي مع صدق إيمانه وإنما يفعل ذلك من يزعم الإسلام زعمًا وبئس ذلك الزعم الكاذب.
وقد ذكر علماء الإسلام ما ينتقض به عهد الذمي حرصًا على حماية المسلمين من أي دخيل يستغل سماحة الإسلام فيغدر بالمسلمين. وهذه النواقض هي:-
(١) الإعانة على قتال المسلمين، وقتل المسلم أو المسلمة.
(٢) قطع الطريق عليهم.
(٣) إيواء جواسيس المشركين أو التجسس للمشركين بأن يكتب لهم أسرار المسلمين.
(٤) الزنا بالمسلمة أو إصابتها باسم النكاح.
(٥) افتتان المسلم عن دينه.
(٦) سب الله أو النبي ﷺ (١).
والأدلة على انتقاض عهد الذمي بسب الله أو كتابه أو دينه أو رسوله ووجوب قتله، وقتل المسلم إذا فعل ذلك كثيرة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين والاعتبار (٢).
أما الكتاب: فقوله تعالى: وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ [التوبة: ١٢].
وقوله تعالى: قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة: ٢٩].
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا [الأحزاب: ٥٧ – ٥٨].
_________________
(١) [١٠٩٨]» انظر: «الصارم المسلول على شاتم الرسول» لابن تيمية (٥ - ٢٦).
(٢) [١٠٩٩]» «الصارم المسلول على شاتم الرسول»: والمراد بالاعتبار: القياس.
[ ١ / ٣٤٣ ]
ومن السنة: ما رواه الشعبي عن علي ﵁ «أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت فأبطل رسول الله ﷺ دمها» (١) رواه أبو داود وابن بطة في (سننه)، والحديث متصل لأن الشعبي رأى عليًا وكان على عهد علي قد ناهز العشرين سنة. ثم إن كان فيه إرسال – لأن الشعبي يبعد سماعه من علي – فهو حجة وفاقًا، لأن الشعبي عندهم صحيح المراسيل لا يعرفون له مرسلًا إلا صحيحًا (٢).
وأيضًا ما رواه عكرمة عن ابن عباس ﵄: «أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه فأخذ المغول فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي ﷺ فجمع الناس فقال: أنشد رجلًا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام " قال: فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل، حتى قعد بين يدي النبي ﷺ فقال يا رسول الله أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كانت البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلها. فقال النبي ﷺ اشهدوا أن دمها هدر» رواه أبو داود والنسائي (٣).
ومن السنة أيضًا: ما احتج به الشافعي على أن الذمي إذا سب قتل وبرئت منه الذمة وهو قصة كعب بن الأشرف اليهودي. والحديث متفق عليه (٤). وأما إجماع الصحابة: فقد نقل ذلك عنهم في قضايا متعددة مستفيضة ولم ينكرها أحد فصارت إجماعًا ومن ذلك: ما رفع إلى المهاجر بن أبي أمية، وكان أميرًا على اليمامة ونواحيها: أن امرأتين مغنيتين غنت أحدهما بشتم النبي ﷺ فقطع يدها ونزع ثنيتيها وغنت الأخرى بهجاء المسلمين فقطع يدها ونزع ثنيتيها، فكتب إليه أبو بكر: بلغني الذي سرت به في المرأة التي غنت وزمزمت بشتم النبي ﷺ فلولا ما قد سبقتني لأمرتك بقتلها، لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود، فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر (٥).
_________________
(١) [١١٠٠]» رواه أبو داود (٢/ ٥٣٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ٢٠٠)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٧/ ٣٨٠): رجاله رجال الصحيح، وقال الألباني في «إرواء الغليل» (٥/ ٩١): إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٢) [١١٠١]» «الصارم المسلول على شاتم الرسول» (ص٦١).
(٣) [١١٠٢]» رواه أبو داود (٤٣٦١)، والنسائي (٧/ ١٠٧) (٤٠٧٠)، والدارقطني (٣/ ١١٢)، والطبراني (١١/ ٣٥١)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن حجر في «بلوغ المرام» (٣٦٣): رواته ثقات، وقال الشوكاني في «الدراري المضية» (٤٠٦): رجال إسناده ثقات، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».
(٤) [١١٠٣]» رواه البخاري (٤٠٣٧) ومسلم (١٨٠١).
(٥) [١١٠٤]» انظر «الصارم المسلول على شاتم الرسول» (ص ٢٠٠).
[ ١ / ٣٤٤ ]
وفي عهد عمر ﵁: جاءه رجل من أهل الكتاب – حين دخل الشام – وهو مشجوج مضروب فغضب لذلك عمر وأمر بإحضار عوف بن مالك الأشجعي لأنه هو الذي فعل ذلك بالذمي فلما سأله عمر عن فعله هذا قال: يا أمير المؤمنين رأيت هذا يسوق بامرأة مسلمة على حمار فنخس بها لتصرع، فلم تصرع، فدفعها فصرعت فغشيها، وأكب عليها، فقال عمر ائتني بالمرأة فلتصدق على ما قلت فأتاها عوف، فذهب معه أبوها وزوجها فأخبر عمر بمثل قول عوف، فأمر عمر باليهودي فصلب وقال: ما على هذا صالحناكم ثم قال: يا أيها الناس اتقوا الله في ذمة محمد ﷺ فمن فعل منهم مثل هذا فلا ذمة له (١).
وأما الاعتبار: فمن وجوه: (٢)
أحدها: أن عيب ديننا وشتم نبينا مجاهدة لنا ومحاربة، فكان نقضًا للعهد كالمجاهدة والمحاربة بطريق الأولى.
الثاني: - إن مطلق العهد الذي بيننا وبينهم يقتضي أن يكفوا ويمسكوا عن إظهار الطعن في ديننا، وشتم رسولنا، كما يقتضي الإمساك عن دمائنا ومحاربتنا.
الثالث: إن الله فرض علينا تعزيز رسوله وتوقيره، وتعزيزه: نصره ومنعه، وتوقيره: إجلاله وتعظيمه، وذلك يوجب صون عرضه بكل طريق. فلا يجوز أن نصالح أهل الذمة، وهم يسمعونا شتم نبينا وإظهار ذلك، لأنا إذا تركناهم على هذا تركنا الواجب علينا نحو رسول الله ﷺ. الولاء والبراء في الإسلام لمحمد بن سعيد القحطاني – ٣٢٢
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: ومشاركتهم في الظاهر: إن لم تكن ذريعة أو سببًا قريبًا، أو بعيدًا إلى نوع ما من الموالاة والموادة، فليس فيها مصلحة المقاطعة المباينة، مع أنها تدعو إلى نوع ما من المواصلة - كما توجبه الطبيعة، وتدل عليه العادة - ولهذا كان السلف ﵃ يستدلون بهذه الآيات على ترك الاستعانة بهم في الولايات.
فروى الإمام أحمد بإسناد صحيح، (عن أبي موسى ﵁ قال: قلت لعمر ﵁: إن لي كاتبًا نصرانيًا قال مالك؟ قاتلك الله، أما سمعت الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: ٥١]. ألا اتخذت حنيفًا؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه. قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله) (٣).
كما جاء القرآن بالنهي عن موالاة الكفار ومودتهم، وكذلك جاءت السنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين، وأجمع الفقهاء عليها. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ١/ ١٦٤
_________________
(١) [١١٠٥]» رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٩/ ٢٠١) من حديث سويد بن غفلة، وقال: تابعه ابن أشوع عن الشعبى عن عوف بن مالك، وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٢١٧): معروف، وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٣٤٤): إسناده صحيح، وقال الألباني في «إرواء الغليل» (٥/ ١٢٠): فقد قال البيهقي عقبه: " تابعه ابن أشوع عن الشعبي عن عوف بن مالك ". قلت: فهو بهذه المتابعة حسن إن شاء الله تعالى.
(٢) [١١٠٦]» رواه البخاري (٥٦٣٣).
(٣) [١١٠٧]» الحديث لم أجده في «المسند» ورواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١٠/ ١٢٧)،بلفظ آخر، قال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ١٨٤): إسناده صحيح،
[ ١ / ٣٤٥ ]
وقال ﵀: أن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة، وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة، حتى أن الرجلين إذا كانا من بلد واحد، ثم اجتمعا في دار غربة، كان بينهما من المودة، والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في مصرهما لم يكونا متعارفين، أو كانا متهاجرين، وذاك لأن الاشتراك في البلد نوع وصف اختصا به عن بلد الغربة، بل لو اجتمع رجلان في سفر، أو بلد غريب، وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب، أو الشعر، أو المركوب ونحو ذلك - لكان بينهما من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما، وكذلك تجد أرباب الصناعات الدنيوية يألف بعضهم بعضًا، ما لا يألفون غيرهم، حتى أن ذلك يكون مع المعاداة والمحاربة: إما على الملك، وإما على الدين، وتجد الملوك ونحوهم من الرؤساء، وإن تباعدت ديارهم وممالكهم بينهم مناسبة تورث مشابهة ورعاية من بعضهم لبعض، وهذا كله موجب الطباع ومقتضاه، إلا أن يمنع من ذلك دين أو غرض خاص.
فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية، تورث المحبة والموالاة لهم، فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ [المائدة: ١٥ - ٥٣].
وقال تعالى فيما يذم بها أهل الكتاب: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [المائدة: ٧٨ - ٨١].
فبين ﷾ أن الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم، فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان، لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم.
وقال سبحانه: لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: ٢٢].
فأخبر سبحانه أنه لا يوجد مؤمن يواد كافرًا، فمن واد الكفار فليس بمؤمن، والمشابهة الظاهرة مظنة الموادة، فتكون محرمة، ، وأعلم أن وجوه الفساد في مشابهتهم كثيرة، فلنقتصر على ما نبهنا عليه. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ١/ ٤٨٨
[ ١ / ٣٤٦ ]
المبحث السادس: الفرق بين الموالاة وبين المعاملة بالحسنى
أن الولاء شيء والمعاملة بالحسنى شيء آخر والأصل في هذا قوله تعالى:
لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:٨].
وقد اختلف أهل العلم في تفسيرها فقال بعضهم أن المعني بها: الذين كانوا آمنوا بمكة ولم يهاجروا فأذن الله للمؤمنين ببرهم والإحسان إليهم وإلى هذا ذهب مجاهد.
وقال آخرون: عني بها من غير أهل مكة من لم يهاجر.
وقال آخرون: بل عني بها من مشركي مكة من لم يقاتل المؤمنين ولم يخرجوهم من ديارهم ونسخ الله ذلك بعد بالأمر بقتالهم. ويروى هذا عن قتادة (١).
ورجح ابن جرير: أن أولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلونكم في الدين من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم. لأن الله ﷿ عم بقوله: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضًا دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ. لأن بر المؤمن أحدًا من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينهما ولا نسب غير محرم، ولا منهي عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح.
ويبين ذلك الخبر المروي عن ابن الزبير في قصة أسماء مع أمها (٢). والإسلام بفعله هذا – حتى في حالة الخصومة – يستبقي أسباب الود في النفوس بنظافة السلوك، وعدالة المعاملة انتظارًا لليوم الذي يقتنع فيه خصومه بأن الخير في أن ينضووا تحت لوائه الرفيع (٣).
إن الله أمر بصلة الأقارب الكفار والمشركين و ذلك ليس موالاة لهم في شيء.
ونزيد هذا الأمر إيضاحًا بقصة أسماء بنت أبي بكر ﵂ مع أمها فقد روى البخاري ومسلم عن أسماء ﵂ قالت: «قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت: إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال: نعم صلي أمك» (٤).
قال الخطابي: فيه – أي الحديث – أن الرحم الكافرة توصل من المال ونحوه كما توصل المسلمة ويستنبط منه وجوب نفقة الأب الكافر والأم الكافرة وإن كان الولد مسلمًا (٥).
قال ابن حجر: البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتوادد المنهي عنه في قوله تعالى:
لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: ٢٢].
فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل (٦).
_________________
(١) [١١٠٨]» «تفسير الطبري» (٢٨/ ٦٦)
(٢) [١١٠٩]» «تفسير الطبري» (٢٨/ ٦٦)
(٣) [١١١٠]» انظر «الظلال» (٦/ ٣٥٤٤)
(٤) [١١١١]» رواه البخاري (٢٦٢٠) ومسلم (١٠٠٣).
(٥) [١١١٢]» «فتح الباري» (٥/ ٢٣٤)
(٦) [١١١٣]» «فتح الباري» (٥/ ٢٣٣)
[ ١ / ٣٤٧ ]
وقال ابن القيم: الذي يقوم عليه الدليل وجوب الإنفاق، وإن اختلف الدينان لقوله تعالى:
وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [لقمان: ١٤ –١٥].
وليس من الإحسان ولا من المعروف ترك أبيه وأمه في غاية الضرورة والفاقة وهو في غاية الغنى. وقد ذم الله قاطعي الرحم وعظم قطيعتها وأوجب حقها وإن كانت كافرة لقوله تعالى:
وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: ١].
وفي الحديث «لا يدخل الجنة قاطع رحم» (١).
وصلة الرحم واجبة، وإن كانت لكافر، فله دينه وللواصل دينه وقياس النفقة على الميراث قياس فاسد، فإن الميراث مبناه على النصرة والموالاة بخلاف النفقة فإنها صلة ومواساة من حقوق القرابة.
وقد جعل الله للقرابة حقًا – وإن كانت كافرة – فالكفر لا يسقط حقوقها في الدنيا. قال تعالى:
وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء: ٣٦].
وكل من ذكر في هذه الآية فحقه واجب وإن كان كافرًا، فما بال ذي القربى وحده يخرج من جملة من وصى الله بالإحسان إليه (٢).
من هنا: يتضح لنا: أن الموالاة الممثلة في الحب والنصرة شيء. والنفقة والصلة والإحسان للأقارب الكفار شيء آخر. وسماحة الإسلام أيضًا تتضح في معاملة الأسرى والشيوخ والأطفال والنساء في الحرب. كما هو معلوم من صفحاته المشرقة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الأصل أنه لا يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه، كما لا يشرع لهم من العبادات التي يتقربون بها إلى الله إلا مما دل الكتاب والسنة على شرعه. إذ الدين ما شرعه الله، والحرام ما حرمه الله، بخلاف الذين ذمهم الله حيث حرموا من دون الله ما لم يحرمه الله وأشركوا به ما لم ينزل به سلطانًا، وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله (٣).
وانطلاقًا من هذه القاعدة وبناء على النصوص الشرعية وسيرة رسول الله ﷺ وأصحابه الراشدين وأئمة المسلمين نقول: إن التعامل مع الكفار في البيع والشراء والهدية وخلاف ذلك لا يدخل في مسمى الموالاة، بل يباح للمسلم البيع والشراء مع الكفار فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يسأل عن معاملة التتار فيقول:
(يجوز فيها ما يجوز في معاملة أمثالهم، ويحرم فيها ما يحرم في معاملة أمثالهم، فيجوز أن يبتاع الرجل من مواشيهم وخيلهم ونحو ذلك كما يبتاع من مواشي الأعراب والتركمان والأكراد ويجوز أن يبيعهم من الطعام والثياب ونحو ذلك ما يبيعه لأمثالهم.
فأما إن باعهم أو باع غيرهم ما يعينهم به على المحرمات، كبيع الخيل والسلاح لمن يقاتل به قتالًا محرمًا فهذا لا يجوز قال تعالى:
_________________
(١) [١١١٤]» رواه البخاري (٥٩٨٤) ومسلم (٢٥٥٦) من حديث جبير بن مطعم ﵁.
(٢) [١١١٥]» «أحكام أهل الذمة» (٢/ ٤١٧ – ٤١٨).
(٣) [١١١٦]» «السياسة الشرعية» (ص ١٥٥).
[ ١ / ٣٤٨ ]
وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة: ٢].
وإذا كان الذي معهم أو مع غيرهم، أموال يعرف أنهم غصبوها من معصوم فذلك لا يجوز اشتراؤها لمن يمتلكها لكن إذا اشتريت على طريق الاستنقاذ لتصرف في مصارفه الشرعية فتعاد إلى أصحابها – إن أمكن – وإلا صرفت في مصالح المسلمين: جاز هذا. وإذا علم أن في أموالهم شيئًا محرمًا لا تعرف عينه، فهذا لا تحرم معاملتهم فيه كما إذا علم أن في الأسواق ما هو مغصوب ومسروق ولم يعلم عينه) (١).
وقد روى البخاري في كتاب البيوع باب الشراء والبيع مع المشركين وأهل الحرب عن عبدالرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: «كنا مع النبي ﷺ ثم جاء رجل مشرك مشعان (٢) طويل بغنم يسوقها فقال النبي ﷺ: (بيعًا أم عطية) أو قال: أم هبة؟ فقال: لا. بيع فاشترى منه شاة» (٣).
قال ابن بطال: معاملة الكفار جائزة إلا بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين (٤)
وثبت أيضًا عن النبي ﷺ «أنه أخذ من يهودي ثلاثين وسقًا من شعير ورهنه درعه» (٥) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: -
(وإذا سافر الرجل إلى دار الحرب ليشتري منها جاز عندنا، كما دل عليه حديث تجارة أبي بكر ﵁ في حياة رسول الله ﷺ إلى أرض الشام وهي حينذاك دار حرب وغير ذلك من الأحاديث.
فأما بيع المسلم لهم في أعيادهم ما يستعينون به على عيدهم من الطعام واللباس والريحان ونحو ذلك، أو إهداء ذلك لهم: فهذا فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم، وهو مبني على أصل وهو: أنه لا يجوز أن يبيع الكفار عنبًا أو عصيرًا يتخذونه خمرًا.
وكذلك لا يجوز بيعهم سلاحًا يقاتلون به مسلمًا) (٦).
(٢) الوقف عليهم أو وقفهم على المسلمين:
قال ابن القيم: (أما ما وقفوه. فينظر فيه، فإن وقفوه على معين أو جهة يجوز للمسلم الوقف عليها كالصدقة على المساكين والفقراء وإصلاح الطرق والمصالح العامة، أو على أولادهم وأنسالهم وأعقابهم: فهذا الوقف صحيح. حكمه حكم وقف المسلمين على هذه الجهات لكن إذا شرط في استحقاق الأولاد والأقارب بقاءهم على الكفر- فإن أسلموا لم يستحقوا شيئًا- لم يصح هذا الشرط، ولم يجز للحاكم أن يحكم بموجبه باتفاق الأمة لأنه مناقض لدين الإسلام، مضاد لما بعث الله به رسوله ﷺ.
أما وقف المسلم عليه: فإنه يصح منه ما وافق حكم الله ورسوله، فيجوز أن يقف على معين منهم، أو على أقاربه، وبني فلان ونحوه.
_________________
(١) [١١١٧]» «المسائل الماردينية» (ص ١٣٢ – ١٣٣) تحقيق الشاويش الطبعة الثالثة سنة ١٣٩٩هـ
(٢) [١١١٨]» أي طويل مشعث الشعر.
(٣) [١١١٩]» رواه البخاري (٢٢١٦) ومسلم (٢٠٥٦).
(٤) [١١٢٠]» «فتح الباري» (٤/ ٤١٠)
(٥) [١١٢١]» رواه أحمد (٢٧٢٤)، والطبراني (١١/ ٢٦٨)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٦)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٤/ ٢٧٢) من حديث ابن عباس ﵄، قال ابن جرير في «مسند ابن عباس» (١/ ٢٣٩): اسناده صحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ١٢٦): رجاله موثوقون، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٤/ ٢٥٦): إسناده صحيح، وصححه مقبل الوادعي في «الصحيح المسند» (٦١٢). وروى البخاري (٢٥١٣) نحوه من حديث عائشة بلفظ: (اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعاما ورهنه درعه).
(٦) [١١٢٢]» «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص ٢٢٩).
[ ١ / ٣٤٩ ]
ولا يكون الكفر موجبًا ولا شرطًا في الاستحقاق ولا مانعًا منه – فلو وقف على ولده أو أبيه أو قرابته استحقوا ذلك وإن بقوا على كفرهم، فإن أسلموا فأولى بالاستحقاق.
وأما الوقف على كنائسهم وبيعهم ومواضع كفرهم التي يقيمون فيها شعار الكفر: فلا يصح من كافر ولا مسلم. فإن في ذلك أعظم الإعانة له على الكفر والمساعدة والتقوية عليه، وذلك مناف لدين الله) (١).
(٣) عيادتهم وتهنئتهم:
روى البخاري في كتاب الجنائز عن أنس ﵁ قال: «كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم. فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم ﷺ فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار» (٢).
وروى أيضًا: قصة أبي طالب حين حضرته الوفاة فزاره النبي ﷺ وعرض عليه الإسلام (٣).
قال ابن بطال: إنما تشرع عيادته إذا رجي أن يجيب إلى الدخول في الإسلام، فأما إذا لم يطمع في ذلك فلا (٤)
قال ابن حجر: والذي يظهر: أن ذلك يختلف باختلاف المقاصد، فقد يقع بعيادته مصلحة أخرى (٥).
(أما تهنئتهم بشعائر الكفر المختصة بهم فحرام بالاتفاق، وذلك مثل أن يهنأهم بأعيادهم فيقول: عيدك مبارك، أو تهنأ بهذا العيد، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله، وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه.
وكثير مما لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل. فمن هنأ عبدًا بمعصية، أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه، وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنبون تهنئة الظلمة بالولايات، وتهنئة الجهال بمنصب القضاء والتدريس والافتاء تجنبًا لمقت الله وسقوطهم من عينه " وإن بلي الرجل فتعاطاه دفعًا لشر يتوقعه منهم فمشى إليهم ولم يقل إلا خيرًا ودعا لهم بالتوفيق والتسديد فلا بأس بذلك) (٦).
ويدخل في هذا أيضًا: تعظيمهم ومخاطبتهم بالسيد والمولى وذلك حرام قطعًا، ففي الحديث المرفوع «لا تقولوا للمنافق سيد فإنه إن يك سيدًا فقد اسخطتم ربكم ﷿» (٧).
ولا يجوز أيضًا تلقيبهم – كما يقول ابن القيم – بمعز الدولة أو فلان السديد، أو الرشيد أو الصالح ونحو ذلك. ومن تسمى بشيء من هذه الأسماء لم يجز للمسلم أن يدعوه به، بل إن كان نصرانيًا قال: يا نصراني، يا صليبي، ويقال لليهودي، يا يهودي.
ثم قال ابن القيم بالنص (.. وأما اليوم فقد وقفنا إلى زمان يصدرون في المجالس، ويقام لهم وتقبل أيديهم ويتحكمون في أرزاق الجند، والأموال السلطانية، ويكنون بأبي العلاء وأبي الفضل، وأبي الطيب، ويسمون حسنًا وحسينًا وعثمان وعليًا! وقد كانت أسماؤهم من قبل: يوحنا ومتى وجرجس وبطرس وعزرًا وأشعيًا، وحزقيل وحيي، ولكل زمان دولة ورجال) (٨).
_________________
(١) [١١٢٣]» «أحكام أهل الذمة» (١/ ٢٩٩ - ٣٠٢) وانظر «مجموعة الرسائل والمسائل» (١/ ٢٢٩)
(٢) [١١٢٤]» رواه البخاري (١٣٥٦).
(٣) [١١٢٥]» رواه البخاري (٣٨٨٤).
(٤) [١١٢٦]» «فتح الباري» (١٠/ ١١٩).
(٥) [١١٢٧]» «فتح الباري» (١٠/ ١١٩).
(٦) [١١٢٨]» «أحكام أهل الذمة» لابن القيم (١/ ٢٠٥ – ٢٠٦).
(٧) [١١٢٩]» رواه أبو داود (٤٩٧٧)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٤٤)، والنووي في «الأذكار» (٤٤٩)، والعجلوني في «كشف الخفاء» (٢/ ٤٨٤): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».
(٨) [١١٣٠]» «أحكام أهل الذمة» (٢/ ٧٧١).
[ ١ / ٣٥٠ ]
وإذا كان هذا كلام العلامة ابن القيم وهو المتوفى سنة ٧٥١ هـ ﵀. فلينظر المسلم اليوم إلى هذا الغثاء الذي هو كغثاء السيل، ينتسبون للإسلام وهم يتبعون أعداء الله في كل صغيرة وكبيرة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه، وليست تبعية لهم فحسب بل إنها تبعية بإعجاب وانبهار! فما تمر بأعدائنا مناسبة إلا وتنهال التهاني عليهم من كل حدب وصوب بالتهنئة والتبريك ومعسول الأماني!!
(٤) حكم السلام عليهم:
اختلف العلماء في معني قوله تعالى عن إبراهيم ﵇ حين دعا أباه فأبى قال إبراهيم سَلامٌ عَلَيْكَ [مريم: ٤٧].
فأما الجمهور فقالوا: المراد بسلامه المسالمة التي هي المشاركة لا التحية. وقال الطبري: معناه: أمنة مني لك. وعلى هذا لا يبدأ الكافر بالسلام (١). وقال بعضهم في معنى تسليمه: هو تحية مفارق. وجوز تحية الكافر وأن يبدأ بها قيل لابن عيينة: هل يجوز السلام على الكافر؟ قال نعم: قال الله تعالى: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة: ٨].
وقال: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ [الممتحنة: ٤].
وقال إبراهيم لأبيه سَلامٌ عَلَيْكَ [مريم: ٤٧].
قال القرطبي: قلت: والأظهر من الآية ما قاله سفيان بن عيينة (٢).
وفي الشأن حديثان: فقد روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبدؤا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه» (٣).
وفي (الصحيحين) عن أسامة بن زيد «أن النبي ﷺ ركب حمارًا عليه إكاف تحته قطيفة فدكية، وأردف وراءه أسامة بن زيد، وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج وذلك قبل وقعة بدر، حتى مر في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان، واليهود، وفيهم عبدالله بن أبي بن سلول، وفي المجلس عبدالله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبدالله بن أبي أنفه برادئه ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم عليهم النبي ﷺ» (٤) الحديث.
قال القرطبي: (فالأول يفيد ترك السلام عليهم ابتداء، لأن ذلك إكرام والكافر ليس أهله والثاني: يجوز ذلك. قال الطبري: ولا يعارض ما رواه أسامة بحديث أبي هريرة، فإنه ليس أحدهما خلاف للآخر، وذلك أن حديث أبي هريرة مخرجه العموم، وخبر أسامة يبين أن معناه الخصوص: قال النخعي إذا كانت لك حاجة عند يهودي أو نصراني فابدأ بالسلام.
فبان بهذا أن حديث أبي هريرة «لا تبدؤهم بالسلام» إذا كان لغير سبب يدعوكم إلى أن تبدؤهم بالسلام من قضاء ذمام أو حاجة تعرض لكم قبلهم، أو حق صحبة أو جوار أو سفر.
قال الطبري: قد روي عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب وفعله ابن مسعود بدهقان صحبه في طريقه قال له علقمة: يا أبا عبدالرحمن أليس يكره أنه يبدؤا بالسلام؟ قال: نعم. ولكن حق الصحبة.
وقال الأوزاعي: إن سلمت فقد سلم الصالحون قبلك وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك وروي عن الحسن البصري أنه قال إذا مررت بمجلس فيه مسلمون وكفار فسلم عليهم) (٥).
قال ابن القيم: إن صاحب هذا الوجه – أي من أجاز ابتداءهم بالسلام – قال: يقال له – السلام عليك. فقط بدون ذكر الرحمة، وبلفظ الإفراد (٦).
(أما رد السلام عليهم فاختلف في وجوبه: فالجمهور على وجوبه وهو الصواب. وقالت طائفة: لا يجب الرد عليهم كما لا يجب على أهل البدع وأولى والصواب الأول: والفرق: أنا مأمورون بهجر أهل البدع تعزيرًا لهم وتحذيرًا منهم بخلاف أهل الذمة) (٧).
قلت: ومما يرجح رأي الجمهور في وجوب الرد على أهل الكتاب قوله ﷺ «إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليكم. فقل وعليك» (٨). وقوله ﷺ «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» (٩) الولاء والبراء في الإسلام لمحمد بن سعيد القحطاني – ص٣٥٢
_________________
(١) [١١٣١]» «تفسير القرطبي» (١١/ ١١١ - ١١٢).
(٢) [١١٣٢]» «تفسير القرطبي» (١١/ ١١١ - ١١٢).
(٣) [١١٣٣]» رواه مسلم (٢١٦٧).
(٤) [١١٣٤]» رواه البخاري (٤٥٦٦)، ومسلم (١٧٩٨).
(٥) [١١٣٥]» «تفسير القرطبي» (١١/ ١١٢)
(٦) [١١٣٦]» زاد المعاد (٢/ ٤٢٥)
(٧) [١١٣٧]» زاد المعاد (٢/ ٤٢٥)
(٨) [١١٣٨]» رواه البخاري (٦٢٥٧)، ومسلم (٢١٦٤)، من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
(٩) [١١٣٩]» رواه البخاري (٦٢٥٨)، ومسلم (٢١٦٣)، من حديث أنس ﵁.
[ ١ / ٣٥١ ]
المبحث السابع: أمور نهى عنها الشارع مخالفة للكفار
كان النبي ﵊ يكره مشابهة أهل الكتابين في الآصار والأغلال، وزجر أصحابه عن التبتل، وقال: «لا رهبانية في الإسلام» (١)، وأمر بالسحور (٢)، ونهى عن المواصلة (٣)، وقال فيما يعيب أهل الكتابين ويحذر موافقتهم: (فتلك بقاياهم في الصوامع) (٤) وهذا باب واسع جدًا. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص١٦٠
ومما جاء في مخالفتهم الأمر بصبغ الشيب لأن اليهود والنصارى لا يصبغون، والفعل المأمور به إذا عبر عنه بلفظ مشتق من معنى أعم فلابد أن يكون المشتق أمرًا مطلوبًا.
ولما دل عليه معنى الكتاب: جاءت سنة رسول الله ﷺ، وسنة خلفائه الراشدين، التي أجمع الفقهاء عليها بمخالفتهم وترك التشبه بهم.
ففي (الصحيحين) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» (٥) أمر بمخالفتهم، وذلك يقتضي أن يكون جنس مخالفتهم أمرًا مقصودًا للشارع، لأنه: إن كان الأمر بجنس المخالفة حصل المقصود، وإن كان الأمر بالمخالفة في تغيير الشعر فقط - فهو لأجل ما فيه من المخالفة. فالمخالفة: إما علة مفردة، أو علة أخرى، أو بعض علة اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص١٦٥
_________________
(١) [١١٤٠]» أورده ابن رجب في «فتح الباري» لابن رجب (١/ ١٠٢) عن طاوس مرسلا، وقال ابن حجر في «فتح الباري» لابن حجر (٩/ ١٣): لم أره بهذا اللفظ، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤/ ٢٨١): عن طاووس مرفوعا بلفظ: «لا زمام ولا خزام ولا رهبانية ولا تبتل ولا سياحة في الإسلام» وهذا إسناد رجاله ثقات، وهو مرسل وقد عزاه في «الجامع الصغير» لعبد الرزاق عن طاووس مرسلا، وضعفه في «ضعيف الجامع» (٦٢٨٧).
(٢) [١١٤١]» رواه البخاري (١٩٢٣)، ومسلم (١٠٩٥)، من حديث أنس بن مالك ﵁ «تسحروا فإن في السحور بركة».
(٣) [١١٤٢]» رواه البخاري (١٩٦٢)، ومسلم (١١٠٢)، من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
(٤) [١١٤٣]» رواه أبو داود (٤٩٠٤) وأبو يعلى (٦/ ٣٦٥) من حديث أنس بن مالك ﵁، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٢٩٦): له شواهد في الصحيح، وقال ابن القيم في «الصلاة وحكم تاركها» (١٢٢): تفرد به ابن أبي العمياء وهو شبه مجهول، وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٢/ ٩٨): إسناده جيد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٥٩): رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العميا وهو ثقة، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٦٢٣٢)، ثم تراجع وصححه، انظر «جلباب المرأة المسلمة» (٢٠).
(٥) [١١٤٤]» رواه البخاري (٣٤٦٢) ومسلم (٢١٠٣).
[ ١ / ٣٥٢ ]
ومما جاء أيضًا كما في (الصحيحين) عن ابن عمر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «خالفوا المشركين: أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى» (١) رواه البخاري ومسلم وهذا لفظه، فأمر بمخالفة المشركين مطلقًا، ثم قال: «أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى» وهذه الجملة الثانية بدل من الأولى، فإن الإبدال يقع في الجمل، كما يقع في المفردات، كقوله تعالى: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ [البقرة:٤٩]. فهذا الذبح والاستحياء: هو سوء العذاب، كذلك هنا: هذا هو المخالفة للمشركين المأمور بها هنا، لكن الأمر بها أولًا بلفظ مخالفة المشركين دليل على أن جنس المخالفة أمر مقصود للشارع، وإن عينت هنا في هذا الفعل، فإن تقديم المخالفة علة تقديم العام على الخاص، كما يقال: أكرم ضيفك أطعمه وحادثه، فأمرك بالإكرام أولًا دليل على أن إكرام الضيف مقصود، ثم عينت الفعل الذي يكون إكرامًا في ذلك الوقت، والتقرير من هذا الحديث شبيه بالتقرير من قوله: «لا يصبغون فخالفوهم» وقد روى مسلم في (صحيحه) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس» (٢).
مخالفة المجوس أمر مقصود للشارع:
فعقب الأمر بالوصف المشتق المناسب، وذلك دليل على أن مخالفة المجوس أمر مقصود للشارع، وهو العلة في هذا الحكم، أو علة أخرى، أو بعض علة، وإن كان الأظهر عند الإطلاق: أنه عامة تامة، لهذا لما فهم السلف كراهة التشبه بالمجوس، في هذا وغيره - كرهوا أشياء غير منصوصة بعينها عن النبي ﷺ من هدي المجوس.
النهي عن حلق القفا مخالفة للمجوس:
قال المروذي: سألت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - عن حلق القفا، فقال: هو من فعل المجوس، ومن تشبه بقوم فهو منهم.
وقال - أيضًا - قيل لـ أبي عبد الله: يكره للرجل أن يحلق قفاه أو وجهه؟ فقال: أما أنا فلا أحلق قفاي.
وقد روي فيه حديث مرسل عن قتادة: كراهيته، وقال: إن حلق القفا من فعل المجوس.
قال: وكان أبو عبد الله يحلق قفاه وقت الحجامة.
وقال أحمد - أيضًا -: لا بأس أن يحلق قفاه وقت الحجامة.
وقد روى عنه ابن منصور، قال: سألت أحمد عن حلق القفا، فقال: لا أعلم فيه حديثًا، إلا ما يروى عن إبراهيم أنه كره قردًا يرقوس ذكر الخلال هذا، وغيره.
وذكر - أيضًا - بإسناده، عن الهيثم بن حميد، قال: حف القفا من شكل المجوس.
وعن المعتمر بن سليمان التيمي قال: كان أبي إذا جز شعره لم يحلق قفاه، قيل له لم؟ قال: كان يكره أن يتشبه بالعجم.
والسلف تارة يعللون الكراهة بالتشبه بأهل الكتاب، وتارة بالتشبه بالأعاجم، وكلا العلتين منصوصة في السنة، مع أن الصادق - ﷺ، قد أخبر بوقوع المشابهة لهؤلاء وهؤلاء، اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص١٨١
ومن ذلك أيضًا الأمر بالسحور، مخالفة لأهل الكتاب:
عن عمرو بن العاص ﵁: قال قال رسول الله ﷺ: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: أكلة السحر» رواه مسلم في (صحيحه) (٣) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص١٨٦
_________________
(١) [١١٤٥]» رواه البخاري (٥٨٩٢) ومسلم (٢٥٩).
(٢) [١١٤٦]» رواه مسلم (٢٦٠).
(٣) [١١٤٧]» رواه مسلم (١٠٩٦).
[ ١ / ٣٥٣ ]
وما رواه أبو داود من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزال أمتي بخير - أو على الفطرة - ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم» (١) ورواه ابن ماجه من حديث العباس، (٢) ورواه الإمام أحمد من حديث السائب بن يزيد.
وقد جاء مفسرًا، تعليله: لا يزالون بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى طلوع النجم، مضاهاة لليهودية ويؤخروا الفجر إلى محاق النجوم: مضاهاة للنصرانية.
قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الصلت بن بهرام، عن الحارث بن وهب، عن أبي عبد الرحمن الصنابحي، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال أمتي على مسكة ما لم ينتظروا بالمغرب اشتباك النجوم، مضاهاة لليهودية، ولم ينتظروا بالفجر محاق النجوم، مضاهاة للنصرانية، ولم يكلوا الجنائز إلى أهلها» (٣). اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص١٨٧
ومن مخالفة أهل الكتاب أيضًا الأمر بتعجيل الفطور وهذا يدل على أن الفصل بين العبادتين: أمر مقصود للشارع، وقد صرح بذلك - فيما رواه - أبو داود، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: «لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون» (٤)، وهذا نص في أن ظهور الدين الحاصل بتعجيل الفطر لأجل مخالفة اليهود والنصارى.
وإذا كان مخالفتهم سببًا لظهور الدين، فإنما المقصود بإرسال الرسل أن يظهر دين الله على الدين كله، فيكون نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص١٨٧
_________________
(١) [١١٤٨]» رواه أبو داود (٤١٨)، والطبراني (٤/ ١٨٣)، وأحمد (٤/ ١٤٧) (١٧٣٦٧)، والحاكم (١/ ٣٠٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١/ ٣٧٠)، من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وله شاهد صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال ابن عبد الهادي في «تنقيح تحقيق التعليق» (١/ ٢٥٤): [فيه] محمد بن إسحاق صدوق، وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (١/ ٤٠٣): في إسناده محمد بن إسحاق ولكنه صرح بالتحديث، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».
(٢) [١١٤٩]» رواه ابن ماجه (٦٨٩)، والطبراني في «الأوسط» (٢/ ٢١٤) و«الصغير» (١/ ٥٦)، والحاكم (١/ ٣٠٤)، من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁، قال النووي في «المجموع شرح المهذب» (٣/ ٣٥): إسناده جيد، وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١١/ ١٤٢): [فيه] عمر وهو تالف، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».
(٣) [١١٥٠]» رواه أحمد (٤/ ٣٤٩) (١٩٠٩٠)، والطبراني (٨/ ٨٠)، قال ابن رجب في «فتح الباري لابن رجب» (٣/ ٢٤٠): مرسل، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ٣١٦): رجاله ثقات.
(٤) [١١٥١]» رواه أبو داود (١/ ٧١٨)، وأحمد (٢/ ٤٥٠) (٩٨٠٩)، والحاكم (١/ ٥٩٦)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٢/ ٢٥٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٣٧)، وابن حبان (٨/ ٢٧٣)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ٢٧٧)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأشار المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ١٥١): إلى أن [إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما]، وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٧٦٨٩).
[ ١ / ٣٥٤ ]
ومن ذلك ما جاء في النهي عن الوصال قال سعيد بن منصور: حدثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط، عن أبيه عن ليلى - امرأة بشير بن الخصاصية - قالت: «أردت أن أصوم يومين مواصلة، فنهاني عنه بشير، وقال: إن رسول الله ﷺ نهاني عن ذلك، وقال: إنما يفعل ذلك النصارى، صوموا كما أمركم الله، وأتموا الصوم كما أمركم الله، وأتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا» (١) وقد رواه أحمد في (المسند).
فعلل النهي عن الوصال: بأنه صوم النصارى، وهو كما قال رسول الله ﷺ، ويشبه أن يكون من رهبانيتهم التي ابتدعوها اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص١٨٩
ومن ذلك ما جاء من النهي عن مشابهة اليهود في ترك مؤاكلة المرأة حال حيضها
عن أنس ﵁: «أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ، النبي ﷺ، فأنزل الله ﷿: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ [البقرة: ٢٢٢]، فقال رسول الله ﷺ: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر، فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ، حتى ظننا أن قد وجد عليهما فخرجا، فاستقبلهما هدية من لبن، إلى النبي ﷺ فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفنا أنه لم يجد عليهما». رواه مسلم (٢).
فهذا الحديث يدل على كثرة ما شرعه الله لنبيه من مخالفة اليهود، بل: على أنه خالفهم في عامة أمورهم، حتى قالوا: ما يريد أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه.
ثم أن المخالفة - كما سنبينه - تارة تكون في أصل الحكم، وتارة في وصفه، ومجانبة الحائض: لم يخالفوا في أصله، بل خولفوا في وصفه، حيث شرع الله مقاربة الحائض في غير محل الأذى، فلما أراد بعض الصحابة أن يعتدي في المخالفة إلى ترك ما شرعه الله: تغير وجه رسول الله ﷺ.
وهذا الباب - باب الطهارة - كان على اليهود فيه أغلال عظيمة، فابتدع النصارى ترك ذلك كله، حتى أنهم لا ينجسون شيئًا! بلا شرع من الله. فهدى الله الأمة: الوسط بما شرعه لها إلى وسط من ذلك، وإن كان ما كان عليه اليهود كان أيضًا مشروعًا، فاجتناب ما لم يشرع الله اجتنابه: مقاربة لليهود، وملابسة ما شرع الله اجتنابه: مقاربة للنصارى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص١٩٠
_________________
(١) [١١٥٢]» رواه أحمد (٥/ ٢٢٥) (٤٢٩)، وعبد بن حميد (١/ ١٥٩)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (١/ ٤٨٤)، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ١٦١): فيه ليلى امرأة بشير لم أجد من خرجها وبقية رجاله رجال الصحيح، وقال ابن حجر في «فتح الباري لابن حجر» (٤/ ٢٣٩): إسناده صحيح إلى ليلى، وقال الألباني في «جلباب المرأة المسلمة» (١٧٧): إسناده صحيح.
(٢) [١١٥٣]» رواه مسلم (٣٠٢).
[ ١ / ٣٥٥ ]
ومما جاء أيضًا في النهي عن مشابهتهم ما رواه البخاري عن مسروق عن عائشة: أنها كانت تكره أن يجعل يده في خاصرته، وتقول: إن اليهود تفعله ورواه - أيضًا - من حديث أبي هريرة قال: «نهي عن الخصر في الصلاة» (١)، وفي لفظ: «نهي أن يصلي الرجل مختصرًا» (٢) قال: وقال هشام وأبو هلال، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة: نهى النبي ﷺ. وهكذا رواه مسلم في (صحيحه): نهى رسول الله ﷺ.
وعن زياد بن صبيح قال: «صليت إلى جنب ابن عمر فوضعت يدي على خاصرتي، فلما صلى قال: هذا الصلب في الصلاة، وكان رسول الله ﷺ ينهى عنه» (٣). رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص١٩٧
ومما جاء في مخالفتهم كذلك ما روي عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: «اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يسمع الناس تكبيره فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودًا فلما سلم قال: إن كدتم آنفًا تفعلون فعل فارس والروم: يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا» (٤) رواه مسلم، وأبو داود: من حديث الليث عن أبي الزبير، عن جابر.
ورواه أبو داود، وغيره، من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: «ركب رسول الله ﷺ فرسًا بالمدينة فصرعه على جذم نخلة، فانقطعت قدمه، فأتيناه نعوده، فوجدناه في مشربة لعائشة يسبح جالسًا، قال: فقمنا خلفه، فسكت عنا، ثم أتيناه مرة أخرى نعوده، فصلى المكتوبة جالسًا، فقمنا خلفه، فأشار إلينا فقعدنا قال: فلما قضى الصلاة قال: إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا، وإذا صلى الإمام قائمًا فصلوا قيامًا، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها» (٥). وأظن في غير رواية أبي داود: «ولا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضًا»، ففي هذا الحديث: أنه أمرهم بترك القيام الذي هو فرض في الصلاة، وعلل ذلك بأن قيام المأمومين مع قعود الإمام يشبه فعل فارس والروم بعظمائهم في قيامهم وهم قعود.
ومعلوم أن المأموم إنما نوى أن يقوم لله لا لإمامه وهذا تشديد عظيم في النهي عن القيام للرجل القاعد، ونهى - أيضًا - عما يشبه ذلك، وإن لم يقصد به ذلك، ولهذا نهى عن السجود لله بين يدي الرجل، وعن الصلاة إلى ما قد عبد من دون الله، كالنار ونحوها.
وفي هذا الحديث - أيضًا - نهى عما يشبه فعل فارس والروم وإن كانت نيتنا غير نيتهم، لقوله: «فلا تفعلوا». فهل بعد هذا في النهي عن مشابهتهم في مجرد الصورة غاية؟.
_________________
(١) [١١٥٤]» رواه البخاري (١٢١٩).
(٢) [١١٥٥]» رواه مسلم (٥٤٥).
(٣) [١١٥٦]» رواه أبو داود (٩٠٣)، وأحمد (٢/ ١٠٦) (٥٨٣٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٢٨٨)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (١/ ٣٩٩)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٨/ ١٢٦): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».
(٤) [١١٥٧]» رواه مسلم (٤١٣).
(٥) [١١٥٨]» رواه أبو داود (٦٠٢)، والطبراني في «الأوسط» (٤/ ٣٧٩)، وابن حبان (٥/ ٤٧٦)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٣/ ٥٣)، وأبو يعلى (٣/ ٤١١)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٧/ ٢٨٦)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الهيثمي في «موارد الظمآن» (١/ ١٧٣)، هو في الصحيح باختصار، وقال الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١٤/ ٣٠٨): جاء عن رسول الله ﷺ مجيئا متواترا من وجوه صحاح مقبولة، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».
[ ١ / ٣٥٦ ]
ثم هذا الحديث - سواء كان محكمًا في قعود الإمام، أو منسوخًا - فإن الحجة منه قائمة، لأن نسخ القعود لا يدل على فساد تلك العلة وإنما يقتضي أنه قد عارضها ما ترجح عليها، مثل كون القيام فرضًا في الصلاة، فلا يسقط الفرض بمجرد المشابهة الصورية، وهذا محل اجتهاد وأما المشابهة الصورية - إذا لم تسقط فرضًا - كانت تلك العلة التي علل بها رسول الله ﷺ سليمة عن معارض، أو نسخ، لأن القيام في الصلاة ليس بمشابهة في الحقيقة، فلا يكون محذورًا، فالحكم إذا علل بعلة، ثم نسخ مع بقاء العلة فلابد من أن يكون غيرها ترجح عليها وقت الناسخ أو ضعف تأثيرها، أما أن تكون في نفسها باطلة: فهذا محال، هذا كله لو كان الحكم هنا منسوخًا، فكيف والصحيح أن هذا الحديث محكم، قد عمل به غير واحد من الصحابة بعد وفاة رسول الله ﷺ، مع كونهم علموا صلاته في مرضه.
وقد استفاض عنه ﷺ الأمر به استفاضة صحيحة صريحة يمتنع معها أن يكون حديث المرض ناسخًا له، على ما هو مقرر في غير هذا الموضع: إما بجواز الأمرين، إذ فعل القيام لا ينافي فعل القعود وإما بالفرق بين المبتدئ للصلاة قاعدًا، والصلاة التي ابتدأها الإمام قائمًا، لعدم دخول هذه الصلاة في قوله: «وإذا صلى قاعدًا» ولعدم المفسدة التي علل بها، ولأن بناء فعل آخر الصلاة على أولها من بنائها على صلاة الإمام، ونحو ذلك من الأمور المذكورة، في غير هذا الموضع. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص١٩٩
وقد ذهب غير واحد من العلماء على كراهة أشياء من زي غير المسلمين، قال محمد بن أبي حرب: سئل أحمد عن نعل سندي يخرج فيه؟ فكرهه للرجل والمرأة، وقال: إن كان للكنيف والوضوء وأكره الصرار، وقال: هو من زي العجم.
وقد سئل سعيد بن عامر عنه فقال: سنة نبينا أحب إلينا من سنة باكهن.
وقال في رواية المروذي، وقد سأله عن النعل السندي فقال: أما أنا فلا أستعملها، ولكن إن كان للطين، أو المخرج فأرجو، وأما من أراد الزينة فلا ورأى على باب المخرج نعلًا سنديًا فقال: يتشبه بأولاد الملوك!.
وقال حرب الكرماني قلت لـ أحمد، فهذه النعال الغلاظ؟ قال: هذه السندية؟ قال إذا كان للوضوء، أو للكنيف، أو موضع ضرورة، فلا بأس، وكأنه كره أن يمشي فيها في الأزقة قيل: فالنعل من الخشب؟ قال: لا بأس بها أيضًا إذا كان موضع ضرورة.
وقال حرب: حدثنا أحمد بن نصر، حدثنا حبان بن موسى، قال سئل ابن المبارك عن هذه النعال الكرمانية، فلم تعجبه وقال أما في هذه غنية عن تلك؟.
وروى الخلال: عن أحمد بن إبراهيم الدورقي قال: سألت سعيد بن عامر، عن لباس النعال السبتية فقال: زي نبينا أحب إلينا من زي باكهن ملك الهند، ولو كان في مسجد المدينة لأخرجوه من المدينة.
سعيد بن عامر الضبعي: إمام أهل البصرة علمًا ودينًا، من شيوخ الإمام أحمد، قال يحيى بن سعيد القطان - وذكر عنده سعيد بن عامر فقال: هو شيخ المصر منذ أربعين سنة، وقال أبو مسعود بن الفرات: ما رأيت بالبصرة مثل سعيد بن عامر، وقال الميموني،: رأيت أبا عبد الله عمامته تحت ذقنه، ويكره غير ذلك، وقال: العرب عمائمها تحت أذقانها.
وقال أحمد - في رواية الحسن بن محمد -: يكره أن لا تكون - العمامة تحت الحنك كراهية شديدة وقال: إنما يتعمم بمثل ذلك اليهود والنصارى والمجوس.
ولهذا - أيضًا - كره أحمد: لباس أشياء، كانت شعار الظلمة في وقته: من السواد ونحوه، وكره هو وغيره: تغميض العين في الصلاة وقال: هو من فعل اليهود.
[ ١ / ٣٥٧ ]
وقد روى أبو حفص العكبري - بإسناده - عن بلال بن أبي حدرد، قال رسول الله ﷺ: «تمعددوا، واخشوشنوا وانتعلوا وامشوا حفاة» (١).
وهذا مشهور محفوظ عن عمر بن الخطاب ﵁ اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٢٤٣
وأيضًا - ما روى أبو داود، حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي، حدثنا محمد بن ربيعة، حدثنا أبو الحسن العسقلاني، عن أبي جعفر بن محمد بن علي بن ركانة، أو محمد بن علي بن ركانة، عن أبيه: أن ركانة صارع النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ، قال ركانة: وسمعت النبي ﷺ يقول: «فرق ما بيننا وبين المشركين: العمائم على القلانس» (٢).
وهذا يقتضي أنه حسن عند أبي داود، ورواه الترمذي - أيضًا - عن قتيبة وقال: غريب، وليس إسناده بالقائم، ولا نعرف أبا الحسن ولا ابن ركانة، وهذا القدر لا يمنع: أن يعتضد بهذا الحديث ويستشهد به، وهذا بين في أن مفارقة المسلم المشرك في اللباس أمر مطلوب للشارع، كقوله: «فرق ما بين الحلال والحرام: الدف والصوت» (٣)، فإن التفريق بينهما مطلوب في الظاهر، إذ الفرق بالاعتقاد والعمل بدون العمامة حاصل، فلولا أنه مطلوب بالظاهر - أيضًا - لم يكن فيه فائدة. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٢٥٠
وأيضًا - عن أبي غطفان المري قال: سمعت عبد الله بن عباس ﵄ يقول: «حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، قال رسول الله ﷺ: إذا كان العام المقبل - إن شاء الله - صمنا اليوم التاسع، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ» (٤). رواه مسلم في (صحيحه).
_________________
(١) [١١٥٩]» رواه الطبراني في «الكبير» (١٩/ ٤٠)، وفي «الأوسط» (٦/ ١٥٢) وابن أبي شيبة في «المصنف» (٥/ ٣٠٣)، قال ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٧/ ٣٣٣)، [فيه] عبد الله بن سعيد ضعيف بمرة، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٣٥٢): ضعيف، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٣٩): فيه عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري وهو ضعيف، وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٣٤١٧): ضعيف جدا.
(٢) [١١٦٠]» رواه أبو داود (٤٠٧٨)، والترمذي (١٧٨٤)، والطبراني (٥/ ٧١)، وأبو يعلى في «المسند» (٣/ ٥)، والحاكم (٣/ ٥١١)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب وإسناده ليس بالقائم ولا نعرف أبا الحسن العسقلاني ولا ابن ركانة، وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٨٢): إسناده مجهول لا يعرف سماع بعضه من بعض، وقال ابن القطان في «الوهم والإيهام» (٣/ ٢٨٦): علة هذا الخبر أنه من رواية أبي الحسن العسقلاني عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة عن أبيه أن ركانة: فذكره وما من هؤلاء من تعرف له حال، وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (٣/ ٥٤٦): لم يصح، وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (٣٤٦): لا يثبت، وقال العجلوني في «كشف الخفاء» (٢/ ٩٥): واه، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود».
(٣) [١١٦١]» رواه الترمذي (١٠٨٨)، والنسائي (٣/ ٣٩٨) (٣٣٦٩)، وابن ماجه (١٨٩٦)، وأحمد (٣/ ٤١٨) (١٥٤٨٩)، قال الترمذي حديث محمد بن حاطب حديث حسن، وقال ابن عساكر في «معجم الشيوخ» (٢/ ١١٣٨): محفوظ من حديث هشيم عن أبي بلج يحيى بن أبي سليم، وحسنه الألباني في «صحيح ابن ماجه».
(٤) [١١٦٢]» رواه مسلم (١١٣٤).
[ ١ / ٣٥٨ ]
وروى الإمام أحمد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «صوموا يوم عاشوراء، خالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يومًا أو بعده يومًا» (١) ورواه سعيد بهذا الإسناد، ولفظه: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، وصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده».
والحديث رواه ابن أبي ليلى عن داود بن علي عن أبيه عن جده: ابن عباس.
فتدبر: هذا يوم عاشوراء، يوم فاضل يكفر سنة ماضية صامه رسول الله ﷺ، وأمر بصيامه ورغب فيه، ثم لما قيل له قبيل وفاته: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، أمر بمخالفتهم بضم يوم آخر إليه، وعزم على ذلك.
ولهذا: استحب العلماء - منهم الإمام أحمد - أن يصوم تاسوعاء وعاشوراء، وذلك عللت الصحابة ﵃.
قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، سمع عطاء سمع ابن عباس ﵄ يقول: «صوموا التاسع والعاشر، خالفوا اليهود» (٢). اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٢٥٥
قد روي عن غير واحد من أهل العلم: أن أهل الكتابين قبلنا إنما أمروا بالرؤية - أيضا - في صومهم وعباداتهم، وتأولوا على ذلك قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ولكن أهل الكتابين بدّلوا.
ولهذا نهى النبي ﷺ، عن تقدم رمضان باليوم واليومين، وعلل الفقهاء ذلك: بما يخاف من أن يزاد في الصوم المفروض ما ليس منه، كما زاده أهل الكتاب، من النصارى، فإنهم زادوا في صومهم، وجعلوه فيما بين الشتاء والصيف، وجعلوا له طريقة من الحساب يتعرفونه بها.
وقد يستدل بهذا الحديث، على خصوص النهي عن أعيادهم، فإن أعيادهم معلومة بالكتاب والحساب، والحديث فيه عموم.
أو يقال: إذا نهينا عن ذلك في عيد الله ورسوله، ففي غيرها من الأعياد والمواسم أولى وأحرى، ولما في ذلك: من مضارعة الأمة الأمية، سائر الأمم.
وبالجملة - فالحديث يقتضي: اختصاص هذه الأمة بالوصف الذي فارقت به غيرها، وذلك يقتضي أن ترك المشابهة للأمم أقرب إلى حصول الوفاء اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٢٥٥
وأيضًا - عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: «إنا أمة أمية: لا نكتب ولا نحسب، الشهر: هكذا هكذا، يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين» (٣). رواه البخاري ومسلم.
_________________
(١) [١١٦٣]» رواه أحمد (١/ ٢٤١) (٢١٥٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٨٧)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٣/ ٢٩٠)، قال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٣/ ٥٥٤): [فيه] داود بن علي عندي أنه لا بأس برواياته، وقال ابن القيسراني في «ذخيرة الحفاظ» (٣/ ١٥٤٣): [فيه] داود بن علي سئل يحيى بن معين عنه فقال: أرجو أنه لا يكذب، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٤/ ٢١):إسناده حسن، وقال الشيخ الألباني في «صحيح ابن خزيمة» (٢٠٩٥): إسناده ضعيف، وروي موقوفًا وسنده صحيح.
(٢) [١١٦٤]» رواه الترمذي (٧٥٥)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٨٧).
(٣) [١١٦٥]» رواه البخاري (١٩١٣) ومسلم (١٠٨٠).
[ ١ / ٣٥٩ ]
فوصف هذه الأمة، بترك الكتاب والحساب، الذي يفعله غيرها من الأمم في أوقات عباداتهم وأعيادهم، وأحالها على الرؤية، حيث قال - في غير حديث: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» (١)، وفي رواية: «صوموا من الوضح إلى الوضح» (٢)، أي من الهلال إلى الهلال.
وهذا: دليل على ما أجمع عليه المسلمون - إلا من شذ من بعض المتأخرين المخالفين، المسبوقين بالإجماع - من أن مواقيت الصوم والفطر والنسك: إنما تقام بالرؤية عند إمكانها، لا بالكتاب والحساب، الذي تسلكه الأعاجم: من الروم، والفرس، والقبط والهند، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى.
وقد روي عن غير واحد من أهل العلم: أن أهل الكتابين قبلنا إنما أمروا بالرؤية - أيضًا - في صومهم وعباداتهم، وتأولوا على ذلك: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٣]، ولكن أهل الكتابين بدلوا. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٢٥٤
وأيضًا - ففي (الصحيحين): عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف: أنه سمع معاوية، عام حج، على المنبر، وتناول قصة من شعر، كانت في يد حرسي، فقال: يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذه ويقول: «إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم» (٣)، وفي رواية سعيد بن المسيب - في (الصحيح) -: «أن معاوية قال ذات يوم: إنكم أحدثتم زي سوء، وإن نبي الله ﷺ نهى عن الزور، قال: وجاء رجل بعصى على رأسها خرقة قال معاوية: ألا وهذا الزور» (٤).
قال قتادة: يعني ما يكثر به النساء أشعارهن، من الخرق.
وفي رواية عن ابن المسيب - في (الصحيح) - قال: «قدم معاوية المدينة فخطبنا، وأخرج كبة من شعر، فقال: ما كنت أرى أن أحدًا يفعله، إلا اليهود إن رسول الله ﷺ بلغه، فسماه الزور» (٥) فقد أخبر النبي ﷺ عن وصل الشعر: «أن بني إسرائيل هلكوا حين أحدثه نساؤهم»، يحذر أمته مثل ذلك، ولهذا: قال معاوية: ما كنت أرى أن أحدًا يفعله إلا اليهود.
فما كان من زي اليهود، أي لم يكن عليه المسلمون: إما أن يكون مما يعذبون عليه، أو مظنة لذلك، أو يكون تركه حسمًا لمادة ما عذبوا عليه، لا سيما إذا لم يتميز ما هو الذي عذبوا عليه من غيره، فإنه يكون قد اشتبه المحظور بغيره، فيترك الجميع، كما أن ما يخبرونا به لما اشتبه صدقه بكذبه: ترك الجميع. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٢٥٦
_________________
(١) [١١٦٦]» رواه البخاري (١٩٠٩) ومسلم (١٠٨١).
(٢) [١١٦٧]» رواه الطبراني (١/ ٢١٢)، والبزار (٤/ ١١٦)، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ١٦١): فيه سالم بن عبيد الله بن سالم ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله موثقون، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٩١٨): حسن لغيره.
(٣) [١١٦٨]» رواه البخاري (٣٤٦٨).
(٤) [١١٦٩]» رواه مسلم (٢١٢٧).
(٥) [١١٧٠]» رواه البخاري (٣٤٨٨)، ومسلم (٢١٢٧).
[ ١ / ٣٦٠ ]
ولما نهى الله عن التشبه بهؤلاء الذين قست قلوبهم، وذكر أيضًا في آخر السورة حال الذين ابتدعوا الرهبانية، فما رعوها حق رعايتها، فعقبها بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد: ٢٨ - ٢٩]- فإن الإيمان بالرسول: تصديقه وطاعته وإتباع شريعته، وفي ذلك مخالفة للرهبانية، لأنه لم يبعث بها، بل نهى عنها، وأخبر أن من اتبعه: كان له أجران، وبذلك جاءت الأحاديث الصحيحة، من طريق ابن عمر وغيره، في مثلنا ومثل أهل الكتاب.
وقد صرح ﷺ بذلك - فيما رواه أبو داود في (سننه)، من حديث ابن وهب، أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء: أن سهل بن أبي أمامة حدثه: أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، فقال: أن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قومًا شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم» (١).
هذا الذي في رواية اللؤلؤي، عن أبي داود، وفي رواية ابن داسة عنه: أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك، بالمدينة، في زمان عمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة، فإذا هو يصلي صلاة خفيفة، كأنها صلاة المسافر، أو قريبًا منها، فلما سلم قال: يرحمك الله أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أم شيء تنفلته؟ قال: إنها للمكتوبة، وإنها لصلاة رسول الله ﷺ، كان يقول: «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قومًا شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع، رهبانية ابتدعوها، ما كتبناها عليهم» (٢).
_________________
(١) [١١٧١]» رواه أبو داود (٤٩٠٤) وأبو يعلى (٦/ ٣٦٥) من حديث أنس بن مالك ﵁، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٢٩٦): له شواهد في الصحيح، وقال ابن القيم في «الصلاة وحكم تاركها» (١٢٢): تفرد به ابن أبي العمياء وهو شبه مجهول، وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٢/ ٩٨): إسناده جيد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٥٩): رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العميا وهو ثقة، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» و«ضعيف الجامع» (٦٢٣٢)، ثم تراجع وصححه، انظر «جلباب المرأة المسلمة» (٢٠).
(٢) [١١٧٢]» رواه أبو داود (٤٩٠٤) وأبو يعلى (٦/ ٣٦٥) من حديث أنس بن مالك ﵁، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٢٩٦): له شواهد في الصحيح، وقال ابن القيم في «الصلاة وحكم تاركها» (١٢٢): تفرد به ابن أبي العمياء وهو شبه مجهول، وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٢/ ٩٨): إسناده جيد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٢٥٩): رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العميا وهو ثقة، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» و«ضعيف الجامع» (٦٢٣٢)، ثم تراجع وصححه، انظر «جلباب المرأة المسلمة» (٢٠).
[ ١ / ٣٦١ ]
ثم غدا من الغد: فقال ألا تركب لتنظر ولتعتبر؟ قال: نعم، فركبوا جميعًا، فإذا بديار باد أهلها وانقضوا وفنوا، خاوية على عروشها قال: أتعرف هذه الديار؟ فقال: نعم، ما أعرفني بها وبأهلها، هؤلاء أهل ديار أهلكهم الله ببغيهم وحسدهم، إن الحسد يطفئ نور الحسنات، والبغي يصدق ذلك أو يكذبه، والعين تزني، والكف والقدم، والجسد واللسان، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه.
فأما سهل بن أبي أمامة، فقد وثقه يحيى بن معين وغيره، وروى له مسلم وغيره، وأما ابن أبي العمياء، فمن أهل بيت المقدس ما أعرف حاله، لكن رواية أبي داود للحديث، وسكوته عنه: يقتضي أنه حسن عنده، وله شواهد في (الصحيح). اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٢٦٢
ومن ذلك: أنه ﷺ حذرنا من مشابهة من قبلنا، في أنهم كانوا يفرقون في الحدود بين الأشراف والضعفاء، وأمر أن يسوي بين الناس في ذلك، وإن كان كثير من ذوي الرأي والسياسة قد يظن أن إعفاء الرؤساء أجود في السياسة.
ففي (الصحيحين) عن عائشة ﵂ - في شأن المخزومية التي سرقت، لما كلم أسامة فيها رسول الله ﷺ - قال: «يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله؟!. إنما هلك بنو إسرائيل أنهم كانوا: إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (١).
وكان بنو مخزوم من أشرف بطون قريش، واشتد عليهم أن تقطع يد امرأة منهم، فبين ﷺ: أن هلاك بني إسرائيل، إنما كان في تخصيص رؤساء الناس بالعفو عن العقوبات، وأخبر: أن فاطمة ابنته - التي هي أشرف النساء - لو سرقت - وقد أعاذها الله من ذلك - لقطع يدها، ليبين: أن وجوب العدل والتعميم في الحدود، لا يستثنى منه بنت الرسول ﷺ، فضلًا عن بنت غيره.
وهذا يوافق ما في (الصحيحين)، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب قال: «مر على النبي ﷺ بيهودي، محمم مجلود، فدعاهم، فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم قال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده: الرجم ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال ﷺ: اللهم إني أول من أحيا أمرك، إذ أماتوه، فأمر به فرجم، فأنزل الله ﷿: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إلى قوله: إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ [المائدة: ٤١] (٢).
يقول: ائتوا محمدًا فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: ٤٤] وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: ٤٥] وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة: ٤٧] في الكفار كلها. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ٢٩٤
_________________
(١) [١١٧٣]» رواه البخاري (٣٤٧٥) ومسلم (١٦٨٨).
(٢) [١١٧٤]» رواه مسلم (١٧٠٠).
[ ١ / ٣٦٢ ]
وأيضا ما روى أبو داود والنسائي وابن ماجه، من حديث عياش بن عباس، عن ابن الحصين - يعني الهيثم بن شفي - قال: خرجت أنا وصاحب لي يكنى أبا عامر - رجل من المعافر - لنصلي بإيلياء، وكان قاصهم - رجل من الأزد - يقال له: أبو ريحانة، من الصحابة، قال أبو الحصين: فسبقني صاحبي إلى المسجد، ثم ردفته فجلست إلى جنبه فسألني: هل أدركت قصص أبي ريحانة؟ قلت: لا قال: سمعته يقول «نهى رسول الله ﷺ عن عشر: عن الوشر، والوشم، والنتف، وعن مكامعة الرجل الرجل بغير شعار، ومكامعة المرأة المرأة بغير شعار، وأن يجعل الرجل بأسفل ثيابه حريرًا، مثل الأعاجم، أو يجعل على منكبيه حريرًا، مثل الأعاجم، وعن النهبى، وركوب النمور، ولبوس الخاتم، إلا لذي سلطان» (١). وفي رواية عن أبي ريحانة قال: بلغني أن رسول الله ﷺ. .. هذا الحديث محفوظ من حديث عياش بن عباس، رواه عنه المفضل بن فضالة، وحيوة بن شريح المصري، ويحيى بن أيوب، وكل منهم ثقة، وعياش بن عباس روى له مسلم، وقال يحيى بن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وأما أبو الحصين - الهيثم ين شفي - قال الدارقطني - شفي بفتح الشين وتخفيف الفاء وأكثر المحدثين يقولون: شفي هو غلط - وأبو عامر الحجري فشيخان، قد روى عن كل واحد منهما، أكثر من واحد، وهما من الشيوخ القدماء.
وهذا الحديث: قد أشكل على أكثر الفقهاء، من جهة أن يسير الحرير قد دل على جوازه نصوص متعددة، ويتوجه تحريمه على هذا الأصل وهو: أن يكون صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما كره أن يجعل الرجل على أسفل ثيابه، أو على منكبيه حريرًا، مثل الأعاجم، فيكون المنهي عنه نوعًا كان شعارًا للأعاجم، فنهى عنه لذلك، لا لكونه حريرًا، فإنه لو كان النهي عنه لكونه حريرًا لعم الثوب كله، ولم يخص هذين الموضعين، ولهذا قال فيه: «مثل الأعاجم».
والأصل في الصفة: أن تكون لتقييد الموصوف، لا لتوضيحه، وعلى هذا: يمكن تخريج ما رواه أبو داود، بإسناده صحيح، عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، أن النبي ﷺ قال: «لا أركب الأرجوان، ولا ألبس المعصفر، ولا ألبس القميص المكفف بالحرير، قال: فأومأ الحسن إلى جيب قيمصه قال: وقال: ألا وطيب الرجال ريح لا لون له، ألا وطيب النساء لون لا ريح له» (٢) قال سعيد: أراه قال: إنما حملوا قوله في طيب النساء، على أنها إذا خرجت، فأما إذا كانت عند زوجها فلتطيب بما شاءت، أو يخرج هذا الحديث على الكراهة فقط. وكذلك: قد يقال في الحديث الأول، لكن في ذلك نظر اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٣٠٧
_________________
(١) [١١٧٥]» رواه أبو داود (٢/ ٤٤٦)، والنسائي (٨/ ١٤٣) (٥٠٩١)، وأحمد (٤/ ١٣٤) (١٧٢٤٨)، والدارمي (٢/ ٣٦٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ٢٧٧)، قال أبو داود الذي تفرد به من هذا الحديث خبر الخاتم، وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٧/ ٤٠٠): مسند لا تجد بمثل إسناده حجة، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع».
(٢) [١١٧٦]» رواه أبو داود (٤٠٤٨)، وأحمد (٤/ ٤٤٢) (١٩٩٨٩)، والحاكم (٤/ ٢١١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ٢٧١)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (١/ ٤٧٨): صحيح ثابت، وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٣٤٦): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».
[ ١ / ٣٦٣ ]
وأيضًا - ففي (الصحيحين) عن رافع بن خديج قال: قلت: يا رسول الله، إنا لاقوا العدو غدًا، وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ فقال: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكل، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن: فعظم، وأما الظفر: فمدى الحبشة» (١).
نهى النبي ﷺ عن الذبح بالظفر، معللًا بأنها مدى الحبشة، كما علل السن: بأنه عظم، وقد اختلف الفقهاء في هذا، فذهب أهل الرأي: إلى أن علة النهي كون الذبح بالسن والظفر يشبه الخنق، أو هو مظنة الخنق، والمنخنقة محرمة، وسوغوا على هذا، الذبح بالسن والظفر المنزوعين، لأن التذكية بالآلات المنفصلة المحددة، لا خنق فيه، والجمهور منعوا من ذلك مطلقًا، لأن النبي ﷺ: استثنى السن والظفر مما أنهر الدم، فعلم أنه من المحدد الذي لا يجوز التذكية به، ولو كان لكونه خنقًا، لم يستثنه، والمظنة إنما تقام مقام الحقيقة إذا كانت الحكمة خفية أو غير منضبطة، فأما مع ظهورها وانضباطها فلا.
وأيضًا - فإنه مخالف لتعليل رسول الله ﷺ المنصوص في الحديث، ثم اختلف هؤلاء، هل يمنع من التذكية بسائر العظام، عملًا بعموم العلة؟ على قولين، في مذهب أحمد وغيره.
وعلى الأقوال الثلاثة: فقوله ﷺ: «وأما الظفر فمدى الحبشة»، بعد قوله: «وسأحدثكم عن ذلك»، يقتضي أن هذا الوصف - وهو كونه مدى الحبشة - له تأثير في المنع: إما أن يكون علة، أو دليلًا على العلة، أو وصفًا من أوصاف العلة، أو دليلها، والحبشة في أظفارهم طول، فيذكون بها دون سائر الأمم، فيجوز أن يكون نهى عن ذلك: لما فيه من مشابهتهم فيما يختصمون به.
وأما العظم: فيجوز أن يكون نهيه عن التذكية به، كنهيه عن الاستنجاء به لما فيه من تنجيسه على الجن، إذ الدم نجس، وليس الغرض هنا ذكر مسألة الذكاة بخصوصها، فإن فيها كلامًا ليس هذا موضعه. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٣١٠
وأيضًا - فقد روى أبو داود في (سننه)، وغيره من حديث هشيم: أخبرنا أبو بشر عن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من الأنصار، قال: «اهتم النبي ﷺ للصلاة، كيف يجمع الناس لها؟ فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضًا، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكروا له القنع، شبور اليهود، فلم يعجبه ذلك، وقال: هو من أمر اليهود، قال: فذكروا له الناقوس، قال: هو من فعل النصارى، فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وهو مهتم لهم النبي ﷺ، فأري الأذان في منامه، قال: فغدا على رسول الله ﷺ، فأخبره، فقال: يا رسول الله: إني لبين نائم ويقظان، إذ أتاني آت، فأراني الأذان، قال: وكان عمر بن الخطاب ﵁ قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يومًا، قال: ثم أخبر النبي ﷺ، فقال له: ما منعك أن تخبرنا؟ فقال: سبقني عبد الله بن زيد، فاستحييت، فقال رسول الله ﷺ: يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله قال: فأذن بلال» (٢)، قال أبو بشر: فحدثني أبو عمير: أن الأنصار تزعم أن عبد الله بن زيد، لولا أنه كان يومئذ مريضًا، لجعله رسول الله ﷺ مؤذنًا.
_________________
(١) [١١٧٧]» رواه مسلم (١٩٦٨).
(٢) [١١٧٨]» رواه أبو داود (٤٩٨)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١/ ٣٩٠)، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٤/ ٢١): حسن، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (٢/ ٩٧): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «جلباب المرأة» (١٦٧).
[ ١ / ٣٦٤ ]
وروى سعيد بن منصور في (سننه): حدثنا أبو عوانة، عن مغيرة، عن عامر الشعبي: أن رسول الله ﷺ، اهتم بالصلاة اهتمامًا شديدًا، تبين ذلك فيه، وكان فيما أهتم به من أمر الصلاة: أن ذكر الناقوس، ثم قال: هو من أمر النصارى، ثم أراد أن يبعث رجالًا يؤذنون الناس بالصلاة، في الطرق، ثم قال: أكره أن أشغل رجالًا عن صلاتهم بأذان غيرهم، وذكر رؤيا عبد الله بن زيد.
ويشهد لهذا ما أخرجاه في (الصحيحين)، عن أبي قلابة، عن أنس قال: «لما كثر الناس، ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن ينوروا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا، فأمر بلال أن يشفع الأذان - ويوتر الإقامة». (١).
وفي (الصحيحين)، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر قال: «كان المسلمون حين قدموا المدينة، يجتمعون، فيتحينون الصلاة، وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: قرنًا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أو لا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله ﷺ: يا بلال قم فناد بالصلاة» (٢). اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية– ص٣١٥
وأن كراهية الرسول ﷺ بوق اليهود وناقوس النصارى لعلة المخالفة، وهذا يقتضي كراهة هذا النوع من الأصوات مطلقًا في غير الصلاة أيضًا، لأنه من أمر اليهود والنصارى، فإن النصارى يضربون بالنواقيس في أوقات متعددة، غير أوقات عباداتهم.
وإنما شعار الدين الحنيف الأذان المتضمن للإعلان بذكر الله، الذي به تفتح أبواب السماء، فتهرب الشياطين، وتنزل الرحمة.
وقد ابتلي كثير من هذه الأمة، من الملوك وغيرهم بهذا الشعار اليهودي والنصراني، حتى إنا رأيناهم، في هذا الخميس الحقير الصغير (٣)، يزفون البخور، ويضربون له بنواقيس صغار، حتى إن من الملوك من كان يضرب بالأبواق، والدبادب، في أوقات الصلوات الخمس، وهو نفس ما كرهه رسول الله ﷺ، ومنهم من كان يضرب بها طرفي النهار، تشبهًا منه - زعم - بذي القرنين، ووكل ما دون ذلك إلى ملوك الأطراف.
وهذه المشابهة لليهود والنصارى، وللأعاجم: من الروم والفرس، لما غلبت على ملوك المشرق، هي وأمثالها، مما خالفوا به هدي المسلمين، ودخلوا فيما كرهه الله ورسوله - سلط عليهم، الترك الكافرون، الموعود بقتالهم حتى فعلوا في العباد والبلاد، ما لم يجر في دولة الإسلام مثله، وذلك تصديق قوله ﷺ: «لتركبن سنن من كان قبلكم» (٤). اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٣١٨
_________________
(١) [١١٧٩]» رواه البخاري (٦٠٣)، ومسلم (٣٧٨).
(٢) [١١٨٠]» رواه البخاري (٦٠٤)، ومسلم (٣٧٧).
(٣) [١١٨١]» الخميس الصغير: يوم من أيام النصارى التي يحتفلون بها، وهو الواقع قبل آخر الخميس من أيام صومهم، ويحتفلون بهذا الخميس الصغير تقديمًا للاحتفال بيوم الخميس الكبير، وهو آخر صوم النصارى، وهو عيد المائدة. (من تعليق: د. ناصر بن عبد الكريم العقل).
(٤) [١١٨٢]» رواه الترمذي (٢١٨٠) وأحمد (٥/ ٢١٨) (٢١٩٥٠) وابن حبان (١٥/ ٩٤) والطبراني (٣/ ٢٤٤) والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٤٦) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وأحمد شاكر في «عمدة التفسير» (٢/ ٥٤): [أشار في المقدمة إلى صحته]، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
[ ١ / ٣٦٥ ]
وأيضًا - فعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» (١) متفق عليه.
وعن جبير بن نفير، عن عبد الله بن عمرو قال: «رأى رسول الله ﷺ علي ثوبين معصفرين فقال: إن هذه ثياب الكفار، فلا تلبسها» (٢) رواه مسلم.
علل النهي عن لبسها بأنها: من ثياب الكفار، وسواء أراد أنها مما يستحله الكفار، بأنهم يستمتعون بخلاقهم في الدنيا، أو مما يعتاده الكفار لذلك.
كما أنه في الحديث قال: يستمتعون بآنية الذهب والفضة في الدنيا، وهي للمؤمنين في الآخرة، ولهذا كان العلماء، يجعلون اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة، تشبهًا بالكفار.
ففي (الصحيحين) عن أبي عثمان النهدي، قال: كتب إلينا عمر ﵁ ونحن بأذربيجان، مع عتبة بن فرقد، «يا عتبة إنه ليس من كد أبيك، ولا من كد أمك، فأشبع المسلمين في رحالهم، مما تشبع منه في رحلك، وإياكم والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول الله ﷺ: نهى عن لبس الحرير، قال: إلا هكذا، ورفع لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأصبعيه: الوسطى والسبابة وضمهما» (٣).
وروى أبو بكر الخلال بإسناده عن محمد بن سيرين، أن حذيفة بن اليمان أتى بيتًا، فرأى فيه حارستان: فيه أباريق الصفر والرصاص، فلم يدخله، وقال: «من تشبه بقوم فهو منهم»، وفي لفظ آخر: «فرأى شيئًا من زي العجم فخرج وقال: من تشبه بقوم فهو منهم» (٤)، وقال علي بن أبي صالح السواق: كنا في وليمة، فجاء أحمد بن حنبل، فلما دخل نظر إلى كرسي في الدار عليه فضة، فخرج فلحقه صاحب الدار، فنفض يده في وجهه وقال: زي المجوس! زي المجوس!. وقال في رواية صالح: إذا كان في الدعوة مسكر، أو شيء من: آنية المجوس: الذهب والفضة، أو ستر الجدران بالثياب - خرج ولم يطعم.
ولو تتبعنا ما في هذا الباب، عن النبي ﷺ، مع ما دل عليه كتاب الله، لطال. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٣٢١
وقد تقدم ما رواه البخاري في (صحيحه)، «عن عمر بن الخطاب: أنه كتب إلى المسلمين المقيمين ببلاد فارس: إياكم وزي أهل الشرك».
وهذا نهي منه للمسلمين، عن كل ما كان من زي المشركين.
وقال الإمام أحمد في (المسند): حدثنا يزيد، حدثنا عاصم، عن أبي عثمان النهدي، عن عمر بن الخطاب أنه قال: «اتزروا، وارتدوا، وانتعلوا، والبسوا الخفاف، والسراويلات، وألقوا الركب، وانزوا نزوا، وعليكم بالمعدية، وارموا الأغراض، وذروا التنعم وزي العجم، وإياكم والحرير، فإن رسول الله ﷺ قد نهى عنه، وقال: لا تلبسوا من الحرير، إلا ما كان هكذا، وأشار رسول الله ﷺ بأصبعيه» (٥).
وقال أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان قال: جاءنا كتاب عمر ﵁، ونحن بأذربيجان: يا عتبة بن فرقد، إياكم والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول الله ﷺ: نهانا عن لبوس الحرير وقال: إلا هكذا، ورفع لنا رسول الله ﷺ، أصبعيه» (٦)، وهذا ثابت على شرط الصحيحين.
وفيه: أن عمر ﵁ أمر بالمعدية، وهي زي بني معد بن عدنان، وهم العرب، فالمعدية نسبة إلى معد ونهى عن زي العجم وزي المشركين، وهذا عام كما لا يخفى اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – ص٣٣٣
_________________
(١) [١١٨٣]» رواه البخاري (٥٦٣٣)، ومسلم (٢٠٦٧)، واللفظ للبخاري.
(٢) [١١٨٤]» رواه مسلم (٢٠٧٧).
(٣) [١١٨٥]» رواه البخاري (٥٨٢٩)، ومسلم (٢٠٦٩)، واللفظ لمسلم.
(٤) [١١٨٦]» رواه أحمد في «الورع» (١/ ١٧٨).
(٥) [١١٨٧]» رواه أحمد (١/ ٤٣) (٣٠١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٠/ ١٢٨)، وابن حبان (١٢/ ٢٦٨)، قال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١/ ١٥٣): إسناده صحيح. وقال أبو نعيم في «الحلية» (٣/ ١٤٥): ثابت مشهور من حديث عاصم.
(٦) [١١٨٨]» رواه أحمد (١/ ١٥) (٩٢)، قال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٣٧٣): ثابت على شرط (الصحيحين)، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد) (١/ ٦٢): إسناده صحيح.
[ ١ / ٣٦٦ ]
المبحث الثامن: شبهات وجوابها حول التشبه
فإن قيل ما ذكر من الأدلة معارض بما يدل على خلافه وذلك: أن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافه، وقوله تعالى: فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ. وقوله: اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ. وقوله: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ [المائدة: ٤٤]. وغير ذلك من الدلائل المذكورة في غير هذا الموضع، مع أنكم مسلمون لهذه القاعدة، وهي قول عامة السلف وجمهور الفقهاء.
ومعارض بما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فوجد اليهود صيامًا، يوم عاشوراء، فقال لهم ﷺ: «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا لله، فنحن نصومه تعظيمًا له، فقال رسول الله ﷺ: فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصيامه». (١) متفق عليه.
وعن أبي موسى ﵁ قال: كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدًا، قال النبي ﷺ: «فصوموه أنتم». (٢) متفق عليه وهذا اللفظ للبخاري ولفظ مسلم: «تعظمه اليهود وتتخذه عيدًا» (٣)، وفي لفظ: «كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء ويتخذونه عيدًا، ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشاراتهم» (٤).
وعن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس ﵄، قال: «كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان رسول الله ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء فسدل رسول الله ﷺ، ناصيته، ثم فرق بعد» (٥). متفق عليه.
بيان أن هذا الاعتراض مبني على مقدمتين كلتاهما منتفية
قيل: أما المعارضة بكون شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافه، فذاك مبني على مقدمتين، كلتاهما منتفية، في مسألة التشبه بهم.
_________________
(١) [١١٨٩]» رواه البخاري (٣٣٩٧) ومسلم (١١٣٠).
(٢) [١١٩٠]» رواه البخاري (٢٠٠٥).
(٣) [١١٩١]» رواه مسلم (١١٣١).
(٤) [١١٩٢]» رواه مسلم (١١٣١) (١٣٠).
(٥) [١١٩٣]» رواه البخاري (٥٩١٧) ومسلم (٢٣٣٦).
[ ١ / ٣٦٧ ]
إحداهما: أن يثبت أن ذلك شرع لهم، بنقل موثوق به، مثل أن يخبرنا الله في كتابه، أو على لسان رسوله، أو ينقل بالتواتر، ونحو ذلك، فأما مجرد الرجوع إلى قولهم، أو إلى ما في كتبهم، فلا يجوز بالاتفاق، والنبي ﷺ وإن كان قد استخبرهم فأخبروه، ووقف على ما في التوراة، فإنما ذلك لأنه لا يروج عليه باطلهم، بل الله سبحانه يعرفه ما يكذبون مما يصدقون، كما قد أخبره بكذبهم غير مرة، وأما نحن فلا نأمن أن يحدثونا بالكذب، فيكون فاسق، بل كافر، قد جاءنا بنبأ فاتبعناه، وقد ثبت في (الصحيح) (١) عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم» (٢).
المقدمة الثانية: أن لا يكون في شرعنا بيان خاص لذلك، فأما إذا كان فيه بيان خاص: إما بالموافقة، أو بالمخالفة، استغني عن ذلك فيما ينهى عنه عن موافقته، ولم يثبت أنه شرع لمن كان قبلنا، وإن ثبت فقد كان هدي نبينا ﷺ وأصحابه بخلافه، وبهم أمرنا نحن أن نتبع ونقتدي، وقد أمرنا نبينا ﷺ: أن يكون هدينا مخالفًا لهدي اليهود والنصارى، وإنما تجيء الموافقة في بعض الأحكام العارضة، لا في الهدي الراتب، والشعار الدائم.
ثم ذلك بشرط: أن لا يكون قد جاء عن نبينا وأصحابه خلافه، أو ثبت أصل شرعه في ديننا، وقد ثبت عن نبي من الأنبياء أصله أو وصفه، مثل: فداء من نذر أن يذبح ولده بشاة، ومثل: الختان المأمور به في ملة إبراهيم ﵇، ونحو ذلك، وليس الكلام فيه .. .. كل ما جاء من تشبه النبي ﷺ بأهل الكتاب إنما كان في صدر الهجرة ثم نسخ فإذا كان أصل صومه لم يكن موافقة لأهل الكتاب، فيكون قوله: «فنحن أحق بموسى منكم». توكيدًا لصومه، وبيانًا لليهود: أن يفعلونه من موافقة موسى نحن أيضًا نفعله، فنكون أولى بموسى منكم.
ثم الجواب عن هذا، وعن قوله: كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء من وجوه:
أحدها: أن هذا كان متقدمًا، ثم نسخ الله ذلك، وشرع له مخالفة أهل الكتاب، وأمره بذلك، وفي متن الحديث: أنه سدل شعره موافقة لهم، ثم فرق شعره بعد. ولهذا صار الفرق شعار المسلمين، وكان من الشروط على أهل الذمة أن لا يفرقوا شعورهم، وهذا كما أن الله تعالى شرع له في أول الأمر استقبال بيت المقدس موافقة لأهل الكتاب، ثم نسخ ذلك، وأمره باستقبال الكعبة، وأخبره عن اليهود وغيرهم من السفهاء، أنهم سيقولون: مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا [البقرة: ١٤٢].
وأخبره أنهم لا يرضون عنه حتى يتبع قبلتهم، وأخبره أنه: إن اتبع أهواءهم من بعد ما جاءه من العلم ما له من الله من ولي ولا نصير، وأخبره أن: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة: ١٤٨] وكذلك أخبره في موضع آخر أنه: جعل لكلٍ شرعة ومنهاجًا، فالشعار من جملة الشرعة.
_________________
(١) [١١٩٤]» الذي ثبت في الصحيح وهو ما رواه البخاري (٧٥٤٢) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا *البقرة: ١٣٦*».
(٢) [١١٩٥]» رواه أبو داود (٣٦٤٤)، وأحمد (٤/ ١٣٦) (١٧٢٦٤)، والطبراني (٢٢/ ٣٤٩)، وابن حبان (١٤/ ١٥١)، والبيهقي في «السنن الكبرى»، من حديث أبي نملة الأنصاري، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الزيلعي في «تخريج الكشاف» (٣/ ٤٧): [فيه] نملة بن أبي نملة قال ابن قطان مجهول الحال وله سند آخر، وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ٥٢): إسناده جيد، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٦/ ٧١٢): إسناده ثقات رجال الشيخين غير ابن أبي نملة يقولون صدوق يحسنون أو يجودون حديثه.
[ ١ / ٣٦٨ ]
والذي يوضح ذلك: أن هذا اليوم يوم - عاشوراء - الذي صامه وقال: «نحن أحق بموسى منكم»، قد شرع - قبيل موته - مخالفة اليهود في صومه، وأمر ﷺ بذلك، ولهذا كان ابن عباس ﵄ وهو الذي يقول: وكان يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، وهو الذي روى قوله: «نحن أحق بموسى منكم» - أشد الصحابة ﵃ أمرًا بمخالفة اليهود في صوم عاشوراء، وقد ذكرنا أنه هو الذي روى شرع المخالفة.
وروى - أيضًا - مسلم في (صحيحه) عن الحكم بن الأعرج قال: انتهيت إلى ابن عباس، وهو متوسد رداءه في زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: «إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، وأصبح يوم التاسع صائمًا، فقلت: هكذا كان محمد ﷺ يصومه؟ قال: نعم» (١).
وروى مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» (٢)، يعني يوم عاشوراء، ومعنى قول ابن عباس: صم التاسع يعني والعاشر، هكذا ثبت عنه، وعلله بمخالفة اليهود، قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان بن عمرو بن دينار، أنه سمع عطاء، سمع ابن عباس ﵄، يقول: صوموا التاسع والعاشر، خالفوا اليهود.
وروينا في فوائد داود بن عمرو، عن إسماعيل بن علية قال: ذكروا عند ابن أبي نجيح، أن ابن عباس كان يقول: يوم عاشوراء يوم التاسع فقال ابن أبي نجيح: إنما قال ابن عباس: أكره أن أصوم يومًا فاردا، ولكن صوموا قبله يومًا أو بعده يومًا.
ويحقق ذلك: ما رواه الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: «أمر رسول الله ﷺ بصوم يوم عاشوراء العاشر من المحرم» (٣)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وروى سعيد في (سننه) عن هشيم، عن ابن أبي ليلى عن داود بن علي، عن أبيه عن جده ابن عباس: قال رسول الله ﷺ: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده» ورواه أحمد ولفظه: «صوموا قبله يومًا أو بعده يومًا» (٤)، ولهذا ذهب أحمد على مثل ما رواه ابن عباس وأفتى به، فقال في رواية الأثرم: أنا أذهب في عاشوراء: أن يصام يوم التاسع والعاشر، لحديث ابن عباس: «صوموا التاسع والعاشر» (٥)، وقال حرب: سألت أحمد عن صوم يوم عاشوراء، فقال: يصوم التاسع والعاشر، وقال في رواية الميموني، وأبي الحارث: من أراد أن يصوم عاشوراء صام التاسع والعاشر إلا أن تشكل الشهور فيصوم ثلاثة أيام، ابن سيرين يقول ذلك.
وقد قال بعض أصحابنا: إن الأفضل صوم التاسع والعاشر، وإن - اقتصر على العاشر لم يكره.
_________________
(١) [١١٩٦]» رواه مسلم (١١٣٣) (١٣٢).
(٢) [١١٩٧]» رواه مسلم (١١٣٣) (١٣٤).
(٣) [١١٩٨]» رواه الترمذي (٧٥٥)، وقال حديث ابن عباس حسن صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي»، وقال الوادعي في «أحاديث معلة» (٢٠٦): سنده رجال الصحيح ولكنه منقطع.
(٤) [١١٩٩]» رواه أحمد (١/ ٢٤١) (٢١٥٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٨٧)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٣/ ٢٩٠)، قال ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٣/ ٥٥٤): [فيه] داود بن علي عندي أنه لا بأس برواياته، وقال ابن القيسراني في «ذخيرة الحفاظ» (٣/ ١٥٤٣): [فيه] داود بن علي سئل يحيى بن معين عنه فقال: أرجو أنه لا يكذب، وقال الشيخ الألباني في «صحيح ابن خزيمة» (٢٠٩٥): إسناده ضعيف، وروي موقوفًا وسنده صحيح.
(٥) [١٢٠٠]» رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٨٧).
[ ١ / ٣٦٩ ]
ومقتضى كلام أحمد: أنه يكره الاقتصار على العاشر، لأنه سئل عنه فأفتى بصوم اليومين وأمر بذلك، وجعل هذا هو السنة لمن أراد صوم عاشوراء، واتبع في ذلك حديث ابن عباس، وابن عباس كان يكره إفراد العاشر على ما هو مشهور عنه.
ومما يوضح ذلك: أن كل ما جاء من التشبه بهم، إنما كان في صدر الهجرة، ثم نسخ، ذلك: أن اليهود إذ ذاك، كانوا لا يتميزون عن المسلمين لا في شعور ولا في لباس، ولا بعلامة ولا غيرها.
ثم إنه ثبت بعد ذلك في الكتاب والسنة والإجماع، الذي كمل ظهوره في زمن عمر بن الخطاب ﵁، ما شرعه الله من مخالفة الكافرين ومفارقتهم في الشعار والهدي.
وسبب ذلك: أن المخالفة لهم لا تكون إلا مع ظهور الدين وعلوه كالجهاد، وإلزامهم بالجزية والصغار، فلما كان المسلمون في أولٍ ضعفاء لم تشرع المخالفة لهم، فلما كمل الدين وظهر وعلا، شرع ذلك.
ومثل ذلك اليوم: لو أن المسلم بدار حرب، أو دار كفر غير حرب، لم يكن مأمورًا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر، بل قد يستحب للرجل، أو يجب عليه، أن يشاركهم أحيانًا في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية: من دعوتهم إلى الدين، والاطلاع على باطن أمورهم، لإخبار المسلمين بذلك، أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد الصالحة.
فأما في دار الإسلام والهجرة، التي أعز الله فيها دينه، وجعل على الكافرين بها الصغار والجزية، ففيها شرعت المخالفة، وإذا ظهر أن الموافقة والمخالفة تختلف لهم باختلاف الزمان والمكان ظهرت حقيقة الأحاديث في هذا.
الوجه الثاني: لو فرضنا أن ذلك لم ينسخ، فالنبي ﷺ هو الذي كان له أن يوافقهم لأنه يعلم حقهم من باطلهم، بما يعلمه الله إياه، ونحن نتبعه، فأما نحن فلا يجوز لنا أن نأخذ شيئًا من الدين عنهم: لا من أقوالهم، ولا من أفعالهم، بإجماع المسلمين المعلوم بالاضطرار، من دين الرسول ﷺ، ولو قال رجل: يستحب لنا موافقة أهل الكتاب، الموجودين في زماننا، لكان قد خرج عن دين الأمة.
الثالث: أن نقول بموجبه: كان يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم إنه أمر بمخالفتهم، وأمرنا نحن أن نتبع هديه وهدي أصحابه السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والكلام إنما هو في أنا منهيون عن التشبه بهم، فيما لم يكن سلف الأمة عليه، فأما ما كان سلف الأمة عليه: فلا ريب فيه، سواء فعلوه أو تركوه، فإنا لا نترك ما أمر الله به لأجل أن الكفار تفعله، مع أن الله لم يأمرنا بشيء يوافقونا عليه إلا ولا بد فيه من نوع مغايرة يتميز بها دين الله المحكم مما قد نسخ أو بدل اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية –ص ٤١٢
[ ١ / ٣٧٠ ]
الباب الثالث: توحيد الأسماء والصفات
الفصل الأول: توحيد الأسماء والصفات (تعريفه وعقيدة أهل السنة فيه ومنزلته والقواعد التي تتعلق به)
المبحث الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات وشرح مفرداته
المطلب الأول: تعريف توحيد الأسماء والصفات
توحيد الأسماء والصفات: هو إفراد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الواردة في القرآن والسنة، والإيمان بمعانيها وأحكامها. معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات لمحمد بن خليفة التميمي– ص: ٢٩
[ ١ / ٣٧١ ]
المطلب الثاني: شرح مفردات التعريف
أولًا: (إفراد الله):
هذا معنى كلمة (التوحيد)، فأصل هذه الكلمة من (وحد) فيقال: وحد يوحد توحيدًا: أي جعله واحدًا.
ومادة (وحد) في اللغة مصدرها على انفراد الشيء.
فإذا قلت: توحيد الله بأسمائه: فالمعنى إفراد الله بأسمائه.
ثانيا: (بأسمائه الحسنى):
(بأسمائه): الاسم في اللغة: هو اللفظ الموضوع لمعنى تعيينًا أو تمييزًا. أو الاسم: ما دل على الذات وما قام بها من الصفات.
ومن أسماء الله تعالى: الله – الرحمن – الرحيم – الغفور – العزيز – القدير – السميع – البصير – البارئ
(الحسنى): هذا وصف لأسماء الله، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم.
١ - المواضع التي ورد فيها:
ورد هذا الوصف لأسماء الله ﷿ في أربعة مواضع من كتاب الله ﷿، وهذه المواضع هي:
أ- قال تعالى: وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٨٠].
ب- قال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى [الإسراء: ١١٠]
ج- قال تعالى: اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى [طه: ٨].
د- قال تعالى: هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى [الحشر: ٢٤].
٢ - تصريفها: حسنى على وزن (فعلى) تأنيث أفعل التفضيل، فحسنى تأنيث أحسن، ككبرى تأنيث أكبر، وصغرى تأنيث أصغر، ولذلك يخطئ من يقول إنها تأنيث حسن؛ لأن تأنيث (حسن) (حسنة)، ومن أجل ذلك لا يصح أن نقول: إن أسماء الله حسنة، والصواب هو أن نقول: إن أسماء الله حسنى ما وصفها الله بذلك.
٣ - معناها: معنى حسنى: المفضلة على الحسنة، أي البالغة في الحسن غايته.
المعنى العام للآية: وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى: لله أحسن الأسماء وأجلها لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها.
٥ - الحكم المستفاد: يجب الإيمان بهذا الوصف الذي أخبر الله به عن أسمائه وذلك بالاعتقاد الجازم أن أسماء الله هي أحسن الأسماء، وأتمها، وأكملها معنى، وفي هذا الوصف أحكام أخرى مستفادة
ثالثًا: (وصفاته العلى):
(وصفاته): الصفة هي: ما قام بالذات مما يميزها عن غيرها من أمور ذاتية أو معنوية أو فعلية.
ومن صفات الله ﷿:
الذاتية: اليدان – الوجه – العينان – الأصابع.
المعنوية: العلم – القدرة – الحياة - الإرادة.
الفعلية: النزول – الاستواء – الخلق – الرزق.
(العُلَى): قال تعالى: لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَللهِ المَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ [النحل: ٦٠].
وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ [الرُّوم: ٢٧]
٢ - تصريفها: (الأعلى) صيغة أفعل التفضيل، أي أعلى من غيره (١).
٣ - معنى الآية: قال القرطبي: وَللهِ المَثَلُ الأَعْلَى: أي الوصف الأعلى (٢).
وقال ابن كثير: وَللهِ المَثَلُ الأَعْلَى وهو كل صفة كمال؛ وكل كمال في الوجود فالله أحق به من غير أن يستلزم ذلك نقصًا بوجه (٣).
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٠).
(٢) «تفسير القرطبي» (١٠/ ١١٩).
(٣) «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» (٤/ ١٠٤).
[ ١ / ٣٧٢ ]
٤ - الحكم المستفاد: يجب الإيمان بما أخبر الله به عن نفسه، وذلك بالاعتقاد الجازم بأن كل ما أخبر الله به في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من الصفات هي صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فهو سبحانه المستحق للكمال المُطلق من جميع الوجوه.
قال الإمام ابن القيم: (المثل الأعلى يتضمن ثبوت الصفات العليا لله سبحانه، ووجودها العلمي، والخبر عنها، وذكرها، وعبادة الرب سبحانه بها ) (١).
رابعًا: الواردة في القرآن والسنة
أي يجب الوقوف في أسماء الله وصفاته على ما جاءت به نصوص القرآن والسنة لا نزيد على ذلك ولا ننقص منه.
فلا نسمي أو نصف الله بما لم يسم أو يصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ.
وذلك لأنه لا طريق إلى معرفة أسماء الله وصفاته إلا من طريق واحد هو طريق الخبر – أي الكتاب والسنة -.
فلو قال شخص: لله سمع بلا أذنين.
وقال آخر: لله سمع بأذنين.
لحكمنا بخطأ الاثنين؛ لأنه لم يأت ذكر الأذنين في النصوص لا نفيًا ولا إثباتًا، والحق هو أن يقال: لله سمع يليق بجلاله كما جاءت بذلك النصوص، وقد نهانا الله أن نتكلم بغير علم، فقال تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء: ٣٦] وبالتالي لا يجوز الإثبات أو النفي إلا بالنص.
قال الإمام أحمد (ت ٢٤١) ﵀: (لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو ووصفه به رسوله ﷺ، لا نتجاوز القرآن والسنة) (٢).
وقال ابن عبد البر (ت ٤٦٣) ﵀: (ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله، أو صح عن رسول الله ﷺ، أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يسلم له ولا يناظر فيه) (٣).
خامسًا: والإيمان بمعانيها وأحكامها
أي الإيمان بما تضمنته من المعاني، وبما ترتب عليها من مقتضيات وأحكام.
وهذا ما جاء الأمر به والحث عليه في القرآن والسنة.
فمن القرآن: قوله تعالى: وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠]، والشاهد من الآية قوله: (فادعوه بها).
ووجه الاستشهاد: أن الله يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها، فالدعاء بها يتناول:
دعاء المسألة: كقولك: ربي ارزقني.
ودعاء الثناء: كقولك: سبحان الله.
ودعاء التعبد: كالركوع والسجود (٤).
ومن السنة: قوله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحد، من أحصاها دخل الجنة» متفق عليه.
الشاهد من الحديث: قوله ﷺ: «من أحصاها».
ووجه الاستشهاد: أن معنى أحصاها: أي حفظها ألفاظًا، وفهم معانيها ومدلولاتها، وعمل بمقتضياتها وأحكامها.
فالعلم بأسماء الله وصفاته، واعتقاد تسمي الله واتصافه بها هو من العبادة، وإدراك القلب لمعانيها، وما تضمنته من الأحكام والمقتضيات، واستشعاره وتجاوبه لذلك بالقدر الذي يؤدي إلى سلامة تفكيره واستقامة سلوكه، هو عبادة أيضًا.
فأهل السنة يؤمنون بما دلت عليه أسماء الله وصفاته من المعاني، وبما يترتب عليها من مقتضيات وأحكام، بخلاف أهل الباطل الذين أنكروا ذلك وعطلوه.
فأهل السنة يؤمنون بأن كل اسم من أسماء الله يدل على معنى الذي نسميه (الصفة)، فلذلك كان لزامًا على من يؤمن بأسماء الله تعالى أن يراعي الأمور التالية:
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٤) بتصرف.
(٢) «الفتوى الحموية» (ص: ٦١)، دار فجر التراث.
(٣) «جامع بيان العلم وفضله» (ص: ٩٦).
(٤) «مدارج السالكين» (١/ ٤٢٠).
[ ١ / ٣٧٣ ]
أولًا: الإيمان بثبوت ذلك الاسم لله ﷿.
ثانيًا: الإيمان بما دل عليه الاسم من المعنى أي (الصفة).
ثالثًا: الإيمان بما يتعلق به من الآثار والحكم والمقتضى.
مثال ذلك: (السميع).
اسم من أسماء الله الحسنى، فلابد من الإيمان به من:
١ - إثبات اسم (السميع) باعتباره اسمًا من أسماء الله الحسنى.
٢ - إثبات (السمع) صفة له.
٣ - إثبات الحكم (أي الفعل) وهو أن الله يسمع السر والنجوى.
وإثبات المقتضى والأثر: وهو وجوب خشية الله، ومراقبته، وخوفه، والحياء منه ﷿.
قال ابن القيم ﵀: (كل اسم من أسمائه ﷿ له تعبد مختص به علمًا ومعرفة وحالًا:
علمًا ومعرفة: أي إن من علم أن الله مسمى بهذا الاسم وعرف ما يتضمنه من الصفة ثم اعتقد ذلك فهذه عبادة.
وحالًا: أي إن لكل اسم من أسماء الله مدلولًا خاصًا وتأثيرًا معينًا في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه واستشعر ذلك، تجاوب مع هذه المعاني، وانعكست هذه المعرفة على تفكيره وسلوكه) (١).
وكذلك الشأن في صفات الله ﷿، فلابد من الإيمان بمعانيها وأحكامها، فهذه عقيدة أهل السنة، بخلاف عقيدة المعطلة الذين نفوا ما دلت عليه تلك الصفات من المعاني، وتلاعبوا بتلك المعاني فحرفوها وبدلوها.
فأهل السنة يرون أنه لزامًا على من أراد إثبات الصفات والإيمان بأنها صفات كمال تثبت لله حقيقة – أن يراعي الأمور التالية:
١ - إثبات تلك الصفة فلا يعاملها بالنفي والإنكار.
٢ - أن لا يتعدى بها اسمها الخاص الذي سماها الله به، بل يحترم الاسم كما يحترم الصفة، فلا يعطل الصفة ولا يغير اسمها ويعيرها اسمًا آخر، كما تسمي المعطلة سمعه وبصره وكلامه (أعراضًا).
ويسمون وجهه ويديه وقدمه (جوارح وأبعاضًا).
ويسمون علوه على خلقه واستواءه على عرشه (تحيزًا).
٣ - عدم تشبيهها بما للمخلوق، فإن الله سبحانه (ليس كمثله شيء) لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
٤ - اليأس من إدراك كنهها وكيفياتها، فالعقل قد يئس من تعرف كنه الصفة وكيفيتها، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول أهل السنة: (بلا كيف): أي بلا كيف يعقله البشر، فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك (٢).
٥ - تحقيق المقتضى والأثر لتلك الصفات، فلكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها – أعني من موجبات العلم بها، والتحقق بمعرفتها – فعلم العبد بتفرد الرب بالخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، يثمر له عبودية (التوكل).
وعلم العبد بجلال الله وعظمته وعزه، يثمر له الخضوع، والاستكانة، والمحبة. معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات لمحمد بن خليفة التميمي– بتصرف - ص: ٢٩
_________________
(١) «مدارج السالكين» (١/ ٤٢٠).
(٢) «مدارج السالكين» (٣/ ٣٥٨ - ٣٥٩) بتصرف يسير.
[ ١ / ٣٧٤ ]
المبحث الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته إجمالا
وأهل السنة والجماعة: يعرفون ربهم بصفاته الواردة في القرآن والسنة، ويصفون ربهم بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسمائه وآياته، ويثبتون لله ما أثبته لنفسه من غير تمثيل، ولا تكييف ولا تعطيل، ولا تحريف، وقاعدتهم في كل ذلك قول الله ﵎: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١] وقوله: وَلِلَّهِ الأسماء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف:١٨٠] وأهل السنة والجماعة: لا يحددون كيفية صفات الله – جل وعلا – لأنه ﵎ لم يخبر عن الكيفية، ولأنه لا أحد أعلم من الله سبحانه بنفسه، قال تعالى: قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ [البقرة:١٤٠] وقال تعالى: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:٧٤] ولا أحد أعلم بالله من رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي قال الله ﵎ في حقه: وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم:٤] وأهل السنة والجماعة: يؤمنون أن الله – ﷾ – هو الأول ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، كما قال سبحانه: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد:٣] وكما أن ذاته - ﷾ - لا تشبه الذوات، فكذلك صفاته لا تشبه الصفات؛ لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفء له ولا ند له، ولا يقاس بخلقه؛ فيثبتون لله ما أثبته لنفسه إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل؛ فحين يثبتون لله ما أثبته لنفسه لا يمثلون، وإذا نزهوه لا يعطلون الصفات التي وصف نفسه بها، وأنه تعالى محيط بكل شيء، وخالق كل شيء، ورازق كل حي، قال الله تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:١٤] وقال: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:٥٨] ويؤمنون بأن الله تعالى استوى على العرش فوق سبع سموات بائن من خلقه، أحاط بكل شيء علمًا، كما أخبر عن نفسه في كتابه العزيز في سبع آيات كريمات بلا تكييف قال تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] وقال: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:٥٤] وقال: أَأَمِنتُم مَّنْ فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الملك:١٧] وقال: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:١٠] وقال: يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ [النحل:٥٠] وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟» (١)
_________________
(١) رواه البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤). من حديث أبو سعيد الخدري ﵁ ..
[ ١ / ٣٧٥ ]
وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بأن الكرسي والعرش حق قال تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:٢٥٥] والعرش لا يقدر قدره إلا الله، والكرسي في العرش كحلقة ملقاة في فلاة وسع السماوات والأرض، والله مستغن عن العرش والكرسي، ولم يستو على العرش لاحتياجه إليه؛ بل لحكمة يعلمها، وهو منزه عن أن يحتاج إلى العرش أو ما دونه، فشأن الله ﵎ أعظم من ذلك؛ بل العرش والكرسي محمولان بقدرته وسلطانه وأن الله تعالى خلق آدم – ﵇ – بيديه، وأن كلتا يديه يمين ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء كما وصف نفسه سبحانه فقال: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء [المائدة:٦٤] وقال: مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:٧٥] وأهل السنة والجماعة: يثبتون لله سمعًا، وبصرًا، وعلمًا، وقدرة، وقوة، وعزًا، وكلامًا وحياة، وقدمًا وساقًا، ويدًا، ومعية وغيرها من صفاته – ﷿ – التي وصف بها نفسه في كتابه العزيز، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بكيفية يعلمها الله ولا نعلمها؛ لأنه تعالى لم يخبرنا عن الكيفية، قال تعالى: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:٤٦] وقال: وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [التحريم:٢] وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:١٦٤] وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:٢٧] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [البينة:٨] يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:٥٤] فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف:٥٥] يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [القلم:٤٢] اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:٢٥٥] غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [المجادلة:١٤] وغيرها من آيات الصفات وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بأن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم، ويزورونه، ويكلمهم ويكلمونه، قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:٢٣] وسوف يرونه كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته» (١) وأن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل نزولًا حقيقيًا يليق بجلاله وعظمته قال النبي ﷺ: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر؛ فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له؟» (٢)
_________________
(١) رواه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣). من حديث جرير بن عبد الله ﵁ قال: كنا عند النبى ﷺ فنظر إلى القمر ليلة -يعنى البدر- فقال: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته،. ..)
(٢) رواه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁ ..
[ ١ / ٣٧٦ ]
ويؤمنون بأنه تعالى يجيء يوم الميعاد للفصل بين العباد، مجيئًا حقيقيًا يليق بجلاله، قال ﷾: كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:٢١ - ٢٢] وقوله: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ [البقرة: ٢١٠] فمنهج أهل السنة والجماعة في كل ذلك الإيمان الكامل بما أخبر به الله تعالى، وأخبر به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والتسليم به؛ كما قال الإمام الزهري رحمه الله تعالى: من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم وكما قال الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: (كل ما وصف الله تعالى به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف، ولا مثل) وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: (آمنت بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله) وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي، وسفيان بن عيينة، ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث في الصفات والرؤية، فقالوا: (أمروها كما جاءت بلا كيف) وقال الإمام مالك بن أنس – إمام دار الهجرة – ﵀: إياكم والبدع قيل: وما البدع؟ قال: أهل البدع هم الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسأله رجل عن قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا ضالًا، وأمر به أن يخرج من المجلس وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء؛ بل يصفه بما وصف به نفسه، ولا يقول فيه برأيه شيئًا؛ تبارك الله تعالى رب العالمين ولما سئل – ﵀ – عن صفة النزول، فقال: ينزل بلا كيف. وقال الحافظ الإمام نعيم بن حماد الخزاعي ﵀: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيها وقال بعض السلف: قدم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم لذا فإنه من سلك مسلك السلف في الحديث عن ذات الله تعالى وصفاته، يكون ملتزمًا بمنهج القرآن في أسماء الله وصفاته سواء كان السالك في عصر السلف، أو في العصور المتأخرة وكل من خالف السلف في منهجهم؛ فلا يكون ملتزمًا بمنهج القرآن، وإن كان موجودًا في عصر السلف، وبين أظهر الصحابة والتابعين الوجيز في عقيدة السلف الصالح لعبد الحميد الأثري - ص٥٥
[ ١ / ٣٧٧ ]
المبحث الثالث: منزلة العلم بأسماء الله وصفاته من الدين
المطلب الأول: العلم بأسماء الله وصفاته هو الطريق إلى معرفة الله ﷾
والإيمان بالأسماء والصفات يقوي اليقين بالله، وهو سبب لمعرفة الله، والعلم به، بل إن العلم بالله ومعرفة الله - جل وعلا - تكون بمعرفة أسمائه وصفاته، وبمعرفة آثار الأسماء والصفات في ملكوت الله جل وعلا التمهيد لشرح كتاب التوحيد لصالح بن عبد العزيز آل الشيخ - ص ٤٣٧
[ ١ / ٣٧٨ ]
المطلب الثاني: تزكية النفوس وإقامتها على منهج الله
أمَّا التزكية التي أثنى الله تعالى على أصحابها في قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا [الشمس:٩] فالمراد بتزكية النفس هنا تطهيرُها بالأعمال الصالحة وترك الأعمال السيّئة، هذه تزكية النفس، شغلُها بالأعمال الصالحة وتجنيبُها للأعمال السيئة فهناك تزكيةٌ منهيٌّ عنها وهي: الإعجاب والمدح للنفس، وهناك تزكية مأمورٌ بها وهي الإصلاح والتوبة والعمل الصالح: قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وتوعَّد الله الذين لا يزكون أنفسهم قال تعالى: وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [فصلت: ٦ - ٧] قال بعض المفسرين: المراد بالزّكاة هنا: تزكية النفس، لأن الآية مكية، والزكاة بالأموال لم تكن نزلت إلاّ في المدينة، وفي قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ [المؤمنون:٤] قالوا: والمراد بالزكاة هنا: زكاة النفس، لأنَّ الآية مكيّة- أيضًا-، فتزكية النفس بالأعمال الصالحة مطلوبة مأمور بها إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد لصالح بن فوزان الفوزان - ص٢٤٦
[ ١ / ٣٧٩ ]
المطلب الثالث: العلم بأسماء الله وصفاته أشرف العلوم
إن العلم بالله وأسمائه وصفاته أشرف العلوم وأجلها على الإطلاق، لأن شرف العلم بشرف المعلوم، والمعلوم في هذا العلم هو الله ﷾ بأسمائه وصفاته وأفعاله، فالاشتغال بفهم هذا العلم، والبحث التام عنه، اشتغال بأعلى المطالب، وحصوله للعبد من أشرف المواهب، ولذلك بينه الرسول ﷺ غاية البيان، ولاهتمام الرسول ﷺ ببيانه لم يختلف فيه الصحابة رضي الله عليهم كما اختلفوا في الأحكام تفسير أسماء الله الحسنى لعبدالرحمن السعدي - ص٦ - ٨
[ ١ / ٣٨٠ ]
المطلب الرابع: العلم بأسماء الله وصفاته أصل للعلم بكل ما سواه
إحصاء الأسماء الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم فإن المعلومات سواه إما أن تكون خلقا له تعالى أو أمرا إما علم بما كونه أو علم بما شرعه ومصدر الخلق والأمر عن أسمائه الحسنى وهما مرتبطان بها ارتباط المقتضى بمقتضيه فالأمر كله مصدره عن أسمائه الحسنى وهذا كله حسن لا يخرج عن مصالح العباد وكما أن كل موجود سواه فبإيجاده فوجود من سواه تابع لوجوده تبع المفعول المخلوق لخالقه فكذلك العلم بها أصل للعلم بكل ما سواه فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم فمن أحصى أسماءه كما ينبغي للمخلوق أحصى جميع العلوم إذ إحصاء أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم لأن المعلومات هي من مقتضاها ومرتبطة بها وتأمل صدور الخلق والأمر عن علمه وحكمته تعالى ولهذا لا تجد فيها خللا ولا تفاوتا لأن الخلل الواقع فيما يأمر به العبد أو يفعله إما أن يكون لجهله به أو لعدم حكمته وأما الرب تعالى فهو العليم الحكيم فلا يلحق فعله ولا أمره خلل ولا تفاوت ولا تناقض بدائع الفوائد لمحمد بن أبي بكرابن قيم الجوزية - ١/ ١٧٠
[ ١ / ٣٨١ ]
المطلب الخامس: العلم بأسماء الله وصفاته من أسباب زيادة الإيمان
إن الإيمان بأسماء الله الحسنى ومعرفتها يتضمن أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذه الأنواع هي روح الإيمان ورَوحه (الروح: هو الفرح، والاستراحة من غم القلب)، وأصله وغايته، فكلما زاد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته ازداد إيمانه وقوي يقينه التوضيح والبيان لشجرة الإيمان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي - ص٤١
[ ١ / ٣٨٢ ]
المطلب السادس: عظم ثواب من أحصى أسماء الله ﷾
تمهيد:
عن أبي هريرة ﵁ قال: رسول الله ﷺ: «لله تسعة وتسعون اسمًا، مائة إلا واحدة لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر» (١).
وفي رواية: «من أحصاها دخل الجنة» (٢).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٤١٠)، ومسلم (٢٦٧٧).
(٢) رواه البخاري (٧٣٩٢)، ومسلم (٢٦٣٦).
[ ١ / ٣٨٣ ]
المسألة الأولى: هل المراد بالحديث حصر الأسماء الحسنى في هذا العدد؟
«لله تسعة وتسعون اسمًا مائة إلا واحدة» هل المراد به حصر الأسماء الحسنى في هذا العدد، أو أنها أكثر من ذلك، ولكن اختصت هذه بأن من أحصاها دخل الجنة؟
فذهب جمهور العلماء إلى الثاني، ونقل النووي اتفاق العلماء عليه، وقال: ليس في الحديث حصر أسماء الله تعالى، وليس معناه أنه ليس له اسم غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث: أن هذه الأسماء من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصر الأسماء.
وقال أبو سليمان حمد الخطابي: إنما هو بمنزلة قولك إن لزيد ألف درهم أعدها للصدقة، وكقولك: إن لعمرو مائة ثوب من زاره خلعها عليه، وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم، ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب، وإنما دلالته أن الذي أعده زيد من الدراهم للصدقة ألف درهم، وأن الذي أرصده عمرو من الثياب للخلع مائة، والذي يدل على صحة هذا التأويل حديث عبد الله بن مسعود وقد ذكره محمد بن إسحاق بن خزيمة في المأثور:
أن النبي ﷺ كان يدعو: «اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك .. إلخ» (١). فهذا يدلك على أن لله أسماء لم ينزلها في كتابه، حجبها عن خلقه، ولم يظهرها لهم. اهـ (٢).
وقال شيخ الإسلام كما في (مجموع الفتاوى) (٦/ ٣٨١) بعد نقله كلام الخطابي: وأيضًا فقوله: «إن لله تسعة وتسعون» تقيده بهذا العدد، بمنزلة قوله تعالى: تِسْعَةَ عَشَرَ فلما استقلوهم قال: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ [المدثر: ٣١]. فأن لا يعلم أسماءه إلا هو أولى اهـ.
وقال في (درء تعارض العقل والنقل) (٣/ ٣٣٢) والصواب الذي عليه الجمهور أن قول النبي ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة» (٣) معناه: أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمائه دخل الجنة، ليس مراده أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسمًا، ثم ذكر حديث عبد الله بن مسعود السابق (٤).
وقال: وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخط، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (٥).
فأخبر أنه ﷺ لا يحصى ثناء عليه، ولو أحصى جميع أسمائه لأحصى صفاته كلها، فكان يحصى الثناء عليه لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه.
_________________
(١) رواه أحمد (١/ ٣٩١) (٣٧١٢) والطبراني (١٠/ ١٦٩) وابن حبان (٣/ ٢٥٣) والحاكم (١/ ٦٩٠). من حديث ابن مسعود ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٨٩): رجاله رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان، وصححه ابن القيم في «شفاء العليل» (٢/ ٧٤٩) وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٥/ ٢٦٧» إسناده صحيح، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٩٩).
(٢) «شأن الدعاء» (ص: ٢٤).
(٣) رواه البخاري (٦٤١٠)، ومسلم (٢٦٧٧).
(٤) الحديث رواه أحمد (١/ ٣٩١) (٣٧١٢) والطبراني (١٠/ ١٦٩) وابن حبان (٣/ ٢٥٣) والحاكم (١/ ٦٩٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٨٩): رجاله رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان، وصححه ابن القيم في «شفاء العليل» (٢/ ٧٤٩) وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٥/ ٢٦٧» إسناده صحيح، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٩٩).
(٥) رواه مسلم (٤٨٦). من حديث عائشة ﵂.
[ ١ / ٣٨٤ ]
وخالف ابن حزم ههنا، فذهب إلى الحصر في العدد المذكور، ورد عليه الحافظ ابن حجر في الفتح فقال: وابن حزم ممن ذهب إلى الحصر في العدد المذكور، وهو لا يقول بالمفهوم أصلًا، ولكنه احتج بالتأكيد في قوله ﷺ: «مائة إلا واحدًا» قال: لإنه لو جاز أن يكون له اسم زائد على العدد المذكور، لزم أن يكون له مائة، فيبطل قوله: «مائة إلا واحدًا».
قال الحافظ: وهذا الذي قاله ليس بحجة على ما تقدم، لأن الحصر المذكور عندهم باعتبار الوعد الحاصل لمن أحصاها، فمن ادعى أن الوعد وقع لمن أحصى زائدًا على ذلك أخطأ، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون هناك اسم زائد. اهـ (١).
وقد تكلم العلماء – ومنهم الرازي في شرح الأسماء - عن سر هذا العدد المخصوص بكلام كثير (٢)، والذي نراه أن تفويض علمه لله أقرب إلى الصواب، لأن الله لم يطلعنا على حكمة ذلك، فهو كأعداد الصلوات، والله تعالى أعلم. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود- ص ٤٣
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: أسماء الله ليست محصورة بعدد معين، والدليل على ذلك قوله ﷺ في حديث ابن مسعود الحديث الصحيح المشهور: «اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك – إلى أن قال: أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» (٣)، وما أستأثر الله به في علم الغيب لا يمكن أن يُعلَم به، وما ليس بمعلوم فليس بمحصور وأما قوله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة» (٤)، فليس معناه أنه ليس له إلا هذه الأسماء، لكن معناه أن مَن أحصى من أسمائه هذه التسعة والتسعين فإنه يدخل الجنة، فقوله: «من أحصاها» تكميل للجملة الأولى، وليست استئنافية منفصلة، ونظير هذا قول القائل: عندي مئة فرس أعددتها للجهاد في سبيل الله، فليس معناه أنه ليس عنده إلا هذه المئة بل معناه أن هذه المئة مُعدَّة لهذا الشيء القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ٢/ ٣٥٤
_________________
(١) «فتح الباري» (١١/ ٢٢١).
(٢) «تفسير الرازي» (ص: ٢٠٩٢).
(٣) رواه أحمد (١/ ٣٩١) (٣٧١٢)، وأبو يعلى في «المسند» (٩/ ١٩٨)، وابن حبان (٣/ ٢٥٣)، والطبراني (١٠/ ١٦٩) والحاكم (١/ ٦٩٠). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه فإنه مختلف في سماعه عن أبيه. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٣٦): رواه أحمد وأبو يعلى والبزار إلا أنه قال: «وذهاب غمي» مكان «همي» والطبراني ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان. وقال ابن القيم في (شفاء العليل) (٢/ ٧٤٩): صحيح. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٥/ ٢٦٧): إسناده صحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٩٩): صحيح.
(٤) رواه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧). من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٣٨٥ ]
المسألة الثانية: معنى إحصاء أسماء الله
معنى قوله «من أحصاها» وهو يحتمل وجوها:
- أن يعدها حتى يستوفيها حفظًا، ويدعو ربه بها، ويثني عليه بجميعها، كقوله تعالى: لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن: ٢٨]. واستدل له الخطابي بقوله ﷺ – كما في الرواية الأخرى – «من حفظها دخل الجنة» (١) (٢).
وقال النووي: قال البخاري وغيره من المحققين: معناه حفظها، وهذا هو الأظهر لثبوته نصًا في الخبر.
وقال في الأذكار: وهو قول الأكثرين (٣).
وقال ابن الجوزي: لما ثبت في بعض طرق الحديث «من حفظها» بدل «من أحصاها»، اخترنا أن المراد (العد) أي: من عدها ليستوفيها حفظًا.
ورد هذا القول الحافظ فقال: وفيه نظر، لأنه لا يلزم من مجيئه بلفظ «حفظها» تعيين السرد عن ظهر قلب، بل يحتمل الحفظ المعنوي.
وقال الأصيلي: ليس المراد بالإحصاء عدها فقط، لأنه قد يعدها الفاجر، وإنما المراد العلم بها.
وكذا قال أبو نعيم الأصبهاني وابن عطية (٤).
- أن يكون المراد بالإحصاء (الإطاقة)، كقوله تعالى: عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ [المزمل: ٢٠] أي لن تطيقوه، وكقول النبي ﷺ «استقيموا ولن تحصوا ..» (٥). أي: لن تبلغوا كل الاستقامة.
فيكون المعنى: أن يطبق الأسماء الحسنى ويحسن المراعاة لها، وأن يعمل بمقتضاها، وأن يعتبرها فيلزم نفسه بواجبها.
فإذا قال: يا رحمن يا رحيم، تذكر صفة الرحمة، واعتقد أنها من صفات الله سبحانه، فيرجو رحمته ولا ييأس من مغفرته.
وإذا قال: (السميع البصير) علم أنه يراه ويسمعه، وأنه لا تخفى عليه خافية، فيخافه في سره، وعلنه، ويراقبه في كافة أحواله.
وإذا قال: (الرزاق) اعتقد أنه المتكفل برزقه يسوقه إليه في وقته، فيثق بوعده، ويعلم أنه لا رازق له سواه .. إلخ (٦).
وقال أبو عمر الطلمنكي: من تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قال رسول الله ﷺ، المعرفة بالأسماء والصفات، وما تتضمن من الفوائد، وتدل عليه من الحقائق، ومن لم يعلم ذلك لم يكن عالمًا لمعاني الأسماء، ولا مستفيدًا بذكرها ما تدل عليه من المعاني اهـ (٧).
- أن يكون الإحصاء بمعنى العقل والمعرفة، فيكون معناه أن من عرفها، وعقل معانيها، وآمن بها دخل الجنة، وهو مأخوذ من الحصاة وهي العقل، والعرب تقول: فلان ذو حصاة، أي: ذو عقل، ومعرفة بالأمور (٨).
قال القرطبي: المرجو من كرم الله تعالى أن من حصل له إحصاء هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحة النية أن يدخله الله الجنة.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٤١٠)، ومسلم (٢٦٧٧). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) «شأن الدعاء» (٢٦).
(٣) «الأذكار» (٦٤).
(٤) «الفتح» (١١/ ٢٢٦).
(٥) رواه ابن ماجه (٢٢٦)، وأحمد (٥/ ٢٧٦) (٢٢٤٣٢)، والدارمى (١/ ١٧٤) (٦٥٥)، وابن حبان (٣/ ٣١١) (١٠٣٧)، والطبراني (٢/ ١٠١) (١٤٤٤)، والحاكم (٤٤٧)، والبيهقي (١/ ٨٢) (٣٨٩). من حديث ثوبان ﵁. قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (١/ ٤٧): هذا الحديث رجاله ثقات أثبات، إلا أنه منقطع بين سالم وثوبان، فإنه لم يسمع منه بلا خلاف، لكن له طرق أخرى متصلة، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ١٣٠): إسناده صحيح، وجوّد إسناده النووي في «المجموع» (٢/ ٤)، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ١٨١) كما قال في المقدمة.
(٦) «شأن الدعاء» ص (٢٧ - ٢٨) «الفتح» (١١/ ٢٢٥ - ٢٢٦).
(٧) «الفتح» (١١/ ٢٢٦).
(٨) «شأن الدعاء» ص (٢٨ - ٢٩) «الفتح» (١١/ ٢٢٥).
[ ١ / ٣٨٦ ]
وهذه المراتب الثلاثة للسابقين، والصديقين، وأصحاب اليمين اهـ (١).
د – أن يكون معنى الحديث أن يقرأ القرآن حتى يختمه فيستوفي هذه الأسماء كلها في أضعاف التلاوة، فكأنه قال: من حفظ القرآن وقرأه فقد استحق دخول الجنة. (٢)
قلت: لكن قد يفوته بعض الأسماء الواردة بالأحاديث النبوية الزائدة على القرآن.
- طعن أبو زيد البلخي في صحة الخبر بأن دخول الجنة ثبت في القرآن مشروطًا ببذل النفس والمال، فكيف يحصل بمجرد حفظ ألفاظ تعد في أيسر مدة؟
قال الحافظ:
وتعقب بأن الشرط المذكور ليس مطردًا ولا حصر فيه، بل قد تحصل الجنة بغير ذلك، كما ورد في كثير من الأعمال غير الجهاد إن فاعله يدخل الجنة. وأما دعوى أن حفظها يحصل في أيسر مدة فإنما يرد على من حمل (الحفظ والإحصاء) على معنى أن يسردها عن ظهر قلب، فأما من أوله على بعض الوجوه المتقدمة فإنه يكون في غاية المشقة. ويمكن الجواب عن الأول بأن الفضل واسع اهـ. (٣).
وقد ذكر الرازي أن من أخذ هذا الحديث دون الزيادة التي فيها تفصيل الأسماء كان المراد بقوله (من أحصاها) أي من طلبها في القرآن، وفي جملة الأحاديث الصحيحة حتى يلتقط منها تلك الأسماء التسعة والتسعين، ومعلوم أن ذلك مما لا يمكن تحصيله إلا بعد تحصيل علم الأصول والفروع حتى يقدر على التقاط هذه الأسماء من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ومعلوم أن من حصل هذه العلوم، واجتهد حتى بلغ درجة يمكنه معها التقاط هذه الأسماء من الكتاب والسنة فقد بلغ الغاية القصوى في العبودية (٤) اهـ باختصار.
- قوله: (وهو وتر يحب الوتر).
الوتر: هو الفرد، ومعناه في صفة الله جل وعلا الواحد الذي لا شريك له، ولا نظير له، المتفرد عن خلقه، البائن منهم بذاته وصفاته، فهو سبحانه وتر.
وجميع خلقه شفع، خلقوا أزواجًا. قال سبحانه: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: ٤٩].
فالمراد أن الله يحب الوتر من كل شيء، وإن تعدد ما فيه الوتر، ولذلك أمر بالوتر في كثير من الأعمال والطاعات كما في الصلوات الخمس، ووتر الليل، وأعداد الطهارة، وتكفين الميت. وفي كثير من المخلوقات كالسموات والأرض (٥). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود- ص ٤٦
وقال الشيخ ابن عثيمين – ﵀ – في معنى الإحصاء:
١ - الإحاطة بها لفظًا ومعنى.
٢ - دعاء الله بها، لقوله تعالى: فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:١٨٠]، وذلك بأن تجعلها وسيلة لك عند الدعاء، فتقول: يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم! وما أشبه ذلك
٣ - أن تتعبد لله بمقتضاها، فإذا علمت أنه رحيم تتعرض لرحمته، وإذا علمت أنه غفور تتعرض لمغفرته، وإذا علمت أنه سميع اتقيت القول الذي يغضبه، وإذا علمت أنه بصير اجتنبت الفعل الذي لا يرضاه القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ٣/ ٩٠
وقال أيضًا: أما قوله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة» (٦)، فلا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد، ولو كان المراد الحصر لكانت العبارة: (إن أسماء الله تسعة وتسعون اسمًا من أحصاها دخل الجنة) أو نحو ذلك إذن فمعنى الحديث: أن هذا العدد من شأنه أن من أحصاه دخل الجنة، وعلى هذا فيكون قوله: (من أحصاها دخل الجنة) جملة مكملة لما قبلها، وليست مستقلة، ونظير هذا أن تقول: عندي مائة درهم أعددتها للصدقة، فإنه لا يمنع أن يكون عندك دراهم أخرى لم تعدها للصدقة ولم يصح عن النبي ﷺ تعيين هذه الأسماء، والحديث المروي عنه في تعيينها ضعيف قال شيخ الإسلام ابن تيميه في (الفتاوى) ص ٣٨٣ جـ٦ من "مجموع ابن قاسم": تعيينها ليس من كلام النبي ﷺ باتفاق أهل المعرفة بحديثه، وقال قبل ذلك ص ٣٧٩: إن الوليد ذكرها عن بعض شيوخه الشاميين كما جاء مفسرًا في بعض طرق حديثه اهـ وقال ابن حجر في (فتح الباري) ص٢١٥ جـ١١ ط السلفية: ليست العلة عند الشيخين (البخاري ومسلم)، تفرد الوليد فقط، بل الاختلاف فيه والاضطراب، وتدليسه واحتمال الإدراج اهـ ولما لم يصح تعيينها عن النبي ﷺ اختلف السلف فيه، وروي عنهم في ذلك أنواع القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين - ص١٧
_________________
(١) «الفتح» (١١/ ٢٢٥).
(٢) «شأن الدعاء» (ص: ٢٩) وانظر فيما سبق أيضًا «تفسير الأسماء» للزجاج ص (٢٢ - ٢٤) والرازي في «شرح الأسماء» (ص: ٨١ - ٨٢).
(٣) «الفتح» (١١/ ٢٢٧).
(٤) «شرح الأسماء للرازي» (٨٢).
(٥) «الفتح» (١١/ ٢٢٧).
(٦) رواه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧). من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٣٨٧ ]
المسألة الثالثة: ضعف الطرق التي فيها سرد الأسماء
الأولى: ما أخرجه الترمذي (٣٥٧٤)، وابن حبان (٢٣٨٤)، والحاكم (١/ ١٦)، والبيهقي في (السنن) (١٠/ ٢٧)، وفي (الأسماء والصفات) (ص١٥ – ١٦)، وفي (الاعتقاد) (ص٥٠)، والبغوي في (شرح السنة) (٥/ ٣٢)، كلهم من طريق الوليد بن مسلم أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: رسول الله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعون اسمًا مائة غير واحدة من أحصاها دخل الجنة، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس ..» (١). قال الترمذي عقب الحديث: (هذا حديث غريب، حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح، ولا نعرفه إلا من حديث صفوان ابن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، ولا نعلم في كبير شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث، وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وذكر فيه الأسماء وليس له إسناد صحيح) اهـ.
ولم ينفرد به صفوان بن صالح كما قال الترمذي، فقد أخرجه البيهقي في (الأسماء) (ص ١٥) من طريق موسى بن أيوب النصيبي، وهو ثقة عن الوليد بن مسلم.
وهذه الطريق هي أحسن الطرق على ضعف فيها كما سيأتي بيانه.
الثانية: ما أخرجه ابن ماجه (٣٨٦١) من طريق عبد الملك ابن محمد الصنعاني ثنا زهير بن محمد التميمي ثنا موسى بن عقبة حدثني عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة به مع اختلاف في سرد الأسماء ونقص وتقديم وتأخير.
قال البوصيري في (الزوائد): لم يخرج أحد من الأئمة الستة عدد أسماء الله الحسنى من هذا الوجه ولا من غيره غير ابن ماجه، والترمذي، مع تقديم وتأخير، وطريق الترمذي أصح شيء في الباب.
قال: وإسناد طريق بن ماجه ضعيف لضعف عبد الملك بن محمد. اهـ.
قلت: عبد الملك بن محمد هو الحميري البرسمي قال فيه الحافظ: لين الحديث.
الثالثة: أخرجها الحاكم (١/ ١٧) والبيهقي في (الأسماء) (ص: ١٨ - ١٩) وفي (الاعتقاد) (ص٥١) من طريق خالد بن مخلد القطواني ثنا عبد العزيز بن حصين بن الترجمان ثنا أيوب السختياني وهشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ به.
قال الحاكم: (عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان ثقة وإن لم يخرجاه).
فتعقبه الذهبي بقوله: (بل ضعفوه).
وقد ذكر من ضعفه في (الميزان) (٢/ ٦٢٧): (قال البخاري ليس بالقوي عندهم، وقال ابن معين ضعيف، وقال مسلم: ذاهب الحديث، وقال ابن عدي: الضعف على رواياته بين).
وقال البيهقي في (الأسماء) (ص١٩): (ويحتمل أن يكون التفسير وقع من بعض الرواة، وكذلك في حديث الوليد بن مسلم، ولهذا الاحتمال ترك البخاري ومسلم إخراج حديث الوليد في الصحيح) اهـ.
ونقل الحافظ في (التلخيص) (٤/ ١٧٣) عن ابن العربي قوله: (لا نعلم هل تفسير هذا الأسامي في الحديث أو من قول الراوي).
_________________
(١) قال الترمذي: غريب، وقال ابن حجر في «تخريج حديث الأسماء» (١/ ٤٥): [له متابعة].
[ ١ / ٣٨٨ ]
وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية – ﵀ – كما في (مجموع الفتاوى) (٦/ ٣٧٩): (فالحديث الذي فيه ذكر ذلك (أي الأسماء الحسنى) هو حديث الترمذي روى الأسماء الحسنى في (جامعه) من حديث الوليد بن مسلم عن شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ورواها ابن ماجه في سننه من طريق مخلد بن زياد القطواني عن هشام بن حسان بن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن هاتين الروايتين ليستا من كلام النبي ﷺ، وإنما كل منهما من كلام بعض السلف، فالوليد ذكرها عن بعض شيوخه الشاميين كما جاء مفسرًا في بعض طرق حديثه). (وانظر مجموع الفتاوى ٨/ ٩٦ - ٩٧ و٢٢/ ٤٨٢).
وقال ابن كثير في (التفسير) (٢/ ٢٦٩):) والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك.
أي أنهم جمعوها من القرآن، كما روى عن جعفر بن محمد، وسفيان بن عيينة، وأبو زيد اللغوي والله أعلم) اهـ.
وقال الحافظ في (الفتح) (١١/ ٢١٥): واختلف العلماء في سرد الأسماء هل هو مرفوع أو مدرج في الخبر عن بعض الرواة، فمشى كثير منهم على الأول، واستدلوا به على جواز تسمية الله تعالى بما لم يرد في القرآن بصيغة الاسم، لأن كثيرًا من هذه الأسماء كذلك، وذهب آخرون إلى أن التعيين مدرج لخلو أكثر الروايات عنه، ونقله عبد العزيز النخشبي عن كثير من العلماء.
ثم نقل عن الحاكم قوله: (إن العلة فيه مجرد تفرد الوليد بن مسلم، وأنه أوثق ممن رواه بدون ذكر الأسماء).
ورد عليه الحافظ بقوله: (وليست العلة عند الشيخين تفرد الوليد فقط، بل الاختلاف فيه، والاضطراب، وتدليسه، واحتمال الإدراج) اهـ.
وقد نقل الحافظ ما يدل على الإدراج، وهو ما أخرجه عثمان الدارمي في (النقض على المريسي) عن هشام بن عمار عن الوليد فقال عن خليد بن دعلج عن قتادة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة فذكره بدون التعيين، قال الوليد: وحدثنا سعيد بن عبد العزيز مثل ذلك وقال: (كلها في القرآن (هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) وسرد الأسماء).
وأخرجه أبو الشيخ بن حيان من رواية أبي عامر القرشي عن الوليد بن مسلم بسند آخر فقال: حدثنا زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة، قال زهير: (فبلغنا أن غير واحد من أهل العلم قال أو أولها أن تفتتح بلا إله إلا الله وسرد الأسماء) اهـ.
وهذه الرواية هي رواية ابن ماجه السابقة، ولكن وقع فيها سرد الأسماء أولًا ثم بعد أن انتهى سردها، قال زهير: (فبلغنا من غير واحد من أهل العلم، أن أولها يفتح بقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله له الأسماء الحسنى).
قال الحافظ: (والوليد بن مسلم أوثق من عبد الملك الصنعاني، ورواية الوليد تشعر بأن التعيين مدرج) اهـ.
قلت: بل عبد الملك لين الحديث كما نقلنا آنفًا من قول الحافظ نفسه!
وقال في (بلوغ المرام) (ص٢٥٤): (والتحقيق أن سردها إدراج من بعض الرواة) اهـ.
وقال الصنعاني في (سبل السلام) (٤/ ١٠٨): (اتفق الحفاظ من أئمة الحديث أن سردها إدراج من بعض الرواة) اهـ.
خلاصة القول أن هذه الزيادة مدرجة في الحديث ولا يصح رفعها. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٥٠
[ ١ / ٣٨٩ ]
المطلب السابع: تعظيم الله وتمجيده ودعاؤه بأسمائه وصفاته
قوله: فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:١٨٠] الدعاء هو السؤال، والدعاء قد يكون بلسان المقال، مثل: اللهم اغفر لي يا غفور وهكذا، أو بلسان الحال وذلك بالتعبد له، ولهذا قال العلماء: إن الدعاء دعاء مسألة ودعاء عبادة، لأن حقيقة الأمر أن المتعبد يرجو بلسان حاله رحمة الله ويخاف عقابه والأمر بدعاء الله بها يتضمن الأمر بمعرفتها، لأن لا يمكن دعاء الله بها إلا بعد معرفتها وهذا خلافًا لما قاله بعض المداهنين في وقتنا الحاضر: إن البحث في الأسماء والصفات لا فائدة فيه ولا حاجة إليه أيريدون أن يعبدوا شيئًا لا أسماء له ولا صفات! أم يريدون أن يداهنوا هؤلاء المحرفين حتى لا يحصل جدل ولا مناظرة معهم، وهذا مبدأ خطير أن يقال للناس لا تبحثوا في الأسماء والصفات، مع أن الله أمرنا بدعائه بها، والأمر للوجوب، ويقتضي وجوب علمنا بأسماء الله، ومعلوم أيضًا أننا لا نعلمها أسماء مجردة عن المعاني، بل لابد أن لها معاني فلا بد أن نبحث فيها، لأن علمها ألفاظًا مجردة لا فائدة فيه، وإن قدر أن فيه فائدة بالتعبد باللفظ، فإنه لا يحصل به كمال الفائدة واعلم أن دعاء الله بأسمائه له معنيان: الأول: دعاء العبادة، وذلك بأن تتعبد لله بما تقتضيه تلك الأسماء، ويطلق على الدعاء عبادة، قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي [غافر:٦٠]، ولم يقل: عن دعائي، فدل على أن الدعاء عبادة فمثلًا الرحيم يدل على الرحمة، وحينئذ تتطلع إلى أسباب الرحمة وتفعلها والغفور يدل على المغفرة، وحينئذ تتعرض لمغفرة الله ﷿ بكثرة التوبة والاستغفار كذلك وما أشبه ذلك والقريب: يقتضي أن تتعرض إلى القرب منه بالصلاة وغيرها، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد والسميع: يقتضي أن تتعبد لله بمقتضي السمع، بحيث لا تسمع الله قولًا يغضبه ولا يرضاه منك والبصير: يقتضي أن تتعبد لله بمقتضي ذلك البصر بحيث لا يرى منك فعلًا يكرهه منك الثاني: دعاء المسألة، وهو أن تقدمها بين يدي سؤالك متوسلًا بها إلى الله تعالى مثلًا: يا حي، يا قيوم اغفر لي وارحمني، وقال ﷺ: «فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» (١)، والإنسان إذا دعا وعلل، فقد أثنى على ربه بهذا الاسم طالبًا أن يكون سببًا للإجابة، والتوسل بصفة المدعو المحبوبة له سبب للإجابة، فالثناء على الله بأسمائه من أسباب الإجابة القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ٣/ ٩٠
_________________
(١) رواه البخاري (٨٣٤) ومسلم (٢٧٠٥). من حديث أبي بكر الصديق ﵁.
[ ١ / ٣٩٠ ]
المطلب الثامن: العلم بأسماء الله وصفاته دليل على كماله ﷾ في تشريعه للأحكام
عن ابن عمر ﵄ مرفوعا «إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين وتكون السماء بيمينه» (١) وأخرجه مسلم من حديث عبيد الله بن مقسم قلت: وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على عظمة الله وعظيم قدرته وعظم مخلوقاته وقد تعرف ﷾ إلى عباده بصفاته وعجائب مخلوقاته، وكلها تعرف وتدل على كماله، وأنه هو المعبود لا شريك له في ربوبيته وإلهيته وتدل على إثبات الصفات له على ما يليق بجلال الله وعظمته، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وعليه سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم بإحسان، واقتفى أثرهم على الإسلام والإيمان وتأمل ما في هذه الأحاديث الصحيحة من تعظيم النبي ﷺ ربه بذكر صفات كماله على ما يليق بعظمته وجلاله وتصديقه اليهود فيما أخبروا به عن الله من الصفات التي تدل على عظمته فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ - ص٥٠٨
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤١٢) بلفظ «الأرض»، ومسلم (٢٧٨٧) بلفظ «الأرض» وبلفظ «يطوي». وذكره ابن كثير بهذا اللفظ في «تفسير القرآن العظيم» (٥/ ٣٨٢) وقال: انفرد به من هذا الوجه البخاري.
[ ١ / ٣٩١ ]
المطلب التاسع: التعبد بمقتضى أسماء الله
التعبد لله بمقتضاها، ولذلك وجهان: الوجه الأول: أن تدعو الله بها، لقوله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:١٨٠] بأن تجعلها وسيلة إلى مطلوبك، فتختار الاسم المناسب لمطلوبك، فعند سؤال المغفرة تقول: يا غفور! وليس من المناسب أن تقول: يا شديد العقاب اغفر لي، بل هذا يشبه الاستهزاء، بل تقول: أجرني من عقابك
الوجه الثاني: أن تتعرض في عبادتك لما تقتضيه هذه الأسماء، فمقتضى الرحيم الرحمة، فاعمل الصالح الذي يكون جالبًا لرحمة الله، ومقتضي الغفور المغفرة، إذًا افعل ما يكون سببًا في مغفرة ذنوبك، هذا هو معني إحصائها، فإذا كان كذلك، فهو جدير لأن يكون ثمنًا لدخول الجنة، وهذا الثمن ليس على وجه المقابلة، ولكن على وجه السبب، لأن الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة وليست بدلًا، ولهذا ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قوله «لن يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة» (١) القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ٣/ ١٥
_________________
(١) رواه البخاري (٦٤٦٧)، ومسلم (٢٨١٦). من حديث أبي هريرة ﵁. وروي من طرقٍ عن عائشة وعن أبي سعيد الخدري ﵄.
[ ١ / ٣٩٢ ]
المبحث الرابع: قواعد دلالات الأسماء والصفات ومعانيها
المطلب الأول: معنى الاسم والصفة والفرق بينهما
الاسم: (هو ما دل على معنى في نفسه) (١)، و(أسماء الأشياء هي الألفاظ الدالة عليها) (٢)، (وقيل: الاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل) (٣)
الصفة: (هي الاسم الدال على بعض أحوال الذات وهي الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يُعرف بها) (٤)، (وهي ما وقع الوصف مشتقًا منها، وهو دالٌ عليها، وذلك مثل العلم والقدرة ونحوه) (٥)
وقال ابن فارس: (الصفة: الأمارة اللازمة للشيء) (٦)، وقال: (النعت: وصفك الشيء بما فيه من حسن) (٧)
الفرق بين الاسم والصفة:
سُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية عن الفرق بين الاسم والصفة؟ فأجابت بما يلي:
(أسماء الله كل ما دل على ذات الله مع صفات الكمال القائمة به؛ مثل: القادر، العليم، الحكيم، السميع، البصير؛ فإن هذه الأسماء دلَّت على ذات الله، وعلى ما قام بها من العلم والحكمة والسمع والبصر، أما الصفات؛ فهي نعوت الكمال القائمة بالذات؛ كالعلم والحكمة والسمع والبصر؛ فالاسم دل على أمرين، والصفة دلت على أمر واحد، ويقال: الاسم متضمن للصفة، والصفة مستلزمة للاسم) (٨)
ولمعرفة ما يُميِّز الاسم عن الصفة، والصفة عن الاسم أمور، منها:
أولًا: (أن الأسماء يشتق منها صفات، أما الصفات؛ فلا يشتق منها أسماء، فنشتق من أسماء الله الرحيم والقادر والعظيم، صفات الرحمة والقدرة والعظمة، لكن لا نشتق من صفات الإرادة والمجيء والمكر اسم المريد والجائي والماكر)
فأسماؤه ﷾ أوصاف؛ كما قال ابن القيم في (النونية):
أسماؤُهُ أوْصافُ مَدْحٍ كُلُّها
مُشْتَقَّةٌ قَدْ حُمِّلَتْ لِمَعان
ثانيًا: (أن الاسم لا يُشتق من أفعال الله؛ فلا نشتق من كونه يحب ويكره ويغضب اسم المحب والكاره والغاضب، أما صفاته؛ فتشتق من أفعاله فنثبت له صفة المحبة والكره والغضب ونحوها من تلك الأفعال، لذلك قيل: باب الصفات أوسع من باب الأسماء) (٩)
ثالثًا: أن أسماء الله ﷿ وصفاته تشترك في الاستعاذة بها والحلف بها، لكن تختلف في التعبد والدعاء، فيتعبد الله بأسمائه، فنقول: عبدالكريم، وعبد الرحمن، وعبد العزيز، لكن لا يُتعبد بصفاته؛ فلا نقول: عبد الكرم، وعبد الرحمة، وعبد العزة؛ كما أنه يُدعى اللهُ بأسمائه، فنقول: يا رحيم! ارحمنا، ويا كريم! أكرمنا، ويا لطيف! ألطف بنا، لكن لا ندعو صفاته فنقول: يا رحمة الله! ارحمينا، أو: يا كرم الله! أو: يا لطف الله! ذلك أن الصفة ليست هي الموصوف؛ فالرحمة ليست هي الله، بل هي صفةٌ لله، وكذلك العزة، وغيرها؛ فهذه صفات لله، وليست هي الله، ولا يجوز التعبد إلا لله، ولا يجوز دعاء إلا الله؛ لقوله تعالى: يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور: ٥٥]، وقوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:٦٠] وغيرها من الآيات (١٠) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٧
_________________
(١) «التعريفات» للجرجاني (ص٢٤).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٩٥).
(٣) «الكليات» لأبي البقاء الكفوي (ص ٨٣).
(٤) «التعريفات» (ص ١٣٣).
(٥) «الكليات» (ص٥٤٦) ويعني بالوصف هنا الاسم؛ فالعلم صفة، والعالم وصف دال عليها، والقدرة صفة، والقادر وصف دال عليها.
(٦) «معجم مقاييس اللغة» (٥/ ٤٤٨).
(٧) «معجم مقاييس اللغة» (٦/ ١١٥).
(٨) «فتاوى اللجنة الدائمة» (٣/ ١١٦ - فتوى رقم ٨٩٤٢).
(٩) انظر: «مدارج السالكين» (٣/ ٤١٥).
(١٠) انظر: «فتاوى الشيخ ابن عثيمين» (١/ ٢٦ - ترتيب أشرف عبد المقصود)، وقد نسب هذا القول لشيخ الإسلام ابن تيمية، لكن ينبغي هنا أن نفرق بين دعاء الصفة كما سبق وبين دعاء الله بصفة من صفاته؛ كأن تقول: اللهم ارحمنا برحمتك، فهذا لا بأس به. والله أعلم.
[ ١ / ٣٩٣ ]
المطلب الثاني: اشتقاق أسماء الله وصفاته ودلالتها على الوصفية
وكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسماة وعلى الصفة التي تضمنها الاسم كالعليم يدل على الذات والعلم والقدير يدل على الذات والقدرة والرحيم يدل على الذات والرحمة ومن أنكر دلالة أسمائه على صفاته ممن يدعي الظاهر فقوله من جنس قول غلاة الباطنية القرامطة الذين يقولون لا يقال هو حي ولا ليس بحي بل ينفون عنه النقيضين فإن أولئك القرامطة الباطنية لا ينكرون اسما هو علم محض كالمضمرات وإنما ينكرون ما في أسمائه الحسنى من صفات الإثبات فمن وافقهم على مقصودهم كان مع دعواه الغلو في الظاهر موافقا لغلاة الباطنية في ذلك وليس هذا موضع بسط ذلك وإنما المقصود أن كل اسم من أسمائه يدل على ذاته وعلى ما في الاسم من صفاته ويدل أيضا على الصفة التي في الاسم الآخر بطريق اللزوم وكذلك أسماء النبي مثل محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب وكذلك أسماء القرآن مثل القرآن والفرقان والهدى والشفاء والبيان والكتاب وأمثال ذلك مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١٣/ ٣٣٣
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: هل أسماء الله مشتقة أو جامدة -يعني: هل المراد بها الدلالة على الذات فقط، أو على الذات والصفة-؟
الجواب: على الذات والصفة، أما أسماؤنا نحن، فيراد بها الدلالة على الذات فقط، فقد يسمى محمدًا وهو من أشد الناس ذمًا، وقد يسمى عبد الله وهو من أفجر عباد الله أما أسماء الله ﷿، وأسماء الرسول ﷺ، وأسماء القرآن، وأسماء اليوم الآخر، وما أشبه ذلك، فإنها أسماء متضمنة للأوصاف القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ٣/ ١٥
[ ١ / ٣٩٤ ]
المطلب الثالث: التفاضل بين الأسماء والصفات
وقول من قال صفات الله لا تتفاضل ونحو ذلك قول لا دليل عليه بل هو مورد النزاع ومن الذي جعل صفته التي هي الرحمة لا تفضل على صفته التي هي الغضب وقد ثبت عن النبي ﷺ إن الله كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبى وفي رواية تسبق غضبى وصفة الموصوف من العلم والإرادة والقدرة والكلام والرضا والغضب وغير ذلك من الصفات تتفاضل من وجهين:
أحدهما: أن بعض الصفات أفضل من بعض وأدخل في كل الموصوف بها فإنا نعلم أن اتصاف العبد بالعلم والقدرة والرحمة أفضل من اتصافه بضد ذلك لكن الله تعالى لا يوصف بضد ذلك ولا يوصف إلا بصفات الكمال وله الأسماء الحسنى يدعى بها فلا يدعى إلا بأسمائه الحسنى وأسماؤه متضمنة لصفاته وبعض أسمائه أفضل من بعض وأدخل في كمال الموصوف بها ولهذا في الدعاء المأثور أسألك باسمك العظيم الأعظم الكبير الأكبر ولقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى وأمثال ذلك فتفاضل الأسماء والصفات من الأمور البينات والثاني: أن الصفة الواحدة قد تتفاضل فالأمر بمأمور يكون أكمل من الأمر بمأمور آخر والرضا عن النبيين أعظم من الرضا عمن دونهم والرحمة لهم أكمل من الرحمة لغيرهم وتكليم الله لبعض عباده أكمل من تكليمه لبعض وكذلك سائر هذا الباب وكما أن أسماءه وصفاته متنوعة فهي أيضا متفاضلة كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع مع العقل وإنما شبهة من منع تفاضلها من جنس شبهة من منع تعددها وذلك يرجع إلى نفي الصفات كما يقوله الجهمية لما ادعوه من التركيب. مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١٧/ ٢١١
[ ١ / ٣٩٥ ]
المطلب الرابع: اقتضاء الصفات والأسماء لآثارهما
إن لكل صفة من الصفات العليا حكما ومقتضيات وأثرا هو مظهر كمالها وإن كانت كاملة في نفسها لكن ظهور آثارها وأحكامها من كمالها فلا يجوز تعطيله فإن صفة القادر تستدعي مقدورا وصفة الخالق تستدعي مخلوقا وصفة الوهاب الرازق المعطي المانع الضار النافع المقدم المؤخر المعز المذل العفو الرؤوف تستدعي آثارها وأحكامها فلو عطلت تلك الصفات عن المخلوق المرزوق المغفور له المرحوم المعفو عنه لم يظهر كمالها وكانت معطلة عن مقتضياتها وموجباتها فلو كان الخلق كلهم مطيعون عابدون حامدون لتعطل أثر كثير من الصفات العلى والأسماء الحسنى وكيف كان يظهر أثر صفة العفو والمغفرة والصفح والتجاوز والانتقام والعز والقهر والعدل والحكمة التي تنزل الأشياء منازلها وتضعها مواضعها فلو كان الخلق كلهم أمة واحدة لفاتت الحكم والآيات والعبر والغايات المحمودة في خلقهم على هذا الوجه وفات كمال الملك والتصرف فإن الملك إذا اقتصر تصرفه على مقدور واحد من مقدوراته فأما أن يكون عاجزا عن غيره فيتركه عجزا أو جاهلا بما في تصرفه في غيره من المصلحة فيتركه جهلا وأما أقدر القادرين وأعلم العالمين وأحكم الحاكمين فتصرفه في مملكته لا يقف على مقدور واحد لأن ذلك نقص في ملكه فالكمال كل الكمال في العطاء والمنع والخفض والرفع والثواب والعقاب والإكرام والإهانة والإعزاز والإذلال والتقديم والتأخير والضر والنفع وتخصيص هذا على هذا وإيثار هذا على هذا ولو فعل هذا كله بنوع واحد متماثل الأفراد لكان ذلك منافيا لحكمته وحكمته تأباه كل الآباء فإنه لا يفرق بين متماثلين ولا يسوي بين مختلفين وقد عاب على من يفعل ذلك وأنكر على من نسبه إليه والقرآن مملوء من عيبه على من يفعل ذلك فكيف يجعل له العبيد ما يكرهون ويضربون له مثل السوء وقد فطر الله عباده على إنكار ذلك من بعضهم على بعض وطعنهم على من يفعله وكيف يعيب الرب سبحانه من عباده شيئا ويتصف به وهو سبحانه إنما عابه لأنه نقص فهو أولى أن يتنزه عنه وإذا كان لا بد من ظهور آثار الأسماء والصفات ولا يمكن ظهور آثارها إلا في المتقابلات والمتضادات لم يكن في الحكمة بد من إيجادها إذ لو فقدت لتعطلت الأحكام بتلك الصفات وهو محال يوضحه شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل لمحمد بن أبي بكرابن قيم الجوزية - ١/ ٢١٩
[ ١ / ٣٩٦ ]
المطلب الخامس: اعتبارات إطلاق الأسماء
- امتناع إطلاق الأسماء على الله مع عدم ثبوت الصفة منها
قال السفاريني –﵀- في شرحه لنطم الدرة المضيئة: (لكنها) أي الأسماء الحسنى (في) القول (الحق) المعتمد عند أهل الحق (توقيفية) بنص الشرع وورود السمع بها ومما يجب أن يعلم أن علماء السنة اتفقوا على جواز إطلاق الأسماء الحسنى والصفات العلى على الباري - جل وعلا - إذا ورد بها الإذن من الشارع، وعلى امتناعه على ما ورد المنع عنه لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لمحمد بن أحمد السفاريني - ١/ ١٢٤
- بيان أسمائه تعالى المضافة التي لا تطلق بغير إضافة
مثل: أرحم الراحمين وخير الغافرين ورب العالمين ومالك يوم الدين وأحسن الخالقين وجامع الناس ليوم لا ريب فيه ومقلب القلوب وغير ذلك مما ثبت في الكتاب والسنة وثبت في الدعاء بها بإجماع المسلمين مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ٢/ ٣٨٠
[ ١ / ٣٩٧ ]
المبحث الخامس: أنواع المضاف إلى الله
المضاف إلى الله سبحانه في الكتاب والسنة سواء كانت إضافة اسم إلى اسم أو نسبة فعل إلى اسم أو خبر باسم عن اسم لا يخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: إضافة الصفة إلى الموصوف: كقوله تعالى: وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ [البقرة:٢٥٥] وقوله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:٥٨] وفى حديث الاستخارة: «اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك» (١) وفي الحديث الآخر: «اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق» (٢) فهذا في الإضافة الاسمية
وأما بصيغة الفعل فكقوله: عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ [البقرة:١٨٧] وقوله: عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ [المزمل:٢٠] وأما الخبر الذي هو جملة اسمية فمثل قوله: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:٢٨٢] وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:٢٨٤] وذلك لأن الكلام الذي توصف به الذوات إما جملة أو مفرد فالجملة: إما اسمية كقوله: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:٢٨٢] أو فعلية كقوله: عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ [المزمل:٢٠] أما المفرد فلابد فيه من إضافة الصفة لفظا أو معنى كقوله: بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ [البقرة:٢٥٥] وقوله: هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [القصص:٧٨] أو إضافة الموصوف كقوله: هُوَ الرَّزَّاقُ [الذاريات:٥٨]
والقسم الثاني: إضافة المخلوقات: كقوله نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا [الشمس:١٣] وقوله وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [الحج:٢٦] وقوله رَسُولَ اللَّهِ [النساء:١٥٧] وَعِبَادُ الرحمن [الفرقان:٦٣] وقوله ذو الْعَرْشِ [غافر:١٥] وقوله وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:٢٥٥] فهذا القسم لا خلاف بين المسلمين في أنه مخلوق كما إن القسم الأول لم يختلف أهل السنة والجماعة في أنه قديم وغير مخلوق
وقد خالفهم بعض أهل الكلام في ثبوت الصفات لا في أحكامها وخالفهم بعضهم في قدم العلم وأثبت بعضهم حدوثه وليس الغرض هنا تفصيل ذلك
الثالث: وهو محل الكلام هنا ما فيه معنى الصفة والفعل: مثل قوله: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:١٦٤] وقوله: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:٨٢] وقوله: قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي [الكهف:١٠٩] وقوله: يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ [الفتح:١٥] وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ [البقرة:٧٥] وقوله: إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة:١] فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ [هود:١٠٧] وقوله: فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ [البقرة:٩٠] وقوله: وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ [النساء:٩٣] وقوله: فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف:٥٥] وقوله: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ [محمد:٢٨] وقوله: رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [البينة:٨] وقوله: وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا [الأعراف:٢٣] وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ [المؤمنون:١١٨] وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ [البقرة:٢٨٦] وكذلك قوله: خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [البقرة:١٦٤] لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:٧٥] وقوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:٥٤] وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:٢٢] هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ [البقرة:٢١٠] هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ [الأنعام:١٥٨] وفي الأحاديث شيء كثير كقوله في حديث الشفاعة: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله» (٣) وقوله: «ضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة» (٤) وقوله: «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا» (٥) الحديث وأشباه هذا وهو باب واسع مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ٦/ ١٤٤
_________________
(١) رواه البخاري (١١٦٢). من حديث جابر بن عبد الله ﵁.
(٢) رواه النسائي (٣/ ٥٤)، وأحمد (٤/ ٢٦٤) (١٨٣٥١)، وأبو يعلى (٣/ ١٩٥)، وابن حبان (٥/ ٣٠٤)، والحاكم (١/ ٧٠٥). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٧٧): رواه النسائي باختصار ، رواه أبو يعلى ورجاله ثقات إلا أن عطاء بن السائب اختلط. وقال الألباني في «صحيح النسائي»: صحيح.
(٣) رواه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) رواه البخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠) بلفظ «يضحك».
(٥) رواه البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٣٩٨ ]
المبحث السادس: اتصافه تعالى بالأفعال في الأزل
فالصفات الذاتية هي التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها وهي نوعان: معنوية وخبرية:
فالمعنوية، مثل: الحياة، والعلم، القدرة، والحكمة وما أشبه ذلك، وهذا على سبيل التمثيل لا الحصر.
والخبرية، مثل: اليدين، والوجه، والعينين وما أشبه ذلك مما سماه، نظيره أبعاض وأجزاء لنا.
فالله تعالى لم يزل له يدان ووجه وعينان لم يحدث له شيء من ذلك بعد أن لم يكن، ولن ينفك عن شيء منه، كما أن الله لم يزل حيًا ولا يزال حيًا، لم يزل عالمًا ولا يزال عالمًا، ولم يزل قادرًا ولا يزال قادرًا وهكذا، يعنى ليس حياته تتجدد، ولا قدرته تتجدد، ولا سمعه يتجدد بل هو موصوف بهذا أزلًا وأبدًا، وتجدد المسموع لا يستلزم تجدد السمع، فأنا مثلًا عندما أسمع الأذان الآن فهذا ليس معناه أنه حدث لي سمع جديد عند سماع الأذان بل هو منذ خلقه الله فيَّ لكن المسموع يتجدد وهذا لا أثر له في الصفة واصطلح العلماء ﵏ على أن يسموها الصفات الذاتية، قالوا: لأنها ملازمة للذات، لا تنفك عنها والصفات الفعلية هي الصفات المتعلقة بمشيئته، وهي نوعان: صفات لها سبب معلوم، مثل: الرضى، فالله ﷿ إذا وجد سبب الرضى، رضي، كما قال تعالى: إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:٧] وصفات ليس لها سبب معلوم، مثل: النزول إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ومن الصفات ما هو صفة ذاتية وفعلية باعتبارين، فالكلام صفة فعلية باعتبار آحاده لكن باعتبار أصله صفة ذاتية، لأن الله لم يزل ولا يزال متكلمًا لكنه يتكلم بما شاء متى شاء اصطلح العلماء ﵏ أن يسموا هذه الصفات الصفات الفعلية، لأنها من فعله ﷾ ولها أدلة كثيرة من القرآن، مثل: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢]، هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [الأنعام: من الآية١٥٨] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة: ١١٩]، وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُم [التوبة: ٤٦]، أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ [المائدة: ٨٠] وليس في إثباتها لله تعالى نقص بوجه من الوجوه بل هذا من كماله أن يكون فاعلًا لما يريد وأولئك القوم المحرفون يقولون: إثباتها من النقص! ولهذا ينكرون جميع الصفات الفعلية، يقولون: لا يجيء ولا يرضى، ولا يسخط ولا يكره ولا يحب ينكرون كل هذه، بدعوى أن هذه حادثة والحادث لا يقوم إلا بحادث وهذا باطل، لأنه في مقابلة النص، وهو باطل بنفسه، فإنه لا يلزم من حدوث الفعل حدوث الفاعل شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ٧٧
[ ١ / ٣٩٩ ]
المبحث السابع: قواعد أحكام الأسماء والصفات
المطلب الأول: وجوب الإيمان والتسليم بما جاء في الكتاب والسنة في باب الأسماء والصفات
اتفق السلف على أنه يجب الإيمان بجميع الأسماء الحسنى، وما دلت عليه من الصفات، وما ينشأ عنها من الأفعال شرح العقيدة الواسطية لمحمد خليل هراس – ص١٥٧
اعلم يا أخي وفقنا الله وإياك أن الواجب على العبد الإيمان بالله وأسمائه وصفاته والتسليم لأقداره واليقين بعدله وحكمته والفرح بفضله ورحمته ونحن لا نعلم من حكمة الله وسائر أسمائه وصفاته إلا ما علمناه ولا يحيط بكنه شيء منها ونهايته إلا الذي اتصف بها وهو الله الذي لا إله إلا هو معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي- ص٢٩٧
[ ١ / ٤٠٠ ]
المطلب الثاني: حكم الوصف والتسمية والخبر
المسألة الأولى: حكم اشتقاق المصدر والفعل والإخبار بهما عن الله
إن الاسم إذا أطلق عليه جاز أن يشتق منه المصدر والفعل فيخبر به عنه فعلا ومصدرا ونحو السميع البصير القدير يطلق عليه منه السمع والبصر والقدرة ويخبر عنه بالأفعال من ذلك نحو قَدْ سَمِعَ اللَّهُ [المجادلة:١] فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ [المرسلات:٢٣] هذا إن كان الفعل متعديا فإن كان لازما لم يخبر عنه به نحو الحي بل يطلق عليه الاسم والمصدر دون الفعل فلا يقال حي بدائع الفوائد لمحمد بن أبي بكرابن قيم الجوزية - ١/ ١٧٠
[ ١ / ٤٠١ ]
المسألة الثانية: بيان عدم التلازم بين الإخبار بالفعل مقيدا والتسمية به
وأما صفة الكمال بقيد، فهذه لا يوصف الله بها على الإطلاق إلا مقيدًا، مثل: المكر، والخداع، والاستهزاء وما أشبه ذلك، فهذه الصفات كمال بقيد، إذا كانت في مقابلة من يفعلون ذلك، فهي كمال، وإن ذكرت مطلقة، فلا تصح بالنسبة لله ﷿، ولهذا لا يصح إطلاق وصفه بالماكر أو المستهزئ أو الخادع، بل تقيد فنقول: ماكر بالماكرين، مستهزئ بالمنافقين، خادع للمنافقين، كائد للكافرين، فتقيدها لأنها لم تأت إلا مقيدة شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ١٤٢
[ ١ / ٤٠٢ ]
المسألة الثالثة: بيان ما يوصف به الله تعالى من فعل لا يشتق منه اسم
أن الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه بل يطلق عليه منها كمالها وهذا كالمريد والفاعل والصانع فإن هذه الألفاظ لا تدخل في أسمائه ولهذا غلط من سماه بالصانع عند الإطلاق بل هو الفعال لما يريد فإن الإرادة والفعل والصنع منقسمة ولهذا إنما أطلق على نفسه من ذلك أكمله فعلا وخبرا أنه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدا أن يشتق له منه اسم مطلق كما غلط فيه بعض المتأخرين فجعل من أسمائه الحسنى المضل الفاتن الماكر تعالى الله عن قوله فإن هذه الأسماء لم يطلق عليه سبحانه منها إلا أفعال مخصوصة معينة فلا يجوز أن يسمى بأسمائها بدائع الفوائد لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية - ١/ ١٦٩
[ ١ / ٤٠٣ ]
المطلب الثالث: حكم الألفاظ المجملة نفيا وإثباتا
وإذا كان المتكلم في مقام الإجابة لمن عارضه بالعقل وادعى أن العقل يعارض النصوص فإنه قد يحتاج إلى حل شبهته وبيان بطلانها فإذا أخذ النافي يذكر ألفاظا مجملة مثل أن يقول: لو كان فوق العرش لكان جسما أو لكان مركبا وهو منزه عن ذلك ولو كان له علم وقدرة لكان جسما وكان مركبا وهو منزه عن ذلك ولو خلق واستوى وأتى لكان تحله الحوادث وهو منزه عن ذلك ولو قامت به الصفات لحلته الأعراض وهو منزه عن ذلك فهنا يستفصل السائل ويقول له: ماذا تريد بهذه الألفاظ المجملة؟ فإن أراد بها حقا وباطلا قبل الحق ورد الباطل مثل أن يقول: أنا أريد بنفي الجسم نفي قيامه بنفسه وقيام الصفات به ونفي كونه مركبا فنقول: هو قائم بنفسه وله صفات قائمة به وأنت سميت هذا تجسيما لم يجز أن أدع الحق الذي دل عليه صحيح المنقول وصريح المعقول لأجل تسميتك أنت له بهذا وأما قولك: ليس مركبا فإن أردت به أنه سبحانه ركبه مركب أو كان متفرقا فتركب وأنه يمكن تفرقه وانفصاله فالله تعالى منزه عن ذلك وإن أردت أنه موصوف بالصفات مباين للمخلوقات فهذا المعني حق ولا يجوز رده لأجل تسميتك له مركبا فهذا ونحوه مما يجاب به درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١/ ١٣٣
قال ابن أبي العز الحنفي –﵀-: وحول الحوادث بالرب تعالى، المنفي في علم الكلام المذموم، لم يرد نفيه ولا إثباته في كتاب ولا سنة، وفيه إجمال: فإن أريد بالنفي أنه سبحانه لا يحل في ذاته المقدسة لشيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن - فهذا نفي صحيح وإن أريد به نفي الصفات الاختيارية، من أنه لا يفعل ما يريد، ولا يتكلم بما شاء إذا شاء، ولا أنه يغضب ويرضى لا كأحد من الورى، ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول والاستواء والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته - فهذا نفي باطل وأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حلول الحوادث، فيسلم السني للمتكلم ذلك، على ظن أنه نفى عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله، فإذا سلم له هذا النفي ألزمه نفي الصفات الاختيارية وصفات الفعل، وهو غير لازم له وإنما أتي السني من تسليم هذا النفي المجمل، وإلا فلو استفسر واستفصل لم ينقطع معه وكذلك مسألة الصفة: هل هي زائدة على الذات أم لا؟ لفظها مجمل، وكذلك لفظ الغير، فيه إجمال، فقد يراد به ما ليس هو إياه، وقد يراد به ما جاز مفارقته له ولهذا كان أئمة السنة رحمهم الله تعالى لا يطلقون على صفات الله وكلامه أنه غيره، ولا أنه ليس غيره لأن إطلاق الإثبات قد يشعر أن ذلك مباين له، وإطلاق النفي قد يشعر بأنه هو هو، إذا كان لفظ الغير فيه إجمال، فلا يطلق إلا مع البيان والتفصيل: فإن أريد به أن هناك ذاتًا مجردة قائمة بنفسها منفصلة عن الصفات الزائدة عليها - فهذا غير صحيح، وإن أريد به أن الصفات زائدة على الذات التي يفهم من معناها غير ما يفهم من معنى الصفة - فهذا حق، ولكن ليس في الخارج ذات مجردة عن الصفات، بل الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل عنها، وإنما يفرض الذهن ذاتًا وصفة، كلًا وحده، ولكن ليس في الخارج ذات غير موصوفة، فإن هذا محال ولو لم يكن إلا صفة الوجود، فإنها لا تنفك عن الموجود، وإن كان الذهن يفرض ذاتًا ووجودًا، يتصور هذا وحده، وهذا وحده، لكن لا ينفك أحدهما عن الآخر في الخارج وقد يقول بعضهم: الصفة لا عين الموصوف ولا غيره هذا له معنى صحيح، وهو: أن الصفة ليست عين ذات الموصوف التي يفرضها الذهن مجردة بل هي غيرها، وليست غير الموصوف، بل الموصوف بصفاته شيء واحد غير متعدد فإذا قلت: أعوذ بالله فقد عذت بالذات المقدسة الموصوفة بصفات الكمال المقدسة الثابتة التي لا تقبل الانفصال بوجه من الوجوه وإذا قلت: أعوذ بعزة الله، فقد عذت بصفة من صفات الله تعالى، ولم أعذ بغير الله وهذا المعنى يفهم من لفظ الذات، فإن ذات في أصل معناها لا تستعمل إلا مضافة، أي: ذات وجود، ذات قدرة، ذات عز، ذات علم، ذات كرم، إلى غير ذلك من الصفات فذات كذا بمعنى صاحبة كذا: تأنيث ذو هذا أصل معنى الكلمة، فعلم أن الذات لا يتصور انفصال الصفات عنها بوجه من الوجوه شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي - ١/ ٩٧
[ ١ / ٤٠٤ ]
المطلب الرابع: أحكام التسلسل نفيًا وإثباتًا
والتسلسل لفظ مجمل، لم يرد بنفيه ولا إثباته كتاب ولا سنة، ليجب مراعاة لفظه، وهو ينقسم إلى واجب وممتنع وممكن: فالتسلسل في المؤثرين محال ممتنع لذاته، وهو أن يكون مؤثرون كل واحد منهم استفاد تأثيره مما قبله لا إلى غاية والتسلسل الواجب: ما دل عليه العقل والشرع، من دوام أفعال الرب تعالى في الأبد، وأنه كلما انقضى لأهل الجنة نعيم أحدث لهم نعيمًا آخر لا نفاد له، وكذلك التسلسل في أفعاله سبحانه من طرف الأزل، وأن كل فعل مسبوق بفعل آخر، فهذا واجب في كلامه، فإنه لم يزل متكلمًا إذا شاء، ولم تحدث له صفة الكلام في وقت، وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته، فإن كل حي فعال، والفرق بين الحي والميت: الفعل، ولهذا قال غير واحد من السلف: الحي الفعال، وقال عثمان بن سعيد: كل حي فعال، ولم يكن ربنا تعالى قط في وقت من الأوقات معطلًا عن كماله، من الكلام والإرادة والفعل وأما التسلسل الممكن: فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف، كما تتسلسل في طرف الأبد، فإنه إذا لم يزل حيًا قادرًا مريدًا متكلمًا، وذلك من لوازم ذاته - فالفعل ممكن له بموجب هذه الصفات له، وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل، ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه، فإنه سبحانه متقدم على كل فرد من مخلوقاته تقدمًا لا أول له، فلكل مخلوق أول، والخالق سبحانه لا أول له، فهو وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن قالوا: وكل قول سوى هذا فصريح العقل يرده ويقضي ببطلانه، وكل من اعترف بأن الرب تعالى لم يزل قادرًا على الفعل لزمه أحد أمرين، لا بد له منهما: أما أن يقول بأن الفعل لم يزل ممكنًا، وأما أن يقول لم يزل واقعًا، وإلا تناقض تناقضًا بينًا، حيث زعم أن الرب تعالى لم يزل قادرًا على الفعل، والفعل محال ممتنع لذاته، لو أراده لم يمكن وجوده، بل فرض إرادته عنده محال وهو مقدور له وهذا قول ينقض بعضه بعضًا والمقصود: أن الذي دل عليه الشرع والعقل، أن كل ما سوى الله تعالى محدث كائن بعد أن لم يكن أما كون الرب تعالى لم يزل معطلًا عن الفعل ثم فعل، فليس في الشرع ولا في العقل ما يثبته، بل كلاهما يدل على نقيضه وقد أورد أبو المعالي في إرشاده وغيره من النظار على التسلسل في الماضي، فقالوا: إنك لو قلت: لا أعطيك درهما إلا أعطيك بعده درهمًا، كان هذا ممكنًا، ولو قلت: لا أعطيك درهمًا حتى أعطيك قبله درهمًا، كان هذا ممتنعًا وهذا التمثيل والموازنة غير صحيحة، بل الموازنة الصحيحة أن تقول: ما أعطيتك درهمًا إلا أعطيتك قبله درهمًا، فتجعل ماضيًا قبل ماض، كما جعلت هناك مستقبلًا بعد مستقبل وأما قول القائل: لا أعطيك حتى أعطيك قبله، فهو نفي للمستقبل حتى يحصل في المستقبل ويكون قبله فقد نفى المستقبل حتى يوجد المستقبل، وهذا ممتنع أما نفي الماضي حتى يكون قبله ماض، فإن هذا ممكن والعطاء المستقبل ابتداؤه من المستقبل والمعطى الذي له ابتداء وانتهاء لا يكون قبله ما لا نهاية له، فإن ما لا نهاية له فيما يتناهى ممتنع شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي - ١/ ١٠٦
[ ١ / ٤٠٥ ]
المبحث الثامن: قواعد في أدلة الأسماء والصفات
المطلب الأول: القاعدة الأولى الأدلة التي تثبت بها أسماء الله تعالى وصفاته
وهي: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ، فلا تثبت أسماء الله وصفاته بغيرهما وعلى هذا فما ورد إثباته لله تعالى من ذلك في الكتاب أو السنة وجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما وجب نفيه، مع إثبات كمال ضده، وما لم يرد إثباته ولا نفيه فيهما وجب التوقف في لفظه فلا يثبت ولا ينفى لعدم ورود الإثبات والنفي فيه وأما معناه فيفصل فيه، فإن أريد به حق يليق بالله تعالى فهو مقبول وإن أريد به معنى لا يليق بالله ﷿ وجب رده.
فمما ورد إثباته لله تعالى: كل صفة دل عليها اسم من أسماء الله تعالى دلالة مطابقة، أو تضمن، أو التزام ومنه كل صفة دل عليها فعل من أفعاله كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين عباده يوم القيامة، ونحو ذلك من أفعاله التي لا تحصى أنواعها فضلًا عن أفرادها وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:٢٧] ومنه: الوجه، والعينان، واليدان ونحوها ومنه الكلام، والمشيئة، والإرادة بقسميها: الكوني، والشرعي فالكونية بمعنى المشيئة، والشرعية بمعنى المحبة ومنه الرضا، والمحبة، والغضب، والكراهة ونحوها ومما ورد نفيه عن الله سبحانه لانتفائه وثبوت كمال ضده: الموت، والنوم، والسنة، والعجز، والإعياء، والظلم، والغفلة عن أعمال العباد، وأن يكون له مثيل أو كفؤ ونحو ذلك ومما لم يرد إثباته ولا نفيه لفظ (الجهة) فلو سأل سائل هل نثبت لله تعالى جهة؟ قلنا له: لفظ الجهة لم يرد في الكتاب والسنة إثباتًا ولا نفيًا، ويغني عنه ما ثبت فيهما من أن الله تعالى في السماء وأما معناه فإما أن يراد به جهة سفل أو جهة علو تحيط بالله أو جهة علو لا تحيط به فالأول باطل لمنافاته لعلو الله تعالى الثابت بالكتاب والسنة، والعقل والفطرة، والإجماع والثاني باطل أيضًا؛ لأن الله تعالى أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته والثالث حق؛ لأن الله تعالى العلي فوق خلقه ولا يحيط به شيء من مخلوقاته ودليل هذه القاعدة السمع والعقل فأما السمع فمنه قوله تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام:١٥٥] وقوله: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف:١٥٨] وقوله: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:٧] وقوله: مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا [النساء:٨٠] وقوله: فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:٥٩] وقوله: وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ [المائدة:٤٩].
إلى غير ذلك من النصوص الدالة على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن والسنة وكل نص يدل على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن فهو دال على وجوب الإيمان بما جاء في السنة؛ لأن مما جاء في القرآن الأمر باتباع النبي ﷺ والرد إليه عند التنازع والرد إليه يكون إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته فأين الإيمان بالقرآن لمن استكبر عن اتباع الرسول ﷺ المأمور به في القرآن؟ وأين الإيمان بالقرآن لمن لم يرد النزاع إلى النبي ﷺ وقد أمر الله به في القرآن؟ وأين الإيمان بالرسول الذي أمر به القرآن لمن لم يقبل ما جاء في سنته؟
[ ١ / ٤٠٦ ]
ولقد قال الله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:٨٩] ومن المعلوم أن كثيرًا من أمور الشريعة العلمية والعملية جاء بيانها بالسنة، فيكون بيانها بالسنة من تبيان القرآن وأما العقل فنقول: إن تفصيل القول فيما يجب أو يمتنع أو يجوز في حق الله تعالى من أمور الغيب التي لا يمكن إدراكها بالعقل، فوجب الرجوع فيه إلى ما جاء في الكتاب والسنة القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين - ص٣٩
وإن الشرع قد دل الناس على الطرق العقلية بأيسر طريق وأحسنه، فأكثر الأدلة الشرعية فيها إرشاد للناس للطرق العقلية لتقرير الإلهيات والنبوات والبعث والمعاد (١).
وما يتعلق بهذا الباب فإنه لابد من طلب الهدى فيه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لتعرف الطريقة الشرعية في الإثبات والتنزيه، إذ لا أحد أعلم بالله من الله ولا أحد أعلم به من خلقه من رسوله ﷺ.
والأسماء والصفات من أعظم المسائل التي يجب فيها الاتباع، وقد قال الله تعالى: اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء [الأعراف: ٣]، وأمر الله تعالى برد التنازع إلى كتابه وإلى رسوله فقال: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: ١٠] وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩]، وأقسم سبحانه على عدم إيمان من لم يحكم رسوله ﷺ ولم يذعن ويسلم له فقال: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [النساء: ٦٥].
ففي هذه الأدلة الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله وأتباع ما أنزل وترك غيره ورد النزاع إلى كتابه وسنة رسوله ﷺ لا إلى غيرهما.
والذي يدعو إلى القول بالاكتفاء بالكتاب والسنة أمور منها:
الأمر الأول: إن الكلام الشرعي لا يخشى فيه جهل ولا خطأ ولا تقصير في البيان ولا كذب، إذ هو كما قال الله تعالى عن كتابه: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢]، والجهل والخطأ والتقصير في البيان والكذب والتلبيس كل ذلك من الباطل، وقد نص الله على نفيه عن كتابه، وأثبت العصمة لرسوله ﷺ فقال: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ٣ - ٤]، ولا شك أن كلام الله تعالى يجب أن يكون مقدمًا في هذا الباب إذ هو أعلم بنفسه فقال: أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ [البقرة: ١٤٠]، ونفى إحاطة الناس بالعلم به فقال: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠]، ووصف كلامه بأنه أحسن الحديث وأصدق الحديث فقال: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا [النساء: ٨٧]، وقال: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ [الزمر: ٢٣]. ووصفه بذلك يقتضي سلامته من الخطأ في الأخبار والأحكام ويقتضي كذلك أنه مشتمل على أحسن طريق لدلالة الناس وإرشادهم وهدايتهم.
_________________
(١) انظر: «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٦٠ - ٤٩٩).
[ ١ / ٤٠٧ ]
ويزيد الأمر وضوحًا: أن الذي خلق هو الذي أنزل الشرع، فهو أعلم بما يناسبهم من السبل الموصلة إلى الحق، ذلك أن الله تعالى قد فطر الخلق على الإقرار به والميل إلى الحق وجعلهم مستعدين لقبوله – إلا إذا تغيرت الفطرة – فظهر من هذا أن الله الذي أنزل الكتاب هو الذي هيأ خلقه لمعرفة أصل الإيمان وفروعه بالشرع، قال الله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الروم: ٣٠ - ٣١].
فالله ﷿ أعد للناس ما يسددهم ويوصلهم إلى طريق الحق من الفطرة والآيات الظاهرة في الآفاق والأنفس فإذا انقاد الناس واستضاءوا بنور الشرع فإنهم يأمنون ما يخشى من قصور العقل المجرد وحده فيه (١) خاصة إذا علم أن النفوس متحركة بإراداتها وأنها قد تفسد وتتغير، فالضلال وعدم العلم إذا يرجع إلى أمرين (٢):
الأول: ما يطرأ على الفطرة من التغيير وما يغشاها من الانحراف، فتنصرف بذلك عما هي معدة له من التوصل إلى الحق وقبوله، وفي هذا يقول الرسول ﷺ: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم، فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم: ٣٠]» (٣) لذلك فإن من سلمت فطرته يكون مستعدًا لقبول الشرع، ولا يمكن أن يتبادر إلى ذهنه بحال أن ما ذكره الله تعالى من الصفات وذكره عنه رسوله ﷺ أن ظاهره يستلزم التشبيه والتمثيل، بل يعلم أن ذلك يثبت على غاية الكمال والتنزيه.
الثاني: الإعراض عن الشرع المكمل للمعرفة الفطرية والمجلي لها عما يغشاها من الانحراف والتغيير، يقول الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ [الشورى: ٥٢ - ٥٣].
فإذا اجتمع الأمران – تغيير الفطرة والإعراض عن الشرع – في شخص كان في غاية الضلال والعياذ بالله.
_________________
(١) انظر: «القائد إلى تصحيح العقائد» للمعلمي (ص: ٤٠ - ٤٣).
(٢) انظر: «القائد إلى تصحيح العقائد» للمعلمي (ص: ٤٠).
(٣) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨).
[ ١ / ٤٠٨ ]
فإذا علم أن الله قد فطر الناس على الحق وأنزل إليهم ما يناسبهم علم أن الناس في غنى عن الكلام الذي عند إطلاقه قد يتضمن باطلًا، مثل علم الكلام الذي يقوم على الأوهام والشكوك وإن سماها علماء الكلام بالقواطع العقلية والبراهين، فإن الصحابة ﵃ ماتوا ولم يعرفوا الكلام عن طريقة الجواهر والأعراض والمقاييس المنطقية والنظر العقلي المتعمق البعيد عن الفطرة. وفي هذا الصدد يقول أبو الوفاء بن عقيل لبعض أصحابه: (أنا أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت، وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك وكثير منهم إلى الإلحاد، تشم روائح الإلحاد من فلتات المتكلمين، وأصل ذلك أنهم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع وطلبوا الحقائق وليس في قوة العقل إدراك ما عند الله من الحكمة التي انفرد بها، ولا أخرج الباري من علمه لخلقه ما علمه هو من حقائق الأمور) (١).
ولزيادة البيان فإنه يقال: إن الله قد أكمل دينه، وشهد على خيرية القرن الأول، ففي إكمال الدين والشهادة بأن الصحابة كانوا خير الناس الدليل الواضح والحجة القاطعة بأن جميع العقائد المطلوب معرفتها في الإسلام كانت مبينة وحاصلة لهم.
أما إكمال الدين فإن الله تعالى قد قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: ٣]، فوضح من هذا أن الناس لا يحتاجون إلى شيء في أمور دينهم إلى نقل سوى القرآن والسنة بله الفلسفات الإلهية اليونانية، وقد جاء أناس من المسلمين بكتب قد كتبوا فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال النبي ﷺ: «كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم» (٢). فأنزل الله ﷿: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت: ٥١]، وقيل إنها نزلت في المشركين حين طلبوا من النبي ﷺ آية تدل على صدقه، فبين الله تعالى أن في كتابه الكفاية. بل إن الله تعالى وصف كتابه بأنه برهان وشهد بذلك وكفى بالله شهيدًا فقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا [النساء: ١٧٤]، فالطريقة الاستدلالية البرهانية الصحيحة هي الطريقة الشرعية المبينة لمطالب الدين كلها والواعدة بكل خير والداعية إليه.
_________________
(١) «تلبيس إبليس» لابن الجوزي (ص: ٩٨) و«شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٢٢٨).
(٢) رواه أبو داود في «المراسيل» (٤٨٧)، والطبري (٢٠/ ٥٣)، وابن عبدالبر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٤٠ - ٤١). مرسلًا من حديث يحيى بن جعدة. قال ابن عبدالبر: ورواه الفريابي وابن وهب والحميدي وأبو الطاهر عن سفيان عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن النبي ﷺ مثله سواء.
[ ١ / ٤٠٩ ]
وأما كمال إيمان الصحابة رضوان الله عليهم فقد قال تعالى عنهم: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال: ٧٤] وقال: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ [آل عمران: ١١٠] وقال الرسول ﷺ: «خير الناس قرني » (١)، وتمسكهم بالكتاب والسنة معلوم، وقد أخذوا من ذلك حظًا وافرًا فاستحقوا تلك الخيرية المنصوص عليها. ولم يؤثر عنهم الخوض فيما خاض فيه المتأخرون مع قدرتهم على البيان لفصاحتهم ورجحان عقولهم، ولم يكونوا يعدلون عن النصوص الشرعية مهما أثيرت الشبهات، فإن عبد الله بن عمر – ﵄ – لما ذكر له كلام بعض الناس وخوضهم في القدر تبرأ منهم واكتفى بذكر حديث جبريل ﵇ في الإسلام والإيمان والإحسان فهذا يدل على اعتصامهم بالشرع، وأن الشرع هو الحق وأنه قد جاء بإثبات الصفات لله على الوجه اللائق به.
ثم إن التابعين الذين أخذوا العلم عن الصحابة، وهم خير من جاء بعدهم لم يكونوا يعدلون عن الأدلة الشرعية ولم يقولوا فيها إنها ظنية، بل كلامهم في ذم الكلام وأهله وهجر المبتدعة مشهور. وهكذا من جاء بعدهم إلى زمان الأئمة الأربعة ومن تبعهم بإحسان يقولون بهذا الأصل العظيم.
الأمر الثاني: مما يدعو إلى الاكتفاء بالشرع:
هو أن مسائل الإيمان بالأسماء والصفات من المسائل الغيبية التي لا يمكن أن تعرف إلا بالخبر الصادق، والخبر الصادق يأتي ببيان الأسماء والصفات، ويأتي كذلك بطرق إثباتها من الطرق العقلية الواضحة – ويبين طريقة الإثبات والتنزيه فيها.
أما ما عدا ذلك فعلوم مأخوذة من فلاسفة اليونان دخلت على المسلمين فأحدثت بينهم شرًا مستطيرًا، فنشأت الفرق، وكلها متناحرة مختلفة فيما بينها، مخالفة للكتاب والسنة، بل إن الفرقة الواحدة يؤثر عنها في المسألة الواحدة أكثر من قول، وهذا حال كل من ابتغى الهدى في غير كتاب الله وسنة الرسول ﷺ.
فدخول هذه العلوم كان شرًا لا شك فيه، ومن شرها أنه قد تسلط بها بعض أعداء الإسلام في النيل منه، ذلك لأن بعض من أخذ هذه العلوم من المسلمين حاول تطبيق ما ورد في الشرع على تلك الأصول الفاسدة، فيؤول به الأمر إلى إنكار الصفات وغير ذلك، كما هو الشأن في إثبات وجود الله تعالى، إذ يقوم عندهم دليل إثباته على أصل فاسد وهو منع قيام الحوادث بذات الباري، ففرعوا على هذا: القول بنفي الصفات الاختيارية عنه فيكثر عندئذ التناقض، ويلتزمون شنائع يتسلط بها عليهم بعض أعداء الإسلام.
ولهذا الاضطراب الواقع والحيرة الشديدة تراجع بعض كبار علماء الكلام عما خاضوا فيه مسلمين للسلف طريقتهم
فكيف بعد هذا يوثق بعلوم هؤلاء الفلاسفة، وقد اجتمعت الأمور الآتية:
١ - النهي عن متابعة غير الكتاب والسنة.
٢ - ونهي الأئمة عن علم الكلام لاشتماله على الباطل.
٣ - وحيرة وتردد من خاض فيه من الكبار!. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف - بتصرف– ٢/ ٤٣٤
_________________
(١) رواه البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣). من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ١ / ٤١٠ ]
المطلب الثاني: القاعدة الثانية إجراء نصوص القرآن والسنة على ظاهرها دون تحريف لاسيما نصوص الصفات حيث لا مجال للرأي فيها.
ودليل ذلك: السمع، والعقل أما السمع: فقوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:١٩٣] وقوله: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف:٢] وقوله: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف:٣] وهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي إلا أن يمنع منه دليل شرعي وقد ذم الله تعالى اليهود على تحريفهم، وبين أنهم بتحريفهم من أبعد الناس عن الإيمان فقال: أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:٧٥] وقال تعالى: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا [النساء:٤٦] الآية وأما العقل: فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره، وقد خاطبنا باللسان العربي المبين فوجب قبوله على ظاهره وإلا لاختلفت الآراء وتفرقت الأمة القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين - ص٤٢
والمراد بالظاهر: الظاهر الشرعي، وذلك بإثبات الصفات الواردة في الكتاب والسنة على حقيقة الإثبات وتنزيه الخالق عن مشابهة الخلق له في تلك الصفات (١) مع قطع الطمع عن إدراك الكيفية – – وبهذا يعلم أن معاني نصوص الصفات مفهومة، وأن إدراك كيفية الصفات شيء ممتنع. فما يتبادر إلى الذهن من المعاني الشرعية هو المراد بالظاهر.
وأما ترك التحريف، فالمراد به عدم التسلط على نصوص الصفات بصرف معانيها المتبادرة بأصل الوضع أو السياق إلى معاني أخرى غير متبادرة، وهذا الذي يسميه أهله تأويلًا،.
المسألة الأولى دواعي حمل النصوص على ظاهرها
وهذه الدواعي هي أدلة كلية تبين أن حمل نصوص الصفات على ظاهرها متعين، وهو أمر لا خفاء فيه ولا غموض، ويمكن حصرها في أربعة أدلة:
الدليل الأول: وصف القرآن بالبيان والهدى:
إذا كان السامع متمكنًا من الفهم، وكان خطاب المتكلم بينًا واضحًا، فهم المخاطب مراد المتكلم بكلامه. وقد وصف الله تعالى كتابه بأنه تبيان لكل شيء فقال: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩] وقال: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل: ٦٤]، وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤]، وقال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٤٤].
_________________
(١) انظر: «الرسالة التدمرية» (ص: ٦٩) و«أضواء البيان» (٢/ ٣١٩ - ٣٢٠).
[ ١ / ٤١١ ]
فاتضح من هذه النصوص – وغيرها كثير – أن كتاب الله تعالى فيه بيان الحق للناس، وأنه قد أنزل بلسان عربي مبين، وأن الرسول ﷺ – مبين للناس هذا الكتاب بلسان قومه، فهذا يفيد أن نصوص الصفات مما بينه الله تعالى للناس، وهي كثيرة جدًا وتتناول كل الصفات مثل العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والحياة والإرادة والاستواء واليدين والوجه والغضب والرضا، ولا يوجد مع هذا دليل واحد يفيد أن هذه النصوص مراد بها خلاف ظاهرها. فإخلاء المتكلم كلامه من قرينة تفيد أن ظاهره غير مراد ينافي بيانه وإرشاده، مع ملاحظة الأمور الآتية:
الأمر الأول: إن الله تعالى أعلم بما ينزل (١).
الأمر الثاني: إنه لو كان الظاهر غير مراد لجاء البيان بذلك – إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع، ووقت الحاجة هو وقت الخطاب، وعلى فرض جواز تأخره إلى ما بعد ذلك فلا يجوز تأخيره بعد موت النبي ﷺ، ومعلوم أنه على كثرة النصوص الواردة بذكر الصفات لم يأت نص واحد يصرفها عن ظاهرها. فعلم بهذه الأمور مجتمعة أن خطاب الشرع في صفات رب العالمين يجب حمله على ظاهره إذ المخاطب أعلم بما ينزل وكلامه هدى وبيان وقد أخلاه عما يصرفه عن ظاهره.
الدليل الثاني: وهو أن الرسول ﷺ – المبين للكتاب – كما قال الله تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٤٤] وهو الهادي إلى صراط مستقيم كما قال الله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢] قد اشتملت سنته على ذكر الصفات لله تعالى، إما تصريحًا بالقول وإما إقرارًا، وكل من القول والإقرار إما أن يكون قد ورد مثله في القرآن أو لم يرد، وكل من ذلك إما صفات فعلية أو ذاتية.
فمثال قوله ﷺ في الصفات وهي مذكورة في القرآن: صفة اليدين، وصفة الاستواء، فالأولى صفة ذاتية، والثانية فعلية
ومثال قوله ﷺ في صفات لم يأت ذكرها في القرآن: الضحك والأصابع. ومثال إقراره ﷺ – لبعض الصفات، وهي مذكورة في القرآن: الاستواء، كما هو في حديث الجارية، لما سألها أين الله؟ قالت في السماء، فقال لسيدها «أعتقها فإنها مؤمنة» (٢) ومثال إقراره ﷺ لبعض الصفات، ولم يأت ذكرها في القرآن: الأصابع، كحديث الحبر اليهودي، وقد يفسر الرسول ﷺ – صفة قد لا يفهم من نص القرآن أنها صفة لله تعالى كصفة الساق.
الدليل الثالث: فهم الصحابة لها أن ظاهرها مراد
الدليل الرابع: إجماع الأئمة على أن ظاهرها مراد.
_________________
(١) انظر: «الصواعق المرسلة» (١/ ٣١٠، ٣٢٠).
(٢) رواه مسلم (٥٣٧). من حديث معاوية بن الحكم ﵁.
[ ١ / ٤١٢ ]
قال الوليد بن مسلم: (سألت الأوزاعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك، فقالوا: أمضها بلا كيف) (١) وفي رواية أنه سألهم ( عن الأحاديث التي فيها الصفات فكلهم قال: أمروها كما جاءت بلا تفسير) (٢). وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (هذه الأحاديث صحاح حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض وهي عندنا حق لا نشك فيه ) وقال الإمام أحمد: (ولا تفسر هذه الأحاديث إلا مثل ما جاءت ولا نردها ) (٣) وقال الإمام أبو عمر بن عبد البر (ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى أتباع ما أنزل إلينا من ربنا تعالى إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله ﷿ إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم. ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين. والاستواء معلوم في اللغة مفهوم، وهو العلو والارتفاع على شيء .. إلخ) اهـ (٤).
وأقوال الأئمة كثيرة في هذا الباب يصعب حصرها، وفيما ذكر الكفاية وبالله التوفيق.
فهذا الذي تقدم يدل دلالة قاطعة على أن ما جاء في نصوص الصفات حق على ظاهره المراد شرعًا، فيجب إثباتها بلا تمثيل، وتنزيه الله عن مشابهة خلقه فيها بلا تعطيل، ذلك أن ذكرها في القرآن بلا قرينة تصرفها عن ظاهرها ثم تأكيد رسول الله ﷺ ذلك في سنته قولًا وإقرارًا بذكرها كما وردت في القرآن، بل يذكر صفات أخرى لم ترد فيه وهو الذي قال الله فيه: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ٣ - ٤] يدل دلالة قاطعة أن نصوص الصفات يجب إجراؤها على ظاهرها، إذ المأمور ببيان الدين لم يصرف عن ظاهرها – وهذا أمر بين. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– بتصرف - ٢/ ٤٥٤
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في «الصفات» (ص: ٧٥) (رقم: ٦٧) وانظر «مختصر العلو» (ص: ١٤٣) (رقم: ١١٦).
(٢) أخرجه الآجري في «الشريعة» (ص: ٣١٤) ورواها الخلال كما في «سير أعلام النبلاء» (٨/ ١٦٢).
(٣) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (١/ ١٦٤).
(٤) «التمهيد» لابن عبد البر (٧/ ١٣١).
[ ١ / ٤١٣ ]
المطلب الثالث: القاعدة الثالثة ظاهر نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار ومجهولة لنا باعتبار آخر.
فباعتبار المعنى هي معلومة، وباعتبار الكيفية التي هي عليها مجهولة وقد دل على ذلك: السمع والعقل أما السمع: فمنه قوله تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:٢٩] وقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف:٣] وقوله جل ذكره وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:٤٤] والتدبر لا يكون إلا فيما يمكن الوصول إلى فهمه، ليتذكر الإنسان بما فهمه منه وكون القرآن عربيًا ليعقله من يفهم العربية يدل على أن معناه معلوم وإلا لما كان فرق بين أن يكون باللغة العربية أو غيرها وبيان النبي ﷺ القرآن للناس شامل لبيان لفظه وبيان معناه وأما العقل: فلأن من المحال أن ينزل الله تعالى كتابًا أو يتكلم رسوله ﷺ بكلام يقصد بهذا الكتاب وهذا الكلام أن يكون هداية للخلق، ويبقى في أعظم الأمور وأشدها ضرورة مجهول المعنى، بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يفهم منها شيء؛ لأن ذلك من السفه الذي تأباه حكمة الله تعالى، وقد قال الله تعالى عن كتابه: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:١] هذه دلالة السمع والعقل على علمنا بمعاني نصوص الصفات وبهذا علم بطلان مذهب المفوضة الذين يفوضون علم معاني نصوص الصفات، ويدَّعون أن هذا مذهب السلف والسلف بريئون من هذا المذهب، وقد تواترت الأقوال عنهم بإثبات المعاني لهذه النصوص إجمالًا أحيانًا وتفصيلًا أحيانًا، وتفويضهم الكيفية إلى علم الله – ﷿.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه في كتابه المعروف بـ (العقل والنقل ١/ ١١٦) المطبوع على هامش (منهاج السنة): وأما التفويض فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن وحضنا على عقله وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله – إلى أن قال -: وحينئذٍ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه بل يقولون كلامًا لا يعقلون معناه، قال: ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدىً وبيانًا للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم وأمر بتدبر القرآن وعقله ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته لا يعلم أحد معناه فلا يعقل ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بيَّن للناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين، وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك؛ لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة، ولا يعلم أحد معناها، وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به، فيبقى هذا الكلام سدًا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحًا لباب من يعارضهم ويقول: إن الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء؛ لأننا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون فضلًا عن أن يبينوا مرادهم، فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد أهـ كلام الشيخ وهو كلام سديد من ذي رأي رشيد، وما عليه مزيد – رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجمعنا به في جنات النعيم القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين - ص٤٣
[ ١ / ٤١٤ ]
المطلب الرابع: القاعدة الرابعة ظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني، وهو يختلف بحسب السياق وما يضاف إليه الكلام.
فالكلمة الواحدة يكون لها معنى في سياق، ومعنى آخر في سياق وتركيب الكلام يفيد معنى على وجه ومعنى آخر على وجه فلفظ (القرية)، مثلًا يراد به القوم تارة، ومساكن القوم تارة أخرى فمن الأول قوله تعالى: وَإِن مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا [الإسراء:٥٨] ومن الثاني قوله تعالى عن الملائكة ضيف إبراهيم: إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ [العنكبوت:٣١] وتقول: صنعت هذا بيدي، فلا تكون اليد كاليد في قوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ [ص:٧٥] لأن اليد في المثال أضيفت إلى المخلوق فتكون مناسبة له، وفي الآية أضيفت إلى الخالق فتكون لائقة به، فلا أحد سليم الفطرة صريح العقل يعتقد أن يد الخالق كيد المخلوق أو بالعكس ونقول: ما عندك إلا زيد، وما زيد إلا عندك، فتفيد الجملة الثانية معنى غير ما تفيده الأولى مع اتحاد الكلمات، لكن اختلف التركيب فغير المعنى به إذا تقرر هذا فظاهر نصوص الصفات ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني وقد انقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: من جعلوا الظاهر المتبادر منها معنى حقًا يليق بالله – ﷿ – وأبقوا دلالتها على ذلك، وهؤلاء هم السلف الذين اجتمعوا على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، والذين لا يصدق لقب أهل السنة والجماعة إلا عليهم وقد أجمعوا على ذلك كما نقله ابن عبد البر فقال: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن الكريم والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة" أهـ وقال القاضي أبو يعلى في كتاب (إبطال التأويل): (لا يجوز رد هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله، لا تشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن الإمام أحمد وسائر الأئمة) أهـ نقل ذلك عن ابن عبد البر والقاضي شيخ الإسلام ابن تيميه في الفتوى الحموية ٨٧ - ٨٩ جـ٥ من مجموع الفتاوى لابن القاسم وهذا هو المذهب الصحيح، والطريق القويم الحكيم، وذلك لوجهين:
الأول: أنه تطبيق تام لما دل عليه الكتاب والسنة من وجوب الأخذ بما جاء فيهما من أسماء الله وصفاته كما يعلم ذلك من تتبعه بعلم وإنصاف
الثاني: أن يقال: إن الحق إما أن يكون فيما قاله السلف أو فيما قاله غيرهم، والثاني باطل لأنه يلزم منه أن يكون السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان تكلموا بالباطل تصريحًا أو ظاهرًا، ولم يتكلموا مرة واحدة لا تصريحًا ولا ظاهرًا بالحق الذي يجب اعتقاده وهذا يستلزم أن يكونوا إما جاهلين بالحق وإما عالمين به لكن كتموه، وكلاهما باطل، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، فتعين أن يكون الحق فيما قاله السلف دون غيرهم.
[ ١ / ٤١٥ ]
القسم الثاني: من جعلوا الظاهر المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلًا لا يليق بالله وهو: التشبيه، وأبقوا دلالتها على ذلك وهؤلاء هم المشبهة ومذهبهم باطل محرم من عدة أوجه: الأول: أنه جناية على النصوص وتعطيل لها عن المراد بها، فكيف يكون المراد بها التشبيه وقد قال الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] الثاني: أن العقل دل على مباينة الخالق للمخلوق في الذات والصفات، فكيف يحكم بدلالة النصوص على التشابه بينهما؟ الثالث: أن هذا المفهوم الذي فهمه المشبه من النصوص مخالف لما فهمه السلف منها فيكون باطلًا فإن قال المشبه: أنا لا أعقل من نزول الله ويده إلا مثل ما للمخلوق من ذلك، والله تعالى لم يخاطبنا إلا بما نعرفه ونعقله فجوابه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الذي خاطبنا بذلك هو الذي قال عن نفسه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ونهى عباده أن يضربوا له الأمثال، أو يجعلوا له أندادًا فقال: فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [النحل:٧٤] وقال: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:٢٢] وكلامه – تعالى – كله حق يصدق بعضه بعضًا، ولا يتناقض ثانيها: أن يقال له: ألست تعقل لله ذاتًا لا تشبه الذوات؟ فسيقول: بلى! فيقال له: فلتعقل له صفات لا تشبه الصفات، فإن القول في الصفات كالقول في الذات، ومن فرق بينهما فقد تناقض! ثالثها: أن يقال: ألست تشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية؟ فسيقول: بلى! فيقال له: إذا عقلت التباين بين المخلوقات في هذا، فلماذا لا تعقله بين الخالق والمخلوق، مع أن التباين بين الخالق والمخلوق أظهر وأعظم، بل التماثل مستحيل بين الخالق والمخلوق كما سبق في القاعدة السادسة من قواعد الصفات القسم الثالث: من جعلوا المعنى المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلًا، لا يليق بالله وهو التشبيه، ثم إنهم من أجل ذلك أنكروا ما دلت عليه من المعنى اللائق بالله، وهم أهل التعطيل سواء كان تعطيلهم عامًا في الأسماء والصفات، أم خاصًا فيهما، أو في أحدهما، فهؤلاء صرفوا النصوص عن ظاهرها إلى معاني عينوها بعقولهم، واضطربوا في تعيينها اضطرابًا كثيرًا، وسموا ذلك تأويلًا، وهو في الحقيقة تحريف ومذهبهم باطل من وجوه: أحدها: أنه جناية على النصوص حيث جعلوها دالة على معنى باطل غير لائق بالله ولا مراد له الثاني: أنه صرف لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ عن ظاهره، والله – تعالى – خاطب الناس بلسان عربي مبين، ليعقلوا الكلام ويفهموه على ما يقتضيه هذا اللسان العربي، والنبي ﷺ خاطبهم بأفصح لسان البشر؛ فوجب حمل كلام الله ورسوله على ظاهره المفهوم بذلك اللسان العربي؛ غير أنه يجب أن يصان عن التكييف والتمثيل في حق الله – ﷿.
[ ١ / ٤١٦ ]
الثالث: أن صرف كلام الله ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالفه، قول على الله بلا علم وهو محرم؛ لقوله – تعالى -: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [الأعراف:٣٣] ولقوله – سبحانه -: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا [الإسراء:٣٦] فالصارف لكلام الله – تعالى – ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالفه قد قفا ما ليس له به علم وقال على الله ما لا يعلم من وجهين: الأول: أنه زعم أنه ليس المراد بكلام الله – تعالى – ورسوله كذا، مع أنه ظاهر الكلام الثاني: أنه زعم أن المراد به كذا لمعنى آخر لا يدل عليه ظاهر الكلام وإذا كان من المعلوم أن تعيين أحد المعنيين المتساويين في الاحتمال قول بلا علم؛ فما ظنك بتعيين المعنى المرجوح المخالف لظاهر الكلام؟! مثال ذلك: قوله – تعالى – لإبليس مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:٧٥] فإذا صرف الكلام عن ظاهره، وقال: لم يرد باليدين اليدين الحقيقيتين وإنما أراد كذا وكذا قلنا له: ما دليلك على ما نفيت؟! وما دليلك على ما أثبت؟! فإن أتى بدليل – وأنى له ذلك – وإلا كان قائلًا على الله بلا علم في نفيه وإثباته الوجه الرابع: في إبطال مذهب أهل التعطيل: أن صرف نصوص الصفات عن ظاهرها مخالف لما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها، فيكون باطلًا، لأن الحق بلا ريب فيما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وسلف الأمة وأئمتها الوجه الخامس: أن يقال للمعطل: هل أنت أعلم بالله من نفسه؟ فسيقول: لا ثم يقال له: هل ما أخبر الله به عن نفسه صدق وحق؟ فسيقول: نعم ثم يقال له: هل تعلم كلامًا أفصح وأبين من كلام الله – تعالى؟ فسيقول: لا ثم يقال له: هل تظن أن الله – ﷾ – أراد أن يعمي الحق على الخلق في هذه النصوص ليستخرجوه بعقولهم؟ فسيقول: لا هذا ما يقال له باعتبار ما جاء في القرآن أما باعتبار ما جاء في السنة فيقال له: هل أنت أعلم بالله من رسوله ﷺ؟ فسيقول: لا ثم يقال له: هل ما أخبر به رسول الله ﷺ عن الحق صدق وحق؟ فسيقول: نعم ثم يقال له: هل تعلم أن أحدًا من الناس أفصح كلامًا، وأبين من رسول الله ﷺ؟ فسيقول لا ثم يقال له هل تعلم أن أحدًا من الناس أنصح لعباد الله من رسول الله؟ فسيقول: لا فيقال له: إذا كنت تقر بذلك فلماذا لا يكون عندك الإقدام والشجاعة في إثبات ما أثبته الله – تعالى – لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ على حقيقته وظاهره اللائق بالله؟ وكيف يكون عندك الإقدام والشجاعة في نفي حقيقته تلك، وصرفه إلى معنى يخالف ظاهره بغير علم؟ وماذا يضيرك إذا أثبت لله – تعالى – ما أثبته لنفسه في كتابه، أو سنة نبيه على الوجه اللائق به، فأخذت بما جاء في الكتاب والسنة إثباتًا ونفيًا؟ أليس هذا أسلم لك وأقوم لجوابك إذا سئلت يوم القيامة: مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [قصص:٦٥] أوليس صرفك لهذه النصوص عن ظاهرها، وتعيين معنى آخر مخاطرة منك؟! فلعل المراد يكون – على تقدير جواز صرفها – غير ما صرفتها إليه الوجه السادس في إبطال مذهب أهل التعطيل: أنه يلزم عليه لوازم باطلة؛ وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم فمن هذه اللوازم: أولًا: أن أهل التعطيل لم يصرفوا نصوص الصفات عن ظاهرها إلا حيث اعتقدوا أنه مستلزم أو موهم لتشبيه الله
[ ١ / ٤١٧ ]
– تعالى – بخلقه، وتشبيه الله – تعالى – بخلقه كفر؛ لأنه تكذيب لقوله – تعالى-: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] قال نعيم بن حماد الخزاعي أحد مشايخ البخاري – رحمهما الله -: من شبه الله بخلقه فقد كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهًا أهـ ومن المعلوم أن من أبطل الباطل أن يجعل ظاهر كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ تشبيهًا وكفرًا أو موهمًا لذلك ثانيًا: أن كتاب الله – تعالى – الذي أنزله تبيانًا لكل شيء، وهدى للناس، وشفاءً لما في الصدور، ونورًا مبينًا، وفرقانًا بين الحق والباطل لم يبين الله – تعالى – فيه ما يجب على العباد اعتقاده في أسمائه وصفاته، وإنما جعل ذلك موكلًا إلى عقولهم، يثبتون لله ما يشاءون، وينكرون ما لا يريدون وهذا ظاهر البطلان ثالثًا: أن النبي ﷺ وخلفاءه الراشدين وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها، كانوا قاصرين أو مقصرين في معرفة وتبيين ما يجب لله تعالى من الصفات أو يمتنع عليه أو يجوز؛ إذ لم يرد عنهم حرف واحد فيما ذهب إليه أهل التعطيل في صفات الله – تعالى – وسموه تأويلًا.
[ ١ / ٤١٨ ]
وحينئذ إما أن يكون النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون وسلف الأمة وأئمتها قاصرين لجهلهم بذلك وعجزهم عن معرفته، أو مقصرين لعدم بيانهم للأمة، وكلا الأمرين باطل!! رابعًا: أن كلام الله ورسوله ليس مرجعًا للناس فيما يعتقدونه في ربهم وإلههم الذي معرفتهم به من أهم ما جاءت به الشرائع بل هو زبدة الرسالات، وإنما المرجع تلك العقول المضطربة المتناقضة وما خالفها، فسبيله التكذيب إن وجدوا إلى ذلك سبيلًا، أو التحريف الذي يسمونه تأويلًا، إن لم يتمكنوا من تكذيبه خامسًا: أنه يلزم منه جواز نفي ما أثبته الله ورسوله، فيقال في قوله – تعالى -: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر:٢٢] لا يجيء، وفي قوله ﷺ: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا» (١)
_________________
(١) رواه البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁ ..
[ ١ / ٤١٩ ]
إنه لا ينزل لأن إسناد المجيء والنزول إلى الله مجاز عندهم، وأظهر علامات المجاز عند القائلين به صحة نفيه، ونفي ما أثبته الله ورسوله من أبطل الباطل، ولا يمكن الانفكاك عنه بتأويله إلى أمره؛ لأنه ليس في السياق ما يدل عليه ثم إن من أهل التعطيل من طرد قاعدته في جميع الصفات، أو تعدى إلى الأسماء – أيضًا – ومنهم من تناقض فأثبت بعض الصفات دون بعض، كالأشعرية والماتريدية: أثبتوا ما أثبتوه بحجة أن العقل يدل عليه، ونفوا ما نفوه بحجة أن العقل ينفيه أو لا يدل عليه فنقول لهم: نفيكم لما نفيتموه بحجة أن العقل لا يدل عليه يمكن إثباته بالطريق العقلي الذي أثبتم به ما أثبتموه كما هو ثابت بالدليل السمعي مثال ذلك: أنهم أثبتوا صفة الإرادة، ونفوا صفة الرحمة أثبتوا صفة الإرادة لدلالة السمع والعقل عليها أما السمع: فمنه قوله تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:٢٥٣] وأما العقل: فإن اختلاف المخلوقات وتخصيص بعضها بما يختص به من ذات أو وصف دليل على الإرادة ونفوا الرحمة؛ لأنها تستلزم لين الراحم ورقته للمرحوم، وهذا محال في حق الله تعالى وأولوا الأدلة السمعية المثبتة للرحمة إلى الفعل أو إرادة الفعل ففسروا الرحيم بالمنعم أو مريد الإنعام فنقول لهم: الرحمة ثابتة لله تعالى بالأدلة السمعية، وأدلة ثبوتها أكثر عددًا وتنوعًا من أدلة الإرادة فقد وردت بالاسم مثل: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ والصفة مثل: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف:٥٨] والفعل مثل: وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ [العنكبوت:٢١] ويمكن إثباتها بالعقل فإن النعم التي تترى على العباد من كل وجه، والنقم التي تدفع عنهم في كل حين دالة على ثبوت الرحمة لله – ﷿ – ودلالتها على ذلك أبين وأجلى من دلالة التخصيص على الإرادة، لظهور ذلك للخاصة والعامة، بخلاف دلالة التخصيص على الإرادة، فإنه لا يظهر إلا لأفراد من الناس وأما نفيها بحجة أنها تستلزم اللين والرقة؛ فجوابه: أن هذه الحجة لو كانت مستقيمة لأمكن نفي الإرادة بمثلها فيقال: الإرادة ميل المريد إلى ما يرجو به حصول منفعة أو دفع مضرة، وهذا يستلزم الحاجة، والله تعالى منزه عن ذلك فإن أجيب: بأن هذه إرادة المخلوق أمكن الجواب بمثله في الرحمة بأن الرحمة المستلزمة للنقص هي رحمة المخلوق وبهذا تبين بطلان مذهب أهل التعطيل سواء كانت تعطيلًا عامًا أو خاصًا وبه علم أن طريق الأشاعرة والماتريدية في أسماء الله وصفاته وما احتجوا به لذلك لا تندفع به شبه المعتزلة والجهمية وذلك من وجهين: أحدهما: أنه طريق مبتدع لم يكن عليه النبي ﷺ ولا سلف الأمة وأئمتها، والبدعة لا تدفع بالبدعة وإنما تدفع بالسنة الثاني: أن المعتزلة والجهمية يمكنهم أن يحتجوا لما نفوه على الأشاعرة والماتريدية بمثل ما احتج به الأشاعرة والماتريدية لما نفوه على أهل السنة، فيقولون: لقد أبحتم لأنفسكم نفي ما نفيتم من الصفات بما زعمتموه دليلًا عقليًا وأولتم دليله السمعي، فلماذا تحرمون علينا نفي ما نفيناه بما نراه دليلًا عقليًا، ونؤول دليله السمعي، فلنا عقول كما أن لكم عقولًا، فإن كانت عقولنا خاطئة فكيف كانت عقولكم صائبة، وإن كانت عقولكم صائبة فكيف كانت عقولنا خاطئة، وليس لكم حجة في الإنكار علينا سوى مجرد التحكم واتباع الهوى وهذه حجة دامغة وإلزام صحيح من الجهمية والمعتزلة للأشعرية والماتريدية، ولا مدفع لذلك ولا محيص عنه إلا بالرجوع لمذهب السلف الذين يطردون هذا الباب، ويثبتون لله تعالى من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ إثباتًا لا تمثيل فيه ولا تكييف، وتنزيهًا لا تعطيل فيه ولا تحريف، وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:٤٠] (تنبيه) علم مما سبق أن كل معطل ممثل، وكل ممثل معطل أما تعطيل المعطل فظاهر، وأما تمثيله فلأنه إنما عطل لاعتقاده أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه فمثل أولًا، وعطل ثانيًا، كما أنه بتعطيله مثله بالناقص وأما تمثيل الممثل فظاهر، وأما تعطيله فمن ثلاثة أوجه: الأول: أنه عطل نفس النص الذي أثبت به الصفة، حيث جعله دالًا على التمثيل مع أنه لا دلالة فيه عليه وإنما يدل على صفة تليق بالله ﷿ الثاني: أنه عطل كل نص يدل على نفي مماثلة الله لخلقه الثالث: أنه عطل الله تعالى عن كماله الواجب حيث مثله بالمخلوق الناقص القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين - ص٤٥
[ ١ / ٤٢٠ ]
المطلب الخامس: عدم التفريق بين الأدلة الشرعية من حيث الأخذ بها (١)
والمراد بهذه القاعدة أنه يستدل في الاعتقاد – ومنه مسائل الأسماء والصفات – بأدلة الشرع الأصيلة كلها، القرآن، والحديث بقسميه المتواتر والآحاد المتلقاة بالقبول. وعلى هذا كان الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان.
وأكثر الكلام هنا سيكون عن الأحاديث إذ أكثر المتكلمون من القول بأن أحاديث الآحاد تفيد الظن فلا يؤخذ بها في المسائل العلمية الاعتقادية وهذا القول قالوه لعدم مقدرتهم على صرف ظاهرها بأنواع التحريفات التي سموها تأويلات، فأصلوا هذه القاعدة ليتوصلوا بها إلى جحد كثير من المسائل التي تخالف أصولهم.
وهذه القاعدة – أي عدم التفريق بين الأدلة – تقوم على بيان ثلاثة أسس هي:
الأول: الأدلة من الكتاب والسنة على حجية السمع مطلقًا.
الثاني: بيان إفادة خبر الواحد المتلقى بالقبول العلم والعمل.
الثالث: بيان عدم مخالفة الأحاديث للقرآن في باب الأسماء والصفات.
أما الأساس الأول: الأدلة على حجية السمع بقسميه مطلقًا:
فالأدلة في هذا كثيرة يكفي ذكر آيتين من كتاب الله، فالآيتان إحداهما توجب الأخذ بالقرآن والسنة، والثانية تبين حفظهما. أما الآية الأولى فقول الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [الحشر: ٧]، وهذا النص شمل كل ما جاءنا به رسول الله ﷺ مما هو في القرآن وبينه في سنته، سواء كان ذلك في الاعتقادات أو غيرها.
وأما الآية الثانية فقول الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] ومعلوم أن هذا يشمل القرآن والحديث، وحتى على القول بأن الذكر في الآية هو القرآن فإنه يقال: قد أنزل الله تعالى كتابه – وهو الذكر – ليبينه رسوله ﷺ فقال: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤]، وأنواع البيان كثيرة كبيان مجمل، أو تخصيص عام، وكل ذلك جاء به الرسول ﷺ لهذه الأمة أولها وآخرها كما قال الله تعالى: لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ [الأنعام: ١٩]، فصح بهذا أن السنة الصحيحة حجة مطلقًا في أي زمان.
الأساس الثاني: خبر الواحد إذا احتفت به القرائن يفيد العلم:
وأذكر هنا حديثين يفيدان قبوله، ثم أتبعه بأقوال أهل العلم خاصة في الصفات، أما الحديثان، فالأول: حديث بعث معاذ إلى اليمن – حيث قال الرسول ﷺ: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله» (٢).
والثاني: عن أنس: «أن أهل اليمن قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: ابعث معنا رجلًا يعلمنا السنة والإسلام، قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: هذا أمين هذه الأمة» (٣).
واكتفيت بهذين الحديثين لأنهما يبينان السنة العملية، ولا يقال إن هذين من أحاديث الآحاد فيكف يجعلان حجة في قبول خبر الآحاد؟ والجواب من وجهين:
الأول: إن مثل هذا يعد تواترًا معنويًا إذ بعث الرسول ﷺ – أفرادًا من أصحابه إلى عدة أماكن – كبعثه علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبا موسى، وأبا عبيدة وغيرهم – ﵃.
الثاني: إن هذين الحديثين مخرجان في الصحيحين، وهما مما لم يتكلم فيه النقاد بالطعن، وما كان كذلك فقد اجتمعت الأمة على تلقيه بالقبول.
_________________
(١) انظر «الصفات الإلهية» للشيخ محمد أمان الجامي (ص: ٦٤).
(٢) رواه البخاري (١٤٥٨)، ومسلم (١٩). بلفظ: «عبادة الله» بدلًا من «شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله».
(٣) رواه مسلم (٢٤١٩).
[ ١ / ٤٢١ ]
ووجه الاستدلال بذلك كما قال الإمام الشافعي ﵀: (وهو - ﷺ- لا يبعث بأمره إلا والحجة للمبعوث إليهم وعليهم قائمة بقبول خبره عن رسول الله ﷺ وقد كان قادرًا على أن يبعث إليهم فيشافههم، أو يبعث إليهم عددًا، فبعث واحدًا يعرفونه بالصدق) (١).
فصح مما تقدم من الحديثين أن خبر الواحد الصحيح المفيد للعلم حجة في العقيدة وعلى هذا كان الأئمة – رحمهم الله تعالى - (٢). أما الذين قالوا بأنه لا يفيد العلم واخترعوا هذه المقالة إنما كان قصدهم رد الأخبار التي لا توافق بدعهم، وفي هذا الصدد يقول الإمام أبو المظفر السمعاني الشافعي: (إن الخبر إذا صح عن رسول الله ﷺ ورواه الثقات والأئمة وأسنده خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله ﷺ وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم، هذا عامة قول أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة، وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال ولابد من نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به شيء اخترعته القدرية والمعتزلة وكان قصدهم منه رد الأخبار ) (٣).
وقال الإمام أبو عمر بن عبد البر المالكي: (وكلهم – (أي أهل الفقه والأثر) – يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات ويعادي ويوالي عليها ويجعلها شرعًا ودينًا في معتقده، على ذلك جماعة أهل السنة والجماعة) (٤).
ومن القرائن التي ذكرها أهل العلم إذا احتفت بخبر الواحد أفادت العلم (٥):
١ - كون الحديث في الصحيحين أو في أحدهما مما اتفق على صحته.
٢ - إذا كان الحديث مشهورًا له طرق متعددة سالمة من ضعف الرواة والعلل.
٣ - كون الحديث مسلسلًا بالأئمة الحفاظ المتقنين.
٤ - كونه متلقى بالقبول عند الأمة.
والأحاديث الواردة في الصفات هي كلها من هذا الباب وقد تلقاها الأئمة بالقبول، وقد تقدم نقل كلام ابن عبد البر في ذلك وحكاية ذلك عن أهل السنة قاطبة، ويضاف إلى ذلك أقوال كبار الأئمة قبله:
فمن ذلك ما ذكره عباد بن العوام فقال: (قدم علينا شريك بن عبد الله منذ نحو خمسين سنة قال: فقلت له: يا أبا عبد الله إن عندنا قومًا من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث، قال: فحدثني بنحو من عشرة أحاديث في هذا وقال: أما نحن فقد أخذنا ديننا عن التابعين عن أصحاب رسول الله ﷺ فهم عمن أخذوا؟.) اهـ (٦).
وقال الإمام أحمد لما سئل عن أحاديث الرؤية: (أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر، وكل ما روي عن النبي ﷺ بأسانيد جيدة نؤمن به ونقر) فلم يشترط إمام السنة التواتر في الخبر لقبوله وإنما اشترط الصحة فقط.
وقال عباس الدوري: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام – وذكر الباب الذي يروى فيه حديث الرؤية والكرسي موضع القدمين وضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره وأين كان ربنا قبل أن يخلق السماء، وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك ﷿ قدمه فيها فتقول قط، قط وأشباه هذه الأحاديث فقال: هذه أحاديث صحاح حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا شك فيها) اهـ (٧).
_________________
(١) «الرسالة» للإمام الشافعي (ص: ٤١٢).
(٢) وانظر: «الرد على من أنكر الحرف والصوت» لأبي نصر السجزي (ص: ١٨٥ - ١٩١).
(٣) «رسالة الانتصار لأهل الحديث – مختصرها - للسمعاني ضمن صون المنطق للسيوطي» (ص: ١٦٠ - ١٦١).
(٤) «التمهيد» لابن عبد البر (١/ ٨).
(٥) انظر: «نزهة النظر» لابن حجر (ص: ٢٦ - ٢٧).
(٦) «السنة» لعبد الله بن أحمد (١/ ٢٧٣) (رقم/ ٥٠٩).
(٧) أخرجه الدارقطني في «الصفات» (ص: ٣٩ - ٤٠) (رقم/ ٥٧).
[ ١ / ٤٢٢ ]
ومثل هذا ما نقله أحمد بن نصر عن سفيان بن عيينة الإمام لما سأله فقال له: (كيف حديث عبيدة عن عبد الله عن النبي ﷺ: «إن الله ﷿ يحمل السموات على إصبع والأرضين على إصبع» (١) وحديث: «إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن» (٢)، وحديث: «إن الله ﷿ يعجب ويضحك» (٣) فقال سفيان: هي كما جاءت، نقر بها، ونحدث بها بلا كيف) (٤) اهـ.
فهذه أقوال الأئمة المشهود لهم بالإمامة في الديانة والعلم صرحوا بقبول هذه الأحاديث، وهم من أخبر الناس بحديث الرسول ﷺ، إذ أهل كل علم أخبر بعلمهم من غيرهم.
الأساس الثالث: بيان عدم مخالفة الأحاديث للقرآن في باب الأسماء والصفات على وجه الخصوص:
ويمكن تقسيم الأحاديث إلى قسمين بحسب ما جاءت به من الصفات:
قسم من الأحاديث ورد بصفات هي واردة في القرآن كذلك فهذه تكون مؤكدة. وقسم منها ورد بصفات هي من نوع الصفات الواردة في القرآن وإن لم يرد ذكرها في القرآن نصًا.
أما القسم الأول: وهي الأحاديث الواردة بالصفات المذكورة في القرآن، فهي أكثر الأحاديث، ومن ذلك في الصفات الذاتية: صفة اليدين، فقد وردت في أحاديث كثيرة جدًا منها: «قال وعرشه على الماء، وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع» (٥)، ومصداق هذا في القرآن قوله الله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤]، وقول الله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥].
ومثال الصفات الفعلية في الأحاديث: «لما خلق الله الخلق كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي» (٦). ففي هذا الحديث التصريح بإثبات فوقية الرحمن على العرش، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] وقوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤].
ومثل ما تقدم ما ورد في صفة السمع والبصر والوجه والكلام والرحمة والغضب والقدرة والإرادة والعلم والحياة والعلو الحب، وغير ذلك من الصفات الواردة في كتاب الله ثم وردت كذلك في السنة.
أما القسم الثاني: وهي الأحاديث الواردة ببعض الصفات التي لم يأت ذكرها في القرآن نصًا، وهي مثل أحاديث الضحك والنزول من صفات الأفعال، وصفة الأصابع من صفات الذات، فمثل هذه يقال فيها:
هذه الأحاديث إما متواترة كحديث النزول (٧)، فمثل هذه الأحاديث لا يمكن أن يقال فيها إنها ظنية الثبوت، ولكن المخالفون يلجأون إلى تأويلها
وإما أن تكون هذه الأحاديث من الآحاد، فالكلام فيها من جهتين:
١ - إن هذه الأحاديث قد تلقاها الأئمة بالقبول، وهذه قرينة موجبة للقول بإفادتها للعلم.
٢ - والجهة الثانية: إن هذه الصفات الواردة في أحاديث الآحاد هي من نوع الصفات الواردة في القرآن، كالأصبع، فإن في السنة بيان أن الله يأخذ بها السموات والأرضين والشجر يوم القيامة، وفي القرآن بيان أن الله يطوي السموات بيمينه كمال قال الله: وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧] وكذلك جاء في السنة، وهكذا يقال في الضحك، فإن الغضب الوارد في القرآن – كقول الله تعالى: وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ [النساء: ٩٣]: صفة فعلية لله، يقال كذلك: إن الضحك صفة فعلية لله وردت بها السنة، فكلاهما: صفة فعل.
وبهذا يعلم أنه ليس في السنة شيء يخالف القرآن، فوجب إثبات كل ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من صفات الله، لأن ما جاء به رسول الله ﷺ حق على حقيقته، ولا يجوز إنكارها كلها لأن القول في الصفات كالقول في الذات، كما لا يجوز إنكار بعضها لأن القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر. منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ٢/ ٤٤٣
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤١٥)، ومسلم (٢٧٨٦). بلفظ: «يمسك السموات» بدلًا من «يحمل السموات».
(٢) رواه مسلم (٢٦٥٤). من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄.
(٣) الحديث رواه النسائي (٦/ ١٣٨) (٣١٦٥). ولفظه: «إن الله ﷿ يعجب من رجلين يقتل أحدهما صاحبه وقال مرة أخرى ليضحك من رجلين يقتل أحدهما صاحبه ثم يدخلان الجنة». من حديث أبي هريرة ﵁. والحديث في الصحيحين رواه البخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠).
(٤) أخرجه الدارقطني في «الصفات» (ص: ٤١ - ٤٢) (رقم/٦٣).
(٥) رواه البخاري (٧٤١١). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) رواه البخاري (٧٤٠٤)، ومسلم (٢٧٥١). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٧) حديث النزول رواه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁. وقد روى حديث النزول أيضًا: أحمد ومالك وأبو عيسى الترمذي وأبو داود وابن خزيمة والدارقطني وأئمة المسلمين.
[ ١ / ٤٢٣ ]
المطلب السادس: الاستدلال بقياس الأولى دون غيره من أنواع القياس
إن الله تعالى لا مثيل له، بل له المثل الأعلى، ولذلك نهى أن يضرب له المثل فقال: فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: ٧٤]، فلا يجوز أن يمثل بغيره من الخلق، سواء كان ذلك بقياس تمثيل أو قياس شمول (١). وإنما يستعمل في حقه سبحانه، قياس الأولى الدال عليه قول الله تعالى: وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ [النحل: ٦٠] أي الأكمل والأحسن والأطيب كما قال ابن جرير ﵀. فقياس الأولى راجع إلى الأمثال المضروبة في الكتاب والسنة.
ويستعمل قياس الأولى في الإثبات وفي التنزيه.
أما في الإثبات: فإنه يكون في أمرين كليين (٢):
الأول: إن الاتصاف بالصفات الوجودية في حق المخلوق أكمل فيه من اتصافه بالأمور العدمية، فالخالق أحق بالأمور الوجودية من كل مخلوق.
الثاني: إن كل كمال ثبت فالخالق أولى به منه، ويشترط في هذا الكمال:
١ - أن لا يكون فيه نقص بوجه من الوجوه، كالقدرة على إنجاب الولد، فهذا كمال في حق المخلوق، ولكن ليس كمالًا مطلقًا، إذ فيه نقص من وجوه وهو أن الوالد محتاج إلى ولده ولا يستغني عنه ولذلك قال الله تعالى: قَالُواْ اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ [يونس: ٦٨].
٢ - أن لا يكون مستلزمًا للعدم، وهذا الشرط ذكر لأن بعض المخالفين يصفونه بصفات السلوب التي لا تتضمن أمرًا وجوديًا، ويزعمون أنها كمال في حق الخالق مع أنها مستلزمة للعدم. فيجب إذًا أن يوصف الله بصفات كاملة وجودية لا صفات مستلزمة للعدم (٣).
ويمكن الاستدلال لقاعدة استعمال قياس الأولى في الإثبات بذكر ثلاث صفات؛ الأولى: الرحمة، والثانية: القدرة، والثالثة: الفرح.
أما الأولى فيدل لها قول الرسول ﷺ لأصحابه: «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا لا والله، وهي تقدر على ألا تطرحه، فقال رسول الله ﷺ: لله أرحم بعباده من هذه بولدها» (٤) اهـ.
والثانية في قول الرسول ﷺ لأبي مسعود ﵁ لما ضرب مملوكه فقال له: «اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام» (٥).
والثالثة: في قول الرسول ﷺ: «لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة» (٦).
والاستعمال الثاني لقياس الأولى يكون في التنزيه: وهو أن كل نقص وعيب في نفسه ينزه المخلوق عنه، فتنزيه الخالق عنه أولى. والمقصود بالعيب في نفسه ما تضمن سلب كمال ما أثبت (٧).
ومثال هذا القياس ما ذكره الله من مثل في شأن تنزهه عن أن يكون له شريك في صفة الإلهية، قال الله تعالى: ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الروم: ٢٨].
_________________
(١) انظر: «الرسالة التدمرية» (٢/ ٣٣).
(٢) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٢٩ - ٣٠).
(٣) انظر: «نقض التأسيس» لابن تيمية (٢/ ٣٦٠ - ٣٦٢).
(٤) رواه البخاري (٥٩٩٩)، ومسلم (٢٧٥٤). من حديث عمر ﵁.
(٥) رواه مسلم (١٦٥٩). من حديث أبي مسعود ﵁.
(٦) رواه مسلم (٢٦٧٥). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٧) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٢٩ - ٣٠).
[ ١ / ٤٢٤ ]
ومعنى المثل على سبيل الإجمال: أن الله ﷿ ذكره يوبخ المشركين على اتخاذهم شركاء مع الله فضرب لهم مثلًا من أنفسهم وهو أنكم إذا كنتم لا ترضون لأنفسكم أن يكون مماليككم شركاء في الذي رزقكم الله من أموال، بل تمتنعون أن يكونوا لكم نظراء فكيف ترضون أن تجعلوا مخلوقي ومملوكي الذين زعمتم أنهم شركاء يدعون ويعبدون كما أدعى وأعبد؟ فإذا كنتم تنزهون وتنفون ذلك عن أنفسكم فالخالق أولى بأن تنزهوه وتنفوا عنه الشريك في العبادة (١).
وقد نسب شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الطريقة من الاستدلال إلى جمع من أهل العلم منهم الإمام أحمد ﵀ (٢).
فمن ذلك: قال الإمام أحمد: (ووجدنا كل شيء أسفل منه مذمومًا، يقول الله جل ثناؤه: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء: ١٤٦] وقال: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ [فصلت: ٢٦]) اهـ (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقًا على كلام الإمام أحمد: (وهذه الحجة من باب (قياس الأولى) وهو أن السفل مذموم في المخلوق حيث جعل الله أعداءه في أسفل سافلين، وذلك مستقر في فطر العباد، حتى إن أتباع المضلين طلبوا أن يجعلوهم تحت أقدامهم ليكونوا من الأسفلين، وإذا كان هذا مما ينزه ويقدس عنه المخلوق ويوصف به المذموم المعيب من المخلوق فالرب تعالى أحق أن ينزه ويقدس عن أن يكون في السفل أو يكون موصوفًا بالسفل هو أو شيء منه أو يدخل ذلك في صفاته بوجه من الوجوه، بل هو العلي الأعلى بكل وجه) اهـ (٤).
وقال الإمام أحمد: (ومن الاعتبار في ذلك: لو أن رجلًا كان في يديه قدح من قوارير صاف وفيه شراب صاف، كان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح فالله: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [الروم: ٢٧] قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء من خلقه) (٥).
قال شيخ الإسلام معلقًا على كلام الإمام: (ثم ذكر الإمام أحمد حجة اعتبارية عقلية قياسية لإمكان ذلك هي من باب الأولى فضرب أحمد ﵀ مثلًا وذكر قياسًا وهو أن العبد إذا أمكنه أن يحيط بصره بما في يده وقبضته من غير أن يكون داخلًا فيه ولا محايثًا له فالله سبحانه أولى باستحقاق ذلك واتصافه به وأحق بأن لا يكون ذلك ممتنعًا في حقه، وذكر أحمد في ضمن هذا القياس قول الله تعالى: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [الروم: ٢٧] مطابق لما ذكرناه من أن الله له قياس الأولى والأحرى .. وأما المثل المساوي أو الناقص فليس لله بحال) (٦) اهـ.
وقد حكى ابن هبيرة هذه الطريقة عن عامة أهل السنة والجماعة فقال في كتابه الإفصاح: (إن أهل السنة يحكون: أن النطق بإثبات الصفات وأحاديثها يشتمل على كلمات متداولات بين الخالق وخلقه، وتحرجوا من أن يقولوا مشتركة، لأن الله تعالى لا شريك له، بل لله المثل الأعلى، وذلك هو قياس الأولى والأحرى، فكل ما ثبت للمخلوق من صفات الكمال فالخالق أحق به وأولى وأحرى به منه). منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبد اللطيف– ٢/ ٤٦٣
_________________
(١) انظر: «تفسير الطبري» (١١/ ٢١ - ٣٨) و«درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٣٧).
(٢) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ٣٠).
(٣) «الرد على الزنادقة والجهمية» (ص: ٣٨ - ٣٩).
(٤) «نقض التأسيس» (٢/ ٥٤٣).
(٥) «الرد على الزنادقة والجهمية» للإمام أحمد (ص: ٣٩).
(٦) «نقض التأسيس» (٢/ ٥٤٦).
[ ١ / ٤٢٥ ]
المبحث التاسع: قواعد الاستدلال في باب الأسماء والصفات
المطلب الأول: حكم استعمال الأقيسة في حق الرب ﷾
وأما القسم الثاني - وهو دلائل هذه المسائل الأصولية - فإنه وإن كان يظن طوائف من المتكلمين المتفلسفة أن الشرع إنما يدل بطريق الخبر الصادق فدلالته موقوفة علي العلم بصدق المخبر ويجعلون ما يبني عليه صدق المخبر معقولات محضة - فقد غلطوا في ذلك غلطا عظيما بل ضلوا ضلالا مبينا في ظنهم أن دلالة الكتاب والسنة إنما هي بطريق الخبر المجرد بل الأمر ما عليه سلف الأمة أهل العلم والإيمان من أن الله سبحانه وتعالي بين من الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بذلك ما لا يقدر أحد من هؤلاء قدره ونهاية ما يذكرونه جاء القرآن بخلاصته علي أحسن وجه وذلك كالأمثال المضروبة التي يذكرها الله في كتابه التي قال فيها: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ [الزمر: ٢٧] فإن الأمثال المضروبة هي الأقيسة العقلية سواء كانت قياس شمول أو قياس تمثيل ويدخل في ذلك ما يسمونه براهين وهو القياس الشمولي المؤلف من المقدمات اليقينية وإن كان لفظ البرهان في اللغة أعم من ذلك كما سمي الله آيتي موسى برهانين: فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ [القصص: ٣٢] ومما يوضح هذا أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوي فيه الأصل والفرع ولا بقياس شمولي تستوي فيه أفراده فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء فلا يجوز أن يمثل بغيره ولا يجوز أن يدخل تحت قضية كلية تستوي أفرادها ولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية لم يصلوا بها إلى اليقين بل تناقضت أدلتهم وغلب عليهم - بعد التناهي - الحيرة والاضطراب لما يرونه من فساد أدلتهم أو تكافئها ولكن يستعمل في ذلك قياس الأولي سواء كان تمثيلا أو شمولا كما قال تعالى: وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ [النحل: ٦٠] مثل أن يعلم أن كل كمال ثبت للممكن أو المحدث لا نقص فيه بوجه من الوجوه - وهو ما كان كمالا للموجود غير مستلزم للعدم - فالواجب القديم أولى به وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت نوعه للمخلوق المربوب المعلول المدبر فإنما استفاده من خالقه وربه ومدبره فهو أحق به منه وأن كل نقص وعيب في نفسه - وهو ما تضمن سلب هذا الكمال إذا وجب نفيه عن الرب ﵎ بطريق الأولى وأنه أحق بالأمور الوجودية من كل موجود وأما العدمية بالممكن المحدث بها أحق ونحو ذلك ومثل هذه الطرق هي التي كان يستعملها السلف والأئمة في مثل هذه المطالب كما استعمل نحوها الإمام أحمد ومن قبله وبعده من أئمة أهل الإسلام وبمثل ذلك جاء القرآن في تقرير أصول الدين في مسائل التوحيد والصفات والمعاد ونحو ذلك ومثال ذلك أنه سبحانه لما أخبر بالمعاد - والعلم به تابع للعلم بإمكانه فإن الممتنع لا يجوز أن يكون - بين سبحانه إمكانه أتم بيان ولم يسلك في ذلك ما يسلكه طوائف من أهل الكلام حيث يثبتون الإمكان الخارجي بمجرد الإمكان الذهني فيقولون: هذا ممكن لأنه لو قدر وجوده لم يلزم من تقدير وجوده محال فإن الشأن في هذه المقدمة فمن أين يعلم أنه لا يلزم من تقدير وجوده محال؟ فإن هذه قضية كلية سالبة فلا بد من العلم بعموم هذا النفي وما يحتج به بعضهم على أن هذا ممكن بأنا لا نعلم امتناعه كما نعلم امتناع الأمور الظاهر امتناعها مثل كون الجسم متحركا ساكنا فهذا كاحتجاج بعضهم علي أنها ليست بديهية بأن غيرها من البديهيات أجلى منها وهذه حجة ضعيفة لأن البديهي هو ما إذا تصور طرفاه جزم العقل به والمتصوران قد يكونان خفيين فالقضايا تتفاوت في الجلاء والخفاء لتفاوت تصورها كما تتفاوت لتفاوت الأذهان وذلك لا يقدح في كونها ضرورية ولا يوجب
[ ١ / ٤٢٦ ]
أن ما لم يظهر امتناعه يكون ممكنا بل قول هؤلاء أضعف لأن الشيء قد يكون ممتنعا لأمور خفية لازمة له فما لم يعلم انتفاء تلك اللوازم أو عدم لزومها لا يمكن الجزم بإمكانه والمحال هنا أعلم من المحال لذاته أو لغيره والإمكان الذهني حقيقته عدم العلم بالامتناع وعدم العلم بالامتناع لا يستلزم العلم بالإمكان الخارجي بل يبقى الشيء في الذهن غير معلوم الامتناع ولا معلوم الإمكان الخارجي وهذا هو الإمكان الذهني فإن الله ﷾ لم يكتف في بيان إمكان المعاد بهذا إذ يمكن أن يكون الشيء ممتنعا ولو لغيره وإن لم يعلم الذهن امتناعه بخلاف الإمكان الخارجي فإنه إذا علم بطل أن يكون ممتنعا والإنسان يعلم الإمكان الخارجي: تارة بعلمه بوجود الشيء وتارة بعلمه بوجود نظيره وتارة تعلمه بوجود ما الشيء أولى بالوجود منه فإن وجود الشيء دليل علي أن ما هو دونه أولى بالإمكان منه ثم إنه إذا تبين كون الشيء ممكنا فلا بد من بيان قدرة الرب عليه وإلا فمجرد العلم بإمكانه لا يكفي في إمكان وقوعه إن لم يعلم قدرة الرب على ذلك درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١/ ١٩
وأسماء الله توقيفية فلا يسمى سبحانه إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله ﷺ ولا يجوز أن يسمى باسم عن طريق القياس أو الاشتقاق من فعل ونحوه خلافًا للمعتزلة والكرَّامية فلا يجوز تسميته بناءً ولا ماكرًا ولا مستهزئًا أخذًا من قوله تعالى: وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [الذاريات:٤٧] وقوله: وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ [آل عمران:٥٤] وقوله: اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة:١٥] ولا يجوز تسميته زارعًا، ولا ماهدًا ولا فالقًا ولا منشئًا ولا قابلًا، ولا شديدًا، ونحو ذلك آخذًا من قوله تعالى: أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة:٦٤] وقوله فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ [الذاريات:٤٨] وقوله أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ [الواقعة:٧٢] وقوله تعالى فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى [الأنعام:٩٥] وقوله وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ [غافر:٣] لأنها لم تستعمل في هذه النصوص إلا مضافة وفي أخبار على غير طريق التسمي لا مطلقة فلا يجوز استعمالها إلا على الصفة التي وردت عليها في النصوص الشرعية فيجب ألا يعبَّد في التسمية إلا لاسم من الأسماء التي سمى بها نفسه صريحًا في القرآن أو سماه بها رسوله ﷺ فيما ثبت عنه من الأحاديث كأسمائه التي في آخر سورة الحشر، والمذكورة أول سورة الحديد، المنشورة في سور أخرى من القرآن وصلى الله عليه وسلم شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٢٥٩
[ ١ / ٤٢٧ ]
المطلب الثاني: حكم تعميم دلالة النص على الاسم والصفة والذات
دلالة النصوص نوعان حقيقة وإضافية فالحقيقة تابعة لقصد المتكلم وإرادته وهذه الدلالة لا تختلف والإضافية تابعة لفهم السامع وإدراكه وجودة فكره وقريحته وصفاء ذهنه ومعرفته بالألفاظ ومراتبها وهذه الدلالة تختلف اختلافا متباينا بحسب تباين السامعين في ذلك وقد كان أبو هريرة وعبد الله بن عمر أحفظ الصحابة للحديث وأكثرهم رواية له وكان الصديق وعمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت أفقه منهما بل عبد الله بن عباس أيضا أفقه منهما ومن عبد الله بن عمر وقد أنكر النبي ﷺ - على عمر فهمه إتيان البيت الحرام عام الحديبية من إطلاق قوله إنك ستأتيه وتطوف به فإنه لا دلالة في هذا اللفظ في تعيين العام الذي يأتونه فيه وأنكر على عدي بن حاتم فهمه من الخيط الأبيض والخيط الأسود نفس العقالين وأنكر على من فهم من قوله لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردلة من كبر شمول لفظه لحسن الثوب وحسن النعل وأخبرهم أنه بطر الحق وغمط الناس وأنكر على من فهم من قوله من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه أنه كراهة الموت وأخبرهم أن هذا للكافر إذا احتضر وبشر بالعذاب فإنه حينئذ يكره لقاء الله والله يكره لقاءه وأن المؤمن إذا احتضر وبشر بكرامة الله أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه وأنكر على عائشة إذ فهمت من قوله تعالى فسوف يحاسب حسابا يسيرا معارضته لقوله ﷺ من نوقش الحساب عذب وبين لها أن الحساب اليسير هو العرض أي حساب العرض لا حساب المناقشة وأنكر على من فهم من قوله تعالى من يعمل سوءا يجز به أن هذا الجزاء إنما هو في الآخرة وأنه لا يسلم أحد من عمل السوء وبين أن هذا الجزاء قد يكون في الدنيا بالهم والحزن والمرض والنصب وغير ذلك من مصائبها وليس في اللفظ تقييد الجزاء بيوم القيامة وأنكر على من فهم من قوله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون أنه ظلم النفس بالمعاصي وبين أنه الشرك وذكر قول لقمان لابنه إن الشرك لظلم عظيم مع أن سياق اللفظ عند إعطائه حقه من التأمل يبين ذلك فإن الله سبحانه لم يقل ولم يظلموا أنفسهم، بل قال: ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [الأنعام:٨٢] إعلام الموقعين عن رب العالمين لمحمد بن أبي بكرابن قيم الجوزية - ١/ ٣٥٠
[ ١ / ٤٢٨ ]
المطلب الثالث: حكم الاستدلال بالتشبيه نفيا وإثباتا
أن لفظ (التشبيه) و(التركيب) لفظ فيه إجمال وهؤلاء أنفسهم - هم وجماهير العقلاء - يعلمون أن ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك ونفي ذلك القدر المشترك ليس هو نفس التمثيل والتشبيه الذي قام الدليل العقلي والسمعي على نفيه وإنما التشبيه الذي قام الدليل على نفيه ما يستلزم ثبوت شيء من خصائص المخلوقين لله ﷾ إذ هو سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولهذا اتفق جميع طوائف المسلمين وغيرهم على الرد على هؤلاء الملاحدة وبيان أنه ليس كل ما اتفق شيئان في شيء من الأشياء يجب أن يكون أحدهما مثلا للآخر ولا يجوز أن ينفي عن الخالق سبحانه كل ما يكون فيه موافقة لغيره في معنى ما فإنه يلزمه عدمه بالكلية كما فعله هؤلاء الملاحدة بل يلزم نفي وجوده ونفي عدمه وهو غاية التناقض والإلحاد والكفر والجهل درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ٣/ ٦٧
[ ١ / ٤٢٩ ]
فيما يجوز وما لا يجوز على الله من النفي والإثبات أنه لقائل أن يقول: لا بد في هذا الباب من ضابط يعرف به ما يجوز على الله مما لا يجوز في النفي والإثبات إذ الاعتماد في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه أو مطلق الإثبات من غير تشبيه ليس بسديد وذلك أنه ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر مميز فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيه قيل له: إن أردت أنه مماثل له من كل وجه فهذا باطل وإن أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه أو مشارك له في الاسم لزمك هذا في سائر ما تثبته وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل الذي فسرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر ويمتنع عليه ما يمتنع عليه ويجب له ما يجب له ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا التفسير مما لا يقوله عاقل يتصور ما يقول فإنه يعلم بضرورة العقل امتناعه ولا يلزم من نفي هذا نفي التشابه من بعض الوجوه كما في الأسماء والصفات المتواطئة ولكن من الناس من يجعل التشبيه مفسرا بمعنى من المعاني ثم إن كل من أثبت ذلك المعنى قالوا: إنه مشبه ومنازعوهم يقولون: ذلك المعنى ليس من التشبيه وقد يفرق بين لفظ التشبيه والتمثيل وذلك أن المعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات يقولون: كل من أثبت لله صفة قديمة فهو مشبه ممثل فمن قال إن لله علما قديما أو قدرة قديمة كان عندهم مشبها ممثلا لأن القديم عند جمهورهم هو أخص وصف الإله فمن أثبت له صفة قديمة فقد أثبت لله مثلا قديما ويسمونه ممثلا بهذا الاعتبار ومثبتة الصفات لا يوافقونهم على هذا بل يقولون: أخص وصفه لا يتصف به غيره مثل كونه رب العالمين وأنه بكل شيء عليم وأنه على كل شيء قدير وأنه إله واحد ونحو ذلك والصفة لا توصف شيء من ذلك ثم من هؤلاء الصفاتية من لا يقول في الصفات إنها قديمة بل يقول: الرب بصفاته قديم ومنهم من يقول: هو قديم وصفته قديمة ولا يقول: هو وصفاته قديمان ومنهم من يقول: هو وصفاته قديمان ولكن يقول: ذلك لا يقتضي مشاركة الصفة له في شيء من خصائصه فإن القدم ليس من خصائص الذات المجردة بل من خصائص الذات الموصوفة بصفات وإلا فالذات المجردة لا وجود لها عندهم فضلا عن أن تختص بالقدم وقد يقولون: الذات متصفة بالقدم والصفات متصفة بالقدم وليست الصفات إلها ولا ربا كما أن النبي محدث وصفاته محدثة وليست صفاته نبيا فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم التشبيه والتمثيل: كان هذا بحسب اعتقادهم الذي ينازعهم فيه أولئك ثم تقول لأولئك: هب أن هذا المعنى قد يسمى في اصطلاح بعض الناس تشبيها فهذا المعنى لم ينفعه عقل ولا سمع وإنما الواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية والقرآن قد نفى مسمى المثل والكفء والند ونحو ذلك ولكن يقولون الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف ولا كفؤه ولا نده فلا يدخل في النص وأما العقل: فلم ينف مسمى التشبيه في اصطلاح المعتزلة وكذلك أيضا يقولون: إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز والأجسام متماثلة فلو قامت به الصفات للزم أن يكون مماثلا لسائر الأجسام وهذا هو التشبيه وكذلك يقول: هذا كثير من الصفاتية الذين يثبتون الصفات وينفون علوه على العرش وقام الأفعال الاختيارية به ونحو ذلك ويقولون: الصفات قد تقوم بما ليس بجسم وأما العلو على العالم فلا يصح إلا إذا كان جسما فلو أثبتنا علوه للزم أن يكون جسما وحينئذ فالأجسام متماثلة فيلزم التشبيه فلهذا تجد هؤلاء يسمون من أثبت العلو ونحوه مشبها ولا يسمون من أثبت السمع والبصر والكلام ونحوه مشبها كما يقول صاحب الإرشاد وأمثاله وكذلك يوافقهم على القول بتماثل الأجسام القاضي أبو يعلى وأمثاله من مثبتة الصفات والعلو لكن هؤلاء يجعلون العلو صفة خبرية كما هو أول قولي
[ ١ / ٤٣٠ ]
القاضي أبي يعلى فيكون الكلام فيه كالكلام في الوجه وقد يقولون: إن ما يثبتونه لا ينافي الجسم كما يقولونه في سائر الصفات والعاقل إذ تأمل وجد الأمر فيما نفوه كالأمر فيما أثبتوه لا فرق وأصل كلا م هؤلاء كلهم على إثبات الصفات مستلزم للتجسيم والأجسام متماثلة والمثبتون يجيبون عن هذا تارة بمنع المقدمة الأولى وتارة بمنع المقدمة الثانية وتارة بمنع كل من المقدمين وتارة بالاستفصال ولا ريب أن قولهم بتماثل الأجسام قول باطل سواء فسروا الجسم بما يشار إليه أو بالقائم بنفسه أو بالموجود أو بالمركب من الهيولي والصورة ونحو ذلك فإما يبنى على صحة ذلك وعلى إثبات الجوهر الفرد وعلى أنه متماثل وجمهور العقلاء يخالفونهم في ذلك والمقصود: هنا أنهم يطلقون التشبيه على ما يعتقدونه تجسيما بناء على تماثل الأجسام والمثبتون ينازعونهم في اعتقادهم كإطلاق الرافضة النصب على من تولى أبا بكر وعمر ﵄ بناء على أن من أحبهما فقد بغض عليا ﵁ ومن أبغضه فهو ناصبي وأهل السنة ينازعونهم في المقدمة الأولى ولهذا يقول هؤلاء: إن الشيئين لا يشبهان من وجه ويختلفان من وجه وأكثر العقلاء على خلاف ذلك وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبينا فيه حجج من يقول بتماثل الأجسام وحجج من نفي ذلك وبينا فساد قول من يقول بتماثلها وأيضا فالاعتماد بهذا الطريق على نفي التشبيه اعتماد باطل وذلك أنه إذا أثبت تماثل الأجسام عما لا ينفون ذلك إلا بالحجة التي ينفون بها الجسم وإذا ثبت أن هذا يستلزم الجسم وثبت امتناع الجسم: كان هذا وحده كافيا في نفي ذلك لا يحتاج نفي ذلك إلى نفي مسمى التشبيه لكن نفي التجسيم يكون مبنيا على نفي هذا التشبيه بأن يقال: لو ثبت له كذا وكذا لكان جسما ثم يقال: والأجسام متماثلة فيجب اشتراكها فيما يجب ويجوز ويمتنع وهذا ممتنع عليه لكن حينئذ يكون من سلك هذا المسلك معتمدا في نفي التشبيه على نفي التجسيم فيكون أصل نفيه نفي الجسم وهذا مسلك آخر سنتكلم عليه إن شاء الله وإنما المقصود هنا: أن مجرد الاعتماد في نفي ما ينفي على مجرد نفي التشبيه لا يفيد إذ ما من شيئين إلا يشتبهان من وجه بخلاف الاعتماد على نفي النقص والعيب ونحو ذلك مما هو سبحانه مقدس عنه فإن هذه طريقة صحيحة وكذلك إذا أثبت له صفات الكمال ونفي مماثلة غيره له فيها فإن نفي المماثلة فيما هو مستحق له وهذا حقيقة التوحيد: وهو أن لا يشركه شيء من الأشياء فيما هو من خصائصه وكل صفة من صفات الكمال فهو متصف بها على وجه لا يماثله فيه أحد ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها إثبات ما وصف به نفسه من الصفات ونفي مماثلته بشيء من المخلوقات فإن قيل: هب الأمر كذلك ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك لا يستلزم إثبات ما يمتنع على الرب سبحانه ولا نفي ما يستحقه لم يكن ممتنعا كما إذا قيل: إنه موجود حي عليم سميع بصير وقد سمى بعض المخلوقات حيا سميعا عليما بصيرا فإذا قيل: يلزم أنه يجوز عليه ما يجوز على ذلك من جهة كونه موجودا حيا عليما سميعا بصيرا قيل: لازم هذا القدر المشترك ليس ممتنعا على الرب تعالى فإن ذلك لا يقتضي حدوثا ولا مكانا ولا نقصا ولا شيئا مما ينافي صفات الربوبية وذلك أن القدر المشترك هو مسمى الوجود أو الموجود أو الحياة أو الحي أو العلم أو العليم أو السمع أو البصر أو السميع أو البصير أو القدرة أو القدير والقدير المشترك مطلق كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر فلم يقع بينهما اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدث ولا فيما يخص بالواجب القديم فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه فإذا كان القدر المشترك الذي اشتركا فيه صفة كمال كالوجود والحياة والعلم والقدر ولم يكن في
[ ١ / ٤٣١ ]
ذلك شيء مما يدل على خصائص المخلوقين كما لا يدل على شيء من خصائص الخالق لم يكن في إثبات هذا محذور أصلا بل إثبات هذا من لوازم الوجود فكل موجودين لا بد بينهما من مثل هذا ومن نفي هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود ولهذا لما اطلع الأئمة على أن هذا حقيقة قول الجهمية سموهم معطلة وكان جهم ينكر أن يسمى الله شيئا وربما قالت الجهمية هو شيء لا كالأشياء فإن نفي القدر المشترك مطلقا لزم التعطيل العام والمعاني التي يوقف بها الرب تعالى كالحياة والعلم والقدر بل الوجود والثبوت والحقيقة ونحو ذلك: يجب لوازمها فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم وخصائص المخلوق التي يجب تنزيه الرب عنها ليست من لوازم ذلك أصلا بل تلك من لوازم ما يختص بالمخلوقات من وجود وحياة وعلم ونحو ذلك والله سبحانه منزه عن خصائص المخلوقين وملزومات خصائصهم وهذا الموضع من فهمه فهما جيدا وتدبره: زالت عنه عامة الشبهات وانكشف له غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام وقد بسط هذا في مواضع كثيرة وبين فيها أن القدر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معينا مقيدا وإن معنى اشتراك الموجودات في أمر هو تشابهها من ذلك الوجه وإن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا لأن الموجودات في الخارج لا يشارك أحدهما الآخر في شيء موجود فيه بل كل موجود متميز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله ولما كان الأمر كذلك كان كثير من الناس متناقضا في هذا المقام فتارة يظن إثبات القدر المشترك يوجب التشبيه الباطل فيجعل ذلك له حجة فيما يظن نفيه من الصفات حذرا من ملزومات التشبيه وتارة يتفطن انه لا بد من إثبات هذا على تقدير فيجب به فيما يثبته من الصفات لمن احتج به من النفاة ولكثرة الاشتباه في هذا المقام وقعت الشبهة في أن وجود الرب هل هو عين ماهيته أو زائد على ماهيته؟ وهل لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي أو التواطؤ أو التشكيك؟ كما وقع الاشتباه في إثبات الأحوال ونفيها وفي أن المعدوم هل هو شيء أو لا؟ وفي وجود الموجودات هل هو زائد على ماهيتها أم لا؟ وقد كثر من أئمة النظار الاضطراب والتناقض في هذه المقامات فتارة يقول أحدهم القولين المتناقضين ويحكي عن الناس مقالات ما قالوها وتارة يبقى في الشك والتحير وقد بسطنا من الكلام في هذه المقامات وما وقع من اشتباه والغلط والحيرة فيها لأئمة الكلام والفلسفة مالا تتسع له هذه الجمل المختصرة وبينا أن الصواب هو أن وجود كل شيء في الخارج هو ماهيته الموجودين في الخارج بخلاف الماهية التي الذهن فإنهما مغيرة للموجود في الخارج وأن لفظ الذات والشيء والماهية والحقيقة ونحو ذلك فهذه الألفاظ كلها متواطئة فإذا قيل: إنها مشككة لتفاضل معانيها فالمشكك نوع من المتواطئ العام الذي يراعى فيه دلالة اللفظ على القدر المشترك سواء كان المعنى متفاضلا في موارده أو متماثلا وبينما أن المعدوم شيء أيضا في العلم والذهن لا في الخارج فلا فرق بين الثبوت والوجود لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني مع أن ما في العلم ليس هو الحقيقة الموجودة ولكن هو العلم التابع للعالم القائم به وكذلك الأحوال التي تتماثل فيها الموجودات وتختلف: لها وجود في الأذهان وليس في الأعيان إلا الأعيان الموجودة وصفاتها القائمة بها المعينة فتتشابه بذلك وتختلف به وأما هذه الجملة المختصرة فإن المقصود بها التنبيه على جمل جامعة من فهمها علم قدر نفعها وانفتح له باب الهدى وإمكان إغلاق باب إضلال ثم بسطها وشرحها له مقام آخر إذ لكل مقام مقال والمقصود: هنا أن الاعتماد على مثل هذه الحجة فيما ينفي عن الرب وينزه عنه - كما يفعله كثير من المصنفين - خطأ لمن تدبر ذلك وهذا من طرق النفي الباطلة الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١/ ٧٣
[ ١ / ٤٣٢ ]
المطلب الرابع: حكم التجسيم نفيا وإثباتا
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀: وأما لفظ الجسم والجوهر والمتحيز والمركب والمنقسم فلا يوجد له ذكر في كلام أحد من السلف كما لا يوجد له ذكر في الكتاب والسنة لا بنفي ولا إثبات إلا بالإنكار على الخائضين في ذلك من النفاة الذين نفوا ما جاءت به النصوص والمشبهة الذين ردوا ما نفته النصوص كما ذكرنا أن أول من تكلم بالجسم نفيا وإثباتا هم طوائف من الشيعة والمعتزلة وهم من أهل الكلام الذين كان السلف يطعنون عليهم وهم في مثل هذا على المعتزلة أعظم إنكارا إذ المتشيعة لم يشتهر عن السلف الإنكار عليهم إلا فيما هو من توابع التشيع مثل مسائل الإمامة التي انفردوا بها عن الأمة وتوابعها بخلاف مسائل الصفات والقدر فإن طعنهم فيه على المعتزلة معروف مشهور ظاهر عند الخاص والعام مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١/ ٥٤
وقال ﵀: فإن أراد بقوله ليس بجسم هذا المعنى قيل له: هذا المعنى الذي قصدت نفيه بهذا اللفظ معنى ثابت بصحيح المنقول وصريح المعقول وأنت لم تقم دليلا على نفيه وأما اللفظ فبدعة نفيا وإثباتا فليس في الكتاب ولا السنة ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها إطلاق لفظ الجسم في صفات الله تعالى لا نفيا ولا إثباتا وكذلك لفظ الجوهر والمتحيز ونحو ذلك من الألفاظ التي تنازع أهل الكلام المحدث فيها نفيا وإثباتا وإن قال كل ما يشار إليه ويرى وترفع إليه الأيدي فإنه لا يكون إلا جسما مركبا من الجواهر الفردة أو من المادة والصورة قيل له هذا محل نزاع فأكثر العقلاء ينفون ذلك وأنت لم تذكر على ذلك دليلا وهذا منتهى نظر النفاة فإن عامة ما عندهم أن ما تقوم به الصفات ويقوم به الكلام والإرادة والأفعال وما يمكن رؤيته بالأبصار لا يكون جسما مركبا من الجواهر الفردة أو من المادة والصورة وما يذكرونه من العبارة فإلى هذا يعود وقد تنوعت طرق أهل الإثبات في الرد عليهم فمنهم من سلم لهم أنه يقوم به الأمور الاختيارية من الأفعال وغيرها ولا يكون إلا جسما ونازعهم فيما يقوم به من الصفات التي يتعلق منها شيء بالمشيئة والقدوة ومنهم من نازعهم في هذا وهذا وقال بل لا يكون هذا جسما ولا هذا جسما ومنهم من سلم لهم أنه جسم ونازعهم في كون القديم ليس بجسم مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية - ١/ ٥٥٠
[ ١ / ٤٣٣ ]
المبحث العاشر: تأثير عارض الجهل على توحيد الأسماء والصفات وحكم الجهل ببعضها
المطلب الأول: تأثير عارض الجهل على توحيد الأسماء والصفات
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – في معرض حديثه عن توحيد الأسماء والصفات: (الأصل في هذا الباب أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه. وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه – مع ما أثبته من الصفات – من غير إلحاد لا في أسمائه ولا في آياته، فإن الله ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته، كما قال تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٨٠].
فمن عدل بأسماء الله وصفاته عن حقائقها ومعانيها الصحيحة، فقد وقع في الإلحاد. والإلحاد في أسماء الله وصفاته أنواع:
(النوع الأول: أن تسمى الأصنام بها، كتسمية اللات من الإله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان.
النوع الثاني: تسميتة ﷾ بما لا يليق به، كتسمية النصارى له أبا، وتسمية الفلاسفة له موجبا أو علة فاعلة.
النوع الثالث: وصفه ﷾ بما ينزه عنه من النقائص، كقول اليهود الذين قالوا: إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء [آل عمران: ١٨١]، وقولهم يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: ٦٤]، وأنه استراح يوم السبت، تعالى الله عما يقولون.
النوع الرابع: جحد معانيها وحقائقها، كقول الجهمية إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني، فالسميع لا يدل على سمع، والبصير لا يدل على بصر، والحي لا يدل على حياة، ونحو ذلك.
النوع الخامس: تشبيه صفاته بصفات خلقه، كقول المثل: يده كيدي إلى غير ذلك، تعالى الله.
وقد توعد الله الملحدين في أسمائه وآياته بأشد الوعيد، فقال سبحانه في الآية (١٨٠) من سورة الأعراف: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ، وقال في الآية (٤٠) من سورة فصلت: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا) (١).
غير أن الإلحاد يختلف حكمه من شخص لآخر، فمن ألحد كفرا وعنادا، ليس كمن ألحد جهلًا وتأولًا وهو مؤمن ومن غير قصد للإلحاد. فهذا الإمام ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: ٧٧ - ٧٩]، يورد سبب نزولها وأنها في أبي بن خلف، فقال: (قال مجاهد وعكرمة وعروة بن الزبير والسدي وقتادة: جاء أبي بن خلف – لعنه الله – إلى رسول الله ﷺ وفي يده عظم رميم، وهو يفته ويذروه في الهواء وهو يقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟، قال ﷺ «نعم، يُميتك الله ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار» (٢).
_________________
(١) «شرح العقيدة الواسطية» للفوزان (ص: ١٦).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٠/ ٥٥٣ - ٥٥٤)، وانظر: «تفسير ابن كثير» (٣/ ٥٨٨).
[ ١ / ٤٣٤ ]
ثم أورد بعد ذلك قصة الرجل المسرف على نفسه الذي دفعه عظم خوفه من الله إلى أن يوصي أهله بأن يحرقوه إذا مات ويذروا رماده في الهواء، ظنا منه أن الله لا يقدر على جمعه. وفي الحديث أنه غُفر له بخوفه من الله، أورد هذا وذاك للتفريق بين المناطين، حيث إن في كل حالة من الحالتين إنكارًا لقدرة الله تعالى على جمع الرميم المتفرق، ولكن الأول كان كافرًا معاندًا، فكان من أهل النار، «نعم، يميتك الله ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار». والثاني كان مؤمنًا جاهلًا شديد الخوف من الله تعالى، فغفر له، والله أعلم. الشاهد من هذا أنه لابد من التفريق في مثل هذه المسائل بين جاهل أو متأول لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وبين جاحد معاند.
وعلى هذا الأساس كانت معاملة أئمة أهل السنة مع الفرق التي ضلت في باب الأسماء والصفات؛ لأنها إنما ضلت بسبب الشبهات التي عرضت لها – بسبب بُعدها عن النقل الصحيح، وجريها خلف سراب المعقولات، وأهمها شبهة التشبيه أو التجسيم، مما دعاهم إلى المبالغة في تنزيه الله تعالى على غير منهج الكتاب والسنة.
فالجهل في هذه المسألة عذر معتبر، وكذلك الشبهة والتأول. فلو لم تكن هذه الأحوال عذرا، للزم تكفير المتكلمين بتأويلهم لنصوص الصفات، وحملهم لها على المجاز، وأنها ليست ثابتة لله على الحقيقة؛ لظنهم أن ذلك يستلزم تشبيه الله بخلقه. فردهم لنصوص الصفات مبني على إرادة التنزيه لله عن مشابهة خلقه – حسب ظنهم -، وعلى هذا فهم لم يريدوا رد تلك النصوص تكذيبا بها (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ -: (فالإمام أحمد ﵁ ترحم عليهم (يعني: الجهمية) واستغفر لهم؛ لعلمه بأنه لم يتبين لهم أنهم مكذبون للرسول ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا، وقلدوا من قال ذلك لهم) (٢).
وقال – ﵀ – عن نفسه: (كنت أقول للجهمية من الحلولية، والنفاة الذين نفوا أن لله فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم، كنت كافرا؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهال. وكان هذا خطابا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم، وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم في قصور من معرفة المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له) (٣). الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر معاش– بتصرف - ص: ٣٩٥
_________________
(١) انظر: «ضوابط التكفير عند أهل السنة» (ص: ٢٤٤).
(٢) «المسائل الماردينية» (ص: ٦٩).
(٣) «الرد على البكري» (ص: ٢٥٩).
[ ١ / ٤٣٥ ]
المطلب الثاني: حكم الجهل ببعض أسماء الله وصفاته وأدلته
قضية الجهل ببعض أسماء الله وصفاته من القضايا التي يمثل بها أهل العلم على العذر بالجهل فيما يتعلق بقضايا التوحيد، وأن المخطئ فيها بجحد أو نكران لا يكفر، حتى تقام عليه الحجة التي يكفر تاركها؛ لأن الأسماء والصفات من المسائل العقدية التي لابد من ورود النص الشرعي بها، ولا تثبت بالعقل أو الرؤيا أو الذوق ونحو ذلك. صحيح أن العقل يدركها بالفطرة، ولكن العقل تابع للنقل الصحيح.
قال الإمام الشافعي –﵀-: (لله أسماء وصفات لا يسع أحدًا ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه، فقط كفر. وأما قبل قيام الحجة، فإنه يعذر بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية ولا الفكر، فنثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه، كما نفى عن نفسه فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]) (١).
وقال الإمام النووي – ﵀ -: (قال القاضي: وممن كفره بذلك - أي بجهل الصفة - ابن جرير الطبري، وقاله أبو الحسن الأشعري أولًا. وقال الآخرون: لا يكفر بجهل الصفة، ولا يخرج به عن اسم الإيمان بخلاف جحدها، وإليه رجع أبو الحسن الأشعري، وعليه استقر قوله؛ لأنه لم يعتقد بذلك اعتقادًا يقطع بصوابه، ويراه دينًا وشرعًا، وإنما يكفر من يعتقد أن مقالته حق. قال هؤلاء: ولو سئل الناس عن الصفات، لوجد العالم بها قليلًا) (٢).
وقال ابن قتيبة – ﵀ -: (قد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين، فلا يكفرون بذلك) (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ -: (وقول طائفة من أهل الكلام: إن الصفات الثابتة بالعقل هي التي يجب الإقرار بها ويكفر تاركها، بخلاف ما ثبت بالسمع، فإنهم تارة ينفونه، وتارة يتأولونه أو يفوضون معناه وتارة يثبتونه، لكن يجعلون الإيمان والكفر متعلقا بالصفات العقلية. فهذا لا أصل له عن سلف الأمة وأئمتها؛ إذ الإيمان والكفر هما من الأحكام التي ثبتت بالرسالة، وبالأدلة الشرعية يميز بين المؤمن والكافر، لا بمجرد الدلالة العقلية) (٤).
وقال الشيخ عبد الله البابطين: (من شك في صفة من صفات الرب ومثله لا يجهلها، كفر، وإن كان يجهلها، لم يكفر) (٥).
والقياس هنا يكون بالنظر إلى بيئة كل واحد منهما من حيث مظنة العلم أو عدمها، وبالنظر إلى قدرات كل واحد منهما الإدراكية والعلمية. قال شيخ الإسلام – ﵀ -: (ولهذا كان الصواب أن الجهل ببعض أسماء الله وصفاته، لا يكون صاحبه كافرًا إذا كان مقرا بما جاء به الرسول ﷺ، ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله على وجه يتقضي كفره إذا لم يعلمه) (٦).
والأدلة على عذر الجاهل ببعض الأسماء والصفات الإلهية، فلا يكفر حتى تقام عليه الحجة الشرعية ثم يعاند. الأدلة على هذا كثيرة، نذكر منها ما يلي:
- عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كان رجل يُسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا. فلما مات فعل به ذلك، فأمر الله الأرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت، قال: يا رب خشيتك فغفر له» (٧).
_________________
(١) «فتح الباري» (١٣/ ٤٠٧).
(٢) «شرح مسلم» للنووي (٥/ ٥٩٨ - ٥٩٩).
(٣) «فتح الباري» (٦/ ٥٢٣).
(٤) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٢٨).
(٥) «عقيدة الموحدين والرد على الضلال والمبتدعين» (ص: ١٨).
(٦) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٣٨).
(٧) رواه البخاري (٣٤٨١).
[ ١ / ٤٣٦ ]
- قال الحافظ ابن عبد البر – ﵀ -: (اختلف العلماء في معناه، فقال منهم قائلون: هذا رجل جهل بعض صفات الله ﷿ وهي القدرة، فلم يعلم أن الله على ما يشاء قدير. قالوا: ومن جهل صفة من صفات الله ﷿ وآمن بسائر صفاته وعرفها، لم يكن بجهل بعض صفات الله كافرًا، قالوا: وإنما الكافر من عاند الحق لا من جهله. وهذا قول المتقدمين من العلماء ومن سلك سبيلهم من المتأخرين) (١). ثم قال: (وأما جهل هذا الرجل المذكور في هذا الحديث بصفة من صفات الله في علمه وقدرته، فليس ذلك بمخرجه من الإيمان) (٢)؛ ثم استدل على ما ذهب إليه بحال الصحابة – ﵃ -، حيث كانوا يسألون عن القدر، كقولهم: يا رسول الله، أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ (٣)، ثم قال: (ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك وهم جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين، أو يكونوا في حين سؤالهم عنه غير مؤمنين ولم يضرهم جهلهم به قبل أن يعلموه. ولو كان لا يسعهم جهله وقتا من الأوقات، لعلمهم ذلك مع الشهادتين بالإيمان، وأخذ ذلك عليهم في حين إسلامهم) (٤).
- وقال الإمام الخطابي – ﵀ -: (وقد يستشكل هذا، فيقال: كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟، والجواب أنه لم ينكر البعث، وإنما جهل فظن أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب ) (٥).
- وقال الإمام ابن حزم – ﵀ -: (فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله ﷿ يقدر على جمع رماده وإحيائه، وقد غفر له لإقراره وخوفه وجهله) (٦).
- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀-: (فهذا الرجل ظن أن الله لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك وكل واحد من إنكار قدرة الله تعالى وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت، كفر، لكن كان مع إيمانه بالله وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلًا بذلك، ضالًا في هذا الظن مخطئا. فغفر الله له ذلك فغاية ما في الأمر أنه كان رجلًا لم يكن عالمًا بجميع ما يستحقه الله من الصفات، وبتفصيل أنه القادر. وكثير من المؤمنين قد يجهل ذلك، فلا يكون كافرًا) (٧).
- واستشهد الحافظ ابن القيم – ﵀ بهذا الحديث عند حديثه عن كفر الجحود، فاستثنى منه من جحد صفة وصف الله بها نفسه جهلا، فقال: (كحديث الذي جحد قدرة الله عليه، وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح. ومع هذا فقد غفر الله له ورحمه لجهله؛ إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه، ولم يجحد قدرة الله على إعادته عنادًا أو تكذيبًا) (٨).
- وقال الإمام ابن الوزير: (وأما جهله بقدرة الله تعالى على ما ظنه محالًا، فلا يكون كفرا، إلا لو علم أن الأنبياء جاؤوا بذلك، وأنه ممكن مقدور ثم كذبهم أو أحدًا منهم) (٩).
- وقال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (فهذا الرجل اعتقد أنه إذا فعل بعد ذلك، لا يقدر الله على بعثه – جهلًا منه لا كفرًا ولا عنادًا -، فشك في قدرة الله على بعثه. ومع هذا غفر له ورحمه) (١٠).
_________________
(١) «التمهيد» (١٨/ ٤٢).
(٢) «التمهيد» (١٨/ ٤٦).
(٣) أخرجه الإمام ابن عبد البر في «التمهيد» (١٨/ ٤٧).
(٤) «التمهيد» (١٨/ ٤٦ - ٤٧).
(٥) «فتح الباري» (٦/ ٥٢٢).
(٦) «الفصل» (٣/ ٢٩٦).
(٧) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤٠٩ - ٤١١). وانظر: (٣/ ٢٣١ و١٢/ ٤٩١)، و«الاستقامة» (١/ ١٦٤ - ١٦٥).
(٨) «مدارج السالكين» (١/ ٣٣٨ - ٣٣٩).
(٩) «إيثار الحق على الخلق» (ص: ٣٩٤).
(١٠) «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية» (١/ ٢٤٨).
[ ١ / ٤٣٧ ]
ومن الأدلة على عذر من جهل بعض أسماء الله وصفاته كذلك ما روته أم المؤمنين عائشة – ﵂ – قالت: «ألا أحدثكم عني وعن رسول الله ﷺ؟ قلنا: بلى، قالت: لما كانت ليلتي التي النبي فيها عندي، انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت، فأخذ رداءه رويدًا وانتعل رويدًا، وفتح الباب فخرج، ثم أجافه رويدًا. فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري، ثم انطلقت على أثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت، فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل، فقال: ما لك يا عائش حشياء رائبة؟ قالت: قلت: لا شيء يا رسول الله، قال: لتخبرنني أو ليخبرني اللطيف الخبير، قالت: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأخبرته، قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم. فلهزني في ظهري لهزة فأوجعتني، وقال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله، قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله؟، قال: نعم » (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ -: (فهذه عائشة أم المؤمنين سألت النبي ﷺ: هل يعلم الله كل ما يكتم الناس؟، فقال لها النبي ﷺ: نعم. وهذا يدل على أنها لم تكن تعلم ذلك، ولم تكن قبل معرفتها بأن الله عالم بكل شيء يكتمه الناس كافرة، وإن كان الإقرار بذلك بعد قيام الحجة من أصول الإيمان. وإنكار علمه بكل شيء كإنكار قدرته على كل شيء، هذا مع أنها كانت ممن يستحق اللوم على الذنب، ولهذا لهزها النبي ﷺ، وقال: «أتخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟». وهذا الأصل مبسوط في غير هذا الموضع. فقد تبين أن هذا القول كفر، ولكن تكفير قائله لا يحكم به حتى يكون قد بلغه من العلم ما تقوم به عليه الحجة التي يكفر تاركها) (٢). الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر معاش – ص: ٣٩٩
_________________
(١) رواه مسلم (٩٧٤).
(٢) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٤١٢ - ٤١٣).
[ ١ / ٤٣٨ ]
الفصل الثاني: المسائل المتعلقة بالأسماء الحسنى
المبحث الأول: مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء الحسنى
مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء الحسنى هو مذهبهم في الصفات عمومًا. وذلك أن أسماء الله ﷾ دالة على صفات كماله، فهي مشتقة من الصفات. فهي أسماء وهي أوصاف، وبذلك كانت حسنى.
والذي درج عليه سلف الأمة ومن تابعهم بإحسان واتفقوا عليه هو: الإقرار والتصديق لآيات الأسماء الصفات وأحاديثها، وإمرارها كما جاءت وإثباتها، دون تشبيه، أو تعطيل، أو تحريف، أو تأويل.
وإليك بعض النقول عنهم التي تثبت ذلك:
١ - قال أحمد الدروقي: سمعت وكيعًا يقول: نسلم هذه الأحاديث كما جاءت ولا نقول كيف كذا، ولا لم كذا، يعني مثل حديث: (يحمل السماوات على إصبع) (وقلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن) (١).
٢ - عن يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول وقد سئل عن صفات الله وما يؤمن به فقال:
(لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه أمته لا يسع أحدًا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها، لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله ﷺ القول بها فيما روى عنه العدول.
فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، أما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية والفكر، ولا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها.
وتثبت هذه الصفات وينفى عنها التشبيه كما نفى التشبيه عن نفسه فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١]) (٢).
٣ - وقال في الرسالة: ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته الذي هو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه (٣).
٤ - وعن محمد بن إسماعيل الترمذي: سمعت نعيم بن حماد يقول:
(من شبه الله بخلقه فقد كفر. ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر. وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيهًا) اهـ (٤).
وقال الترمذي بعد روايته لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم كما يربى أحدكم مهرة ..» (٥) الحديث.
(وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا، ويؤمن بها، ولا يتوهم ولا يقال كيف.
هكذا روي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك، أنهم قالوا في هذا الحديث: أمروها بلا (كيف)، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة) (٦).
وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا هذا تشبيه.
وقد ذكر الله ﵎ في غير موضع من كتابه اليد، والسمع، والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات، وفسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده. وقالوا: إنما معنى اليد القوة.
وقال إسحاق بن إبراهيم (هو ابن راهويه): إنما يكون التشبيه إذا قال:
_________________
(١) رواه عبدالله بن أحمد في «السنة» (١/ ٢٦٧).
(٢) رواه ابن قدامة في «إثبات صفة العلو» (ص: ١٢٤).
(٣) «الرسالة» (ص: ٦).
(٤) رواه الذهبي في «العلو» (ص: ٧٥)، وصححه الألباني في «مختصر العلو».
(٥) رواه الترمذي (٦٦٢)، وأحمد (٢/ ٤٧١) (١٠٠٩٠)، والبخاري في «العلل الكبير» (١٠٧). وقال: [روي] عن عائشة وعن أبي هريرة أصح، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٢/ ١١٩). والحديث أصله في البخاري ومسلم.
(٦) «سنن الترمذي» (٣/ ٥٠).
[ ١ / ٤٣٩ ]
يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع. فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع فهذا تشبيه، وأما إذا قال كما قال الله يد، وسمع، وبصر، ولا يقول: (كيف) ولا يقول: مثل سمع ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهًا وهو كما قال الله تبارك في كتابه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١] (١).
وهذا ما ذهب إليه أبو الحسن على بن إسماعيل الأشعري الذي رجع إلى مذهب أهل السنة والجماعة، وترك ما كان عليه من علم الكلام المبتدع المخالف لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ (٢).
قال ﵀ في كتابه (اختلاف المصلين ومقالات المسلمين) بعد أن ذكر فرق الخوارج والروافض والجهمية وغيرهم:
(ذكر مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث).
جملة قولهم: الإقرار بالله، وملائكته، وكتبه. ورسله، وبما جاء عن الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ، لا يردون من ذلك شيئًا.
وأن الله على عرشه كما قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، وأن له يدين بلا (كيف) كما قال: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.
وأن أسماء الله لا يقال إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج.
وأقروا أن لله علمًا كما قال: أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ.
وأثبتوا السمع، والبصر، ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة.
إلى آخر كلامه في إثبات الصفات (٣).
وهذه العقيدة هي التي كان عليها النبي ﷺ وأصحابه ﵃ أجمعين، وهي التي تلقاها التابعون منهم، وتواصوا بها جيلًا بعد جيل، محذرين بعضهم البعض من مخالفتها والشطط عنها.
ودان بهذه العقيدة أئمة السلف الماضين من المحدثين، والفقهاء، والمفسرين، واللغويين، والمصنفين.
كيف لا، والله قد زكى اعتقاد نبيه ﷺ وأصحابه ﵃ أجمعين بقوله جل ثناؤه: فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ [البقرة: ١٣٧ - ١٣٨].
فمذهب أهل الحق إثبات الأسماء الحسنى والواردة بالكتاب العزيز، وبالسنة المطهرة، والإيمان بها، وبما دلت عليه من المعاني، والإيمان بما تعلقت بها من الآثار.
فمثلا نؤمن بأن الله سبحانه (رحيم) ومعناه: أنه ذو رحمة، ومن أثار هذا الاسم: أنه يرحم من يشاء.
مثال ثان: نؤمن بأن الله (قدير) ومعناه: أنه ذو قدرة، ومن آثار هذا الاسم: أنه على كل شيء قدير، وهذا القول في جميع الأسماء. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود - ص ١٩
_________________
(١) «سنن الترمذي» (٣/ ٥٠).
(٢) انظر: «تبيين كذب المفتري» لابن عساكر (ص: ٣٨)، «وفيات الأعيان» لابن خلكان (٣/ ٢٨٥)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١١/ ٢١٢)، «العلو للعلي الغفار» للذهبي (ص: ٢٢١)،
(٣) «انظر مقالات الإسلاميين» من ص (٢٩٠).
[ ١ / ٤٤٠ ]
المبحث الثاني: مسألة الاسم عين المسمى أو غيره
هذه المسألة من المسائل الحادثة التي لم يعرفها السلف الأوائل من الصحابة والتابعين، ولم ينقل عنهم أنهم خاضوا فيها، كما قال ابن جرير رحمه الله تعالى: ثم حدث في دهرنا هذا حماقات خاض فيها أهل الجهل والغباء، ونوكي الأمة، والرعاع، يتعب إحصاؤها ويمل تعدادها، فيها القول في اسم الشيء، أهو هو أم هو غيره.
وقال: وأما القول في الاسم أهو المسمى أم غير المسمى، فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيتبع، ولا قول من إمام فيستمع، فالخوض فيه شين والصمت عنه زين. اهـ (١).
ولكن لما كان الكلام في هذا الأمر مستمرًا من أهل البدع والضلالات، اضطر أهل السنة للرد على هؤلاء، وتفنيد أقوالهم الباطلة المخالفة لكتاب الله وسنة نبيه، وبيان الحق في هذه المسألة.
وقبل أن ندخل في بيان هذه المسألة لنتعرف على المعنى اللغوي للفظة (اسم).
قال الزجاج: معنى قولنا اسم هو مشتق من السمو وهو الرفعة، والأصل فيه: سمو مثل قنو وأقناء.
وقال الجوهري مثله.
قال ابن سيده: والاسم اللفظ الموضوع على الجوهر أو العرض لتفصل به بعضه من بعض كقولك مبتدئا: اِسم هذا كذا، وإن شئت قلت: اُسم هذا كذا.
وقال أبو العباس: الاسم رسم وسمة توضع على الشيء تعرف به.
قال الأزهري: ومن قال إن اسمًا مأخوذ من وسمت فهو غلط. لأنه لو كان اسم من سمته لكان تصغيره وسيمًا مثل تصغير عدةٍ وصلة وما أشبهها.
قال ابن تيمية: وهو مشتق من (السمو) وهو العلو كما قال النحاة البصريون، وقال النحاة الكوفيون هو مشتق من (السمة) وهي العلامة، وهذا صحيح في (الاشتقاق الأوسط) وهو ما يتفق فيه حروف اللفظين دون ترتيبهما، فإنه في كليهما (السين والميم والواو) والمعنى صحيح، فإن السمة والسيما: العلامة، ومنه يقال: وسمته اسمه كقوله: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم: ١٦]. ومنه التوسم كقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ [الحجر: ٧٥].
لكن اشتقاقه من (السمو) هو الاشتقاق الخاص الذي يتفق فيه اللفظان في الحروف، وترتيبها، ومعناه أخص وأتم، فإنهم يقولون في تصريفه: سميت، ولا يقولون وسمت، وفي جمعه أسماء لا أوسام، وفي تصغيره سمي لا وسيم. ويقال لصاحبه مسمى لا يقال موسوم، وهذا المعنى أخص. فإن (العلو) مقارن (للظهور)، كلما كان الشيء أعلى كان أظهر.
فالاسم يظهر به المسمى ويعلو، فيقال للمسمى: سمه أي أظهره، وأعله أي أعل ذكره بالاسم الذي يذكر به، لكن تارة بما يحمد به ويذكر تارة بما يذم به، كما قال تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا [مريم: ٥٠]. وقال وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح:٤] وقال وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ [الصافات٧٨:- ٧٩].
وقال في النوع المذموم: وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ [القصص: ٤٢]. وقال تعالى: نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [القصص: ٣]، فكلاهما ظهر ذكره، لكن هذا إمام في الخير، وهذا إمام في الشر.
وما ليس له اسم، فإنه لا يذكر، ولا يظهر، ولا يعلو ذكره، بل هو كالشيء الخفي الذي لا يعرف، ولهذا يقال: الاسم دليل على المسمى، وعلم على المسمى ونحو ذلك.
ولهذا كان (أهل الإسلام والسنة) الذين يذكرون أسماء الله يعرفونه، ويعبدونه، ويحبونه، ويذكرونه، ويظهرون ذكره.
_________________
(١) «صريح السنة» (١٧، ٢١).
[ ١ / ٤٤١ ]
والملاحدة: الذين ينكرون أسماءه، وتعرض قلوبهم عن معرفته وعبادته، ومحبته وذكره، حتى ينسوا ذكره نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧]، وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر: ١٩]. وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ [الأعراف: ٢٠٥].
والاسم يتناول اللفظ والمعنى المتصور في القلب، قد يراد به مجرد اللفظ، وقد يراد به مجرد المعنى فإنه من الكلام، والكلام اسم للفظ والمعنى، وقد يراد به أحدهما، ولهذا كان من ذكر الله بقلبه أو لسانه فقد ذكره، لكن ذكره بهما أتم.
والله تعالى قد أمر بتسبيح اسمه، وأمر بالتسبيح باسمه، كما أمر بدعائه بأسمائه الحسنى، فيدعى بأسمائه الحسنى، ويسبح اسمه، وتسبيح اسمه هو تسبيح له، إذ المقصود بالاسم المسمى، كما أن دعاء الاسم هو دعاء المسمى. قال تعالى: قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا [الإسراء: ١١٠] (١).
بيان المسألة: قال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية رحمه الله تعالى:
(فصل في الاسم والمسمى، هل هو هو أو غيره؟ أولا يقال هو هو، ولا يقال هو غيره؟ أو هو له؟ أو يفصل في ذلك؟
فإن الناس قد تنازعوا في ذلك، والنزاع اشتهر بعد الأئمة، بعد أحمد وغيره، والذي كان معروفًا عند (أئمة السنة) أحمد وغيره: الإنكار على الجهمية الذين يقولون أسماء الله مخلوقة، ويقولون: الاسم غير المسمى، وأسماء الله غيره، وما كان غيره فهو مخلوق.
وهؤلاء هم الذين ذمهم السلف وغلظوا فيهم القول، لأن أسماء الله من كلامه، وكلام الله غير مخلوق، بل هو المتكلم به، وهو المسمى لنفسه بما فيه من الأسماء.
والجهمية يقولون: كلامه مخلوق، وأسماؤه مخلوقة، وهو نفسه لم يتكلم بكلام يقوم بذاته، ولا سمى نفسه باسم هو المتكلم به، بل قد يقولون: إنه تكلم به وسمى نفسه بهذه الأسماء، بمعنى أنه خلقها في غيره، لا بمعنى أنه نفسه تكلم بها الكلام القائم به، فالقول في أسمائه هو نوع من القول في كلامه). اهـ (٢).
ويقول شارح العقيدة الطحاوية:
(طالما غلط كثير من الناس في ذلك وجهلوا الصواب فيه. فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى.
فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك فهذا المراد به المسمى نفسه.
وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحيم من أسماء الله تعالى ونحو ذلك، فالاسم ها هنا هو المراد لا المسمَّى، ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال.
فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق. وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه أسماء أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى) اهـ (٣).
وزيادة في الإيضاح نقول إن الاسم يأتي في مواضع من الكلام ويراد به التسمية:
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٠٧) باختصار.
(٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٨٥).
(٣) «العقيدة الطحاوية» (١٣١).
[ ١ / ٤٤٢ ]
بوب لذلك البخاري في كتاب التوحيد: باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها، وخرج بعدة أحاديث منها: الذكر الذي يقال عند النوم «باسمك ربي وضعت جنبي ..» (١)، وحديث أنس في التسمية عند الذبح (٢)، وحديث ابن عمر في النهي عن الحلف إلا بالله (٣).
قال ابن بطال: (مقصوده بهذه الترجمة تصحيح القول بأن الاسم هو المسمى، فلذلك صحت الاستعاذة بالاسم كما صحت بالذات) اهـ (٤).
وجاء في القرآن الكريم الأمر بتنزيه الاسم في قوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وقوله: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ، وقوله: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ فدل هذا على أنه أمر بتسبيح الله تعالى، ودل العقل على أن المسبح هو الله تعالى لا غيره. لأن تسبيح الاسم وذكره هو تسبيح المسمَّى وذكره.
فإن المسبح والذاكر إنما يسبح اسمه ويذكر اسمه، فيقول: (سبحان ربي الأعلى) فهو نطق بلفظ ربي الأعلى، والمراد هو المسمى بهذا اللفظ، فتسبيح الاسم هو تسبيح المسمَّى.
ويأتي في موضع آخر ويراد به الاسم نفسه:
كحديث أنس أن النبي ﷺ: «اتخذ خاتمًا من فضة ونقش فيه: محمد رسول الله» (٥)، فالمراد هنا نقش الاسم والتسمية.
وقول النبي ﷺ: «يقول الله تعالى: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه» (٦)، فمعلوم أن المراد تحرك شفتاه بذكر اسم الله وهو القول ليس المراد أن الشفتين تتحرك بنفسه تعالى (٧).
وكذا حديث «إن لله تسعة وتسعين اسما» (٨) المراد به التسمية.
وأهل السنة والجماعة الذين قالوا بأن الاسم هو المسمى، لا ينازعون في أن الاسم غير المسمى من جهة أن الأسماء أقوال، وأنها ليست هي المسميات فهذا لا ينازع فيه أحد من العقلاء.
لكنهم قالوا ذلك (أي أن الاسم هو المسمى) ردًا على الجهمية والمعتزلة الذين قالوا: إن الاسم غير المسمى، ويقصدون أن أسماء الله غيره، وما كان غيره فهو مخلوق، وأن الله كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه أسماء، وهذا كله من الباطل المعلوم شرعًا وعقلًا.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٣٢٠)، ومسلم (٢٧١٤). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) الحديث رواه البخاري (٥٥٦٥)، ومسلم (١٩٦٦).
(٣) الحديث رواه أبو داود (٣٢٥١) والترمذي (١٥٣٥) وأحمد (٢/ ١٢٥) (٦٠٧٣) وابن حبان (١٠/ ١٩٩) والحاكم (٤/ ٣٣٠) من حديث عبد الله بن عمر، والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي هذا حديث حسن، وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وصححه ابن الملقن في «البدر المنير» (٩/ ٤٥٩) وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد»: إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».
(٤) «شرح صحيح البخاري» (١٠/ ٤٢٣).
(٥) رواه البخاري (٥٨٧٧)، ومسلم (٢٠٩٢).
(٦) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٧٥٢٤)، ورواه موصولًا ابن ماجه (٣٧٩٢)، وأحمد (٢/ ٥٤٠) (١٠٩٨٩)، وابن حبان (٣/ ٩٧) (٨١٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٣٩١) (٥٠٩)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٢/ ٧٠). من حديث أبي هريرة ﵁. قال ابن عساكر: [له متابعة]، وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٢٤١): هذا إسناد حسن، وقال ابن حجر في «بلوغ المرام» (٤٥٢): ذكره البخاري تعليقًا وصححه ابن حبان، وانظر: «تغليق التعليق» لابن حجر (٥/ ٣٦٢).
(٧) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٩٨).
(٨) رواه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧). من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٤٤٣ ]
وهناك قول آخر في هذه المسألة ينقل عن أهل السنة وهو أن (الاسم للمسمى) ذكره ابن جرير حيث قال: (وحسب امرئ من العلم به، والقول فيه، أن ينتهي إلى قول الله ﷿ ثناؤه الصادق وهو قوله: قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا [الإسراء: ١١٠] (١). وقوله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠]) اهـ (٢).
شناعة قول الجهمية في هذه المسألة:
قال ابن أبي حاتم في كتاب (الرد على الجهمية): ذكر نعيم بن حماد أن الجهمية قالوا: إن أسماء الله مخلوقة، لأن الاسم غير المسمى، وادعوا أن الله كان ولا وجود لهذه الأسماء ثم خلقها ثم تسمى بها.
قال: قلنا لهم إن الله قال: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وقال: ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فأخبر أنه المعبود، ودل كلامه على اسمه بما دل به على نفسه، فمن زعم أن اسم الله مخلوق فقد زعم أن الله أمر نبيه أن يسبح مخلوقًا.
ونقل عن إسحاق بن راهويه عن الجهمية أن جهمًا قال: لو قلت إن لله تسعًا وتسعين اسمًا لعبدت تسعة وتسعين إلهًا. قال: فقلنا لهم عن الله أمر عباده أن يدعوه بأسمائه فقال وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا والأسماء جمع أقله ثلاثة، ولا فرق في الزيادة على الواحد بين الثلاثة وبين التسعة والتسعين (٣).
وقالت الجهمية لمن قال: إن الله لم يزل بأسمائه وصفاته: قلتم بقول النصارى حيث جعلوا معه غيره.
فأجابوا (أي أهل السنة): بأنا نقول إنه واحد بأسمائه وصفاته فلا نصف إلا واحدًا بصفاته كما قال تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وصفه بالوحدة مع أنه كان له لسان، وعينان، وأذنان، وسمع، وبصر، ولم يخرج بهذه الصفات عن كونه واحد، ولله المثل الأعلى (٤).
وقال الشافعي: (من حلف باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة، لأن اسم الله غير مخلوق، ومن حلف بالكعبة أو بالصفا والمروة فليس عليه الكفارة، لأنه مخلوق، وذاك غير مخلوق) (٥). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود -٢٣
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٠٧) باختصار.
(٢) «صريح السنة» (٢٧).
(٣) «الفتح» (١٣/ ٣٧٨).
(٤) «الفتح» (١٣/ ٣٨١).
(٥) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٢/ ٢١١)، والذهبي في «العلو» (ص: ١٦٦).
[ ١ / ٤٤٤ ]
المبحث الثالث: قواعد في أسماء الله تعالى
القاعدة الأولى:
أسماء الله تعالى كلها حسنى
أي بالغة في الحسن غايته، قال الله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى [الأعراف:١٨٠] وذلك لأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، لا احتمالًا ولا تقديرًا مثال ذلك: "الحي" اسم من أسماء الله تعالى، متضمن للحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال الحياة المستلزمة لكمال الصفات من العلم، والقدرة، والسمع، والبصر وغيرها ومثال آخر: "العليم" اسم من أسماء الله متضمن للعلم الكامل، الذي لم يسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان، قال الله تعالى عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى [طه:٥٢] العلم الواسع المحيط بكل شيء جملة وتفصيلًا، سواء ما يتعلق بأفعاله، أو أفعال خلقه، قال الله تعالى: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [الأنعام:٥٩] وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [هود:٦] يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [التغابن:٤] ومثال ثالث: "الرحمن" اسم من أسماء الله تعالى متضمن للرحمة الكاملة، التي قال عنها رسول الله ﷺ «لله أرحم بعباده من هذه بولدها» (١) يعني أم صبي وجدته في السبي فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته، ومتضمن أيضًا للرحمة الواسعة التي قال الله عنها: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:١٥٦] وقال عن دعاء الملائكة للمؤمنين: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا [غافر:٧] والحسن في أسماء الله تعالى يكون باعتبار كل اسم على انفراده، ويكون باعتبار جمعه إلى غيره، فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمال فوق كمال مثال ذلك: "العزيز الحكيم" فإن الله تعالى يجمع بينهما في القرآن كثيرًا فيكون كل منهما دالًا على الكمال الخاص الذي يقتضيه، وهو العزة في العزيز، والحكم والحكمة في الحكيم، والجمع بينهما دال على كمال آخر وهو أن عزته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظلمًا وجورًا وسوء فعل، كما قد يكون من أعزاء المخلوقين، فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم، فيظلم ويجور ويسيء التصرف وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعز الكامل بخلاف حكم المخلوق وحكمته فإنهما يعتريهما الذل القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص٩
_________________
(١) رواه البخاري (٥٩٩٩) ومسلم (٢٧٥٤). من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
[ ١ / ٤٤٥ ]
القاعدة الثانية:
أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف
أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني، وهي بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد، وهو الله – ﷿ – وبالاعتبار الثاني متباينة لدلالة كل واحد منهما على معناه الخاص فـ "الحي، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم" كلها أسماء لمسمى واحد، وهو الله ﷾، لكن معنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، وهكذا.
وإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف، لدلالة القرآن عليه كما في قوله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس:١٠٧] وقوله: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف:٥٨] فإن الآية الثانية دلت على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة ولإجماع أهل اللغة والعرف أنه لا يقال: عليم إلا لمن له علم، ولا سميع إلا لمن له سمع، ولا بصير إلا لمن له بصر، وهذا أمر أبين من أن يحتاج إلى دليل وبهذا علم ضلال من سلبوا أسماء الله تعالى معانيها من أهل التعطيل وقالوا: إن الله تعالى سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعزيز بلا عزة وهكذا وعللوا ذلك بأن ثبوت الصفات يستلزم تعدد القدماء وهذه العلة عليلة بل ميتة لدلالة السمع (١) والعقل على بطلانها أما السمع: فلأن الله تعالى وصف نفسه بأوصاف كثيرة، مع أنه الواحد الأحد فقال تعالى: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ [البروج:١٢ - ١٦] وقال تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى [الأعلى:١ - ٥] ففي هذه الآيات الكريمة أوصاف كثيرة لموصوف واحد، ولم يلزم من ثبوتها تعدد القدماء وأما العقل: فلأن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف، حتى يلزم من ثبوتها التعدد، وإنما هي من صفات من اتصف بها، فهي قائمة به، وكل موجود فلابد له من تعدد صفاته، ففيه صفة الوجود، وكونه واجب الوجود، أو ممكن الوجود، وكونه عينًا قائمًا بنفسه أو وصفًا في غيره وبهذا أيضًا علم أن: "الدهر" ليس من أسماء الله تعالى؛ لأنه اسم جامد لا يتضمن معنى يلحقه بالأسماء الحسنى، ولأنه اسم للوقت والزمن، قال الله تعالى عن منكري البعث: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ [الجاثية:٢٤] يريدون مرور الليالي والأيام فأما قوله ﷺ: «قال الله – ﷿ -: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار» (٢) فلا يدل على أن الدهر من أسماء الله تعالى؛ وذلك أن الذين يسبون الدهر إنما يريدون الزمان الذي هو محل الحوادث، لا يريدون الله تعالى، فيكون معنى قوله: "وأنا الدهر" ما فسره بقوله: "بيدي الأمر أقلب الليل والنهار"، فهو سبحانه خالق الدهر وما فيه، وقد بين أنه يقلب الليل والنهار، وهما الدهر، ولا يمكن أن يكون المقلب (بكسر اللام) هو المقلب (بفتحها) وبهذا تبين أنه يمتنع أن يكون الدهر في هذا الحديث مرادًا به الله تعالى القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص١١
_________________
(١) السمع هو القرآن والسنة، وسيمر بك هذا التعبير كثيرًا فانتبه له.
(٢) رواه البخاري (٤٨٢٦) ومسلم (٢٢٤٦). من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٤٤٦ ]
القاعدة الثالثة:
أسماء الله تعالى إن دلت على وصف متعد، تضمنت ثلاثة أمور
أحدها: ثبوت ذلك الاسم لله ﷿ الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله ﷿ الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها ولهذا استدل أهل العلم على سقوط الحد عن قطاع الطريق بالتوبة، استدلوا على ذلك بقوله تعالى: إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المائدة:٣٤] لأن مقتضى هذين الاسمين أن يكون الله تعالى قد غفر لهم ذنوبهم، ورحمهم بإسقاط الحد عنهم مثال ذلك: "السميع" يتضمن إثبات السميع اسمًا لله تعالى، وإثبات السمع صفة له وإثبات حكم ذلك ومقتضاه وهو أنه يسمع السر والنجوى كما قال تعالى: وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة:١] دلت على وصف غير متعد تضمنت أمرين: أحدهما: ثبوت ذلك الاسم لله ﷿ الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله ﷿ مثال ذلك:"الحي" يتضمن إثبات الحي اسمًا لله – ﷿ – وإثبات الحياة صفة له القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص١٣
[ ١ / ٤٤٧ ]
القاعدة الرابعة:
دلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة وبالتضمن وبالالتزام
مثال ذلك: (الخالق) يدل على ذات الله، وعلى صفة الخلق بالمطابقة، ويدل على الذات وحدها وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن، ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام ولهذا لما ذكر الله خلق السموات والأرض قال: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:١٢] ودلالة الالتزام مفيدة جدًا لطالب العلم إذا تدبر المعنى ووفقه الله تعالى فهمًا للتلازم، فإنه بذلك يحصل من الدليل الواحد على مسائل كثيرة واعلم أن اللازم من قول الله تعالى، وقول رسول الله ﷺ، إذا صح أن يكون لازمًا فهو حق؛ وذلك لأن كلام الله ورسوله حق، ولازم الحق حق، ولأن الله تعالى عالم بما يكون لازمًا من كلامه وكلام رسوله فيكون مرادًا وأما اللازم من قول أحدٍ سوى قول الله ورسوله، فله ثلاث حالات: الأولى: أن يذكر للقائل ويلتزم به، مثل أن يقول من ينفي الصفات الفعلية لمن يثبتها: يلزم من إثباتك الصفات الفعلية لله – ﷿ – أن يكون من أفعاله ما هو حادث فيقول المثبت: نعم، وأنا ألتزم بذلك فإن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعالًا لما يريد ولا نفاد لأقواله وأفعاله كما قال تعالى: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف:١٠٩] وقال: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [لقمان:٢٧] وحدوث آحاد فعله تعالى لا يستلزم نقصًا في حقه الحال الثانية: أن يذكر له ويمنع اللازم بينه وبين قوله، مثل أن يقول النافي للصفات لمن يثبتها: يلزم من إثباتك أن يكون الله تعالى مشابهًا للخلق في صفاته فيقول المثبت: لا يلزم ذلك، لأن صفات الخالق مضافة إليه لم تذكر مطلقة حتى يمكن ما ألزمت به، وعلى هذا فتكون مختصة به لائقة به، كما أنك أيها النافي للصفات تثبت لله تعالى ذاتًا وتمنع أن يكون مشابهًا للخلق في ذاته، فأي فرق بين الذات والصفات؟! وحكم اللازم في هاتين الحالتين ظاهر الحال الثالثة: أن يكون اللازم مسكوتًا عنه، فلا يذكر بالتزام ولا منع، فحكمه في هذه الحال ألا ينسب إلى القائل، لأنه يحتمل لو ذكر له أن يلتزم به أو يمنع التلازم، ويحتمل لو ذكر له فتبين له لزومه وبطلانه أن يرجع عن قوله؛ لأن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم ولورود هذين الاحتمالين لا يمكن الحكم بأن لازم القول قول فإن قيل: إذا كان هذا اللازم لازمًا من قوله، لزم أن يكون قولًا له، لأن ذلك هو الأصل، لاسيما مع قرب التلازم قلنا: هذا مدفوع بأن الإنسان بشر، وله حالات نفسية وخارجية توجب الذهول عن اللازم، فقد يغفل، أو يسهو، أو ينغلق فكره، أو يقول القول في مضايق المناظرات من غير تفكير في لوازمه، ونحو ذلك القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص١٤
[ ١ / ٤٤٨ ]
القاعدة الخامسة:
أسماء الله تعالى توقيفية، لا مجال للعقل فيها
وعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة، فلا يزاد فيها ولا ينقص؛ لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء، فوجب الوقوف في ذلك على النص لقوله تعالى: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا [الإسراء:٣٦] وقوله: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [الأعراف:٣٣] ولأن تسميته تعالى بما لم يسم به نفسه، أو إنكار ما سمى به نفسه، جناية في حقه تعالى، فوجب سلوك الأدب في ذلك والاقتصار على ما جاء به النص القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص١٦
[ ١ / ٤٤٩ ]
القاعدة السادسة:
أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد معين
لقوله ﷺ في الحديث المشهور: «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» (١) وما استأثر الله تعالى به في علم الغيب لا يمكن لأحدٍ حصره، ولا الإحاطة به فأما قوله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة» (٢) فلا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد، ولو كان المراد الحصر لكانت العبارة: "إن أسماء الله تسعة وتسعون اسمًا من أحصاها دخل الجنة" أو نحو ذلك إذن فمعنى الحديث: أن هذا العدد من شأنه أن من أحصاه دخل الجنة، وعلى هذا فيكون قوله: (من أحصاها دخل الجنة) جملة مكملة لما قبلها، وليست مستقلة، ونظير هذا أن تقول: عندي مائة درهم أعددتها للصدقة، فإنه لا يمنع أن يكون عندك دراهم أخرى لم تعدها للصدقة ولم يصح عن النبي ﷺ تعيين هذه الأسماء، والحديث المروي عنه في تعيينها ضعيف قال شيخ الإسلام ابن تيميه في (الفتاوى) (ص ٣٨٣ جـ٦) من (مجموع ابن قاسم): تعيينها ليس من كلام النبي ﷺ باتفاق أهل المعرفة بحديثه، وقال قبل ذلك ص ٣٧٩: إن الوليد ذكرها عن بعض شيوخه الشاميين كما جاء مفسرًا في بعض طرق حديثه اهـ
وقال ابن حجر في (فتح الباري) (ص٢١٥ جـ١١) ط السلفية: ليست العلة عند الشيخين (البخاري ومسلم)، تفرد الوليد فقط، بل الاختلاف فيه والاضطراب، وتدليسه واحتمال الإدراج أهـ ولما لم يصح تعيينها عن النبي ﷺ اختلف السلف فيه، وروي عنهم في ذلك أنواع وقد جمعت تسعة وتسعين اسمًا مما ظهر لي من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص١٧
_________________
(١) رواه أحمد (١/ ٣٩١) (٣٧١٢)، وأبو يعلى في «المسند» (٩/ ١٩٨)، وابن حبان (٣/ ٢٥٣)، والطبراني (١٠/ ١٦٩) والحاكم (١/ ٦٩٠). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه فإنه مختلف في سماعه عن أبيه. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٣٦): رواه أحمد وأبو يعلى والبزار إلا أنه قال: «وذهاب غمي» مكان «همي» والطبراني ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان. وقال ابن القيم في «شفاء العليل» (٢/ ٧٤٩): صحيح. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٥/ ٢٦٧): إسناده صحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٩٩): صحيح.
(٢) رواه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧). من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٤٥٠ ]
القاعدة السابعة:
الإلحاد في أسماء الله تعالى هو الميل بها عما يجب فيها، وهو أنواع: الأول: أن ينكر شيئًا منها أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام، كما فعل أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم وإنما كان ذلك إلحادًا لوجوب الإيمان بها وبما دلت عليه من الأحكام والصفات اللائقة بالله، فإنكار شيء من ذلك ميل بها عما يجب فيها الثاني: أن يجعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين كما فعل أهل التشبيه، وذلك لأن التشبيه معنى باطل لا يمكن أن تدل عليه النصوص، بل هي دالة على بطلانه، فجعلها دالة عليه ميل بها عما يجب فيها الثالث: أن يسمى الله تعالى بما لم يسم به نفسه، كتسمية النصارى له: (الأب)، وتسمية الفلاسفة إياه (العلة الفاعلة)، وذلك لأن أسماء الله تعالى توقيفية، فتسمية الله تعالى بما لم يسم به نفسه ميل بها عما يجب فيها، كما أن هذه الأسماء التي سموه بها نفسها باطلة ينزه الله تعالى عنها الرابع: أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام، كما فعل المشركون في اشتقاق العزى من العزيز، واشتقاق اللات من الإله، على أحد القولين، فسموا بها أصنامهم؛ وذلك لأن أسماء الله تعالى مختصة به، لقوله تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:١٨٠] وقوله: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [طه:٨] وقوله: لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الحشر:٢٤] فكما اختص بالعبادة وبالألوهية الحق، وبأنه يسبح له ما في السماوات والأرض فهو مختص بالأسماء الحسنى، فتسمية غيره بها على الوجه الذي يختص بالله – ﷿ – ميل بها عما يجب فيها والإلحاد بجميع أنواعه محرم؛ لأن الله تعالى هدد الملحدين بقوله: وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأعراف:١٨٠] ومنه ما يكون شركًا أو كفرًا حسبما تقتضيه الأدلة الشرعية القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص٢٦
[ ١ / ٤٥١ ]
المبحث الرابع: شرح أسماء الله الحسنى
- الله
هو المألوه المعبود، ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، لما اتصف به من صفات الألوهية التي هي صفات الكمال شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٦٢
وهو علم على ذاته ﵎ وكل الأسماء الحسنى تضاف إليه كما قال تعالى: وَلِلّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى [الأعراف:١٨٠] وقال تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [طه:٨] ألا ترى أنك تقول الرحمن من أسماء الله تعالى والرحيم من أسماء الله ونحو ذلك، ولا تقول الله من أسماء الرحمن، وقال النبي: «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة» (١) واختلفوا في كونه مشتقا أو لا، ذهب الخليل وسيبويه وجماعة من أئمة اللغة والشافعي والخطابي وإمام الحرمين ومن وافقهم إلى عدم اشتقاقه لأن الألف واللام فيه لازمة فتقول يا الله ولا تقول يا الرحمن، فلولا أنه من أصل الكلمة لما جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام وقال آخرون إنه مشتق، واختلفوا في اشتقاقه إلى أقوال أقواها أنه مشتق من أله يأله إلهة، فأصل الاسم الإله فحذفت الهمزة وأدغمت اللام الأولى في الثانية وجوبا فقيل الله، ومن أقوى الأدلة عليه قوله تعالى: وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام:٣] مع قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف:٨٤] ومعناه ذو الألوهية التي لا تنبغي إلا له، ومعنى إله يأله إلهة عبد يعبد عبادة فالله المألوه أي المعبود ولهذا الاسم خصائص لا يحصيها إلا الله ﷿، وقيل إنه هو الاسم الأعظم معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص٧٧
_________________
(١) رواه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧). من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٤٥٢ ]
- الإله
هو الجامع لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال، فقد دخل في هذا الاسم جميع الأسماء الحسنى، ولهذا كان القول الصحيح أن (الله) أصله (الإله) وأن اسم (الله) هو الجامع لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى والله أعلم قال الله تعالى: إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلًا [النساء:١٧١] شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٨٨
[ ١ / ٤٥٣ ]
- الأكبر
(الأكبر) الذي السموات والأرض وما فيهن وما بينهما في كفه كخردلة في كف آحاد عباده له العظمة والكبرياء وهو أكبر كل شيء شهادة لا منازع له في عظمته وكبريائه ولا ينبغي العظمة والكبرياء إلا له ومن نازعه في صفة منهما أذاقه عذابه وأحل عليه غضبه ومن يحلل عليه غضبه فقد هوى معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي- ص١٦٣
[ ١ / ٤٥٤ ]
- الأول، والآخر، والظاهر، والباطن
قال الله تعالى: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد:٣] هذه الأسماء الأربعة المباركة قد فسرها النبي ﷺ تفسيرًا جامعًا واضحًا فقال يخاطب ربه: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» (١) إلى آخر الحديث، ففسر كل اسم بمعناه العظيم، ونفى عنه ما يضاده وينافيه فتدبَّر هذه المعاني الجليلة الدالّة على تفرد الرب العظيم بالكمال المطلق والإحاطة المطلقة الزمانية في قوله (الأول والآخر) والمكانية في (الظاهر والباطن) فالأول يدل على أن كل ما سواه حادث كائن بعد أن لم يكن، ويوجب للعبد أن يلحظ فضل ربه في كل نعمة دينية أو دنيوية، إذ السبب والمسبب منه تعالى والآخر يدل على أنه هو الغاية، والصمد الذي تصمد إليه المخلوقات بتألهها، ورغبتها، ورهبتها، وجميع مطالبها، (والظاهر) يدل على عظمة صفاته واضمحلال كل شيء عند عظمته من ذوات وصفات على علوه، (والباطن) يدل على إطلاعه على السرائر، والضمائر، والخبايا، والخفايا، ودقائق الأشياء، كما يدل على كمال قربه ودنوه ولا يتنافى الظاهر والباطن لأن الله ليس كمثله شيء في كل النعوت شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٧٧
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧١٣). من حديث سهيل بن سعد ﵁.
[ ١ / ٤٥٥ ]
- البر، الوهاب
قال الله تعالى: إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور:٢٨] وقال سبحانه: رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:٨] من أسمائه تعالى (البر الوهاب) الذي شمل الكائنات بأسرها ببره وهباته وكرمه، فهو مولى الجميل ودائم الإحسان وواسع المواهب شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٤٦
[ ١ / ٤٥٦ ]
- البصير
الذي أحاط بصره بجميع المبصرات في أقطار الأرض والسماوات، حتى أخفى ما يكون فيها فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وجميع أعضائها الباطنة والظاهرة وسريان القوت في أعضائها الدقيقة، ويرى سريان المياه في أغصان الأشجار وعروقها وجميع النباتات على اختلاف أنواعها وصغرها ودقتها، ويرى نياط عروق النملة والنحلة والبعوضة وأصغر من ذلك فسبحان من تحيرت العقول في عظمته، وسعة متعلقات صفاته، وكمال عظمته، ولطفه، وخبرته بالغيب، والشهادة، والحاضر والغائب، ويرى خيانات الأعين وتقلبات الأجفان وحركات الجنان، قال تعالى: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:٢١٨ - ٢٢٠]، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:١٩]، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [البروج:٩]، أي مطلع ومحيط علمه وبصره وسمعه بجميع الكائنات (١) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٨٦
_________________
(١) «الحق الواضح المبين» (ص ٣٤ - ٣٦) و«شرح النونية» للهراس (٢/ ٧٢).
[ ١ / ٤٥٧ ]
- التواب
قال الله تعالى: ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم [التوبة:١٠٤] (التواب) الذي لم يزل يتوب على التائبين، ويغفر ذنوب المنيبين فكل من تاب إلى الله توبة نصوحًا، تاب الله عليه فهو التائب على التائبين: أولا بتوفيقهم للتوبة والإقبال بقلوبهم إليه وهو التائب عليهم بعد توبتهم، قبولًا لها، وعفوًا عن خطاياهم (١) وعلى هذا تكون توبته على عبده نوعان: أحدهما: يوقع في قلب عبده التوبة إليه والإنابة إليه، فيقوم بالتوبة وشروطها من الإقلاع عن المعاصي، والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود إليها واستبدالها بعمل صالح والثاني: توبته على عبده بقبولها وإجابتها ومحو الذنوب بها، فإن التوبة النصوح تجبُّ ما قبلها (٢) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٠٩
_________________
(١) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٢٣).
(٢) «الحق الواضح المبين» (ص٧٤).
[ ١ / ٤٥٨ ]
- الحسيب
قال الله تعالى: وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا [النساء:٤] وقال سبحانه: أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:٦٢] والحسيب:
هو الكافي للعباد جميع ما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم من حصول المنافع ودفع المضار
والحسيب بالمعنى الأخص هو الكافي لعبده المتقي المتوكل عليه كفاية خاصة يصلح بها دينه ودنياه
والحسيب أيضًا هو الذي يحفظ أعمال عباده من خير وشر ويحاسبهم، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:٦٤] أي كافيك وكافي أتباعك فكفاية الله لعبده بحسب ما قام به من متابعة الرسول ﷺ ظاهرًا وباطنًا وقيامه بعبودية الله تعالى (١) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٣١
_________________
(١) «الحق الواضح المبين» (ص٧٨) و«شرح النونية» للهراس (٢/ ١٠٣).
[ ١ / ٤٥٩ ]
- الحفيظ
قال الله تعالى: إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [هود:٥٧] (للحفيظ) معنيان: أحدهما: أنه قد حفظ على عباده ما عملوه من خير وشر وطاعة ومعصية، فإن علمه محيط بجميع أعمالهم ظاهرها وباطنها، وقد كتب ذلك في اللوح المحفوظ، ووكل بالعباد ملائكة كرامًا كاتبين يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:١٢] فهذا المعنى من حفظه يقتضي إحاطة علم الله بأحوال العباد كلها ظاهرها وباطنها وكتابتها في اللوح المحفوظ وفي الصحف التي في أيدي الملائكة، وعلمه بمقاديرها، وكمالها ونقصها، ومقادير جزائها في الثواب والعقاب ثم مجازاته عليها بفضله وعدله والمعنى الثاني: من معنيي (الحفيظ) أنه تعالى الحافظ لعباده من جميع ما يكرهون، وحفظه لخلقه نوعان عام وخاص فالعام: حفظه لجميع المخلوقات بتيسيره لها ما يقيتها ويحفظ بنيتها وتمشي إلى هدايته وإلى مصالحها بإرشاده وهدايته العامة التي قال عنها: الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:٥٠] أي هدى كل مخلوق إلى ما قدر له وقضى له من ضروراته وحاجاته، كالهداية للمأكل والمشرب والمنكح، والسعي في أسباب ذلك، وكدفعه عنهم أصناف المكاره والمضار، وهذا يشترك فيه البر والفاجر بل الحيوانات وغيرها، فهو الذي يحفظ السماوات والأرض أن تزولا، ويحفظ الخلائق بنعمه، وقد وكَّل بالآدمي حفظةً من الملائكة الكرام يحفظونه من أمر الله، أي يدفعون عنه كل ما يضره مما هو بصدد أن يضره لولا حفظ الله والنوع الثاني: حفظه الخاص لأوليائه سوى ما تقدم، يحفظهم عما يضر إيمانهم أو يزلزل إيقانهم من الشبه والفتن والشهوات، فيعافيهم منها ويخرجهم منها بسلامة وحفظ وعافية، ويحفظهم من أعدائهم من الجن والإنس، فينصرهم عليهم ويدفع عنهم كيدهم، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:٣٨] وهذا عام في دفع جميع ما يضرهم في دينهم ودنياهم، فعلى حسب ما عند العبد من الإيمان تكون مدافعة الله عنه بلطفه، وفي الحديث: «احفظ الله يحفظك» (١) أي احفظ أوامره بالامتثال، ونواهيه بالاجتناب، وحدوده بعدم تعدِّيها، يحفظك في نفسك، ودينك، ومالك، وولدك، وفي جميع ما آتاك الله من فضله (٢) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١١٢
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١/ ٢٩٣) (٢٦٦٩)، والحاكم (٣/ ٦٢٣). من حديث ابن عباس ﵄. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث كبير عال من حديث عبد الملك بن عمير عن ابن عباس ﵄ إلا أن الشيخين ﵄ لم يخرجا شهاب بن خراش ولا القداح في الصحيحين وقد روي الحديث بأسانيد عن ابن عباس غير هذا. وقال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (١/ ٤٩٥): حسن جيد. وقال ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ٣٢٧): حسن. وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (١٨٨): حسن وله شاهد. وقال الصنعاني في «سبل السلام» (٤/ ٢٦٧): إسناده حسن. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٤/ ٢٣٣): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.
(٢) «الحق الواضح المبين» (ص٦٠ - ٦١).
[ ١ / ٤٦٠ ]
- الحق
الله ﷿ هو الحق في ذاته وصفاته كامل الصفات والنعوت، وجوده من لوازم ذاته ولا وجود لشيء من الأشياء إلا به فهو الذي لم يزل، ولا يزال، بالجلال، والجمال، والكمال موصوفًا ولم يزل ولا يزال بالإحسان معروفًا فقوله حق، وفعله حق، ولقاؤه حق، ورسله حق، وكتبه حق، ودينه هو الحق، وعبادته وحده لا شريك له، هي الحق، وكل شيء ينسب إليه، فهو حق (١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:٦٢] وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ [الكهف:٢٩] فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ [يونس:٣٢] وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [الإسراء:٨١] وقال الله تعالى: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [النور:٢٥] فأوصافه العظيمة حق، وأفعاله هي الحق، وعبادته هي الحق، ووعده حق، ووعيده وحسابه هو العدل الذي لا جور فيه (٢) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٧٦
_________________
(١) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٣١ - ٦٣٢) بتصرف يسير.
(٢) «تفسير السعدي» (٥/ ٤٠٥) و«تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٣/ ٢٧٧).
[ ١ / ٤٦١ ]
- الحكم
قال الله تعالى: فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [الأعراف:٨٧] وقال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ [الأنعام:١١٥] وقال تعالى: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ [النحل:٩٠] وقال ﷺ: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم» (١) وقال تعالى: أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا الآية [الأنعام:١١٤] والله سبحانه هو الذي يحكم بين عباده في الدنيا والآخرة بعدله وقسطه فلا يظلم مثقال ذرة، ولا يحمل أحدًا وزر أحد، ولا يجازي العبد بأكثر من ذنبه ويؤدي الحقوق إلى أهلها فلا يدع صاحب حق إلا وصل إليه حقه وهو العدل في تدبيره وتقديره (٢) وهو سبحانه موصوف بالعدل في فعله، وأفعاله كلها جارية على سنن العدل والاستقامة ليس فيها شائبة جور أصلًا، فهي كلها بين الفضل والرحمة، وبين العدل والحكمة وما ينزله سبحانه بالعصاة والمكذبين من أنواع الهلاك والخزي في الدنيا، وما أعده لهم من العذاب المهين في الآخرة فإنما فعل بهم ما يستحقونه فإنه لا يأخذ إلا بذنب، ولا يعذب إلا بعد إقامة الحجة، وأقواله كلها عدل، فهو لا يأمرهم إلا بما فيه مصلحة خالصة أو راجحة ولا ينهاهم إلا عما مضرته خالصة أو راجحة وكذلك حكمه بين عباده يوم فصل القضاء، ووزنه لأعمالهم عدل لا جور فيه كما قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:٤٧] وهو سبحانه (الحكم) بالعدل في وصفه وفي فعله وفي قوله وفي حكمه بالقسط وهذا معنى قوله: إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [هود:٥٦] فإن أقواله صدق، وأفعاله دائرة بين العدل والفضل، فهي كلها أفعال رشيدة وحكمه بين عباده فيما اختلفوا فيه أحكام عادلة لا ظلم فيها بوجه من الوجوه، وكذلك أحكام الجزاء والثواب والعقاب شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٣٧
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٩٥٥)، والنسائي (٨/ ٢٢٦). من حديث هانئ بن يزيد ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
(٢) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٢٧).
[ ١ / ٤٦٢ ]
- الحليم
قال الله تعالى: وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [البقرة:٢٣٥] الذي يَدِرُّ على خلقه النعم الظاهرة والباطنة، مع معاصيهم وكثرة زلاتهم، فيحلم عن مقابلة العاصين بعصيانهم ويستعتبهم كي يتوبوا، ويمهلهم كي ينيبوا (١) وهو الذي له الحلم الكامل الذي وسع أهل الكفر والفسوق والعصيان، حيث أمهلهم ولم يعاجلهم بالعقوبة ليتوبوا ولو شاء لأخذهم بذنوبهم فور صدورها منهم، فإنَّ الذنوب تقتضي ترتب آثارها عليها من العقوبات العاجلة المتنوعة ولكن حلمه سبحانه هو الذي اقتضى إمهالهم (٢) كما قال تعالى: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا [فاطر:٤٥] وقال تعالى: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ [النحل:٦١] شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٠٥
_________________
(١) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٣٠).
(٢) «شرح النونية» للهراس (٢/ ٨٦).
[ ١ / ٤٦٣ ]
- الحميد
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:١٥] ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن الله حميد من وجهين: أحدهما: أن جميع المخلوقات ناطقة بحمده، فكل حمد وقع من أهل السماوات والأرض الأولين منهم والآخرين، وكل حمد يقع منهم في الدنيا والآخرة، وكل حمد لم يقع منهم بل كان مفروضًا ومقدرًا حيثما تسلسلت الأزمان واتصلت الأوقات، حمدًا يملأ الوجود كله العالم العلوي والسفلي، ويملأ نظير الوجود من غير عدٍّ ولا إحصاء، فإن الله تعالى مستحقه من وجوه كثيرة: منها أن الله هو الذي خلقهم، ورزقهم، وأسدى عليهم النعم الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، وصرف عنهم النقم والمكاره، فما بالعباد من نعمة فمن الله، ولا يدفع الشرور إلا هو، فيستحق منهم أن يحمدوه في جميع الأوقات، وأن يثنوا عليه ويشكروه بعدد اللحظات الوجه الثاني: أنه يحمد على ما له من الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا والمدائح والمحامد والنعوت الجليلة الجميلة، فله كل صفة كمال وله من تلك الصفة أكملها وأعظمها، فكل صفة من صفاته يستحق عليها أكمل الحمد والثناء، فكيف بجميع الأوصاف المقدسة، فله الحمد لذاته، وله الحمد لصفاته، وله الحمد لأفعاله، لأنها دائرة بين أفعال الفضل والإحسان، وبين أفعال العدل والحكمة التي يستحق عليها كمال الحمد، وله الحمد على خلقه، وعلى شرعه، وعلى أحكامه القدريَّة، وأحكامه الشرعيَّة، وأحكام الجزاء في الأولى والآخرة، وتفاصيل حمده وما يحمد عليه لا تحيط بها الأفكار، ولا تحصيها الأقلام (١) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٩١
_________________
(١) «الحق الواضح المبين» (ص ٣٩ - ٤٠) و«شرح القصيدة النونية» للهراس (٢/ ٧٥) و«توضيح المقاصد وتصحيح القواعد» (٢/ ٢١٥).
[ ١ / ٤٦٤ ]
- الحي، القيوم
قال الله تعالى: اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:٢٥٥] وقال سبحانه: آلم اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران:٢] وقال ﷿: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا [طه:١١١] وهما من أسماء الله الحسنى و(الحي القيوم) جمعها في غاية المناسبة كما جمعها الله في عدة مواضع في كتابه، وذلك أنهما محتويان على جميع صفات الكمال، فالحي هو كامل الحياة، وذلك يتضمن جميع الصفات الذاتية لله كالعلم، والعزة، والقدرة والإرادة، والعظمة، والكبرياء، وغيرها من صفات الذات المقدسة، والقيوم هو كامل القيومية وله معنيان:
هو الذي قام بنفسه، وعظمت صفاته، واستغنى عن جميع مخلوقاته.
وقامت به الأرض والسماوات وما فيهما من المخلوقات، فهو الذي أوجدها وأمدها وأعدها لكل ما فيه بقاؤها وصلاحها وقيامها، فهو الغني عنها من كل وجه وهي التي افتقرت إليه من كل وجه، فالحي والقيوم من له صفة كل كمال وهو الفعال لما يريد (١) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٥٦
_________________
(١) «الحق الواضح المبين» (٨٧ - ٨٨) وانظر: «شرح النونية» للهراس (٢/ ١٠٩) و«توضيح المقاصد» (٢/ ٢٣٦).
[ ١ / ٤٦٥ ]
- الجبار
قال الله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ [الحشر:٢٣] للجبار ثلاثة معان كلها داخلة باسمه (الجبار):
فهو الذي يجبر الضعيف وكل قلب منكسر لأجله، فيجبر الكسير، ويغني الفقير، وييسر على المعسر كل عسير، ويجبر المصاب بتوفيقه للثبات والصبر ويعوضه على مصابه أعظم الأجر إذا قام بواجبها، ويجبر جبرًا خاصًا قلوب الخاضعين لعظمته وجلاله، وقلوب المحبين بما يفيض عليها من أنواع كراماته وأصناف المعارف والأحوال الإيمانية، فقلوب المنكسرين لأجله جبرها دان قريب وإذا دعا الداعي، فقال: اللهم اجبرني، فإنه يريد هذا الجبر الذي حقيقته إصلاح العبد ودفع المكاره عنه.
والمعنى الثاني: أنه القهار لكل شيء، الذي دان له كل شيء، وخضع له كل شيء
والمعنى الثالث: أنه العلي على كل شيء فصار الجبار متضمنًا لمعنى الرءوف القهار العلي.
وقد يراد به معنى رابع وهو المتكبر عن كل سوء ونقص، وعن مماثلة أحد، وعن أن يكون له كفؤ أو ضد أو سمي أو شريك في خصائصه وحقوقه (١) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٣٠
_________________
(١) «الحق الواضح المبين» (ص٧٧). وانظر: «شرح النونية» للهراس (٢/ ١٠٢) وانظر: «توضيح المقاصد» (٢/ ٢٣٣).
[ ١ / ٤٦٦ ]
- الجميل
قال ﷺ: «إن الله جميل يحب الجمال» (١) فهو سبحانه جميل بذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فلا يمكن مخلوقًا أن يعبر عن بعض جمال ذاته، حتى إن أهل الجنة مع ما هم فيه من النعيم المقيم واللذات والسرور والأفراح التي لا يقدر قدرها إذا رأوا ربهم وتمتعوا بجماله نسوا ما هم فيه من النعيم وتلاشى ما فيه من الأفراح، وودّوا أن لو تدوم هذه الحال، واكتسبوا من جماله ونوره جمالًا إلى جمالهم، وكانت قلوبهم في شوق دائم ونزوع إلى رؤية ربهم، ويفرحون بيوم المزيد فرحًا تكاد تطير له القلوب وكذلك هو الجميل في أسمائه، فإنها كلها حسنى بل أحسن الأسماء على الإطلاق وأجملها، قال تعالى: وَلِلَّهِ الأسماء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ [الأعراف:١٨٠] وقال تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:٦٥] فكلها دالة على غاية الحمد والمجد والكمال، لا يسمى باسم منقسم إلى كمال وغيره وكذلك هو الجميل في أوصافه، فإن أوصافه كلها أوصاف كمال ونعوت ثناء وحمد، فهي أوسع الصفات وأعمها وأكثرها تعلقًا، خصوصًا أوصاف الرحمة، والبر، والكرم، والجود، وكذلك أفعاله كلها جميلة، فإنها دائرة بين أفعال البر والإحسان التي يحمد عليها ويثنى عليه ويشكر، وبين أفعال العدل التي يحمد عليها لموافقتها للحكمة والحمد، فليس في أفعاله عبث، ولا سفه، ولا سدى، ولا ظلم، كلها خير، وهدى، ورحمة، ورشد، وعدل: إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [هود:٥٦] فلكماله الذي لا يحصي أحد عليه به ثناء كملت أفعاله كلها فصارت أحكامه من أحسن الأحكام، وصنعه وخلقه أحسن خلق وصنع: أتقن ما صنعه: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل:٨٨] وأحسن خلقه الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [السجدة:٧] وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:٥٠] والأكوان محتوية على أصناف الجمال، وجمالها من الله تعالى فهو الذي كساها الجمال وأعطاها الحسن، فهو أولى منها لأن معطي الجمال أحق بالجمال، فكل جمال في الدنيا والآخرة باطني وظاهري، خصوصًا ما يعطيه المولى لأهل الجنة من الجمال المفرط في رجالهم ونسائهم، فلو بدا كفُّ واحدة من الحور العين إلى الدنيا، لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم، أليس الذي كساهم ذلك الجمال ومنَّ عليهم بذلك الحسن والكمال أحق منهم بالجمال الذي ليس كمثله شيء فهذا دليل عقلي واضح مسلَّم المقدمات على هذه المسألة العظيمة وعلى غيرها من صفاته، قال تعالى: وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ [النحل:٦٠] فكل ما وجد في المخلوقات من كمال لا يستلزم نقصًا، فإن معطيه وهو الله أحق به من المعطى بما لا نسبة بينهم، كما لا نسبة لذواتهم إلى ذاته وصفاتهم إلى صفاته، فالذي أعطاهم السمع، والبصر، والحياة، والعلم، والقدرة، والجمال، أحق منهم بذلك، وكيف يعبِّر أحد عن جماله وقد قال أعلم الخلق به: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (٢) وقال ﷺ: «حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (٣) فسبحان الله وتقدس عما يقوله الظالمون النافون لكماله علوًا كبيرًا، وحسبهم مقتًا وخسارًا أنهم حرموا من الوصول إلى معرفته والابتهاج بمحبته (٤) قال ﷺ في الحديث الصحيح: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يجعلون له الولد وهو يعافيهم ويرزقهم» (٥) وقال أيضًا في الصحيح: قال الله تعالى: «كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته وأما شتمه إياي فقوله إن لي ولدًا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد» (٦) فالله تعالى يدر على عباده الأرزاق المطيع منهم والعاصي، والعصاة لا يزالون في محاربته وتكذيبه وتكذيب رسله والسعي في إطفاء دينه، والله تعالى حليم على ما يقولون وما يفعلون، يتتابعون في الشرور وهو يتابع عليهم النعم، وصبره أكمل صبر لأنه عن كمال قدرة وكمال غنى عن الخلق وكمال رحمة وإحسان، فتبارك الرب الرحيم الذي ليس كمثله شيء الذي يحب الصابرين ويعينهم في كل أمرهم شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٧٨
_________________
(١) رواه مسلم (٩١). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٢) رواه مسلم (٤٨٦). من حديث عائشة ﵂.
(٣) رواه مسلم (١٧٩). من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٤) توضيح الحق المبين (ص٢٩ - ٣٢) بتصرف يسير.
(٥) رواه البخاري (٧٣٧٨) ومسلم (٢٨٠٤). من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٦) رواه البخاري (٤٩٧٤). من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٤٦٧ ]
- الحيي، الستير
هذا مأخوذ من قوله ﷺ: «إن الله حيي يستحي من عبده إذا مدَّ يديه إليه أن يردهما صفرًا» (١) وقال ﷺ: «إن الله ﷿ حليم، حيي ستير يحب الحياء والستر فإذا اغتسل أحدكم فليستتر» (٢) وهذا من رحمته، وكرمه، وكماله، وحلمه أن العبد يجاهره بالمعاصي مع فقره الشديد إليه، حتى أنه لا يمكنه أن يعصي إلا أن يتقوى عليها بنعم ربه، والرب مع كمال غناه عن الخلق كلهم من كرمه يستحيي من هتكه وفضيحته وإحلال العقوبة به، فيستره بما يقيِّض له من أسباب الستر، ويعفو عنه ويغفر له، فهو يتحبب إلى عباده بالنعم وهم يتبغّضون إليه بالمعاصي، خيره إليهم بعدد اللحظات وشرهم إليه صاعد، ولا يزال الملك الكريم يصعد إليه منهم بالمعاصي وكل قبيح ويستحي تعالى ممن شاب في الإسلام أن يعذبه وممن يمد يديه إليه أن يردهما صفرًا، ويدعو عباده إلى دعائه ويعدهم بالإجابة وهو الحيي الستِّير يحب أهل الحياء والستر، ومن ستر مسلمًا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، ولهذا يكره من عبده إذا فعل معصية أن يذيعها، بل يتوب إليه فيما بينه وبينه ولا يظهرها للناس، وإن من أمقت الناس إليه من بات عاصيًا والله يستره، فيصبح يكشف ستر الله عليه، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [النور:١٩] وهذا كله من معنى اسمه (الحليم) الذي وسع حلمه أهل الكفر والفسوق والعصيان، ومنع عقوبته أن تحل بأهل الظلم عاجلًا، فهو يمهلهم ليتوبوا، ولا يهملهم إذا أصروا واستمروا في طغيانهم ولم ينيبوا شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٨٦
_________________
(١) رواه أبو داود (١٤٨٨)، والترمذي (٣٥٥٦)، وابن ماجه (٣٨٦٥) بلفظ «ربكم حيي كريم»، والحاكم (١/ ٧١٨). من حديث سلمان الفارسي ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب ورواه بعضهم ولم يرفعه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
(٢) رواه أبو داود (٤٠١٢) من غير لفظة «حليم»، والنسائي (١/ ٢٠٠)، وأحمد (٤/ ٢٢٤). من حديث يعلى بن أمية ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال النووي في «الخلاصة» (١/ ٢٠٤)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
[ ١ / ٤٦٨ ]
- الخالق، الخلاق، البارئ، المصوِّر
قال الخطابي: (-الخالق- هو المبدع للخلق المخترع له على غير مثال سابق، قال سبحانه: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر: ٣]. فأما في نعوت الآدميين فمعنى الخلق: التقدير كقوله ﷿: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ [آل عمران: ٤٩] (١) اهـ.
والخلاق: من أفعال المبالغة من الخالق تدل على كثرة خلق الله تعالى وإيجاده، فكم يحصل في اللحظة الواحدة من بلايين المخلوقات التي هي أثر من آثار اسمه سبحانه الخلاق: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ [الحجر: ٨٦].
واسمه سبحانه (الخالق والخلاق) مما أقرت به جميع الأمم مؤمنهم وكافرهم، وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في معرض رده على من قال: أن اسم (الخالق) يثبت له سبحانه مجازًا.
(إنه ليس في المعلومات أظهر من كون الله: (خالقًا)، ولهذا أقرت به جميع الأمم – مؤمنهم وكافرهم – ولظهور ذلك؛ وكون العلم به بديهيًا فطريًا؛ احتج الله به على من أشرك به في عبادته فقال: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزمر: ٣٨]، في غير موضع من كتابه.
فعلم أن كونه سبحانه (خالقًا): من أظهر شيء عند العقول، فكيف يكون الخبر عنه بذلك مجازًا؛ وهو أصل كل حقيقة، فجميع الحقائق تنتهي إلى خلقه وإيجاده، فهو الذي خلق وهو الذي علم، كما قال تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ١ - ٥].
فجميع الموجودات انتهت إلى خلقه وتعليمه، فكيف يكون كونه خالقًا عالمًا مجازًا؟ وإذا كان كونه خالقًا عالمًا مجازًا: لم يبق له فعل حقيقة ولا اسم حقيقة، فصارت أفعاله كلها مجازات، وأسماؤه الحسنى كلها مجازات إلى قوله: فإن جميع أهل الإسلام متفقون على أن الله خالق حقيقة لا مجازًا، بل وعباد الأصنام وجميع الملل) (٢).
وقد ذكر رحمه الله تعالى اسمه سبحانه (الخلاق) في نونيته حيث قال:
(وكذاك يشهد أنه سبحانه الخلاق باعث هذه الأبدان) (٣)
@ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٤٣٣
(الباري) أي المنشئ للأعيان من العدم إلى الوجود والبرء هو الفري وهو التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدر شيئا ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله ﷿ كما قيل: ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري أي أنت تنفذ ما خلقت أي قدرت بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع كل ما يريد فالخلق التقدير، والفري التنفيذ.
(المصور) الممثل للمخلوقات بالعلامات التي يتميز بعضها عن بعض، أي الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها، يقال هذه صورة الأمر أو مثاله فأولا يكون خلقا ثم برءا ثم تصويرا، وهذه الثلاثة الأسماء التي في سورة الحشر في خاتمتها هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى [الحشر:٢٤] قال ابن كثير رحمه الله تعالى: أي الذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون على الصفة التي يريد والصورة التي يختار كقوله تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ [الانفطار:٨] معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي- ص١٦٤
_________________
(١) «شأن الدعاء» (ص: ٤٩).
(٢) «مختصر الصواعق المرسلة» (٢/ ٣٢٨).
(٣) «النونية» البيت رقم (٣٠٨٥).
[ ١ / ٤٦٩ ]
- الرب
قال الله تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام:١٦٤] هو: المربي جميع عباده، بالتدبير، وأصناف النعم وأخص من هذا، تربيته لأصفيائه، بإصلاح قلوبهم، وأرواحهم وأخلاقهم ولهذا كثر دعاؤهم له بهذا الاسم الجليل، لأنهم يطلبون منه هذه التربية الخاصة شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٦١
[ ١ / ٤٧٠ ]
- الرحمن، الرحيم، الكريم، الأكرم
قال الله تعالى: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:٢ - ٣] الآيات، وقال تعالى: وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل:٤٠]، وقال سبحانه: وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ [آل عمران:٣٠] قال العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: الرحمن، الرحيم، والبر، الكريم، الجواد، الروءف، الوهاب – هذه الأسماء تتقارب معانيها، وتدل كلها على اتصاف الرب، بالرحمة، والبر، والجود، والكرم، وعلى سعة رحمته ومواهبه التي عمَّ بها جميع الوجود بحسب ما تقتضيه حكمته وخص المؤمنين منها، بالنصيب الأوفر، والحظ الأكمل، قال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [الأعراف:١٥٦] الآية والنعم والإحسان، كله من آثار رحمته، وجوده، وكرمه وخيرات الدنيا والآخرة، كلها من آثار رحمته (١) وقال ابن تيمية ﵀ في تفسير قوله تعالى: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:١ - ٣] سمَّى ووصف نفسه بالكرم، وبأنه الأكرم بعد إخباره أنه خلق ليتبين أنه ينعم على المخلوقين ويوصلهم إلى الغايات المحمودة كما قال تعالى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى:٢ - ٣]، قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:٥٠]، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [الشعراء:٧٨] فالخلق يتضمن الابتداء والكرم تضمن الانتهاء كما قال في سورة الفاتحة رَبِّ الْعَالَمِينَ ثم قال الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ولفظ الكرم جامع للمحاسن والمحامد لا يراد به مجرد الإعطاء بل الإعطاء من تمام معناه، فإن الإحسان إلى الغير تمام والمحاسن والكرم كثرة الخير ويُسْرَتِه والله سبحانه أخبر أنه الأكرم بصيغة التفضيل والتعريف لها فدل على أنه الأكرم وحده بخلاف لو قال (وربك أكرم) فإنه لا يدل على الحصر وقوله الأَكْرَمُ يدل على الحصر ولم يقل «الأكرم من كذا» بل أطلق الاسم، ليبين أنه الأكرم مطلقًا غير مقيد فدل على أنه متصف بغاية الكرم الذي لا شيء فوقه ولا نقص فيه (٢) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١١٠
(الرحمن الرحيم) اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، ورحمن أشد مبالغة من رحيم فالرحمن يدل على الرحمة العامة كما قال تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] والرحيم يدل على الرحمة الخاصة بالمؤمنين كما قال تعالى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:٤٧] ذكره ابن جرير بسنده عن العزرمي بمعناه وفي الدعاء المأثور «رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما» (٣)، والظاهر المفهوم من نصوص الكتاب والسنة أن اسمه الرحمن يدل على الصفة الذاتية من حيث اتصافه تعالى بالرحمة، واسمه الرحيم يدل على الصفة الفعلية من حيث إيصاله الرحمة إلى المرحوم، فلهذا قال تعالى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:٤٣] إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة:١١٧] ولم يأت قط إنه بهم رحمن، ووصف نبيه محمدًا ﷺ بأنه رؤوف رحيم فقال تعالى: حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة:١٢٨] ولم يصف أحدا من خلقه أنه رحمن فتأمل ذلك، والله أعلم معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص٧٨
_________________
(١) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٢١).
(٢) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٦/ ٢٩٣ - ٢٩٦) بتصرف يسير.
(٣) رواه الطبراني في «المعجم الصغير» بدون لفظة «ورحيمهما» (١/ ٣٣٦). وذكره المنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٥٥) بلفظة «ورحيمهما». من حديث أنس بن مالك ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٨٦): رواه الطبراني في «الصغير» ورجاله ثقات وقال المنذري: رواه الطبراني في «الصغير» بإسنادٍ جيد، وحسنه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٨٢١). والحديث بلفظه قد رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (٢٠/ ١٥٤). من حديث معاذ بن جبل ﵁. بسند فيه ضعف.
[ ١ / ٤٧١ ]
- الرؤوف
قال ابن جرير رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ: (إن الله: بجميع عباده ذو رأفه، والرأفة أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا ولبعضهم في الآخرة) (١).
وقال الخطابي: (-الرؤوف- هو الرحيم العاطف برأفته على عباده، وقال بعضهم: الرأفة أبلغ الرحمة وأرقها، ويقال: إن الرأفة أخص والرحمة أعم، وقد تكون الرحمة في الكراهة للمصلحة، ولا تكاد الرأفة تكون في الكراهة فهذا موضع الفرق بينهما) (٢).
ويؤكد هذا الفرق القرطبي بقوله: (إن الرأفة نعمة ملذة من جميع الوجوه، والرحمة قد تكون مؤلمة في الحال ويكون عقباها لذة، ولذا قال سبحانه: وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [النور: ٢]، ولم يقل: رحمة، فإن ضرب العصاة على عصيانهم رحمة لهم لا رأفة؛ فإن صفة الرأفة إذا انسدلت على مخلوق لم يلحقه مكروه.
فلذلك تقول لمن أصابه بلاء في الدنيا، وفي ضمنه خير في الأخرى: إن الله قد رحمه بهذا البلاء، وتقول لمن أصابه عافية في الدنيا، في ضمنها خير في الأخرى واتصلت له العافية أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا: إن الله قد رأف به) (٣).
قال الأقليشي: (فتأمل هذه التفرقة بين الرأفة والرحمة، ولذلك جاءا معا، فقال: إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ وعلى هذا الرأفة أعم من الرحمة، فمتى أراد الله بعبد رحمة أنعم عليه بها، إلا أنها قد تكون عقيب بلاء، وقد لا تكون، والرأفة بخلاف ذلك) (٤). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٥٣٤
_________________
(١) «تفسير الطبري» (٢/ ١٢).
(٢) «شأن الدعاء» (ص: ٩١).
(٣) نقلًا عن كتاب «النهج الأسمى في شرح أسمائه الحسنى» محمد حمود النجدي (٢/ ٢١٦).
(٤) نقلًا عن كتاب «النهج الأسمى في شرح أسمائه الحسنى» محمد حمود النجدي (٢/ ٢١٦).
[ ١ / ٤٧٢ ]
- الرزاق، الرازق
وهو مبالغة من: رازق للدلالة على الكثرة والرازق من أسمائه سبحانه قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ [الذارايات:٥٨] وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا [هود:٦] وقال ﷺ: «إن الله هو المسعِّر القابض الباسط الرازق» (١) ورزقه لعباده نوعان: عام وخاص
فالعام إيصاله لجميع الخليقة جميع ما تحتاجه في معاشها وقيامها، فسهل لها الأرزاق، ودبرها في أجسامها، وساق إلى كل عضو صغير وكبير ما يحتاجه من القوت، وهذا عام للبر والفاجر والمسلم والكافر، بل للآدميين والجن والملائكة والحيوانات كلها وعام أيضًا من وجه آخر في حق المكلفين، فإنه قد يكون من الحلال الذي لا تبعة على العبد فيه، وقد يكون من الحرام ويسمى رزقًا ونعمة بهذا الاعتبار، ويقال (رزقه الله) سواء ارتزق من حلال أو حرام وهو مطلق الرزق.
وأما الرزق المطلق فهو النوع الثاني، وهو الرزق الخاص، وهو الرزق النافع المستمر نفعه في الدنيا والآخرة، وهو الذي على يد رسول الله وهو نوعان:
أ - رزق القلوب بالعلم والإيمان وحقائق ذلك، فإن القلوب مفتقرة غاية الافتقار إلى أن تكون عالمة بالحق مريدة له متألهة لله متعبدة، وبذلك يحصل غناها ويزول فقرها.
ب - ورزق البدن بالرزق الحلال الذي لا تبعة فيه، فإن الرزق الذي خص به المؤمنين والذي يسألونه منه شامل للأمرين، فينبغي للعبد إذا دعا ربه في حصول الرزق أن يستحضر بقلبه هذين الأمرين، فمعنى (اللهم ارزقني) أي ما يصلح به قلبي من العلم والهدى والمعرفة ومن الإيمان الشامل لكل عمل صالح وخلق حسن، وما به يصلح بدني من الرزق الحلال الهني الذي لا صعوبة فيه ولا تبعة تعتريه (٢) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٥٤
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٤٥١)، والترمذي (١٣١٤)، وابن ماجه (٢٢٠٠)، وأحمد (٣/ ١٥٦) (١٢٦١٣). من حديث أنس بن مالك ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٥/ ٤٢٣): روي من وجوه صحيحة لا بأس بها. وقال ابن حجر في «تسديد القوس» (١/ ٩٣): أصله في مسلم. وقال ابن دقيق العيد في «الاقتراح» (ص١١٣)، صحيح.
(٢) «الحق الواضح المبين» (ص٨٥ - ٨٦) وانظر: «شرح النونية» للهراس (٢/ ١٠٨) و«توضيح المقاصد» (٢/ ٢٣٤).
[ ١ / ٤٧٣ ]
- الرفيق
مأخوذ من قوله ﷺ في الحديث الصحيح: «إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطى على ما سواه» (١) فالله تعالى رفيق في أفعاله، خلق المخلوقات كلها بالتدريج شيئًا فشيئًا بحسب حكمته ورفقه، مع أنه قادر على خلقها دفعة واحدة وفي لحظة واحدة ومن تدبر المخلوقات وتدبر الشرائع كيف يأتي بها شيئًا بعد شيء شاهد من ذلك العجب العجيب، فالمتأني الذي يأتي الأمور برفق وسكينة ووقار، اتباعًا لسنن الله في الكون واتباعًا لنبيه ﷺ فإن من هذا هديه وطريقه تتيسر له الأمور، وبالأخص الذي يحتاج إلى أمر الناس ونهيهم وإرشادهم، فإنه مضطر إلى الرفق واللين، وكذلك من آذاه الخلق بالأقوال البشعة وصان لسانه عن مشاتمتهم، ودافع عن نفسه برفق ولين، اندفع عنه من أذاهم ما لا يندفع بمقابلتهم بمثل مقالهم وفعالهم، ومع ذلك فقد كسب الراحة والطمأنينة والرزانة والحلم.
والله ﷿ يغيث عباده إذا استغاثوا به سبحانه فعن أنس بن مالك أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب ثم قال يا رسول الله: هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: «اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا» (٢) فالله ﷿ يغيث عباده في الشدائد والمشقات، فهو يغيث جميع المخلوقات عندما تتعسر أمورها وتقع في الشدائد والكربات: يطعم جائعهم ويكسو عاريهم، ويخلص مكروبهم، وينزل الغيث عليهم في وقت الضرورة والحاجة، وكذلك يجيب إغاثة اللهفان أي دعاء من دعاه في حالة اللهف والشدة والاضطرار، فمن استغاثه أغاثه وفي الكتاب والسنة من ذكر تفريجه للكربات، وإزالته الشدائد، وتيسيره للعسير شيء كثير جدًا معروف شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٨٣
_________________
(١) رواه مسلم (٢٥٩٣). من حديث عائشة ﵂.
(٢) رواه البخاري (١٠١٤)، ومسلم (٨٩٧).
[ ١ / ٤٧٤ ]
- الرقيب
المطلع على ما أكنته الصدور، القائم على كل نفس بما كسبت قال الله تعالى: إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:١] والرقيب هو سبحانه الذي حفظ المخلوقات وأجراها، على أحسن نظام وأكمل تدبير (١) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١١٠
_________________
(١) رواه مسلم (٤٨٧).
[ ١ / ٤٧٥ ]
- السبوح
قال في اللسان: (قال أبو إسحاق الزجاج: (السبوح): الذي ينزه عن كل سوء) (١) (وقال ابن فارس والزبيدي وغيرهما: (سبوح) هو الله - ﷿ – فالمراد بالسبوح القدوس: المسبح المقدس، فكأنه قال: مسبح مقدس رب الملائكة والروح، ومعنى سبوح: المبرأ من النقائص والشريك، وكل ما لا يليق بالإلهية) (٢).
والسبوح: هو الذي يسبحه، ويقدسه، وينزهه كل من في السماوات والأرض، كما قال ﵎: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [الجمعة: ١]، ويقول سبحانه: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء: ٤٤] (٣).
قال في تهذيب اللغة: (-سبحان- في اللغة تنزيه الله ﷿ عن السوء.
قلت: وهذا قول سيبويه فقال: سبحت الله تسبيحًا وسبحانًا بمعنى واحد فالمصدر تسبيح، والاسم سبحانه يقوم مقام المصدر. قال سيبويه: وقال أبو الخطاب الكبير: سبحان الله كقولك: براءة الله من السوء، كأنه قال: أبرئ الله من السوء، قلت: ومعنى تنزيه الله من السوء: تبعيده منه وكذلك تسبيحه: تبعيده من قولك: سبحت في الأرض. إذا أبعدت فيها وجماع معناه بعده – ﵎ – عن أن يكون له مثل أو شريك أو ضد أو ند) (٤). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها – عبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ١٩٩
_________________
(١) «لسان العرب» (٣/ ١٩١٥).
(٢) «مسلم شرح النووي» (٤/ ٢٠٤).
(٣) «بدائع الفوائد» (٢/ ٣٦٦).
(٤) «تهذيب اللغة» (٤/ ٣٣٨، ٣٣٩).
[ ١ / ٤٧٦ ]
- السميع
قال الله تعالى: وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:١٣٤] وكثيرًا ما يقرن الله بين صفة السمع والبصر فكل من السمع والبصر محيط بجميع متعلقاته الظاهرة، والباطنة فالسميع الذي أحاط سمعه بجميع المسموعات، فكل ما في العالم العلوي والسفلي من الأصوات يسمعها سرَّها وعلنها وكأنها لديه صوت واحد، لا تختلط عليه الأصوات، ولا تخفى عليه جميع اللغات، والقريب منها والبعيد والسر والعلانية عنده سواء: سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [الرعد:١٠] قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة:١] قالت عائشة ﵂: (تبارك الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشتكي إلى رسول الله ﷺ وأنا في جانب الحجرة، وإنه ليخفى علي بعض كلامها، فأنزل الله: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا الآية) (١)، وسمعه تعالى نوعان: أحدهما: سمعه لجميع الأصوات الظاهرة والباطنة الخفية والجلية، وإحاطته التامة بها الثاني: سمع الإجابة منه للسائلين والداعين والعابدين فيجيبهم ويثيبهم، ومنه قوله تعالى: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء [إبراهيم:٣٩] وقول المصلي (سمع الله لمن حمده) أي استجاب شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٨٤
_________________
(١) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم مختصرا (٧٣٨٥)، والنسائي (٦/ ١٦٨)، وابن ماجه (١٨٨)، وأحمد (٦/ ٤٦) (٢٤٢٤١) كلهم بلفظ «الحمد لله» بدلًا من «تبارك الله». وقال ابن عساكر في «معجم الشيوخ» (١/ ١٦٣) والألباني في «صحيح سنن ابن ماجة»: صحيح. وقال ابن تيمية في «تلبيس الجهمية» (١/ ٢٨٠): إسناده ثابت.
[ ١ / ٤٧٧ ]
- السيد، الصمد
قال الله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ [الإخلاص:٢] وقال النبي صلى الله عليه سلم: «السيد الله ﵎» (١) و(السيد) يطلق على الرب، والمالك، والشريف، والفاضل، والكريم، والحليم، والرئيس، والزوج ومتحمل أذى قومه والله ﷿ هو السيد الذي يملك نواصي الخلق ويتولاهم فالسؤدد كله حقيقة لله والخلق كلهم عبيده وهذا لا ينافي السيادة الإضافية المخصوصة بالأفراد الإنسانية فسيادة الخالق ﵎ ليست كسيادة المخلوق الضعيف (٢) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٢٦
(الصمد) قال عكرمة عن ابن عباس: (يعني الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم) (٣) وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (هو السيد الذي قد كمل في سؤدده والشريف الذي قد كمل في شرفه والعظيم الذي قد كمل في عظمته والحليم الذي قد كمل في حلمه والعليم الذي قد كمل في علمه والحكيم الذي قد كمل في حكمته وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفؤ وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار) (٤) وعن أبي وائل: (الصمد) الذي قد انتهى سؤدده ورواه عن ابن مسعود ﵁ (٥) وعن زيد بن أسلم الصمد السيد وقال الحسن وقتادة: هو الباقي بعد خلقه وقال الحسن أيضا: الصمد الحي القيوم الذي لا زوال له، وقال عكرمة: الصمد الذي لم يخرج منه شيء ولم يطعم وقال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب ومجاهد وعبد الله بن بريدة وعكرمة أيضا وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وعطية العوفي والضحاك: الصمد الذي لا جوف له (٦) وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب وقال عبد الله بن بريدة أيضا: الصمد نور يتلألأ قال ابن كثير رحمه الله تعالى: روى ذلك كله وحكاه ابن أبي حاتم والبيهقي والطبراني، وكذا أبو جعفر بن جرير ساق أكثر ذلك بأسانيده قال الطبراني في كتاب السنة له بعد إيراده كثيرا من هذه الأقوال في تفسير الصمد: وكل هذه صحيحة، وهي صفات ربنا ﷿، وهو الذي يصمد إليه في الحوائج، وهو الذي انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب وهو الباقي بعد خلقه وقال البيهقي نحو ذلك.
وروى الترمذي رحمه الله تعالى عن أبي بن كعب «أن المشركين قالوا يا رسول الله ﷺ: انسب لنا ربك، فأنزل الله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ» (٧) والصمد الذي لم يلد ولم يولد، لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت وليس شيء يموت إلا سيورث وإن الله تعالى لا يموت ولا يورث وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ قال: لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء، قلت: وهذه السورة العظيمة التي قال فيها النبي ﷺ: «إنها تعدل ثلث القرآن» (٨) مشتملة على توحيد الإلهية والربوبية والأسماء والصفات، جامعة بين الإثبات لصفات الكمال وبين التنزيه له تعالى عن الأشباه والأمثال، متضمنة الرد على جميع طوائف الكفر والاتحاد ومن نسب له الصاحبة والولد وغيرهم، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا والله أعلم معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - ص١٧٤
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٨٠٦)، وأحمد (٤/ ٢٤) (١٦٣٥٠). من حديث عبد الله بن الشخير ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الشوكاني في «إخلاص كلمة التوحيد» (ص٦٤): إسناده جيد. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
(٢) «النهاية في غريب الحديث» لابن الأثير (٢/ ٤١٨). وانظر: «عون المعبود شرح سنن أبي داود» (١٣/ ١٦١).
(٣) انظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٨/ ٥٢٨).
(٤) رواه الطبري (٢٤/ ٦٩٢) وابن أبي حاتم في تفسير سورة الإخلاص (١٠/ ٣٤٧٤)، وأبو الشيخ في «العظمة» (١/ ٣٨٣). قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٥٠): ثابت عن عبد الله بن أبي صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة الوالبي، لكن يقال: إنه لم يسمع التفسير من ابن عباس، ولكن مثل هذا الكلام ثابت عن السلف. وقال الألباني في «تصحيح العقائد» (١١٩) فيه ضعف وانقطاع.
(٥) رواه ابن أبي عاصم في «السنة» (٦٦٦). قال ابن تيمية في «تلبيس الجهمية» (١/ ٢٨٠): إسناده ثابت. وقال الألباني في «ظلال الجنة» (٦٦٦): إسناده حسن.
(٦) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ٦٩٠)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٦٦٥، ٦٧٣، ٦٧٤، ٦٨٥، ٦٨٦، ٦٨٩)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (١/ ١٥٧).وقال الألباني في «ظلال الجنة» (٦٧٤) من طريق مجاهد: صحيح مقطوع.
(٧) رواه الترمذي (٣٣٦٤)، والحاكم (٢/ ٥٨٩). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. قال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن دون قوله: «والصمد الذي. .. «
(٨) رواه البخاري (٥٠١٣). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. ومسلم (٨١٢). من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٤٧٨ ]
- الشافي
الشفاء في اللغة هو البرء من المرض يقال: شفاه الله يشفيه، واشتفى افتعل منه، فنقله من شفاء الأجسام إلى شفاء القلوب والنفوس (١) والله ﷾ هو الشافي فعن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ كان يعوِّذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: اللهم رب الناس أذهب الباس اشفه وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا» (٢) «وقال أنس ﵁ لثابت البناني حينما اشتكى إليه: ألا أرقيك برقية رسول الله صلى الله علية وسلم؟ قال: بلى قال: اللهم رب الناس مذهب الباس اشفي أنت الشافي لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقمًا» (٣) فالله ﷿ هو الشافي من الأمراض والعلل والشكوك وشفاؤه شفاءان أو نوعان: النوع الأول: الشفاء المعنوي الروحي وهو الشفاء من علل القلوب
النوع الثاني: الشفاء المادي وهو الشفاء من علل الأبدان وقد ذكر ﷿ هذين النوعين في كتابه وبين ذلك رسول الله ﷺ في سنته شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٢٢٤
_________________
(١) «النهاية في غريب الحديث» لابن الأثير (٢/ ٤٨٨) وانظر: «مختار الصحاح» (ص١٤٤).
(٢) البخاري (٥٧٤٣)، ومسلم (٢١٩١).
(٣) رواه البخاري (٥٧٤٢).
[ ١ / ٤٧٩ ]
- الشاكر، الشكور
قال الله تعالى: وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:١٥٨] وقال تعالى: إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [التغابن:١٧] وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [النساء:١٤٧] من أسمائه تعالى (الشاكر، الشكور) الذي لا يضيع سعي العاملين لوجهه بل يضاعفه أضعافًا مضاعفة، فإنَّ الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وقد أخبر في كتابه وسنة نبيه بمضاعفة الحسنات الواحدة بعشر إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وذلك من شكره لعباده، فبعينه ما يتحمل المتحملون لأجله ومن فعل لأجله أعطاه فوق المزيد، ومن ترك شيئًا لأجله عوضه خيرًا منه، وهو الذي وفق المؤمنين لمرضاته ثم شكرهم على ذلك وأعطاهم من كراماته، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وكل هذا ليس حقًا واجبًا عليه، وإنما هو الذي أوجبه على نفسه جودًا منه وكرمًا وليس فوقه سبحانه من يوجب عليه شيئًا قال تعالى: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:٢٣] فلا يجب عليه سبحانه إثابة المطيع، ولا عقاب العاصي بل الثواب محض فضله وإحسانه، والعقاب محض عدله وحكمته؛ ولكنه سبحانه الذي أوجب على نفسه ما يشاء فيصير واجبًا عليه بمقتضى وعده الذي لا يخلف كما قال تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأنعام:٥٤] وكما قال سبحانه: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:٤٧] ومذهب أهل السنة أنه ليس للعباد حق واجب على الله وأنه مهما يكن من حق فهو الذي أحقه وأوجبه ولذلك لا يضيع عنده عمل قام على الإخلاص والمتابعة للنبي ﷺ فإنهما الشرطان الأساسيان لقبول الأعمال (١) فما أصاب العباد من النعم ودفع النقم، فإنه من الله تعالى فضلًا منه وكرمًا، وإن نعَّمهم فبفضله وإحسانه، وإن عذبهم فبعدله وحكمته، وهو المحمود على جميع ذلك شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٢٤
_________________
(١) «شرح النونية» للهراس (٢/ ٩٨)، وانظر: «توضيح المقاصد وتصحيح القواعد» (٢/ ٢٣١).
[ ١ / ٤٨٠ ]
- الشهيد
أي المطلع على جميع الأشياء سمع جميع الأصوات، خفيها وجليَّها وأبصر جميع الموجودات، دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها وأحاط علمه بكل شيء، الذي شهد لعباده، وعلى عباده، بما علموه، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى: (الرقيب) و(الشهيد) مترادفان، وكلامها يدلُّ على إحاطة سمع الله بالمسموعات، وبصره بالمبصرات، وعلمه بجميع المعلومات الجلية والخفية، وهو الرقيب على ما دار في الخواطر، وما تحركت به اللواحظ، ومن باب أولى الأفعال الظاهرة بالأركان، قال تعالى: إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:١] وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المجادلة:٦] ولهذا كانت المراقبة التي هي من أعلى أعمال القلوب هي التعبد لله باسمه الرقيب الشهيد، فمتى علم العبد أنَّ حركاته الظاهرة والباطنة قد أحاط الله بعلمها، واستحضر هذا العلم في كل أحواله، أوجب له ذلك حراسة باطنة عن كل فكر وهاجس يبغضه الله، وحفظ ظاهره عن كل قول أو فعل يسخط الله، وتعبَّد بمقام الإحسان فعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه، فإن الله يراه فإذا الله كان رقيبًا على دقائق الخفيات، مطلعًا على السرائر والنيات، كان من باب أولى شهيدًا على الظواهر والجليات، وهي الأفعال التي تفعل بالأركان أي الجوارح شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١١٠
[ ١ / ٤٨١ ]
- الطيب
قال النووي رحمه الله تعالى في شرح الحديث: (قال القاضي عياض: الطيب في صفة الله تعالى بمعنى المنزه عن النقائص وهو بمعنى القدوس، وأصل الطيب: الزكاة والطهارة والسلامة من الخبث) (١).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في شرحه لقوله ﷺ: «والصلوات والطيبات» وذلك في دعاء التشهد: (وكذلك قوله: (والطيبات) هي صفة الموصوف المحذوف أي: الطيبات من الكلمات والأفعال والصفات والأسماء لله وحده، فهو طيب وأفعاله طيبة، وصفاته أطيب شيء، وأسماؤه أطيب الأسماء، واسمه (الطيب)، ولا يصدر عنه إلا طيب، ولا يصعد إليه إلا طيب، ولا يقرب منه إلا طيب، وإليه يصعد الكلم الطيب وفعله طيب، والعمل الطيب يعرج إليه، فالطيبات كلها له ومضافة إليه وصادرة عنه ومنتهية إليه فإذا كان هو سبحانه الطيب على الإطلاق فالكلمات الطيبات، والأفعال الطيبات، والصفات الطيبات، والأسماء الطيبات كلها له سبحانه لا يستحقها أحد سواه، بل ما طاب شيء قط إلا بطيبته سبحانه فطيب كل ما سواه من آثار طيبته، ولا تصلح هذه التحية الطيبة إلا له) (٢). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٧٦٣
_________________
(١) «شرح مسلم للنووي» (٧/ ١٠٠).
(٢) «الصلاة وحكم تاركها» (ص: ٢١٤، ٢١٥).
[ ١ / ٤٨٢ ]
- العزيز
قال تعالى: فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا [يونس:٦٥] وقال: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ [هود:٦٦] فمعاني العزة الثلاثة كلها كاملة لله العظيم.
عزة القوة الدال عليها من أسمائه القوي المتين، وهي وصفه العظيم الذي لا تنسب إليه قوة المخلوقات وإن عظمت قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:٥٨] وقال: وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الممتحنة:٧]، وقال ﷿: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام:٦٥]، وقال تعالى: وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا [الكهف:٤٥]، وقال ﷿: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ [القمر:٥٥ - ٥٦].
وعزة الامتناع فإنه هو الغني بذاته، فلا يحتاج إلى أحد ولا يبلغ العباد ضره فيضرونه، ولا نفعه فينفعونه، بل هو الضار النافع المعطي المانع.
وعزة القهر والغلبة لكل الكائنات فهي كلها مقهورة لله خاضعة لعظمته منقادة لإرادته، فجميع نواصي المخلوقات بيده، لا يتحرك منها متحرك ولا يتصرف متصرف إلا بحوله وقوته وإذنه، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا به فمن قوته واقتداره أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وأنه خلق الخلق ثم يميتهم ثم يحييهم ثم إليه يرجعون: مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [لقمان:٢٨]، وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم:٢٧] شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٩٣
[ ١ / ٤٨٣ ]
- القدير، القادر، المقتدر
قال الخطابي رحمه الله تعالى: (-القادر-: هو من القدرة على الشيء، يقال: قدر يقدر قدرة فهو قادر وقدير، كقوله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [الأحزاب: ٢٧]، ووصف الله سبحانه نفسه بأنه قادر على كل شيء أراده لا يعترضه عجز ولا فتور) (١).
ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته:
(وهو القدير وليس يعجزه إذا مارام شيئًا قط ذو سلطان) (٢)
وقال في موطن آخر من النونية:
(وهو القدير فكل شيء فهو مقدور له طوعًا بلا عصيان) (٣)
ويقول في طريق الهجرتين: (-القدير- الذي لكمال قدرته: يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويجعل المؤمن مؤمنًا والكافر كافرًا؛ والبر برًا والفاجر فاجرًا، وهو الذي جعل إبراهيم وآله أئمة يدعون إليه ويهدون بأمره؛ وجعل فرعون وقومه أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [القصص: ٤١]، ولكمال قدرته لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء أن يعلمه إياه، ولكمال قدرته خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسه من لغوب، ولا يعجزه أحد من خلقه ولا يفوته؛ بل هو في قبضته أين كان، فإن فر منه فإنما يطوي المراحل في يديه، كما قيل:
وكيف يفر المرء عنك بذنبه إذا كان يطوي في يديك المراحلا (٤)
ويقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: (-القدير-: كامل القدرة، بقدرته أوجد الموجودات، وبقدرته دبرها، وبقدرته سواها وأحكمها، وبقدرته يحيي ويميت، ويبعث العباد للجزاء، ويجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، الذي إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، وبقدرته يقلب القلوب ويصرفها على ما يشاء ويريد) (٥).
ويقول الراغب الأصفهاني: (القدرة إذا وصف بها الإنسان فاسم لهيئة له بها يتمكن من فعل شيء ما، وإذا وصف بها الله تعالى فهي نفي العجز عنه، ومحال أن يوصف غير الله بالقدرة المطلقة بل حقه أن يقال: قادر على كذا لأنه لا أحد غير الله يوصف بالقدرة من وجه إلا ويصح أن يوصف بالعجز من وجه، والله تعالى هو الذي ينتفي عنه العجز من كل وجه.
والقدير هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضي الحكمة لا زائدًا عليه ولا ناقصًا عنه، ولذلك لا يصح أن يوصف به إلا الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٦).
وآثار قدرة الله ﷿ لا تعد ولا تحصى؛ فأينما وقع النظر على شيء من خلق الله ﷿ في الآفاق، وفي الأنفس وفي الخوارق والمعجزات رأى قدرة الله ﷿ الباهرة أمامه ومن ذا الذي يحصي ما خلقه الله تعالى. ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٤٢٠
_________________
(١) «شأن الدعاء» (ص: ٨٦).
(٢) «النونية» (٢/ ٢١٨).
(٣) «النونية»: البيت رقم (٥٣٠).
(٤) «طريق الهجرتين» (ص: ٢٣٥).
(٥) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٢٤، ٦٢٥).
(٦) «المفردات» للراغب (ص: ٣٩٤).
[ ١ / ٤٨٤ ]
- القوي
قال الطبري رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (القوي: الذي لا يغلبه غالب ولا يرد قضاءه راد ينفذ أمره، ويمضي قضاؤه في خلقه، شديد عقابه لمن كفر بآياته وجحد حججه) (١)، وقال ابن كثير – رحمه الله تعالى – عند هذه الآية: (أي: لا يغلبه غالب ولا يفوته هارب) (٢).
ويقول ابن القيم – رحمه الله تعالى – في نونيته:
وهو القوي له القوى جمعا تعالى رب ذي الأكوان والأزمان (٣)
وقال رحمه الله تعالى: (قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٨]. فعلم أن (القوي) من أسمائه ومعناه: الموصوف بالقوة) (٤).
وقال الخطابي رحمه الله تعالى: (هو الذي لا يستولي عليه العجز في حال من الأحوال، والمخلوق وإن وصف بالقوة فإن قوته متناهية وعن بعض الأمور قاصرة) (٥).
وذكر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى الفرق بين القدرة والقوة فقال: (القدرة يقابلها العجز، والقوة يقابلها الضعف، والفرق بينهما أن القدرة يوصف بها ذو الشعور، والقوة يوصف بها ذو الشعور وغيره.
ثانيًا: أن القوة أخص فكل قوي من ذي الشعور قادر وليس كل قادر قويًا) (٦). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٣٩٨
_________________
(١) «تفسير الطبري» (١٠/ ١٧ - ١٨).
(٢) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٣٢٠).
(٣) «النونية» (٢/ ٢١٨).
(٤) «مدارج السالكين» (١/ ٢٨).
(٥) «شأن الدعاء» (ص: ٧٧).
(٦) «شرح العقيدة الواسطية» (ص: ١٦٧).
[ ١ / ٤٨٥ ]
- المتين
يفيد اسم (المتين) في حق الله تعالى: (المتناهي في القوة والقدرة) (١).
وقال الخطابي: (-والمتين- الشديد القوي الذي لا تنقطع قوته ولا تلحقه في أفعاله مشقة، ولا يمسه لغوب) (٢).
(والمتانة تدل على شدة القوة لله تعالى فمن حيث إنه بالغ القدرة: (القوي)، ومن حيث إنه شديد القوة: -متين-) (٣).
وقال الطبري رحمه الله تعالى: (-ذي القوة المتين-: أي ذي القوة الشديد) (٤). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٤٠٢
_________________
(١) «تفسير الأسماء» (ص: ٥٥).
(٢) «شأن الدعاء» (ص: ٧٧).
(٣) «المقصد الأسني» (ص: ٨١).
(٤) «تفسير الطبري» (٢٧/ ١٢).
[ ١ / ٤٨٦ ]
- العظيم
قال الله تعالى: وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:٢٥٥] الله تعالى عظيم له كل وصف ومعنى يوجب التعظيم، فلا يقدر مخلوق أن يثني عليه كما ينبغي له ولا يحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني عليه عباده واعلم أن معاني التعظيم الثابتة لله وحده نوعان:
أحدهما: أنه موصوف بكل صفة كمال، وله من ذلك الكمال أكمله، وأعظمه، وأوسعه، فله العلم المحيط، والقدرة النافذة، والكبرياء والعظمة، ومن عظمته أن السماوات والأرض في كفِّ الرحمن أصغر من الخردلة كما قال ذلك ابن عباس وغيره، وقال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:٦٧]، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ [فاطر:٤١]، وقال تعالى: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: ٢٢٥]، تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ [الشورى:٥] الآية وفي الصحيح عنه ﷺ: «إن الله يقول الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته» (١) فلله تعالى الكبرياء والعظمة، الوصفان اللذان لا يقدر قدرهما ولا يبلغ كنههما
النوع الثاني: من معاني عظمته تعالى أنه لا يستحق أحد من الخلق أن يعظم كما يعظم الله فيستحق ﷻ من عباده أن يعظموه بقلوبهم، وألسنتهم، وجوارحهم، وذلك ببذل الجهد في معرفته، ومحبته والذل له، والانكسار له، والخضوع لكبريائه، والخوف منه، وإعمال اللسان بالثناء عليه، وقيام الجوارح بشكره وعبوديته ومن تعظيمه أن يُتقى حق تقاته، فيطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر ومن تعظيمه تعظيم ما حرمه وشرعه من زمان ومكان وأعمال: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:٣٢] وقوله تعالى ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ [الحج:٣٠] ومن تعظيمه أن لا يعترض على شيء مما خلقه أو شرعه (٢) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٨٠
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٢٠) بلفظ «العز إزاره»، ورواه أبو داود (٤٠٩٠)، وأحمد (٢/ ٤١٤) (٩٣٤٨) كلاهما بلفظ «قذفته»، وابن ماجه (٤١٧٥)، وابن حبان (١٢/ ٤٨٦) كلاهما بلفظ: «ألقيته». من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) «الحق الواضح المبين» (ص٢٧ - ٢٨) و«شرح القصيدة النونية» للهراس (٢/ ٦٨) و«توضيح المقاصد وتصحيح القواعد» (٢/ ٢١٤).
[ ١ / ٤٨٧ ]
- العفو، الغفور، الغفار
قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [الحج:٦٠] الذي لم يزل، ولا يزال بالعفو معروفًا، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفًا كل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه وقد وعد بالمغفرة والعفو، لمن أتى بأسبابها، قال تعالى وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا [طه:٨٢] والعفوُّ هو الذي له العفو الشامل الذي وسع ما يصدر من عباده من الذنوب، ولاسيما إذا أتوا بما يسبب العفو عنهم من الاستغفار، والتوبة، والإيمان، والأعمال الصالحة فهو سبحانه يقبل التوبة، عن عباده ويعفو عن السيئات، وهو عفو يحب العفو ويحب من عباده أن يسعوا في تحصيل الأسباب التي ينالون بها عفوه: من السعي في مرضاته، والإحسان إلى خلقه ومن كمال عفوه أنه مهما أسرف العبد على نفسه ثم تاب إليه ورجع غفر له جميع جرمه صغيره وكبيره، وأنه جعل الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها (١) قال الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:٥٣] وفي الحديث: «إن الله يقول: يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة» (٢) وقال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ [النجم:٣٢] وقد فتح الله ﷿ الأسباب لنيل مغفرته بالتوبة، والاستغفار، والإيمان، والعمل الصالح، والإحسان إلى عباد الله، والعفو عنهم، وقوة الطمع في فضل الله، وحسن الظن بالله وغير ذلك مما جعله الله مقربًا لمغفرته (٣) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٠٦
_________________
(١) «شرح القصيدة النونية» للهراس (٢/ ٨٦)، و«الحق الواضح المبين» (ص٥٦).
(٢) رواه الترمذي (٣٥٤٠). من حديث أنس بن مالك ﵁. وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٤٠٠): إسناده لا بأس به. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٢٧): الحديث حسن كما قال الترمذي.
(٣) «الحق الواضح المبين» (ص ٧٣ - ٧٤).
[ ١ / ٤٨٨ ]
- العلي، الأعلى، المتعال
يقول ابن جرير رحمه الله تعالى: (وأما تأويل قوله: (وهو العلي) فإنه يعني: والله العلي، والعلي الفعيل من قولك: علا يعلو علوًا إذا ارتفع فهو عال وعلي، والعلي: ذو العلو والارتفاع على خلقه بقدرته) (١).
وقال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: (العلي، الأعلى) هو الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه: علو الذات، وعلو القدر والصفات، وعلو القهر.
فهو الذي على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وبجميع صفات العظمة والكبرياء والجلال والجمال وغاية الكمال اتصف، وإليه فيها المنتهى) (٢).
والله ﵎ له جميع أنواع العلو، ومن أنكر شيئًا منها، فقد ضل ضلالًا بعيدًا، وقد جاءت النصوص بإثبات أنواع العلو لله، وهي:
١ - علو الذات، فالله ﵎ مستو على عرشه، وعرشه فوق مخلوقاته، كما قال تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [يونس: ٣].
وقال: اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه ٥].
والله مستو على عرشه فوق عباده، كما قال ﵎: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: ١٨].
وقال: يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل: ٥٠].
وفي إثبات علو الذات الإلهية يقول ابن القيم في نونيته:
فهو العلي بذاته سبحانه
إذ يستحيل خلاف ذا ببيان
وهو الذي حقا على العرش استوى
قد قام بالتدبير للأكوان ٢ - علو القهر والغلب، كما قال تعالى: هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الزمر: ٤]. فلا ينازعه منازع، ولا يغلبه غالب، وكل مخلوقاته تحت قهره وسلطانه، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وقد وصف الحق – ﵎ – نفسه بصفات كثيرة تدل على علو القهر والغلب كالعزيز، والقوي، والقدير، والقاهر والغالب ونحو ذلك. قال سبحانه: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: ١٨].
٣ - علو المكانة والقدر، وهو الذي أطلق عليه القرآن: (المثل الأعلى) كما في قوله تعالى: وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ [النحل: ٦٠]، وقوله: وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الروم: ٢٧].
فالمثل الأعلى: الصفات العليا التي لا يستحقها غيره، فالله هو الإله الواحد الأحد، وهو متعال عن الشريك والمثيل والند والنظير: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ١ - ٤].
وفي إثبات كل أنواع العلو للعلي العظيم يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:
وهو العلي فكل أنواع العلو له فثباته بلا نكران (٣)
ويقول أيضًا: في نونيته مبينًا اسمي الجلالة (الأعلى، والعلي) ودلالتهما على علو الله تعالى على خلقه:
هذا وثانيها صريح علوه وله بحكم صريحه لفظان
لفظ العلي ولفظة الأعلى معرفة أتتك هنا لقصد بيان
إن العلو له بمطلقه على التعميم والإطلاق بالبرهان
وله العلو من الوجوه جميعها ذاتًا وقهرًا من علو الشان (٤)
@ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٢٥٦
_________________
(١) «تفسير الطبري» (٣/ ١٣).
(٢) «تفسير السعدي» (٥/ ٤٨٧)، طبعة دار المدني.
(٣) «نونية ابن القيم» (٢/ ٢١٤).
(٤) «النونية رقم الأبيات» (ص: ١١٢٣ - ١١٢٦).
[ ١ / ٤٨٩ ]
- العليم
قال الله تعالى: إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال:٧٥]، فهو العليم المحيط علمه بكل شيء: بالواجبات، والممتنعات، فيعلم تعالى نفسه الكريمة، ونعوته المقدسة، وأوصافه العظيمة، وهي الواجبات التي لا يمكن إلا وجودها، ويعلم الممتنعات حال امتناعها، ويعلم ما يترتب على وجودها لو وجدت كما قال تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:٢٢] وقال تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [المؤمنون:٩١] فهذا وشبهه من ذكر علمه بالممتنعات التي يعلمها وإخباره بما ينشأ عنها لوجدت على وجه الفرض والتقدير ويعلم تعالى الممكنات، وهي التي يجوز وجودها وعدمها ما وجد منها وما لم يوجد مما لم تقتض الحكمة إيجاده، فهو العليم الذي أحاط علمه بالعالم العلوي والسفلي لا يخلو عن علمه مكان ولا زمان ويعلم الغيب والشهادة، والظواهر والبواطن، والجلي والخفي، قال الله تعالى: إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال:٧٥] والنصوص في ذكر إحاطة علم الله وتفصيل دقائق معلوماته كثيرة جدًا لا يمكن حصرها وإحصاؤها وأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وأنه لا يغفل ولا ينسى، وأن علوم الخلائق على سعتها وتنوعها إذا نسبت إلى علم الله اضمحلت وتلاشت، كما أن قدرتهم إذا نسبت إلى قدرة الله لم يكن لها نسبة إليها بوجه من الوجوه، فهو الذي علمهم ما لم يكونوا يعلمون، وأقدرهم على ما لم يكونوا عليه قادرين وكما أن علمه محيط بجميع العالم العلوي والسفلي، وما فيه من المخلوقات ذواتها، وأوصافها، وأفعالها، وجميع أمورها، فهو يعلم ما كان وما يكون في المستقبلات التي لا نهاية لها، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، ويعلم أحوال المكلفين منذ أنشأهم وبعد ما يميتهم وبعد ما يحييهم، قد أحاط علمه بأعمالهم كلها خيرها وشرها وجزاء تلك الأعمال وتفاصيل ذلك في دار القرار (١) والخلاصة: أنَّ الله تعالى هو الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والإسرار والإعلان، وبالواجبات، والمستحيلات، والممكنات، وبالعالم العلوي، والسفلي، وبالماضي، والحاضر، والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء (٢) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٨٨
_________________
(١) «الحق الواضح المبين» (ص ٣٧ - ٣٨) و«شرح النونية» للهراس (٢/ ٧٣) و«تفسير السعدي» (٥/ ٦٢١).
(٢) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٢١).
[ ١ / ٤٩٠ ]
- الخبير
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (الخبير): الذي انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن الأشياء وخفاياها كما أحاط بظواهرها (١).
وقال الغزالي رحمه الله تعالى: (-الخبير- هو الذي لا تعزب عنه الأخبار الباطنة ولا يجري في الملك والملكوت شيء ولا يتحرك ذرة ولا يسكن ولا يضطرب نفس ولا يطمئن إلا ويكون عنده خبره. وهو بمعنى العليم، لكن العليم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة سمي خبرة وسمي صاحبها خبيرًا) (٢).
وقال السعدي رحمه الله تعالى: (-العليم الخبير- وهو الذي أحاط علمِه بالظواهر والبواطن، والإسرار والإعلان، وبالواجبات والمستحيلات والممكنات وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي والحاضر والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء) (٣).
ويقول ابن عاشور رحمه الله تعالى: (-والخبير-: العالم بدقائق الأمور المعقولة والمحسوسة والظاهرة والخفية) (٤). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٣٩٢
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٩٢).
(٢) «المقصد الأسنى» (ص: ٦٣).
(٣) «تفسير السعدي» (٥/ ٢٩٩).
(٤) «التحرير والتنوير» (١١/ ٣١٠).
[ ١ / ٤٩١ ]
- الغني
قال الله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى [النجم:٤٨]، وقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:١٥] فهو تعالى (الغني) الذي له الغنى التام المطلق من كل الوجوه لكماله وكمال صفاته التي لا يتطرق إليها نقص بوجه من الوجوه، ولا يمكن أن يكون إلا غنيًا فإن غناه من لوازم ذاته، كما لا يكون إلا محسنًا، جوادًا، برًا، رحيمًا كريمًا، والمخلوقات بأسرها لا تستغني عنه في حال من أحوالها، فهي مفتقرة إليه في إيجادها، وفي بقائها، وفي كل ما تحتاجه أو تضطر إليه، ومن سعة غناه أن خزائن السماوات والأرض والرحمة بيده، وأن جوده على خلقه متواصل في جميع اللحظات والأوقات، وأنَّ يده سحاء الليل والنهار، وخيره على الخلق مدرار ومن كمال غناه وكرمه أنه يأمر عباده بدعائه، ويعدهم بإجابة دعواتهم وإسعافهم بجميع مراداتهم، ويؤتيهم من فضله ما سألوه وما لم يسألوه، ومن كمال غناه أنه لو اجتمع أول الخلق وآخرهم في صعيد واحد فسألوه، فأعطى كلًا منهم ما سأله وما بلغت أمانيه ما نقص من ملكه مثقال ذرة ومن كمال غناه وسعة عطاياه ما يبسطه على أهل دار كرامته من النعيم واللذات المتتابعات، والخيرات المتواصلات، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ومن كمال غناه أنه لم يتخذ صاحبة، ولا ولدًا، ولا شريكا في الملك، ولا وليًا من الذل فهو الغني الذي كمل بنعوته وأوصافه، المغني لجميع مخلوقاته (١) والخلاصة أن الله الغني الذي له الغنى التام المطلق من كل الوجوه وهو المغني جميع خلقه، غنىً عامًا، المغني لخواص خلقه، بما أفاض على قلوبهم، من المعارف الربانية، والحقائق الإيمانية (٢) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٩٨
_________________
(١) «الحق الواضح المبين» (ص ٤٧ - ٤٨) و«شرح النونية» للهراس (٢/ ٧٨).
(٢) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٢٩).
[ ١ / ٤٩٢ ]
- الفتاح
قال الله تعالى: قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ [سبأ:٢٦] الفاتح: الحاكم والفتاح من أبنية المبالغة فالفتاح هو الحكم المحسن الجواد، وفتحه تعالى قسمين:
أحدهما: فتحه بحكمه الديني وحكمه الجزائي
والثاني: الفتاح بحكمه القدري
ففتحه بحكمه الديني هو شرعه على ألسنة رسله جميع ما يحتاجه المكلفون، ويستقيمون به على الصراط المستقيم وأما فتحه بجزائه فهو فتحه بين أنبيائه ومخالفيهم وبين أوليائه وأعدائهم بإكرام الأنبياء وأتباعهم ونجاتهم، وبإهانة أعدائهم وعقوباتهم وكذلك فتحه يوم القيامة وحكمه بين الخلائق حين يوفي كل عامل ما عمله وأما فتحه القدري فهو ما يقدِّره على عباده من خير وشر ونفع وضر وعطاء ومنع، قال تعالى: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [فاطر:٢] فالرب تعالى هو الفتاح العليم الذي يفتح لعباده الطائعين خزائن جوده وكرمه، ويفتح على أعدائه ضد ذلك، وذلك بفضله وعدله (١) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٥٢
_________________
(١) «الحق الواضح المبين» (ص ٨٣) وانظر: «شرح النونية» للهراس (٢/ ١٠٧).
[ ١ / ٤٩٣ ]
- القابض، الباسط، المعطي
قال الله تعالى: وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:٢٤٥] وقال ﷺ: «إن الله هو المسعِّر، القابض، الباسط الرزاق» (١) وقال ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين والله المعطي وأنا القاسم» (٢) وقال ﷺ: «إن الله ﷿ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل» (٣) الحديث
وقال تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:٢٦] وقال ﷺ: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين» (٤) وقد كان ﷺ يقول بعد السلام من الصلاة حينما ينصرف إلى الناس: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد» (٥) هذه الصفات الكريمة من الأسماء المتقابلات التي لا ينبغي أن يثنى على الله بها إلا كل واحد منها مع الآخر، لأن الكمال المطلق من اجتماع الوصفين، فهو القابض للأرزاق والأرواح والنفوس، والباسط للأرزاق والرحمة والقلوب وهو الرافع لأقوام قائمين بالعلم والإيمان، الخافض لأعدائه وهو المعز لأهل طاعته، وهذا عز حقيقي، فإنَّ المطيع لله عزيز وإن كان فقيرًا ليس له أعوان، المذل لأهل معصيته وأعدائه ذلًا في الدنيا والآخرة فالعاصي وإن ظهر بمظاهر العز فقلبه حشوه الذل وإن لم يشعر به لانغماسه في الشهوات فإن العز كل العز بطاعة الله والذل بمعصيته ومن يهن الله فما له من مكرم [الحج:١٨] من كان يريد العزة فلله العزة جميعًا [فاطر:١٠] وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ [المنافقون:٨] وهو تعالى المانع المعطي فلا معطي لما منع، ولا مانع لما أعطى وهذه الأمور كلها تبع لعدله وحكمته وحمده، فإن له الحكمة في خفض من يخفضه ويذله ويحرمه، ولا حجة لأحد على الله، كما له الفضل المحض على من رفعه وأعطاه وبسط له الخيرات، فعلى العبد أن يعترف بحكمة الله، كما عليه أن يعترف بفضله ويشكره بلسانه وجنانه وأركانه، وكما أنه هو المنفرد بهذه الأمور وكلها جارية تحت أقداره، فإن الله جعل لرفعه وعطائه وإكرامه أسبابًا، ولضد ذلك أسبابًا من قام بها ترتبت عليه مسبباتها، وكلٌ ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، وهذا يوجب للعبد القيام بتوحيد الله، والاعتماد على ربه في حصول ما يحب، ويجتهد في فعل الأسباب النافعة فإنها محل حكمة الله شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٨٨
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٤٥١)، والترمذي (١٣١٤)، وابن ماجه (٢٢٠٠)، وأحمد (٣/ ١٥٦) (١٢٦١٣). من حديث أنس بن مالك ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٥/ ٤٢٣): روي من وجوه صحيحة لا بأس بها. وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٣٣): إسناده على شرط مسلم. وقال ابن حجر في «تسديد القوس» (١/ ٩٣): أصله في مسلم. وقال ابن دقيق العيد في «الاقتراح» (ص١١٣)، والألباني في «صحيح أبي داود»: صحيح.
(٢) رواه البخاري (٣١١٦) واللفظ له، ومسلم (١٠٣٧). من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄.
(٣) رواه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٤) رواه مسلم (٨١٧) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٥) البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
[ ١ / ٤٩٤ ]
- القاهر، القهار
قال ابن جرير رحمه الله تعالى: (القاهر) المذلل المستعبد خلقه العالي عليهم (١).
وقال ابن كثير ﵀: (وهو القاهر فوق عباده) أي: هو الذي خضعت له الرقاب وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه وقهر كل شيء، ودانت له الخلائق وتواضعت لعظمته وجلاله وكبريائه وعلوه وقدرته على الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت قهره وحكمه) (٢).
ويقول ابن القيم – رحمه الله تعالى – في نونيته:
وكذلك القهار من أوصافه فالخلق مقهورون بالسلطان
لو لم يكن حيًا عزيزًا قادرًا ما كان من قهر ولا سلطان (٣)
ويقول أيضًا: (لا يكون القهار إلا واحدًا، إذ لو كان معه كفؤ له فإن لم يقهره لم يكن قهارًا على الإطلاق، وإن قهره لم يكن كفؤًا، فكان القهار واحدًا) (٤).
ويقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: (القهار لجميع العالم العلوي والسفلي، القهار لكل شيء الذي خضعت له المخلوقات وذلك لعزته وقوته وكمال اقتداره) (٥).
وقال الخطابي: (-القهار- هو الذي قهر الجبابرة من عتاة خلقه بالعقوبة، وقهر الخلق كلهم بالموت) (٦). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٤١٤
_________________
(١) «تفسير الطبري» (٧/ ١٠٣).
(٢) «تفسير ابن كثير» (٢/ ١٢٦).
(٣) «النونية» (٢/ ٢٣٢).
(٤) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠١٨).
(٥) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٢٤ – ٦/ ٤٤٨).
(٦) «شأن الدعاء» (ص: ٥٣).
[ ١ / ٤٩٥ ]
- القدوس، السلام
قال الله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ [الحشر:٢٣] (القدوس، السلام) معناهما متقاربان، فإنَّ القدوس مأخوذ من قدَّس بمعنى: نزَّهه وأبعده عن السوء مع الإجلال والتعظيم والسلام مأخوذ من السلامة فهو سبحانه السالم من مماثلة أحد من خلقه، ومن النقص، ومن كل ما ينافي كماله (١) فهو المقدَّس المعظَّم المنزه عن كل سوء، السالم من مماثلة أحد من خلقه ومن النقصان ومن كل ما ينافي كماله فهذا ضابط ما ينزه عنه: ينزه عن كل نقص بوجه من الوجوه، وينزه ويعظم أن يكون له مثيل، أو شبيه أو كفوء، أو سمي، أو ند، أو مضاد، وينزه عن نقص صفة من صفاته التي هي أكمل الصفات وأعظمها وأوسعها ومن تمام تنزيهه عن ذلك إثبات صفات الكبرياء والعظمة له، فإنَّ التنزيه مراد لغيره ومقصود به حفظ كماله عن الظنون السيئة كظن الجاهلية الذين يظنون به ظن السوء، ظن غير ما يليق بجلاله، وإذا قال العبد مثنيا على ربه: (سبحان الله) أو (تقدس الله) أو (تعالى الله) ونحوها كان مثنيًا عليه بالسلامة من كل نقص وإثبات كل كمال (٢)
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في اسم (السلام): الله أحق بهذا الاسم من كل مسمىً به، لسلامته سبحانه من كل عيب ونقص من كل وجه، فهو السلام الحق بكل اعتبار، والمخلوق سلام بالإضافة، فهو سبحانه سلام في ذاته عن كل عيب ونقص يتخيله وهم، وسلام في صفاته من كل عيب ونقص، وسلام في أفعاله من كل عيب ونقص وشر وظلم وفعل واقع على غير وجه الحكمة، بل هو السلام الحق من كل وجه وبكل اعتبار، فعلم أن استحقاقه تعالى لهذا الاسم أكمل من استحقاق كل ما يطلق عليه، وهذا هو حقيقة التنزيه الذي نزه به نفسه، ونزهه به رسوله شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٤٠
_________________
(١) «شرح النونية» للهراس (٢/ ١٠٥).
(٢) «الحق الواضح المبين» (ص ٨١ - ٨٢).
[ ١ / ٤٩٦ ]
- القريب
قال الله تعالى: هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ [هود:٦١].
من أسمائه (القريب)، وقربه نوعان:
قرب عام وهو إحاطة علمه بجميع الأشياء، وهو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد وهو بمعنى المعية العامة
وقرب خاص بالداعين والعابدين المحبين، وهو قرب يقتضي المحبة، والنصرة، والتأييد في الحركات والسكنات، والإجابة للداعين، والقبول والإثابة للعابدين (١) قال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:١٨٦] وإذا فهم القرب بهذا المعنى في العموم والخصوص لم يكن هناك تعارض أصلًا بينه وبين ما هو معلوم من وجوده تعالى فوق عرشه فسبحان من هو عليٌّ في دنوه قريب في علوه (٢) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١١٧
_________________
(١) «الحق الواضح المبين» (ص٦٤)، و«شرح النونية» للهراس (٢/ ٩٢).
(٢) «شرح النونية» للهراس (٢/ ٩٢) و«توضيح المقاصد» (٢/ ٢٢٩).
[ ١ / ٤٩٧ ]
- الكبير
وهو ﷾ الموصوف بصفات المجد، والكبرياء، والعظمة، والجلال، الذي هو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وأجل وأعلى.
وله التعظيم والإجلال، في قلوب أوليائه وأصفيائه قد مُلئت قلوبهم من تعظيمه، وإجلاله، والخضوع له، والتذلل لكبريائه (١) قال الله تعالى: ذلك بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير [غافر:١٢] شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٨٤
_________________
(١) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٢٢).
[ ١ / ٤٩٨ ]
- اللطيف
قال الله تعالى: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ [الشورى:١٩] وقال تعالى: لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام:١١٣]
(اللَّطِيفُ) من أسمائه الحسنى، وهو الذي يلطف بعبده في أموره الداخلية المتعلقة بنفسه، ويلطف بعبده في الأمور الخارجية عنه، فيسوقه ويسوق إليه ما به صلاحه من حيث لا يشعر وهذا من آثار علمه وكرمه ورحمته، فلهذا كان معنى اللطيف نوعين:
أنه الخبير الذي أحاط علمه بالأسرار والبواطن والخبايا والخفايا ومكنونات الصدور ومغيبات الأمور، وما لطف ودقَّ من كل شيء.
النوع الثاني: لطفه بعبده ووليه الذي يريد أن يتمَّ عليه إحسانه، ويشمله بكرمه ويرقيه إلى المنازل العالية فييسره لليسرى ويجنبه العسرى، ويجري عليه من أصناف المحن التي يكرهها وتشق عليه، وهي عين صلاحه والطريق إلى سعادته، كما امتحن الأنبياء بأذى قومهم وبالجهاد في سبيله، وكما ذكر الله عن يوسف ﷺ وكيف ترقت به الأحوال ولطف الله به وله بما قدَّره عليه من تلك الأحوال التي حصل له في عاقبتها حسن العقبى في الدنيا والآخرة، وكما يمتحن أولياءه بما يكرهونه لينيلهم ما يحبون.
فكم لله من لطف وكرم لا تدركه الأفهام، ولا تتصوره الأوهام، وكم استشرف العبد على مطلوب من مطالب الدنيا من ولاية، أو رياسة، أو سبب من الأسباب المحبوبة، فيصرفه الله عنها ويصرفها عنه رحمة به لئلا تضره في دينه، فيظل العبد حزينًا من جهله وعدم معرفته بربه، ولو علم ما ذخر له في الغيب وأريد إصلاحه فيه لحمد الله وشكره على ذلك، فإن الله بعباده رؤوف رحيم لطيف بأوليائه شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١١٥
[ ١ / ٤٩٩ ]
- المبين
المبين: اسم الفاعل من أبان يبين فهو مبين إذا أظهر وبينَّ إما قولًا، وإما فعلًا والبينة هي الدلالة الواضحة عقلية كانت أو محسوسة والبيان هو الكشف عن الشيء وسمي الكلام بيانًا لكشفه عن المقصود وإظهاره نحو هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ [آل عمران:١٣٨] فالله ﷿ هو المبين لعباده سبيل الرشاد والموضح لهم الأعمال التي يستحقون الثواب على فعلها والأعمال التي يستحقون العقاب عليها، وبين لهم ما يأتون، وما يذرون يقال: أبان الرجل في كلامه ومنطقه فهو مبين والبيان: الكلام ويقال: (بان الكلام وأبان بمعنىً واحد فهو: مُبِّينٌ ومُبينٌ (١) وقد سمى الله نفسه بالمبين يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [النور:٢٥] وهو سبحانه الذي بين لعباده طرق الهداية وحذرهم وبين لهم طرق الضلال وأرسل إليهم الرسل وأنزل الكتب ليبين لهم قال الله ﷿: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ [البقرة:١٩٥] وهذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة والهدى النافع للقلوب من بعد ما بينه الله تعالى في كتبه التي أنزلها على رسله عليهم الصلاة والسلام وقال ﷿: وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [البقرة:١١٨]، كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [البقرة:٢٦٦]، يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النساء:٢٦] وقال ﷿: يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [المائدة:١٥ - ١٦] ويقول ﷿: انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المائدة:٧٥] وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النور:١٨] والله ﷿ يبين للناس الأحكام الشرعية ويوضحها ويبين الأحكام القدرية وهو عليم بما يصلح عباده حكيم في شرعه وقدره، (٢) فله الحكمة البالغة والحجة الدامغة وقال ﷿: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:١٠٣] وقال: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التوبة:١١٥] يخبر الله عن نفسه الكريمة وحكمه العادل أنه لا يضل قومًا إلا بعد إبلاغ الرسالة إليهم حتى يكونوا قد قامت عليهم الحجة (٣) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٩٧
_________________
(١) انظر: «مفردات القرآن» للراغب الأصفهاني (ص٦٨ - ٦٩)، و«اشتقاق الأسماء» للزجاجي (ص١٨٠).
(٢) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٣/ ٢٧٤).
(٣) «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٢/ ٣٩٦).
[ ١ / ٥٠٠ ]
- المتكبر
-المتكبر- العظيم ذو الكبرياء، المتعالي عن صفات خلقه، المتكبر على عتاتهم. والكبرياء: العظمة والملك. وقيل: هي عبارة عن كمال الذات، وكمال الوجود، ولا يوصف بها على وجه المدح إلا الله) (١).
وقال الخطابي: (المتكبر: المتعالي عن صفات الخلق. ويقال: هو الذي يتكبر على عتاة خلقه إذا نازعوه العظمة فيقصمهم. والتاء في المتكبر: تاء التفرد، والتخصص بالكبر، لا تاء التعاطي والتكلف) (٢).
وقال قتادة: (المتكبر) أي: تكبر عن كل شر (٣).
وقيل: (المتكبر) هو الذي تكبر عن ظلم عباده وهو يرجع إلى الأول (٤).
مما سبق من النقولات يمكن فهم معنى اسمه سبحانه (المتكبر) في المعاني التالية:
١ - المتكبر والمتنزه عن كل سوء وشر.
٢ - المتكبر على عتاة خلقه وجبابرتهم إذا نازعوه العظمة فيقصمهم.
٣ - المتكبر عن ظلم عباده فلا يظلم أحدًا.
٤ - المتكبر والمتعالي عن صفات خلقه فلا شيء مثله.
٥ - الذي كبر وعظم فكل شيء دون جلاله صغير وحقير.
وثبت عنه ﷺ أنه قال: «يقول الله ﷿: العز إزاري، والكبرياء ردائي فمن نازعني عذبته».
وقد كان النبي ﷺ يسبح ربه سبحانه ويثني عليه في ركوعه وسجوده بهذا الدعاء: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة». ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٢٢٧
_________________
(١) «لسان العرب» (٣/ ٢١٠).
(٢) «شأن الدعاء» (ص: ٤٨).
(٣) «تفسير الطبري» (٢٨/ ٣٧).
(٤) «تفسير الطبري» (٢٨/ ٣٧).
[ ١ / ٥٠١ ]
- المجيب
من أسمائه تعالى (المجيب) لدعوة الداعين وسؤال السائلين وعباده المستجيبين، وإجابته نوعان:
إجابة عامة لكل من دعاه دعاء عبادة أو دعاء مسألة، قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:٦٠] فدعاء المسألة أن يقول العبد اللهم أعطني كذا أو اللهم ادفع عني كذا، فهذا يقع من البر والفاجر، ويستجيب الله فيه لكل من دعاه بحسب الحال المقتضية وبحسب ما تقتضيه حكمته وهذا يُستدل به على كرم المولى وشمول إحسانه للبر والفاجر، ولا يدل بمجرده على حسن حال الداعي الذي أجيبت دعوته إن لم يقترن بذلك ما يدل عليه وعلى صدقه وتعيُّن الحق معه، كسؤال الأنبياء ودعائهم لقومهم وعلى قومهم فيجيبهم الله، فإنه يدل على صدقهم فيما أخبروا به وكرامتهم على ربهم، ولهذا كان النبي صلى الله عليه كثيرًا ما يدعو بدعاء يشاهد المسلمون وغيرهم إجابته، وذلك من دلائل نبوته وآيات صدقه، وكذلك ما يذكرونه عن كثير من أولياء الله من إجابة الدعوات، فإنه من أدلة كراماتهم على الله.
وأما الإجابة الخاصة فلها أسباب عديدة، منها دعوة المضطر الذي وقع في شدة وكربة عظيمة، فإنَّ الله يجيب دعوته، قال تعالى: أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ [النمل:٦٢] وسبب ذلك شدَّة الافتقار إلى الله وقوة الانكسار وانقطاع تعلقه بالمخلوقين، ولسعة رحمة الله التي يشمل بها الخلق بحسب حاجتهم إليها، فكيف بمن اضطر إليها، ومن أسباب الإجابة طول السفر والتوسل إلى الله بأحب الوسائل إليه من أسمائه وصفاته ونعمه، وكذلك دعوة المريض، والمظلوم، والصائم والوالد على ولده أو له، وفي الأوقات والأحوال الشريفة مثل أدبار الصلوات، وأوقات السحر، وبين الأذان والإقامة، وعند النداء، ونزول المطر واشتداد البأس، ونحو ذلك (١) إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ [هود:٦١] شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١١٩
_________________
(١) «شرح النونية» للهراس (٢/ ٩٣ - ٩٤) و«توضيح المقاصد وتصحيح القواعد» (٢/ ٢٢٩).
[ ٢ / ١ ]
- المجيد
(المجيد) الذي له المجد العظيم، والمجد هو عظمة الصفات وسعتها، فكل وصف من أوصافه عظيم شأنه: فهو العليم الكامل في علمه، الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، القدير الذي لا يعجزه شيء، الحليم الكامل في حلمه، الحكيم الكامل في حكمته، إلى بقية أسمائه وصفاته (١) التي بلغت غاية المجد فليس في شيء منها قصور أو نقصان قال تعالى: قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ [هود:٧٣] شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٨٣
_________________
(١) «الحق الواضح المبين» (ص٣٣) و«شرح النونية» للهراس (٢/ ٧١).
[ ٢ / ٢ ]
- المحسن
والمحسن من أسماء الله تعالى، لحديث أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا حكمتم؛ فاعدلوا، وإذا قتلتم؛ فأحسنوا؛ فإن الله مُحْسِنٌ يحب الإحسان» (١) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٥٠
_________________
(١) رواه ابن أبي عاصم في «الدِّيَّات» (ص٩٤)، والطبراني في «الأوسط» (٥٧٣٥) واللفظ له، وابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٧/ ٣٠٦)، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (٢/ ١١٣). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٩٧):رواه الطبراني في «الأوسط» ورجاله ثقات. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤٦٩): وهذا إسناد جيد رجاله ثقات. وقال في «إرواء الغليل» (٧/ ٢٩٣): سنده حسن.
[ ٢ / ٣ ]
- المحيط
قال الله تعالى: وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا [النساء:١٢٦] وقال ﷿: إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران:١٢٠] وهو الذي أحاط بكل شيء علمًا، وقدرة، ورحمة، وقهرًا وقد أحاط علمه بجميع المعلومات، وبصره بجميع المبصرات، وسمعه بجميع المسموعات ونفذت مشيئته وقدرته بجميع الموجودات، ووسعت رحمته أهل الأرض والسماوات، وقهر بعزته كل مخلوق ودانت له جميع الأشياء (١) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٦٩
_________________
(١) «تفسير السعدي» (٢/ ١٧٩).
[ ٢ / ٤ ]
- المقدم، والمؤخر
كان من آخر ما يقول النبي ﷺ بين التشهد والتسليم: «اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني أنت المقدم، وأنت المؤخر لا إله إلا أنت» (١).
المقدم والمؤخر هما كما تقدم من الأسماء المزدوجة المتقابلة التي لا يطلق واحد بمفرده على الله إلا مقرونًا بالآخر، فإن الكمال من اجتماعهما، فهو تعالى المقدم لمن شاء والمؤخر لمن شاء بحكمته وهذا التقديم يكون كونيًا كتقديم بعض المخلوقات على بعض وتأخير بعضها على بعض، وكتقديم الأسباب على مسبباتها والشروط على مشروطاتها وأنواع التقديم والتأخير في الخلق والتقدير بحر لا ساحل له ويكون شرعيًا كما فضل الأنبياء على الخلق وفضل بعضهم على بعض، وفضل بعض عباده على بعض، وقدمهم في العلم، والإيمان، والعمل، والأخلاق، وسائر الأوصاف، وأخَّر من أخَّر منهم بشيء من ذلك وكل هذا تبع لحكمته وهذان الوصفان وما أشبههما من الصفات الذاتية لكونهما قائمين بالله والله متصف بهما، ومن صفات الأفعال لأن التقديم والتأخير متعلق بالمخلوقات ذواتها، وأفعالها، ومعانيها، وأوصافها، وهي ناشئة عن إرادة الله وقدرته.
فهذا هو التقسيم الصحيح لصفات الباري، وإن صفات الذات متعلقة بالذات، وصفات أفعاله متصفة بها الذات ومتعلقة بما ينشأ عنها من الأقوال والأفعال (٢) قال الله ﷿: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير [الأنعام:١٧] وقال الله تعالى: قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [الفتح:١١] وصفة الضر والنفع هما كما تقدم من الأسماء المزدوجة المتقابلة فالله تعالى النافع لمن شاء من عباده بالمنافع الدينية والدنيوية، الضار لمن فعل الأسباب التي توجب ذلك، وكل هذا تبع لحكمته وسننه الكونية وللأسباب التي جعلها موصلة إلى مسبباتها، فإنَّ الله تعالى جعل مقاصد للخلق وأمورًا محبوبة في الدين والدنيا، وجعل لها أسبابًا وطرقًا، وأمر بسلوكها ويسَّرها لعباده غاية التيسير، فمن سلكها أوصلته إلى المقصود النافع، ومن تركها أو ترك بعضها أو فوت كمالها أو أتاها على وجه ناقص ففاته الكمال المطلوب فلا يلومنّ إلا نفسه، وليس له حجة على الله، فإن الله أعطاه السمع، والبصر، والفؤاد، والقوة’ والقدرة، وهداه النجدين، وبين له الأسباب، والمسببات، ولم يمنعه طريقًا يوصل إلى خير ديني ولا دنيوي، فتخلفه عن هذه الأمور يوجب أن يكون هو الملوم عليها المذموم على تركها واعلم أن صفات الأفعال كلها متعلقة وصادرة عن هذه الصفات الثلاث: القدرة الكاملة، والمشيئة النافذة، والحكمة الشاملة التامة وهي كلها قائمة بالله، والله متصف بها، وآثارها ومقتضياتها جميع ما يصدر عنها في الكون كله من التقديم والتأخير، والنفع والضر، والعطاء والحرمان، والخفض والرفع، لا فرق بين محسوسها ومعقولها، ولا بين دينيها ودنيويها فهذا معنى كونها أوصاف أفعال لا كما ظنه أهل الكلام الباطل (٣) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٩٢
_________________
(١) رواه البخاري (١١٢٠) من حديث ابن عباس ﵄. ومسلم (٧٧١) وقيده بقوله بين التشهد والتسليم. من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٢) «الحق الواضح المبين» (ص١٠٠).
(٣) «توضيح الكافية الشافية» للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ص١٣١ - ١٣٢).
[ ٢ / ٥ ]
- المقيت
قال ابن جرير رحمه الله تعالى: (اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى: وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا، فقال بعضهم في تأويله: وكان الله على كل شيء حفيظًا وشهيدًا.
وقال آخرون معنى ذلك: القائم على كل شيء بالتدبير، وقال آخرون: هو القدير.
ثم قال: والصواب من هذه الأقوال: قول من قال: معنى المقيت: القدير وذلك أن ذلك فيما بلغه يذكر كذلك بلغة قريش، وينشد للزبير بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ:
وذي ضغن كففت النفس عنه وكنت على مساءته مقيتًا
أي: قادرًا) (١).
وقال الخطابي: (المقيت بمعنى القدير، والمقيت أيضًا: معطي القوت) (٢).
وقال ابن العربي: (وعلى القول بأنه (القادر) يكون من صفات الذات، وإن قلنا إنه اسم للذي يعطي القوت فهو اسم للوهاب والرزاق ويكون من صفات الأفعال) (٣).
وقال القرطبي –﵀- في التفسير: (وقال أبو عبيدة: المقيت الحافظ، وقال الكسائي: المقيت المقتدر.
وقال النحاس: وقل أبي عبيدة أولى لأنه مشتق من القوت، والقوت معناه مقدار ما يحفظ الإنسان) (٤).
وقال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: (المقيت الذي أوصل إلى كل موجود ما به يقتات، وأوصل إليها أرزاقها وصرفها كيف يشاء بحكمته وحمده) (٥).
وقال الراغب: (وقاته يقيته قوتًا أطعمه قوته، وأقاته يقيته جعل له ما يقوته وفي الحديث الشريف «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت». وقيل: مقتدرًا، وقيل: حافظًا، وقيل: شاهدًا، وحقيقته قائمًا عليه يحفظه ويقيته) (٦)، وفي الحديث: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا».
ويبدو أن هناك فرقًا بين اسم المقيت واسم الرزاق، فالمقيت أخص من الرزاق؛ لأنه يختص بالقوت، أما الرزاق فيتناول القوت وغير القوت.
فالمقيت سبحانه يقدر حاجة الخلائق بعلمه، ثم يسوقها إليهم بقدرته، ليقيتهم بها ويحفظهم. قال الله ﷿: وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا [فصلت: ١٠].
قال ابن كثير رحمه الله تعالى عند هذه الآية: (وقدر فيها أقواتها وهو ما يحتاج أهلها إليه من الأرزاق والأماكن التي تزرع وتغرس) (٧). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٦٨٧
_________________
(١) «تفسير الطبري» (٥/ ١١٨).
(٢) «شأن الدعاء» (ص: ٦٨).
(٣) انظر: «النهج الأسمى» (١/ ٣٥٨)، محمد الحمود الجندي.
(٤) «تفسير الطبري» (٥/ ٢٩٦).
(٥) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٢٥).
(٦) «المفردات» للراغب (ص: ٤١٤).
(٧) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٩٣).
[ ٢ / ٦ ]
- الملِكُ، المليكُ، مالك الملك
المعنى اللغوي (للملك): (الملك، والمللك، والمليك، والمالك: ذو الملك.
قال ابن سيده: المَلْك، المُلك، المِلْك: احتواء الشيء والقدرة على الاستبدادية وتملكه: أي ملكه قهرًا، وأملكه الشيء وملكه إياه تمليكًا: جعله ملكا له. وأملكوه زوجوه، شبه الزوج بملك عليها في سياستها. والملكوت مختص بملك الله تعالى وهو مصدر ملك، أدخلت فيه التاء نحو: جبروت ورهبوت ورحموت. قال تعالى: أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الأعراف: ١٨٥]) (١).
معناه في حق الله تعالى:
قال ابن جرير رحمه الله تعالى: (المَلِك: الذي لا ملك فوقه ولا شيء إلا دونه) (٢).
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: (وهو الله الذي لا إله إلا هو الملك أي: المالك لجميع الأشياء المتصرف فيها بلا مبالغة ولا مدافعة) (٣).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (إن من أسمائه: (الملك)، ومعناه الملك الحقيقي ثابت له – سبحانه – بكل وجه، وهذه الصفات تستلزم سائر صفات الكمال. إذ من المحال ثبوت الملك الحقيقي التام لمن ليس له حياة ولا قدرة، ولا إرادة ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا فعل اختياري يقوم به، وكيف يوصف بالملك من لا يأمر ولا ينهي؛ ولا يثيب ولا يعاقب؛ ولا يعطي ولا يمنع؛ ولا يعز ولا يذل؛ ولا يهين ولا يكرم؛ ولا ينعم ولا ينتقم؛ ولا يخفض ولا يرفع، ولا يرسل الرسل إلى أقطار مملكته، ولا يتقدم إلى عبيده بأوامره ونواهيه؟ فأي ملك في الحقيقة لمن عدم ذلك؟
وبهذا يتبين أن المعطلين لأسمائه وصفاته: جعلوا مماليكه أكمل منه، ويأنف أحدهم أن يقال في أمره وملكه ما يقوله هو في ربه.
فصفة ملكه الحق مستلزمة لوجود ما لا يتم التصرف إلا به، والكل منه – سبحانه – فلم يتوقف كمال ملكه على غيره، فإن كل ما سواه مسند إليه؛ متوقف في وجوده على مشيئته وخلقه) (٤).
وهذه المعاني التي تضمنها اسم الجلالة (الملك): هي ما يتم به حقيقة الملك، كما ذكر ذلك ابن القيم – رحمه الله تعالى – في موطن آخر حيث يقول: (إن حقيقة الملك: إنما تتم بالعطاء والمنع؛ والإكرام والإهانة؛ والإثابة والعقوبة؛ والغضب والرضا؛ والتولية والعزل؛ وإعزاز من يليق به العز، وإذلال من يليق به الذل. قال تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧]، وقال تعالى: يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: ٢٩].
يغفر ذنبا؛ ويفرج كربا؛ ويكشف غما، وينصر مظلومًا؛ ويأخذ ظالمًا، ويفك عانيا؛ ويغني فقيرًا، ويجبر كسيرًا؛ ويشفي مريضًا، ويقيل عثرة؛ ويستر عورة، ويعز ذليلًا؛ ويذل عزيزًا؛ ويعطي سائلًا، ويذهب بدولة ويأتي بأخرى؛ ويداول الأيام بين الناس؛ ويرفع أقوامًا ويضع آخرين، ويسوق المقادير التي قدرها قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام إلى مواقيتها؛ فلا يتقدم شيء منها عن وقته ولا يتأخر، بل كل منها قد أحصاه كما أحصاه كتابه؛ وجرى به قلمه؛ ونفذ فيه حكمه؛ وسبق به علمه، فهو المتصرف في الممالك كلها وحده؛ تصرف ملك قادر قاهر، عادل رحيم، تام الملك؛ لا ينازعه في ملكه منازع؛ ولا يعارضه فيه معارض، فتصرفه في المملكة دائر بين العدل والإحسان؛ والحكمة والمصلحة والرحمة؛ فلا يخرج تصرفه عن ذلك) (٥). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٣٥٨
_________________
(١) أنظر «النهاية» (٤/ ٣٥٨)، و«اللسان» (٦/ ٤٢٦٦)، و«المفردات» للراغب (ص: ٤٧٢).
(٢) «تفسير الطبري» (٢٨/ ٣٦).
(٣) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٣٤٣).
(٤) «شفاء العليل» (٢/ ٦٠٩ - ٦١٠).
(٥) «طريق الهجرتين وباب السعادتين» (ص: ٢٢٨، ٢٢٩).
[ ٢ / ٧ ]
- المنان
المنان من أسماء الله الحسنى التي سماه بها رسول الله ﷺ فعن أنس بن مالك ﵁ قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يقول: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك المنان يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار فقال النبي ﷺ: لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب» (١) قال ابن الأثير (٢): (المنان) هو المنعم المعطي من المنِّ: العطاء، لا من المنة وكثيرًا ما يرد المن في كلامهم: بمعنى الإحسان إلى من لا يستثيبه ولا يطلب الجزاء عليه فالمنان من أبنية المبالغة كالوهاب ومنه الحديث الذي أخرجه البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: «إنه ليس من الناس أحد أمنّ عليَّ في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة ولو كنت متخذًا من الناس خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن خلة الإسلام أفضل» (٣) ومعنى «إن من أمنِّ الناس» أكثرهم جودًا لنا بنفسه، وماله وليس هو من المن الذي هو الاعتداد بالصنيعة والله ﷿ هو المنان: من المن العطاء، والمنان: هو عظيم المواهب، فإنه أعطى الحياة، والعقل، والنطق، وصور فأحسن وأنعم فأجزل، وأسنى النعم، وأكثر العطايا والمنح قال وقوله الحق: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:٣٤]
_________________
(١) رواه أبو داود (١٤٩٥)، والترمذي (٣٥٤٤)، والنسائي (٣/ ٥٢)، وابن ماجه (٣٨٥٨) واللفظ له، وأحمد (٣/ ١٢٠) (١٢٢٢٦)، والحاكم (١/ ٦٨٣). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: حديث غريب. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجة»: حسن صحيح.
(٢) «النهاية في غريب الحديث» (٤/ ٣٦٥).
(٣) رواه البخاري (٤٦٧) من حديث عبد الله بن عباس ﵄.
[ ٢ / ٨ ]
ومن أعظم النعم بل أصل النعم التي امتن الله بها على عباده الامتنان عليهم بهذا الرسول ﷺ الذي أنقذهم الله به من الضلال وعصمهم به من الهلاك (١) قال الله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ [آل عمران:١٦٤] فالله ﷿ هو الذي منَّ على عباده: بالخلق، والرزق، والصحة في الأبدان، والأمن في الأوطان، أسبغ عليهم النعم الظاهرة والباطنة، ومن أعظم المنن وأكملها وأنفعها- بل أصل النعم – الهداية للإسلام ومنته بالإيمان وهذا أفضل من كل شيء ومعنى لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ أي تفضل على المؤمنين المصدقين والمنان المتفضل (٢)، والمنة: النعمة العظيمة قال الأصفهاني: المنة: النعمة الثقيلة وهي على نوعين: النوع الأول: أن تكون هذه المنة بالفعل فيقال: منَّ فلان على فلان إذا أثقله بالنعمة وعلى ذلك قوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ وقوله تعالى: كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرًا [النساء:٩٤] وقال ﷿: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ [الصافات:١١٤] وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى [طه:٣٧] وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [القصص:٥] فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [الطور:٢٧] وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم:١١] وهذا كله على الحقيقة لا يكون إلا من الله تعالى فهو الذي منَّ على عباده بهذه النعم العظيمة فله الحمد حتى يرضى وله الحمد بعد رضاه وله الحمد في الأولى والآخرة.
النوع الثاني: أن يكون المنُّ بالقول وذلك مستقبح فيما بين الناس ولقبح ذلك قيل المنة تهدم الصنيعة قال الله تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:١٧] فالمنة من الله عليهم بالفعل وهو هدايتهم للإسلام، والمنة منهم بالقول المذموم وقد ذم الله في كتابه ونهى عن المنُّ المذموم: وهو المنة بالقول فقال: وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ [المدثر:٦] قال ابن كثير: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره وقيل غير ذلك وقال الله ﷿: الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [البقرة:٢٦٢ - ٢٦٤] وقد ذم رسول الله ﷺ المنُّ بالعطية فقال ﵊: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله قال: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب» (٣) هذا هو المنُّ المذموم أما المن بمعنى العطاء والإحسان، والجود فهو المحمود والخلاصة: أنَّ الله ﵎ هو المنان الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهو عظيم المواهب، أعطى الحياة، والعقل، والنطق، وصور فأحسن، وأنعم فأجزل، وأكثر العطايا والمنح، وأنقذ عباده المؤمنين، ومنَّ عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وإخراجهم من الظلمات إلى النور بمنه وفضله ومنَّ على عباده أجمعين: بالخلق، والرزق، والصحة، والأمن لعباده المؤمنين وأسبغ على عباده النعم مع كثرة معاصيهم وذنوبهم شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٢٠٠
_________________
(١) «تفسير السعدي» (١/ ٤٤٩).
(٢) «الأسماء والصفات» للبيهقي (١/ ٢٠٩).
(٣) رواه مسلم (١٠٦).
[ ٢ / ٩ ]
- المهيمن
المطَّلع على خفايا الأمور، وخبايا الصدور، الذي أحاط بكل شيء علمًا (١) وقال البغوي (٤/ ٣٢٦): الشهيد على عباده بأعمالهم وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما يقال: هيمن يهيمن فهو مهيمن إذا كان رقيبًا على الشيء شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٦٩
_________________
(١) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٢٤).
[ ٢ / ١٠ ]
- المؤمن
المعنى اللغوي (للمؤمن):
له معنيان:
الأول: المصدق. قال الزجاج: (أصل الإيمان: التصديق والثقة. وقال الله ﷿: وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا [يوسف: ١٧]، أي: لفرط محبتك ليوسف لا تصدقنا) (١).
الثاني: (من الأمان كما يقول: آمن فلان فلانا أي: أعطاه أمانا ليسكن إليه ويأمن، فكذلك أيضًا: (الله المؤمن) أي: يؤمن عباده المؤمنين فلا يأمن إلا من آمنه) (٢).
معنى هذا الاسم الكريم في حق الله تعالى:
أولًا: تعلقه بالمعنى الأول (المصدق): ومن معانيه في حق الله – ﷿ – ما يلي:
١ - أنه يصدق نفسه بتوحيده وصفاته، كما قال عز من قائل: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ [آل عمران: ١٨].
فقد شهد سبحانه لنفسه بالوحدانية، وهذه الشهادة أعظم شهادة: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً [الأنعام: ١٩]، فليس فوق شهادة الله شهادة، فهي أعظم من شهادة ملائكته، ورسله، وأنبيائه، ومخلوقاته له بالشهادة.
٢ - تصديق الله رسله وأنبياءه وأتباعهم، فمن ذلك ما أنزله الله من الآيات البينات التي دلت على صدقهم، ومن ذلك ما يظهره على أيدي المؤمنين، ومنها: ما يريه أعداءه من نصرة المؤمنين، فقد يرى الكفرة الملائكة تقاتل مع المؤمنين، ومنها: أن الكفرة قد يدعون الله أن ينصر المحق، فينصر الله المؤمنين، وغير ذلك مما يصدق به رسله وأتباعهم. ومن ذلك: إيقاع العذاب بالمجرمين والطغاة، أعداء الرسل فإن وقوع العذاب بهم تصديق من الله – ﷿ – لرسله.
٣ - تصديق الله عباده المؤمنين في يوم الدين، فالله يسأل الناس في يوم القيامة، ويصدق المؤمنين بإيمانهم، ويكذب الكفرة والمجرمين، فيشهد عليهم أعضاءهم، فتشهد. ويصدق المؤمنين ما وعدهم به من الثواب، ومصدق ما أوعدهم من العقاب (٣).
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (المصدق الذي يصدق الصادقين بما يقيم له من شواهد صدقهم، فهو الذي صدق رسله وأنبياءه فيما بلغوا عنه؛ وشهد لهم بأنهم صادقون بالدلائل التي دل بها على صدقهم – قضاء وخلقًا – فإنه سبحانه أخبر وخبره الصدق؛ وقوله الحق: أنه لابد أن يري العباد من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغته رسله، فقال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: ٥٣]، أي: القرآن، فإنه هو المتقدم في قوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ [فصلت: ٥٢].
ثم قال: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣]، فشهد سبحانه لرسوله بقوله أن ما جاء به حق، ووعده أن يرى العباد من آياته الخلقية ما يشهد بذلك أيضًا، ثم ذكر ما هو أعظم من ذلك وأجل؛ شهادته – سبحانه – على كل شيء) (٤).
ويقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: (المؤمن: الذي أثنى على نفسه بصفات الكمال، وبكمال الجلال، والجمال الذي أرسل رسله وأنزل كتبه بالآيات والبراهين، وصدق رسله بكل آية وبرهان، ويدل على صدقهم وصحة ما جاءوا به) (٥).
ثانيًا: تعلقه بالمعنى الثاني المشتق من (الأمان): وفيه من المعاني ما يلي:
١ - أنه الذي يؤمن خلقه من ظلمه وقد ذكر هذا المعنى ابن جرير في تفسيره وقال: (قال الضحاك عن ابن عباس ﵄ (المؤمن) أي: أمن خلقه من أن يظلمهم) (٦).
_________________
(١) «تفسير الأسماء» (ص: ٣١).
(٢) «اشتقاق أسماء الله تعالى» (ص: ٣٨٥).
(٣) أنظر: «أسماء الله الحسنى» للأشقر (ص: ٦٤، ٦٥).
(٤) «مدارج السالكين» (٣/ ٤٦٦).
(٥) «تفسير السعدي» (٥/ ٣٠١).
(٦) «تفسير الطبري» (٢٨/ ٣٦).
[ ٢ / ١١ ]
٢ - أنه الذي يهب عباده المؤمنين الأمن في الدنيا بالطمأنينة والأنس الذي يجدونه في قلوبهم بفعل الإيمان به سبحانه وتوحيده.
٣ - أنه الذي يؤمن خوف عبده الذي لجأ إليه بصدق في كشف كربته وتأمين خوفه. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (والمضطر إذا صدق في الاضطرار إليه: وجده رحيمًا مغيثًا، والخائف إذا صدق في اللجوء إليه: وجده مؤمنًا من الخوف) (١).
٤ - أنه الذي يؤمن عباده المنقادين لشرعه بما يشرع لهم من الأحكام والحدود التي يأمنون فيها على دينهم، وأنفسهم، وعقولهم، وأعراضهم، وأموالهم سواء على مستوى الفرد، أو الأسرة، أو المجتمع بحيث يعيش الجميع في أمن وسلام في ظل أحكام الله – ﷿ – والتي هي أثر من آثار اسمه (السلام المؤمن).
٥ - أنه الذي يؤمن عباده يوم الفزع الأكبر من مخاوف يوم القيامة ومن عذاب النار، قال الله تعالى عن عباده المؤمنين: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١ - ١٠٣]، وقال سبحانه عن أثر الإيمان في تحقيق الأمن في الدنيا والآخرة: الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ [الأنعام: ٨٢] (٢).
٦ - أنه الذي يؤمن عباده المؤمنين عند نزول الموت حال الاحتضار بأن يسمعوا تطمين ملائكة الرحمة لهم وتبشيرهم بالجنة، وتأمين خوفهم وحزنهم، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
٧ - أنه الذي يؤمن لجميع عباده، بل جميع خلقه، مؤمنهم وكافرهم، إنسهم وجنهم، كل ما يأمن بقاء حياتهم إلى الأجل الذي أجل لهم بتوفير رزقهم ودفع الغوائم عنهم. ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٢٠٩
_________________
(١) «مدارج السالكين» (٣/ ٣٢٤).
(٢) انظر في تفسير هذه الآية وأقسام الأمن وشموله رسالة «فأي الفريقين أحق بالأمن» للمؤلف.
[ ٢ / ١٢ ]
- النصير
النصير: فعيل بمعنى فاعل أو مفعول لأنَّ كل واحد من المتناصرين ناصر ومنصور وقد نصره ينصره نصرًا إذا أعانه على عدوه وشدَّ منه (١) والنصير هو الموثوق منه بأن لا يسلم وليه ولا يخذله والله ﷿ النصير ونصره ليس كنصر المخلوق: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١] وقد سمى نفسه ﵎ باسم النصير فقال: وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا [الفرقان:٣١] وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا [النساء:٤٥]، وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الحج:٧٨] فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الأنفال:٤٠] والله ﷿ هو النصير الذي ينصر عباده المؤمنين ويعينهم كما قال ﷿: إِن يَنصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران:١٦٠] وقال ﷿: إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:٧] إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:٥١] وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُون بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الروم:٥] وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:٤٠] وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:٤٧] مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ [الحج:١٥] ونصرة الله للعبد ظاهرة من هذه الآيات وغيرها فهو ينصر من ينصره ويعينه ويسدده. شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص٢١٨
_________________
(١) «النهاية في غريب الحديث» لابن الأثير (٥/ ٦٤).
[ ٢ / ١٣ ]
- الهادي
قال الله تعالى: وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا [الفرقان:٣١] قال تعالى: وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الحج:٥٤] (الهادي) أي: الذي يهدي ويرشد عباده إلى جميع المنافع، وإلى دفع المضار، ويعلمهم مالا يعلمون، ويهديهم لهداية التوفيق والتسديد، ويلهمهم التقوى، ويجعل قلوبهم منيبة إليه، منقادة لأمره والهداية: هي دلالة بلطف شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٣٢
[ ٢ / ١٤ ]
- الواحد، الأحد
قال الله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:١]، وقال سبحانه: قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الرعد:١٦] وهو الذي توحَّد بجميع الكمالات، بحيث لا يشاركه فيها مشارك ويجب على العبيد توحيده، عقدًا وقولًا وعملًا، بأن يعترفوا بكماله المطلق وتفرده بالوحدانية، ويفردوه بأنواع العبادة.
والأحد يعني: الذي تفرَّد بكل كمال، ومجد وجلال، وجمال وحمد، وحكمة، ورحمة، وغيرها من صفات الكمال فليس له مثيل ولا نظير، ولا مناسب بوجه من الوجوه فهو الأحد في حياته وقيوميته، وعلمه وقدرته، وعظمته وجلاله، وجماله وحمده، وحكمته ورحمته، وغيرها من صفاته، موصوف بغاية الكمال ونهايته، من كل صفة من هذه الصفات ومن تحقيق أحديته وتفرده بها أنه (الصمد) أي: الرب الكامل، والسيد العظيم، الذي لم يبق صفة كمال إلا اتصف بها ووصفه بغايتها وكمالها، بحيث لا تحيط الخلائق ببعض تلك الصفات بقلوبهم، ولا تعبر عنها ألسنتهم (١) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٦٦
_________________
(١) «بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار» لعبد الرحمن السعدي (ص٢٩١).
[ ٢ / ١٥ ]
- الواسع
قال في اللسان: (الواسع هو الذي وسع رزقه جميع خلقه، ووسعت رحمته كل شيء، وغناه كل فقر) (١).
ويقول الخطابي ﵀: (الواسع: هو الغني الذي وسع غناه مفاقر عباده، ووسع رزقه جميع خلقه، والسعة في كلام العرب: الغنى. ويقال: الله يعطي عن سعة أي عن غنى) (٢).
ويقول الطبري – ﵀ – عند قوله تعالى: إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١١٥]: (يعني جل ثناؤه بقوله: واسع أي: يسع خلقه كلهم بالكفاية والاتصال والجود والتدبير) (٣).
ويقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: (الواسع الصفات والنعوت ومتعلقاتها بحيث لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، واسع العظمة والسلطان والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم) (٤).
ويلاحظ في هذا المعنى أن كل واحد منها أخذ ببعض معان ومقتضيات هذا الاسم الجليل، وإلا فاسم (الواسع) يشمل – كما قال الشيخ السعدي – جميع الصفات والنعوت، فهو الواسع في علمه، وهو الواسع في غناه، وهو الواسع في فضله وإنعامه وجوده، وهو الواسع في قوته وعظمته وجبروته، وهو الواسع في قدرته، الواسع في حكمته، وهو الواسع في مغفرته ورحمته. ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٣٢٢
_________________
(١) انظر: «اللسان» (٦/ ٤٨٣٥).
(٢) «شأن الدعاء» (ص: ٧٢).
(٣) «تفسير الطبري» (١/ ٤٠٣).
(٤) «تفسير السعدي» (٥/ ٦٣١).
[ ٢ / ١٦ ]
- الوتر
قال ابن قتيبة رحمه الله تعالى: (الله ﷿ وتر وهو واحد) (١).
وقال الخطابي رحمه الله تعالى: (-الوتر- هو الفرد الذي لا شريك له ولا نظير) (٢).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (-الوتر- الفرد ومعناه في حق الله أنه الواحد الذي لا نظير له في ذاته ولا انقسام) (٣). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها – عبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٧٦٣
_________________
(١) «غريب الحديث» (١/ ١٧٢).
(٢) «شأن الدعاء» (ص: ١٠٤)، وانظر البيهقي في «الاعتقاد» (ص: ٦٨).
(٣) «فتح الباري» (١١/ ٢٢٧).
[ ٢ / ١٧ ]
- الودود
قال تعالى: وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ [هود:٩٠] وقال تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ [البروج:١٤] والود مأخوذ من الوُد بضم الواو بمعنى خالص المحبة فالودود هو المحب المحبوب بمعنى واد مودود، فهو الواد لأنبيائه، وملائكته، وعباده المؤمنين، وهو المحبوب لهم بل لا شيء أحبَّ إليهم منه، ولا تعادل محبة الله من أصفيائه محبة أخرى، لا في أصلها، ولا في كيفيتها، ولا في متعلقاتها، وهذا هو الفرض والواجب أن تكون محبة الله في قلب العبد سابقة لكل محبة، غالبة لكل محبة ويتعين أن تكون بقية المحاب تبعًا لها ومحبة الله هي روح الأعمال، وجميع العبودية الظاهرة والباطنة ناشئة عن محبة الله ومحبة العبد لربه فضل من الله وإحسان، ليست بحول العبد ولا قوته فهو تعالى الذي أحبَّ عبده فجعل المحبة في قلبه، ثم لما أحبه العبد بتوفيقه جازاه الله بحب آخر، فهذا هو الإحسان المحض على الحقيقة، إذ منه السبب ومنه المسبب، ليس المقصود منها المعاوضة، وإنما ذلك محبة منه تعالى للشاكرين من عباده ولشكرهم، فالمصلحة كلها عائدة إلى العبد، فتبارك الذي جعل وأودع المحبة في قلوب المؤمنين، ثم لم يزل ينميها ويقويها حتى وصلت في قلوب الأصفياء إلى حالة تتضاءل عندها جميع المحاب، وتسلِّيهم عن الأحباب، وتهون عليهم المصائب، وتلذذ لهم مشقة الطاعات، وتثمر لهم ما يشاءون من أصناف الكرامات التي أعلاها محبة الله والفوز برضاه والأنس بقربه فمحبة العبد لربه محفوفة بمحبتين من ربه: فمحبة قبلها صار بها محبًا لربه، ومحبة بعدها شكرًا من الله على محبة صار بها من أصفيائه المخلصين وأعظم سبب يكتسب به العبد محبة ربه التي هي أعظم المطالب، الإكثار من ذكره والثناء عليه، وكثرة الإنابة إليه، وقوة التوكل عليه، والتقرُّب إليه بالفرائض والنوافل، وتحقيق الإخلاص له في الأقوال والأفعال، ومتابعة النبي ﷺ ظاهرًا وباطنًا (١) كما قال تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [آل عمران:٣١] شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني - ص١٢١
_________________
(١) «الحق الواضح المبين» (ص٦٩ - ٧٠)، و«شرح النونية» للهراس (٢/ ٩٦) و«توضيح المقاصد» (٢/ ٢٣٠).
[ ٢ / ١٨ ]
- الوكيل، الكفيل
اسمه سبحانه (الوكيل) يأتي بمعنى الوكيل العام على جميع خلقه، وذلك لأنه خالقهم ومدبر أمرهم والمتكفل بأرزاقهم وحاجاتهم ومحييهم ومميتهم، وذلك كما في قوله تعالى: ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الأنعام: ١٠٢].
يقول الطبري رحمه الله تعالى عند هذه الآية: (والله على كل ما خلق من شيء رقيب وحفيظ، يقوم بأرزاق جميعه وأقواته وسياسته وتدبيره وتصريفه بقدرته) (١).
ويقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر: ٦٢].
(فإخباره بأنه على كل شيء وكيل، يدل على إحاطة علمه بجميع الأشياء، وكمال قدرته على تدبيرها، وكمال تدبيره، وكمال حكمته التي يضع بها الأشياء مواضعها) (٢).
ويقول في موطن آخر: (-والوكيل- المتولي لتدبير خلقه بعلمه وكمال قدرته وشمول حكمته، الذي يتولى أولياءه فيسرهم لليسرى وجنبهم العسرى وكفاهم الأمور) (٣).
أما المعنى الخاص (للوكيل) فهو ما ذكره الشيخ السعدي سابقًا بقوله: (الذي يتولى أولياءه فيسرهم لليسرى وجنبهم العسرى وكفاهم الأمور) (٤)، وهو المراد في قوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا [الأحزاب: ٣]، وقوله سبحانه: فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: ١٧٣].
وهذه الوكالة خاصة بالمؤمنين حيث إن فيها معنى زائد على المعنى العام الذي سبق ذكره وهو معيته الخاصة بأوليائه وإعانته ونصرته لهم.
فتلخص من (الوكيل) المعاني التالية:
١ - الكفيل. ٢ - الكافي. ٣ - المدبر الحفيظ لخلقه القدر على ذلك.
أما معنى (الكفيل): فيقول ابن جرير رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا أي: (وقد جعلتم الله بالوفاء بما تعاقدتم عليه على أنفسكم راعيًا، يرعى الموفي منكم بعهد الله الذي عاهد على الوفاء به والناقض .. وساق بسنده إلى مجاهد في معنى (كفيلا) قال: وكيلًا) (٥).
وقال القرطبي ﵀: (-كفيلًا- يعني: شهيدًا، ويقال: حافظًا، ويقال: ضامنًا) (٦). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها – عبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٤٧٥
_________________
(١) «تفسير الطبري» (٧/ ٢٩٩).
(٢) «تفسير السعدي» (٤/ ٣٣٥).
(٣) «تفسير السعدي» (٥/ ٤٨٨).
(٤) «تفسير السعدي» (٥/ ٤٨٨).
(٥) «تفسير الطبري» (١٤/ ١١٠، ١١١).
(٦) «تفسير القرطبي» (١٠/ ١٧٠).
[ ٢ / ١٩ ]
- الولي، المولى
أولًا: (الولي): قال ابن جرير في قوله تعالى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ [البقرة: ٢٥٧] (نصيرهم وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه: يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ [البقرة: ٢٥٧]، يعني بذلك: يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان) (١).
وقال في قوله تعالى: وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا [النساء: ٤٥]، (وكفاكم وحسبكم بالله ربكم وليا يليكم ويلي أموركم بالحياطة لكم، والحراسة من أن يستفزكم أعداؤكم عن دينكم، أو يصدوكم عن اتباع نبيكم) (٢).
وقال في قوله تعالى: إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [الأعراف: ١٩٦]، (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ قل يا محمد للمشركين من عبدة الأوثان: إن وليي ونصيري ومعيني وظهيري عليكم الله الذي نزل الكتاب علي بالحق، وهو يتولى من صلح عمله بطاعته من خلقه) (٣).
وقال الزجاج: (-الولي- هو فعيل، من الموالاة، والولي: الناصر وقال الله تعالى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ [البقرة: ٢٥٧]، وهو تعالى وليهم بأن يتولى نصرهم وإرشادهم، كما يتولى ذلك من الصبي وليه، وهو يتولى يوم الحساب ثوابهم وجزاءهم) (٤).
وذكر الخطابي نحو كلام الزجاج، وزاد: (والولي أيضًا المتولي للأمر والقائم به، كولي اليتيم، وولي المرأة في عقد النكاح عليها، وأصله من الولي، وهو القرب) (٥).
ثانيًا: (المولى):
يقول ابن جرير في قوله تعالى: (أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٣٨٦])، أنت ولينا بنصرك، دون من عاداك وكفر بك، لأنا مؤمنون بك ومطيعون فيما أمرتنا ونهيتنا، فأنت ولي من أطاعك وعدو من كفر بك فعصاك، فانصرنا لأنا حزبك، على القوم الكافرين الذين جحدوا وحدانيتك وعبدوا الآلهة والأنداد دونك، وأطاعوا في معصيتك الشيطان.
والمولى في هذا الموضع المفعل، من ولي فلان أمر فلان فهو يليه ولاية وهو ولية ومولاه) (٦).
والله جل شأنه مولى الخلق أجمعين بمعنى أنه سيدهم ومالكهم وخالقهم ومعبودهم الحق، كما في قوله تعالى: ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام: ٦٢]، وقوله تعالى: هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ [يونس: ٣٠]، ولا تتعارض هذه الآيات مع قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد: ١١]، ويجيب الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى عن هذا بقوله: (والجواب عن هذا: أن معنى كونه مولى الكافرين أنه مالكهم المتصرف فيهم بما شاء، ومعنى كونه مولى المؤمنين دون الكافرين، أي: ولاية المحبة والتوفيق والنصر، والعلم عند الله تعالى) (٧). ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها لعبد العزيز بن ناصر الجليل – ص: ٤٦٠
_________________
(١) «تفسير الطبري» (٣/ ١٥).
(٢) «تفسير الطبري» (٥/ ٧٥).
(٣) «تفسير الطبري» (٩/ ١٥٢).
(٤) «تفسير الأسماء» (ص: ٥٥).
(٥) «شأن الدعاء» (ص: ٧٨).
(٦) «تفسير الطبري» (٣/ ١٠٦).
(٧) «دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب» (ص: ١١٦).
[ ٢ / ٢٠ ]
المبحث الخامس: تفاضل أسماء الله ودلالة ذلك
المطلب الأول: أدلة تفاضل أسماء الله
والحاصل أن أسماء الله كثيرة لا تحصر ولا تحد بعدد، وهي متفاضلة غير متساوية في الفضل بعضها أفضل من بعض، وإن كانت أسماء لمسمى واحد، والأدلة على تفاضل أسماء الله متعددة، فإن النصوص تدل على أن بعض أسمائه سبحانه أفضل من بعض، ففي الآثار ذكر اسمه الأعظم سبحانه وقد وردت روايات متعددة في ذكر الاسم الأعظم، ففي روايات يقول ﷺ: «لقد سأل الله باسمه الأعظم» (١). وفي أخرى: «دعا الله باسمه الأعظم» (٢)، «لقد دعا الله باسمه العظيم» (٣)، وفي أخرى: «اسم الله الأعظم في كذا» (٤)، وفي رواية: «باسمه الأعظم الأكبر» (٥)، وفي رواية: «أسألك باسمك الأعلى الأعز الأجل الأكرم» (٦)، على اختلاف في تعيين الاسم الأعظم ما هو؟ وهي مسألة للناس فيها خلاف معروف في كتب العلم (٧).
ففي هذه الروايات دلالة ظاهرة على تفاضل الأسماء الحسنى، لدلالتها على أن في الأسماء الحسنى اسم أعظم يفضلها فهو أعظمها.
ومن الأدلة على تفاضل أسمائه سبحانه قوله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحد، من أحصاها دخل الجنة» (٨)
فخص النبي ﷺ في هذا الحديث الأسماء التسعة والتسعين بهذه الفضيلة، وهي أن من أحصاها دخل الجنة، فاختصت بهذه الفضيلة.
وأسماء الله غير محصورة في هذا العدد فله سبحانه أسماء غيرها، إذ هذه هي دلالة الحديث التي نقل النووي الاتفاق عليها في قوله: (واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه ﷾، فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها) (٩).
وقد مثل العلماء لهذا بقول من يملك ألف مملوك: إن لي مائة مملوك أعددتهم للجهاد، فليس قوله هذا مانعًا من أن له غيرهم معدون لغير الجهاد، فلا دلالة في الحديث لمن احتج به على حصر الأسماء الحسنى في هذا العدد وأنه ليس لله من الأسماء إلا هذا العدد فقط، كما فعله ابن حزم (١٠).
ومن الأدلة على تفاوت أسماء الله في الفضل: الحديث المتقدم الذي فيه أن أسماءه سبحانه أقسام منها ما استأثر الله بعلمه، ومنها ما أنزله في كتابه، ومنها ما علمه أحدًا من خلقه، ففي هذا دلالة على تفاوتها وعلى اختصاص كل منها بخصيصة.
ثم أن كل دليل منك كتاب وسنة دل على تفاضل صفات الله التي تدل عليها أسماؤه، هو دليل على تفاضل تلك الأسماء، لتفاضل دلالتها، لأن الاسم يراد لمعناه لا لحروفه. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفيي - ص ٦٨
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٤٧٥)، وابن ماجه (٣١٢٥)، والحاكم (١/ ٦٨٤). من حديث بريدة بن الحصيب ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه». ورواه ابن ماجه (٣٨٥٨). من حديث أنس ﵁. قال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.
(٢) رواه الترمذي (٣٥٤٤)، وأحمد (٣/ ٢٤٥) (١٣٥٩٥). من حديث أنس ﵁. قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٥٩): ورجال أحمد ثقات إلا أن ابن إسحاق مدلس وإن كان ثقة، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ٤٣٠) كما قال ذلك في المقدمة. ورواه الحاكم (١/ ٦٨٣). من حديث بريدة بن الحصيب ﵁. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وله شاهد على شرط مسلم.
(٣) رواه أبو داود (١٤٩٥)، والنسائي (٣/ ٥٢)، وأحمد (٣/ ١٥٨) (١٢٦٣٢). والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داد».
(٤) لم أقف على هذه الرواية.
(٥) لم أقف على هذه الرواية.
(٦) رواه الطبراني (١١/ ٣٦٠) (١٢٠٤٣). من حديث ابن عباس ﵁. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٥٩): رواه الطبراني في «الأوسط»، و«الكبير» وفيه من لم أعرفهم.
(٧) «مشكل الآثار للطحاوي» (١/ ٦١) «فتح الباري» (١١/ ٢٢٤) فقد ذكر أربعة عشر قولًا في تعيين الاسم الأعظم.
(٨) رواه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٩) «شرح مسلم» (١٧/ ٥) و«المقصد الأسني» (١٣١) و«الفتاوى» (٦/ ٣٨١) و«بدائع الفوائد» (١/ ١٦٦).
(١٠) «المحلى» (١/ ٣٠) و«الدرة» (٢٤٢).
[ ٢ / ٢١ ]
المطلب الثاني: وجوه تفاضل أسماء الله
والناظر في أسماء الله يجد أنها تتفاوت من وجوه عدة يظهر بها تفاضلها، فمن ذلك:
أن أسماءه تعالى منها ما يطلق عليه مفردًا ومقترنًا بغيره، وهو غالب الأسماء، كالقدير، والسميع، والبصير، والعزيز، والحكيم، وهذا يسوغ أن يدعا به مفردًا ومقترنًا بغيره، فتقول: يا عزيز، يا حليم، يا غفور، يا رحمن، يا رحيم، وأن يفرد كل اسم، وكذلك في الثناء عليه الخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد والجمع، ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده بل مقرونًا بمقابله كالمانع والضار والمنتقم، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو، فهو المعطي المانع، الضار النافع، المنتقم العفو، المعز المذل، لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله، لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتصرف فيهم عطاء ومنعًا ونفعًا وضرًا وعفوًا وانتقامًا، وأما أن يثني عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ، فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت، جارية مجرى الاسم الواحد، ولذلك لم تجيء مفردة، ولم تطلق عليه إلا مقترنة، فاعلمه، فلو قلت يا مذل، يا ضار، يا مانع، وأخبرت بذلك لم تكن مثنيًا عليه، ولا حامدًا له حتى تذكر مقابلها (١) فهذا وجه من وجوه تفاوتها يظهر به تفاضلها، فليس الاسم الدال على الكمال بمفرده مساويًا للذي لا يدل على الكمال إلا باقترانه بمقابله.
ومن ذلك:
أن من أسمائه سبحانه ما يدل على صفة واحدة كالسميع والبصير، ومنها ما يدل على صفات عديدة لا تختص بصفة معينة كالمجيد والعظيم، فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال، وهو موضوع لبلوغ النهاية في كل محمود، ولنيل الشرف بكرم الفعال، وللكثرة، ولذا قالوا: استمجد المرخ والعفار أي استكثرا من النار حتى تناهيا في ذلك حتى إنه يقبس منهما. وكذا العظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال، وكذلك الصمد، قال ابن عباس ﵄: (الصمد، السيد الذي كمل في سؤدده، والشريف الذي كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمه، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد) (٢).
ومن ذلك:
أن من الأسماء ما يتضمن سلب صفة نقص عن الله، وهي الصفة المقابلة للصفة التي يثبتها الاسم، كالبصير مثلا فيها سلب صفة نقص عن الله وهي العمى ﷾ وتنزه وتقدس، ومنها ما يرجع إلى التنزيه المحض من كل نقص وعيب جملة وتفصيلًا فيكون متضمنًا للكمال المحض كالقدوس والسلام، وهو وجه قريب من سابقه.
ومن ذلك:
أن من أسمائه سبحانه ما يدل على صفة بعينها، ومنها ما يدل على تلك الصفة وزيادة، كالعليم يدل على صفة العلم مطلقًا، والخبير يدل على علمه بالأمور الباطنة، وكذلك الغني هو الذي استغنى بنفسه عن كل شيء فلا يحتاج إلى شيء، والملك أيضًا لا يحتاج إلى شيء ولكنه يحتاج إليه كل شيء، فيكون الملك مفيدًا معنى الغني وزيادة (٣).
ويدل على تفاوت الأسماء الحسنى في الفضل، وجود أسماء منها دالة على صفة واحدة، واشتقاقها واحد، مع الاختلاف في مبانيها، مثل: القدير المقتدر القادر، والغفور الغفار الغافر، والرحمن الرحيم، ونحو ذلك فإن كلًا منها معدود اسمًا مستقلًا، وهي متغايرة متفاضلة، دل على تفاضلها صيغ مبانيها، فإن فعال وفعيل وفعلان صيغ مبالغة و(فعال) أبلغ من (فاعل)، ثم (فعلان) أبلغ من (فعيل)، ولذا ذكر ابن جرير أنه لا تمانع بين أهل العلم بلغات العرب أن الرحمن أبلغ من الرحيم (٤)، وهو مذهب أكثر العلماء (٥).
قال الزمخشري: (في الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم، ولذلك قالوا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا، ويقولون: إن الزيادة في البناء لزيادة المعنى).
وقال الغزالي: (الغافر يدل على أصل المغفرة فقط، والغفور يدل كثرة المغفرة بالإضافة إلى كثرة الذنوب حتى أن من لا يغفر إلا نوعًا واحدًا من الذنوب فلا يقال له: الغفور، والغفار يشير إلى كثرة غفران الذنوب على سبيل التكرار، أي يغفر الذنوب مرة بعد أخرى، حتى إن من يغفر الذنوب جميعًا ولكن أول مرة ولا يغفر للعائد إلى الذنب مرة بعد أخرى لم يستحق اسم الغفار) (٦) .. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي - ص٧٢
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٧) «تفسير الرازي» (١٥/ ٦٧).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ٦٩٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (ص: ٣٤١٩).
(٣) «المقصد الأسنى» (٢٢).
(٤) «تفسير الطبري» (١/ ٤٢).
(٥) «البرهان في علوم القرآن» (٢/ ٥٠٤) و«معترك الأقران» (١/ ٤١٢).
(٦) «المقصد الأسنى» (٢٢).
[ ٢ / ٢٢ ]
المطلب الثالث: دلالة تفاضل أسماء الله تعالى
تفاضل أسماء الله تعالى يدل على أنها متباينة المعاني، وأن ترادفها إنما هو من جهة المسمى، أي من حيث كونها جميعًا أسماء لذات واحدة هو الله ﷿، أما من حيث معانيها فهي متباينة، ووجه دلالة تفاضلها على ذلك: أن التفاضل لا يكون إلا بين شيئين فصاعدًا، إذ الواحد من كل وجه المترادف من كل وجه لا يعقل فيه شيء أفضل من شيء والأسماء إذا كانت مترادفة المعاني لا يكون في واحد منها زيادة دلالة على الآخر، بل يقوم كل واحد منها مقام الآخر، ويدل على ما يدل عليه الآخر من معنى سواء بسواء، وليست أسماء الله كذلك، بل إن كل اسم منها يدل على معنى غير المعنى الذي يدل عليه غيره منها، ولذلك وقع التفاضل فيها ولا يقع التفاضل في الأسماء المترادفة، وتفسير الاسم منها بغيره ليس تفسيرًا بمرادف محض، بل هو على سبيل التقريب والتفهيم (١).
ويدل تفاضل أسماء الله كذلك على أنها أسماء تدل على معان وصفات، وليست أعلامًا محضة لا مفهوم لها إلا مجرد الدلالة المحضة على مسماها، فإن الأعلام المحضة لا تدل على معان ولا يشتق منها أوصاف للمسمى، ولذلك لا يقع فيها التفاضل إذ لا وجه لتفاضلها، إذ لا يفهم منها جميعها إلا معنى واحد وهو الدلالة على المسمى لا غير.
أما أسماء الله فهي معان وأوصاف، ولذلك تشتق منها الأوصاف لله، ولذلك وقع فيها التفاضل، ولا يقع التفاضل في الأعلام المحضة.
ففي ثبوت تفاضل أسماء الله نقض لما ضل به المعتزلة ومن لف لفهم من اعتقاد أن أسماء الله أعلام مترادفة .. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي – ص ٧٦
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٨).
[ ٢ / ٢٣ ]
الفصل الثالث: المسائل المتعلقة بالصفات
المبحث الأول: قواعد في صفات الله تعالى
القاعدة الأولى:
صفات الله تعالى كلها صفات كمال، لا نقص فيها بوجه من الوجوه.
كالحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والرحمة، والعزة، والحكمة، والعلو، والعظمة، وغير ذلك وقد دل على هذا السمع، والعقل، والفطرة.
أما السمع: فمنه قوله تعالى: لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النحل:٦٠] والمثل الأعلى هو الوصف الأعلى.
وأما العقل: فوجهه أن كل موجود حقيقة، فلابد أن تكون له صفة إما صفة كمال، وإما صفة نقص والثاني باطل بالنسبة إلى الرب الكامل المستحق للعبادة؛ ولهذا أظهر الله تعالى بطلان ألوهية الأصنام باتصافها بالنقص والعجز فقال تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف:٥] وقال تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النحل:٢٠ - ٢١] وقال عن إبراهيم وهو يحتج على أبيه: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا [مريم:٤٢] وعلى قومه: أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنبياء:٦٦ - ٦٧] ثم إنه قد ثبت بالحس والمشاهدة أن للمخلوق صفات كمال، وهي من الله تعالى، فمعطي الكمال أولى به وأما الفطرة: فلأن النفوس السليمة مجبولة مفطورة على محبة الله وتعظيمه وعبادته، وهل تحب وتعظم وتعبد إلا من علمت أنه متصف بصفات الكمال اللائقة بربوبيته وألوهيته؟ وإذا كانت الصفة نقصًا لا كمال فيها فهي ممتنعة في حق الله تعالى كالموت والجهل، والنسيان، والعجز، والعمى، والصمم ونحوها؛ لقوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [الفرقان:٥٨] وقوله عن موسى: فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى [طه:٥٢] وقوله: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ [فاطر:٤٤] وقوله: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف:٨٠] وقال النبي ﷺ في الدجال «إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور» (١) وقال: «أيها الناس، اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ، ولا غائبًا» (٢) وقد عاقب الله تعالى الواصفين له بالنقص، كما في قوله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:٦٤] وقوله: لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ [آل عمران:١٨١] ونزه نفسه عما يصفونه به من النقائص، فقال سبحانه: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢] وقال تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [المؤمنون:٩١].
_________________
(١) رواه البخاري (٧١٣١)، ومسلم (٢٩٣٣).
(٢) رواه البخاري (٤٢٠٢)، ومسلم (٢٧٠٤).
[ ٢ / ٢٤ ]
وإذا كانت الصفة كمالًا في حال، ونقصًا في حال، لم تكن جائزة في حق الله ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق، فلا تثبت له إثباتًا مطلقًا، ولا تنفى عنه نفيًا مطلقًا بل لابد من التفصيل: فتجوز في الحال التي تكون كمالًا، وتمتنع في الحال التي تكون نقصًا وذلك كالمكر، والكيد، والخداع، ونحوها فهذه الصفات تكون كمالًا إذا كانت في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها؛ لأنها حينئذ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله أو أشد، وتكون نقصًا في غير هذه الحال، ولهذا لم يذكرها الله تعالى من صفاته على سبيل الإطلاق وإنما ذكرها في مقابلة من يعاملونه ورسله بمثلها، كقوله تعالى: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:٣٠] وقوله: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق:١٥ - ١٦] وقوله: وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف:١٨٢ - ١٨٣] وقوله: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:١٤٢] وقوله: قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ اللهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ [البقرة:١٤ - ١٥]، ولهذا لم يذكر الله أنه خان من خانوه فقال تعالى: وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فقال: فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ [الأنفال:٧١]، ولم يقل: فخانهم؛ لأن الخيانة خدعة في مقام الائتمان، وهي صفة ذم مطلقًا وبذا عرف أن قول بعض العوام: (خان الله من يخون) منكر فاحش، يجب النهي عنه القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص٢٧
[ ٢ / ٢٥ ]
القاعدة الثانية:
باب الصفات أوسع من باب الأسماء
وذلك لأن كل اسم متضمن لصفة ولأن من الصفات ما يتعلق بأفعال الله تعالى، وأفعاله لا منتهى لها، كما أن أقواله لا منتهى لها، قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [لقمان:٢٧].
ومن أمثلة ذلك: أن من صفات الله تعالى المجيء، والإتيان، والأخذ والإمساك، والبطش، إلى غير ذلك من الصفات التي لا تحصى كما قال تعالى: وَجَاءَ رَبُّك [الفجر:٢٢] وقال: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ [البقرة:٢١٠] وقال: فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ [آل عمران:١١] وقال: وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ [الحج:٦٥] وقال: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج:١٢] وقال: يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:١٨٥] وقال النبي ﷺ: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا» (١).
فنصف الله تعالى بهذه الصفات على الوجه الوارد، ولا نسميه بها، فلا نقول إن من أسمائه الجائي، والآتي، والآخذ، والممسك، والباطش، والمريد، والنازل، ونحو ذلك، وإن كنا نخبر بذلك عنه ونصفه به القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص٣٠
_________________
(١) رواه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٢٦ ]
القاعدة الثالثة:
صفات الله تعالى على قسمين: ثبوتية، وسلبية
فالثبوتية: ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، وكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، كالحياة والعلم، والقدرة، والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والوجه، واليدين، ونحو ذلك فيجب إثباتها لله تعالى حقيقة على الوجه اللائق به بدليل السمع والعقل أما السمع: فمنه قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا [النساء:١٣٦] فالإيمان بالله يتضمن: الإيمان بصفاته والإيمان بالكتاب الذي نزل على رسوله يتضمن: الإيمان بكل ما جاء فيه من صفات الله وكون محمد ﷺ رسوله يتضمن: الإيمان بكل ما أخبر به عن مرسله، وهو الله – ﷿.
وأما العقل: فلأن الله تعالى أخبر بها عن نفسه، وهو أعلم بها من غيره، وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا من غيره، فوجب إثباتها له كما أخبر بها من غير تردد، فإن التردد في الخبر إنما يتأتى حين يكون الخبر صادرًا ممن يجوز عليه الجهل، أو الكذب، أو العي بحيث لا يفصح بما يريد، وكل هذه العيوب الثلاثة ممتنعة في حق الله – ﷿ – فوجب قبول خبره على ما أخبر به وهكذا نقول فيما أخبر به النبي ﷺ عن الله تعالى، فإن النبي ﷺ أعلم الناس بربه وأصدقهم خبرًا وأنصحهم إرادة، وأفصحهم بيانًا، فوجب قبول ما أخبر به على ما هو عليه والصفات السلبية: ما نفاها الله – سبحانه – عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، وكلها صفات نقص في حقه كالموت، والنوم، والجهل، والنسيان، والعجز، والتعب فيجب نفيها عن الله تعالى – لما سبق – مع إثبات ضدها على الوجه الأكمل، وذلك لأن ما نفاه الله تعالى عن نفسه فالمراد به بيان انتفائه لثبوت كمال ضده، لا لمجرد نفيه؛ لأن النفي ليس بكمال، إلا أن يتضمن ما يدل على الكمال، وذلك لأن النفي عدم، والعدم ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون كمالًا، ولأن النفي قد يكون لعدم قابلية المحل له، فلا يكون كمالًا كما لو قلت: الجدار لا يظلم وقد يكون للعجز عن القيام به فيكون نقصًا، كما في قول الشاعر:
قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل
وقول الآخر:
لكن قومي وإن كانوا ذوي حسب ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
مثال ذلك: قوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [الفرقان:٥٨] فنفي الموت عنه يتضمن كمال حياته.
مثال آخر: قوله تعالى: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:٤٩] ونفي الظلم عنه يتضمن كمال عدله.
مثال ثالث: قوله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ [فاطر:٤٤] فنفي العجز عنه يتضمن كمال علمه وقدرته ولهذا قال بعده: إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر:٤٤] لأن العجز سببه إما الجهل بأسباب الإيجاد، وإما قصور القدرة عنه فلكمال علم الله تعالى وقدرته لم يكن ليعجزه شيء في السموات ولا في الأرض وبهذا المثال علمنا أن الصفة السلبية قد تتضمن أكثر من كمال القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص٣١
[ ٢ / ٢٧ ]
القاعدة الرابعة:
الصفات الثبوتية صفات مدح وكمال، فكلما كثرت وتنوعت دلالتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر.
ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر بكثير من الصفات السلبية، كما هو معلوم.
أما الصفات السلبية فلم تذكر غالبًا إلا في الأحوال التالية:
الأولى: بيان عموم كماله كما في قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:٤].
الثانية: نفي ما ادعاه في حقه الكاذبون، كما في قوله: أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم:٩١ - ٩٢].
الثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين، كما في قوله: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ [الأنبياء:١٦] وقوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ [ق:٣٨] القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص٣٣
[ ٢ / ٢٨ ]
القاعدة الخامسة:
الصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية وفعلية
فالذاتية: هي التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها، كالعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والعزة، والحكمة، والعلو، والعظمة، ومنها الصفات الخبرية، كالوجه، واليدين، والعينين والفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها، كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا.
وقد تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين، كالكلام، فإنه باعتبار أصله صفة ذاتية؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلمًا وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية؛ لأن الكلام يتعلق بمشيئته، يتكلم متى شاء بما شاء كما في قوله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:٨٢] وكل صفة تعلقت بمشيئته تعالى فإنها تابعة لحكمته وقد تكون الحكمة معلومة لنا، وقد نعجز عن إدراكها لكننا نعلم علم اليقين أنه – سبحانه – لا يشاء شيئًا إلا وهو موافق للحكمة، كما يشير إليه قوله تعالى: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان:٣٠]. القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص٣٤
[ ٢ / ٢٩ ]
القاعدة السادسة:
يلزم في إثبات الصفات التخلي عن محذورين عظيمين
أحدهما: التمثيل والثاني: التكييف فأما التمثيل: فهو اعتقاد المثبت أن ما أثبته من صفات الله تعالى مماثل لصفات المخلوقين، وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل أما السمع: فمنه قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] وقوله: أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل:١٧] وقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:٦٥] وقوله: وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:٤] وأما العقل فمن وجوه: الأول: أنه قد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تبيانًا في الذات، وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات؛ لأن صفة كل موصوف تليق به، كما هو ظاهر في صفات المخلوقات المتباينة في الذوات، فقوة البعير مثلًا غير قوة الذرة، فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكها في الإمكان والحدوث، فظهور التباين بينها وبين الخالق أجلى وأقوى الثاني: أن يقال: كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابهًا في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى من يكمله، وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق؟! فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا الثالث: أننا نشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية، فنشاهد أن للإنسان يدًا ليست كيد الفيل، وله قوة ليست كقوة الجمل، مع الاتفاق في الاسم، فهذه يد وهذه يد، وهذه قوة وهذه قوة، وبينهما تباين في الكيفية والوصف، فعلم بذلك أن الاتفاق في الاسم لا يلزم منه الاتفاق في الحقيقة والتشبيه كالتمثيل، وقد يفرق بينهما بأن التمثيل التسوية في كل الصفات، والتشبيه التسوية في أكثر الصفات، لكن التعبير بنفي التمثيل أولى لموافقة القرآن: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] وأما التكييف: فهو أن يعتقد المثبت أن كيفية صفات الله تعالى كذا وكذا، من غير أن يقيدها بمماثل وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل أما السمع: فمنه قوله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه:١١٠] وقوله: وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا [الإسراء:٣٦] ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفات ربنا؛ لأنه تعالى أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تكييفنا قفوًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به وأما العقل: فلأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته أو العلم بنظيره المساوي له، أو بالخبر الصادق عنه، وكل هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله – ﷿ – فوجب بطلان تكييفها وأيضًا فإننا نقول: أي كيفية تقدرها لصفات الله تعالى؟ إن أي كيفية تقدرها في ذهنك، فالله أعظم وأجل من ذلك وأي كيفية تقدرها لصفات الله تعالى فإنك ستكون كاذبًا فيها؛ لأنه لا علم لك بذلك وحينئذ يجب الكف عن التكييف تقديرًا بالجنان، أو تقديرًا باللسان، أو تحريرًا بالبنان ولهذا لما سئل مالك – رحمه الله تعالى – عن قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] كيف استوى؟ أطرق ﵀ برأسه حتى علاه الرحضاء (العرق) ثم قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" وروى عن شيخه ربيعة أيضًا: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول" وقد مشى أهل العلم بعدهما على هذا الميزان وإذا كان الكيف غير معقول ولم يرد به الشرع فقد انتفى عنه الدليلان العقلي والشرعي فوجب الكف عنه فالحذر الحذر من التكييف أو محاولته، فإنك إن فعلت وقعت في مفاوز لا تستطيع الخلاص منها، وإن ألقاه الشيطان في قلبك فاعلم أنه من نزغاته، فالجأ إلى ربك فإنه معاذك، وافعل ما أمرك به فإنه طبيبك، قال الله تعالى: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت:٣٦]. القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص٣٥
[ ٢ / ٣٠ ]
القاعدة السابعة:
صفات الله تعالى توقيفية لا مجال للعقل فيها
فلا نثبت لله تعالى من الصفات إلا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث" ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة ثلاثة أوجه:
الأول: التصريح بالصفة كالعزة، والقوة، والرحمة، والبطش، والوجه، واليدين ونحوها الثاني: تضمن الاسم لها مثل: الغفور متضمن للمغفرة، والسميع متضمن للسمع، ونحو ذلك.
الثالث: التصريح بفعل أو وصف دال عليها كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة، والانتقام من المجرمين، الدال عليها – على الترتيب – قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] وقول النبي ﷺ: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا» الحديث (١) وقول الله تعالى: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:٢٢] وقوله: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [السجدة:٢٢]. القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين- ص٣٨
_________________
(١) رواه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٣١ ]
القاعدة الثامنة
(التوقف في الألفاظ المجملة التي لم يرد إثباتها ولا نفيها، أما معناها؛ فَيُسْتفصل عنه، فإن أريد به باطل يُنَزَّه الله عنه؛ رُدَّ، وإن أريد به حق لا يمتنع على الله؛ قُبِلَ، مع بيان ما يدلُّ على المعنى الصواب من الألفاظ الشرعية، والدعوة إلى استعماله مكان هذا اللفظ المجمل الحادث) (١).
مثاله: لفظة (الجهة): نتوقف في إثباتها ونفيها، ونسأل قائلها: ماذا تعني بالجهة؟ فإن قال: أعني أنه في مكان يحويه قلنا: هذا معنى باطل يُنَزَّه الله عنه، ورددناه وإن قال: أعني جهة العلو المطلق؛ قُلْنا: هذا حق لا يمتنع على الله وقبلنا منه المعنى، وقلنا له: لكن الأولى أن تقول: هو في السماء، أو في العلو؛ كما وردت به الأدلة الصحيحة، وأما لفظة (جهة)؛ فهي مجملة حادثة، الأولى تركها.
_________________
(١) (التدمرية/ ٦٥)، (مجموع الفتاوى) (٥/ ٢٩٩ و٦/ ٣٦).
[ ٢ / ٣٢ ]
القاعدة التاسعة:
(كل صفة ثبتت بالنقل الصحيح؛ وافقت العقل الصريح، ولابد) (١)
_________________
(١) (مختصر الصواعق المرسلة) (١/ ١٤١، ٢٥٣).
[ ٢ / ٣٣ ]
القاعدة العاشرة:
(صفات الله ﷿ يستعاذ بها ويُحلف بها) (١).
ومنها قوله ﷺ: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك» رواه مسلم (٢)، ولذلك بوب البخاري في كتاب الأيمان والنذور: باب: الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٤٣، ٢٢٩) و(٣٥/ ٢٧٣)، وانظر: «شرح السنة» للبغوي (١/ ١٨٥ - ١٨٧)، وفَرَّق بعضهم بين الحلف بالصفة الفعليَّة والصفة الذاتِيَّة، وقالوا: لا يجوز الحلف بصفات الفعل.
(٢) رواه مسلم (٤٨٦).
[ ٢ / ٣٤ ]
القاعدة الحادية عشرة:
(الكلام في الصفات كالكلام في الذات) (١).
فكما أن ذاته حقيقية لا تشبه الذوات؛ فهي متصفة بصفات حقيقية لا تشبه الصفات، وكما أن إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، كذلك إثبات الصفات.
_________________
(١) «الكلام على الصفات» للخطيب البغدادي (ص٢٠)، «الحجة في بيان المحجة» لقوام السنة (١/ ١٧٤)، «التدمرية» (ص٤٣)، «مجموع الفتاوى» (٥/ ٣٣٠، ٦/ ٣٥٥).
[ ٢ / ٣٥ ]
القاعدة الثانية عشرة:
(القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر) (١).
فمن أقر بصفات الله؛ كالسمع، والبصر، والإرادة، يلزمه أن يقر بمحبة الله، ورضاه، وغضبه، وكراهيته يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن فرق بين صفة وصفة، مع تساويهما في أسباب الحقيقة والمجاز؛ كان متناقضًا في قوله، متهافتًا في مذهبه، مشابهًا لمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض.
_________________
(١) «التدمرية» (ص٣١)، «مجموع الفتاوى» (٥/ ٢١٢).
[ ٢ / ٣٦ ]
القاعدة الثالثة عشرة:
(ما أضيف إلى الله مما هو غير بائنٍ عنه؛ فهو صفة له غير مخلوقة، وكلُّ شيء أضيف إلى الله بائن عنه؛ فهو مخلوق؛ فليس كل ما أضيف إلى الله يستلزم أن يكون صفةً له) (١).
مثال الأول: سمعُ الله، وبصرُ الله، ورضاه، وسخطُه ومثال الثاني: بيت الله، وناقة الله.
القاعدة الرابعة عشرة:
(صفات الله ﷿ وسائر مسائل الاعتقاد تثبت بما ثبت عن رسول الله ﷺ، وإن كان حديثًا واحدًا، وإن كان آحادًا) (٢).
_________________
(١) «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» (٣/ ١٤٥)، «مجموع الفتاوى» (٩/ ٢٩٠) له أيضًا، «مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين» (١/ ١٦٦).
(٢) «مختصر الصواعق المرسلة» (٢/ ٣٣٢، ٤١٢، ٤٣٣).
[ ٢ / ٣٧ ]
القاعدة الخامسة عشرة:
(ما جاء في الكتاب أو السنة، وجب على كل مؤمن القول بموجبه والإيمان به، وإن لم يفهم معناه) (١).
_________________
(١) «التدمرية» (ص: ٦٥)، «مجموع الفتاوى» (٥/ ٢٩٨)، «دقائق التفسير» (٥/ ٢٤٥).
[ ٢ / ٣٨ ]
القاعدة السادسة عشرة:
(باب الأخبار أوسع من باب الصفات، وما يطلق عليه من الأخبار؛ لا يجب أن يكون توقيفيًا؛ كالقديم، والشيء، والموجود) (١).
_________________
(١) «بدائع الفوائد» لابن القيم (١/ ١٦٢).
[ ٢ / ٣٩ ]
القاعدة السابعة عشرة:
(صفات الله ﷿ لا يقاس عليها) (١).
فلا يقاس السخاءُ على الجود، ولا الجَلَدُ على القوة، ولا الاستطاعةُ على القدرة، ولا الرقة على الرحمة والرأفة، ولا المعرفة على العلم وهكذا؛ لأن صفات الله ﷿ لا يتجاوز فيها التوقيف.
القاعدة الثامنة عشرة:
(صفات الله ﷿ لا حصر لها؛ لأن كل اسم يتضمن صفة، وأسماء الله لا حصر لها، فمنها ما استأثر الله به في علم الغيب عنده) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٠
_________________
(١) «شأن الدعاء» للخطابي (ص: ١١١).
[ ٢ / ٤٠ ]
المبحث الثاني: أنواع الصفات
• المطلب الأول: الصفات الثبوتية وضابطها.
• المطلب الثاني: الصفات المنفية وضابطها.
[ ٢ / ٤١ ]
المطلب الأول: الصفات الثبوتية وضابطها
الصفات الثبوتية (المثبتة) هي: (الصفات التي تدل على معنى ثبوتي ووجودي) (١).
أو هي: ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، وكلها صفات كمال، لا نقص فيها بوجه من الوجوه (٢).
وأمثلة هذه الصفات كثيرة عسير حصرها، فمن ذلك: العلم، والخلق، والحياة، والقدرة، والإرادة والسمع، والبصر، والكلام، والإحياء، والإماتة، والرضى، والغضب، والوجه، واليدين، والرجل، والعلو والاستواء، وغير ذلك.
فضابط الثبوتي: كل صفة ورد إثباتها لله ﷿ في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ.
وهذا النوع من الصفات الثبوتية ينقسم بدوره إلى أقسام متعددة بحسب الاعتبارات التي يرجع إليها كل تقسيم.
- فتنقسم باعتبار تعلقها بذات الله ﷿ إلى:
١ - صفات ذاتية، وهي: التي لا تنفك عن الذات.
كالحياة، والعلم، والقدرة، والوجه، واليدين، ونحوها.
صفات فعلية، وهي: التي تتعلق بمشيئة الله وقدرته.
كالخلق، والرزق، والاستواء، والمجيء، ونحوها (٣).
- وتنقسم باعتبار لزومها لذات الله ﷿ إلى:
١ - صفات لازمة، وهي: اللازمة للموصوف لا تفارقه إلا بعدم ذاته، وهي:
- إما ذاتية، وهي: ما لا يمكن تصور الذات مع تصور عدمها، كالوجه، واليدين، والقدم، والإصبع ونحوها.
- وإما معنوية، وهي: ما يمكن تصور الذات مع تصور عدمها، كالحياة، والعلم، والقدرة، ونحوها.
٢ - صفات عارضة (اختيارية)، وهي: التي يمكن مفارقتها للموصوف مع بقاء الذات وهي:
- إما من باب الأفعال، كالاستواء، والمجيء، والنزول، ونحوها.
- إما من باب الأقوال، كالتكليم، والمناداة، والمناجاة، ونحوها.
- وإما من باب الأحوال، كالفرح، والضحك، والسخط، ونحوها (٤).
وتنقسم باعتبار أدلة ثبوتها إلى:
١ - الصفات الشرعية العقلية، وهي: التي يشترك في إثباتها الدليل الشرعي السمعي، والدليل العقلي، والفطرة السليمة، كالعلم والسمع، والبصر، والعلو، والقدرة، ونحوها.
٢ - الصفات الخبرية السمعية، وهي: التي لا سبيل إلى إثباتها إلا بطريق السمع، كالاستواء، واليد، والوجه، والإصبع، والنزول، ونحوها (٥). النفي في باب صفات الله ﷿ لأرزقي بن محمد سعيداني - ص ١٠١
_________________
(١) «الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية» (ص: ٢٠٣).
(٢) «الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية» (ص: ٢٠٣) «شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين» (١/ ١٤٢)، «القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى» (ص: ٢٨).
(٣) «تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال، ضمن مجموع الفتاوى» (٦/ ٦٨) «الكواشف الجلية» (٤٢٩).
(٤) «درء تعارض العقل والنقل» (٣/ ٣٢١، ٤/ ٢٣) «الرد على المنطقيين» (ص: ٨٠) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٤٤).
(٥) «الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية» (ص: ٢٠٧) «الصفات الإلهية، تعريفها وأقسامها» (٦٥ - ٧٢).
[ ٢ / ٤٢ ]
المطلب الثاني: الصفات المنفية وضابطها
الصفات المنفية (السلبية) هي: (ما نفاه الله ﷿ عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله الله ﷺ) (١).
أو هي: (الصفات التي تقع في سياق النفي، أي: التي تدخل عليها أداة النفي، مثل: (ما) و(لا) و(ليس» (٢).
وأمثلتها كثيرة، منها: الموت، والجهل، والعجز، والنوم، والظلم، واتخاذ الصاحبة، أو الولد، أو الشريك، ونحو ذلك.
ومنهم من ذكر تعريفًا آخر للصفات المنفية فقال: (المقصود بصفات السلوب هي: التي يكون السلب داخلًا في مفهومها، فمفهوم القدم عدم الأولية، ومفهوم الوحدة عدم الشركة ونحو ذلك) (٣).
وهذا التعريف عليه بعض الاعتراضات، فهو وإن كان في أصله تعريفًا صحيحًا إلا أنه يؤاخذ عليه أمران، هما:
التعريف أولًا: غير جامع فيخرج منه الصفات التي سبقت بأدوات النفي، إذ المنفي فيها هي الصفة نفسها التي هي نقص أو عيب في حق الله ﷿، لا أن السلب داخل في مفهومها، وهذه الصفات هي الأكثر ورودًا في القرآن والسنة (٤).
كما يؤاخذ عليه أيضًا: أنه أدخل في التمثيل بعض الصفات التي لم يرد ثبوتها في القرآن الكريم والسنة الصحيحة على أنها صفة، كالقدم، والقيام بالنفس، والمخالفة للحوادث مثلًا، فأهل السنة والجماعة لا يصفون الله ﷿ إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ، فباب الصفات عندهم توقيفي، وإن كان يجوز عندهم إطلاق وصف القدم، والقيام، بالنفس على الله ﷿، وبأنه قديم وقائم بنفسه من باب الإخبار لا من باب الأسماء والصفات (٥).
على أن بعض الصفات التي يذكر المتكلمون أنها صفات سلبية ورد إطلاقها في حق الله ﷿ أسماء: كالواحد، والباقي، والغني، لكن على سبيل الإثبات لا النفي، فإن الله ﷿ يسمى الواحد ويوصف بالوحدانية، ويسمى الباقي ويوصف بالبقاء، ويسمى الغني ويوصف بالغنى المطلق عن كل ما سواه. وإن كانت هذه الصفات تتضمن نفي أضدادها، من عدم الشريك وعدم الفناء وعدم الاحتياج إلى الغير، لكن هذا يقال في جميع الصفات المثبتة، أن إثباتها على الوجه الكامل يستلزم نفي ضدها من النقص، فلو جعل هذا ضابطًا في النفي، لم يبق عندنا إلا صفات منفية فقط.
والذي يجب أن يعلم أن ما من نفي ورد في القرآن والسنة – على قلته -، فإنه لم يرد إلا لإثبات كمال ضد الأمر المنفي؛ لأن النفي المحض ليس فيه مدح،
وضابط النفي في صفات الله ﷿: (أن ينفى عن الله تعالى:
أولًا: كل صفة عيب؛ كالعمى، والصم، والخرس، والنوم، والموت .. ونحو ذلك.
ثانيًا: كل نقص في كماله؛ كنقص حياته، أو علمه، أو قدرته، أو عزته، أو حكمته .. أو نحو ذلك.
ثالثا: مماثلة المخلوقين؛ كأن يجعل علمه كعلم المخلوق، أو وجهه كوجه المخلوق، أو استواؤه على عرشه كاستواء المخلوق .. ونحو ذلك.
فمن أدلة انتفاء الأول عنه: قوله تعالى: وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ [النحل: ٦٠]، فإن ثبوت المثل الأعلى له – وهو الوصف الأعلى – يستلزم انتفاء كل صفة عيب.
ومن أدلة انتفاء الثاني: قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ [ق: ٣٨].
ومن أدلة انتفاء الثالث قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] (٦». النفي في باب صفات الله ﷿ لأرزقي بن محمد سعيداني – ص ١٠٣
_________________
(١) «القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى» (ص: ٣٠). «الصفات الإلهية، تعريفها وأقسامها» (ص: ٥٨).
(٢) «الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية» (ص: ٢٠١).
(٣) «ابن تيمية السلفي لهراس» (ص: ٨٧).
(٤) انظر: «الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية» (ص: ٢٠٣).
(٥) «العقائد السلفية بأدلتها النقلية والعقلية» (١/ ٨٥).
(٦) «تقريب التدمرية» (ص: ٨٥).
[ ٢ / ٤٣ ]
المبحث الثالث: صفات الله الواردة في الكتاب والسنة
تمهيد
أحصيت جميع الصفات الفعليَّة الخبرية؛ كالضحك، والبشبشة والغضب والحب والبغض والكيد والمكر وغيرها، وبعضًا من الصفات السمعية، أما بقية الصفات الفعليَّة – السمعية العقلية –؛ فهذه لا منتهى لها، وأنَّى لأحدٍ أن يحصيها، وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاء [إبراهيم:٢٧] صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٦
[ ٢ / ٤٤ ]
- الأولية
صفةٌ ذاتيةٌ لله ﷿، وذلك من اسمه (الأَوَّلُ)، الثابت في الكتاب والسنة، ومعناه: الذي ليس قبله شيء.
الدليل من الكتاب: قوله تعالى: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد:٣].
الدليل من السنة: حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «اللهم أنت الأوَّل؛ فليس قبلك شيء» (١).
قال ابن القيم: فأوليَّةُ الله ﷿ سابقة على أوليَّةِ كل ما سواه، وآخريَّتُه ثابتةٌ بعد آخرِيَّةِ كل ما سواه، فأوليَّتُه سَبْقُه لكل شيء، وآخريَّتُه بقاؤه بعد كل شيء، وظاهريَّتُه سبحانه فوقيَّتُه وعلوه على كل شيء، ومعنى الظهور يقتضي العلو، وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه، وبطونه سبحانه إحاطته بكل شيء، بحيث يكون أقرب إليه من نفسه، وهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه، هذا لون وهذا لون، فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهي إحاطتان: زمانيَّة، ومكانيَّة، فإحاطة أوليَّتِه وآخريَّتِه بالقَبْلِ والبَعْدِ، فكل سابق انتهى إلى أوليَّتِه، وكلُ آخرٍ انتهى إلى آخريَّتِه، فأحاطت أوليَّتُه وآخريَّتُه بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريَّتُه وباطنيَّتُه بكلِّ ظاهرٍ وباطن، فما من ظاهرٍ إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، وما من أولٍ إلا والله قبله، وما من آخرٍ إلا والله بعده، فالأوَّلُ قِدَمُه، والآخرُ دوامه وبقاؤه، والظاهر علوه وعظمته، والباطن قربه ودنوه، فسبق كلَّ شيء بأوليَّته، وبقي بعد كلُّ شيء بآخريَّتِه، وعلا على كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونه، فلا تواري منه سماءٌ سماءً، ولا أرضٌ أرضًا، ولا يحجب عنه ظاهرٌ باطنًا، بل الباطنُ له ظاهر، والغيبُ عنده شهادة، والبعيدُ منه قريب، والسرُّ عنده علانية، فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد، فهو الأوَّل في آخريَّتِه، والآخر في أوليَّتِه، والظاهر في بطونه، والباطن في ظهوره، لم يزل أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا (٢) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٨
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧١٣).
(٢) «طريق الهجرتين» (ص٢٧).
[ ٢ / ٤٥ ]
- الإتيان والمجيء
صفتان فعليتان خبريَّتان ثابتتان بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب:
١ - قوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ [البقرة:٢١٠]
٢ - وقوله: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [الأنعام:١٥٨]
٣ - وقوله: وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:٢٢]
الدليل من السنة:
١ - حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «وإن تقرَّب إليَّ ذراعًا؛ تقرَّبت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي؛ أتيتُه هرولةً» (١)
٢ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في الرؤية: «قال: فيأتيهم الجبَّار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم» (٢)
قال ابن جرير في تفسير الآية الأولى: اختُلِف في صفة إتيان الرب ﵎ الذي ذكره في قوله: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ [البقرة: ٢١٠] فقال بعضهم: لا صفة لذلك غير الذي وصَف به نفسه ﷿ من المجيء والإتيان والنُّزُول، وغير جائز تكلف القول في ذلك لأحدٍ إلا بخبرٍ من الله ﷻ أو من رسولٍ مرسل، فأما القول في صفات الله وأسمائه؛ فغير جائز لأحد من جهة الاستخراج؛ إلا بما ذكرنا وقال آخرون، ثم رجَّح القول الأوَّل
وقال أبو الحسن الأشعري: وأجمعوا على أنه ﷿ يجيء يوم القيامة والملك صفًا صفًا. اهـ (٣)
وقال الشيخ محمد خليل الهرَّاس بعد أن ذكر شيخ الإسلام الآيات السابقة: في هذه الآيات إثبات صفتين من صفات الفعل، وهما صفتا الإتيان والمجيء، والذي عليه أهل السنة والجماعة الإيمان بذلك على حقيقته، والابتعاد عن التأويل الذي هو في الحقيقة إلحاد وتعطيل اهـ وانظر كلام البغوي في صفة (الأصابع) (٤).
فائدة: لقد جاءت صفتا الإتيان والمجيء مقترنتين في حديثٍ واحدٍ، رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إذا تلقَّاني عبدي بشبرٍ؛ تلقَّيْته بذراع، وإذا تلقَّاني بذراع، تلقَّيْته بباع، وإذا تلقَّاني بباع، جئتُه أتيتُه بأسرع» (٥) قال النووي: (هكذا هو في أكثر النسخ: «جئتُه أتيتُه»، وفي بعضها «جئتُه بأسرع» فقط، وفي بعضها: «أتيتُه»، وهاتان ظاهرتان، والأوَّل صحيح أيضًا، والجمع بينهما للتوكيد، وهو حسن، لاسيما عند اختلاف اللفظ، والله أعلم) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٩
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥).
(٢) رواه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣).
(٣) «رسالة إلى أهل الثغر» (ص٢٢٧).
(٤) «شرح العقيدة الواسطية» (ص١١٢).
(٥) رواه مسلم (٢٦٧٥).
[ ٢ / ٤٦ ]
- الإجابة
صفةٌ فعليةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، والمجيب اسمٌ من أسمائه تعالى
الدليل من الكتاب:
١ - قوله تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم [آل عمران: ١٩٥]
٢ - وقوله: إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ [هود: ٦١].
٣ - وقوله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: ١٨٦].
الدليل من السنة:
١ - حديث: «لا يزال يستجاب للعبد؛ ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم؛ ما لم يستعجل قيل: يا رسول الله! ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوتُ وقد دعوتُ فلم أر يستجيب لي، فيستحسِر عند ذلك، ويدع الدعاء» (١).
٢ - حديث عبد الله بن عباس ﵄ مرفوعًا: «ألا وإني قد نهيت عن القراءة في الركوع والسجود فإذا ركعتم فعظموا ربكم وإذا سجدتم فاجتهدوا في الدعاء فإنه قَمِنٌ أن يستجاب لكم» (٢).
قال الحافظ ابن القيم (٣):
وَهُوَ المجُيبُ يَقُوُلُ من يَدْعُو أُجِبْـ ـهُ أنا المجُيبُ لِكُلِّ مَنْ نَادَانِي
وَهُوَ المُجيبُ لِدَعْوَةِ المُضْطَّرِّ يَدْعُوهُ في سِرٍّ وفي إعْلانِ
قال الشيخ الهرَّاس في شرح هذه الأبيات: (ومن أسمائه سبحانه (المجيب) وهو اسم فاعل من الإجابة، وإجابته تعالى نوعان: إجابة عامة لكل من دعاه دعاء عبادة أو دعاء مسألة).
وقال الشيخ السعدي: ومن آثاره الإجابة للداعين والإنابة للعابدين؛ فهو المجيب إجابة عامة للداعين مهما كانوا، وعلى أي حال كانوا؛ كما وعدهم بهذا الوعد المطلق، وهو المجيب إجابة خاصة للمستجيبين له، المنقادين لشرعه، وهو المجيب أيضًا للمضطرين ومن انقطع رجاؤهم من المخلوقين وقويَ تعلقهم به طمعًا ورجاءً وخوفًا (٤) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٤١
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧٣٥).
(٢) رواه النسائي (٢/ ٢١٧). والحديث رواه بنحوه مسلم (٤٧٩).
(٣) «النونية» (٢/ ٨٧).
(٤) «تفسير السعدي» (٥/ ٣٠٤).
[ ٢ / ٤٧ ]
- الأحد
يوصف الله جل وعلا بأنه الأحد، وهو اسمٌ له ﷾
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١].
الدليل من السنة:
١ - الحديث القدسي الذي يرويه أبو هريرة ﵁: «وأما شتمه إياي؛ فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفأً أحد» (١).
٢ - حديث بريدة ﵁؛ «أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يقول: اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد» (٢).
معناه:
١ - الذي لا شبيه له ولا نظير قاله: البيهقي (٣).
٢ - الأحد: الفرد قاله: ابن الأثير (٤).
٣ - الذي لا نظير له ولا وزير ولا نديد ولا شبيه ولا عديل، ولا يطلق هذا اللفظ على أحدٍ في الإثبات إلا على الله ﷿؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله قاله: ابن كثير في تفسير سورة الإخلاص. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٤٣
_________________
(١) رواه البخاري (٤٩٧٤).
(٢) رواه أبو داود (١٤٩٣)، والترمذي (٣٤٧٥)، وابن ماجه (٣٨٥٧)، وأحمد (٥/ ٣٤٩) (٢٣٠٠٢)، والحاكم (١/ ٦٨٣). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجة»: صحيح.
(٣) «الاعتقاد» (ص٦٧).
(٤) «جامع الأصول» (٤/ ١٨٠).
[ ٢ / ٤٨ ]
- الإحسان
صفةٌ من صفات الله ﷿ الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة، والإحسان يأتي بمعنيين:
١ - الإنعام على الغير، وهو زائد على العدل.
٢ - الإتقان والإحكام.
والمحسن من أسماء الله تعالى
الدليل من الكتاب:
١ - قوله تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ [السجدة: ٧].
٢ - وقوله: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [التغابن: ٣].
٣ - وقوله: قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا [الطلاق: ١١].
٤ - وقوله: وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص: ٧٧].
الدليل من السنة:
١ - حديث أنس ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا حكمتم؛ فاعدلوا، وإذا قتلتم؛ فأحسنوا؛ فإن الله مُحْسِنٌ يحب الإحسان» (١).
٢ - حديث شداد بن أوس ﵁؛ قال: حفظت من رسول الله ﷺ اثنتين؛ أنه قال: «إن الله ﷿ مُحْسِنٌ يحب الإحسان، فإذا قتلتم؛ فأحسنوا القتلة» (٢).
٣ - حديث الحسن عن سمرة مرفوعًا: «إن الله ﷿ مُحْسِنٌ؛ فأحسنوا، فإذا قتل أحدكم فليكرم قاتله وإذا ذبح فليحد شفرته وليرح ذبيحته.» (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٤٣
_________________
(١) رواه ابن أبي عاصم في «الدِّيَّات» (ص٩٤)، والطبراني في «الأوسط» (٥٧٣٥) واللفظ له، وابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٧/ ٣٠٦)، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (٢/ ١١٣). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ١٩٧):رواه الطبراني في «الأوسط» ورجاله ثقات. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤٦٩): وهذا إسناد جيد رجاله ثقات. وقال في «إرواء الغليل» (٧/ ٢٩٣): سنده حسن.
(٢) رواه عبدالرزاق (٤/ ٤٩٢)، ومن طريقه الطبراني (٦/ ٤٢٩)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٨٢٤). والحديث رواه مسلم (١٩٥٥) بدون لفظة: «محسن».
(٣) رواه ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٨/ ١٧٥). والحسن اختلف في سماعه من سمرة. انظر لذلك: «نصب الراية» (١/ ٩٢)، و«التلخيص الحبير» (٢/ ٦٧) (٦٥٥). والحديث صححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٨٢٣).
[ ٢ / ٤٩ ]
- الأخذ باليد
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة.
الدليل من الكتاب: قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ [الأعراف: ١٧٢].
الدليل من السنة:
١ - حديث عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعًا: «يأخذ الله ﷿ سماواته وأراضيه بيديه، فيقول: أنا الله - ويقبض أصابعه ويبسطها - أنا الملك» (١).
٢ - حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «وما تصدق أحد بصدقة من طيِّب، ولا يقبل الله إلا الطَّيِّب؛ إلا أخذها الرحمن بيمينه» (٢).
قال ابن فارس: الهمزة والخاء والذال أصل واحد تتفرع منه فروع متقاربة في المعنى أما (أخْذ)؛ فالأصل حَوْزُ الشيء وجَبْيه وجَمْعه، تقول أخذت الشيء آخذه أخذًا قال الخليل: هو خلاف العطاء، وهو التناول اهـ (٣).
فالأخذ إمَّا أن يكون خلاف العطاء، وهو ما كان باليد كالعطاء، وإما أخذ قهر؛ كقوله تعالى: فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى [النازعات:٢٥]، وقوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى [هود:١٠٢]، ومنه أخذ الأرواح، وأخذ العهود والمواثيق، وهذا المعنى ظاهر، والمعنيُّ هنا المعنى الأوَّل، وكلاهما صفة لله تعالى.
قال ابن القيم: ورد لفظ اليد في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مئة موضع ورودًا متنوعًا متصرفًا فيه، مقرونًا بما يدل على أنها يد حقيقية؛ من الإمساك، والطي، والقبض، والبسط وأخذ الصدقة بيمينه وأنه يطوي السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى اهـ (٤).
وقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: من صفات الله تعالى المجيء والإتيان والأخذ والإمساك والبطش إلى غير ذلك من الصفات فنصف الله تعالى بهذه الصفات على الوجه الوارد (٥). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٤٥
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧٨٨).
(٢) رواه مسلم (١٠١٤).
(٣) «معجم مقاييس اللغة» (١/ ٦٨).
(٤) «مختصر الصواعق المرسلة» (٢/ ١٧١).
(٥) «القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى» (٣٠).
[ ٢ / ٥٠ ]
- الأذن (بمعنى الاستماع)
صفةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالحديث الصحيح الدليل: حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «ما أذِنَ الله لشيءٍ كأَذَنِه لنبي يتغنَّى بالقرآن يجهر به» (١).
قال أبو عبيد القاسم بن سلام بعد أن أورد حديث أبي هريرة ﵁ بإسناده: أما قوله «كأَذَنِه»؛ يعني: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبيٍ يتغنى بالقرآن، حدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد في قوله تعالى: وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق:٢]؛ قال: سمِعَتْ أو قال: استمعت شكَّ أبو عبيد يُقال: أذنتُ للشيء آذَنُ له أذَنًا: إذا استمعتُه اهـ (٢) وقال البغوي: قوله: «ما أذِنَ الله لشيءٍ كأَذَنِه» يعني: ما استمع الله لشيء كاستماعه، والله لا يشغله سمع عن سمع، يقال: أذِنْتُ للشيء آذَنُ أذَنًا بفتح الذال: إذا سمعت له) (٣) وقال الخطابي في: قوله: «ما أذِنَ الله لشيءٍ كأَذَنِه لنبي يتغنى بالقرآن» الألف والذال مفتوحتان، مصدر أذِنْتُ للشيء أذنًا: إذا استمعت له، ومن قال: (كإذنه) فقد وهم. اهـ (٤).
وقال ابن كثير بعد أن أورد حديث: «لم يأذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن» قال: ومعناه أنَّ الله تعالى ما استمع لشيء كاستماعه لقراءة نبي يجهر بقراءته ويحسنها، وذلك أنه يجتمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم وتمام الخشية، وذلك هو الغاية في ذلك، وهو ﷾ يسمع أصوات العباد كلهم برهم وفاجرهم، كما قالت عائشة ﵂: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات (٥)، ولكن استماعه لقراءة عباده المؤمنين أعظم؛ كما قال تعالى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس: ٦١] الآية، ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ؛ كما دل عليه هذا الحديث العظيم، ومنهم من فسر الأذَن ها هنا بالأمر، والأوَّل أولى؛ لقوله: «ما أذِنَ الله لشيءٍ كأَذَنِه لنبي يتغنى بالقرآن»؛ أي: يجهر به، والأذَن: الاستماع؛ لدلالة السياق عليه ولهذا جاء في حديث رواه ابن ماجة بسند جيد عن فضالة بن عبيد؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لله أشد أذَنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القَيْنةِ إلى قينتِه» (٦) اهـ.
قلت: حديث فضالة رُوي بإسنادين ضعيفين: الأوَّل: منقطع، من رواية إسماعيل بن عبيد الله عن فضالة بن عبيد، رواه أحمد في (المسند ٦/ ١٩)، والحاكم في (المستدرك ١/ ٥٧١)، وقال: على شرط البخاري، قال الذهبي: قلت: بل هو منقطع.
والإسناد الثاني: موصول، رواه ابن ماجة (١٣٤٠) من طريق إسماعيل بن عبيد الله عن ميسرة مولى فضالة عن فضالة به، وعلته ميسرة، قال عنه الذهبي في الميزان: ما حدَّث عنه سوى إسماعيل بن عبيد الله، وقال في (الكاشف): نكرة، وقال ابن حجر في (التقريب): مقبول.
قال الأزهري: وفي الحديث: «ما أذِنَ الله لشيءٍ كأَذَنِه لنبي يتغنى بالقرآن»، قال أبو عبيد: يعني: ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن يقال: أذِنْتُ للشيء آذنُ له: إذا استمعت له» (٧) وقال ابن منظور في (لسان العرب): قال ابن سيدة: وأذن إليه أذَنا ً: استمع، وفي الحديث: «ما أذِنَ الله لشيءٍ كأَذَنِه لنبي يتغنى بالقرآن»، قال أبو عبيد ثم ذكر كلام أبي عبيدٍ السابق.
وقال ابن فارس: ويقال للرجل السامع من كلِّ أحدٍ: أُذُن، قال الله تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ [التوبة: ٦١] والأذَن: الاستماع، وقيل: أذَنٌ؛ لأنه بالأذُن يكون اهـ (٨) قلت: هذا في حق المخلوقين، أما الخالق ﷾؛ فشأنه أعظم، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١]؛ فنحن نقول: إنَّ الله يأذن أذَنًا؛ أي: يستمع استماعًا بلا كيف. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٤٧
_________________
(١) رواه البخاري (٥٠٢٤)، ومسلم (٧٩٣) واللفظ له.
(٢) «غريب الحديث» (١/ ٢٨٢).
(٣) «شرح السنة» (٤/ ٤٨٤).
(٤) «غريب الحديث» (٣/ ٢٥٦).
(٥) رواه البخاري (٧٣٨٥). عن عائشة ﵂.
(٦) «فضائل القرآن» (ص١١٤ - ١١٦).
(٧) «تهذيب اللغة» (١٥/ ١٦).
(٨) «معجم مقاييس اللغة» (١/ ٧٦).
[ ٢ / ٥١ ]
- الإرادة والمشيئة
صفتان ثابتتان بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا [الأنعام: ١٢٥].
وقوله: إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة: ١].
وقوله: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاء اللَّهُ [الإنسان: ٣٠].
وقوله: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء [آل عمران: ٢٦].
الدليل من السنة:
حديث أنس بن مالك ﵁؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «وكَّل الله بالرحم ملكًا فإذا أراد الله أن يقضي خلقها؛ قال » (١).
حديث عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا أراد الله بقوم عذابًا؛ أصاب العذاب من كان فيهم ثم بُعثوا على أعمالهم» (٢).
حديث «إنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي أعذب بك من أشاء» (٣).
حديث أبي هريرة ﵁: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» (٤).
قال أبو الحسن الأشعري: وأجمعوا على إثبات حياة الله ﷿، لم يزل بها حيًا إلى أن قال: وإرادة لم يزل بها مريدًا اهـ (٥) وقال شيخ الإسلام - بعد أن سرد بعض الآيات السابقة وغيرها -: وكذلك وصف نفسه بالمشيئة، ووصف عبده بالمشيئة وكذلك وصف نفسه بالإرادة، ووصف عبده بالإرادة ومعلوم أنَّ مشيئة الله ليست مثل مشيئة العبد، ولا إرادته مثل إرادته٠٠ اهـ (٦) وله ﵀ كلام طويل حول هذه الصفة في (دقائق التفسير) (٧) وانظر كلام ابن كثير في صفة (السمع) ويجب إثبات صفة الإرادة بقسميها الكوني والشرعي؛ فالكونية بمعنى المشيئة، والشرعية بمعنى المحبة. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٤٩
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٩٥)، ومسلم (٢٦٤٦).
(٢) رواه مسلم (٢٨٧٩).
(٣) رواه مسلم (٢٨٤٦).
(٤) رواه مسلم (٥٩٥).
(٥) «رسالة إلى أهل الثغر» (ص٢١٤).
(٦) «التدمرية» (٢٥).
(٧) انظر: (٥/ ١٨٤ - ١٩٣).
[ ٢ / ٥٢ ]
- استطابة الروائح
صفةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالسنَّةِ الصحيحة، الدليل: حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (١) قال الحافظ ابن القيم: من المعلوم أنَّ أطيب ما عند الناس من الرائحة رائحة المسك فمثَّل النبي ﷺ هذا الخلوف عند الله تعالى بطيب رائحة المسك عندنا وأعظم، ونسبة استطابة ذلك إليه ﷾ كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين كما أنَّ رضاه وغضبه وفرحه وكراهيته وحبه وبغضه لا تماثل ما للمخلوق من ذلك كما أنَّ ذاته ﷾ لا تشبه ذوات خلقه، وصفاته لا تشبه صفاتهم وأفعالهم، وهو ﷾ يستطيب الكلم الطيب فيصعد إليه والعمل الصالح فيرفعه وليست هذه الاستطابة كاستطابتنا، ثم إنَّ تأويله لا يرفع الإشكال إذ ما استشكله هؤلاء من الاستطابة يلزم مثله في الرضا فإن قال: رضا ليس كرضا المخلوقين فقولوا: استطابة ليست كاستطابة المخلوقين وعلى هذا جميع ما يجيء من هذا الباب أهـ (٢) وقال الشيخ علي الشبل: والذي قَرَّظه عددٌ من العلماء وفي مقدمتهم الإمام عبدالعزيز بن باز - ﵀ -: والاستطابة لرائحة خلوف فم الصائم من جنس الصفات العُلى، يجب الإيمان بها مع عدم مماثلة صفات المخلوقين (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٥١
_________________
(١) رواه البخاري (٥٥٨٣)، ومسلم (١١٥١).
(٢) «الوابل الصيب» (١/ ٥٢).
(٣) «التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري» (ص٣٦).
[ ٢ / ٥٣ ]
- الاستهزاء بالكافرين
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ في كتابه العزيز الدليل: قوله تعالى: وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة: ١٤ - ١٥] قال ابن فارس: الهزء: السخرية، يُقال: هزيءَ به واستهزأ. أهـ وقال ابن جرير الطبري في تفسير الآية بعد أن ذكر الاختلاف في صفة الاستهزاء: والصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا: أنَّ معنى الاستهزاء في كلام العرب: إظهار المستهزِيء للمستَهْزَأ به من القول والفعل ما يرضيه ظاهرًا، وهو بذلك من قِيِله وفعلِه به مورثه مساءة باطنًا، وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر ثم قال: وأما الذين زعموا أنَّ قول الله تعالى ذكره اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ إنما هو على وجه الجواب، وأنه لم يكن من الله استهزاء ولا مكر ولا خديعة؛ فنافون عن الله ﷿ ما قد أثبته الله ﷿ لنفسه وأوجبه لها، وسواءٌ قال قائل: لم يكن من الله جل ذكره استهزاء ولا مكر ولا خديعة ولا سخرية بمن أخبر أنه يستهزئ ويسخر ويمكر به، أو قال: لم يخسف الله بمن أخبر أنه خسف به من الأمم ولم يغرق من أخبر أنه أغرقه منهم ويقال لقائل ذلك: إنَّ الله جل ثناؤه أخبرنا أنه مكر بقوم مضوا قبلنا لم نرهم، وأخبرنا عن آخرين أنه خسف بهم، وعن آخرين أنه أغرقهم، فصدقنا الله تعالى فيما ذكره فيما أخبرنا به من ذلك، ولم نفرق بين شيء منه؛ فما برهانك على تفريقك ما فرقت بينه بزعمك أنه قد أغرق وخسف بمن أخبر أنه أغرقه وخسف به، ولم يمكر بمن أخبر أنه قد مكر به؟! اهـ (١).
وقال قوَّام السنة الأصبهاني: وتولى الذب عنهم (أي: عن المؤمنين) حين قالوا: إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، فقال: اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ، وقال: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ [التوبة:٧٩]، وأجاب عنهم فقال: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء [البقرة:١٣]؛ فأجل أقدارهم أن يوصفوا بصفة عيب، وتولى المجازاة لهم، فقال اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: ١٥] وقال سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ [التوبة ٧٩]؛ لأن هاتين الصفتين إذا كانتا من الله؛ لم تكن سفهًا؛ لأن الله حكيم، والحكيم لا يفعل السفه، بل ما يكون منه يكون صوابًا وحكمة اهـ (٢).
وقال شيخ الإسلام ردًا على الذين يدَّعون أنَّ هناك مجازًا في القرآن: وكذلك ما ادعوا أنه مجاز في القرآن كلفظ (المكر) و(الاستهزاء) و(السخرية) المضاف إلى الله، وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز، وليس كذلك، بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة؛ كانت ظلمًا له، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله؛ كانت عدلًا؛ كما قال تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف:٧٦] فكاد له كما كادت إخوته لما قال له أبوه لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا [يوسف:٥]، وقال تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق:١٥] وقال تعالى: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ [النمل:٥٠] وقال تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ [التوبة:٧٩] ولهذا كان الاستهزاء بهم فعلًا يستحق هذا الاسم؛ كما روى عن ابن عباس؛ أنه يفتح لهم باب من الجنة وهم في النار، فيسرعون إليه، فيغلق، ثم يفتح لهم باب آخر، فيسرعون إليه، فيغلق، فيضحك منهم المؤمنون قال تعالى فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين:٣٦] وعن الحسن البصري: إذا كان يوم القيامة؛ خمدت النار لهم كما تخمد الإهالة من القدر، فيمشون، فيخسف بهم وعن مقاتل: إذا ضرب بينهم وبين المؤمنين بسور له باب؛ باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب، فيبقون في الظلمة، فيقال لهم: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا وقال بعضهم: استهزاؤه: استدراجه لهم وقيل: إيقاع استهزائهم ورد خداعهم ومكرهم عليهم وقيل: إنه يظهر لهم في الدنيا خلاف ما أبطن في الآخرة وقيل: هو تجهيلهم وتخطئتهم فيما فعلوه وهذا كله حق، وهو استهزاء بهم حقيقة» اهـ (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٥٢
_________________
(١) «مجمل اللغة» (٩٠٤).
(٢) «الحجة في بيان المحجة» (١/ ١٦٨).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١١١). وانظر كلام ابن القيم في صفة (الخداع) في «مختصر الصواعق المرسلة» (٢/ ٣٤).
[ ٢ / ٥٤ ]
- الاستواء على العرش (١)
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥].
وقوله: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، الرعد: ٢، الفرقان: ٥٩، السجدة: ٤، الحديد: ٤].
الدليل من السنة:
حديث أبي هريرة ﵁؛ أنَّ النبي ﷺ أخذ بيده، فقال: «يا أبا هريرة! إن الله خلق السماوات والأرضين وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش» (٢).
حديث قتادة بن النعمان ﵁؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لما فرغ الله من خلقه؛ استوى على عرشه» (٣).
ومعنى الاستواء: العلو، والارتفاع، والاستقرار، والصعود؛ كما في نونية ابن القيم (٤) قال ﵀:
فلهم عبارات عليها أربع قد حصلت للفارس الطعان
وهي استقر وقد علا وكذلك أر تفع الذي ما فيه من نكران
وكذاك قد صعد الذي هو أربع
وانظر أيضًا: صفة (العلو)، وكلام البغوي في صفة (الأصابع) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٥٥
_________________
(١) انظر: «أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» للالكائي (٣/ ٣٨٧)، و«رسالة في الاستواء والفوقية» لأبي محمد الجويني، و«دقائق التفسير» لابن تيمية (٥/ ٢٣٧ - ٢٤٤)، (٦/ ٤٣٦ - ٤٣٩).
(٢) رواه النسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٤٢٧). قال الذهبي في «العلو» (ص٩٤): غريب. وقال الألباني في «مختصر العلو» (٧١): جيد الإسناد.
(٣) ذكره الذهبي في «العلو» (٦٣)، وفي «العرش» (٦٢)، وابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص٥١). قال الذهبي في «العلو»: رواته ثقات رواه أبو بكر الخلال في كتاب السنة له، وقال في «العرش»: إسناده صحيح على شرط الصحيحين. وقال ابن القيم - قبل أن يذكره -: روى الخلال في كتاب السنة بإسناد صحيح على شرط البخاري عن قتادة - ثم ذكره -.
(٤) (١/ ٢١٥) تحقيق هرَّاس.
[ ٢ / ٥٥ ]
- الأسف (بمعنى الغَضَب)
صفةٌ فعليَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب العزيز الدليل:
قوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف: ٥٥] وقد استشهد بها شيخ الإسلام ابن تيمية في (العقيدة الواسطية)، وكل من شرحها بعد ذلك.
قال ابن قتيبة: فَلَمَّا آسَفُونَا؛ أي: أغضبونا، والأسف: الغضب، يُقال: أسِفت آسَف أسفًا؛ أي: غضبت اهـ ونقل هذا المعنى ابن جرير في التفسير بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد (١) قال الهرَّاس: الأسف يُستعمل بمعنى شدة الحزن، وبمعنى شدة الغضب والسخط، وهو المراد في الآية اهـ (٢). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٥٦
_________________
(١) «تفسير غريب القرآن» (٣٩٩).
(٢) «شرح العقيدة الواسطية» (ص١١١). وانظر أيضًا: (تهذيب اللغة ١٣/ ٩٦).
[ ٢ / ٥٦ ]
- الأصابع
صفةٌ فعليَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالسُّنَّة الصحيحة الدليل:
١ - حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن» (١).
٢ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم! إن الله يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع إلى أن قال: فرأيت النبي ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قرأ وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ» (٢).
قال إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة: (باب إثبات الأصابع لله ﷿)، وذكر بأسانيده ما يثبت ذلك (٣).
وقال أبو بكر الآجري: (باب الإيمان بأن قلوب الخلائق بين إصبعين من أصابع الرب ﷿، بلا كيف) (٤) وقال البغوي بعد ذكر الحديث السابق: (والإصْبَع المذكورة في الحديث صفةٌ من صفات الله ﷿، وكذلك كلُّ ما جاء به الكتاب أو السنَّة من هذا القبيل من صفات الله تعالى؛ كالنَّفس، والوجه، والعين، واليد، والرِّجل، والإتيان، والمجيء، والنُّزُول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك، والفرح) اهـ (٥) وقال ابن قتيبة بعد أن ذكر حديث عبد الله بن عمرو السابق: ونحن نقول: إنَّ هذا الحديث صحيح، وإن الذي ذهبوا إليه في تأويل الإصبع لا يشبه الحديث؛ لأنه ﵇ قال في دعائه: «يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك فقالت له إحدى أزواجه: أوَ تخاف يا رسول الله على نفسك؟ فقال: إنَّ قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله ﷿» (٦)، فإن كان القلب عندهم بين نعمتين من نعم الله تعالى؛ فهو محفوظ بتينك النعمتين؛ فلأي شيء دعا بالتثبيت؟ ولِمَ احتج على المرأة التي قالت له: أتخاف على نفسك؟ بما يؤكد قولها؟ وكان ينبغي أن لا يخاف إذا كان القلب محروسًا بنعمتين فإن قال لنا: ما الإصبع عندك ها هنا؟
قلنا: هو مثل قوله في الحديث الآخر: «يحمل الأرض على إصبع»، وكذا على إصبعين، ولا يجوز أن تكون الإصبع ها هنا نعمة، وكقوله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:٦٧]، ولم يجز ذلك ولا نقول: إصبعٌ كأصابعنا، ولا يدٌ كأيدينا، ولا قبضةٌ كقبضاتنا؛ لأن كل شيء منه ﷿ لا يشبه شيئًا منا» اهـ (٧) فأهل السنة والجماعة يثبتون لله تعالى أصابع تليق به لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١]. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٥٧
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٥٤).
(٢) رواه البخاري (٧٤١٥) ومسلم (٢٧٨٦).
(٣) «التوحيد» (١/ ١٨٧).
(٤) «الشريعة» (ص٣١٦).
(٥) «شرح السنة» (١/ ١٦٨).
(٦) بنفس اللفظ الذي ذكره ابن قتيبة غير موجود، ولكن رواه الترمذي من حديث أم سلمة ﵂ وحسنه بلفظ مقارب في سننه (٣٥٢٢) وصححه الألباني، وأحمد من حديث عائشة ﵂ (٦/ ٩١) (٢٤٦٤٨) والطبراني في الأوسط (٢/ ١٤٧) وقال الهيثمي: فيه العلاء بن الفضل قال ابن عدى في بعض ما يروية نكرة، وبقية رجاله وثقوا وفيهم خلاف.
(٧) «تأويل مختلف الحديث» (ص٢٤٥).
[ ٢ / ٥٧ ]
- الإلهية والألوهية
صفةٌ ثابتةٌ لله ﷿ من اسمه (الله) واسمه (الإله)، وهما اسمان ثابتان في مواضع عديدة من كتاب الله ﷿ وأصل كلمة (الله) إله كما رجَّحَه ابن القيم في (بدائع الفوائد)، وإله بمعنى مألوه؛ أي: معبود؛ ككتاب بمعنى مكتوب والإلهية أو الألوهية صفة مأخوذة من هذين الاسمين.
قال الحافظ ابن القيم عند الحديث عن أسماء الله تعالى (الله)، (الرب)، (الرحمن)؛ قال: فالدين والشرع والأمر والنهي مظهره وقيامه من صفة الإلهية، والخلق والإيجاد والتدبير والفعل من صفة الربوبية، والجزاء والثواب والعقاب والجنة والنار من صفة الملك (١).
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي في: الله: هو المألوه المعبود ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين لما اتصف به من صفات الألوهية التي هي صفات الكمال (٢). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٥٩
_________________
(١) «مدارج السالكين» (١/ ٣٤).
(٢) «تفسير السعدي» (٥/ ٢٩٨).
[ ٢ / ٥٨ ]
- الأمر
صفةٌ لله ﷿؛ كما قال في محكم تَنْزِيله أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف: ٥٤]؛ إلا أنَّ هذا لا يعني أنه كلما ذكرت كلمة (الأمر) في الكتاب أو السنة مضافة إلى الله؛ مثل (أمر الله) أو (الأمر لله)؛ أنها صفة له لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية مثبتًا لهذه الصفة ومنبهًا لهذه القاعدة بقوله: لفظة (الأمر)؛ فإن الله تعالى لما أخبر بقوله: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:٨٢]، وقال: أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:٥٤]، واستدل طوائف من السلف على أنَّ الأمر غير مخلوق، بل هو كلامه، وصفة من صفاته بهذه الآية وغيرها؛ صار كثير من الناس يطرد ذلك في لفظ الأمر حيث ورد، فيجعله صفة، طردًا للدلالة، ويجعل دلالته على غير الصفة نقضًا لها، وليس الأمر كذلك؛ فبينت في بعض رسائلي أنَّ الأمر وغيره من الصفات يطلق على الصفة تارة وعلى متعلقها أخرى؛ فالرحمة صفة لله، ويسمى ما خلق رحمة، والقدرة من صفات الله تعالى، ويسمى المقدور قدرة، ويسمى تعلقها بالمقدور قدرة، والخلق من صفات الله تعالى، ويسمى (المخلوق) خلقًا، والعلم من صفات الله، ويسمى المعلوم أو المتعلِّق علمًا؛ فتارة يراد الصفة، وتارة يراد متعلقها، وتارة يراد نفس التعلُّق اهـ وقال أبو الحسن الأشعري: وأجمعوا على أنَّ أمره ﷿ وقوله غير محدث ولا مخلوق، وقد دلَّ الله تعالى على صحة ذلك بقوله تعالى: أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ اهـ (١). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٦٠
_________________
(١) «رسالة إلى أهل الثغر» (ص٢٢١).
[ ٢ / ٥٩ ]
- الإمساك
يوصف الله ﷿ بأنه يمسك السماواتِ والأرضَ وغيرهما إمساكًا يليق بجلاله وعظمته، وهي صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب: قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا [فاطر:٤١].
الدليل من السنة: حديث عبد الله بن مسعود ﵁: «أنَّ يهوديًا جاء إلى النبي ﷺ، فقال: يا محمد! إن الله يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قرأ: وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام:٩١] وفي رواية: فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا وتصديقًا له» (١) قال ابن خزيمة: (باب ذكر إمساك الله -﵎ اسمه وجل ثناؤه- السماوات والأرض وما عليها على أصابعه) (٢).
ثم أورد حديث ابن مسعود ﵁ بإسناده من عدة طرق، ثم قال: أما خبر ابن مسعود؛ فمعناه: أنَّ الله جل وعلا يمسك ما ذكر في الخبر على أصابعه، على ما في الخبر سواء، قبل تبديل الله الأرض غير الأرض؛ لأن الإمساك على الأصابع غير القبض على الشيء، وهو مفهوم في اللغة التي خوطبنا بها اهـ (٣) وقال أبو بكر الآجري: (باب الإيمان بأن الله ﷿ يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع) وقال ابن القيم في (مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ١٧١): ورد لفظ اليد في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مئة موضع، ورودًا متنوعًا متصرفًا فيه مقرونًا بما يدل على أنها يد حقيقة؛ من: الإمساك، والطي، والقبض، والبسط أهـ (٤) وانظر: صفة القبض والطي. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٦١
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤١٤) واللفظ له، ومسلم (٢٧٨٦).
(٢) «التوحيد» (١/ ١٧٨).
(٣) «التوحيد» (ص ١٨٥).
(٤) «الشريعة» (ص٣١٨).
[ ٢ / ٦٠ ]
- الأنامل
صفةٌ ذاتيةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالحديث الصحيح الدليل: حديث معاذ بن جبل ﵁: «فإذا أنا بربي ﷿ - يعني: في المنام، ورؤى الأنبياء حقٌ - في أحسن صورة، فقال: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب! قال: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب! قال: يا محمد! فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري رب! فرأيته وضع كفه بين كتفي، حتى وجدت برد أنامله في صدري» (١) قال شيخ الإسلام: فقوله (أي: الرازي): وجدت برد أنامله؛ أي: معناه وجدت أثر تلك العناية يقال له: أثر تلك العناية كان حاصلًا على ظهره وفي فؤاده وصدره؛ فتخصيص أثر العناية لا يجوز؛ إذ عنده لم يوضع بين الكتفين شيء قط، وإنما المعنى أنه صرف الرب عنايته إليه، فكان يجب أن يبين أنَّ أثر تلك العناية متعلق بما يعم، أو بأشرف الأعضاء، وما بين الثديين كذلك؛ بخلاف ما إذا قرأ الحديث على وجهه؛ فإنه إذا وضعت الكف على ظهره؛ ثقل بردها إلى الناحية الأخرى، وهو الصدر، ومثل هذا يعلمه الناس بالإحساس وأيضًا فقول القائل: وضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي نصٌ لا يحتمل التأويل والتعبير بمثل هذا اللفظ عن مجرد الاعتناء، وهذا أمر يعلم بطلانه بالضرورة من اللغة العربية، وهو من غث كلام القرامطة والسوفسطائية. . ثم قال: الوجه السادس: أنه ﷺ ذكر ثلاثة أشياء؛ حيث قال: «فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها - وفي رواية - برد أنامله على صدري، فعلمت ما بين المشرق والمغرب» (٢)، فذكر وضع يده بين كتفيه، وذكر غاية ذلك أنه وجد برد أنامله بين ثدييه، وهذا معنى ثان، وهو وجود هذا البرد عن شيء مخصوص في محل مخصوص، وعقب ذلك بقوله: الوضع الموجود (كذا)، وكل هذا يبين أنَّ أحد هذه المعاني ليس هو الآخر اهـ (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٦٢
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٢٣٥)، وأحمد (٥/ ٢٤٣) (٢٢١٦٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح؛ سألت محمد بن إسماعيل - البخاري - عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال ابن العربي في «أحكام القرآن» (٤/ ٧٣)، والألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح. والحديث روي عن ابن عباس وابن عمر وجابر بن سمرة وثوبان ﵃ جميعًا.
(٢) رواه الترمذي (٣٢٣٣، ٣٢٣٤)، وأحمد (١/ ٣٦٨) (٣٤٨٤)، وأبو يعلى (٤/ ٤٧٥)، وابن خزيمة في «التوحيد» (٢٩٣) بلفظ: «ثديي» بدلًا من «صدري». من حديث ابن عباس ﵄. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٥/ ١٦٢): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.
(٣) «نقض أساس التقديس» (ق٥٢٤ - ٥٢٦).
[ ٢ / ٦١ ]
- الأنتقام من المجرمين
يوصف الله ﷿ بأنه (ذو انتقام)، وأنه ينتقم من المجرمين؛ كما يليق به سبحانه، وهي صفةٌ فعليةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، وليس (المنتقم) من أسماء الله تعالى الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [المائدة: ٩٥]
وقوله: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [السجدة: ٢٢]
الدليل من السنة:
حديث عبد الله بن مسعود ﵁، وقوله عن قريش: (فكشف عنهم، فعادوا، فانتقم الله منهم يوم بدر؛ فذلك قوله تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ إلى قوله جل ذكره إِنَّا مُنتَقِمُونَ) (١)
حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «فقال للنار: أنت عذابي، أنتقم بك ممَّن شئت، وقال للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من شئت» (٢) قال الأزهري في (تهذيب اللغة): قال أبو إسحاق: معنى (نقمت): بالغت في كراهة الشيء اهـ وقال الراغب في (المفردات): النقمة: العقوبة: قال الله تعالى: فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ [الأعراف:١٣٦]، فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا [الروم:٤٧] وقال الخطابي: الانتقام: افتعال من نقم ينقم: إذا بلغت به الكراهة حد السخط (٣) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا في أسمائه الثابتة عن النبي ﷺ اسم المنتقم، وإنما جاء المنتقم في القرآن مقيدًا كقوله: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [السجدة:٢٢] وجاء معناه مضافًا إلى الله في قوله: إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [إبراهيم:٤٧] اهـ (٤) وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة ثلاثة أوجه: الثالث: التصريح بفعل أو وصف دال عليها؛ كالاستواء على العرش، والنُّزُول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة، والانتقام من المجرمين، ثم استدل للصفة الأخيرة بقوله تعالى: إِنَّا مِنْ المُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [السجدة:٢٢] اهـ (٥). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٦٣
_________________
(١) رواه البخاري (٤٨٢٢).
(٢) رواه الترمذي (٢٥٦١)، وأحمد (٢/ ٤٥٠) (٩٨١٥). من حديث أبي هريرة ﵁. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ووافقه الألباني في «صحيح سنن الترمذي». والحديث في الصحيحين حيث رواه البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦) بلفظ «أعذب» بدلًا من «أنتقم».
(٣) «شأن الدعاء» (ص٩٠).
(٤) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٩٥).
(٥) «القواعد المثلى» (ص٣٨).
[ ٢ / ٦٢ ]
- الإيجاب والتحليل والتحريم
صفاتٌ فعليةٌ ثابتةٌ لله تعالى بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب: قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥]
الدليل من السنة:
١ - حديث أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﵁ مرفوعًا: «من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا فلا يقربنَّا في المسجد، فقال الناس حرمت حرمت فبلغ ذاك النبي ﷺ فقال: أيها الناس إنه ليس بي تحريم ما أحلَّ الله لي ولكنها شجرة أكره ريحها» (١).
٢ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله ﷺ لو قلت: نعم! لوجبت ولما استطعتم» (٢).
وقوله لوجبت أي: لأوجبها الله ﷿ قال شيخ الإسلام: الحلف بالنذر والطلاق ونحوهما هو حلفٌ بصفاتِ الله، فإنَّه إذا قال: إن فعلتُ كذا فعلي الحج فقد حلف بإيجاب الحج عليه وإيجاب الحج عليه حكمٌ من أحكام الله تعالى وهو من صفاته، وكذلك لو قال: فعلي تحريرُ رقبة، وإذا قال: فامرأتي طالقٌ وعبدي حرٌ فقد حلف بإزالة ملكه الذي هو تحريمه عليه والتحريم من صفات الله كما أنَّ الإيجاب من صفات الله اهـ (٣) وانظر صفة: (التشريع). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٦٥
_________________
(١) رواه مسلم (٥٦٥).
(٢) رواه مسلم (١٣٣٧).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٢٧٣).
[ ٢ / ٦٣ ]
- البارئ
يوصف الله ﷿ بأنه البارئ، وهو اسم له ﷾، وهذه الصفةُ ثابتةٌ بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ [الحشر: ٢٤].
وقوله: فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ [البقرة: ٥٤].
الدليل من السنة: حديث أبي جحيفة؛ قال: سألت عليًا ﵁: هل عندكم شيء ما ليس في القرآن؟ فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة؛ ما عندنا إلا ما في القرآن؛ إلا فهمًا (١).
قال ابن قتيبة: ومن صفاته (البارئ)، ومعنى (البارئ): الخالق، يُقال: برأ الخلق يبرؤهم، والبريَّة: الخلق اهـ (٢) وقال الزجاج: البرء: خلق على صفة، فكل مبروء مخلوق، وليس كل مخلوق مبروء (٣) وقال ابن الأثير: البارئ: هو الذي خلق الخلق، لا عن مثال، إلا أنَّ لهذه اللفظة من الاختصاص بالحيوان ما ليس لها بغيره من المخلوقات، وقلما تستعمل في غير الحيوان، فيقال: برأ الله النسمة، وخلق السماوات والأرض (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٦٦
_________________
(١) رواه البخاري (٦٩٠٣).
(٢) «تفسير غريب القرآن» (ص١٥).
(٣) «تفسير الأسماء الحسنى» (ص٣٧).
(٤) «جامع الأصول» (٤/ ١٧٧).
[ ٢ / ٦٤ ]
- الباطن (الباطنية)
يوصف الله ﷿ بأنه الباطن، وهو اسم له ثابت بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد: ٣] الدليل من السنة: حديث أبي هريرة: «اللهم أنت الأوَّل؛ فليس قبلك شيء وأنت الباطن؛ فليس دونك شيء» (١) والمعنى كما قال ابن جرير: هو الباطن لجميع الأشياء؛ فلا شيء أقرب إلى شيء منه؛ كما قال تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:١٦] وقال ابن منده: الباطن: المحتجب عن ذوي الألباب كنه ذاته وكيفية صفاته ﷿ (٢) وقال البغوي في (التفسير): الباطن: العالم بكل شيء وانظر: كلام ابن القيم في صفة (الأوَّليَّة). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٦٧
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧١٣).
(٢) «التوحيد» (٢/ ٨٢).
[ ٢ / ٦٥ ]
- بديع السموات والأرض
يُوصف الله ﷿ بأنه بديع السماوات والأرض وما فيهن، وهي صفةٌ ثابتةٌ له بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب:
١ - قوله تعالى: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ [البقرة: ١١٧].
٢ - وقوله: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنعام: ١٠١].
الدليل من السنة: حديث أنس بن مالك ﵁؛ قال: «سمع النبي ﷺ رجلًا يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت وحدك، لا شريك لك، المنان، بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام فقال: لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا سُئِلَ به؛ أعطى، وإذا دُعِيَ به أجاب» (١).
المعنى: قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: بديع السماوات والأرض؛ أي: خالقهما ومبدعهما في غاية ما يكون من الحسن والخلق البديع والنظام العجيب المحكم (٢) وقال ابن منظور في مادة (ب د ع): بديع السماوات والأرض، أي: خالقها ومبدعها؛ فهو سبحانه الخالق المخترع لا عن مثال سابق.
وعدَّ بعضُهم (البديع) من أسماء الله ﷿، وفي هذا نظر صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٦٨
_________________
(١) رواه أبو داود (١٤٩٥)، والترمذي (٣٥٤٤)، والنسائي (٣/ ٥٢)، وابن ماجه (٣٨٥٨) واللفظ له، وأحمد (٣/ ١٢٠) (١٢٢٢٦)، والحاكم (١/ ٦٨٣). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: حديث غريب. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.
(٢) «التفسير» (٥/ ٣٠٣).
[ ٢ / ٦٦ ]
- البر
صفةٌ لله ﷿ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، و(البَر) من أسمائه تعالى الدليل من الكتاب: قوله تعالى: إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور:٢٨].
الدليل من السنة: حديث أنس بن مالك ﵁: «إن من عباد الله تعالى من لو أقسم على الله لأبَرَّه» (١).
ومعنى (البَر):
١ - اللطيف بعباده قاله ابن جرير في تفسير الآية السابقة
٢ - العطوف على عباده ببره ولطفه قاله ابن الأثير (٢)
٣ - وقال ابن القيم (٣):
والبِرُّ في أوصَافِهِ سُبْحَانَهُ هُوَ كثْرةُ الخَيراتِ والإحْسَانِ
وفي (لسان العرب): البَرُّ: الصادق، وفي التنزيل العزيز: إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور: ٢٨] والبَرُّ من صفات الله تعالى وتَقَدَّس: العطوفُ الرحيمُ اللطيفُ الكريمُ، قال ابن الأثير: في أسماء الله تعالى البَرُّ دون البارُّ وهو العطوف على عباده ببرِّه ولُطْفِه. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٦٩
_________________
(١) رواه البخاري (٢٧٠٣)، ومسلم (١٦٧٥).
(٢) «جامع الأصول» (٤/ ١٨٢).
(٣) «القصيدة النونية» (٢/ ٩٩).
[ ٢ / ٦٧ ]
- البركة والتبارك
صفةٌ ذاتيةٌ وفعلية لله ﷿، ثابتةٌ بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ [هود: ٧٣]
وقوله: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك: ١].
ووردت لفظة (تبارك) في مواضع أخرى من القرآن الكريم: [الزخرف: ٨٥]، [الرحمن: ٧٨]، وفي ثلاث مواضع من سورة الفرقان.
الدليل من السنة: حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «بينا أيوب ﵇ يغتسل عريانًا فناداه ربه ﷿: يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عمَّا ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك» (١).
ويكفي استدلالًا لذلك تحية الإسلام: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته).
المعنى: قال ابن القيم: وأما صفته تبارك؛ فمختصة به تعالى كما أطلقها على نفسه (٢) وقال: فتبارُكُه سبحانه صفة ذات له وصفة فعل (٣) وقال السلمان: والنوع الثاني بركة: هي صفته تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة، والفعل منها تبارك، ولهذا لا يقال لغيره كذلك، ولا يصلح إلا له ﷿؛ فهو سبحانه المبارِك، وعبده ورسوله المبارَك؛ كما قال المسيح: وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا [مريم:٣١]، فمن بارك الله فيه؛ فهو المبارك، وأما صفته؛ فمختصة به؛ كما أطلق على نفسه بقوله تعالى: تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ [الأعراف:٥٤] (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٧٠
_________________
(١) رواه البخاري (٢٧٩).
(٢) «بدائع الفوائد» (٢/ ١٨٥).
(٣) «جلاء الأفهام» (ص١٦٧).
(٤) «الكواشف الجلية» (ص٢٨٣).
[ ٢ / ٦٨ ]
- البسط والقبض
يوصف الله ﷿ بالبسط، وتوصف يده بالبسط، وهي صفةٌ فعلية خبريَّةٌ ٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، و(الباسط) اسم من أسمائه ﷾.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: ٢٤٥].
وقوله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ (٦٤) سورة المائدة [المائدة: ٦٤].
وقوله: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ [الإسراء: ٣٠].
الدليل من السنة:
حديث أنس ﵁: «إنَّ الله هو المُسَعِّر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو الله أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال» حديث صحيح (١).
حديث نزول الرب ﵎ إلى السماء الدنيا عند مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: «ثم يبسط يديه ﵎؛ يقول: من يقرض غير عَدُومٍ ولا ظَلُوم» (٢).
حديث أبي موسى الأشعري ﵁: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل» (٣).
قال ابن منده: ومن أسماء الله ﷿: الباسط؛ صفة له اهـ (٤) قال ابن جرير في تفسير الآية الأولى: يعني بقوله «يقبض»: يقتِّر بقبضه الرزق عمَّن يشاء من خلقه، ويعني بقوله «ويبسط»: يوسِّع ببسطه الرزق على من يشاء اهـ فالبسط: نقيض القبض، وبسط الشيء: نشره، ويد بسط؛ أي: مطلقة، والبسطة: الزيادة والسعة ومنه قوله تعالى: وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة:٢٤٧]، والباسط: هو الذي يبسط الرزق لعباده، ويوسعه عليهم بجوده ورحمته، ويبسط الأرواح في الأجساد عند الحياة انظر مادة (ب س ط) في (لسان العرب) قال شيخ الإسلام: ووصف نفسه (يعني: الله) ببسط اليدين، فقال بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:٦٤]، ووصف بعض خلقه ببسط اليد في قوله تعالى: وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا [الإسراء:٢٩]، وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط) (٥) وانظر صفة: (القبض). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٧١
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٤٥١)، والترمذي (١٣١٤)، وابن ماجه (٢٢٠٠)، وأحمد (٣/ ١٥٦) (١٢٦١٣). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٥/ ٤٢٣): روي من وجوه صحيحة لا بأس بها. وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٣٣): إسناده على شرط مسلم. وقال ابن حجر في «التلخيص الحبير» (١/ ٩٣): إسناده على شرط مسلم. وقال ابن دقيق العيد في «الاقتراح» (ص١١٣)، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجة»: صحيح.
(٢) رواه مسلم (٧٥٨).
(٣) رواه مسلم (٢٧٥٩).
(٤) «التوحيد» (٢/ ٩٣).
(٥) «التدمرية» (ص٢٩).
[ ٢ / ٦٩ ]
- البشبشة أو البشاشة
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ لله ﷿ ثابتةٌ بالحديث الصحيح الدليل: حديث أبي هريرة ﵁؛ أنَّ النبي ﷺ قال: «ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر؛ إلا تبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم» (١)
قال ابن قتيبة: قوله: يتبشبش، هو من البشاشة، وهو (يتفعَّل) اهـ (٢) قال أبو يعلى الفراء تعقيبًا على كلام ابن قتيبة: فحمل الخبر على ظاهره، ولم يتأوله وقال قبل ذلك بعد أن تكلم عن إثبات صفة الفرح لله تعالى: وكذلك القول في البشبشة؛ لأن معناه يقارب معنى الفرح، والعرب تقول: رأيت لفلان بشاشة وهشاشة وفرحًا، ويقولون: فلان هش بش فرح، إذا كان منطلقًا، فيجوز إطلاق ذلك كما جاز إطلاق الفرح اهـ (٣) قال الإمام الدارمي: وبلغنا أنَّ بعض أصحاب المريسي قال له: كيف تصنع بهذه الأسانيد الجياد التي يحتجون بها علينا في رد مذاهبنا مما لا يمكن التكذيب بها؛ مثل: سفيان عن منصور عن الزهري، والزهري عن سالم، وأيوب بن عوف عن ابن سيرين، وعمرو بن دينار عن جابر عن النبي ﷺ وما أشبهها؟ قال: فقال المريسي: لا تردوه تفتضحوا، ولكن؛ غالطوهم بالتأويل؛ فتكونوا قد رددتموها بلطف؛ إذ لم يمكنكم ردها بعنف؛ كما فعل هذا المعارض سواء.
وسننقل بعض ما روي في هذه الأبواب من الحب والبغض والسخط والكراهية وما أشبهه (ثم ذكر أحاديث في صفة الحب ثم البغض ثم السخط ثم الكره ثم العجب ثم الفرح، ثم حديث أبي هريرة السابق في البشاشة، ثم قال) وفي هذه الأبواب روايات كثيرة أكثر مما ذكر، لم نأت بها مخافة التطويل (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٧٣
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٨٠٠)، واللفظ له، وأحمد (٢/ ٣٢٨) (٨٣٣٢)، والطيالسي (٢٣٣٤)، والحاكم (١/ ٣٣٢). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (٢/ ١٠٢): هذا إسناد صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجة»: صحيح.
(٢) «غريب الحديث» (١/ ١٦٠).
(٣) «إبطال التأويلات» (١/ ٢٤٣).
(٤) «نقض الدارمي على المريسي» (ص٢٠٠).
[ ٢ / ٧٠ ]
- البصر
البصر صفةٌ من صفات الله ﷿ الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة و(البصير): اسم من أسمائه تعالى
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: ٥٨]
وقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١]
الدليل من السنة: حديث أبي موسى الأشعري ﵁: «يا أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، ولكن تدعون سميعًا بَصيرًا، إنَّ الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (١) انظر صفة: (الرؤية) و(النظر) و(العين)؛ لله ﷾ صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٧٤
_________________
(١) رواه البخاري (٦٣٨٤).
[ ٢ / ٧١ ]
- البطش
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب العزيز، ومعناه: الانتقام والأخذ القوي الشديد قد ورد البطش مضافًا إلى الله تعالى في ثلاث مواضع من القرآن الكريم.
قوله تعالى: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ [الدخان:١٦].
وقوله تعالى: وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ [القمر: ٣٦].
وقوله: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج: ١٢].
قال ابن القيم: قال تعالى في آلهة المشركين المعطلين أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ [الأعراف: ١٩٥]، فجعل سبحانه عدم البطش والمشي والسمع والبصر دليلا على عدم إلهية من عُدمت فيه هذه الصفات، فالبطش والمشي من أنواع الأفعال، والسمع والبصر من أنواع الصفات، وقد وصف نفسه سبحانه بضد صفة أربابهم وبضد ما وصفه به المعطلة والجهمية (١).
وقال: ثم ذكر سبحانه جزاء أوليائه المؤمنين ثم ذكر شدة بطشه وأنه لا يعجزه شيء، فإنه هو المبدئ المعيد، ومن كان كذلك فلا أشد من بطشه، وهو مع ذلك الغفور الودود، يغفر لمن تاب إليه ويوده ويحبه، فهو سبحانه الموصوف بشدة البطش ومع ذلك هو الغفور الودود المتودد إلى عباده بنعمه الذي يود من تاب إليه وأقبل عليه (٢) قال الشيخ ابن عثيمين: من صفات الله تعالى المجيء والإتيان والأخذ والإمساك والبطش إلى غير ذلك من الصفات فنصف الله تعالى بهذه الصفات على الوجه الوارد (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٧٥
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (٣/ ٩١٥).
(٢) «التبيان في أقسام القرآن» (ص٥٩).
(٣) «القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى» (ص٣٠).
[ ٢ / ٧٢ ]
- البغض
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالأحاديث الصحيحة الدليل:
حديث أبي هريرة ﵁: «إن الله تعالى إذا أحب عبدًا وإذا أبغض عبدًا؛ دعا جبريل، فيقول إني أبغض فلانًا؛ فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إنَّ الله يبغض فلانًا؛ فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم توضع له البغضاء في الأرض» (١).
حديث أبي هريرة ﵁: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» (٢).
يقول ابن القيم: إن ما وصف الله سبحانه به نفسه من المحبة والرضى والفرح والغضب والبغض والسخط من أعظم صفات الكمال اهـ (٣) وفي (تهذيب اللغة): وقال الليث: البغض: نقيض الحب (٤) وانظر كلام ابن أبي العز في صفة (الغضب) وابن كثير في صفة (السمع). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٧٦
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٣٧).
(٢) رواه مسلم (٦٧١).
(٣) في «الصواعق المرسلة» (٤/ ١٤٥١).
(٤) «تهذيب اللغة» (٨/ ١٧).
[ ٢ / ٧٣ ]
- البقاء
صفةٌ ذاتيةٌ خاصةٌ بالله ﷿ ثابتةٌ بالكتاب العزيز الدليل: قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٧].
وقد عَدَّ بعضهم (الباقي) من أسماء الله تعالى، ولا دليل معهم، منهم: ابن منده (١)، والزجاجي (٢)، وقوَّام السنة الأصبهاني (٣)، وغيرهم قال قَوَّامُ السُّنَّة: معنى الباقي: الدائم، الموصوف بالبقاء، الذي لا يستولي عليه الفناء، وليست صفة بقائه ودوامه كبقاء الجنة والنار ودوامهما، وذلك أنَّ بقاءه أبدي أزلي، وبقاء الجنة والنار أبدي غير أزلي، فالأزلي ما لم يزل، والأبدي ما لا يزال، والجنة والنار كائنتان بعد أن لم تكونا اهـ (٤) وقال أبو بكر الباقلاني فيما نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية وأقره عليه: صفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفًا بها هي: الحياة، والعلم والبقاء والوجه، والعينان (٥).
وقال الحافظ ابن حجر: قوله (باب قول الرَّجُل لَعَمْرُ الله) أَيْ هَلْ يَكُون يَمِينًا، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى تفسير (لَعَمْر) (٦) وقال أَبُو القَاسِم الزَّجَّاج: العُمْر الحياة، فمن قال لَعَمْر الله كأنه حلف بِبَقَاءِ الله، واللام لِلتَّوْكِيدِ والخبر محذوف أَيْ مَا أُقسم به، ومِن ثَمَّ قَالَ المَالِكِيَّة وَالحَنَفِيَّة: تَنْعَقِد بِهَا اليَمِين; لأن بَقَاء الله مِنْ صِفَة ذَاته وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: البقاء من صفات الله، فإذا أسند إلى إنسان؛ فهو من الشرك اهـ (٧) وانظر صفة (الحياة). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٧٧
_________________
(١) «التوحيد» (٢/ ٨٦).
(٢) «اشتقاق أسماء الله» (ص٢٠٠).
(٣) «الحجة» (١/ ١٢٧).
(٤) «الحجة» (١/ ١٢٨).
(٥) «الفتاوى» (٥/ ٩٩).
(٦) «فتح الباري» (١١/ ٥٤٧).
(٧) «الفتاوى والرسائل» (١/ ٢٠٧).
[ ٢ / ٧٤ ]
- التجلي
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة ومعناه الظهور للعيان، لا كما تقول الصوفية: التَّجَلِّي: ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب.
الدليل من الكتاب: قوله تعالى قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إلى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا [الأعراف: ١٤٣].
الدليل من السنة:
روى الإمام أحمد بإسناد صحيح: «حدثنا أبو المثنى معاذ بن معاذ العنبري قال حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ [الأعراف:١٤٣] قال: قال هكذا يعني أنه أخرج طرف الخنصر قال أحمد أرانا معاذ قال: فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد قال فضرب صدره ضربة شديدة وقال من أنت يا حميد وما أنت يا حميد يحدثني به أنس بن مالك عن النبي ﷺ فتقول أنت ما تريد إليه» (١).
وعند الترمذي بإسناد صحيح أيضًا من حديث سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ﵁: «أنَّ النبي ﷺ قرأ هذه الآية فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا قال حماد هكذا وأمسك سليمان بطرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى قال فساخ الجبل وخَرَّ موسى صعقًا» (٢).
حديث تجلِّي الله ﷿ لعباده يوم القيامة المشهور رواه البخاري (٣) والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح (٤)، وقد روي عن النبي ﷺ رواياتٌ كثيرة مثل هذا ما يذكر فيه أمر الرؤية أنَّ الناس يرون ربهم وذِكر القدم وما أشبه هذه الأشياء، والمذهبُ في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا تُروى هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يقال كيف، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تُروى هذه الأشياء كما جاءت ويُؤمَن بها ولا تُفَسَّر ولا تُتَوَهَّم ولا يقال كيف وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه ومعنى قوله في الحديث: «فَيُعَرّفَهم نفسه» يعني: يَتَجَلَّى لهم أهـ.
_________________
(١) رواه أحمد (٣/ ١٢٥) (١٢٢٨٢)، والحاكم (٢/ ٣٥١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «ظلال الجنة» (٤٨١): صحيح.
(٢) رواه الترمذي (٣٠٧٤). وقال: حسن غريب صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.
(٣) «صحيح البخاري» (٧٤٣٧).
(٤) «سنن الترمذي» (٢٥٥٧).
[ ٢ / ٧٥ ]
وقال الإمام أحمد كما في (مجموع الفتاوى) لشيخ الإسلام ابن تيمية: وهو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وهو الذي كَلَّم موسى تكليمًا، وتَجَلَّى للجبل فجعله دكًا، ولا يماثله شيءٌ من الأشياء في شيءٍ من صفاته، فليس كَعِلمه علمُ أحدٍ، ولا كقدرته قدرةُ أحدٍ، ولا كرحمته رحمةُ أحدٍ، ولا كاستوائه استواء أحدٍ، ولا كسمعه وبصره سمع أحدٍ ولا بصره، ولا كتكليمه تكليم أحدٍ، ولا كَتَجَلِّيِهِ تَجَلِّي أحدٍ (١) قال ابن عبدالبر: وقول رسول الله ﷺ: «يَنْزِل ربُّنَا إلى السماء الدنيا» عندهم مثل قول الله ﷿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ومثل قوله: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًَّا صَفًَّا [الفجر:٢٢] كلهم يقول يَنْزِل ويَتَجَلَّى ويجيء، بلا كيف، لا يقولون: كيف يجيء وكيف يَتَجَلَّى وكيف يَنْزِل، ولا من أين جاء ولا من أين تَجَلَّى ولا من أين يَنْزِل، لأنه ليس كشيءٍ من خلقه، وتعالى عن الأشياء، ولا شريك له، وفي قول الله ﷿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ دلالةٌ واضحةٌ أنه لم يكن قبل ذلك متجلِّيًَا للجبل وفي ذلك ما يفسر معنى حديث التَنْزيل ومن أراد أن يقف على أقاويل العلماء في قوله ﷿: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ فلينظر في تفسير بقيُّ بن مخلد ومحمد بن جرير وليقف على ما ذكرا من ذاك ففيما ذكرا منه كفاية وبالله العصمة والتوفيق (٢) وقال شيخ الإسلام: وطريقة الرسل هي ما جاء بها القرآن والله تعالى في القرآن يثبت الصفات على وجه التفصيل وينفي عنه - على طريق الإجمال - التشبيه والتمثيل فهو في القرآن يخبر أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه عزيز حكيم غفور رحيم وأنه سميع بصير وأنه غفور ودود وأنه تعالى - على عظم ذاته - يحب المؤمنين ويرضى عنهم ويغضب على الكفار ويسخط عليهم وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وأنه كلم موسى تكليما وأنه تَجَلَّى للجبل فجعله دكًا ; وأمثال ذلك (٣) وقال في (مجموع الفتاوى): ثبت في الأحاديث الصحيحة: أنه إذا تَجَلَّى لهم يوم القيامة سجد له المؤمنون، ومن كان يسجد في الدنيا رياءً يصيُر ظهرُه مثل الطبق (٤) وقال الحكمي: وقوله فتنظرون إليه وينظر إليكم فيه إثبات صفة التَجَلِّي لله ﷿ وإثبات النظر له واثبات رؤيته في الآخرة ونظر المؤمنين إليه أهـ (٥) قال ابن منظور في (لسان العرب): قال الزجاج: تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ أي: ظهر وبان قال: وهذا قول أهل السنة والجماعة وقال الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتاب (العين): قال الله ﷿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ أي ظهر وبان. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٧٨
_________________
(١) (٥/ ٢٥٧).
(٢) «التمهيد» (٧/ ١٥٣).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٧).
(٤) (٢٣/ ٧٦).
(٥) «معارج القبول» (٢/ ٧٧٢).
[ ٢ / ٧٦ ]
- التدلي (إلى السماء الدنيا)
صفةٌ فِعْلِيَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالسنة الصحيحة والتَّدَلِّي في اللغة: النُّزُولُ من عُلُوٍ انظر صفة: (النُّزُول). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٨٢
[ ٢ / ٧٧ ]
- التردد في قبض نفس المؤمن
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله تعالى على ما يليق به؛ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ الدليل: حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إن الله قال: من عادى لي وليًّا؛ فقد آذنته بالحرب وما تردَّدت عن شيء أنا فاعله تردُّدي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت، وأنا أكره مَسَاءَته» (١).
سئل شيخ الإسلام ﵀ عن معنى تردد الله في هذا الحديث؟ فأجاب: هذا حديث شريف، قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة، وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد ردَّ هذا الكلام طائفة، وقالوا: إنَّ الله لا يوصف بالتردد، وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب، وربما قال بعضهم: إنَّ الله يعامل معاملة المتردد والتحقيق: أنَّ كلام رسوله حق، وليس أحد أعلم بالله من رسوله، ولا أنصح للأمة منه، ولا أفصح ولا أحسن بيانًا منه، فإذا كان كذلك؛ كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس وأجهلهم وأسوئهم أدبًا، بل يجب تأديبه وتعزيره، ويجب أن يصان كلام رسول الله ﷺ عن الظنون الباطلة والاعتقادات الفاسدة، ولكن المتردد منا، وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور؛ لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنْزلة ما يوصف به الواحد منا؛ فإن الله ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ثم هذا باطل؛ فإن الواحد منا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد، فيريد الفعل لما فيه من المصلحة، ويكرهه لما فيه من المفسدة، لا لجهل منه بالشيء الواحد الذي يحب من وجه ويكره من وجه؛ كما قيل:
الشَّيْبُ كُرْهٌ وكُرْهٌ أَنْ أفَارِقَهُ فأعْجَبْ لِشَيْءٍ عَلى البغضاءِ محبوبُ
وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب، وفي الصحيح: «حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره» (٢)، وقال تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمْ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [البقرة:٢١٦] الآية ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في هذا الحديث؛ فإنه قال: «لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» (٣)؛ فإن العبد الذي هذا حاله صار محبوبًا للحق محبًا له، يتقرب إليه أولًا بالفرائض وهو يحبها، ثم اجتهد في النوافل التي يحبها ويحب فاعلها، فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق، فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتفاق الإرادة؛ بحيث يحب ما يحبه، ويكره ما يكرهه محبوبه، والرب يكره أن يسوء عبده ومحبوبه، فلزم من هذا أن يكره الموت؛ ليزداد من محاب محبوبه، والله ﷾ قد قضى بالموت، فكل ما قضى به؛ فهو يريده، ولا بد منه؛ فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه، وهو مع ذلك كارهٌ لمساءة عبده، وهي المساءة التي تحصل له بالموت، فصار الموت مرادًا للحق من وجه، مكروهًا له من وجه، وهذا حقيقة التردد، وهو أن يكون الشيء الواحد مرادًا من وجه مكروهًا من وجه، وإن كان لابد من ترجح أحد الجانبين، كما ترجح إرادة الموت، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده، وليس أرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريد مساءته ثم قال: والمقصود هنا: التنبيه على أنَّ الشيء المعين يكون محبوبًا من وجه مكروهًا من وجه، وأن هذا حقيقة التردد، وكما أنَّ هذا في الأفعال؛ فهو في الأشخاص، والله أعلم (٤) وقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: إثبات التردد لله ﷿ على وجه الإطلاق لا يجوز، لأن الله تعالى ذكر التردد في هذه المسألة: ما ترددت عن شيء أنا فاعله كترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن أهـ (٥) وليس هذا التردد من أجل الشك في المصلحة، ولا من أجل الشك في القدرة على فعل الشيء، بل هو من أجل رحمة هذا العبد المؤمن، ولهذا قال في نفس الحديث: «يكره الموت، وأكره إساءته، ولابد له منه» (٦) وهذا لا يعني أنَّ الله ﷿ موصوف بالتردد في قدرته أو في علمه، بخلاف الآدمي فهو إذا أراد أن يفعل الشيء يتردد، إما لشكه في نتائجه ومصلحته، وإما لشكه في قدرته عليه: هل يقدر أو لا يقدر أما الرب ﷿ فلا. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٨٢
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٠٢).
(٢) رواه البخاري (٦٤٨٧) بلفظ (حجبت)، ورواه مسلم (٢٨٢٢) واللفظ له. من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٣) رواه البخاري (٦٥٠٢) بلفظ «ما يزال». من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) «مجموع الفتاوى» (١٨/ ١٢٩، ١٣٥).
(٥) «لقاء الباب المفتوح» (سؤال ١٣٦٩).
(٦) رواه البخاري (٦٥٠٢) دون «ولا بد ..». من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٧٨ ]
- الترك
صفةٌ فعليةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ [البقرة: ١٧].
قوله تعالى: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [فاطر: ٤٥].
الدليل من السنة: حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري؛ تركته وشِركه» (١).
قال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: وتركه سبحانه للشيء صفة من صفاته الفعلية الواقعة بمشيئته التابعة لحكمته: قال الله تعالى: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ [البقرة:١٧] وقال تعالى: وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ [الكهف:٩٩] وقال: وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً [العنكبوت:٣٥] والنصوص في ثبوت الترك وغيره من أفعاله المتعلقة بمشيئته كثيرة معلومة، وهي دالة على كمال قدرته وسلطانه وقيام هذه الأفعال به سبحانه لا يماثل قيامها بالمخلوقين، وإن شاركوه في أصل المعنى، كما هو معلوم عند أهل السنة اهـ (٢) وانظر صفة: (النسيان). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٨٥
_________________
(١) رواه مسلم (٢٩٨٥). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) «مجموع فتاوى ورسائل» (٢/ ٥٦) (٣٥٤).
[ ٢ / ٧٩ ]
- التشريع
صفةٌ فعليةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، من خصائص ربوبِيَّتِه، من نازعه فيها فقد كفر، والله هو (الشارع) وهو (المُشَرِّع) وليسا هما من أسمائه سبحانه الدليل من الكتاب: قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الشورى: ١٣] الآية.
الدليل من السنة:
حديث عَبْدِ اللهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ فَإِنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ ﷺ سُنَنَ الْهُدَى وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى) (١).
وقد كثر في أقوال العلماء إضافة التشريع لله ﷾ ومن ذلك:
١ - قول العلامة محمد الأمين الشنقيطي: والعجب ممن يحكِّم غير تشريع الله ثم يدعي الإسلام (٢).
٢ - وقوله: وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أنَّ الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته وأعماه عن نور الوحي مثلهم (٣).
٣ - وقوله: ولما كان التشريع وجميع الأحكام، شرعية كانت أو كونية قدرية، من خصائص الربوبية، كما دلت عليه الآيات المذكورة كان كل من اتبع تشريعًا غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرِّع ربًا، وأشركه مع الله (٤).
٤ - وقوله: اعلموا أيها الإخوان: أنَّ الإشراك بالله في حكمه والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد لا فرق بينهما البتة فالذي يتبع نظامًا غير نظام الله وتشريعًا غير تشريع الله - أو غير ما شرعه الله - وقانونًا مخالفًا لشرع الله من وضع البشر مُعْرِضًَا عن نور السماء الذي أنزله الله على لسان رسوله من كان يفعل هذا هو ومن كان يعبد الصنم ويسجد للوثن لا فرق بينهما البتة بوجه من الوجوه، فهما واحد، كلاهما مشرك بالله، هذا أشرك به في عبادته، وهذا أشرك به في حكمه، كلهما سواء (٥).
٥ - قول اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والدعوة والإرشاد: الشرك الأكبر أن يجعل الإنسان لله ندًا إما في أسمائه وصفاته، وإما أن يجعل له ندًا في العبادة وإما أن يجعل لله ندًا في التشريع بأن يتخذ مشرِّعًا له سوى الله أو شريكًا لله في التشريع يرتضي حكمه ويدين به في التحليل والتحريم عبادة وتقربًا وقضاءً وفصلًا في الخصومات أو يستحله وإن لم يُرِدْهُ دينًا كما كثر إطلاقهم لكلمة (الشارع) و(المُشَرِّع) على الله ﷿ من باب الصفة (٦) وانظر صفات: (الإيجاب والتحريم والتحليل). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٨٦
_________________
(١) رواه مسلم (٦٥٤).
(٢) «أضواء البيان» (٣/ ٤٠٠).
(٣) «أضواء البيان» (٤/ ٨٣).
(٤) «أضواء البيان» (٧/ ١٦٩).
(٥) من شريط مسجل نقلًا عن كتاب «الحاكمية في تفسير أضواء البيان» لعبد الرحمن السديس (ص٥٢).
(٦) (١/ ٥١٦).
[ ٢ / ٨٠ ]
- التعجب
صفةٌ فعليَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة انظر صفة: (العَجَب). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٨٨
[ ٢ / ٨١ ]
- التقديم والتأخير
صفتان من صفات الذات والأفعال لله ﷿ ثابتتان بالكتاب والسنة، والمقدِّم والمؤخِّر اسمان لله تعالى الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا [المنافقون:١١].
وقوله: إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ [إبراهيم:٤١].
الدليل من السنة:
حديث: «أنت المقدِّم، وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت» (١).
حديث: «أعذر الله إلى امرئ أخَّر أجله حتى بلغه ستين سنة» (٢).
حديث: «لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله» (٣).
قال ابن القيم (٤):
وهُوَ المُقَدِّمُ والمُؤخِّرُ ذَانِكَ الـ صِّفَتَانِ للأفْعَالِ تَابِعَتَانِ
وهُمَا صِفَاتُ الذَّاتِ أيضًا إذْ هُمَا بالذَّاتِ لا بِالغَيْرِ قَائِمَتَانِ
قال الشيخ محمد خليل الهرَّاس في شرحه للأبيات: والتقديم والتأخير صفتان من صفات الأفعال التابعة لمشيئته تعالى وحكمته، وهما أيضًا صفتان للذات؛ إذا قيامهما بالذات لا بغيرها، وهكذا كل صفات الأفعال هي من هذا الوجه صفات ذات، حيث إنَّ الذات متصفة بها، ومن حيث تعلقها بما ينشأ عنها من الأقوال والأفعال تسمى صفات أفعال صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٨٨
_________________
(١) رواه البخاري (١١٢٠)، من حديث ابن عباس ﵁. ومسلم (٧٧١). من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٢) رواه البخاري (٦٤١٩). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه مسلم (٤٣٨). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٤) «النونية» (٢/ ١٠٩)
[ ٢ / ٨٢ ]
- التقرب والقرب والدنو
التقرب أو القرب والدُّنو من صفات الله الفعلية الاختيارية، ثابتة له بالكتاب والسنة و(القريب) اسم من أسمائه تعالى الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ [البقرة: ١٨٦]
وقوله تعالى: فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيب [هود: ٦١]
الدليل من السنة:
حديث: «من تقرَّب مني شبرًا؛ تقرَّبتُ منه ذراعًا، ومن تقرَّب مني ذراعًا؛ تقرَّبتُ منه باعًا» (١).
حديث أبي موسى الأشعري ﵁: «أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، ولكن تدعون سميعًا قريبًا، إنَّ الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (٢).
حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة» (٣).
اعلم أنَّ أهل السنة والجماعة من السلف وأهل الحديث يعتقدون أنَّ الله ﷿ قريب من عباده حقيقة كما يليق بجلاله وعظمته، وهو مستوٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، وأنه يتقرَّب إليهم حقيقة، ويدنو منهم حقيقة، ولكنهم لا يفسرون كلَّ قربٍ وَرَدَ لفظه في القرآن أو السنة بالقرب الحقيقي؛ فقد يكون القرب قرب الملائكة، وذلك حسب سياق اللفظ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما دنوه وتقربه من بعض عباده؛ فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة، ونزوله، واستواءه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف وأئمة الإسلام المشهورين وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر اهـ (٤) ويقول في موضعٍ آخر: ولا يلزم من جواز القرب عليه أن يكون كل موضع ذكر فيه قربه يراد به قربه بنفسه، بل يبقى هذا من الأمور الجائزة، وينظر في النص الوارد، فإن دل على هذا؛ حُمل عليه، وإن دل على هذا؛ حُمل عليه، وهذا كما تقدم في لفظ الإتيان والمجيء اهـ (٥) وقد أطال الكلام ﵀ على هذه المسألة بما لا مزيد عليه (٦) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٨٩
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٨٧) من حديث أبي ذر ﵁. والحديث روي بلفظٍ متقاربٍ من حديث أبي هريرة ﵁؛ رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥).
(٢) رواه البخاري (٤٢٠٥)، ومسلم (٢٧٠٤). كلاهما بلفظ «وهو معكم» بدلًا من «إن الذي تدعون ».
(٣) رواه مسلم (١٣٤٨).
(٤) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٦٦).
(٥) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٤).
(٦) انظر إن شئت المواضع التالية: (٥/ ٢٣٢ - ٢٣٧، ٢٤٠ - ٢٤١، ٢٤٧ - ٢٤٨، ٤٥٩ - ٤٦٧، ٤٩٤ - ٥١٤)، (٦/ ٥، ٨، ١٢ - ١٤، ١٩ - ٢٥، ٣٠ - ٣٢، ٧٦)، وانظر: «القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (المثال الحادي عشر والثاني عشر).
[ ٢ / ٨٣ ]
- التوب
صفةٌ فعليةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، و(التَّوَّاب) من أسمائه تعالى الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّاب الرَّحِيمُ [البقرة: ٣٧].
وقوله: وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء: ٢٧]
الدليل من السنة:
حديث أبي هريرة ﵁: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها؛ تابَ الله عليه» (١).
حديث أنس ﵁: «لو أنَّ لابن آدم واديًا من ذهب؛ أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوبُ الله على من تاب» (٢).
يقول ابن القيم (٣):
وَكَذَلِكَ التَّوَّاب مِنْ أوصَافِهِ والتَّوْبُ في أوصَافِهِ نَوْعَانِ
إذْنٌ بِتَوْبَةِ عَبْدهِ وقَبُولُهَا بَعْدَ المَتَابِ بِمِنَّةِ المنَّانِ
قال الشيخ الهرَّاس في شرح هذين البيتين: وأما التَّوَّاب؛ فهو الكثير التَّوْب؛ بمعنى: الرجوع على عبده بالمغفرة وقبول التوبة وتوبته سبحانه على عبده نوعان: أحدهما: أنه يلهم عبده التوبة إليه، ويوفقه لتحصيل شروطها من الندم والاستغفار والإقلاع عن المعصية والعزم على عدم العود إليها واستبدالها بعمل الصالحات والثاني: توبته على عبده بقبولها وإجابتها ومحو الذنوب بها؛ فإنَّ التوبة النصوح تجب ما قبلها صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٩١
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧٠٣).
(٢) رواه البخاري (٦٤٣٩)، ومسلم (١٠٤٨).
(٣) «القصيدة النونية» (٢/ ٩٢).
[ ٢ / ٨٤ ]
- الجبروت
صفةٌ ذاتيةٌ لله ﷿، من اسمه (الجَبَّار)، وهي ثابتةٌ بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب: قوله تعالى: العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ [الحشر: ٢٣]
الدليل من السنة:
حديث عوف بن مالك ﵁؛ قال: قمت مع رسول الله ﷺ ليلة، فلما ركع؛ مكث قدر سورة البقرة يقول في ركوعه: «سبحانه ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة» (١).
حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في الرؤية: «& hellip; قال: فيأتيهم الجبَّارُ في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة & hellip;» (٢) .
قال ابن قتيبة في: (جبروته): تجبُّره، أي: تعظمه اهـ (٣).
وقال ابن القيم (٤):
Normal
٠
false
false
false
EN-US
X-NONE
AR-SA
MicrosoftInternetExplorer٤
وكَذلكَ الجَبَّارُ في أَوْصافِهِ
والجَبْرُ في أَوْصَافِه نَوْعَانِ
جَبْرُ الضَّعِيفِ وكُلُّ قَلْبٍ قد غَدَاَ
ذَا كَسْرَةٍ فَالجَبْرُ مِنْهُ دَانِ
والثَّاني جَبْرُ القَهْرِ بِالعِزِّ الَّذي
لا يَنْبَغِي لِسِوَاهُ مِنْ إِنْسَانِ
ولَهُ مُسَمَّىً ثَالِثٌ وَهُوَ العُلُـ
ـوَ فَلَيْسَ يَدْنُو مِنْهُ مِنْ إِنْسَانِ
مِنْ قولهم جَبَّارةٌ للنَّخْلَةِ العُلْيَا
التي فاتَتْ لِكُلِّ بَنَانِ
قال الهرَّاس في شرحه لهذه الأبيات: وقد ذكر المؤلف هنا لاسمه (الجبار) ثلاثة معان، كلها داخلة فيه، بحيث يصح إرادتها منه: أحدها: أنه الذي يجبر ضعف الضعفاء من عباده، ويجبر كسر القلوب المنكسرة من أجله، الخاضعة لعظمته وجلاله؛ فكم جبر سبحانه من كسير، وأغنى من فقير، وأعز من ذليل، وأزال من شدة، ويسر من عسير؟ وكم جبر من مصاب، فوفقه للثبات والصبر، وأعاضه من مصابه أعظم الأجر؟ فحقيقة هذا الجبر هو إصلاح حال العبد بتخليصه من شدته ودفع المكاره عنه المعنى الثاني: أنه القهار، دانَ كلُّ شيء لعظمته، وخضع كل مخلوق لجبروته وعزته؛ فهو يجبر عباده على ما أراد مما اقتضته حكمته ومشيئته؛ فلا يستطيعون الفكاك منه والثالث: أنه العلي بذاته فوق جميع خلقه؛ فلا يستطيع أحد منهم أنَّ يدنو منه اهـ وقد ذكر العلامة الشيخ السعدي -﵀- أنَّ له معنى رابعًا، وهو أنه المتكبر عن كل سوء ونقص، وعن مماثلة أحد، وعن أنَّ يكون له كفوٌ أو ضدٌ أو سميٌ أو شريكٌ في خصائصه وحقوقه اهـ صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٩٢
_________________
(١) رواه أبو داود (٨٧٣) والنسائي (٢/ ١٩١)، وأحمد (٦/ ٢٤) (٢٤٠٢٦). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال النووي في «الأذكار» (٨١): صحيح. وقال ابن حجر في «نتائج الأفكار» (٢/ ٧٤): حسن. وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٢/ ٣٧٥): رجال إسناده ثقات. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
(٢) رواه البخاري (٧٤٣٩).
(٣) «تفسير غريب القرآن» (ص١٩).
(٤) «القصيدة النونية» (٢/ ٩٥).
[ ٢ / ٨٥ ]
- الجلال
صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، و(الجليل) ليس من أسمائه تعالى الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَام [الرحمن:٢٧].
وقوله: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ [الرحمن: ٧٨].
الدليل من السنة:
حديث أنس بن مالك ﵁: «فيقول: وعزَّتي وجلالي وكبريائي وعظمتي؛ لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله» (١).
حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» (٢) والجلال بمعنى العظمة
قال ابن القيم (٣):
وَهُوَ الجَلِيلُ فَكُلُّ أوْصَافِ الجَلا لِ لهُ مُحَقَّقَةٌ بِلا بُطْلانِ
قال الهرَّاس: (وأوصاف الجلال الثابتة له سبحانه؛ مثل العزة والقهر والكبرياء والعظمة والسعة والمجد؛ كلها ثابتةٌ له على التحقيق، لا يفوته منها شيء) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٩٤
_________________
(١) رواه البخاري (٧٥١٠) واللفظ له، ومسلم (١٩٣).
(٢) رواه مسلم (٢٥٦٦).
(٣) «القصيدة النونية» (٢/ ٦٤).
[ ٢ / ٨٦ ]
- الجمال
صفةٌ ذاتيةٌ لله ﷿، من اسمه (الجميل)، الثابت في السنة الصحيحة الدليل: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعا: «إنَّ الله جميل يحب الجمال» (١).
قال الحافظ قَوَّام السنة أبو القاسم الأصبهاني: قال بعض أهل النظر وقال: لا يجوز أنَّ يوصف الله بـ (الجميل) ولا وجهَ لإنكار هذا الاسم أيضًا؛ لأنه إذا صح عن النبي ﷺ؛ فلا معنى للمعارضة، وقد صح أنه قال ﷺ: «إنَّ الله جميل يحب الجمال» (٢)؛ فالوجه إنما هو التسليم والإيمان اهـ (٣)
وقال ابن القيم (٤):
وَهُوَ الجَمِيلُ عَلَى الحَقِيقَةِ كَيْفَ لا وجمَالُ سَائِرِ هذهِ الأكْوَانِ
مِنْ بَعْض آثَارِ الجَمِيلِ فَرَبُّهَا أَوْلْى وَأجْدرُ عِنْدَ ذِي العِرْفَانِ
فَجَمَالُهُ بِالذَّاتِ والأوصَافِ وَالـ ـأفعَالِ وَالأسماء بالبُرهَانِ
لا شَيءَ يُشْبِهُ ذَاتَهُ وصِفَاتِهِ سُبْحَانَهُ عَنْ إفْكِ ذِي بُهْتَانِ
وقال الهرَّاس في (الشرح): وأما الجميل؛ فهو اسم له سبحانه من الجمال، وهو الحسن الكثير، والثابت له سبحانه من هذا الوصف هو الجمال المطلق، الذي هو الجمال على الحقيقة؛ فإنَّ جمال هذه الموجودات على كثرة ألوانه وتعدد فنونه هو من بعض آثار جماله، فيكون هو سبحانه أولى بذلك الوصف من كل جميل؛ فإنَّ واهب الجمال للموجودات لابدَّ أنَّ يكون بالغًا من هذا الوصف أعلى الغايات، وهو سبحانه الجميل بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله أما جمال الذات؛ فهو ما لا يمكن لمخلوق أنَّ يعبر عن شيء منه أو يبلغ بعض كنهه، وحسبك أنَّ أهل الجنة مع ما هم فيه من النعيم المقيم وأفانين اللذات والسرور التي لا يقدر قدرها، إذا رأوا ربهم، وتمتعوا بجماله؛ نسوا كل ما هم فيه، واضمحل عندهم هذا النعيم، وودوا لو تدوم لهم هذه الحال، ولم يكن شيء أحب إليهم من الاستغراق في شهود هذا الجمال، واكتسبوا من جماله ونوره سبحانه جمالًا إلى جمالهم، وبقوا في شوق دائم إلى رؤيته، حتى إنهم يفرحون بيوم المزيد فرحًا تكاد تطير له القلوب وأما جمال الأسماء؛ فإنها كلها حسنى، بل هي أحسن الأسماء وأجملها على الإطلاق؛ فكلها دالة على كمال الحمد والمجد والجمال والجلال، ليس فيها أبدًا ما ليس بحسن ولا جميل وأما جمال الصفات؛ فإنَّ صفاته كلها صفات كمال ومجد، ونعوت ثناء وحمد، بل هي أوسع الصفات وأعمها، وأكملها آثارًا وتعلقات، لاسيما صفات الرحمة والبر والكرم والجود والإحسان والإنعام وأما جمال الأفعال؛ فإنها دائرة بين أفعال البر والإحسان التي يحمد عليها ويشكر، وبين أفعال العدل التي يحمد عليها لموافقتها للحكمة والحمد؛ فليس في أفعاله عبث ولا سفه ولا جور ولا ظلم، بل كلها خير ورحمة ورشد وهدى وعدل وحكمة، قال تعالى: إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود:٥٦]، ولأنَّ كمال الأفعال تابع لكمال الذات والصفات؛ فإنَّ الأفعال أثر الصفات، وصفاته كما قلنا أكمل الصفات؛ فلا غرو أنَّ تكون أفعاله أكمل الأفعال. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٩٤
_________________
(١) رواه مسلم (٩١).
(٢) رواه مسلم (٩١).
(٣) «الحجة في بيان المحجة» (٢/ ٤٥٦).
(٤) «القصيدة النونية» (٢/ ٦٤).
[ ٢ / ٨٧ ]
- الجنب
جعل بعضهم (الجنب) صفةً من صفات الله الذاتية، وهذا خطأ، والسلف على خلاف ذلك، ومن هؤلاء الذين أثبتوا هذه الصفة صديق حسن خان في كتابه (قطف الثمر) (١)، والذين أثبتوا هذه الصفة يستدلون بقوله تعالى: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ [الزمر: ٥٦] يقول ابن جرير عند تفسير هذه الآية: وقوله: عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّه؛ يقول: على ما ضيعت من العمل بما أمرني الله به، وقصرت في الدنيا في طاعة الله أهـ وقال الدارمي: وادعى المعارض أيضًا زورًا على قوم أنهم يقولون في تفسير قول الله: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ؛ قال: يعنون بذلك الجنب الذي هو العضو، وليس على ما يتوهمونه فيقال لهذا المعارض: ما أرخص الكذب عندك، وأخفه على لسانك، فإن كنت صادقًا في دعواك؛ فأشر بها إلى أحد من بني آدم قاله، وإلا؛ فلم تشنع بالكذب على قوم هم أعلم بهذا التفسير منك، وأبصر بتأويل كتاب الله منك ومن إمامك؟! إنما تفسيرها عندهم: تحسر الكفار على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله تعالى، واختاروا عليها الكفر والسخرية بأولياء الله، فسماهم الساخرين، فهذا تفسير (الجنب) عندهم، فمن أنبأك أنهم قالوا: جنب من الجنوب؟! فإنه لا يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين، فضلًا عن علمائهم أهـ (٢) ويقول شيخ الإسلام: لا يُعرف عالم مشهور عند المسلمين، ولا طائفة مشهورة من طوائف المسلمين، أثبتوا لله جنبًا نظير جنب الإنسان، وهذا اللفظ جاء في القرآن في قوله: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ [الزمر:٥٦] فليس في مجرد الإضافة ما يستلزم أنَّ يكون المضاف إلى الله صفة له، بل قد يضاف إليه من الأعيان المخلوقة وصفاتها القائمة بها ما ليس بصفة له باتفاق الخلق؛ كقوله تعالى: (بَيْت الله)، ناقَة الله [الأعراف:٧٣]، وعِبَاد الله [الصافات:٤٠]، بل وكذلك (رُوح الله) (٣) عند سلف المسلمين وأئمتهم وجمهورهم، ولكن؛ إذا أضيف إليه ما هو صفة له وليس بصفة لغيره؛ مثل كلام الله، وعلم الله، ويد الله، ونحو ذلك؛ كان صفة له وفي القرآن ما يبين أنه ليس المراد بالجنب ما هو نظير جنب الإنسان؛ فإنه قال: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ، والتفريط ليس في شيء من صفات الله ﷿، والإنسان إذ قال: فلان قد فرط في جنب فلان أو جانبه؛ لا يريد به أنَّ التفريط وقع في شيء من نفس ذلك الشخص، بل يريد به أنه فرط في جهته وفي حقه فإذا كان هذا اللفظ إذا أضيف إلى المخلوق لا يكون ظاهره أنَّ التفريط في نفس جنب الإنسان المتصل بأضلاعه، بل ذلك التفريط لم يلاصقه؛ فكيف يظن أنَّ ظاهره في حق الله أنَّ التفريط كان في ذاته؟ اهـ (٤) ويقول ابن القيم: فهذا إخبار عما تقوله هذه النفس الموصوفة بما وصفت به، وعامة هذه النفوس لا تعلم أنَّ لله جنبًا، ولا تقر بذلك؛ كما هو الموجود منها في الدنيا؛ فكيف يكون ظاهر القرآن أنَّ الله أخبر عنهم بذلك، وقد قال عنهم: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ [الزمر: ٥٦]، والتفريط فعل أو ترك فعل، وهذا لا يكون قائمًا بذات الله؛ لا في جنب ولا في غيره، بل يكون منفصلًا عن الله، وهذا معلوم بالحس والمشاهدة، وظاهر القرآن يدل على أنَّ قول القائل: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ؛ ليس أنه جعل فعله أو تركه في جنب يكون من صفات الله وأبعاضه اهـ (٥)
قلت: لا يصح إضافة الأبعاض إلى الله تعالى وذكر ابن الجوزي في (زاد المسير) عند تفسير الآية السابقة خمسة أقوال لجنب الله: طاعة الله، وحق الله، وأمر الله، وذكر الله، وقرب الله. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٩٧
_________________
(١) «قطف الثمر» (ص٦٧).
(٢) «نقض الدارمي على المريسي» (ص١٨٤).
(٣) ليس في القرآن بيت الله بل فيه بيتي [الحج:٢٦] وفيه روح الله [يوسف:٨٧] بفتح الراء لا بضمها وفيه روحي [الحجر:٢٩]
(٤) «الجواب الصحيح» (٣/ ١٤٥، ١٤٦).
(٥) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢٥٠).
[ ٢ / ٨٨ ]
- الجهة
لم يرد لفظ (الجهة)؛ لا إثباتًا ولا نفيًا، لا في الكتاب ولا في السنة، ولذلك؛ فالحق فيها التفصيل، ويغني عنه العلو والفوقية، وأنه ﷾ في السماء يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في (الرسالة التدمرية) (القاعدة الثانية): فلفظ الجهة قد يراد به شيء موجود غير الله؛ فيكون مخلوقًا، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السماوات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى؛ كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه؛ كما فيه إثبات العلو، والاستواء، والفوقية، والعروج إليه ونحو ذلك، وقد علم أنَّ ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق ﷾ مباين للمخلوق، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلًا في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أنَّ الله فوق العالم مباين للمخلوقات وكذلك يقال لمن قال: الله في جهة، أتريد بذلك أنَّ الله فوق العالم؟ أو تريد به أنَّ الله داخلٌ في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول؛ فهو حق، وإن أردت الثاني؛ فهو باطل اهـ ويقول في (مجموع الفتاوى): فإذا قال القائل: هو في جهة أو ليس في جهة؟ قيل له: الجهة أمر موجود أو معدوم، فإن كان أمرًا موجودًا، ولا موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق بائن عن المخلوق؛ لم يكن الرب في جهة موجودة مخلوقة، وإن كانت الجهة أمرًا معدومًا؛ بأنَّ يسمى ما وراء العالم جهة، فإذا كان الخالق مباينًا العالم، وكان ما وراء العالم جهة مسماة، وليس هو شيئًا موجودًا؛ كان الله في جهة معدومة بهذا الاعتبار لكن؛ لا فرق بين قول القائل: هو في معدوم، وقوله: ليس في شيء غيره؛ فإنَّ المعدوم ليس شيئًا باتفاق العقلاء.
ولا ريب أنَّ لفظ الجهة يريدون به تارة معنى موجودًا، وتارة معنى معدومًا، بل المتكلم الواحد يجمع في كلامه بين هذا وهذا، فإذا أزيل الاحتمال؛ ظهر حقيقة الأمر فإذا قال القائل: لو كان في جهة؛ لكانت قديمة معه قيل له: هذا إذا أريد بالجهة أمرٌ موجود سواه؛ فالله ليس في جهة بهذا الاعتبار.
وإذا قال: لو رُئي؛ لكان في جهة، وذلك محال قيل له: إن أردت بذلك: لكان في جهة موجودة؛ فذلك محال؛ فإنَّ الموجود يمكن رؤيته، وإن لم يكن في موجود غيره؛ كالعالم، فإنه يمكن رؤية سطحه وليس هو في عالم آخر وإن قال: أردت أنه لابدَّ أنَّ يكون فيما يسمى جهة، ولو معدومًا؛ فإنه إذا كان مباينًا للعالم؛ سمي ما وراء العالم جهة قيل له: فلم قلت: إنه إذا كان في جهة بهذا الاعتبار كان ممتنعًا؟ فإذا قال: لأنَّ ما باين العالم ورُئي لا يكون إلا جسمًا أو متحيزًا؛ عاد القول إلى لفظ الجسم والمتحيز كما عاد إلى لفظ الجهة فيقال له: المتحيز يراد به ما حازه غيره ويراد به ما بان عن غيره فكان متحيزًا عنه، فإن أردت بالمتحيز الأول؛ لم يكن سبحانه متحيزًا؛ لأنه بائن عن المخلوقات، لا يحوزه غيره، وإن أردت الثاني؛ فهو سبحانه بائن عن المخلوقات، منفصل عنها، ليس هو حالًا فيها، ولا متحدًا بها؛ فبهذا التفصيل يزول الاشتباه والتضليل اهـ (١) وقال الشيخ العثيمين -﵀-: وممَّا لم يرد إثباته ولا نَفْيه لفظ (الجهة)، فلو سأل سائل: هل نُثْبِت لله تعالى جهة؟ قلنا له: لفظ الجهة لم يرد في الكتاب والسنة إثباتًا ولا نفيًا، ويُغني عنه ما ثبت فيهما من أنَّ الله تعالى في السَّماء، وأما معناه؛ فإمَّا أنَّ يراد به: جهةُ سُفْلٍ أو جهةُ عُلُوٍ تحيط بالله أو جهةُ عُلُوٍ لا تحيط به فالأول باطل؛ لمنافاته لعلو الله تعالى الثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع والثاني باطلٌ أيضًا، لأنَّ الله تعالى أعظم من أنَّ يحِيط به شيء من مخلوقاته والثالث حقٌّ؛ لأنَّ الله تعالى العليّ فوق خلْقه ولا يحيط به شيء من مخلوقاته اهـ (٢). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٩٩
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٩ - ٤٠).
(٢) «القواعد المثلى» (ص٤٠).
[ ٢ / ٨٩ ]
- الحاكم والحكم
يوصف الله ﷿ بأنه الحاكم والحكم، و(الحكم) اسم له ثابتٌ بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًَا [الأنعام: ١١٤].
قوله تعالى: فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [الأعراف: ٨٧].
الدليل من السنة: حديث هانئ بن يزيد ﵁؛ أنه لما وفد إلى رسول الله ﷺ مع قومه؛ سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: إنَّ الله هو الحَكَم، وإليه الحُكم، فلِمَ تكنى أبا الحكم؟ (١) والحَكَم والحاكم بمعنى واحد؛ إلا أنَّ الحَكَم أبلغ من الحاكم، وهو الذي إليه الحُكْم، وأصل الحُكم منع الفساد والظلم ونشر العدل والخير. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٠٣
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٩٥٥)، والنسائي (٨/ ٢٢٦)، والحاكم (١/ ٧٥). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
[ ٢ / ٩٠ ]
- الحب والمحبة
صفاتٌ لله ﷿ فِعْلِيَّةٌ اختيارِيَّةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ١٩٥].
وقوله: فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤].
الدليل من السنة:
حديث سهل بن سعد ﵁: «لأعطين الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» (١).
حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: «إنَّ الله يحب العبد التقي، الغني، الخفي» (٢).
فأهل السنة والجماعة يثبتون صفة الحب والمحبة لله ﷿، ويقولون: هي صفة حقيقية لله ﷿، على ما يليق به، وليس هي إرادة الثواب؛ كما يقول المؤولة كما يثبت أهل السنة لازم المحبة وأثرها، وهو إرادة الثواب وإكرام من يحبه سبحانه قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى ٢/ ٣٥٤): إنَّ الكتاب والسنة وإجماع المسلمين أثبتت محبة الله لعباده المؤمنين ومحبتهم له، كقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:١٦٥] وقوله: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:٥٤] وقوله: أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللهِ وَرَسُولِه [التوبة:٢٤] وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على إثبات محبة الله تعالى لعباده المؤمنين ومحبتهم له وهذا أصل دين الخليل إمام الحنفاء ﵇ اهـ صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٠٣
_________________
(١) رواه البخاري (٣٠٠٩)، ومسلم (٢٤٠٦).
(٢) رواه مسلم (٢٩٦٥).
[ ٢ / ٩١ ]
- الحثو
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالسنة الصحيحة الدليل:
حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ مرفوعًا: «وعدني ربي أنَّ يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفًا، وثلاث حثيات من حثيات ربي» (١).
حديث عامر بن زيد البكالي عن عتبة بن عبدٍ السُّلَمي ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ ربي وعدني أنَّ يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفًا بغير حساب، ثم يتبع كل ألف سبعين ألفًا، ثم يحثي بكفه ثلاث حثيات، فكبَّر عمر» (٢) الحديث.
٣ - حديث أبي سعيد الأنماري الخير ﵁ مرفوعًا: «إنَّ ربي وعدني أنَّ يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب، ويشفع لكل ألف سبعين ألفًا، ثم يحثي ربي ثلاث حثيات بكفيه» (٣).
وقد أورد الدارمي في حديث عتبة وأبي سعيد في موطن (النقض على المريسي) في طعنه إثبات صفة اليد والكف لله ﷿.
وقال المباركفوري عند شرحه لحديث أبي أمامة المتقدم: (ثلاث حثيات)؛ بفتح الحاء والمثلثة، جمع حثية، والحثية والحثوة يستعمل فيما يعطيه الإنسان بكفيه دفعة واحدة من غير وزن وتقدير. اهـ (٤) وقال ابن القيم: ورد لفظ اليد في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مئة موضع ورودًا متنوعًا متصرفًا فيه مقرونًا بما يدل على أنها يد حقيقة من الإمساك والطي والقبض والبسط والمصافحة والحثيات اهـ (٥). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٠٤
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٤٣٧)، وابن ماجه (٤٢٨٦)، وأحمد (٥/ ٢٦٨) (٢٢٣٥٧). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال البوصيري في «إتحاف الخيرة» (٨/ ٩٣): رواه ابن ماجه والترمذي وحسنه. وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١٦/ ٤٦٠): إسناده قوي. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.
(٢) رواه ابن حبان (١٦/ ٢٣١)، والطبراني في «الكبير» (١٧/ ١٢٦)، وفي «الأوسط» (١/ ١٢٦). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٤١٤): رواه الطبراني في «الأوسط» وفى «الكبير» وأحمد باختصار عنهما، وفيه عامر بن زيد البكالى وقد ذكره ابن أبى حاتم ولم يجرحه ولم يوثقه، وبقية رجاله ثقات. اهـ. والدارمي في «نقضه على المريسي» (١/ ٢٧٦)، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٢/ ٣٤١)، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١١/ ٤١٨): سنده جيد وأخرجه الحافظ الضياء وقال: لا أعلم له علة. قلت: علته الاختلاف في سنده. اهـ .. وأبو عامر البكالي: ذكره أيضًا البخاري في «التاريخ الكبير» ولم يجرحه أو يوثقه، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٥/ ١٩١) وقال: يروي عن عتبة بن عبدٍ، روى عنه أبو سلام ويحيى بن أبي كثير، عداده في أهل الشام. اهـ. وأبو سلام قال عنه ابن حجر في «تقريب التهذيب» (٦٨٧٩): ممطور الأسود الحبشي أبو سلام ثقة يرسل. اهـ. ويحيى بن أبي كثير قال عنه ابن حجر في «تقريب التهذيب» (٧٦٣٢): يحيى بن أبي كثير الطائي مولاهم أبو نصر اليمامي ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل. اهـ. وبقية رجال الحديث ثقات، ويشهد له حديث أبي أمامة ﵁ السابق.
(٣) رواه الطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٣٠٤)، و«الأوسط» (١/ ١٢٨). وقال: لا يروى هذا الحديث عن أبي سعيد الأنماري إلا بهذا الإسناد تفرد به معاوية بن سلام. ورواه الدارمي في «نقضه على المريسي» (١/ ٢٨٠)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٨١٤)، قال البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة» (٨/ ٩٤): رواه الطبراني في «الأوسط»، وأبوأحمد الحاكم في «الكنى» وسياقه أتم. وقال ابن حجر في «الإصابة» (٧/ ١٧٧): سنده صحيح وكلهم من رجال الصحيح إلا قيس بن حجر وهو شامي ثقة ولكن أخرجه الحاكم أبو أحمد أيضا من طريق أبي توبة عن معاوية بن سلام فقال إن قيس بن حجر الكندي حدث الوليد بن عبد الملك أن أبا سعيد الخير حدثه وأخرجه الطبراني من طريق أبي توبة عن معاوية فقال إن أبا سعيد الأنماري وقيل قيس بن الحارث وأخرجه أيضا من وجه آخر عن الزبيدي عن عبد الله بن عامر فقال: عن قيس بن الحارث إن أبا سعيد الخير الأنصاري حدثه فذكر طرفا منه فمن هذا الاختلاف يتوقف في الجزم بصحة هذا السند. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٤٠٩): رواه الطبراني في «الأوسط» و«الكبير» ورجاله ثقات. وقال الألباني في «ظلال الجنة» (٨١٤): ضعيف. والحديث يشهد له حديث أبي أمامة ﵁ السابق.
(٤) «تحفة الأحوذي» (٧/ ١٢٩).
(٥) «مختصر الصواعق المرسلة» (٢/ ١٧١).
[ ٢ / ٩٢ ]
- الحجزة والحقو
صفتان ذاتيان خبريَّتان ثابتتان بالسنة الصحيحة الدليل:
حديث ابن عباس ﵄: «إنَّ الرحم شَجْنَةٌ آخذةٌ بحُجزة الرحمن؛ يصل من وصلها، ويقطع من قطعها» (١).
حديث أبي هريرة ﵁: «خلق الله الخلق، فلما فرغ منه؛ قامت الرحم، فأخذت بحقو الرحمن، فقال: مه! قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة» (٢).
والحقو والحُجْزة: موضع عقد الإزار وشده قال الحافظ أبو موسى المديني: وفي الحديث: «إنَّ الرحم أخذت بحجزة الرحمن» - ثم ذكر تفسيرين للحديث- ثم قال: وإجراؤه على ظاهره أولى اهـ (٣).
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان في (شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري) ناقلًا من (نقض التأسيس) لشيخ الإسلام، ومن (إبطال التأويلات) لأبي يعلى الفراء، ومعلقًا: قال شيخ الإسلام ﵀ في رده على الرازي في زعمه أنَّ هذا الحديث: (يعني: حديث أبي هريرة المتقدم) يجب تأويله: قال: فيقال له: بل هذا من الأخبار التي يقرها من يقر نظيره، والنِّزاع فيه كالنِّزاع في نظيره؛ فدعواك أنه لا بدَّ فيه من التأويل بلا حجة تخصه؛ لا تصح وقال: وهذا الحديث في الجملة من أحاديث الصفات، التي نص الأئمة على أنه يمر كما جاء، وردوا على من نفى موجبه، وما ذكره الخطابي وغيره أنَّ هذا الحديث مما يتأول بالاتفاق؛ فهذا بحسب علمه، حيث لم يبلغه فيه عن أحد من العلماء أنه جعله من أحاديث الصفات التي تمر كما جاءت قال ابن حامد: ومما يجب التصديق به: أنَّ لله حَقْوًا قال المروزي: قرأت على أبي عبد الله كتابًا، فَمَرَّ فيه ذكر حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: «إنَّ الله خلق الرحم، حتى إذا فرغ منها؛ أخذت بحقو الرحمن» فرفع المحدث رأسه، وقال: أخاف أنَّ تكون كفرت قال أبو عبد الله: هذا جهمي وقال أبو طالب: سمعت أبا عبد الله يسأل عن حديث هشام بن عمار؛ أنه قريء عليه حديث الرحم: (تجيء يوم القيامة فتعلق بالرحمن تعالى)، فقال: أخاف أنَّ تكون قد كفرت فقال: هذا شامي؛ ما له ولهذا؟ قلت: فما تقول؟ قال: يمضي كل حديث على ما جاء.
وقال القاضي أبو يعلى: اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، وأنَّ (الحقو) و(الحجزة) صفة ذات، لا على وجه الجارحة والبعض، وأنَّ الرحم آخذة بها، لا على وجه الاتصال والمماسة، بل نطلق ذلك تسمية كما أطلقها الشرع، وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله - ﵀ - هذا الحديث في كتابه، وأخذ بظاهره، وهو ظاهر كلام أحمد.
قلت: قوله: (لا على وجه الجارحة والبعض)، وقوله: (لا على وجه الاتصال والمماسة)؛ قول غير سديد، وهو من أقوال أهل البدع التي أفسدت عقولَ كثير من الناس؛ فمثل هذا الكلام المجمل لا يجوز نفيه مطلقًا، ولا إثباته مطلقًا؛ لأنه يحتمل حقًا وباطلًا، فلا بدَّ من التفصيل في ذلك، والإعراض عنه أولى؛ لأنَّ كلام رسول الله ﷺ خال منه، وليس هو بحاجة إليه؛ فهو واضح، وليس ظاهر هذا الحديث أنَّ لله إزارًا ورداءً من جنس الأزر والأردية التي يلبسها الناس، مما يصنع من الجلود والكتان والقطن وغيره، بل هذا الحديث نص في نفي هذا المعنى الفاسد؛ فإنه لو قيل عن بعض العباد: إنَّ العظمة إزاره والكبرياء رداؤه؛ لكان إخباره بذلك عن العظمة والكبرياء اللذين ليسا من جنس ما يلبس من الثياب فإذا كان هذا المعنى الفاسد لا يظهر من وصف المخلوق؛ لأنَّ تركيب اللفظ يمنع ذلك، وبين المعنى المراد؛ فكيف يدّعى أنَّ هذا المعنى ظاهر اللفظ في حق الله تعالى، فإنَّ كل من يفهم الخطاب ويعرف اللغة؛ يعلم أنَّ الرسول ﷺ لم يخبر عن ربه بلبس الأكسية والثياب، ولا أحد ممن يفهم الخطاب يدعي في قوله ﷺ في خالد بن الوليد إنه سيف الله؛ أنَّ خالدًا حديد، ولا في قوله ﷺ في الفرس: «إنا وجدناه بحرًا» (٤)؛ أنَّ ظاهره أنَّ الفرس ماء كثير ونحو ذلك اهـ (٥). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٠٦
_________________
(١) رواه أحمد (١/ ٣٢١) (٢٩٥٦)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٥٣٨)، والطبراني (١٠/ ٣٢٧)، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ١٥٠): رواه أحمد والبزار والطبراني بنحوه وفيه صالح مولى التوأمة وقد اختلط وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٤/ ٣٤٤): إسناده صحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٦٠٢): وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير صالح مولى التوأمة ففيه كلام.
(٢) رواه البخاري (٤٨٣٠).
(٣) «المجموع المغيث» (١/ ٤٠٥).
(٤) رواه البخاري (٢٨٢٠)، ومسلم (٢٣٠٧) بدون (إنا) وفي لفظٍ لهما أيضًا: «إن وجدناه لبحرا».
(٥) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (٢/ ٣٨٣).
[ ٢ / ٩٣ ]
- الحركة
لم يرد هذا اللفظ في الكتاب والسنة، ويغني عنه إثبات النُّزول والإتيان والمجيء ونحو ذلك قال شيخ الإسلام في شرح حديث النُّزول: لفظ (الحركة)؛ هل يوصف الله بها أم يجب نفيه عنه؟ اختلف فيه المسلمون وغيرهم من أهل الملل وغير أهل الملل من أهل الحديث وأهل الكلام وأهل الفلسفة وغيرهم على ثلاثة أقوال، وهذه الثلاثة موجودة في أصحاب الأئمة الأربعة من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم ثم شرع ﵀ في ذكر معنى الحركة عند المتكلمين والفلاسفة وأصحاب أرسطو وأنواع الحركة (١) إلى أنْ قال: والمقصود هنا أنَّ الناس متنازعون في جنس الحركة العامة التي تتناول ما يقوم بذات الموصوف من الأمور الاختيارية؛ كالغضب والرضى والفرح، وكالدنو والقرب والاستواء والنُّزول، بل والأفعال المتعدية كالخلق والإحسان وغير ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: قول من ينفي ذلك مطلقًا وبكل معنى وهذا أول من عرف به هم الجهمية والمعتزلة والقول الثاني: إثبات ذلك، وهو قول الهشامية والكرامية وغيرهم من طوائف أهل الكلام الذين صرحوا بلفظ الحركة.
وذكر عثمان بن سعيد الدارمي إثبات لفظ الحركة في كتاب نقضه على بشر المريسي، ونصره على أنه قول أهل السنة والحديث، وذكره حرب بن إسماعيل الكرماني - لما ذكر مذهب أهل السنة والأثر - عن أهل السنة والحديث قاطبة، وذكر ممن لقي منهم على ذلك: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وهو قول أبي عبد الله بن حامد وغيره.
وكثيرٌ من أهل الحديث والسنة يقول: المعنى صحيح، لكن؛ لا يطلق هذا اللفظ؛ لعدم مجيء الأثر به؛ كما ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر وغيره في كلامهم على حديث النُّزول والقول المشهور عن السلف عند أهل السنة والحديث: هو الإقرار بما ورد به الكتاب والسنة؛ من أنه يأتي وينْزل وغير ذلك من الأفعال اللازمة قال أبو عمرو الطَّلْمَنْكِيُّ: أجمعوا (يعني: أهل السنة والجماعة) على أنَّ الله يأتي يوم القيامة والملائكة صفًَّا صفًَّا لحساب الأمم وعرضها كما يشاء وكيف يشاء؛ قال تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأمْرُ [البقرة:٢١٠]، وقال تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًَّا صَفًَّا [الفجر:٢٢] قال: وأجمعوا على أنَّ الله يَنْزل كل ليلة إلى سماء الدنيا على ما أتت به الآثار كيف شاء، لا يحدون في ذلك شيئا ثم روى بإسناده عن محمد بن وضاح؛ قال: وسألت يحيى بن معين عن النُّزول؟ فقال: نعم؛ أقر به، ولا أحِدُّ فيه حَدًَّا (٢) والقول الثالث: الإمساك عن النفي والإثبات، وهو اختيار كثيرٌ من أهل الحديث والفقهاء والصوفية؛ كابن بطة وغيره، وهؤلاء فيهم من يعرض بقلبه عن تقدير أحد الأمرين، ومنهم من يميل بقلبه إلى أحدهما، ولكن؛ لا يتكلم لا بنفي ولا بإثبات والذي يجب القطع به أنَّ الله ليس كمثله شيء في جميع ما يصف به نفسه، فمن وصفه بمثل صفات المخلوقين في شيء من الأشياء؛ فهو مخطئ قطعًا؛ كمن قال: إنه ينْزل فيتحرك وينتقل كما يَنْزل الإنسان من السطح إلى أسفل الدار؛ كقول من يقول: إنه يخلو منه العرش! فيكون نزوله تفريغًا لمكان وشغلًا لآخر؛ فهذا باطل يجب تنْزِيه الرب عنه كما تقدم اهـ (٣).
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٥٦٥).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٥٧٧).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٥٧٧) وانظر كلامه ﵀ في «الاستقامة» (١/ ٧٠ - ٧٨).
[ ٢ / ٩٤ ]
وقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: النصوص في إثبات الفعل والمجيء والاستواء والنُّزول إلى السماء الدنيا إن كانت تستلزم الحركة لله؛ فالحركة له حق ثابت بمقتضى هذه النصوص ولازمها، وإن كنا لا نعقل كيفية هذه الحركة وإن كانت هذه النصوص لا تستلزم الحركة لله تعالى؛ لم يكن لنا إثبات الحركة له بهذه النصوص، وليس لنا أيضًا أنَّ ننفيها عنه بمقتضى استبعاد عقولنا لها، أو توهمنا أنها تستلزم إثبات النقص، وذلك أنَّ صفات الله تعالى توقيفية، يتوقف إثباتها ونفيها على ما جاء به الكتاب والسنة؛ لامتناع القياس في حقه تعالى؛ فإنه لا مثل له ولا ند، وليس في الكتاب والسنَّة إثبات لفظ الحركة أو نفيه؛ فالقول بإثبات نفيه أو لفظه قول على الله بلا علم وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كثير من رسائله في الصفات على مسألة الحركة، وبيَّن أقوال الناس فيها، وما هو الحق من ذلك، وأنَّ من الناس من جزم بإثباتها، ومنهم من توقف، ومنهم من جزم بنفيها، والصواب في ذلك أنَّ ما دل عليه الكتاب والسنة من أفعال الله تعالى ولوازمها؛ فهو حق ثابت يجب الإيمان به، وليس فيه نقص ولا مشابهة للخلق؛ فعليك بهذا الأصل؛ فإنه يفيدك، وأعرض عما كان عليه أهل الكلام من الأقيسة الفاسدة التي يحاولون صرف نصوص الكتاب والسنة إليها؛ ليحرفوا بها الكلم عن مواضعه، سواء عن نية صالحة أو سيئة اهـ (١). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٠٩
_________________
(١) «إزالة الستار عن الجواب المختار» (ص٣٢).
[ ٢ / ٩٥ ]
- الحسيب
يوصف الله ﷿ بأنه الحسيب، وهو اسم له ثابتٌ بالكتاب والسنة.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا [النساء: ٨٦].
وقوله: وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا [النساء: ٦ والأحزاب: ٣٩].
الدليل من السنة:
حديث أبي بكرة ﵁: «إن كان أحدكم مادحًا لا محالة؛ فليقل: أحسب كذا وكذا - إن كان يرى أنه كذلك -، وحسيبه الله، ولا يُزكَّى على الله أحد» (١).
قول عمر بن الخطاب ﵁: (فمن أظهر لنا خيرًا؛ أمَّناه وقرَّبناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته) (٢).
ومعنى الحسيب؛ أي: الحفيظ، والكافي، والشهيد، والمحاسب انظر: تفسير الآية ٦و٨٦ من سورة النساء في (تفسير ابن جرير) وابن الجوزي في (زاد المسير). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١١٣
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠٦١)، ومسلم (٣٠٠٠).
(٢) رواه البخاري (٢٦٤١).
[ ٢ / ٩٦ ]
- الحفظ
صفةٌ من صفاته تعالى الثابتة بالكتاب والسنة من اسميه (الحافظ) و(الحفيظ)
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [هود: ٥٧].
وقوله: فَاللهُ خَيْرٌ حافِظًا وَهُوَ أرْحَمُ الرَّاحِمينَ [يوسف: ٦٤].
الدليل من السنة:
حديث ابن عباس ﵄ المشهور: «احفظ الله يحفظك» (١).
يقول ابن القيم (٢):
وَهُوَ الحَفِيظُ عَلَيْهِمُ وَهُوَ الكَفِيـ لُ بِحِفْظِهِمْ مِنْ كُلِّ أمْرٍ عانِ
يقول الهرَّاس في الشرح (باختصار): ومن أسمائه سبحانه: الحفيظ، وله معنيان: أحدهما: أنه يحفظ على العباد ما عملوه من خير وشر، وعرف ونكر، وطاعة ومعصية والمعنى الثاني من معنيي الحفيظ: أنه تعالى الحافظ لعباده من جميع ما يكرهون وحفظه لخلقه نوعان: عام وخاص فالعام هو حفظه لجميع المخلوقات والنوع الثاني حفظه الخاص لأوليائه حفظًا زائدًا على ما تقدم؛ يحفظهم عما يضر إيمانهم ويزلزل يقينهم. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١١٣
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١/ ٢٩٣) (٢٦٦٩)، والحاكم (٣/ ٦٢٣). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث كبير عال من حديث عبد الملك بن عمير عن ابن عباس ﵄ إلا أن الشيخين ﵄ لم يخرجا لشهاب بن خراش ولا القداح في الصحيحين وقد روي الحديث بأسانيد عن ابن عباس غير هذا. وقال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (١/ ٤٩٥): حسن جيد. وقال ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ٣٢٧): حسن. وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (١٨٨): حسن وله شاهد. وقال الصنعاني في «سبل السلام» (٤/ ٢٦٧): إسناده حسن. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٤/ ٢٣٣): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.
(٢) «القصيدة النونية» (٢/ ٨٣).
[ ٢ / ٩٧ ]
- الحفي
يوصف الله ﷿ بأنه حفيٌّ، وهذا ثابت بالكتاب العزيز.
الدليل:
قوله تعالى: قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًَّا [مريم: ٤٧]
ومعنى الحفيِّ؛ أي: البَر اللطيف قاله الراغب في (المفردات).
وقال ابن قتيبة في (تفسير غريب القرآن): أي: بارًَّا عوَّدني منه الإجابة إذا دعوته. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١١٤
[ ٢ / ٩٨ ]
- الحق
يوصف الله ﷿ بأنه الحق ﷾، وهو اسمٌ له ثابتٌ بالكتاب والسنة
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحج: ٦].
وقوله تعالى: فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون: ١١٦].
الدليل من السنة:
حديث ابن عباس ﵄: «أنت الحق وقولك الحق» (١).
قال قَوَّام السنة: ومن أسمائه تعالى: الحق، وهو المتحقق كونه ووجوده، وكل شيء صح وجوده وكونه فهو حق اهـ (٢).
وبنحوه قال ابن الأثير (٣)، وقال السعدي: الحق؛ في ذاته وصفاته؛ فهو واجب الوجود، كامل الصفات والنعوت، وجوده من لوازم ذاته، ولا وجود لشيء من الأشياء إلاَّ به، فهو الذي لم يزل ولا يزال بالجلال والجمال والكمال موصوفًا، ولم يزل ولا يزال بالإحسان معروفًا، فقوله حق، وفعله حق، ولقاؤه حق، ورسله حق، وكتبه حق، ودينه هو الحق، وعبادته وحده لا شريك له هي الحق، وكل شيء ينسب إليه فهو حق، ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:٦٢]، وَقُل الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:٢٩]، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ [يونس:٣٢] ٠٠ اهـ (٤).
قلت: قوله: وكل شيء ينسب إليه فهو حق؛ أي: كل شيء ينسب إليه بحق، فهو حق صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١١٥
_________________
(١) رواه البخاري (٧٣٨٥).
(٢) «الحجة» (١/ ١٣٥).
(٣) «جامع الأصول» (٤/ ١٧٩).
(٤) «تفسير السعدي» (٥/ ٣٠٥).
[ ٢ / ٩٩ ]
- الحكمة
صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿، و(الحكيم) من أسمائه تعالى، وهو ثابتٌ بالكتاب والسنة.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٨].
وقوله: وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: ٢٢٨].
الدليل من السنة:
حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: «وسبحان الله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم» (١).
قال ابن القيم (٢):
وهو الحكيمُ وذَاكَ من أوْصَافِه حُكْمٌ وإحْكَامٌ فَكُلٌّ مِنْهُمَا نَوْعَانِ أيْضاَ مَا هُمَا عَدَمَانِ نَوْعَانِ أيْضًا ثَابِتا البُرْهَانِ
قال الهرَّاس: ومن أسمائه الحسنى سبحانه: (الحكيم)، وهو إما فعيل بمعنى فاعل؛ أي: ذو الحكم، وهو القضاء على الشيء بأنه كذا أو ليس كذا، أو فعيل بمعنى مفعل، وهو الذي يُحكِم الأشياء ويتقنها، وقيل: الحكيم ذو الحكمة، وهي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١١٦
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٩٦).
(٢) «القصيدة النونية» (٢/ ٧٥).
[ ٢ / ١٠٠ ]
- الحلم
يوصف الله ﷿ بالحِلم، وهي صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ له بالكتاب والسنة، و(الحليم) اسم من أسمائه تعالى.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ [البقرة: ٢٦٣].
وقوله: إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [فاطر: ٤١].
الدليل من السنة:
حديث ابن عباس ﵄: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم» (١).
قال ابن القيم (٢):
وَهُوَ الحليمُ فَلاَ يُعاجِلُ عَبْدهُ وَهُوَ العَفُوُّ فَعَفْوُهُ وَسِعَ الوَرَى بعُقُوبَةٍ لِيَتُوبَ منْ عِصْيَانِ لَوْلاَهُ غَارَ الأرْضُ بِالسُّكَّانِ
وقال الهرَّاس في (الشرح): ومن أسمائه سبحانه (الحليم) و(العفو)؛ فالحليم الذي له الحلم الكامل الذي وسع أهل الكفر والفسوق والعصيان، حيث أمهلهم ولم يعاجلهم بالعقوبة؛ رجاء أنَّ يتوبوا، ولو شاء؛ لأخذهم بذنوبهم فور صدورها منهم؛ فإن الذنوب تقتضي ترتب آثارها عليها من العقوبات العاجلة المتنوعة، ولكن حلمه سبحانه هو الذي اقتضى إمهالهم؛ كما قال تعالى: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا [فاطر:٤٥]. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١١٧
_________________
(١) رواه البخاري (٦٣٤٥)، ومسلم (٢٧٣٠).
(٢) «القصيدة النونية» (٢/ ٨١).
[ ٢ / ١٠١ ]
- الحميد
يوصف الله ﷿ بأنه الحميد، وهو صفةٌ ذاتيةٌ له، و(الحميد) اسم من أسمائه، ثابتٌ بالكتاب والسنة.
الدليل من الكتاب:
١ - قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [البقرة: ٢٦٧].
٢ - وقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُم الْفُقَرَاءُ إلى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: ١٥].
الدليل من السنة:
حديث كعبٍ بن عُجرة ﵁ في التشهد: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» (١).
المعنى:
قال ابن منظور في (اللسان): الحميد من صفاته ﷾، بمعنى المحمود على كل حال، وهو فعيل بمعنى مفعول.
وقال ابن الأثير: الحميد: المحمود، الذي استحق الحمد بفعله، وهو فعيل بمعنى مفعول (٢) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١١٨
_________________
(١) رواه البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦).
(٢) «جامع الأصول» (٤/ ١٨٠).
[ ٢ / ١٠٢ ]
- الحنان (بمعنى الرحمة)
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًَّا وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًَّا [مريم: ١٢ - ١٣]
الدليل من السنة:
حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا: «يوضع الصراط بين ظهراني جهنم، عليه حسك كحسك السعدان ثم يشفع الأنبياء في كل من كان يشهد أنَّ لا إله إلا الله مخلصًا، فيخرجونهم منها، قال: ثم يتحنَّن الله برحمته على مَن فيها، فما يترك فيها عبدًا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا أخرجه منها» (١).
قال ابن جرير: قوله: وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا: يقول تعالى ذكره: ورحمة منا ومحبة له آتيناه الحكم صبيًّا، وقد اختلف أهل التأويل في معنى الحنان، فقال بعضهم: معناه: الرحمة اهـ، ثم نسب ذلك بإسناده إلى ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة، ثم قال: وقال آخرون: معنى ذلك: وتعطُّفًا من عندنا عليه فعلنا ذلك، ونسب ذلك بإسناده إلى مجاهد، ثم قال: وقال آخرون: بل معنى الحنان: المحبة، ووجهوا معنى الكلام إلى: ومحبة من عندنا فعلنا ذلك، ثم نسب ذلك بإسناده إلى عكرمة وابن زيد، ثم قال: وقال آخرون: معناه تعظيمًا منَّا له، ونسب ذلك بإسناده إلى عطاء بن أبي رباح ثم قال: وأصل ذلك - أعني: الحنان- من قول القائل: حنَّ فلان إلى كذا، وذلك إذا ارتاح إليه واشتاق، ثم يقال: تحنَّن فلان على فلان: إذا وصف بالتعطُّف عليه والرقة به والرحمة له؛ كما قال الشاعر:
تَحَنَّنْ عليَّ هَداك المليكُ فإنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالًا
بمعنى: تعطَّف عليَّ؛ فالحنان: مصدر من قول القائل: حنَّ فلانٌ على فلانٍ، يقال منه: حننتُ عليه؛ فأنا أحِنُّ عليه، وحنانًا اهـ (٢).
وقال الفراء: وقوله: وَحَنَانًَا مِنْ لَدُنَّا الحنان: الرحمة، ونصب حنانًا؛ أي: وفعلنا ذلك رحمة لأبويه اهـ (٣).
وبنحوه قال ابن قتيبة، ونسب البيت السابق للحطيئة يخاطب فيه عمر بن الخطاب ﵁ (٤).
وروى أبو عبيد القاسم بن سلاَّم عن أبي معاوية (الضرير) عن هشام بن عروة عن أبيه؛ أنه كان يقول في تلبيته: لبيك ربنا وحنانيك (٥) وهذا إسناد صحيح، وعروة بن الزبير تابعي ثقة، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة قال أبو عبيد: قوله: حنانيك؛ يريد: رحمتك، والعرب تقول: حنانك يا رب، وحنانيك يا رب؛ بمعنى واحد اهـ (٦).
_________________
(١) رواه ابن المبارك في «الزهد» (ص٤٤٨)، وابن أبي شيبة (٧/ ٥٨)، وأحمد (٣/ ١١) (١١٠٩٦)، وابن ماجه - عن ابن أبي شيبة- مختصرًا (٤٢٨٠)، والطبري في تفسيره (١٨/ ٢٣٥)، والخلال - عن أحمد - في «السنة» (٥/ ٥١)، وابن خزيمة في «التوحيد» (٢/ ٧٦٦) بإثبات لفظة (يتجلى) في المطبوع بدلا من (يتحنن) التي في النسخة الألمانية، والحاكم (٤/ ٦٢٨). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي. وقال البوصيري في «إتحاف الخيرة» (٨/ ٦٢): رواه أحمد بن منيع، ورواته ثقات، وأبوبكر بن أبي شيبة مختصرًا وعنه ابن ماجه. وقال السفارييني في «لوائح الأنوار» (٢/ ٢٣٨): وأخرج الحاكم بسندٍ صحيح - ثم ذكر الحديث -. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح. وقال الوادعي في «الشفاعة» (ص١٥٩): والحديث بهذا السند - أي سند أحمد - حسن. والحديث أصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄.
(٢) «تفسير الطبري» (١٦/ ٥٥).
(٣) «معاني القرآن» (٢/ ١٦٣).
(٤) «تفسير غريب القرآن» (ص٢٧٣).
(٥) «غريب الحديث» (٢/ ٤٠٥).
(٦) «غريب الحديث» (٢/ ٤٠٥).
[ ٢ / ١٠٣ ]
وقال أبو موسى المديني: في حديث زيد بن عمرو: «حنانيك؛ أي: ارحمني رحمة بعد رحمة» اهـ (١).
وقال الأزهري: روى أبو العباس عن ابن الأعرابي؛ أنه قال: الحنَّان: من أسماء الله؛ بتشديد النون؛ بمعنى: الرحيم قال: والحنَان؛ بالتخفيف: الرحمة قال: والحنان: الرزق، والحنان: البركة، والحنان: الهيبة، والحنان: الوقار ثم قال الأزهري: وقال الليث: الحنان: الرحمة، والفعل التحنُّن قال: والله الحنَّان المنَّان الرحيم بعباده، ومنه قوله تعالى: وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا؛ أي: رحمة من لدنا قلت (أي: الأزهري): والحنَّان من أسماء الله تعالى، جاء على فعَّال بتشديد النون صحيح، وكان بعض مشايخنا أنكر التشديد فيه؛ لأنه ذهب به إلى الحنين، فاستوحش أنَّ يكون الحنين من صفات الله تعالى، وإنما معنى الحنَّان: الرحيم، من الحنان، وهو الرحمة ثم قال: قال أبو إسحاق: الحنَّان في صفة الله: ذو الرحمة والتعطف اهـ كلام الأزهري (٢)
وقال أبو سليمان الخطابي: الحنَّان: ذو الرحمة والعطف، والحنان – مخفف - الرحمة (٣).
وقال ابن تيمية: وقال (يعني: الجوهري): الحنين: الشوق، وتوقان النفس وقال: حنَّ إليه يحنُّ حنينًا فهو حانٌّ، والحنان: الرحمة، يقال: حنَّ عليه يحنُّ حنانًا، ومنه قوله تعالى: وَحَنَانًَا مِنْ لَدُنَّا وزكاةً، والحنَّان بالتشديد: ذو الرحمة، وتحننَّ عليه: ترحَّم، والعرب تقول: حنانيك يا رب! وحنانك! بمعنى واحد؛ أي: رحمتك وهذا كلام الجوهري، وفي الأثر في تفسير الحنَّان المنَّان: أنَّ الحنان هو الذي يقبل على من أعرض عنه، والمنَّان الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال، وهذا باب واسع اهـ كلام ابن تيمية (٤).
وقال ابن القيم (٥) رادًا على الجهمية نفاة الصفات:
قالوا وليس لربِّنَا سَمْعٌ ولا بَصَرٌ ولا وَجْهٌ فكيفَ يَدَانِ
وكذاك ليس لربِّنَا من قُدْ رَةٍ وإرادةٍ أو رحمةٍ وحَنَانِ
كلا ولا وَصْفٌ يَقُومُ بِه سِوى ذاتٌ مجردةٌ بِغَيْرِ مَعَانِ
تنبيهات:
الأول: فَسَّرَ بعض المفسرين، ومنهم ابن كثير: وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًَّا وَحَنَانًَا مِنْ لَدُنَّا؛ أي آتيناه الحكم وحنانًا وزكاةً؛ أي: جعلناه ذا حنان وزكاة، فيكون الحنان صفة ليحيى ﵊.
الثاني: روى ابن أبي شيبة، وأحمد، وابن ماجه؛ من طريق وكيع عن أبي خزيمة عن أنس بن سيرين عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: «سمع النبي ﷺ رجلًا يقول: اللهم إني أسألك بأنَّ لك الحمد، لا إله إلا أنت، وحدك، لا شريك لك، المنان، بديع السماوات والأرض» (٦) وهذا إسناد صحيح.
ورواه أحمد، والنسائي، وأبو داود، والطبراني، والبغوي، والحاكم؛ من طريق خلف بن خليفة عن حفص بن عمر أخي أنس بن مالك لأمه؛ بلفظ: «المنَّان» (٧).
وأخرجه أحمد من طريق خلف بن خليفة به بلفظ: «الحنَّان» (٨).
_________________
(١) «المجموع المغيث» (١/ ٥١٤).
(٢) «تهذيب اللغة» (٣/ ٤٤٦).
(٣) «شأنَّ الدعاء» (ص ١٠٥).
(٤) «شرح حديث النُّزول» (١٨٤).
(٥) «القصيدة النونية» (١/ ٥٠).
(٦) رواه ابن أبي شيبة (٦/ ٤٧)، وأحمد (٣/ ١٢٠) (١٢٢٢٦)، وابن ماجه (٣٨٥٨). قال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.
(٧) رواه أبو داود (١٤٩٥)، والنسائي (٣/ ٥٢)، أحمد (٣/ ٢٤٥) (١٣٥٩٥)، والطبراني في «الدعاء» (١١٦)، والبغوي في «شرح السنة» (١٢٥٨)، والحاكم (١/ ٦٨٣). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال الشيخ الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
(٨) رواه أحمد (٣/ ١٥٨) (١٢٦٣٢). وقال شعيب الأرناؤوط في «مسند أحمد»: حديث صحيح، وهذا إسناد قوي.
[ ٢ / ١٠٤ ]
وأخرجه ابن حبان من طريق خلف بن خليفة به بلفظ: «الحنَّان المنَّان» (١).
وخلف بن خليفة: قال عنه الحافظ في (التقريب): صدوق، اختلط في الآخر، وادَّعى أنه رأى عمرو بن حريث الصحابي، فأنكر عليه ذلك ابن عيينة وأحمد اهـ (٢).
الثالث: روى الإمام أحمد وغيره حديث: «أنَّ عبدًا في جهنم لينادي ألف سنة يا حنَّان يا منَّان» (٣) وإسناده ضعيف
الرابع: روى الحاكم من طريق عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان حديث: «إنَّ لله تعالى تسعةً وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة» فذكرها وعدَّ منها: «الحنَّان» (٤)، وعبد العزيز هذا ضعيف، قال عنه الحافظ: متفق على ضعفه، وهَّاه البخاري ومسلم وابن معين، وقال البيهقي: ضعيف عند أهل النقل اهـ (٥).
قال الخطابي: ومما يدعو به الناس خاصُّهم وعامُّهم، وإن لم تثبت به الرواية عن رسول الله ﷺ: الحنَّان اهـ (٦)
هذا حسب النسخة المغربية كما أفاده الأستاذ أحمد يوسف الدقاق محقق الكتاب، وفي النسخة التيمورية زيادة: «المنَّان»، وأظنها خطأ من الناسخ، وعلى أية حال فقد تقدم إثبات أنَّ «المنَّان» من أسماء الله ﷿
والخلاصة: أنَّ عدَّ بعضهم (الحنَّان) من أسماء الله تعالى فيه نظر؛ لعدم ثبوته والله أعلم صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١١٩
_________________
(١) رواه ابن حبان (٣/ ١٧٥). وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٢/ ٤٣٠) - كما أشار في مقدمته -، وقال الألباني في «مشكاة المصابيح» (٢٢٣٠): إسناده صحيح.
(٢) «تقريب التهذيب» (١٧٣١).
(٣) رواه أحمد (٣/ ٢٣٠) (١٣٤٣٥)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٨٧): رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح غير أبي ظلال وضعفه الجمهور ووثقه ابن حبان. وقال العراقي في «المغني» (٤/ ٩): أخرجه أحمد وأبو يعلى من رواية أبي ظلال القسملي عن أنس وأبو ظلال ضعيف واسمه هلال بن ميمون. وقال ابن حجر في «القول المسدد» (ص٣٤ - ٣٥):أورده ابن الجوزي في «الموضوعات» من طريق «المسند» أيضًا وقال: هذا حديث ليس بصحيح. قال ابن معين: أبو ظلال ليس بشيء. وقال ابن حبان: كان مغفلا يروي عن أنس ما ليس من حديثه لا يجوز الاحتجاج به بحال. قلت: قد أخرج له الترمذي وحسّن له بعض حديثه، وعلق له البخاري حديثًا، وأخرج هذا الحديث ابن خزيمة في كتاب «التوحيد» من صحيحه إلا أنه ساقه بطريقة له تدل على أنه ليس على شرطه في الصحة، وفي الجملة ليس هو موضوعًا وأخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» له من وجه آخر عن سلام بن مسكين. وأبو ظلال قد قال فيه البخاري: إنه مقارب. وقال أبو بكر الآجري: في أواخر طريق حديث الإفك له: حدثنا عبد الله بن عبد الحميد ثنا زياد بن أيوب ثنا مروان بن معاوية ثنا مالك بن أبي الحسن عن الحسن قال: يخرج رجل من النار بعد ألف عام فقال الحسن: ليتني كنت ذلك الرجل انتهى. فهذا شاهد لبعض حديث أنس. اهـ. قال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٢٤٩): ضعيف جدًا.
(٤) رواه الحاكم (١/ ٦٣).
(٥) «تلخيص الحبير» (٤/ ١٧٢ - ١٧٣).
(٦) «شأنَّ الدعاء» (ص١٠٥).
[ ٢ / ١٠٥ ]
- الحياء والاستحياء
صفةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، و(الحيي) من أسمائه تعالى
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة: ٢٦]
قوله تعالى: وَاللهُ لا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ [الأحزاب: ٥٣]
الدليل من السنة:
حديث أبي واقد الليثي ﵁ مرفوعًا: «وأما الآخر؛ فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما الآخر؛ فأعرض، فأعرض الله عنه» (١).
حديث سلمان ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ ربكم حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أنَّ يردهما صفرًا خائبتين» (٢) رواه الترمذي واللفظ له، وأبو داود، وأحمد، والحاكم انظر: (جامع الأصول ٢١١٨)، و(صحيح الجامع ١٧٥٧
ومِمَّن أثبت صفة الاستحياء من السلف الإمام أبو الحسن محمد بن عبدالملك الكرجي، فيما نقله عنه شيخ الإسلام في (مجموع الفتاوى ٤/ ١٨١)؛ موافقًا له
وقال ابن القيم (٣):
وهو الحييُّ فليسَ يفضحُ عبده عندَ التجاهُرِ منهُ بالعصيانِ
لكنَّهُ يُلقِي عليه سِترهُ فَهُو السِّتِّيرُ وصاحب الغفرانِ
قال الهرَّاس: وحياؤه تعالى وصف يليق به، ليس كحياء المخلوقين، الذي هو تغير وانكسار يعتري الشخص عند خوف ما يعاب أو يذم، بل هو ترك ما ليس يتناسب مع سعة رحمته وكمال جوده وكرمه وعظيم عفوه وحلمه؛ فالعبد يجاهره بالمعصية مع أنه أفقر شيء إليه وأضعفه لديه، ويستعين بنعمه على معصيته، ولكن الرب سبحانه مع كمال غناه وتمام قدرته عليه يستحي من هتك ستره وفضيحته، فيستره بما يهيؤه له من أسباب الستر، ثم بعد ذلك يعفو عنه ويغفر اهـ.
قال الأزهري: وقال الليث: الحياء من الاستحياء؛ ممدود قلت: وللعرب في هذا الحرف لغتان: يُقال: استحى فلان يستحي؛ بياء واحدة، واستحيا فلان يستحْيِي؛ بياءين، والقرآن نزل باللغة التامَّة؛ (يعني الثانية) اهـ (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٢٥
_________________
(١) رواه البخاري (٦٦)، ومسلم (٢١٧٦).
(٢) رواه أبو داود (١٤٨٨)، والترمذي (٣٥٥٦)، وابن ماجه (٣٨٦٥)، وأحمد (٥/ ٤٣٨) (٢٣٧٦٥)، والحاكم (١/ ٧١٨). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال البغوي في «شرح السنة» (٣/ ١٥٩): هذا حديث حسن غريب. وقال الذهبي في «العلو» (٦٣): مشهور. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٢/ ٤١٣) - كما أشار في مقدمته -.وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.
(٣) «النونية» (٢/ ٨٠).
(٤) «تهذيب اللغة» (٥/ ٢٨٨).
[ ٢ / ١٠٦ ]
- الحياة
صفة من صفات الله ﷿ الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة، و(الحي) اسم من أسمائه تعالى.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران: ٢].
وقوله: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت [الفرقان: ٥٨].
الدليل من السنة:
حديث ابن عباس ﵄: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون» (١).
قال شيخ الإسلام: كلامه وحياته من صفات الله كعلمه وقدرته.
وقال: لم يعبر أحد من الأنبياء عن حياة الله بأنها روح الله فمن حمل كلامَ أحدٍ من الأنبياء بلفظ الروح أنه يراد به حياة الله فقد كذب (٢).
وقال الهرَّاس في (شرحه للنونية) (٣): ومعنى الحي: الموصوف بالحياة الكاملة الأبدية، التي لا يلحقها موت ولا فناء، لأنها ذاتية له سبحانه، وكما أنَّ قيوميته مستلزمة لسائر صفات الكمال الفعلية؛ فكذلك حياته مستلزمة لسائر صفات الكمال الذاتية من العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والعزة والكبرياء والعظمة ونحوها اهـ.
فائدة:
في حديث الإفك عند البخاري ومسلم: «قال سعد بن معاذ ﵁: يا رسول الله! أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس؛ ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج؛ أمرتنا، ففعلنا فيه أمرك فقال سعد بن عبادة ﵁: كذبت لعمر الله؛ لا تقتله، ولا تقدر على ذلك فقام أسيد بن الحضير ﵁، فقال: كذبت لعمر الله؛ لنقتلنَّه» (٤).
قال الحافظ: العَمْر؛ بفتح العين المهملة: هو البقاء، وهو العُمُر بضمها، لكن لا يستعمل في القسم إلا بالفتح (٥).
وقال القاضي عياض: وقوله: «لعمر الله»؛ أي: بقاء الله (٦).
وقال البيهقي: فحلف كلُّ واحد منهما بحياة الله وببقائه والنبي ﷺ يسمع (٧). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٢٧
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧١٧).
(٢) «دقائق التفسير» (٢/ ١٠٢)، «الجواب الصحيح» (٤/ ٥٠).
(٣) «شرح القصيدة النونية» (٢/ ١٠٣)
(٤) رواه البخاري (٢٦٦١)، ومسلم (٢٧٧٠). من حديث عائشة ﵂.
(٥) «الفتح» (٨/ ٤٧٢).
(٦) «مشارق الأنوار» (٢/ ٨٧).
(٧) «الاعتقاد» (٨٣). وانظر: «الأسماء والصفات» (١/ ٢٩٢).
[ ٢ / ١٠٧ ]
- الخبير
صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، وذلك من اسمه (الخبير)
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ [التحريم: ٣]
وقوله: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ٧٣]
الدليل من السنة:
حديث عائشة ﵂؛ أنَّ النبي ﷺ قال لها في قصة تتبعها له إلى البقيع: «ما لك يا عائش حشيًا رابية؟» قالت: قلت: لا شيء قال: «لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير» (١).
معنى (الخبير):
١ - العالم بما كان وما يكون: قاله ابن منظور في «اللسان».
٢ - وقال الخطابي: هو العالم بكنه الشيء، المطلع على حقيقته (٢).
٣ - وقال أبو هلال العسكري: الفرق بين العلم والخَبْر: أنَّ الخَبْر هو العلم بكنه المعلومات على حقائقها؛ ففيه معنى زائد على العلم (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٢٩
_________________
(١) رواه مسلم (٩٧٤).
(٢) «شأنَّ الدعاء» (ص٦٣).
(٣) «الفروق» (ص٧٤)
[ ٢ / ١٠٨ ]
- الخداع لمن خادعه
الخداعُ صفةٌ من صفات الله ﷿ الفعليَّة الخبريَّة الثابتة بالكتاب والسنة، ولكنه لا يوصف بها على سبيل الإطلاق، إنما يوصف بها حين تكون مَدْحًا.
الدليل من الكتاب:
قول الله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء: ١٤٢].
الدليل من السنة:
حديث الزبير بن العوام ﵁، «أنَّ أم كلثوم بنت عقبة كانت عنده، فقالت له وهي حامل: طيِّب نفسي بتطليقة فطلقها تطليقة، ثم خرج إلى الصلاة، فرجع وقد وضعت، فقال: ما لها خدعتني خدعها الله؟! ثم أتى النبي ﷺ، فقال: سبق الكتاب أجله، اخطبها إلى نفسها» (١).
قال ابن القيم في (إعلام الموقعين) بعد أنَّ ذكر آيات في صفة (الكيد) و(المكر): قيل: إنَّ تسمية ذلك مكرًا وكيدًا واستهزاءً وخداعًا من باب الاستعارة ومجاز المقابلة؛ نحو: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:٤٠]، ونحو قوله: فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة:١٩٤]، وقيل -وهو أصوب-: بل تسميته بذلك حقيقة على بابه؛ فإنَّ المكر إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي، وكذلك الكيد والمخادعة اهـ (٢).
قلت: قوله عن القول الثاني: وهو أصوب: قد يوهم أنَّ الأول صواب، والحق أنَّ القول الأول باطل مخالف لطريقة السلف في الصفات، وانظر كلامه ﵀ في (مختصر الصواعق المرسلة) (٣).
وقال الشيخ عبد العزيز بن بار معقبًا على الحافظ ابن حجر لَمَّا تأوَّل صفةً من صفات الله: هذا خطأ لا يليق من الشارح، والصواب إثبات وصف الله بذلك حقيقة على الوجه اللائق به سبحانه كسائر الصفات، وهو سبحانه يجازي العامل بمثل عمله، فمن مكر؛ مكر الله به، ومن خادع؛ خادعه، وهكذا من أوعى؛ أوعى الله عليه، وهذا قول أهل السنة والجماعة؛ فالزمه؛ تفز بالنجاة والسلامة، والله الموفق اهـ (٤).
وسئل الشيخ العثيمين -﵀- في (المجموع الثمين): هل يوصف الله بالخيانة والخداع كما قال الله تعالى: يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ فأجاب بقوله: أما الخيانة؛ فلا يوصف الله بها أبدًا؛ لأنها ذم بكل حال؛ إذ إنها مكر في موضع الائتمان، وهو مذموم؛ قال الله تعالى: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ [الأنفال: ٧١]، ولم يقل: فخانهم وأما الخداع؛ فهو كالمكر، يوصف الله تعالى به حين يكون مدحًا، ولا يوصف به على سبيل الإطلاق؛ قال الله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء: ١٤٢] اهـ (٥)
وانظر كلام ابن جرير الطبري في صفة (الاستهزاء)؛ فإنه مهم، وكلام الشيخ محمد بن إبراهيم في صفة (الملل). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٢٩
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٢٠٢٦)، والبيهقي (٧/ ٤٢١). قال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (٢/ ١٢٤): هذا إسنادٌ رجاله ثقات إلا أنه منقطع، ميمون بن مهران أبو أيوب روايته عن الزبير مرسلة قاله المزي في «التهذيب». قال الشوكاني في «الدراري المضية» (٢٣٥): رجال إسناده رجال الصحيح إلا محمد بن عمر بن هياج وهو صدوق لا بأس به. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.
(٢) «إعلام الموقعين» (٣/ ٢٢٩)
(٣) «مختصر الصواعق المرسلة» (٢/ ٣٣ - ٣٤).
(٤) «فتح الباري» (٣/ ٣٠٠).
(٥) «المجموع الثمين» (٢/ ٦٦).
[ ٢ / ١٠٩ ]
- الخلق
صفةٌ من صفات الله الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة، وهي مأخوذة أيضًا من اسميه (الخالق) و(الخلاَّق)، وهي من صفات الذات وصفات الفعل معًا.
الدليل من الكتاب:
وردت هذه الصفة في القرآن مرات عديدة، تارة بالفعل (خَلَقَ)، أو بمصدره، وتارة باسمه (الخالق) أو (الخلاَّق)، ومن ذلك:
قوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ واَلأمْرُ [الأعراف: ٥٤].
وقوله: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ [الحجر: ٨٦].
وقوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦].
وقوله: هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِيءُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى [الحشر: ٢٤].
الدليل من السنة:
حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كَخَلْقي؛ فليخلقوا ذرَّة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة» (١).
حديث عائشة ﵂ في التصاوير: «أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله» (٢).
قال الأزهري: ومن صفات الله: الخالق والخلاق، ولا تجوز هذه الصفة بالألف واللام لغير الله جل وعز.
والخلق في كلام العرب ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه.
وقال أبو بكر بن الأنباري: الخلق في كلام العرب على ضربين: أحدهما:
الإنشاء على مثال أبدعه والآخر: التقدير.
وقال في قول الله جَلَّ وعَزَّ: فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:١٤]: معناه: أحسن المقدرين اهـ (٣).
وقال ابن تيمية: وأما قولنا: هو موصوف في الأزل بالصفات الفعلية من الخلق والكرم والمغفرة؛ فهذا إخبار عن أنَّ وصفه بذلك متقدم؛ لأن الوصف هو الكلام الذي يخبر به عنه، وهذا مما تدخله الحقيقة والمجاز، وهو حقيقة عند أصحابنا، وأما اتصافه بذلك؛ فسواء كان صفةً ثبوتِيَّةً وراء القدرة أو إضافية؛ فيه من الكلام ما تقدم (٤).
وقال في موضع آخر: والله تعالى لا يوصف بشيء من مخلوقاته، بل صفاته قائمة بذاته، وهذا مطرد على أصول السلف وجمهور المسلمين من أهل السنة وغيرهم، ويقولون: إنَّ خلق الله للسماوات والأرض ليس هو نفس السماوات والأرض، بل الخلق غير المخلوق، لاسيما مذهب السلف والأئمة وأهل السنة الذين وافقوهم على إثبات صفات الله وأفعاله (٥).
وقال في موضع ثالث: ولهذا كان مذهب جماهير أهل السنة والمعرفة - وهو المشهور عند أصحاب الإمام أحمد وأبي حنيفة وغيرهم من المالكية والشافعية والصوفية وأهل الحديث وطوائف من أهل الكلام من الكرامية وغيرهم - أنَّ كون الله ﷾ خالقًا ورازقًا ومحييًا ومميتًا وباعثًا ووارثًا وغير ذلك من صفات فعله، وهو من صفات ذاته؛ ليس من يخلق كمن لا يخلق ومذهب الجمهور أنَّ الخلق غير المخلوق؛ فالخلق فعل الله القائم به، والمخلوق هو المخلوقات المنفصلة عنه (٦).
وقد نقل ﵀ في (مجموع الفتاوى) قول أبي يعلى الصغير الحنبلي: فالخلق صفة قائمة بذاته، والمخلوق الموجود المخترَع، وهذا بناء على أصلنا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة قال: وهذا هو الصحيح (٧). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٣١
_________________
(١) رواه البخاري (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١).
(٢) رواه البخاري (٥٩٥٤)، ومسلم (٢١٠٧).
(٣) «تهذيب اللغة» (٧/ ٢٦).
(٤) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٧٢).
(٥) «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٢٦).
(٦) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦).
(٧) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٤٩).
[ ٢ / ١١٠ ]
- الخلة
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، فالله ﷿ يحبُ ويخالِلُ من يشاء ويكرهُ ويبغضُ من يشاء.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء: ١٢٥].
الدليل من السنة:
حديث: «ولقد اتخذ الله صاحبكم خَلِيلًا»؛ يعني نفسه ﷺ (١).
حديث أبي هريرة ﵁: «قيل: يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم، فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله؛» (٢).
قال البغوي في تفسير آية النساء: وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا؛ صفيًَّا، والخُلَّةُ: صفاء المودة، ثم قال: قال الزجاج: معنى الخليل الذي ليس في محبته خلل، والخُلَّة: الصداقة، فسمي خليلًا لأن الله أحبه واصطفاه.
وقال ابن كثير في تفسير الآية نفسها: وإنما سمي خليل الله لشدة محبة ربه ﷿ له؛ لما قام له من الطاعة التي يحبها ويرضاها.
ونقل ابن تيمية من كلام أبي عبد الله محمد بن خفيف من كتابه (اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات) قوله: والخُلَّة والمحبة صفتان لله، هو موصوف بهما، ولا تدخل أوصافه تحت التكييف والتشبيه، وصفات الخلق من المحبة والخُلَّة جائز عليها الكيف (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٣٤
_________________
(١) رواه مسلم (٢٣٨٣) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٢) رواه البخاري (٣٣٥٣)، ومسلم (٢٣٧٨).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٨٠). وانظر أيضًا: (٥/ ٧١).
[ ٢ / ١١١ ]
- الدلالة أو الدليل
يوصف الله ﷿ بأنه الدليل يدُلُّ عباده ويهديهم طريق الرشاد وليس الدليل من أسمائه والدليل: الهادي، والدِّلالة (بفتح الدال وكسرها): الهداية.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الصف: ١٠].
الدليل من السنة:
حديث أبيِّ بن كعب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه بينما موسى ﵇ في قومه يذكرهم بأيام الله - وأيام الله: نعماؤه وبلاؤه - إذ قال: ما أعلم في الأرض رجلًا خيرًا وأعلم مني، قال: فأوحى الله إليه إني أعلم بالخير منه، أو عند من هو، إنَّ في الأرض رجلًا هو أعلم منك قال: يا رب فَدُلَّنِي عليه» (١).
قال شيخ الإسلام: وهدايتُه ودلالتُه من مقتضى اسمه الهادي وفي الأثر المنقول عن أحمد بن حنبل أنه أمر رجلا أنْ يقول يا دليل الحيارى دُلَّنِي على طريق الصادقين واجعلني من عبادك الصالحين (٢).
وقال: وفي الدعاء الذي علَّمه الإمام أحمد لبعض أصحابه: (يا دليل الحيارى دُلَّنِي على طريق الصادقين واجعلني من عبادك الصالحين) ولهذا كان عامة أهل السنة من أصحابنا وغيرهم على أنَّ الله يسمى دليلًا، ومنع ابن عقيل وكثيرٌ من أصحاب الأشعري أن يسمى دليلًا لاعتقادهم أنَّ الدليل هو ما يستدل به وأن الله هو الدالُّ، وهذا الذي قالوه بحسب ما غلب في عرف استعمالهم من الفرق بين الدال والدليل، وجوابه من وجهين؛ أحدهما: أنَّ الدليل معدول عن الدال وهو ما يؤكد فيه صفة الدلالة فكلُّ دليلٍ دالٌ وليس كلُّ دالٍ دليلًا، وليس هو من أسماء الآلات التي يفعل بها فإن فَعِيل ليس من أبنية الآلات كمِفْعَل ومِفْعَال، وإنما سُمِّي ما يستدل به من الأقوال والأفعال والأجسام أدلة باعتبار أنها تدل من يستدل بها، كما يخبر عنها بأنها تَهْدِي وَتُرْشِدُ وَتَعْرِفُ وَتَعْلَمُ وَتَقُولُ وَتُجِيبُ وَتَحْكُمُ وَتُفْتِي وَتَقُصُّ وَتَشْهَدُ وإن لم يكن لها في ذلك قصد وإرادة ولا حس وإدراك كما هو مشهورٌ في الكلام العربي وغيره، فما ذكروه من الفرق والتخصيص لا أصل له في كلام العرب، الثاني: أنه لو كان الدليل من أسماء الآلات التي يفعل بها فقد قال الله تعالى فيما روى عنه نبيه في عبده المحبوب: فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يعقل، وبي ينطق، وبي يبطش، وبي يسعى، والمسلم يقول: استعنت بالله، واعتصمت به، وإذا كان ما سوى الله من الموجودات الأعيان والصفات يستدل بها سواء كانت حية أو لم تكن بل ويستدل بالمعدوم، فلأن يستدل بالحي القيوم أولى وأحرى، على أنَّ الذي في الدعاء المأثور: (يا دليل الحيارى دُلَّنِي على طريق الصادقين واجعلني من عبادك الصالحين) يقتضي أنَّ تسميته دليلًا باعتبار أنه دالٌ لعباده لا بمجرد أنه يستدل به كما قد يستدل بما لا يقصد الدلالة والهداية من الأعيان والأقوال والأفعال اهـ (٣).
قلت: أسماء الله توقيفية وليس منها (الدليل) وتوجيه كلام شيخ الإسلام في ردِّه على ابن عقيل وكثيرٍ من الأشاعرة أنهم لا يُوصِفُون الله بالدليل ويقولون هو دالٌ وليس دليلًا، فردَّ عليهم مُثبتًا صفةَ الدَّلالة لله ﷿ بما سبق نقله ومنه قوله: (الدليل معدولٌ عن الدالِّ وهو ما يؤكد فيه صفةَ الدِّلالة فكلُّ دليلٍ دالٌ وليس كلُّ دالٍ دليلًا)؛ أما دعاء الإمام أحمد –إن صحَّ عنه- فليس فيه تسمية الله بـ (الدليل) إنما فيه مناداة الله ﷿ بصفة من صفاته وهذا جائز كقولك: يا فارج الهم ويا كاشف الغم، ويا دليل الحيارى ونحو ذلك، وليس الفارج والكاشف من أسمائه تعالى، والله أعلم. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٣٥
_________________
(١) رواه مسلم (٢٣٨٠).
(٢) «مجموع الفتاوى» (١/ ٢٠٧).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٢/ ١٧).
[ ٢ / ١١٢ ]
- الديان
يوصف الله ﷿ بأنه الدَيَّان الذي يجازي عباده بعملهم، وهو اسم له ثابتٌ بالسنة.
الدليل:
حديث عبد الله بن أنيس ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: يحشر الناس يوم القيامة أو قال العباد عراة غرلًا بُهْمًَا قال قلنا وما بهما قال ليس معهم شيء ثم يناديهم بصوت يسمعه من قرب أنا الملك أنا الدَيَّان ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه» (١).
وممن أثبت هذا الاسم لله ﷿ الإمام ابن القيم في قصيدته النونية المشهورة المسماة (الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية) (٢) في أكثر من موضع من ذلك قوله:
جَهْمُ بنُ صَفْوَانٍ وشِيِعَتِهِ الأُلَى جَحَدُوا صِفَاِت الخَاِلقِ الدَيَّان
وفي (مختار الصحاح): وقوله تعالى أَئِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات:٥٣] أي: لمجزيون محاسبون ومنه الدَيَّان في صفة الله تعالى.
وفي (لسان العرب): الدَيَّان من أسماء الله ﷿ معناه: الحكم القاضي وسئل بعض السلف عن علي بن أبي طالب ﵇ فقال: كان ديان هذه الأمة بعد نبيها أي قاضيها وحاكمها، والدَيَّان: القهار وهو فعال من دان الناس أي قهرهم على الطاعة يقال دنتهم فدانوا أي قهرتهم فأطاعوا. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٣٨
_________________
(١) رواه البخاري معلقًا بصيغة التمريض بعد حديث (٧٤٨٠) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ولا تنفع الشفاعة ، ورواه موصولًا أحمد (٣/ ٤٩٥) (١٦٠٨٥)، وابن أبي عاصم (٥١٤)، والطبراني في «الأوسط» (٨/ ٢٦٥)، والحاكم (٢/ ٤٧٥). وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي في «التلخيص»: صحيح. وقال ابن القيم في «الصواعق المرسلة» (ص٤٨٩): هذا حديث حسن جليل. وقال الهيتمي المكي في «الزواجر» (٢/ ٢٤٣): إسناده صحيح. وقال العراقي في «المغني» (٤/ ٢٣٣): رواه أحمد بإسناد حسن. وقال ابن ناصر الدمشقي في «حديث جابر» (٣٤): حسن. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٣٣): رواه أحمد والطبراني في «الكبير» وعبد الله بن محمد: ضعيف. وقال في (١٠/ ٣٤٥ - ٣٤٦): رواه أحمد ورجاله وثقوا ورواه الطبراني في «الأوسط» بنحوه إلا أنه قال بمصر. وقال الألباني في «ظلال الجنة» (٥١٤): صحيح. وانظر كلام ابن حجر في «تغليق التعليق» (٥/ ٣٥٥) ففيه حظ.
(٢) «القصيدة النونية» (١/ ٤٤).
[ ٢ / ١١٣ ]
- الذات
يصح إضافة لفظة (الذات) إلى الله ﷿؛ كقولنا: ذات الله، أو: الذات الإلهية، لكن لا على أنَّ (ذات) صفة له، بل ذات الشيء بمعنى نفسه أو حقيقته.
وقد وردت كلمة (ذات) في السنة أكثر من مرة، ومن ذلك:
ما رواه البخاري، ومسلم؛ من حديث أبي هريرة ﵁: «إنَّ إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات، اثنتين في ذات الله» (١).
وما رواه البخاري (٢) من حديث أبي هريرة ﵁ في قصة مقتل خبيب الأنصاري ﵁، وقوله:
ولَسْتُ أبالي حَيْنَ أُقْتَلُ مسلمًا على أي شِقٍّ كان لله مصْرعِي
وذلكَ في ذاتِ الإلهِ وإنْ يَشأْ يُبَارِكْ على أوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
وقد أفرد قَوَّام السُّنَّة في (الحجة في بيان المحجة) فصلًا في الذات، فقال: فصل في بيان ذكر الذات، ثم قال: قال قوم من أهل العلم: ذات الله حقيقته وقال بعضهم: انقطع العلم دونها وقيل: استغرقت العقول والأوهام في معرفة ذاته وقيل: ذات الله موصوفة بالعلم غير مدركة بالإحاطة ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا، وهو موجود بحقائق الإيمان على الإيقان بلا إحاطة إدراك، بل هو أعلم بذاته، وهو موصوف غير مجهول، وموجود غير مدرك، ومرئي غير محاط به؛ لقربه، كأنك تراه، يسمع ويرى، وهو العلي الأعلى، وعلى العرش استوى ﵎، ظاهرٌ في ملكه وقدرته، قد حجب عن الخلق كنه ذاته، ودلهم عليه بآياته؛ فالقلوب تعرفه، والعقول لا تكيفه، وهو بكل شيء محيط، وعلى كل شيء قدير اهـ (٣) وقال شيخ الإسلام: اسم (الله) إذا قيل: الحمد لله، أو قيل: بسم الله؛ يتناول ذاته وصفاته، لا يتناول ذاتًا مجردة عن الصفات، ولا صفات مجردة عن الذات، وقد نص أئمة السنة كأحمد وغيره على أنَّ صفاته داخلة في مسمى أسمائه، فلا يقال: إنَّ علم الله وقدرته زائدة عليه، لكن من أهل الإثبات من قال: إنها زائدة على الذات وهذا إذا أريد به أنها زائدة على ما أثبته أهل النفي من الذات المجردة؛ فهو صحيح؛ فإن أولئك قصروا في الإثبات، فزاد هذا عليهم، وقال: الرب له صفات زائدة على ما علمتموه وإن أراد أنها زائدة على الذات الموجودة في نفس الأمر؛ فهو كلام متناقض؛ لأنه ليس في نفس الأمر ذات مجردة حتى يقال: إنَّ الصفات زائدة عليها، بل لا يمكن وجود الذات إلا بما به تصير ذاتًا من الصفات، ولا يمكن وجود الصفات إلا بما به تصير صفات من الذات، فتخيل وجود أحدهما دون الآخر، ثم زيادة الآخر عليه تخيل باطل اهـ (٤).
وقال في أيضًا: ويفرق بين دعائه والإخبار عنه؛ فلا يدعى إلا بالأسماء الحسنى، وأما الإخبار عنه؛ فلا يكون باسم سيء، لكن قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيئ، وإن لم يحكم بحسنه؛ مثل اسم: شيء، وذات، وموجود اهـ (٥).
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان: وبعض الناس يظن أنَّ إطلاق الذات على الله تعالى كإطلاق الصفات؛ أي أنه وصف له، فينكر ذلك بناء على هذا الظن، ويقول: هذا ما ورد، وليس الأمر كذلك، وإنما المراد التفرقة بين الصفة والموصوف، وقد تبين مراد الذين يطلقون هذا اللفظ؛ أنهم يريدون نفس الموصوف وحقيقته فلا إنكار عليهم في ذلك؛ كما وضحه كلام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم (٦). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٣٩
_________________
(١) رواه البخاري (٣٣٥٨)، ومسلم (٢٣٧١).
(٢) رواه البخاري (٣٠٤٥).
(٣) «الحجة» (١/ ١٧١).
(٤) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٠٦).
(٥) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٤٢). وانظر كلامه ﵀ عن (الذات) في «مجموع الفتاوى» (٥/ ٣٣٠، ٣٣٨).
(٦) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (١/ ٢٤٥).
[ ٢ / ١١٤ ]
- الرأفة
صفةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿، وذلك من اسمه (الرؤوف)، وهو ثابت بالكتاب العزيز.
الدليل:
قوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [النور: ٢٠].
قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر: ١٠].
والرأفة أشد وأبلغ من الرحمة.
قال ابن جرير في تفسير الآية ٦٥ من سورة الحج إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ: إنَّ الله بجميع عباده ذو رأفة، والرأفة أعلى معاني الرحمة، وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا ولبعضهم في الآخرة.
وقال الخطابي: الرَّؤوف: هو الرحيم العاطف برأفته على عباده، وقال بعضهم: الرأفة أبلغ الرحمة وأرقها، ويقال: إنَّ الرأفة أخص والرحمة أعم، وقد تكون الرحمة في الكراهة للمصلحة، ولا تكاد الرأفة تكون في الكراهة؛ فهذا موضع الفرق بينهما (١).
وقال الأزهري: ومن صفات الله ﷿: الرؤوف، وهو الرحيم، والرأفة أخص من الرحمة وأرقّ (٢). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٤١
_________________
(١) «شأن الدعاء» (ص٩١). وانظر: «جامع الأصول» (٤/ ١٨٢).
(٢) «تهذيب اللغة» (١٥/ ٢٣٨).
[ ٢ / ١١٥ ]
- الرؤي
الرؤية - كالبصر والنظر- صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]
وقوله: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى [العلق: ١٤]
الدليل من السنة:
حديث جبريل المشهور وفيه: «قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك» رواه البخاري، ومسلم؛ من حديث أبي هريرة ﵁ (١) ورواه مسلم أيضًا من حديث عمر بن الخطاب ﵁ (٢).
قول أنس بن النضر ﵁ في غزوة أحد: «لئن الله أشهدني قتال المشركين؛ لَيرَيَنَّ الله ما أصنع» (٣).
قال قَوَّامُ السُّنَّة الأصبهاني: قال الله تعالى: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [هود:٣٧]، وقال: تَجْري بِأَعْيُنِنَا [القمر:١٤]، وقال: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:٣٩]، وقال: وَاصْبِرْ لِحُكمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:٤٨]؛ فواجب على كل مؤمن أن يثبت من صفات الله ﷿ ما أثبته الله لنفسه، وليس بمؤمن من ينفي عن الله ما أثبته الله لنفسه في كتابه؛ فرؤية الخالق لا تكون كرؤية المخلوق، وسمع الخالق لا يكون كسمع المخلوق، قال الله تعالى: فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:١٠٥]، وليس رؤية الله تعالى أعمال بني آدم كرؤية رسول الله ﷺ والمؤمنين، وإن كان اسم الرؤية يقع على الجميع، وقال تعالى: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ [مريم:٤٢]، جل وتعالى عن أن يشبه صفة شيء من خلقه صفته، أو فعل أحد من خلقه فعله؛ فالله تعالى يرى ما تحت الثرى، وما تحت الأرض السابعة السفلى، وما في السماوات العلى، لا يغيب عن بصره شيء من ذلك ولا يخفي؛ يرى ما في جوف البحار ولججها كما يرى ما في السموات، وبنو آدم يرون ما قرب من أبصارهم، ولا تدرك أبصارهم ما يبعد منهم، لا يدرك بصر أحد من الآدميين ما يكون بينه وبينه حجاب، وقد تتفق الأسامي وتختلف المعاني اهـ (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٤٢
_________________
(١) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩).
(٢) رواه مسلم (٨).
(٣) رواه البخاري (٢٨٠٥)، ورواه مسلم (١٩٠٣) بلفظ: «ليراني الله».
(٤) «الحجة» (١/ ١٨١).
[ ٢ / ١١٦ ]
- رؤيته ﷾
أهل السنة والجماعة يؤمنون أنَّ المؤمنين يرون ربهم عيانًا يوم القيامة، وهذا ثابت بالكتاب والسنة
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]
الدليل من السنة:
قوله ﷺ: «إنكم سترون ربكم عيانًا كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته» (١).
حديث صهيب ﵁ مرفوعًا: «إذا دخل أهل الجنة الجنة؛ يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحبّ إليهم من النظر إلى ربهم ﷿، ثم تلا هذه الآية: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحسنَى وَزِيَادَةٌ» (٢).
قال أبو الحسن الأشعري: وأجمعوا على أنَّ المؤمنين يرون الله ﷿ يوم القيامة بأعين وجوههم، على ما أخبر به تعالى، في قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ، وقد بيَّن معنى ذلك النبي ﷺ، ودفع إشكاله فيه؛ بقوله للمؤمنين: «ترون ربكم عيانًا»، وقوله: «ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر؛ لا تُضامون في رؤيته»، فبيَّن أنَّ رؤيته تعالى بأعين الوجوه اهـ (٣).
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان: والأحاديث في رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة كثيرة جدًّا، وقد تواترت عن رسول الله ﷺ، وتلقاها أتباعه بكل قبول وارتياح وانشراح لها، وكلهم يرجو ربه ويسأله أن يكون ممن يراه في جنات عدن يوم يلقاه (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٤٤
_________________
(١) رواه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣). من حديث جرير بن عبد الله ﵁.
(٢) رواه مسلم (١٨١).
(٣) «رسالة إلى أهل الثغر» (ص٢٣٧).
(٤) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (٢/ ٨). وانظر الكلام عن (صفة الرؤية) في: كتاب (الرؤية) للدارقطني، و(الرد على الجهمية ٨٧) و(الشريعة /٢٥١) للآجري، و(التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة) له أيضًا، وكتاب (رؤية الله تعالى وتحقيق الكلام فيها) للدكتور أحمد بن ناصر آل حمد، وكتاب (دلالة القرآن والأثر على رؤية الله تعالى بالبصر) للأستاذ عبد العزيز الرومي.
[ ٢ / ١١٧ ]
- الربوبية
صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿، وذلك من اسمه (الرب) الثابت بالكتاب والسنة في مواضع عديدة؛ تارة وحده (الرب)، وتارة مضافًا؛ مثل: (رب العالمين)، و(رب المشرقين).
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢].
وقوله: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن: ١٧].
الدليل من السنة:
حديث ابن عباس ﵁ مرفوعًا: «ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا وساجدًا، فأما الركوع؛ فعظموا فيه الرب ﷿» (١).
حديث عمرو بن عبسة مرفوعًا: «أقرب ما يكون الرَّبُّ من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة؛ فكن» (٢).
ومعنى الرَّب: المالك والمتصرف والمدبر والسيد والمربي
قال ابن قتيبة: ومن صفاته (الرب)، والرب المالك، يُقال: هذا رب الدار ورب الضيعة ورب الغلام؛ أي: مالكه، قال الله سبحانه: ارْجعْ إلى رَبِّك؛ أي: إلى سيدك ولا يُقال لمخلوق: هذا الرَّبُّ؛ معرفًا بالألف واللام؛ كما يُقال لله، إنما يُقال: هذا رب كذا، فيُعرَّف بالإضافة؛ لأن الله مالك كل شيء فإذا قيل: الرَّبُّ؛ دلَّت الألف واللام على معنى العموم، وإذا قيل لمخلوق: ربُّ كذا وربُّ كذا؛ نُسب إلى شيء خاص؛ لأنه لا يملك شيئًا غيره اهـ (٣).
وقال ابن القيم: وتأمل ارتباط الخلق والأمر بهذه الأسماء الثلاثة، وهي (الله)، و(الرب)، و(الرحمن)؛ كيف نشأ عنها الخلق والأمر والثواب والعقاب، وكيف جمعت الخلق وفرقتهم؛ فلها الجمع، ولها الفرق.
فاسم (الرب) له الجمع الجامع لجميع المخلوقات؛ فهو رب كل شيء وخالقه والقادر عليه، لا يخرج شيء عن ربوبيته، وكل من في السماوات والأرض عبد له في قبضته وتحت قهره، فاجتمعوا بصفة الربوبية، وافترقوا بصفة الإلهية، فألَّهه وحده السعداء، وأقروا له طوعًا بأنه الله الذي لا إله إلا هو، الذي لا تنبغي العبادة والتوكل والرجاء والخوف والحب والإنابة والإخبات والخشية والتذلل والخضوع إلاَّ له، وهنا افترق الناس، وصاروا فريقين: فريقًا مشركين في السعير، وفريقًا موحدين في الجنة؛ فالإلهية هي التي فرقتهم كما أنَّ الربوبية هي التي جمعتهم؛ فالدين والشرع، والأمر والنهي –مظهره وقيامه- من صفة الإلهية، والخلق والإيجاد والتدبير والفعل من صفة الربوبية، والجزاء بالثواب والعقاب والجنة والنار من صفة الملك، وهو ملك يوم الدين، فأمرهم بإلهيته، وأعانهم ووفقهم وهداهم وأضلهم بربوبيته، وأثابهم وعاقبهم بملكه وعدله، وكل واحدة من هذه الأمور لا تنفك عن الأخرى إلخ (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٤٦
_________________
(١) رواه مسلم (٤٧٩).
(٢) رواه أبو داود (١٢٧٧)، والترمذي (٣٥٧٩)، والنسائي (١/ ٢٧٩)، وابن ماجه (١٣٦٤)، وأحمد (٤/ ١١٣) (١٧٠٦٧)، والحاكم (١/ ٤٥٣). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال البيهقي في «السنن الصغير» (١/ ٣٢٦): صحيح. وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٤/ ١٥، ٢٣): صحيح. وقال ابن حجر في «نتائج الأفكار» (٢/ ٢٤٨): صحيح. وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٣/ ٦٩): رجال إسناده رجال الصحيح. وقال الألباني في «صحيح الترمذي»: صحيح.
(٣) «غريب القرآن» (ص٩).
(٤) «مدارج السالكين» (١/ ٣٤).
[ ٢ / ١١٨ ]
- الرجل والقدمان
صفةٌ ذاتيةٌ خبريةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بصحيح السنة
الدليل:
حديث أبي هريرة ﵁ في تحاجج الجنة والنار، وفيه: «فأما النار؛ فلا تمتلئ حتى يضع الله ﵎ رجله، فتقول: قط قط» (١).
ورواه البخاري من حديث أنس ﵁ بنحوه (٢).
أثر ابن عباس ﵁؛ قال: (الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره) (٣).
أثر أبي موسى الأشعري ﵁؛ قال: (الكرسي موضع القدمين، وله أطيطٌ كأطيطِ الرَّحْل) (٤).
وبهذه الأحاديث والآثار الصحيحة نثبت لله ﷿ صفة القَدَم والرِّجل، وأن لله ﷿ قدمين – كما في أثر ابن عباس وأبي موسى ﵄ – تليقان به وبعظمته، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١].
قال الشيخ عبد الله الغنيمان في (شرحه لكتاب التوحيد من صحيح البخاري) بعد ذكر روايات صفة القدم والرجل: (ففي مجموع هذه الروايات البيان الواضح بأن القدم والرجل – وكلاهما عبارة عن شيء واحد – صفة لله تعالى حقيقة على ما يليق بعظمته) اهـ (٥). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٤٨
_________________
(١) رواه البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦) (٣٦). وثبت عندهما أيضًا بلفظ «قدمه» من حديث أبي هريرة وأنس بن مالك ﵄.
(٢) «صحيح البخاري» رقم (٤٨٤٨).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في (العرش) (ص٧٩)، والدارمي في «نقضه على المريسي» (١/ ٣٩٩ - ٤٠٠)، وعبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣٠١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٤٩١)، والطبراني (١٢/ ٣٩)، وأبو الشيخ في «العظمة» (٢/ ٥٨٢)، وابن بطة في «الإبانة» (٣/ ٣٣٩)، وابن منده في «الرد على الجهمية» (ص٢١)، والحاكم (٢/ ٣١٠)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ١٩٦) (٧٥٨). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الذهبي في «العلو» (٧٦): رواته ثقات. وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (١/ ١١): محفوظ والصواب موقوف. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٣٢٣): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «مختصر العلو» (٧٥): صحيح موقوف.
(٤) رواه ابن أبي شيبة في (العرش) (ص٦٧)، وعبد الله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣٠٢)، والطبري في تفسيره (٥/ ٣٩٨)، وأبو الشيخ في «العظمة» (٢/ ٦٢٧)، وابن منده في «الرد على الجهمية» (ص٢١)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٢٩٦) (٨٥٩)، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (٨/ ٤٧): إسناده صحيح، وقال الألباني في «مختصر العلو» (٧٥): صحيح.
(٥) «شرح كتاب التوحيد» (١/ ١٥٦). وانظر عن صفة (الرجل والقدمين): كتاب «التوحيد» (١/ ٢٠٢) لابن خزيمة، «نقض الدارمي على المريسي» (٦٧ - ٧٠)، «إبطال التأويلات» للفراء (ص١٩٢)، و«الجواب الصحيح» لابن تيمية (٣/ ١٥١). وانظر كلام ابن كثير في صفة (الأصابع).
[ ٢ / ١١٩ ]
- الرحمة
صفةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، و(الرحمن) و(الرحيم) من أسمائه تعالى تكررا في الكتاب والسنة مراتٍ عديدة.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ١ - ٢].
قوله تعالى: أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ [البقرة: ٢١٨].
الدليل من السنة:
تحية الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وقد وردت في أحاديث صحيحة كثيرة (١).
حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «لما خلق الله الخلق، كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش: إنَّ رحمتي تغلب غضبي» (٢). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٤٩
_________________
(١) منها ما رواه البخاري (١٨٢٢)، ومسلم (١١٩٦). من حديث أبي قتادة ﵁ قال: « يا رسول الله إن أصحابك أرسلوا يقرءون عليك السلام ورحمة الله وبركاته ».
(٢) رواه البخاري (٧٤٠٤)، ومسلم (٢٧٥١).
[ ٢ / ١٢٠ ]
- الرزق
صفةٌ فعليةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، و(الرزَّاق) و(الرَّازق) من أسمائه تعالى.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًَا [النحل: ١١٤].
وقوله تعالى: لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًَا حَسَنًَا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الحج: ٥٨].
وقوله تعالى: إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٨].
الدليل من السنة:
حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «لو أنَّ أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رَزَقْتَنَا» (١).
حديث أنس ﵁ مرفوعًا: «إن الله هو المسعِّر القابض الباسط الرَّازق» (٢).
قال ابن القيم في (النونية شرح الهرَّاس):
وكذلك الرزَّاقُ من أسمائه والرَّزْقُ من أفعالهِ نوعانِ
قال الهرَّاس: ومن أسمائه سبحانه (الرزَّاقُ)، وهو مبالغة من (رازق)؛ للدلالة على الكثرة، مأخوذ من الرَّزْق – بفتح الراء – الذي هو المصدر، وأما الرِّزق – بكسرها –؛ فهو لعباده الذين لا تنقطع عنهم أمداده وفواضله طرفة عين، والرزق كالخلق، اسم لنفس الشيء الذي يرزق الله به العبد؛ فمعنى الرزَّاق: الكثير الرزق، صفةٌ من صفات الفعل، وهو شأن من شؤون ربوبيته ﷿، لا يصح أن ينسب إلى غيره، فلا يسمى غيره رازقًا كما لا يسمى خالقًا، قال تعالى: اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [الروم:٤٠]؛ فالأرْزاق كلها بيد الله وحده، فهو خالق الأرزاق والمرتزقة، وموصلها إليهم، وخالق أسباب التمتع بها؛ فالواجب نسبتها إليه وحده وشكره عليها فهو مولاها وواهبها اهـ (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٥٠
_________________
(١) رواه البخاري (١٤١)، ومسلم (١٤٣٤).
(٢) رواه أبو داود (٣٤٥١)، والترمذي (١٣١٤) بلفظ: (الرزاق) بدلا من (الرازق)، وابن ماجه (٢٢٠٠)، وأحمد (٣/ ١٥٦) (١٢٦١٣). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٥/ ٤٢٣): روي من وجوه صحيحة لا بأس بها. وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٣٣): إسناده على شرط مسلم. وقال ابن حجر في «تسديد القوس» (١/ ٩٣): أصله في مسلم. وقال ابن دقيق العيد في «الاقتراح» (ص١١٣)، والألباني في «صحيح أبي داود»: صحيح.
(٣) «شرح القصيدة النونية» للهراس (٢/ ١٠١).
[ ٢ / ١٢١ ]
- الرشد
صفةٌ لله ﷿، وقد ثبت أنَّ النبي ﷺ قال: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين» (١).
قال الخطابي: الرشيد: هو الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم، فعيل بمعنى مُفْعِل، ويكون بمعنى الحكيم ذي الرُّشد؛ لاستقامة تدبيره، وإصابته في أفعاله (٢)
قال ابن القيم (٣):
وَهُوَ الرَّشيدُ فقوله وفِعَالُهُ رُشْدٌ ورَبُّكَ مُرْشِدُ الحَيْرَانِ
وكِلاهُما حقٌ فهذا وصْفهُ والفعلُ للإرشادِ ذاك الثَّاني
وقال الهرَّاس: قال العلامة السعدي ﵀ في شرحه لهذا الاسم الكريم: يعني أنَّ (الرشيد) هو الذي قوله رُشد وفعله كله رُشد، وهو مُرشد الحيران الضال، فيهديه إلى الصراط المستقيم بيانًا وتعليمًا وتوفيقًا فالرُّشد الدال عليه اسمه (الرشيد) وصفه تعالى، والإرشاد لعباده فعله اهـ.
قلت: وتسمية الله بـ (الرشيد) يفتقر إلى دليل. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٥٢
_________________
(١) رواه أبو داود (٥١٧)، والترمذي (٢٠٧)، وأحمد (٢/ ٢٣٢) (٧١٦٩). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٧/ ٩٢): صحيح متفق عليه. وقال الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (١١/ ٣٠٤): محفوظ. وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٥٠): حسن. وقال ابن عساكر في «معجم الشيوخ» (٢/ ٦٥٣): حسن صحيح من حديث أبي صالح. وقال ابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ٣٣٨): حسن. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٢/ ١٥٥): إسناده صحيح. قال الألباني في «صحيح أبي داود»: صحيح. والحديث روي عن عائشة، وابن عمر، وأبي أمامة، ووائلة، وأبي محذورة ﵃ أجمعين بألفاظ متقاربة.
(٢) «شأن الدعاء» (ص٩٧).
(٣) «النونية» (٢/ ٩٧).
[ ٢ / ١٢٢ ]
- الرضى
صفةٌ من صفات الله ﷿ الفعليَّة الخبريَّة الثابتة بالكتاب والسنة.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: رَضيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة: ١١٩].
وقوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح: ١٨].
الدليل من السنة:
حديث عائشة ﵂: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك» (١).
حديث: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويكره لكم ثلاثًا» (٢).
قال أبو إسماعيل الصابوني: وكذلك يقولون (أي: الإثبات) في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح؛ من: السمع، والبصر، والعين والرضى، والسخط، والحياة اهـ (٣).
وقد استشهد شيخ الإسلام ابن تيمية في (الواسطية) (٤)، و(التدمرية) (٥) ببعض ما مضى على إثبات صفة الرضى لله تعالى على ما يليق به.
وانظر: صفة (الغضب) وكلام ابن كثير في صفة (السمع) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٥٢
_________________
(١) رواه مسلم (٤٨٦).
(٢) رواه مسلم (١٧١٥).
(٣) «عقيدة السلف أصحاب الحديث» (ص٥).
(٤) (ص١٠٨).
(٥) (ص٢٦).
[ ٢ / ١٢٣ ]
- الرفق
من الصفات الفعلية الخبريَّة الثابتة لله ﷿، و(الرفيق) اسم من أسمائه تعالى
الدليل:
حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: «يا عائشة! إنَّ الله رفيق، يحب الرفق في الأمر كله» (١).
حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا، فَشَقَّ عليهم، فاشقُقْ عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا، فرفق بهم، فارفق به» (٢).
قال أبو يعلى الفراء اعلم أنه غير ممتنع وصفه بالرفق لأنه ليس في ذلك ما يحيل على صفاته، وذلك أنَّ الرفق هو الإحسان والإنعام وهو موصوف بذلك لما فيها من المدح، ولأن ذلك إجماع الأمة اهـ (٣).
وقال ابن القيم (٤):
وهُوَ الرَّفِيقُ يُحبُّ أهل الرِّفْقِ بَلْ يُعطيهمُ بالرِّفقِ فَوْق أمَانِي
قال الهرَّاس: ومن أسمائه (الرفيق)، وهو مأخوذ من الرفق الذي هو التأني في الأمور والتدرج فيها، وضده العنف الذي هو الأخذ فيها بشدة واستعجال اهـ.
وفي (تهذيب اللغة): قال الليث: الرفق: لين الجانب، ولطافة الفعل، وصاحبه رفيق (٥). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٥٣
_________________
(١) رواه البخاري (٦٩٢٧)، ومسلم (٢١٦٥).
(٢) رواه مسلم (١٨٢٨).
(٣) «إبطال التأويلات» (ص٤٦٧).
(٤) «القصيدة النونية» (٢/ ٨٦).
(٥) (٩/ ١٠٩).
[ ٢ / ١٢٤ ]
- الرقيب
يُوصف الله ﷿ بأنه الرقيب، وهو من صفات الذات، و(الرقيب) اسمٌ من أسماء الله الثابتة بالكتاب.
الدليل:
قوله تعالى: إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:١].
وقوله تعالى: وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [المائدة: ١١٧].
قال ابن منظور في (اللسان): الرقيب: فعيل بمعنى فاعل، وهو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء.
وقال ابن الأثير: الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء (١).
وقال السعدي: الرقيب: المطلع على ما أكنَّته الصدور، القائم على كل نفس بما كسبت، الذي حفظ المخلوقات وأجراها على أحسن نظام وأكمل تدبير (٢).
قال القرطبي: رقيب؛ بمعنى: رَاقِب، فهو من صفات ذاته، راجعة إلى العلم والسمع والبصر؛ فإن الله تعالى رقيب على الأشياء بعلمه المقدس عن مباشرة النسيان، ورقيب للمبصَرات ببصره الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، ورقيب للمسموعات بسمعه المُدرِكِ لكل حركة وكلام؛ فهو سبحانه رقيب عليها بهذه الصفات، تحت رِقبته الكليات والجزئيات وجميع الخفيات في الأرضين والسماوات، ولا خفي عنده، بل جميع الموجودات كلها على نمطٍ واحدٍ، في أنها تحت رِقبته التي هي من صفته اهـ (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٥٤
_________________
(١) «جامع الأصول» (٤/ ١٧٩).
(٢) «التفسير» (٥/ ٣٠١).
(٣) «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» (١/ ٤٠١).
[ ٢ / ١٢٥ ]
- الرَّوْحُ
الرَّوح؛ بفتح الراء وسكون الواو؛ بمعنى: الرحمة، ونسيم الريح، والراحة (انظر: (لسان العرب)، وعلى المعنى الأول تكون صفة لله ﷿.
ورود (رَوْح) بمعنى (رحمة) في القرآن الكريم: في قوله تعالى: وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: ٨٧].
قال ابن جرير: إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ؛ يقول: لا يقنط من فرجه ورحمته ويقطع رجاءه منه، ثم نقل بسنده عن قتادة قوله: وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللهِ؛ أي: من رحمته اهـ (١).
وقال البغوي: مِنْ رَوْحِ اللهِ؛ أي: من رحمة الله، وقيل: من فَرَجِه.
وقال السعدي في تفسير الآية أيضًا: وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللهِ؛ فإن الرجاء يوجب للعبد السعي والاجتهاد فيما رجاه، والإياس يوجب له التثاقل والتباطؤ، وأولى ما رجا العباد فضل الله وإحسانه ورحمته وروْحه إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ، فإنهم لكفرهم يستَبعدون رحمته، ورحمته بعيدة منهم، فلا تتشبَّهوا بالكافرين، ودلَّ هذا على أنه بحسب إيمان العبد يكون رجاؤه لرحمة الله وروحه (٢).
ورود لفظة (رَوْح) في السنة:
حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا «الريح من رَوْح اللهِ» (٣).
و(رَوْح) هنا إما بمعنى رحمة أو هي نسيم الريح، وعلى الأول تكون صفة، وعلى الثاني تكون من إضافة المخلوق لله ﷿.
قال ابن الأثير: وفيه: (الريح من روح الله)؛ أي: من رحمته بعباده (٤).
وقال النووي: (من روح الله)؛ هو بفتح الراء، قال العلماء: أي: من رحمة الله بعباده (٥).
وقال شمس الحق العظيم آبادي: (الريح من روح الله)؛ بفتح الراء؛ بمعنى الرحمة؛ كما في قوله تعالى: وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٦).
وقال أحمد شاكر: وقوله: (من روح الله)؛ بفتح الراء وسكون الواو؛ أي: من رحمته بعباده اهـ (٧).
وبنحوه قال الألباني - ﵀ - في (الكلم الطيب) (٨).
ولشيخ الإسلام تفسير آخر للحديث، سيأتي ذكره قريبًا في لفظة (رُوح)؛ بالضم، وكأنه جعل لفظ الحديث: «الريح من رُوحِ الله». صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٥٦
_________________
(١) «تفسير الطبري» (١٦/ ٢٣٢ – شاكر).
(٢) «تفسير السعدي» (٤/ ٢٧).
(٣) رواه أبو داود (٥٠٩٧)، وابن ماجه (٣٧٢٧)، وأحمد (٢/ ٢٦٧) (٧٦١٩). والحديث سكت عنه أبو داود. قال النووي في «الأذكار» (٢٣٢): إسناده حسن. قال ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٤/ ٢٧٢):حسن صحيح ورجاله رجال الصحيح إلا ثابت بن قيس. وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».
(٤) النهاية (٢/ ٢٧٢)
(٥) في (الأذكار/ ٢٣٢)
(٦) «عون المعبود» (١٤/ ٣).
(٧) «شرح المسند» (١٣/ ١٤٤).
(٨) (١٥٣)
[ ٢ / ١٢٦ ]
- الرُّوُحُ
الرُّوح؛ بالضم: خلقٌ من مخلوقات الله ﷿، أضيفت إلى الله إضافة ملكٍ وتشريفٍ لا إضافة وصف؛ فهو خالقها ومالكها، يقبضها متى شاء ويرسلها متى شاء سبحانه، وقد وردت في الكتاب والسنة مضافة إلى الله ﷿ في عدة مواضع.
ذكرها في الكتاب:
قوله تعالى: وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء: ١٧١].
وقوله: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر: ٢٩،ص: ٧٢].
وقوله: فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًَّا [مريم: ١٧].
وقوله: ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ [السجدة: ٩].
ذكرها في السنة:
حديث أبي هريرة ﵁ في استفتاح الجنة، وفيه: «فيأتون آدم ثم موسى ﵉، فيقول: اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه» (١).
حديث أبي هريرة ﵁ في الشفاعة، وفيه: «يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى! أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه» (٢).
أقوال العلماء في (الرُّوح) المضافة إلى الله تعالى:
١ - قال ابن تيمية: فليس في مجرد الإضافة ما يستلزم أن يكون المضاف إلى الله صفة له، بل قد يضاف إليه من الأعيان المخلوقة وصفاتها القائمة بها ما ليس بصفة له باتفاق الخلق؛ كقوله تعالى: (بيت الله)، وناقة الله، وعباد الله، بل وكذلك (روح الله) (٣) عند سلف المسلمين وأئمتهم وجمهورهم، ولكن؛ إذا أضيف إليه ما هو صفة له وليس بصفة لغيره؛ مثل كلام الله، وعلم الله، ويد الله ونحو ذلك؛ كان صفة له (٤).
وقال في (مجموع الفتاوى): وقال النبي ﷺ: «الريح من روح الله» (٥)؛ أي: من الروح التي خلقها الله، فإضافة الروح إلى الله إضافة ملك، لا إضافة وصف؛ إذ كل ما يضاف إلى الله إن كان عينًا قائمة بنفسها فهو ملك له، وإن كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به؛ فهو صفة لله؛ فالأول كقوله نَاقَةَ اللهِ وَسُقْيَاهَا [الشمس:١٣]، وقوله: فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا [مريم:١٧]، وهو جبريل، فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا [مريم:١٧ - ١٩]، وقال: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا [التحريم:١٢]، وقال عن آدم: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [الحجر:٢٩] (٦).
_________________
(١) رواه مسلم (١٩٥). والحديث رواه البخاري (٤٤٧٦) عن أنس ﵁.
(٢) رواه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤).
(٣) ليس في القرآن بيت الله بل فيه بيتي [الحج:٢٦] وفيه روح الله [يوسف:٨٧] بفتح الراء لا بضمها وفيه روحي [الحجر:٢٩].
(٤) «الجواب الصحيح» (٣/ ١٤٥).
(٥) رواه أبو داود (٥٠٩٧)، وابن ماجه (٣٧٢٧)، وأحمد (٢/ ٢٦٧) (٧٦١٩). والحديث سكت عنه أبو داود. قال النووي في «الأذكار» (٢٣٢): إسناده حسن. وقال ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٤/ ٢٧٢): حسن صحيح ورجاله رجال الصحيح إلا ثابت بن قيس. وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».
(٦) «مجموع الفتاوى» (٩/ ٢٩٠)
[ ٢ / ١٢٧ ]
٢ - وقال ابن القيم: فصل: وأما المسألة السابعة عشرة، وهي: هل الروح قديمة أم محدثة مخلوقة؟ وإذا كانت محدثة مخلوقة، وهي من أمر الله؛ فكيف يكون أمر الله محدثًا مخلوقًا؟ وقد أخبر سبحانه أنه نفخ في آدم من روحه؛ فهذه الإضافة إليه هل تدل على أنها قديمة أم لا؟ وما حقيقة هذه الإضافة؛ فقد أخبر عن آدم أنه خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، فأضاف اليد والروح إليه إضافة واحدة؟.
فهذه مسألة زلَّ فيها عالم، وضل فيها طوائف من بني آدم، وهدى الله أتباع رسوله فيها للحق المبين والصواب المستبين، فأجمعت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم على أنها محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة، هذا معلوم بالاضطرار من دين الرسل صلوات الله وسلامه عليهم؛ كما يُعلم بالاضطرار من دينهم أنَّ العالم حادث، وأن معاد الأبدان واقع، وأن الله وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق له، وقد انطوى عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم - وهم القرون المفضلة - على ذلك من غير اختلاف بينهم في حدوثها وأنها مخلوقة، حتى نبغت نابغة ممَّن قصر فهمه في الكتاب والسنة، فزعم أنها قديمة غير مخلوقة، واحتج بأنها من أمر الله، وأمره غير مخلوق، وبأن الله تعالى أضافها إليه كما أضاف إليه علمه وكتابه وقدرته وسمعه وبصره ويده، وتوقف آخرون فقالوا: لا نقول مخلوقة ولا غير مخلوقة.
ثم نقل كلام الحافظ أبي عبد الله بن منده والحافظ محمد بن نصر المروزي، وهما ممن يقولان بأنها مخلوقة، ثم قال: ولا خلاف بين المسلمين أنَّ الأرواح التي في آدم وبنيه وعيسى ومَن سواه من بني آدم كلها مخلوقة لله، خلقها وأنشأها وكوَّنها واخترعها، ثم أضافها إلى نفسه كما أضاف إليه سائر خلقه، قال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣] اهـ (١).
٣ - وقال ابن كثير في (التفسير): فقوله في الآية والحديث: وَرُوحٌ مِنْهُ؛ كقوله: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية:١٣]؛ أي: من خلقه ومن عنده، وليست (من) للتبعيض؛ كما تقول النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة، بل هي لابتداء الغاية، وقد قال مجاهد في قوله:: وَرُوحٌ مِنْهُ، أي ورسول منه، وقال غيره: ومحبة منه، والأظهر الأول؛ أنه مخلوق من روح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف؛ كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله اهـ.
لكن روى الإمام أحمد من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «حتى لا يبقى في الأرضين إلا شرار أهلها، وتلفظهم أرضوهم، وتقذرهم رُوح الرحمن ﷿» (٢) قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده ضعيف، ولكن الغريب أنه علق على الحديث بقوله: روح الرحمن من الصفات التي يجب الإيمان بها دون تأويل أو إنكار، من غير تشبيه ولا تمثيل، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، ﷾!
قلت: هذا مردود بما سبق، والحديث ضعيف.
نقل أبو موسى المديني في (المجموع المغيث) كلامًا نافعًا جدًا لأبي إسحاق إبراهيم الحربي عن الاختلاف في قراءة وتفسير (الرَّوْح)؛ فراجعه إن شئت (٣).
فائدة:
قال شيخ الإسلام: لم يعبر أحدٌ من الأنبياء عن حياة الله بأنها رُوُحُ الله فمن حمل كلام أحدٍ من الأنبياء بلفظ الروح أنه يراد به حياة الله فقد كذب اهـ (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٥٨
_________________
(١) «الروح» (ص٥٠١).
(٢) رواه أحمد (٢/ ٨٤) (٥٥٦٢). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢٥٤): رواه أحمد في حديث طويل في قتال أهل البغي وفيه أبو جناب الكلبي وهو ضعيف. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٧/ ٢٦٨): ضعيف.
(٣) «المجموع المغيث» (١/ ٨١٢ - ٨١٤).
(٤) «الجواب الصحيح» (٤/ ٥٠).
[ ٢ / ١٢٨ ]
- الزارع
يُوصف الله ﷿ بأنه الزَّارِع، ولكنه ليس اسمًا من أسمائه.
وقد وردت هذه الصفة في قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة: ٦٤].
قال القرطبي في تفسير هذه الآية: أضاف الحرث إليهم والزَّرعَ إليه تعالى؛ لأن الحرث فعلهم، ويجري على اختيارهم، والزرع من فعل الله تعالى، وينبت على اختياره، لا على اختيارهم اهـ.
وقال الشيخ محمد العثيمين - ﵀ - في جواب له عن سؤال: لماذا كان التسمي بعبد الحارث من الشرك مع أنَّ الله هو الحارث؟
قال: أما قول السائل في سؤاله (مع أنَّ الله هو الحارث)؛ فلا أعلم اسمًا لله تعالى بهذا اللفظ، وإنما يوصف ﷿ بأنه الزَّارِع، ولا يسمى به؛ كما في قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة:٦٤] اهـ (١). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٦٢
_________________
(١) «فتاوى الشيخ محمد بن عثيمين» (١/ ٢٥).
[ ٢ / ١٢٩ ]
- الساق
صفةٌ من صفات الذات الخبريَّة، ثابتةٌ لله تعالى بالكتاب وصريحِ السنة الصحيحة.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [القلم: ٤٢].
الدليل من السنة:
حديث أبي سعيد الخدري ﵁: «فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن» (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الوجه السادس: أنه من أين في ظاهر القرآن أنَّ لله ساقًا وليس معه إلا قوله: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، والصحابة قد تنازعوا في تفسير الآية؛ هل المراد به الكشف عن الشِّدَّة، أو المراد به أنه يكشف الرب عن ساقه؟ ولم تتنازع الصحابة والتابعون فيما يذكر من آياتِ الصفات إلا في هذه الآية؛ بخلاف قوله: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:٧٥]، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن:٢٧] ونحو ذلك؛ فإنه لم يتنازع فيها الصحابة والتابعون، وذلك أنه ليس في ظاهر القرآن أنَّ ذلك صفة لله تعالى؛ لأنه قال: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، ولم يقل: عن ساق الله، ولا قال: يكشف الرب عن ساقه، وإنما ذكر ساقًا نكرة غير معرفة ولا مضافة، وهذا اللفظ بمجرده لا يدل على أنها ساق الله، والذين جعلوا ذلك من صفات الله تعالى أثبتوه بالحديث الصحيح المفسر للقرآن، وهو حديث أبي سعيد الخدري المخرج في (الصحيحين)، الذي قال فيه «فيكشف الرب عن ساقه»، وقد يقال: إنَّ ظاهر القرآن يدل على ذلك من جهة أنه أخبر أنه يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود، والسجود لا يصلح إلا لله، فعلم أنه هو الكاشف عن ساقه وأيضًا فحمل ذلك على الشِّدَّة لا يصح، لأن المستعمل في الشِّدَّة أن يقال: كشف الله الشِّدَّة، أي: أزالها، كما قال: فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ [الزخرف:٥٠]، وقال: فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ [الأعراف:١٣٥]، وقال: وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [المؤمنون:٧٥]، وإذا كان المعروف من ذلك في اللغة أن يقال: كشف الشِّدَّة؛ أي: أزالها؛ فلفظ الآية: يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، وهذا يراد به الإظهار والإبانة؛ كما قال: كَشَفْنَا عَنْهُمُ وأيضًا فهناك تحدث الشِّدَّة لا يزيلها، فلا يكشف الشِّدَّة يوم القيامة، لكن هذا الظاهر ليس ظاهرًا من مجرد لفظة سَاقٍ، بل بالتركيب والسياق وتدبر المعنى المقصود اهـ (٢).
ولتلميذه ابن القيم في (الصواعق المرسلة) كلام شبيه بهذا، قال ﵀: الثامن: أن نقول من أين في ظاهر القرآن أنَّ لله ساقًا؟ وليس معك إلا قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم: ٤٢]، والصحابة متنازعون في تفسير الآية؛ هل المراد الكشف عن الشِّدَّة، أو المراد بها أنَّ الرب تعالى يكشف عن ساقه؟ ولا يحفظ عن الصحابة والتابعين نزاع فيما يذكر أنه من الصفات أم لا في غير هذا الموضع، وليس في ظاهر القرآن ما يدل على أنَّ ذلك صفة الله؛ لأنه سبحانه لم يضف الساق إليه، وإنما ذكره مجردًا عن الإضافة منكرًا، والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن، وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته، وهو حديث الشفاعة الطويل، وفيه: «فيكشف الرب عن ساقه، فيخرون له سُجَّدًا»، ومن حمل الآية على ذلك؛ قال: قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ [القلم: ٤٢]: مطابق لقوله ﷺ: «فيكشف عن ساقه، فيخرون له سجدًا» وتنكيره للتعظيم والتفخيم، كأنه قال: يكشف عن ساق عظيمة؛ جلت عظمتها، وتعالى شأنها أن يكون لها نظير أو مثيل أو شبيه قالوا: وحمل الآية على الشِّدَّة لا يصح بوجه، فإن لغة القوم في مثل ذلك أن يقال: كُشِفَتِ الشِّدَّة عن القوم، لا كُشِف عنها، كما قال الله تعالى: فَلَمَّا كشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ [الزخرف: ٥٠]، وقال: وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ [المؤمنون: ٧٥]؛ فالعذاب والشِّدَّة هو المكشوف لا المكشوف عنه، وأيضًا فهناك تحدث الشِّدَّة وتشتد ولا تزال إلا بدخول الجنة، وهناك لا يدعون إلى السجود، وإنما يدعون إليه أشد ما كانت الشِّدَّة اهـ (٣)
قلتُ: ليس مقصود الإمامين الجليلين أنَّ الصحابة اختلفوا في إثبات صفة السَّاق لله ﷿ مع ورودها صراحةً في حديث أبي سعيد المتقدم، بل مقصودهما أنهم اختلفوا في تفسير الآية؛ هل المراد بها الكشف عن الشِّدَّة، أو المراد الكشف عن ساق الله؟ والله أعلم. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٦٣
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤٣٩) واللفظ له، ومسلم (١٨٣).
(٢) «نقض أساس التقديس» (ق/٢٦١).
(٣) (١/ ٢٥٢).
[ ٢ / ١٣٠ ]
- السبوح
يوصف الله ﷿ بأنه السُبُّوح، وهذا ثابت بالسنة الصحيحة، والسُبُّوح من أسماء الله تعالى، أثبته ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (١)، والشيخ العثيمين -﵀- في (القواعد المثلى).
الدليل:
حديث عائشة ﵂؛ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: «سُبُّوح قُدُّوس رب الملائكة والروح» (٢).
المعنى:
قال الفيروزأبادي في (القاموس المحيط): سُبُّوح قُدُّوس-ويفتحان- من صفاته تعالى؛ لأنه يُسَبَّحُ ويُقَدَّس.
وقال ابن قتيبة: ومن صفاته: (سُبُّوح)، وهو حرف مبني على (فُعُّول)، من (سبَّح الله): إذا نَزَّهه وبرَّأه من كل عيب، ومنه قيل: سبحان الله؛ أي: تَنْزيهًا لله، وتبرئة له من ذلك اهـ (٣).
(قال أبو إسحاق الزجاج: السبوح: الذي ينزه عن كل سوء، وقال الحليمي: السبوح معناه: المنزه عن المعائب، والصفات التي تعتري المحدثين من ناحية الحدث، والتسبيح: التنزيه) وقال النووي في شرحه لـ (صحيح مسلم) في الحديث المتقدم: قوله: «سُبُّوح قُدُّوس»: هما بضم السين والقاف وبفتحهما، والضم أفصح وأكثر قال الجوهري في (فصل: ذرح): كان سيبويه يقولهما بالفتح وقال الجوهري في (فصل: سبح): سُبُّوح من صفات الله تعالى قال ثعلب: كل اسم على فعول؛ فهو مفتوح الأول؛ إلا السُبُّوح والقُدُّوس؛ فإن الضم فيهما أكثر، وكذلك الذروح، وهي دويبة حمراء منقطة بسواد تطير، وهي من ذوات السموم وقال ابن فارس والزبيدي وغيرهما: سُبُّوح هو الله ﷿؛ فالمراد بالسُبُّوح القُدُّوس المسَبَّح المقدَّس؛ فكأنه قال: مُسَبَّحٌ مُقَدَّسٌ رب الملائكة والروح، ومعنى سُبُّوح: المبرأ من النقائص والشريك وكل ما لا يليق بالإلهية، وقُدُّوس: المطهر من كل ما لا يليق بالخالق، وقال الهروي: قيل: القُدُّوس المبارك قال القاضي عياض: وقيل فيه: سُبُّوحًا قُدُّوسًا على تقدير: أسبح سُبُّوحًا أو أذكر أو أعظم أو أعبد.
وقوله: «رب الملائكة والرُّوح»؛ قيل: الرُّوح ملك عظيم وقيل: يحتمل أن يكون جبريل ﵇ وقيل: خلق لا تراهم الملائكة كما لا نرى نحن الملائكة، والله ﷾ أعلم. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٦٦
_________________
(١) (٢٢/ ٤٨٥).
(٢) رواه مسلم (٤٨٧).
(٣) «تفسير غريب القرآن» (ص٨).
[ ٢ / ١٣١ ]
- الستر
صفةٌ فعليةٌ لله ﷿ ثابتةٌ بالسنة الصحيحة، و(السِّتِّير) من أسمائه تعالى
الدليل:
حديث يعلى بن أمية ﵁ مرفوعًا: «إن الله ﷿ حليم، حيي، سِتِّير، يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم؛ ليستتر» (١).
حديث أبي هريرة ﵁: «لا يستر الله على عبد في الدنيا، إلا ستره الله يوم القيامة» (٢).
قال ابن القيم (٣):
وهو الحَيِيُّ فليسَ يفضحُ عبدَه عند التَّجاهُرِ منهُ بالعصيانِ
لكنَّه يُلْقِي عليه سِتْرَهُ فَهُوَ السِّتِّير وصاحِبُ الغُفرَانِ
وستِّير؛ أي: يحب الستر لعباده المؤمنين؛ ستر عوراتهم، وستر ذنوبهم، فيأمرهم أن يستروا عوراتهم، وأن لا يجاهروا بمعاصيهم في الدنيا، وهو يسترها عليهم في الآخرة.
فائدة: اعلم أنَّ (السَّتَّار) ليس من أسمائه تعالى، ولم يرد ما يدل على ذلك؛ خلاف ما هو شائع عند عوام الناس. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٦٧
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٠١٢) من غير لفظة «حليم»، والنسائي (١/ ٢٠٠)، وأحمد (٤/ ٢٢٤). من حديث يعلى بن أمية ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال النووي في «الخلاصة» (١/ ٢٠٤)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
(٢) رواه مسلم (٢٥٩٠).
(٣) «القصيدة النونية» (٢/ ٨٠).
[ ٢ / ١٣٢ ]
- السخرية بالكافرين
من الصفات الفعليَّة الخبريَّة الثابتة لله ﷿ بالكتاب والسنة.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة: ٧٩]
الدليل من السنة:
حديث عبد الله بن مسعود ﵁ في آخر أهل النار خروجًا منها وآخر أهل الجنة دخولًا فيها، وفيه أنه قال يخاطب الله ﷿: «أتسخر بي؟ أو تضحك بي وأنت الملك» (١).
قال الأزهري: يُقال: سَخِرَ منه وبه: إذا تَهَزَّأ به (٢).
قال قَوَّام السنة: وتولى الذب عنهم (يعني: المؤمنين) حين قالوا: إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، فقال: اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة:١٤ - ١٥]، وقال: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ، وأجاب عنهم، فقال: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ [البقرة:١٣]، فأجل أقدارهم أن يوصفوا بصفة عيب، وتولى المجازاة لهم، فقال: اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ، وقال: سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ؛ لأن هاتين الصفتين إذا كانت من الله؛ لم تكن سفهًا، لأن الله حكيم، والحكيم لا يفعل السفه، بل ما يكون منه يكون صوابًا وحكمة (٣).
وقال شيخ الإسلام في (مجموع الفتاوى) عند الرد على من زعم أنَّ هناك مجازًا في القرآن: وكذلك ما ادعوا أنه مجاز في القرآن؛ كلفظ (المكر) و(الاستهزاء) و(السخرية) المضاف إلى الله، وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز، وليس كذلك، بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة؛ كانت ظلمًا له، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله؛ كانت عدلًا؛ كما قال تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف:٧٦]، فكاد له كما كادت إخوته لما قاله له أبوه: لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف:٥]، وقال تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق:١٥]، وقال تعالى: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ [النمل:٥١]، وقال تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ [التوبة:٧٩] اهـ (٤).
فأهل السنة والجماعة يثبتون صفة السخرية لله ﷿ كما أثبتها لنفسه، كما يثبتون صفة الكيد والمكر، ولا يخوضون في كيفيتها، ولا يشبهونها بسخرية المخلوق؛ فالله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١].
وانظر كلام ابن جرير الطبري في صفة (الاستهزاء)، فإنه مهم صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٦٨
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٧١)، ومسلم (١٨٦).
(٢) «تهذيب اللغة» (٧/ ١٦٧).
(٣) «الحجة» (١/ ١٦٨).
(٤) (٧/ ١١١).
[ ٢ / ١٣٣ ]
- السَّخَطُ أو السُّخْطُ
صفةٌ من صفات الله الفعليَّة الخبريَّة الثابتة بالكتاب والسنة.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ [المائدة: ٨٠].
قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ [محمد: ٢٨].
الدليل من السنة:
حديث أبي سعيد الخدري ﵁: «إن الله ﷿ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك وسعديك (إلى أن قال فيه:) فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني؛ فلا أسخط عليكم بعده أبدًا» (١).
حديث بريدة ﵁: «لا تقولوا للمنافق سيد، فإن يك سيدًا؛ فقد أسخطتم ربكم ﷿» (٢).
قال أبو إسماعيل الصابوني: وكذلك يقولون في جميع الصفات (يعني: الإثبات) التي نزل بها القرآن ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والرضى والسخط اهـ (٣).
وقال الشيخ محمد خليل الهرَّاس في (شرحه للواسطية) تعليقًا على بعض الآيات التي أوردها شيخ الإسلام ابن تيمية فيها بعض صفات الله ﷿ الفعلية: تضمنت هذه الآيات إثبات بعض صفات الفعل؛ من الرضى لله، والغضب، واللعن، والكره، والسخط، والمقت، والأسف، وهي عند أهل الحق صفات حقيقية لله ﷿، على ما يليق به، ولا تشبه ما يتصف به المخلوق من ذلك، ولا يلزم منها ما يلزم في المخلوق (٤).
وانظر كلام ابن كثير في: صفة (السمع) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٧٠
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩).
(٢) رواه أبو داود (٤٩٧٧)، وأحمد (٥/ ٣٤٦) (٢٢٩٨٩). وسكت عنه أبو داود، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٤٤): إسناده صحيح. وقال النووي في «الأذكار» (ص٤٤٩): إسناده صحيح. وقال الألباني في «سنن أبي داود»: صحيح.
(٣) «عقيدة السلف أصحاب الحديث» (ص٥)
(٤) «شرح العقيدة الواسطية» (ص١٠٨).
[ ٢ / ١٣٤ ]
- السرعة
صفةٌ فعليَّةٌ اختياريةٌ ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة الصحيحة.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [البقرة: ٢٠٢، النور: ٣٩].
وقوله: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ [الأنعام: ١٦٥].
الدليل من السنة:
حديث عائشة ﵂، قالت: «كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ وأقول: أتهب المرأة نفسها؟! فلما أنزل الله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ؛ قلت: ما أرى ربَّك إلا يسارع في هواك» (١).
حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إن الله قال: إذا تلقَّاني عبدي بشبر؛ تلقيته بذراع، وإذا تلقاني بذراع؛ تلقيته بباع، وإذا تلقاني بباع؛ جئته أتيته بأسرع» (٢).
قال ابن جرير في تفسير الآية ٢٠٢ من سورة البقرة: وإنما وصف جَلَّ ثناؤه نفسه بسرعة الحساب لأنه جَلَّ ذكره يحصي ما يحصي من أعمال عباده بغير عقد أصابع، ولا فكرٍ، ولا روية، فِعْلَ العجزةِ الضَّعَفة من الخلق، ولكنه لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يعزُب عنه مثقالُ ذرة فيهما، ثم هو مجازٍ عباده على كلِّ ذلك، فلذلك جَلَّ ذكره أُمْتُدِحَ بسرعة الحساب.
وقال أيضًا: القولُ في تأويل قوله تعالى: الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر: ١٧] إن الله ذو سرعة في محاسبة عباده يومئذٍ على أعمالهم التي عملوها في الدنيا.
وقال الشوكاني في (فتح القدير) في تفسير آية البقرة السابقة: والمعنى أن حسابه لعباده في يوم القيامة سريعٌ مجيئه فبادروا ذلك بأعمال الخير، أو أنه وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم، وأنه لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ فيحاسبهم في حالة واحدة.
وقال أيضًا في تفسير قوله تعالى وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [الرعد: ٤١]: وهو سريع الحساب فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته على السرعة.
وقد عدَّ الحافظ أبو عبد الله بن منده ﵀ (السريع) من أسماء الله في كتابه، مستشهدًا بحديث أبي هريرة السابق، ووافقه عليه محقق الكتاب (٣)، وفي ذلك نظرٌ كبيرٌ، ولكن عدُّهما له اسمًا يتضمن أنه صفة عندهما.
فالله ﷿ سريعٌ في حسابه، سريعٌ عقابه، سريعٌ في إتيانه ومجيئه، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ سبحانه. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٧١
_________________
(١) رواه البخاري (٤٧٨٨)، ومسلم (١٤٦٤).
(٢) رواه مسلم (٢٦٧٥) (٣).
(٣) «التوحيد» (٢/ ١٣٧).
[ ٢ / ١٣٥ ]
- السكوت
يُوصف ربنا ﷿ بالسُّكوت كما يليق به سبحانه، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ وهذا ثابتٌ بالسنة الصحيحة، وهي صفةٌ فعليَّةٌ اختيارية متعلقة بمشيئته ﷾.
الدليل:
حديث أبي الدرداء ﵁ مرفوعًا: «ما أحلَّ الله في كتابه فهو الحلال، وما حَرَّم فهو الحرام، وما سكت عنه فهو عَفْوٌ، فاقبلوا من الله عافيته» الحديث (١).
حديث سلمان الفارسي ﵁: الحلال ما أحلَّ الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه؛ فهو مما عفا لكم (٢).
قال شيخ الإسلام: قال شيخ الإسلام (يعني: أبا إسماعيل الأنصاري): فطار لتلك الفتنة (يعني: التي وقعت بين الإمام أبي بكر بن خزيمة وأصحابه) ذاك الإمام أبو بكر، فلم يزل يصيح بتشويهها، ويصنف في ردها، كأنه منذر جيش، حتى دون في الدفاتر، وتمكن في السرائر، ولقن في الكتاتيب، ونقش في المحاريب: إنَّ الله متكلم، إن شاء تكلم، وإن شاء سكت؛ فجزى الله ذاك الإمام وأولئك النفر الغر عن نصرة دينه، وتوقير نبيه خيرًا، قلت: في حديث سلمان عن النبي ﷺ: «الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» (٣) رواه أبو داود ويقول الفقهاء في دلالة المنطوق والمسكوت، وهو ما نطق به الشارع - وهو الله ورسوله - وما سكت عنه: تارة تكون دلالة السكوت أولى بالحكم من المنطوق، وهو مفهوم الموافقة، وتارة تخالفه، وهو مفهوم المخالفة، وتارة تشبهه، وهو القياس المحض فثبت بالسنة والإجماع أنَّ الله يوصف بالسكوت، لكن السكوت يكون تارة عن التكلم وتارة عن إظهار الكلام وإعلامه اهـ (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٧٣
_________________
(١) رواه الطبراني في «مسند الشاميين» (٦/ ٢٤٩)، والحاكم (٢/ ٤٠٦). قال البزار في «البحر الزخار» (١٠/ ٢٧): إسناده صالح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي في «التلخيص»: صحيح. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١/ ١٧١): رواه البزار والطبراني في «الكبير» وإسناده حسن ورجاله موثقون. وقال الألباني في «التعليقات الرضية» (٣/ ٢٤): صحيح.
(٢) رواه الترمذي (١٧٢٦)، وابن ماجه (٣٣٦٧)، والحاكم (٤/ ١٢٩). قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح مفسر في الباب وسيف بن هارون لم يخرجا له. ووافقه الذهبي. وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٤/ ١٨٥): معنى هذا الحديث ثابت في الصحيح. وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٢١٦): محفوظ عن سلمان الفارسي موقوفًا عليه أو مرفوعًا إلى النبي ﷺ. وقال ابن القيم في «إعلام الموقعين» (١/ ٢٢٢): إسناده جيد مرفوع. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن.
(٣) رواه الترمذي (١٧٢٦)، وابن ماجه (٣٣٦٧)، والحاكم (٤/ ١٢٩). من حديث سلمان ﵁. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح مفسر في الباب وسيف بن هارون لم يخرجا له. ووافقه الذهبي. وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٤/ ١٨٥): معنى هذا الحديث ثابت في الصحيح. وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ٢١٦): محفوظ عن سلمان الفارسي موقوفًا عليه أو مرفوعًا إلى النبي ﷺ. وقال ابن القيم في «إعلام الموقعين» (١/ ٢٢٢): إسناده جيد مرفوع. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن. ورواه بنحوه أبو داود (٣٨٠٠) موقوفًا على ابن عباس ﵄ وسكت عنه وقال النووي في «المجموع شرح المهذب» (٩/ ٢٥): إسناده حسن. وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (١/ ٣٦٧): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «غاية المرام» (ص٣٤).
(٤) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٧٨).
[ ٢ / ١٣٦ ]
- السلام
يوصف الله ﷿ بأنه السلام، وهو اسم له ثابت بالكتاب والسنة.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ [الحشر: ٢٣].
الدليل من السنة:
حديث ثوبان ﵁: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (١).
قال ابن قتيبة: ومن صفاته (السلام)؛ قال: السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِن، ومنه سمي الرجل: عبد السلام؛ كما يُقال: عبد الله، ويرى أهل النظر من أصحاب اللغة أنَّ السلام بمعنى السلامة؛ كما يُقال: الرَّضاع والرَّضاعة، واللَّذاذ واللَّذاذة؛ قال الشاعر:
تُحَيِّي بالسلامةِ أُمَّ بَكْرٍ فَهَلْ لَكَ بَعْدَ قَوْمِكَ مِنْ سَلامِ
فسمى نفسه جلَّ ثناؤه سلامًا لسلامته مما يلحق الخلق من العيب والنقص والفناء والموت اهـ (٢).
وقال الخطابي: السلام في صفة الله سبحانه هو الذي سلم من كل عيب، وبريء من كل آفة ونقص يلحق المخلوقين؛ وقيل: الذي سلم الخلق من ظلمه (٣).
وقال ابن كثير في تفسير الآية السابقة: السلام؛ أي: من جميع العيوب والنقائص؛ لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله.
وقال ابن الأثير: السلام: ذو السلام؛ أي: الذي سلم من كل عيب وبريء من كل آفة (٤).
وقال السعدي: القُدُّوس السَّلام؛ أي: المعظم المنَزَّه عن صفات النقص كلها، وأن يماثله أحد من الخلق؛ فهو المتنَزِّه عن جميع العيوب، والمتنَزِّه عن أن يقاربه أو يماثله أحدٌ في شيء من الكمال (٥).
وقال البيهقي: السلام: هو الذي سلم من كل عيب، وبريء من كلِّ آفة، وهذه صفة يستحقها بذاته (٦). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٧٥
_________________
(١) رواه مسلم (٥٩١).
(٢) «تفسير غريب القرآن» (ص: ٦).
(٣) «شأن الدعاء» (ص: ٤١).
(٤) «جامع الأصول» (٤/ ١٧٦).
(٥) «تفسير السعدي» (٥/ ٣٠٠).
(٦) «الاعتقاد» (ص: ٥٥).
[ ٢ / ١٣٧ ]
- السلطان
يوصف الله ﷿ بأنه (ذو سلطان)، والسُّلطان صفةٌ من صفاته يستعيذ الإنسان بها كما يستعيذ بالله وبسائر صفاته، وهذا ثابتٌ في الحديث الصحيح.
الدليل:
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، «عن النبي ﷺ؛ أنه كان إذا دخل المسجد يقول: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم» (١).
قال الأزهري: وقال الليث: السُّلطان: قدرة الملك وقدرة من جعل ذلك له، وإن لم يكن ملكًا (٢).
قال أبو محمد الجويني: نصفه بما وصف به نفسه من الصفات التي توجب عظمته وقدسه ذو الوجه الكريم، والسمع السميع، والبصر البصير والقدرة والسُّلطان والعظمة (٣).
قال الحافظ ابن القيم (٤):
والرُّوُحُ والأمْلاكُ تَصْعَدُ في مَعَا رِجِهِ إليْهِ جَلَّ ذُو السُّلْطَانِ صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٧٦
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٦٦). وسكت عنه. وقال النووي في «الأذكار» (ص٤٦): حديث حسن رواه أبو داود بإسناد جيد. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
(٢) «تهذيب اللغة» (١٢/ ٣٣٦).
(٣) «رسالة إثبات الاستواء والفوقية» (ص١٧٥).
(٤) «القصيدة النونية» (١/ ٤١٥).
[ ٢ / ١٣٨ ]
- السمع
صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، و(السميع) من أسمائه تعالى
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]
وقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١]
وقوله: قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: ١]
الدليل من السنة:
حديث عائشة ﵂ في قصة المجادلة وقولها: «الحمد لله الذي وسع سمعُه الأصوات» (١).
حديث عائشة ﵂؛ أنها قالت للنبي ﷺ: هل أتى عليك يوم أشد عليك من يوم أحد؟ فقال: «لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة (وفي الحديث:) فناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك، وأنا ملك الجبال» (٢).
فأهل السنة والجماعة يقولون: إن الله سميع بسمع يليق بجلاله وعظمته، كما أنه بصير ببصر، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ.
قال أبو الحسن الأشعري: وأجمعوا على أنه ﷿ يسمع ويرى (٣).
قال الحافظ ابن القيم: وهو سميعٌ بصيرٌ له السَّمْعُ والبصر، يسمع ويبصر وليس كمثله شيءٌ في سمعه وبصره (٤).
وقال الحافظ ابن كثير في رسالته (العقائد): فإذا نطق الكتاب العزيز، ووردت الأخبار الصحيحة، بإثبات السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة والعظمة والمشيئة والإرادة والقول والكلام والرضى والسخط والحب والبغض والفرح والضحك؛ وجب اعتقاد حقيقته؛ من غير تشبيهٍ بشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، والانتهاء إلى ما قاله الله ﷾ ورسوله ﷺ؛ ولا زيادة عليه، ولا تكييف له، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، وإزالة لفظ عما تعرفه العرب وتصرفه عليه، والإمساك عما سوى ذلك
انظر: (علاقة الإثبات والتفويض) لرضا نعسان معطي (٥).
وقال الهرَّاس: أمَّا السَّمْعُ فقد عبَّرت عنه الآيات بكل صيغ الاشتقاق، وهي: سَمِعَ، ويَسْمَعُ، وسَمِيعٌ، وأسْمَعُ، فهو صفة حقيقية لله، يدرك بها الأصوات (٦). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٧٧
_________________
(١) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم بعد حديث (٧٣٨٥)، ورواه موصولًا النسائي (٦/ ١٦٨)، وابن ماجه (١٨٨)، وأحمد (٦/ ٤٦) (٢٤٢٤١). قال ابن عساكر في «معجم الشيوخ» (١/ ١٦٣)، وابن حجر في «تغليق التعليق» (٥/ ٣٣٩)، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.
(٢) رواه البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥).
(٣) «رسالة إلى أهل الثغر» (ص٢٢٥).
(٤) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٢٠).
(٥) (ص٥١).
(٦) «شرحه للواسطية» (١٢٠).
[ ٢ / ١٣٩ ]
- السيد
يوصف الله ﷿ بأنه السَّيِّدُ، وهو اسمٌ ثابتٌ له بالسنة الصحيحة.
الدليل:
حديث عبد الله بن الشخير ﵁؛ قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ، فقلنا: أنت سيدنا فقال: «السَّيِّد الله ﵎» (١).
قال ابن القيم (٢):
وهوَ الإلهُ السَّيِّدُ الصَّمدُ الذي صَمَدَتْ إليهِ الخلقُ بالإذْعَانِ
الكَامِلُ الأوْصَافِ منْ كُلِّ الوجُوه كَمالُهُ ما فيهِ مِنْ نُقْصَانِ
ومن معاني الصمد - كما سيأتي في بابه -: السَّيِّد الذي كَمُل في سؤدَدِه.
وقال في (تحفة المودود): وأمَّا وصفُ الربِّ تعالى بأنه السَّيِّد فذلك وصفٌ لربه على الإطلاق، فإن سَيَّد الخلق هو مالك أمرهم الذي إليه يرجعون، وبأمره يعملون، وعن قوله يصدرون، فإذا كانت الملائكة والإنس والجن خلقًا له ﷾ وملكًا له ليس لهم غنى عنه طرفة عين، وكل رغباتهم إليه، وكل حوائجهم إليه، كان هو ﷾ السَّيِّد على الحقيقة (٣).
وقال في (بدائع الفوائد): السَّيِّد إذا أطلق عليه تعالى فهو بمعنى: المالك، والمولى، والرب، لا بالمعنى الذي يُطلق على المخلوق والله ﷾ أعلم اهـ (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٧٩
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٨٠٦)، وأحمد (٤/ ٢٤) () وسكت عنه. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٤/ ٤٠٣):- كما أشار لذلك في المقدمة-. وقال الشوكاني في «الفتح الرباني» (٥٦٤٦): إسناده جيد. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
(٢) «القصيدة النونية» (٢/ ٩٤).
(٣) (ص٨٠).
(٤) (٣/ ٧٣٠).
[ ٢ / ١٤٠ ]
- الشافي
يوصف الله ﷿ بأنه الشَّافي، الذي يشفي عباده من الأسقام، و(الشَّافي) اسم من أسمائه تعالى الثابتة بالسنة الصحيحة.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: «وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ» [الشعراء: ٨٠].
الدليل من السنة:
حديث عائشة ﵄ مرفوعًا: «اللهم رب الناس! أذهب البأس، واشف أنت الشَّافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا» (١).
حديث عائشة ﵂ – في سِحْرِ النبي ﷺمرفوعًا: «أمَّا أنا فقد شفاني الله وخشيت أن يثير ذلك على الناس شرًا» (٢). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٨٠
_________________
(١) البخاري (٥٧٤٣)، ومسلم (٢١٩١).
(٢) رواه البخاري (٣٢٦٨).
[ ٢ / ١٤١ ]
- الشخص
يجوز إطلاق لفظة (شخص) على الله ﷿، وقد وردت هذه اللفظة في صحيح السنة.
من ذلك ما رواه مسلم من حديث سعد بن عبادة ﵁؛ قال: لو رأيت رجلًا مع امرأتي؛ لضربته بالسيف غير مصفح عنه فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال: «أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير منه، والله أغير مني، من أجل غيرة الله حَرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك؛ بعث الله المرسلين مبشرين ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدحة من الله، من أجل ذلك؛ وعد الله الجنة» (١) ورواه البخاري (٧٤١٦) بلفظ: «لا أحد»، لكنه قال: (وقال عبيد الله بن عمرو بن عبد الملك (أحد رواة الحديث): «لا شخص أغير من الله» (٢).
وقال البخاري: باب: قول النبي ﷺ: «لا شخص أغير من الله» (٣).
وقال ابن أبي عاصم في (السنة): باب: ذكر الكلام والصوت والشخص وغير ذلك (٤).
وقال أبو يعلى الفراء في فصل عنونه المحقق بقوله: (إثبات صفة الشخص والغيرة لربنا جل شأنه)؛ قال بعد ذكر حديث مسلم السابق: اعلم أنَّ الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما: إطلاق صفة الغيرة عليه والثاني: في إطلاق الشخص أما الغيرة وأما لفظ الشخص فرأيت بعض أصحاب الحديث يذهب إلى جواز إطلاقه، ووجهه أنَّ قوله: «لا شخص» نفي من إثبات، وذلك يقتضي الجنس؛ كقولك: لا رجل أكرم من زيد؛ يقتضي أنَّ زيدًا يقع عليه اسم رجل، كذلك قوله: «لا شخص أغير من الله»؛ يقتضي أنه سبحانه يقع عليه هذا الاسم اهـ (٥)
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله في (شرحه لكتاب التوحيد من صحيح البخاري): قال (أي: البخاري): باب: قول النبي ﷺ: «لا شخص أغير من الله» الغيرة بفتح الغين والشخص: هو ما شخص وبان عن غيره، ومقصد البخاري أنَّ هذين الاسمين يطلقان على الله تعالى وصفًا له؛ لأن الرسول ﷺ أثبتهما لله، وهو أعلم الخلق بالله تعالى اهـ (٦).
وتعقيبًا على قول عبيد الله القواريري: ليس حديثٌ أشدَّ على الجهمية من هذا الحديث (يعني: حديث مسلم)؛ قال حفظه الله (٧): وبهذا يتبين خطأ ابن بطال في قوله: أجمعت الأمة على أنَّ الله تعالى لا يجوز أن يوصف بأنه شخص؛ لأن التوقيف لم يرد به اهـ ذكره الحافظ وهذه مجازفة، ودعوى عارية من الدليل؛ فأين هذا الإجماع المزعوم؟! ومن قاله سوى المتأثرين ببدع أهل الكلام؛ كالخطاب، وابن فورك، وابن بطال؛ عفا الله عنا وعنهم؟!
وقوله: لأن التوقيف لم يرد به: يبطله ما تقدم من ذكر ثبوت هذا اللفظ عن رسول الله ﷺ بطرق صحيحة لا مطعن فيها، وإذا صح الحديث عن رسول الله ﷺ؛ وجب العمل به والقول بموجبه، سواء كان في مسائل الاعتقاد أو في العمليات، وقد صح عنه ﷺ إطلاق هذا الاسم - أعني: الشخص - على الله تعالى، فيجب اتباعه في ذلك على من يؤمن بأنه رسول الله، وهو ﷺ أعلم بربه وبما يجب له وما يمتنع عليه تعالى من غيره من سائر البشر.
وتقدم أنَّ الشخص في اللغة: ما شخص وارتفع وظهر؛ قال في (اللسان): الشخص كل جسم له ارتفاع وظهور، والله تعالى أظهر من كل شيء وأعظم وأكبر، وليس في إطلاق الشخص عليه محذورٌ على أصل أهل السنة الذين يتقيدون بما قاله الله ورسوله اهـ. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٨١
_________________
(١) رواه مسلم (١٤٩٩).
(٢) رواه البخاري (٧٤١٦).
(٣) قبل حديث (٧٤١٦).
(٤) (١/ ٢٢٥).
(٥) (١/ ٢٢٥).
(٦) (١/ ٣٣٥).
(٧) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (١/ ٣٣٨).
[ ٢ / ١٤٢ ]
- الشدة (بمعنى القوَّة)
صفةٌ ذاتيةٌ لله ﷿ ثابتةٌ بالكتاب والسنة.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ [الرعد: ١٣].
وقوله تعالى: قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا [القصص: ٣٥].
وقوله تعالى: نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ [الإنسان: ٢٨].
الدليل من السنة:
حديث: «اللهم اشْدُدْ وطأتك على مضر» (١).
قال الزجاجي: (الشديد في صفات الله ﷿ على ضربين:
أحدهما: أنْ يُرَادَ بالشديد: القويُّ؛ لأنه قد يقال للقوي من الآدميين: شديدٌ، وكأنه في صفات الآدميين، يذهب به إلى معنى شدة البدن وصلابته وجلده، وذلك في صفات الله ﷿ غير سائغ، بل يكون الشديد في صفاته بمعنى القوي حسب، والشديد: خلاف الضعيف.
والآخَرُ: أنْ يُراد بالشديدِ في صفاته ﷿: أنه شديد العقاب، فيرجع المعنى في ذلك في الحقيقة إلى أنَّ عذابَهُ شديدٌ؛ كما قال: إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:٧]، ألا ترى أنا إذا قُلنا: زيدٌ كثيرٌ العيال؛ أنَّ المعنى إنما هو وصف عيالهِ بالكثرة، وكذلك إذا قلنا: زيدٌ كثيرٌ المالِ؛ فإنَّما وصفنا مالهُ بالكَثْرةِ، وإنْ كان الخبر قد جَرى عليه لفظًا، وكذلك إذا قلنا: زيدٌ شديد العقاب؛ فإنما وَصَفنا عقابه بالشدَّة، فكذلك مجراه في قولنا: اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة:١٩٦]: شَدِيدُ الْعَذَابِ [البقرة:١٦٥] اهـ (٢).
وقد عدَّ الزجاجي وابن منده في (كتاب التوحيد) ووافقه محققه (الشَّدِيدَ) من أسماء الله تعالى، ولا يُوافَقُونَ على ذلك. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٨٤
_________________
(١) رواه البخاري (٢٩٣٢) ومسلم (٦٧٥).
(٢) «اشتقاق أسماء الله» (ص١٩٢).
[ ٢ / ١٤٣ ]
- الشكر
صفةٌ فعليةٌ لله ﷿، و(الشاكر) و(الشكور) من أسمائه تعالى، وكل ذلك ثابت بالكتاب والسنة.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١٥٨].
وقوله: وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [التغابن: ١٧].
الدليل من السنة:
حديث أبي هريرة ﵁ في قصة ساقي الكلب ماءً، وفيه: «فنَزل البئر، فملأ خفه ماءً، ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له» (١).
قال ابن منظور في (لسان العرب): والشكور: من صفات الله جل اسمه، معناه: أنه يزكو عنده القليل من أعمال العباد، فيضاعف لهم الجزاء، وشكره لعباده: مغفرة لهم.
وقال أبو القاسم الزجاجي (٢): وقد تأتي الصِّفة بالفعل لله ﷿ ولعبده، فيقال: (العبد شكور لله)؛ أي: يشكر نعمته، والله ﷿ شكورٌ للعبد؛ أي: يشكر له عمله؛ أي: يجازيه على عمله، والعبد توابٌ إلى الله من ذنبه، والله توابٌ عليه؛ أي: يقبل توبته ويعفو عنه.
قلت: تفسير شكر الله لعباده بالمغفرة والمجازاة قد يُفهم منه صرفه عن الحقيقة وهذا غير صحيح.
قال ابن القيم (٣): وأما شكر الرب تعالى؛ فله شأن آخر؛ كشأن صبره، فهو أولى بصفة الشكر من كل شكور، بل هو الشكور على الحقيقة؛ فإنه يعطي العبد، ويوفقه لما يشكره عليه إلى آخر كلامه ﵀، وهو نفيس جدًا. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٨٥
_________________
(١) رواه البخاري (٢٣٦٣)، ومسلم (٢٢٤٤).
(٢) «اشتقاق أسماء الله» (ص١٥٢).
(٣) «عدة الصابرين» (٤١٤).
[ ٢ / ١٤٤ ]
- الشهيد
يوصف الله ﷿ بأنه (شهيد)، والشهيد اسم من أسمائه تعالى، وهذه الصفة ثابتة بالكتاب والسنة.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ [آل عمران: ١٨].
قوله تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الأنعام: ١٩].
الدليل من السنة:
حديث حجة الوداع، وفيه: «اللهم اشهد! فليبلغ الشاهد الغائب» (١).
المعنى:
قال ابن الأثير: الشهيد: هو الذي لا يغيب عنه شيء، يقال: شاهد وشهيد؛ كعالم وعليم؛ أي أنه حاضر يشاهد الأشياء ويراها (٢).
وقال الشيخ السعدي: الشهيد؛ أي: المطلع على جميع الأشياء، سمع جميع الأصوات خفيها وجليها، وأبصر جميع الموجودات دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، وأحاط علمه بكل شيء، الذي شهد لعباده وعلى عباده بما عملوه اهـ (٣).
و(شهد الله)؛ بمعنى: علم، وكتب، وقضى، وأظهر، وبيَّن انظر: (تهذيب اللغة). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٨٧
_________________
(١) رواه البخاري (١٧٤١)، ومسلم (١٦٧٩) (٣١).
(٢) «جامع الأصول» (٤/ ١٧٩).
(٣) «تفسير السعدي» (٥/ ٣٠٣).
[ ٢ / ١٤٥ ]
- شيء
يصح إطلاق لفظة (شيء) على الله ﷿ أو على صفة من صفاته، لكن لا يقال: (الشيء) اسم من أسمائه تعالى.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الأنعام: ١٩]
وقوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ [القصص: ٨٨] والوجه صفةٌ ذاتيةٌ لله تعالى
وقوله: أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ [الأنعام: ٩٣]، والقرآن كلام الله، وهو صفةٌ من صفاته، والقول في الصفة كالقول في الذات.
الدليل من السنة:
حديث سهل بن سعد ﵁؛ قال: قال النبي ﷺ لرجل: «أمعك من القرآن شيْءٌ؟ قال: نعم سورة كذا وسورة كذا؛ لسُوَرٍ سمَّاها» (١).
قال البخاري في كتاب التوحيد من (صحيحه): باب: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللهُ، فسمى الله تعالى نفسه شيئًا، وسمى النبي ﷺ القرآن شيئًا، وهو صفةٌ من صفات الله، وقال: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ (ثم أورد حديثَ سهلٍ السابق).
قال الشيخ عبد الله الغنيمان: يريد بهذا أنه يطلق على الله تعالى أنه شيء، وكذلك صفاته، وليس معنى ذلك أن الشيء من أسماء الله الحسنى، ولكن يخبر عنه تعالى بأنه شيء، وكذا يخبر عن صفاته بأنها شيء؛ لأن كل موجود يصح أن يقال: إنه شيء اهـ (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويفرق بين دعائه والإخبار عنه؛ فلا يدعى إلاَّ بالأسماء الحسنى، وأما الإخبار عنه؛ فلا يكون باسم سيء، لكن قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيئ، وإن لم يحكم بحسنه؛ مثل اسم شيء، وذات، وموجود (٣).
وقال ابن القيم: ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفيًَّا؛ كالقديم، والشيء، والموجود (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٨٨
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤١٧).
(٢) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (١/ ٣٤٣).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٤٢). وانظر أيضًا: (٩/ ٣٠٠ - ٣٠١).
(٤) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٢).
[ ٢ / ١٤٦ ]
- الصبرُ
يوصف الله ﷿ بصفة الصبر؛ كما هو ثابت في السنة الصحيحة، أما (الصبور)؛ ففي إثبات أنه اسم لله تعالى نظر؛ لعدم ثبوته.
الدليل:
حديث أبي موسى ﵁: «ما أحدٌ أصبر على أذى سمعه من الله؛ يدَّعون له الولد، ثم يعافيهم ويرزقهم» (١).
قال الخطابي: معنى الصبور في صفة الله سبحانه قريب من معنى الحليم؛ إلا أن الفرق بين الأمرين أنهم لا يأمنون العقوبة في صفة الصبور كما يسلمون منها في صفة الحليم، والله أعلم بالصواب (٢).
قال قَوَّام السنة الأصبهاني: قال بعض أهل النظر: لا يوصف الله بالصبر، ولا يقال: صبور، وقال: الصبر تحمل الشيء، ولا وجه لإنكار هذا الاسم؛ لأن الحديث قد ورد به؛ ولولا التوقيف؛ لم نقله اهـ (٣).
قلت: وصف الله ﷿ بالصبر ثابت؛ كما مرَّ في حديث أبي موسى ﵁، أما اسم الصبور؛ فلعله يعني بالحديث حديث سرد الأسماء عند الترمذي، وهو ضعيف، ولا أعرفُ آيةً أو حديثًا صحيحًا يثبت هذا الاسم له ﷾
وقال الحافظ ابن القيم: وصبره تعالى يفارق صبر المخلوق ولا يماثله من وجوه متعددة، والفرق بين الصبرِ والحلمِ: أنَّ الصبر ثمرة الحلم وموجبه، فعلى قدر حلم العبد يكون صبره، فالحلم في صفات الرب تعالى أوسع من الصبر وكونه حليمًا من لوازم ذاته سبحانه، وأمَّا صبرُه سبحانه فمتعلقٌ بكفرِ العباد وشركهم ومسبتهم له سبحانه وأنواع معاصيهم وفجورهم اهـ (٤).
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان في (شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري) تعليقًا على كلام المازري الذي نقله النووي في شرح حديث أبي موسى ﵁؛ حيث قال المازري: حقيقة الصبر: منع النفس من الانتقام أو غيره؛ فالصبر نتيجة الامتناع، فأطلق اسم الصبر على الامتناع في حق الله تعالى؛ قال الغنيمان: قلت: قوله: فأطلق اسم الصبر على الامتناع في حق الله تعالى؛ فيه نظر، وذلك أن رسول الله ﷺ أطلق على ربه الصبر، وأنه ما أحد أصبر منه، وهو ﷺ أعلم الخلق بالله تعالى، وأخشاهم له، وأقدرهم على البيان عن الحق، وأنصحهم للخلق؛ فلا استدراك عليه، فيجب أن يبقى ما أطلقه ﷺ على الله تعالى بدون تأويل؛ إلا إذا كان يريد بذلك تفسير معنى الصبر، ولكن الأولى أن يبقى كما قال؛ لأنه واضح، ليس بحاجة إلى تفسير (٥). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٨٩
_________________
(١) رواه البخاري (٧٣٧٨)، ومسلم (٢٨٠٤).
(٢) «شأن الدعاء» (٩٨).
(٣) «الحجة» (٢/ ٤٥٦).
(٤) «عدة الصابرين» (٤٠٨).
(٥) (١/ ٩٣).
[ ٢ / ١٤٧ ]
- الصدق
صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [آل عمران:٩٥].
قوله تعالى: قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ [الأحزاب: ٢٢].
الدليل من السنة:
حديث: «صَدَقَ الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» (١).
حديث أبي سعيد الخدري ﵁: «صَدَقَ الله وكذب بطن أخيك» (٢).
قال أبو القاسم الزجاجي: الصادق في خبره: الذي لا تكذيب له؛ فالله ﷿ الصادق في جميع ما أخبر به عباده قال الفراء: الصدق: قوة الخبر، والكذب: ضعف الخبر (ثم قال أبو القاسم:) والصادق أيضًا: الصادق في وعده، الوافي به، يقال: وفي بعهده ووعده وأوفي به فالله ﷿ الصادق في جميع ما وعد به عباده، وهذه الصفة من صفاته مستنبطة من سورة مريم، من قوله: إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًَّا؛ أي: آتيًا، مفعول بمعنى فاعل، وإذا كان وعده آتيًا؛ فهو الصادق فيه، وكل شيء وعد الله ﷿ عباده به؛ فهو كائن كما وعد به ﷿ لا محالة اهـ (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٩١
_________________
(١) رواه البخاري (١٧٩٧)، ومسلم (١٣٤٤). من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) رواه البخاري (٥٦٨٤)، ومسلم (٢٢١٧).
(٣) «اشتقاق أسماء الله» (ص١٦٨).
[ ٢ / ١٤٨ ]
- الصفة
يجوز إطلاق هذه اللفظة وإضافتها إلى الله تعالى، فتقول: صفة الله، وصفة الرحمن، ومن صفاته وأوصافه كذا ونحو ذلك، وهذا ثابت بمفهوم القرآن ومنطوق السنة.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون [الصافات:١٨٠].
وسيأتي توجيه ابن حجر للآية.
الدليل من السنة:
حديث عائشة ﵂؛ «أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته، فيختم بـ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، فلما رجعوا؛ ذكروا ذلك للنبي ﷺ، فقال: سلوه: لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها فقال النبي ﷺ: أخبروه أن الله يحبه» (١).
وقد بوَّب البخاري ﵀ في كتاب التوحيد من (صحيحه): باب: قول الله تعالى: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، ومن حلف بعزة الله وصفاته.
وقال: باب: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ؛ فسمى الله تعالى نفسه شيئًا، وسمى النبيُّ ﷺ القرآن شيئًا، وهو صفةٌ من صفاته اهـ.
ومن طالع كتب السلف ﵏؛ كـ (كتاب التوحيد) لابن خزيمة، و(كتاب التوحيد) لابن منده، و(رد الدارمي على المريسي)، وغيرهم؛ وجد أنهم يستخدمون ذلك كثيرًا.
وأنكر ابن حزم إطلاق الصفة، ورد عليه الحافظ فقال: وفي حديث الباب حجة لمن أثبت أن لله صفةً، وهو قول الجمهور، وشذَّ ابن حزم، فقال: هذه لفظة اصطلح عليها أهل الكلام من المعتزلة ومن تبعهم، ولم تثبت عن النبي ﷺ ولا عن أحدٍ من أصحابه، فإن اعترضوا بحديث الباب؛ فهو من أفراد سعيد بن أبي هلال، وفيه ضعف قال: وعلى تقدير صحته؛ فـ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ صفة الرحمن كما جاء في هذا الحديث، ولا يزاد عليه؛ بخلاف الصفة التي يطلقونها؛ فإنها في لغة العرب لا تطلق إلا على جوهرٍ أو عَرَضٍ كذا قال! وسعيد متفق على الاحتجاج به؛ فلا يلتفت إليه في تضعيفه، وكلامه الأخير مردود باتفاق الجميع على إثبات الأسماء الحسنى، قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الأسماء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:١٨٠] وقال بعد أن ذكر منها عدة أسماء في آخر سورة الحشر: لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الحشر:٢٤]، والأسماء المذكورة فيها بلغة العرب صفات، ففي إثبات أسمائه إثبات صفاته؛ لأنه إذا ثبت أنه حي مثلًا؛ فقد وُصف بصفة زائدة على الذات، وهي صفة الحياة، ولولا ذلك؛ لوجب الاقتصار على ما ينبئ عن وجود الذات فقط، وقد قال ﷾: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون، فنَزَّه نفسه عما يصفونه به من صفة النقص، ومفهومه أن وصفه بصفة الكمال مشروع اهـ (٢).
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان في (شرحه لكتاب التوحيد من صحيح البخاري) (٣) بعد إيراده جملة من آيات وأحاديث الصفات، منها حديث عائشة؛ قال: وقال الله تعالى: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون [الصافات:١٨٠]، وهذا من إضافة الموصوف إلى صفته، فثبت بهذه النصوص وغيرها كثير أن لله صفات، وأن كل اسم تسمى الله به يدل على الصفة؛ لأن الأسماء مشتقة من الصفات وانظر: (النعت). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٩٢
_________________
(١) رواه البخاري (٧٣٧٥)، ومسلم (٨١٣).
(٢) «فتح الباري» (١٣/ ٣٥٦).
(٣) (١/ ٦٣).
[ ٢ / ١٤٩ ]
- الصمد
صفةٌ ذاتيةٌ لله ﷿، وهو اسمٌ له ثابتٌ بالكتاب والسنة.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى في سورة الإخلاص: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ، ولم يَرِد هذا الاسم إلا في هذه السورة.
الدليل من السنة:
حديث أبي هريرة ﵁ القدسي: «كذبني ابن آدم وأما شتمه إياي؛ فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد» (١).
معنى الصمد:
اختلفوا في معنى الصمد على أقوال كثيرة؛ منها - كما في (تفسير ابن جرير) -:
١ - المصمت الذي لا جوف له.
٢ - الذي لا يأكل ولا يشرب.
٣ - الذي لا يخرج منه شيء، لم يلد ولم يولد.
٤ - السيِّد الذي انتهى سؤدده.
٥ - الباقي الذي لا يفنى. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٩٥
_________________
(١) رواه البخاري (٤٩٧٤).
[ ٢ / ١٥٠ ]
- الصنع
يوصف الله ﷿ بأنه صانعُ كلِّ شيء، وهذا ثابت بالكتاب والسنة، وليس (الصانع) من أسمائه تعالى.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: ٨٨].
الدليل من السنة:
حديث حذيفة ﵁ مرفوعًا: «إن الله يصنع صنع كل صانع وصنعته» (١).
قال قَوَّام السنة الأصبهاني: ومن أسماء الله تعالى: الصانع، قال الله ﷿: صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ، وروي عن حذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ صنع كل صانع وصنعته»؛ قيل: الصنع: الاختراع والتركيب اهـ (٢).
وقال البيهقي في (الأسماء والصفات): ومنها (أي: أسماء الله ﷿): الصانع، ومعناه: المركب والمهيئ قال الله ﷿: صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ، وقد يكون الصانع الفاعل، فيدخل فيه الاختراع والتركيب معًا اهـ.
وممَّن عدَّ (الصانع) من أسماء الله تعالى أيضًا ابن منده في (التوحيد) (٣)، وفي هذا نظرٌ كبير.
قال أبو موسى المديني: قوله: صُنْعَ اللهِ أي: قوله وفعله والصُّنْع والصَّنع والصَّنْعَةُ واحد (٤).
وقال ابن الجوزي في (زاد المسير) في تفسير آية النمل: قوله تعالى: صُنْعَ اللهِ: قال الزجاج: هو منصوب على المصدر؛ لأن قوله: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً [النمل:٨٨]؛ دليل على الصنعة، فكأنه قال: صنع الله ذلك صنعًا، ويجوز الرفع على معنى: ذلك صنعُ الله اهـ.
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٢١].
(وقال آخرون: من تأمل هذه السموات في ارتفاعها واتساعها وما فيها من الكواكب وما ذرأ في الأرض من الحيوانات المتنوعة والنبات المختلف الطعوم والأراييج والأشكال والألوان مع اتحاد طبيعة التربة والماء؛ استدل على وجود الصانع وقدرته العظيمة وحكمته ورحمته بخلقه ولطفه بهم وإحسانه إليهم وبره بهم لا إله غيره ولا رب سواه عليه توكلت وإليه أنيب؛ والآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جدًا).
وسئل الشيخ عبد الله بن جبرين كما في (الكنز الثمين) (٥) عن جواز إطلاق كلمة الصانع على الله ﷿ فقال: هذه تجوز على وجه الصفة، فنعتقد أن الله الصانع، بمعنى أنه المبدع للكون، وهو الذي صنع الكون بذاته وأبدعه، فلذلك يُكْثَرُ من إطلاقها في الكتب؛ كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسير الآية الكريمة: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١] وأطلق ذلك شيخ الإسلام في عدة مواضع في الجزء الثاني من مجموع الفتاوى، ونحو ذلك فإطلاق الصانع معناه: بأنه وصفٌ لله أنه مبدع للكون. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٩٦
_________________
(١) رواه البخاري في «خلق أفعال العباد» (١١٧)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٣٥٧و٣٥٨)، وابن منده في «التوحيد» (١١٥)، والحاكم في (المستدرك)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (١/ ٧٥).وعند بعضهم بلفظ (خلق)؛ بدل (صنع). قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي، وقال ابن عساكر في «معجم الشيوخ» (١/ ١١٤)، وابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ٤٩٨) والألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٦٣٧): صحيح.
(٢) «الحجة» (١/ ١٥٩).
(٣) (١/ ١٤٣).
(٤) «المجموع المغيث» (٢/ ٢٩٥).
(٥) (١٧٣).
[ ٢ / ١٥١ ]
- الصورة
صفةٌ ذاتيةٌ خبريةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالأحاديث الصحيحة.
الدليل:
حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الطويل في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وفيه: «فيأتيهم الجبار في صورته التي رأوه فيها أوَّلَ مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا» (١).
حديث: «رأيت ربي في أحسن صورة» (٢).
قال أبو محمد ابن قتيبة في (تأويل مختلف الحديث/ ٢٦١): والذي عندي – والله تعالى أعلم – أن الصُّورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حدٍّ (٣).
وقال أبو يعلى الفراء في (إبطال التأويلات) في التعليق على حديث: «رأيت ربي في أحسن صورة»؛ قال: اعلم أن الكلام في هذا الخبر يتعلق به فصول: أحدها جواز إطلاق الصُّورة عليه (٤).
وقال شيخ الإسلام في (نقض تأسيس الرازي): والوجه الخامس: أن الأحاديث مع آيات القرآن أخبرت بأنه يأتي عباده يوم القيامة على الوجه الذي وصف، وعند هؤلاء هو كل آتٍ، وما في الدنيا والآخرة، وأما أهل الإلحاد والحلول الخاص، كالذين يقولون بالاتحاد أو الحلول في المسيح أو علي أو بعض المشايخ أو بعض الملوك أو غير ذلك مما قد بسطنا القول عليهم في غير هذا الموضع؛ فقد يتأولون أيضًا هذا الحديث كما تأوله أهل الاتحاد والحلول المطلق؛ لكونه قال: فيأتيهم الله في صورة، لكن يقال لهم: لفظ (الصُّورة) في الحديث (يعني ﵀: حديث أبي سعيد) كسائر ما ورد من الأسماء والصفات التي قد يسمى المخلوق بها على وجه التقييد، وإذا أطلقت على الله مختصة به؛ مثل العليم والقدير والرحيم والسميع والبصير، ومثل خلقه بيديه واستوائه على العرش ونحو ذلك اهـ (٥)
وبهذا يتضح أن الصُّورةَ صفةٌ من صفات الله ﷿ الذاتية كسائر الصفات الثابتة بالأحاديث الصحيحة.
أما حديث: «خلق الله آدم على صورته»؛ فلم أورده في الأدلة؛ للاختلاف القائم بين أهل العلم: هل الضمير في (صورته) عائد على آدم أم على الله، وإن كان كثيرٌ من السلف ومن تبعهم من الخلف يجعلونه عائدًا على الله ﷿.
راجع لذلك: كتاب (نقض أساس التقديس) لابن تيمية، وكتاب الشيخ حمود التويجري ﵀ (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن)، وكتاب (شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري) للشيخ عبد الله الغنيمان (٦). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص١٩٨
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣).
(٢) رواه الترمذي (٣٢٣٥)، وأحمد (٥/ ٢٤٣) (٢٢١٦٢). من حديث معاذ بن جبل ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح؛ سألت محمد بن إسماعيل - البخاري - عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال ابن العربي في «أحكام القرآن» (٤/ ٧٣)، والألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح. والحديث روي عن ابن عباس وابن عمر وجابر بن سمرة وثوبان ﵃ جميعًا.
(٣) «تأويل مختلف الحديث» (٢٦١).
(٤) (١/ ١٢٦).
(٥) (ورقة ٤٥٥).
(٦) (٢/ ٣٢ - ٦٨).
[ ٢ / ١٥٢ ]
- الضحك
صفةٌ من صفات الله ﷿ الفعليَّة الخبريَّة الثابتة بالأحاديث الصحيحة.
الدليل:
حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة» (١).
حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عند البخاري ومسلم، وقد تقدم في صفة السخرية (٢).
اعلم أنَّ أهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفة وغيرها من صفات الله ﷿ الثابتة له بالكتاب أو السنة الصحيحة؛ من غير تمثيل ولا تكييف، ويسلمون بذلك، ويقولون: كلٌ من عند ربنا.
قال الإمام ابن خزيمة في كتاب (التوحيد) (٣): باب: ذكر إثبات ضحك ربنا ﷿: بلا صفةٍ تصفُ ضحكه جلَّ ثناؤه، لا ولا يشبَّه ضَحِكُه بضحك المخلوقين، وضحكهم كذلك، بل نؤمن بأنه يضحك؛ كما أعلم النبي ﷺ، ونسكت عن صفة ضحكه جلَّ وعلا، إذ الله ﷿ استأثر بصفة ضحكه، لم يطلعنا على ذلك؛ فنحن قائلون بما قال النبي ﷺ، مصَدِّقون بذلك، بقلوبنا منصتون عمَّا لم يبين لنا مما استأثر الله بعلمه.
ومعنى قوله: بلا صفةٍ تصفُ ضحكه، أي بلا تكييف لضحكه.
وقال أبو بكر الآجري في (الشريعة): باب الإيمان بأن الله ﷿ يضحك: اعلموا - وفقنا الله وإياكم للرشاد من القول والعمل - أنَّ أهل الحق يصفون الله ﷿ بما وصف به نفسه ﷿، وبما وصفه به رسوله ﷺ، وبما وصفه به الصحابة ﵃ وهذا مذهب العلماء مِمَّن اتّبع ولم يبتدع، ولا يقال فيه: كيف؟ بل التسليم له، والإيمان به؛ أنَّ الله ﷿ يضحك، كذا روي عن النبي ﷺ وعن صحابته ﵃؛ فلا ينكر هذا إلا من لا يحمد حاله عند أهل الحق اهـ (٤).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام لما قيل له: هذه الأحاديث التي تروى؛ في: الرؤية، والكرسي موضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وإن جهنم لتمتلئ وأشباه هذه الأحاديث؟ قال ﵀: هذه الأحاديث حقٌ لا شك فيها رواها الثقات بعضهم عن بعض (٥). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٠٠
_________________
(١) رواه البخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠).
(٢) رواه البخاري (٦٥٧١)، ومسلم (١٨٦). وفيه أنه قال يخاطب الله ﷿: «أتسخر بي؟ أو تضحك بي وأنت الملك٠٠٠».
(٣) (٢/ ٥٦٣).
(٤) «الشريعة» (ص٢٧٧).
(٥) انظر: «التمهيد» (٧/ ١٤٩ - ١٥٠). راجع عن صفة الضحك: كتاب «الحجة في بيان المحجة» لقوَّام السُّنَّة الأصبهاني (١/ ٤٢٩، ٢/ ٤٥٦)، «المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة» (١/ ٣١٥)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٦/ ١٢١)، «شرح الغنيمان لكتاب التوحيد من صحيح البخاري» (٢/ ١٠٤). وانظر: كلام البغوي في صفة (الأصابع)، وكلام ابن كثير في صفة (السمع).
[ ٢ / ١٥٣ ]
- الطبيب
يوصف الله ﷿ بأنه (الطَّبيب)، وهذا ثابت بالحديث الصحيح.
الدليل:
حديث أبي رمثة ﵁؛ أنه قال للنبي ﷺ: أرني هذا الذي بظهرك؛ فإني رجل طبيب قال: «الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق، طبيبها الذي خلقها» (١).
حديث عائشة ﵂: قالت: «ثم مرض رسول الله ﷺ فوضعت يدي على صدره فقلت: أذهب البأس، رب الناس، أنت الطبيب، وأنت الشافي، وكان رسول الله ﷺ يقول: ألحقني بالرفيق الأعلى وألحقني بالرفيق الأعلى» (٢).
قال ابن فارس: الطِّبُّ: هو العلم بالشيء، يقال: رجل طَب وطبيبٌ؛ أي: عالمٌ حاذق (٣).
وقال الأزهري في (تهذيب اللغة) (٤) بعد أن أورد حديث أبي رمثة ﵁: «طبيبها الذي خلقها»: معناه: العالم بها خالقها الذي خلقها لا أنت.
وقال شمس الدين الحق أبادي: الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق؛ أي: أنت ترفق بالمريض، وتتلطفه، والله هو يبرئه ويعافيه اهـ (٥). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٠٢
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٢٠٧)، وأحمد (٤/ ١٦٣) (١٧٥٢٧). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال ابن العربي في «القبس شرح الموطأ» (٣/ ١١٢٧): صحيح. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٢/ ٦٧): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
(٢) رواه أحمد (٦/ ١٠٨) (٢٤٨١٨)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٤/ ٣٦٤)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (١/ ٢١٧). قال شعيب الأرناؤوط في «مسند أحمد»: إسناده صحيح على شرط البخاري.
(٣) «معجم مقاييس اللغة» (٣/ ٤٠٧).
(٤) (١٣/ ٣٠٤).
(٥) «عون المعبود» (١١/ ٢٦٢).
[ ٢ / ١٥٤ ]
- الطيب
يوصف الله ﷿ بأنه طَّيِّب، وهو اسم له، ثابت بالسنة الصحيحة.
الدليل:
حديث أبي هريرة ﵁: «أيها الناس! إنَّ الله طَيَّبٌ لا يقبل إلا طَيَّبًا» (١).
قال النووي في (شرح صحيح مسلم): قال القاضي: الطيب في صفة الله تعالى بمعنى المنَزَّه عن النقائص، وهو بمعنى القدوس، وأصل الطيب الزكاة والطهارة والسلامة من الخبث.
وقال ابن القيم في (الصواعق المرسلة) (٢): إنه سبحانه يحب صفاته؛ كما قال النبي ﷺ: «اللهم إنك عفوٌّ تحبُّ العفو» (٣)، وقال: «إن الله جميل يحب الجمال» (٤)، و«إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» (٥).
وقال المباركفوري: قال القاضي ﵀: الطيب ضد الخبيث، فإذا وصفه به تعالى أُريد به أنه مُنَزَّهٌ عن النقائص، مُقَدَّسٌ عن الآفات، وإذا وصف به العبد مطلقًا أُريد به أنه المتعري عن رذائل الأخلاق وقبائح الأعمال والمتحلي بأضداد ذلك، وإذا وصف به الأموال أُريد به كونه حلالا من خيار الأموال (٦). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٠٤
_________________
(١) «صحيح مسلم» (١٠١٥).
(٢) (٤/ ١٤٥٨).
(٣) رواه الترمذي (٣٥١٣)، وابن ماجه (٣٨٥٠)، وأحمد (٦/ ١٧١) (٢٥٤٢٣)، والحاكم (١/ ٧١٢). من حديث عائشة ﵂. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.
(٤) رواه مسلم (٩١). من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٥) «صحيح مسلم» (١٠١٥).
(٦) «تحفة الأحوذي» (٨/ ٣٣٤).
[ ٢ / ١٥٥ ]
- الظاهرية
صفةٌ ذاتيةٌ لله ﷿، من اسمه (الظاهر) الثابت بالكتاب والسنة.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد: ٣].
الدليل من السنة:
ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء» (١).
المعنى:
فسر النبي ﷺ الظاهر بقوله: «ليس فوقك شيء»، وليس بعد تفسيره تفسير، وقد نظرت في أغلب من فسَّرها فوجدتُهم كلَّهم يرجعون إلى تفسير النبي ﷺ؛ فيا سبحان من أعطاه جوامع الكلم!
قال البيهقي في (الاعتقاد) بعد تفسير الظاهر والباطن: هما من صفات الذات (٢) وانظر كلام ابن القيم في صفة (الأوليَّة) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٠٤
_________________
(١) «صحيح مسلم» (٢٧١٣).
(٢) «الاعتقاد» (٦٤).
[ ٢ / ١٥٦ ]
- الظل
اعلم رحمني الله وإياك أنَّ الظل جاء تارة مضافًا إلى الله تعالى، وتارة مضافًا إلى العرش.
فقد روى: البخاري، ومسلم؛ من حديث أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» (١) وروى مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: «أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» (٢).
وروى مسلم أيضًا من حديث أبي اليسر ﵁ مرفوعًا: «من أنظر معسرًا أو وضع عنه؛ أظله الله في ظله» (٣) وستأتي الإضافة مفسرة بـ (ظل العرش) في حديث أبي هريرة ﵁ عند الإمام أحمد والترمذي.
وروى الإمام أحمد، والحاكم، والطبراني، وابن حبان من حديث معاذ بن جبل ﵁: «المتحابون في الله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله» (٤) وروى الإمام أحمد، وابن أبي الدنيا؛ من حديث عبادة بن الصامت: «حقت محبتي للمتحابين فيَّ والمتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله» (٥) وقال الألباني في (صحيح الجامع): (صحيح) (٦) وروى الإمام أحمد، والدارمي، والبغوي؛ من حديث أبي قتادة ﵁: «من نَفَّسَ عن غريمه أو محا عنه؛ كان في ظل العرش يوم القيامة» (٧) وصححه الألباني في (صحيح الجامع) (٨) وروى الإمام أحمد في (المسند ٨٦٩٦ - شاكر)، والترمذي (صحيح سنن الترمذي ١٠٥٢) واللفظ له؛ من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «من أنظر معسرًا، أو وضع له؛ أظلَّه الله يوم القيامة تحت ظل عرشه، يوم لا ظلَّ إلا ظِلُّه» (٩) وأورده الشيخ مقبل الوادعي في (الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين) (١٠).
_________________
(١) رواه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١).
(٢) صحيح مسلم (٢٥٦٦).
(٣) صحيح مسلم (٣٠٠٦).
(٤) رواه أحمد في (٥/ ٣٢٨) (٢٢٨٣٤)، وابن حبان في (٢/ ٣٣٨)، والطبراني (٢٠/ ٧٩)، والحاكم في (٤/ ١٨٧). وقال: هذا إسناد صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الألباني في «صحيح الجامع»: صحيح.
(٥) رواه أحمد في (٥/ ٢٣٦) (٢٢١١٧)، وابن أبي الدنيا في «الأخوان» (ص٩).
(٦) «صحيح الجامع» (٤٣٢٠).
(٧) رواه أحمد (٥/ ٣٠٠) (٢٢٦١٢)، والدارمي (٢/ ٣٤٠)، والبغوي في «شرح السنة» (٤/ ٣٤٩) وقال: هذا حديث حسن. وصححه الألباني كما سيأتي.
(٨) «صحيح الجامع» (٦٥٧٦).
(٩) رواه الترمذي (١٣٠٦)، وأحمد (٢/ ٣٥٩). وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.
(١٠) «الصحيح المسند» (١٣٠٧) قال الوادعي بعد أن أورد حديث أحمد: هذا حديث صحيح رجاله رجال الصحيح. و(١٤٦١) قال الوادعي بعد أن أورد حديث الترمذي: هو صحيح على شرط مسلم.
[ ٢ / ١٥٧ ]
معنى (الظل) الوارد في الأحاديث: قال الحافظ أبو عبد الله بن منده: بيان آخر يدل على أن العرش ظل يستظل فيه من يشاء الله من عباده، ثم ذكر بسنده إلى أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظل عرشي يوم لا ظل إلا ظلي» (١)، ثم أورد حديث: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» (٢)، وكأنه ﵀ يشير إلى أنَّ الظل في حديث السبعة هو ظل العرش الوارد في حديث المتحابين في الله وقال ابن عبد البر في (التمهيد) بعد أو أورد حديث «سبعة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله»: والظل في هذا الحديث يراد به الرحمة، والله أعلم، ومن رحمة الله الجنة، قال الله ﷿: أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا [الرعد:٣٥]، وقال: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ [الواقعة:٣٠]، وقال: فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ [المرسلات:٤١] اهـ وقال البغوي في (شرح السنة ٢/ ٣٥٥) في شرح حديث السبعة: قيل: في قوله: «يظلهم الله في ظله»؛ معناه: إدخاله إياهم في رحمته ورعايته، وقيل: المراد منه ظل العرش اهـ (٣).
وقال الشيخ حافظ الحكمي في (معارج القبول) عند كلامه على عُلُو الله فوق عرشه ووصف العرش؛ قال: ومن ذلك النصوص الواردة في ذكر العرش وصفته، وإضافته غالبًا إلى خالقه ﵎ فوقه، ثم ذكر بعض الآيات والأحاديث، إلى أن قال: وفيه عن النبي ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله» اهـ (٤) فأنت ترى أنَّ سياق الكلام يدل على أنَّ الظل عنده من صفات العرش وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) عند شرح حديث السبعة: قوله: «في ظله»؛ قال عياض: إضافة الظل إلى الله إضافة ملك، وكل ظل؛ فهو ملكه كذا قال، وكان حقه أن يقول: إضافة تشريف؛ ليحصل امتياز هذا على غيره؛ كما قيل للكعبة: بيت الله، مع أنَّ المساجد كلها ملكه وقيل: المراد بظله: كرامته وحمايته؛ كما يقال: فلان في ظل الملك وهو قول عيسى بن دينار، وقوَّاه عياض وقيل: المراد ظل عرشه ويدل عليه حديث سلمان عند سعيد بن منصور بإسناد حسن: سبعة يظلهم الله في ظل عرشه (فذكر الحديث)، وإذا كان المراد ظل العرش؛ استلزم ما ذكر من كونهم في كنف الله وكرامته من غير عكس؛ فهو أرجح، وبه جزم القرطبي، ويؤيده أيضًا تقييد ذلك بيوم القيامة؛ كما صرح به ابن المبارك في روايته عن عبيد الله بن عمر، وهو عند المصنف في كتاب الحدود، وبهذا يندفع قول من قال: المراد ظل طوبى أو ظل الجنة؛ لأن ظلهما إنما يحصل لهم بعد الاستقرار في الجنة، ثم إنَّ ذلك مشترك لجميع من يدخلها، والسياق يدل على امتياز أصحاب الخصال المذكورة، فيرجح أنَّ المراد ظل العرش اهـ (٥). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٠٥
_________________
(١) «التوحيد» (٣/ ١٩٠).
(٢) رواه البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١).
(٣) «التمهيد» (٢/ ٢٨٢).
(٤) «معارج القبول» (١/ ١٧٠).
(٥) «فتح الباري» (٢/ ١٤٤).
[ ٢ / ١٥٨ ]
- العتاب أو العتب
صفةٌ فعليَّةٌ اختياريَّةٌ ثابتةٌ بالسنة الصحيحة كما يليق بربنا جلَّ وعلا.
الدليل:
حديث أبي بن كعب ﵁: «قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل، فَسُئِل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم فَعَتَبَ الله عليه إذ لم يردَّ العلم إليه» (١).
قول عمر بن الخطاب ﵁ وهو يقص ما جرى بين النبي ﷺ وزوجاته: «فاعتزل النبي ﷺ من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة، وكان قد قال: ما أنا بداخل عليهن شهرًا؛ من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله» (٢).
وفي (القاموس): يطلق العتاب على الموجِدَة والسخط والغضب واللوم.
قال أبو موسى المديني: وفي حديث أبيٍّ في ذكر موسى حين سئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا (فعتب الله عليه) العتبُ: أدنى الغضب اهـ (٣) وهذا منه ﵀ إثباتٌ لهذه الصفة بمعناها، وهو أدنى الغضب. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٠٩
_________________
(١) رواه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠).
(٢) رواه البخاري (٢٤٦٨)، ومسلم (١٤٧٩).
(٣) «المجموع المغيث» (٢/ ٤٠٠).
[ ٢ / ١٥٩ ]
- العجب
صفةٌ من صفاتِ الله ﷿ الفعليَّة الخبريَّة الثابتة له بالكتاب والسنة.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ [الصافات: ١٢].
قال ابن جرير في (التفسير): قوله: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ؛ اختلفت القرَّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرَّاء الكوفة: بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ؛ بضم التاء من عَجِبْتَ؛ بمعنى: بل عظم عندي وكبر اتخاذهم لي شريكًا وتكذيبهم تَنْزيلي وهم يسخرون، وقرأ ذلك عامة قرَّاء المدينة والبصرة وبعض قرَّاء الكوفة عَجِبْتَ؛ بفتح التاء؛ بمعنى: بل عجبت أنت يا محمد ويسخرون من هذا القرآن.
والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان في قرَّاء الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ؛ فمصيب.
فإن قال قائل: وكيف يكون مصيبًا القارئ بهما مع اختلاف معنييهما؟! قيل: إنهما وإن اختلف معنياهما؛ فكل واحد من معنييه صحيح، قد عجب محمد مما أعطاه الله من الفضل، وسخر منه أهل الشرك بالله، وقد عجِب ربنا من عظيم ما قاله المشركون في الله، وسَخِر المشركونَ مما قالوه اهـ.
وقال أبو زرعة عبدالرحمن بن زنجلة في كتابه (حجة القراءات): قرأ حمزة والكسائي: بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ؛ بضم التاء، وقرأ الباقون بفتح التاء، ثم قال: قال أبو عبيد: قوله: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ؛ بالنصب: بل عجِبت يا محمد من جهلهم وتكذيبهم وهم يسخرون منك، ومن قرأ: عَجِبْتُ؛ فهو إخبار عن الله ﷿ اهـ (١).
وقد صحت القراءة بالضم عن ابن مسعود ﵁ كما سيأتي.
وقوله تعالى: وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَءذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [الرعد: ٥].
نقل ابن جرير في (تفسير) هذه الآية بإسناده إلى قتادة قوله: قوله: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ: إن عجِبت يا محمد؛ فعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَءذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ: عجِب الرحمن ﵎ من تكذيبهم بالبعث بعد الموت.
قال ابن زنجلة في (حجة القراءات) بعد ذكر قراءة بَلْ عَجِبْتُ بالضم: قال أبو عبيد: والشاهد لها مع هذه الأخبار قوله تعالى: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ، فأخبر ﷻ أنه عجيب (٢).
الدليل من السنة:
حديث أبي هريرة ﵁: «لقد عَجِبَ الله ﷿ (أو: ضحك) من فلان وفلانة» (٣).
حديث أبي هريرة ﵁: «عَجِبَ الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل» (٤).
روى الحاكم في (المستدرك)، ومن طريقه البيهقي في (الأسماء والصفات)؛ بسند صحيح عن الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة؛ قال: قرأ عبد الله (يعني: ابن مسعود) ﵁: بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ؛ قال شريح: إنَّ الله لا يعجب من شيء، إنما يعجب من لا يعلم قال الأعمش: فذكرت لإبراهيم، فقال: إنَّ شريحًا كان يعجبه رأيه، إنَّ عبدالله كان أعلم من شريح، وكان عبد الله يقرأها: بَلْ عَجِبْتُ (٥) قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
قال أبو يعلى الفراء في (إبطال التأويلات) بعد أن ذكر ثلاثة أحاديث في إثبات صفة العَجَب: اعلم أنَّ الكلام في هذا الحديث (يعني: الثالث) كالكلام في الذي قبله، وأنه لا يمتنع إطلاق ذلك عليه وحمله على ظاهره؛ إذ ليس في ذلك ما يحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه؛ لأنا لا نثبت عَجَبًَا هو تعظيم لأمر دَهَمَه استعظمه لم يكن عالمًا به؛ لأنه مما لا يليق بصفاته، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا غيرها من صفاته (٦).
وقال قوَّام السُّنَّة الأصبهاني: وقال قوم: لا يوصف الله بأنه يَعْجَبُ؛ لأن العَجَب ممَّن يعلم ما لم يكن يعلم، واحتج مثبت هذه الصفة بالحديث، وبقراءة أهل الكوفة: بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ؛ على أنه إخبار من الله ﷿ عن نفسه (٧).
وقال ابن أبي عاصم في (السنة): باب: في تَعَجُّبِ ربنا من بعض ما يصنع عباده مما يتقرب به إليه، ثم سرد جملة من الأحاديث التي تثبت هذه الصفة لله ﷿ (٨).
وانظر إن شئت: (مجموع الفتاوى) لشيخ الإسلام ابن تيمية (٩). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢١٠
_________________
(١) «حجة القراءات» (ص: ٦٠٦).
(٢) «حجة القراءت» (ص: ٦٠٧).
(٣) رواه البخاري (٤٨٨٩)، ومسلم (٢٠٥٤) بلفظ: «قد عَجِب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة».
(٤) رواه البخاري (٣٠١٠).
(٥) رواه الحاكم (٢/ ٤٦٦)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٤١٥).
(٦) «إبطال التأويلات» (ص٢٤٥).
(٧) «الحجة» (٢/ ٤٥٧).
(٨) «السنة» (١/ ٢٤٩).
(٩) «مجموع الفتاوى» (٤/ ١٨١، ٦/ ١٢٣و١٢٤).
[ ٢ / ١٦٠ ]
- العدل
صفةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالأحاديث الصحيحة.
الدليل:
ما رواه البخاري، ومسلم؛ من حديث ابن مسعود ﵁، وقوله ﷺ للذي قال: والله؛ إنَّ هذه قسمة ما عدل فيها قال النبي ﷺ: «فمَن يعدل إذا لم يَعْدِل الله ورسوله» (١).
قال ابن القيم (٢):
والعَدْلُ مِنْ أوْصَافِهِ فِي فِعْلِهِ وَمَقَالِهِ وَالحُكْمِ فِي المِيزانِ
قال الهرَّاس: وهو سبحانه موصوف بالعدل في فعله، فأفعاله كلها جارية على سنن العدل والاستقامة، ليس فيها شائبة جور أصلًا؛ فهي دائرة كلها بين الفضل والرحمة، وبين العدل والحكمة اهـ.
وقد عدَّ بعضهم (العدل) من أسماء الله تعالى، وليس معهم في ذلك دليل، والصواب أنه ليس اسمًا له، بل هو صفة. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢١٣
_________________
(١) رواه البخاري (٣١٥٠)، ومسلم (١٠٦٢).
(٢) «القصيدة النونية» (٢/ ٩٨).
[ ٢ / ١٦١ ]
- العز والعزة
صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله تعالى بالكتاب والسنة، و(العزيز) و(الأعز) من أسماء الله ﷿
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة: ١٢٩].
وقوله: وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ [آل عمران: ٢٦].
وقوله: فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء: ١٣٩]، إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [يونس: ٦٥]، فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا [فاطر: ١٠]، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨]
الدليل من السنة:
حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ: «العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته» (١).
حديث ابن عباس ﵁: «اللهم أعوذ بعِزَّتك» (٢).
حديث أنس ﵁: «لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العِزَّة فيها قدمه، فتقول: قط قط وعِزَّتك، ويزوي بعضها إلى بعض» (٣).
أثر عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر ﵄؛ أنهما كانا يقولان في السعي بين الصفا والمروة: (رب اغفر وارحم، وتجاوز عمَّا تعلم؛ إنك أنت الأعزُّ الأكرم) (٤).
قلت: فثبت بذلك أنَّ (الأعز) من أسماء الله الثابتة بالسنة؛ فهذا مما لا يقال بالرأي، و(الأكرم) ثابت بالكتاب والسنة انظر صفة (الكرم).
المعنى:
بوب البخاري الباب الثاني عشر من كتاب الأيمان والنذور بقوله: باب الحلف بعِزَّة الله وصفاته وكلماته، وفي كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، ومن حلف بعِزَّة الله وصفاته.
فأنت ترى أنه يثبت صفة العِزَّة لله ﷿، ولذلك قال الحافظ: والذي يظهر أنَّ مراد البخاري بالترجمة إثبات العِزَّة لله، رادًّا على من قال: إنه عزيز بلا عِزَّة؛ كما قالوا: العليم بلا علم (٥).
قال الشيخ الغنيمان حفظه الله تعقيبًا: قلت: لا يقصد إثبات العِزَّة بخصوصها، بل مع سائر الصفات؛ كما هو ظاهر (٦).
وقال الغنيمان أيضًا: والعِزَّة من صفات ذاته تعالى التي لا تنفك عنه، فغلب بعِزَّته، وقهر بها كل شيء، وكل عِزَّة حصلت لخلقه؛ فهي منه اهـ (٧).
ومعنى (العِزَّة)؛ أي: المنعة والغلبة، ومنه قوله تعالى: وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ؛ أي: غَلَبني وقهرني، ومن أمثال العرب: (من عزَّ بزَّ)؛ أي: من غلب استلب (٨). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢١٤
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٢٠).
(٢) رواه البخاري (٧٣٨٣)، ومسلم (٢٧١٧).
(٣) رواه البخاري (٦٦٦١)، ومسلم (٢٨٤٨).
(٤) رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٢٠)، والطبراني في «الدعاء» (٨٧٠)، والبيهقي (٥/ ٩٥). موقوفًا على ابن مسعود ﵁. وقال العراقي في «المغني» (١/ ٤٢٤): إسناده صحيح. وقال ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٤/ ٤٠١ - ٤٠٢): موقوف صحيح الإسناد. ورواه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٢٠) موقوفًا على ابن عمر ﵄. وقال الألباني - ﵀ - في «مناسك الحج والعمرة» (ص٢٨): رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود وابن عمر ﵄ بإسنادين صحيحين. والحديث رواه الطبراني في «الأوسط» (٣/ ١٤٧) مرفوعًا بسند ضعيف من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. انظر: «مجمع الزوائد» (٣/ ٢٤٨)، و«تلخيص الحبير» (٢/ ٢٥١).
(٥) «فتح الباري» (١٣/ ٣٧٠).
(٦) «شرح كتاب التوحيد» (١/ ١٥٠).
(٧) «شرح كتاب التوحيد» (١/ ١٤٩).
(٨) انظر: «معاني القرآن الكريم» للنحاس (٢/ ٢١٩).
[ ٢ / ١٦٢ ]
- العزم
صفةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالسنة الصحيحة
الدليل:
حديث أم سلمة ﵁ في (صحيح مسلم)؛ قالت: «فلما توفي أبو سلمة؛ قلت: من خير من أبي سلمة صاحب رسول الله ﷺ؟! ثم عَزَمَ الله لي، فقلتها قالت: فتزوجت رسول الله ﷺ» (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهل يجوز وصفه بالعَزْم؟ فيه قولان: أحدهما: المنع؛ كقول القاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى، والثاني: الجواز، وهو أصح؛ فقد قرأ جماعة من السلف: فَإِذَا عَزَمْتُ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران:١٥٩]؛ بالضم، وفي الحديث الصحيح من حديث أم سلمة: (ثم عَزَمَ الله لي)، وكذلك في خطبة مسلم: (فعَزَمَ لي) اهـ (٢).
يعني ابن تيمية بخطبة الإمام مسلم قوله في المقدمة: وللذي سألتَ أكرمك الله حين رجعتُ إلى تدبره وما تؤول به الحال إن شاء الله عاقبةٌ محمودةٌ، ومنفعةٌ موجودةٌ، وظننتُ حين سألتني تجشُّم ذلك أن لو عُزِم لي، عليه وقُضِي لي تمامُه، كان أوَّلُ من يصيبه نفعُ ذلك إياي خاصةً قبل غيري من الناس لأسباب كثيرة يطول بذكرها الوصف اهـ فقوله: (لو عُزِم لي) أي لو عَزَمَ الله لي.
قلت: والعَزْمُ في حق المخلوقين عقد القلب على إمضاء الأمر، ولا نقول في حق الله: كيف؟ بل نثبته على وجه يليق بجلاله وعظمته، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ومعناه في اللغة: الجد وإرادة الفعل. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢١٦
_________________
(١) رواه مسلم (٩١٨) (٥).
(٢) «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٣٠٣).
[ ٢ / ١٦٣ ]
- العطاء والمنع
صفتان فعليتان لله ﷿ ثابتتان بالكتاب والسنة، و(المعطي) من أسماء الله ﷿.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [الكوثر: ١].
وقوله: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه: ٥٠].
الدليل من السنة:
حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄: «من يرد الله به خيرًا؛ يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم، ويعطي الله» (١).
وفي رواية عند البخاري: «والله المعطي وأنا القاسم» (٢).
الحديث المشهور: «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت» (٣).
قال ابن منظور في (لسان العرب): المانع: من صفات الله تعالى له معنيان:
أحدهما: ما روي عن النبي ﷺ؛ أنه قال: «اللهم لا مانع لما أعطيت ولا مُعْطي لما منعت» (٤)، فكان ﷿ يُعطي من استحق العطاء، ويمنع من لم يستحق إلا المنع، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، وهو العادل في جميع ذلك.
والمعنى الثاني: أنه ﵎ يمنع أهل دينه؛ أي: يَحُوطُهم وينصرهم وقيل: يمنع من يريد من خلقه ما يريد، ويعطيه ما يريد ومن هذا يقال: فلان في مَنَعَةٍ؛ أي: في قوم يمنعونه ويحمونه، وهذا المعنى في صفة الله ﷻ بالغ؛ إذ لا منعة لمن لم يمنعه الله، ولا يمتنع من لم يكن الله له مانعًا. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢١٧
_________________
(١) رواه البخاري (٧٣١٢)، ومسلم (١٠٣٧) (١٠٠).
(٢) رواه البخاري (٣١١٦).
(٣) رواه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
(٤) رواه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
[ ٢ / ١٦٤ ]
- العظمة
صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، والعظيم اسم من أسمائه.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: ٢٥٥].
وقوله: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة: ٩٦، الحاقة: ٥٢].
وقوله: إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [الحاقة: ٣٣].
الدليل من السنة:
حديث أنس ﵁ في الشفاعة، وفيه: «فيقال لي: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع لك، واشفع تشفع فأقول: يا رب! فيمن قال: لا إله إلا الله والله أكبر فيقول: وعزتي وجلالي وعظمتي؛ لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله» (١).
حديث ابن عباس ﵁ في دعاء الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم» (٢).
قال قوَّام السُّنَّة الأصبهاني: ومن أسمائه تعالى العظيم: العَظَمَة صفة من صفات الله، لا يقوم لها خلق، والله تعالى خلق بين الخلق عظمة يعظم بها بعضهم بعضًا، فمن الناس من يعظم لمال، ومنهم من يعظم لفضل، ومنهم من يعظم لعلم، ومنهم من يعظم لسلطان، ومنهم من يعظم لجاه، وكل واحد من الخلق إنما يعظم لمعنى دون معنى، والله ﷿ يعظم في الأحوال كلها (٣).
وقال الأزهري: ومن صفات الله ﷿: العلي العظيم وعظمة الله لا تُكيَّف ولا تُحدُّ ولا تُمثَّل بشيء، ويجب على العباد أن يعلموا أنه عظيم كما وصف نفسه، وفوق ذلك؛ بلا كيفية ولا تحديد اهـ (٤).
وانظر كلام ابن كثير في صفة (السمع) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢١٩
_________________
(١) رواه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣).
(٢) رواه البخاري (٧٤٣١)، ومسلم (٢٧٣٠).
(٣) «الحجة في بيان المحجة» (١/ ١٣٠).
(٤) «تهذيب اللغة» (٢/ ٣٠٣).
[ ٢ / ١٦٥ ]
- العفو والمعافاة
صفةٌ فعليَّةٌ لله ﷿ ثابتةٌ له بالكتاب والسنة، ومعناها الصفح عن الذنوب، و(العَفُوُّ) اسم لله تعالى.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: إِنَّ الله كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء: ٤٣].
وقوله: عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهمْ [التوبة: ٤٣].
الدليل من السنة:
حديث الدعاء على الجنازة: «اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه واعف عنه» (١).
حديث عائشة ﵂: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك» (٢) ولا يستعاذ إلا بالله أو بصفة من صفاته.
قال الأزهري: قال أبو بكر بن الأنباري: الأصل في قوله جلَّ وعزَّ: عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهمْ: محا الله عنك؛ مأخوذ من قولهم: عفت الرياح الآثار: إذا درستها ومحتها (٣).
وقال ابن القيم (٤):
وَهُوَ العَفُوُّ فَعَفْوُهُ وَسِعَ الوَرَى لَوْلاَهُ غَارَ الأرْضُ بِالسُّكَّانِ
وقال السعدي: العفو، الغفور، الغفار: الذي لم يزل ولا يزال بالعفو معروفًا، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفًا (٥). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٢٠
_________________
(١) رواه مسلم (٩٦٣). من حديث عوف بن مالك ﵁.
(٢) رواه مسلم (٤٨٦).
(٣) «تهذيب اللغة» (٣/ ٢٢٢).
(٤) «القصيدة النونية» (٢/ ٨١).
(٥) «التفسير» (٥/ ٣٠٠).
[ ٢ / ١٦٦ ]
- العلم
صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، ومن أسمائه (العليم).
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الأنعام: ٧٣، الرعد: ٩، التغابن: ١٨].
وقوله: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ [البقرة: ٢٥٥].
وقوله: وَأَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَليمٌ [المائدة: ٩٧].
وقوله: إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ [المائدة: ١١٦].
الدليل من السنة:
حديث الاستخارة: «اللهم إني أستخيرك بعلمك» (١).
حديث أبي بن كعب ﵁ وقول الخضِر لموسى ﵉: «إنك على علمٍ من علم الله علمكه الله لا أعلمه، وأنا على علمٍ من علم الله علمنيه لا تعلمه» (٢).
والأدلة لإثبات هذه الصفة كثيرة جدًا.
قال البخاري في (صحيحه) كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، وإِنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وأَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ، وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ، إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ.
قال الشيخ الغنيمان: أراد البخاري ﵀ بيان ثبوت علم الله تعالى، وعلمه تعالى من لوازم نفسه المقدسة، وبراهين علمه تعالى ظاهرة مشاهدة في خلقه وشرعه، ومعلوم عند كل عاقل أنَّ الخلق يستلزم الإرادة، ولا بدَّ للإرادة من علم بالمراد؛ كما قال تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، ثم قال: والأدلة على وصف الله بالعلم كثيرة، ولا ينكرها إلا ضال أو معاند مكابر اهـ (٣).
قال الإمام أحمد: إذا قال الرجل: العلم مخلوق؛ فهو كافر، لأنه يزعم أنَّ الله لم يكن له علم حتى خلقه.
وقال: وهو يعلم ما في السماوات السبع، والأرضين السبع، وما بينهما، وما تحت الثرى، وما في قعر البحار، ومنبت كل شعرة وكل شجرة وكل زرع وكل نبات، ومسقط كل ورقة، وعدد ذلك، وعدد الحصى والرمل والتراب، ومثاقيل الجبال، وأعمال العباد وآثارهم، وكلامهم، وأنفاسهم، ويعلم كل شيء، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو على العرش فوق السماء السابعة (٤). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٢١
_________________
(١) رواه البخاري (١١٦٢).
(٢) رواه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠).
(٣) «شرح كتاب التوحيد» (١/ ١٠٣).
(٤) انظر: «المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة» (١/ ٢٨٣، ٢٨٤).
[ ٢ / ١٦٧ ]
- العلو والفوقية
صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، ومن أسمائه (العلي) و(الأعلى) و(المتعال).
والعُلُوُ ثلاثة أقسام:
١ - عُلُوُ شأن انظر صفة: (العَظَمَة) و(الجلال).
٢ - عُلُوُ قهر انظر صفة (القهر).
٣ - عُلُوُ فَوْقِيَّة (عُلُوُ ذات).
وأهل السنة والجماعة يعتقدون أنَّ الله فوق جميع مخلوقاته، مستوٍ على عرشه، في سمائه، عاليًا على خلقه، بائنًا منهم، يعلم أعمالهم ويسمع أقوالهم ويرى حركاتهم وسكناتهم لا تخفى عليه خافية.
الدليل من الكتاب:
الأدلة من الكتاب كثيرة جدًا ومن ذلك:
قوله تعالى: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: ٢٥٥].
وقوله: سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى: ١].
وقوله: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ [الرعد: ٩].
وقوله: وَهوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: ١٨].
وقوله: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل: ٥٠]
وقوله: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ [الملك:١٦].
الدليل من السنة:
والأدلة من السنة أيضًا كثيرة جدًا منها:
حديث: «ألا تأمنوني وأنا أمين مَن في السماء؟!» (١).
حديث النزول إلى السماء الدنيا كل ليلة (٢).
حديث: «أين الله» قالت: في السماء قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله ﷺ قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٢٣
الدليل من أقوال الصحابة والتابعين والعلماء:
عن مجاهد قال: (قيل لابن عباس إن ناسا يقولون في القدر قال: يكذبون بالكتاب لئن أخذت بشعر أحدهم لأنصونه إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا فخلق الخلق فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه) (٤).
عن ابن عباس قال: (الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر أحد قدره).
عن قيس قال: (لما قدم عمر ﵁ الشام استقبله الناس وهو على بعيره فقالوا: يا أمير المؤمنين لو ركبت برذونا يلقاك عظماء الناس ووجوههم؟ فقال عمر ﵁: ألا أريكم ههنا إنما الأمر من ههنا فأشار بيده إلى السماء) (٥).
عائشة ﵂ قالت: (وايم الله إني لأخشى لو كنت أحب قتله لقتلت - يعني عثمان ﵁ - ولكن علم الله فوق عرشه أني لم أحب قتله) (٦). مختصر العلو لمحمد بن ناصر الدين الألباني- ص٩٥ فما بعدها
_________________
(١) رواه البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤). من حديث أبو سعيد الخدري ﵁.
(٢) رواه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه مسلم (٥٣٧).
(٤) رواه ابن بطة في «الإبانة» (كتاب القدر) (١/ ٣٣٨)، والذهبي في «العلو» (٥٧)، وقال الألباني في «مختصر العلو» (ص٢٩): صحيح.
(٥) رواه ابن أبي شيبة (٥/ ٩)، والخلال في «السنة» (٢/ ٣١٧)، والذهبي في «العلو» (ص٧٧) وقال: إسناده كالشمس. وقال الألباني في «مختصر العلو» (ص٤٦): إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٦) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (١١/ ٤٤٧)، والبخاري في «خلق أفعال العباد» (١٤٨)، والدارمي في «الرد على الجهمية» (٨٣). قال الألباني في «مختصر العلو» (ص٥٢): صحيح.
[ ٢ / ١٦٨ ]
- العمل والفعل
وهما صفتان ثابتتان لله ﷿ بالكتاب والسنة.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ [إبراهيم: ٢٧].
وقوله تعالى: إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [الحج: ١٤].
وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ [يس: ١٧].
الدليل من السنة:
حديث أم رومان وهي أم عائشة ﵄ قالت: «بينا أنا قاعدة أنا وعائشة إذ ولجت امرأة من الأنصار فقالت فَعَلَ الله بفلان وفعل» (١).
قال ابن منظور في لسان العرب: الفعل كنايةٌ عن كل عَمَلٍ مُتَعَدٍ أو غير مُتَعَدٍ.
قال البخاري في (خلق أفعال العباد): واختلف الناس في الفاعل والمفعول والفعل فقالت القدرية الأفاعيل كلها من البشر ليست من الله، وقالت الجبرية الأفاعيل كلها من الله، وقالت الجهمية الفعل والمفعول واحد لذلك قالوا لكن مخلوق، وقال أهل العلم التخليق فعل الله وأفاعيلنا مخلوقة لقوله تعالى: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَق يعني السِّرَّ والجهرَ من القول ففعل الله صفة الله والمفعول غيره (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ووصف نفسه بالعمل فقال أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ [يس:٧١] ووصف عبده بالعمل فقال جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:١٧] وليس العمل كالعمل اهـ (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٢٤
_________________
(١) رواه البخاري (٤١٤٣).
(٢) «خلق أفعال العباد» (١/ ١١٤).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٣/ ١٤).
[ ٢ / ١٦٩ ]
- العين
صفةٌ ذاتيةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، وأهل السنة والجماعة يعتقدون أنَّ الله يبصر بعين، كما يعتقدون أن، الله ﷿ له عينان تليقان به؛ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١].
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [هود: ٣٧].
وقوله: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: ٣٩].
وقوله: وَاصْبِرْ لِحُكمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور: ٤٨].
الدليل من السنة:
روى أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية إِنَّ الله كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا، فَوَضَعَ إبْهَامَهُ عَلَى أذنه، والتي تليها على عينيه» (١).
حديث عبد الله بن عمر ﵄: «إنَّ الله لا يخفى عليكم إنَّ الله ليس بأعور (وأشار إلى عينيه)، وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية» (٢).
قال ابن خزيمة في (كتاب التوحيد) بعد أن ذكر جملة من الآيات تثبت صفة العين: فواجب على كل مؤمن أن يثبت لخالقه وبارئه ما ثبَّت الخالق البارئ لنفسه من العين، وغير مؤمن من ينفي عن الله ﵎ ما قد ثبَّته الله في محكم تَنْزيله ببيان النبي صلى الله عليه الذي جعله الله مبيِّنًا عنه ﷿ في قوله: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، فبين النبي ﷺ أن لله عينين فكان بيانه موافقًا لبيان محكم التَنْزيل، الذي هو مسطور بين الدفتين، مقروء في المحاريب والكتاتيب (٣).
وقال: نحن نقول: لربنا الخالق عينان يبصر بهما ما تحت الثرى وتحت الأرض السابعة السفلى، وما في السماوات العلى اهـ (٤).
وبوَّب الَّلالَكَائي في (أصول الاعتقاد) بقوله: سياق ما دل من كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ على أن صفات الله ﷿ الوجه والعينين واليدين اهـ (٥).
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان: قوله: «إن الله ليس بأعور»: هذه الجملة هي المقصودة من الحديث في هذا الباب؛ فهذا يدل على أن لله عينين حقيقة؛ لأن العور فقدُ أحد العينين أو ذهاب نورها اهـ (٦).
وقال الشيخ ابن عثيمين: وأجمع أهل السنة على أن العينين اثنتان، ويؤيده قول النبي ﷺ في الدجَّال: «إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور» اهـ (٧).
وله - ﵀ - إجابة مطولة حول هذه الصفة، وإثبات أن لله عينين في (مجموع الفتاوى) (٨)؛ فلتراجع.
وانظر كلام البغوي في صفة (الأصابع)، وكلام ابن كثير في صفة (السمع). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٢٦
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٧٢٨). وسكت عنه، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ٣٨٥): إسناده قوي على شرط مسلم. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: إسناده صحيح.
(٢) رواه البخاري (٧٤٠٧).
(٣) «التوحيد» (١/ ٩٧).
(٤) «التوحيد» (١/ ١١٤).
(٥) «أصول الاعتقاد» (٣/ ٤١٢).
(٦) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (١/ ٢٨٥).
(٧) «عقيدة أهل السنة والجماعة» (ص١٢).
(٨) (٣/ ٤١ - ٥٠) الطبعة الأولى.
[ ٢ / ١٧٠ ]
- الغضب
صفةٌ فعليَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ [النور: ٩].
وقوله: كلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى [طه: ٨١].
وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ [الممتحنة: ١٣].
الدليل من السنة:
حديث: «إنَّ رحمتي غلبت غضبي» (١).
حديث الشفاعة الطويل، وفيه: «إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله» (٢).
وأهل السنة والجماعة يثبتون صفة الغضب لله ﷿ بوجه يليق بجلاله وعظمته، لا يكيفون ولا يشبهون ولا يؤولون؛ كمن يقول: الغضب إرادة العقاب، ولا يعطلون، بل يقولون: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ.
قال الطحاوي في (عقيدته) المشهورة: والله يغضب ويرضى لا كأحدٍ من الورى.
قال الشارح ابن أبي العز الحنفي: ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضى والعداوة والولاية والحب والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة اهـ.
وقال قوَّام السُّنَّة الأصبهاني: قال علماؤنا: يوصف الله بالغضب، ولا يوصف بالغيظ (٣). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٢٨
_________________
(١) رواه البخاري (٣١٩٤) واللفظ له، ومسلم (٢٧٥١). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) «الحجة في بيان المحجة» (٢/ ٤٥٧).
[ ٢ / ١٧١ ]
- الغلبة
صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة؛ فالله غالب على أمره، ولا غالب له
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة: ٢١].
وقوله: وَالله غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف: ٢١].
الدليل من السنة:
حديث أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ كان يقول: «لا إله إلا الله وحده، أعَزَّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده؛ فلا شيء بعده» (١).
والغلبة بمعنى القهر؛ كما في (القاموس)، والله ﷾ يتصف بالقهر، ومن أسمائه (القاهر) و(القهار)؛ كما سيأتي.
ومعنى: لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي؛ أي: لأنتصرن أنا ورسلي.
وَالله غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ؛ قال السعدي: أي: أمره تعالى نافذ؛ لا يبطله مبطل، ولا يغلبه مغالب اهـ.
(غلب الأحزاب وحده)؛ أي: قهرهم وهزمهم وحده.
وقد عدَّ بعضُ العلماء (الغالب) من أسماء الله تعالى، وفيه نظر. صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٢٩
_________________
(١) رواه البخاري (٤١١٤)، ومسلم (٢٧٢٤).
[ ٢ / ١٧٢ ]
- الغنى
صفةٌ ذاتيَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، و(الغني) من أسماء الله تعالى.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَالله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: ١٥].
وقوله: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ [التوبة: ٢٨].
وقوله: وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى: ٨].
الدليل من السنة:
حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «بينا أيوب ﵇ يغتسل عريانًا فناداه ربه ﷿: يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعِزَّتِكَ» (١).
حديث: «ومن يستعفف؛ يعفه الله، ومن يستغن؛ يغنه الله» (٢).
حديث أبي هريرة ﵁: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك» (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - كما في طريق الهجرتين لابن القيم (٤) -:
والفَقْرُ لِي وَصْفُ ذَاتٍ لاَزِمٌ أبَدًا كَمَا أَنَّ الغِنى أَبدًا وَصْفٌ لَهُ ذَاتِي
وقال ابن القيم في (النونية) (٥):
وَهُوَ الغَنِيُّ بِذَاتِهِ فَغِنَاهُ ذَا تِيٌّ لَهُ كَالجُود وَالإحْسَانِ
قال الشيخ الهرَّاس في (الشرح): ومن أسمائه الحسنى (الغني)؛ فله سبحانه الغنى التام المطلق من كل وجه؛ بحيث لا تشوبه شائبة فقر وحاجة أصلًا، وذلك لأن غناه وصف لازم له، لا ينفك عنه؛ لأنه مقتضى ذاته، وما بالذات لا يمكن أن يزول؛ فيمتنع أن يكون إلا غنيًَّا كما يمتنع أن يكون إلا جوادًا محسنًا برًَّا رحيمًا كريمًا اهـ وانظر كلام الزجاجي في: صفة (الواسع). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٣٠
_________________
(١) رواه البخاري (٢٧٩).
(٢) رواه البخاري (١٤٦٩)، ومسلم (١٠٥٣).
(٣) رواه مسلم (٢٩٨٥).
(٤) «طرق الهجرتين» (٦).
(٥) «القصيدة النونية» (٢/ ٧٤).
[ ٢ / ١٧٣ ]
- الغيرة
يوصف الله ﷿ بالغَيْرة، وهي صفةٌ فعليَّةٌ خبريَّةٌ تليق بجلاله وعظمته، لا تشبه غَيْرَةَ المخلوق، ولا ندري كيف: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١].
الدليل:
حديث أبي هريرة ﵁: «إن الله تعالى يغار، وغيرة الله تعالى أن يأتي المرء ما حرَّم الله عليه» (١).
حديث سعد بن عبادة ﵁: «أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير، واللهُ أغير مني، من أجل غيرة الله حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخصٌ أغير من الله» (٢) رواه البخاري ومسلم.
قال البخاري في (صحيحه) كتاب التوحيد، باب ٢٠: باب قول النبي ﷺ: «لا شخص أغير من الله».
قال الشيخ الغنيمان في (الشرح): وغيرة الله تعالى من جنس صفاته التي يختص بها؛ فهي ليست مماثلة لغيرة المخلوق، بل هي صفة تليق بعظمته؛ مثل الغضب والرضى ونحو ذلك من خصائصه التي لا يشاركه الخلق فيها.
وقال أبو يعلى الفراء في (إبطال التأويلات) بعد ذكر الحديثين السابقين: اعلم أن الكلام في هذا الخبر في فصلين:
أحدهما: إطلاق صفة الغَيْرة عليه.
والثاني: في إطلاق الشخص.
أما الغيرة؛ فغير ممتنع إطلاقها عليه سبحانه؛ لأنه ليس في ذلك ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه؛ لأن الغيرة هي الكراهية للشيء، وذلك جائز في صفاته قال تعالى: وَلَكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ [التوبة: ٤٦] اهـ (٣).
وقال الحافظ ابن القيم: إنَّ الغيرة تتضمن البغض والكراهة، فأخبر أنَّه لا أحد أغير منه، وأنَّ من غَيْرته حرَّم الفواحش، ولا أحد أحب إليه المدحة منه، والغيرةُ عند المعطلة النفاة من الكيفيات النفسية، كالحياء والفرح والغضب والسخط والمقت والكراهية، فيستحيل وصفه عندهم بذلك، ومعلومٌ أنَّ هذه الصفات من صفات الكمال المحمودة عقلًا وشرعًا وعرفًا وفطرةً، وأضدادها مذمومة عقلًا وشرعًا وعرفًا وفطرةً، فإنَّ الذي لا يغار بل تستوي عنده الفاحشةُ وتركها؛ مذمومٌ غايةَ الذمِّ مستحقٌ للذمِّ القبيح اهـ (٤).
وانظر: (مجموع الفتاوى) لابن تيمية (٥) حيث نقل كلام شيخ الحرمين الكرجي في إثبات جملة من صفات الله ﷿، منها صفة (الغَيْرة). صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٣٢
_________________
(١) رواه البخاري (٥٢٢٣)، ومسلم (٢٧٦١).
(٢) رواه البخاري (٧٤١٦)، ومسلم واللفظ له (١٤٩٩).
(٣) «إبطال التأويلات» (١/ ١٦٥).
(٤) «الصواعق المرسلة» (٤/ ١٤٩٧).
(٥) «مجموع الفتاوى» (٤/ ١٨١)، (٦/ ١١٩ - ١٢٠).
[ ٢ / ١٧٤ ]
- الفتح
صفةٌ لله ﷿ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، و(الفتاح) اسم من أسمائه تعالى.
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ [سبأ: ٢٦]
وقوله: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ [الأعراف: ٨٩]
قوله: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا [فاطر:٢]
الدليل من السنة:
حديث أبي هريرة ﵁: «اللهم احبسها علينا (يعني: الشمس)، فحبست حتى فتح الله عليه» (١)
حديث سهل بن سعد - ﵁ - سمع النبي - ﷺ - يقول يوم خيبر: «لأعطين الراية رجلا يفتح الله على يديه» (٢)
قال ابن القيم (٣):
وكذلك الفتَّاح مِنْ أسْمَائِهِ والفَتْحُ فِي أوْصَافِهِ أمْرَانِ
فتحٌ بحُكْمٍ وهو شرعُ إلهِنَا والفتحُ بالأقْدارِ فَتْحٌ ثانِ
والرَّبُ فَتَّاحٌ بِذين كليْهِمَا عدْلًا وإحْسَانًا مِنَ الرَّحْمنِ
والفتح بمعنى الحكم والقضاء كما في الآية الثانية، والفتح ضد الغلق كما في الآية الثالثة، والفتح بمعنى النصر كما في الحديثين السابقين صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٣٣
_________________
(١) رواه البخاري (٣١٢٤)، ومسلم (١٧٤٧).
(٢) رواه البخاري (٢٩٤٢)، ومسلم (٢٤٠٦).
(٣) «القصيدة النونية» (٢/ ١٠٠).
[ ٢ / ١٧٥ ]
- الفرح
صفةٌ فعليَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالأحاديث الصحيحة
الدليل:
حديث: «لله أفرح بتوبة عبده - وفي لفظٍ - أشد فرحًا» (١)
قال أبو إسماعيل الصابوني: وكذلك يقولون في جميع الصفات (أي: الإثبات) التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والفرح والضحك وغيرها اهـ (٢)
وقال الشيخ محمد خليل الهرَّاس في شرحه للعقيدة الواسطية عند شرحه لهذا الحديث: وفي هذا الحديث إثبات صفة الفرح لله ﷿، والكلام فيه كالكلام في غيره من الصفات؛ أنه صفة حقيقية لله ﷿، على ما يليق به، وهو من صفات الفعل التابعة لمشيئته تعالى وقدرته، فيحْدُث له هذا المعنى المعبَّر عنه بالفرح عندما يُحدِثُ عبدُهُ التوبةَ والإنابَةَ إليه، وهو مستلزمٌ لرضاه عن عبده التائب، وقبوله توبته وإذا كان الفرح في المخلوق على أنواع؛ فقد يكون فرح خفة وسرور وطرب وقد يكون فرح أشر وبطرٍ؛ فالله ﷿ مُنَزَّه عن ذلك كله، ففرحهُ لا يشبه فرح أحد من خلقه؛ لا في ذاته، ولا في أسبابه، ولا في غاياته؛ فسببه كمال رحمته وإحسانه التي يحب من عباده أن يتعرَّضوا لها، وغايته إتمام نعمته على التائبين المنيبين وأما تفسير الفرح بلازمه، وهو الرضى، وتفسير الرضى بإرادة الثواب؛ فكل ذلك نفيُ وتعطيلٌ لفرحه ورضاه سبحانه، أوجبه سوءُ ظنِّ هؤلاء المعطِّلة بربهم، حيث توهَّموا أن هذه المعاني تكون فيه كما هي في المخلوق، تعالى الله عن تشبيههم وتعطيلهم اهـ (٣)
وممَّن أثبت صفة (الفرح) من السلف: الدارمي، وابن قتيبة، وأبو يعلى الفراء انظر: صفة (البشبشة)
وانظر كلام البغوي في صفة (الأصابع) وكلام ابن كثير في صفة (السمع) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٣٤
_________________
(١) رواه البخاري (٦٣٠٨)، ومسلم (٢٧٤٤) بلفظ: «لله أشد فرحا». من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. والحديث روي بألفاظ متقاربة عن أبي هريرة، وأنس بن مالك، والبراء بن عازب، والنعمان بن بشير ﵃ أجمعين.
(٢) «عقيدة السلف أصحاب الحديث» (ص٥).
(٣) «شرح العقيدة الواسطية» (١٦٦).
[ ٢ / ١٧٦ ]
- الفطر
من صفات أفعاله تعالى أنه فَطَرَ الخلق، وهو فاطر السماوات والأرض، وهذا ثابت بالكتاب والسنة
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَولَ مَرَّةٍ [الإسراء: ٥١]
وقوله: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم: ٣٠]
وقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [فاطر: ١]
وقوله: إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف: ٢٧]
الدليل من السنة:
حديث: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض» (١)
حديث علي بن أبي طالب ﵁: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا» (٢)
المعنى:
فَطَرَ؛ أي: شَقَّ، والفَطْر: الابتداء والاختراع، فطركم أول مرة؛ أي: ابتدأ خلقكم، فطر السماوات والأرض؛ أي: شقهما وفتقهما بعد أن كانتا رتقًا، وهو مبدعها ومبتدئها وخالقها انظر كتب التفسير، و(النهاية) لابن الأثير صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٣٦
_________________
(١) رواه مسلم (٧٧٠).
(٢) رواه مسلم (٧٧١).
[ ٢ / ١٧٧ ]
- القبض والطي
صفتان فعليتان خبريَّتان لله ﷿، ثابتتان بالكتاب والسنة، و(القابض) من أسماء الله تعالى
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَالله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: ٢٤٥]
قوله تعالى: وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧]
الدليل من السنة:
حديث أبي هريرة ﵁: «يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه» (١)
قال أبو يعلى الفراء في (إبطال التأويلات) بعد ذكر حديث: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها»: اعلم أنه غير ممتنع إطلاق القبض عليه سبحانه، وإضافتها إلى الصفة التي هي اليد التي خلق بها آدم؛ لأنه مخلوق باليد من هذه القبضة، فدلَّ على أنها قبضةٌ باليد، وفي جواز إطلاق ذلك أنه ليس في ذلك ما يُحيل صفاته ولا يُخرجها عما تستحقه اهـ (٢)
وقال ابن القيم: ورد لفظ (اليد) في القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مائة موضع ورودًا متنوعًا متصرفًا فيه مقرونًا بما يدل على أنها يد حقيقة من الإمساك والطي والقبض والبسط (٣)
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان: قوله: «يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه»: القبض: هو أخذ الشيء باليد وجمعه، والطي: هو ملاقاة الشيء بعضه على بعض وجمعه، وهو قريب من القبض وهذا من صفات الله تعالى الاختيارية، التي تتعلق بمشيئته وإرادته، وهي ثابتةٌ بآيات كثيرة وأحاديث صحيحة عن رسول الله ﷺ، وهي مما يجب الإيمان به؛ لأن ذلك داخل في الإيمان بالله تعالى، ويحرم تأويلها المخرج لمعانيها عن ظاهرها، وقد دلَّ على ثبوتها لله تعالى العقل أيضًا؛ فإنه لا يمكن لمن نفاها إثبات أن الله هو الخالق لهذا الكون المشاهد؛ لأن الفعل لابد له من فاعل، والفاعل لابدَّ له من فعل، وليس هناك فعل معقول إلا ما قام بالفاعل، سواءً كان لازمًا كالنُّزُول والمجيء، أو متعديًَّا كالقبض والطي؛ فحدوث ما يحدثه تعالى من المخلوقات تابع لما يفعله من أفعاله الاختيارية القائمة به تعالى؛ وهو تعالى حيٌ قيُّوم، فعَّال لما يريد، فمن أنكر قيام الأفعال الاختيارية به تعالى فإن معنى ذلك أنه ينكر خلقه لهذا العالم المشاهد وغير المشاهد، وينكر قوله: إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ فالعقل دل على ما جاء به الشرع وما صرح به في هذا الحديث من القبض والطي، قد جاء صريحًا أيضًا في كتاب الله تعالى؛ كما قال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:٦٧]، والأحاديث والآثار عن السلف في صريح الآية والحديث المذكور في الباب كثيرة وظاهرة جلية لا تحتمل تأويلًا ولا تحتاج إلى تفسير، ولهذا صار تأويلها تحريفًا وإلحادًا فيها اهـ (٤) وانظر: صفة (البسط) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٣٧
_________________
(١) رواه البخاري (٤٨١٢)، ومسلم (٢٧٨٧) واللفظ له.
(٢) «إبطال التأويلات» (ص١٦٨).
(٣) «مختصر الصواعق المرسلة» (٢/ ١٧١).
(٤) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (١/ ١٤٠).
[ ٢ / ١٧٨ ]
- القدرة
صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، ومن أسمائه تعالى: (القادر) و(القدير) و(المقتدر)
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٠] وغيرها
وقوله: قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عذَابًا [الأنعام: ٦٥]
وقوله: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: ٥٤ - ٥٥]
الدليل من السنة:
حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ مرفوعًا: «أعوذ بعِزَّة الله وقدرته من شر ما أجدُ وأحاذِرُ» (١)
حديث أبي مسعود البدري ﵁، لما ضرب غلامه؛ قال له النبي ﷺ: «اعلم أبا مسعود! أن الله أقدرُ عليك منك على هذا الغلام» (٢)
قال الخطابي: ووصف الله نفسه بأنه قادرٌ على كلِّ شيء أراده، لا يعترضه عجز ولا فتور، وقد يكون القادر بمعنى المقدِّر للشيء، يقال: قَدَّرت الشيءَ وقدَرْتُه؛ بمعنى واحد (٣) وانظر كلام ابن كثير في صفة (السمع) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٤٠
_________________
(١) رواه مسلم (٢٢٠٢).
(٢) رواه مسلم (١٦٥٩).
(٣) «شأن الدعاء» (ص٨٥).
[ ٢ / ١٧٩ ]
- الْقِدَمُ
يُخْبَرُ عن الله ﷿ بأنه قديم، لا صفةً له، والقديم ليس اسمًا له
قال الحافظ ابن القيم: «ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفيَّاَ؛ كالقديم، والشيء، والموجود، والقائم بنفسه» اهـ (١)
قال قوَّام السُّنَّة: فبيَّن (أي: النبي ﷺ) مراد الله تعالى فيما أخبر عن نفسه، وبيَّن أن نفسه قديم غير فانٍ، وأن ذاته لا يوصف إلا بما وصف، ووصفه النبي ﷺ اهـ (٢)
وفي الحديث الصحيح: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم؛ من الشيطان الرجيم» (٣)
وفيه وصف سلطان الله ﷿ بالقِدَم
وقد وصف شيخ الإسلام ابن تيمية عِلْمَ الله بالقِدَم في (الواسطية)، فقال: والإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين، فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله عليمٌ بالخلق وهم عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوفٌ به أزلًا وأبدًا (٤)
وقال في (مجموع الفتاوى): والناس متنازعون؛ هل يسمى الله بما صح معناه في اللغة والعقل والشرع، وإن لم يرد بإطلاقه نصٌ ولا إجماعٌ، أم لا يطلق إلا ما أطلق نص أو إجماع؟ على قولين مشهورين، وعامة النظار يطلقون ما لا نص في إطلاقه ولا إجماع؛ كلفظ (القديم) و(الذات) ونحو ذلك، ومن الناس من يفصل بين الأسماء التي يدعى بها، وبين ما يخبر به عند الحاجة؛ فهو سبحانه إنما يدعى بالأسماء الحسنى؛ كما قال: وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى، وأما إذا احتيج إلى الإخبار عنه؛ مثل أن يُقال: ليس هو بقديم، ولا موجود، ولا ذات قائمة بنفسها ونحو ذلك؛ فقيل في تحقيق الإثبات: بل هو سبحانه قديم، موجود، وهو ذات قائمة بنفسها، وقيل: ليس بشيء، فقيل: بل هو شيء؛ فهذا سائغ اهـ (٥)
وقال البيهقي: القديم هو الموجود لم يزل، وهذه صفة يستحقها بذاته (٦)
وقد عَدَّه السفاريني في (لوامع الأنوار) صفة لله تعالى، بل اسمًا له، وعلق عليه الشيخ عبد الله بابطين بقوله: قوله: إن القديم اسم من أسمائه تعالى: فيه نظر من وجهين، إلى أن قال: وبذلك لا يصح إطلاق القديم على الله باعتبار أنه من أسمائه، وإن كان يصح الإخبار به عنه؛ كما قلنا: إنَّ باب الإخبار أوسع من باب الإنشاء، والله أعلم (٧) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٤١
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٢).
(٢) «الحجة» (١/ ٩٣).
(٣) رواه أبو داود (٤٦٦). من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. قال النووي في «الأذكار» (ص٨٦): حديث حسن رواه أبو داود بإسنادٍ جيد. وقال ابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ٢٧٧): هذا حديث حسن غريب، ورجاله موثقون، وهم من رجال الصحيح إلا إسماعيل وعقبة. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
(٤) «العقيدة الواسطية» (ص٢٠).
(٥) «مجموع الفتاوى» (٩/ ٣٠٠و٣٠١).
(٦) «الاعتقاد» (ص٦٨).
(٧) «لوامع الأنوار» (١/ ٣٨).
[ ٢ / ١٨٠ ]
- االقدوس
يوصف الله ﷿ بأنه سبحانه القُدُّوس، وهي صفةٌ ذاتيةٌ، والقُدُّوس اسم له، ثابت بالكتاب والسنة
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ [الحشر: ٢٣]
الدليل من السنة:
حديث عائشة ﵂- وقد تقدم -: «سُبُّوح قُدُّوس رب الملائكة والروح» (١)
قال ابن قتيبة: ومن صفاته (قُدُّوس)، وهو حرفٌ مبنيٌّ على (فُعُّول)، من (القدس)، وهو الطهارة (٢)
وانظر: صفة (السُّبُّوح) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٤٣
_________________
(١) رواه مسلم (٤٨٧).
(٢) «تفسير غريب القرآن» (ص٨).
[ ٢ / ١٨١ ]
- القرآن
صفةٌ من صفات الله ﷿ وهو كلام الله
بَوَّبَ البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه: باب قل أيُّ شيء أكبر شهادة قل الله فسمى نفسه شيئًا وسمى النبيُّ القرآنَ شيئًا وهو صفة من صفات الله
وقال اللالكائي: سياق ما روي عن النبي ﷺ مما يدل على أن القرآن من صفات الله القديمة ثم ساق حديث محاجَّة آدم لعيسى – ﵉المشهور (١)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: القرآنُ صفةٌ من صفات الله وصف بها نفسه (٢)
وقال في مجموع الفتاوى: أهل السنة متفقون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن كلامه من صفاته القائمة بنفسه ليس من مخلوقاته (٣)
تنبيه: القرآن كلام الله وهو صفة من صفاته، أمَّا ما في المصحف من ورقٍ ومِداد فهو مخلوق وانظر: صفة (الكلام) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٤٣
_________________
(١) «شرح اعتقاد أهل السنة» (٢/ ٢٢٤).
(٢) «بيان تلبيس الجهمية» (٢/ ١٦٥).
(٣) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ٧٧).
[ ٢ / ١٨٢ ]
- القهر
صفةٌ لله ﷿ ثابتةٌ بالكتاب، ويوصف الله بأنه القاهر، والقَهَّار، وهما اسمان لله تعالى
الدليل:
قوله تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: ١٨، ٦١]
قوله تعالى: وَهُوَ الْوَاحدُ الْقَهَّارُ [الرعد: ١٦]
ولم يرد في القرآن (القَهَّار) إلا مسبوقًا بـ (الواحد) وذلك في ستة مواضع
قال ابن القيم (١):
وَكذلِكَ القّهَّار مِنْ أوْصَافِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا عَزِيزًا قَادِرًا فَالخَلْقُ مَقْهُورُونَ بِالسُّلْطَانِ مَا كَانَ مِنْ قَهْرٍ وَمِنْ سُلْطانِ
والقهر بمعنى الغلبة والأخذ من فوق
قال ابن جرير عند تفسير قوله تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ: وإنما قال: فَوْقَ عِبَادِهِ؛ لأنه وصف نفسه تعالى بقهره إياهم، ومن صفةِ كلِّ قاهرٍ شيئًا أن يكون مستعليًا عليه، فمعنى الكلام إذًا: والله الغالب عباده المذلل لهم صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٤٤
_________________
(١) «القصيدة النونية» (٢/ ٩٤).
[ ٢ / ١٨٣ ]
- القول
صفةٌ ذاتيةٌ فعليَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، وهو والكلام شيء واحد
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا [البقرة: ٣٨]
وقوله: وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب: ٤]
وقوله: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: ٣٠]
الدليل من السنة:
أما السنة، فإن أغلب الأحاديث القدسية مبدوءة بـ (قال الله)، أو (يقول الله) وانظر: صفة (الكلام) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٤٥
[ ٢ / ١٨٤ ]
- القوة
صفةٌ ذاتيةٌ لله ﷿ ثابتةٌ بالكتاب العزيز و(القوي) من أسماء الله تعالى
الدليل:
قوله تعالى: وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ [الشورى: ١٩]
قوله تعالى: إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٨]
قال البخاري في (صحيحه) في كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
قال الشيخ الغنيمان: وهذه الآية ونظائرها تدل بوضوح على أن الله تعالى موصوف بالصفات العليا، كما أنه مسمى بالأسماء الحسنى؛ فالقوة صفته، والرزاق اسمه، وتقدم أن كل اسم لابدَّ أن يتضمن الصفة، وبذلك وغيره يرد على المنكرين للصفات، كما سبقت الإشارة إليه، والله أعلم (١) وانظر كلام ابن كثير في صفة (السمع)
صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٤٦
_________________
(١) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (١/ ٩٣).
[ ٢ / ١٨٥ ]
- القيوم
يوصف الله ﷿ بأنه القَيُّوم والقَيِّم والقَيَّام، وهو وصفٌ ذاتيٌ ثابت لله بالكتاب والسنة، و(القَيُّوم) اسم من أسمائه ﵎
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم [البقرة: ٢٥٥، آل عمران: ٢]
وقوله: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّوم [طه: ١١١]
الدليل من السنة:
حديث ابن عباس ﵄ في دعاء النبي ﷺ في تهجده: «لك الحمد؛ أنت قَيِّم السماوات والأرض ومن فيهن» (١)
قال العلماء: من صفاته القيَّام والقيِّم، والقَيُّوم بنص القرآن وقائم، ومنه قوله تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ؛ قال الهروي: ويقال: قَوَّام قال ابن عباس: القَيُّوم الذي لا يزول وقال غيره: هو القائم على كل شيء ومعناه مدبر أمر خلقه، وهما سائغان في تفسير الآية والحديث اهـ
قال ابن جرير في تفسير الآية الأولى من سورة آل عمران: «القَيُّوم»: القَيِّم بحفظ كل شيء ورزقه وتدبيره وتصريفه فيما شاء وأحب من تغيير وتبديل وزيادة ونقص، ثم ذكر قولين في معنى القَيُّوم، ثم قال: وأولى التأويلين بالصواب ما قال مجاهد والربيع، وأن ذلك وصفٌ من الله - تعالى ذكره- نفسه بأنه القائم بأمر كل شيء؛ في رزقه، والدفع عنه، وكلاءته، وتدبيره، وصرفه في قدرته
وقال ابن قتيبة: ومن صفاته: (القَيُّوم) و(القيَّام)، وقرئ بهما جميعًا، وهما (فيعول) و(فيعال)، من قمت بالشيء: إذا وليته، كأنه القيِّم بكل شيء، ومثله في التقدير: دَيُّور وديَّار اهـ (٢)
وقال الزجاجي: القَيُّوم: فيعول من قام يقوم، وهو من أوصاف المبالغة في الفعل اهـ (٣)
وقال ابن القيم (٤):
هذا وَمِنْ أوصافِهِ القَيُّوم وَالقَيُّوم في أوصافه أمْرَانِ
إِحْدَاهُما القَيُّوم قَامَ بِنَفْسِهِ والكَوْنُ قَامَ بهِ هُمَا الأمرَانِ
فالأوَّلُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ غَيْرهِ والفَقْرُ مِنْ كُلٍّ إليهِ الثَّانِيِ
والوَصْفُ بِالقَيُّوم ذُو شَأْنٍ كذا مَوْصُوفُهُ أيْضًا عَظيمُ الشَّانِ
صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٤٧
_________________
(١) رواه البخاري (١١٢٠)، ومسلم (٧٦٩) ورواه أيضًا بلفظ: «قيّام».
(٢) «تفسير غريب القرآن» (ص٧).
(٣) «اشتقاق أسماء الله» (ص١٠٥).
(٤) «القصيدة النونية» (٢/ ١٠٢).
[ ٢ / ١٨٦ ]
- الكافي
يوصف الله ﷿ بأنه كافٍ عباده ما يحتاجون إليه، وهي صفةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمْ الله وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: ١٣٧]
وقوله: إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: ٩٥]
وقوله: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦]
الدليل من السنة:
حديث أنس ﵁؛ «أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه؛ قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا؛ فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي» (١)
قصة الغلام مع الساحر والراهب في (صحيح مسلم) من حديث أنس ﵁، وفيه أنه كلما ذهبوا به إلى مكان لقتله؛ قال: «اللهم اكفنيهم بما شئت» (٢)
المعنى: قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الكافي عباده جميع ما يحتاجون ويضطرون إليه، الكافي كفاية خاصة من آمن به وتوكل عليه واستمد منه حوائج دينه ودنياه (٣) قال الراغب الأصفهاني في (المفردات): الكفاية ما فيه سد الخلة وبلوغ المراد في الأمر وقد عدَّ بعض العلماء (الكافي) من أسماء الله تعالى وفي هذا نظر صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٤٨
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧١٥).
(٢) رواه مسلم (٣٠٠٥).
(٣) «تفسير السعدي» (٥/ ٣٠٤).
[ ٢ / ١٨٧ ]
- الكبر والكبرياء
صفةٌ ذاتيةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، و(المُتَكَبِّر) من أسماء الله تعالى
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الحشر: ٢٣]
وقوله: وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الجاثية: ٣٧]
الدليل من السنة:
حديث عبد الله بن قيس ﵁ مرفوعًا: «جنتان من فضَّة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» (١)
حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄: «العز إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني؛ عذبته» (٢) وأبو داود بلفظ: «الكبرياء ردائي، والعَظَمَة إزاري» (٣)
قال ابن قتيبة: وكبرياء الله: شرفه، وهو من (تكبَّر): إذا أعلى نفسه اهـ (٤)
وقال قوَّام السُّنَّة: أثبت الله العِزَّة والعَظَمَة والقدرة والكِبر والقوة لنفسه في كتابه (٥) وقال الشيخ عبد الله الغنيمان: «وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن»: ومن المعلوم أن الكبرياء من صفات الله تعالى، ولا يجوز للعباد أن يتصفوا بها؛ فقد توعد الله المتكبر بجهنم؛ كما قال تعالى: قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:٧٢] ثم قال: ووصف الله تعالى بأن العَظَمَة إزاره والكبرياء رداؤه؛ كسائر صفاته؛ تثبت على ما يليق به، ويجب أن يؤمن بها على ما أفاده النص؛ دون تحريف ولا تعطيل (٦)
صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٥٠
_________________
(١) رواه البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (١٨٠).
(٢) رواه مسلم (٢٦٢٠).
(٣) رواه أبو داود (٤٠٩٠). من حديث أبي هريرة ﵁. وسكت عنه. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
(٤) «تفسير غريب القرآن» (ص١٨).
(٥) «الحجة» (٢/ ١٨٦).
(٦) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (٢/ ١٦١).
[ ٢ / ١٨٨ ]
- الكبير
يوصف الله ﷿ بأنه الكبير، وهو أكبر من كل شيء، وهي صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، و(الكبير) من أسمائه تعالى
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ [الرعد: ٩]
وقوله تعالى: وَأَنَّ الله هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [لقمان: ٣٠]
الدليل من السنة: إن الأحاديث الصحيحة والأذكار الثابتة عن النبي ﷺ، والتي فيها وصف الله ﷿ بالكِبَر، وأنه أكبر من كل شيء كثيرة جدًَّا، منها تكبيرات الأذان والصلاة «الله أكبر» (١)، ومنها: «الله أكبر كبيرًا» (٢)، ومنها: «فمن كبر الله وحمد الله» (٣)، ومنها: «يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك» (٤) وغيرها كثير ومعنى الكبير؛ أي: العظيم الذي كل شيء دونه، وهو أعظم من كل شيء قال ابن منظور في (لسان العرب): والكبير في صفة الله تعالى: العظيم الجليل صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٥١
_________________
(١) منها في الأذان: ما رواه البخاري (٩١٤) من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄. ومسلم (٣٧٩) من حديث أبي محذورة ﵁. ومنها في الصلاة: ما رواه البخاري (٧٩٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه مسلم (٦٠١). من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) رواه مسلم (١٠٠٧). من حديث عائشة ﵂.
(٤) رواه البخاري (٦٤٠٨)، ومسلم (٢٦٨٩). من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ١٨٩ ]
- الكتابة والخط
صفةٌ فعليَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، فهو سبحانه يكتب ما شاء متى شاء، كما يليق بعظيم شأنه، لا ككتابة المخلوقين، والتي تليق بصغر شأنهم الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ [آل عمران: ١٨١]
وقوله تعالى: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً [الأعراف: ١٤٥]
وقوله: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ [الأنبياء: ١٠٥]
الدليل من السنة:
حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لما قضى الله الخلق؛ كتب في كتابه؛ فهو عنده فوق عرشه: إنَّ رحمتي تغلب غضبي» (١)، ورواه الترمذي، وابن ماجه؛ بلفظ: «.. لما خلق الخلق؛ كتب بيده على نفسه » (٢)
حديث احتجاج موسى وآدم ﵉، وفيه قول آدم لموسى: «أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجيًّا؛ فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟» (٣) رواه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢) وفي رواية: «وخط لك التوراة بيده» (٤)
قال أبو بكر الآجري في (الشريعة): باب الإيمان بأن الله ﷿ خلق آدم ﵇ بيده، وخَطَّ التوراة لموسى ﵇ بيده (٥)
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان: قوله: «كتب في كتابه»: يجوز أن يكون المعنى: أمر القلم أن يكتب؛ كما قال الحافظ، ويجوز أن يكون على ظاهره؛ بأن كتب تعالى بدون واسطة، ويجوز أن يكون قال: كن؛ فكانت الكتابة، ولا محذور في ذلك كله، وقد ثبت في (سنن الترمذي) و(ابن ماجه) في هذا الحديث: «أن الله ﷿ لما خلق الخلق؛ كتب بيده على نفسه: إنَّ رحمتي سبقت غضبي» (٦)
قلت: أما حديث الترمذي وابن ماجه؛ فلا يصح إلا على أن الكتابة كانت بدون واسطة، وأنها كانت بيده ﷾ صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٥٤
_________________
(١) رواه البخاري (٣١٩٤)، ومسلم (٢٧٥١).
(٢) رواه الترمذي (٣٥٤٣)، وابن ماجه (٤٢٩٥). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. والحديث صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح عند ابن خزيمة - كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن صحيح.
(٣) رواه البخاري (٤٧٣٨)، ومسلم (٢٦٥٢) (١٥) واللفظ له.
(٤) رواه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢) (١٣).
(٥) «الشريعة» (ص٣٢٣).
(٦) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (١/ ٢٦٠).
[ ٢ / ١٩٠ ]
- الكرم
صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة، ومن أسمائه: (الكريم) و(الأكرم)
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار: ٦]
وقوله: فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ [الفجر: ١٥]
وقوله: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ [العلق: ٣]
الدليل من السنة:
حديث عوف بن مالك ﵁ في الدعاء على الجنازة: «اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نُزُلَه، ووسع مدخله» (١)
حديث طلحة بن عبيد الله ﵁، وقول الأعرابي للنبي ﷺ «والذي أكرمك؛ لا أتطوع شيئًا» (٢)
حديث غيرة سعد بن عبادة ﵁، وقوله للنبي ﷺ: «بلى؛ والذي أكرمك بالحق» (٣)
أثر عبد الله بن مسعود وابن عمر ﵄: (رب اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم) (٤)
قال ابن منظور في (لسان العرب): الكريم من صفات الله وأسمائه، وهو الكثير الخير، الجواد المعطي، الذي لا ينفد عطاؤه، وهو الكريم المطلق
قال الشيخ السعدي: الرحمن الرحيم والبر الكريم الجواد الرؤوف الوهاب؛ هذه الأسماء تتقارب معانيها، وتدل كلها على اتصاف الرب بالرحمة والبر والجود والكرم، وعلى سعة رحمته ومواهبه التي عم بها جميع الوجود بحسب ما تقتضيه حكمته، وخص المؤمنين منها بالنصيب الأغر والحظ الأكمل اهـ (٥)
وقال أبو هلال العسكري: الفرق بين الكرم والجود أن الجود هو الذي ذكرناه (يعني: كثرة العطاء من غير سؤال)، والكرم يتصرف على وجوه، فيقال لله تعالى: كريم، ومعناه أنه عزيز، وهو من صفات ذاته، ومنه قوله تعالى: مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار:٦]؛ أي: العزيز الذي لا يغلب، ويكون بمعنى الجواد المفضال، فيكون من صفات فعله (٦) وذكر معانيَ وأقوالًا أخرى
وقال الزجاجي: الكريم: الجواد، والكريم: العزيز، والكريم: الصَّفوح هذه ثلاثة أوجه للكريم في كلام العرب، كلها جائز وصف الله ﷿ بها، فإذا أريد بالكريم الجواد أو الصفوح؛ تعلق بالمفعول به؛ لأنه لا بدَّ من مُتكرم عليه ومصفوح عنه موجود، وإذا أريد به العزيز؛ كان غير مقتض مفعولًا اهـ (٧) يعني ﵀: إذا أريد به الجواد والصفوح؛ فهي صفةُ فعلٍ، وإذا أريد به العزيز؛ فهي صفةُ ذاتٍ والله أعلم صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٥٤
_________________
(١) رواه مسلم (٩٦٣).
(٢) رواه البخاري (١٨٩١).
(٣) رواه مسلم (١٤٩٨).
(٤) رواه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٢٠)، والطبراني في «الدعاء» (٨٧٠)، والبيهقي (٥/ ٩٥). موقوفًا على ابن مسعود ﵁. وقال العراقي في «المغني» (١/ ٤٢٤): إسناده صحيح. وقال ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٤/ ٤٠١ - ٤٠٢): موقوف صحيح الإسناد. ورواه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٢٠) موقوفًا على ابن عمر ﵄. وقال الألباني - ﵀ - في «مناسك الحج والعمرة» (ص٢٨): رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود وابن عمر ﵄ بإسنادين صحيحين. والحديث رواه الطبراني في «الأوسط» (٣/ ١٤٧) مرفوعًا بسند ضعيف من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. انظر: «مجمع الزوائد» (٣/ ٢٤٨)، و«تلخيص الحبير» (٢/ ٢٥١).
(٥) «تفسير السعدي» (٥/ ٢٩٩).
(٦) «الفروق» (ص١٤٣).
(٧) «اشتقاق أسماء الله» (ص١٧٦).
[ ٢ / ١٩١ ]
- الكره
صفةٌ فعليَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة الدليل من الكتاب: قوله تعالى: وَلَكِنْ كَرِهَ الله انْبِعَاثَهُمْ [التوبة: ٤٦]
الدليل من السنة:
حديث المغيرة بن شعبة ﵁ مرفوعًا: «إن الله حَرَّم عليكم: عقوق الأمهات، ومنعًا وهات، ووأد البنات، وكَرِهَ لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (١)
حديث عائشة ﵂: «وإن الكافر إذا بُشِّر بعذاب الله وسَخَطِه؛ كَرِهَ لقاء الله وكَرِهَ الله لقاءه» (٢)
وانظر: صفة (السَّخْط) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٥٦
_________________
(١) رواه البخاري (٢٤٠٨)، ومسلم (٥٩٣).
(٢) رواه مسلم (٢٦٨٤). والحديث رواه البخاري معلقًا بعد حديث (٦٥٠٧).
[ ٢ / ١٩٢ ]
- الكف
صفةٌ ذاتيةٌ خبريةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ الدليل:
حديث أبي هريرة ﵁: «ما تصدق أحد بصدقة من طيِّب، ولا يقبل الله إلا الطيب؛ إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كفِّ الرحمن، حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربيِّ أحدكم فَلُوَّه أو فصيله» (١)
حديث: «رأيت ربي في أحسن صورة - وفيه - فرأيته وضع كَفَّه بين كتفي، حتى وجدت برد أنامله في صدري» (٢)
قال أبو يعلى الفراء في (إبطال التأويلات) مثبتًا الكف ورادًّا على من أول الصورة والكف في حديث الصورة بقوله: الثالث: أنه وصفه بالصورة، ووضع الكف بين كتفيه، وهذه الصفة لا تتصف بها الأفعال والمَلَك (٣) وقال قَوَّام السُّنَّة الأصبهاني في (الحجة) بعد سرده لجملة من أحاديث الصفات: وقوله: «إنَّ أحدكم يأتي بصدقته فيضعها في كف الرحمن» (٤)، وقوله: «يضع السماوات على إصبع والأرضين على إصبع» (٥) وأمثال هذه الأحاديث، فإذا تدبَّره متدبر، ولم يتعصب؛ بان له صحة ذلك، وأنَّ الإيمان به واجب، وأنَّ البحث عن كيفية ذلك باطل اهـ ثم قال: وللقدم معان، وللكف معان، وليس يحتمل الحديث شيئًا من ذلك؛ إلا ما هو معروف في كلام العرب؛ فهو معلوم بالحديث، مجهول الكيفية وقال صديق حسن خان في (قطف الثمر/ ٦٦): ومن صفاته سبحانه: اليد، واليمين، والكف، والإصبع (٦) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٥٦
_________________
(١) رواه البخاري (١٤١٠)، ومسلم (١٠١٤).
(٢) رواه الترمذي (٣٢٣٥)، وأحمد (٥/ ٢٤٣) (٢٢١٦٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح؛ سألت محمد بن إسماعيل - البخاري - عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال ابن العربي في «أحكام القرآن» (٤/ ٧٣)، والألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح. والحديث روي عن ابن عباس وابن عمر وجابر بن سمرة وثوبان ﵃ جميعًا.
(٣) «إبطال التأويلات» (١/ ١٣١).
(٤) رواه أحمد (٢/ ٤١٨) (٩٤١٣) بلفظ مقارب. من حديث أبي هريرة ﵁. قال شعيب الأرناؤوط: صحيح.
(٥) رواه البخاري (٧٤٥١) عن عبد الله بن مسعود بلفظ: جاء حبر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إن الله يضع السماء على إصبع، والأرض على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر والأنهار على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يقول بيده: أنا الملك فضحك رسول الله ﷺ وقال: «وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ».
(٦) «الحجة» (٢/ ٢٥٩، ٢٦٢).
[ ٢ / ١٩٣ ]
- الكفيل
يوصف الله ﷿ بأنه الكفيل، الذي يكفل ويحفظ عباده، وهي صفةٌ ثابتةٌ له بالكتاب والسُّنَّة الدليل من الكتاب: قوله تعالى: وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا [النحل: ٩١] الدليل من السُّنَّة: قصة الرجل من بني إسرائيل، الذي أسلفَ آخَرَ ألفَ دينار، وفيه أنه قال: «اللهم إنك تعلم أني كنت تبلغت فلانًا ألف دينار، فسألني كفيلًا، فقلت: كفى بالله كفيلًا، فرضي بك» (١)
والكفيل بمعنى الوكيل والحفيظ والشهيد والعائل والضامن قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا: وقد جعلتم الله بالوفاء بما تعاقدتم عليه على أنفسكم راعيًا، يرعى الموفي منكم بعهد الله الذي عاهد على الوفاء به والناقض قال الراغب الأصفهاني في (المفردات): كفل: الكفالة الضمان والكفيل الحظ الذي فيه الكفاية، كأنه تكفل بأمره وقد عدَّ بعضهم الكفيل من أسماء الله تعالى صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٥٨
_________________
(١) رواه البخاري (٢٢٩١).
[ ٢ / ١٩٤ ]
- الكلام والقول والحديث والنداء والصوت
يعتقد أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ الله ﷿ يتكلم ويقول ويتحدث وينادي، وأنَّ كلامه بصوت وحرف، وأنَّ القرآن كلامه، مُنَزَّلٌ غير مخلوق، وكلام الله صفةٌ ذاتيةٌ فعليةٌ (ذاتيةٌ باعتبار أصله وفعليةٌ باعتبار آحاده)
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤]
وقوله: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: ٣٠] (نداء بصوت مسموع)
وقوله: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف: ١٠٩] (كلام مكتوب)
وقوله: وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة: ٦] (كلام يُسمع)
وقوله: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء: ٨٧]
الدليل من السُّنَّة:
حديث احتجاج آدم وموسى وفيه: «قال له آدم: يا موسى! اصطفاك الله بكلامه» (١)
حديث قصة الإفك وقول عائشة ﵂: «ولَشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بأمرٍ يتلى» (٢)
حديث أبي سعيد الخدري ﵁: «إنَّ الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك فيقول: هل رضيتم؟» (٣)
حديث ابن عباس ﵁: «بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ وقال: أبشر بنورين أوتيتهنَّ لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما؛ إلا أعطيته» (٤)
حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا: «يقول الله: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، فينادى بصوت: إنَّ الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار» (٥)
ومن أقوال العلماء في ذلك:
١ - قال الإمام البخاري: وإنَّ الله ﷿ ينادي بصوتٍ يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قَرُب، فليس هذا لغير الله جل ذكره، وفي هذا (يعني: حديث عبد الله بن أنيس ذكره بعد كلامه هذا) دليل أنَّ صوت الله لا يشبه أصوات الخلق؛ لأنَّ صوت الله جل ذكره يسمع من بعد كما يسمع من قرب، وأنَّ الملائكة يصعقون من صوته؛ فإذا تنادى الملائكة؛ لم يصعقوا (٦)
٢ - وقال أبو بكر الخلال: أخبرني علي بن عيسى أنَّ حنبلًا حدثهم؛ قال: قلت لأبي عبد الله: الله يكلم عبده يوم القيامة؟ قال: نعم؛ فمن يقضي بين الخلائق إلا الله ﷿؟! يكلم عبده ويسأله، الله متكلم، لم يزل الله متكلمًا؛ يأمر بما يشاء، ويحكم بما يشاء، وليس له عدل ولا مثل، كيف شاء وأين شاء (٧)
٣ - وقال عبد الله ابن الإمام أحمد رحمهما الله: سألت أبي ﵀ عن قوم يقولون: لما كلم الله ﷿ موسى؛ لم يتكلم بصوت، فقال أبي: بلى؛ إن ربك ﷿ تكلم بصوت، هذه الأحاديث نرويها كما جاءت (٨).
٤ - وقال ابن أبي عاصم في (السُّنَّة): باب: ذكر الكلام والصوت والشخص وغير ذلك (٩)
٥ - وقال أبو الحسن الأشعري: وأجمعوا على إثبات حياة الله ﷿، لم يزل بها حيًّا وكلامًا لم يزل به متكلمًا اهـ (١٠)
_________________
(١) رواه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢).
(٢) رواه البخاري (٤١٤١)، ومسلم (٢٧٧٠).
(٣) رواه البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩).
(٤) رواه مسلم (٨٠٦).
(٥) رواه البخاري (٧٤٨٣).
(٦) «خلق أفعال العباد» (ص١٤٩).
(٧) انظر: «المسائل والرسالة المروية عن الإمام أحمد» (١/ ٢٨٨).
(٨) «المسائل والرسالة المروية عن الإمام أحمد» (١/ ٣٠٢).
(٩) «السنة» (١/ ٢٢٥).
(١٠) «رسالة إلى أهل الثغر» (ص٢١٤).
[ ٢ / ١٩٥ ]
٦ - وقال قَوَّام السُّنَّة الأصبهاني: وخاطر أبو بكر ﵁ (أي: راهن قومًا من أهل مكة)، فقرأ عليهم القرآن، فقالوا: هذا من كلام صاحبك فقال: ليس بكلامي ولا كلام صاحبي، ولكنه كلام الله تعالى، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة
وقال عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر: (إنَّ هذا القرآن كلام الله)
فهو إجماع الصحابة وإجماع التابعين بعدهم، مثل: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، والشعبي، وغيرهم ممَّن يطول ذكرهم، أشاروا إلى أنَّ كلام الله هو المتلو في المحاريب والمصاحف
وذكر: صالح بن أحمد بن حنبل، وحنبل؛ أنَّ أحمد ﵀؛ قال: جبريل سمعه من الله تعالى، والنبي ﷺ سمعه من جبريل، والصحابة سمعته من النبي ﷺ وفي قول أبي بكر ﵁: (ليس بكلامي، ولا كلام صاحبي، إنما هو كلام الله تعالى): إثبات الحرف والصوت؛ لأنه إنما تلا عليهم القرآن بالحرف والصوت اهـ (١)
٧ - وبوب ﵀ في (الحجة) (فصل في إثبات النداء صفة لله ﷿) ثم سرد جملة من الآيات والأحاديث (٢)
٨ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: واستفاضت الآثار عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة السُّنَّة؛ أنه سبحانه ينادي بصوت؛ نادى موسى، وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بالوحي بصوت، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه قال: إنَّ الله يتكلم بلا صوت أو بلا حرف، ولا أنَه أنكر أن يتكلم الله بصوت أو بحرف (٣)
٩ - وقال ابن القيم (٤) على لسان مُعَطِّلٍ يعترض على ما يثبته سني:
وزَعَمْتَ أنَّ الله كَلَّمَ عَبْدَهُ أَفَتَسْمَعُ الآذَانُ غَيرَ الحَرْفِ وَالصَّـ وَكَذا النِّداءُ فَإنَّهُ صَوْتٌ بِإجْمـ لَكنَّهُ صَوْتٌ رَفِيعٌ وَهُوَ ضِـ مُوسَى فَأسْمَعَهُ نِدَا الرَّحْمنِ ـوْتِ الَّذي خُصَّتْ بِهِ الأذُنانِ ـمَاعِ النُّحَاةِ وأهْلِ كُلِّ لِسَانِ ـدٌّ للنِّجَاءِ كِلاهُمَا صَوْتَانِ
ولمزيد شرح فيما يتعلق بصفة الكلام انظر: (شرح الشيخ عبد الله الغنيمان لكتاب التوحيد من صحيح البخاري) (٢/ ٣٠٧ - ٣١٦)، وكتاب (العقيدة السلفية في كلام رب البرية) للأخ عبد الله بن يوسف الجديع، وهي نافعة جدًَّا صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٥٩
_________________
(١) «الحجة» (١/ ٣٣١و٣٣٢).
(٢) «الحجة» (١/ ٢٦٩).
(٣) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٣٠٤). وانظر أيضًا: (٦/ ٥١٣ - ٥٤٥).
(٤) «القصيدة النونية» (١/ ٨٠).
[ ٢ / ١٩٦ ]
- الكنف
صفةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالحديث الصحيح، والكَنَف في اللغة: السِّتر والحِرز والجانب والنَّاحية
الدليل: ما رواه البخاري ومسلم؛ من حديث ابن عمر ﵄: «يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كَنَفَه عليه فيقول» (١) قال البخاري: قال عبد الله بن المبارك: كَنَفَه؛ يعني: ستره (٢)
وقال الأزهري في (تهذيب اللغة) بعد أن نقل كلام ابن المبارك هذا: وقال ابن شميل: يضع الله عليه كَنَفَه؛ أي: رحمته وبرَّه (٣) وقال شيخ الإسلام في (نقض التأسيس)؛ كما ذكر الغنيمان في (شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري): قال الخلال في (كتاب السُّنَّة) باب: يضع كَنَفَه على عبده، ﵎: أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر؛ أنَّ أبا الحارث حدثهم؛ قال: قلت لأبي عبد الله: ما معنى قوله: (إنَّ الله يدني العبد يوم القيامة؛ فيضع عليه كَنَفَه؟) قال: هكذا نقول: يدنيه ويضع كَنَفَه عليه؛ كما قال؛ يقول له: أتعرف ذنب كذا قال الخلال: أنبأنا إبراهيم الحربي؛ قال: قوله: «فيضع عليه كَنَفَه»؛ يقول: ناحيته قال إبراهيم: أخبرني أبو نصر عن الأصمعي؛ يقال: نزل في كَنَفِ بني فلان؛ أي: في ناحيتهم. اهـ (٤)
قال الحافظ أبو موسى المديني في (المجموع المغيث): في الحديث: «يُدني المؤمن من ربه ﷿ حتى يضع عليه كَنَفَه» (٥)؛ أي: يستره، وقيل: يرحمه، وقال الإمام إسماعيل: لم أر أحدًا فسَّرَه؛ إلا إن كان معناه: يستره من الخلق، وقيل في رواية: يستره بيده وكنفا الإنسان: ناحيتاه، ومن الطائر: جناحاه (٦)
وقال الشيخ الغنيمان في المصدر السابق: قوله: «حتى يضع كَنَفَه عليه»: جاء الكَنَفُ مفسرًا في الحديث بأنه السِّتر، والمعنى: أنه تعالى يستر عبده عن رؤية الخلق له؛ لئلا يفتضح أمامهم فيخزى؛ لأنه حين السؤال والتقرير بذنوبه تتغير حاله، ويظهر على وجهه الخوف الشديد، ويتبين فيه الكرب والشدة (٧) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٦٣
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠٧٠)، ومسلم (٢٧٦٨).
(٢) انظر: «خلق أفعال العباد» (ص١٠٣).
(٣) «تهذيب اللغة» (١٠/ ٢٧٤).
(٤) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (٢/ ٤٢٣)
(٥) رواه البخاري (٤٦٨٥). من حديث ابن عمر ﵄.
(٦) «المجموع المغيث» (٣/ ٧٨).
(٧) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (٢/ ٤٢٣).
[ ٢ / ١٩٧ ]
- الكيد لأعدائه
صفةٌ فعلِيَّةٌ خبريَّةٌ ثابتة لله ﷿ بالكتاب، ولا يوصف به إلا مقيدًا في مقابلة كَيْدِ المخلوق الدليل:
قوله تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف: ٧٦]
وقوله: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق: ١٦]
وقوله: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف: ١٨٣، القلم: ٤٥]
قال أبو إسحاق الحربي: (الكيد من الله خلافه من الناس، كما أنَّ المَكْر منه خلافه من الناس) اهـ (١) وهذا إثباتٌ منه لصفة الكيد والمَكْر على حقيقتهما وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) رادًَّا على من زعم أنَّ في القرآن مجازًا: وكذلك ما ادعوا أنه مجاز في القرآن؛ كلفظ: (المَكْر) و(الاستهزاء)، و(السخرية)؛ المضاف إلى الله، وزعموا أنه مسمى باسم ما يقابله على طريق المجاز، وليس كذلك، بل مسميات هذه الأسماء إذا فعلت بمن لا يستحق العقوبة؛ كانت ظلمًا له، وأما إذا فعلت بمن فعلها بالمجني عليه عقوبة له بمثل فعله؛ كانت عدلًا؛ كما قال تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف:٧٦]، فكاد له كما كادت إخوته لما قال له أبوه: لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف:٥]، وقال تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق:١٥] اهـ (٢) وقال في (التدمرية): وهكذا وصف نفسه بالمَكْر والكيد، كما وصف عبده بذلك، فقال: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ [الأنفال:٣٠]، وقال: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق:١٦]، وليس المَكْر كالمَكْر ولا الكيد كالكيد (٣) وانظر كلام ابن القيم في (مدارج السالكين) (٤)، و(مختصر الصواعق المرسلة) (٥) وقال الشيخ محمد خليل هرَّاس في (شرح العقيدة الواسطية) عند قوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ، وقوله: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا، قال ﵀: تضمنت هذه الآيات إثبات صفتي المَكْر والكيد، وهما من صفات الفعل الاختيارية، ولكن لا ينبغي أن يشتق له من هاتين الصفتين اسم، فيقال: ماكر، وكائد، بل يوقف عند ما ورد به النص من أنه خير الماكرين، وأنه يكيد لأعدائه الكافرين اهـ (٦) وانظر: صفة (الخِدَاع) و(المَكْر) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٦٥
_________________
(١) «غريب الحديث» (١/ ٩٤).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٧/ ١١١).
(٣) «التدمرية» (ص٢٦).
(٤) (٣/ ٤١٥).
(٥) «مختصر الصواعق المرسلة» (٢/ ٣٢ - ٣٤).).
(٦) «شرح العقيدة الواسطية» (ص١٢٣).
[ ٢ / ١٩٨ ]
- اللطف
صفةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسُّنَّة، و(اللطيف) من أسمائه سبحانه
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٠٣]
وقوله: اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ [الشورى: ١٩]
الدليل من السُّنَّة: حديث عائشة ﵂ في تتبعها للنبي ﷺ لما خرج من عندها خفية لزيارة البقيع، وفيه قال ﷺ: «ما لك يا عائش حشيًا رابية؟ قالت: قلت: لا شيء قال: لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير» (١)
قال ابن القيم في (النونية ٢/ ٨٥):
وَهُوَ اللَّطيفُ بِعَبْدهِ وَلِعَبْدِهِ واللُّطفُ في أوصَافِهِ نِوْعَانِ
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: اللطيف: الذي أحاط علمه بالسرائر والخفايا، وأدرك الخبايا والبواطن والأمور الدقيقة، اللطيف بعباده المؤمنين، الموصل إليهم مصالحهم بلطفه وإحسانه من طرق لا يشعرون بها، فهو بمعنى الخبير وبمعنى الرؤوف (٢)
وقال ابن منظور في (لسان العرب): اللُّطف واللَّطف: البر والتكرمة والتَّحفِّي اللطيف: صفة من صفات الله، واسم من أسمائه، ومعناه والله أعلم: الرفيق بعباده صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٦٦
_________________
(١) رواه مسلم (٩٧٤).
(٢) «تفسير السعدي» (٥/ ٣٠١).
[ ٢ / ١٩٩ ]
- اللعن
صفةٌ فعلِيَّةٌ اختياريةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسُّنَّة الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ [النساء: ٩٣]
وقوله: إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا [الأحزاب: ٦٤]
وقوله: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [الأعراف: ٤٤]، [هود:١٨]
الدليل من السُّنَّة:
حديث: «لعن الله الواصلة والمستوصلة» (١)
حديث: «لعن الله السارق يَسْرِقُ البيضة» (٢)
حديث: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثًا، أو أوى محدثًا؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (٣)
وقد استشهد شيخ الإسلام ابن تيمية في (الواسطية) بقوله تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ [النساء:٩٣]؛ بإثبات صفة الغضب واللعن (٤) وقال الشيخ خليل الهرَّاس عن هذه الآية وآيات معها: تضمنت هذه الآيات إثبات بعض صفات الفعل؛ من الرضى لله، والغضب، واللعن، والكره، ثم قال: واللعن: هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، واللعين والملعون: من حقت عليه اللعنة، أو دعي عليه بها صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٦٧
_________________
(١) رواه البخاري (٥٩٣٤) ومسلم (٢١٢٣). من حديث عائشة ﵂.
(٢) رواه البخاري (٦٧٨٣) ومسلم (١٦٨٧). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه البخاري (٦٧٥٥)، ومسلم (١٣٧٠). من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٤) «العقيدة الواسطية» (١٠٨).
[ ٢ / ٢٠٠ ]
- المؤمن
يوصف الله ﷿ بأنه المؤمن، وهو اسم له ثابتٌ بالكتاب
الدليل من الكتاب: قوله تعالى: السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ [الحشر: ٢٣]
قال ابن قتيبة: ومن صفاته (المؤمن)، وأصل الإيمان: التصديق فالعبد مؤمن؛ أي: مصدِّق محقِّق، والله مؤمن؛ أي: مصدِّق ما وعده ومحقِّقه، أو قابل إيمانه وقد يكون (المؤمن) من الأمان؛ أي: لا يأمن إلا من أمَّنَه الله وهذه الصفة من صفات الله جَلَّ وعَزَّ لا تتصرَّف تصرُّف غيرها، لا يقال: أمن الله؛ كما يقال: تقدَّس الله، ولا يقال: يؤمن الله؛ كما يقال: يتقدَّس الله وإنما ننتهي في صفاته إلى حيث انتهى، فإن كان قد جاء من هذا شيء عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله أو عن الأئمة؛ جاز أن يطلق كما أطلق غيره اهـ (١) وقال ابن منظور في (لسان العرب): المؤمن من أسماء الله تعالى الذي وحَّد نفسه؛ بقوله: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة:١٦٣]، وبقوله: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ [آل عمران:١٨]، وقيل: المؤمن الذي آمن أولياءَه عذابه، وقيل: المؤمن في صفة الله الذي أمِن الخلق من ظلمه، وقيل: المؤمن الذي يصدُق عبادَه ما وعدهم، وكل هذه الصفات لله ﷿؛ لأنه صدق بقوله ما دعا إليه عباده من توحيد، وكأنه أمن الخلق من ظلمه، وما وعدنا من البعث والجنة لمن آمن به والنار لمن كفر به، فإنه مصدِّق وعده، لا شريك له وقال الزجاجي: المؤمن في صفات الله ﷿ على وجهين: أحدهما: أن يكون من الأمان؛ أي: يؤمن عبادَه المؤمنين من بأسهِ وعذابهِ، فيأمنونَ ذلك؛ كما تقول: (آمَنَ فلانٌ فلانًا)؛ أي: أعطاهُ أمانًا ليسكنَ إليه ويأمنَ، فكذلك أيضًا يقال: اللهُ المؤمنُ؛ أي: يُؤْمِن عبادَه المؤمنين، فلا يأمن إلا منْ آمنه والوجه الآخر: أن يكون المؤمن من الإيمان، وهو التصديق، فيكون ذلك على ضربين: أحدهما: أن يقال: الله المؤمنُ؛ أي: مُصَدِّق عباده المؤمنين؛ أي: يصدِّقُهم على إيمانِهم، فيكون تصديقه إياهم قبول صدقِهِم وإيمانهم وإثابتهم عليه والآخر: أن يكون الله المؤمنُ؛ أي: مُصدقٌ ما وَعَدَهُ عباده؛ كما يقال: صَدَقَ فُلانٌ في قوله وصَدَّقَ؛ إذا كَررَ وبالغَ، يكون بمنْزلةِ ضَرَبَ وضَرَّبَ؛ فالله ﷿ مُصدقٌ ما وعد به عبادُهُ ومحققه فهذه ثلاثة أوجهٍ في المؤمن، سائغٌ إضافتها إلى الله ولا يصرفُ فعلُ هذه الصفة من صفاته ﷿، فلا يقال: آمن الله؛ كما يقال: تقدسَ اللهُ، وتباركَ اللهُ، ولا يقال: اللهُ يؤمنُ؛ كما يقال: الله يحلم ويغفر، ولم يُستعمل ذلك؛ كما قيل: تباركَ الله، ولم يقل: هو متباركٌ، وإنما تستعمل صفاتهُ على ما استعملتها الأمة وأطلقتها (٢) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٦٨
_________________
(١) «تفسير غريب القرآن» (ص٩).
(٢) «اشتقاق أسماء الله» (ص٢٢١).
[ ٢ / ٢٠١ ]
- المبين:
يوصف الله ﷿ بأنه المبين، وهو اسم له ثابتٌ بالكتاب العزيز الدليل من الكتاب: قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [النور: ٢٥] قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: يقول: ويعلمون يومئذ أنَّ الله هو الحق الذي يبين لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب، ويزول حينئذ الشك فيه عن أهل النفاق الذين كانوا فيما كان يعدهم في الدنيا يمترون وقال قَوَّام السُّنَّة الأصبهاني: المبين: ومعناه البيِّن أمره، وقيل: البيِّن الربوبية والملكوت، يقال: أبان الشيء بمعنى تبين، وقيل معناه: أبان للخلق ما احتاجوا إليه (١) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٧٠
_________________
(١) «الحجة» (١/ ١٤٣).
[ ٢ / ٢٠٢ ]
- المتانة
صفةٌ ذاتيةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب، و(المتين) من أسماء الله تعالى الدليل: قوله تعالى: إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٨]
قال أبو زكريا الفراء: وقرأ الناس الْمَتِينُ، رفعٌ من صفة الله ﵎ اهـ (١) وبه قال الزجَّاج (٢)، والأزهري (٣)، وقال: ومعنى ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ: ذو الاقتدار الشديد، والمتين في صفة الله القوي وقال ابن منظور في (لسان العرب): والمتين في صفة الله القوي والمتانة: الشدة والقوة؛ فهو من حيث إنه بالغُ القدرة تامُّها قويٌ، ومن حيث إنه شديدُ القوة متينٌ وقال الشيخ عبد العزيز السلمان: وما يؤخذ من الآية إثبات المتانة وهي من الصفات الذاتية (٤) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٧١
_________________
(١) «معاني القرآن» (٣/ ٩٠).
(٢) «معاني القرآن» (٥/ ٥٩).
(٣) «تهذيب اللغة» (١٤/ ٣٠٦).
(٤) «الكواشف الجلية عن معاني الواسطية» (ص١٤٤).
[ ٢ / ٢٠٣ ]
- المجد
صفةٌ ذاتيةٌ لله ﷿، من اسمه (المجيد) الثابت بالكتاب والسُّنَّة وليس (الماجد) من أسمائه تعالى الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُوُدُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [البروج: ١٥]
وقوله: رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ [هود: ٧٣]
الدليل من السُّنَّة: حديث: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» (١)
قال ابن قتيبة: (مجد الله): شرفه، وكرمه اهـ (٢)
وقال ابن القيم (٣):
وَهُوَ المَجِيدُ صِفَاتُهُ أَوْصَافُ تَعْـ ـظِيمٍ فَشَأْنٌ الوَصْفِ أعْظَمُ شَانِ
وقال أيضًا: وأما المجد؛ فهو مستلزم للعظمة والسعة والجلال؛ كما يدل على موضوعه في اللغة؛ فهو دالٌّ على صفات العظمة والجلال، والحمد يدل على صفات الإكرام، والله سبحانه ذو الجلال والإكرام، وهذا معنى قول العبد: لا إله إلا الله والله أكبر؛ فلا إله إلا الله دال على ألوهيته وتفرده فيها، فألوهيته تستلزم محبته التامة، والله أكبر دال على مجده وعظمته اهـ (٤) قال ابن منظور في (لسان العرب): المجد: المروءة والسخاء، والمجد: الكرم والشرف، والمجيد: من صفات الله ﷿، وفعيل أبلغ من فاعل، فكأنه يجمع معنى الجليل والوهَّاب والكريم وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: المجيد الكبير العظيم الجليل: وهو الموصوف بصفات المجد والكبرياء والعظمة والجلال (٥) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٧٢
_________________
(١) رواه البخاري (٤٧٩٧)، ومسلم (٤٠٦). من حديث كعب بن عجرة ﵁.
(٢) «تفسير غريب القرآن» (ص١٩).
(٣) «القصيدة النونية» (٢/ ٦٦).
(٤) «جلاء الأفهام» (ص١٧٤).
(٥) «التفسير» (٥/ ٣٠٠).
[ ٢ / ٢٠٤ ]
- المحيط
يوصف الله ﷿ بأنه محيط، قد أحاط بكل شيء، وهي صفةٌ ذاتيةٌ، و(المحيط) اسم من أسمائه تعالى ثابت بالكتاب الدليل:
قوله تعالى: وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ [البقرة: ١٩]
وقوله: وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: ١٢]
وغيرها من الآيات قال قَوَّام السُّنَّة الأصبهاني: المحيط: هو الذي أحاطت قدرته بجميع خلقه، وهو الذي أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا (١) وقال البيهقي: المحيط: هو الذي أحاطت قدرته بجميع المقدورات، وأحاط علمه بجميع المعلومات، والقدرة له صفة قائمة بذاته، والعلم له صفة قائمة بذاته (٢) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٧٣
_________________
(١) «الحجة» (١/ ١٦٣ - ١٦٤).
(٢) «الاعتقاد» (ص٦٨)
[ ٢ / ٢٠٥ ]
- المحيي والمميت
يوصف الله ﷿ بأنه المحيي والمميت، وهذا ثابت بالكتاب والسُّنَّة، وهما صفتان فعليتان خاصتان بالله ﷿، وليسا هما من أسمائه
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:٢٨]
وقوله: وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ [الحج: ٦٦]
وقوله: إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت: ٣٩]
الدليل من السُّنَّة:
حديث حذيفة ﵁ في دعاء الاستيقاظ من النوم: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور» (١)
حديث أنس ﵁: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» (٢)
قال البيهقي: المحيي: هو الذي يحيي النطفة الميتة، فيخرج منها النسمة الحية، ويحيي الأجسام البالية بإعادة الأرواح إليها عند البعث، ويحيي القلوب بنور المعرفة، ويحيي الأرض بعد موتها؛ بإنزال الغيث، وإنبات الرزق المميت: هو الذي يميت الأحياء، ويوهي بالموت قوة الأقوياء (٣) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٧٤
_________________
(١) رواه البخاري (٦٣١٢). والحديث رواه مسلم (٢٧١١). من حديث البراء بن عازب ﵁.
(٢) رواه البخاري (٥٦٧١)، ومسلم (٢٦٨٠).
(٣) «الاعتقاد» (ص٦٢).
[ ٢ / ٢٠٦ ]
- المستعان
يوصف الله ﷿ بأنه المستعان، الذي يستعين به عباده فيعينهم، وهذا ثابت بالكتاب والسُّنَّة الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥]
وقوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف: ١٨]
الدليل من السُّنَّة:
حديث معاذ بن جبل ﵁: «اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (١)
حديث ابن عباس ﵄: «إذا سألت؛ فاسأل الله، وإذا استعنت؛ فاستعن بالله» (٢)
وقد عدَّ بعضهم (المستعان) من أسماء الله، وفي هذا نظر أما (المعين)؛ فهو ليس من أسماء الله، خلاف ما هو منتشر عند العامة، فتراهم يتعبَّدون الله به بتسمية عبد المعين صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٧٥
_________________
(١) رواه أبو داود (١٥٢٢)، والنسائي (٣/ ٥٣) بلفظة: «رب» بدلًا من «اللهم»، وأحمد (٥/ ٢٤٤) (٢٢١٧٢). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال النووي في «المجموع» (٣/ ٤٨٦)، وابن الملقن في «الإعلام» (٤/ ١٤): إسناده صحيح. وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٧/ ٩٧)، وابن حجر في «نتائج الأفكار» (٢/ ٢٩٧)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
(٢) رواه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١/ ٢٩٣) (٢٦٦٩)، والحاكم (٣/ ٦٢٣). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث كبير عال من حديث عبد الملك بن عمير عن ابن عباس ﵄ إلا أن الشيخين ﵄ لم يخرجا لشهاب بن خراش ولا القداح في الصحيحين وقد روي الحديث بأسانيد عن ابن عباس غير هذا. وقال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (١/ ٤٩٥): حسن جيد. وقال ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ٣٢٧): حسن. وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (١٨٨): حسن وله شاهد. وقال الصنعاني في «سبل السلام» (٤/ ٢٦٧): إسناده حسن. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٤/ ٢٣٣): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
- المسح
ثبت في الحديث الصحيح أنَّ الله ﷿ مسح على ظهر آدم، وهو مسحٌ على حقيقته، يليق بجلال الله وعظمته الدليل:
حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لمَّا خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة٠٠» (١)
حديث ابن عباس ﵁؛ قال: لما نزلت آية الدَّيْن؛ قال رسول الله ﷺ: «إنَّ أول من جحد آدم، إنَّ الله تعالى لما خلقه؛ مسح ظهره، فأخرج منه ما هو من ذراري إلى يوم القيامة، فعرضهم عليه» (٢)
قال ابن القيم: وورد لفظ اليد في القرآن والسُّنَّة وكلام الصحابة والتابعين في أكثر من مئة موضع ورودًا متنوعًا متصرفًا فيه مقرونًا بما يدل على أنها يد حقيقية من الإمساك والطي والقبض والبسط وأنه مسح ظهر آدم بيده اهـ (٣) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٧٦
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٠٧٦)، والحاكم (٢/ ٣٥٤). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ. وقال ابن منده في «الرد على الجهمية» (٥٠): صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال ابن العربي في «أحكام القرآن» (٢/ ٣٣٣)، والألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح. والحديث روي عن عمر ﵁.
(٢) رواه أحمد (١/ ٢٥١) (٢٢٧٠)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٢٠٤)، والطبراني (١٢/ ٢١٤). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٢٠٦): رواه أحمد والطبراني وقال في أوله لما نزلت آية الدين وقال كم عمره قال ستون سنة، والباقي بمعناه وفيه علي بن زيد وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٤/ ٧١): إسناده صحيح. وقال الألباني في «ظلال الجنة» (٢٠٤): صحيح.
(٣) «مختصر الصواعق المرسلة» (٢/ ١٧١).
[ ٢ / ٢٠٨ ]
- المصور
يوصف الله ﷿ بأنه المُصَوِّر، وهذا ثابت بالكتاب والسُّنَّة، و(المُصَوِّر) من أسمائه تعالى الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ المُصَوِّر [الحشر: ٢٤]
وقوله: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحامِ كَيْفَ يَشَاء [آل عمران:٦]
الدليل من السُّنَّة:
حديث أنس ﵁: «لمَّا صوَّر الله آدم في الجنة؛ تركه ما شاء الله أن يتركه» (١)
حديث علي بن أبي طالب ﵁: «سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره وشق سمعه وبصره» (٢)
قال ابن منظور في (لسان العرب): ومن أسماء الله المُصَوِّر، وهو الذي صوَّر جميع الموجودات ورتبها، فأعطى كل شيء منها صورة خاصة وهيئة مفردة يتميز بها على اختلافها وكثرتها
قال الشيخ ابن سعدي: الخالق البارئ المُصَوِّر: الذي خلق جميع الموجودات وبرأها وسواها بحكمته، وصورها بحمده وحكمته، وهو لم يزل ولا يزال على هذا الوصف العظيم (٣) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٧٧
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦١١).
(٢) رواه مسلم (٧٧١).
(٣) «التفسير» (٥/ ٣٠١).
[ ٢ / ٢٠٩ ]
- المعية
يعتقد أهل الحقِّ، أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ الله معنا على الحقيقة، وأنه فوق سماواته، مستوٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، وهذه المَعِيَّةُ ثابتةٌ بالكتاب والسُّنَّة الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد: ٤]
وقوله: وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة: ٧]
الدليل من السُّنَّة:
حديث ابن عمر ﵄: «إذا كان أحدكم في الصلاة؛ فلا يبصق قِبَل وجهه؛ فإنَّ الله قِبَل وجهه» (١)
الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني » (٢)
وانظر: صفة (القُرْب)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (الواسطية): فصل: وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله الإيمان بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر عن رسوله، وأجمع عليه سلف الأمة؛ من أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه، عليُّ على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون، ثم بعد أن أورد بعض الآيات؛ قال: وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش وأنه معنا حقٌ على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة (٣)
قال الشيخ العثيمين -﵀- في (تعقيب مَعِيَّة الله على خلقه) في بيان سبب كتابه هذا التعقيب: جـ - ولبيان معنى هذه الصفة العظيمة التي وصف الله بها نفسه في عدة آيات من القرآن، ووصفه بها نبيه محمد ﷺ اهـ
وهذه الرسالة من أفضل ما قرأت في توضيح معنى المَعِيَّة؛ فلتراجع، وقد طبعها الشيخ ﵀ في آخر كتابه القيم: (القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٧٨
_________________
(١) رواه البخاري (٤٠٦)، ومسلم (٥٤٧).
(٢) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) «العقيدة الواسطية» (ص١٩٣).
[ ٢ / ٢١٠ ]
- المغفرة والغفران
صفةٌ فعلِيَّةٌ ثابتة لله ﷿ بالكتاب والسُّنَّة، ومن أسمائه (الغفار) و(الغفور) الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: ٢٨٥]
وقوله: إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر: ٢٨]
وقوله: أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ [الزمر: ٥]
وقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ [فصلت: ٤٣]
الدليل من السُّنَّة:
حديث أبي هريرة ﵁: «بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» (١)
حديث عائشة ﵂: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله؛ كره الله لقاءه فقيل: يا رسول الله! كراهية لقاء الله كراهية الموت، كلنا نكره الموت؟ قال: ذاك عند موته، إذا بشر برحمة الله ومغفرته؛ أحب لقاء الله» (٢)
قال ابن قتيبة: ومن صفاته (الغفور)، وهو من قولك: غفرت الشيء: إذا غطيته؛ كما يُقال: كَفَرْتُه: إذا غطيته ويقال: كذا أغفر من كذا؛ أي: أستر (٣) وقال الزجاجي: غفور – كما ذكرت لك – من أبنية المبالغة؛ فالله ﷿ غفور؛ لأنه يفعل ذلك لعباده مرة بعد مرة إلى ما لا يحصى، فجاءت هذه الصفة على أبنية المبالغة لذلك، وهو متعلق بالمفعول؛ لأنه لا يقع الستر إلا بمستور يُستر ويُغطى، وليست من أوصاف المبالغة في الذات، إنما هي من أوصاف المبالغة في الفعل (٤) وقال الشيخ ابن سعدي: العفُو الغفور الغفار: الذي لم يزل ولا يزال بالعفو معروفًا، وبالغفران والصفح عن عباده موصوفًا، كل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه (٥) وقال الشيخ عبد العزيز السلمان: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ؛ في هذه الآيات إثبات وصف الله بالعفو والمغفرة اهـ (٦) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٧٩
_________________
(١) رواه مسلم (١٢٥).
(٢) رواه النسائي (٤/ ١٠)، وابن ماجه (٤٢٦٤). وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.
(٣) «تفسير غريب القرآن» (ص١٤).
(٤) «اشتقاق أسماء الله» (ص٩٣).
(٥) «تفسير السعدي» (٥/ ٣٠٠).
(٦) «الكواشف الجلية عن معاني الواسطية» (ص٢٧٠).
[ ٢ / ٢١١ ]
- المقت
صفةٌ فعلِيَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسُّنَّة الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [غافر: ١٠]
الدليل من السُّنَّة:
حديث عياض بن حمار ﵁: «وإنَّ الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم؛ عربهم وعجمهم؛ إلا بقايا من أهل الكتاب» (١)
وفي (معاني القرآن وإعرابه) في معنى قوله تعالى: إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء: ٢٢]؛ قال الزجاج: المَقْت: أشد البغض اهـ (٢) وقد استشهد شيخ الإسلام في (الواسطية) لإثبات صف (المَقْت) بقوله تعالى: كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:٣] وقال الشيخ محمد خليل الهرَّاس شارحًا هذه الآيات: تضمنت هذه الآيات بعض صفات الفعل؛ من الرضى لله والغضب والمَقْت والأَسَف، وهي عند أهل الحق صفات حقيقية لله ﷿، على ما يليق به، ولا تشبه ما يتصف به المخلوق من ذلك، ولا يلزم منها ما يلزم في المخلوق اهـ وقال شيخ الإسلام أيضًا في (التدمرية): وكذلك وصف نفسه بأنه يمقت الكفار، ووصفهم بالمَقْت، فقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ، وليس المَقْت مثل المَقْت (٣) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٨١
_________________
(١) رواه مسلم (٢٨٦٥).
(٢) «معاني القرآن وإعرابه» (٢/ ٣٢).
(٣) «العقيدة التدمرية» (٢٦).
[ ٢ / ٢١٢ ]
- المقيت
يوصف الله ﷿ بأنه مُقِيت، يقدر لعباده القوت، ويحفظ عليهم رزقهم، وهذا ثابت بالكتاب العزيز والمقيت من أسمائه تعالى الدليل: قوله تعالى: وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا [النساء: ٨٥] قال ابن جرير في تفسير الآية: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا، قال بعضهم: تأويله: وكان الله على كل شيء حفيظًا وشهيدًا - ونقل بإسناده هذا القول عن ابن عباس ومجاهد – وقال آخرون: معنى ذلك: القائم على كل شيءٍ بالتدبير وقال آخرون: هو القدير - ونقل ذلك بإسناده عن السدي وابن زيد - والصواب من هذه الأقوال قول من قال: معنى (المُقِيت): القدير اهـ (١) وممَّن قال من أهل اللغة: المُقِيت بمعنى القدير: أبو إسحاق الزَّجَّاج في (تفسير أسماء الله الحسنى) (٢) – وله قولٌ آخر سيأتي -، وتلميذه أبو القاسم الزَّجَّاجِي – نسبةً إلى شيخه الزَّجَّاج – في (اشتقاق أسماء الله) (٣)، والفراء في (معاني القرآن) (٤) ومِمَّن قال: المُقِيت بمعنى الحفيظ: الزجاج في (معاني القرآن وإعرابه) (٥)، وهذا قولٌ آخرٌ له، ووافقه أبو جعفر النحاس في (معاني القرآن الكريم) (٦) قال القرطبي في (الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى) (٧): وعلى القول بأنه القادر يكون من صفات الذات، وإن قلنا إنه اسم الذي يعطي القوت؛ فهو اسم للوهَّاب والرزاق، ويكون من صفات الأفعال وقد عدَّ الشيخ العثيمين -﵀- (المُقِيت) من أسماء الله تعالى، انظر: (القواعد المثلى)، وانظر أيضًا: (النهج الأسمى) (٨) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٨٢
_________________
(١) «تفسير الطبري» (٨/ ٥٨٣ - شاكر).
(٢) «تفسير أسماء الله الحسنى» (ص ٤٨)
(٣) «اشتقاق أسماء الله» (ص١٣٦).
(٤) «معاني القرآن» (١/ ٢٨٠).
(٥) «معاني القرآن وإعرابه» (٢/ ٨٥).
(٦) «معاني القرآن الكريم» (٢/ ١٤٧).
(٧) «الأسنى» (١/ ٢٧٥).
(٨) «النهج الأسمى» (١/ ٣٣٧).
[ ٢ / ٢١٣ ]
- المكر على من يمكر به
من صفات الله الفعليَّة الخبريَّة التي لا يوصف بها وصفًا مطلقًا، وهي ثابتة بالكتاب والسُّنَّة
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [آل عمران٥٤]
وقوله: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل٥٠]
الدليل من السُّنَّة:
حديث ابن عباس ﵄: «رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي» (١) رواه أبو داود (صحيح سنن أبي داود/١٣٣٧)، والترمذي (٢٨١٦)، وابن ماجه
قال أبو إسحاق الحربي: والكيد من الله خلافه من الناس، كما المَكْر منه خلافه من الناس (٢)
وهذا إثبات منه لصفتي الكَيْد والمَكْر على الحقيقة قال شيخ الإسلام: وهكذا وصف نفسه بالمَكْر والكيد، كما وصف عبده بذلك، فقال: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ [الأنفال:٣٠]، وقال: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق:١٥]، وليس المَكْر كالمَكْر، ولا الكيد كالكيد (٣)
وانظر كلام تلميذه ابن القيم في (مختصر الصواعق المرسلة) (٤)
وفي (المجموع الثمين) سئل الشيخ العثيمين -﵀- هل يوصف الله بالمَكْر؟ وهل يسمى به؟ فأجاب: لا يوصف الله تعالى بالمَكْر إلا مقيدًا، فلا يوصف الله تعالى به وصفًا مطلقًا؛ قال الله تعالى: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:٩٩]، ففي هذه الآية دليل على أنَّ لله مكرًا، والمَكْر هو التوصل إلى إيقاع الخصم من حيث لا يشعر، ومنه جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري «الحرب خدعة» (٥) فإن قيل: كيف يوصف الله بالمَكْر مع أنَّ ظاهره أنه مذموم؟ قيل: إن المَكْر في محله محمود، يدل على قوة الماكر، وأنه غالب على خصمه، ولذلك لا يوصف الله به على الإطلاق، فلا يجوز أن تقول: إنَّ الله ماكر! وإنما تذكر هذه الصفة في مقام يكون مدحًا؛ مثل قوله تعالى: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ، وقوله وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:٥٠]، ومثل قوله تعالى: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ، ولا تنفى عنه هذه الصفة على سبيل الإطلاق، بل إنها في المقام التي تكون مدحًا؛ يوصف بها، وفي المقام التي لا تكون مدحًا؛ لا يوصف بها، وكذلك لا يسمى الله به؛ فلا يقال: إنَّ من أسماء الله الماكر والمَكْر من الصفات الفعلية؛ لأنها تتعلق بمشيئة الله سبحانه اهـ (٦) وانظر كلام الإمام ابن جرير الطبري في صفة (الاسْتِهْزَاء)، وكلام ابن القيم في صفة (الخِدَاع) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٨٣
_________________
(١) رواه أبو داود (١٥١٠)، والترمذي (٣٥٥١)، وابن ماجه (٣٨٣٠)، وأحمد (١/ ٢٢٧) (١٩٩٧). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال البغوي في «شرح السنة» (٣/ ١٥٣): حسن صحيح. وقال ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (ص٢٠٦): حسن. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ٣١٠): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.
(٢) «غريب الحديث» (١/ ٩٤).
(٣) «العقيدة التدمرية» (ص٢٦).
(٤) (٢/ ٣٢ - ٣٤).
(٥) رواه البخاري (٣٠٢٩)، ورواه مسلم (١٧٤٠). من حديث أبي هريرة ﵁. والحديث روي في الصحيحين أيضًا عن علي بن أبي طالب وجابر بن عبد الله ﵄.
(٦) «المجموع الثمين» (٢/ ٦٥).
[ ٢ / ٢١٤ ]
- الملك والملكوت
من صفات الله الذاتية الثابتة بالكتاب والسُّنَّة، و(المَلِك) و(المَليك) من أسمائه تعالى الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: قُلْ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ [آل عمران: ٢٦]
قوله تعالى: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: ٥٥]
قوله تعالى: هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ [الحشر: ٢٣]
الدليل من السُّنَّة:
حديث أبي هريرة ﵁: «يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟» (١)
حديث عوف بن مالك ﵁: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة» (٢) قال في (اللسان) مُلك الله وملكوته: سلطانه وعظمته
وقال في (القاموس المحيط): الملكوت: العز والسلطان وقال الزَّجَّاجي: فأما الملك؛ فتأويله: ذو الملك يوم الدين، ويوم الدين هو يوم الجزاء والحساب، فوصف الله نفسه جَلَّ وعَزَّ بأنه الملك يوم لا ملك سواه (٣) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٨٥
_________________
(١) رواه البخاري (٤٨١٢)، ومسلم (٢٧٨٧).
(٢) رواه أبو داود (٨٧٣) والنسائي (٢/ ١٩١)، وأحمد (٦/ ٢٤) (٢٤٠٢٦). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال النووي في «الأذكار» (٨١): صحيح. وقال ابن حجر في «نتائج الأفكار» (٢/ ٧٤): حسن. وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٢/ ٣٧٥): رجال إسناده ثقات. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
(٣) «اشتقاق أسماء الله» (ص٤٣)
[ ٢ / ٢١٥ ]
- الملل
ورد في الحديث الصحيح قوله ﷺ: «عليكم بما تطيقون، فوالله؛ لا يمل الله حتى تملوا» (١)
وفي رواية لمسلم: «فوالله؛ لا يسأم الله حتى تسأموا» (٢)
قال أبو إسحاق الحربي في (غريب الحديث): قوله: «لا يَمَلُّ الله حتى تملوا»: أخبرنا سلمة عن الفراء؛ يقال: مللت أمَلُّ: ضجرت، وقال أبو زيد: ملَّ يَمَلُّ ملالة، وأمللته إملالًا، فكأنَّ المعنى لا يملُّ من ثواب أعمالكم حتى تملُّوا من العمل» اهـ (٣)
قلت: وهذا ليس تأويلًا، بل تفسير الحديث على ظاهره؛ لأنَّ الذين أوَّلُوه كالنووي في (رياض الصالحين) باب الاقتصاد في العبادة، والبيهقي في (الأسماء والصفات) فصل: ما جاء في المِلال؛ قالوا: معنى لا يَمَلُّ الله؛ أي: لا يقطع ثوابه، أو أنه كناية عن تناهي حق الله عليكم في الطاعة وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: «فإنَّ الله لا يَمَلُّ حتى تملُّوا»: من نصوص الصفات، وهذا على وجه يليق بالباري، لا نقص فيه؛ كنصوص الاستهزاء والخداع فيما يتبادر (٤) وقد سئل الشيخ ابن عثيمين -﵀-: هل نستطيع أن نثبت صفة الملل والهرولة لله تعالى؟ فأجاب: جاء في الحديث عن النبي ﷺ قوله: «فإنَّ الله لا يَمَلُّ حتى تملوا» فمن العلماء من قال: إنَّ هذا دليل على إثبات الملل لله، لكن؛ ملل الله ليس كملل المخلوق؛ إذ إنَّ ملل المخلوق نقص؛ لأنه يدل على سأمه وضجره من هذا الشيء، أما ملل الله؛ فهو كمال وليس فيه نقص، ويجري هذا كسائر الصفات التي نثبتها لله على وجه الكمال وإن كانت في حق المخلوق ليست كمالًا ومن العلماء من يقول: إنَّ قوله: «لا يَمَلُّ حتى تملوا»؛ يراد به بيان أنه مهما عملت من عمل؛ فإنَّ الله يجازيك عليه؛ فاعمل ما بدا لك؛ فإنَّ الله لا يمل من ثوابك حتى تمل من العمل، وعلى هذا، فيكون المراد بالملل لازم الملل ومنهم من قال: إنَّ هذا الحديث لا يدل على صفة الملل لله إطلاقًا؛ لأنَّ قول القائل: لا أقوم حتى تقوم؛ لا يستلزم قيام الثاني، وهذا أيضًا: «لا يمل حتى تملوا»؛ لا يستلزم ثبوت الملل لله ﷿
وعلى كل حال يجب علينا أن نعتقد أنَّ الله تعالى مُنَزَّه عن كل صفة نقص من الملل وغيره، وإذا ثبت أنَّ هذا الحديث دليل على الملل؛ فالمراد به ملل ليس كملل المخلوق اهـ (٥) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٨٦
_________________
(١) رواه البخاري (٤٣)، ومسلم (٧٨٥). من حديث عائشة ﵂.
(٢) رواه مسلم (٧٨٥) (٢٢٠).
(٣) «غريب الحديث» (١/ ٣٣٨).
(٤) «الفتاوى والرسائل» (١/ ٢٠٩).
(٥) «مجموعة دروس وفتاوى الحرم» (١/ ١٥٢).
[ ٢ / ٢١٦ ]
- المماحلة والمحال
من صفات الله الفعليَّة الخبريَّة الثابتة بالكتاب العزيز الدليل:
قوله تعالى: وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ [الرعد:١٣] نقل الأزهري في (تهذيب اللغة) قول القتيبي في قول الله جَلَّ وعَزَّ: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ؛ أي: شديد الكيد والمَكْر، وقول سفيان الثوري: شَدِيدُ الْمِحَالِ؛ قال: شديد الانتقام وقول أبي عبيد: الْمِحَالِ: الكيد والمَكْر وقول الفراء: الْمِحَالِ: المُمَاحلة وغيرها من الأقوال (١) وفي (الصحاح): (المُمَاحلة): المماكرة والمكايدة اهـ وقال الخطابي في (غريب الحديث): الْمِحَالِ: الكيد، ومنه قول الله تعالى: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ اهـ (٢) وقد استشهد شيخ الإسلام بهذه الآية في (الواسطية) لإثبات هذه الصفة مع الآيات التي فيها صفة المَكْر والكيد (٣) وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
وقال الشيخ زيد بن فياض: وفي هذه الآيات إثبات وصف الله بالمَكْر والكيد والمُمَاحلة، وهذه صفات فعلية تثبت لله كما يليق بجلاله وعظمته، قوله: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ؛ أي: الأخذ بشدة وقوة، والمِحَال والمُمَاحلة المماكرة والمغالبة اهـ (٤)
وبنحوه قال الشيخ عبد العزيز السلمان في (الكواشف الجلية) (٥) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٨٨
_________________
(١) «تهذيب اللغة» (٥/ ٩٥).
(٢) «غريب الحديث» (٣/ ١٥٢).
(٣) «العقيدة الواسطية» (ص١٢٢).
(٤) «الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية» (ص١١٤)
(٥) «الكواشف الجلية» (ص٢٦٦).
[ ٢ / ٢١٧ ]
- المن والمنة
صفةٌ فعلِيَّةٌ ثابتةٌ بالكتاب والسُّنَّة، و(المَنَّان) من أسماء الله الثابتة بالحديث الصحيح
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [آل عمران: ١٦٤]
وقوله: وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [إبراهيم: ١١]
الدليل من السُّنَّة:
حديث أنس ﵁: «اللهم أسألك بأنَّ لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنَّان، بديع السماوات والأرض» (١)
حديث أبي سعيد الخدري ﵁: «إنَّ رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا» (٢)
قال الراغب الأصفهاني في (المفردات): المِنَّة: النعمة الثقيلة، ويقال ذلك على وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك بالفعل، فيقال: منَّ فلان على فلان: إذا أثقله بالنعمة، وعلى ذلك قوله: لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:١٦٤]، كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ [النساء:٩٤] وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ [الصافات: ١١٤]، يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ [إبراهيم: ١١]، وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا (٥) سورة القصص [القصص: ٥] وذلك على الحقيقة لا يكون إلا لله تعالى والثاني: أن يكون ذلك بالقول، وذلك مستقبح فيما بين الناس؛ إلا عند كفران النعمة اهـ
وقال في (القاموس المحيط): منَّ عليه منًَّا: أنعم واصطنع عنده صنيعة ومِنَّة والمنَّان من أسماء الله تعالى؛ أي: المعطي ابتداءً صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٨٩
_________________
(١) رواه أبو داود (١٤٩٥)، والترمذي (٣٥٤٤)، والنسائي (٣/ ٥٢)، وابن ماجه (٣٨٥٨)، وأحمد (٣/ ١٢٠) (١٢٢٢٦). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: حديث غريب. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.
(٢) رواه مسلم (٢٧٠١).
[ ٢ / ٢١٨ ]
- الموجود
يُخْبَر عن الله ﷿ بأنه موجود، وليس الموجود من أسمائه تعالى
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويفرق بين دعائه والإخبار عنه، فلا يدعى إلا بالأسماء الحسنى، وأما الإخبار عنه؛ فلا يكون باسم سيئ، لكن قد يكون باسم حسن أو باسم ليس بسيئ، وإن لم يحكم بحسنه؛ مثل: شيء وذات وموجود (١)
وانظر كلامه في (القِدَم) كما في (مجموع الفتاوى) (٢)
وقال في (دقائق التفسير) في معرض رده على المتكلمين: فصار أهل السُّنَّة يصفونه بالوجود وكمال الوجود، وأولئك يصفونه بعدم كمال الوجود، أو بعدم الوجود بالكلية؛ فهم ممثلة معطلة؛ ممثلة في العقل والشرع، معطلة في العقل والشرع اهـ (٣)
وقال ابن القيم: ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفيًّا؛ كالقديم، والشيء، والموجود (٤)
وفي (فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء) سئلت اللجنة السؤال التالي:
س: لم أجد في أسماء الله وصفاته اسم الموجود، وإنما وجدت اسم الواجد، وعلمت في اللغة أنَّ الموجود على وزن مفعول، ولابد أن يكون لكل موجود موجِد كما أنَّ لكل مفعول فاعل، ومحال أن يوجد لله موجِد ورأيت أنَّ الواجِد يشبه اسم الخالِق، والموجود يشبه اسم المخلوق، وكما أنَّ لكل موجود موجِد؛ فلكل مخلوق خالق؛ فهل لي بعد ذلك أن أصف الله بأنه موجود؟
وقد أجابت اللجنة بتوقيع كل من الشيخ: عبد العزيز بن باز، عبدالرزاق عفيفي، عبدالله بن غديان، عبدالله بن قعود
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسوله وآله، وصحبه وبعد:
ج: وجود الله معلوم من الدين بالضرورة، وهو صفة لله بإجماع المسلمين، بل صفة لله عند جميع العقلاء، حتى المشركين، لا ينازع في ذلك إلا مُلْحِد دهري، ولا يلزم من إثبات الوجود صفة لله أن يكون له موجِد؛ لأنَّ الوجود نوعان:
الأول: وجود ذاتي، وهو ما كان وجوده ثابتًا له في نفسه، لا مكسوبًا له من غيره، وهذا هو وجود الله سبحانه وصفاته؛ فإنَّ وجوده لم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد:٣]
الثاني: وجود حادث، وهو ما كان حادثًا بعد عدم، فهذا الذي لابد له من موجد يوجده وخالق يحدثه، وهو الله سبحانه، قال تعالى: اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الزمر:٦٢ - ٦٣]، وقال تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ [الطور:٣٥ - ٣٦] وعلى هذا يوصف الله تعالى بأنه موجود، ويخبر عنه بذلك في الكلام، فيقال: الله موجود، وليس الوجود اسمًا، بل صفة وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم اهـ (٥)
قلت: الأولى أن يُقال: حي؛ بدل: موجود أما قول السائل: إنه وجد الواجِد من أسماء الله تعالى؛ فهذا غير صحيح، ولم يثبت في كتاب ولا سنة والله أعلم صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٩٠
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٤٢).
(٢) (٩/ ٣٠٠).
(٣) «دقائق التفسير» (٥/ ١١٠).
(٤) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٢).
(٥) «فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء» (٣/ ١٣٨/فتوى رقم ٦٢٤٥).
[ ٢ / ٢١٩ ]
- الناصر والنصير
يوصف الله ﷿ بأنه الناصر والنصير، وأنَّ النصر بيده، وهذا ثابت بالكتاب والسنة، و(النصير) من أسمائه تعالى
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ [آل عمران: ١٥٠]
وقوله: وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الأنفال: ٤٠]
وقوله: إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ [محمد: ٧]
وقوله: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ [النصر: ١]
الدليل من السنة:
حديث أنس ﵁: «اللهم أنت عضدي، وأنت نَصِيري، بك أحول وبك أصول وبك أقاتل» (١) حديث صحيح رواه أبو داود (٢٦٣٢)، والترمذي (صحيح سنن الترمذي/٢٨٣٦)، وغيرهما وصححه الألباني في (الكلم الطيب/١٢٦
حديث: «صدق وعده، ونَصَرَ عبده، وهزم الأحزاب وحده» (٢)
فائدة: (الناصر): ليس من أسماء الله تعالى، وعليه؛ فلا يصح التعبد به؛ مثل: عبدالناصر صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٩٣
_________________
(١) رواه أبو داود (٢٦٣٢)، والترمذي (٣٥٨٤)، وأحمد (٣/ ١٨٤) (١٢٩٣٢). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٥/ ٩٠)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
(٢) رواه البخاري (١٧٩٧)، ومسلم (١٣٤٤). من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
- النزول والهبوط والتدلي (إلى السماء الدنيا)
صفاتٌ فِعْلِيَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالسنة الصحيحة
الدليل:
حديث النُّزول المشهور: «يَنْزِلُ ربُّنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر» (١)
حديث علي بن أبي طالب وأبي هريرة ﵄ مرفوعًا: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ولأخرت عشاء الآخرة إلى ثلث الليل الأول فإنه إذا مضى ثلث الليل الأول هبط الله تعالى إلى السماء الدنيا فلم يزل هناك حتى يطلع الفجر» (٢) وبنحوه عن ابن مسعود ﵁ (٣)
حديث: «إنَّ الله تعالى ليُمْهِل في شهر رمضان كُلَّ ليلة حتى اذا ذهب الليل الأول هبط إلى السماء ثم قال: هل من سائلٍ يعطى، هل من مستغفر يغفر له، هل من تائبٍ يتاب عليه» (٤)
حديث الإسراء عن أنس ﵁ قال: «حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجَبَّار ربُّ العِزَّةِ فَتَدَلَّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى» (٥)
قال أبو سعيد الدارمي في (الرد على الجهمية) بعد أن ذكر ما يثبت النُّزول من أحاديث رسول الله ﷺ: فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب ﵎ في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، لا ينكرها منهم أحد، ولا يمتنع من روايتها اهـ (٦)
وقال إمام الأئمة محمد بن خزيمة في (كتاب التوحيد): باب: ذكر أخبار ثابتة السند صحيحة القوام، رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي ﷺ في نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا كل ليلة: نشهد شهادة مقر بلسانه، مصدق بقلبه، مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نُزول الرب، من غير أن نصف الكيفية؛ لأنَّ نبينا المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا، وأعلمنا أنه يَنْزل، والله جل وعلا لم يترك ولا نبيه ﵇ بيان ما بالمسلمين الحاجة إليه من أمر دينهم؛ فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النُّزول، غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية؛ إذ النبي ﷺ لم يصف لنا كيفية النُّزول
وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح أنَّ الله جل وعلا فوق سماء الدنيا الذي أخبرنا نبينا ﷺ أنه يَنْزل إليه، إذ محال في لغة العرب أن يقول: نزل من أسفل إلى أعلى، ومفهوم في الخطاب أنَّ النُّزول من أعلى إلى أسفل اهـ (٧)
وقال أبو القاسم اللالكائي: سياق ما روي عن النبي ﷺ في نزول الرب ﵎، رواه عن النبي ﷺ عشرون نفسًا اهـ (٨)
_________________
(١) رواه البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه أحمد (١/ ١٢٠) (٩٦٧) من حديث علي بن أبي طالب ﵁. ورواه (٢/ ٥٠٩) (١٠٦٢٦) من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه أيضًا عن أبي هريرة ﵁ (٢/ ٤٣٣) (٩٥٨٩) بلفظ: «نزل» بدلًا من «هبط». قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٥٤): رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما ثقات. قال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٢/ ٢٠٣): إسناده صحيح. والحديث أصله في الصحيحين مختصرًا.
(٣) رواه أحمد (١/ ٣٨٨) (٣٦٧٣). قال الألباني في «إرواء الغليل» (٢/ ١٩٩): إسناده صحيح.
(٤) رواه ابن أبي عاصم (٥١٣). وقال الألباني في «ظلال الجنة»: صحيح.
(٥) رواه البخاري (٧٥١٧).
(٦) «الرد على الجهمية» (ص٧٩).
(٧) كتاب «التوحيد» (١/ ٢٨٩).
(٨) «أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (٣/ ٤٣٤).
[ ٢ / ٢٢١ ]
وقال شيخ الإسلام ﵀ في تفسير سورة الإخلاص: فالرب سبحانه إذا وصفه رسوله بأنه يَنْزِل إلى سماء الدنيا كل ليلة، وأنه يدنو عشية عرفة إلى الحجاج، وأنه كلَّم موسى بالوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، وأنه استوى إلى السماء وهي دخانٌ، فقال لها وللأرض: ائتيا طَوْعًا أو كَرْهًا؛ لم يلزم من ذلك أن تكون هذه الأفعال من جنس ما نشاهده من نزول هذه الأعيان المشهودة، حتى يُقال: ذلك يستلزم تفريغ مكان وشغل آخر (١)
وقال الإمام ابن جرير الطبري في (التبصير في معالم الدين) في فصل: القول فيما أُدرك علمه من صفات الصانع خبرًا لا استدلالًا: وذلك نحو إخبار الله تعالى ذكره إيانا أنه سميعٌ بصيرٌ، وأنَّ له يدين بقوله بَل يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ وأنه يَهْبِطُ إلى السماء الدنيا لخبر رسول الله ﷺ (٢)
وقال شيخ الإسلام نقلًا عن الكرجي مؤيدًا له: رُوي عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة أنه قال في الأحاديث التي جاءت إنَّ الله يهبط إلى السماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث إنَّ هذه الأحاديث قد رواها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها (٣) وكذا ابن القيم في (اجتماع الجيوش الإسلامية) نقلًا عن أبي القاسم اللالكائي (٤)
وقال أيضًا: وقد تأوَّل قومٌ من المنتسبين إلى السنة والحديث حديث النُّزُول وما كان نحوه من النصوص التي فيها فعل الرب اللازم كالإتيان والمجيء والهبوط ونحو ذلك وردَّ على ذلك مثبتًا هذه الصفات (٥)
وقال بعد أن ذكر روايات ابن منده لحديث النُّزُول: فهذا تلخيصُ ما ذكره عبدالرحمن بن منده مع أنه استوعب طرق هذا الحديث وذكر ألفاظه مثل قوله: «يَنْزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا إذا مضى ثلث الليل الأوَّل فيقول: أنا الملك من ذا الذي يسألني فأعطيه، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك إلى الفجر» (٦) وفى لفظ: «إذا بقي من الليل ثلثاه يَهْبِطُ الرب إلى السماء الدنيا» (٧) وفى لفظ: «حتى ينشق الفجر ثم يرتفع» (٨) وفي رواية: «يقول لا أسأل عن عبادي غيري، من ذا الذي يسألني فأعطيه» (٩) وفي رواية عمرو بن عبسة: «أنَّ الرب يَتَدَّلى في جوف الليل إلى السماء الدنيا» (١٠) (١١) قلت: فحديث النُّزُول إذًا صح بثلاثة ألفاظ: النُّزُول والْهُبُوط والتًّدَلِّي
وانظر: (رسالة شرح حديث النُّزول) لشيخ الإسلام ﵀ صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٩٤
_________________
(١) «دقائق التفسير» (٦/ ٤٢٤).
(٢) «التبصير في معالم التنزيل» (ص١٣٢).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٤/ ١٨٦).
(٤) «اجتماع الجيوش الإسلامية» (١/ ١٣٩).
(٥) «اجتماع الجيوش الإسلامية» (٥/ ٣٩٧).
(٦) رواه أحمد (٢/ ٢٨٢) (٧٧٧٩) وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.
(٧) رواه أحمد (١/ ٣٨٨، ٤٠٣)، وابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ١٣٧) بلفظ (ثلث الليل الباقي).
(٨) ابن أبي عاصم في «السنة» (٥٠٠، ٥٠١) والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ١٢٤، ١٢٥). من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄. وقال الألباني في «ظلال الجنة»: إسناده جيد.
(٩) رواه ابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ٣١٣)، وابن حبان (١/ ٤٤٤)، والطبراني (٥/ ٥٠). من حديث رفاعة بن عرابة الجهني ﵁. وأشار الألباني إلى صحة هذه الرواية في «السلسلة الضعيفة» تحت الحديث رقم (٣٨٩٧).
(١٠) رواه أحمد (٤/ ٣٨٥) (١٩٤٥٢) دون آخره (إلى السماء الدنيا) وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده ضعيف لانقطاعه بين سليم بن عامر وعمرو بن عبسة على خطأ في متنه واختلف فيه على يزيد بن هارون.
(١١) «اجتماع الجيوش الإسلامية» (٥/ ٣٩٤).
[ ٢ / ٢٢٢ ]
- النسيان (بمعنى الترك)
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧]
وقوله: فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا [الأعراف:٥١]
وقوله: فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ [السجدة: ١٤]
وقوله: وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا [الجاثية: ٣٤]
الدليل من السنة:
حديث أبي هريرة ﵁ في رؤية الله يوم القيامة، وفيه: أنَّ الله يلقى العبد، فيقول: أفظننت أنك ملاقيَّ؟ فيقول: لا فيقول – أي: الله ﷿ – فإني أنساك كما نسيتني» (١)
قال الإمام أحمد: أما قوله: الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا؛ يقول: نترككم في النار؛ كما نَسيتُمْ؛ كما تركتم العمل للقاء يومكم هذا اهـ (٢)
وقال ابن فارس: النِّسْيان: الترك، قال الله جَلَّ وعَزَّ: نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ اهـ (٣)
وقال الطبري في تفسير قوله تعالى نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ: معناه: تركوا الله أن يطيعوه ويتبعوا أمره، فتركهم الله من توفيقه وهدايته ورحمته، وقد دللنا فيما مضى على أنَّ معنى النسيان: الترك، بشواهده فأغنى ذلك عن إعادته ههنا أهـ
وسُئِل الشيخ ابن عثيمين -﵀- في (مجموع فتاوى ورسائل) (٤) السؤال التالي: هل يوصف الله تعالى بالنِّسْيَان؟
فأجاب حفظه الله تعالى بقوله: (للنِّسْيَان معنيان:
أحدهما: الذهول عن شيء معلوم؛ مثل قوله تعالى: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:٢٨٦]-وضرب مجموعة من الأمثلة لذلك- ثم قال: وعلى هذا؛ فلا يجوز وصف الله بالنِّسْيَان بهذا المعنى على كل حال
والمعنى الثاني للنِّسْيَان: الترك عن علم وعمد؛ مثل قوله تعالى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام:٤٤] الآية، ومثل قوله تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه:١١٥]؛ على أحد القولين، ومثل قوله ﷺ في أقسام أهل الخيل: «ورجل ربطها تغنيًا وتعففًا، ولم ينس حق الله في رقابها وظهورها؛ فهي له كذلك ستر» (٥) وهذا المعنى من النِّسْيَان ثابت لله تعالى ﷿؛ قال الله تعالى: فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ [السجدة: ١٤]، وقال تعالى في المنافقين: نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [التوبة:٦٧] وفي (صحيح مسلم) في (كتاب الزهد والرقائق) عن أبي هريرة ﵁؛ قال: «قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فذكر الحديث، وفيه: أنَّ الله تعالى يلقى العبد، فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا فيقول: فإني أنساك كما نسيتني» (٦)
وتركُه سبحانه للشيء صفةً من صفاته الفعلية الواقعة بمشيئته التابعة لحكمته؛ قال الله تعالى: وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ [البقرة:١٧]، وقال تعالى: وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ [الكهف:٩٩]، وقال: وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً [العنكبوت:٣٥] والنصوص في ثبوت الترك وغيره من أفعاله المتعلقة بمشيئته كثيرة معلومة وهي دالة على كمال قدرته وسلطانه
وقيام هذه الأفعال به سبحانه لا يماثل قيامها بالمخلوقين، وإن شاركه في أصل المعنى؛ كما هو معلوم عند أهل السنة) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٢٩٨
_________________
(١) رواه مسلم (٢٩٦٨).
(٢) «الرد على الزنادقة والجهمية» (ص٢١)
(٣) «مجمل اللغة» (ص٨٦٦)
(٤) (٣/ ٥٤ - ٥٦) (٣٥٤).
(٥) رواه البخاري (٢٣٧١)، ومسلم (٩٨٧). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) رواه مسلم (٢٩٦٨).
[ ٢ / ٢٢٣ ]
- النظر
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب والسنة
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران: ٧٧]
الدليل من السنة:
حديث أبي هريرة ﵁: «إنَّ الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (١)
حديث أبي هريرة ﵁: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرَّ إزاره بطرًا» (٢)
حديث أبي هريرة ﵁ أيضًا: «ثلاث لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم» (٣)
قال ابن أبي العز الحنفي: النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه: فإن عدي بنفسه؛ فمعناه: التوقف والانتظار: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد: ١٣] وإن عدي بـ (في)؛ فمعناه: التفكر والاعتبار؛ كقوله: أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الأعراف: ١٨٥] وإنْ عُدي بـ (إلى)؛ فمعناه: المعاينة بالأبصار؛ كقوله تعالى: انظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ [الأنعام: ٩٩] اهـ (٤)
وأنت ترى أنَّ النظر فيما سبق من أدلة متعدٍّ بـ (إلى)؛ فأهل السنة والجماعة يقولون: إنَّ الله ﷿ يرى ويبصر وينظر إلى ما يشاء بعينه ﷾؛ كما يليق بشأنه العظيم لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١]
وانظر صفة: (البصر) و(الرؤية) و(العين) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٠٠
_________________
(١) رواه مسلم (٢٥٦٤).
(٢) رواه البخاري (٥٧٨٨)، ومسلم (٢٠٨٧).
(٣) رواه البخاري (٢٣٥٨)، ومسلم (١٠٨).
(٤) «شرح العقيدة الطحاوية» (١/ ١٩٠).
[ ٢ / ٢٢٤ ]
- النعت
يصح إطلاق هذه اللفظة وإضافتها إلى الله تعالى، فتقول: نعت الله أو نعوت الله، ونحو ذلك، لأنَّ النعت في اللغة بمعنى الصفة – على الراجح -
قال ابنُ فارس في (معجم مقاييس اللغة): النعتُ: وصفك الشيء بما فيه من حسن؛ كذا قاله الخليل
وقال ابن منظور في (لسان العرب): النعتُ: وصفك الشيء، تنعته بما فيه وتبالغ في وصفه
وفي (مختار الصحاح): الصفة عندهم – يعني النحويين- هي النعت
قال المناوي في (التوقيف على مهمات التعاريف): الصفة لغة: النعت
وقال أبو هلال العسكري في كتاب (الفروق): الفرق بين (الصفة) و(النعت): النعت هو ما يظهر من الصفات ويشتهر، لأنَّ (النعت) يفيد من المعاني التي ذكرناها ما لا تفيده (الصفة)، ثم قد تتداخل (الصفة) و(النعت) فيقع كلُّ واحدٍ منهما موضع الآخر، لتقارب معنييهما، ويجوز أن يقال: (الصفة) لغة و(النعت) لغة أخرى، ولا فرق بينهما
وقد كَثُر في أقوال العلماء إضافة النعت إلى الله ﷿ ومن ذلك:
قول ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [الأنعام: ١٤]: يقول الله: فاطرِ السموات والأرض أتخذُ وليًا؟ ففاطرِ السموات من نعتِ الله وصفتِه ولذلك خُفِض، وقوله في تفسير قوله تعالى: وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣]، واختلفت القراء أيضًا في قراءة قوله: وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ فقرأ ذلك عامةُ قرَّاء المدينة وبعض الكوفيين والبصريين والله ربِّنا خفضًا على أنَّ الرب: نعتٌ لله
قول شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن أعظم الأصول معرفة الإنسان بما نعت الله به نفسه من الصفات الفعلية (١)
وقوله: إذا قيل: الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، فهي كُلُّها أسماء لمسمى واحدٍ ﷾ وإن كان كُلُّ اسمٍ يدل على نعتٍ لله تعالى لا يدل عليه الاسم الآخر (٢) وقوله واصفًا أهل الإيمان: وتضمن إيمانهم بالله إيمانهم بربوبيته وصفاتِ كمالِه ونعوتِ جلاله وأسمائه الحسنى، وعموم قدرته ومشيئته وكمال علمه وحكمته؛ فباينوا بذلك جميعَ طوائف أهل البدع والمنكرين لذلك أو لشيء منه (٣)
قول الحافظ ابن القيم: أسماؤه كلُّها أسماء مدحٍ وحمدٍ وثناءٍ وتمجيدٍ، ولذلك كانت حسنى، وصفاتُه كلُّها صفات كمالٍ، ونعوتُه كلُّها نعوتُ جلالٍ، وأفعالُه كلُّها حكمة ورحمة ومصلحة وعدل (٤)
وقوله: التوحيدُ الحقُ هو ما نعت الله به نفسه على ألسنة رسله فهم لم ينعتوه من تلقاء أنفسهم وإنما نعتوه بما أذن لهم في نعته به (٥) وقوله: والتحقيق: أنَّ صفاتِ الرب ﷻ داخلةٌ في مسمى اسمه، فليس اسمه: الله، والرب، والإله، أسماء لذاتٍ مجردة لا صفة لها البتة، فإنَّ هذه الذات المجردة وجودها مستحيل، وإنما يفرضها الذهن فرض الممتنعات ثم يحكم عليها واسم الله سبحانه والرب والإله اسم لذات لها جميع صفات الكمال ونعوت الجلال كالعلم والقدرة والحياة والإرادة والكلام والسمع والبصر والبقاء والقدم وسائر الكمال الذي يستحقه الله لذاته، فصفاته داخلة في مسمى اسمه، فتجريد الصفات عن الذات والذات عن الصفات فرضٌ وخيالٌ ذهني لا حقيقة له وهو أمر اعتباري لا فائدة فيه ولا يترتب عليه معرفة ولا إيمان ولا هو علم في نفسه فليس الله اسمًا لذاتٍ لا نعتَ لها، ولا صفة ولا فعل ولا وجه ولا يدين، ذلك إلهٌ معدومٌ مفروضٌ في الأذهان، لا وجود له في الأعيان (٦)
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٣٧٢).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٦٠).
(٣) «مجموع الفتاوى» (١٤/ ١٣٥).
(٤) «مدارج السالكين» (١/ ١٢٥).
(٥) «مدارج السالكين» (٣/ ٥٢١).
(٦) «مدارج السالكين» (٣/ ٣٦٢).
[ ٢ / ٢٢٥ ]
وقوله: فهذا الموصوف بهذه الصفات والنعوت والأفعال والعلو والعظمة والحفظ والعزة والحكمة والملك والحمد والمغفرة والرحمة والكلام والمشيئة والولاية وإحياء الموتى والقدرة التامة الشاملة والحكم بين عباده وكونه فاطر السموات والأرض وهو السميع البصير؛ فهذا هو الذي ليس كمثله شيء لكثرة نعوته وأوصافه وأسمائه وأفعاله وثبوتها له على وجه الكمال الذي لا يماثله فيه شيء (١)
قول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ [الكهف: ٤٤]: منهم من رفع (الحق) على أنه نعتٌ للولاية كقوله تعالى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا [الفرقان:٢٦] ومنهم من خفض القاف على أنه نعتٌ لله ﷿ كقوله: ثُمَّ رُدُّوا إلى اللهِ مَوْلاهُمْ الْحَقِّ [الأنعام:٦٢]
قول الحافظ الذهبي (٢): فإننا على أصلٍ صحيح، وعِقْدٍ متين، من أنَّ الله تقدس اسمه لا مثل له، وأنَّ إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدسة، إذ الصفات تابعة للموصوف، فنعقلُ وجود الباري ونُمَيِّز ذاته المقدسة عن الأشباه من غير أن نتعقل الماهية، فكذلك القول في صفاته نؤمن بها ونعقل وجودها ونعلمها في الجملة من غير أن نتعقَّلها أو نُشبهها أو نُكيفها أو نمثلها بصفات خلقه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا وغيرُهم وغيرُهم كثيرٌ، لكن الأولى أن نقول (صفة الله) أو (صفات الله) بدل (نعت الله) أو (نعوت الله) لورود الحديث الصحيح بذلك انظر: (الصفة) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٠١
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٢٩).
(٢) «العلو للعلي الغفار» (ص١٣).
[ ٢ / ٢٢٦ ]
- النَّفْسُ (بسكون الفاء)
أهل السنة والجماعة يثبتون النَّفْس لله تعالى، ونَفْسُه هي ذاته ﷿، وهي ثابتة بالكتاب والسنة
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ [آل عمران: ٢٨، ٣٠]
وقوله: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة: ١١٦]
وقوله: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ٥٤]
الدليل من السنة:
الحديث المشهور: «يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي» (١)
حديث عائشة ﵂: «وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (٢)
حديث أبي هريرة ﵁: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي» (٣)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن نَفْس الله: ونفسه هي ذاته المقدسة (٤)
وقال أيضًا: ويراد بنَفْس الشيء ذاته وعينه؛ كما يقال: رأيت زيدًا نفسه وعينه، وقد قال تعالى: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة:١١٦]، وقال تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:١٢]، وقال تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ [آل عمران:٢٨]، وفي الحديث الصحيح؛ أنه قال لأم المؤمنين: «لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزن بما قلتيه لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله رضى نفسه، سبحان الله مداد كلماته» (٥)، وفي الحديث الصحيح الإلهي عن النبي ﷺ: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ؛ ذكرته في ملأ خير منهم» (٦)؛ فهذه المواضع المراد فيها بلفظ النَفْس عند جمهور العلماء: الله نفسه، التي هي ذاته، المتصفة بصفاته، ليس المراد بها ذاتًا منفكة عن الصفات، ولا المراد بها صفة للذات، وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات، كما يظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات، وكلا القولين خطأ اهـ (٧).
وفي (كتاب التوحيد) من (صحيح البخاري): باب: قول الله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمْ اللهُ نَفْسَهُ، وقوله جل ذكره: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ وقال القاسمي في (التفسير): وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ أي: ذاته المقدسة.
قال الشيخ عبد الله الغنيمان: المراد بالنَّفْسِ في هذا: اللهَ تعالى، المتصف بصفاته، ولا يقصد بذلك ذاتًا منفكة عن الصفات، كما لا يراد به صفة الذات كما قاله بعض الناس اهـ (٨) لكن من السلف من يعدُّ (النَّفْس) صفةً لله ﷿، منهم الإمام ابن خزيمة في كتاب (التوحيد)؛ حيث قال في أوله: فأول ما نبدأ به من ذكر صفات خالقنا جل وعلا في كتابنا هذا: ذكر نفسه، جل ربنا عن أن تكون نَفْسُه كنَفْسِ خلقه، وعزَّ أن يكون عَدَمًا لا نَفْس له اهـ (٩) ومنهم عبد الغني المقدسي؛ قال: ومما نطق به القرآن وصحَّ به النقل من الصفات (النَّفْس)، ثم سرد بعض الآيات والأحاديث لإثبات ذلك (١٠) ومنهم البغوي انظر: صفة (الأصابع) ومن المتأخرين صديق حسن خان في (قطف الثمر) (١١)؛ قال: ومما نطق بها القرآن وصحَّ بها النقل من الصفات: (النَّفْس) لكنه في تفسير قوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمْ اللهُ نَفْسَهُ، قال: أي: ذاته المقدسة والله أعلم صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٠٥
_________________
(١) رواه مسلم (٢٥٧٧). من حديث أبي ذر ﵁.
(٢) رواه مسلم (٤٨٦).
(٣) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥).
(٤) «مجموع الفتاوى» (١٤/ ١٩٦).
(٥) رواه مسلم (٢٧٢٦). من حديث جويرية بنت الحارث ﵂.
(٦) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥).
(٧) «مجموع الفتاوى» (٩/ ٢٩٢ - ٢٩٣).
(٨) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (١/ ٢٤٩).
(٩) «التوحيد» (١/ ١١).
(١٠) «عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي» (ص٤٠).
(١١) «قطف الثمر» (ص٦٥).
[ ٢ / ٢٢٧ ]
- النَّفَسُ (بالتحريك)
صفةٌ فعليةٌ لله ﷿؛ من التنفيس؛ كالفَرَج والتفريج، ثابتةٌ بالسنة الصحيحة
الدليل:
حديث سلمة بن نفيل السكوني ﵁؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال وهو مُوَلٍّ ظهره إلى اليمن: «إني أجدُ نَفَسَ الرحمن من هنا» (١)
حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «ألا إنَّ الإيمان يمان والحكمة يمانية، وأجد نَفَسَ ربكم من قبل اليمن» (٢)
حديث أبي بن كعب ﵁ موقوفًا عليه: «لا تسبوا الريح؛ فإنها من نَفَسِ الرحمن ﵎» (٣)
حديث أبي هريرة ﵁: «من نَفَّسَ عن مؤمن كربة من كرب الدنيا؛ نَفَّسَ الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» (٤)
قال الأزهري بعد أن ذكر حديث: «أجد نَفَسَ ربكم من قبل اليمن»؛ قال: «أجد تنفيس ربكم عنكم من جهة اليمن؛ لأنَّ الله جَلَّ وعَزَّ نصرهم بهم، وأيدهم برجالهم، وكذلك قوله: «الريح من نَفَس الرحمن»؛ أي: من تنفيس الله بها عن المكروبين، وتفريجه عن الملهوفين» اهـ (٥)
وقال في (القاموس المحيط): وفي قوله: «ولا تسبوا الريح؛ فإنها من نَفَسِ الرحمن»، و«أجد نَفَس ربكم من قبل اليمن»؛ اسم وضِع موضع المصدر الحقيقي، من نَفَّسَ تنفيسًا ونَفَساَ؛ أي: فَرَّجَ تفريجًا»
قال أبو يعلى الفراء بعد ذكره حديث: «الريح من نَفَس الرحمن»: اعلم أنَّ شيخنا أبا عبد الله ذكر هذا الحديث في كتابه، وامتنع أن يكون على ظاهره، في أنَّ الريح صفةٌ ترجع إلى الذات، والأمر على ما قاله، ويكون معناه أنَّ الريح مما يُفَرِّج الله ﷿ بها عن المكروب والمغموم؛ فيكون معنى النَّفَس معنى التنفيس، وذلك معروف في قولهم: نَفَّسْتُ عن فلان؛ أي: فَرَّجْتُ عنه، وكلمت زيدًا في التَّنفيس عن غريمه، ويقال: نفَّس الله عن فلان كربة؛ أي: فرَّج عنه، وروي في الخبر: «من نفَّس عن مكروب كُربة؛ نَفَّس الله عنه كربة يوم القيامة»، وروي في الخبر أنَّ اللهَ فَرَّجَ عن نبيِّه بالريح يوم الأحزاب، فقال سبحانه: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا [الأحزاب: ٩]
وإنما وجب حمل هذا الخبر على هذا، ولم يجب تأويل غيره من الأخبار؛ لأنه قد روي في الخبر ما يدل على ذلك، وذلك أنَّه قال: «فإذا رأيتموها؛ فقولوا: اللهم إنا نسألك من خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، ونعوذ بك من شرَّها وشرِّ ما فيها وشرِّ ما أرسلت به»، وهذا يقتضي أنَّ فيها شرًّا وأنها مرسلة، وهذه صفات المحدثات اهـ (٦)
وبنحو هذا الكلام قال ابن قتيبة (٧)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية شارحًا لحديث: «إني لأجد نَفَسَ الرحمن من قبل اليمن»: فقوله: «من اليَمَن»؛ يبين مقصود الحديث؛ فإنه ليس لليمن اختصاص بصفات الله تعالى حتى يظن ذلك، ولكن منها جاء الذين يحبهم ويحبونه، الذين قال فيهم: مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:٥٤]، وقد روي أنه لما نزلت هذه الآية؛ سئل عن هؤلاء؟ فذكر أنهم قوم أبي موسى الأشعري، وجاءت الأحاديث الصحيحة مثل قوله: «أتاكم أهل اليمن؛ أرق قلوبًا، وألين أفئدة؛ الإيمان يمان، والحكمة يمانية» (٨)، وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الردة، وفتحوا الأمصار؛ فبهم نفّس الرحمن عن المؤمنين الكربات» (٩) وبنحوه قال الشيخ العثيمين -﵀- في (القواعد المثلى) (١٠) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٠٧
_________________
(١) رواه الطبراني (٧/ ٥٢)، والبزار في «البحر الزخار» (٩/ ١٥٠)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٣٩١). وأشار عبد الحق الإشبيلي إلى تصحيحه في مقدمة كتابه «الأحكام الصغرى» (٥٠٢)، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٣٦٧): إسناده صحيح.
(٢) رواه أحمد (٢/ ٥٤١) (١٠٩٩١)، والطبراني في «مسند الشاميين» (٢/ ١٤٩). قال العراقي في «المغني» (١/ ١٤٣): رجاله ثقات. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٥٦): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير شبيب وهو ثقة. وأشار الألباني إلى تصحيحه في «السلسلة الصحيحة» بعد حديث رقم (٣٣٦٧) وقال: فهذا شاهد قوي له من حديث سلمة بن نفيل أوجب عليَّ تخريجه هنا والتنبيه على أن الحديث صار به صحيحًا. والحديث أصله في الصحيحين مختصرا.
(٣) رواه النسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٣٢)، والحاكم (٢/ ٢٩٨)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٣٩٣). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقد أسند من حديث حبيب بن أبي ثابت من غير هذه الرواية. وقال الذهبي في «التلخيص»: على شرط البخاري.
(٤) رواه مسلم (٢٦٩٩).
(٥) «تهذيب اللغة» (١٣/ ٩).
(٦) «إبطال التأويلات» (ص٢٥٠).
(٧) «تأويل مختلف الحديث» (٢٤٩).
(٨) رواه البخاري (٤٣٨٨)، ومسلم (٥٢). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٩) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٩٨).
(١٠) «القواعد المثلى» (ص٥٧).
[ ٢ / ٢٢٨ ]
- النور، ونور السماوات والأرض
صفةٌ ذاتيةٌ لله ﷿ ثابتةٌ بالكتاب والسنة، وقد عدَّ بعضهم (النُّور) من أسماء الله تعالى؛ كما سيأتي
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ [النور: ٣٥]
وقوله: وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا [الزمر: ٦٩]
الدليل من السنة:
حديث عبد الله بن عمرو ﵄ مرفوعًا: «إنَّ الله ﵎ خلق خلقه في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور؛ اهتدى، ومن أخطأه؛ ضلَّ» (١)
حديث: «اللهم لك الحمد؛ أنت نور السَّماوات والأرض، ولك الحمد» (٢)
قال الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف في كتابه: اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات – كما في (مجموع الفتاوى) موافقًا له -: فعلى المؤمنين خاصتهم وعامتهم قبول كل ما ورد عنه ﵇، بنقل العدل عن العدل، حتى يتصل به ﷺ، وإنَّ مما قضى الله علينا في كتابه، ووصف به نفسه، ووردت السنة بصحة ذلك؛ أن قال: اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ [النور:٣٥]، ثم قال عقيب ذلك: نُورٌ عَلَى نُورٍ [النور:٣٥]، وبذلك دعاه ﷺ: «أنت نور السماوات والأرض» (٣)
وقال شيخ الإسلام: النص في كتاب الله وسنة رسوله قد سمى الله نور السماوات والأرض، وقد أخبر النص أنَّ الله نور، وأخبر أيضًا أنه يحتجب بالنور؛ فهذه ثلاثة أنوار في النص، وقد تقدم ذكر الأول، وأمَّا الثاني؛ فهو في قوله: وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا [الزمر:٦٩] وفي قوله: مَثَلُ نُورِهِ، وفيما رواه مسلم في (صحيحه) عن عبد الله بن عمرو؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الله خلق خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور؛ اهتدى، ومن أخطأه؛ ضلَّ» (٤) (٥)
وقال في موضع آخر: وقد أخبر الله في كتابه أنَّ الأرض تشرق بنور ربها، فإذا كانت تشرق من نوره؛ كيف لا يكون هو نورًا؟ ! ولا يجوز أن يكون هذا النور المضاف إليه إضافة خلق وملك واصطفاء؛ كقوله: ناقة الله ونحو ذلك؛ لوجوه (وذكرها) اهـ (٦)
تنبيه:
حديث عبد الله بن عمرو لم يروه مسلم في (صحيحه)
وقال ابن القيم: والنور يضاف إليه سبحانه على أحد الوجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله؛ فالأول كقوله تعالى: وَأَشْرَقَتْ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا الآية؛ فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره تعالى إذا جاء لفصل القضاء (٧)
وقال ﵀ في (النونية) (٨):
وَالنُّورُ مِنْ أسْمائِهِ أيْضًا وَمِنْ أَوْصَافِهِ سُبْحَانَ ذِي البُرْهَانِ
قال الهرَّاس في (الشرح): ومن أسمائه سبحانه النور، وهو أيضًا صفة من صفاته، فيقال: الله نور، فيكون اسمًا مخبرًا به على تأويله بالمشتق، ويقال: ذو نور، فيكون صفة؛ قال تعالى: اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، وقال: وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا
وفي الصحيح عن ابن عباس ﵄؛ أنه ﷺ كان حين يستيقظ من الليل؛ يقول: «اللهم لك الحمد؛ أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن» (٩) اهـ
وانظر: (مجموع الفتاوى (٦/ ٣٧٤ - ٣٩٦»، و(مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٩٢ - ٢٠٦»، و(شرح الشيخ عبد الله الغنيمان لكتاب التوحيد من صحيح البخاري (١/ ١٧٠ - ١٧٧» صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣١١
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٦٤٢)، وأحمد (٢/ ١٧٦) (٦٦٤٤). والحاكم (١/ ٨٤). قال الترمذي: هذا حديث حسن. ووافقه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٥/ ٣١٦). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح قد تداوله الأئمة وقد احتجا بجميع رواته ثم لم يخرجاه ولا أعلم له علة. ووافقه الذهبي. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٠/ ١٢٨): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.
(٢) رواه البخاري (٦٣١٧)، ومسلم (٧٦٩) واللفظ له. من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٥/ ٧٣).
(٤) رواه الترمذي (٢٦٤٢)، وأحمد (٢/ ١٧٦) (٦٦٤٤). والحاكم (١/ ٨٤). قال الترمذي: هذا حديث حسن. ووافقه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٥/ ٣١٦). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح قد تداوله الأئمة وقد احتجا بجميع رواته ثم لم يخرجاه ولا أعلم له علة. ووافقه الذهبي. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٠/ ١٢٨): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح. والحديث لم يروه مسلم.
(٥) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٨٦).
(٦) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٩٢).
(٧) «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص٤٥).
(٨) «القصيدة النونية» (٢/ ١٠٥).
(٩) رواه البخاري (٦٣١٧)، ومسلم (٧٦٩).
[ ٢ / ٢٢٩ ]
- الهادي
يوصف الله ﷿ بأنه (الهادي)، وهذا ثابتٌ بالكتاب والسنة، وهو اسم له ﷾
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا [الأعراف: ٤٣]
وقوله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص: ٥٦]
وقوله: وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا [الفرقان: ٣١]
الدليل من السنة:
الحديث القدسي المشهور، حديث أبي ذر ﵁: «يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته؛ فاستهدوني أهدكم» (١)
حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: «اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني» (٢)
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: الهادي: أي الذي يهدي ويرشد عباده إلى جميع المنافع وإلى دفع المضار، ويعلمهم ما لا يعلمون، ويهديهم لهداية التوفيق والتسديد، ويلهمهم التقوى، ويجعل قلوبهم منيبة إليه منقادة لأمره (٣) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣١٣
_________________
(١) رواه مسلم (٢٥٧٧).
(٢) رواه مسلم (٢٦٩٦).
(٣) (تفسير السعدي) (٥/ ٣٠٥).
[ ٢ / ٢٣٠ ]
- الهبوط (إلى السماء الدنيا)
صفةٌ فِعْلِيَّةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالسنة الصحيحة
وفي اللسان: الهبوط نقيض الصعود (أي: نزولٌ من علوٍ) انظر صفة: (النُّزُول) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣١٤
[ ٢ / ٢٣١ ]
- الهرولة
صفةٌ فعليةٌ خبريَّةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالحديث الصحيح
الدليل:
حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري ومسلم: «وإن أتاني يمشي؛ أتيته هَرْوَلَةً» (١)
قال أبو إسماعيل الهروي في (الأربعون في دلائل التوحيد): باب الهَرْوَلَةِ لله ﷿، ثم أورد الحديث (٢)
وقال أبو إسحاق الحربي في (غريب الحديث) بعد أن أورد حديث أبي هريرة: قوله: «هَرْوَلَة»: مشيٌ سريع اهـ (٣)
وقال أبو موسى المديني في (المجموع المغيث) في الحديث عن الله ﵎: من أتاني يمشي؛ أتيته هَرْوَلَة»، وهي مشي سريع، بين المشي والعدو اهـ (٤)
وهذا إثبات منهما رحمهما الله للصِّفة على حقيقتها
وقد ورد في الفتوى (رقم ٦٩٣٢) من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٣/ ١٤٢) ما يلي: س: هل لله صفة الهَرْوَلَة؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد:
ج: نعم؛ صفة الهَرْوَلَة على نحو ما جاء في الحديث القدسي الشريف على ما يليق به، قال تعالى: «إذا تقرب إليَّ العبد شبرًا؛ تقربت إليه ذراعًا، وإذا تقرب إليَّ ذراعًا؛ تقربت منه باعًا، وإذا أتاني ماشيًا؛ أتيته هَرْوَلَة» رواه البخاري، ومسلم
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
وقد وقع على هذه الفتوى كلٌ من المشايخ: عبد العزيز بن باز، عبدالرزاق عفيفي، عبد الله بن غديان، عبد الله بن قعود
وفي (الجواب المختار لهداية المحتار- ص٢٤) للشيخ محمد العثيمين قوله: صفة الهَرْوَلَة ثابتة لله تعالى؛ كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ؛ قال: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي به (فذكر الحديث، وفيه:) وإن أتاني يمشي؛ أتيته هَرْوَلَة»، وهذه الهَرْوَلَةُ صفة من صفات أفعاله التي يجب علينا الإيمان بها من غير تكييف ولا تمثيل؛ لأنه أخبر بها عن نفسه، فوجب علينا قبولها بدون تكييف، لأنَّ التكييف قول على الله بغير علم، وهو حرام، وبدون تمثيل؛ لأنَّ الله يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١] صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣١٤
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥).
(٢) «الأربعون في دلائل التوحيد» (ص: ٧٩).
(٣) «غريب الحديث» (٢/ ٦٨٤).
(٤) «المجموع المغيث» (٣/ ٩٦).
[ ٢ / ٢٣٢ ]
- الهيمنة
صفةٌ ثابتةٌ لله ﷿ بالكتاب العزيز، من اسمه (المهيمن)
الدليل:
قوله تعالى: الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ [الحشر: ٢٣]
قال ابن جرير في تفسير الآية ٤٨ من سورة المائدة مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ الآية: وأصل الهَيْمَنَة: الحفظ والارتقاب، يقال: إذا رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده؛ قد هيمن فلان عليه؛ فهو يهيمن هَيْمَنَة، وهو عليه مهيمن اهـ
وقال ابن منظور في (اللسان): المهيمن: اسم من أسماء الله تعالى في الكتب القديمة، والمهيمن: الشاهد، وهو من أمن غيره من الخوف وقال الكسائي: المهيمن الشهيد وقال غيره: الرقيب يقال: هيمن يهيمن هَيْمَنَة إذا كان رقيبًا على الشيء وقيل: مهيمن في الأصل مؤيمن، وهو مفيعل من الأمانة
وقال البيهقي: المهيمن: هو الشهيد على خلقه بما يكون منهم من قول أو عمل، وهو من صفات ذاته، وقيل: هو الأمين، وقيل: هو الرقيب على الشيء والحافظ له (١) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣١٦
_________________
(١) «الاعتقاد» (ص٥٥).
[ ٢ / ٢٣٣ ]
- الواحد والوحدانية
يوصف الله ﷿ بالوَحْدَانِيَّة بدلالة الكتاب والسنة، و(الواحد) من أسمائه تعالى
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ [النساء: ١٧١]
وقوله: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٦]
الدليل من السنة:
قوله ﷺ: «لا إله إلا الله وحده لا شريك» وقد تكرر في كثير من الأحاديث الصحيحة (١)
قول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ لما بعثه إلى اليمن: «فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى» (٢)
قال البيهقي: الواحد: هو الفرد الذي لم يزل وحده بلا شريك، وقيل؛ هو الذي لا قسيم لذاته ولا شبيه له ولا شريك، وهذه صفة يستحقها بذاته (٣)
وقال الشيخ عبد العزيز السلمان: مثال صفات الذات: النفس، العلم، الحياة الوَحْدَانِيَّة، الجلال، وهي التي لا تنفك عن الله (٤) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣١٧
_________________
(١) منها ما رواه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
(٢) رواه البخاري (٧٣٧٢)، ورواه مسلم (١٩) بلفظ: «عبادة الله» بدلًا من «أن يوحدوا الله». من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) «الاعتقاد» (ص٦٣).
(٤) «الكواشف الجلية» (ص٤٢٩).
[ ٢ / ٢٣٤ ]
- الوارث
يوصف الله ﷿ بأنه الوارِث، وهذا ثابت بالكتاب العزيز، وقد عدَّه كثيرون من أسماء الله تعالى
الدليل:
قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [مريم: ٤٠]
وقوله: وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ [الحجر: ٢٣]
قال الأزهري: الوارِث: صفة من صفات الله ﷿، وهو الباقي الدائم (١)
وقال البيهقي: الباقي: هو الذي دام وجوده، والبقاء له صفة قائمة بذاته، وفي معناه الوارِث (٢) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣١٨
_________________
(١) «تهذيب اللغة» (١٥/ ١١٧).
(٢) «الاعتقاد» (ص٦٦).
[ ٢ / ٢٣٥ ]
- الواسع والموسع
يوصف الله ﷿ بأنه الواسِع والمُوسِع، وهذا ثابت بالكتاب والسنة، و(الواسِع) من أسمائه تعالى
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١١٥]
وقوله: وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [الأنعام: ٨٠]
وقوله: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات: ٤٧]
الدليل من السنة:
حديث أبي هريرة ﵁: «إنَّ أول الناس يقضى يوم القيامة ورجل وسَّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال» (١)
حديث الدعاء في صلاة الجنازة، وفيه: «وأكرم نُزُلَه، ووسِّع مدخله» (٢)
قال ابن قتيبة: ومن صفاته (الواسِع)، وهو الغني، والسعة: الغنى (٣)
وقال قَوَّام السُّنَّة الأصبهاني: الواسِع: وسعت رحمته الخلق أجمعين، وقيل: وسع رزقه الخلق أجمعين، لا تجد أحدًا إلا وهو يأكل رزقه، ولا يقدر أن يأكل غير ما رزق (٤)
وقال البيهقي: الواسِع: هو العالم، فيرجع معناه إلى صفة العلم، وقيل: الغني الذي وسع غناه مفاقر الخلق (٥)
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: الواسِع الصفات والنعوت ومتعلقاتها، بحيث لا يحصي أحدٌ ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، واسع العظمة والسلطان والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم (٦)
وقال الراغب الأصفهاني في (المفردات): وقوله: وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [الأنعام:٨٠]: وصفٌ له؛ نحو: أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:١٢]، وقوله: وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:٢٤٧]، وَكَانَ اللهُ وَاسِعًا حَكِيمًا [النساء:١٣٠]، فعبارة عن سعة قدرته وعلمه ورحمته وأفضاله
وقال الزجاجي: الواسِع: الغني، يقال: فلان يعطي من سعة؛ أي: من غنى وجدة (٧) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣١٨
_________________
(١) رواه مسلم (١٩٠٥).
(٢) رواه مسلم (٩٦٣) من حديث عوف بن مالك ﵁.
(٣) «تفسير غريب القرآن» (ص١٥).
(٤) «الحجة» (١/ ١٥٠).
(٥) «الاعتقاد» (ص٦٠).
(٦) «التفسير» (٥/ ٣٠٥).
(٧) «اشتقاق أسماء الله» (ص٧٢).
[ ٢ / ٢٣٦ ]
- الوتر
يوصف الله ﷿ بأنه وِتْر، وهذا ثابت بالأحاديث الصحيحة، و(الوِتْر) من أسمائه تعالى
الدليل:
حديث أبي هريرة ﵁: «لله تسعة وتسعون اسمًا من حفظها دخل الجنة، وإنَّ الله وِتْر يحب الوِتْر» (١)
حديث علي ﵁: «إنَّ الله وِتْر يحب الوتر؛ فأوتروا يا أهل القرآن» (٢)
قال الخطابي: الوتر: الفرد ومعنى الوتر في صفة الله جل وعلا: الواحد الذي لا شريك له، ولا نظير له، المتفرد عن خلقه، البائن منهم بصفاته، فهو سبحانه وِتْر، وجميع خلقه شفع، خُلقوا أزواجًا (٣)
قال البيهقي: الوِتْر: هو الفرد الذي لا شريك له ولا نظير، وهذه صفة يستحقها بذاته (٤) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٢٠
_________________
(١) رواه البخاري (٦٤١٠)، ومسلم (٢٦٧٧).
(٢) رواه أبو داود (١٤١٦)، والترمذي (٤٥٣) واللفظ له، وابن ماجه (١١٦٩)، وأحمد (١/ ١٤٤) (١٢٢٤)، والحاكم (١/ ٤٤١). والحديث سكت عنه أبو داود. قال الترمذي: حديث علي حديث حسن. ووافقه ابن حجر في «هداية الرواة» (٢/ ٥٧) - كما أشار لذلك في مقدمته -. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٢/ ٢٩٠): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.
(٣) «شأن الدعاء» (ص٢٩ - ٣٠).
(٤) «الاعتقاد» (ص٦٨).
[ ٢ / ٢٣٧ ]
- الوجه
صفةٌ ذاتيةٌ خبرِيَّة لله ﷿ ثابتة بالكتاب والسنة
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ [البقرة: ٢٧٢]
وقوله: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ [الرعد: ٢٢]
الدليل من السنة:
حديث ابن مسعود ﵁: «لما قسَّم النبي ﷺ الغنائم يوم حنين، وقال رجل: والله إنَّ هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وَجْه الله» (١)
حديث ابن عمر ﵄ في الثلاثة الذين حُبِسُوا في الغار، فقال كل واحد منهم: «اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك؛ ففرج عنا ما نحن فيه» (٢)
حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: «إنك لن تخلَّف فتعمل عملًا تبتغي به وَجْه الله؛ إلا ازددت به درجة ورفعة» (٣)
قال إمام الأئمة ابن خزيمة في (كتاب التوحيد) بعد أن أورد جملة من الآيات تثبت صفة الوَجْه لله تعالى: (فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر؛ مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا؛ من غير أن نشبه وَجْه خالقنا بوَجْه أحد من المخلوقين، عز ربنا أن يشبه المخلوقين، وجل ربنا عن مقالة المعطلين) (٤).
وقال الحافظ ابن منده: (ومن صفات الله ﷿ التي وصف بها نفسه قوله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ [القصص:٨٨]، وقال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجلاَلِ وَالإِكْرَام [الرحمن:٢٧]، وكان النبي ﷺ يستعيذ بوَجْه الله من النار والفتن كلها، ويسأل به)، ثم سرد أحاديث بسنده، ثم قال: (بيان آخر يدل على أنَّ العباد ينظرون إلى وَجْه ربهم ﷿، وسرد بسنده ما يدل على ذلك) (٥)
وقال قَوَّام السُّنَّة الأصفهاني: ذكر إثبات وَجْه الله ﷿ الذي وصفه بالجلال والإكرام والبقاء في قوله ﷿: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجلاَلِ وَالإِكْرَام اهـ (٦) وانظر: (أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) للالكائي (٧)، و(تفسير ابن جرير) لقوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ، وتفسير الآية نفسها من (أضواء البيان)، وانظر كلام البغوي في صفة (الأصابع)، وكلام ابن كثير في صفة (السمع) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٢١
_________________
(١) رواه البخاري (٣١٥٠)، ومسلم (١٠٦٢).
(٢) رواه البخاري (٢٢١٥)، ومسلم (٢٧٤٣).
(٣) رواه البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨).
(٤) «التوحيد» (١/ ٢٥).
(٥) «التوحيد» (٣/ ٣٦).
(٦) «الحجة» (١/ ١٩٩).
(٧) (٣/ ٤١٢).
[ ٢ / ٢٣٨ ]
- الودود
يوصف الله ﷿ بأنه الوَدُوُد، الذي يَوَد ويحب عباده الصالحين ويودونه، وهذا ثابت بالكتاب العزيز، و(الوَدُوُد) من أسمائه تعالى
الدليل:
قوله تعالى: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ [هود: ٩٠]
وقوله: وَهُوَ الْغَفُورُ الوَدُوُد [البروج: ١٤]
الوِدُ والمَوَدَّة: الحب والمحبة، والوَدُوُد: المُحِب انظر: (اللسان)
قال أبو القاسم الزجاجي: الوَدُوُد: فيه قولان:
أحدهما: أنه فعولٌ بمعنى فاعلٍ؛ كقولك: غفورٌ بمعنى غافر، وكما قالوا: رجلٌ صَبورٌ بمعنى صابر، وشَكورٌ بمعنى شاكر، فيكون الوَدُوُد في صفات الله تعالى ﷿ على هذا المذهب أنه يودُّ عبادهُ الصالحينَ ويُحبهم، والودُّ والمودةُ والمحبة في المعنى سواءٌ؛ فالله ﷿ ودودٌ لأوليائه والصالحين من عباده، وهو مُحِبٌ لهم
والقول الآخر: أنه فعولٌ بمعنى مفعولٍ؛ كما يقال: رجل هيوبٌ؛ أي: مهيبٌ، فتقديره: أنه ﷿ مودودٌ؛ أي: يوده عباده ويحبونه وهما وجهان جيدان
وقد تأتي الصِّفة بالفعل لله ﷿ ولعبده، فيقال: العبد شكور لله؛ أي: يشكر نعمته، والله ﷿ شكورٌ للعبد؛ أي: يشكر له عمله؛ أي: يجازيه على عمله، والعبد توابٌ إلى الله من ذنبه، والله تَّوابٌ عليه؛ أي: يقبل توبته ويعفو عنه اهـ (١)
وقال ابن القيم: الوَدُوُد المُتَوَدِّد إلى عباده بنعمه الذي يَوَدُّ من تاب إليه وأقبل عليه وهو الوَدُوُد أيضًا أي المحبوب قال البخاري في (صحيحه) الوَدُوُد: الحبيب والتحقيق أنَّ اللفظ يدل على الأمرين على كونه وادًَّا لأوليائه ومَوْدُوُدًَا لهم فأحدهما بالوضع والآخر باللزوم فهو الحبيب المحب لأوليائه يحبهم ويحبونه (٢)
وانظر: (تفسير غريب القرآن) لابن قتيبة (٣) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٢٣
_________________
(١) «اشتقاق أسماء الله» (ص١٥٢).
(٢) «التبيان في أقسام القرآن» (ص٥٩).
(٣) (ص١٨).
[ ٢ / ٢٣٩ ]
- الوصل والقطع
صفتان فعليتان ثابتتان بالسنة الصحيحة، تليقان بالله ﷿ والوَصْلُ: ضد الهجران والقطع
الدليل:
حديث عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ: «الرَّحِمُ معلقة بالعرش تقول مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّه» (١)
حديث عبد الله بن عمر ﵄ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ وَصَلَ صفًا وَصَلَهُ اللهُ وَمَنْ قَطَعَ صفًا قَطَعَهُ اللهُ» (٢) رواه أبو داود (٥٧٠) والنسائي (٨١٠) انظر: صحيح سنن النسائي (١/ ١٧٧
قال الشيخ علي الشبل في كتاب (التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري) وقد قَرَّظَه عددٌ من العلماء في مقدمتهم الشيخ عبدالعزيز بن باز – ﵀ -: الوصل والقطع فعلان ثابتان لله سبحانه لائقان به من باب المجازاة والمقابلة لمن يستحقهما، وهما من الصفات الواجب إثباتهما له سبحانه كسائر الصفات، وليستا بمستحيلتين على الله في حقيقتيهما (٣) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٢٤
_________________
(١) رواه البخاري (٥٩٨٩) ومسلم (٢٥٥٥) واللفظ له.
(٢) رواه أبو داود (٦٦٦)، والنسائي (٢/ ٩٣)، وأحمد (٢/ ٩٧) (٥٧٢٤)، والحاكم (١/ ٣٣٣). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
(٣) «التنبيه على المخالفات العقدية في كتاب فتح الباري» (ص٧٢).
[ ٢ / ٢٤٠ ]
- الوكيل
يوصف الله ﷿ بأنه الوَكِيل، وهذا ثابتٌ بالكتاب والسنة، وهو اسم من أسمائه
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيل [آل عمران: ١٧٣]
وقوله: وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الأنعام: ١٠٢]
الدليل من السنة:
حديث ابن عباس ﵄؛ قال: «حسبنا الله ونعم الوَكِيل قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ» (١)
قال ابن منظور في (اللسان): وفي أسماء الله تعالى الوَكِيل: هو المقيم الكفيل بأرزاق العباد، وحقيقته أنه يستقلُّ بأمر التوكل الموكَل إليه، وفي التَنْزيل العزيز: أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا [الإسراء:٢] وقال أبو إسحاق: الوَكِيل في صفة الله تعالى الذي توكَّل بالقيام بجميع ما خلق اهـ
وقال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيل [آل عمران:١٧٣]: كفانا الله؛ يعني: يكفينا الله وَنِعْمَ الوَكِيل، يقول: ونعم المولى لمن وليه وكفله، وإنما وصف الله تعالى نفسه بذلك؛ لأنَّ الوَكِيل في كلام العرب هو: المُسْنَدُ إليه القيام بأمر من أسند إليه القيام بأمره، فلما كان القوم الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآيات قد كانوا فَوَّضُوا أمرهم إلى الله، ووثقوا به، وأسندوا ذلك إليه؛ وصف نفسه بقيامه لهم بذلك، وتفويضهم أمرهم إليه بالوكالة، فقال: ونعم الوَكِيل الله تعالى لهم صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٢٥
_________________
(١) رواه البخاري (٤٥٦٣).
[ ٢ / ٢٤١ ]
- الولي والمولى (الولاية والموالاة)
يوصف الله ﷿ بأنه وَلِيُّ الذين آمنوا ومولاهم، و(الوَلِيُّ) و(المَوْلَى): اسمان لله تعالى ثابتان بالكتاب والسنة
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ [البقرة: ٢٥٧]
وقوله: ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد: ١١]
والآيات في ذلك كثيرة جدًا
الدليل من السنة:
قول الزبير لابنه عبد الله يوم الجمل: (يا بني! إن عجزت عن شيء منه (يعني: دَيْنَه)؛ فاستعن عليه بمولاي قال: فوالله؛ ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبت! من مولاك؟ قال: الله قال: فوالله؛ ما وقعت في كربة من دينه إلاَّ قلت: يا مولى الزبير! اقض عنه دينه فيقضيه) (١)
حديث زيد بن أرقم ﵁: «اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكَّاها، أنت وليها ومولاها» (٢)
قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ٢٥٧]: نصيرهم وظهيرهم؛ يتولاهم بعونه وتوفيقه
وانظر كلام ابن أبي العز الحنفي في صفة (الغَضَب) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٢٦
_________________
(١) رواه البخاري (٣١٢٩).
(٢) رواه مسلم (٢٧٢٢).
[ ٢ / ٢٤٢ ]
- الوهاب
يوصف الله ﷿ بأنه الوَهَّاب، يهب ما يشاء لمن يشاء كيف شاء، وهذا ثابت بالكتاب والسنة، وهي صفةٌ فعليةٌ، و(الوَهَّاب) من أسمائه تعالى
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: ٨]
وقوله: يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ [الشورى: ٤٩]
الدليل من السنة:
حديث أبي هريرة ﵁: «ثم ذكرت قول أخي سليمان: رب اغفر لي وَهَبْ لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي» (١)
قال أبو القاسم الزجاجي: الوَهَّاب: الكثير الهبة والعطية، وفعَّال في كلام العرب للمبالغة؛ فالله ﷿ وهَّاب، يهب لعباده واحدًا بعد واحد ويعطيهم، فجاءت الصفة على فعَّال لكثرة ذلك وتردده، والهبة: الإعطاء تفضلًا وابتداءً من غير استحقاق ولا مكافأة اهـ (٢)
وقال ابن منظور في (لسان العرب): الهبة: العطية الخالية عن الأعواض والأغراض، فإذا كثرت؛ سمِّي صاحبها وهَّابًا، وهو من أبنية المبالغة، ثم قال: واسم الله ﷿ الوهاب؛ فهو من صفات الله تعالى المنعم على العباد، والله تعالى الوَهَّاب الوَاهِب صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٢٧
_________________
(١) رواه البخاري (٤٦١)، ومسلم (٥٤١) واللفظ له.
(٢) «اشتقاق أسماء الله» (١٢٦).
[ ٢ / ٢٤٣ ]
- اليدان
صفةٌ ذاتيةٌ خبرِيَّةٌ لله ﷿، نثبتها كما نثبت باقي صفاته تعالى؛ من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيلٍ، وهي ثابتةٌ بالكتاب والسنة
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة: ٦٤]
وقوله: مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]
الدليل من السنة:
حديث أبي موسى الأشعري ﵁: «إنَّ الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها» (١)
حديث الشفاعة، وفيه: «فيأتونه فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر؛ خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه» (٢)
حديث أبي سعيد الخدري ﵁: «إنَّ الله ﷿ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك» (٣)
حديث: «يد الله ملأى لا يغيضها نفقة وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع» (٤)
قال إمام الأئمة ابن خزيمة في (كتاب التوحيد): باب: ذكر إثبات اليد للخالق البارئ جلَّ وعلا، والبيان أنَّ الله تعالى له يدان كما أعلمنا في محكم تَنْزيله، وسرد جملة من الآيات تدل على ذلك، ثم قال: باب ذكر البيان من سنة النبي ﷺ على إثبات يد الله جل وعلا موافقًا لما تلونا من تَنْزيل ربنا لا مخالفًا، قد نَزَّه الله نبيه وأعلى درجته ورفع قدره عن أن يقول إلا ما هو موافق لما أنزل الله عليه من وحيه اهـ (٥)
وقال أبو الحسن الأشعري: وأجمعوا على أنه ﷿ يسمع ويرى، وأنَّ له تعالى يدين مبسوطتين اهـ (٦)
وقال أبو بكر الإسماعيلي: وخلق آدم ﵇ بيده، ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، بلا اعتقاد كيف يداه، إذ لم ينطق كتاب الله تعالى فيه بكيف اهـ (٧)
وقال قَوَّام السُّنَّة الأصبهاني في (الحجة): فصل: في إثبات اليد لله تعالى صفة له، ثم أورد بعض الآيات التي تدل على ذلك، ثم قال: ذكر البيان من سنة النبي ﷺ على إثبات اليد موافقًا للتَنْزيل، ثم أورد أحاديث بسنده تدل على ذلك اهـ (٨)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنَّ لله تعالى يدين مختصتان به ذاتيتان له كما يليق بجلاله (٩)
وانظر: (أصول الاعتقاد) للالكائي (١٠) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٢٨
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧٥٩).
(٢) رواه البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩).
(٤) رواه البخاري (٧٤١١)، ورواه مسلم (٩٩٣) بلفظ: «يمين» بدلًا (يد).
(٥) «التوحيد» (١/ ١١٨).
(٦) «رسالة إلى أهل الثغر/ ٢٢٥).
(٧) «اعتقاد أئمة الحديث» (ص٥١).
(٨) «الحجة» (١/ ١٨٥).
(٩) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٦٣).
(١٠) (٣/ ٤١٢).
[ ٢ / ٢٤٤ ]
- اليمين والشمال واليسار
توصف يَدُ الله ﷿ بأنها يَمِين، وهذا ثابتٌ بالكتاب والسنة
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧]
الدليل من السنة:
حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «يَمِينُ الله ملأى لا يغيضها نفقة» (١)
حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «ويطوي السماء بيَمِينه» (٢)
حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب؛ فإنَّ الله يتقبلها بيَمِينه» (٣)
يؤمن أهل السنة والجماعة أنَّ لله ﷿ يدين، وأنَّ إحدى يديه يَمِين؛ فهل الأخرى توصف بالشِّمال؟ أم أنَّ كلتا يديه يَمِين؟
تحقيق القول في صفة الشِّمال:
أولًا: القائلون بإثبات صفة الشِّمال أو اليسار
ومنهم: الإمام عثمان بن سعيد الدارمي، وأبو يعلى الفراء، ومحمد بن عبد الوهاب، وصديق حسن خان، ومحمد خليل الهرَّاس، وعبدالله الغنيمان، وإليك أدلتهم وأقوالهم:
أدلتهم:
ما رواه مسلم في (صحيحه) من حديث عبد الله بن عمر ﵁ مرفوعًا: «يطوي الله ﷿ السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك! أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول» (٤) الخ الحديث
حديث أبي الدرداء ﵁ مرفوعًا: «خلق الله آدم حين خلقه، فضرب كتفه اليَمِين فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحُمم، فقال للتي في يَمِينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للتي في يساره: إلى النار ولا أبالي» (٥)
ومن أدلتهم وصف إحدى اليدين باليَمِين؛ كما في الأحاديث السابقة، وأنَّ هذا يقتضي أنَّ الأخرى ليست يَمِينًا، فتكون شمالًا، وفي بعض الأحاديث تذكر اليَمِين، ويذكر مقابلها: «بيده الأخرى»، وهذا يعني أنَّ الأخرى ليست اليَمِين، فتكون الشِّمال
أقوالهم:
قال الإمام أبو سعيد الدارمي (٦): وأعجب من هذا قول الثلجي الجاهل فيما ادعى تأويل حديث رسول الله ﷺ: «المقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يَمِين الرحمن وكلتا يديه يَمِين» (٧)، فادعى الثلجي أنَّ النبي ﷺ تأول كلتا يديه يَمِين؛ أنه خرج من تأويل الغلوليين أنها يَمِين الأيدي، وخرج من معنى اليدين إلى النعم؛ يعني بالغلوليين: أهل السنة؛ يعني أنه لا يكون لأحد يَمِينان، فلا يوصف أحد بيَمِينين، ولكن يَمِين وشمال بزعمه
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤١٩)، ومسلم (٩٩٣).
(٢) رواه البخاري (٦٥١٩)، ومسلم (٢٧٨٧).
(٣) رواه البخاري (٧٤٣٠) واللفظ له، ومسلم (١٠١٤).
(٤) رواه مسلم (٢٧٨٨).
(٥) رواه أحمد (٦/ ٤٤١) (٢٧٥٢٨)، والبزار في «البحر الزخار» (١٠/ ٧٨)، والطبراني في «مسند الشاميين» (٣/ ٢٦١). قال البزار: إسناده حسن. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ١٨٨): رواه أحمد والبزار والطبراني ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤٩): إسناده صحيح.
(٦) «نقض الدارمي على المريسي» (ص١٥٥).
(٧) رواه مسلم (١٨٢٧) بلفظ: «إن المقسطين عند الله ». من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
قال أبو سعيد: ويلك أيها المعارض! إنما عنى رسول الله ﷺ ما قد أطلق على التي في مقابلة اليَمِين الشِّمال، ولكن تأويله: «وكلتا يديه يَمِين»؛ أي: مُنَزَّه على النقص والضعف؛ كما في أيدينا الشِّمال من النقص وعدم البطش، فقال: «كِلتا يدي الرحمن يَمِين»؛ إجلالًا لله، وتعظيمًا أن يوصف بالشِّمال، وقد وصفت يداه بالشِّمال واليسار، وكذلك لو لم يجز إطلاق الشِّمال واليسار؛ لما أطلق رسول الله ﷺ، ولو لم يجز أن يُقال: كلتا يدي الرحمن يَمِين؛ لم يقله رسول الله ﷺ، وهذا قد جوزه الناس في الخلق؛ فكيف لا يجوز ابن الثلجي في يدي الله أنهما جميعًا يَمِينان، وقد سُمِّي من الناس ذا الشِّمالين، فجاز نفي دعوى ابن الثلجي أيضًا، ويخرج ذو الشِّمالين من معنى أصحاب الأيدي
وقال أبو يعلى الفراء في (إبطال التأويلات) (١) بعد أن ذكر حديث أبي الدرداء ﵁: واعلم أنَّ هذا الخبر يفيد جواز إطلاق القبضة عليه، واليَمِين واليسار والمسح، وذلك غير ممتنع؛ لما بيَّنا فيما قبل من أنَّهُ لا يحيل صفاته؛ فهو بمثابة اليدين والوَجْه وغيرهما
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في آخر باب من (كتاب التوحيد) في المسألة السادسة: (التصريح بتسميتها الشِّمال)؛ يعني: حديث ابن عمر ﵁ عند مسلم
وقال العلامة صديق حسن خان في كتابه (قطف الثمار) (٢): ومن صفاته سبحانه: اليد، واليَمِين، والكف، والإصبع، والشِّمال
وقال الشيخ محمد خليل هرَّاس في تعليقه على (كتاب التوحيد) لابن خزيمة (٣): يظهر أنَّ المنع من إطلاق اليسار على الله ﷿ إنما هو على جهة التأدب فقط؛ فإنَّ إثبات اليَمِين وإسناد بعض الشؤون إليها كما في قوله تعالى: وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، وكما في قوله ﵇: «إنَّ يَمِين الله ملأى سحاء الليل والنهار؛ يدل على أنَّ اليد الأخرى المقابلة لها ليست يَمِينًا».
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان في شرحه (لكتاب التوحيد من صحيح البخاري): (هذا؛ وقد تنوعت النصوص من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ على إثبات اليدين لله تعالى وإثبات الأصابع لهما، وإثبات القبض وتثنيتهما، وأنَّ إحداهما يَمِين كما مر، وفي نصوص كثيرة، والأخرى شمال؛ كما في (صحيح مسلم)، وأنه تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، وبالنهار ليتوب مسيء الليل، وأنه تعالى يتقبل الصدقة من الكسب الطيب بيَمِينه، فيربيها لصاحبها، وأنَّ المقسطين على منابر من نور عن يَمِين الرحمن، وكلتا يديه يَمِين، وغير ذلك مما هو ثابت عن الله ورسوله وقال: وقد أتانا ﷺ بذكر الأصابع، وبذكر الكف، وذكر اليَمِين، والشِّمال، واليدين مرة مثناة، ومرة منصوص على واحدة أنه يفعل بها كذا وكذا، وأنَّ الأخرى فيها كذا؛ كما تقدمت النصوص بذلك) (٤)
ثانيًا: القائلون بأنَّ كلتا يدي الله يَمِين لا شمال ولا يسار فيهما
منهم: الإمام ابن خزيمة في (كتاب التوحيد)، والإمام أحمد، والبيهقي، والألباني، وإليك أدلتهم وأقوالهم:
أدلتهم:
ما رواه مسلم في (صحيحه) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ مرفوعًا: «إنَّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يَمِين الرحمن ﷿، وكلتا يديه يَمِين» (٥)
_________________
(١) (ص١٧٦).
(٢) (ص٦٦).
(٣) (ص٦٦).
(٤) (١/ ٣١١، ٣١٨، ٣١٩).
(٥) رواه مسلم (١٨٢٧).
[ ٢ / ٢٤٦ ]
حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ مرفوعًا: «أول ما خلق الله تعالى القلم، فأخذه بيَمِينه، وكلتا يديه يَمِين» (١) رواه ابن أبي عاصم في (السنة ١٠٦)، والآجري في (الشريعة) وصحَّحَه الألباني
حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لما خلق الله آدم، ونفخ فيه من روحه؛ قال بيده وهما مقبوضتان: خذ أيها شئت يا آدم، فقال: اخترت يَمِين ربي، وكلتا يداه يَمِين مباركة، ثم بسطها» (٢) رواه ابن أبي عاصم في السنة (٢٠٦)، وابن حبان (٦١٦٧)، والحاكم (١/ ٦٤) وصحَّحَه، وعنه البيهقي في (الأسماء والصفات ٢/ ٥٦) والحديث حسَّنه الألباني في تخريجه لـ (السنة
حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «يَمِين الله ملأى لا يغيضها نفقة وبيده الأخرى القبض؛ يرفع ويخفض» رواه البخاري، ومسلم (٣) ورواه ابن خزيمة في (كتاب التوحيد)، وسنده صحيح؛ بلفظ: «وبيَمِينه الأخرى القبض» (٤)
أقوالهم:
قال ابن خزيمة في (كتاب التوحيد): باب: ذكر سنة ثامنة تبين وتوضح أنَّ لخالقنا جلَّ وعلا يدين، كلتاهما يَمِينان، لا يسار لخالقنا ﷿؛ إذ اليسار من صفة المخلوقين، فَجَلَّ ربنا عن أن يكون له يسار
وقال أيضًا: بل الأرض جميعًا قبضةُ ربنا جَلَّ وعلا، بإحدى يديه يوم القيامة، والسماوات مطويات بيَمِينه، وهي اليد الأخرى، وكلتا يدي ربنا يَمِين، لا شمال فيهما، جل ربنا وعز عن أن يكون له يسار؛ إذ كون إحدى اليدين يسارًا إنما يكون من علامات المخلوقين، جل ربنا وعز عن شبه خلقه اهـ (٥)
وقال الإمام أحمد بن حنبل – كما في (طبقات الحنابلة) لأبي يعلى -: وكما صح الخبر عن رسول الله ﷺ؛ أنه قال: «وكلتا يديه يَمِين»، الإيمان بذلك، فمن لم يؤمن بذلك، ويعلم أنَّ ذلك حق كما قال رسول الله ﷺ؛ فهو مُكَذِّبٌ برسول الله ﷺ (٦)
وسئل الشيخ الألباني﵀- في مجلة الأصالة (٧): كيف نوفِّق بين رواية: «بشماله» الواردة في حديث ابن عمر ﵄ في (صحيح مسلم) وقوله ﷺ: «وكلتا يديه يَمِين»؟
جواب: لا تعارض بين الحديثين بادئ بدء؛ فقوله ﷺ: «وكلتا يديه يَمِين»: تأكيد لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ؛ فهذا الوصف الذي أخبر به رسول الله ﷺ تأكيدٌ للتنْزيه، فيدُ الله ليست كيدِ البشر: شمال ويَمِين، ولكن كلتا يديه سبحانه يَمِين
وأمر آخر؛ أنَّ رواية: «بشماله»: شاذة؛ كما بيَّنتها في (تخريج المصطلحات الأربعة الواردة في القرآن رقم ١) للمودودي
ويؤكد هذا أنَّ أبا داود رواه وقال: «بيده الأخرى»، بدل: «بشماله»، وهو الموافق لقوله ﷺ: «وكلتا يديه يَمِين»، والله أعلم
مناقشة الأدلة التي تثبت صفة (الشِّمال) و(اليَسَار):
_________________
(١) رواه ابن أبي عاصم في السنة (١٠٦)، وابن بطة في «الإبانة» (كتاب القدر) (١/ ٣٣٥)، والآجري في «الشريعة» (ص١٦٦). وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣١٣٦).
(٢) رواه الترمذي (٣٣٦٨)، وابن حبان (١٤/ ٤٠)، والحاكم (١/ ١٣٢)، والبيهقي (١٠/ ١٤٧). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. والحديث صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح عند ابن خزيمة – كما أشار لذلك في مقدمة كتاب «التوحيد» (١/ ١٦٠). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن صحيح.
(٣) رواه البخاري (٧٤١٩)، ومسلم (٩٩٣).
(٤) رواه ابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ١٦٢ - ١٦٣).
(٥) «التوحيد» (١٥٩، ١٩٧).
(٦) «طبقات الحنابلة» (١/ ٣١٣).
(٧) العدد الرابع - (ص٢٦٨)
[ ٢ / ٢٤٧ ]
حديث عبدالله بن عمر عند مسلم (٢٧٨٨ - ٢٤)، وفيه لفظة (الشِّمال)، تفرد بها عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن سالم عن ابن عمر، وعمر بن حمزة ضعيف، والحديث عند البخاري (٧٤١٢) من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، وعند مسلم (٢٧٨٨ - ٢٥و٢٦) من طريق عبيد الله بن مقسم عن ابن عمر، وليس عندهما لفظة (الشِّمال).
قال الحافظ البيهقي: ذكر (الشِّمال) فيه، تفرد به عمر بن حمزة عن سالم، وقد روى هذا الحديث نافع وعبيد الله بن مقسم عن ابن عمر؛ لم يذكرا فيه الشِّمال وروى ذكر الشِّمال في حديث آخر في غير هذه القصة؛ إلا أنه ضعيف بمرة، تفرد بأحدهما: جعفر بن الزبير، وبالآخر: يزيد الرقاشي وهما متروكان، وكيف ذلك؟! وصحيح عن النبي ﷺ أنه سمَّى كلتي يديه يَمِينًا اهـ (١)
حديث أبي الدرداء ﵁ المتقدم، وفيه: «وقال للتي في يساره: إلى النار ولا أبالي» (٢).
قولهم: «إنَّ ذكر اليَمِين يدل على أنَّ الأخرى شمال»: قول صحيح لو لم يرد ما يدل على أنَّ كلتا يدي الله يَمِين.
مناقشة الأدلة التي تثبت أنَّ يدي الله كلتاهما يَمِين:
وصفُ اليدين بأنَّ كلتيهما يَمِين لا يعني عند العرب أنَّ الأخرى ليست يَسَارًا، بل قد يوصف الإنسان بأنَّ يديه كلتاهما يَمِين كما قال المرَّار:
وإِنَّ عَلَى الأمانَةِ مِنْ عَقِيلٍ فَتىً كِلْتَا اليدَيْنِ لَهُ يَمِينَ
ولا يعني أن لا شمال له، بل هو من كرمه وعطائه شماله كيَمِينه
انظر البيت في: (مختلف تأويل الحديث) لابن قتيبة (٣)
ولُقِّب أبو الطيب طاهر بن الحسين بن مصعب بذي اليَمِينين، كتب له أحد أصحابه:
للأمِيرِ المُهَذَّبِ المُكَنَّى بِطَيِّبِ
ذِي اليَمِينينِ طَاهِرِ بـ ـنِ الحُسَيْنِ بنِ مُصْعَبِ
انظر: (ثمار القلوب) (٤)
كما أنَّ العرب تسمى الرجل ذا الشِّمالَين، وقد سمي عمير بن عبد عمرو بن نضلة ﵁ بذلك، وقيل: بل هو ذو اليدين راجع: (الإصابة)
ولا يعنون بذي الشِّمالَين؛ أي: لا يَمِين له
الترجيح:
إنَّ تعليل القائلين بأنَّ إحدى يدي الله ﷿ يَمِين والأخرى شمال - وأننا إنما نقول: كلتاهما يَمِين؛ تأدبًا وتعظيمًا؛ إذ الشِّمال من صفات النقص والضعف - قول قوي، وله حظٌ من النظر؛ إلا أننا نقول: إنَّ صفات الله توقيفية، وما لم يأتِ دليلٌ صحيحٌ صريحٌ في وصف إحدى يدي الله ﷿ بالشِّمال أو اليَسَار؛ فإننا لا نتعدى قول النبي ﷺ: «كلتاهما يَمِين» والله أعلم صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٣٠
_________________
(١) «الأسماء والصفات» (٢/ ١٤٣).
(٢) رواه أحمد (٦/ ٤٤١) (٢٧٥٢٨)، والبزار في «البحر الزخار» (١٠/ ٧٨)، والطبراني في «مسند الشاميين» (٣/ ٢٦١). قال البزار: إسناده حسن. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ١٨٨): رواه أحمد والبزار والطبراني ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤٩): إسناده صحيح.
(٣) (٢٤٧).
(٤) (ص٢٩١)
[ ٢ / ٢٤٨ ]
- الآخرية
صفةٌ ذاتيةٌ لله ﷿، وذلك من اسمه الآخِر، والذي ورد في الكتاب والسنة
الدليل من الكتاب:
قوله تعالى: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد: ٣]
الدليل من السنة:
ما رواه مسلم في (صحيحه) عن سهيل؛ قال: كان أبو صالح يأمرنا؛ إذا أراد أحدنا أن ينام: أن يضطجع على شقِّه الأيمن، ثم يقول: «اللهم رب السماوات، ورب الأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنَّوى، ومُنْزِل التَّوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذٌ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخِر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء؛ اقضِ عنا الدَّيْنَ، واغننا من الفقر» وكان يروى ذلك عن أبي هُريرة عن النبي ﷺ (١)
المعنى:
١ - أي: الذي ليس بعده شيء كما في الحديث
٢ - الباقي بعد الأشياء كلها قاله ابن الأثير في (جامع الأصول) (٢)، وبنحوه قال الزجاج في (تفسير أسماء الله الحسنى)، وابن منظور في (اللسان) وانظر كلام ابن القيم في صفة (الأَوَّلِيَّةِ) صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف - ص٣٣٨
_________________
(١) رواه مسلم (١٠٣٥).
(٢) (٤/ ١٨١).
[ ٢ / ٢٤٩ ]
المبحث الرابع: معاني التنزيه التي جاءت بها النصوص
تمهيد:
الصفات المنفية التي ذكرت في القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة ترد لمعان عديدة يمكن حصرها في نوعين من التنزيه:
النوع الأول: نفي النقائص والعيوب عن الله ﷿، المنافية لصفات كماله.
النوع الثاني: تنزيه أوصاف الكمال الثابتة له ﷿ عن مماثلة شيء من صفات المخلوقين، أو هو: إثبات أنه ليس كمثل الله شيء في صفات كماله الثابتة له.
قال شيخ الإسلام ﵀: (والتنزيه الذي يستحقه الرب يجمعه نوعان:
- أحدهما: نفي النقص عنه.
- والثاني: نفي مماثلة شيء من الأشياء فيما يستحقه من صفات الكمال (١». النفي في باب صفات الله ﷿ لأرزقي بن محمد سعيداني – ص ١٠٧
_________________
(١) «منهاج السنة النبوية» (٢/ ١٨٦) و(١/ ١٥٧، ٥/ ١٦٩) و«مجموع الفتاوى» (١٦/ ٩٨، ٣٦)، «درء تعارض العقل والنقل» (١٠/ ٢٤٥) «بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٣٧٨)، «الصفدية» (٢/ ٢٢٨)، «التسعينية» (١/ ١٨٨)، «الجواب الصحيح» (٢/ ٢٦١)، «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (٢٤٨)، «شرح حديث النزول» (٧٨)، «شرح القصيدة النونية» (٢/ ٥٥ - ٦٠).
[ ٢ / ٢٥٠ ]
المطلب الأول: نفي النقائص عن الله ﷿
توحيد الله ﷿ الذي دلت عليه النصوص ينقسم إلى توحيد قولي، وتوحيد عملي، فالتوحيد القولي هو ما كان خبرا عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهذا الخبر إما أن يكون بنفي أو إثبات (١).
فالنفي هو تنزيه الله ﷿ عن كل نقص أو عيب من كل وجه، وهو ما دلت عليه نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، وهو ما فطر الله عليه جميع الخلق من إثبات كمال الله ﷿ نفي النفص عنه، وهو مما يعلم بالعقل أيضًا (٢).
وقد ضرب الله ﷿ الأمثال وأقام الحجج والبراهين على المشركين بإظهار بطلان ألوهية الأصنام التي يعبدونها لما تتصف به من النقائص والعيوب التي يجب أن يتنزه عنها الرب المعبود (٣)، فقال تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [النحل: ٧٥]، فبين أن كونه مملوكًا عاجزًا صفة نقص وهذا مثل للآلهة التي تعبد من دون الله، وإن القدرة والملك والإحسان صفة كمال، وهذا مثل لله ﷿، فهذا ليس مثل هذا.
وقال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [النحل: ٧٦]، فالأول مثل العاجز عن الكلام والفعل الذي لا يقدر على شيء، كآلهتهم التي يعبدون، والآخر مثل المتكلم الآمر بالعدل الذي هو على صراط مستقيم، فلا يستوي هذا والعاجز عن الكلام والفعل (٤).
وقال تعالى: إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا [مريم: ٤٢]، أي: (لم تعبد أصنامًا ناقصة في ذاتها وفي أفعالها، فلا تسمع، ولا تبصر، ولا تملك لعبادها نفعًا ولا ضرًا، بل لا تملك لأنفسها شيئًا من النفع، ولا تقدر على شيء من الدفع، فهذا برهان جلي دال على أن عبادة الناقص في ذاته وأفعاله مستقبح عقلًا وشرعًا، ودل تنبيهه وإشارته، أن الذي يجب ويحسن عبادة من له الكمال الذي لا ينال العباد نعمة إلا منه، ولا يدفع عنهم نقمة إلا هو، وهو الله تعالى) (٥).
وقال تعالى: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ [الأعراف: ١٤٨]، (فدل ذلك على أن عدم التكلم والهداية نقص، وإن الذي يتكلم ويهدي أكمل ممن لا يتكلم ولا يهدي) (٦)، فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، إلى أمثال ذلك من الآيات.
(ومثل هذا في القرآن متعدد من وصف الأصنام بسلب صفات الكمال، كعدم التكلم، والفعل، وعدم الحياة ونحو ذلك، مما يبين أن المتصف بذلك منتقص معيب كسائر الجمادات، وأن هذه الصفات لا تسلب إلا عن ناقص معيب.
وأما رب الخلق الذي هو أكمل من كل موجود، فهو أحق الموجودات بصفات الكمال، وأنه لا يستوي المتصف بصفات الكمال والذي لا يتصف بها، وهو يذكر أن الجمادات في العادة لا تقبل الاتصاف بهذه الصفات) (٧).
وهذا ما دلت عليه النصوص الصريحة، والعقول الصحيحة، وما استقر في الفطر من أن الرب الخالق المستحق للعبادة وحده، يجب أن يتصف بكل كمال على أتم وجوهه، وأن يتنزه عن كل نقص وعيب يمكن أن يتصوره العقل (٨). النفي في باب صفات الله ﷿ لأرزقي بن محمد سعيداني – ص ١٠٨
_________________
(١) «مدارج السالكين» (١/ ٣٣) «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٠٢)، «شرح القصيدة النونية» (٢/ ٥٦ - ٦٠).
(٢) «تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل» (٥/ ١٩٥) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢٩٣، ٣/ ٩١٤، ١٠١٠، ١٠١٨).
(٣) «مدارج السالكين» (١/ ٣٤).
(٤) «تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل» (٥/ ٢٠٢) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢٩٣، ٣/ ٩١٤، ١٠١٠، ١٠١٨)، «النبوات» (٢/ ٨٩٠)، «القواعد المثلى» (ص: ٢٣).
(٥) «تيسير الكريم الرحمن» (٤٤٣).
(٦) «تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل» (٥/ ٢٠٣).
(٧) «تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل» (٥/ ٢٠٣) و«مجموع الفتاوى» (٥/ ٢٢٣) و«منهاج السنة النبوية» (٢/ ١٦٠).
(٨) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٣٦٣)، «الصفدية» (٢/ ٢٧)، «منهاج السنة النبوية» (٣/ ٩٧)، «شرح العقيدة الأصفهانية» (١١٩) و«شفاء العليل» (٢/ ٣٣٣، ٣٤٣).
[ ٢ / ٢٥١ ]
المطلب الثاني: إثبات أنه ليس كمثل الله ﷿ شيء في صفاته الثابتة له
وهذا هو النوع الثاني من المعاني الجامعة للصفات المنفية التي جاءت في القرآن الكريم والسنة النبوية، وهو يقوم على تنزيه أوصاف الكمال الثابتة له سبحانه عن مماثلة أوصاف المخلوقين.
فجميع ما اتصف الله ﷿ به من الصفات لا يماثله فيها أحد من خلقه، والنص إذا ورد بإثبات صفة من الصفات وجب الإيمان به والاعتقاد الجازم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والشرف والعلو ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين (١)، وهذا الذي أخبرنا به ﷾ في قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١] ونحوها، أي: أن الله ﷿ منزه عن أن يكون له مثل في شيء مما يوصف به من صفات كماله؛ لأن مماثلة المخلوق من أعظم النقص الذي يجب أن ينزه الله عنه (٢).
(وكذلك ما كان مختصًا بالمخلوق فإنه يمتنع اتصاف الرب به، فلا يوصف الرب بشيء من النقائص، ولا بشيء من خصائص المخلوق، وكل ما كان من خصائص المخلوق فلا بد فيه من نقص) (٣).
فمن شبه صفات الله ﷿ بصفات خلقه لم يكن عابدًا لله في الحقيقة، وإنما يعبد وثنًا.
وكذلك من نفى ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ، فإنه في حقيقة أمره لا يعبد شيئًا موجودًا، وإنما يعبد عدمًا مفقودًا (٤).
كما قيل: (الممثل يعبد صنمًا، والمعطل يعبد عدمًا) (٥)، والسبيل الذي عليه أهل السنة والجماعة، هو إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ، مع تنزيهه ﷿ أن يشبه شيء من صفاته شيئًا من صفات خلقه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله ﷿ بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
يثبتون له الأسماء والصفات، وينفون عنه مماثلة المخلوقات، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، كما قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ، فقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ رد على أهل التمثيل، وقوله: السَّمِيعُ البَصِيرُ رد على أهل التعطيل) (٦).
وقال ﵀: (فالرسل وصفوا الله بصفات الكمال، ونزهوه عن النقائص المناقضة للكمال، ونزهوه عن أن يكون له مثل في شيء من صفات الكمال، وأثبتوا له صفات الكمال على وجه التفصيل، ونفوا عنه التمثيل) (٧).
والأدلة السمعية التي وردت في نفي المماثلة تنقسم إلى قسمين:
١ - خبر.
٢ - وطلب.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: (الأدلة السمعية (٨) تنقسم إلى قسمين: خبر، وطلب.
- فمن الخبر قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١]، فالآية فيها نفي صريح للتمثيل. وقوله: تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥]، فإن هذا وإن كان إنشاء، لكنه بمعنى الخبر؛ لأنه استفهام بمعنى النفي. وقوله: وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٤]، فهذه كلها تدل على نفي المماثلة، وهي كلها خبرية.
- وأما الطلب؛ فقال تعالى: فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢]، أي: نظراء مماثلين. وقال: فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: ٧٤]). (٩). النفي في باب صفات الله ﷿ لأرزقي بن محمد سعيداني – ص ١١٠
_________________
(١) «منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات» (ص: ٢٠).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢/ ٤٤٩، ٦/ ٥١٦).
(٣) «الصفدية» (١/ ١٠٢)، «بيان تلبيس الجهمية» (٢/ ٧٠).
(٤) «شرح القصيدة النونية» (٢/ ٦٣).
(٥) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٢٦١)، «درء تعارض العقل والنقل» (١٠/ ٣٠٦).
(٦) «الصفدية» (١/ ١٠٣)، «درء تعارض العقل والنقل» (٦/ ٣٤٩، ٧/ ١١١)، «منهاج السنة النبوية» (٢/ ٥٢٣).
(٧) «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» (٤/ ٤٠٦)، «جلاء الأفهام» (٩٣).
(٨) على نفي المماثلة.
(٩) «شرح العقيدة الواسطية» (١/ ١٠٣).
[ ٢ / ٢٥٢ ]
المبحث الخامس: الكلمات المجملة، وطريقة أهل السنة والجماعة في التعامل معها
تمهيد:
أ- المقصود بالكلمات المجملة: أنها ألفاظ يطلقها أهل التعطيل:
أو: هي مصطلحات أحدثها أهل الكلام.
ب- ومعنى كونها مجملة: أنها تحتمل حقًا وباطلًا.
أو يقال: لأنها ألفاظ مشتركة بين معان صحيحة، ومعان باطلة. أو يقال لخفاء المراد منها؛ بحيث لا يدرك معنى اللفظ إلا بعد الاستفصال والاستفسار.
ج- ومراد أهل التعطيل من إطلاقها: التوصل إلى نفي الصفات عن الله تعالى بحجة تنزيهه عن النقائص.
د- والذي دعاهم إلا ذلك: عجزهم عن مقارعة أهل السنة بالحجة؛ فلجؤوا إلى هذه الطريقة؛ ليخفوا عوارهم، وزيفهم.
هـ- وهذه الألفاظ لم ترد لا في الكتاب، ولا في السنة؛ بل هي من إطلاقات أهل الكلام.
ووطريقة أهل السنة في التعامل مع هذه الكلمات: أنهم يتوقفون في هذه الألفاظ؛ لأنه لم يرد نفيها ولا إثباتها في الكتاب والسنة؛ فلا يثبتونها، ولا ينفونها.
أما المعنى الذي تحت هذه الألفاظ فإنهم يستفصلون عنه، فإن كان معنى باطلًا ينزه الله عنه ردوه، وإن كان معنى حقًا لا يمتنع على الله قبلوه، واستعملوا اللفظ الشرعي المناسب للمقام.
وأشهر الألفاظ المجملة ورودًا في كتب العقائد ما يلي:
١ - الجهة.
٢ - الحد.
٣ - الأعراض.
٤ - الأبعاض أو الأعضاء والأركان والجوارح.
٥ - حلول الحوادث بالله تعالى.
٦ - التسلسل. رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد– ص: ٢١٩
[ ٢ / ٢٥٣ ]
المطلب الأول: كلمة (الجهة)
هذه اللفظة من الكلمات المجملة التي يطلقها أهل التعطيل، فما معناها في اللغة؟ وما مرادهم من إطلاقها؟ وما التحقيق في تلك اللفظة؟ وهي هي ثابتة لله، أو منفية عنه؟
أ- معنى الجهة في اللغة: تطلق الجهة على الوضع الذي تتوجه إليه، وتقصده، وتطلق على الطريق، وعلى كل شيء استقبلته، وأخذت فيه (١).
ب- ومراد أهل التعطيل من إطلاق لفظ الجهة: نفي صفة العلو عن الله ﷿.
ج- والتحقيق في هذه اللفظة: أن يقال: إن إطلاق لفظ الجهة في حق الله ﷾ أمر مبتدع لم يرد في الكتاب ولا السنة، ولا عن أحد من سلف هذه الأمة.
وبناء على هذا لا يصح إطلاق الجهة على الله ﷿ لا نفيًا ولا إثباتًا، بل لابد من التفصيل؛ لأن هذا المعنى يحتمل حقًا ويحتمل باطلًا.
فإن أريد بها جهة سفل فإنها منتفية عن الله، وممتنعة عليه أيضًا؛ فإن الله أعظم وأجل من أن يحيط به شيء من مخلوقاته، كيف وقد وسع كرسيه السموات والأرض؟
وإن أريد بالجهة أنه في جميع الجهات، وأنه حال في خلقه، وأنه بذاته في كل مكان فإن ذلك ممتنع على الله، منتف في حقه.
وإن أريد نفي الجهة عن الله كما يقول أهل التعطيل؛ حيث يقولون: إن الله ليس في جهة، أي ليس في مكان، فهو لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا متصل، ولا منفصل، ولا فوق، ولا تحت فإن ذلك أيضًا ممتنع على الله منتف في حقه؛ إذ إن ذلك وصف له بالعدم المحض.
وإن أريد بالجهة أنه في جهة علو تليق بجلاله، وعظمته من غير إحاطة به، ومن غير أن يكون محتاجًا لأحد من خلقه فإن ذلك حق ثابت له، ومعنى صحيح دلت عليه النصوص، والعقول، والفطر السليمة.
ومعنى كونه في السماء، أي في جهة العلو، أو أن (في) بمعنى على، أي على السماء، كما قال تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه: ٧١] أي على جذوع النخل.
وبهذا التفصيل يتبين الحق من الباطل في هذا الإطلاق.
أما بالنسبة للفظ فكما سبق لا يثبت ولا ينفي، بل يجب أن يستعمل بدلًا عنه اللفظ الشرعي، وهو العلو، والفوقية (٢). رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد– ص: ٢٢١
_________________
(١) انظر: «لسان العرب» (١٣/ ٥٥٥ - ٥٦٠).
(٢) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (ص:٢٢١)، و«التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية» (ص: ١٦٦ - ١٧١). و«فتح رب البرية» (ص: ٣٣ - ٣٥).
[ ٢ / ٢٥٤ ]
المطلب الثاني: كلمة (الحد)
وهذا أيضًا من الألفاظ المجملة التي يطلقها أهل التعطيل.
فما معنى الحد في اللغة؟ وماذا يريد أهل التعطيل من إطلاقه؟ وما شبهتهم في ذلك؟ وما جواب أهل السنة؟
أ- معنى الحد في اللغة: يطلق على الفصل، والمنع، والحاجز بين الشيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر.
يقال: حددت كذا، جعلت له حدًا يميزه.
وحد الدار ما تتميز به عن غيرها، وحد الشيء: الوصف المحيط بمعناه، المميز له عن غيره (١).
ب- وأهل التعطيل يريدون من إطلاق لفظ (الحد) نفي استواء الله على عرشه.
ج- وشبهتهم في ذلك: أنهم يقولون: لو أثبتنا استواء الله على عرشه للزم أن يكون محدودًا؛ لأن المستوى على الشيء يكون محدودًا؛ فالإنسان مثلًا إذا استوى على البعير صار محدودًا بمنطقة معينة، محصورًا بها، وعلى محدود - أيضًا -.
وبناء على ذلك فهم ينفون استواء الله على عرشه، ويرون أنهم ينزهون الله ﷿ عن الحد أو الحدود.
د- جواب أهل السنة: أهل السنة يقولون: إن لفظ (الحد) لم يرد في الكتاب، ولا في السنة.
وليس لنا أن نصف الله بما لم يصف به نفسه، ولا وصفه به رسوله ﷺ لا نفيًا، ولا إثباتًا، وإنما نحن متبعون لا مبتدعون.
هذا بالنسبة للفظ.
أما بالنسبة للمعنى فإننا نستفصل –كعادتنا- ونقول: ماذا تريدون بالحد؟
إن أردتم بالحد أن الله –﷿- محدود، أي متميز عن خلقه، منفصل عنهم، مباين لهم فهذا حق ليس فيه شيء من النقص، وهو ثابت لله بهذا المعنى.
وإن أردتم بكونه محدودًا أن العرش محيط به، وأنتم تريدون نفي ذلك عنه بنفي استوائه عليه – فهذا باطل وليس بلازم صحيح؛ فإن الله –تعالى- مستو على عرشه، وإن كان –﷿- أكبر من العرش ومن غير العرش.
ولا يلزم من كونه مستويًا على العرش أن يكون العرش محيطًا به؛ لأن الله -﷿- أعظم من كل شيء، وأكبر من كل شيء، والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه (٢). رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد– ص: ٢٢١
_________________
(١) انظر: «معجم مفردات ألفاظ القرآن» للراغب الأصفهاني (ص: ١٠٨)، و«المصباح المنير» للفيومي (ص: ٦٨).
(٢) انظر «شرح عقيدة الطحاوية» (ص: ٢١٩)، و«شرح العقيدة الواسطية» للشيخ محمد بن عثيمين ﵀ (١/ ٣٧٦ و٣٧٩ - ٣٨٠).
[ ٢ / ٢٥٥ ]
المطلب الثالث: كلمة (الأعراض)
هذا اللفظ من الألفاظ المجملة التي يطلقها أهل الكلام ومن أقوالهم في ذلك: (نحن ننزه الله تعالى من الأعراض والأغراض، والأبعاض، والحدود، والجهات).
ويقولون: (سبحان من تنزه عن الأعراض، والأغراض، والأبعاض).
أ- تعريف الأعراض في اللغة: الأعراض جمع عرض، والعرض هو ما لا ثبات له.
أو هو: ما ليس بلازم للشيء.
أو هو: ما لا يمتنع انفكاكه عن الشيء (١).
ومن الأمثلة على ذلك: الفرح بالنسبة للإنسان فهو عرض؛ لأنه لا ثبات له، بل هو عارض يعرض ويزول.
وكذلك الغضب، والرضا.
ب- العرض في اصطلاح المتكلمين: قال الفيومي: (العرض عند المتكلمين ما لا يقوم بنفسه، ولا يوجد إلا في محل يقوم به) (٢).
وقال الراغب الأصفهاني: (والعرض ما لا يكون له ثبات، ومنه استعار المتكلمون العرض لما لا ثبات له إلا بالجوهر كاللون والطعم) (٣).
ج- مراد المتكلمين من قولهم: (إن الله منزه عن الأعراض): مرادهم من ذلك نفي الصفات عن الله تعالى، لأن الأعراض عندهم هي الصفات.
د- شبهتهم في ذلك: يقولون: لأن الأعراض لا تقوم إلا بالأجسام، والأجسام متماثلة؛ فإثبات الصفات يعني أن الله جسم، والله منزه عن ذلك.
وبناء عليه نقول بنفي الصفات؛ لأنه يترتب على إثباتها التجسيم، وهو وصف الله بأنه جسم، والتجسيم تمثيل، وهذا كفر وضلال، فهذه هي شبهة المتكلمين.
هـ- الرد على أهل الكلام في هذه المسألة: الرد عليهم من وجوه:
١ - أن لفظ (الأعراض) لم ترد في الكتاب، ولا في السنة، لا نفيًا ولا إثباتًا، ولم ترد كذلك عن سلف الأمة.
وطريقة أهل السنة المعهودة في مثل هذه الألفاظ التوقف في اللفظ، فلا نثبت الأعراض، ولا ننفيها.
أما معناها فيستفصل عن مرادهم في ذلك ويقال لهم: إن أردتم بالأعراض ما يقتضي نقصًا في حق الله تعالى كالحزن، والندم، والمرض، والخوف، فإن المعنى صحيح، والله منزه عن ذلك؛ لأنه نقص، لا لأنها أعراض.
وإن أردتم نفي ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من الصفات كالغضب، والفرح، والرضا، ونحوها بحجة أنها أعراض – فإن ذلك باطل مردود، ولا يلزم من إثباتها أي لازم.
٢ - أن الصفات الربانية ليست كلها أعراض، بل إن بعضها أعراض كالفرح، والغضب، وبعضها ليست أعراضًا، كبعض الصفات الذاتية كاليد، والوجه، والقدم، والساق؛ فهذه ليست أعراضًا، بل لازمة للذات لا تنفك عنها.
٣ - أن قولكم: (إن الأعراض لا تقوم إلا بجسم) قول باطل؛ فالأعراض قد تقوم بغير الجسم كما يقال: ليل طويل، فقولنا: طويل، وصف لـ: ليل، والليل ليس بجسم، ومثل ذلك: حر شديد، ومرض مؤلم، وبرد قارس.
٤ - أن القول بتماثل الأجسام قول باطل؛ فالأجسام غير متماثلة لا بالذوات ولا بالصفات، ولا بالحدوث؛ ففي الحجم تختلف الذرة عن الجمل، وفي الوزن يختلف جسم القيراط عن جسم القنطار، وفي الملمس يختلف الخشن عن الناعم، واللين عن القاسي، وهكذا.
٥ - أن لفظ الجسم من إحداث المتكلمين، وهذا اللفظ كقاعدة الألفاظ المجملة؛ فإن كان إثبات الصفات يلزم منه أن يكون جسمًا في مفهومك فليس ذلك يضيرنا.
لكن إن أردت بالجسم الشيء القائم بنفسه المتصف بما يليق به فهذا حق لأننا نؤمن بأن لله ذاتًا موصوفة بالصفات اللائقة بها.
فإن أردت بالجسم هذا المعنى فيصح.
وإن أردت بالجسم الشيء المكون من أعضاء، ولحم ودم، المفتقر بعضه إلى بعض وما أشبه ذلك فباطل غير صحيح؛ لأنه يلزم أن يكون الله حادثًا أو محدثًا. وهذا أمر مستحيل، على أننا لا نوافق على إثبات الجسم، ولا نفيه؛ لأنه يحتمل حقًا وباطلًا. رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد– ص: ٢٢٥
_________________
(١) انظر «التعريفات» للجرجاني (ص: ١٥٣ - ١٥٤).
(٢) «المصباح المنير» للفيومي (ص: ٢٠٩).
(٣) «معجم مفردات ألفاظ القرآن» للراغب الأصفهاني (ص: ٣٤٢).
[ ٢ / ٢٥٦ ]
المطلب الرابع: كلمة (الأبعاض)
الأبعاض، ويقال: الأعضاء، أو الأركان، أو الجوارح: وهذه أيضًا من الكلمات المجملة التي تطلق وتحتمل حقًا وباطلًا؛ فإليك نبذة في معانيها، ومقصود أهل التعطيل من إطلاقها وجواب أهل السنة على تلك الدعوى.
أ- معاني هذه الكلمات: معاني هذه الكلمات متقاربة من بعض.
- فالأبعاض: جمع لكلمة بعض، يقال: بعض الشيء أي جزؤه، وبعضت كذا أي جعلته أبعاضًا (١).
- والأركان: جمع ركن، وركن الشيء قوامه، وجانبه القوي الذي يتم به، ويسكن إليه.
- والأجزاء: جمع جزء، والجزء ما يتركب الشيء عنه وعن غيره.
وجزء الشيء ما يتقوم به جملته كأجزاء السفينة، وأجزاء البيت.
- والجوارح: مفردها الجارحة، وتسمى الصائدة من الكلاب، والفهود، والطيور جارحة؛ إما لأنها تجرح، وإما لأنها تكسب.
وسميت الأعضاء الكاسبة جوارح تشبيهًا بها لأحد هذين (٢).
- ويشبه هذه الألفاظ لفظ: الأعضاء، والأدوات، ونحوها.
ب- مقصود أهل التعطيل من إطلاقها: مقصودهم نفي بعض الصفات الذاتية الثابتة بالأدلة القطعية، كاليد، والوجه، والساق، والقدم والعين (٣).
ج- ما الذي دعاهم إلى نفيها؟ الذي دعاهم إلى نفي تلك الصفات هو اعتقادهم أنها بالنسبة للمخلوق أبعاض، وأعضاء، وأركان، وأجزاء، وجوارح وأدوات ونحو ذلك؛ فيرون –بزعمهم- أن إثبات تلك الصفات لله يقتضي التمثيل، والتجسيم؛ فوجب عندهم نفيها قرارًا من ذلك.
وقد لجؤوا إلى تلك الألفاظ المجملة؛ لأجل أن يروج كلامهم، ويلقى القبول.
د- جواب أهل السنة: أهل السنة يقولون: إن هذه الصفات وإن كانت تعد في حق المخلوق أبعاضًا، أو أعضاء، وجوارح ونحو ذلك لكنها تعد في حق الله صفات أثبتها لنفسه، أو أثبتها له رسول الله ﷺ، فلا نخوض فيها بآرائنا وأهوائنا، بل نؤمن بها ونمرها كما جاءت ونفوض كنهها وحقيقتها إلى الله ﷿ لعدم معرفتنا لحقيقة الذات؛ لأن حقيقة معرفة الصفة متوقفة على معرفة حقيقة الذات كما لا يخفى، وهذه الصفات – أعني اليد، والساق ونحوها وكثير من صفات الله – قد تشترك مع صفات خلقه في اللفظ، وفي المعنى العام المطلق قبل أن تضاف.
وبمجرد إضافتها تختص صفات الخالق بالخالق، وصفات المخلوق بالمخلوق؛ فصفات الخالق تليق بجلاله، وعظمته، وربوبيته، وقيومته.
وصفات المخلوق تليق بحدوثه، وضعفه، ومخلوقيته (٤).
وبناء على ذلك يقال لمن يطلق تلك الألفاظ المجملة السالفة: إن أردت أن تنفي عن الله ﷿ أن يكون جسمًا، وجثة، وأعضاء، ونحو ذلك – فكلامك صحيح، ونفيك في محله.
وإن أردت بذلك نفي الصفات الثابتة له، والتي ظننت أن إثباتها يقتضي التجسيم، ونحو ذلك من اللوازم الباطلة – فإن قولك باطل، ونفيك في غير محله.
هذا بالنسبة للمعنى.
أما بالنسبة للفظ فيجب ألا تعدل عن الألفاظ الشرعية في النفي أو الإثبات؛ لسلامتها من الاحتمالات الفاسدة.
يقول شارح الطحاوية ﵀: (ولكن لا يقال لهذه الصفات إنها أعضاء، أو جوارح، أو أدوات، أو أركان؛ لأن الركن جزء الماهية، والله تعالى هو الأحد، الصمد، لا يتجزأ ﷾، والأعضاء فيها معنى التفريق والتعضية تعالى الله عن ذلك، ومن هذا المعنى قوله تعالى: الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآَنَ عِضِينَ [الحجر: ٩١].
والجوارح فيها معنى الاكتساب والانتفاع؛ وكذلك الأدوات هي الآلات التي ينتفع بها في جلب المنفعة ودفع المضرة.
وكل هذه المعاني منتفية عن الله تعالى ولهذا لم يرد ذكرها في صفات الله تعالى فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني، سالمة من الاحتمالات الفاسدة، فكذلك يجب أن لا يعدل عن الألفاظ الشرعية نفيًا، ولا إثباتًا؛ لئلا يثبت معنى فاسد، وأن ينفى معنى صحيح.
وكل هذه الألفاظ المجملة عرضة للمحق والمبطل) (٥). رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد– ص: ٢٢٨
_________________
(١) انظر «معجم مفردات ألفاظ القرآن» (ص: ٥٠، ٨٨، ٩٠، ٢٠٨) و«التعريفات» (ص: ٧٨، ١١٧).
(٢) انظر «معجم مفردات ألفاظ القرآن» (ص: ٥٠، ٨٨، ٩٠، ٢٠٨) و«التعريفات» (ص: ٧٨، ١١٧).
(٣) انظر «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٢١٩).
(٤) انظر: «الصفات الإلهية» (ص: ٢٠٨ - ٢٠٩).
(٥) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٢٢٠، ٢٢١).
[ ٢ / ٢٥٧ ]
المطلب الخامس: كلمة (الأغراض)
هذه الكلمة من إطلاقات المتكلمين، وإليك بعض التفصيل في هذا اللفظ.
أ- الأغراض في اللغة: جمع غرض، والغرض هو الهدف الذي يرمي فيه، أو هو الهدف الذي ينصب، فيرمى فيه.
والغرض يطلق في اللغة أيضًا على الحاجة، والبغية، والقصد (١).
ب- الغرض في اصطلاح علماء الكلام: قيل هو ما لأجله يصدر الفعل من الفاعل (٢).
وقال الجلال الدواني ﵀: (الغرض هو الأمر الباعث للفاعل على الفعل، وهو المحرك الأول، وبه يصير الفاعل فاعلًا) (٣).
وبذلك نرى توافق المعنى اللغوي والاصطلاحي للغرض، وأنه غاية الفاعل من فعله، وهو الباعث له على فعله (٤).
ج- مراد أهل الكلام بهذه اللفظة: يريدون إبطال الحكمة في أفعال الله ﷿ وشرعه.
د- حجتهم في ذلك: يقول المتكلمون – وعلى وجه الخصوص الأشاعرة – إننا ننزه الله عن الأغراض، فلا يكون له غرض فيما شرعه أو خلقه؛ فأبطلوا الحكمة من ذلك، وقرروا أن الله لم يشرع إلا لمجرد مشيئته فحسب؛ فإذا شاء تحريم شيء حرمه، أو شاء إيجابه أوجبه.
وقالوا: لو قررنا أن له حكمة فيما شرعه لوقعنا في محذورين:
الأول: أنه إذا كان لله غرض فإنه محتاج إلى ذلك الغرض؛ ليعود عليه من ذلك منفعة، والله منزه عن ذلك.
والثاني: أننا إذا عللنا الأحكام أي أثبتنا الحكمة والعلة لزم أن نوجب على الله ما تقتضيه الحكمة؛ لأن الحكم يدور مع علته، فنقع فيما وقع فيه المعتزلة من إيجاب الصلاح والأصلح على الله؛ لأن الغرض عند المعتزلة بمعنى الغاية التي فعل لها، وهم يوجبون أن يكون فعله معللًا بالأغراض (٥).
هـ- الرد عليهم:
١ - أن هذا اللفظ – الأغراض أو الغرض – لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة، ولا أطلقه أحد من علماء الإسلام وأتباعهم؛ لأن هذه الكلمة قد توهم النقص، ونفيها قد يفهم منه نفي الحكمة؛ فلابد إذًا من التفصيل، والأولى أن يعبر بلفظ: الحكمة، والرحمة، والإرادة، ونحو ذلك مما ورد به النص.
٢ - أن الغرض الذي ينزه الله عنه ما كان لدفع ضرر، أو جلب مصلحة له، فالله سبحانه لم يخلق، ولم يشرع لأن مصلحة الخلق والأمر تعود إليه، وإنما ذلك لمصلحة الخلق.
ولا ريب أن ذلك كمال محض، قال تعالى: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا [آل عمران: ١٧٦].
وقال: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ [الزُّمر: ٧].
وفي الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني».
وهذا أمر مستقر في الفطر.
٣ - أن إيجاب حصول الأشياء على الله متى وجدت الحكمة حق صحيح، لكنه مخالف لما يراه المعتزلة من جهة أن الله ﷿ هو الذي أوجب هذا على نفسه، ولم يوجبه عليه أحد، كما قال ﷿: كتب ربكم على نفسه الرحمة [الأنعام: ٥٤].
وكما قال: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ [الرُّوم: ٤٧].
وكما في حديث معاذ بن جبل ﵁ لما كان رديف النبي ﷺ على حمار فقال: «أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قال معاذ: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به» (٦) الحديث.
فهذا حق أوجبه الله على نفسه، ولله أن يوجب على نفسه ما يشاء.
ثم إن مقياس الصلاح والأصلح ليس راجعًا إلى عقول البشر ومقاييسهم، بل إن ذلك راجع إلى ما تقتضيه حكمة الله تعالى، فقد تكون على خلاف ما يراه الخلق باديء الرأي في عقولهم القاصرة؛ فانقطاع المطر – على سبيل المثال- قد يبدو لكثير من الناس أنه ليس الأصلح، بينما قد يكون هو الأصلح لكنه مراد لغيره لقوله تعالى: ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الرُّوم: ٤١].
وكذلك استدراج الكفار بالنعم، وابتلاء المسلمين بالمصائب، كل ذلك يحمل في طياته ضروبًا من الحكم التي لا تحيط عقول البشر إلا بأقل القليل منها.
بل إن خلق إبليس، وتقدير المعاصي، وتقدير الآلام يتضمن حكمًا تبهر العقول وتبين عن عظيم حكمة أحكم الحاكمين (٧). رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد– ص: ٢٣٢
_________________
(١) انظر «لسان العرب» (٧/ ١٩٦).
(٢) انظر «شرح مطالع الأنصار على طوالع الأنوار» لشمس الدين بن محمود الأصفهاني (ص: ٩١٧).
(٣) «شرح العقائد العضدية» للجلال الدواني (٢/ ٢٠٤).
(٤) انظر: «الحكمة والتعليل في أفعال الله» د. محمد المدخلي (ص: ٢٦ - ٤٧).
(٥) انظر «آراء المعتزلة الأصولية» دراسة وتقويمًا د. علي الضويحي (ص: ١٠٦ - ١١٥).
(٦) رواه البخاري (٢٨٥٦)، ومسلم (٣٠).
(٧) انظر تفصيل ذلك في «كتاب الإيمان بالقضاء والقدر» للكاتب، (ص: ١٤٥ - ١٧٦).
[ ٢ / ٢٥٨ ]
المطلب السادس: حلول الحوادث بالله تعالى
هذا اللفظ من إطلاقات أهل الكلام، وإليك بعض التفصيل في معناه، ومقصود أهل الكلام منه، والرد على ذلك.
أ- معنى كلمة (حلول): الحلول هو عبارة عن كون أحد الجسمين ظرفًا للآخر، كحلول الماء في الكوز (١).
ب- معنى كلمة (الحوادث): الحوادث جمع حادث، وهو الشيء المخلوق المسبوق بالعدم، ويسمى حدوثًا زمانيًا.
وقد يعبر عن الحدوث بالحاجة إلى الغير، ويسمى حدوثًا ذاتيًا.
والحدوث الذاتي: هو كون الشيء مفتقرًا في وجوده إلى الغير.
والحدوث الزماني: هو كون الشيء مسبوقًا بالعدم سبقًا زمانيًا (٢).
ج- معنى (حلول الحوادث بالله تعالى) أي قيامها بالله، ووجودها فيه تعالى.
د- مقصود أهل التعطيل من هذا الإطلاق: مقصودهم نفي اتصاف الله بالصفات الاختيارية الفعلية، وهي التي يفعلها متى شاء، كيف شاء، مثل الإتيان لفصل القضاء، والضحك، والعجب، والفرح؛ فينفون جميع الصفات الاختيارية.
هـ- حجتهم في ذلك: وحجتهم في ذلك أن قيام تلك الصفات بالله يعني قيام الحوادث أي الأشياء المخلوقة الموجودة بالله.
وإذا قامت به أصبح هو حادثًا بعد أن لم يكن، كما يعني ذلك أن تكون المخلوقات حالة فيه، وهذا ممتنع، فهذه هي حجتهم.
وجواب أهل السنة: أهل السنة يقولون: إن هذا الإطلاق لم يرد في كتاب ولا سنة، لا نفيا ولا إثباتًا، كما أنه ليس معروفًا عند سلف الأمة.
أما المعنى فيستفصل عنه؛ فإن أريد بنفي حلول الحوادث بالله أن لا يحل بذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن له من قبل فهذا النفي صحيح؛ فالله ﷿ ليس محلًا لمخلوقاته، وليست موجودة فيه، ولا يحدث له وصف متجدد لم يكن له من قبل.
وإن أريد بالحوادث: أفعاله الاختيارية التي يفعلها متى شاء كيف شاء كالنزول، والاستواء، والرضا، والغضب، والمجيء لفصل القضاء ونحو ذلك فهذا النفي باطل مردود.
بل يقال له: إن تلك الصفات ثابتة، وإن مثبتها –في الحقيقة- مثبت ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ. رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد– ص: ٢٣٥
_________________
(١) انظر: «التعريفات» للجرجاني (ص: ٩٧).
(٢) انظر: «التعريفات» (ص: ٨٥ - ٨٦).
[ ٢ / ٢٥٩ ]
المطلب السابع: كلمة (التسلسل)
التسلسل: وهو أحد الألفاظ المجملة التي يطلقها المتكلمون.
ولأجل أن يتضح مفهوم هذه اللفظة، ومدلولها، ووجه الصواب والخطأ في إطلاقها إليك هذا العرض الموجز.
أ- تعريف التسلسل: قال الجرجاني: (التسلسل هو ترتيب أمور غير متناهية) (١).
ب- سبب تسميته بذلك: سمي بذلك أخذًا من السلسلة؛ فهي قابلة لزيادة الحلق إلى ما لا نهاية؛ فالمناسبة بينهما عدم التناهي بين طرفيهما؛ ففي السلسلة مبدؤها ومنتهاها، وأما التسلسل فطرفاه الزمن الماضي والمستقبل.
ج- مراد أهل الكلام من إطلاق هذه اللفظة: مرادهم يختلف باختلاف سياق الكلام، وباختلاف المتكلمين؛ فقد يكون مرادهم نفي قدم اتصاف الله ببعض صفاته، وقد يكون مرادهم نفي دوام أفعال الله ومفعولاته، وقد يكون مرادهم نفي أبدية الجنة والنار، وقد يكون غير ذلك.
د- هل وردت هذه اللفظة في الكتاب، أو السنة، أو أطلقها أحد من أئمة السلف؟ الجواب: لا.
هـ- طريقة أهل السنة في التعامل مع هذا اللفظ: طريقتهم كطريقتهم في سائر الألفاظ المجملة، حيث إنهم يتوقفون في لفظ (التسلسل) فلا يثبتونه، ولا ينفونه، لأنه لفظ مبتدع مجمل يحتمل حقًا وباطلًا، وصوابًا وخطأ.
هذا بالنسبة للفظ.
أما بالنسبة للمعنى فإنهم يستفصلون، فإن أريد به حق قبلوه، وإن أريد به باطل ردوه.
ووبناء على ذلك فإنه ينظر في هذا اللفظ، وتطبق عليه هذه القاعدة: فيقال لمن أطلقوا هذا اللفظ:
١ - إذا أردتم بالتسلسل: دوام أفعال الرب - أزلًا وأبدًا – فذلك معنى صحيح دل عليه العقل والشرع؛ فإثباته واجب، ونفيه ممتنع، قال الله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود: ١٠٧].
والفعال هو من يفعل على الدوام، ولو خلا من الفعل في أحد الزمانين لم يكن فعالًا، فوجب دوام الفعل أزلًا وأبدًا.
ثم إن المتصف بالفعل أكمل ممن لا يتصف به، ولو خلا الرب منه لخلا من كمال يجب له، وهذا ممتنع.
ولأن الفعل لازم من لوازم الحياة، وكل حي فهو فعال، والله تعالى حي، فهو فعال وحياته لا تنفك عنه أبدًا وأزلًا.
ولأن الفرق بين الحي والميت الفعل، والله حي؛ فلابد أن يكون فاعلًا، وخلوه من الفعل في أحد الزمانين: الماضي والمستقبل ممتنع؛ فوجب دوام فعله أزلًا وأبدًا.
فخلاصة هذه المسألة أنه إذا أريد بالتسلسل دوام أفعال الرب فذلك معنى صحيح واجب في حق الله، ونفيه ممتنع.
٣ - وإذا أريد بالتسلسل: أنه تعالى كان معطلًا عن الفعل ثم فعل، أو أنه اتصف بصفة من الصفات بعد أن لم يكن متصفًا بها، أو أنه حصل له الكمال بعد أن لم يكن – فذلك معنى باطل لا يجوز.
فالله ﷿ لم يزل متصفًا بصفات الكمال صفات الذات، وصفات الفعل، ولا يجوز أن يعتقد أن الله اتصف بصفة بعد أن لم يكن متصفًا بها؛ لأن صفاته سبحانه صفات كمال، وفقدها صفة نقص؛ فلا يجوز أن يكون قد حصل له الكمال بعد أن كان متصفًا بضده.
قال الإمام الطحاوي ﵀: (ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفته.
وكما كان بصفاته أزليًا كذلك لا يزال عليها أبديًا).
مثال ذلك صفة الكلام؛ فالله ﷿ لم يزل متكلمًا إذا شاء.
ولم تحدث له صفة الكلام في وقت، ولم يكن معطلًا عنها في وقت، بل هو متصف بها أزلًا وأبدًا.
وكذلك صفة الخلق، فلم تحدث له هذه الصفة بعد أن كان معطلًا عنها.
٤ - وإذا كان المقصود بالتسلسل التسلسل في مفعولات الله ﷿ وأنه ما زال ولا يزال يخلق خلقًا بعد خلق إلى ما لا نهاية – فذلك معنى صحيح، وتسلسل ممكن، وهو جائز في الشرع والعقل.
_________________
(١) «التعريفات» للجرجاني (ص: ٥٧).
[ ٢ / ٢٦٠ ]
قال الله تعالى: أَفَعَيِينَا بِالخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق: ١٥].
ثم إنه ﷿ ما زال يخلق خلقًا، ويرتب الثاني على الأول وهكذا؛ فما زال الإنسان والحيوان منذ خلقه الله يترتب خلقه على خلق أبيه وأمه.
٥ - وإن أريد بالتسلسل: التسلسل بالمؤثرين، أي بأن يؤثر الشيء بالشيء إلى ما لا نهاية، وأن يكون مؤثرون كل واحد منهم استفاد تأثيره مما قبله لا إلى غاية – فذلك تسلسل ممتنع شرعًا وعقلًا؛ لاستحالة وقوعه؛ فالله ﷿ خالق كل شيء، وإليه المنتهى؛ فهو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء.
والقول بالتسلسل في المؤثرين يؤدي إلى خلو المحدث والمخلوق من محدث وخالق، وينتهي بإنكار الخالق جل وعلا.
خلاصة القول في مسألة التسلسل عمومًا:
- أن التسلسل هو ترتيب أمور غير متناهية، وأنه سمي بذلك أخذًا من السلسلة.
- وأن التسلسل من الألفاظ المجملة التي لابد فيها من الاستفصال كما مر.
- وأنه إن أريد بالتسلسل: دوام أفعال الرب ومفعولاته، وأنه متصف بصفات الكمال أزلًا وأبدًا فذلك حق صحيح، يدل عليه الشرع والعقل.
- وأنه إن أريد بالتسلسل: أنه ﷿ كان معطلًا عن أفعاله، وصفاته، ثم فعل، واتصف فحصل له الكمال بعد أن لم يكن متصفًا به، أو أريد بالتسلسل: التسلسل في المؤثرين فذلك معنى باطل مردود بالشرع والعقل (١). رسائل في العقيدة لمحمد بن إبراهيم الحمد– ص: ٢٣٨
_________________
(١) انظر تفصيل الحديث عن التسلسل في «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ١٣٠ - ١٣٥)، و«توضيح المقاصد وتصحيح القواعد شرح النونية» للشيخ أحمد بن عيسى (١/ ٣٧٠)، و«القواعد الكلية للأسماء والصفات عند السلف» د. إبراهيم البريكان (ص: ٢٠٨ - ٢١٤).
[ ٢ / ٢٦١ ]
المبحث السادس: خصائص إيمان الصحابة في الصفات الإلهية
لقد نزل الكتاب العزيز وجاء النبي الخاتم ﵊ بالصورة الصحيحة الكاملة عن الإله الحق سبحانه وجاءت النصوص القرآنية والنبوية بأحسن ما يمكن أن تأتي به واضحة لا لبس ولا غموض فيها، وفي ذلك يقول المولى: ﷻ: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [الزمر:٥٥]، وإن من غاية الحسن في هذا الكتاب والسنة المطهرة ما وصف به الرب سبحانه من صفات الكمال والجلال التي تعهد الله بحفظها فكانت هذه الصفات الربانية تامة كاملة، وقد اختص الله بها خير خلقه وصفوته من البشرية جمعاء صحابة رسول الله ﷺ، الذين نزل عليهم الوحي غضًّا طريًّا، فعاصروا أحداثه وأسباب نزوله، ففهموا مراد ربهم سبحانه ومراد رسوله ﷺ، فكان ذلك الجيل المبارك خير من سمع، وخير من آمن، وخير من فهم، وخير من بلغ لمن بعده تمام التبليغ، فلا عجب أن تتطلع الأعناق إلى مستواهم، أو تنسب إليهم، وتتلمس منهجهم الحق في كل مسائل الاعتقاد
وقد وصف القرآن الكريم عميق إيمانهم، وتأثرهم بالوحي المنزل على رسولهم ﷺ فقال ﷾: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:٢٣] وقال تعالى: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:٢٩].
وقد أخبر النبي ﷺ أن أصحابه أمنة لهذه الأمة بما يحملون من سلامة المعتقد الحق، والاستقامة الصادقة على أمر الله تعالى: فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ. ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء! قال: فجلسنا. فخرج علينا. فقال: ما زلتم ههنا؟ قلنا: يا رسول الله، صلينا معك المغرب. ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء. قال: أحسنتم أو أصبتم قال: فرفع رأسه إلى السماء. وكان كثيرًا مما يرفع رأسه إلى السماء. فقال: النجوم أمنة للسماء. فإذا ذهبن النجوم أتى السماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي. فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون. وأصحابي أمنة لأمتي. فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون» (١)
_________________
(١) [٢٤٤٩]» رواه مسلم (٢٥٣١).
[ ٢ / ٢٦٢ ]
قال الإمام النووي: (قال العلماء معنى الحديث: أن النجوم ما دامت باقية فالسماء باقية، فإذا انكدرت النجوم وتناثرت يوم القيامة، وهنت السماء فانفطرت، وانشقت، وذهبت، وقوله ﷺ: «وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون» أي: من الفتن والحروب، وارتداد من ارتد من الأعراب، واختلاف القلوب ونحو ذلك مما أنذر به صريحًا، وقد وقع كل ذلك. وقوله ﷺ: «وأصحابي أمنة لأمتي؛ فإذا ذهب أصحابي، أتى أمتي ما يوعدون» معناه: ظهور البدع، والحوادث في الدين، والفتن فيه، وطلوع قرن الشيطان، وظهور الروم) (١).
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم أمنة للأمة في صفاء عقيدتها وجميع تصوراتها، حيث عاش من عاش منهم، ونشروا العلم، وبلغوا للتابعين أحاديث رسول الله ﷺ في كل مسائل العقيدة والشريعة، وساد عصرهم الوفاق العقدي بين الأمة، وفي أواخر عصرهم برزت المرجئة والجهمية، وغيرها وكان علماء السلف يعتدون في إبطال البدع بما تلقوه عنهم من أحاديث رسول الله ﷺ، ومن أقوالهم في تفسير كتاب الله، ومن قبل هذا، وكله من نصوص الكتاب والسنة، فكانوا رضوان الله عليهم أمنة للأمة من المعطلة، والنفاة، والمشبهة، ومن جميع أهل البدع، فهم المنارة التي يهتدى بها في الظلمات.
وقد كان عبدالله بن مسعود ﵁ وغيره من الصحابة الكرام ينبهون الناس إلى ضرورة اتباع منهج الصحابة رضوان الله عليهم حيث يقول: (من كان منكم متأسيًا، فليتأس بأصحاب محمد ﷺ، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، قومًا اختارهم الله لصحبه نبيه ﷺ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم) (٢).
وكان حذيفة بن اليمان ﵁ - ت:٣٥هـ - يدخل المسجد فيقف على الحلق فيقول: (يا معشر القراء، اسلكوا الطريق فلئن سلكتموها لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلال بعيدًا) (٣).
وكان معاذ بن جبل ﵁ لا يجلس مجلسًا إلا ويحذر من الابتداع في الدين، فيقول: (الله حكم قسط هلك المرتابون، إن وراءكم فتنًا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن، والمنافق، والرجل، والمرأة، والصغير، والكبير، والعبد، والحر، فيوشك قائل أن يقول للناس: ألا تتبعوني، وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، ويقول المنافق كلمة الحق) (٤).
وقد بلغ من صفات عقيدتهم، وسلامة سلوكهم أنهم كانوا يقارنون الأحوال التي عاشوها مع رسول الله ﷺ، وأحوال عصرهم المتأخر؛ حيث يقول أنس ﵁: (إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد النبي ﷺ من الموبقات) قال أبو عبدالله: (يعني بذلك المهلكات) (٥).
_________________
(١) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٦/ ٨٣).
(٢) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٦/ ٦٣).
(٣) رواه البخاري (٧٢٨٢).
(٤) رواه أبو داود (٤٦١١)، والحاكم (٤/ ٥٠٧). وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه،. وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى»: مشهور، وصحح إسناده موقوفًا الألباني في «صحيح سنن أبي داود».
(٥) رواه البخاري (٦٤٩٢).
[ ٢ / ٢٦٣ ]
لقد كان العهد الذي عاشوه مع رسول الله ﷺ يمثل الكمال كله في مسائل العقيدة والشريعة، فلما ظهرت الفتن والأحداث العظيمة وأطلت البدع برأسها في أواخر حياتهم كانوا هم المرجع الذي رجع إليه علماء السلف في رد البدع، وأقوال أربابها المخالفة لمنهجهم الحق، ويمكننا إعطاء هذه الصورة الموجزة عن طبيعة البيان القرآني والنبوي في عرض الصفات الإلهية التي آمن بها الصحابة الكرام واعتقدوها الاعتقاد الحق؛ وهو المعتقد الحق الذي اعتقده التابعون وتابعوهم بإحسان إلى يوم الدين، وهو المنهج الذي هيمن على جمهور الأمة بالرغم من كثرة فرق الابتداع التي طرحت بدعها المخالفة لهذا المنهج طرحًا معاديًا لمعتقدهم وما أثر عنهم.
- شمولية النصوص القرآنية لمسائل الأسماء والصفات:
لقد حفل القرآن الكريم بذكر أسماء الله وصفاته وكمالاته إلى حد يفوق الحصر؛ فلا تكاد تخلو الآلاف من الآيات القرآنية من ذكر هذه الصفات والكمالات في أوائلها أوأثنائها، أو أواخرها، إما متناثرة في تلك الآيات، وإما بجمع بعضها لهذه الآيات وتلك، وبأساليب متنوعة، واحتفال القرآن بذكر صفات الله وكمالاته على هذه النحو حقيقة لا يخطئها من يقرأ القرآن ويتدبر آياته؛ بحيث لا يحتاج هذا الأمر إلى ذكر نماذج لهذه الحقيقة القرآنية لأنها تنتظم معظم آيات القرآن الكريم ولا يقتصر ذكر القرآن للصفات الإلهية على الآيات التي يكون موضوعها الحديث عن ذات الله وصفاته، بل كثيرًا ما تختم بهذه الصفات الآيات التي يكون موضوعها الدعوة إلى عبادة الله تعالى وبيان هذه العبادات وآثارها الفردية والاجتماعية.
أو الدعوة إلى الأخلاق الإسلامية الكريمة، والحض عليها، وبيان نتائجها، وأثارها، وكذلك الآيات التي تتناول نظام المجتمع في مختلف جوانبه السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتشريعية، فلا تكاد تخلو أغلب آيات القرآن الكريم التي ترافق عرض هذه الموضوعات من التذكير بصفات الله تعالى التي ينبني عليها ضرورة التمسك بهذه التوجيهات الإلهية والتحذير من مخالفتها، هذا بالإضافة إلى الآيات التي تتحدث عن اليوم الآخر بكل ما فيه من البعث، والحشر، والعرض، والجزاء، والجنة، والنار ترغيبًا في ثواب الله ورضاه، وتحذيرًا من غضبه، وعقابه، فعلى أساس الكثير من الصفات الإلهية التي تذكر في هذه الآيات يقوم الترغيب والترهيب وإثبات كل ما يتناوله اليوم الآخر من معتقدات.
- إن هذا العرض الموسع للصفات الإلهية في الكتاب العزيز جعل الإيمان بها، وفهم المراد الإلهي منها مسألة بدهية، لا تحتاج إلى خوض فيها، أو شرح وزيادة بيان، وقد أوقف القرآن الكريم والسنة النبوية هذا العرض عند حدود معينة؛ حيث فيها إثبات للصفات بمعانيها المعروفة لغة، ولم يتعد ذلك إلى الكشف عن الكيفية، فالتزم الصحابة رضوان الله عليهم، بالمنهج القرآني والنبوي ولم يقعوا في النفي والتشبيه كما وقع غيرهم ممن لم يلتزم بهذا المنهج الرباني فاعتقدوا – رضوان الله عليهم- المعتقد الحق في الصفات الإلهية، وورث هذا المنهج الحق منهم التابعون وتابعوهم بإحسان.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
- يلاحظ في العرض القرآني، والنبوي أن الإثبات جاء بصورة واسعة النطاق، وأن النفي جاء في مسائل محدودة لتنزيه الرب – سبحانه – عن النقائص التي نسبها إليه أهل الأديان السابقة والمشركون، فالإثبات مفصل، والنفي مجمل، وقد وضع القرآن الكريم الأساس المتين للصحابة رضوان الله عليهم، بتحذيرهم من حماقات الأمم السابقة، فقال ﷾: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ [البقرة:١٠٦ - ١٠٧]
وهذا المعتقد أي الإثبات المفصل للصفات الإلهية هو الذي اعتقده الصحابة والتابعون وتابعوهم بخلاف المبتدعة الذين امتدت ألسنتهم الآثمة إلى الصفات الإلهية بالتعطيل، والتأويل، والتشبيه، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وقد علم النبي ﷺ أمته هذا التوحيد والقران مملوء منه، ولم يقل لهم كلمة واحدة تتضمن نفي الصفات، ولا قال ذلك أحد من الصحابة، والتابعين، وأئمة الدين، مع العلم الضروري بأنهم كانوا أعلم بمعاني القرآن منا، وإن ادعى مدع تقدمه في الفلسفة عليهم، فلا يمكنه أن يدعي تقدمه في معرفة ما أريد به القرآن عليهم، وهم الذين تعلموا من الرسول ﷺ لفظه ومعناه، وهم الذين أدوا ذلك إلى من بعدهم قال أبو عبدالرحمن السلمي- ت:٧٤هـ -: حدثنا الذين كانوا يقرءون القرآن، عثمان بن عفان، وعبدالله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من رسول الله ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن، والعلم، والعمل) (١).
_________________
(١) ابن تيمية «نقض تأسيس الجهمية» (١/ ٢٢٠).
[ ٢ / ٢٦٥ ]
- فالإثبات المفصل هو ما قررناه من هيمنة الصفات الإلهية على معظم آيات الكتاب العزيز، والنفي المجمل يبين محدوديته هذا العرض الذي اقتبسناه من القرآن الكريم والسنة المطهرة، فقد عرض القرآن الكريم للتصورات الباطلة لليهود، والنصارى، والمشركين عن الله تعالى فقال ﷾ عن بعض حماقات اليهود: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء [المائدة:٦٤]، وزعمت اليهود أن لله ولدًا - ﷾ عن قولهم- فقال سبحانه: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ [التوبة:٣٠]، وزعموا – لعنهم الله – أن الله فقير وهم أغنياء، قال تعالى: لَّقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ [آل عمران:١٨١] وقال تعالى ردًا على مزاعم اليهود الذين قالوا: إنه استراح يوم السبت - سبحانه - عن ذلك: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ [ق:٣٨]، وقال تعالى ردًا على شبه النصارى وأكاذيبهم: لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة:٧٢]، وقال سبحانه ردًا على هذه المزاعم الباطلة: مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ [مريم:٣٥] وقال تعالى: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنعام:١٠١]، وأبطل القرآن تصورات المشركين عن الإله الحق، فقال سبحانه: وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ [النحل:٥٧]، وقال تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ [الصافات:١٤٩] وقال تعالى: أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ [الطور:٣٩].
[ ٢ / ٢٦٦ ]
وقال تعالى: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنْ الأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاء صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: ١٥٠ - ١٨٢] وقال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا [الفرقان:٥٨]
وقال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١] وقال تعالى: اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:٢٥٥] وقال تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:١ - ٤]
والسنة المطهرة اتبعت القرآن الكريم في الإثبات المفصل والنفي المجمل، فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «قام فينا رسول الله ﷺ فقال: إن الله ﷿ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصرة من خلقه» (١).
وعن عبدالله بن عمر ﵄ قال: «ذكر الدجال عند النبي ﷺ فقال: إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور، وأشار بيده إلى عينه وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى كأن عينه عنبة طافية» (٢)
_________________
(١) رواه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٢) رواه البخاري (٧٤٠٧).
[ ٢ / ٢٦٧ ]
- وقد آمن الصحابة رضوان الله عليهم، من خلال هذا العرض المفصل الواسع بأن آيات الصفات هي من المحكم وليست من المتشابه كما افترى المبتدعة فيما بعد، وهذا الإحكام جاء من خلال سهولة معانيها وإن السلف تعرضوا لتفسيرها التفسير الذي يثبت الصفة، ولا يتعرض لبيان الكيفية، يقول شيخ الإسلام بعد أن يعرض قول الرازي حول سورة الإخلاص يقول الرازي: (هذه السورة يجب أن تكون من المحكمات لا من المتشابهات، ولأنه تعالى جعلها جوابًا عن سؤال السائل عند الحاجة وذلك يقتضي كونها من المحكمات لا من المتشابهات، وإذا ثبت هذا وجب الجزم بأن كل مذهب يخالف هذه السورة كان باطلًا (١) قلت-شيخ الإسلام- كون هذه السورة من المحكمات، وكون كل مذهب يخالفها باطل هو حق لا ريب فيه، بل هذه السورة تعدل ثلث القرآن، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، وهي صفة الرحمن كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح، وعليها اعتمد الأئمة في تنزيه الله كما ذكره الفضيل بن عياض، والإمام أحمد، وغيرهم من أئمة الإسلام لكن سائر الآيات المذكورة فيها أسماء الله وصفاته؛ مثل آية الكرسي، وأول الحديد، وآخر الحشر ونحو ذلك هي كذلك- كل ذلك من الآيات المحكمات لكن هذه السورة ذكر فيها ما لم يذكر في غيرها من اسمه الأحد الصمد، ومثل نفي الأصول والفروع، والنظراء جميعًا، وإلا فاسمه الرحمن أنزله الله لما أنكر المشركون هذا الاسم، فأثبته الله لنفسه ردًا عليهم، وهذا أبلغ في كونه محكمًا من هذه السورة إذ الرد على المنكر أبلغ في إثبات نقيض قوله من جواب السائل الذي لم يرد عليه بنفي ولا إثبات) «٢)
ويقول شيخ الإسلام أيضًا إن آيات الصفات من المحكم وليست من المتشابه: (إن الصحابة ﵃، فسروا للتابعين القرآن كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره أُوقفُه عند كل آية منه وأسأله عنها؛ ولهذا قال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، وكان ابن مسعود يقول:
(لو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته) (٣) وكل واحد من أصحاب ابن مسعود وابن عباس نقلوا عنه من التفسير ما لم يحصه إلا الله، والنقول بذلك عن الصحابة والتابعين ثابتة معروفة عند أهل العلم بها) (٤).
أما آيات الصفات فقد تعرض السلف لتفسير معناها المفهوم لغة، ووقفوا عند المعنى اللغوي ولم يتعدوه إلى الخوض في الكنه، أو القول بالنفي والتعطيل، فآيات الصفات إذًا هي من المحكم الذي فهم الصحابة معناه.
ومن الملاحظ على بعض آيات الصفات أنها عرضت بصورة مميزة، وذلك من خلال وقائع وأحداث عاصرها الصحابة رضوان الله عليهم، فكانت تلك التعقيبات التي تربط الحديث بالصفات الإلهية مصدر إيمان، ويقين، وفهم كامل لمراد الله ﷿.
_________________
(١) [٢٤٥٨] انتهى هنا كلام الرازي
(٢) ابن تيمية «نقض تأسيس الجهمية» (١/ ٢٦١).
(٣) رواه مسلم (٢٤٦٣).
(٤) ابن تيمية «القاعدة المراكشية» (ص: ٣١ - ٣٢)
[ ٢ / ٢٦٨ ]
وسوف نعرض لجملة من هذه الأحاديث التي عرضت فيها الصفات الإلهية وكان للصحابة منها مواقف وتعقيبات تنم عن تمام الفهم، واليقين الكامل بها، فقد روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: «لما نزلت على رسول الله ﷺ: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٨٤]، قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، فأتوا رسول الله ﷺ. ثم بركوا على الركب. فقالوا: أي رسول الله! كلفنا من الأعمال ما نطيق. الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة. وقد أنزلت عليك هذه الآية. ولا نطيقها. قال رسول الله ﷺ: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم. فأنزل الله في إثرها: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:٢٨٥] فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى. وأنزل الله ﷿: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، قال: نعم، رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، قال: نعم، رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، قال: نعم، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٢٨٦] قال: نعم.» (١)
لقد كان هذا الفهم منبعه التأثر بصفة من أعظم صفاته سبحانه وهي العلم، علمه بما يبدون، وما يكتمون، فخافوا من ذلك أشد الخوف، وهذا يبين عمق الفهم للمعاني وملاحظتها بما يخصهم في دينهم، وما يرضي ربهم، فلما علم سبحانه، منهم هذا الإيمان الصادق زادهم إيمانًا ويقينًا به، فقد روى مسلم عن ابن عباس قال: «لما نزلت هذه الآية: لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:٢٨٤]. قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي ﷺ: قولوا: سمعنا وسلمنا، قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم ..» (٢).
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه – يشير إلى رباعيته -، اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله ﷺ في سبيل الله» (٣).
_________________
(١) رواه مسلم (١٢٥).
(٢) رواه مسلم (١٢٦).
(٣) رواه البخاري (٤٠٧٣)، ومسلم (١٧٩٣).
[ ٢ / ٢٦٩ ]
وروى البخاري ذلك الخبر أيضًا على لسان ابن عباس – ﵄- أنه قال: «اشتد غضب الله على من قتله النبي ﷺ» (١) فأي فهم يكون من هؤلاء الصحابة – رضوان الله عليهم- في هذه الساعات العصيبة من المفهوم اللغوي للعبارة، ولكنه غضب يليق بجلاله وكماله، فلم يخطر على بالهم تشبيه ذلك بغضب المخلوقين، أو خطر على بالهم أن يؤولوه، أو يعطلوه، رضوان الله عليهم.
ويوجه النبي ﷺ أصحابه إلى معنى صفة السمع، وأن الله سبحانه سميع قريب، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي موسى ﵁ قال: «كنا مع النبي ﷺ في سفر: فكنا إذا علونا كبرنا، فقال: أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصمَّ، ولا غائبًا، تدعون سميعًا قريبًا» (٢) وفي رواية مسلم قال: «إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (٣).
ومن تمام فهم الصحابة للصفات الإلهية أن عائشة ﵂ قالت: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله ﷺ وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله ﷿: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة:١]» (٤)
فكان هذا التعجب نابعًا من وصف الرب سبحانه بأعظم صفات الكمال، وهذا هو التفريق بين الصفات الإلهية وصفات المخلوقين على لسان هذه الصحابية الجليلة التي تمثل هذا الجمع الكبير الذي يؤمن بالصفات الإلهية هذا الإيمان الحق، وكانوا رضوان الله عليهم يحبون صفات ربهم، ويتقربون إليه بهذا الحب، فقد روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ بعث رجلًا على سرية، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:١]، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: سلوه لأي شيء يصنع هذا فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله ﷺ: أخبروه أن الله – ﷿- يحبه» (٥)، وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ لأبي بن كعب: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة:١] قال: وسماني؟ قال: نعم، فبكى» (٦).
وروى البخاري عن أنس قال: «جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي ﷺ يقول: اتق الله وأمسك عليك زوجك، قال أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذه، فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول زوجكن أهاليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات» (٧).
_________________
(١) رواه البخاري (٤٠٧٤).
(٢) رواه البخاري (٦٣٨٤).
(٣) رواه مسلم (٢٧٠٤).
(٤) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم بعد حديث (٧٣٨٥)، ورواه موصولًا النسائي (٦/ ١٦٨)، وابن ماجه (١٨٨)، وأحمد (٦/ ٤٦) (٢٤٢٤١). قال ابن عساكر في «معجم الشيوخ» (١/ ١٦٣)، وابن حجر في «تغليق التعليق» (٥/ ٣٣٩)، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.
(٥) رواه البخاري (٧٣٧٥)، ومسلم (٨١٣).
(٦) رواه البخاري (٤٩٥٩)، ومسلم (٧٩٩).
(٧) رواه البخاري (٧٤٢٠).
[ ٢ / ٢٧٠ ]
ومما يبين عمق الفهم، وسرعة التفاعل مع الصفات التي أثرت في إيمان وحياة الصحابة رضوان الله عليهم، ما رواه البخاري ومسلم في حديث الإفك عن عائشة ﵂ قالت: «فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر ﵁ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه، والله لا أنفق على مسطح شيئًا بعد ما قاله لعائشة، فأنزل الله تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [النور:٢٢] فقال أبو بكر الصديق: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه» (١).
وهكذا لو بحثنا عن مواقف الصحابة لوجدناها قد ألمت إلمامًا كبيرًا في الصفات ومعانيها، وظهرت آثارها على حياتهم وجميع تصرفاتهم، ولعل الوقائع العظيمة من الغزوات التي غزاها الصحابة مع رسول الله ﷺ والآيات التي نزلت بشأنها والتي تنتهي تعقيباتها بالصفات الإلهية، هي من هذا الجانب الذي نرى أنها هيمنت عليه، فكانوا بأعلى درجات الفهم والإيمان واليقين، وعندما تجلى هذا الجانب في تصوراتهم بهذه الضخامة والشمول استغنوا عن السؤال والبحث والتنقير عنه، ومع ضخامة هذا العرض وشموليته في القرآن والسنة فقد غشيت أبصار المبتدعة عنه تمامًا، وقاموا بالبحث والتنقير على غير الهدى الرباني، وفتحوا أبواب الشرور على الأمة في أخص مسائل الألوهية، وهي مسائل الصفات التي حسمت مادة الاعتقاد بها على الصورة التي وقف عندها الصحابة، والتابعون، وتابعوهم الذين يمتدح طريقتهم الخليفة الزاهد عمر بن عبدالعزيز ﵀ فيقول: (قف حيث وقف القوم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافد قد كفوا، وإنهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم حدث بعدهم فما أحدثه إلا من سلك غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، ولقد تكلموا منه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونه مقصر، وما فوقهم مجسر، لقد قصر عنهم قوم فجفوا، وطمح آخرون عنهم فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم) (٢). وكانوا – رضوان الله عليهم- يكرهون التعمق والتكلف؛ فقد روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: «كنا عند عمر، فقال: نهينا عن التكلف» (٣) فإذا كان عمر ﵁ يروي النهي عن التكلف فمن باب أولى أن ينتهوا عن الخوض في الصفات بما لا يحل، وإنما وقفوا عند الحد الذي وقف عنده الكتاب والسنة بعيدًا عن القول بالوصف والكيفية، أو النفي والتعطيل.
_________________
(١) رواه البخاري (٢٦٦١)، ومسلم (٢٧٧٠).
(٢) رواه عبدالله بن أحمد في «زوائد الزهد» (ص: ٢٩٦)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٥/ ٣٣٨، ٣٣٩).
(٣) رواه البخاري (٧٢٩٣).
[ ٢ / ٢٧١ ]
ويوضح ابن الوزير كيف أن الصحابة فهموا الصفات الإلهية من خلال تعليم الرسول ﷺ لهم حيث يقول: (التسليم لقول الله تعالى ولحديث رسول الله ﷺ ولأصحابه، وتابعيهم الناقلين إلينا شريعته ﵇، وأن لا نتهم منهم أحدًا لثبوت عدالتهم في سائر لوازم الشريعة، فإنهم نقلوها عن معدن النبوة، وعنصر الرسالة، ولنعلم أن البيان لا يجوز تأخيره عند الحاجة، وقد بين لهم رسول الله ﷺ جميع ما أرسله الله تعالى به حتى قال فلان: (علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، فقال الصحابي: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم) (١). وحتى قال ﵇ في خطبة الوداع: «إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات، ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب - مضر- الذي بين جمادي وشعبان» (٢) هذا فيما لا يضر جهله كيف في أمر التوحيد، فلو علم أن الحاجة داعية إلى تأويل صفات الله، وأنه يلزم الخلق كيفية معرفتها لما وسعه إلا البيان، وفي عدم ذلك دليل على كذب مدعيه، فلا يرفع أحد طرفه إلى كيفية معرفة صفات الله تعالى من قبل عقله إلا غضه الدهش والحيرة، فانقلب إليه البصر خاسئًا وهو حسير، فهذا ما يجب على المسلمين أن يؤمنوا به جملة، وأن يحيطوا به تفصيلًا) (٣)
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٢). من حديث سلمان ﵁.
(٢) رواه البخاري (٣١٩٧)، ومسلم (١٦٧٩). من حديث أبي بكرة ﵁.
(٣) «العواصم والقواصم» (٣/ ٣٧٠).
[ ٢ / ٢٧٢ ]
- ومن خصائص إيمان الصحبة رضوان الله عليهم، بجانب فهمهم الواضح لها أنهم لم يتنازعوا بأي منها، وقد تنازعوا في آيات الأحكام، ولم يؤثر وجود أي نزاع بينهم في الصفات الإلهية، وهذا راجع إلى كمال فهمهم لها، يقول ابن القيم ﵀: (وقد تنازع الصحابة في تأويل قوله تعالى: أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ [البقرة:٢٣٧]، هل هو الأب، أو الزوج، وتنازعوا في تأويل قوله تعالى: أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء [النساء:٤٣] هل هو الجماع، أو اللمس باليد، والقبلة ونحوها، وتنازعوا في تأويل قوله تعالى: وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ هل هو المسافر يصلي بالتيمم مع الجنابة، أوالمجتاز بمواضع الصلاة، كالمساجد وهو جنب، وتنازعوا في تأويل ذوي القربى المستحقين الخمس هل هم قرابة رسول الله ﷺ، أو قرابة الإمام، وتنازعوا في تأويل قوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:٢٠٤]، هل يدخل فيه قراءة الصلاة الواجبة أم لا، وتنازعوا في تأويل قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة:٢٣٤] هل يتناول اللفظ الحال، أو هل للحمل فقط، وتنازعوا في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة:٣] هل يدخل فيه ما مات في البحر أم لا، وتنازعوا في تأويل الكلالة، وفي تأويل قوله تعالى: فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ [النساء:١١]، وأمثال ذلك، ولم يتنازعوا في تأويل آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفقت كلمتهم وكلمة التابعين بعدهم على إقرارها وإمرارها، مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، وهذا يدل على أنها أعظم النوعين بيانًا، وأن العناية ببيانها أهم لأنها من تمام تحقيق الشهادتين، وإثباتها من لوازم التوحيد، فبينها الله ورسوله بيانًا شافيًا لا يقع فيه لبس ولا إشكال يوقع الراسخين في العلم في منازعة ولا اشتباه، ومن شرح الله لها صدره، ونور لها قلبه يعلم أن دلالتها على معانيها أظهر من دلالة كثير من آيات الأحكام على معانيها، ولهذا فإن آيات الأحكام لا يكاد يفهم معانيها إلا الخاصة من الناس، وأما آيات الأسماء والصفات فيشترك في فهمها الخاص والعام، أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه، والكيفية، ولهذا أشكل على بعض الصحابة قوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:١٨٧] ولم يشكل عليه ولا على غيره قوله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:١٨٦]، وأمثالها من آيات الصفات، وأشكل على عمر بن الخطاب آية الكلالة، ولم يشكل عليه أول الحديد، وآخر الحشر، وأول سورة طه، ونحوها من آيات الصفات، وأيضًا فإن بعض آيات الأحكام مجملة عرف بيانها بالسنة كقوله تعالى: فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:١٩٦]، فهذا مجمل في قدر الصيام والإطعام، فبينته السنة بأنه صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة، وكذلك، قوله: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:٢٩] مجمل في مقدار الطواف فبينته السنة بأنه سبع، ونظائره كثيرة كآية السرقة، وآية الزكاة، وآية الحج، وليس في آيات الصفات، وأحاديثها مجمل يحتاج إلى بيان من خارج بل بيانها فيها، وإن جاءت السنة بزيادة في البيان، والتفصيل؛ فلم تكن آيات الصفات مجملة محتملة لا يفهم المراد منها إلا بالسنة بخلاف آيات الأحكام) (١). العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها لعطاء الله بخيت المعايطة - بتصرف - ص: ٨١ - ٩٨
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢٠٨ - ٢١٢).
[ ٢ / ٢٧٣ ]
المبحث السابع: الرد على الأفكار الخاطئة حول عقيدة الصحابة والتابعين في الصفات
تمهيد:
من الأمور الهامة التي تستوقف الباحث أن أول من أظهر الطعن على رسول الله ﷺ وأصحابه من المنتسبين لهذه الأمة هم المنافقون الذين ظهرت من خلالهم فرق الابتداع والمبتدعة، وأولهم ذو الخويصرة أول الخوارج؛ الذي خرج من ضئضئه حرقوص بن زهير، وذي الثدية، وجمهور الخوارج الذين خرجوا على عثمان ﵁، ثم على علي ﵁، وقالوا بتكفيرهم، وتكفير الصحابة، ثم عبدالله بن سبأ وأتباعه السبئية الذين اتخذوا شعار التشيع؛ حيث قالت الخوارج بتكفير عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعائشة ومن عاش في زمانهم من الصحابة فاستدركت عليهم الشيعة، فتناولت أبا بكر، وعمر، وجمهور الصحابة، ولتغطية سؤتها في كراهيتهم تولت أربعة منهم فقط بجوار علي ﵁.
ثم عندما برز قرن المرجئة المبتدعة خاضوا في الأحداث التي وقعت بين الصحابة رضوان الله عليهم، مخالفين لجمهور الأمة، وقالوا بالتوقف فيهم، ثم عندما ظهرت المعتزلة على يد واصل بن عطاء، وقرينه في الضلالة عمرو بن عبيد قالوا: بتفسيق الصحابة عليهم رضوان الله، وصار مثل هؤلاء الحيارى المتهوكون يطلقون ألسنتهم العلية للطعن على خير خلق الله ﷿، حتى أن عمرو بن عبيد كان يقول عن عبدالله بن عمر إنه حشوي (١)، ثم تعمقت خطة أعداء الأمة ببروز الجعدية، والجهمية، وغلاة الشيعة، والقرامطة، وفلاسفة المعتزلة الذين توجهوا للعقائد التي اعتقدها الصحابة بصفاء وكمال تام، فقاموا بالإنكار والطعن وإلصاق الأباطيل بهم، والزعم بأنهم كانوا لا يفهمون معاني الصفات، فقام هؤلاء المبتدعة بالتأويل والتعطيل، والنفي والتشبيه لإثارة الشكوك والبلبلة في صفوف الأمة، حتى قيض الله لهم من رد هجمتهم الظالمة التي كانت تهدف إلى تجريد معاني الألوهية من نفوس المسلمين، والعمل على سيادة منهجها الظالم عندما استخدمت المأمون، والمعتصم، والواثق، في امتحان علماء الأمة طمعًا منهم في زعزعة قداسة القرآن من نفوس المسلمين، وإعادتهم إلى الجاهلية، ولكن الله ﷿ أعز دينه بصمود علماء السلف وعلى رأسهم إمام أهل السنة الإمام أحمد ﵀ وجزاه الله خيرًا، - فعاد الخزي والعار على المعتزلة ومن شايعهم من فرق الضلال.
ومن هنا، فإن أغلب الأفكار الخاطئة التي أثيرت قديمًا وحديثًا عن عقيدة الصحابة رضوان الله عليهم، فهي تنبع من هذه المستنقعات العفنة من المعتزلة، والشيعة، والخوارج، والمرجئة، والمشبهة، والقدرية، الذين انبرى لمناصرتهم فئة من الكتّاب المعاصرين تحت مسميات براقة، وكأن المغيرين تداعوا من جديد عندما شاهدوا الصحوة الإسلامية تنمو وتتلمس طريق السلف في المعتقد والسلوك، فقاموا بإشاعة أباطيل الفرق الضالة في قوالب جديدة، وأصبح الشباب المسلم في حيرة واضطراب، ولكن الله ﷿ منجز وعده وناصر دينه، بإذنه تعالى: وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف:٢١]
وقد سبق أن تعرضت لعقيدة الصحابة في الصفات، وأنهم كانوا أعظم الناس فهمًا، وسوف نعرض فيما يلي لجملة من الشبه التي أثارها أعداء الصحابة لإبطالها، وبيان زيفها، وأهداف القائلين بها، وذلك أن هؤلاء المبتدعة عندما ألجأتهم بدعهم المنحرفة لمثل هذه المقالات أرادوا تسويقها بين الناس، فقاموا بإلصاقها بالصحابة، وحاشاهم رضوان الله عليهم، أن يميلوا عن الطريق القويم الذي اختطه لهم رسول الله ﷺ. العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها لعطاء الله بخيت المعايطة - ص: ١٩١
_________________
(١) «منهاج السنة النبوية» لابن تيمية (٢/ ٥٢٠).
[ ٢ / ٢٧٤ ]
المطلب الأول: شبه القائلين بأن الصحابة والتابعين كانوا يؤولون الصفات والرد عليها
التأويل بالمعنى المبتدع أول من استخدمه كسلاح لتعطيل النصوص هم فرق الابتداع الذين أخذوه بدورهم عن اليهود حيث ذكر القرطبي عند تفسيره لقوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران:٧]، أن جماعة من اليهود منهم حيي بن أخطب دخلوا على رسول الله ﷺ وقالوا: بلغنا أنه نزل عليك الم فإن كنت صادقًا في مقالتك فإن ملك أمتك يكون إحدى وسبعين سنة، لأن الألف في حساب الجمل واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون فنزل: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران:٧] (١)
ثم جاء عبدالله بن سبأ واتبع منهج من سبقه وبنى بدعته الهدامة على تأويل آي القرآن، حيث قال: (لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمدًا يرجع، وقد قال الله ﷿: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ [القصص:٥٨] فمحمد أحق بالرجوع من عيسى)، قال: فقبل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة ) (٢) وتتابعت حلقات المبتدعة، فوجدت في هذا المنهج سلاحًا يخدم أغراضها الخبيثة للي أعناق النصوص لتأييد باطلها، فكانت تلك الانحرافات التي جاء بها الشيعة مبنية على التأويل الباطل للنصوص، وعندما ظهرت المرجئة استخدمت نفس هذا المنهج وكذلك القدرية، والمعتزلة، والخوارج، والجهمية، فأصبح التأويل الباطل مأوى لكل من يريد الخروج على عقيدة الأمة وشريعتها، فهم لم يكتفوا بالتأويل في مسائل العقيدة، وإنما امتدت أيديهم الآثمة لتأويل جميع مسائل الشريعة بقصد تعطيلها وتوهينها في نفوس الناس.
- والتأويل في عرف السلف هو التفسير؛ حيث يقول الإمام الطبري: (إن الصحابة رضوان الله عليهم – كانوا يفهمون معاني القرآن، وتأويله، وتفسيره بما يوافق الطريقة النبوية في الإثبات، فعن ابن مسعود ﵁ قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات، لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن (٣) وعنه قال: وله الذي لا إله غيره، ما نزلت آية في كتاب الله، إلا أعلم فيما نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته) (٤).
فالتأويل في لفظ السلف كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (له معنيان: أحدهما تفسير الكلام، وبيان معناه سواء وافق ظاهره، أو خالفه، فيكون التأويل والتفسير عند هؤلاء متقاربًا، أو مترادفًا وهذا والله أعلم هو الذي عناه مجاهد أن العلماء يعلمون تأويله ومحمد بن جرير الطبري عندما يقول في تفسيره، القول في تأويل قوله كذا وكذا، واختلف أهل التأويل في هذه الآية ونحو ذلك ومراده التفسير، والمعنى الثاني في لفظ السلف هو نفس المراد بالكلام فإن الكلام إن كان طلبًا كان تأويله نفس المطلوب وإن كان خبرًا كان تأويله نفس الشيء المخبر به) (٥).
_________________
(١) «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (٤/ ١٥).
(٢) «تاريخ الأمم والملوك» للطبري (٢/ ٦٤٧)، «الكامل» لابن الأثير (٣/ ٧٧).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (١/ ٤٤).
(٤) «تفسير الطبري» (١/ ٣٥ - ٣٦) بتصرف.
(٥) «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩).
[ ٢ / ٢٧٥ ]
ويقول في موضع آخر: (إن لفظ التأويل في القرآن يراد به ما يؤول الأمر إليه، وإن كان موافقًا لمدلول اللفظ ومفهومه في الظاهر، ويراد به تفسير الكلام وبيان معناه وإن كان موافقًا له، وهو اصطلاح المفسرين المتقدمين؛ كمجاهد وغيره، ويراد به صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، لدليل يقترن بذلك، وتخصيص لفظ التأويل بهذا المعنى إنما يوجد في كلام بعض المتأخرين فأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم فلا يخصون لفظ التأويل بهذه المعنى، بل يريدون بالتأويل المعنى الأول والثاني) (١).
- أما التأويل الباطل الذي قالت به فرق الابتداع فهو (صرف اللفظ عن مفهومه إلى غير مفهومه، فهذا لم يكن هو المراد بلفظ التأويل في كلام السلف، وكان السلف ينكرون التأويلات التي تخرج الكلام عن مراد الله ورسوله التي هي من نوع تحريف الكلم عن مواضعه، فكانوا ينكرون التأويل الباطل الذي هو التفسير الباطل) (٢).
ويقول ابن القيم – ﵀ –: (وأما المعتزلة والجهمية وغيرهم من فرق المتكلمين فمرادهم بالتأويل صرف اللفظ عن ظاهره وهذا هو الشائع في عرف المتأخرين من أهل الأصول، والفقه، ولهذا يقولون: التأويل على خلاف الأصل، والتأويل يحتاج إلى دليل وهذا التأويل هو الذي صنف في تسويغه وإبطاله من الجانبين، فصنف جماعة في تأويل آيات الصفات وأخبارها كأبي بكر بن فورك- ت ٤٠٦هـ -، وابن مهدي الطبري -٣٨٠هـ - وغيرهما، وعارضهم آخرون فصنفوا في إبطال تلك التأويلات كالقاضي أبي يعلي- ت ٤٥٤٨ -، والشيخ موفق الدين بن قدامة- ت٦٢٠ -، وهو الذي حكى عن غير واحد إجماع السلف على عدم القول به) (٣).
- وإذا كانت فرق الابتداع على مختلف مشاربها لم تنسب القول بالتأويل فيما أعلم إلى النبي ﷺ أو أصحابه الكرام فإن ببعض المعاصرين تجرأوا بدافع التعصب إلى مذاهبهم فنسبوا ذلك إلى الرسول ﷺ، وصحابته الكرام، حيث يقول ابن خليفة عليوي: (سنجعل قدوتنا في التأويل رسول الله وصحابته الكرام، والتابعين ومن سار على هديهم من أئمة الإسلام الأعلام إلى يوم الدين!! ويقال هنا: هل الرسول ﷺ أول الاستواء على العرش أم لا، وإذا كان ﵊، قد أول أعسر كلمة يمكن أن يستعصي فهمها على الأمة فيكون الرسول ﷺ قد أشار إلى أمته باقتفاء أثره بتأويل كل ما يوهم ظاهره التجسيم!! والسؤال هنا هل يوجد دليل على ما قلته: نعم، ها هو الدليل – جاء في كتاب العلو للذهبي – حديث سمعناه من أحمد بن هبة الله عن أبي رزين العقيلي، قال: قلت يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض، قال: «كان في عماء، ما فوقه هواء، وما تحته هواء ثم خلق العرش، ثم استولى عليه» (٤).
فأنت ترى أن النبي ﷺ قد أوَّل قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] بقوله: ثم استولى عليه، وبذا يكون المؤولون قد اقتفوا أثر الرسول ﷺ بصرف كل لفظ عن ظاهره يفهم منه التجسيم إلى لفظ آخر يفني عنه ذلك، وسواء أكان الحديث صحيحًا أم ضعيفًا فلا أقل من أن يحمل على التفسير، وحينئذ لا يخرج عن التأويل) (٥).
_________________
(١) «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ١٤).
(٢) «الصفدية» لابن تيمية (١/ ٢٩١).
(٣) «الصواعق المرسلة» (١/ ١٧٩).
(٤) رواه الذهبي في (العلو) (٢٦). وقال: رواه الترمذي وابن ماجه، وإسناده حسن.
(٥) «هذه عقيدة السلف والخلف» (ص:٨٧) لابن خليفة عليوي.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
ثم ينسب القول بالتأويل إلى ابن عباس ﵄ فيقول: (فإذا كان الرسول ﵊، قد فسر الاستواء بالاستيلاء؛ فهذا هو التأويل بعينه، وقد علمت أن السلف الصالح وعلى رأسهم حبر هذه الأمة عبدالله بن عباس ﵄ قد أول كثيرًا من الصفات، وهو أحق بالتأويل من كافة الأمة، لاختصاصه به بفضل دعاء الرسول له بالتأويل بقوله: «اللهم علمه الحكمة» (١)، «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (٢)
وبذا يعلم أن التأويل ليس مذمومًا، إذ لو كان كذلك لم دعا الرسول ﷺ لابن عباس به، ومن أجل هذا رأت الأمة اقتفاء أثر السلف الصالح في التأويل في كل لفظ يوهم ظاهره التجسيم) (٣)
أما حسن السقاف – محقق كتاب دفع شبه التشبيه، لابن الجوزي- فيقول: (أوّل ابن عباس قوله – تعالى - يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ [القلم:٤٢]، فقال: يكشف عن شدة، فأول الساق بالشدة ذكر ذلك الحافظ بن حجر في فتح الباري ١٣/ ٤٢٨، والحافظ بن جرير الطبري في تفسيره، حيث قال في صدر كلامه على هذه الآية: قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل: يبدو عن أمر شديد قلت: - أي السقاف -: ومنه يتضح أن التأويل كان عند الصحبة والتابعين وهم سلفنا الصالح) (٤)
- وللرد على هذه الأباطيل نقول أولًا: مما يؤسف له أن المتأخرين قد بلغت بهم الجرأة على قول ما لم يقله أسلافهم الأوائل، فإن الأوائل كانوا يقرون في أنفسهم أن التأويل هم الذين قالوا به، ولم ينسبوه فيما أعلم إلى الرسول ﷺ أو صحابته الكرام، وذلك بسبب تقاصر أفهامهم عن مستوى الصحابة والتابعين في اليقين والفهم، ولعدم سعة صدورهم وعقولهم لتقبل الوحي الرباني بنصوصه الواضحة السهلة الميسرة.
ولكن المتأخرين عندما شاهدوا الصحوة الإسلامية تتلمس طريق السلف وتأخذ بمعتقدهم الحق والسهل طارت عقولهم، فخافوا على هذا البناء الهش الذي أقامه المتكلمون أن ينهار، فقامت بطرح هذه الدعاوى الباطلة المزيفة.
ثانيًا: ومما يبين أن القوم فقدوا صوابهم أن عليوي قد زور الحديث، وزاد فيه من عنده؛ ليوافق مذهبه الباطل في التأويل فإن الحديث هذا هو لفظه: قال أبو رزين العقيلي قلت: «يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: كان في عماء، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء» (٥) وفي رواية للإمام أحمد «ثم خلق العرش ثم استوى عليه – ﵎».
فلا يوجد في الحديث ما زعمه زورًا وبهتانًا عن أكذوبة الاستيلاء.
_________________
(١) رواه البخاري (٣٧٥٦).
(٢) رواه البخاري (١٤٣) دون لفظ: «وعلمه التأويل»، وأحمد (١/ ٢٦٦) (٢٣٩٧)، وابن حبان (١٥/ ٥٣١) (٧٠٥٥)، والحاكم (٣/ ٦١٥). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٨/ ٣٠٠): منهم من أرسله والمتصل هو الصحيح، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (٣/ ٢٩): متفق عليه دون قوله: «وعلمه التأويل»، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٢٧٩): لأحمد طريقان رجالهما رجال الصحيح.
(٣) «هذه عقيدة السلف والخلف» (ص:٨٠) لابن خليفة عليوي.
(٤) «دفع التشبيه بأكف التنزيه» (ص: ١١) لابن الجوزي.
(٥) رواه الترمذي (٣١٠٩)، وابن ماجه (١٨٢)، وأحمد (٤/ ١١) (١٦٢٣٣)، وابن حبان (١٤/ ٨) (٦١٤١). قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال الذهبي في (العلو) (٢٦): رواه الترمذي وابن ماجه، وإسناده حسن.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
ثالثًا: زعم عليوي أن هذا الحديث في كتاب العلو للذهبي – ﵀- وقد بحثت عن الحديث في المطبوعة التي حققها فضيلة الشيخ الألباني، فلم أجد هذا الحديث فضلًا عن الزيادة التي أضافها من عنده ولا حول ولا قوة إلا بالله.
رابعًا: زعم عليوي أن النبي ﷺ دعا لابن عباس بأن يعلمه التأويل، ونحن نرى أن التأويل هو التفسير وليس التأويل الذي ذهب إليه المبتدعة، مع أن روايتي البخاري ومسلم ليس فيهما أي إشارة إلى أن النبي ﷺ دعا له بأن يعلمه التأويل، فعن ابن عباس أن النبي ﷺ «دخل الخلاء، فوضعت له وضوءًا، وقال من وضع هذا؟ فأخبر، فقال: اللهم، فقهه في الدين» (١).
خامسًا: أما ما ذكره السقاف من تأويل ابن عباس للساق، فهذا ليس من التأويل المبتدع الذي قالت به فرق الابتداع، فإن هذه الآية قد اختلف السلف في تفسيرها، وليس هناك بينهم أي خلاف بإثبات الصفة نفسها حيث يبطل شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الزعم بهذه الشهادة العظيمة فيقول: (إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات، فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها، وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما ورد في الحديث ووقفت من ذلك ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مئة تفسير، فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئًا من آيات الصفات، أو أحاديث الصفات، بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف، بل إن عنهم في تقرير ذلك وتثبيته وبيان ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلا الله، وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيء كثير، وتمام هذا أني لم أجدهم تنازعوا إلا في مثل قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ [القلم:٤٢]، فروى ابن عباس وطائفة أن المراد به الشدة: أن الله يكشف عن الشدة في الآخرة، وعن أبي سعيد وطائفة أنهم عدُّوها من الصفات، للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين، ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات فإنه قال: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله، ولم يقل عن ساقه، فمع التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها المعروف) (٢).
وقال القاضي أبو يعلى: (ودليل آخر على إبطال التأويل أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغًا، لكانوا أسبق إليه لما فيه من إزالة التشبيه، ورفع الشبه، بل قد روي عنهم ما دل على إبطاله) (٣).
وقال المقريزي ﵀ مفصلًا مذهب الصحابة والتابعين في الصفات: (إنه لم يرد قط من طريق صحيح، ولا سقيم عن أحد من الصحابة ﵃ على اختلاف طبقاتهم، وكثرة عددهم أنه سأل رسول الله ﷺ عن معنى شيء مما وصف الرب سبحانه به نفسه الكريمة في القرآن الكريم وعلى لسان نبيه محمد ﷺ، بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات، نعم، ولا فرق أحد منهم بين كونها صفة ذات، أو صفة فعل، وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية من العلم، والقدرة، والعظمة، وساقوا الكلام واحدًا، وهكذا أثبتوا، ﵃ ما أطلقه الله ﷿، على نفسه الكريمة من الوجه واليد، ونحو ذلك مع نفي مماثلة المخلوقين فأثبتوا ﵃ بلا تشبيه، ونزهوا من غير تعطيل، ولم يتعرض مع ذلك أحد منهم إلى تأويل شيء من هذا، ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت، ولم يكن عند أحد منهم شيء من الطرق الكلامية، ولا مسائل الفلسفة، فقضى عصر الصحابة ﵃ على هذا) (٤).
وهكذا تسقط دعوى المبطلين الذين راموا تسويق بضاعتهم المزجاة، عن طريق نسبة مبتدعاتهم إلى خير الله بعد الأنبياء والرسل، فلم يكن لهم حاجة رضوان الله عليهم إلى التأويل أو غيره، فهم الذين نزل القرآن وهم أحياء يسمعونه من رسول الله غضًّا طريًّا، وعاصروا أحداثه التي قيلت فيها آيات القرآن كلها، وصفات ربهم سبحانه كانوا لتوقيرها، والإيمان بها، والتعبد بها أعظم، وأجل، ولو أشكل عليهم شيء مما قاله المبلطون؛ لسألوا ولأجابهم النبي ﷺ الذي كانت أعظم مهماته تعريفهم بربهم المعبود بوحدانيته، وأسمائه، وصفاته. العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها لعطاء الله بخيت المعايطة - ص: ١٩٣
_________________
(١) رواه البخاري (١٤٣)، ومسلم (٢٤٧٧).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٩٤)
(٣) أبو يعلى «إبطال التأويلات لأخبار الصفات» (ص:٧١) ت محمد النجدي ط١، الكويت
(٤) «المواعظ والاعتبار» للمقريزي (٢/ ٣٥٦).
[ ٢ / ٢٧٨ ]
المطلب الثاني: شبهة القائلين بأن الصحابة والتابعين كانوا يفوضون معاني الصفات والرد عليها
وممن زعم هذه الشبهة الشهرستاني؛ حيث يقول: (اعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون لله تعالى، صفات أزلية من العلم، والقدر، الحياة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والجلال، والإكرام، والجود، والإنعام، والعزة، والعظمة، ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقًا واحدًا، وكذلك يثبتون صفات خبرية، مثل اليدين، والوجه، ولا يؤولون ذلك، إلا أنهم يقولون: هذه الصفات قد وردت في الشرع فنسميها صفات خبرية، ولما كان المعتزلة ينفون الصفات، والسلف يثبتونها سمي السلف صفاتية، والمعتزلة معطلة، فبالغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات المحدثات، واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها، وما ورد به الخبر، فافترقوا فرقتين:
فمنهم من أوله على وجه يحتمل ذلك اللفظ، ومنهم من توقف في التأويل، وقال عرفنا بمقتضى العقل أن الله تعالى ليس كمثله شيء، فلا يشبه شيئًا من المخلوقات، ولا يشبهه منها شيء، وقطعنا بذلك، إلا أنا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيها؛ مثل قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥] ومثل قوله: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:٧٥]، ومثل قوله: وَجَاء رَبُّكَ [الفجر:٢٢]، إلى غير ذلك، ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه لا شريك له، وليس كمثله شيء، وذلك قد أثبتناه يقينًا، ثم إن جماعة من المتأخرين زادوا على ما قله السلف، فقالوا لا بد من إجرائها على ظاهرها، فوقعوا في التشبيه الصرف؛ وذلك على خلاف ما اعتقده السلف) (١).
وقال السيوطي: (وجمهور أهل السنة، منهم السلف، وأهل الحديث على الإيمان بها، وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى، ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها) (٢). ويقول حسن السقاف: (وبقيت مسألة، ولا شك أن السلف كانوا يفوضون الكيف والمعنى، وهو المراد بالتفويض عند إطلاقه بلا شك) (٣).
هذه بعض أقوال من نسبوا التفويض إلى السلف، رضوان الله عليهم، حيث يلمح من عبارة الشهرستاني أن السلف تطور مذهبهم من الإثبات إلى القول بالتأويل أو التفويض، وهذا زعم باطل لا أساس له فإن السلف، وأولهم الصحابة رضوان الله عليهم مذهبهم الإثبات ما حادوا عنه إلى قول من الأقوال المبتدعة، وكذلك فعل السيوطي عندما أغفل مذهب السلف المثبت لمعاني الصفات مع عدم تعرضهم للكيفية.
ويذكر شيخ الإسلام سبب نشوء هذه الشبهة فيقول عن المفوضة: (هم طائفة من المنتسبين إلى السنة، وأتباع السلف، تعارض عندهم المعقول والمنقول، فأعرضوا عنها جميعًا بقلوبهم وعقولهم، بعد أن هالهم ما عليه أصحاب التأويل من تحريف للنصوص، وجناية على الدين، فقالوا في أسماء الله وصفاته، وما جاء في ذكر الجنة والنار، والوعد والوعيد إنها نصوص متشابهة لا يعلم معناها إلا الله تعالى وهم طائفتان من حيث إثبات ظواهر النصوص ونفيها، الأولى تقول: المراد بهذه النصوص خلاف مدلولها الظاهر، ولا يعرف أحد من الأنبياء، ولا الملائكة، ولا الصحابة، ولا أحد من الأمة، ما أراد الله بها، كما لا يعلمون وقت الساعة.
الثانية تقول: بل تجري على ظاهرها، وتحمل عليه، ومع هذا، فلا يعلم تأويلها إلا الله تعالى فتناقضوا؛ حيث أثبتوا لها تأويلًا يخالف ظاهرها، وقالوا، مع هذا بأنها تحمل على ظاهرها.
_________________
(١) الشهرستاني «الملل والنحل» (ص: ٩٢ - ٩٣) ت عبدالعزيز الوكيل، دار الفكر.
(٢) السيوطي «الإتقان في علوم القرآن» (٢/ ٦) ١٩٧٣، لبنان.
(٣) ابن الجوزي «دفع شبه التشبيه» (ص:٢١) مقدمة المحقق.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
وهم أيضًا طائفتان؛ من حيث علم الرسول ﷺ بمعاني النصوص الأولى تقول: أن الرسول ﷺ كان يعلم معاني النصوص المتشابهة، لكنه لم يبين للناس المراد منها، ولا أوضحه إيضاحًا يقطع النزاع، وهذا هو المشهور عنهم، والثانية تقول: وهم الأكابر منهم، أن معاني هذه النصوص المتشابهة لا يعلمها إلا الله، لا الرسول، ولا جبريل، ولا أحد من الصحابة، والتابعين، وعلماء الأمة، وعند الطائفتين أن هذه النصوص إنما أنزلت للابتلاء، والمقصود منها تحصيل الثواب بتلاوتها، وقراءتها، من غير فقه، ولا فهم) (١).
وقد اشتبه على بعض المعاصرين قول بعض السلف (أمرّوها كما جاءت) فظنوا أن هذا القول موافق لمذهب القائلين بالتفويض (٢) ويبطل شيخ الإسلام هذه الدعوى، فيقول: (والمقصود هنا التنبيه، على أصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلالة في باب العلم، والإيمان بما جاء به الرسول ﷺ وأن من جعل الرسول غير عالم بمعاني القرآن الذي أنزل إليه، ولا جبريل جعله غير عالم بالسمعيات، ولم يجعل القرآن هدى، ولا بيانًا للناس، وهم مخطئون فيما نسبوا إلى الرسول ﷺ، وإلى السلف من الجهل كما أخطأ في ذلك أهل التحريف والتأويلات الفاسدة، وسائر أصناف الملاحدة) (٣).
ثم ذكر قول الأوزاعي: (كنا والتابعون متوافرون، نقول إن الله تعالى ذكره، فوق عرشه، ونؤمن بما وردت فيه السنة من صفاته) (٤)
ونسب للأوزاعي، ومكحول، والزهري، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد قولهم عن الأخبار التي جاءت في الصفات، فقالوا: أمرّوها كما جاءت بلا كيف (٥)، فقولهم ﵃: (أمروها كما جاءت) ردًا على المعطلة، وقولهم: بلا كيف ردًا على الممثلة، وكان مالك بن أنس إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول: (قال عمر بن عبدالعزيز: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد من خلق الله تغييرها، ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين، ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا) (٦).
_________________
(١) ابن تيمية «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٤٤٢).
(٢) انظر ابن الجوزي «دفع شبه التشبيه» (٢٢)، لكلام المحقق.
(٣) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٥/ ٣٨).
(٤) رواه البيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٣٠٤) (٨٦٥). قال الذهبي في «تذكرة الحفاظ» (ص: ١٨٢): إسناده صحيح.
(٥) «الأسماء والصفات» للبيهقي (٢/ ٣٧٧)، «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» لللالكائي (٣/ ٥٨٢)، و«التمهيد» (٤/ ١٤٩)
(٦) رواه عبدالله بن أحمد في «السنة» (١/ ٣٥٧)، والآجري في «الشريعة» (ص:٤٦).
[ ٢ / ٢٨٠ ]
وعندما سئل مالك بن أنس، عن الاستواء أثبت المعنى، وترك القول بالكيفية، فقد جاءه رجل، فقال: يا أبا عبدالله، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:٥]، كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا، ثم أمر به أن يخرج (١)، فقول مالك وربيعة موافق لقول الباقين أمرّوها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: الاستواء حينئذ لا يكون معلومًا بل مجهولًا بمنزلة حروف المعجم، وأيضًا فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية، إذا أثبت الصفات، وأيضًا فقولهم: أمروها كما جاءت يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية، لكان الواجب أن يقال: أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير المراد، أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول (٢).
وقال أبو الفضل إسحاق بن أحمد بن غانم العلثي (ت٦٣٤هـ) في رسالة إلى عبد الرحمن بن الجوزي ينكر عليه أشياء، ومن جملتها التأويل، وزعمه أن جماعة من السلف فوضوا معنى الصفات، قال: (ثم تعرضت لصفات الخالق تعالى كأنها صدرت لا من صدر سكن فيه احتشام العلي العظيم، ولا أملاها قلب مليء بالهيبة والتعظيم، وزعمت أن طائفة من أهل السنة الأخيار تلقوها، وما فهموا وحاشاهم من ذلك بل كفوا عن الثرثرة، والتشدق، ولا عجزًا بحمد الله عن الجدال والخصام، ولا جهلًا بطرق الكلام، وإنما أمسكوا عن الخوض في ذلك عن علم ودراية لا عن جهل وعماية) (٣).
ويرى شيخ الإسلام أن القول بالتفويض يفضي إلى (القدح في الرب جلا وعلا وفي القرآن الكريم، وفي الرسول ﷺ؛ وذلك بأن يكن الله تعالى أنزل كلامًا لا يفهم، وأمر بتدبر ما لا يتدبر، وبعقل ما لا يعقل، وأن يكون القرآن الذي هو النور المبين والذكر الحكيم سبب لأنواع الاختلافات، والضلالات، بل يكون بينهم، وكأنه بغير لغتهم، وأن يكون الرسول ﷺ لم يبلغ البلاغ المبين، ولا بين للناس ما نزل إليهم، وبهذا يكون قد فسدت الرسالة، وبطلت الحجة، وهو الذي لم يتجرأ عليه صناديد الكفر) (٤).
وهكذا تبدو لنا خطورة القول بالتفويض الذي رده علماء السلف، وجعلوه بدعة تقابل بدعة التأويل، وأن القول به هو إزراء بمقام النبوة، ومقام الصحابة، وسلف الأمة جمعاء؛ فهموا مراد ربهم، وعبدوه العبادة الحقة، وآمنوا بأسمائه، وصفاته كما جاءت في الكتاب والسنة، وهم فوق جميع أهل العقول، والأفهام لا يدانيهم في هذه المكانة أحد على الإطلاق كما قال الإمام الشافعي، ﵀، (إنهم فوقنا في كل عقل، وعلم، وفضل، وسبب ينال به علم، أو يدرك به صواب، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا) (٥). العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها لعطاء الله بخيت المعايطة - ص: ٢٠٠
_________________
(١) رواه اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (١/ ٣٩٨)، وابن قدامة في «إثبات صفة العلو» (ص: ٢٨).
(٢) ابن تيمية «مجموع الفتاوى» (٥/ ٣٨ - ٤١) بتصرف، وانظر د. رضا نعسان، «علاقة الإثبات والتفويض بصفات رب العالمين» (ص: ٦٩) ط٣، مكة المكرمة.
(٣) «الذيل على طبقات الحنابلة» لابن رجب الحنبلي (٢/ ٢٠٧) نقلا عن الأستاذ عثمان علي حسن، «منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة» (٢/ ٥٨٧) ط١، ١٤١٢هـ مكتبة الرشد، الرياض.
(٤) «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية (١/ ٢٠٤).
(٥) «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية (٥/ ٧٣)
[ ٢ / ٢٨١ ]
المطلب الثالث: إبطال شبهة القائلين بأن الصحابة والتابعين قد شغلهم الجهاد عن فهم آيات الصفات ومسائل العقيدة
والذين قالوا بهذه الشبهة أهل الابتداع، قديمًا، والمستشرقين وتلاميذهم حديثًا؛ وابن عربي، وابن سينا وأبو حامد الغزالي فقال: (ثم إن هؤلاء مع هذا لما لم يجدوا الصحابة والتابعين تكلموا بمثل كلامهم، بل ولا نقل ذلك عن النبي ﷺ صار منهم من يقول: كانوا مشغولين بالجهاد عن هذا الباب، وأنهم هم حققوا ما لم يحققه الصحابة، ويقولون أيضًا أن الرسول ﷺ لم يعلمهم هذه؛ لئلا يشتغلوا به عن الجهاد، وأهل السيف قد يظن من يظن منهم أن لهم من الجهاد وقتال الأعداء ما لم يكن مثله للصحابة، وأن الصحابة كانوا مشغولين بالعلم، والعبادة عن مثل جهادهم) (١).
أما المستشرقون فيمثلهم كتاب دائرة المعارف الإسلامية، حيث يزعم أحدهم أن الصحابة والتابعين عندما انتهوا من الفتوحات قاموا بتفهم القرآن، حيث يقول: (ولما استقر المسلمون بعد الفتوحات، ودخل من دخل في الإسلام من أرباب الديانات المختلفة، عكف المسلمون من جهة على فهم القرآن، والتعمق في الفهم، وأثار بعض هؤلاء الذين التحقوا بالإسلام دون أن يتبطنوه من جهة أخرى كثيرًا من عقائدهم الدينية، وصاروا يتجادلون حولها، ويجادلون المسلمين فيها، في هذا المرحلة نجد الآيات المتشابهات في القرآن يتسعرضها المفكرون ويحللونها، ويحاول كل أحد أن يخضعها لما يرى، إما بأخذها على ظواهرها، وإما بتأويلها تنزيهًا لله تعالى، عما يوهم التشبيه في الذات أو الصفات وإما بالإيمان بها كما جاءت دون تعرض لها بتفسير أو تأويل، وكان نتيجة هذه المواقف من تلك الآيات ظهور فرقة المشبهة والمجسمة، وفرقة المعتزلة النافية للصفات مبالغة في التنزيه، والصفاتية، وهم جمهور السلف الذين بين بين) (٢)
ويردد أحمد أمين نفس فكرة المستشرقين فيقول: (إن المسلمين لما فرغوا من الفتح واستقر بهم الأمر، واتسع لهم الرزق، أخذ عقلهم يتفلسف في الدين، فيثير خلافات دينية، ويجتهد في بحثها، والتوفيق بين مظاهرها، ويكاد يكون هذا مظهرًا عامًا في كل ما نعرفه من أديان، فهي أول أمرها عقيدة ساذجة، قوية لا تأبه الخلاف ولا تلتفت إلى بحث) (٣)
وهذه المزاعم في غاية البطلان وذلك لأن الصحابة قد اكتملت معالم عقيدتهم وشريعتهم قبل وفاة الرسول ﷺ، ولقد كانت الأحداث التي عاشوها رضوا ن الله عليهم، والآيات التي خوطبوا بها ابتداء والتي تتحدث عن كل مسائل العقيدة هي الزاد الحقيقي الذي فهموا فيه أمور عقيدتهم، والتي عرضت بوضوح وشمول كبير أغناهم عن البحث، والتنقير، والابتداع، أو السؤال، فانطلقوا بهذا التصور الكامل عن الإله الحق، ووعده الحق لهم بالجزاء الحسن بالجنة، وأنه ﵃، ورضوا عنه، انطلقوا يفتحون الدنيا شرقًا وغربًا، وقد امتلأت قلوبهم حبًا وعقولهم معرفة وفهمًا لكل معاني الصفات ويمثل هذا الكمال في الفهم والمعرفة ما رواه البخاري عن طارق بن شهاب قال: (قالت اليهود لعمر: إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا، لاتخذناها عيدًا، فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت، وأين أنزلت، وأين رسول الله ﷺ حيث أنزلت: يوم عرفة، وإنا والله بعرفة، قال سفيان، وأشك كان يوم الجمعة أم لا الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:٣]).
فقد أكمل الله دينه، وفهمته العصبة المؤمنة تمام الفهم، وأعرض عمر ﵁ عن مزاعم اليهود، بأخذهم يوم نزول الآيات أعيادًا، وأخبرهم عن علمه بزمان نزولها ومكان نزولها، فكانت تفيد تمام هذا الدين، وأعظم ما فيه مسائل العقيدة، ومن أخصها توحيد الإله الحق بأسمائه، وصفاته والإيمان الحق، وعدم تعريضها للجدال والخصومة، ولم يكن الصحابة ولا التابعين سلفًا لمن زاغت عقيدته فمال إلى التأويل، والتعطيل، أو مال إلى التشبيه، فإن الصحابة والتابعين ما كانوا يعدلون بالقرآن والسنة أي فكر بشري أبدًا، وإنما الذين تفلسفوا هم قنائص زنادقة البلاد المفتوحة، الذين دخلوا في جدال معهم؛ كالجعد والجهم، وعمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء وغيرهم الذين سقطوا في حمأة البدعة الممقوتة، وفتحوا باب الشرور على الأمة. العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها لعطاء الله بخيت المعايطة - ص: ٢٠٥
_________________
(١) «النبوات» لابن تيمية (ص: ٢٢١) ط ١٤٢٠هـ، دار الكتب العلمية بيروت.
(٢) «دائرة المعارف الإسلامية» (٥/ ٥٣١). دار المعرفة – بيروت.
(٣) أحمد أمين «ضحى الإسلام» (٣/ ٢)، دار الكتاب العربي – بيروت.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
المطلب الرابع: إبطال التعليل الباطل لسكوت الصحابة، وعدم سؤالهم عن الصفات الإلهية
ومن المزاعم الباطلة التي قيلت حول عقيدة الصحابة سكوتهم، وعدم خوضهم في الصفات وعدم سؤالهم عنها، وهذا الزعم في غاية الفساد والبطلان وذلك لأن الصحابة رضوان الله عليهم، إنما سكتوا عن الخوض في الصفات ولم يسألوا عنها؛ لأنهم وجدوا أن كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ قد كفتهم مؤنة التكلف والسؤال فقد أحاطت الآيات والأحاديث بكل ما يخص الإله الحق من أسمائه وصفاته، وكل مسائل العقيدة فقد وردت بشتى الأشكال والصور التي يطول حصرها كما ذكرنا من قبل.
ويقرر شيخ الإسلام ﵀ هذه الشبهة ويرد عليها فيقول: (وصار كثير منهم يقول: إن الرسول ﷺ لم يكن يعرف أصول الدين، ومنهم من هاب النبي ﷺ ولكن، يقول: الصحابة والتابعون لم يكونوا يعرفون ذلك، ومن عظم الصحابة والتابعين مع تعظيم أقوال هؤلاء يبقى حائرًا كيف لم يتكلم أولئك الأفاضل في هذه الأمور التي هي أفضل العلوم ومن هو مؤمن بالرسول معظم له يستشكل كيف لم يبين أصول الدين مع أن الناس أحوج منهم إلى غيرهم) (١).
ويرد شيخ الإسلام فيقول: (فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده، والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر، إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين، وبينه للناس، وهو من أعظم ما أقام الله الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه، وكتاب الله الذي نقل الصحابة، ثم التابعون عن الرسول ﷺ لفظه ومعانيه، والحكمة التي هي سنة رسول الله ﷺ التي نقلوها أيضًا عن الرسول مشتملة من ذلك على غاية المراد وتمام الواجب والمستحب) (٢).
ومما يؤكد أن الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا في غنى عن السؤال، وإنما سكتوا عن فهم وعلم، ما سبق، وذكرنا من هيمنة مسائل الصفات على الكتاب والسنة، واستيعابها من قبلهم بأعلى درجات الاستيعاب، ولو احتاجوا إلى السؤال لسألوا كما سألوا عن رؤية الله ﷿، وكسؤال أبي رزين العقيلي أين كان ربنا؟ وقول ذلك الصحابي: أيضحك ربنا؟ وسؤالهم عن القدر، وعن مسائل الآخرة من الحساب، والجنة والنار، فلم يكن هناك حجر على السؤال عن مسائل الاعتقاد، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (كل من فيه أدنى محبة للعلم أو أدنى محبة للعبادة لا بد أن يخطر بقلبه هذا الباب، ويقصد فيه الحق، ومعرفة الخطأ من الصواب فلا يتصور أن يكون الصحابة والتابعون كلهم كانوا معرضين عن هذا لا يسألون عنه، ولا يشتاقون إلى معرفته، ولا تطلب قلوبهم الحق فيه، وهم ليلًا ونهارًا، يتوجهون بقلوبهم إليه سبحانه، ويدعونه تضرعًا وخفية، ورغبًا ورهبًا، والقلوب مجبولة مفطورة على طلب العلم ومعرفة الحق فيه، وهي مشتاقة إليه أكثر من شوقها إلى كثير من الأمور، ومع الإرادة الجازمة والقدرة يجب حصول المراد وهم قادرون على سؤال الرسول ﷺ، وسؤال بعضهم بعضًا، وقد سألوا عما دون ذلك، سألوه: أنرى ربنا يوم القيامة؟ فأجابهم، وسأله أبو رزين: أيضحك الرب؟ فقال: نعم، فقال، لن نعدم من رب يضحك خيرًا) (٣).
وغاية القول أن سكوت الصحابة وعدم سؤالهم عن حقائق الصفات وكيفيتها كان لوجود هذا الفهم، والإيمان وعدم تعرض عقولهم لشبهات الشك والحيرة، ولوفرة النصوص القرآنية، والنبوية التي أفاضت في البيان فلم تبقى لأنفسهم مجالًا للتساؤل فكان هذا البيان وهذا الوضوح وسلامة الاعتقاد من أعظم أسباب استقرار عصر الصحابة والتابعين وبعدهم عن الجدال والبدع العقدية فانصرفوا إلى خدمة دينهم، فانطلقوا يفتحون الأمصار شرقًا وغربًا، ويزكون أنفسهم بقراءة كتابه وتتبع سنة نبيه، واجتهدوا بالعبادات، والطاعات النافعة بخلاف من تقاصرت أفهامهم، وضعف إيمانهم، ويقينهم فراموا ابتداع تصور جديد عن الإله الحق فوقعوا في الفتن التي كانت سببًا في حيرتهم وشكهم، وكان من خيارهم الذين امتن الله عليهم بالهداية قبل موتهم أن ندموا أشد الندم على مخالفة منهج الصحابة والتابعين. العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها لعطاء الله بخيت المعايطة - ص: ٢٠٧
_________________
(١) «درء تعارض العقل والنقل» لأحمد بن عبدالحليم ابن تيمية (١/ ٢٤).
(٢) «درء تعارض العقل والنقل» لأحمد بن عبدالحليم ابن تيمية (١/ ٢٧)
(٣) «القادة المراكشية» (ص: ٤٧ – ٤٨)
[ ٢ / ٢٨٣ ]
المطلب الخامس: إبطال الزعم أن الصحابة والتابعين أقاموا العقيدة على أسس غير دقيقة باعتمادهم على أخبار الآحاد
وقد ابتدع هذا القول فرق الابتداع على مختلف مشاربها، وأولهم المعتزلة؛ الذين حكموا عقولهم بالنصوص الشرعية، بزعم أن العقائد لا تثبت عندهم إلا إذا بلغ الخبر حد التواتر، وهذا الشرط الذي وضعوه كان دافعه المنهج المبتدع الذي اختطوه في رد معظم العقائد التي جاءت على لسان النبي ﷺ وهو الذي لا ينطق عن الهوى.
يقول الشيخ عمر الأشقر: (والناظر في كلام سلفنا الصالح يعلم أنهم كانوا يثبتون العقائد بنصوص القرآن والحديث، لا يفرقون بين المتواتر والآحاد، ولا يفرقون في الاحتجاج بين العقائد والأحكام، ولم يعرف أحد خالف في هذا من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، ولا من الأئمة المرضيين؛ أمثال الأئمة الأربعة، وكان السلف الصالح وما يزال أتباعهم ينكرون أشد الإنكار على الذين يرغبون إلى ترك الأحاديث والنصوص، والاحتكام إلى العقل، ويسفهون من قال بذلك.
ونبتت نابتة ترفض الاحتجاج والأخذ بأحاديث الآحاد في العقائد، وعندما سئل هؤلاء عن مستندهم وجدناهم يستدلون بحجة الخوارج والمعتزلة، الذين رفضوا أحاديث الآحاد في العقائد والأحكام، فنراهم يقولون: الأحاديث الآحاد لا تفيد اليقين، والعقائد لا تبنى إلا على اليقين) (١)
وعلماء أهل السنة مجمعون على الأخذ بخبر الآحاد في العقائد قال الإمام الشافعي: (فقال لي قائل: احدد لي أقل ما تقوم به الحجة على أهل العلم؛ حتى يثبت عليهم خبر الخاصة؟ فقلت: خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهي به إلى النبي ﷺ أو من انتهى به إلى دونه) (٢).
ثم يفصل قوله هذا، فيقول (٣): (فإن قال قائل: أذكر الحجة في تثبيت خبر الواحد بنص خبر، أو دلالة فيه، أو إجماع فقلت له: أخبرنا سفيان بن عبدالملك بن عمير عن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «نضر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها، وأداها فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم، إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» (٤) فلما ندب رسول الله إلى سماع مقالته، وحفظها، وأدائها إمرءًا يؤديها، والامرؤ واحد، دل على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه، لأنه إنما يؤدي عنه حلال، وحرام يجتنب، وحد يقام، ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا) (٥).
_________________
(١) «أصل الاعتقاد» د. عمر الأشقر (١١ - ١٢) ط٣ الدار السلفية، الكويت.
(٢) «الرسالة» (ص:٣٦٩) ت أحمد شاكر – بدون تاريخ.
(٣) «الرسالة» (ص:٣٦٩) ت أحمد شاكر – بدون تاريخ
(٤) رواه الترمذي (٢٦٥٧)، وأحمد (١/ ٤٣٦) (٤١٥٧)، وابن حبان (١/ ٢٦٨) (٦٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٢٧٤) (١٧٣٨)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٧/ ٣٨٦). وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال أبو نعيم: صحيح ثابت، وصححه ابن حجر في «موافقة الخبر الخبر» (١/ ٣٦٤).
(٥) «الرسالة» (ص:٤٠١ - ٤٠٣).
[ ٢ / ٢٨٤ ]
وقال ابن الأثير: (فإن الصحيح من المذاهب والذي ذهب إليه الجماهير من سلف الأئمة من الصحابة، والتابعين، والفقهاء والمتكلمين: أنه لا يستحيل التعبد بخبر الواحد عقلًا، ولا يجب التعبد عقلًا، وأن لا تنحصر، وإنفاذ رسول الله ﷺ رسله، وقضاته، وأمراءه وسعاته إلى الأطراف، وهم آحاد، وبإجماع الأمة على أن العامي مأمور باتباع المفتي وتصديقه، مع أنه ربما يخبر عن ظنه، فالذي يخبر عن السماع الذي لا شك فيه أولى بالتصديق) (١).
ويقول ابن القيم ﵀: (وأما المقام الثامن: وهو انعقاد الإجماع المعلوم المتيقن على قبول هذه الأحاديث، وإثبات صفات الرب تعالى بها؛ فهذا لا يشك فيه من له أقل خبرة بالمنقول؛ فإن الصحابة هم الذين رووا هذه الأحاديث، وتلقاها بعضهم من بعض بالقبول، ولم ينكرها أحد منهم على من رواها، ثم تلقها عنهم جميع التابعين من أولهم إلى آخرهم، ومن سمعها منهم، تلقاها بالقبول والتصديق لهم، ومن لم يسمعها منهم تلقها عن التابعين كذلك وكذلك تابع التابعين مع التابعين، هذا أمر يعلمه ضرورة أهل الحديث كما يعلمون عدالة الصحابة وصدقهم، وأمانتهم، ونقلهم ذلك عن نبيهم ﷺ، والغسل من الجنابة وأعداد الصلوات وأوقاتهم، ونقل الأذان والتشهد، والجمعة والعيدين، فإن الذين نقلوا هذا هم الذين نقلوا أحاديث الصفات، فإن جاز عليهم الخطأ والكذب في نقلها، جاز عليهم ذلك في نقل غيرها مما ذكرناه، وحينئذ فلا وثوق لنا بشيء نقل لنا عن نبينا ﷺ البتة، وهذا انسلاخ من الدين والعلم والعقل، على أن كثيرًا من القادحين في دين الإسلام قد طردوه، وقالوا، لا وثوق لنا بشيء من ذلك البتة) (٢).
وقد أتى ابن القيم ﵀ بواحد وعشرين دليلًا على صحة خبر الآحاد، وقال إن مقصود المبتدعة هو رد الأخبار في مسائل العقيدة حسب أصولهم الفاسدة، مع أنهم يحتجون بأخبار الآحاد؛ لتأييد بدعتهم، فيقول: (وأما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال، فلا بد من نقله بطريق التواتر؛ لوقوع العلم به حتى أخبر عنه القدرية، والمعتزلة وكان مقصدهم منه رد الأخبار، وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت، ولن يقفوا على مقصودهم من هذا القول، ولو أنصف أهل الفرق في الأمة لأقروا بأن خبر الواحد يوجب العلم، فإنك تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد – ترى أصحاب القدر يستدلون بقوله ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة» (٣).
وبقوله عن ربه: «خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين» (٤).
وترى أهل الإرجاء يستدلون بقوله: «من قال لا إله إلا الله، دخل الجنة» (٥)
_________________
(١) ابن الأثير «جامع الأصول في أحاديث الرسول» (١/ ١٢٥ – ١٢٦) ت عبدالقادر الأرناؤوط ط ٢ ١٤٠٣ دار الفكر – بيروت.
(٢) ابن القيم «مختصر الصواعق المرسلة» اختصار محمد الموصلي (٢/ ٥٢٤) ط١٤٠٥ دار الندوة - بيروت
(٣) رواه البخاري (١٣١٩)، ومسلم (٦٩٢٦). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) رواه مسلم (٢٨٦٥) بلفظ: «وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم». من حديث عياض بن حمار ﵁.
(٥) رواه مسلم (٢٧).
[ ٢ / ٢٨٥ ]
وذكر احتجاج الشيعة، والخوارج ثم قال: إلى غير ذلك من الأحاديث التي يستدل بها أهل الفرق، ومشهور معلوم استدلال أهل السنة بالأحاديث، ورجوعهم إليها، فهذا إجماع منهم على القول بأخبار الآحاد، وكذلك أجمع أهل الإسلام متقدموهم ومتأخروهم على رواية الأحاديث في صفات الله، ومسائل القدر، والرؤية وأصول الإيمان، والشفاعة، والحوض، وإخراج الموحدين المذنبين من النار، وفي صفة الجنة، وفي الترغيب، والترهيب، والوعد، والوعيد) (١).
وقد ترتب على عدم احتجاج هؤلاء المبتدعة بخبر الآحاد أن أنكروا جملة من عقائد الإسلام التي آمن بها الصحابة والتابعون، وجمهور الأمة من بعدهم، حيث يقول الشيخ الألباني: (أنكروا جملة من العقائد؛ منها:
١ - نبوة آدم – ﵇، وغيره من الأنبياء الذين لم يذكروا في القرآن.
٢ - أفضلية نبينا محمد ﷺ، على غيره من الأنبياء.
٣ - شفاعته ﷺ العظمى في المحشر.
٤ - شفاعته لأهل الكبائر من أمته.
٥ - معجزاته ﷺ كلها ما عدا القرآن، ومنها معجزة انشقاق القمر فإنها مع ذكرها في القرآن تأولها بما ينافي الأحاديث الصحيحة المصرحة بانشقاق القمر معجزة لرسول الله ﷺ.
٦ - صفاته البدنية، وبعض شمائله الخلقية.
٧ - الأحاديث التي تتحدث عن بدء الخلق، وصفة الملائكة، والجن، والجنة، والنار، وأنهما مخلوقتان، وأن الحجر الأسود من الجنة.
٨ - خصوصياته مثل دخول الجنة، ورؤية أهلها، وما أعد للمتقين، وإسلام قرينه من الجن، وغير ذلك.
٩ - القطع بأن العشرة المبشرين بالجنة من أهل الجنة.
١٠ - الإيمان بعذاب القبر.
١١ - الإيمان بسؤال منكر ونكير في القبر.
١٢ - الإيمان بضغطة القبر.
١٣ - الإيمان بالميزان ذي الكفتين يوم القيامة.
١٤ - الإيمان بالصراط.
١٥ - الإيمان بالحوض.
١٦ - دخول سبعين ألفًا من أمته الجنة بغير حساب.
١٧ - الإيمان بكل ما صح في الحديث عن صفة القيامة، والحشر، والنشر.
١٨ - الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره.
١٩ - الإيمان بالقلم الذي كتب كل شيء.
٢٠ - الإيمان بالعرش والكرسي حقيقة لا مجازًا.
٢١ - الإيمان بأن القرآن كتاب الله حقيقة لا مجازًا.
٢٢ - الإيمان بأن أهل الكبائر لا يخلدون في النار (٢) وغيرها. حتى عدد ٣٠ معتقدًا يفضي عدم الأخذ بأحاديث الآحاد إلى إنكارها وعدم الاعتقاد بها.
وهكذا تبدو خطورة هذا الانحراف الذي قالت به فرق الابتداع التي ردت عقائد الإسلام، التي آمن بها الصحابة الكرام الذين تلقوها عن الصادق المصدوق، وكانت لهم بشرى من الله نالوا بها الرضوان والثواب العظيم، وكانت وما زالت الأمة على هذه المعتقدات لم تهزها في نفوسهم زوابع أهل الفتنة على مر الأزمان والحمد لله رب العالمين. العقيدة الإسلامية وجهود علماء السلف في تقريرها لعطاء الله بخيت المعايطة - ص: ١٩١ - ٢١٤
_________________
(١) ابن القيم «مختصر الصواعق» (٢/ ٥٠٥).
(٢) الألباني: «وجوب الأخذ بخبر الآحاد» (ص: ٣٦).
[ ٢ / ٢٨٦ ]
المبحث الثامن: وظيفة العقل في باب الصفات
تمهيد: العلاقة بين العقل والشرع
من تمام تكريم الإسلام للعقل إعماله فيما خلق له، وهيئ من أجله، وحجبه عن التهوك والخوض فيما لا سبيل له ولا قدرة عليه.
وباب الصفات يتضمن علومًا ضرورية، وعلومًا نظرية، وعلومًا غيبية، فالعلوم الضرورية يتفق عليها جميع العقلاء. والعلوم النظرية يتفاوت الناس في إدراكها بحسب ما أتوا من قدرات ذهنية وتدبر ونظر، وأما العلوم الغيبية فتعلق العقل بها من جهتين:
أولًا: العلم بها: وهذا لا يستقل به العقل، ولا يهتدي إليه من حيث هو إلا أن يهدى إليه بخبر الصادق، فيعلمه حينئذ علمًا معنويًا عامًا مبنيًا على الاشتراك الذهني مع ما يوافقه في عالم الشهادة.
ثانيا: إدراك تفاصيلها وكيفياتها: وهذا لا سبيل إليه مطلقًا، إذ أنه قاصر قصورًا ذاتيًا عن بلوغ دركه والإحاطة بعلمه.
ومع كون العقل لا يستقل بالعلم بباب الصفات على سبيل التفصيل، فضلًا عن إدراك كيفية جميع الصفات، فإنه لا يحيل ذلك ولا يمنعه كما يمنع المستحيلات العقلية، مثل اجتماع النقيضين في محل واحد، أو ارتفاعهما عنه معًا، بل يقف من هذه النصوص الغيبية الخبرية موقف التسليم إذا صح النقل وسلمت الرواية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، ولم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه) (١)، وقال أيضًا: (فإن الرسول لا يجوز عليه أن يخالف شيئًا من الحق، ولا يخبر بما تحيله العقول وتنفيه. لكن يخبر بما تعجز العقول عن معرفته فيخبر بمحارات العقول، لا بمحالات العقول. ولهذا قال الإمام أحمد في رسالته في السنة، التي رواها عبدوس بن مالك العطار، قال: (ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول)، هذا قوله وقول سائر أئمة المسلمين، فإنهم متفقون على أن ما جاء به الرسول ﷺ لا تدركه كل الناس بعقولهم، ولو أدركوه بعقولهم لاستغنوا عن الرسول) (٢).
والعقل الصريح السالم من الشبهات والشهوات لا يمكن أن يخالف النقل الصحيح السالم من العلل والقوادح في سنده ومتنه. وسر ذلك أن كلًا منهما من الله، فالعقل خلقه والنقل خبره وأمره، أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف: ٥٤]. فكيف يختلفان! قال تعالى: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]. ولهذا فإن العلاقة بين العقل والشرع لها حالان لا ثالث لهما:
- فإما أن يؤيد العقل الشرع ويصدقه ويدل عليه.
- وإما أن يسلم له، ويجوز ما جاء به.
ولا يمكن أن يكون الثالث: وهو أن يعارضه ويخالفه.
وهذه الموافقة بين العقل الصريح والنقل الصحيح تقع من الطرفين، بحيث يصدق أحدهما الآخر، أو لا يعارضه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (.. كل ما يدل عليه الكتاب والسنة فإنه موافق لصريح المعقول، وإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، ولكن كثيرًا من الناس يغلطون إما في هذا وإما في هذا، فمن عرف قول الرسول ومراده كان عارفًا بالأدلة الشرعية، وليس في المعقول ما يخالف المنقول .. وكذلك (العقليات الصريحة) إذا كانت مقدماتها وترتيبها صحيحًا لم تكن إلا حقًا، لا تناقض شيئًا مما قاله الرسول) (٣).
ولما كان (النقل الصحيح) معصومًا محفوظًا، وكان العقل عرضة للزلل والانحراف، كان للنقل على العقل وصاية وحماية. فلا قياس في مقابلة النص، وإذا قدر ظهور تعارض بين العقل والنقل الصحيح، فالنقل ثابت والعقل متهم. فالنقل يحوط العقل ويسوسه ويوجهه الوجهة الصحيحة، ويحفظه من الزيغ.
كما أن النقل الصحيح ينير الطريق للعقل، ويوفر عليه الجهد، كما مثل شيخ الإسلام ابن تيمية فيما تقدم أثر النقل على العقل بقوله: (إن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار. وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها) (٤). مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص ٤٧٣
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٣٩).
(٢) «درء تعارض العقل والنقل» (٥/ ٢٩٧).
(٣) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٨٠ - ٨١).
(٤) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٣٩).
[ ٢ / ٢٨٧ ]
المطلب الأول: من وظائف العقل في باب الصفات فهم معانيها
فإن الله ﷾ خاطب عباده بلسان عربي مبين، وجعل كتابه تبيانًا لكل شيء وشفاء لما في الصدور. ولم يستثن نوعًا من الآيات يمتنع فهمها ومعرفة معناها. قال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]. وقال أيضًا: وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ [الأحقاف: ١٢]. وقال: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى: ٧]. ولا يمكن أن تتحقق النذارة المذكورة إلا بفهم معناه وتعقله. ولهذا قال: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: ٣]. فالتلازم بين كونه عربيًا وتعقله واضح. فالألفاظ إنما هي أوعية للمعاني. كما أن عربية القرآن سبب لحصول التقوى الناشئة من الفهم. قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا [طه: ١١٣]. وعربية القرآن سبب لحصول العلم الذي هو ثمرة الفهم للمعنى. قال تعالى: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [فصلت: ٣]. وقد قطع الله حجة الذين قد يتعللون بعدم فهمه بجعله عربيًا مفهوم المعنى لدى المخاطبين فقال: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء [فصلت: ٤٤].
فالعقل مدعو لفهم خطاب الشارع دون استثناء، ومن ادعى استثناء نص معين، أو نوع معين من النصوص طولب بالدليل، ولا دليل.
ومن أمثلة فهم معاني ما أخبر الله عن نفسه من الأسماء والصفات، قول الإمام الأصبهاني أبي القاسم إسماعيل بن محمد في شرح أسماء الله الحسنى: (ومن أسماء الله تعالى: الحليم: حليم عمن عصاه لأنه لو أراد أخذه في وقته أخذه، فهو يحلم عنه ويؤخره إلى أجله، وهذا الاسم وإن كان مشتركًا يوصف به المخلوق، فحلم المخلوقين حلم لم يكن في الصغر ثم كان في الكبر، وقد يتغير بالمرض، والغضب، والأسباب الحادثة، ويفنى حلمه بفنائه، وحلم الله ﷿ لم يزل ولم يزول. والمخلوق يحلم عن شيء ولا يحلم عن غيره، ويحلم عمن لا يقدر عليه، والله تعالى حليم مع القدرة) (١).
فهذا مثال للمنهج الشرعي في فهم نصوص الصفات تضمن إثبات المعنى المشترك للفظ الصفة المعهود بالأذهان، ثم فرق بين ما ينبغي للخالق وما ينبغي للمخلوق، وأن لله تعالى المثل الأعلى. وهكذا صنع في بقية الأسماء والصفات.
وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدة، إنه وتر يحب الوتر، من أحصاها دخل الجنة» (٢). قال أبو إسحاق الزجاج ﵀ في ذكر معنى الإحصاء: (ويجوز أن يكون معناه: من عقلها، وتدبر معانيها، من الحصاة التي هي العقل) (٣). وأنشد في هذا المعنى قول الشاعر:
وإن لسان المرء ما لم تكن له حصاة على عوراته لدليل
@ مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص ٤٧٦
_________________
(١) «الحجة في بيان المحجة» (١/ ١٣٠).
(٢) رواه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧).
(٣) «تفسير أسماء الله الحسنى» (ص: ٢٢).
[ ٢ / ٢٨٨ ]
إن العقل يدرك ما يجب لله ﷾ ويمتنع عليه على سبيل الإجمال لا على سبيل التفصيل؛ فمثلًا: العقل يدرك بأن الرب لابد أن يكون كامل الصفات، ولكن هذا لا يعني أن العقل يثبت كل صفة بعينها أو ينفيها لكن يثبت أو ينفي على سبيل العموم الرب لابد أن يكون كامل الصفات سالمًا من النقص فمثلًا: يدرك بأنه لا بد أن يكون الرب سميعًا بصيرًا؛ قال إبراهيم لأبيه: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ [مريم: ٤٢] ولابد أن يكون خالقًا؛ لأن الله قال: أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ [النحل: ١٧] وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا [النحل: ٢٠] يدرك هذا ويدرك بأن الله ﷾ يمتنع أن يكون حادثًا بعد العدم؛ لأنه نقص، ولقوله تعالى محتجًا على هؤلاء الذين يعبدون الأصنام: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [النحل: ٢٠]؛ إذًا يمتنع أن يكون الخالق حادثًا بالفعل والعقل أيضًا يدرك بأن كل صفة نقص فهي ممتنع على الله؛ لأن الرب لابد أن يكون كاملًا فيدرك بأن الله ﷿ مسلوب عن العجز؛ لأنه صفة نقص إذا كان الرب عاجزًا وعصي وأراد أن يعاقب الذي عصاه وهو عاجز؛ فلا يمكن! إذًا؛ العقل يدرك بأن العجز لا يمكن أن يوصف الله به، والعمى كذلك والصمم كذلك والجهل كذلك وهكذا على سبيل العموم ندرك ذلك، لكن على سبيل التفصيل لا يمكن أن ندركه فنتوقف فيه على السمع شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ٨١
[ ٢ / ٢٨٩ ]
المطلب الثاني: التفكر والتدبر لآثارها ومقتضياتها
وهذه وظيفة زائدة على مجرد العلم بالمعنى الأصلي. وقد أمر الله تعالى بتدبر كتابه مطلقًا دون أن يستثنى نوعًا ما من النصوص لا يشملها التدبر، فقال تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص: ٢٩]. ونعى الله على المعرضين عن تدبره فقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد: ٢٤] وهذا شامل لنصوص الصفات وغيرها.
ومن التدبر الذي يتعلق بصفات الباري تدبر آثار هذه الأوصاف الشريفة ومقتضياتها، كما قال تعالى: فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [الروم: ٥٠]. وهذه الوظيفة ميدان فسيح، ومجال واسع ترتاده عقول المؤمنين فلا تحيط به، ولا تبلغ منتهاه. فكل المخلوقات والأعراض والأحداث شواهد حية لآثار أسمائه وصفاته، ومظاهر ناطقة بعظمته ورحمته. وانطلاق القوى العقلية في هذا المجال تنظر وتتفكر من أعظم أسباب زيادة الإيمان وامتلاء القلب بمحبة الله وتعظيمه. وقد صنف العلماء المصنفات في التأمل العقلي في مخلوقات الله تعالى، والاستدلال بذلك على الإيمان به وعبادته (١). مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص ٤٧٩
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: «مفتاح دار السعادة» و«شفاء العليل» لابن القيم، وانظر: تفسير «ظلال القرآن» للآيات الكونية لسيد قطب، وانظر: كتاب «التوحيد» و«الإيمان» لعبدالمجيد الزنداني.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
المطلب الثالث: استعمال الأقيسة العقلية الصحيحة اللائقة بالله تعالى
لما كان (العقل) أحد مصادر المعرفة بما أودع الله فيه من قوة الاستدلال والنظر والمقايسة، جرى استعماله في إثبات العقائد لتأييد دلالة الشرع. وقد تضمن الكتاب والسنة جملة من (المقاييس العقلية) التي هي بمثابة مقدمات منطقية للوصول إلى النتائج التي جاء بها الشرع. ويعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الأمثال المضروبة في القرآن (أقيسة عقلية) (١)، وبذلك يجمع بين الحسنيين باتفاق الدلالتين، دلالة العقل ودلالة الشرع. قال: (وإذا كان الشيء موجودًا في الشرع، فذلك يحصل بأن يكون في القرآن الدلالة على الطرق العقلية، والتنبيه عليها والبيان لها والإرشاد إليها. والقرآن ملآن من ذلك، فتكون شرعية بمعنى أن الشرع هدى إليها، عقلية بمعنى أنه يعرف صحتها بالعقل، فقد جمعت وصفي الكمال).
وقد قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [الشورى: ١٧]، وقال: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد: ٢٥]، وقد فسر السلف (الميزان) بالعدل. والعدل يقتضي التسوية بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات.
ومن المقاييس العقلية الصحيحة المتعلقة بباب الصفات ما يلي:
١ - إثبات الكمال لله ونفي النقص عنه:
وهذه قضية يستقل العقل بالحكم بها موافقًا بذلك دلالة الشرع والفطرة. وخلاصتها أن كل (موجود) في خارج الذهن لا بد أن يكون متصفًا بصفة. وهذه الصفة إما أن تكون صفة كمال أو صفة نقص. وصفة النقص ممتنعة في حق الإله المعبود، واللائق به الكمال. ومن جهة أخرى فإن المشاهدة والحس تدل على ثبوت صفات كمالية للمخلوق. والله خالق المخلوق وصفاته، فواهب الكمال أولى بالكمال.
تلك المقدمات، وهذه النتيجة، محل اتفاق بين جميع أرباب الملل والنحل، وجمهور أهل الفلسفة والكلام، لكنهم يختلفون في تحقيق مناطها في أفراد الصفات مع الإجماع على أن الرب المعبود مستحق للكمال، منزه عن النقص (٢).
ويفصل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذه الجملة العقلية بقوله: (فإذا قيل: (الوجود) إما واجب وإما ممكن، والممكن لا بد له من واجب، فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين، فهو مثل أن يقال: الموجود إما (قديم) وإما حادث؛ والحادث لابد له من قديم، فيلزم ثبوت القديم على التقديرين.
والموجود إما (غني) وإما (فقير)، والفقير لا بد له من الغني، فلزم وجود الغني على التقديرين. والموجود إما (قيوم بنفسه) وإما (غير قيوم)، وغير القيوم لابد له من القيوم، فلزم ثبوت القيوم على التقديرين. والموجود إما (مخلوق) وإما (غير مخلوق)، والمخلوق لابد له من خالق غير مخلوق، فلزم ثبوت الخالق غير المخلوق على التقديرين، ونظائر ذلك متعددة) (٣).
_________________
(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣/ ٨٨).
(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٦/ ٦٨ - ٨٨).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٧٦).
[ ٢ / ٢٩١ ]
فهذا المقياس العقلي يعرض على الصفات فيثبت لله صفات الكمال، وينفي عنه صفات النقص، وهو مدرك مقرر ببداهة العقول. ثم ينتقل شيخ الإسلام إلى بسط الوجه الثاني في استحقاق الله للكمال، وانتفاء النقص عنه فيقول: (ثم يقول: هذا الواجب القديم الخالق، إما أن يكون ثبوت الكمال الذي لا نقص فيه للممكن الوجود ممكنًا له، وإما أن لا يكون. والثاني: ممتنع؛ لأن هذا ممكن للموجود المحدث الفقير الممكن، فلأن يمكن للواجب الغني القديم بطريق الأولى والأحرى؛ فإن كلاهما موجود. والكلام في الكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه. فإذا كان الكمال الممكن الوجود ممكنًا للمفضول، فلأن يمكن للفاضل بطريق الأولى، لأن ما كان ممكنًا لما هو في وجوده ناقص، فلأن يمكن لما هو في وجوده أكمل منه بطريق الأولى. لاسيما وذلك أفضل من كل وجه، فيمتنع اختصاص المفضول من كل وجه بكمال لا يثبت للأفضل من كل وجه. بل ما قد ثبت من ذلك للمفضول فالفاضل أحق به؛ فلأن يثبت للفاضل بطريق الأولى.
ولأن ذلك الكمال إنما استفاده المخلوق من الخالق، والذي جعل غيره كاملًا هو أحق بالكمال منه؛ فالذي جعل غيره قادرًا أولى بالقدرة. والذي علم غيره أولى بالعلم، والذي أحيا غيره أولى بالحياة. والفلاسفة توافق على هذا، ويقولون: كل كمال للمعلول فهو من آثار العلة، والعلة أولى به) (١).
وهذه حجة عقلية قرآنية. قال تعالى منبهًا على هذا المعنى: أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [النحل: ١٧]. ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [النحل: ٧٥]. وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [النحل: ٧٦]. وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا [الفرقان: ٣].
فهذه الآيات، وأمثالها كثير في القرآن، ميزان عقلي أثبت الله به ألوهيته لاتصافه بالكمال وبطلان ألوهية ما سواه لاتصافها بصفات النقص، والعيب، والعجز. وقد أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على طائفة من المتكلمين زعموا أن ثبوت الكمال لله وانتفاء النقص عنه لا يعلم بالعقل، وإنما يعلم بالسمع والإجماع، وبين خطاهم ومخالفتهم لسائر الطوائف (٢).
فهذا المقياس العقلي وظيفة يمارسها العقل باستقلال للحكم على الصفات العقلية. فصفة (العلو) مثلًا تثبت بالعقل – كما تثبت بغيره – فالعقل يحكم أن العلو صفة كمال، كما أن نقيضه (السفل) صفة نقص، فيثبت الأولى وينفي الثانية.
قياس الأولى:
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٧٦ - ٧٧).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٧٣).
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وهذا مقياس عقلي يلي المقياس السابق في الرتبة. فإذا دل العقل على إثبات جنس الكمال لله تعالى وآحاده وأفراده، فإن قياس الأولى يقضي بأن ما ثبت من الكمالات ثبوتًا عامًا للخالق والمخلوق فإن لله تعالى أكمله وأعظمه ليس له فيه مكافئ ولا نظير، كما قال تعالى: وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ [النحل: ٦٠]، وقال تعالى: وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [٢٧: الروم]. فلما كانت الألفاظ الدالة على الصفات تحمل معاني مشتركة باعتبار أصل المعنى، كان لابد من القياس. والقياس الصحيح هنا هو قياس الأولى، وهو طريقة السلف التي وافقوا بها القرآن. قال شارح الطحاوية: (ومما يوضح هذا: أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوي فيه الأصل والفرع، ولا بقياس شمولي يستوي أفراده، فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن يمثل بغيره، ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية يستوي أفرادها ..
ولكن يستعمل في ذلك قياس الأولى، سواء كان تمثيلًا أو شمولًا، كما قال تعالى: وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ، مثل أن يعلم أن كل كمال للممكن أو للمحدث، لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وهو ما كان كمالا للوجود غير مستلزم للعدم بوجه، فالواجب القديم أولى به. وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه، ثبت نوعه للمخلوق والمربوب المدبر، فإنما استفاده من خالقه وربه ومدبره، وهو أحق به منه. وأن كل نقص وعيب في نفسه، وهو ما تضمن سلب هذا الكمال، إذا وجب نفيه عن شيء من أنواع المخلوقات والممكنات والمحدثات فإنه يجب نفيه عن الرب تعالى بطريق الأولى) (١).
ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مدى هذه الأولوية في قياس الأولى، ومقدار ذلك التفاضل المندرج تحت ذلك المعنى العام المشترك فيقول: (وأما قياس الأولى الذي كان يسلكه السلف اتباعًا للقرآن، فيدل على أنه يثبت له من صفات الكمال التي لا نقص فيها أكمل مما علموه ثابتًا لغيره، مع التفاوت الذي لا يضبطه العقل كما لا يضبط التفاوت بين الخالق وبين المخلوق. بل إذا كان العقل يدرك من التفاضل الذي بين مخلوق ومخلوق ما لا ينحصر قدره، وهو يعلم أن فضل الله على كل مخلوق أعظم من فضل مخلوق على مخلوق كان هذا مما يبين له أن ما يثبت للرب أعظم من كل ما يثبت لكل ما سواه بما لا يدرك قدره. فكان قياس الأولى يفيده أمرًا يختص به الرب مع علمه بجنس ذلك الأمر) (٢).
نفي الصفة إثبات لنقيضها:
قال شيخ الإسلام ﵀: (وهذه الطريقة هي من أعظم الطرق في إثبات الصفات، وكان السلف يحتجون بها، ويثبتون أن من عبد إلهًا لا يسمع، ولا يبصر، ولا يتكلم فقد عبد ربًا ناقصًا، معيبًا، مؤوفًا) (٣).
ومن أمثلة احتجاج السلف بهذه الطريقة العقلية قول الإمام الدارمي في رده على المريسي: (وكيف استجزت أن تسمي أهل السنة وأهل المعرفة بصفات الله المقدسة: مشبهة، إذا وصفوا الله بما وصف به نفسه في كلامه بالأشياء التي أسماؤها موجودة في صفات بني آدم بلا تكييف.
_________________
(١) «شرح العقيدة الطحاوية» ص (١٢٢).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٩/ ١٤٥).
(٣) «درء تعارض العقل والنقل» (٢/ ٢٤٠).
[ ٢ / ٢٩٣ ]
وأنت قد شبهت إلهك في يديه، وسمعه، وبصره بأعمى وأقطع، وتوهمت في معبودك ما توهمت في الأعمى والأقطع، فمعبودك في دعواك مخدًّج منقوص؛ أعمى لا بصر له؛ وأبكم لا كلام له، وأصم لا سمع له، ومقعد لا حراك به؛ وليس هذه بصفة إله المصلين. أفأنت أوحش مذهبًا في تشبيهك إلهك بهؤلاء العميان والمقطوعين؛ أم هؤلاء الذين تسميهم مشبهة إذ وصفوه بم وصف به نفسه بلا تشبيه؟ فلولا أنها كلمة هي محنة الجهمية التي بها ينبزون المؤمنين ما سميت مشبهًا غيرك؛ لسماجة ما شبهت ومثلت) (١).
وقد حاول نفاة الصفات التخلص من هذا الإلزام العقلي بالزعم بأن ذلك متحقق إذا كان المحل قابلًا للاتصاف بالصفتين المتقابلتين وما لا فلا. وأجاب شيخ الإسلام ﵀ في مواضع عدة من كتبه على هذه الشبهة، ومن ذلك قوله: (ومن قال: إنه ليس بحي ولا سميع، ولا بصير، ولا متكلم لزمه أن يكون ميتًا أصم أعمى أبكم. فإن قال: العمى عدم البصر عما من شأنه أن يقبل البصر، وما لا يقبل البصر كالحائط لا يقال له أعمى ولا بصير، قيل له: هذا اصطلاح اصطلحتموه، وإلا فما يوصف بعدم الحياة والسمع والبصر والكلام يمكن وصفه بالموت، والصم، والعمى، والخرس، والعجمة. وأيضًا فكل موجود يقبل الاتصاف بهذه الأمور ونقائضها، فإن الله قادر على جعل الجماد حيًا، كما جعل عصا موسى حية ابتلعت الحبال والعصي. وأيضًا: فالذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصًا ممن يقبل الاتصاف بها مع اتصافه بنقائضها. فالجماد الذي لا يوصف بالبصر، ولا العمى، ولا الكلام والخرس أعظم نقصًا من الحي الأعمى الأخرس) (٢).
فقد فر هؤلاء النفاة من تشبيهه بالحيوانات – بزعمهم – فوقعوا في تشبيهه بالجمادات. مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص ٤٨٠
_________________
(١) «رد الإمام الدارمي على بشر المريسي» (ص: ٤٢).
(٢) «التدمرية» (ص: ٦١ - ٦٢).
[ ٢ / ٢٩٤ ]
المطلب الرابع: إبطال الأقيسة العقلية الخاطئة
العقل الصريح المستضيء بنور الشرع الصحيح ميزان توزن به الدعاوى والمقدمات. وكما أن العقل يقعد القواعد السليمة والمقدمات الصحيحة فإنه يمارس وظيفة أخرى، وهي فحص المقدمات المزعومة وبيان زيفها، وبالتالي بطلان ما بني عليها من نتائج وعقائد.
وتظهر أهمية هذه الوظيفة العقلية الهامة إذا تبينا حجم الأقيسة العقلية الباطلة التي توارثتها أجيال الفلاسفة والمتكلمين مسلِّمين بها، مذعنين لما أدت إليه من نتائج حتى ولو خالفت الشرع مخالفة صريحة.
فالفرق بين الأقيسة العقلية الصحيحة والأقيسة العقلية الخاطئة، أن الأولى منضبطة بضوابط الشرع المعصوم موافقة للفطر السليمة، والأخرى اجتهادات بشرية منحرفة لا ضابط لها تتأثر بمؤثرات شتى. قال شيخ الإسلام ﵀: (بل المقدمة التي تدعي طائفة من النظار صحتها، تقول الأخرى هي باطلة، وهذا بخلاف مقدمات أهل الإثبات الموافقة لما جاء به الرسول ﷺ، فإنها من العقليات التي اتفقت عليها فطر العقلاء سليمي الفطرة، التي لا ينازع فيها إلا من تلقى النزاع تعليمًا من غيره، لا من موجب فطرته، فإنما يقدح فيها بمقدمة تقليدية أو نظرية، لا ترجع إلى العقل الصريح، وهو يدعي أنها عقلية فطرية.
ومن كان له خبرة بحقيقة هذا الباب، تبين له أن جميع المقدمات العقلية التي ترجع إليها براهين المعارضين للنصوص النبوية إنما ترجع إلى تقليد منهم لأسلافهم لا إلى ما يعلم بضرورة العقل ولا إلى الفطرة) (١).
ولم يزل السلف الصالح ﵏ يرفضون نتاج الفلسفة اليونانية الفاسد، ويحذرون منه ويكشفون عواره، مع التزامهم بالمنهج الإيماني في عرض العقيدة. ومن أمثلة تفطن السلف لمسالكهم الباطلة قول الإمام أحمد ﵀ في الرد على الجهمية نفاة الصفات: (.. وقلنا هو شيء فقالوا: هو شيء لا كالأشياء، فقلنا: إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء. فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يثبتون شيئًا بشيء، ولكنهم يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون من العلانية) (٢)
لكن السلف الأولون لم يطيلوا النفس في نقض شبهاتهم، وتفنيد حججهم لما في ذلك من نشرها وإذاعتها في حال كان الغالب على الناس السنة والاتباع، والسلامة من هذه اللوثات. ولما عمت البلوى بكتب أهل الكلام، وصاروا هم المتنفذين، وأصحاب الرياسات، ونشروا مذاهبهم، قيض الله في العصور المتأخرة – القرنين السابع والثامن الهجريين – شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فانتدب لهتك أستارهم، وبيان عوارهم للأمة بعلم نقي، ومعتقد سلفي، وذهن ثاقب، وعقل راجح، فحمل عليهم سلاحهم الذي كانوا يستطيلون به على أهل السنة والاتباع، وهو (العقل)، وبين أن أهل السنة أسعد بهذا الدليل من غيرهم، وأولى الناس به. وسنضرب بعض الأمثلة لإبطال العقل الصريح لبعض المقاييس العقلية الخاطئة في باب الصفات.
١ - إثبات الصفات إثبات لتعدد الآلهة:
_________________
(١) «درء تعارض العقل والنقل» (٤/ ٢٧٨ - ٢٧٩).
(٢) «الرد على الجهمية والزنادقة» ص (٢٩).
[ ٢ / ٢٩٥ ]
وهذا عمدة نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة، حيث زعموا أن إثبات صفات (قديمة) يقتضي استحقاق تلك الصفات للقدم الذي لله، ومن ثم مساواته في الإلهية، فمنعوا إثبات الصفات بناء عليها، وأبقوا له مجرد ألفاظ الأسماء كأعلام محضة، خالية من المعاني المتمايزة، بل هي من قبيل المترادفات. قال القاضي عبد الجبار المعتزلي: (.. إنه تعالى لو كان يستحق هذه الصفات لمعان قديمة، وقد ثبت أن القديم إنما يخالف مخالفه بكونه قديمًا، وثبت أن الصفة التي تقع بها المخالفة عند الافتراق بها تقع المماثلة عند الاتفاق، وذلك يوجب أن تكون هذه المعاني مثلًا لله تعالى ..) (١).
وهذه حجة داحضة، ولازم مزعوم، فإن الصفات المضافة إلى الله ﷿ ليست أعيانًا منفصلة قائمة بذاتها حتى تكون قديمة قدم الخالق - على حد تعبير المتكلمين بالقدم – وإنما هي أوصاف له – سبحانه – قائمة به. قال شارح الطحاوية: (ولهذا كان أئمة السنة – رحمهم الله تعالى – لا يطلقون على صفات الله وكلامه أنه غيره، ولا أنه ليس غيره. لأن إطلاق الإثبات قد يشعر أن ذلك مباين له، وإطلاق النفي قد يشعر بأنه هو هو، إذ كان لفظ (الغير) فيه إجمال، فلا يطلق إلا مع البيان والتفصيل: فإن أريد به أن هناك ذاتًا مجردة قائمة بنفسها، منفصلة عن الصفات الزائدة عليها، فهذا غير صحيح، وإن أريد به أن الصفات الزائدة على الذات التي يفهم من معناها غير ما يفهم من معنى الصفة، فهذا حق، ولكن ليس في الخارج ذات مجردة عن الصفات، بل الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل عنها ..) (٢).
ومما يبطل هذا المسلك اضطرارهم إلى إثبات صفات لا بد لهم من إثباتها كالوجود والحياة والقدرة، وهذا تناقض يستلزم البطلان.
٢ - الصفات لا تقوم إلا بالأجسام، والأجسام متماثلة، فإثبات الصفات مستلزم للتجسيم:
وهاتان المقدمتان باطلتان. فالصفات تقوم بالأجسام وغير الأجسام. فيقال مثلًا: الليل طويل، والنهار قصير، والعكس، وهما ليسا جسمين. كما أن المدعي يثبت أوصافًا من العلم والحياة والقدرة لله ﷿ مع نفيه (الجسمية) عنه.
كما أن دعوى تماثل الأجسام دعوى باطلة ببداهة العقول. فإن بين الأجسام من التغاير في الصفات ما هو معلوم بالضرورة، كبرًا وكثافة، وصلابة، وأضدادها وغيرها.
_________________
(١) «شرح الأصول الخمسة» (ص: ١٩٥).
(٢) «شرح العقيدة الطحاوية» ص (١٢٩).
[ ٢ / ٢٩٦ ]
ثم لابد من تحرير المراد بالجسم، فإنه في حق الله تعالى من الألفاظ البدعية التي لم ترد بنفي ولا إثبات، فلا يصح إطلاقه نفيًا ولا إثباتًا في حق الله تعالى، لأن صفاته – سبحانه – توقيفية. وأما في المعنى فله عدة استعمالات. فقد يراد به البدن والجسم الكثيف – كما في اللغة – وقد يراد به المركب من الجواهر المفردة، أو المركب من المادة والصورة، وهذه كلها منفية عن الله تعالى، فضلًا عن كونها غير متماثلة خلاف ما زعموا قال شيخ الإسلام ﵀: (ولا ريب أن قولهم بتماثل الأجسام قول باطل، سواء فسروا الجسم بما يشار إليه، أو بالقائم بنفسه، أو بالموجود، أو بالمركب من الهيولي والصورة ونحو ذلك. فأما إذا فسروه بالمركب من الجواهر المفردة على أنها متماثلة، فهذا يبنى على صحة ذلك، وعلى إثبات الجواهر المفردة، وعلى أنها متماثلة، وجمهور العقلاء يخالفونهم في ذلك) (١)، إذ أن هذه المرادات مركبات يفتقر بعضها إلى بعض فهي مخلوقات. وقد يريد النافي بالجسم ما يوصف بالصفات، ويرى بالأبصار، ويتكلم، ويسمع، ويبصر، ويقوم به صفات تليق به من الوجه، واليدين، والعينين وغيرها من الصفات الثابتة لله. فنفيه لهذا المعنى باطل مردود عليه إذ هو التعطيل بعينه، فلا ننفي عنه هذه الأوصاف لتواطئهم على تسمية المتصف بها جسمًا.
٣ - إثبات الصفات يستلزم الحدوث، والله منزه عن الحوادث:
وهذه شبهة عقلية أراد النفاة أن يتوصلوا بها إلى نفي الصفات الفعلية الاختيارية المتعلقة بمشيئته – سبحانه -، ويجعلون هذه الدعوى من أخص خصائص الباري – جل وعلا -. قال الجويني: (مما يخالف الجوهر فيه حكم الإله قبول الأعراض، وصحة الاتصاف بالحوادث، والرب ﷾ يتقدس عن قبول الحوادث) (٢). ومن هذه المقدمة ينطلق المتكلمون من معتزلة وأشاعرة إلى نفي الاستواء، والمجيء، والفرح، والسخط، والرضا، والغضب، والنزول .. الخ من صفات الفعل. قال شارح الطحاوية ﵀: (وحلول الحوادث بالرب تعالى المنفي في علم الكلام المذموم، لم يرد نفيه ولا إثباته في كتاب ولا سنة. وفيه إجمال: فإن أريد بالنفي أنه سبحانه لا يحل في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن، فهذا نفي صحيح. وإن أريد به نفي الصفات الاختيارية، من أنه لا يفعل ما يريد، ولا يتكلم بما شاء إذا شاء، ولا أنه يغضب ويرضى لا كأحد من الورى، ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول، والاستواء، والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته، فهذا نفي باطل.
وأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حلول الحوادث، فيسلم السني للمتكلم ذلك، على ظن أنه نفى عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله، فإذا سلم له هذا النفي ألزمه نفي الصفات الاختيارية، وصفات الفعل، وهو غير لازم له. وإنما أتي السني من تسليم هذا النفي المجمل، وإلا فلو استفسر واستفصل لم ينقطع معه) (٣).
_________________
(١) «التدمرية» (ص: ١٢١ - ١٢٢).
(٢) «الإرشاد» (ص: ٦٢).
(٣) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ١٢٨ - ١٢٩).
[ ٢ / ٢٩٧ ]
ثم بعد هذا الاستفصال يمتنع التلازم المزعوم من أن حدوث الصفة حدوث للموصوف، بل نقول إن تعلق بعض الصفات الفعلية بمشيئته وحكمته دليل كمال عقلًا وشرعًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض مناقشته لهذه الشبهة: (.. إذا قدر ذات تفعل شيئًا بعد شيء وهي قادرة على الفعل بنفسها، وذات لا يمكنها أن تفعل بنفسها شيئًا، بل هي كالجماد الذي لا يمكنه أن يتحرك كانت الأولى أكمل من الثانية. فعدم هذه الأفعال نقص بالضرورة، وأما وجودها بحسب الإمكان فهو الكمال. ويقال: لا نسلم أن عدم هذه مطلقًا نقص ولا كمال، ولا وجودها مطلقًا نقص ولا كمال؛ بل وجودها في الوقت الذي اقتضت مشيئته وقدرته وحكمته، هو الكمال، ووجودها بدون ذلك نقص، وعدمها مع اقتضاء الحكمة عدمها كمال، ووجودها حيث اقتضت الحكمة وجودها هو الكمال) (١).
وقبل أن نختم هذا المبحث نشير إلى سمة بارزة في المنهج العقلي الصحيح، ألا وهي الاطراد، والتسوية بين المتماثلات، والتفريق بين المختلفات، بل هي حقيقة العدل والميزان الذي ينبغي أن يدل عليه العقل.
وبالمقابل فإن المناهج العقلية الباطلة يعتريها التناقض والاضطراب وعدم طرد القاعدة على جميع أجزائها. وفيما يلي مثال بديع يصور هذه السمة في المنهجين:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (القول في بعض الصفات كالقول في بعض، فإذا كان المخاطب ممن يقر بأن الله حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازًا، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات.
قيل له: لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته. بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن قلت إن إرادته مثل إرادة المخلوقين، فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل، وإن قلت: له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به. قيل لك: وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق به.
وإن قال: الغضب غليان القلب لطلب الانتقام، قيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أودفع مضرة. فإن قلت هذه إرادة المخلوق، قيل لك: وهذا غضب المخلوق .. فإن قال: تلك الصفات أثبتها بالعقل، لأن الفعل الحادث دل على القدرة، والتخصيص دل على الإرادة، والإحكام دل على العلم، وهذه الصفات مستلزمة للحياة. والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام، أو ضد ذلك
يقال: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبت به تلك من العقليات. فيقال: نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة، كدلالة التخصيص على المشيئة. وإكرام الطائعين يدل على محبتهم، وعقاب الكفار يدل على بغضهم.
فما أعظم المنة بهذا العقل حين يستنير بنور الإيمان، ويهتدي بهداه، ويعتصم بدلالته، ويحفظ حدوده، فيعمل فيما خلق له، متفكرًا متدبرًا، فيكون صاحبه من (أولي الألباب).
وما أعظم البلية بذلك العقل حين يسرح بلا قيد ولا شرط، فيضرب في التيه بغر هدى، ويتخبط في الظلمات، تتناوشه وساوس شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا، فيكون صاحبه من (الضالين) (٢). مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد عبدالرحمن القاضي -ص٤٨٧
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٠٧ - ١٠٨).
(٢) «التدمرية باختصار» (٣١ - ٣٤).
[ ٢ / ٢٩٨ ]
المبحث التاسع: تفاضل صفات الله ودلالة ذلك
المطلب الأول: من أدلة تفاضل صفات الله
معنى تفاضل صفات الله كون بعض الصفات أفضل من بعض لوجه من وجوه الفضل، ومن أدلة تفاضل الصفات: قوله ﷺ: «لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي غلبت غضبي» (١)
. وفي رواية: «سبقت غضبي» (٢). قال ابن تيمية ﵀: (وصف رحمته بأنها تغلب وتسبق غضبه، وهذا يدل على فضل رحمته على غضبه من جهة سبقها وغلبتها) (٣).
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك. وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك» (٤)، فكان يستعيذ من صفة السخط بصفة الرضا، ومن عقوبة الله بمعافاته، وبه سبحانه منه، قال ابن تيمية ﵀: (ومعلوم أن المستعاذ به أفضل من المستعاذ منه) (٥).
وأما قوله: «أعوذ بك منك»، فمعناه والله أعلم، الاستعاذة بكل صفة مرغوب فيها من صفات الله من كل صفة مرهوب منها من صفات الله، فيكون دليلًا جامعًا يدل على تفاضل صفات الله المستعاذ بها والمستعاذ منها جميعها، وقد قال ابن تيمية ﵀: (وأما استعاذته به منه فلابد أن يكون باعتبار جهتين: يستعيذ به باعتبار تلك الجهة، ومنه باعتبار تلك الجهة، ليتغاير المستعاذ به والمستعاذ منه إذ أن المستعاذ منه مخوف مرهوب منه، والمستعاذ به مدعو مستجار به ملتجأ إليه، والجهة الواحدة لا تكون مطلوبة مهروبًا منها، لكن باعتبار جهتين تصح) (٦). والجهتان متعلقتان بصفاته ولا ريب، وشبه ﵀ قوله: «أعوذ بك منك» بقوله في حديث البراء في الدعاء عند النوم: «لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك» (٧). وقال ﵀: (ومعلوم أن جهة كونه منجيًا غير جهة كونه منجيًا منه، وكذلك جهة كونه ملتجأ إليه غير كونه ملتجأ منه، سواء قيل إن ذلك يتعلق بمفعولاته، أو أفعاله القائمة به، أو صفاته، أو بذاته باعتبارين) (٨).
ثم إن كل دليل على تفاضل أسماء الله دليل على تفاضل صفاته لأن أسماء الله أسماء وأوصاف. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي – ص ٧٨
_________________
(١) رواه البخاري (٣١٩٤) واللفظ له، ومسلم (٢٧٥١). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه البخاري (٧٤٢٢) واللفظ له، ومسلم (٢٧٥١). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) «جواب أهل العلم والإيمان» (٨٩).
(٤) رواه مسلم (٤٨٦).
(٥) «جواب أهل العلم والإيمان» (٩٠).
(٦) «جواب أهل العلم والإيمان» (٩٠).
(٧) رواه البخاري (٢٤٧)، ومسلم (٢٧١٠). من حديث البراء بن عازب ﵁.
(٨) «جواب أهل العلم والإيمان» (٩١).
[ ٢ / ٢٩٩ ]
المطلب الثاني: تفاضل الصفة الواحدة
التفاضل في صفات الله قد يقع في الصفة الواحدة، فتكون الصفة الواحدة متفاضلة، ومن أدلة ذلك: تفاضل صفة الحب والبغض، قال ﷺ: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» (١). و(أحب) و(أبغض) صيغة تفضيل، وقال ﷺ: «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» (٢). وقال ﷺ: «أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق يهريق دمه» (٣). وكذا تفاضل صفة اليد كما في حديث: «يمين الله ملآى. لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض. وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض» (٤).
قال ابن تيمية: (فبين ﷺ أن الفضل بيده اليمنى والعدل بيده الأخرى، ومعلوم أنه مع أن كلتا يديه يمين فالفضل أعلى من العدل، وهو سبحانه كل رحمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، ورحمته أفضل من نقمته) قال: (ولهذا كان المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن (٥) ولم يكونوا عن يده الأخرى وجعلهم عن يمين الرحمن تفضيل لهم، كما فضل في القرآن أهل اليمين وأهل الميمنة على أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة، وإن كانوا إنما عذبهم بعدله، وكذلك الأحاديث والآثار جاءت بأن أهل قبضة اليمين أهل السعادة، وأهل القبضة الأخرى هم أهل الشقاوة) (٦).
ومن تفاضل الصفة الواحدة من صفات الله، تفاضل صفة الكلام، والدلائل عليه كثيرة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فمن ذلك: أن القرآن كلام الله وقد فضله على سائر كتبه التي سبقته وهي كلها كلامه ﷾، قال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨]. واختص الله القرآن من بين سائر كلامه بخصائص، فاختصه بأن تكفل سبحانه بحفظه بأن تحدى الخلق أن يأتوا بمثله، أو بمثل عشر سور منه، أو بمثل سورة منه، وغير ذلك من خصائصه، وتخصيص القرآن بأحكام وفضائل توجب تشريفه وتفضيله، على غيره مما أنزل الله على رسله، وقد قال سبحانه: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [الزمر: ٥٥]، وقال: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ [الزمر: ٢٣].
ثم القرآن نفسه متفاضل، كما صح عن رسول الله ﷺ تفضيل بعض آياته وسوره على غيرها، فمن ذلك:
حديث أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا المنذر! أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم. قال: يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. قال: فضرب في صدري وقال: والله ليهنك العلم أبا المنذر» (٧).
_________________
(١) رواه مسلم (٦٧١). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه البخاري (٢٤٥٧)، ومسلم (٢٦٦٨). من حديث عائشة ﵂.
(٣) رواه البخاري (٦٨٨٢). من حديث ابن عباس ﵄.
(٤) رواه البخاري (٤٦٨٤)، ومسلم (٩٩٣). من حديث أبي هريرة ﵂.
(٥) الحديث رواه مسلم (١٨٢٧). من حديث عبدالله بن عمرو ﵄.
(٦) «جواب أهل العلم والإيمان» (٩٢).
(٧) رواه مسلم (٨١٠).
[ ٢ / ٣٠٠ ]
فهذه آية من كلام الله وهي آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله، ووردت أحاديث فيها تخصيص بعض الآيات من كتاب الله بفضائل، كما ثبت في الآيتين من آخر البقرة أن من قرأهما في ليلة كفتاه (١)، وكذا ثبت في بعض السور، نحو قوله ﷺ: «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران» (٢). فهذا في تفضيل هاتين السورتين من كلام الله، وفي حديث ابن عباس قال: «بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال هذا ملك نزل إلى الأرض. لم ينزل قط إلا اليوم. فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك. فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة. لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته» (٣). وقال ﷺ: «قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن» (٤). وقال: «والذي نفسي بيده لتعدل ثلث القرآن» (٥) ووردت أحاديث عديدة يطول حصرها فيها ما ذكر من تخصيص بعض الآيات والسور بفضائل، وجميعها يدل على أن كلام الله يتفاضل، قال الغزالي: (لعلك تقول: قد توجه قصدك في هذه التنبيهات إلى تفضيل بعض القرآن على بعض، والكل قول الله تعالى فكيف يفارق بعضها بعضًا؟ وكيف يكون بعضها أشرف من بعض؟ فاعلم: أن نور البصيرة إن كان لا يرشدك إلى الفرق بين آية الكرسي وآية المداينات، وبين سورة الإخلاص وسورة تبت، وترتاع من اعتقاد الفرق نفسك الجوارة، المستغرقة بالتقليد، فقلد صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه، فهو الذي أنزل عليه القرآن، وقد دلت الأخبار على شرف بعض الآيات وعلى تضعيف الأجر في بعض السور المنزلة (٦» ونقل السيوطي عن العز بن عبد السلام قوله: (كلام الله في الله أفضل من كلامه في غيره، فـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أفضل من تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ (٧). فهذا من وجوه تفاضل صفة الكلام ومن وجوهها أيضًا ما قاله ابن تيمية: (فإذا كان المخبر به أكمل وأفضل كان الخبر به أفضل وإذا كان المأمور به أفضل كان الأمر به أفضل (٨» وقد قال تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى: ٥١]. قال ابن تيمية: (معلوم أن تكليمه من وراء حجاب أفضل من تكليمه بالإيحاء وبإرسال رسول، ولهذا كان من فضائل موسى ﵇ أن الله كلمه تكليمًا وقال: قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ [الأعراف: ١٤٤]. ولقد قال تعالى: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٦]. قال ابن تيمية: (أخبر أنه يأت بخير منها أو مثلها، وهذا بيان من الله لكون تلك الآية قد يأتي بمثلها تارة أو خير منها أخرى فدل ذلك على أن الآيات تتماثل تارة وتتفاضل أخرى) (٩) .. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي - ص٨٠
_________________
(١) الحديث رواه البخاري (٤٠٠٨)، ومسلم (٨٠٨). من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو ﵁.
(٢) رواه مسلم (٨٠٥). من حديث النواس بن سمعان ﵁.
(٣) رواه مسلم (٨٠٦). من حديث ابن مسعود ﵁.
(٤) رواه مسلم (٨١٢). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) رواه البخاري (٥٠١٣). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٦) «جواهر القرآن» (ص: ٦٢).
(٧) «الإتقان» (٢/ ١٩٩).
(٨) «جواب أهل العلم والإيمان» (ص: ٦١).
(٩) «جواب أهل العلم والإيمان» (ص: ٦١).
[ ٢ / ٣٠١ ]
المطلب الثالث: دلالة تفاضل صفات الله
تفاضل صفات الله ﷿ يدل على تعددها، لأن التفاضل لا يعقل إلا مع التعدد، إذ لا يكون إلا بين شيئين فصاعدًا وهذا يدل إلى أن صفات الله ليست هي عين ذاته، وإنما هي متعلقة بذاته ﷾، لأن الذات واحدة غير متعددة، ولكنها متصفة بصفات متعددة، واتصاف الذات بالصفات دليل كمالها، لأن الذات المجردة التي لا تتعلق بها صفة ناقصة.
وثبوت تعدد صفات الله يدل على ثبوتها لله ﷿، فلا يسع المؤمن إلا إثباتها متعددة، لكل منها معنى يغاير معنى الآخر، ولذلك كان ورود إثبات صفات الله في نصوص الشرع إنما يكون على وجه التفصيل، أما النفي فيكون مجملًا، ففي النصوص ذكر أسماء وصفات الله مفصلة، وفيها نفي ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل إجمالًا، وهذا بخلاف طريقة أهل الضلال والباطل الذين يفصلون في النفي، فينفون عنه صفاته على وجه التفصيل، ولا يثبتون له إلا وجودًا مطلقًا لا تتعلق به صفة (١). وإثبات تفاضل الصفات هو من لوازم إثبات الصفات، فمن أثبت الصفات لزمه إثبات تفاضلها، لأن إثبات التفاضل بين الشيئين، فرع من إثبات كل واحد منهما بمعناه وما تضمنه من كمال، فينظر في أيهما أفضل وأكمل، أما إذا كان الشيئان منفيين، فلا تفاضل بينهما، لأنه لا وجود لهما أصلًا، فلا كمال ولا فضيلة هناك أصلًا حتى يمكن النظر في التفاضل، ولذلك فإنه يمتنع التفاضل بين صفات الله بناء على مذهب المعطلة الباطل من الجهمية والمعتزلة ونحوهم. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي - بتصرف – ص: ٨٥
_________________
(١) «انظر الرسالة التدمرية» (ص ٨ – ١١ و٧٤، ٧٥).
[ ٢ / ٣٠٢ ]
الفصل الرابع: آثار الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى
تمهيد
قال الإمام ابن القيم: (والأسماء الحسنى والصفات العلى مقتضية لآثارها من العبودية والأمر اقتضاؤها لآثارها من الخلق والتكوين، فلكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها – أعني من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها – وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي تقع على القلب والجوارح:
(١) فعلم العبد بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة تثمر له عبودية التوكل عليه باطنًا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا.
(٢) علمه بسمعه تعالى وبصره وعلمه، وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السماوات والأرض، وأنه يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضي الله، وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه فيثمر له ذلك الحياء باطنًا، ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح. ومعرفة غناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته توجب له سعة الرجاء، ويثمر له ذلك من أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه.
(٣) وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعزته تثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعًا من العبودية الظاهرة هي موجباتها، وكذلك علمه بكماله وجماله وصفاته العلى يوجب له محبة خاصة بمنزلة أنواع العبودية، فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات، وارتبطت بها ارتباط الخلق بها. فخلقه سبحانه وأمره هو موجب أسمائه وصفاته في العلم وآثارها ومقتضاها؛ لأنه لا يتزين من عباده بطاعتهم، ولا تشينه معصيتهم. وتأمل قوله ﷺ في الحديث الصحيح الذي يرويه عن ربه ﵎: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني» ذكر هذا عقب قوله: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم» (١). فتضمن ذلك أن يفعله تعالى بهم في غفران زلاتهم وإجابة دعواتهم، وتفريج كرباتهم ليس لجلب منفعة منهم ولا لدفع مضرة يتوقعها منهم؛ كما هو عادة المخلوق الذي ينفع غيره ليكافئه بنفع مثله، أو ليدفع عنه ضررًا، فالرب تعالى لم يحسن إلى عباده ليكافئوه، ولا ليدفعوا عنه ضررًا، فقال: «لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني»، إني لست إذا هديت مستهديكم، وأطعمت مستطعمكم، وكسوت مستكسيكم وأرويت مستسقيكم، وكفيت مستكفيكم وغفرت لمستغفركم، بالذي أطلب منكم أن تنفعوني أو تدفعوا عني ضررًا، فإنكم لن تبلغوا ذلك وأنا الغني الحميد، كيف والخلق عاجزون عما يقدرون عليه، من الأفعال إلا بإقداره وتيسيره وخلقه، فكيف بما لا يقدرون عليه، فكيف يبلغون نفع الغني الصمد الذي يمتنع في حقه أن يستجلب من غيره نفعًا، أو يستدفع منه ضررًا، بل ذلك مستحيل في حقه؟!
_________________
(١) رواه مسلم (٢٥٧٧). من حديث أبي ذر ﵁.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
ثم ذكر بعد هذا قوله: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا» (١)؛ فيبين سبحانه أن ما أمرهم به من الطاعات وما نهاهم عنه من السيئات لا يتضمن استجلاب نفعهم، ولا استدفاع ضررهم كأمر السيد عبده، والوالد ولده، والإمام رعيته بما ينفع الآمر والمأمور، ونهيهم عما يضر الناهي والمنهي، فبين تعالى أنه المنزه عن لحوق نفعهم وضرهم به في إحسانه إليهم بما يفعله بهم وبما يأمرهم به، ولهذا لما ذكر الأصلين بعد هذا، وأن تقواهم وفجورهم الذي هو طاعتهم ومعصيتهم لا يزيد في ملكه شيئًا، ولا ينقصه، وأن نسبة ما يسألونه كلهم إياه؛ فيعطيهم إلى ما عنده كلا نسبة، فتضمن ذلك أنه لم يأمرهم ولم يحسن إليهم بإجابة الدعوات، وغفر الزلات، وتفريج الكربات لاستجلاب منفعة، ولا لاستدفاع مضرة، وأنهم لو أطاعوه كلهم لم يزيدوا في ملكه شيئًا، ولو عصوه كلهم لم ينقصوا من ملكه شيئًا، وأنه الغني الحميد. ومن كان هكذا فإنه لا يتزيد بطاعة عباده وأمرهم ونهيهم ما يقتضيه ملكه التام وحمده وحكمته، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه يستوجب من عباده شكر نعمه التي لا تحصى، بحسب قواهم وطاقتهم، لا بحسب ما ينبغي له، فإنه أعظم وأجل من أن يقدر خلقه عليه، ولكنه سبحانه يرضى من عباده بما تسمح به طبائعهم وقواهم، فلا شيء أحسن في العقول والفطر من شكر المنعم، ولا أنفع للعبد منه) (٢).
ويضرب الإمام ابن القيم مثالًا على الآثار المترتبة على عبودية الله تعالى باسمي الأول والآخر قائلًا: (فعبوديته باسمه الأول تقتضي التجرد عن مطالعة الأسباب، والوقوف أو الالتفات إليها، وتجريد النظر إلى مجرد سبق فضله ورحمته، وأنه هو المبتدئ بالإحسان من غير وسيلة من العبد، إذ لا وسيلة له في العدم قبل وجوده، وأي وسيلة كانت هناك، إنما هو عدم محض، وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، فمنه سبحانه الإعداد، ومنه الإمداد، وفضله سابق على الوسائل، والوسائل من مجرد فضله، وجوده، لم تكن بوسائل أخرى.
فمن نزل اسمه الأول على هذا المعنى أوجب له فقرًا خاصًا وعبودية خاصة، وعبوديته باسمه الآخر تقتضي أيضًا عدم ركونه ووقوفه بالأسباب والوقوف معها، فإنها تنعدم لا محالة وتنقضي بالآخرية، ويبقى الدائم الباقي بعدها، فالتعلق بها تعلق بما يعدم وينقضي، والتعلق بالآخر سبحانه تعلق بالحي الذي لا يموت ولا يزول، فالمتعلق به حقيق ألا يزول ولا ينقطع بخلاف التعلق بغيره مما له آخر يغنى به، كذا نظر العارف إليه بسبق الأولية، حيث كان قبل الأسباب كلها، وكذلك نظره إليه ببقاء الآخرية حيث يبقى بعد الأسباب كلها، فكان الله ولم يكن شيء غيره، كل شيء هالك إلا وجهه، فتأمل عبودية هذين الاسمين وما يوجبانه من صحة الاضطرار إلى الله وحده، ودوام الفقر إليه دون كل شيء سواه، وأن الأمر ابتدأ منه وإليه يرجع، فهو المبتدئ بالفضل حيث لا سبب ولا وسيلة وإليه تنتهي الأسباب والوسائل، فهو أول كل شيء وآخره، وكما أنه رب كل شيء وفاعله وخالقه وبارئه، فهو الحق وغايته التي لا صلاح له ولا فلاح ولا كمال إلا بأن يكون وحده غايته ونهايته ومقصوده، فهو الأول الذي ابتدأت منه المخلوقات، والآخر الذي انتهت إليه عبودياتها وإرادتها ومحبتها، فليس وراء الله شيء يقصد ويعبد ويتأله، كما أنه ليس قبله شيء يخلق ويبرأ) (٣).
وللتعبد بهذين الاسمين (الأول والآخر) يرى الإمام ابن القيم أن لهما رتبتين:
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٥١٠ - ٥١٣).
(٣) «طريق الهجرتين» (ص: ١٩، ٢٠).
[ ٢ / ٣٠٤ ]
الرتبة الأولى: أن تشهد الأولية منه تعالى في كل شيء والآخرية بعد كل شيء، والعلو والفوقية فوق كل شيء، والقرب من الدنو دون كل شيء فالمخلوق يحجبه مثله عما هو دونه فيصير الحاجب بينه وبين المحجوب، والرب ﷻ ليس دونه شيء أقرب إلى الخلق منه.
والرتبة الثانية من التعبد: أن يعامل كل اسم بمقتضاه؛ فيعامل سبقه تعالى بأوليته لكل شيء وسبقه بفضله وإحسانه، الأسباب كلها بما يقتضيه ذلك من إفراده وعدم الالتفات إلى غيره والوثوق بسواه والتوكل على غيره، فمن ذا الذي شفع لك في الأزل حيث لم تكن شيئًا مذكورًا حتى سماك باسم الإسلام، ووسمك بسمة الإيمان، وجعلك من أهل قبضة اليمين، وأقطعك في ذلك الغيب عمالات المؤمنين، فعصمك عن العبادة للعبيد، وأعتقك من التزام الرق لمن له شكل ونديد، ثم وجه وجهة قلبك إليه سبحانه دون ما سواه (١).
وعن سر العبودية وغايتها وحكمتها قال: (إنما يطلع عليها من عرف صفات الرب ﷿ ولم يعطلها، وعرف معنى الإلهية وحقيقتها، ومعنى كونه إلها. بل هو الإله الحق، وكل إله سواه فباطل، بل أبطل الباطل، وأن حقيقة الإلهية لا تنبغي إلا له، وأن العبادة موجب إلهيته وأثرها ومقتضاها وارتباطها بها كارتباط متعلق الصفات بالصفات، وكارتباط المعلوم بالعلم والمقدور بالقدرة، والأصوات بالسمع، والإحسان بالرحمة، والعطاء بالجود) (٢).
ويذكر الإمام ابن القيم (أن أعرف الناس بأسماء الله وصفاته أشدهم حبًا له، فكل اسم من أسمائه وصفاته تستعدي محبة خاصة، فإن أسماءه كلها حسنى وهي مشتقة من صفاته، وأفعاله دالة عليها، فهو المحبوب المحمود على كل ما فعل وعلى كل ما أمر إذ ليس في أفعاله عبث، وليس في أوامره سفه، بل أفعاله كلها لا تخرج عن الحكمة والمصلحة، والعدل، والفضل، والرحمة، وكل واحد من ذلك يستوجب الحمد والثناء والمحبة عليه، ولا يتصور نشر هذا المقام حق تصوره فضلًا عن أن يوفاه حقه، فأعرف خلقه به وأحبهم له ﷺ يقول: «لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (٣) ولو شهد بقلبه صفة واحدة من أوصاف كماله لاستدعت منه المحبة التامة عليها (٤)
وبالنظر والتأمل في أجزاء هذا الفصل يتضح لنا عدة أمور أوردها الإمام ابن القيم وهي لا تخرج عما ذهب إليه أئمة أهل السنة والجماعة، بل هي أصل فيما ذهبوا إليه من أنه لا بد في الأسماء الحسنى من أركان ثلاثة: وهي الإيمان بالاسم، وبما دل عليه من المعنى، وبما تعلق به من الآثار. وهذه الأمور جاءت على النحو التالي:
أولًا: أن الأسماء والصفات مقتضية لآثارها من العبودية اقتضاءها لآثارها من الخلق والتكوين، فلكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها تعني من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها.
ثانيًا: أن مذهب السلف الصالح قائم على الإيمان بأسماء الله وصفاته، وبما دلت عليه من المعاني، وبما تعلقت به من الآثار والأحكام (٥).
ثالثًا: أن الوجود خلقًا وأمرًا يتعلق بأسماء الله وصفاته، وإن كان العلم بما فيه بعض آثارها ومقتضياتها؛ إذا عرفت هذا فمن أسمائه الغفار والتواب والعفو فلا بد لهذه الأسماء من متعلقات ولا بد من جناية تغفر، وتوبة تقبل، وجرائم يعفى عنها (٦).
_________________
(١) «طريق الهجرتين» (ص: ٢٤، ٢٥).
(٢) «مدارج السالكين» (١/ ١١٠).
(٣) رواه مسلم (٤٨٦). من حديث عائشة ﵂.
(٤) «مدارج السالكين» (١/ ١١٠).
(٥) «مفتاح دار السعادة» (٣/ ٥١٠)، وانظر: «الكواشف الجلية» للسلمان (ص: ٤٢٥)، «طريق الوصول إلى العلم المأمول» لابن سعدي (ص: ٣٤٩).
(٦) «مدارج السالكين» (١/ ٤١٧ - ٤١٩).
[ ٢ / ٣٠٥ ]
رابعًا: (أن ظهور أحكامها وآثارها لا بد منه إذ هو من مقتضى الكمال المقدس والملك التام، وإذا أعطيت اسم الملك حقه – ولن تستطيع – علمت أن الخلق والأمر والثواب والعقاب، والعطاء والحرمان أمر لازم لصفة الملك، وأن صفة الملك تقتضي ذلك ولا بد، وأن تعطيل هذه الصفة أمر ممتنع. فالملك الحق مقتضي إرسال الرسل وإنزال الكتب وأمر العباد ونهيهم وثوابهم وعقابهم) (١).
خامسًا: أن لكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها. من عرفها أثمرت له أنواعًا من العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه (٢).
سادسًا: من مقتضيات العبودية لله بأسمائه الحسنى التجرد عن مطالعة الأسباب، والوقوف أو الالتفات إليها، وتجريد النظر إلى مجرد سبق فضله ورحمته، وأنه هو المبتدئ بالإحسان والإنعام عليه من غير وسيلة من العبد.
سابعًا: أن العبادة موجب إلهيته وأثرها ومقتضاها، وارتباطها بها كارتباط متعلق الصفات بالصفات، وأعظم الناس سعادة أعظمهم عبودية لله.
ومما تجدر الإشارة إليه أن معرفة هذه الآثار على التفصيل لا تجب على كل أحد بل كل بحسبه، فيجب على العالم ما لا يجب على غيره، ولا يعني هذا أيضًا أن تعرف كل آثار أسماء الله ﵎ لأن هذا محال على البشر معرفته، وليس في مقدورهم الإحاطة به علمًا، لأنه قد منع من ذلك فقال ﷿: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠]. منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي الغامدي– ص: ١٦٦
_________________
(١) «التبيان في أقسام القرآن» (ص: ٥٠).
(٢) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٥١٠) وما بعدها، وانظر: «طريق الهجرتين» (ص: ١٢٢).
[ ٢ / ٣٠٦ ]
المبحث الأول: الآثار الإيمانية العامة للأسماء والصفات
إن للتعبد بالأسماء والصفات آثارا كثيرة على قلب العبد وعمله، قال العز بن عبد السلام: (اعلم أن معرفة الذات والصفات مثمرة لجميع الخيرات العاجلة والآجلة، ومعرفة كل صفة من الصفات تثمر حالا علية، وأقوالا سنية، وأفعالا رضية، ومراتب دنيوية، ودرجات أخروية، فمثل معرفة الذات والصفات كشجرة طيبة أصلها – وهو معرفة الذات – ثابت بالحجة والبرهان، وفرعها – وهو معرفة الصفات – في السماء مجدا وشرفا تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ من الأحوال والأقوال والأعمال بِإِذْنِ رَبِّهَا [إبراهيم: ٢٥] وهو خالقها إذ لا يحصل شيء من ثمارها إلا بإذنه وتوفيقه، منبت هذه الشجرة القلب الذي إن صلح بالمعرفة والأحوال صلح الجسد كله) (١).
وهذه إشارة موجزة إلى بعض تلك الآثار؛ إذ تقصي تلك الآثار أمر في غاية العسر، ويجزئ منها ما يبلغ القصد:
أولًا: محبة الله.
من تأمل أسماء الله وصفاته وتعلق قلبه بها طرحه ذلك على باب المحبة، وفتح له من المعارف والعلوم أمورا لا يعبر عنها (٢)، وإن من عرف الله أورثه ذلك المحبة له ﷾، قال ابن الجوزي: (فينبغي الاجتهاد في طلب المعرفة بالأدلة، ثم العمل بمقتضى المعرفة بالجد في الخدمة لعل ذلك يورث المحبة ذلك الغنى الأكبر، ووافقراه) (٣).
ومراده أن من عرف الله أحبه، ومن أحب الله أحبه الله، وذلك والله هو الفوز العظيم والجنة والنعيم، والمحبة هي المنزلة التي (فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبوب وبروح نسيمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال، والتي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه) (٤).
حب الله هو الفطرة:
وحب الله هو فطرة القلب التي فطر عليها، قال ابن تيمية: (والقلب إنما خلق لأجل حب الله تعالى، وهذه الفطرة التي فطر الله عليها عباده كما قال النبي ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء»، ثم يقول أبو هريرة ﵁: اقرأوا إن شئتم: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم: ٣٠] أخرجه البخاري ومسلم (٥)، فالله سبحانه فطر عباده على محبته وعبادته وحده فإذا تركت الفطرة بلا فساد كان القلب عارفا بالله محبا له عابدا له وحده) (٦).
_________________
(١) «شجرة المعارف والأحوال» (ص: ١٤ - ١٥).
(٢) انظر: «مفتاح دار السعادة» (١/ ٢٨٦).
(٣) «صيد الخاطر» (ص: ٧٠).
(٤) «مدارج السالكين» (٣/ ٦ - ٧).
(٥) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨).
(٦) «مجموع الفتاوى» (١٠/ ١٣٤ - ١٣٥).
[ ٢ / ٣٠٧ ]
ومن سلك طريق التأمل في الأسماء والصفات ولاحظ نعم الله عليه كيف لا يكون حب الله تعالى أعظم شيء لديه، قال أبو سليمان الواسطي: (ذكر النعم يورث المحبة) (١)، وقال ابن القيم: (فإذا انضم داعي الإحسان والإنعام إلى داعي الكمال والجمال لم يتخلف عن محبة من هذا شأنه إلا أردأ القلوب وأخبثها وأشدها نقصًا وأبعدها من كل خير، فإن الله فطر القلوب على محبة المحسن الكامل في أوصافه وأخلاقه، وإذا كانت هذه فطرة الله التي فطر عليها قلوب عباده، فمن المعلوم أنه لا أحد أعظم إحسانًا منه ﷾، ولا شيء أكمل منه ولا أجمل، فكل كمال وجمال في المخلوق من آثار صنعه ﷾، وهو الذي لا يحد كماله ولا يوصف جلاله وجماله، ولا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه بجميل صفاته وعظيم إحسانه وبديع أفعاله، بل هو كما أثنى على نفسه وإذا كان الكمال محبوبًا لذاته ونفسه وجب أن يكون الله هو المحبوب لذاته وصفاته؛ إذ لا شيء أكمل منه، وكل اسم من أسمائه وصفة من صفاته وأفعاله دالة عليها، فهو المحبوب المحمود على كل ما فعل وعلى كل ما أمر؛ إذ ليس في أفعاله عبث ولا في أوامره سفه، بل أفعاله كلها لا تخرج عن الحكمة والمصلحة والعدل والفضل والرحمة، وكل واحد من ذلك يستوجب الحمد والثناء والمحبة عليه، وكلامه كله صدق وعدل، وجزاؤه كله فضل وعدل، فإنه إن أعطى فبفضله ورحمته ونعمته، وإن منع أو عاقب فبعدله وحكمته
ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائع
إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله وهو الكريم الواسع (٢)
سرور القلب بمحبة الله:
وإذا شمر العبد إلى تلك المنزلة ورام الوصول إليها وعرف الله بأسمائه وصفاته التفت القلب إلى الله وخلى عن كل ما عداه فـ (لم يكن شيء أحب إليه منه، ولم تبق له رغبة فيما سواه إلا فيما يقربه إليه ويعينه على سفره إليه) (٣).
قال يحيى بن أبي كثير: (نظرنا فلم نجد شيئًا يتلذذ به المتلذذون أفضل من حب الله تعالى وطلب مرضاته).
فكأن لسان الحال يقول:
كل محبوب سوى الله سرف وهموم وغموم وأسف
كل محبوب فمنه خلف ما خلا الرحمن ما منه خلف (٤)
وقال ابن تيمية: (وليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله والتقرب إليه بما يحبه، ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله) (٥).
محبة الله باعث التوحيد والطاعة:
ولذا كانت محبة الله مقتضية لعدم التشريك بينه وبين غيره فهي باعث التوحيد، ألا ترى أن القلب له وجه واحد: مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب: ٤]، فإذا مال إلى جهة لم يمل إلى غيرها، وليس لأحد قلبان يوحد بأحدهما ويشرك بالآخر (٦).
قال صديق حسن: (محبة الله إذا استغرق بها القلب واستولت عليه لم تبعث الجوارح إلا إلى مراضي الرب، وصارت النفس حينئذ مطمئنة بإرادة مولاها عن ماردها وهواها، يا هذا اعبد الله لمراده منك لا لمرادك منه)، وقال: (من امتلأ قلبه من محبة الله لم يكن فيه فراغ لشيء من إرادة النفس والهوى) (٧).
فإلى من ابتلي بهواه حتى ألم به من جوانبه وأعياه هذا هو الدواء لكل داء والبلسم للشفاء، تأمل في أسماء الخالق العظيم وصفاته لتتلمس محبته وما يقربك إليه.
_________________
(١) «المحبة لله سبحانه» لإبراهيم بن الجنيد (ص: ٢٤).
(٢) «طريق الهجرتين» (ص: ٥٢٠ - ٥٢١).
(٣) «روضة المحبين» (ص: ٤٠٦).
(٤) «المحبة لله سبحانه» لإبراهيم بن الجنيد (ص: ٤٤، ١٠١).
(٥) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٢).
(٦) لاحظ «روضة المحبين» (ص: ٢٩٥).
(٧) «الدين الخالص» (١/ ١٦٧).
[ ٢ / ٣٠٨ ]
وإذا أردت كمال العبودية فاعلم أنه تابع لكمال المحبة، وذلك تابع لكمال المحبوب في نفسه، ولما أن كان الله تعالى له الكمال المطلق من كل وجه بحيث لا يعتريه توهم النقص فإن القلوب السليمة والفطر المستقيمة والعقول الحكيمة لا تلتفت إلا إليه ولا تريد أحدًا سواه ولا تقبل بحبها إلا إليه سبحانه، وحينذاك فلا تقبل إلا لما تقتضيه تلك المحبة من عبوديته وطاعته وأتباع مرضاته واستفراغ الجهد في التعبد له والإنابة إليه.
قال ابن القيم: (وهذا الباعث أكمل بواعث العبودية وأقواها حتى لو فرض تجرده عن الأمر والنهي والثواب والعقاب استفرغ الوسع واستخلص القلب للمعبود الحق) (١).
وإياك أن يخلو قلبك من الحب لله تعالى أو أن تملئه من محبة غيره فإن الله تعالى يغار على قلب عبده أن يكون معرضًا عن حب، فالله تعالى خلقك لنفسه واختارك من بين خلقه، ولتعلم أن الله تعالى إذا أراد بعبده خيرًا سلط على قلبه إذا أعرض عنه واشتغل بحب غيره أنواع العذاب حتى يرجع قلبه إليه وإذا اشتغلت جوارحه بغير طاعته ابتلاها بأنواع البلاء (٢).
وبعد هذا اللهج بقولك: اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقرب على حبك (٣)، فقد كان هذا من دعاء سيد المحبين ﷺ، فأكثر منه لعل الله تعالى أن يفتح لك الباب، فإن من أكثر الطرق ولج بإذن الله تعالى.
ثانيًا: الذل والتعظيم.
من تحقق بمعاني الأسماء والصفات شهد قلبه عظمة الله تعالى فأفاض على قلبه الذل والانكسار بين يدي العزيز الجبار.
سجود القلب:
ولا شك أن تمام العبودية لا يتم إلا بتمام الذل والانقياد لله، وأكمل الخلق عبودية أكملهم ذلا وافتقارا وخضوعا بحيث يحصل للقلب انكسار خاص لا يشبهه شيء فهو يرى حينئذ أنه لا يصلح للانتفاع إلا بجبر جديد من خالقه وربه ومولاه، وحينئذ يستكثر القليل من الخير على نفسه كأنه لا يستحقه، ويستكثر قليل معاصيه لعظمة الله تعالى في قلبه، وذلك هو سجود القلب، سئل بعض العارفين أيسجد القلب؟ قال: نعم يسجد سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء.
ومن سجد هذه السجدة سجدت معه جميع جوارحه، وعنا الوجه للحي القيوم، ووضع خده على عتبة العبودية التي يقول عنها ابن تيمية: (من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية)
وإذا تأمل العبد ذلك ألا يدعوه إلى تعظيم الخالق العظيم، فلا يستصغر في حقه معصية قط مهما صغرت، ولا يستعظم في حقه طاعة قط مهما عظمت.
قال القرافي في سر تحريم العجب: (إنه سوء أدب على الله تعالى، فإن العبد لا ينبغي له أن يستعظم ما يتقرب به إلى سيده، بل يستصغره بالنسبة إلى عظمة سيده لا سيما عظمة الله تعالى، ولذلك قال الله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزُّمر: ٦٧] أي ما عظموه حق تعظيمه) (٤).
فانظر وفقك الله كيف يثمر التأمل في الأسماء والصفات والتعبد بها من معرفة عظمة الله تعالى، وما يثمره ذلك من الأدب مع الله والذل بين يديه واحتقار كل عمل يتقرب به إليه إذ هو قليل في حق عظمته تعالى، وما يثمره ذلك من الخوف منه والبعد عن معاصيه؛ إذ كل عظيم يخشى من مخالفة أمره والوقوع في نهيه فكيف بأعظم عظيم جل وعلا.
ثالثًا: الخشية والهيبة.
_________________
(١) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٨٨ - ٨٩).
(٢) انظر: «روضة المحبين» (ص: ٣١٠).
(٣) رواه الترمذي (٣٢٣٥)، وأحمد (٥/ ٢٤٣) (٢٢١٦٢)، والطبراني (٢٠/ ١٠٩) (٢١٦)، والحاكم (١/ ٧٠٢، رقم ١٩١٣). من حديث معاذ بن جبل ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال ابن العربي في «أحكام القرآن» (٤/ ٧٣): صحيح.
(٤) «الفروق» (٤/ ٢٢٧).
[ ٢ / ٣٠٩ ]
قال ابن القيم: (كلما ازدادت معرفة العبد بربه ازدادت هيبته له وخشيته إياه، كما قال الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨] أي العلماء به، وقال النبي ﷺ: «أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية» (١» (٢).
وفي قول تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ يقول البحر ابن عباس في معنى الآية: (إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني) (٣).
وقال ابن كثير: (إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر) (٤).
وكيف لا يخشع القلب ويهاب إذا امتلأ بالحب والتعظيم والمعرفة بالخالق العظيم، فإن من عرف الله صفا له العيش، وطابت له الحياة، وهابه كل شيء، وذهب عنه خوف المخلوقين، وأنس بالله وحده (٥).
رابعًا: اليقين والسكينة والطمأنينة.
من عبد الله بأسمائه وصفاته وتحقق من معرفة خالقه جل وعلا، وعظمه حق تعظيمه فإنه ولا شك يصل إلى درجة اليقين.
قال ابن القيم: (فاليقين هو الوقوف على ما قام بالحق من أسمائه وصفاته ونعوت كماله وتوحيده) (٦).
وباليقين مع الصبر تنال الإمامة في الدين، قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: ٢٤].
وتلك المنزلة العالية الرفيعة هي روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح، وهو حقيقة الصديقية، ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورا وإشراقا وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط وغم وامتلأ محبة لله وخوفا منه ورضى به وشكرا له وتوكلا عليه وإنابة إليه، قال أبو بكر الدقاق: (اليقين ملاك القلب وبه كمال الإيمان، وباليقين عرف الله، وبالعقل عقل عن الله).
وإذا تيقن القلب نزلت السكينة، وهي الطمأنينة والسكون الذي ينزل في القلب عند اشتداد المخاوف والبلاء، فيزداد ذلك القلب إيمانًا وثباتا، ويكسو الجوارح خشوعا ووقارا، ويضفي على اللسان حكمة وصوابا (٧).
خامسًا: الرضا.
والرضا من ثمرات المعرفة بالله، فمن عرف الله بعدله وحكمه وحكمته ولطفه أثمر ذلك في قلبه الرضا بحكم الله وقدره في شرعه وكونه فلا يتعرض على أمره ونهيه ولا على قضائه وقدره، بل تراه: (قد يجري في ضمن القضاء مرارات يجد بعض طعمها الراضي، أما العارف فتقل عنده المرارات لقوة حلاوة المعرفة، فإذا ترقى بالمعرفة إلى المحبة صارت مرارة الأقدار حلاوة كما قال القائل:
عذابه فيك عذب وبعده فيك قرب
وأنت عندي كروحي بل أنت منها أحب
حسبي من الحب أني لما تحب أحب (٨)
_________________
(١) رواه البخاري (٦١٠١)، ومسلم (٢٣٥٦). بلفظ: «إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية». من حديث عائشة ﵂.
(٢) «روضة المحبين» (ص: ٤٠٦).
(٣) «زاد المسير» (٦/ ٤٨٦).
(٤) «تفسير القرآن العظيم» (٣/ ٥٦١).
(٥) لاحظ «روضة المحبين» (ص: ٤٠٦).
(٦) «مدارج السالكين» (٢/ ٤١٩ - ٤٢٠) وانظر لليقين منه (١/ ٤١٣ وما بعدها).
(٧) انظر: «مدارج السالكين» (٣٢/ ٥٢٥ - ٥٢٧).
(٨) «صيد الخاطر» (ص: ٦٩).
[ ٢ / ٣١٠ ]
وقد كان من سؤال الحبيب ﷺ: «أسألك الرضا بعد القضا» (١).
وإنما يرضى المؤمن العارف بأسماء الله وصفاته بحكم الله وقضائه؛ لأنه يعلم أن تدبير الله له خير من تدبيره لنفسه، وأنه تعالى أعلم بمصلحته من نفسه، وأرحم به من نفسه، وأبر به من نفسه، ولذا تراه يرضى ويسلم، بل إنه يرى أن هذه الأحكام القدرية الكونية أو الشرعية إنما هي رحمة وحكمة، وحينئذ لا تراه يعترض على شيء منها، بل لسان حاله: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ رسولا، وذلك والله محض الإيمان.
سادسًا: التوكل.
إن من أجل ما يثمره التعبد بالأسماء والصفات أن يعتمد القلب على الله ويخلص في تفويض أمره إليه، وذلك حقيقة التوكل على الله.
والتوكل من أعظم العبادات تعلقا بالأسماء والصفات، ذلك أن مبناه على أصلين عظيمين.
الأول: علم القلب، وهو يقينه بعلم الله وكفايته وكمال قيامه بشأن خلقه، فهو القيوم سبحانه الذي كفى عباده شئونهم، فبه يقومون وله يصمدون.
والثاني: عمل القلب، وهو سكونه إلى العظيم الفعال لما يريد وطمأنينته إليه وتفويض أمره إليه ورضاه وتسليمه بتصرفه وفعله؛ إذ كل شيء يمضي ويكون فبحكمه وحكمته وقدره وعلمه، لا ينفذ شيء في الأرض ولا في السماء عن قدرته، فله الحكم كله، وإليه يرجع الأمر كله (٢).
ومتى ما أخلص القلب ذلك لله علما وعملا كان من سابقي المتوكلين وصادقي المفوضين والمستسلمين، وإنه والله لغاية الأنس والعز أن يعتمد الإنسان في جميع أمره وشأنه على الله تعالى.
ولما أن كان هذان الأمران إنما ينبنيان على العلم بهذا الباب العظيم باب الأسماء والصفات قال بعض العلماء مفسرا التوكل بأنه المعرفة بالله، وإنما أراد أنه بحسب معرفة العبد بالله تعالى وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا وتعبده بها وعلمه بقدرة الله وكفايته وتمام علمه وقيوميته وصدور الأمور عن مشيئته يصح له التوكل ويتم له ويتحقق، قال ابن القيم: (كلما كان بالله أعرف كان توكله عليه أقوى)، ولذا قال ابن تيمية: (لا يصح التوكل ولا يتصور من فيلسوف ولا من القدرية النفاة القائلين بأنه يكون في ملكه ما لا يشاء ولا يستقيم أيضا من الجهمية النفاة لصفات الرب ﷻ ولا يستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات) (٣).
سابعًا: الدعاء.
إن من تأمل شيئا من أسماء الله وصفاته فإنها بلا شك ستقوده إلى أن يتضرع إلى الله بالدعاء ويبتهل إليه بالرجاء، فمن تأمل قرب الله تعالى من عبده المؤمن، وأن الله تعالى هو القريب المجيب والبر الرحيم والمحسن الكريم فإن ذلك سيفتح له باب الرجاء وإحسان الظن بالله وسيدفعه إلى الاجتهاد في الدعاء والتقرب إلى الله به.
بل إن من تأمل وتعبد بالأسماء والصفات لا يقتصر على مجرد الدعاء، بل سيفيض عليه ذلك الأمر حضور القلب وجمعيته بكليته على الله تعالى فيرفع يديه ملحا على الله بالدعاء والسؤال والطلب والرجاء.
_________________
(١) رواه أحمد (٥/ ١٩١) (٢١٧١٠)، وابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ٣٤)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٤٢٦)، والحاكم (١/ ٦٩٧)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٣١٤). من حديث زيد بن ثابت ﵁. والحديث صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح عند ابن خزيمة - كما أشار إلى ذلك في المقدمة – وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في (تخريج كتاب السنة لابن أبي عاصم).
(٢) انظر: «طريق الهجرتين» (ص: ٤٢٦).
(٣) «مدارج السالكين» (٢/ ١٢٣) وانظر: «طريق الهجرتين» (ص: ٤٢٣).
[ ٢ / ٣١١ ]
وإنما كان الدعاء من أجل ثمرات العلم بالأسماء والصفات، وكان هو سلاح المؤمن، وميدان العارف، ونجوى المحب، وسلم الطالب، وقرة عين المشتاق، وملجأ المظلوم لما فيه من المعاني الإلهية العظيمة، ولذا قال ابن عقيل مبينا شيئا من هذه المعاني: (قد ندب الله تعالى إلى الدعاء، وفي ذلك معان:
أحدها: الوجود، فإن من ليس بموجود لا يدعى.
الثاني: الغنى، فإن الفقير لا يدعى.
الثالث: السمع، فإن الأصم لا يدعى.
الرابع: الكرم، فإن البخيل لا يدعى.
الخامس: الرحمة، فإن القاسي لا يدعى.
السادس: القدرة، فإن العاجز لا يدعى) (١).
ثامنًا: الإخلاص.
إن إدراك معاني الأسماء والصفات على التحقيق يحمل العبد على إفراد الله بالقصد والابتعاد عن صرف شيء من العبادة لغيره تعالى، ولذا كان من أعظم ما يخلص العبد من دنس الرياء ملاحظة أسماء الله وصفاته، فمن لاحظ من أسماء الله الغني دفعه ذلك إلى الإخلاص لغنى الله تعالى عن عمله وفقره هو إلى الله ﷿ قال الله ﵎: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (٢).
ومن تأمل اسم الله العليم فإنه يعلم أن ما أخفاه عن أعين الناس من ملاحظة الخلق لا يخفى على الله لعلمه التام بكل شيء، ومن تأمل اسم الله الحفيظ حمله ذلك على ترك الرياء؛ لأن كل ما يفعله العبد محفوظ عليه سيوافى به يوم القيامة.
وإذا صنع ذلك كان عمله كله لله، فحبه لله، وبغضه لله، وقوله لله، ولحظه لله، وعطاؤه لله، ومنعه لله، فلا يريد من الناس جزاء أو شكورا، ولسان حاله: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [الإنسان: ٩]
وإن تقصير العبد في إخلاصه ووقوعه في الرياء أو قصد غير الله إنما هو بسبب جهله بأسماء الله وصفاته، ولذا قال ابن رجب: (ما تظاهر المرائي إلى الخلق بعمله إلا بجهله بعظمة الخالق) (٣).
ذلك أن من امتلأ قلبه بعظمة الله فإنه يستصغر كل من سواه ولم يتعلق بغير الله، والله تعالى له الأمر كله، فلا يكون في الكون شيء إلا بأمره وعلمه.
تاسعًا: التلذذ بالعبادة.
إن من أعظم المنح الربانية منحة التلذذ بالعبادة، فإذا قام العبد بالعبادة وجد لها من اللذة كما يجد المتذوق طعم الحلاوة في فمه ووجد في قلبه من الأنس والانشراح والسعادة ما لا يجده في وقت آخر، وحينئذ تكون العبادة راحة نفسه وطرب قلبه فيكون لسان حاله أرحنا بالعبادة يا بلال، كما كان النبي ﷺ يقول في الصلاة: «قم يا بلال فأرحنا بالصلاة» (٤)، فتكون الصلاة لما فيها من القرب لله والمناجاة له والتلذذ بكلامه والتذلل له والتعبد بأسمائه قرة العين وسلوة الفؤاد، ولذا كان النبي ﷺ يقول: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» (٥).
_________________
(١) «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز (ص: ٦٧٨).
(٢) رواه مسلم (٢٩٨٥). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) «تحقيق كلمة الإخلاص» (ضمن مجموعة رسائل له، ت: العزازي: ٥٣).
(٤) رواه أبو داود (٤٩٨٦). من حديث صهر لمحمد بن الحنفية. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١٤/ ١٦٧): كلام صحيح معقول، وقال الزيلعي في «تخريج الكشاف» (١/ ٦٣): إسناده على شرط البخاري.
(٥) رواه أحمد (٣/ ١٢٨) (١٢٣١٥)، والنسائي (٧/ ٦١)، وأبو يعلى (٦/ ٢٣٧) (٣٥٣٠)، والحاكم (٢/ ١٧٤)، والبيهقي (٧/ ٧٨) (١٣٢٣٢). قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وقال البيهقي: له متابعة، ورواه جماعة من الضعفاء عن ثابت، وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (٢/ ١٧٧): إسناده قوي.
[ ٢ / ٣١٢ ]
قال ابن تيمية: (فإن اللذة والفرحة والسرور وطيب الوقت والنعيم الذي لا يمكن التعبير عنه إنما هو في معرفة الله ﷾ وتوحيده والإيمان به وانفتاح الحقائق الإيمانية والمعارف القرآنية كما قال بعض الشيوخ: لقد كنت في حال أقول فيها إن كان أهل الجنة في هذه الحال إنهم لفي عيش طيب، وقال آخر: لتمر على القلب أوقات يرقص فيها طربا، وليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم الآخرة إلا نعيم الإيمان والمعرفة، ولهذا كان النبي ﷺ يقول: «أرحنا بالصلاة يا بلال»، ولا يقول أرحنا منها كما يقوله من تثقل عليه الصلاة كما قال تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الخَاشِعِينَ [البقرة: ٤٥]، والخشوع: الخضوع لله تعالى والسكون والطمأنينة إليه بالقلب والجوارح) (١).
خفة العبادة بسبب لذتها:
وبتحصيل هذه اللذة يخف ثقل العبادة على القلب، بل قد تزول تلك المشقة فتكون العبادة بردا وسلاما على القلب، قال الشاطبي: (والضرب الثاني شأنه أن لا يدخل عليه ذلك الملل ولا الكسل لوازع هو أشد من المشقة أو حاد يسهل به الصعب، أو لما له في العمل من المحبة ولما حصل له فيه من اللذة حتى خف عليه ما ثقل على غيره، وصارت تلك المشقة في حقه غير مشقة بل يزيده كثرة العمل وكثرة العناء فيه نورا وراحة أو يحفظ عن تأثير ذلك المشوش في العمل بالنسبة إليه أو إلى غيره كما جاء في الحديث: «أرحنا بها يا بلال» (٢).
تأمل الأسماء والصفات طريق للذة العبادة:
وإذا تبين ذلك فإن من أعظم ما يحصل به لذة العبادة هو تأمل الأسماء والصفات وتعبد الله بها ومراعاتها في كل عبادة يأتي بها العبد أو يتركها.
فإذا تصدق العبد بالقليل مستشعرا أن الله شكور لا يضيع عمله، بل يبارك له فيه ولو كان قليلا كان ذلك مدخلا على قلبه الفرح والسرور بربه ووجد في قلبه حلاوة عظيمة لعمله.
ومن صلى لله تعالى متذكرا حينما قام لله صافا قدميه قيومية الله تعالى وأن الله قائم بذاته وعباده لا يقومون إلا به ﷾، ثم إذا كبر ورفع يديه استشعر أن الله أكبر من كل شيء، وشاهد كبرياء الله وعظمته وجلاله، ثم إذا قرأ دعاء الاستفتاح استشعر ما فيه من تنزيه الرب عن كل نقص، وإذا استعاذ وبسمل التجأ بقلبه إلى الركن الركين وتبرأ من كل حول واعتصم بالله من عدوه واستعان به لا بغيره، ثم إذا قرأ الفاتحة استشعر ما فيها من استحقاق الله لكل المحامد وألوهيته وربوبيته ورحمته بخلقه وملكه لكل شيء، واستحضر أنه يناجي ربه وأن ربه يجيبه على مناجاته كما في الصحيح: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قال: مجدني عبدي، فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ، قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» (٣).
ثم تذكر عظمة الله وعلوه، وتذكر خضوعه وتذلله بين يدي ربه بركوعه وسجوده وانكساره، وتأمل ذلك وهو يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، إذا صنع ذلك في صلاته كيف لا يصلي صلاة مودع، وكيف لا يتلذذ بصلاته وعبادته (٤)
وما سبق هو جنس من العبادة، وكل عبادة يقدم عليها العبد مستشعرا هذه المعاني، وقد امتلأ قلبه بالحب للخالق العظيم فإنه ولا بد يحصل لذتها والأنس بها، وفي الحديث: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» (٥). التعبد بالأسماء والصفات لمحات علمية إيمانية لوليد بن فهد الودعان - بتصرف – ص: ٦٤
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣١) وهي رسالة يتحدث فيها عن نعم الله عليه وهو في السجن.
(٢) «الموافقات» (٢/ ٢٤٠) وحديث عن أضرب الناس في تأثرهم من خوضهم في العمل الشاق، وانظر «كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة» (مع مجموعة رسائل لابن رجب ت: عاجل العزازي، ص: ١٠٨).
(٣) رواه مسلم (٣٩٥). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) انظر كتاب «الصلاة» لابن القيم (ص: ١٧١) وما بعدها.
(٥) رواه البخاري (١٦)، ومسلم (٤٣). من حديث أنس ﵁.
[ ٢ / ٣١٣ ]
المبحث الثاني: الآثار الإيمانية لبعض أسماء الله وما تضمنته من صفات
أولا: الآثار الإيمانية لاسم الله الرحمن
وإن من تأمل هذا الاسم الكريم أثمر ذلك في قلبه أمورا عظيمة، ومنها:
أولا: الحب:
فقد جبلت النفوس على حب من أحسن إليها وكيف لا يحب الإنسان من أفاض عليه رحمته وعطفه ومنته وفضله ومن هو أرحم به من أمه، جاء في الصحيح أنه قدم على رسول الله ﷺ بسبي فإذا امرأة من السبي تبتغي إذ وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال رسول الله ﷺ: «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار»، قالوا: لا والله وهي تقدر على أن لا تطرح، فقال رسول الله ﷺ: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها» (١).
ثانيا: الرجاء وحسن الظن بالله:
قال العز بن عبد السلام: (من عرف سعة رحمة الله كان حاله الرجاء) (٢)، وفي الصحيح: «قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي» (٣).
وفي الحديث عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه ﷿: «قال أذنب عبد ذنبا فقال اللهم اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎، عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب أعمل ما شئت فقد غفرت لك» (٤).
وفي الحديث: «أسرف رجل على نفسه –وفي رواية لم يعمل حسنة قط- فلما حضره الموت أوصى بنيه، فقال إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في الريح في البحر فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه به أحدا، قال ففعلوا ذلك به فقال للأرض أدى ما أخذت فإذا هو قائم، فقال له ما حملك على ما صنعت، فقال خشيتك يا رب أو قال مخافتك، فغفر له بذلك» (٥).
وقد دخل حماد بن سلمة على الثوري، فقال سفيان: أترى أن الله يغفر لمثلي، فقال حماد: والله لو خيرت بين محاسبة الله إياي وبين محاسبة أبوي لاخترت محاسبة الله؛ وذلك لأن الله أرحم بي من أبوي.
ومما يزيد العبد تعلقا بربه وإحسان الظن به أن الله تعالى يشكر عمل عبده مع قلته، بل ويغفر لصاحبه بسببه، وفي الحديث: «بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش، فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب فشكر الله له فغر له»، قالوا يا رسول الله وإن لنا في هذه البهائم لأجرا، فقال: «في كل كبد رطبة أجر» (٦)، وفي لفظ «أن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش فنزعت له بموقها فغفر لها» (٧).
وفيه: «كان على الطريق غصن شجرة يؤذي الناس فأماطها رجل فأدخل الجنة» (٨).
_________________
(١) رواه البخاري (٥٩٩٩)، ومسلم (٢٧٥٤). من حديث عمر ﵁.
(٢) «مختصر الفوائد في أحكام المقاصد» (ص: ٢٠٣ - ٢٠٤) وانظر «شجرة المعارف والأحوال» (ص: ٨٣).
(٣) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) رواه البخاري (٧٥٠٧)، ومسلم (٢٧٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) رواه البخاري (٣٤٨٢)، ومسلم (٢٧٥٦). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) رواه البخاري (٢٣٦٣)، ومسلم (٢٢٤٤). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٧) رواه البخاري (٣٤٦٧)، ومسلم (٢٢٤٥). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٨) رواه ابن ماجه (٢٩٨٤)، وأحمد (٢/ ٤٩٥) (١٠٤٣٦). من حديث أبي هريرة ﵁. وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».
[ ٢ / ٣١٤ ]
وفيه: «كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه» (١).
وإن من حسن الظن بالله أن ترى البلاء رحمة ونعمة فكم من محنة محصت الذنوب ونبهت من الغفلة وذكرت بالنعمة، وكم من محنة أصبحت منحة أعادت إلى الله وأنقذت من شرك الشيطان:
إذا سر بالسراء عم سرورها وإن مس بالضراء أعقبها الأجر
وما منهما إلا له فيه نعمة تضيق بها الأوهام والبر والبحر
فإذا أصابك البلاء فهو رحمة، وقد سمى النبي ﷺ الطاعون رحمة، فعن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون، فخبرها ﷺ: «أنه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد» (٢).
ولو لم يكن في البلاء إلا تكفير الذنوب لكفى في كونه رحمة وفضلا، وفي الحديث: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» (٣)، وفيه: «ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها» (٤)، وفي الترمذي: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة» (٥).
وقد يرى العبد الأمر شرا وهو خير له كما رأى موسى فعل الخضر شرا فكان خيرا.
ثالثا: الحياء:
إن التأمل في إحسان الله ورحمته يورث العبد حياء منه ﷾، فيستحي العبد المؤمن من خالقه أن يعصيه، ثم إن وقع في الذنب جهلا منه استحيا من الله بعد وقوعه في الذنب، ولذا كان الأنبياء يعتذرون عن الشفاعة للناس بذنوبهم خوفا وخجلا، وإن هذا لأمر قل من ينتبه له، بل قد يظن كثير من الناس أن التوبة والعفو قد غمر ذنوبه فلا يلتفت إلى الحياء بعد ذلك.
كان الأسود بن يزيد يجتهد في العبادة والصوم حتى يصفر جسده فلما احتضر بكى، فقيل له: ما هذا الجزع؟ فقال: ما لي لا أجزع، والله لو أتيت بالمغفرة من الله لأهمني الحياء منه مما قد صنعت، إن الرجل ليكون بينه وبين آخر الذنب الصغير فيعفو عنه فلا يزال مستحييا منه.
و«الله أحق أن يستحيا منه من الناس» (٦).
رابعًا: رحمة الخلق:
ومن استشعر رحمة الله تعالى وشاهد ذلك بقلب صادق أفاض على قلبه رحمة الخلق، ولذا كان النبي ﷺ أرحم الخلق بالخلق، وسماه ربه رحيما فقال تعالى: بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨].
_________________
(١) رواه البخاري (٢٠٧٨)، ومسلم (١٥٦٢). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه البخاري (٥٧٣٤). من حديث عائشة ﵂.
(٣) رواه البخاري (٥٦٤١، ٥٦٤٢)، ومسلم (٢٥٧٣). من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄.
(٤) رواه البخاري (٥٦٤٠)، ومسلم (٢٥٧٢). من حديث عائشة ﵂.
(٥) رواه الترمذي (٢٣٩٩)، وأحمد (٢/ ٤٥٠) (٩٨١٠)، وابن حبان (٧/ ١٧٦) (٢٩١٣)، والحاكم (٤/ ٣٥٠). من حديث أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وصحح إسناده عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٨٣٣) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.
(٦) رواه أبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٦٩)، وابن ماجه (١٩٢٠)، وأحمد (٥/ ٣) (٢٠٠٤٦)، والحاكم (٤/ ١٩٩). من حديث معاوية بن حيدة ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حديث حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وحسنه ابن حجر في «هداية الساري» (٢٠).
[ ٢ / ٣١٥ ]
وقد أبصر الأقرع بن حابس النبي ﷺ يقبل الحسن، فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم، فقال رسول الله ﷺ: «إنه من لا يرحم لا يرحم» (١).
ولما قدم ناس من الأعراب على رسول الله ﷺ قالوا: أتقبلون صبيانكم، فقالوا نعم، فقالوا لكن والله ما نقبل، فقال رسول الله ﷺ: «وأملك إن كان الله نزع منك الرحمة» (٢).
وتتبين آثار رحمته ﷺ حينما رأى ابنه إبراهيم وهو في سكرات الموت، قال أنس لقد رأيته وهو يكيد بنفسه بين يدي رسول الله ﷺ فدمعت عينا رسول الله ﷺ فقال: «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون» (٣) وفي رواية البخاري: «فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: وأنت يا رسول الله فقال: يا ابن عوف إنها رحمة» (٤).
وقد حث النبي ﷺ على الرحمة، بل وجعلها سببا لرحمة الله تعالى، وجعل من نزعت منه الرحمة شقيا، فقال ﷺ: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ﷿» (٥)، وقال ﷺ: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي» (٦)، وكان ابن لبعض بنات النبي ﷺ يقضي فأرسلت إليه أن يأتيها فأرسل: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل إلى أجل مسمى فلتصبر ولتحتسب»، فأرسلت إليه فأقسمت عليه، فقام رسول الله ﷺ ومعه أسامة ومعاذ بن جبل وسعد بن عبادة، فلما دخل ناولوا رسول الله ﷺ الصبي ونفسه تقعقع في صدره فبكى رسول الله ﷺ، فقال سعد بن عبادة أتبكي! فقال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» (٧)، وفي الترمذي: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (٨).
قال الطيبي: (أتي بصيغة العموم ليشمل جميع أصناف الخلق فيرحم البر والفاجر والناطق والبهم والوحوش والطير) (٩).
رحمة تغيب عن كثير من الأذهان:
_________________
(١) رواه البخاري (٥٩٩٧)، ومسلم (٢٣١٨).
(٢) رواه البخاري (٥٩٩٨)، ومسلم (٢٣١٧). من حديث عائشة ﵂.
(٣) رواه البخاري (١٣٠٣)، ومسلم (٢٣١٥).
(٤) رواه البخاري (١٣٠٣).
(٥) رواه البخاري (٧٣٧٦)، ومسلم (٢٣١٩). من حديث جرير بن عبدالله ﵁.
(٦) رواه أبو داود (٤٩٤٢)، والترمذي (١٩٢٣)، وأحمد (٢/ ٣٠١) (٧٩٨٨)، وابن حبان (٢/ ٢١٣) (٤٦٦)، والحاكم (٤/ ٢٧٧). من حديث أنس ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه الترمذي، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد.
(٧) رواه البخاري (١٢٨٤)، ومسلم (٩٢٣). من حديث أسامة بن زيد ﵁.
(٨) رواه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤)، وأحمد (٢/ ١٦٠) (٦٤٩٤)، والحاكم (٤/ ١٧٥). من حديث عبدالله بن عمرو ﵄. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه العراقي في «الأربعون العشارية» (ص: ١٢٥).
(٩) «تحفة الأحوذي» (٦/ ٥١).
[ ٢ / ٣١٦ ]
ومن الرحمة التي تغيب عن كثير من الأذهان رحمة عموم الخلق مسلمهم وكافرهم، قال ابن تيمية في أهل البدع: (ومن وجه آخر إذا نظرت إليهم بعين القدر –والحيرة مستولية عليهم، والشيطان مستحوذ عليهم- رحمتهم ورفقت عليهم، وأتوا ذكاء وما أتوا زكاء، وأعطوا فهوما وما أعطوا علوما، وأعطوا سمعا وأبصارا وأفئدة فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأحقاف: ٢٦] (١).
وقال ابن القيم:
وانظر بعين الحكم وارحمهم بها إذ لا ترد مشيئة الديان
وانظر بعين الأمر واحملهم على أحكامه فهما إذا نظران
واجعل لقلبك مقلتين كلاهما من خشية الرحمن باكيتان
لو شاء ربك كنت أيضا مثلهم فالقلب بين أصابع الرحمن
تنبيهان:
وختاما للتأمل في هذا الاسم الكريم لا بد من التنبيه على أمرين: أولهما: أن رحمة الله الخاصة إنما تحصل بطاعة الله واتباع مرضاته فالله ﷿ يقول: إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦].
وليس لمن عصى الله أن يتعلق باسمه الرحمن ليستمر في العصيان فالله تعالى يقول: نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]، وقد حج عمر بن عبد العزيز مع سليمان بن عبد الملك فأصابهم برق ورعد كادت تنخلع له قلوبهم، فقال سليمان: هل رأيت مثل هذه الليلة أو سمعت بها، قال: يا أمير المؤمنين هذا صوت رحمة الله فكيف لو سمعت صوت عذاب الله (٢). وفي الحديث: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد» (٣).
ثانيهما: أن ما ذكر من آثار وتأملات في هذا الاسم الكريم إنما هي قطرة من بحر وزهرة من بستان، فلو سودت الدفاتر والأوراق كلها ما أدركت جميع ما في هذا الاسم من الأسرار والمعاني، وهكذا كل اسم من أسماء الله تعالى، وإنما هي فتوحات يفتح الله بها لكل عبد بحسبه، ولو اجتمعت فتوحات الخلق جميعا لما أدركوا جميع ما في كل اسم من أسماء الله تعالى. التعبد بالأسماء والصفات لمحات علمية إيمانية لوليد بن فهد الودعان – ص: ٩٥
_________________
(١) «الفتوى الحموية» (ص: ٥٥٣) وانظر كلاما جميل عن ذلك في «مدارج السالكين» (١/ ٤٥٩).
(٢) رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٥/ ١٥٣).
(٣) رواه مسلم (٢٧٥٥). من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٣١٧ ]
ثانيا: الآثار الإيمانية لاسم الله الجميل
إن التعبد باسمه الجميل يقتضي محبته والتأله له، وأن يبذل العبد له خالص المحبة وصفو الوداد، بحيث يسيح القلب في رياض معرفته، وميادين جماله، ويبتهج بما يحصل له من آثار جماله وكماله، فإن الله ذو الجلال والإكرام (١)
عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله جميل يحب الجمال» (٢).
فائدة مهمة: يشرع الدعاء للغير بالجمال، تأسيًا بالنبي ﷺ. عن عمرو بن أخطب ﵁ قال: استسقى رسول الله ﷺ، فأتيته بإناء فيه ماء وفيه شعرة، فرفعتها فناولته، فنظر إلي (رسول الله) ﷺ، فقال: «اللهم جمله». قال: فرأيته وهو ابن ثلاث وتسعين، وما في رأسه ولحيته شعرة بيضاء. (٣)
وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ مسح وجهه، ودعا له بالجمال (٤). نسأل الله جل وعلا أن يجمل قلوبنا وألسنتنا وأعمالنا. الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ١١٤
أن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالجمال فإنه يحرص على معرفة ربه تعالى بهذا الجمال الذي بهر القلوب والعقول فكان كل جمال في الوجود من آثار صنعته، فما الظن بمن صدر عنه هذا الجمال؟ قال الإمام ابن القيم: من أعز أنواع المعرفة معرفة الرب سبحانه بالجمال وهي معرفة خواص الخلق، وكلهم عرفه بصفة من صفاته، وأتمهم معرفة من عرفه بكماله وجلاله، وجماله سبحانه ليس كمثله شيء في سائر صفاته، ولو فرضت الخلق كلهم على أجملهم صورة وكلهم على تلك الصورة، ونسبت جمالهم الظاهر والباطن إلى جمال الرب سبحانه لكان أقل من نسبة سراج ضعيف إلى قرص الشمس، ويكفي في جماله: (أنه لو كشف عن وجهه لأحرقت سبحاته ما انتهى إليه بصره من خلقه)، ويكفي في جماله أن كل جمال ظاهر وباطن في الدنيا والآخرة فمن آثار صنعته فما الظن بمن صدر عنه هذا الجمال، ويكفي في جماله أنه له العزة جميعًا، والقوة جميعًا، والجود كله والإحسان كله، والعلم كله، والفضل كله، والنور كله، وجهه أشرقت له الظلمات كما قال النبي ﷺ في دعاء الطائف: «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة» (٥).
ولقد ضل في مفهوم الجمال أقوام قال عنهم الإمام ابن القيم:
ولكن ضل في هذا الموضوع فريقان: فريق قالوا كل ما خلقه جميل، فهو يحب كل ما خلقه، ونحن نحب جميع ما خلقه فلا ينبغي منه شيئا، قالوا: ومن رأى الكائنات منه رآها كلها جميلة وأنشد منشدهم:
وإذا رأيت الكائنات بعينهم فجميع ما يحوي الوجود مليح
_________________
(١) «المجموعة الكاملة» (٣/ ٢٢٨).
(٢) رواه مسلم (٩١).
(٣) رواه أحمد (٥/ ٣٤٠) (٢٢٩٣٢)، وابن حبان (١٦/ ١٣٢) (٧١٧٢)، والحاكم (٤/ ١٥٥)، والطبراني (١٧/ ٢٨) (١٣٧٣٥). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٣٨١): رواه أحمد والطبراني إلا أنه قال: ستون سنة، وإسناده حسن، وحسنه ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٥/ ٢٥٦).
(٤) رواه أحمد (٥/ ٣٤١) (٢٢٩٤١)، وأبو يعلى (١٢/ ٢٤٠) (٦٨٤٧)، وابن حبان (١٦/ ١٣١) (٧١٧١). وصححه الألباني في «صحيح الموارد» (١٩٣٢)، والوادعي في «الصحيح المسند» (١٠٠٢).
(٥) رواه ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٧/ ٢٦٩)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٩/ ١٥٢). من حديث عبدالله بن جعفر ﵄. قال ابن عدي: لم نسمع أن أحدا حدث بهذا الحديث غير أبي صالح الراسبي، وضعفه الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (٢٩٣٣).
[ ٢ / ٣١٨ ]
واحتجوا بقوله تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [السجدة: ٧] وقوله: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: ٨٨] وقوله: مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ [الملك: ٣]، والعارف عندهم هو الذي يصرح بإطلاق الجمال، ولا يرى في الوجود قبيحًا، وهؤلاء قد عدمت الغيرة لله من قلوبهم، والبغض في الله، والمعاداة فيه، وإنكار المنكر، والجهاد في سبيله وإقامة حدوده، ويرى جمال الصور من الذكور والإناث من الجمال الذي يحبه الله فيتعبدون بفسقهم فيها، وإن كان اتحاديًا قال: هي مظهر من مظاهر الحق، ويسميها المظاهر الجميلة.
وقابلهم الفريق الثاني فقالوا: قد ذم الله سبحانه جمال الصور، وتمام القامة والخلقة، فقال عن المنافقين: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ [المنافقون: ٤] وقال: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا [مريم: ٧٤] أي أموالًا ومناظر. قال الحسن: هو الصور.
وفي صحيح مسلم عنه ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (١). قالوا: ومعلوم أنه لم ينف نظر الإدراك، وإنما نفى نظر المحبة. قالوا: وقد حرم علينا لباس الحرير والذهب وآنية الذهب والفضة، وذلك من أعظم جمال الدنيا، وقال: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [طه: ١٣١] وفي الحديث: «البذاذة من الإيمان» (٢). وقد ذم الله المسرفين، والسرف كما يكون في الطعام والشراب يكون في اللباس. وفصل النزاع أن يقال: الجمال في الصورة واللباس والهيئة ثلاثة أنواع: منه ما يحمد ومنه ما يذم، ومنه ما لا يتعلق به مدح ولا ذم. فالمحمود منه ما كان لله وأعان على طاعة الله، وتنفيذ أوامره، والاستجابة له، كما كان النبي ﷺ يتجمل للوفود. وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال ولباس الحرير في الحرب والخيلاء فيه، فإن ذلك محمودًا إذا تضمن إعلاء لكلمة الله، ونصر دينه، وغيظ عدوه، والمذموم منه ما كان للدنيا والرئاسة والفخر والخيلاء والتوسل إلى الشهوات، وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه. فإن كثيرًا من النفوس ليس لها هم في سوى ذلك، وأما ما لا يحمد ولا يذم فهو ما خلا عن هذين القصدين، وتجرد عن الوصفين. والمقصود أن هذا الحديث الشريف مشتمل على أصلين عظيمين: فأوله معرفة، وآخره سلوك، فيعرف الله سبحانه بالجمال الذي لا يماثله في شيء، ويعبد بالجمال الذي يحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق، فيحب من عبده أن يجمل لسانه بالصدق وقلبه بالإخلاص والمحبة والتوكل، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه في لباسه، وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والأوساخ في الشعور المكروهة والختان وتقليم الأظافر، فيعرفه بصفات الجمال ويتعرف إليه بالأفعال والأقوال والأخلاق الجميلة، فيعرفه بالجمال الذي هو وصفه، ويعبده بالجمال الذي هو شرعه ودينه، فجمع الحديث قاعدتين: المعرفة والسلوك (٣). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي الغامدي -بتصرف – ص: ٤٦٧
_________________
(١) رواه مسلم (٤٦٥١). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه أبو داود (٤١٦١)، وابن ماجه (٣٣٤٠)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ٢٢٧). من حديث أبي أمامة ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٣٨١): صحيح، وصحح إسناده السفاريني في «شرح كتاب الشهاب» (٢٨١).
(٣) «الفوائد» (ص: ٣٢٣ - ٣٢٧).
[ ٢ / ٣١٩ ]
ثالثا: الآثار الإيمانية لاسم الله الرقيب
من تعبد الله باسمه الرقيب أورثه ذلك المقام المستولي على جميع المقامات، وهو مقام المراقبة لله في حركاته وسكناته، لأن من علم أنه رقيب على حركات قلبه، وحركات جوارحه وألفاظه السرية والجهرية، ناظر إليه، سامع لقوله، وهو مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة، وكل نفس وكل طرفة عين، واستدام هذا العلم، فإنه لابد أن يثمر له هذا المقام الجليل، وهذا سر عظيم من أسرار المعرفة بالله. انظروا إلى ثمراته وفوائده العظيمة، وإصلاحه للشؤون الباطنة والظاهرة (١). الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ١٢٨
١ - يجب على كل مكلف أن يعلم الله جل شأنه هو القريب على عباده، الذي يراقب حركاتهم وسكناتهم، وأقوالهم وأفعالهم بل ما يجول قلوبهم وخواطرهم، لا يخرج أحد من خلقه عن ذلك قال سبحانه وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة: ٢٣٥]. وقال رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا [غافر: ٧].
قال القرطبي: ورقيب بمعنى راقب، فهو من صفات ذاته، راجعة إلى العلم والسمع والبصر، فإن الله تعالى رقيب على الأشياء بعلمه المقدس عن مباشرة النسيان.
ورقيب للمبصرات ببصره الذي لا تأخذه سنه ولا نوم. ورقيب للمسموعات بسمعه المدرك لكل حركة وكلام. فهو سبحانه رقيب عليها بهذه الصفات،، تحت رقبته الكليات والجزئيات، وجميع الخفيات في الأرضين والسماوات، ولا خفي عنده بل جميع الموجودات كلها على نمط واحد في أنها تحت رقبته التي هي من صفته اهـ (٢).
فمن كان لذلك ملاحظًا غير غافل عنه، راقب تصرفاته، ومعاملاته وعباداته، وسائر حياته، وفي ذلك صلاح دنياه وآخرته، بل بلوغه أعلى درجات الإيمان كما جاء في حديث جبريل ﵇ عندما سأل النبي ﷺ عن الإحسان فأجابه: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٣).
قال ابن القيم: (المراقبة) دوام علم العبد، وتيقنه باطلاع الحق ﷾ على ظاهره وباطنه.
فاستدامته لهذا العلم واليقين: هي المراقبة، وهي ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب عليه، ناظر إليه، سامع لقوله، وهو مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة وكل نفس وكل طرفة عين.
قال: (والمراقبة) هي التعبد باسمه (الرقيب)، الحفيظ، العليم، السميع، البصير.
فمن عقل هذه الأسماء، وتعبد بمقتضاها، حصلت له المراقبة والله أعلم (٤). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٣٧٨
_________________
(١) «فتح الرحيم الملك العلام» (ص: ٥٢).
(٢) «الكتاب الأسنى» (٤٠١ - ٤٠٢).
(٣) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) «مدارج السالكين» (٢/ ٦٥ - ٦٦) باختصار.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
رابعا: الآثار الإيمانية لاسم الله المحسن
إن الله يحب من خلقه التعبد بمعاني أسمائه وصفاته، فهو جميل يحب الجمال، محسن يحب الإحسان، ولذا كتب الإحسان على كل شيء.
عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «إن الله محسن يحب الإحسان، فإذا حكمتم فاعدلوا، وإذا قلتم فأحسنوا» (١).
وعن شداد بن أوس ﵁ قال: حفظت من رسول الله ﷺ اثنتين أنه قال: «إن الله محسن يحب الإحسان، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة؛ وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، ثم ليرح ذبيحته» (٢).
فإذا كان العبد مأمورًا بالإحسان إلى من استحق القتل من الآدميين، وبإحسان ذبحة ما يراد ذبحه من الحيوان، فكيف بغير هذه الحالة؟ (٣)
عن كليب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الله يحب من العامل إذا عمل أن يحسن» (٤).
قال ابن القيم ﵀:
والله لا يرضى بكثرة فعلنا لكن بأحسنه مع الإيمان
فالعارفون مرادهم إحسانه والجاهلون عموا عن الإحسان (٥)
والإحسان هو غاية الوجود الإنساني. قال ﷻ: الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ [الملك: ٢]. وقال تعالى: إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف: ٣٠]. وقال سبحانه: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الكهف: ٧]، (ولم يقل: أكثر عملًا، فإذا عرف العبد أنه خلق لأجل أن يختبر في إحسان العمل، كان حريصًا على الحالة التي ينجح بها في هذا الاختبار؛ لأن اختبار رب العالمين يوم القيامة، من لم ينجح فيه جر إلى النار، فعدم النجاح فيه مهلكة، وقد أراد جبريل ﵇ أن ينبه أصحاب رسول الله ﷺ على عظم هذه المسألة وشدة تأكدها، فقال للنبي ﷺ في حديثه المشهور: يا محمد – صلوات الله وسلامه عليه – أخبرني عن الإحسان؟ أي: وهو الذي خلق الخلق من أجل الاختبار فيه، فبين له النبي ﷺ أن طرقه الوحيدة هي هذا الواعظ الأكبر، والزاجر الأعظم، الذي هو طريق المراقبة والعلم فقال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٦).) (٧).
والإحسان نوعان: إحسان في عبادة الله وهو: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٨). فهذان مقامان: أحدهما: مقام المراقبة، وهو أن يستحضر العبد قرب الله منه واطلاعه عليه؛ فيتخايل أنه لا يزال بين يدي الله، فيراقبه في حركاته، وسكناته، وسره وعلانيته، فهذا مقام المراقبين المخلصين، وهو أدنى مقام الإحسان.
والثاني: أن يشهد العبد بقلبه ذلك شهادة، فيصير كأنه يرى الله ويشاهده، وهذا نهاية مقام الإحسان، وهو مقام العارفين.
_________________
(١) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٦/ ٤٠) (٥٧٣٥). قال ابن القيسراني في «ذخيرة الحفاظ» (٤/ ١٩٨٤): [فيه] محمد بن بلال قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.
(٢) رواه الطبراني (٧/ ٢٧٥) (٧١٢١). وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٨٢٤).
(٣) «بهجة قلوب الأبرار» (ص: ١١٩).
(٤) رواه الطبراني (١٩/ ١٩٩) (١٦١١٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤/ ٣٣٥). وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (١٨٩١، و٨٠٣٧).
(٥) «الكافية الشافية» (ص: ٧٠).
(٦) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩).
(٧) «العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير» (٥/ ٢٠٠).
(٨) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩).
[ ٢ / ٣٢١ ]
فمن وصل إلى هذا المقام، فقد وصل إلى نهاية الإحسان، وصار الإيمان لقلبه بمنزلة العيان، فعرف ربه وأنس به في خلوته، وتنعم بذكره، ومناجاته، ودعائه (١).
عن أبي هريرة ﵁ قال: قدم على رسول الله ﷺ أناس من أهل البدو، فقالوا: يا رسول الله! قدم علينا أناس من قرابتنا، فزعموا أنه لا ينفع عمل دون الهجرة والجهاد؟ فقال رسول الله ﷺ: «حيثما كنتم، فأحسنوا عبادة الله، وأبشروا بالجنة» (٢).
والإحسان إلى المخلوقين (هو بذل المعروف القولي والفعلي والمالي إلى الخلق. فأعظم الإحسان تعليم الجاهلين، وإرشاد الضالين، والنصيحة لجميع العالمين.
ومن الإحسان: إعانة المحتاجين، وإغاثة الملهوفين، وإزالة ضرر المضطرين، ومساعدة ذوي الحوائج على حوائجهم، وبذل الجاه والشفاعة للناس في الأمور التي تنفعهم.
ومن الإحسان المالي: جميع الصدقات المالية، سواء كانت على المحتاجين، أو على المشاريع الدينية العام نفعها.
ومن الإحسان: الهدايا والهبات للأغنياء والفقراء، خصوصًا للأقارب والجيران، ومن لهم حق على الإنسان من صاحب ومعامل وغيرهم.
ومن أعظم أنواع الإحسان: العفو عن المخطئين المسيئين، والإغضاء عن زلاتهم، والعفو عن هفواتهم) (٣).
ومن كانت طريقته الإحسان، أحسن الله جزاءه. قال تعالى: هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠]، وهذا استفهام بمعنى التقرير؛ أي: هل جزاء من أحسن في عبادة الله وإلى عباد الله إلا أن يحسن الله جزاءه. وقال تعالى: لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦]؛ فالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم. وقال تعالى: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ١٩٥] ومحبة الله هي أعلى (٤) ما تمناه المؤمنون، وأفضل ما سأله السائلون، وسببها من العبد أن يكون من المحسنين في عبادته وإلى عباده، فينال من محبة الله ورحمته بحسب ما قام به من الإحسان (٥).
ومحبته – ﵎ – لعبده المؤمن شيء فوق إنعامه، وإحسانه، وعطائه، وإثابته، فإن هذا أثر المحبة وموجبها، أما هي فأعظم من ذلك وأشرف. الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ١٤٨
_________________
(١) «فتح الباري» (١/ ٢١١ - ٢١٣)، لابن رجب الحنبلي ﵀.
(٢) رواه البيهقي (٩/ ١٧) (١٧٥٥٣).
(٣) «فتح الرحيم الملك العلام» (ص: ١١٢ - ١١٣).
(٤) «فتح الرحيم الملك العلام» (ص: ١١١ - ١١٢).
(٥) «شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري» (١/ ٥٩).
[ ٢ / ٣٢٢ ]
خامسا: الآثار الإيمانية لاسم الله الفتاح
١ - إن الفتح والنصر لا يكون إلا من الله ﷾، فهو يفتح على من يشاء ويخذل من يشاء. وقد نسب الله الفتوح لنفسه لينبه عباده على طلب النصر والفتح منه لا من غيره، وأن يعملوا بطاعته، وينالوا مرضاته ليفتح عليهم وينصرهم على أعدائهم. قال تعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح: ١] وهو خطاب لرسوله الأمين ﷺ، وقال جل ثناؤه: فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ [المائدة: ٥٢]، وقال: وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ [الصَّف: ١٣]. ومن ذلك: ما هيأ الله تعالى للمسلمين من أسباب النصر، والعز والمنعة يوم خيبر.
عن سهل بن سعد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: «لأعطين هذه الراية غدًا رجلًا، يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» (١).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنكم منصورون، ومصيبون، ومفتوح لكم » (٢).
٢ - وقد يفتح الله سبحانه أنواع النعم والخيرات على الناس استدراجًا لهم، إذا تركوا ما أمروا به، ووقعوا فيما نهوا عنه، كما قال سبحانه: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام: ٤٤].
عن عقبة بن عامر ﵁: عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا، على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج» ثم تلا رسول الله ﷺ: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام: ٤٤] (٣).
٣ - ومما يفتحه الله على من يشاء من عباده من الحكمة والعلم والفقه في الدين، وذلك بحسب التقوى والإخلاص والصدق، ولذا نجد أن فهم السلف أعمق وعلمهم أوسع بمراحل ممن جاء بعدهم. قال تعالى: وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ [البقرة:٢٨٢]، وقال تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ [الزُّمر: ٢٢].
فالرب تعالى هو الفتاح العليم الذي يفتح لعباده الطائعين خزائن جوده وكرمه، ويفتح على أعدائه ضد ذلك، وذلك بفضله وعدله.
٤ - مفاتيح كل شيء بيد الفتاح جل وعلا، فعلى المؤمن أن يطلب من الله أن يفتح عليه أبواب رحمته.
_________________
(١) رواه البخاري (٢٩٤٣)، ومسلم (٢٤٠٦).
(٢) رواه الترمذي (٢٢٥٧)، وأحمد (١/ ٤٣٦) (٤١٥٦)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٥١١) (٩٨٢٨)، وابن حبان (١١/ ١٢٩) (٤٨٠٤)، والبيهقي (٣/ ١٨٠) (٥٨٢٧). قال الترمذي: حسن صحيح، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٦/ ٩٦)، وقال الألباني: صحيح.
(٣) رواه أحمد (٤/ ١٤٥) (١٧٣٤٩)، والطبري في تفسيره (١١/ ٣٦١). قال أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٧٧٣): في إسناد أحمد: رشدين بن سعد وهو ضعيف. وإسناد الطبري لا بأس بهما، فهما يشدان من رواية رشدين ويكونان شاهدين له، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤١٣): إسناده قوي.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم» (١).
وفي ختام الكلام على اسم الله الفتاح، نوصي المسلم بأن يكون مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، يفتح عليه بأكثر مما فتح به على عباده.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من الناس مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر، مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه» (٢). الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ١٥٧
١ - الله سبحانه هو الحاكم بين عباده في الدنيا والآخرة بالقسط والعدل، يفتح بينهم في الدنيا بالحق بما أرسل من الرسل، وأنزل من الكتب.
يقول القرطبي ﵀ في هذا الاسم: ويتضمن من الصفات كل ما لا يتم الحكم إلا به، فيدل صريحًا على إقامة الخلق وحفظهم في الجملة، لئلا يستأصل المقتدرون المستضعفين في الحال.
ويدل على الجزاء العدل على أعمال الجوارح والقلوب في المثال، ويتضمن ذلك أحكامًا وأحوالًا لا تنضبط بالحد، ولا تحصى بالعد.
وهذا الاسم يختص بالفصل والقضاء بين العباد بالقسط والعدل، وقد حكم الله بين عباده في الدنيا بما أنزل من كتابه، وبين من سنة رسوله، وكل حاكم إما أن يحكم بحكم الله تعالى أو بغيره، فإن حكم بحكم الله فأجره على الله، والحاكم في الحقيقة هو الله تعالى، وإن حكم بغير حكم الله فليس بحاكم إنما هو ظالم وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: ٤٥] (٣).
٢) ذكرنا أن الله سبحانه يحكم بين عباده في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويفتح بينهم بالحق والعدل، وقد توجهت الرسل إلى الله الفتاح سبحانه أن يفتح بينهم وبين أقوامهم المعاندين فيما حصل بينهم من الخصومة والجدال.
قال نوح ﵊ قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء: ١١٧ - ١١٨].
وقال شعيب ﵊ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ [الأعراف: ٨٩].
وقال وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [إبراهيم: ١٥].
وقد استجاب الله سبحانه لرسله ولدعائهم ففتح بينهم وبين أقوامهم بالحق، فنجي الرسل وأتباعهم وأهلك المعاندين المعرضين عن الإيمان بآيات الله وهذا من الحكم بينهم في الحياة الدنيا.
٣) وكذا يوم القيامة فإن الله سبحانه هو الفتاح الذي يحكم بين عباده فيما كانوا يختلفون فيه في الدنيا.
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٦٣٤)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٧) (٩٩١٨) وابن حبان (٥/ ٣٩٩) (٢٠٥٠)، والحاكم (١/ ٣٢٥)، والبيهقي (٢/ ٤٤٢) (٤١١٩). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وقال البوصيري (١/ ١٢٣): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقال ابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ٢٧٥): حسن لشواهده.
(٢) رواه ابن ماجه (١٩٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٤٥٥). وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».
(٣) «الكتاب الأسنى».
[ ٢ / ٣٢٤ ]
قال سبحانه قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالحَقِّ وَهُوَ الفَتَّاحُ العَلِيمُ [سبأ: ٢٦] ففي ذلك اليوم يقضي الله سبحانه ويفصل بين العباد، فيتبين الضال من المهتدي، وهو سبحانه لا يحتاج إلى شهود ليفتح بين خلقه، لأنه لا تخفى عليه خافية وما كان غائبا عما حدث في الدنيا فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [الأعراف: ٧]، وقال وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [يونس: ٦١].
وقد سمى الله يوم القيامة بيوم الفتح في قوله سبحانه قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [السجدة: ٢٩].
٤) إن الله سبحانه متفرد بعلم مفاتح الغيب التي ذكرها في قوله تعالى وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ [الأنعام: ٥٩].
وقد عددها في قوله سبحانه إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: ٣٤].
قال القرطبي: مفاتح جمع مفتح هذه اللغة الفصيحة ويقال مفتاح، ويجمع مفاتيح، ويجمع مفاتيح، المفتح عبارة عن كل ما يحل غلقًا، محسوسًا كان كالقفل على البيت، أو معقولًا كالنظر، ثم قال: وهو الآية استعارة على التوصل إلى الغيوب كما يتوصل في الشاهد بالمفتاح إلى المغيب عن الإنسان.
ولذلك قال بعضهم: هو مأخوذ من قول الناس افتح علي كذا، أي أعطني أو علمني ما أتوصل إليه به، فالله تعالى عنده علم الغيب وبيده الطرق الموصلة إليه لا يملكها إلا هو فمن شاء إطلاعه عليها أطلعه ومن شاء حجبه عنها حجبه، ولا يكون ذلك من إفاضته إلا على رسوله بدليل قوله تعالى وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ [آل عمران: ١٧٩] وقوله عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ [الجن: ٢٦ - ٢٧] (١).
وقال في (الأسنى): والفتح في اللغة حل ما استغلق من المحسوسات والمعقولات، والله سبحانه هو (الفتاح) لذلك، فيفتح ما تغلق على العباد من أسبابهم، فيغني فقيرًا، ويفرج عن مكروب، ويسهل مطلبًا وكل ذلك يسمى فتحًا، لأن الفقير المتغلق عليه باب رزقه فيفتح بالغنى، وكذلك المتحاكمان إلى الحاكم، يتغلق عليهما وجه الحكم فيفتحه الحاكم عليهما، ولذلك سمي الحاكم فتاحًا لأنه يحل ما استغلق من الخصوم، تقول: افتح بيننا، أي احكم، ومنه قول شعيب: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالحَقِّ [الأعراف: ٨٩] أي: احكم، وَأَنْتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ أي الحاكمين (٢).
٥) أن الفتح والنصر من الله سبحانه فهو يفتح على من يشاء ويخذل من يشاء، وقد نسب الله الفتوح لنفسه، لينبه عباده على طلب النصر والفتح منه لا من غيره، وأن يعملوا بطاعته وينالوا مرضاته، ليفتح عليهم وينصرهم على أعدائهم. قال تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح: ١]، وهو خطاب لرسوله الأمين ﷺ.
_________________
(١) «الجامع لأحكام القرآن» (٧/ ١ - ٢).
(٢) «الكتاب الأسنى».
[ ٢ / ٣٢٥ ]
وقال جل ثناؤه فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ [المائدة: ٥٢]، وقال وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ [الصَّف: ١٣].
٦) أن الله بيده مفاتيح خزائن السماوات والأرض. قال سبحانه.
لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الشُّورى: ١٢]، فما يفتحه من الخير للناس لا يملك أحد أن يغلقه عنهم، وما يغلقه فلا يملك أحد أن يفتحه عليهم كما قال جل وعلا مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ [فاطر: ٢].
فلو فتح الله المطر على الناس فمن ذا الذي يحبسه عنهم، حتى لو أدى المطر إلى إغراقهم وإهلاكهم مثلما حدث لقوم نوح ﵊، فقد وصلت المياه إلى رؤوس الجبال، فما استطاعوا أن يردوها عن أنفسهم، ولو حبس عن عباده القطر والنبات سنين طويلة لما استطاعوا أيضا أن يفتحوا ما أغلقه الله سبحانه وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس: ١٠٧].
٧) وقد يفتح الله سبحانه أنواع النعم والخيرات على الناس استدراجًا لهم، إذا تركوا ما أمروا به، ووقعوا فيما نهوا عنه كما قال سبحانه فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام: ٤٤].
٨) ومما يفتحه الله على من يشاء من عباده الحكمة والعلم والفقه في الدين، ويكون ذلك بحسب التقوى والإخلاص والصدق، ولذا تجد أن فهم السلف أعمق وعلمهم أوسع ممن جاء بعدهم وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ [البقرة: ٢٨٢].
وقال تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الزُّمر: ٢٢].
قال القرطبي: وهذا الفتح والشرح ليس له حد، وقد أخذ كل مؤمن منه بحظ، ففاز الأنبياء بالقسم الأعلى، ثم من بعدهم الأولياء، ثم العلماء، ثم عوام المؤمنين، ولم يخيب الله منه سوى الكافرين.
وكان النبي ﷺ يقول لأصحابه: «إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم باعدني من الشيطان» (١). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ١٩٤
_________________
(١) رواه مسلم (٧١٣). من حديث أبي حميد أو أبو أسيد الساعدي ﵁.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
سادسا: الآثار الإيمانية لاسم الله الشاكر والشكور
أولًا: إن العبد من حين استقر في الرحم إلى وقته، يتقلب في نعم الله ظاهرًا وباطنًا ليلًا ونهارًا، ويقظة ومنامًا، سرًا وعلانية (١)، في كل الآنات، وفي جميع اللحظات. وتواتر إحسان الله إليه على مدى الأنفاس.
قال ابن القيم ﵀:
يكفيك رب لم تزل في فضله متقلبًا في السر والإعلان (٢)
جل وعلا لا تنفد عطاياه، ولا تنقطع آلاؤه، ولا تنتهي نعماؤه، قال ﷻ: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً [لقمان: ٢٠]. والنعم الظاهرة بعضها وقع، وبعضها منتظر وقوعه. والنعم الباطنة بعضها نعلمه، وبعضها نحاول أن نعلمه، وبعضها لا نعلمه أبدًا.
فلو اجتهد العبد في إحصاء أنواع النعم لما قدر، كما قال الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤] (أي وإن تتعرضوا لتعداد النعم التي أنعم الله تعالى بها عليكم إجمالًا، فضلًا عن التفصيل، لا تطيقوا إحصاءها بوجه من الوجوه، ولا تقوموا بحصرها على حال من الأحوال.
ومن المعلوم أنه لو رام فرد من أفراد العباد أن يحصي ما أنعم الله به عليه في خلق عضو من أعضائه، أو حاسة من حواسه لم يقدر على ذلك قط، ولا أمكنه أصلًا، فكيف بما عدا ذلك من النعم في جميع ما خلقه الله في بدنه؟! فكيف بما عدا ذلك من النعم الواصلة إليه في كل وقت على تنويعها واختلاف أجناسها؟! (٣)
وإن كل جزء من أجزاء الإنسان لو ظهر فيه أدنى خلل وأيسر نقص، لنغص النعم على الإنسان، وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل، فهو سبحانه يدبر هذا الإنسان على الوجه الملائم له، مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك، فكيف يطيق حصر بعض نعم الله عليه، أو يقدر على إحصائها، أو يتمكن من شكر أدناها؟ وأي شكر يقابل هذا الإنعام؟ فما الظن بما فوق ذلك وأعظم منه، هذا إلى ما يصرف عنه من المضرات وأنواع الأذى التي تقصده، ولعلها توازن النعم في الكثرة، والعبد لا شعور له بأكثرها أصلًا، والله سبحانه يكلؤه منها بالليل والنهار؛ كما قال تعالى: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ [الأنبياء: ٤٢]، فهو سبحانه منعم عليهم بكلاءتهم وحفظهم وحراستهم مما يؤذيهم بالليل والنهار وحده، لا حافظ لهم غيره. هذا مع غناه التام عنهم وفقرهم التام إليه من كل وجه (٤).
ولو عمل العبد من الصالحات أعمال الثقلين، فإن نعم الله عليه أكثر، وأدنى نعمة من نعم الله تستغرق جميع أعماله.
ما ثم إلا العجز عن شكر ربنا كما ينبغي سبحانه متفضلا (٥)
فينبغي على العبد أن يكون عبدًا شكورًا، يشكر الله على وافر نعمه، وجميل إحسانه، ويبالغ في الشكر، (على النعم الدنيوية، كصحة الجسم وعافيته، وحصول الرزق وغير ذلك. ويشكره ويثني عليه، بالنعم الدينية، كالتوفيق للإخلاص، والتقوى، بل نعم الدين، هي النعم على الحقيقة) (٦). فلله الحمد والمنة، الذي أنعم على عباده بهذه النعم التي لا يقدرون لها على جزاء ولا شكور (٧).
فعلى العبد أن يكثر من الشكر، بالقلب واللسان، والعمل بالجوارح. لعله يشكر الله على بعض مننه العظيمة، وآلائه الجسيمة، وإحسانه التام، وخيره المدرار، وعطائه العظيم، وإكرامه الجليل.
_________________
(١) «الروح» (ص: ٢٩٨).
(٢) «الكافية الشافية» (ص: ٢٨٧).
(٣) «فتح البيان» (٧/ ١١٩ - ١٢٠).
(٤) «طريق الهجرتين» (ص: ٥٧٠).
(٥) «مجالس في تفسير قوله تعالى: لقد من الله على المؤمنين (ص: ٤٦٨).
(٦) انظر: «تيسير الكريم الرحمن» (ص: ١٠٢٣).
(٧) انظر: «تيسير الكريم الرحمن» (ص: ١٣١١).
[ ٢ / ٣٢٧ ]
فالشكر بالقلب: الاعتراف بالنعم الباطنة والظاهرة للمنعم، وأنها منه وبفضله. وأنها وصلت إليه من غير ثمن بذله فيها، ولا وسيلة منه توسل بها إليه، ولا استحقاق منه لها، وأنها لله في الحقيقة لا للعبد (١)، قال جل وعلا: وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ [النحل: ٥٣].
أي ما يلابسكم من النعم على اختلاف أنواعها فهي منه سبحانه، والنعمة إما دينية وهي معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به، وإما دنيوية (٢). فما (طاب العيش إلا بمنته، وكل نعمة منه في الدنيا والآخرة، فهي منه يمن بها على من أنعم عليه) (٣).
فأشرف الناس منزلة: أعرفهم بهذه المنة، وأعظمهم إقرارًا بها، وذكرًا لها، وشكرًا عليها، ومحبة لله لأجلها، فهل يتقلب أحد قط إلا في منته؟
وقد جاء في الحديث ما يبين عظمة تذكر النعمة والاعتراف بها، وهو قوله ﷺ: «سيد الاستغفار أن يقول: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ومن قالها من النهار موقنًا بها، فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها، فمات قبل أن يصبح، فهو من أهل الجنة» (٤).
ويكرر ﷺ الاعتراف بالنعمة في أدبار الصلوات في قوله: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله؛ لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون» (٥).
فلله النعمة الظاهرة والباطنة، وله الفضل في كل شيء، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [البقرة: ١٠٥].
فالعبد لا خروج له عن نعمته وفضله ومنه وإحسانه طرفة عين، لا في الدنيا ولا في الآخرة (٦). فهو المان بهدايته للإيمان، وتيسيره للأعمال، وإحسانه بالجزاء، كل ذلك مجرد منته وفضله بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ [الحجرات: ١٧] (٧). فإيجادهم نعمة منه، وجعلهم أحياء ناطقين نعمة منه، وإعطاؤهم الأسماع والأبصار والعقول نعمة منه، وإدرار الأرزاق عليهم على اختلاف أنواعها وأصنافها نعمة منه، وتعريفهم نفسه بأسمائه وصفاته وأفعاله نعمة منه، وإجراء ذكره على ألسنتهم ومحبته ومعرفته على قلوبهم نعمة منه، وحفظهم بعد إيجادهم نعمة منه، وقيامه بمصالحهم دقيقها وجليلها نعمة منه، وهدايتهم إلى أسباب مصالحهم ومعاشهم نعمة منه. وذكر نعمه على سبيل التفصيل لا سبيل إليه، ولا قدرة للبشر عليه (٨).
والشكر باللسان: الثناء بالنعم، وذكرها، وتعدادها، وإظهارها. قال ﷾: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضُّحى: ١١].
وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال النبي ﷺ على المنبر: «من لم يشكر القليل، لم يشكر الكثير؛ ومن لم يشكر الناس، لم يشكر الله. التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر» (٩).
_________________
(١) «الفوائد» (ص: ١٦٧).
(٢) «فتح البيان» (٧/ ٢٥٧).
(٣) «التبيان في أقسام القرآن» (ص: ٣٣).
(٤) رواه البخاري (٦٣٠٦). من حديث شداد بن أوس ﵁.
(٥) رواه مسلم (٥٩٤). من حديث عبدالله بن الزبير ﵁.
(٦) «شفاء العليل» (١/ ١٥٣).
(٧) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٥١٥).
(٨) «شفاء العليل» (١/ ٣٤٥).
(٩) رواه أحمد (٤/ ٢٧٨) (١٨٤٧٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦/ ٥١٦)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ١٠٣): إسناده لا بأس به، وحسنه ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ٣٣٢)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٢٢٠): رجاله ثقات.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
وعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» (١).
وعن أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ في ثوب دون، فقال: «ألك مال؟ قال: نعم. قال: من أي المال؟ قال: قد آتاني الله من الإبل، والغنم، والخيل، والرقيق. قال: فإذا آتاك الله مالًا، فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته» (٢).
فإذا أنعم الله عليك بمال فليكن عليك أثر هذا المال في لباسك، في بيتك، في مركوبك، في صدقاتك، في نفقاتك؛ لير أثر نعمة الله عليك في هذا المال. وإذا أنعم الله عليك بعلم فلير عليك أثر هذا العلم من تعليمه ونشره بين الناس، والدعوة إلى الله، وغير ذلك (٣).
والشكر بالجوارح: أن لا يستعان بالنعم إلا على طاعة الله، وأن يحذر من استعمالها في شيء من معاصيه.
قال ﷾: اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا [سبأ: ١٣].
وكان النبي ﷺ يقوم حتى تتفطر قدماه ويقول: «أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا؟!» (٤).
فسمى الأعمال شكرًا، وأخبر أن شكره قيامه بها ومحافظته عليها (٥).
العجب ممن يعلم أن كل ما به من النعم من الله، ثم لا يستحي من الاستعانة بها على ارتكاب ما نهاه!
ولقد أحسن القائل:
أنالك رزقه لتقوم فيه بطاعته وتشكر بعض حقه
فلم تشكر لنعمته ولكن قويت على معاصيه برزقه
ومن كثرت عليه النعم فليقيدها بالشكر، وإلا ذهبت.
إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم
وحافظ عليها بشكر الإله فشكر الإله يزيل النقم
ولو لم يكن من فضل الشكر إلا أن النعم به موصولة، والمزيد لها مرتبط به؛ لكان كافيًا، فهو حافظ للموجود من النعم، جالب للمفقود منها بالمزيد. قال ﷾: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: ٧]، نعمة إلى نعمة تفضلًا من الكريم المنان.
فلن ينقطع المزيد من الله تعالى، حتى ينقطع الشكر من العبد.
(فمن شكر الله على ما رزقه وسع الله عليه في الرزق، ومن شكر الله على ما أقدره عليه من طاعته، زاده من طاعته، ومن شكره على ما أنعم من الصحة، زاده الله صحة إلى غير ذلك) (٦).
فبالشكر تثبت النعم ولا تزول، ويبلغ الشاكر من المزيد فوق المأمول. فمتى لم تر حالك في مزيد، فاستقبل الشكر.
وإذا وفقك الله للشكر، فهذه نعمة تحتاج إلى شكر جديد؛ فإن شكرت، فإنها نعمة تحتاج إلى شكر ثان، وهلم جرا. فلا يقدر العباد على القيام بشكر النعم. وحقيقة الشكر الاعتراف بالعجز عن الشكر، كما قيل:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتصل العمر
ولهذا نقول: سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
والرب ﷾ يعطي مع استغنائه عن العبد، والعبد يشكر مع افتقاره إلى الرب. فهل يكافئ شكر المحتاج الفقير عطاء الغني الكريم؟!
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٨١٩). وقال: حسن، وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ٥١٨): إسناده جيد إلى عمرو حديثه حسن، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٧١): له شاهد.
(٢) رواه أبو داود (٤٠٦٣)، والنسائي (٨/ ١٨١)، والطبراني (١٩/ ٢٨٠) (١٦٢٨٥). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٩/ ١١٨): رجاله رجال الصحيح، وصححه أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٧٤٦) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.
(٣) «شرح رياض الصالحين» (٣/ ٥٢٤).
(٤) رواه البخاري (٤٨٣٧). من حديث عائشة ﵂.
(٥) «طريق الهجرتين» (ص: ٦٢١).
(٦) «فتح البيان» (٧/ ٨٨ - ٨٩).
[ ٢ / ٣٢٩ ]
ولكن الله تعالى رضي منا بشهود المنة ورؤية التقصير في القيام بشكره، كما في حديث سيد الاستغفار: «أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي» (١).
والمعنى: أقر لك، وألتزم بنعمتك علي، وأقر وألتزم بذنبي، فمنك النعمة والإحسان والفضل، ومني الذنب والإساءة.
فالعبد دائمًا بين نعمة من الله يحتاج فيها إلى الشكر، وذنب منه يحتاج فيه إلى الاستغفار، وكل من هذين من الأمور اللازمة للعبد دائمًا، فإنه لا يزال يتقلب في نعم الله وآلائه، ولا يزال محتاجًا إلى التوبة والاستغفار.
والشاكرون هم الأقلون عددًا، الأعظمون عند الله قدرًا. قال تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ١٣] (٢) الذين يقرون بنعمة ربهم، ويخضعون لله، ويحبونه، ويصرفونها في طاعة مولاهم ورضاه (٣). وقال سبحانه: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ [البقرة: ٢٤٣]؛ فضله وإنعامه، ولا يعرفون حق إحسانه (فأكثر الخلق منحرفون عن شكر المنعم، مشتغلون باللهو واللعب، قد رضوا لأنفسهم بأسافل الأمر، وسفاسف الأخلاق) (٤). فأكثرهم لم يشكروا الله تعالى على ما أولاهم من النعم، ودفع عنهم من النقم (٥).
ثانيًا: ومما ينبغي أن يعلم بأن (منفعة الشكر ترجع إلى العبد دنيًا وآخرة، لا إلى الله، والعبد هو الذي ينتفع بشكره، لأن نفع ذلك وثوابه راجع إليه وفائدته حاصلة له، إذ به تستبقى النعمة، وبسببه يستجلب المزيد لها من الله سبحانه، كما قال تعالى: وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ [النمل: ٤٠]، وقال تعالى: وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [لقمان: ١٢]، غني عن أعماله، (غني عن شكره غير محتاج إليه، حميد مستحق للحمد من خلقه، لإنعامه عليهم بنعمه التي لا يحاط بقدرها، ولا يحصر عددها، وإن لم يحمده أحد من خلقه، فإن كل موجود ناطق بحمده بلسان الحال) (٦).
فشكر العبد إحسان منه إلى نفسه دنيا وأخرى، فإنه إنما هو محسن إلى نفسه بالشكر، لا أنه مكافئ به لنعم الرب، فالرب تعالى لا يستطيع أحد أن يكافئ نعمه أبدًا، ولا أقلها، ولا أدنى نعمة من نعمه، فإنه تعالى هو المنعم المتفضل، الخالق للشكر والشاكر وما يشكر عليه، فلا يستطيع أحد أن يحصي ثناء عليه، فإنه هو المحسن إلى عبده بنعمه، وأحسن إليه بأن أوزعه شكرها.
ومن تمام نعمته سبحانه، وعظيم بره وكرمه وجوده، محبته له على هذا الشكر، ورضاه منه به، وثناؤه عليه به، ومنفعته وفائدته مختصة بالعبد، لا تعود منفعته على الله، وهذا غاية الكرم الذي لا كرم فوقه، ينعم عليك ثم يوزعك شكر النعمة، ويرضى عنك، ثم يعيد إليك منفعة شكرك، ويجعله سببًا لتوالي نعمه واتصالها إليك، والزيادة على ذلك منها (٧).
وتأمل قوله تعالى: مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا [النساء: ١٤٧].
كيف تجد في ضمن هذا الخطاب أن شكره تعالى يأبى تعذيب عباده بغير جرم، كما يأبى إضاعة سعيهم باطلًا، فالشكور لا يضيع أجر محسن، ولا يعذب غير مسيء (٨).
_________________
(١) جزء من حديث الاستغفار؛ رواه البخاري (٦٣٠٦). من حديث شداد بن أوس ﵁.
(٢) «المجموعة الكاملة» (٥/ ٤٢٨)، للعلامة السعدي ﵀.
(٣) «تيسير الكريم الرحمن» (ص: ١٠٤١).
(٤) «تيسير الكريم الرحمن» (ص: ١٣١٠).
(٥) «تيسير الكريم الرحمن» (ص: ٩٤٦).
(٦) «فتح القدير» (٤/ ٣٣٨).
(٧) «تهذيب مدارج السالكين» (ص: ٦١٥ - ٦١٦).
(٨) «عدة الصابرين» (ص: ٣٣٦).
[ ٢ / ٣٣٠ ]
ثالثًا: على العبد أن يشكر من أجرى الله سبحانه النعمة على يده، قال الله تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المَصِيرُ [لقمان: ١٤]، فأمر بشكره ثم بشكر الوالدين إذ كانا سبب وجوده في الدنيا، وسهرا وتعبا في تربيته وتغذيته، فيحسن إليهم بالقول الكريم، والخطاب اللطيف، والفعل الجميل، والتواضع لهما، وإكرامهما، وإجلالهما، والقيام بمؤونتهما، واجتناب الإساءة إليهما من كل وجه، بالقول والفعل. فمن عقهما أو أساء إليهما فما شكرهما على صنيعهما، بل جحد أفضالهما عليه، ومن لم يشكرهما فإنه لم يشكر الله الذي أجرى تلك النعم على أيديهما، وقد قال النبي ﷺ: «لا يشكر الله، من لا يشكر الناس» (١).
أي: من كان من طبعه كفران نعمة الناس، وترك الشكر لمعروفهم فلن يكون شاكرًا لله، ولا يوفق لذلك، ومن عجز عن القليل عجز عن الكثير من باب أولى، وقد قال الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨]، فكيف يؤدي العاجز شكر هذه النعم التي لا تحصى؟! إذا لم يؤد القليل (٢).
فلابد من مكافأة المحسن وشكره على صنيعه.
عن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي ﵁. أن النبي ﷺ استلف منه – حين غزا حنينًا – ثلاثين أو أربعين ألفًا، فلما قدم قضاها إياه؛ ثم قال له النبي ﷺ: «بارك الله لك في أهلك ومالك؛ إنما جزاء السلف الوفاء والحمد» (٣).
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه» (٤).
قوله: «من صنع إليكم معروفًا فكافئوه» بأن أعطاك شيئا من المال، أو أكرمك، أو أعانك على شيء تحتاج إليه، هذا معروف؛ لأنه غير واجب عليه، وإنما بذله معروفًا وإحسانًا.
قوله: (فكافئوه) بأن تصنع إليه معروفًا مثل معروفه، من باب المكافئة، فالمؤمن يكون كريمًا يكافئ على المعروف ولا يجحده ولا ينكره، بل يكافئ عليه، والله تعالى يقول: هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠]؛ فإذا لم تجد شيئًا تكافئه به عن معروفه، فعليك بالدعاء له (فادعوا له)، فادعوا الله له بالخير على معروفه وإحسانه إليك (٥).
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٨١١)، وأحمد (٢/ ٢٩٥) (٧٩٢٦)، وابن حبان (٨/ ١٩٨) (٣٤٠٧)، وأبو نعيم فى «حلية الأولياء» (٧/ ١٦٥)، والبيهقي (٦/ ١٨٢) (١١٨١٢). من حديث أبي هريرة ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه ابن دقيق العيد في «الاقتراح» (١١٧)، وقال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ٣٣٠): إسناده صحيح، وقال السفاريني الحنبلي في «شرح كتاب الشهاب» (١٤٧): له طرق يقوي بعضها بعضا.
(٢) «شرح صحيح الأدب المفرد» (١/ ٢٥٥).
(٣) رواه ابن ماجه (١٩٨٣)، وأحمد (٤/ ٣٦) (١٦٤٥٧)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٧/ ١١١٩). وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».
(٤) رواه أبو داود (١٦٧٢)، والنسائي (٥/ ٨٢)، وأحمد (٢/ ٦٨) (٥٣٦٥)، وابن حبان (٨/ ١٩٩) (٣٤٠٨)، والحاكم (١/ ٥٧٢). والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه النووي في «المجموع» (٦/ ٢٤٥)، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (إسناده صحيح).
(٥) «تسهيل الإلمام بفقه الأحاديث من بلوغ المرام» (٦/ ١٩٨).
[ ٢ / ٣٣١ ]
عن أسامة بن زيد ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: «من صنع إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء» (١).
وهذا لا يعني أن ينسى العبد المعطي الأول، (لأن النعم كلها لله تعالى، وكما قال تعالى: وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ [النحل: ٥٣]، وقال تعالى: كُلًاّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ [الإسراء: ٢٠]؛ فالله سبحانه هو المعطي على الحقيقة، فإنه هو الذي خلق الأرزاق وقدرها، وساقها إلى من يشاء من عباده؛ فالمعطي هو الذي أعطاه، وحرك قلبه لعطاء غيره، فهو الأول والآخر) (٢).
فمن سلك هذا المسلك العظيم استراح من عبودية الخلق ونظره إليهم، وأراح الناس من لومه وذمه إياهم، وتجرد التوحيد في قلبه، فقوي إيمانه وانشرح صدره، وتنور قلبه، ومن توكل على الله فهو حسبه (٣).
رابعًا: ينبغي على العبد (أن يتدبر نعم الله عليه، ويستبصر فيها، ويقيسها بحال عدمها. فإنه إذا وازن بين حالة وجودها، وبين حالة عدمها، تنبه عقله لموضع المنة. بخلاف من جرى مع العوائد، ورأى أن هذا أمر لم يزل مستمرًا، ولا يزال. وعمي قلبه عن الثناء على الله، بنعمه، ورؤية افتقاره إليه في كل وقت. فإن هذا لا يحدث له فكرة شكر) (٤).
وإن خصلة تكون لها كل هذه القيمة، وتكون فيها كل هذه الفائدة، لحقيق أن يتمسك بها من غير إغفال بحال.
(اللهم إنا نشكرك على كل نعمة أنعمت بها علينا مما لا يعلمه إلا أنت، ومما علمناه، شكرًا لا يحيط به حصر ولا يحصره عد، وعدد ما شكرك الشاكرون بكل لسان في كل زمان) (٥).
فائدة مهمة: يشرع سجود الشكر عند النعم المتجددة، (شكرًا لله عليها، وخضوعًا له، وذلًا، في مقابلة فرحة النعم، وانبساط النفس لها، وذلك من أكبر أدوائها، فإن الله سبحانه لا يحب الفرحين ولا الأشرين، فكان دواء هذا الداء الخضوع والذل والانكسار لرب العالمين، وكان في سجود الشكر من تحصيل هذا المقصود ما ليس في غيره) (٦).
عن أبي بكرة ﵁: عن النبي ﷺ: أنه كان إذا جاءه أمر سرور، أو بشر به، خر ساجدًا شاكرًا لله. (٧) الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ١٧٨
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٠٣٥)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٥٣) (١٠٠٠٨)، وابن حبان (٨/ ٢٠٢) (٣٤١٣). قال الترمذي: حسن جيد غريب، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٣/ ٢٢٢) كما قال ذلك في المقدمة، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
(٢) «مجموع الفتاوى» (١/ ٩٢).
(٣) «مجموع الفتاوى» (١/ ٩٣).
(٤) «تيسير الكريم الرحمن» (ص: ٨٧٢).
(٥) «فتح البيان» (٧/ ١٢٠).
(٦) «إعلام الموقعين» (٢/ ٤٤٩).
(٧) رواه أبو داود (٢٧٧٤). وسكت عنه، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».
[ ٢ / ٣٣٢ ]
سابعا: الآثار الإيمانية لاسم الله الحفيظ
إن التعبد باسم الله الحفيظ يقتضي من العبد أن يحفظ حدوده وحقوقه وأوامره ونواهيه، وحفظ ذلك: هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده، فلا يتجاوز ما أمر به، وأذن فيه، إلى ما نهى عنه، فمن فعل ذلك، فهو من الحافظين لحدود الله الذين مدحهم الله في كتابه، قال: هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ [ق: ٣٢ - ٣٣]؛ وفسر الحفيظ هاهنا بالحافظ لأوامر الله، وبالحافظ لذنوبه ليتوب منها.
ومن أعظم ما يجب حفظه من أوامر الله: الصلاة، وقد أمر الله بالمحافظة عليها فقال: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى [البقرة: ٢٣٨] ومدح المحافظين عليها بقوله: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المعارج: ٣٤].
وكذلك الطهارة، فإنها مفتاح الصلاة. عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» (١).
فإن العبد تنتقض طهارته ولا يعلم بذلك إلا الله، فالمحافظة على الوضوء للصلاة، دليل على ثبوت الإيمان في القلب.
ومما يؤمر بحفظه الأيمان، قال الله: وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ [المائدة: ٨٩]، فإن الأيمان يقع الناس فيها كثيرًا، ويهمل كثير منهم ما يجب بها، فلا يحفظه، ولا يلتزمه.
فمن حفظ أيمانه، دل على دخول الإيمان في قلبه.
وقد ورد التشديد العظيم في الحلف الكاذب، ولا يصدر كثرة الحلف بالله إلا من الجهل بالله، وقلة هيبته في الصدور.
ومما يلزم المؤمن حفظه: رأسه وبطنه. عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «استحيوا من الله حق الحياء قال: قلنا: يا رسول الله، إنا نستحيي والحمد لله؛ قال: ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى؛ ومن أراد الآخرة، ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك، فقد استحيا من الله حق الحياء» (٢).
وحفظ الرأس وما وعى: يدخل فيه حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات، وحفظ البطن وما حوى: يتضمن حفظ القلب عن الإصرار على محرم. قال الله: وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [البقرة: ٢٣٥]، وقد جمع الله ذلك كله في قوله: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا [الإسراء: ٣٦].
ويدخل في حفظ البطن وما حوى: حفظه من إدخال الحرام إليه، من المأكولات والمشروبات.
ومما يجب حفظه من المنهيات: حفظ اللسان والفرج.
عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من حفظ ما بين فقميه وفرجه، دخل الجنة» (٣).
وقد أمر الله بحفظ الفروج خاصة، ومدح الحافظين لها، فقال: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور: ٣٠]، وقال: فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٣٥]. الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ٢١٤
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٢٢٦)، وأحمد (٥/ ٢٧٦) (٢٢٤٣٢)، والطبراني (٢/ ١٠١) (١٤٤٤). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (١/ ٤٧): هذا الحديث رجاله ثقات، أثبات إلا أنه منقطع بين سالم وثوبان، فإنه لم يسمع منه بلا خلاف. لكن له طريق أخرى متصلة، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ١٨١) كما قال ذلك في المقدمة، وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (١/ ١٤٣): له سند جيد.
(٢) رواه الترمذي (٢٤٥٨). وقال: هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
(٣) رواه أحمد (٤/ ٣٩٨) (١٩٥٧٧)، وأبو يعلى (١٣/ ٢٠٦) (٧٢٧٥)، والحاكم (٤/ ٣٩٩)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٢٦٩). وقال: رواته ثقات، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٠١): رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني بنحوه ورجال الطبراني وأبي يعلى ثقات وفي رجال أحمد راو ولم يسم وبقية رجاله ثقات والظاهر أن الرواي الذي سقط عنه أحمد هو سليمان بن يسار، وصححه الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (٦٢٠٢).
[ ٢ / ٣٣٣ ]
ثامنا: الآثار الإيمانية لاسم الله الكافي
إذا علم العبد أن الله هو الكافي عباده رزقًا ومعاشًا وقوتًا، وحفظًا وكلاءة، ونصرًا وعزًا، اكتفى بمعونته عمن سواه.
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ومن استكفى كفاه الله ﷿» (١).
فمن وقع في شدة وضائقة، فليطلب من الله الكفاية؛ فإن الله يكفيه.
فإن الغلام المؤمن لما أبى أن يرجع عن دينه، دفعه الملك إلى نفر من أصحابه – أي جماعة من الناس – وقال لهم: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، جبل معروف عندهم شاهق رفيع؛ وقال لهم: إذا بلغوا ذروته فاطرحوه يعني على الأرض، ليقع من رأس الجبل فيموت، بعد أن تعرضوا عليه أن يرجع عن دينه، فإن رجع وإلا فاطرحوه.
فلما بلغوا قمة الجبل فطلبوا منه أن يرجع عن دينه أبى، لأن الإيمان قد وقر في قلبه ولا يمكن أن يتحول أو يتزحزح؛ فلما هموا أن يطرحوه قال: (اللهم اكفنيهم بما شئت) دعوة مضطر مؤمن: (اللهم اكفنيهم بما شئت) أي: بالذي تشاء ولم يعين، فرجف الله بهم الجبل فسقطوا وهلكوا. وجاء الغلام إلى الملك فقال: ما الذي جاء بك؟ أين أصحابك؟ فقال: قد كفانيهم الله، ثم دفعه إلى جماعة آخرين وأمرهم أن يركبوا البحر في قرقور –أي سفينة-؛ فإذا بلغوا لجة البحر عرضوا عليه أن يرجع عن دينه، فإن لم يفعل رموه في البحر.
فلما توسطوا من البحر عرضوا عليه أن يرجع عن دينه –وهو الإيمان بالله- فقال: لا! فقال: (اللهم اكفنيهم بما شئت) فانقلبت السفينة وغرقوا وأنجاه الله (٢) (٣).
ومن كان عليه دين، فليتضرع إلى الله تعالى ليكفيه همَّ الدين.
عن علي ﵁: أن مكاتبًا جاءه، فقال: إني قد عجزت عن كتابتي؛ فأعني، قال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله ﷺ، لو كان عليك مثل جبل صير دينًا؛ أداه الله عنك؟! قال: «قل: اللهم! اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك» (٤).
فنسأل الله تعالى، وهو خير مسؤول، أن يكفينا وإياكم هم الدنيا والآخرة، فإنه الكافي لكل مهم، وبيده الخلق والأمر، وهو على كل شيء قدير. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ٢٢٠
_________________
(١) رواه النسائي (٥/ ٩٨)، وأحمد (٣/ ٩) (١١٠٧٥). وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: حسن صحيح.
(٢) رواه مسلم (٣٠٠٥).
(٣) «شرح رياض الصالحين» (١/ ١٢٢ - ١٢٣).
(٤) رواه الترمذي (٣٥٦٣)، وأحمد (١/ ١٥٣) (١٣١٨)، والحاكم (١/ ٧٢١). قال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٣/ ١٥) كما قال ذلك في المقدمة.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
تاسعا: الآثار الإيمانية لاسم الله الحيي
اعلم – بارك الله فيك – بأن أعظم الحياء ينبغي أن يكون من الله تعالى، الذي نتقلب في نعمه وإحسانه الليل والنهار، ولا نستغني عنه طرفة عين، ونحن تحت سمعه وبصره، لا يغيب عنه من حالنا وقولنا وفعلنا شيء. فهو الذي خلقنا وهو الذي رزقنا، فنطعم من خيره، ونتنفس من جوه، ونعيش على أرضه، ونستظل بسمائه، وآلاؤه غمرتنا من المهد إلى اللحد وإلى ما بعد ذلك من خلود طويل في الجنة إن شاء الله تعالى. فكيف لا نستحي منه؟ وكيف نقابل كل هذه النعم بالإساءة؟!
ويتولد الحياء من (المعرفة بعظمة الله وجلاله وقدرته، لأنه إذا ثبت تعظيم الله في قلب العبد، أورثه الحياء من الله والهيبة له، فغلب على قلبه ذكر إطلاع الله العظيم إلى ما في قلبه وجوارحه، وذكر المقام غدا بين يديه، وسؤاله إياه عن جميع أعمال قلبه وجوارحه، وذكر دوام إحسانه إليه، وقلة الشكر منه لربه، فإذا غلب ذكر هذه الأمور على قلبه، هاج منه الحياء من الله، فاستحيى من الله أن يطلع على قلبه، وهو معتقد لشيء مما يكره، أو على جارحة من جوارحه، يتحرك بما يكره، فطهر قلبه من كل معصية، ومنع جوارحه من جميع معاصيه) (١).
فمن استحيى من ربه حق الحياء، حفظ القلب وما وعى، والرأس وما وحوى. وعرف ما خلق له من عبادة ربه، فآثر ما يبقى على ما يفنى (٢).
عن سعيد بن يزيد الأنصاري ﵁: أن رجلا قال لرسول الله ﷺ: أوصني، قال: «أوصيك أن تستحي الله ﷿، كما تستحي رجلًا صالحًا من قومك» (٣).
فقل لنفسك: لو كان رجل من صالحي قومي يراني، أو يسمع كلامي، لاستحيت منه، فكيف لا أستحي من ربي ﵎، ثم لا آمن تعجيل عقوبته وكشف ستره؟!
فإن من علم أن الله يراه حيث كان، وأنه مطلع على باطنه وظاهره وسره وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته، أوجب له ذلك ترك المعاصي في السر.
قال القحطاني ﵀:
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني (٤)
وكان ابن السماك ينشد:
يا مدمن الذنب أما تستحي والله في الخلوة ثانيكا
عن معاوية بن حيدة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك» قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: «إن استطعت أن لا يرينها أحد، فلا يرينها» قال: قلت: يا رسول الله، إذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: «الله أحق أن يستحيى منه من الناس» (٥).
فقد (أمر النبي ﷺ الرجل: أن يستر عورته، وإن كان خاليًا لا يراه أحد، أدبًا مع الله، على حسب القرب منه، وتعظيمه وإجلاله، وشدة الحياء منه، ومعرفة وقاره) (٦).
فإن أصل أعمال القلوب الحياء، فمن (اتصف بالحياء من الله، فقد انصبغ قلبه بمعرفة الله وحبه، وخوفه ورجائه، والتحبب إليه مهما أمكن) (٧). الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ٢٤٦
_________________
(١) «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٨٢٦).
(٢) «المجموعة الكاملة» (٦/ ٤٥)، للعلامة السعدي ﵀.
(٣) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» (٦/ ١٤٥)، وأحمد في «الزهد» (ص: ٤٦). وصححه الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (٢٥٤١).
(٤) «نونية القحطاني» (ص: ٩٠).
(٥) رواه أبو داود (٤٠١٦)، والترمذي (٢٧٩٤)، وابن ماجه (١٥٧٢)، وأحمد (٥/ ٣) (٢٠٠٤٦)، والحاكم (٤/ ١٩٩). والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه الترمذي، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه ابن القطان في «أحكام النظر» (٩٤).
(٦) «تهذيب المدارج» (ص: ٧١١).
(٧) «المجموعة الكاملة» (٥/ ٦٧)، للعلامة السعدي ﵀.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
عاشرا: الآثار الإيمانية لاسم الله الهادي
الهداية إلى الصراط المستقيم أجل مطلوب وأعظم مسؤول، ونيله أشرف المواهب. وهي أكبر نعمة ينعم بها الهادي سبحانه على من يشاء من عباده، وأجل مننه الواصلة إلينا. فعلى العبد أن يسأل الله تعالى الهداية إلى الصراط المستقيم. ولهذا فإن العبد في اليوم والليلة، يسأل الله الهداية إلى الصراط المستقيم، كما في سورة الفاتحة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦]، ويشهد من (اهدنا) عشر مراتب، إذا اجتمعت حصلت له الهداية.
المرتبة الأولى: هداية العلم والبيان. فيجعله عالمًا بالحق مدركًا له.
الثانية: أن يقدره عليه. وإلا فهو غير قادر بنفسه.
الثالثة: أن يجعله مريدًا له.
الرابعة: أن يجعله فاعلًا له.
الخامسة: أن يثبته على ذلك، ويستمر به إلى الوفاة.
السادسة: أن يصرف عنه الموانع والعوارض المضادة له (١).
ومعلوم أن وساوس العبد وخواطره، وشهوات الغي في قلبه، كل منها مانع من وصول أثر الهداية إليه، فإن لم يصرفها الله عنه لم يهتد هدى تامًا، فحاجته إلى هداية الله له مقرونة بأنفاسه، وهي أعظم حاجة للعبد (٢).
السابعة: أن يهديه في الطريق نفسها هداية خاصة، أخص من الأولى. فإن الأولى هداية إلى الطريق إجمالًا، وهذه هداية فيها وفي منازلها تفصيلًا (٣).
فإن العبد قد يهتدي إلى طريق قصده، تتميز له الطرق عن غيرها، ولا يهتدي إلى تفاصيل سيره فيها، ولأوقات المسير من غيره، وزاد المسير، وآفات الطرق (٤).
الثامنة: أن يشهده المقصود في الطريق، وينبهه عليه. فيكون مطالعًا له في سيره، وملتفتًا إليه.
التاسعة: أن يشهده فقره وضرورته إلى هذه الهداية، فوق كل ضرورة. في ظاهره وباطنه، في جميع ما يأتيه ويذره. ويدخل في هذا أن يهدي غيره ويعلمه، فيصير هاديًا مهديًا، كما في دعاء النبي ﷺ: «اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين» (٥).
يعني نهدي غيرنا ونهتدي في أنفسنا، وهذه أفضل الدرجات أن يكون العبد هاديًا مهديًا. قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا [السجدة: ٢٤] (٦).
العاشرة: أن يشهده طريق المنحرفين عن الهداية. وهما: طريق أهل الغضب، الذين عدلوا عن أتباع الحق قصدًا وعنادًا؛ وطريق أهل الضلال، الذين عدلوا عنها جهلًا وضلالًا.
ولقد كان النبي ﷺ يسأل ربه الهداية، ويحث أصحابه على سؤال الله الهداية.
وليتأمل القارئ اللبيب، الأحاديث التالية:
١ - عن أبي ذر ﵁: عن النبي ﷺ – فيما روى عن الله ﵎ – أنه قال: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم» (٧).
أي: اطلبوا مني الهداية، أوفقكم إلى سلوك طريقها.
_________________
(١) «تهذيب المدارج» (ص: ١٠٥١).
(٢) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٣٠٦).
(٣) «تهذيب المدارج» (ص: ١٠٥١).
(٤) «شفاء العليل» (ص: ٢٦٨).
(٥) رواه النسائي (٣/ ٥٤)، وأحمد (٤/ ٢٦٤) (١٨٣٥١)، والحاكم (١/ ٧٠٥). من حديث عمار بن ياسر ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٢/ ٣٣٣): رجاله إسناده ثقات، وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».
(٦) «شرح حديث عمار بن ياسر» (ص: ٤٩).
(٧) رواه مسلم (٢٥٧٧).
[ ٢ / ٣٣٦ ]
٢ - عن الحسن بن علي ﵁ قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر: «اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت» (١).
فقوله: (اهدني) سؤال للهداية المطلقة، التي لا يتخلف عنها الاهتداء.
وقوله: (فيمن هديت) فيه فوائد:
أحدها: أنه سؤال له أن يدخله في جملة المهتدين، وزمرتهم ورفقتهم.
الثانية: توسل إليه بإحسانه وإنعامه، أي إنك قد هديت من عبادك بشرًا كثيرًا فضلًا منك وإحسانًا، فأحسن إلي كما أحسنت إليهم، كما يقول الرجل للملك: اجعلني من جملة من أغنيته وأعطيته وأحسنت إليه.
الثالثة: أن ما حصل لأولئك من الهدى، لم يكن منهم ولا بأنفسهم، وإنما كان منك، فأنت الذي هديتهم (٢).
٣ - عن علي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: «قل: اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، والسداد سداد السهم» (٣).
قال ابن القيم ﵀: هذا من أبلغ التعليم والنصح، حيث أمره أن يذكر إذا سأل الله الهدى إلى طريق رضاه وجنته، كونه مسافرًا، وقد ضل عن الطريق، ولا يدري أين يتوجه، فطلع له رجل خبير بالطريق، عالم بها، فسأله أن يدله على الطريق، فهكذا شأن طريق الآخرة، تمثيلًا لها بالطريق المحسوس للمسافر؛ وحاجة المسافر إلى الله سبحانه، إلى أن يهديه تلك الطريق، أعظم من حاجة المسافر إلى بلد، إلى من يدله على الطريق الموصل إليها.
وكذلك السداد – وهو إصابة القصد قولًا وعملًا – فمثله مثل رامي السهم إذا وقع سهمه وأصاب، وإذا لم يقع باطلًا؛ فهكذا المصيب للحق في قوله وعمله، بمنزلة المصيب في رميه (٤).
٤ - عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ كان يقول: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى» (٥).
٥ - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة أم المؤمنين: بأي شيء كان نبي الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة؛ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (٦).
ذكر النبي ﷺ في الدعاء العظيم القدر، من أوصاف الله وربوبيته ما يناسب المطلوب، فإن فطر السماوات والأرض توسل إلى الله بهذا الوصف في الهداية للفطرة التي ابتدأ الخلق عليها، فذكر كونه فاطر السماوات والأرض، والمطلوب تعليم الحق، والتوفيق له، فذكر علمه سبحانه بالغيب والشهادة، وأن من هو بكل شيء عليم جدير أن يطلب منه عبده أن يعلمه، ويرشده ويهديه؛ وهو بمنزلة التوسل إلى الغني بغناه وسعة كرمه أن يعطي عبده شيئًا من ماله، والتوسل إلى الغفور بسعة مغفرته أن يغفر لعبده، وبعفوه أن يعفو عنه، وبرحمته أن يرحمه، ونظائر ذلك.
وذكر ربوبيته تعالى لجبريل وميكائيل وإسرافيل؛ وهذا – والله أعلم – لأن المطلوب هدى يحيا به القلب؛ وهؤلاء الثلاثة الأملاك، قد جعل الله تعالى على أيديهم أسباب حياة العباد:
أما جبريل: فهو صاحب الوحي الذي يوحيه الله إلى الأنبياء، وهو سبب للحياة الدنيا والآخرة.
وأما ميكائيل: فهو الموكل بالقطر، الذي به سبب حياة كل شيء.
وأما إسرافيل: فهو الذي ينفخ في الصور، فيحيي الله الموتى بنفخته؛ فإذا هم قيام لرب العالمين (٧).
فالتوسل إلى الله سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة، له تأثير عظيم في حصول المطلوب. والله المستعان (٨). الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ٢٦٤
_________________
(١) رواه أبو داود (١٤٢٥)، والترمذي (٤٦٤)، والنسائي (٣/ ٢٤٨)، وابن حبان (٣/ ٢٢٥) (٩٤٥). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال ابن عبدالبر في «الاستذكار» (٢/ ٢٨٥): روي من طرق ثابتة، وصحح إسناده النووي في «المجموع» (٣/ ٤٩٦).
(٢) «شفاء العليل» (ص: ٣٣٨).
(٣) رواه مسلم (٢٧٢٥).
(٤) «إغاثة اللهفان» (ص: ٦٥).
(٥) رواه مسلم (٢٧٢١).
(٦) رواه مسلم (٧٧٠).
(٧) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٣٠٦ - ٣٠٧).
(٨) «شرح الطحاوية» (١/ ٢٤٨).
[ ٢ / ٣٣٧ ]
حادي عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله السلام
١ - الدعاء بالسلامة:
إن الله تعالى هو السلام ويحب السلام، ويعطي السلام لمن طلبه منه بصدق وإخلاص.
أ- عن ابن عمر ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال قال: «اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربنا وربك الله» (١).
قوله: (أهله) أي: أطلعه علينا، وأرنا إياه، والمعنى: اجعل رؤيتنا له مقترنًا بالأمن والإيمان.
قوله: (بالأمن) أي: مقترنًا بالأمن من الآفات والمصائب.
قوله: (والإيمان) أي: وبثبات الإيمان فيه.
قوله: (والسلامة) أي: السلامة عن آفات الدنيا والدين (٢).
ب- وعلى (العبد أن يطلب السلامة يوم القيامة يوم يبعث الله الأحياء، عند معاينته هول المطلع، إذا قدم على الله وحيدًا مجردًا عن كل مؤنس، إلا ما قدمه من صالح عمله، وعند موافاته القيامة مع الجمع الأعظم، ليصير إلى إحدى الدارين التي خلق لها، واستعمل بعمل أهلها؛ وطلب السلامة فيه آكد من جميع ما قبله، فإن عطبه لا يستدرك، وعثرته لا تقال، وسقمه لا يداوى، وفقره لا يسد. فأي موطن أحق بطلب السلامة من هذا الموطن، فنسأل الله السلامة فيها بمنه وكرمه، ولطفه وجوده وإحسانه (٣).
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: « ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم» (٤). الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ٢٦٤
_________________
(١) رواه الطبراني (١٢/ ٣٥٦) (١٣٣٣٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٤٢): فيه عثمان بن إبراهيم الحاطبي وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات.
(٢) «العلم الهيب» (ص: ٤٢١).
(٣) «بدائع الفوائد» (٢/ ٦٥٤).
(٤) رواه البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢).
[ ٢ / ٣٣٨ ]
ثاني عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله الشافي
أولًا: أن الله تعالى هو الشافي، ولا شافي إلا هو، ولا شفاء إلا شفاؤه، ولا يرفع المرض إلا هو.
وفي الحديث: «اللهم رب الناس، أذهب الباس، واشفه وأنت الشافي؛ لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا» (١).
وقوله: (لا شفاء إلا شفاؤك) صدق رسول الله ﷺ، فلا شفاء إلا شفاء الله، فشفاء الله لا شفاء غيره، وشفاء المخلوقين ليس إلا سببًا، والشافي هو الله، فليس الطبيب وليس الدواء هما اللذان يشفيان، بل الطبيب سبب، والدواء سبب، وإنما الشافي هو الله.
ولهذا يمرض رجلان بمرض واحد، ويداويان بدواء واحد، وعلى صفة واحدة، فيموت هذا، ويشفى ذاك، لأن الأمر كله بيد الله فهو الشافي، وما يصنع من أدوية أو رقى فهو سبب، ونحن مأمورون بذلك السبب، كما قال النبي ﷺ: «فتداووا، ولا تتداووا بحرام» (٢).
وقوله: (شفاء لا يغادر سقمًا) يعني: شفاء كاملًا لا يبقي سقمًا، أي: لا يبقي مرضًا (٣).
ففي هذه الرقية توسل إلى الله بكمال ربوبيته، وكمال رحمته بالشفاء، وأنه وحده الشافي، وأنه لا شفاء إلا شفاؤه، فتضمنت التوسل إليه بتوحيده وإحسانه وربوبيته (٤).
ثانيًا: أن الله تعالى لم ينزل داء إلا وأنزل له شفاء، وله أسباب.
عن جابر ﵁: عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لكل داء دواء، فإن أصيب دواء الداء، برأ بإذن الله تعالى» (٥).
وعن أسامة بن شريك ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وأصحابه، كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت ثم قعدت، فجاء الأعراب من ههنا وههنا؛ فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: «تداووا، فإن الله ﷿ لم يضع داء، إلا وضع له دواء، غير داء واحد: الهرم» (٦). الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ٣٤٠
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٨٨٣)، وابن ماجه (٣٥٣٠)، وأحمد (١/ ٣٨١) (٣٦١٥)، والطبراني (١٠/ ٢١٣)، والحاكم (٤/ ٤٦٣). من حديث ابن مسعود ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٥/ ٢١٩): إسناده حسن، وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٩٧٢): إسناده صحيح.
(٢) رواه الطبراني (٢٤/ ٢٥٤) (٦٤٩). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٨٩): رجاله ثقات، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٧٦٢).
(٣) «شرح رياض الصالحين» (٣/ ٦٥ - ٦٦).
(٤) «زاد المعاد» (٤/ ١٨٨).
(٥) رواه مسلم (٢٢٠٤).
(٦) رواه أبو داود (٣٨٥٥) واللفظ له، والترمذي (٢٠٣٨)، وابن ماجه (٢٧٨٩)، وأحمد (٤/ ٢٧٨) (١٨٤٧٧)، وابن حبان (١٣/ ٤٢٦) (٦٠٦١)، والحاكم (١/ ٢٠٩). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصحح إسناده النووي في «المجموع» (٥/ ١٠٧).
[ ٢ / ٣٣٩ ]
ثالث عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله الحميد
إذا علم العبد أن الحمد على الإطلاق إنما هو لله، وأنه يستحق جميع المحامد بأسرها، كان حريًا به أن يشتغل بالثناء والمجد لذي العلى والمجد؛ فإنه (﷾ له الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه ما، والإحسان كله له ومنه، فهو ﷾ أهل وأحق بكل حمد، وبكل حب من كل جهة، فهو أهل أن يحب لذاته، ولصفاته، ولأفعاله، ولأسمائه، ولإحسانه، ولكل ما صدر منه ﷾) (١).
ولا تتصور القلوب حقيقة نعمته وإحسانه، فضلًا عن أن يقوم بشكره (٢).
ولو استنفد العبد أنفاسه كلها في حمده على نعمة من نعمه، كان ما يجب له من الحمد ويستحقه فوق ذلك وأضعافه، ولا يحصي أحد البتة ثناء عليه بمحامده.
(ولكن الله سبحانه لكرمه، رضي من عباده باليسير من شكره، وأداء شكره) (٣).
وفضائل الحمد كثيرة في السنة، نذكر بعضها:
١ - عن الأسود بن سريع ﵁ قال: كنت شاعرًا، فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله! إني مدحت ربي بمحامد، قال: «أما إن ربك يحب الحمد» (٤).
فهو ﷾ حميد يحب الحمد، ويحب من يحمده، وحمده لنفسه أعظم من حمد العباد له، ويحب من يثني عليه، وثناؤه على نفسه أعظم من ثناء العباد عليه.
والحمد هو الإخبار بمحاسن المحمود على وجه المحب له. (وهذه اللفظة لا تصلح على هذا الوجه، ولا تنبغي إلا لمن هذا شأنه وهو الحميد المجيد) (٥).
ومحاسن المحمود تعالى إما قائمة بذاته، وإما ظاهرة في مخلوقاته.
النوع الأول: حمد الأسماء والصفات، وهو حمد يتضمن الثناء عليه بكماله القائم بذاته، وعلى ما له من الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا، والمدائح والمحامد، والنعوت الجليلة الجميلة.
وتفصيل هذا مما لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة به ولا إلى التعبير عنه، ولكن بالجملة فكل صفة عليا، واسم حسن، وثناء جميل، وكل حمد، وتسبيح، وتنزيه، وتقديس، وجلال وإكرام، فهو لله ﷿ على أكمل الوجوه وأتمها وأدومها، وجميع ما يوصف به، ويذكر به، ويخبر عنه به فهو محامد له، وثناء، وتسبيح، وتقديس، فسبحانه وبحمده لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني به عليه خلقه، فله الحمد أولًا وآخرًا، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله ورفيع مجده وعلو جده. فهذا تنبيه على أحد نوعي حمده، وهو حمد الأسماء والصفات.
النوع الثاني: حمد النعم والآلاء، وهذا مشهود للخليقة برها وفاجرها، مؤمنها وكافرها، من جزيل مواهبه وسعة عطاياه، وكريم أياديه، وجميل صنائعه، وحسن معاملته لعباده، وسعة رحمته لهم، وبره ولطفه وحنانه، وإجابته لدعوات المضطرين، وكشف كربات المكروبين، وإغاثة الملهوفين، ورحمته للعالمين، وابتدائه بالنعم قبل السؤال ومن غير استحقاق، بل ابتداء منه بمجرد فضله وكرمه وإحسانه، ودفع المحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها وصرفها بعد وقوعها (٦).
_________________
(١) «جلاء الأفهام» (ص: ٣٦٧).
(٢) «جلاء الأفهام» (ص: ٤٦٢).
(٣) «جلاء الأفهام» (ص: ٥٣٤).
(٤) رواه أحمد (٣/ ٤٣٥) (١٥٦٢٤)، والطبراني (١/ ٢٨٢) (٨٢٢). قال الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٢٩٨): جاءت الآثار متواترة بذلك، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٩٨): أحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح، وصححه أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٦٢) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.
(٥) انظر: «بدائع الفوائد» (٢/ ٥٣٧).
(٦) «طريق الهجرتين» (ص: ٢٤٢).
[ ٢ / ٣٤٠ ]
٢ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: « وما من شيء أحب إلى الله من الحمد» (١).
وحمده يتضمن أصلين: الإخبار بمحامده وصفات كماله، والمحبة له عليها.
(وهو سبحانه كما يحب أن يعبد، يحب أن يحمد ويثنى عليه، ويذكر بأوصافه العلى وأسمائه الحسنى) (٢).
٣ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل الذكر: لا إله إلا الله وأفضل الدعاء: الحمد لله» (٣).
قال شيخ الإسلام ﵀: فسمى الحمد لله دعاء وهو ثناء محض، لأن الحمد متضمن الحب والثناء. والحب أعلى أنواع الطلب؛ فالحامد طالب للمحبوب، فهو أحق أن يسمى داعيًا من السائل الطالب؛ فنفس الحمد والثناء متضمن لأعظم الطلب، فهو دعاء حقيقة، بل أحق أن يسمى دعاء من غيره من أنواع الطلب الذي هو دونه (٤).
٤ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أنعم الله على عبد نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ» (٥).
فإن حمده لولي النعمة نعمة أخرى هي أفضل وأنفع له، وأجدى عائدة من النعمة العاجلة، فإن أفضل النعم وأجلها على الإطلاق، نعمة معرفته تعالى وحمده وطاعته (٦).
٥ - عن عمران بن حصين ﵁: عن رسول الله ﷺ قال: «إن أفضل عباد الله يوم القيامة الحمادون» (٧).
فقد دل هذا الحديث على أن أفضل العباد يوم المعاد الذين يكثرون من حمد الله في السراء والضراء. الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ٩١
_________________
(١) رواه أبو يعلى (٧/ ٢٤٧) (٤٢٥٦)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٣٥٩). وقال: رجاله رجال الصحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٢٢): رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح.
(٢) «طريق الهجرتين» (ص: ٤٣١).
(٣) رواه الترمذي (٣٣٨٣)، وابن ماجه (٣٠٨٠)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٠٨) (١٠/ ٦٦٧)، وابن حبان (٣/ ١٢٦) (٨٤٦)، والحاكم (١/ ٦٧٦). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وحسنه ابن حجر في «نتائج الأفكار» (١/ ٦٣)، وصححه أحمد شاكر في «عمدة التفسير» (١/ ٦٢) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.
(٤) «مجموع الفتاوى» (١٥/ ١٩).
(٥) رواه ابن ماجه (٣٠٨٢). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٢٤٤): إسناده حسن، وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».
(٦) «فتيا في صيغة الحمد» (ص: ١٢)، لابن القيم ﵀.
(٧) رواه أحمد (٤/ ٤٣٤) (١٩٩٠٩) موقوفًا، والطبراني (١٨/ ١٢٤) (١٤٩٦٤). وصحح إسناده ابن جرير في «مسند عمر» (٢/ ٨٢٥)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٩٨): رواه أحمد موقوفًا وهو شبه المرفوع ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٥٧١).
[ ٢ / ٣٤١ ]
إن المؤمن متى ما عرف أن الله متصف بالحمد فإنه يسعى إلى حمده تعالى على كل حال بكل وسيلة ممكنة ومشروعة في السراء والضراء والشدة والرخاء والعسر واليسر وفيما يحب ويكره، فهو الحميد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فله من الأسماء الحسنى أحسنها، ومن الصفات أكملها وأعلاها، وأن أفعاله تعالى دائرة بين الفضل والعدل، وهو أهل لكل المحامد وليس ذلك لأحد إلا الله تعالى. قال الإمام ابن القيم: وبالجملة فكل صفة عليا واسم حسن وثناء جميل وكل حمد ومدح وتسبيح وتنزيه وتقديس وجلال وإكرام فهو لله ﷿ على أكمل الوجوه وأتمها وأدومها، وجميع ما يوصف به ويذكر به ويخبر عنه به فهو حمد له وثناء وتسبيح وتقديس، فسبحانه وبحمده لا يحصى أحد من خلقه ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني به عليه خلقه، فله الحمد أولًا وآخرًا حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله ورفيع مجده وعلو جده (١).
قال القرطبي: فيجب على كل مكلف أن يعتقد أن الحمد على الإطلاق إنما هو لله وأن الألف واللام للاستغراق لا للعهد، فهو الذي يستحق جميع المحامد بأسرها، فنحمده على كل نعمة وعلى كل حال بمحامده كلها ما علم منها وما لم يعلم ثم يجب عليه أن يسعى في خصال الحمد وهي التخلق بالأخلاق الحميدة والأفعال الجميلة (٢). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٣٩٦
فكلمة (الحمد لله) كلمة عظيمة جليلة القدر، كثيرة النفع، لها فضل عظيم وثواب جزيل وأجر جسيم عند الله. حيث أعطى من فضله وكرمه هذا المقدار العظيم لقائل هذا القول اليسير، الذي يمكن أن يقوله القائل في جميع الأحوال والأوقات، من غير تكلف بدن ولا مال.
عن أبي أمامة ﵁ قال: رآني النبي ﷺ، وأنا أحرك شفتي، فقال لي: «بأي شيء تحرك شفتيك يا أبا أمامة؟ فقلت: أذكر الله يا رسول الله، فقال: ألا أدلك على ما هو أكثر من ذكرك الله الليل مع النهار؟ تقول: الحمد لله عدد ما خلق، الحمد لله ملء ما خلق، الحمد لله عدد ما في السماوات والأرض، الحمد لله عدد ما أحصى كتابه، والحمد لله على ما أحصى كتابه، والحمد لله عدد كل شيء، والحمد لله ملء كل شيء، وتسبح الله مثلهن. تعلمهن وعلمهن عقبك من بعدك» (٣).
ومن نظر بعين المعرفة في هذا، استكثر منه طمعًا بالخير العظيم، والأجر الجسيم، والعطاء الجليل، والجود الجميل.
(فلله تعالى الحمد والشكر والثناء، حيث أعطى العباد من مصالحهم ومنافعهم فوق ما يطلبون، وأعلى ما يتمنون، وآتاهم من كل ما سألوه، لا نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه) (٤).
ومن أجل نعم الله على الإطلاق، التي يستحق عليها الحمد، ما تعاقب الليل والنهار: نعمة الإسلام. فهي النعمة الحقيقية الكبيرة العظيمة على عباده، قال الله تعالى: اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: ٣].
_________________
(١) «مدارج السالكين» (١/ ٣٥)، وانظر: «طريق الهجرتين» (ص: ١٣٠ - ١٣٢).
(٢) «الأسنى في شرح الأسماء الحسنى للقرطبي» (١/ ١٩٠).
(٣) رواه ابن خزيمة (١/ ٣٧١) (٧٥٤)، والطبراني (٨/ ٢٣٨) (٧٩٣٠). وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٦١٥).
(٤) «تيسير الكريم الرحمن» (ص: ٦٠١).
[ ٢ / ٣٤٢ ]
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقل عنه حديثًا مني، وإن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه، فقال: «ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومن به علينا؛ قال: آلله ما أجلسكم إلى ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني: أن الله يباهي بكم الملائكة» (١).
فهؤلاء كانوا قد جلسوا يحمدون الله بذكر أوصافه وآلائه، ويثنون عليه بذلك، ويذكرون حسن الإسلام، ويعترفون لله بالفضل العظيم إذ هداهم له ومن عليهم به (٢).
فمن حصل له نصيب من دين الإسلام فقد حصل له الفضل العظيم، وقد عظمت عليه نعمة الله، فما أحوجه إلى القيام بشكر هذه النعمة وسؤاله دوامها والثبات عليها إلى الممات، والموت عليها، فبذلك تتم النعمة (٣).
فالحمد لله الذي خصنا بهذه الرحمة، وأسبغ علينا هذه النعمة، وأعطانا هذه الفضائل الجمة (٤).
الحمد لله، ثم الحمد لله تعالى، الذي هدانا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
يا ذا الجلال والإكرام، كما هديتنا للإسلام، أسألك أن لا تنزعه عنا، حتى تتوفانا على الإسلام (٥). الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ١٠٨
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧٠١).
(٢) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٢٩١).
(٣) «لطائف المعارق» (ص: ١٦٩ - ١٧٠).
(٤) «لطائف المعارف» (ص: ١٨٠).
(٥) «موارد الأمان» (ص: ٤٦٩).
[ ٢ / ٣٤٣ ]
رابع عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله القوي
أن المؤمن عندما يعلم أن من أوصافه تعالى القوة والقدرة على كل شيء فإنه يدرك تمامًا أنه لا قوة له على طاعة الله تعالى إلا بتوفيقه وقوته وعونه، وأنه لا حول له على اجتناب المعاصي ودفع الشرور عن نفسه إلا بعون من الله، ويدل على هذا قوله ﷺ: «يا عبد الله بن قيس ألا أعلمك كلمات هي من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله» (١). قال النووي: قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى، واعتراف بالإذعان له، وأنه لا صانع غيره، ولا راد لأمره وأن العبد لا يملك شيئًا من الأمر، ثم قال: قال أهل اللغة: (الحول) الحركة والحيلة أي: لا حركة ولا استطاعة ولا حيلة إلا بمشيئة الله تعالى، وقيل معناه: لا حول في دفع شر ولا قوة في تحصيل خير إلا الله. وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته، وحكي هذا عن ابن مسعود ﵁، وكله متقارب (٢).
وكما قيل:
إذا لم يكن عون من الله للفتى فأكثر ما يجني عليه اجتهاده (٣)
قال الإمام ابن القيم: ولو اجتمعت قوى الخلائق على شخص واحد منهم ثم أعطي كل واحد منهم مثل تلك القوة لكانت نسبتها إلى قوته سبحانه دون نسبة قوة البعوضة إلى حملة العرش، ولو كان جودهم على جود رجل واحد، وكل الخلائق على ذلك الجود لكانت نسبته إلى جوده دون نسبة قطرة إلى البحر، وكذلك علم الخلائق إذا نسب إلى علمه كان كنقرة عصفور من البحر، وكذلك سائر صفاته كحياته وسمعه وبصره وإرادته (٤). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٣٩٢
_________________
(١) رواه البخاري (٦٦١٠)، ومسلم (٢٧٠٤). من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٢) «شرح النووي على مسلم» (١٧/ ٢٦).
(٣) «ديوان علي بن أبي طالب ﵁» (ص: ٥٦).
(٤) «شفاء العليل» (ص: ٢٢٨).
[ ٢ / ٣٤٤ ]
خامس عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله الحي
أن المؤمن عندما يدرك أن الله تعالى حي بحياة وهي صفة لازمة له تعالى وله جميع معانيها الكاملة من السمع والبصر والقدرة والإرادة وغيرها من الصفات الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة، والحي من أسمائه ﷿، فإنه يسلم وجهه له إيمانًا به وتوكلًا عليه، ففيه رغبته ورهبته، ومعاذه وملاذه لأنه الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون، وحاديه في هذا كله قوله ﷺ: «اللهم لك أسلمت وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون» (١).
ومن مقتضى الإيمان بهذا الاسم أن يلهج المؤمن به لما له من تأثير عظيم في حياة القلوب. قال الإمام ابن القيم: فذكر الله ﷾، ومحبته وطاعته والإقبال عليه ضامن لأطيب الحياة في الدنيا والآخرة، والإعراض عنه والغفلة ومعصيته: كفيل بالحياة المنغصة والمعيشة الضنك في الدنيا والآخرة (٢).
ومن تجريبات السالكين التي جربوها فألفوها صحيحة: أن من أدمن (يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت) أورثه ذلك حياة القلب والعقل، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية –قدس الله روحه- شديد الله جبها جدًا وقال لي يومًا: لهذين الاسمين – وهما (الحي القيوم) – تأثير عظيم في حياة القلب. وكان يشير إلى أنهما الاسم الأعظم، وسمعته يقول: من واظب على أربعين مرة كل يوم بين سنة الفجر وصلاة الفجر: (يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك استغيث) حصلت له حياة القلب ولم يمت قلبه (٣). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٣٩٩
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧١٧). من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) «مدارج السالكين» (٣/ ٢٧٠، ٢٧١).
(٣) «مدارج السالكين» (١/ ٤٨٢).
[ ٢ / ٣٤٥ ]
سادس عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله القيوم
أن المؤمن متى أعطى هذا الاسم الكريم حقه من العلم والعمل بمقتضاه فقد استيقن أن الله تعالى قائم بتدبير أمور العباد وأرزاقهم وجميع أحوالهم، كما أن من أعطى هذا الاسم حقه من التعبد به لله ﵎ فقد توكل على ربه وانقطع رجاؤه من الخلق إلى الله تعالى، واستغنى عما في أيديهم إلى ما في يدي الله ﵎ لأن العباد محتاجون مفتقرون إلى خالقهم في قيامهم وقعودهم وحركاتهم وسكناتهم في دنياهم وأخراهم وفي حياتهم وبعد مماتهم.
ومن مقتضى الإيمان بهذا الاسم الكريم (القيوم) الدعاء به والتعبد لله بمقتضاه (فمن علم عبوديات الأسماء الحسنى والدعاء بها، وسر ارتباطها بالخلق والأمر وبمطالب العبد وحاجاته: عرف ذلك وتحققه) (١). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٠٢
_________________
(١) «مدارج السالكين» (١/ ٤٨٢).
[ ٢ / ٣٤٦ ]
سابع عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله الصمد
أن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بصمديته وليس في الوجود صمد سوى الله تعالى، فإنه يصمد إليه في الحوائج كلها ويكون مفزعه وغايته فلا يقصد غيره ولا يلجأ في حوائجه إلا إليه.
ومن جعله الله تعالى مقصد عباده في مهمات دينهم ودنياهم وأجرى على لسانه ويده حوائج خلقه، فقد أنعم عليه بحظ من معنى هذا الوصف وعليه أن يتخلق بأخلاق السيادة والسادة حتى يكون مصمودًا، وبابه مقصودًا. روى هشام بن عروة عن أبيه قال: أدركت سعد بن عبادة ومناد ينادي على أطمه: من أحب شحمًا ولحمًا فليأت سعدًا، ثم أدركت ابنه قيسًا ينادي مثل ذلك (١) (٢).
قال الإمام ابن تيمية: والمخلوق وإن كان صمدًا من بعض الوجوه فإن حقيقة الصمدية منتفية عنه فإنه يقبل التفرق والتجزئة، وهو أيضًا محتاج إلى غيره فإن كل ما سوى الله محتاج إليه من كل وجه، فليس أحد يصمد إليه كل شيء ولا يصمد إلى شيء إلا الله ﵎ (٣).
قال الغزالي في المقصد: ومن جعله الله تعالى مقصد عباده في مهمات دينهم ودنياهم وأجرى على لسانه ويده حوائج خلقه فقد أنعم عليه بحظ من هذا الوصف (٤). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٠٤
_________________
(١) رواه بنحوه الحاكم (٣/ ٢٨٤).
(٢) «الأسنى في شرح الأسماء الحسنى» للقرطبي (١/ ١٨٦).
(٣) «مجموع الفتاوى» للإمام ابن تيمية (١٧/ ٢٣٨).
(٤) «المقصد الأسنى» للغزالي (ص: ١١٩).
[ ٢ / ٣٤٧ ]
ثامن عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله الظاهر والباطن
أن المؤمن إذا تحقق علوه تعالى المطلق على كل شيء بذاته، وأنه ليس فوقه شيء البتة وأنه ظاهر فوق عباده يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم توجه إليه، فقد جمع قلبه على المعبود، وجعله له ربًا يقصده وصمدًا يصمد إليه في حوائجه، وملجأ يلجأ إليه، فإذا استقر ذلك في قلبه وعرف ربه باسم (الظاهر) استقامت له عبوديته وصار معقل وموئل يلجأ إليه ويهرب إليه ويفر كل وقت إليه.
كما أن الله ﷿ هو الباطن المحيط بكل شيء الذي أحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، دنا من كل شيء ببطونه فلا تواري منه سماء سماء ولا أرض أرضًا، ولا يحجب عنه ظاهر باطنًا، بل الباطن له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب والسر عنده علانية، فهو العليم ببواطن الأمور وظواهرها يستوي عنده هذا وهذا. قال تعالى سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [الرعد: ١٠] فيستوي عند الله تعالى من هو متخف في قعر بيته في ظلام الليل ومن هو سائر في سربه (طريقه) في بياض النهار وضيائه (١).
وعن عبوديته تعالى بهذين الاسمين قال الإمام ابن القيم: وأما عبوديته باسمه الظاهر فكما فسره النبي ﷺ: «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» (٢)، فإذا تحقق العبد علوه المطلق على كل شيء بذاته وأنه ليس فوقه شيء البتة، وأنه ظاهر فوق عباده يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم توجه إليه إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: ١٠] صار لقلبه قبلة توجه نحوها ومعبود يتوجه إليه قصده، وصاحب هذه الحال إذا سلك وتأله وتعبد طلب قلبه إلهًا يسكن إليه ويتوجه إليه.
وأما تعبده باسمه الباطن فأمر يضيق نطاق التعبير عن حقيقته ويكل اللسان عن وصفه، وتصطلم الإشارة إليه وتجفو العبارة عنه، فإنه يستلزم معرفة بريئة من شوائب التعطيل مخلصة من فرث التشبيه، منزهة عن رجس الحلول أهل الانحراف، فمن رزق هذا فهم معنى اسمه (الباطن) ووضح له التعبد به.
وباب هذه المعرفة والتعبد هو معرفة إحاطة الرب سبحانه بالعالم وعظمته، وأن العوالم كلها في قبضته، وأن السماوات السبع والأرضين السبع في يده كخردلة في يد العبد. قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ [الإسراء: ٦٠] وقال: وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ [البروج: ٢٠] ولهذا يفرق سبحانه بين هذين الاسمين الدالين على هذين المعنيين: اسم العلو الدال على أنه (الظاهر) وأنه لا شيء فوقه، واسم العظمة الدال على الإحاطة، وأنه لا شيء دونه كما قال تعالى: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [الشورى: ٤] وقال تعالى وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ: ٢٣] وقال: وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١١٥]، وهو ﵎ كما أنه العالي على خلقه بذاته فليس فوقه شيء فهو (الباطن) بذاته فليس دونه شيء بل ظهر على كل شيء فكان فوقه، وبطن فكان أقرب إلى كل شيء من نفسه فهذا أقرب لإحاطة العامة (٣). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤١٦
_________________
(١) «طريق الهجرتين» (ص: ٢٤).
(٢) رواه مسلم (٢٧١٣). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) «طريق الهجرتين» (ص: ٢١ - ٢٤).
[ ٢ / ٣٤٨ ]
تاسع عشر: الآثار الإيمانية لاسم الله المعطي والمانع
أن المؤمن عندما يدرك أن الله تعالى متصف بالعطاء والمنع فإنه يقطع الأمل من المخلوقين، وينزل حوائجه بالمعطي المانع المتفرد بالعطاء والمنع فيطرح الأواسط طرحًا ويضرب عن الأسباب صفحًا، ويجعل الله هو الكل وكل موجود مع القدرة كالطل لا حكم له في الفعل، فلا يذم مانعًا بوجه ولا يمدح معطيًا إلا من حيث ينظر إلى الله فيمدحه لمدح الله إياه إذ جرت بالخير يداه على ما أجراهما الله.
كما يدرك أن التأييد والإحاطة والنصر على الأعداء إنما يكون بحسب متابعة الرسول ﷺ، وعندها تكون العزة والكفاية والنصرة. كما أنه بحسب متابعته تكون الهداية والنجاة، فالله سبحانه علق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن والفلاح والعزة، والكفاية والنصرة والولاية، والتأييد وطيب العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذلة والصغار والخوف والضلال، والخذلان والشقاء في الدنيا والآخرة (١).
ومن مقتضى الإيمان بهذين الاسمين الكريمين: أن لا يفر أحد هذين الاسمين عن الآخر وذلك تأدبًا مع الله تعالى، فإن إفراد أحدهما عن الآخر يوهم نقصًا.
قال الخطابي: وفي ذكرهما معًا إنباء عن القدرة وأدل على الحكمة، كقوله تعالى: وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: ٢٤٥]، وإذا ذكرت القابض مفردًا عن الباسط كنت كأنك قد قصرت بالصفة على المنع والحرمان، وإذا وصلت أحدهما بالآخر فقد جمعت بين الصفتين منبئًا على وجه الحكمة فيهما (٢). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٢٢
_________________
(١) انظر: «زاد المعاد» (١/ ٣٧) بتصرف.
(٢) «شأن الدعاء» للخطابي (ص: ٥٨). وانظر: «تفسير أسماء الله الحسنى» للزجاج (ص: ٤٠).
[ ٢ / ٣٤٩ ]
عشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله القابض والباسط
أن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالقبض والبسط فيقبض الأرواح عن الأشباح بعد الممات، ويبسط الأرواح في الأجساد عند الحياة، ويقبض الصدقات من الأغنياء ويبسط الرزق لمن يشاء، حتى لا تبقى فاقة؛ فلا ريب أنه يتوجه بكليته إلى الله تعالى فهو المعد وهو الممد، وهو القائل سبحانه تعالى: وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: ٢٤٥]. كما أن الآثار الإيمانية لاسم الله هذين الاسمين الكريمين ما قاله الإمام ابن القيم في حالتي القبض والبسط وأثرهما في المؤمن حيث قال: القبض والبسط حالتان تعرضان لكل سالك، يتولدان من الخوف تارة فيقبضه الخوف تارة والرجاء تارة، والجمعية تارة، فتفرقته تورثه القبض، وجمعيته تورثه البسط، ويتولدان من أحكام الوارد تارة فوارد يورث قبضًا، ووارد يورث بسطًا، وقد يهجم على قلب السالك قبض لا يدري ما سببه وبسط لا يدري ما سببه، وحكم صاحب هذا القبض: أمران: الأول: التوبة والاستغفار لأن ذلك القبض نتيجة جناية، أو جفوة ولا شعر بها، والثاني: الاستسلام حتى يمضي عنه ذلك الوقت، ولا يتكلف دفعه، ولا يستقبل وقته مغالبة وقهرًا، ولا يطلب طلوع الفجر في وسط الليل، وليرقد حتى يمضي عامة الليل ويحن طلوع الفجر، وانقشاع ظلمة الليل، بل يصبر حتى يهجم عليه الملك فالله يقبض ويبسط.
وكذلك إذا هجم وارد البسط فليحذر كل الحذر من الحركة والاهتزاز، وليحرزه بالسكون والانكماش، فالعاقل يقف على البساط، ويحذر من الانبساط، وهذا شأن عقلاء أهل الدنيا ورؤسائهم: إذا ما ورد عليهم ما يسرهم ويبسطهم ويهيج أفراحهم، قابلوه بالسكون والثبات والاستقرار حتى كأنه لم يهجم عليهم (١).
ومن مقتضى الإيمان بهذين الاسمين الكريمين أن لا يفرد أحدهما في الذكر عن قرينه، وذلك تأدبًا مع الله تعالى وإظهارًا لتمام قدرته، قال الزجاج: الأدب في هذين الاسمين أن يذكرا معًا لأن تمام القدرة بذكرهما معًا، ألا ترى أنك إذا قلت: إلى فلان قبض أمري، وبسطه، ولا بمجموعها أنك تريد أن جميع أمرك إليه؟ وتقول: ليس إليك من أمري بسط ولا قبض، ولا حل ولا عقد، أراد ليس إليك منه شيء (٢). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٢٤
_________________
(١) «مدارج السالكين» (٢/ ٣٨٩، ٣٩٠).
(٢) «تفسير أسماء الله الحسنى» للزجاج (ص: ٤٠).
[ ٢ / ٣٥٠ ]
واحد وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله الخافض الرافع
أن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالخفض والرفع يوقن أن الله تعالى يرفع أولياءه بالطاعة فيعلي مراتبهم وينصرهم على أعدائه ويجعل العاقبة لهم كما أنه يخفض الجبارين ويذل الفراعنة المتكبرين. فهو الذي يرفع أولياءه في الدنيا والآخرة وذلك بما وفقهم إليه من طاعته وامتثال أمره ونهيه والعمل بمقتضى شرعه واتباع ما جاء به نبيه ﷺ، فإذا فعلوا ذلك كانت لهم الرفعة والسؤدد على سائر الناس، وكانوا شامة بين الأمم وهداة إلى الحق على المحجة البيضاء التي من وافقها كانت له الرفعة والعلو، ومن خالفها وزاغ عنها فليس له إلا الخفض والذل والصغار في الدنيا والآخرة، وكان مصيره مصير أولئك الكفرة الجبابرة والفراعنة المتكبرين ومصيرهم أن يحشروا يوم القيامة في صورة الذر حتى تطأهم الخلائق بأقدامها (١).
وليس المرفوع قدرًا، والمعلى شأنًا وأمرًا، والمستحق مجدًا وفخرًا من رفع الطين على الطين وتكبر على المساكين وتجبر على أشكاله بكثرة ماله، واستقامة أحواله، وإنما المشرف شأنا والمعلى رتبة ومكانًا من رفعه الله بتوفيقه، وأيده لتصديقه، وهداه إلى طريقته، صفى قلبه وخلى له وجهه وصعد إلى السماء أنينه، وصدق إلى الله شوقه وحنينه، وفي الصحيح عن النبي ﷺ: «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره» (٢). واعلم أن المخفوض حقًا من تنكبه التوفيق والنصرة وأدركه الخذلان والفترة، ويصبح في حسرة. فعلى هذا: الرفع والخفض أمارتان للجزاء، فمن فتحت لروحه أبواب السماء فرفع واستبشر ومن نكس إلى أسفل أبعد وآيس، وبحسب ذلك الأعمال بشارات ونذارات (٣). ومن مقتضى الإيمان بهذين الاسمين كذلك أن يوصل أحدهما في الذكر بالآخر؛ لأن الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الواحد ولذلك لم تجئ مفردة ولم تطلق عليه إلا مقترنة (٤). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٢٦
_________________
(١) «مدارج السالكين» (٢/ ١٣٠) بتصرف.
(٢) رواه مسلم (٢٦٢٢) بدون لفظة: «أغبر». من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) «الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى» للقرطبي (١/ ٣٩٨).
(٤) «بدائع الفوائد» (١/ ١٨٤).
[ ٢ / ٣٥١ ]
اثنان وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله المعز المذل
أن المؤمن عندما يدرك أن الله تعالى المعز المذل فإنه يجد في العزة مظهرًا من مظاهر الثقة بالله تعالى ورسوخ اليقين والقوة في الدين والخلق. فعن طارق بن شهاب قال: خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فأتوا على مخاضة، وعمر على ناقة له فنزل عنها وخلع خفيه فوضعها على عاتقه وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا؟ تخلع خفيك وتضعها على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة؟ ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك. فقال عمر: أوه لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالًا لأمة محمد ﷺ، إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله (١)
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر) (٢)
وقال الإمام ابن القيم في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة: ٥٤]: لما كان الذل منهم ذل رحمة وعطف وشفقة وإخبات عداه بأداة (على) تضمينًا لمعاني هذه الأفعال، فإنه لم يرد به ذل الهوان الذي صاحبه ذليل، وإنما هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبه ذلول، فالمؤمن ذلول كما في الحديث: «المؤمن كالجمل الذلول، والمنافق والفاسق ذليل» (٣)، وأربعة يعشقهم الذل أشد العشق: الكذاب، والنمام، والبخيل، والجبار.
وقوله: أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ هو من عزة القوة والمنعة والغلبة، قال عطاء ﵁: للمؤمنين كالوالد لوده وعلى الكافرين كالسبع على فريسته، كما قال في الآية الأخرى: أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩] وهذا عكس حال من قيل فيهم:
كبرًا علينا وجبنًا عن عدوكم لبئست الخلتان الكبر والجبن (٤)
@ منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٣١
_________________
(١) رواه الحاكم (١/ ١٣٠)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٣٥). من حديث طارق بن شهاب ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين .. ولم يخرجاه، وله شاهد. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١/ ١١٧): صحيح على شرط الشيخين.
(٢) رواه البخاري (٣٦٨٤). من حديث قيس بن أبي حازم ﵁.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) «مدارج السالكين» (٢/ ٣٤٠).
[ ٢ / ٣٥٢ ]
ثلاث وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله البَرّ
أن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالبر والكرم والإحسان فإن ذلك يوجب له معرفة بكرم الله عليه وفضله في المغفرة وتمام الإحسان إلى الخلائق وإمهاله المسيء والعاصي، فلا يؤاخذهم فيعجلهم عن التوبة مع كمال قدرته على معاجلتهم بالعقوبة، قال الإمام ابن القيم في لطائف أسرار توبة العبد: ومنها: أن يعرف – العبد – بره سبحانه في ستره عليه حال ارتكاب المعصية مع كمال رؤيته له ولو شاء بره لفضحه بين خلقه فحذروه، وهذا من كمال بره، ومن أسمائه (البر) وهذا البر من سيده كان عن كمال غناه عنه، وكمال فقر العبد إليه، فيستقل بمطالعة هذه المنة، ومشاهدة هذا البر والإحسان والكرم، فيذهل عن ذكر الخطيئة، فيبقى مع الله سبحانه، وذلك أنفع له من الاشتغال بجنايته، وشهود ذل معصيته، فإن الاشتغال بالله والغفلة عما سواه: هو المطلب الأعلى والقصد الأسنى.
ومنها: شهود حلم الله ﷾ في إمهال راكب الخطيئة ولو شاء لعاجله بالعقوبة ولكنه الحليم الذي لا يعجل، ومنها: معرفة العبد كرم ربه في قبول العذر منه إذا اعتذر إليه بنحو ما تقدم من الاعتذار لا بالقدر، فإنه مخاصمة ومحاجة، كما تقدم، فيقبل عذره بكرمه وجوده، فيوجب له ذلك اشتغالًا بذكره وشكره.
ومنها: أن يشهد فضله في مغفرته فإن المغفرة فضل من الله، وإلا فلو أخذك بمحض حقه كان عادلًا محمودًا، وإنما عفوه بفضله لا باستحقاقك، فيوجب لك ذلك أيضًا شكرًا له ومحبة، وإنابة إليه، وفرحًا، وابتهاجًا به، ومعرفة له باسم الغفار، ومشاهدة لهذه الصفة، وتقيدًا بمقتضاها، وذلك أكمل في العبودية والمحبة والمعرفة (١). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٣٥
_________________
(١) «مدارج السالكين» (١/ ٢٢٨).
[ ٢ / ٣٥٣ ]
أربع وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله المنّان
أن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالمن والعطاء الكثير الذي ليس وراءه استثابة فإنه يستشعر مواهب الله العظيمة، فهو الذي أعطى الحياة والعقل والمنطق وصور فأحسن الصور، وأنعم فأجزل وأسنى النعم، وأكثر العطايا والمنح فقال وقوله الحق: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا [النحل: ١٨].
قال الإمام ابن القيم في معرض كلامه عن الأول والآخر والظاهر والباطن: فانظر: كيف كانت هذه الأسماء الأربعة الأول والآخر والظاهر والباطن؛ جماع المعرفة وجماع العبودية له. فهنا وقفت شهادة العبد مع فضل خالقه ومنته فلا يرى لغيره شيئا إلا به وبحوله وقوته .. فإذا وصل إلى القلب نور صفة المنة وشهد معنى اسمه المنان، وتجلى سبحانه على قلب عبده بهذا الاسم مع اسمه الأول، ذهل القلب والنفس به، وصار العبد فقيرًا إلى مولاه بمطالعة سبق فضله الأول، (١).
ومن مقتضى الإيمان بهذا الاسم الكريم أن يأخذ المؤمن بحظه ونصيبه من هذه الصفة على وجهها الحسن من العطاء والصنع الجميل والإحسان إلى الخلق، وحاديه في ذلك السلف الصالح الذين ضربوا أروع الأمثلة في العطاء والفضل. فهذا أبو بكر الصديق ﵁ جاء بما له ولم يبق لأهله منه شيء جاء يقدمه للإسلام والمسلمين فقال فيه النبي ﷺ: «وإن من أمن الناس علي في ماله أبو بكر» (٢) وقوله: «ما أحد أمن علي من أبي بكر واساني بنفسه وماله، وأنكحني ابنته» (٣). وهذا عمر الفاروق الذي أعطى الإسلام حياته كلها دمه ودموعه ليله ونهاره حتى ضرب الإسلام بأطنابه، وقال فيه القائل:
وراع صاحب كسرى أو رأى عمرًا بين الرعية عطلًا وهو راعيها
وعهده بملوك الفرس أن لها سورًا من الجند والأحراس يحميها
رآه مستغرقًا في نومه فرأى فيه الجلالة في أسمى معانيها
وقال قولة حق أصبحت مثلًا وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها
أمنت لما أقمت العدل بينهم فنمت نوم قرير العين هانيها (٤)
ولا زال يأمر وينهي بالإسلام حتى وهو مضرج بدمائه، ويحكى عنه ﵁، أن أعرابيًا أتاه فقال:
يا عمر الخير جزيت الجنة أكس بنياتي وأمهنه
وكن لنا من الزمانا جنة أقسم بالله لتفعلنه
قال عمر: إن لم أفعل يكون ماذا؟ قال:
إذا أبا حفص لأذهبنه.
قال: إذا ذهبت يكون ماذا؟ قال:
يكون عن حالي لتسألنه يوم يكون الأعطيات منة
وموقف المسؤول بينهنه إما إلى نار وإما جنة
فبكى عمر حتى اختضلت لحيته بالدمع ثم قال: يا غلام أعطه قميصي هذا لذلك اليوم لا لشعره، فوالله لا أملك غيره (٥).
وهذا عثمان بن عفان ﵁ الذي حفر بئر رومة وجهز الجيوش بماله وأعطى عطاء من لا يخشى الفقر حتى قال فيه النبي ﷺ: «ما على عثمان فعل بعد هذا» (٦). وهذا علي ﵁ قام مقام إخوانه وأصحابه حتى جعلت محبته من علامة الإيمان وبغضه علامة للنفاق (٧)، قام بالدين خير قيام حتى طعن وهو يصلي بالناس فكانت حياته مليئة بالعطاء والعلم والجهاد فرضي الله عنهم أجمعين، ولا يزال في الأمة بحمد الله من يترسم خطى هؤلاء المؤمنين –من الأئمة والعلماء والصالحين- في العطاء والتنافس والبذل والمسارعة فيه ولكل مجتهد نصيبه وكل آخذ بحظه ونصيبه من ذلك وكل ميسر لما خلق له.
ومن مقتضى الإيمان بهذا الاسم الكريم أن لا يمن المؤمن بعلمه ولا بعمله. قال الإمام ابن القيم: (فمن جلى الله سبحانه صدأ بصيرته وكمل فطرته وأوقفه على مبادئ الأمور وغاياتها، ومناطها ومصادرها ومواردها أصبح كالمفلس حقًا من علومه وأعماله وأحواله وأذواقه يقول: أستغفر الله من علمي ومن عملي، أي انتسابي إليهما وغيبتي بهما عن فضل من ذكرني بهما وابتدأني بإعطائهما من غير تقدم سبب مني يوجب ذلك (٨). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي الغامدي - بتصرف – ص: ٤٥١
_________________
(١) «طريق الهجرتين» (ص: ٢٦).
(٢) رواه البخاري (٣٦٥٤)
(٣) رواه الطبراني (١١/ ١٩١) (١١٤٦١). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٩/ ٤٩): فيه أرطأة أبو حاتم وهو ضعيف.
(٤) «شرح ديوان حافظ إبراهيم» (ص: ٣٨٨، ٣٨٩).
(٥) «أسنى في شرح الأسماء الحسنى» للقرطبي (١/ ٢٦٣).
(٦) رواه الترمذي (٣٧٠١)، وأحمد (٥/ ٦٣) (٢٠٦٤٩)، والحاكم (٣/ ١١٠). من حديث عبدالرحمن بن سمرة ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
(٧) الحديث رواه مسلم (٧٨) بلفظ: (قال علي: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة! إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إلى أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق).
(٨) «طريق الهجرتين» (ص: ٢٦).
[ ٢ / ٣٥٤ ]
خمس وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله المجيب
أن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالمجيب الذي يقابل الدعاء والسؤال بالعطاء والقبول، ويبتدئ بالنوال قبل السؤال ويجيب دعوة المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، ويغيث الملهوف إذا ناداه؛ فإنه يقوى رجاؤه بربه وتعلقه به طمعًا ورجاء. فهو الذي ابتدأ العباد بالإجابة حيث قال تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠] فلا أعظم ولا أكرم من هذا العرض على العباد، فسبحان من انفرد بإجابة الداعين وتنفيس كرب المضطرين الذي من شأنه النوال قبل السؤال، أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.
ومن مقتضى الإيمان بهذا الاسم الكريم أن يكون المؤمن مجيبًا أولًا لربه تعالى فيما أمره به ونهاه عنه، وفيما قربه إليه ودعاه، ثم لعباده فيما أنعم الله عليه بالاقتدار عليه، وفي كل سائل بما يسأله إن قدر عليه وفي لطف الجواب إن عجز عنه، قال الله تعالى: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى: ١٠].
وقال رسول الله ﷺ: «لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت» (١).
وكان حضوره الدعوات وقبوله الهدايا غاية الإكرام والإيجاب منه (٢). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٥٦
_________________
(١) رواه البخاري (٥١٧٨). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) انظر: «المقصد الأسنى» للغزالي (ص: ١٠٦) بتصرف.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
ست وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله الستّير
يجب على المؤمن أن يتصف بالستر لينال بذلك محبة الله ﷿ لأنه تعالى حيي ستير يحب أهل الحياء والستر. قال النووي في شرح مسلم في قوله ﷺ: «ومن ستر مسلمًا ستره الله ﷿ يوم القيامة» (١) قال: وأما الستر المندوب إليه هنا فالمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس هو معروفًا بالأذى والفحشاء (٢). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٥٨
_________________
(١) رواه البخاري (٢٤٤٢).
(٢) «الآداب الشرعية» لابن مفلح (١/ ٢٣٥).
[ ٢ / ٣٥٦ ]
سبع وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله الجواد
أن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالجود وكثرة العطاء فإنه يحرص على مواقع فضله ورحمته تعالى، فإنه أجود الأجودين وأكرم الأكرمين فهو يحب الإحسان والجود والعطاء والبر، وذلك أن الفضل كله بيده والخير كله منه. قال الإمام ابن القيم: وفرحه بعطائه وجوده وإفضاله أشد من فرح الآخذ بما يعطاه ويأخذه، أحوج ما هو إليه أعظم ما كان قدرًا، فإذا اجتمع شدة الحاجة وعظم قدر العطية والنفع بها فما الظن بفرح المعطي؟ ففرح المعطي سبحانه بعطائه أشد وأعظم من فرح هذا بما يأخذه ولله المثل الأعلى فما الظن بمن تقدس وتنزه عن ذلك كله؟ ولو أن أهل سماواته وأرضه، وأول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم ورطبهم ويابسهم قاموا في صعيد واحد فسألوه فأعطى كل واحد ما سأله: ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة وهو الجواد لذاته، كما أنه الحي لذاته، العليم لذاته، السميع البصير لذاته فجوده العالي من لوازم ذاته، (١).
والجود صفة الكرماء وشيمة النبلاء، كانت العرب تفاخر به وتطاول حتى تنافس فيه أقوام. وهو عشر مراتب جمعها الإمام ابن القيم في (مدارج السالكين) فقال:
أحدها: الجود بالنفس وهو أعلى مراتبه كما قال الشاعر:
يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود (٢)
الثانية: والجود بالرياسة. وهو ثاني مراتب الجود، ويحمل الجواد جوده على امتهان رياسته والجود بها والإيثار في قضاء حاجات الملتمس.
الثالثة: الجود براحته ورفاهيته، وإجمامه نفسه، فيجود بها تعبًا وكدًا في مصلحة غيره، ومن هذا جود الإنسان بنونه ولذته لمسامره كما قيل:
متيم بالندى لو قال سائله هب لي جميع كرى عينيك لم ينم
الرابعة: الجود بالعلم وبذله، وهو من أعلى مراتب الجود، والجود به أفضل من الجود بالمال، لأن العلم أشرف من المال.
الخامسة: الجود بالنفع بالجاه، كالشفاعة والمشي مع الرجل إلى ذي سلطان، ونحوه وذلك زكاة الجاه المطالب بها العبد، كما أن التعليم وبذل العلم زكاته.
السادسة: الجود ينفع البدن على اختلاف أنواه كما قال ﷺ: «يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين اثنين: صدقة، ويعين الرجل في دابته فيحمله عليها، أو يرفع له عليها متاعه: صدقة، والكلمة الطيبة: صدقة، وبكل خطوة مشيها الرجل إلى الصلاة: صدقة، ويميط الأذى عن الطريق: صدقة» (٣).
السابعة: الجود بالعرض، كجود أبي ضمضم من الصحابة ﵃، كان إذا أصبح قال: اللهم إنه لا مال لي، أتصدق به على الناس، وقد تصدقت عليهم بعرضي، فمن شتمني أو قذفني فهو في حل، فقال النبي ﷺ: «من يستطيع منكم أن يكون كأبي ضمضم» (٤).
الثامنة: الجود بالصبر والاحتمال، والإغضاء، وهذه مرتبة شريفة من مراتبه وهي أنفع لصاحبها من الجود بالمال وأعز له وأنصر، وأملك لنفسه، وأشرف لها، ولا يقدر عليها إلا النفوس الكبار.
_________________
(١) «مدارج السالكين» (١/ ٢٣٣، ٢٣٤).
(٢) «موسوعة الشعر العربي»، معهد البحوث العلمية بجامعة أم القرى (١/ ٥٣٣)، والبيت لأبي الشيص الخزاعي.
(٣) رواه البخاري (٢٩٨٩)، ومسلم (١٠٠٩). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) رواه بنحوه أبو داود (٤٨٨٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦/ ٢٧٥١)، والضياء (٥/ ١٥٠). من حديث أنس ﵁. قال البيهقي: الصحيح رواية من رواه مرسلًا، وقال الضياء: رجاله موثقون والصحيح أنه مرسل.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
التاسعة: الجود بالخلق والبشر والبسطة، وهو فوق الجود بالصبر، والاحتمال والعفو، وهو الذي بلغ بصاحبه درجة الصائم القائم، وهو أثقل ما يوضع في الميزان. قال النبي ﷺ: «لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط إليه» (١).
العاشرة: الجود بتركه ما في أيدي الناس عليهم، فلا يلتفت إليه، ولا يستشرف له بقلبه، ولا يتعرض له بحاله، ولا لسانه، وهذا الذي قال عبد الله بن المبارك: (إنه أفضل من سخاء النفس بالبذل)، فلسان حال القدر يقول للفقير الجواد: وإن لم أعطك بما تجود به على الناس، فجد عليهم بزهدك في أموالهم وما في أيديهم تفضل عليهم، وتزاحمهم في الجود، وتنفرد عنهم بالراحة، ولكل مرتبة من مراتب الجود مزيد وتأثير خاص في القلب والحال، والله ﷾ قد ضمن المزيد للجواد، والإتلاف للإمساك، والله المستعان (٢). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٦١
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٠٨٤)، وأحمد (٥/ ٦٣) (٢٠٦٥١)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٤٨٦) (٩٦٩١)، والطبراني (٧/ ٦٣) (٦٣٨٤)، وابن حبان (٢/ ٢٨١) (٥٢٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦/ ٢٥٢). من حديث أبي جري الجهني ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن عساكر في «معجم الشيوخ» (١١٤٤): حسن غريب، وقال الذهبي في «المهذب» (٨/ ٤٢٥٣): لبعضه طرق عن جابر وإسناده حسن. والحديث رواه مسلم (٢٦٢٦) بلفظ: «لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» من حديث أبي ذر ﵁.
(٢) «مدارج السالكين» (٢/ ٣٠٥ - ٣٠٨) باختصار.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
ثمان وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله القريب
أن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالقرب من داعيه بالإجابة، ومن مطيعه بالإنابة، فإنه يحرص على أن يكون قريبًا من الله بتكميله العبودية، فإنه ليس بين الرب والعبد إلا محض العبودية، فكلما كمل قرب العبد إليه خصه بمزيد فضله، فمن تقرب إليه شبرًا تقرب إليه ذراعًا.
هذا قربه تعالى من عابده، وأما قربه من داعيه فكما في الآية: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: ١٨٦]، وقربه تعالى من عباده وداعيه قرب خاص أخص من قرب الإنابة وقرب الإجابة، الذي لم يثبت أكثر المتكلمين سواه (١).
وبهذا يتبين أن قربه تعالى من عباده نوعان:
أولهما: قربه – تعالى – من قلوب المؤمنين، وقرب قلوبهم منه، وهذا أمر معروف لا يجهل فإن القلوب تصعد إليه على قدر ما فيها من الإيمان والمعرفة به تعالى وذكره وخشيته والتوكل عليه لم ينكره منهم أحد. والثاني: ما دل عليه الحديث ونحوه مثل قربه عشية عرفة، وقربه آخر الليل، كما ثبتت بذلك النصوص. وهذا القرب ينكره أكثر المتكلمين من الجهمية والمعتزلة والأشعرية، وإنكاره منكر (٢).
وللرد على من زعم أن القرب يقصد به الحلول والاتحاد قال الإمام ابن القيم: (وأما ما ذكرتم من أن مشاهدة القرب تجعل القصد قعودًا: فكلام له خبئ، وقد أفصح عنه بعض المغرورين المخدوعين بقوله:
ما بال عينك لا يقر قرارها إلام ظلك لا يني متنقلًا
فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن إلا إليك إذا بلغت المنزلا
وكأن صاحبه يشير إلى أنه وجود قلبه ولسانه، ووجوده أقرب إليه من إرادته ولطفه. هذا خبيء هذا الكلام، وتعالى الله عن إلحاد هذا وأمثاله وإفكهم علوًا كبيرًا، بل هو سبحانه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه.
وأما ما ذكرتم من القرب: فإن أردتم عموم قربه إلى كل لسان من نطفه، وإلى كل قلب من قصده، فهذا – لو صح – لكان قرب قدرة وعلم وإحاطة لا قربًا بالذات والوجود، فإنه سبحانه لا يمازج خلقه، ولا يخالطهم، ولا يتحد بهم مع أن هذا المنى لم يرد عن الله ورسوله، ولا عن أحد من السلف الأخيار تسميته قربًا، ولم يجئ القرب في القرآن والسنة قط إلا خاصًا كما تقدم.
وإن أردتم القرب الخاص إلى اللسان والقلب: فهذا قرب المحبة، وقرب الرضى، والأنس كقرب العبد من ربه وهو ساجد، وهو نوع آخر من القرب لا مثال ولا نظير، فإن الروح والقلب يقربان من الله وهو على عرشه والروح والقلب والبدن، وهذا لا ينافي القصد والطلب، بل هو مشروط بالقصد، فيستحيل وجوده بدونه، وكلما كان الطلب والقصد أتم كان هذا القرب أقوى (٣). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٧١
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (٢/ ٣١٠).
(٢) كتاب «التوحيد» للغنيمان (١/ ٢٦٦).
(٣) «مدارج السالكين» (٢/ ٣٠٠ - ٣٠٢).
[ ٢ / ٣٥٩ ]
تسع وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله الرشيد
أن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالرشد في قوله وفعله وأمره ونهيه، فإنه يطمع في توفيقه تعالى وهدايته له، فمن هداه فهو وليه ومرشده. وفي الدعاء: (اللهم هب لي من لدنك رحمة وهيأ لي من أمري رشدا).
فسبحان من أرشد الصغار من الأطفال والبهائم إلى المنافع، كالتقام الثدي ومص الضرع، والعنكبوت نسيج تلك البيوت، والنحل لصنعة ذلك الشكل، وقس على هذا، فكل موجود في الأرض والسماء جاء على منهج السداد، ومنه سبحانه جاء الرشاد وأعظم الرشاد، إرشاد عباده المؤمنين إلى دينه ودين ملائكته ورسله، وما حوته كتبه ذلك الدين القيم، فعليه أن يحسن معاملة مولاه بما أمره به وعن ما نهاه وهذا غاية الرشد، يدل عليه قوله ﷺ في خطبته: «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يلومن إلا نفسه، ولا يضر الله شيئًا» (١). فقد بين ﷺ أن الرشد في طاعة الله، والغي في معصيته، وعليه أن يرشد عباد الله ويهديهم حتى لا يألفوا أعيادهم وهي –أي الأعادي – كل ذات وصفة من الصفات التي تصدهم عن طاعة الله وعبادته وتوقعهم في حبائل العصيان وشهواته. فإذا اتصف بهذه الصفات تسمى عند الله رشيدًا، ونال منه حظًا مجيدًا، ولله عليه في هذه المنة والفضل كما امتن على إبراهيم فقال: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ [الأنبياء: ٥١] (٢). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي الغامدي -بتصرف– ص: ٤٧٤
_________________
(١) رواه أبو داود (١٠٩٧)، والبيهقي (٣/ ٢١٥) (٥٥٩٤). من حديث ابن مسعود ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود، وصحح إسناده النووي في «شرح صحيح مسلم» (٦/ ١٦٠).
(٢) «الأسنى في شرح الأسماء الحسنى» للقرطبي (١/ ٤٧٤).
[ ٢ / ٣٦٠ ]
ثلاثون: الآثار الإيمانية لاسم الله الصّبور
أن المؤمن عندما يدرك اتصافه تعالى بالصبر فلا يعاجل العصاة بالانتقام منهم ويمهلهم لوقت معلوم، فإن هذا كله يفتح له باب الرجاء ويحثه على الإنابة إلى الله تعالى. قال الإمام ابن القيم: وأما صبره سبحانه فمتعلق بكفر العباد وشركهم، ومسبتهم له سبحانه وأنواع معاصيهم وفجورهم فلا يزعجه ذلك كله إلى تعجيل العقوبة بل يصبر على كيده، ويمهله، ويستصلحه ويرفق به، ويحلم عنه، حتى إذا لم يبق فيه موضع للضيعة، ولا يصلح على الإمهال والرفق بالحلم ولا ينيب إلى ربه ولا يدخل عليه لا من باب الإحسان والنعم، ولا من باب البلاء والنقم أخذه أخذ عزيز مقتدر بعد غاية الإعذار إليه، وبذل النصيحة له ودعائه إليه من كل باب، وهذا كله من موجبات صفة حلمه، وهي صفة ذاتية له لا تزول (١).
ومن مقتضى الإيمان بهذا الاسم الكريم أن يصبر العبد ويتصبر ويصابر، وقد أمر الله بذلك فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ [آل عمران: ٢٠٠] فأمر سبحانه بالصبر على ما يخصه وعلى مصابرة الأعداء والمداومة على الصبر حتى يتخذه إلفًا وصاحبًا وخلًا ومؤانسًا، وقد أخبر أنه يحب الصابرين وأنه معهم والصابرون جمع صابر، والصابر أعلى مقامًا من المتصبر، مر رسول الله ﷺ بامرأة تبكي عند قبر فقال لها: «اتقي الله واصبري» (٢) الحديث، وفيه فقال «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» (٣).
وقلما يكون الصبر عند الصدمة الأولى من المتصبر، وإنما يكون من الصابر أو الصبار أو الصبور، وهي مقامات بعضها فوق بعض (٤). منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٧٨
_________________
(١) «عدة الصابرين» (ص: ٤٢٠، ٤٢١).
(٢) رواه البخاري (١٢٥٢)، ومسلم (٩٢٦). من حديث أنس ﵁.
(٣) رواه البخاري (١٢٨٣)، ومسلم (٩٢٦). من حديث أنس ﵁.
(٤) «الأسنى في شرح الأسماء الحسنى» للقرطبي (١/ ١٤١).
[ ٢ / ٣٦١ ]
واحد وثلاثون: الآثار الإيمانية لأسماء الله الملك – المالك - المليك
١ - إن الملك الحقيقي لله وحده لا يشركه فيه أحد، وكل من ملك شيئا فإنما هو بتمليك الله له، قال ﷺ «لا مالك إلا الله» (١) وفي رواية «لا ملك إلا الله» (٢) (٣).
وقد يسمى بعض المخلوقين ملكا، إذا اتسع ملكه إلا أن الذي يستحق هذا الاسم هو الله جل وعز لأنه مالك الملك، وليس ذلك لأحد غيره، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
فالمخلوقات لا تملك شيئا، وقد أنكر تعالى على المشركين الذين عبدوا هذه المخلوقات التي هي مثلهم في الضعف والعبودية لله تعالى وأنها لا تملك من السماوات والأرض شيئًا ولا مثقال ذرة ولا تنفع أحدًا ولا تضره.
قال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ [النحل: ٧٣].
وقال سبحانه قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ [المائدة: ٧٦].
وقال سبحانه: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ: ٢٢].
وقال سبحانه: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر: ١٣].
فالله ﵎ هو المالك لخزائن السماوات والأرض، بيده الخير، يرزق من يشاء، وهو المالك للموت والحياة والنشور، والنفع والضر وإليه يرجع الأمر كله، فهو المالك لجميع الممالك، العلوية والسفلية وجميع من فيهما مماليك لله فقراء مدبرون.
وهو سبحانه كل يوم هو في شأن يتصرف في ملكوته كيف يشاء، فعن أبي الدرداء ﵁ قال عن النبي ﷺ في قوله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرَّحمن: ٢٩] قال: «من شأنه أن يغفر ذنبًا ويفرج كربًا ويرفع قومًا ويخفض آخرين» (٤). قال تعالى: يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:٢٤٧].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا الدهر فإن الله ﷿ قال: أنا الدهر، الأيام والليالي لي، أجددها وأبليها، وآتي بملوك بعد ملوك» (٥).
ولكن من الناس من يطغى ويظن أنه المالك الحقيقي وينسى أنه مستخلف فقط فيما آتاه الله من ملك ومال وجاه وعقار، فيتكبر ويتجبر ويظلم الناس بغير حق، كما حكى الله سبحانه عن فرعون عليه لعنة الله الذي نسى نفسه وضعفها وزعم لنفسه الملك بل والألوهية، قال تعالى عنه: وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ [الزُّخرف: ٥١].
وهذا كقوله تعالى: فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات: ٢٣ - ٢٤].
_________________
(١) رواه مسلم (٢١٤٣). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه مسلم (٢١٤٣). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) «فتح القدير» (١/ ٢٢).
(٤) رواه ابن ماجه (١٦٨)، والبزار (١٠/ ٣٩)، والطبراني في الأوسط (٣/ ٢٧٨) (٣١٤٠). وحسن إسناده البزار، والبوصيري في «زوائد ابن ماجه» (١/ ٢٩).
(٥) رواه أحمد (٢/ ٤٩٦) (١٠٤٤٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤/ ٣١٦). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٧٤): رجاله رجال الصحيح، وصحح إسناده ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٥٨١).
[ ٢ / ٣٦٢ ]
ودعا قومه إلى هذه الضلالة الكبرى فاستجابوا له فعاقبهم جميعًا، قال تعالى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ [الزخرف: ٥٤ - ٥٦]. وقال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى [النَّازعات: ٢٦].
وإهلاك الله سبحانه لفرعون وقومه عبرة لكل ظالم متكبر من ملوك الأرض، تفرعن على الناس فيما آتاه الله من ملك، وظن أنه مخلد، ونسي أن ملكه زائل وأن إقامته في ملكه مؤقتة وأن الموت مدركه لا محالة، قال تعالى منبهًا عباده إلى ذلك وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ المَصِيرُ [المائدة: ١٨].
٢ - وإذا كان الملك المطلق إنما هو لله وحده لا شريك له، فالطاعة المطلقة إنما هي له وحده لا شريك له، لأن من سواه من ملوك الأرض إنما هم عبيد له وتحت إمرته.
فلا بد من تقديم طاعة الملك الحق على طاعة من سواه وتقديم حكمه على حكم غيره، لأن طاعته سبحانه أوجب من طاعة غيره بل لا طاعة لأحد إلا في حدود طاعته، أما في معصيته فلا سمع ولا طاعة.
٣ - عدم جواز التسمية بملك الملوك:
وقد ورد في ذلك الحديث المتفق عليه حديث سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أخنع اسم عند الله – وقال سفيان غير مرة: أخنع الأسماء عند الله – رجل تسمى بملك الأملاك» (١) وفي رواية «أخنى الأسماء يوم القيامة » (٢).
قال سفيان: يقول غيره (أي غير أبي الزناد» تفسيره شاهان شاه (٣).
ومعنى أخنع: أوضع اسم وأذله. قال أبو عبيد: الخانع الذليل، وخنع الرجل ذل. قال ابن بطال: وإذا كان الاسم أذل الأسماء كان من تسمى به أشد ذلًا.
ومعنى أخنى: أي أفحش اسم من الخنا وهو الفحش في القول.
وجاء في رواية مسلم: «أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه وأغيظه عليه» (٤).
قال ابن حجر: واستدل بهذا الحديث على تحريم التسمي بهذا الاسم لورود الوعيد الشديد ويلتحق به ما في معناه مثل خالق الخلق وأحكم الحاكمين وسلطان السلاطين وأمير الأمراء (٥)
وقال ابن القيم ﵀:
ولما كان الملك الحق لله وحده، ولا ملك على الحقيقة سواه، كان أخنع اسم وأوضعه عند الله، وأغضبه له اسم (شاهان شاه) أي: ملك الملوك، وسلطان السلاطين، فإن ذلك ليس لأحد غير الله، فتسمية غيره بهذا من أبطل الباطل، والله لا يحب الباطل.
وقد ألحق بعض أهل العلم بهذا (قاضي القضاة) وقال: ليس قاضي القضاة إلا من يقضي الحق وهو خير الفاصلين، الذي إذا قضى أمرًا فإنما يقول له: كن فيكون (٦).
٤ - الله سبحانه مالك يوم الدين وملكه:
فالملك في ذلك اليوم العظيم لله وحده لا ينازعه فيه أحد من ملوك الأرض وجبابرتها، قال تعالى: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤].
وقال تعالى: وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ [الأنعام: ٧٣].
وقال تعالى: المُلْكُ يَوْمَئِذٍ للهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ [الحج: ٥٦].
وقال تعالى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ [الفرقان: ٢٦].
وقال تعالى: يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ [غافر: ١٦].
وقد جاء ما يبين ذلك من السنة الشريفة:
_________________
(١) رواه البخاري (٦٢٠٦)، ومسلم (٢١٤٣).
(٢) رواه البخاري (٦٢٠٥).
(٣) رواه البخاري بعد حديث (٦٢٠٦).
(٤) رواه مسلم (٢١٤٣). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) «الفتح» (١٠/ ٥٩٠).
(٦) «الزاد» (٢/ ٣٤٠ - ٣٤١).
[ ٢ / ٣٦٣ ]
فعن عبد الله بن مسعود قال: «جاء حبر إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد! أو يا أبا القاسم! إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع والأرضين على إصبع والجبال والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع ثم يهزهن فيقول: أنا الملك أنا الملك. فضحك رسول الله ﷺ تعجبًا مما قال الحبر، تصديقًا له، ثم قرأ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزُّمر: ٦٧]» (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: «يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض» (٢).
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «يطوي الله ﷿ السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون» (٣).
فهل يجيبه أحد من طغاة الأرض وفراعنتها، كلا بل الجميع خاشعون صامتون وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا [طه: ١٠٨].
ومن الرحمة للخلق أن الله سبحانه هو الملك الوحيد يوم القيامة لأنه الذي يحاسب بالعدل ولا يظلم ولا يجور وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصِّلت: ٤٦]، وقال: وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا [الأنبياء: ٤٧]
وثالثها: قوله تعالى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ لما أثبت لنفسه الملك أردفه بأن وصف نفسه بكونه رحمانًا، يعني إن كان ثبوت الملك له في ذلك اليوم يدل على كمال القهر فكونه رحمانًا يدل على زوال الخوف وحصول الرحمة.
ورابعها: قوله تعالى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس مَلِكِ النَّاسِ فذكر أولًا كونه ربًا للناس ثم أردفه بكونه ملكًا للناس.
وهذه الآيات دالة على أن الملك لا يحسن ولا يكمل إلا مع الإحسان والرحمة، فيما أيها الملوك اسمعوا هذه الآيات، وارحموا هؤلاء المساكين، ولا تطلبوا مرتبة زائدة في الملك على ملك الله تعالى اهـ (٤). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود - بتصرف– ص: ٨٨
_________________
(١) رواه البخاري (٤٨١١)، ومسلم (٢٧٨٦).
(٢) رواه البخاري (٤٨١٢)، ومسلم (٢٧٨٧).
(٣) رواه البخاري (٧٤١٢)، ومسلم (٢٧٨٨).
(٤) «التفسير الكبير» للرازي (١/ ٢٣٩).
[ ٢ / ٣٦٤ ]
اثنان وثلاثون: الآثار الإيمانية لاسم الله القدوس
١) تقديس الله سبحانه وتنزيهه عن النقائص وأنه موصوف بكل كمال، وصفات الكمال هي ما وصف به نفسه سبحانه في كتابه أو ما وصفه به رسوله ﷺ.
وليس معنى التنزيه هو تعطيل صفات الله ونفي معاني أسمائه الحسنى كما ظنه الجهمية والمعتزلة ومن شابههم من الفرق الضالة، وإنما هو تنزيهه عن مشابهة الخلق كما قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشُّورى: ١١].
فتنزيه أهل السنة ليس فيه تعطيل، وإثباتهم ليس فيه تشبيه، والآية السابقة فيها تنزيه وإثبات، وكل تنزيه ونفي في الكتاب فإنما هو لثبوت كمال ضده، فمثلًا نفي الله عن نفسه الظلم بقوله وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصِّلت: ٤٦] وذلك لثبوت كمال العدل له سبحانه وهكذا، وأما النفي المحض فلا كمال فيه وهو مذموم.
وقال الحليمي: (القدوس) ومعناه الممدوح بالفضائل والمحاسن، والتقديس مضمن في صريح التسبيح، والتسبيح مضمن في صريح التقديس، لأن نفي المذام إثبات للمدائح، كقولنا: لا شريك له ولا شبيه له، إثبات أنه واحد أحد، وكقولنا: لا يعجزه شيء، إثبات أنه قادر قوي، وكقولنا: إنه لا يظلم أحدًا، إثبات أنه عدل في حكمه.
وإثبات المدائح له نفي للمذام عنه كقولنا: إنه عالم، نفي للجهل عنه، وكقولنا: إنه قادر، نفي للعجز عنه، إلا أن قولنا هو كذا، ظاهره التقديس، وقولنا ليس بكذا، ظاهره التسبيح، لأن التسبيح موجود في ضمن التقديس، والتقديس موجود في ضمن التسبيح.
وقد جمع الله ﵎ بينهما في صورة (الإخلاص) فقال عز اسمه: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ فهذا تسبيح، والأمران راجعان إلى إفراده وتوحيده ونفي الشريك والتشبيه عنه (١).
٢) وكما أنه منزه عن النقائص في صفاته وأسمائه الحسنى، فهو أيضًا منزه عن النقص في أقواله وأفعاله.
فقوله الصدق وخبره الحق، قال سبحانه وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا [النساء: ٨٧] وقال وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا [النساء: ١٢٢].
وفعله منزه عن الخطأ والنسيان وغيرها من الآفات، قال سبحانه وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ [الأنعام: ١١٥] أي صدقًا فيما قال وأخبر ووعد، وعدلًا فيما حكم وشرع من أحكام.
وقال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦] أي تعالى وتقدس وتنزه عن أن يخلق شيئا عبثًا أو سفهًا.
٣) كان النبي ﷺ يكثر من ذكر هذا الاسم في ركوعه وسجوده. فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح (٢).
وكان يسبح الله به بعد فراغه من الوتر كما جاء في حديث أبي بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد فإذا سلم قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات (٣). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٩٩
_________________
(١) «المنهاج في شعب الإيمان» (١/ ١٩٧) وذكره ضمن الأسماء التي تتبع نفي التشبيه عن الله تعالى جده، ونقله البيهقي في «الأسماء» (ص: ٣٨).
(٢) رواه مسلم (٤٨٧).
(٣) رواه النسائي (٣/ ٢٤٤)، وأحمد (٣/ ٤٠٦) (١٥٣٩٨)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٨/ ١٠٨) (٨١١٥). والحديث صحح إسناده النووي في «الأذكار» (١٢٠)، وصححه ابن دقيق في «الإلمام بأحاديث الأحكام» (١/ ٢٢٩) على طريقة أهل الحديث - كما اشترط في المقدمة -، وابن حجر في «نتائج الأفكار» (٣/ ٢١).
[ ٢ / ٣٦٥ ]
ثلاث وثلاثون: الآثار الإيمانية لاسم الله السلام
١) الله ﷾ هو (السلام) أي السالم من كل نقص وآفة وعيب، فمعناه قريب من القدوس.
وقيل إن القدوس: إشارة إلى براءته عن جميع العيوب في الماضي والحاضر، والسلام: إشارة إلى أنه لا يطرأ عليه شيء من العيوب في الزمان المستقبل، فإن الذي يطرأ عليه شيء من العيوب تزول سلامته ولا يبقى سليمًا (١).
٢) الله سبحانه هو المسلم على عباده وأوليائه في الجنة، قال تعالى خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ [إبراهيم: ٢٣].
وقال سبحانه: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا [الأحزاب: ٤٤]. وقال سَلامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ [يس: ٥٨].
فالله تعالى يحيي عباده في الجنة بالسلام عليهم، والجنة هي دار السلام من الموت والمرض وسائر الآفات. قال تعالى: لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ [الأنعام: ١٢٧] وقال وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ [يونس: ٢٥].
٣) والله تعالى هو المسلم على أنبيائه ورسله، لإيمانهم وإحسانهم وطاعتهم له وتحملهم في سبيله أعظم الشدائد، فيؤمنهم في الآخرة فلا يخافون ولا يفزعون.
وقيل: سلم الله تعالى عليهم ليقتدي بذلك البشر فلا يذكرهم أحد بسوء (٢).
قال تعالى سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ [الصافات: ٧٩].
وقال سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الصافات: ١٠٩].
وقال سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ [الصافات: ١٢٠]
وقال تعالى سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ [الصافات: ١٣٠].
وقال وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ [الصافات: ١٨١].
وقال سبحانه قُلِ الحَمْدُ للهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى [النمل: ٥٩].
قال الخطابي: أخبرني أحمد بن إبراهيم بن مالك حدثنا موسى بن إسحاق الأنصاري عن صدقة بن الفضل قال سمعت سفيان بن عيينة يقول: أوحش ما تكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجًا مما كان، ويوم يموت فيرى قومًا لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم. قال: فأكرم الله فيها يحيى فخصه بالسلام فقال وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا [مريم: ١٥]، كأنه أشار إلى أن الله جل وعز سلم يحيى من شر هذه المواطن الثلاثة وأمنه من خوفها.
وكذا عباده المؤمنين فإن الملائكة تسلم عليهم عند قبض أرواحهم وتطمئنهم وتؤمنهم. قال تعالى الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل: ٣٢]. فالملائكة تبشرهم بالفوز بالجنة والنجاة من عقاب الله والنار.
٤) الأمر بإفشاء الاسم وأنه سبب في دخول الجنة:
_________________
(١) انظر: «التفسير الكبير» للرازي (٢٩/ ٢٩٣).
(٢) «تفسير البحر المحيط» لأبي حيان (٧/ ٣٤٩).
[ ٢ / ٣٦٦ ]
وإفشاء السلام من شعائر الإسلام العظيمة التي يتهاون فيها كثير من المسلمين وهي من أوائل ما دعا إليه النبي ﷺ عندما وصل إلى المدينة، فعن عبد الله بن سلام قال: أول ما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، فكنت فيمن جاءه، فلما تأملت وجهه واستثبته علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب. قال: وكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: «أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» (١).
٥) لا يقال السلام على الله:
جاء ذلك في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا نصلي خلف النبي ﷺ فنقول: السلام على الله. فقال النبي ﷺ: «إن الله هو السلام ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليكم أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله» (٢).
قال البيضاوي ما حاصله: أنه ﷺ أنكر التسليم على الله وبين أن ذلك عكس ما يجب أن يقال، فإن كل سلام ورحمة له ومنه وهو مالكها ومعطيها (٣).
وقال الخطابي: المراد أن الله هو ذو السلام فلا تقولوا السلام على الله فإن السلام منه بدأ وإليه يعود (٤).
ولذلك أمر النبي ﷺ المسلمين أن يقولوا: التحيات لله. قال ابن حجر: جمع تحية ومعناها السلام. وقيل: البقاء. وقيل: العظمة. وقيل: السلامة من الآفات والنقض. وقيل: الملك.
وقال ابن قتيبة: لم يكن يحيا إلا الملك خاصة، وكان لكل ملك تحية تخصه فلهذا جمعت، فكان المعنى التحيات التي كانوا يسلمون بها على الملوك كلها مستحقة لله.
وقال المحب الطبري: يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركًا بين المعاني المقدم ذكرها، وكونها بمعنى السلام أنسب هنا (٥).
وجاء في حديث أنس قال: قال جبريل للنبي ﷺ إن الله يقرئ خديجة السلام، يعني فأخبرها. فقالت: «إن الله هو السلام وعلى جبريل السلام وعليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته» (٦).
قال العلماء: في هذه القصة دليل على وفور فقهها لأنها لم تقل (وعليه السلام) كما وقع لبعض الصحابة حيث كانوا يقولون في التشهد (السلام على الله) فنهاهم النبي ﷺ فعرفت خديجة ﵂ لصحة فهمها أن الله لا يرد ﵇ كما يرد على المخلوقين لأن السلام اسم من أسماء الله تعالى. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود - بتصرف– ص: ١٠٥
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٤٨٥)، وابن ماجه (١٣٣٤)، وأحمد (٥/ ٤٥١) (٢٣٨٣٥)، والدارمي (١/ ٤٠٥) (١٤٦٠)، والحاكم (٣/ ١٤). من حديث عبدالله بن سلام ﵁. قال الترمذي: صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وقال البغوي في «شرح السنة» (٢/ ٤٦٣): حسن صحيح.
(٢) رواه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢).
(٣) «الفتح» (٢/ ٣١٢).
(٤) «الفتح» (٢/ ٣١٢).
(٥) «الفتح» (٢/ ٣١٢)، وانظر كذلك «النهاية لابن الأثير» (١/ ١٨٣).
(٦) رواه النسائي في «السنن الكبرى» (٥/ ٩٤)، والضياء (٢/ ٢٦٦). وقال: له شاهد، وحسنه الوادعي في «الصحيح المسند» (١١٦).
[ ٢ / ٣٦٧ ]
أربع وثلاثون: الآثار الإيمانية لاسم الله المؤمن
١) إن الله ﷾ هو المؤمن الموحد لنفسه، وقد أخبر عن وحدانية نفسه في قوله تعالى شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران: ١٨].
فالله صدق نفسه بهذا، وتصديقه علمه بأنه صادق، وهذا التصديق إيمان.
وأخبر تعالى أنه سيري خلقه علامات وحدانيته ودلائل إلهيته وعظمته، قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصِّلت: ٥٣].
٢) إنه سبحانه صدق أنبياءه بإظهار الآيات الباهرة على أيديهم التي تبين للناس أنهم صادقون في ادعائهم أنهم رسل الله ولتحملهم على الدخول في دين الله، قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٤٩].
وقال: وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ [آل عمران: ٥٠].
٣) إنه تعالى يصدق عباده ما وعدهم به من النصر في الدنيا والتمكين في الأرض ومن الثواب في الآخرة، ويصدق الكفار ما أوعدهم من العقاب والخذلان في الدنيا والآخرة، قال تعالى وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ [النور: ٥٥].
ومن نظر إلى سيرة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين علم صدق وعد الله لعباده المخلصين.
وقال تعالى: وَنَادَى أَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ [الأعراف: ٤٤].
وقال وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [الزمر: ٧٤].
٤) إنه يأمن عذابه من لا يستحقه، ويهب الأمن لعباده المؤمنين يوم القيامة، قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ.
وقال تعالى أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [فصلت: ٤٠].
وقال لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ [الأنبياء: ١٠٣].
وقال مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ [النمل: ٨٩].
٥) وأما المؤمن فقد وجب عليه أن يأمن المؤمنون شره وغوائله. فقد قال ﷺ: «والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن: قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه» (١) أي لا يكون الرجل مؤمنًا كامل الإيمان حتى يأمن جاره بوائقه أي: شروره وغوائله.
وقال أيضا ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٢).
وعن فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: «ألا أخبركم بالمؤمن! من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده» (٣). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ١٠٥
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠١٦) من حديث أبي شريح العدوي ﵁.
(٢) رواه البخاري (١٠)، ومسلم (٤٠). من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
(٣) رواه ابن ماجه (٣١٩٣)، أحمد (٦/ ٢١) (٢٤٠٠٤)، وابن حبان (١١/ ٢٠٣) (٤٨٦٢). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٢٦٨): إسناده صحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٢٧١): رجاله ثقات، وصحح إسناده ابن حجر في «مختصر البزار» (١/ ٤٦٤)، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».
[ ٢ / ٣٦٨ ]
خمس وثلاثون: الآثار الإيمانية لاسم الله المهيمن
١ - إن الله سبحانه هو الشاهد على خلقه بما يصدر منهم من قول أو فعل، لا يغيب عنه من أفعالهم شيء، وله الكمال في هذا فلا يضل ولا ينسى ولا يغفل وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: ٧٤].
٢ - جعل الله تعالى كلامه المنزل على خاتم أنبيائه ورسله ﷺ مهيمنًا على ما قبله من الكتب، فقال سبحانه: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ [المائدة: ٤٨].
قال ابن الحصار: ومعنى قوله تعالى: وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ أي: عال، وعلوه على سائر كتب الله، وإن كان الكل كلام الله تعالى بأمور:
أحدها: بما زاد عليها من السور، فقد جاء في حديث الصحيح أن نبينا ﷺ خص بسورة الحمد وخواتيم سورة البقرة (١).
والأمر الثاني: أن جعله الله قرآن عربيًا مبينًا، وكل نبي قد بين لقومه بلسانهم – كما أخبر الله تعالى – ولكن للسان العرب مزية في البيان.
والثالث: أن جعل نظمه وأسلوبه معجزًا، وإن كان الإعجاز في سائر الكتب المنزلة من عند الله سبحانه، من حيث الإخبار عن المغيبات، والإعلام بالأحكام المحكمات، وسنن الله المشروعات، وغير ذلك، وليس فيها نظم وأسلوب خارج عن المعهود.
فكان أعلى منها بهذه المعاني، ولهذا المعنى الإشارة بقوله الحق: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: ٤]. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ١٢٠
_________________
(١) الحديث رواه مسلم (٨٠٦) من حديث ابن عباس ﵄. بلفظ: «.. أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته».
[ ٢ / ٣٦٩ ]
ست وثلاثون: الآثار الإيمانية لاسم الله الجبار
١ - إن الله تعالى هو الجبار الذي له العلو على خلقه، علو الذات، وعلو القدر والصفات، وعلو القهر والجبر، لا يدنو منه الخلق إلا بأمره، ولا يشفعون أو يتكلمون إلا من بعد إذنه، لن يبلغوا ضره فيضروه، ولن يبلغوا نفعه فينفعوه.
٢ - جبر الله تعالى خلقه على ما أراد أن يكونوا عليه من خلق، لا يمتنع عليه شيء منهم أبدًا إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢].
وقال تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [آل عمران: ٨٣].
وقال: إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ [الأعراف: ٥٤].
وقال: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ [فصِّلت: ١٢].
أي: استجيبا لأمري، وانفعلا لفعلي، طائعتين أو مكرهتين.
٣ - والله سبحانه جبر خلقه أيضًا على ما شاء من أمر أو نهي، بمعنى أنه شرع لهم من الدين ما ارتضاه هو، كما قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة: ١].
فشرع لهم من الشرائع ما شاء، وأمرهم باتباعها ونهاهم عن العدول عنها، فمن أطاع فله الجنة ومن عصى فله النار. ولم يجبر أحدًا من خلقه على إيمان أو كفر، بل لهم المشيئة في ذلك كما قال سبحانه: وَقُلِ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩].
وقال: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا [الشمس: ٧ - ١٠]. وهم مع ذلك لا يخرجون عن مشيئته.
ولو شاء الله لهدى الناس جميعًا، ولم يجعل لهم اختيارًا كما قال سبحانه: أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا [الرعد: ٣١]، وقال: وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا [السجدة: ١٣].
٤) الجبروت لله وحده وقد مدح الله بهذا الاسم نفسه وأما في حق الخلق فهو مذموم فما الفرق؟.
الفرق أنه سبحانه قهر الجبابرة بجبروته وعلاهم بعظمته لا يجري عليه حكم حاكم فيجب عليه انقياده، ولا يتوجه عليه أمر آمر فيلزمه امتثاله، آمر غير مأمور، قاهر غير مقهور لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: ٢٣].
وأما الخلق فهم موصوفون بصفات النقص مقهورون مجبورون تؤذيهم البقة وتأكلهم الدودة، وتشوشهم الذبابة، أسير جوعه، وصريع شبعه ومن تكون هذه صفته كيف يليق به التكبر والتجبر؟! (١)
_________________
(١) «شرح الأسماء» للرازي (ص: ١٩٩).
[ ٢ / ٣٧٠ ]
وقد أنكرت الرسل على أقوامها صفة التجبر والتكبر في الأرض بغير الحق كما قال تعالى عن هود ﷺ أنه قال لقومه وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ إلى أن قال إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء: ١٣٠ - ١٣٥]. ولكنهم عاندوا واتبعوا أمر جبابرتهم فهلكوا أجمعين. قال تعالى وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ [هود: ٥٩].
وقد كان التجبر سببا للطبع على قلوبهم فلم تعرف معروفًا ولم تنكر منكرًا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [غافر: ٣٥].
وقد توعد الله سبحانه الجبابرة بالعذاب والنكال، توعدهم بجهنم وبئس المهاد. قال تعالى وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٥ - ١٧].
وقال ﷺ: «يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد وبكل من دعا مع الله إلها آخر وبالمصورين» (١).
وقال ﷺ: «تحاجت الجنة والنار فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين » (٢).
٥) الأرض كلها خبزة بيد الجبار ﷾ يوم القيامة:
عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة » (٣).
٦) وكان النبي ﷺ يدعو بين السجدتين فيقول: «اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني وارفعني واهدني وعافني وارزقني» (٤).
فكان يدعو بما دل عليه اسم الجبار جل وعلا.
قال ابن الأثير: وأجبرني أي أغنني، من جبر الله مصيبته: أي رد عليه ما ذهب منه وعوضه، وأصله من جبر الكسر (٥).
وكان يعظم ربه أيضًا بهذا الاسم في الصلاة في الركوع والسجود كما جاء في حديث عوف بن مالك الأشجعي أنه كان يقول في ركوعه: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة» (٦)، وفي سجوده مثل ذلك. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ١٣٣
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٥٧٤)، وأحمد (٢/ ٣٣٦) (٨٤١١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ١٩٠). من حديث أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١٦/ ١٨٤).
(٢) رواه البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه البخاري (٦٥٢٠)، ومسلم (٢٧٩٢).
(٤) رواه أحمد (١/ ٣٧١) (٣٥١٤)، والطبراني (١٢/ ٢٠) (١٢٣٧٨)، والبيهقي (٢/ ١٢٢) (٢٨٥٧). من حديث ابن عباس ﵄. والحديث صحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٥/ ١٧٢).
(٥) «النهاية» (١/ ٢٣٦).
(٦) رواه أبو داود (٨٧٣)، والنسائي (٢/ ١٩١)، وأحمد (٦/ ٢٤) (٢٤٠٢٦). والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه النووي في «المجموع» (٤/ ٦٧)، وحسنه ابن حجر في «نتائج الأفكار» (٢/ ٧٤).
[ ٢ / ٣٧١ ]
سبع وثلاثون: الآثار الإيمانية لاسم الله المتكبر والكبير
١) إن الله أكبر من كل شيء، وأكبر من أن يعرف كنه كبريائه وعظمته وأكبر من أن نحيط به علمًا. قال تعالى وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠]، فالله جلت عظمته أكبر من أن نعرف كيفية ذاته أو صفاته ولذلك نهينا عن التفكر في الله لأننا لن ندرك ذلك بعقولنا الصغيرة القاصرة المحدودة، فقد قال ﷺ «تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله ﷿» (١).
وقد وقع الفلاسفة في ذلك وحاولوا أن يدركوا كيفية وماهية ربهم بعقولهم فتاهوا وضلوا ضلالًا بعيدًا ولم يجنوا سوى الحيرة والتخبط والتناقض فيما سطروه من الأقوال والمعتقدات.
فمن أراد معرفة ربه وصفاته فعليه بطريق الرسول ﷺ لأنه أعلم الخلق بالله وصفاته، فعليه أنزل الكتاب العزيز الذي لا تكاد الآية منه تخلو من صفة لله سبحانه سواء كانت ذاتية أو فعلية أو اسم من أسمائه الحسنى، وعليه أيضًا أنزلت السنة الشارحة والمفصلة للكتاب، فطريقه ﷺ هو الطريق الأسلم ومنهجه هو المنهج الأقوم، فمن اتبعه كان من الناجين، ولذلك بين في الحديث الصحيح أن الفرقة الناجية هي ما كان عليه هو وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين في المعتقد والعبادة والسلوك.
٢) إن التكبر لا يليق إلا به ﷾، فصفة السيد التكبر والترفع وأما العبد فصفته التذلل والخشوع والخضوع.
وقد توعد الله سبحانه المتكبرين بأشد العذاب يوم القيامة. قال تعالى فَاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ [الأحقاف: ٢٠].
وقال أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ [الزُّمر: ٦٠].
واستكبارهم هذا: هو رفضهم الانقياد لله ولأمره ورفضهم عبادة ربهم كما قال تعالى إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصَّفات: ٣٥]، فرفضوا الإذعان لكلمة التوحيد وقوله سبحانه أَفَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ [الجاثية: ٣١] يبين أنهم رفضوا الحق الذي جاءت به الرسل وردوه ولم يقبلوه، وقوله سبحانه قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ [الشعراء: ١١١] يبين أنهم احتقروا أتباع الرسل لكونهم من ضعفة الناس وفقراءهم فلم يدخلوا في جماعتهم ولم يشاركوهم في الإيمان بما جاءت به الرسل.
وكان الكبر سببا للطبع على قلوبهم فلم تعد تعرف معروفا ولا تنكر منكرا. قال تعالى كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [غافر: ٣٥].
فالحاصل أن الكبر كان سببا في هلاك الأمم السابقة بل كان السبب في هلاك إبليس عليه لعنة الله وطرده من رحمة الله لأنه أبي أن يسجد لآدم ﷺ واستكبر على أمر ربه سبحانه، قال تعالى إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ [البقرة: ٣٤].
٣) ولا يكاد يخلو طاغية في الأرض من هذا المرض العضال، الذي كثرت الآيات فيه والأحاديث المحذرة منه، والآمرة بالتواضع.
_________________
(١) رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٦/ ٢٥٠) (٦٣١٩)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ١٣٦). من حديث ابن عمر ﵄. والحديث حسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٩٧٥).
[ ٢ / ٣٧٢ ]
ودواؤه أن يتذكر العبد دومًا أنه لا حول له ولا قوة إلا بربه وأن الله هو الكبير المتعال على الخلق أجمعين، القادر على الانتقام من الأقوياء للضعفاء والمساكين كما جاء في قوله تعالى وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [النساء: ٣٤] أي والنساء اللاتي تتخوفون أن يعصين أزواجهن فذكروهن بالله فإن هي رجعت وإلا هجرها فإن أقبلت وإلا ضربها ضربا غير مبرح فإذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريده منها مما أباحه الله فلا سبيل له عليها، وقوله إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب فإن الله العلي الكبير وليهن، وهو منتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن (١).
فذكر الله الرجال بأنه هو العلي الكبير ليحذرهم من الظلم والتكبر والطغيان على المرأة الضعيفة.
٤) والكبر يمنع أيضا من طلب العلم والسؤال عنه، لأن المتكبر يترفع عن الجلوس بين يدي العالم للتعلم ويرى أن في ذلك مهانة له ويؤثر البقاء على الجهل فيجمع بين الكبر والجهل، بل قد يجادل ويناقش ويخوض في المسائل بدون علم حتى لا يقال أنه لا يعلم فيصغر عند الناس، قال تعالى ذكره وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج: ٨ - ٩].
أي ومن الناس من يجادل في الله بغير علم صحيح ولا نقل صريح بل بمجرد الرأي والهوى وإذا دعي إلى الحق ثنى عطفه أي لوى رقبته مستكبرًا عما يدعى إليه من الحق كقوله تعالى وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ فأخبر تعالى أن له في الدنيا الخزي وهو الإهانة والذل لأنه استكبر عن آيات الله فجوزي بنقيض قصده وله في الآخرة عذاب النار المحرقة.
ونحوه قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [غافر: ٥٦]. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ١٤١
_________________
(١) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٤٩١ - ٤٩٢).
[ ٢ / ٣٧٣ ]
ثمان وثلاثون: الآثار الإيمانية لأسماء الخالق – الخلاق – البارئ – المصور
١) أخبر تعالى عن نفسه أنه هو الخالق وحده وما سواه مخلوق، قال تعالى قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الوَاحِدُ القَهَّارُ [الرعد: ١٦]. وقال سبحانه هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ [فاطر: ٣].
فكل ما سوى الله مخلوق محدث، كائن بعد أن لم يكن، وكل المخلوقات سبقها العدم كما قال ﷿ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان: ١].
وهذا قول الرسل جميعا وأتباعهم، وخالف في ذلك الفلاسفة القائلين بقدم العالم وأبديته وأنه لم يكن معدومًا أصلًا، بل لم يزل ولا يزال، ولكن الكتاب يرد ذلك ويرفضه (١).
٢) أن الله سبحانه لم يزل خالقًا كيف شاء ومتى شاء ولا يزال، لقوله سبحانه قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [آل عمران: ٤٧].
وقوله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص: ٦٨]. وقوله سبحانه: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ [البروج: ١٥ - ١٦]. وليس بعد خلق الخلق استفاد اسم (الخالق)، ولا بإحداثه البرية استفاد اسم (الباري)، وذلك من كماله، ولا يجوز أن يكون فاقدًا لهذا الكمال، أو معطلًا عنه في وقت من الأوقات، قال تعالى أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [النحل: ١٧].
٣) إن الله تعالى ذكره خالق كل شيء. قال تعالى: ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [غافر: ٦٢].
ومن جملة مخلوقاته أفعال العباد وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يدل هذا على أن العبد ليس بفاعل على الحقيقة ولا مريد ولا مختار، بل هو فاعل لفعله حقيقة، وأن إضافة الفعل إليه إضافة حق، وأنه يستوجب عليه المدح والذم والثواب والعقاب، لكن لا يدل هذا أنه واقع بغير مشيئة الله وقدرته.
والدليل على أن أفعال العباد مخلوقة قوله تعالى وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦] فأفعالهم لله تعالى خلق ولهم كسب، ولا ينسب شيء من الخلق لغير الله تعالى، فيكون شريكا وندا ومساويا له في نسبة الفعل إليه، وقد نهى الله سبحانه عن ذلك بقوله فَلَا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢] وقد وقع في ذلك القدرية نفاة القدر، الذين جعلوا العباد خالقين مع الله تعالى، ولهذا كانوا (مجوس هذه الأمة) بل أردأ من المجوس من حيث أن المجوس أثبتوا خالقين، خالقًا للخير وخالقا للشر، وأما هؤلاء فقد أشركوا جميع العباد في الخلق فقالوا هم يخلقون أفعالهم، وخالفوا بذلك الكتاب والسنة وأهل الحق (٢).
٤) خلق الله عظيم محكم فلا يستطيع مخلوق أن يخلق مثله، فضلًا عن أن يخلق أفضل منه، قال ﷾: هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [لقمان: ١١]. وفي الآية تحدي لجميع الخلق من الجن والإنس وغيرهم.
_________________
(١) قال ابن تيمية في «درء تعارض العقل والنقل» (٢/ ١٦٧): وقد نقل غير واحد أن أول من قال بقدم العالم من الفلاسفة أرسطو.
(٢) انظر: «العقيدة الطحاوية» (ص: ٤٩٣ - ٥٠٢)، و«الفتح» (١٣/ ٤٩١ - ٤٩٥).
[ ٢ / ٣٧٤ ]
وقد أثبت الله عجزهم عن خلق خلق ضعيف حقير كالذباب مثلًا ولو اجتمعوا على ذلك وتعاونوا عليه، قال ﷿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الحج:٧٣ - ٧٤.
٥) ولذلك حرم الله على عباده أن يصوروا الصور ذات الأرواح لما فيها من مضاهاة لخلق الله، أي تشبيه ما يصنعونه ويصورونه من الصور بما يصنعه ويصوره الله كما جاء في رواية مسلم «الذين يشبهون بخلق الله» (١).
وقد وردت أحاديث كثيرة في توعد المصورين بأشد العذاب كقوله ﷺ «إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون» (٢)، وقوله ﷺ «إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم أحيوا ما خلقتم» (٣)، وهو أمر تعجيز ويستفاد منه صفة تعذيب المصور وهو أن يكلف نفخ الروح في الصورة التي صورها وهو لا يقدر على ذلك فيستمر تعذيبه. قاله الحافظ (٤).
وجاء في الحديث القدسي قوله تعالى: «ومن أظلم مم ذهب – أي قصد – يخلق خلقًا كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة» (٥).
فتحداهم الخالق سبحانه بأن يخلقوا ذرة وهي النملة الصغيرة، ثم زاد في التحدي بأن طلب منهم أن يخلقوا حبة أو شعيرة وهو من الجماد الذي لا حركة فيه نسبيًا إذا ما قيس بالنسبة للنمل الذي يتحرك.
وقال بعض الملحدة يومًا: أنا أخلق! فقيل له: فأرنا خلقك؟ فأخذ لحمًا فشرحه، ثم جعل بينه روثًا ثم جعله في كوز وختمه ودفعه إلى من حفظه عنده ثلاثة أيام، ثم جاء به إليه فكسر الخاتم وإذا الكوز ملآن دودًا، فقال: هذا خلقي!! فقال له بعض من حضر: فكم عدده؟ فلم يدر، فقال: كم منه ذكور وكم منه إناث، وهل تقوم برزقه؟ فلم يأت بشيء، فقال له: الخالق الذي أحصى كل ما خلق عددًا، وعرف الذكر من الأنثى، ورزق ما خلق، وعلم مدة بقاءه وعلم نفاد عمره، قال الله ﷿: اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [الرُّوم: ٤٠] وقال: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [السجدة: ٧] (٦).
وقد قسم النووي – ﵀ – المصورين إلى ثلاثة أقسام:
أ- من فعل الصورة لتعبد وهو صانع الأصنام ونحوها فهذا كافر وهو أشدهم عذابا.
ب- من فعل الصورة وقصد مضاهاة خلق الله تعالى واعتقد ذلك، فهذا كافر له من أشد العذاب ما للكفار ويزيد عذابه بزيادة قبح كفره.
ج- من لم يقصد بالصورة العبادة ولا المضاهاة فهو فاسق صاحب ذنب كبير ولا يكفر كسائر المعاصي اهـ (٧).
_________________
(١) رواه مسلم (٢١٠٧). من حديث عائشة ﵂.
(٢) رواه البخاري (٥٩٥٠)، ومسلم (٢١٠٩). من حديث ابن مسعود ﵁.
(٣) رواه البخاري (٥٩٥١)، ومسلم (٢١٠٨). من حديث ابن عمر ﵄.
(٤) «الفتح» (١٠/ ٣٨٤).
(٥) رواه البخاري (٧٥٥٩)، ومسلم (٢١١١). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) «الحجة في المحجة» (١/ ١٤٣)
(٧) «شرح مسلم» (١٤/ ٩١)، وانظر: «الفتح» (١٠/ ٣٨٣ - ٣٨٤).
[ ٢ / ٣٧٥ ]
٦) وجود هذا الخلق العظيم المحيط بنا من كل ناحية دليل على قدرة الخالق وعلى عظمته وكماله، فالإنسان يعجز في كثير من الأحيان عن معرفة جوانب كثيرة من الأرض التي يعيش عليها، مع أنها صغيرة جدًا إذا ما قيست بالنسبة لبقية الكون الفسيح المليء بملايين النجوم المضيئة والشموس والأقمار والتي يعجز عن حصرها أو عدها، وهذا كله في السماء الدنيا، التي فوقها ست سماوات طباق، بعضها فوق بعض وفوقهن جميعًا الكرسي، ومن عظمة خلق هذا الكرسي واتساعه أنه يستوعب السماوات السبع والأرض جميعًا، قال تعالى وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة: ٢٥٥] والعرش أعظم من ذلك والخالق سبحانه فوق العرش، وهو جلت عظمته أكبر من كل شيء وأعظم.
وبذلك تعلم أن خلق الإنسان ضعيف جدًا، إذا ما قورن بالسماوات السبع والكرسي والعرش كما قال تعالى لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [غافر: ٥٧] وقوله تعالى أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا [النازعات: ٢٧ - ٢٩].
٧) وأخيرا يجب أن نعلم أن الله ﷾ ما خلق هذا الخلق العظيم لهوا ولعبًا، ولا خلقه عبثا وإنما خلقه لغاية عظيمة، قال تعالى أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦] أي أفظننتم أنكم مخلوقون عبثًا بلا قصد ولا حكمة لنا فيكم، فتعالى الله أي تقدس وتنزه عن ذلك ثم ذكر العرش لأنه سقف جميع المخلوقات (١).
وقال ﷿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء: ١٨].
قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه خلق السماوات والأرض بالحق – أي بالعدل – ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى وأنه لم يخلق ذلك عبثًا ولا لبعًا (٢).
وأبان تعالى عن هذه الغاية العظيمة بقوله وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [الذاريات: ٥٦ - ٥٧]. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ١٥٧
_________________
(١) من «تفسير ابن كثير» (٣/ ٢٥٩) ملخصًا.
(٢) «تفسير ابن كثير» (٣/ ١٧٤ - ١٧٥).
[ ٢ / ٣٧٦ ]
تسع وثلاثون: الآثار الإيمانية لأسماء الله الغافر – الغفور – الغفار
١) وصف الله سبحانه نفسه بأنه غفار وغفور للذنوب والخطايا والسيئات لصغيرها وكبيرها، وحتى الشرك إذا تاب منه الإنسان واستغفر ربه، قبل الله توبته وغفر له ذنبه، قال تعالى قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزُّمر: ٥٣] وقال تعالى وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ١١٠].
فمهما عظمت ذنوب هذا الإنسان فإن مغفرة الله ورحمته أعظم من ذنوبه التي ارتكبها قال تعالى إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المَغْفِرَةِ [النَّجم: ٣٢].
وقد تكفل الله سبحانه بالمغفرة لمن تاب وآمن، قال تعالى وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه: ٨٢].
بل من فضله وجوده وكرمه أن تعهد بأن يبدل سيئات المذنبين إلى حسنات، قال تعالى عن التائبين فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: ٧٠].
٢) ولكن لا يجوز للمسلم أن يسرف في الخطايا والمعاصي والفواحش بحجة أن الله غفور رحيم، فالمغفرة إنما تكون للتائبين الأوابين، قال تعالى إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا [الإسراء: ٢٥]، وقال سبحانه إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [النمل: ١١].
فاشترط تبدل الحال من عمل المعاصي والسيئات إلى عمل الصالحات والحسنات لكي تتحقق المغفرة والرحمة. وقوله تعالى إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨] يبين أن المقيم على الشرك حتى الوفاة لا غفران لذنوبه لأنه لم يبدل حسنًا بعد سوء، وكذا قوله تعالى عن المنافقين سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ [المنافقون: ٦] لأنهم لم يخلصوا دينهم لله ولم يصلحوا من أحوالهم وأما إذا حصل ذلك فإن المغفرة تحصل لهم مع المؤمنين قال تعالى إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ للهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ المُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: ١٤٦]
٣) اتصاف الله سبحانه بأنه (غفار) للذنوب والسيئات، فضل من الله ورحمة عظيمة للعباد، لأنه غني عن العالمين، لا ينتفع بالمغفرة لهم، لأنه سبحانه لا يضره كفرهم أصلًا، ولا يغفر لهم خوفًا منهم أيضًا، لأنه قوي عزيز، قد قهر كل شيء وغلبه ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وقد نبه الله عباده إلى هذا الأمر في القرآن الكريم عدة مرات، باقتران اسمه (الغفور) مع (العزيز) كقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر: ٢٨] وقوله أَلَا هُوَ العَزِيزُ الغَفَّارُ [الزُّمر: ٥] فمع عزته وقهره، إلا أنه غفور رحيم. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود- بتصرف– ص: ١٦٥
[ ٢ / ٣٧٧ ]
أربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله القاهر – القهار
١) إن القهار على الحقيقة هو الله وحده سبحانه، هو قهر وغلب عباده أجمعين، حتى إن أعتى الخلق يتضاءل ويتلاشى أمام قهر الله وجبروته، فها هو الموت الذي كتبه الله على عباده لا يستطيع الخلق رده أو دفعه عن أنفسهم، ولو أوتوا من القوة والجبروت ما أوتوا، وقد ذكر الله الموت قريبًا من وصفه نفسه بـ (القاهر) لذكرهم بشيء قد قهرهم به أجمعين وذلك في قوله وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام: ٦١ - ٦٢].
ومما قهرهم به أيضًا: الأمراض والمصائب والنكبات التي لا يملكون ردها عن أنفسهم.
وما أحسن قول من قال: القهار الذي طاحت عند صولته صولة المخلوقين، وبادت عند سطوته قوى الخلائق أجمعين، قال تعالى لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ فأين الجبابرة والأكاسرة! عند ظهور هذا الخطاب وأين الأنبياء والمرسلون، والملائكة المقربون في هذا العتاب، وأين أهل الضلال والإلحاد، والتوحيد والإرشاد، وأين آدم وذريته، وأين إبليس وشيعته، وكأنهم بادوا أو انقضوا زهقت النفوس، وتبددت الأرواح وتلفت الأجسام والأشباح، وتفرقت الأوصال، وبقي الموجود الذي لم يزل ولا يزال (١).
٢) وأما صفة القهر في الخلق، فغالبًا ما تكون مذمومة لقيامها على الظلم والطغيان، والتسلط على الضعفاء والفقراء كما قال فرعون لعنه الله قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ [الأعراف: ١٢٧].
وقال تعالى فَأَمَّا اليَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ [الضُّحى: ٩] أي لا تسلط عليه بالظلم وادفع إليه حقه، وخص اليتيم لأنه لا ناصر له غير الله تعالى، فغلظ في أمره بتغليظ العقوبة على ظالمه، وقوله وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ أي لا تزجره ولا تغلظ له القول.
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ قال القرطبي: وهذه هي النعمة العظمى، وهي ما من الله عليه من الرسالة والنبوة والخلة والمحبة والعلم والحكمة، فأوجب عليه أن يظهر ذلك ويشيعه ويحدث به، ويعلم الجاهل غير ممتن عليه ولا متطاول ولا قاهر له.
وكذلك قال معاوية بن الحكم السلمي: (فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني) الحديث خرجه مسلم (٢).
وقرئ فلا تكهر بالكاف وهي قراءة عبد الله بن مسعود، قال الكسائي: كهره وقهره بمعنى (٣).
٣) قوله تعالى وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: ٦١] يستفاد منه صفة العلو لله سبحانه على عباده، سواء علو (المكانة والرتبة) أو علو (المكان والجهة) وقد تظافرت أدلة الكتاب والسنة عليه (أي الثاني) كقوله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى وقوله أَأَمِنتُم مَّنْ فِي السَّمَاء.
٤) أنه سبحانه هو الذي قهر الخلق جميعًا على ما أراد.
٥) أن الله هو القهار المستحق للعبادة والألوهية وما سواه من الآلهة فإنما هي مخلوقات عاجزة مقهورة، لا تملك أن ترد الضر عن نفسها فكيف تقهر غيرها، وبهذا جادل نبي الله يوسف ﷺ صاحباه في السجن فقال يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ [يوسف: ٣٩] فبين لهم أن آلهتهم متعددة متفرقة، والعابد لها متحير أيها يرضى، وأنها مسخرة ومقهورة لله وفي قبضته، وليس لها من الألوهية إلا الاسم الذي أعطي لها زورًا وبهاتانًا دون حجة ولا برهان مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [يوسف: ٤٠]. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ١٧١
_________________
(١) انظر: «شرح الأسماء» للرازي (ص: ٢٢٢).
(٢) رواه مسلم (٥٣٧).
(٣) «الكتاب الأسنى».
[ ٢ / ٣٧٨ ]
واحد وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله الوهاب
١) أن الوهاب هو الله وحده، بيده خزائن كل شيء، الذي له ملك السماوات والأرض ومن فيهن قال تعالى لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [الشورى: ٤٩ - ٥٠].
قال ابن كثير: يخبر تعالى أنه خالق السماوات والأرض ومالكهما والمتصرف فيهما وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وأنه يخلق ما يشاء، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وأنه يخلق ما يشاء. ثم قال: فجعل الناس أربعة أقسام منهم من يعطيه البنات، ومنهم من يعطيه البنين، ومنهم من يعطيه من النوعين ذكورًا وإناثًا، ومنهم من يمنعه هذا وهذا، فيجعله عقيمًا لا نسل له ولا ولد له، إنه عليم أي بمن يستحق كل قسم من هذه الأقسام، قدير أي على يشاء من تفاوت الناس في ذلك (١).
فالله سبحانه يهب ما يشاء لمن يشاء، لأنه مالك الملك وأما العباد فإنهم ملك لله سبحانه، والعبد لا يملك أن يهب شيئًا على الحقيقة. قال تعالى ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ [النحل: ٧٥].
٢) الفرق بين هبة الخالق والمخلوق:
قال الخطابي ﵀: فكل من وهب شيئًا من عرض الدنيا لصاحبه فهو واهب ولا يستحق أن يسمى وهابًا إلا من تصرفت مواهبه في أنواع العطايا فكثرت نوافله ودامت، والمخلوقون إنما يملكون أن يهبوا مالًا أو نوالًا في حال دون حال، ولا يملكون أن يهبوا شفاء لسقيم، ولا ولدًا لعقيم، ولا هدى لضال، ولا عافية لذي بلاء، والله الوهاب سبحانه يملك جميع ذلك، وسع الخلق جوده، فدامت مواهبه واتصلت منه وعوائده (٢).
وأكثر الخلق إنما يهبون من أجل عوض ينالونه، كأن يهب لأجل أن يمدح بين الناس، أو يهب من أجل الثواب في الآخرة (٣).
٣) النبوة والكتاب هبة من الله يختص بها من يشاء من عباده، وقد أنكر أقوام الرسل هذا الأمر فحكى الله عن قوم صالح ﵊ أنهم قالوا أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ [القمر: ٢٥].
وقال سبحانه عن كفار قريش أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ [ص: ٨ - ٩].
يقول ابن جرير رحمة الله: يقول تعالى ذكره أم عند هؤلاء المشركين المنكرين وحي الله إلى محمد خزائن رحمة ربك يعني مفاتيح رحمة ربك يا محمد، العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء من ملك وسلطان ونبوة، فيمنعوك يا محمد ما من الله به عليك من الكرامة، وفضلك به من الرسالة (٤).
وقال تعالى عن إبراهيم ﵊ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالكِتَابَ [العنكبوت: ٢٧]. وقال عن موسى ﵊ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ [الشعراء: ٢١].
وقال سبحانه وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا [مريم: ٥٣].
٤) الملك والسلطان هبة من الله سبحانه وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٤٧].
_________________
(١) «تفسير ابن كثير» (٤/ ١٢١).
(٢) «شأن الدعاء» (ص: ٥٣).
(٣) انظر: «شرح الأسماء» للرازي (ص: ٢٢٤ - ٢٢٥) و«المقصد الأسنى» (ص: ٤٩).
(٤) «جامع البيان» (٢٣/ ٨٢).
[ ٢ / ٣٧٩ ]
وقال سبحانه أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا [النساء: ٥٣ - ٥٤] وهذا استفهام انكار أي ليس لهم نصيب من الملك بل الله وحده هو المالك للملك الذي يهب ما يشاء لمن يشاء.
وقد دعا سليمان ﵊ ربه قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ [ص: ٣٥].
دعاه أن يهبه ملكًا لا يكون لأحد من بعده فاستجاب الوهاب سبحانه له فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص: ٣٦ - ٣٩].
سخر الله له الريح التي تجري بأمره حيث أراد أي تحمله حيث شاء، والشياطين التي تعمل له ما يشاء من تماثيل ومحاريب وقصور وقدور وجفان، ويغوصون في البحار يستخرجون له اللآلئ. فيا له من ملك عظيم يعجز أعظم البشر مالًا وسلطانًا أن يهب شيئًا منه، هذا عطاؤنا هذه هبة الله لمن يريد من خلقه.
٥) الذرية هبة من الله أيضًا. قال جل ذكره لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [الشورى: ٤٩ - ٥٠] وقد مر قريبًا كلام ابن كثير عليها.
وقد وهب الله سبحانه بعض الأنبياء الذرية بعد كبر السن ووهن العظم. قال تعالى عن إبراهيم ﵊ الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ [إبراهيم: ٣٩].
وكذا زكريا ﷺ وهبه الله الولد بعد ما طعن في السن وشاخ، وكانت امرأته عاقرًا أيضا كما بين الله ذلك في مطلع سورة مريم، لكن ذلك لم يمنع زكريا ﵊ من الطمع في هبة الله الوهاب، فدعا ربه رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [آل عمران: ٣٨] فاستجاب الله دعاءه فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ [الأنبياء: ٩٠] أي شفى امرأته من العقم، فحملت يحيى ﵊ فسبحان الكريم الوهاب. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ١٧٦
[ ٢ / ٣٨٠ ]
اثنان وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله الرزاق
١) إن المتفرد بالرزق هو الله وحده لا شريك له، قال ﷿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر: ٣]. وقال سبحانه قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ [سبأ: ٢٤].
ينبه الله عباده إلى الاستدلال على توحيده وإفراده بالعبادة، أنه سبحانه هو المستقل بالخلق والرزق لا يشاركه أحد في ذلك، وإذا كان كذلك، فليفرد بالعبادة ولا يشرك به غيره من الأصنام والأنداد، ولهذا قال تعالى بعد ذلك لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر: ٣] أي: كيف تصرفون بعد هذا البيان عن عبادة الله وحده.
وقد أنكر الله على المشركين عبادتهم للأوثان والأصنام مع أنها لا تملك لهم رزقًا ولا تملك لهم ضرًا ولا نفعًا. قال سبحانه وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ [النحل: ٧٣].
فأخبر تعالى أنها لا تملك لهم رزقًا ولا تستطيع ذلك ثم قال سبحانه فَلَا تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ أي لا تجعلوا له الأنداد والأشباه والأمثال إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ أي: أنه يعلم ويشهد أن لا إله إلا هو المتفرد بالخلق والرزق وأنتم بجهلكم تشركون به (١).
وكذا قوله تعالى اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الرُّوم: ٤٠] أي لا يقدر شركاؤكم على شيء من ذلك أبدا، بل لو أمسك الله سبحانه الرزق عن الناس، فلا يملك أحد أن يفتحه عليهم من دون الله، قال تعالى مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ [فاطر: ٢] وقوله جل وعلا أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ [الملك: ٢١] أي: أمن هذا الذي يطعمكم ويسقيكم ويأتي بأقواتكم إن أمسك ربكم رزقه الذي يرزقكم عنكم (٢).
وقد ورد عن النبي ﷺ أنه كان يقول إذا انصرف من الصلاة «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولما معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد» (٣).
٢) أن الله ﷿ متكفل برزق من في السماوات والأرض، قال سبحانه وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا [هود: ٦]. وقال: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ [العنكبوت: ٦٠]. قال ابن كثير: أي لا تطيق جمعه ولا تحصيله، ولا تدخر شيئًا لغد، اللهُ يَرْزُقُهَا أي يقيض لها رزقها على ضعفها وييسره عليها، فيبعث إلى كل مخلوق من الزرق، ما يصلحه حتى الذر في قرار الأرض والطير في الهواء، والحيتان في الماء (٤).
٣) قال القرطبي: والفرق بين القوت والرزق، أن القوت ما به قوام البنية مما يؤكل ويقع به الاغتذاء.
والرزق كل ما يدخل تحت ملك العبد: مما يؤكل ومما لا يؤكل، وهو مراتب أعلاها ما يغذي.
_________________
(١) «جامع البيان» (٢٩/ ٦).
(٢) «جامع البيان» (٢٩/ ٦).
(٣) رواه البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣). من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
(٤) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٤٢٠).
[ ٢ / ٣٨١ ]
وقد حصر رسول الله ﷺ وجوه الانتفاع في الرزق في قوله: «يقول ابن آدم مالي مالي!! وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس» (١).
وفي معنى اللباس يدخل المركوب وغير ذلك مما ينتفع به الإنسان، والقوت رزق مخصوص، وهو المضمون من الرزق الذي لا يقطعه عجز، ولا يجلبه كيس، وهو الذي أراد تعالى بقوله: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا [هود: ٦]، فلا ينقطع هذا الرزق إلا بانقطاع الحياة (٢).
٤) وكل ذلك بلا ثقل ولا كلفة ولا مشقة، قال الطحاوي ﵀: رازق بلا مؤنة. اهـ (٣). بل لو سألوه جميعًا فأعطاهم لم ينقص ذلك من ملكه شيئًا، كما جاء في قوله تعالى في الحديث القدسي «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر» (٤).
٥) أن الله سبحانه لم يختص برزقه من آمن في الحياة الدنيا، وإنما كان الرزق في الدنيا للجميع، للمؤمنين والكافرين، وهذا من عظيم لطفه سبحانه كما قال اللهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ القَوِيُّ العَزِيزُ [الشُّورى: ١٩].
وعن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي ﷺ: «ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يدعون له الولد، ثم يعافيهم ويرزقهم» (٥).
ومعناه أن الله سبحانه واسع الحلم حتى مع الكافر الذي ينسب له الولد فهو يعافيه ويرزقه.
٦) أن الله سبحانه متحكم في أرزاق عباده فيجعل من يشاء غنيا كثير الرزق، ويقتر على آخرين، وله في ذلك حكم بالغة. قال تعالى وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ [النحل: ٧١]، وقال سبحانه إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء: ٣٠].
قال ابن كثير: أي خبير بصير بمن يستحق الغنى ومن يستحق الفقر (٦) فمن العباد من لا يصلح حاله إلا بالغنى فإن أصابه الفقر فسد حاله ومنهم العكس إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا، وقال ابن كثير في معنى قوله تعالى وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ [الشُّورى: ٢٧]: ولو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض أشرًا وبطرًا، ثم قال تعالى وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ وهذا كقوله سبحانه وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر: ٢١].
٧) كثرة الرزق في الدنيا لا تدل على محبة الله تعالى، ولكن الكفار لجهلهم ظنوا ذلك، قال تعالى عنهم وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [سبأ: ٣٥ - ٣٧].
_________________
(١) رواه مسلم (٢٩٥٨). من حديث عبدالله بن الشخير ﵁.
(٢) «الكتاب الأسنى».
(٣) «العقيدة الطحاوية» (ص: ١٢٥).
(٤) رواه مسلم (٢٥٧٧). من حديث أبي ذر الغفاري ﵁.
(٥) رواه البخاري (٧٣٧٨). من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٦) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٨).
[ ٢ / ٣٨٢ ]
فظن الكفار والمترفون أن كثرة الأموال والأولاد دليل على محبة الله لهم واعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا ثم يعذبهم في الآخرة، وقد رد الله هذا بقوله أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ [المؤمنون: ٥٦].
ثم قال تعالى: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى أي ليست كثرة الأموال والأولاد، هي التي تقرب من الله أو تبعد إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا أي إنما يقرب من الله الإيمان به، وعمل البر والصالحات. وهذا كقوله ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم» (١) وفي رواية «ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (٢).
وبين تعالى أنهم يرضون بالحياة الدنيا وأرزاقها ويطمئنون إليها ويفرحون بها لأنهم لا يرجون بعثًا ولا حسابًا، غافلين عن الآخرة وأهوالها. قال سبحانه إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [يونس: ٧ - ٨] وقال سبحانه اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ [الرعد: ٢٦].
ولم يعملوا أن الدنيا عند الله لا تزن شيئا كما جاء في حديث سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء» (٣).
ولذلك فإن الله يعطيها لمن يحب ولمن لا يحب فليس كثرة الرزق دليل على الكرامة ولا قلته دليل على الإهانة فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلاَّ [الفجر: ١٥ - ١٦].
وقوله سبحانه في آخر آية الرعد السابقة وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ دليل على قصر عمر الدنيا وقلة خطرها بالنسبة للآخرة كما قال ﷺ: «وما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع» (٤).
٨) إن تقوى وطاعته سبب عظيم للرزق والبركة فيه. قال سبحانه عن أهل الكتاب وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم [المائدة: ٦٦].
وقال وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف: ٩٦].
وقال جل شأنه وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطَّلاق: ٢ - ٣] أي من جهة لا تخطر بباله، وقال سبحانه وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا [الجنّ: ١٦].
_________________
(١) رواه مسلم (٢٥٦٤). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه مسلم (٤٦٥١). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه الترمذي (٢٣٢٠) واللفظ له، وابن ماجه (٣٣٣٤)، والحاكم (٤/ ٣٤١). قال الترمذي: صحيح غريب من هذا الوجه، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
(٤) رواه مسلم (٢٨٥٨). من حديث المستورد بن شداد ﵁.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
وتأذن بالزيادة لمن شكر وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: ٧].
٩) والعكس صحيح أيضًا فإن المعصية تنقص الرزق والبركة، لأن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته، قال سبحانه ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الرُّوم: ٤١].
قيل: الفساد القحط وقلة النبات وذهاب البركة والفساد في البحر انقطاع صيده بذنوب بني آدم. وقيل: هو كساد الأسعار وقلة المعاش.
١٠) أعظم رزق يرزق الله به عباده هو (الجنة) التي أعدها الله لعباده الصالحين وخلق فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وكل رزق يعد الله به عباده الصالحين في القرآن فغالبًا ما يراد به الجنة كقوله تعالى لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ [سبأ: ٤]. وقوله وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الحج: ٥٨]. وقوله سبحانه وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقًا [الطَّلاق: ١١].
فهو أحسن الرزق وأكمله وأفضله وأكرمه، لا ينقطع ولا يزول إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ [ص: ٥٤]. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ١٨٤
[ ٢ / ٣٨٤ ]
ثلاث وأربعون: الآثار الإيمانية لأسماء العليم – العالم – العلام
١) إثبات العلم التام الكامل الشامل لله وحده، ولا يشابهه أحد من مخلوقاته في كمال علمه:
وقد أثبت الله ﷿ لنفسه العلم الكامل الشامل في آيات كثيرة منها قوله تعالى إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [طه: ٩٨]، وقوله وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر: ٧]، وقوله وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطَّلاق: ١٢].
ففي هذه الآيات إثبات علمه بكل شيء من الأشياء، دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، كما قال سبحانه وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام: ٥٩]، وقال وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجنّ: ٢٨].
وقد أنكر بعض الفلاسفة ومن تابعهم كابن سينا علمه تعالى بالجزيئات، فقالوا إنه يعلم الأشياء على وجه كلي لا جزئي، وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية عليهم في كتابه (درء تعارض العقل والنقل) بقوله: وهذا مما يبين لك أن من قال من المتفلسفة إنه سبحانه يعلم الأشياء على وجه كلي لا جزئي، فحقيقة قوله إنه لم يعلم شيئًا من الموجودات، فإنه ليس في الموجودات إلا ما هو معين جزئي، والكليات إنما تكون في العالم، لاسيما وهم يقولون: إنما علم الأشياء لأنه مبدؤها وسببها، والعلم بالسبب يوجب العلم بالمسبب، ومن المعلوم أنه مبدع للأمور المعينة المشخصة الجزئية، كالأفلاك المعينة والعقول المعينة، وأول الصادرات عنه – على أصلهم – العقل الأول، وهو معين، فهل يكون من التناقض وفساد العقل في الإلهيات أعظم من هذا؟ (١).
وبين العلامة المحقق ابن القيم أن (الحمد لله) تتضمن الرد على منكري علمه تعالى بالجزئيات، قال: وذلك من وجوه:
أحدهما: كمال حمده، وكيف يستحق الحمد من لا يعلم شيئًا من العالم وأحواله وتفاصيله، ولا عدد الأفلاك، ولا عدد النجوم، ولا من يطيعه ممن يعصيه، ولا من يدعوه ممن لا يدعوه؟
الثاني: أن هذا مستحيل أن يكون إلهًا، وأن يكون ربًا فلابد للإله المعبود، والرب المدبر من أن يعلم عابده ويعلم حاله.
الثالث: من إثبات رحمته، فإنه يستحيل أن يرحم من لا يعلم.
الرابع: إثبات ملكه، فإن ملكًا لا يعرف أحدًا من رعيته ألبته ولا شيئًا من أحوال مملكته ألبته، ليس بملك بوجه من الوجوه.
الخامس: كونه مستعانًا.
السادس: كونه مسئولا أن يهدي سائله ويجيبه.
السابع: كونه هاديًا.
الثامن: كونه منعمًا.
التاسع: كونه غضبانًا على من خالفه.
العاشر: كونه مجازيًا، يدين الناس بأعمالهم يوم الدين.
فنفي علمه بالجزئيات مبطل لذلك كله (٢).
وكيف لا يحيط تعالى علمًا بكل شيء وهو قد خلق كل شيء أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ [الملك: ١٤].
فقبح الله من رمى ربه بالجهل وعدم العلم وهو يأنف أن يوصف بشيء من ذلك.
٢) أن الله سبحانه لكمال علمه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، أي أنه سبحانه يعلم الأمور الماضية التي وقعت، والأمور المستقبلية التي لم تقع بعد، ويعلم الأمور التي لن تقع لو فرض أنها تقع كيف تقع، وهذا من كمال علمه بالغيب وعواقب الأمور، وهو معتقد أهل السنة والجماعة، والأدلة على ذلك كثيرة منها:
قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: ٤٩].
_________________
(١) «درء تعارض العقل والنقل» (٥/ ١١٣)، وانظر: (١٠/ ١٥١).
(٢) «مدارج السالكين» (١/ ٦٧).
[ ٢ / ٣٨٥ ]
وقوله تعالى لإبليس عليه لعنة الله لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٥] وهو خبر عن المستقبل.
وقوله وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣].
وقوله تعالى أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ [الحج: ٧٠].
وقوله إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل: ٢٠] أي علم الله أنكم لن تستطيعوا القيام بما أمركم به من قيام الليل، لأنه سيكون منكم مرضى وآخرون يجاهدون في سبيل الله وآخرون مسافرون في الأرض يبتغون فضل الله في المكاسب فقوموا من الليل بما يتيسر.
وقوله تعالى فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح: ٢٧].
وقوله سبحانه مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ [الحديد: ٢٢] أي: ما تقع من مصيبة في الأرض من قحط أو طوفان أو صاعقة وغير ذلك، وَلا فِي أَنفُسِكُمْ أي: من الأمراض والمصائب والبلاء، إلا كان ذلك مكتوبًا في اللوح المحفوظ من قبل أن نخلق الخليقة، ونبرأ النسمة، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وكان عرشه على الماء» (١).
٣) وقد خالف في ذلك القدرية – قبحهم الله – فقالوا إن الله لا يعلم الأمر قبل وقوعه وإنما يعلمه بعد وقوعه، وقد حدث القول بهذا في أواخر عصر الصحابة، فقد جاء عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلًا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف. قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر! لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر (٢).
ومعنى قول القدرية أن الأمر أنف أي مستأنف لم يسبق به قدر، ولا علم من الله تعالى، وإنما يعلمه بعد وقوعه، أي أن الله أمر العباد ونهاهم وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، ولا من يدخل الجنة ممن يدخل النار حتى فعلوا ذلك، فعلمه بعد ما فعلوه (٣).
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٥٣).
(٢) رواه مسلم (٨).
(٣) راجع إن شئت كتاب «الإيمان» لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ص: ٣٦٤ - ٣٦٩).
[ ٢ / ٣٨٦ ]
٤) أن الخلق لا يحيطون علمًا بالخالق، أي لا يعلمون شيئا من ذاته وصفاته إلا ما أطلعهم الله سبحانه عليه، عن طريق رسله وكتبه المنزلة. قال تعالى وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة: ٢٥٥] وقال يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠].
٥) وعلى وجه أعم، أنهم لا يعلمون شيئًا من المعلومات، إلا بتعليم الله لهم، فكل علم شرعي وقدري فمرجعه إلى الله العليم الحكيم، كما قالت الملائكة سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ [البقرة: ٣٢].
وقال ﷿ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٨٢]
وقال وَعَلَّمَ آَدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا [البقرة: ٣١].
وقال مخاطبا نبيه ﷺ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النساء: ١١٣].
وقال عن يوسف ﷺ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ [يوسف: ١٠١].
وقال عن داود ﷺ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ [الأنبياء: ٨٠].
وعن الخضر ﷺ وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [الكهف: ٦٥].
وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي تبين أن أصل ومنشأ كل علم إنما هو من الله جل ثناؤه سواء كان شرعيًا أو دنيويًا.
٦) قلة ما بأيدينا من العلم بالنسبة لعلم الله تعالى:
ومع كثرة المعلومات التي تعلمها بنو آدم وتشعبها، إلا أنها قليلة جدًا بالنسبة لعلم الله تعالى الواسع، قال سبحانه وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥].
وفي قصة الخضر مع موسى عليهما الصلاة والسلام: «فلما ركبا في السفينة جاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة أو نقرتين. قال له الخضر: يا موسى، ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر » (١).
٧) الفرق بين علم الخالق وعلم المخلوق:
علم الله جل ثناؤه لا يعتريه نقص أبدًا، من نسيان أو جهل، أو علم ببعض أمور الخلق وجهل بغيرها.
قال تعالى وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم: ٦٤].
وقال وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: ٧٩].
وهو سبحانه لا يشغله علم عن علم، كما لا يشغله سمع عن سمع، وأني للمخلوق مثل هذه الصفات، فهم يولدون جهلة لا يعلمون شيئا، ثم يتعلمون شيئا فشيئا، قال تعالى وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا [النحل: ٧٨].
فعلمهم قد سبقه الجهل، والله سبحانه كان ومازال عليمًا لم يسبق علمه جهل، ولا نقول إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علمًا فعلم، كما تقوله المبتدعة تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
_________________
(١) رواه البخاري (٤٧٢٥)، ومسلم (٢٣٨٠). من حديث أبي بن كعب ﵁.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
واقرأ معي ما يقوله الخطابي ﵀ عن علم الخلق. يقول: والآدميون – وإن كانوا يوصفون بالعلم – فإن ذلك ينصرف منهم إلى نوع من المعلومات، دون نوع، وقد يوجد ذلك منهم في حال دون حال، وقد تعترضهم الآفات فيخلف علمهم الجهل، ويعقب ذكرهم النسيان، وقد نجد الواحد منهم عالمًا بالفقه غير عالم بالنحو، وعالمًا بهما غير عالم بالحساب والطب ونحوهما من الأمور، وعلم الله سبحانه علم حقيقة وكمال، قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطَّلاق: ١٢]، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن: ٢٨] (١).
٨) اختص الله نفسه سبحانه بعلوم الغيب. قال سبحانه وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ [الأنعام: ٥٩] وقال قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلَّا اللهُ وَمَا يَشْعُرُونَ [النمل: ٦٥].
وذكر منها خمسة في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: ٣٤].
قال الألوسي ﵀: وما في الإخبار يحمل على بيان البعض المهم لا على دعوى الحصر، إذ لا شبهة في أن ما عدا الخمس من المغيبات لا يعلمه إلا الله تعالى (٢).
فعلم الغيب لا شك أنه أعظم وأوسع من أن يحصر في هذا الخمس فقط.
ومن زعم أن أحدًا يعلم الغيب غير الله سبحانه فقد كفر بالآيات السابقة.
عن عائشة ﵂ قالت: ومن زعم أنه (تعني النبي ﷺ) يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ [النمل:٦٥]. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٢٠٣
_________________
(١) «شأن الدعاء» (ص: ٥٧).
(٢) «روح المعاني» (٧/ ١٧١).
[ ٢ / ٣٨٨ ]
أربع وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله السميع
١) إثبات صفة السمع له ﷾ كما وصف الله ﷿ نفسه. قال الأزهري ﵀: والعجب من قوم فسروا (السميع) بمعنى المسمع فرارًا من وصف الله بأن له سمعًا، وقد ذكر الله الفعل في غير موضع من كتابه، فهو سميع ذو سمع، بلا تكييف ولا تشبيه بالسمع من خلقه، ولا سمعه كسمع خلقه ونحن نصف الله بما وصف به نفسه بلا تحديد ولا تكييف (١).
وقد بوب البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد: باب (وكان الله سميعًا بصيرًا).
قال ابن بطال: غرض البخاري في هذا الباب الرد على من قال إن معنى (سميع بصير) عليم، قال ويلزم من قال ذلك أن يسويه بالأعمى الذي يعلم أن السماء خضراء ولا يراها، والأصم الذي يعلم أن في الناس أصواتًا ولا يسمعها.
ولا شك أن من سمع وأبصر أدخل في صفة الكمال ممن انفرد بأحدهما دون الآخر، فصح أن كونه سميعًا بصيرًا يفيد قدرًا زائدًا على كونه عليمًا، وكونه سميعًا بصيرًا يتضمن أنه يسمع بسمع ويبصر ببصر، كما تضمن كونه عليمًا أنه يعلم بعلم ولا فرق بين إثبات كونه سميعًا بصيرًا وبين كونه ذا سمع وبصر.
٢) إن سمع الله ﵎ ليس كسمع أحد من خلقه، فإن الخلق وإن وصفوا بالسمع والبصر كما في قوله تعالى إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإنسان: ٢]، لكن هيهات أن يكون سمعهم وبصرهم كسمع وبصر خالقهم جل شأنه، قد نفى الرب سبحانه المشابهة عن نفسه بقوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١] لأن سمع الله وبصره مستغرق لجميع المسموعات والمرئيات لا يعزب عن سمعه مسموع وإن دق وخلفي سرًا كان أو جهرًا.
عن عائشة ﵂ قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات. لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله ﷿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: ١] (٢).
وفي رواية: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء (٣).
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فكنا إذا علونا كبرنا. فقال: «أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، تدعون سميعًا بصيرًا قريبا » (٤).
قال ابن بطال: في هذا الحديث نفي الآفة المانعة من السمع، والآفة المانعة من النظر، وإثبات كونه سميعًا بصيرًا قريبًا، يستلزم أن لا تصح أضداد هذه الصفات عليه (٥).
وفي بيان الفرق بين سمع الخالق والمخلوق، يقول أبو القاسم الأصبهاني: خلق الإنسان صغيرًا لا يسمع، فإن سمع لا يعقل ما يسمع، فإذا عقل ميز بين المسموعات فأجاب عن الألفاظ بما يستحق، وميز الكلام المستحسن من المستقبح، ثم كان لسمعه مدى إذا جاوزه لم يسمع، ثم إن كلمه جماعة في وقت واحد عجز عن استماع كلامهم، وعن إدراك جوابهم.
_________________
(١) «النونية» (٢/ ٢١٥).
(٢) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم بعد حديث (٧٣٨٥)، ورواه موصولًا النسائي (٦/ ١٦٨)، وابن ماجه (١٨٨)، وأحمد (٦/ ٤٦) (٢٤٢٤١). قال ابن عساكر في «معجم الشيوخ» (١/ ١٦٣)، وابن حجر في «تغليق التعليق» (٥/ ٣٣٩)، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.
(٣) رواه ابن ماجه (١٦٩١)، والحاكم (٢/ ٥٢٣). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٢/ ١٢٦٤): أصله في البخاري من هذا الوجه إلا أنه لم يسمها.
(٤) رواه البخاري (٤٢٠٢)، ومسلم (٢٧٠٤).
(٥) «الفتح» (١٣/ ٣٧٥).
[ ٢ / ٣٨٩ ]
والله ﷿ السميع لدعاء الخلق وألفاظهم عند تفرقهم واجتماعهم مع اختلاف ألسنتهم ولغاتهم، يعلم ما في قلب القائل قبل أن يقول، ويعجز القائل عن التعبير عن مراده فيعلم الله فيعطيه الذي في قلبه، والمخلوق يزول عنه السمع بالموت والله تعالى لم يزل ولا يزال، يغني الخلق ويرثهم فإذا لم يبق أحد قال: لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: ١٦] فلا يكون من يرد! فيقول: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٦] (١).
واشتراك المخلوق مع الخالق سبحانه في هذا الاسم لا يعني المشابهة، فإن صفات المخلوق تناسب ضعفه وعجزه وخلقه، وصفات الخالق تليق بكماله وجلاله ﷾.
٣) وقد أنكر الله ﵎ على المشركين الذين ظنوا أن الله لا يسمع السر والنجوى.
فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: اجتمع عند البيت قرشيان وثقفي – أو ثقفيان وقرشي – كثيرة شحم بطونهم، قليلة فقه قلوبهم. فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا. فأنزل الله ﷿ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ [فصلت: ٢٢] (٢).
وكذا قوله تعالى أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى [الزُّخرف: ٨٠].
٤) ورد الاسم مقرونًا بغيره من الأسماء كقوله تعالى سَمِيعٌ عَلِيمٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ وسَمِيعٌ قَرِيبٌ وهي تدل على الإحاطة بالمخلوقات كلها، وأن الله محيط بها، لا يفوته شيء منها ولا يخفى عليه، بل الجميع تحت سمعه وبصره وعلمه. وفي ذلك تنبيه للعاقل وتذكير، كي يراقب نفسه، وما يصدر عنها من أقوال وأفعال، لأن خالقه وربه لا يخفى عليه شيء منها، وأنه سبحانه محصيها عليه ثم يجازي بها في الآخرة إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.
ومتى آمن الناس بذلك وتذكروه فإن أحوالهم تتغير من القبيح إلى الحسن ومن الشر إلى الخير.
وإذا نسوا ذلك وتناسوه وغفلوا عنه ففي ذلك ما يكفي لفساد الدنيا وخرابها، والناظر في أحوال الناس يرى ذلك واضحًا جليًا.
٥) الله هو (السميع) الذي يسمع المناجاة ويجيب الدعاء عند الاضطرار ويكشف السوء، ويقبل الطاعة.
وقد دعا الأنبياء والصالحين ربهم سبحانه بهذا الاسم ليقبل منهم طاعتهم أو ليستجيب لدعائهم وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: ١٨٦].
فإبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام قالا رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: ١٢٧] وهما يرفعان قواعد البيت الحرام.
وامرأة عمران عندما نذرت ما في بطنها خالصًا لله، لعبادته ولخدمة بيت المقدس قالت فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ [آل عمران: ٣٥].
ودعا زكريا ربه أن يرزقه ذرية صالحة ثم قال إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء [آل عمران: ٣٧] فاستجاب الله دعاءه.
ودعا يوسف ﵊ ربه أن يصرف عنه كيد النسوة فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [يوسف: ٣٤].
وأمر بالالتجاء إليه عند حصول وساوس شياطين الإنس والجن.
قال تعالى وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف: ٢٠٠].
قال ابن كثير: سميع لجهل الجاهل عليك، والاستعاذة به من نزغه ولغير ذلك من كلام خلقه لا يخفى عليه منه شيء، عليم بما يذهب عنك نزغ الشيطان وغير ذلك من أمور خلقه (٣). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٢١٤
_________________
(١) «الحجة في المحجة» (ورقة ١٤ب – ١٥أ).
(٢) رواه البخاري (٤٨١٦)، ومسلم (٢٧٧٥).
(٣) «ابن كثير» (٢/ ٢٧٨).
[ ٢ / ٣٩٠ ]
خمس وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله البصير
١) إثبات صفة البصر له جل شأنه، لأنه وصف نفسه بذلك وهو أعلم بنفسه.
وصفة البصر من صفات الكمال كصفة السمع، فالمتصف بهما أكمل ممن لا يتصف بذلك، قال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ [الأنعام: ٥٠].
وقال مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [هود: ٢٤].
وقد أنكر إبراهيم ﷺ على أبيه عندما عبد ما لا يبصر ولا يسمع لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم: ٤٢].
وقال تعالى موبخًا الكفار ومسفها عقولهم لعبادتهم الأصنام التي هي من الحجارة الجامدة التي لا تتحرك ولا تملك سمعًا ولا بصرًا أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا [الأعراف: ١٩٥].
أي أنتم أكمل من هذه الأصنام لأنكم تسمعون وتبصرون فكيف تبعدونها وأنتم أفضل منها!
قال الأصبهاني: وأما (البصير) فهذا الاسم يقع مشتركًا، فيقال: فلان بصير، ولله المثل الأعلى، والرجل قد يكون صغيرًا لا يبصر ولا يميز بالبصر بين الأشياء المتشاكلة، فإذا عقل أبصر فميز بين الردئ والجيد، وبين الحسن والقبيح، يعطيه الله هذا مدة ثم يسلبه ذلك، فمنهم من يسلبه وهو حي ومنهم من يسلبه بالموت.
والله بصير لم يزل ولا يزول، والخلق إذا نظر إلى ما بين يديه عمي عما خلفه وعما بعد منه، والله تعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة في خفيات مظلم الأرض، وكل ما ذكر مخلوقًا به وصفه بالنكرة، فإذا وصف به ربه وصفه بالمعرفة (١).
٢) إن الله ﵎ بصير بأحوال عباده خبير بها بصير بمن يستحق الهداية منهم ممن لا يستحقها، بصير بمن يصلح حاله بالغنى والمال، وبمن يفسد حاله بذلك وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [الشورى: ٢٧].
وهو بصير بالعباد شهيد عليهم، الصالح منهم والطالح، المؤمن والكافر هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [التغابن: ٢]، إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء: ٩٦]. بصير خبير بأعمالهم وذنوبهم وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا [الإسراء: ١٧] وسيجزيهم عليها أتم الجزاء.
٣) ومن علم أن ربه مطلع عليه استحى أن يراه على معصية أو فيما لا يحب.
ومن علم أنه يراه أحسن عمله وعبادته وأخلص فيها لربه وخشع فقد جاء في حديث جبريل ﵇ عندما سأل النبي ﷺ عن الإحسان فقال ﷺ: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٢).
قال النووي ﵀: هذا من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه ﷾ لم يترك شيئًا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت، واجتماعه بظاهره وباطنه وعلى الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به.
فقال ﷺ: اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان، فإن التتميم المذكور في حال العيان إنما كان لعلم العبد بإطلاع الله ﷾ عليه فلا يقدم العبد على تقصير في هذا الحال للإطلاع عليه، وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد، فينبغي أن يعمل بمقتضاه، فمقصود الكلام الحث على الإخلاص في العبادة ومراقبة العبد ربه ﵎ في إتمامه الخشوع والخضوع وغير ذلك اهـ (٣). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٢٢١
_________________
(١) «الحجة بالمحجة» (ورقة ١٥أ).
(٢) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) «شرح مسلم» (١/ ١٥٧ - ١٥٨).
[ ٢ / ٣٩١ ]
ست وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله الحكم –الحكيم
١) أن الحكم لله وحده لا شريك له في حكمه، كما لا شريك له في عبادته، قال تعالى وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف: ٢٦] وقال فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا.
وقال سبحانه إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ [الأنعام: ٥٧].
وقال جل شأنه وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٧٠].
وقال أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام: ٦٢].
وقال وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: ١٠].
وقال ابن الحصار: وقد تضمن هذا الاسم (يعني –الحكم-) جميع الصفات العلى والأسماء الحسنى، إذ لا يكون حكمًا إلا سميعًا بصيرًا عالمًا خبيرًا إلى غير ذلك، فهو سبحانه الحكم بين العباد في الدنيا والآخرة في الظاهر والباطن، وفيما شرع من شرعه، وحكم من حكمه وقضاياه على خلقه قولًا وفعلًا، وليس ذلك لغير الله تعالى، ولذلك قال وقوله الحق: لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٧٠].
وقال: الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١]. فلم يزل حكيمًا قبل أن يحكم، ولا ينبغي ذلك لغيره (١).
قال الشنقيطي رحمه الله تعالى:
وبذلك تعلم أن الحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حرمه الله، والدين هو ما شرعه الله، فكل تشريع من غيره باطل، والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه، كفر بواح لا نزاع فيه. اهـ (٢).
ثم بين ﵀ أن الله سبحانه بصفاته العظيمة يستحق أن يكون له الحكم، فهل يوجد في البشر من له مثل صفات خالقه ليشارك ربه في الحكم، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا!
فتعال معي أخي القارئ لنطلع على ما سطره في هذه المسألة في كتابه القيم (أضواء البيان)، قال ﵀:
مسألة
اعلم أن الله جل وعلا بين في آيات كثيرة، صفات من يستحق أن يكون الحكم له، فعلى كل عاقل أن يتأمل الصفات المذكورة، التي سنوضحها الآن إن شاء الله، ويقابلها مع صفات البشر المشرعين للقوانين الوضعية، فينظر هل تنطبق عليهم صفات من له التشريع.
سبحان الله وتعالى عن ذلك. فإن كانت تنطبق عليهم ولن تكون، ليتبع تشريعهم.
وإن ظهر يقينًا أنهم أحقر وأخس وأذل وأصغر من ذلك، فليقف بهم عند حدهم، ولا يجاوزه بهم إلى مقام الربوبية.
﷾ أن يكون له شريك في عبادته، أو حكمه أو ملكه.
فمن الآيات القرآنية التي أوضح بها تعالى صفات من له الحكم والتشريع قوله هنا: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ، ثم قال مبينًا صفات من له الحكم ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الشورى: ١٠ – ١٢].
_________________
(١) «الكتاب الأسنى»
(٢) «أضواء البيان» (٧/ ١٦٢).
[ ٢ / ٣٩٢ ]
فهل في الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية، من يستحق أن يوصف بأنه الرب الذي تفوض إليه الأمور، ويتوكل عليه، وأنه فاطر السماوات والأرض أي خالقهما ومخترعهما، على غير مثال سابق، وأنه هو الذي خلق للبشر أزواجًا، وخلق لهم أزواج الأنعام الثمانية المذكورة في قوله تعالى: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ الآية، وأنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ وأنه لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وأنه هو الذي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ أي يضيقه على من يشاء وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
فعليكم أيها المسلمون أن تتفهموا صفات من يستحق أن يشرع ويحلل ويحرم، ولا تقبلوا تشريعًا من كافر خسيس حقير جاهل.
ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩]، فقوله فيها فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ كقوله في هذه فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ.
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف: ٢٦].
فهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأن له غيب السماوات والأرض؟ وأن يبالغ في سمعه وبصره لإحاطة سمعه بكل المسموعات وبصره بكل المبصرات؟ وأنه ليس لأحد دونه من ولي؟ ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا؟
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى لا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٨٨].
فهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأن له غيب السماوات والأرض؟ وأن يبالغ في سمعه وبصره لإحاطة سمعه بكل المسموعات وبصره بكل المبصرات؟ وأنه ليس لأحد دونه من ولي؟ ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا؟
سبحانك ربنا وتعاليت عن كل ما لا يليق بكمالك وجلالك.
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [القصص: ٧٠ - ٧٣].
فهل في مشرعي القوانين الوضعية، من يستحق أن يوصف بأن له الحمد في الأولى والآخرة، وأنه هو الذي يصرف الليل والنهار مبينا بذلك كمال قدرته، وعظمة إنعامه على خلقه.
سبحان خالق السماوات والأرض، جل وعلا أن يكون له شريك في حكمه أو عبادته، أو ملكه.
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف: ٤٠].
فهل في أولئك من يستحق أن يوصف بأنه هو الإله المعبود وحده، وأن عبادته وحده هي الدين القيم. اهـ باختصار (١).
_________________
(١) راجع «أضواء البيان» (٧/ ١٦٣ - ١٧٣).
[ ٢ / ٣٩٣ ]
٢) الله سبحانه يحكم ما يريد، وما يشاء هو وحده لا شريك له.
قال سبحانه يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة: ١].
فالله سبحانه يقضي في خلقه ما يشاء من تحليل ما أراد تحليله، وتحريم ما أراد تحريمه، وإيجاب ما شاء إيجابه عليهم، وغير ذلك من أحكامه وقضاياه. وله الحكمة البالغة في ذلك كله.
وليس لأحد أن يراجع الله في حكمه، كما يراجع الناس بعضهم البعض في أحكامهم، قال تعالى وَاللهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [الرعد: ٤١]، فحكمه في الخلق نافذ، ليس لأحد أن يرده أو يبطله.
٣) كلام الله حكيم ومحكم، وكيف لا يكون بهذه الصفة وهو كلام أحكم الحاكمين ورب العالمين.
وقد وصف الله القرآن العظيم (وهو كلامه المنزل على محمد ﷺ) بأنه حكيم ومحكم في ثمان آيات منها قوله تعالى الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١].
وقوله الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [لقمان: ١ - ٢].
وقوله يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [يس: ١ - ٢].
وقوله وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ الآية [محمد: ٢٠].
وحكمة الله تقتضي ذلك، تقتضي أن يكون القرآن حكيمًا ومحكمًا، لأنه الكتاب الذي ليس بعده كتاب، ولأنه الكتاب الذي أنزله الله ليكون تشريعًا عامًا لكل مجتمع بشري ولكل فرد من أفراده، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
فالقرآن حكيم في أسلوبه الرائع الجذاب، وحكيم في هدايته ورحمته، وحكيم في إيضاحه وبيانه، وحكيم في تشريعاته وحكيم في كل أحكامه، وحكيم في أمره ونهيه، وحكيم في ترغيبه وترهيبه، وحكيم في وعده ووعيده، وحكيم في أقاصيصه وأخباره، وحكيم في أقسامه وأمثال، وحكيم في كل ما اشتمل عليه، بل هو فوق ذلك وأعظم من ذلك.
والقرآن أيضًا محكم فلا حشو فيه، ولا نقص ولا عيب كما يكون في كلام البشر، الله أكبر ما أعظم هذا القرآن، لقد بلغ الغاية في البهاء والجمال والكمال (١).
٤) والإيمان بما سبق يقتضي تحكيم كتاب الله جل شأنه بيننا، لأنه لا يوجد كتاب مثل القرآن حكيمًا في كل شيء.
لأن ما شرعه الله سبحانه لعباده من الأحكام والمعاملات والقصاص والحدود وتقسيم المواريث وما يتعلق بالأحوال الشخصية في القرآن الكريم هي في منتهى الحكمة، لأنها تشريع الحكيم العليم سبحانه، الذي لا يدخل حكمه خلل ولا زلل، ولأنها قضاء من لا يخفى عليه مواضع المصلحة في البدء والعاقبة.
وقد نبه الله سبحانه عباده لهذا بقوله وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]، وقوله ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الممتحنة: ١٠] وقوله أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨].
ولذا فإنك تجد آيات الأحكام كثيرًا ما تشتمل خواتيمها على اسمه (الحكيم)، ومن الأمثلة على ذلك:
قوله يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ إلى قوله فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا [النساء: ١١].
وقوله وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ إلى قوله إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: ٢٤].
_________________
(١) باختصار من كتاب «الهدى والبيان في أسماء القرآن» للشيخ صالح بن إبراهيم البليهي (ص: ٢١٢).
[ ٢ / ٣٩٤ ]
وقوله في القتل الخطأ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا إلى قوله وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: ٩٢] وقوله وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلًاّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللهُ وَاسِعًا حَكِيمًا [النساء: ١٣٠].
وقوله قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [التحريم: ٢]، وغيرها من الآيات.
٥) وقد أمر الله رسوله ﷺ بأن يحكم بين الناس بما أنزل إليه من الأحكام الربانية، وأن يترك ما سواها من الآراء والأهواء، قال تعالى فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ [المائدة: ٤٨].
قال تعالى وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ [المائدة: ٤٩].
ولم يكن هذا الأمر لمحمد ﷺ خاصة، وإنما هو ما أمرت به جميع الرسل من قبله، يبين هذا قوله تعالى كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ [البقرة: ٢١٣].
وقوله إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ [المائدة: ٤٤].
والمؤمنون يرضون بحكم الله، قال سبحانه إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النور: ٥١].
أما من لم يرض بذلك وترك تشريع الحكيم العليم، وأخذ بآرائه وما يمليه عليه عقله من أفكار، أو اتبع أهواءه وما تشتهيه نفسه، فقد وقع في هاوية الكفر أو الظلم أو الفسق التي حكم الله بها عليه.
قال سبحانه وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: ٤٤].
وقال وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: ٤٥].
وقال وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة: ٤٧].
٦) الله سبحانه يؤتي حكمته من يشاء:
كما قال عن نفسه جل ثناؤه يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة: ٢٦٩].
وقد تنوعت عبارات المفسرين في تأويل قوله تعالى يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فمنهم من قال هي الإصابة في القول والفعل، وقيل: هي الفقه في القرآن والفهم فيه. وقال بعضهم: هي الفهم والعقل في الدين والأتباع له. وقال آخرون: هي النبوة. وقيل هي: الخشية لله.
قال ابن جرير جامعًا بين الأقوال السابقة: وقد بينا فيما مضى معنى الحكمة وأنها مأخوذة من الحكم وفصل القضاء، وأنها الإصابة بما دل على صحته، فأغنى عن تكريره في هذا الموضع.
فإذا كان ذلك كذلك معناه، كان جميع الأقوال التي قالها القائلون الذين ذكرنا قولهم في ذلك، داخلًا فيما قلنا من ذلك، لأن الإصابة في الأمور، إنما تكون عن فهم بها وعلم ومعرفة، وإذا كان ذلك كذلك، كان المصيب عن فهم منه بمواضع الصواب في أموره، فهو خاشيًا لله عالمًا، وكانت النبوة من أقسامه لأن الأنبياء مسددون مفهمون وموفقون لإصابة الصواب في الأمور، والنبوة بعض معاني الحكمة.
فتأويل الكلام: يؤتي الله إصابة الصواب في القول والفعل من يشاء، ومن يؤته الله ذلك فقد أتاه خيرًا كثيرًا. اهـ (١).
_________________
(١) «جامع البيان» (٣/ ٦٠ - ٦١)، وانظر «تفسير ابن كثير» (١/ ٣٢٢).
[ ٢ / ٣٩٥ ]
٧) وقد جاء في الحديث ما يدل على أنه من أوتي الحكمة ينبغي أن يغبط لعظم هذه النعمة عليه وهو قوله ﷺ «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، وآخر آتاه الله حكمه فهو يقضي بها ويعلمها» (١).
وقد ذكر الله في كتابه بعض الذين آتاهم الحكمة وأكثرهم من الأنبياء فامتن على محمد ﷺ بذلك في قوله وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء: ١١٣].
وعلى آل إبراهيم صلوات الله عليهم أجمعين فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا [النساء: ٥٤].
وعلى عيسى ﵇ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ [المائدة: ١١٠].
وعلى داود ﵇ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء [البقرة: ٢٥١].
وعلى لقمان العبد الصالح وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ [لقمان: ١٢]. والله سبحانه أعلم حيث يجعل حكمته.
٨) خلق الله سبحانه محكم لا خلل فيه ولا قصور. قال تعالى صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: ٨٨].
وقال الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ [تبارك: ٣].
أي خلقهن طبقة بعد طبقة مستويات ليس فيها اختلاف ولا تنافر ولا نقص ولا عيب، ولهذا قال تعالى فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ أي انظر إلى السماء فتأملها هل ترى فيها عيبًا أو نقصًا أو خللًا أو فطورًا وشقوقًا، ثم قال تعالى ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ أي مهما كررت البصر مرتين أو أكثر لرجع إليك البصر خاسئًا عن أن يرى عيبًا أو خللًا، وهو حسير أي كليل قد انقطع من الإعياء من كثرة التكرر ولا يرى نقصًا (٢).
قال الخطابي: ومعنى الإحكام لخلق الأشياء، إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها، إذ ليس كل الخليقة موصوفًا بوثاقة البنية، وشدة الأسر كالبقة، والنملة، وما أشبههما من ضعاف الخلق، إلا أن التدبير فيهما، والدلالة بها على كون الصانع وإثباته، ليس بدون الدلالة عليه بخلق السماوات والأرض والجبال وسائر معاظم الخليقة، وكذلك هذا في قوله جل وعز الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [السجدة: ٧]، لم تقع الإشارة به إلى الحسن الرائق في المنظر، فإن هذا المعنى معدوم في القرد والخنزير والدب، وأشكالها من الحيوان، وإنما ينصرف المعنى فيه إلى حسن التدبير في إنشاء كل شيء من خلقه على ما أحب أن ينشئه عليه وإبرازه على الهيئة التي أراد أن يهيئه عليها، كقوله تعالى وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان: ٢] اهـ (٣).
٩) إن الله سبحانه خلق الخلق لحكمة عظيمة، وغاية جليلة، وهي عبادته ﵎ حيث قال وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
_________________
(١) رواه البخاري (٧١٤١)، ومسلم (٨١٦). من حديث ابن مسعود ﵁.
(٢) انظر: «تفسير ابن كثير» (٤/ ٣٩٦).
(٣) «شأن الدعاء» (ص: ٧٣ - ٧٤).
[ ٢ / ٣٩٦ ]
ولم يخلقهم عبثًا وباطلًا كما يظن الكفار والملاحدة، قال تعالى وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ [ص: ٢٧].
وقال سبحانه مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى [الأحقاف: ٣].
وقال عز من قائل أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ [المؤمنون: ١١٥].
وجعل يوم القيامة موعدا لهم، يرجعون إليه ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.
١٠) كراهة التكني بأبي الحكم:
فعن هانئ بن يزيد أنه لما وفد إلى رسول الله ﷺ مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم فدعاه رسول الله ﷺ فقال: «إن الله هو الحكم، وإليه الحكم، فلم تكنى أبا الحكم؟ فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرض كلا الفريقين. فقال رسول الله ﷺ: ما أحسن هذا. فما لك من الولد؟ قال: لي شريح ومسلم وعبد الله. قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح. قال: فأنت أبو شريح» (١).
فتغيير النبي ﷺ لكنية الصحابي دليل على كراهته التكني بهذا الاسم أو التسمي به.
قال ابن الأثير: وإنما كره له ذلك لئلا يشارك الله تعالى في صفته (٢). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٢٢٩
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٩٥٥)، والنسائي (٨/ ٢٢٦). والحديث سكت عنه أبو داود، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٨١٩) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».
(٢) «النهاية» (١/ ٤١٩).
[ ٢ / ٣٩٧ ]
سبع وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله اللطيف
١ - إن الله ﷾ لا يفوته من العلم شيء وإن دق وصغر، أو خفي وكان في مكان سحيق قال سبحانه وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [الأنعام: ٥٩].
وجاء في قوله تعالى عن لقمان: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان: ١٦].
فالله لا يخفى عليه شيء، ولا الخردلة وهي الحبة الصغيرة التي لا وزن لها، فإنما ولو كانت في صخرة في باطن الأرض، أو في السماوات فإن الله يستخرجها ويأت بها، لأنه اللطيف الخبير.
٢ - وإذا علم العبد أن ربه متصف بدقة العلم، وإحاطته بكل صغيرة وكبيرة، حاسب نفسه على أقواله وأفعاله، وحركاته وسكناته، فإنه في كل وقت وحين، بين يدي اللطيف الخبير، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [تبارك: ١٤].
والله سبحانه يجازي الناس على أفعالهم يوم الدين، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، لا يفوته من أعمالهم شيء، فلا المحسن يضيع من إحسانه مثقال ذرة، ولا المسيء يضيع من سيئاته مثقال ذرة.
قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء: ٤٧].
وقال فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧ - ٨].
ثم هو بعد ذلك يزيد أجور الصالحين من فضله وكرمه ما يشاء، ويعفو ويتجاوز عن ذنوب من يشاء من عباده بلطفه وعفوه، ويعذب بالذنوب من يشاء من عباده بعدله، إنه كان بعباده خبيرًا بصيرًا.
٤ - الله لطيف بعباده، أي كثير اللطف بهم بالغ الرأفة لهم.
قال الحليمي في معنى (اللطيف): وهو الذي يريد بعباده الخير واليسر، ويقيض لهم أسباب الصلاح والبر (١).
ومن لطفه بعباده أنه يسوق إليهم أرزاقهم، وما يحتاجونه في معاشهم.
قال القرطبي في تفسير الآية السابقة يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ : وهذا القول من لقمان إنما قصد به إعلام ابنه بقدر قدرة الله تعالى، وهذه الغاية التي أمكنه أن يفهمه، لأن الخردلة يقال: إن الحس لا يدرك لها ثقلًا، إذ لا ترجح ميزانًا.
أي لو كان للإنسان رزق مثقال حبة خردل في هذه المواضع، جاء الله بها حتى يسوقها إلى من هي رزقه، أي لا تهتم للرزق حتى تشتغل به عن أداء الفرائض، وعن أتباع سبيل من أناب إلي اهـ (٢).
قال الغزالي: إنما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق المصالح وغوامضها، وما دق منها وما لطف، ثم يسلك في إيصالها إلى المستحق سبيل الرفق دون العنف، فإذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف في العلم تم معنى اللطف، ولا يتصور كحال ذلك في العلم والفعل إلا لله تعالى.
_________________
(١) «المنهاج في شعب الإيمان» (١/ ٢٠٢).
(٢) «الجامع لأحكام القرآن» (١٤/ ٦٦).
[ ٢ / ٣٩٨ ]
فأما إحاطته بالدقائق والخفايا فلا يمكن تفصيل ذلك، بل الخفي مكشوف في علمه كالجلي، من غير فرق، وأما رفقه في الأفعال ولطفه فيها فلا يدخل أيضا تحت الحصر، إذ لا يعرف اللطف في الفعل، إلا من عرف تفاصيل أفعاله وعرف دقائق الرفق فيها، وبقدر اتساع المعرفة فيها تتسع المعرفة بمعنى اسم (اللطيف)، وشرح ذلك يستدعي طويلًا ثم لا يتصور أن يفي بعشر عشره، مجلدات كبيرة، وإنما يمكن التنبيه على بعض جمله.
فمن لطفه: خلقه الجنين في بطن الأم في ظلمات ثلاث وحفظه فيها وتغذيته بواسطة السرة، إلى أن ينفصل، فيستقل بالتناول بالفم، ثم إلهامه إياه عند الانفصال التقام الثدي وامتصاصه ولو في ظلام الليل، من غير تعليم ومشاهدة. بل فلق البيضة عن الفرخ وقد ألهمه التقاط الحب في الحال.
ثم تأخير خلق السن عن أول الخلقة، إلى وقت الحاجة للاستغناء في الاغتذاء باللبن عن السن، ثم إنباته بعد ذلك عند الحاجة إلى طحن الطعام، ثم تقسيم الأسنان إلى عريضة للطحن، وإلى، أنياب للكسر، وإلى ثنايا حادة الأطراف للقطع، ثم استعمال اللسان الذي الغرض الأظهر منه النطق في رد الطعام إلى المطحن كالمجرفة.
ولو ذكر لطفه في تيسير لقمة يتناولها العبد من غير كلفة يتجشمها وقد تعاون على إصلاحها خلق لا يصحى عددهم، من مصلح الأرض وزارعها وساقيها وحاصدها ومنقيها وطاحنها وعاجنها وخابزها إلى غير ذلك، لكان لا يستوفي شرحه (١).
الآثار الإيمانية لاسم الله الخبير:
١ - إن الله هو الخبير، العالم ببواطن الأمور ومخفياتها، عالم بما كان وما يكون، لا يفوته من العلم شيء وإن كان صغيرًا دقيقًا، وهذا لله وحده لا يشاركه فيه أحد من خلقه.
٢ - والله أخبر بنفسه، إذ لا أحد أعلم بالله من الله، قال سبحانه الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا [الفرقان: ٥٩]. أي اسأل عنه خبيرًا (و-الباء- هنا مكان –عن-) (٢) وهو الله ﷿ (٣).
٣ - إن الله خبير عليم بأعمال عباده وأقوالهم، وما يجول في صدورهم من خير أو شر.
قال سبحانه وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء: ١٧].
وقال أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤].
ولذلك أمرنا ﷾ أن نتقيه ونعمل بما يحب، وأن نبتعد عن كل ما يسخطه ويغضبه.
قال تعالى محرضًا على التقوى والإحسان وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء: ١٢٨].
وقال وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر: ١٨].
وحض على طاعته وطاعة رسوله ﷺ فقال وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المجادلة: ١٣].
وأمر بالإيمان به وبرسوله وبكتابه فقال فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [التغابن: ٨].
_________________
(١) «المقصد الأسنى» (ص: ٦٢ - ٦٣).
(٢) انظر: «تأويل مشكل القرآن» لابن قتيبة (ص: ٥٦٨) و«تفسير القرطبي» (١٣/ ٦٣) والشوكاني (٤/ ٨٤) وهو كقوله تعالى سأل سائل بعذاب واقع.
(٣) انظر: «تفسير البغوي» (٥/ ١٠٦) والشوكاني (٤/ ٨٤).
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وفي قوله تعالى وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء: ١٣٥]، تحذير من معصيته، وهي عدم إقامة الشهادة بالحق وعبر عنه بقوله وإن تلووا أو كتمان الشهادة مع الحاجة إليها وعبر عنه بقوله أو تعرضوا، ثم جاء التحذير وهو قوله فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا أي فإن الله خبير بما تعملون، من عدم إقامتكم الشهادة وتحريفكم لها، وإعراضكم عنها بكتمانها، ويحفظ ذلك منكم عليكم حتى يجازيكم به يوم الجزاء، فاتقوا ربكم في ذلك.
٤ - إن الله سبحانه خبير، قد أحاط بكل شيء خبرًا يخبر بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون.
فقد أخبر عن خلقه للسماوات والأرض في ستة أيام، واستواءه على عرشه فقال الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا [الفرقان: ٥٩].
وأخبر عن نفسه سبحانه أنه يعلم مفاتح الغيب الخمسة التي لا يعلمها إلا هو، فقال إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان: ٣٤].
وهذه الخمسة كلها غيبية مستقبلية.
وأخبر عما سيقع في يوم القيامة من الأهوال الكونية من انشقاق السماء وانفطارها، وارتجاف الأرض وزلزالها، ونسف الجبال وسيرها وتسجير البحار وانفجارها، وغير ذلك من الأهوال المنتظرة التي لم تقع.
وأخبر عن حال أهل الإيمان وما هم فيه من الاطمئنان والأمان من تلك الأهوال، ثم عن دخولهم الجنان بسلام.
وأخبر عن حال أهل الكفران، وما هم فيه عند قيامهم من تخبط الشيطان، لاتخاذهم إياه وليًا – في الدنيا – من دون الرحمن، واتباعهم لخطواته وتركهم لكلام الكريم المنان.
والله خبير بالطائفتين في ذلك اليوم المشهود، قال تعالى أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ [العاديات: ٩ - ١١].
ولا يخبر بهذه الأمور كلها إلا الله وحده العليم الخبير، كما قال سبحانه وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: ١٤] أي: لا ينبئك أحد مثلي لأني عالم بالأشياء (١). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٢٥٢
_________________
(١) «تفسير البغوي» (٥/ ٣٠٠)، وانظر: «تفسير ابن كثير» (٣/ ٥٥١).
[ ٢ / ٤٠٠ ]
ثمان وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله الحليم
١ - إثبات صفة (الحلم) لله ﷿، وهو الصفح عن العصاة من العباد، وتأجيل عقوبتهم رجاء توبتهم عن معاصيهم.
٢ - وحلم الله سبحانه عن عباده، وتركه المعالجة لهم بالعقوبة، من صفات كماله ﷾، وتأجيل عقوبتهم رجاء توبتهم عن معاصيهم.
٢ - وحلم الله سبحانه عن عباده، وتركه المعاجلة لهم بالعقوبة، من صفات كماله ﷾. فحلمه ليس لعجزه عنهم، وإنما هو صفح وعفو عنهم، أو إمهال لهم مع القدرة، فإن الله لا يعجزه شيء.
قال سبحانه أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤].
وحلمه أيضًا ليس عن عدم علمه بما يعمل عباده من أعمال، بل هو العليم الحليم الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
قال سبحانه وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا [الأحزاب: ٥١].
وحلمه عن خلقه ليس لحاجته إليهم، إذ هو سبحانه يحلم عنهم ويصفح ويغفر مع استغنائه عنهم، قال سبحانه اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [البقرة: ٢٣٥].
٣ - حلم الله عظيم، ويتجلى في صبره سبحانه على خلقه، والصبر داخل تحت الحلم، إذ كل حليم صابر، وقد جاء في السنة وصف الله ﷿ بالصبر، كما في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ليس أحد – أو ليس شيء – أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم ليدعون له ولدًا وإنه ليعافيهم ويرزقهم» (١).
قال الحليمي في معنى (الحليم): الذي لا يحبس أنعامه وأفضاله عن عباده لأجل ذنوبهم، ولكن يرزق العاصي كما يرزق المطيع، ويبقيه وهو منهمك في معاصيه، كما يبقي البر التقي، وقد يقيه الآفات والبلايا وهو غافل لا يذكره، فضلًا عن أن يدعوه، كما يقيها الناسك الذي يسأله، وربما شغلته العبادة عن المسألة (٢).
وقد أخبر تعالى عن تأخيره لعقاب من أذنب من عباده في الدنيا، وأنه لو كان يؤاخذهم بذنوبهم أولًا بأول، لما بقي على ظهر الأرض أحد.
قال سبحانه وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ [النمل: ٦١].
وقال وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا [الكهف: ٥٨].
قال ابن جرير: ولو يؤاخذ الله عصاة بني آدم بمعاصيهم (ما ترك عليها) يعني: الأرض من دابة تدب عليها (ولكن يؤخرهم) يقول: ولكن بحلمه يؤخر هؤلاء الظلمة، فلا يعاجلهم بالعقوبة، (إلى أجل مسمى) يقول: إلى وقتهم الذي وقت لهم، (فإذا جاء أجلهم) يقول: فإذا جاء الوقت الذي وقت لهلاكهم لا يستأخرون عن الهلاك ساعة فيمهلون ولا يستقدمون قبله حتى يستوفوا آجالهم اهـ (٣).
فتأخير العذاب عنهم إنما هو رحمة بهم.
ولكن الناس يغترون بالإمهال، فلا تستشعر قلوبهم رحمة الله وحكمته، حتى يأخذهم سبحانه بعدله وقوته، عندما يأتي أجلهم الذي ضرب لهم.
ومن العجب! أن يريد الله للناس الرحمة والإمهال، ويرفض الجهال منهم والأجلاف تلك الرحمة وذلك الإمهال، حين يسألون الله أن يعجل لهم العذاب والنقمة!
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠٩٩)، ومسلم (٢٨٠٤).
(٢) «المنهاج في شعب الإيمان» (١/ ٢٠٠ - ٢٠١)، وانظر: «الأسماء للبيهقي» (ص: ٧٢ - ٧٣).
(٣) «تفسير الطبري» (١٧/ ٢٣٠).
[ ٢ / ٤٠١ ]
قال تعالى: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ [يونس: ١١].
وقال وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحِسَابِ [ص: ١٦].
وقال عن كفار مكة وَإِذْ قَالُوا اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: ٣٢].
وأمثال ذلك مما وقع من المسرفين السفهاء.
تنبيه: تأخير العذاب عن الكفار إنما هو في الدنيا فقط، وأما في الآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون.
قال الأقليشي: أما تأخير العقوبة في الدنيا عن الكفرة والفجرة من أهل العصيان، فمشاهد بالعيان، لأنا نراهم يكفرون ويعصون، وهم معافون في نعم الله يتقلبون.
وأما رفع العقوبة في الأخرى، فلا يكون مرفوعًا إلا عن بعض من استوجبها من عصاة الموحدين.
وأما الكفار فلا مدخل لهم في هذا القسم، ولا لهم في الآخرة حظ من هذا الاسم، وهذا معروف بقواطع الآثار، ومجمع عليه عند أولى الاستبصار اهـ (١).
٤ - يجوز إطلاق صفة الحلم على الخلق، فقد وصف الله ﷿ أنبياءه بذلك، قال عز من قائل إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة: ٩].
وقال إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ [هود: ٧٥]. وقال حكاية عن قوم شعيب ﵇ إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود: ٨٧] وقال فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ [الصافات: ٥٩] يعني بذلك إسحاق ﵇.
والحلم من الخصال العظيمة التي يريد الله من عباده أن يتخلقوا بها، وهي خصلة يحبها الله ورسوله كما مر آنفا في حديث أشج عبد القيس.
قال القرطبي ﵀: فمن الواجب على من عرف أن ربه حليم على من عصاه، أن يحلم هو على من خالف أمره، فذاك به أولى حتى يكون حليمًا فينال من هذا الوصف بمقدار ما يكسر سورة غضبه ويرفع الانتقام عن من أساء إليه، بل يتعود الصفح حتى يعود الحلم له سجية.
وكما تحب أن يحلم عنك مالك، فاحلم أنت عمن تملك لأنك متعبد بالحلم مثاب عليه قال الله تعالى وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: ٤٠]، وقال وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [الشورى: ٤٣] اهـ (٢). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٢٥٨
_________________
(١) «الكتاب الأسنى»
(٢) «الكتاب الأسنى»
[ ٢ / ٤٠٢ ]
تسع وأربعون: الآثار الإيمانية لاسم الله العظيم
١ - إن الله سبحانه، هو العظيم المطلق، فهو عظيم في ذاته، عظيم في أسمائه كلها، عظيم في صفاته كلها، فهو عظيم في سمعه وبصره، عظيم في قدرته وقوته، عظيم في علمه ، فلا يجوز قصر عظمته في شيء دون شيء، لأن ذلك تحكم لم يأذن به الله.
قال ابن القيم ﵀ في نونيته مقررًا ذلك:
وهو العظيم بكل معنى يوجب التـ ـعظيم لا يحصيه من إنسان (١)
فمن عظمته في علمه وقدرته أنه لا يشق عليه أن يحفظ السماوات السبع والأرضين السبع، ومن فيهما كما قال وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: ٢٥٥].
٢ - الفرق بين عظمة الخالق والمخلوق:
أن المخلوق قد يكون عظيمًا في حال دون حال، وفي زمان دون زمان، فقد يكون عظيمًا في شبابه، ولا يكون كذلك عند شيبه، وقد يكون ملكًا أو غنيًا معظمًا في قومه، فيذهب ملكه وغناه أو يفارق قومه وتذهب عظمته معها، لكن الله سبحانه هو العظيم أبدا.
قال الحليمي في (العظيم): ومعناه الذي لا يمكن الامتناع عليه بالإطلاق، لأن عظيم القوم إنما يكون مالك أمورهم، الذي لا يقدرون على مقاومته ومخالفة أموره، إلا أنه وإن كان كذلك، فقد يلحقه العجز بآفات تدخل عليه فيما بيده فتوهنه وتضعفه، حتى يستطاع مقاومته، بل قهره وإبطاله، والله جل ثناؤه قادر لا يعجزه شيء، ولا يمكن أن يعصى كرهًا، أو يخالف أمره قهرًا. فهو العظيم إذًا حقًا وصدقا، وكان الاسم لمن دونه مجازًا اهـ (٢).
٣ - على المسلم أن يعظم الله حق تعظيمه، ويقدره حق قدره، وإن كان هذا لا يستقصى، إلا أن على المسلم أن يبذل قصارى ما يملك لكي يصل إليه.
وتعظيم الله ﷾ أولًا، إنما هو بوصفه بما يليق به من الأوصاف والنعوت التي وصف بها نفسه، والإيمان بها وإثباتها له، دون تشبيهها بخلقه، ولا تعطيلها عما تضمنته من معاني عظيمة.
فمن شبه ومثل، أو عطل وأول، فما عظم الله حق تعظيمه.
ومن تعظيمه جل علا، الإكثار من ذكره في كل وقت وحين، والبدء باسمه في جميع الأمور، وحمده والثناء عليه بما هو أهل له، وتهليله وتكبيره.
ومن تعظيم الله سبحانه، أن يطاع رسوله ﷺ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ [النساء: ٦٤]، فمن أطاع الرسول فقد أطاع المرسل مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ [النساء: ٨٠]، ومن عصاه فقد عصى الله.
ومن تعظيم الله سبحانه أن يعظم رسوله ويوقر، قال تعالى لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح: ٩] (٣).
وأن لا يقدم على كلامه أحد مهما كانت مكانته قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ [الحجرات: ١].
ومن تعظيم الله سبحانه أن يصدق كتابه، لأنه كلامه، وأن يحكم في الأرض لأنه شرعه الذي ارتضاه للناس أجمعين. فمن لم يفعل فما عظم الله حق تعظيمه، بل التحق بأشباهه من اليهود الذين اتخذوا كتاب الله وراءهم ظهريًا واتبعوا شياطين الإنس والجن.
ومن تعظيم الله سبحانه، أن تعظم شعائر دينه كالصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة وغيرها.
قال تعالى: وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج: ٣٢].
_________________
(١) «النونية بشرح أحمد بن إبراهيم بن عيسى» (٢/ ٢١٤).
(٢) «المنهاج» (١/ ١٩٥).
(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣).
[ ٢ / ٤٠٣ ]
ومن تعظيم الله سبحانه أن تجتنب نواهيه ومحارمه التي حرمها في كتابه، أو حرمها رسوله ﷺ قال تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ [الحج: ٣٠] ومن أعظم ما حرمه الله الشرك بأنواعه. ومقابل هذا أن يعمل المسلم بأوامره التي أمر بها، والتي من أعظمها توحيده وإفراده بالعبادة. وحده لا شريك له.
٤ - ليس أضل من ذلك الإنسان الذي أبى أن يعبد الله وحده، وأصر على أن يشرك به مالا يملك له رزقًا، ولا يملك له نفعًا ولا ضرًا، من أوثان وأحجار وأشجار، أو قبور وأضرحة، قد صار أصحابها عظامًا نخرة، فكيف تقضي لهم حاجة؟ أو تشفي لهم مريضًا؟ أو ترد لهم غائبًا؟ لكنه العمى والضلال البعيد، وهم في الآخرة في العذاب الشديد خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [الحاقة: ٣٠ - ٣٣]، فلما لم يعظمه حق التعظيم، عذب العذاب العظيم.
وهذا في المشركين الذين أقروا بخالقهم وخالق السموات والأرض، وأنه منزل المطر ومحي الأرض بعد موتها، فما بالك بأولئك الشيوعيين الأنجاس، الذين أبت نفوسهم العفنة أن تقر بخالقها ورازقها ومدبر أمرها، والذين يسمون أنفسهم بـ (اليساريين) وما أصدق هذه التسمية عليهم، فهم أهل اليسار حقًا في الآخرة وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لاَّ بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ [الواقعة: ٤١ - ٤٤].
٤ - أمر النبي ﷺ أن يسبح بهذا الاسم في الركوع فقال: « ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم» (١). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٢٦٦
_________________
(١) رواه مسلم (٤٧٩). من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
خمسون: الآثار الإيمانية لأسماء الله العلي – الأعلى – المتعال
١ - إثبات العلو المطلق لله رب العالمين بكل معانيه، دون أن نعطل أو نؤول شيئًا، ونثبت شيئًا لأن ذلك تحكم لم يأذن الله به.
أولًا: تضمنت هذه الأسماء إثبات علو ذات ربنا سبحانه، وأنه عال على كل شيء، وفوق كل شيء، ولا شيء فوقه، بل هو فوق العرش كما أخبر عن نفسه، وهو أعلم بنفسه.
وهذا اعتقاد سلف الأمة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، من علماء الحديث والتفسير والفقه والأصول والسيرة والتاريخ والعربية والأدب وغيرهم (١).
وسنحاول باختصار ذكر ما يدل على علو ذاته ﷾ من آيات الكتاب، والأحاديث الشريفة.
فعن آيات الكتاب:
١ - قوله تعالى إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤].
وقد ذكر الاستواء في ست آيات أخر في سورة يونس: ٣، الرعد: ٢، طه: ٥، الفرقان: ٥٩، السجدة: ٤، الحديد: ٤.
٢ - بين تعالى في آيات كثيرة أن (الروح) وهو جبريل ﵇ والملائكة منه تتنزل، وإليه تعرج وتصعد.
منها قوله تعالى: مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج: ٣ - ٤].
وقوله عن ليلة القدر تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ [القدر: ٤].
ومعلوم أن التنزل لا يكون إلا من العلو.
٣ - وأخبر تعالى أنه ينزل ملائكته بالوحي والكتاب على ما يشاء من عباده، قال سبحانه يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ [النحل: ٢].
وقال وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤].
٤ - أن الأعمال الصالحة والكلام الطيب إليه يصعدان، قال تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: ١٠].
قال الدارمي: فإلى من ترفع الأعمال، والله بزعمكم الكاذب مع العامل بنفسه في بيته ومسجده ومنقلبه ومثواه؟!! تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا اهـ (٢).
٥ - قوله تعالى مخاطبًا المسيح ﵇ إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ [آل عمران: ٥٥].
وقوله سبحانه وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨].
٦ - أخبر تعالى عن تنزيله لآيات الكتاب في آيات كثيرة منها: قوله تعالى نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ [آل عمران: ٣ - ٤].
قوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا [الكهف: ١].
وقوله حم تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [فصلت: ١ - ٢].
وقوله سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [النور: ١].
وقوله إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١].
_________________
(١) انظر النقول الكثيرة التي نقلها الذهبي ﵀ في «العلو» وابن القيم ﵀ في «اجتماع الجيوش الإسلامية» عن علماء الأمة في هذه المسألة.
(٢) «الرد على الجهمية» (ص: ٥٣).
[ ٢ / ٤٠٥ ]
قال أبو سعيد الدارمي ﵀: فظاهر القرآن وباطنه يدل على ما وصفنا من ذلك، نستغني فيه بالتنزيل عن التفسير، ويعرفه العامة والخاصة، فليس منه لمتأول تأول، إلا لمكذب به في نفسه مستتر بالتأويل.
ويلكم!! إجماع من الصحابة والتابعين وجميع الأمة، من تفسير القرآن والفرائض والحدود والأحكام: نزلت آية كذا في كذا، ونزلت آية كذا في كذا، ونزلت سورة كذا في مكان كذا، ولا نسمع أحدًا يقول: طلعت من تحت الأرض، ولا جاءت من أمام ولا من خلف ولكن كله: نزلت من فوق. وما يصنع بالتنزيل من هو بنفسه في كل مكان؟
إنما يكون شبه مناولة لا تنزيلًا من فوق السماء مع جبريل، إذ يقول ﷾ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ [النحل: ١٠٢]، والرب بزعمكم الكاذب في البيت معه وجبريل يأتيه من خارج، هذا واضح، ولكنكم تغالطون.
فمن لم يقصد بإيمانه وعبادته إلى الله الذي استوى على العرش فوق سمواته، وبان من خلقه، فإنما يعبد غير الله ولا يدري أين الله اهـ (١).
٧ - قول الله تعالى عن فرعون وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى [غافر: ٣٦ - ٣٧]، دليل على أن فرعون كان يريد الإطلاع إلى الله تعالى في السماء، وذلك أن موسى وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين كانوا يدعونهم إلى الله بذلك.
وأما الأحاديث التي تدل على (العلو) فهي كثيرة منها:
١ - حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: وكان لي جارية ترعى غنمًا لي قبل (أحد والجوانية) فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله ﷺ فعظم ذلك علي، قالت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟ قال «ائتني بها» فأتيته بها فقال لها: «أين الله؟» قالت: في السماء، قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «اعتقها فإنها مؤمنة» (٢).
قال أبو سعيد الدارمي: ففي حديث رسول الله ﷺ هذا دليل على أن الرجل إذا لم يعلم أن الله ﷿ في السماء دون الأرض فليس بمؤمن، ولو كان عبدًا فأعتق لم يجز في رقبة مؤمنه، إذ لا يعلم أن الله في السماء اهـ (٣).
٢ - الأحاديث الكثيرة في معراج النبي ﷺ في ليلة الإسراء والمعراج، وقد تواترت (٤) وأجمع عليها سلف الأمة وأئمتها.
٣ - حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قام بنا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل » (٥).
٤ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم – وهو أعلم بهم – كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون» (٦).
٥ - حديث أبو هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها، فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها» (٧).
٦ - حديث أبي سعيد الخدري: بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله ﷺ بذهبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها، قال فقسمها .. وفيه فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء؟ » (٨).
٦ - حديث أنس أن زينب كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول (زوجكن أهاليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات) (٩). وفي رواية (وكانت تقول: عن إن الله أنكحني في السماء) (١٠). وغيرها من الأحاديث. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٣٠٨
_________________
(١) «الرد على الجهمية» (ص: ٥٥).
(٢) رواه مسلم (٥٣٧). من حديث معاوية بن الحكم ﵁.
(٣) «الرد على الجهمية» (ص: ٣٩).
(٤) ذكر ذلك ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص: ٢٩).
(٥) رواه مسلم (١٧٩).
(٦) رواه البخاري (٥٥٥)، ومسلم (٦٣٢).
(٧) رواه مسلم (١٤٣٦).
(٨) رواه البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤).
(٩) رواه البخاري (٧٤٢٠). من حديث أنس ﵁.
(١٠) رواه البخاري (٧٤٢١). من حديث أنس ﵁.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
واحد وخمسون: الآثار الإيمانية لأسماء الله الحفيظ
١ - إن الحافظ لهذه السماوات السبع والأرض وما فيهما هو الله وحده لا شريك له.
فهو سبحانه يحفظ السماوات أن تقع على الأرض كما في قوله تعالى: وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ [الأنبياء: ٣٢]، أي: كالسقف على البيت، قاله الفراء (١)، وهو كقوله وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ [الحج: ٦٥].
وقال بعض المفسرين في قوله (محفوظا) أي من الشياطين، كما في قوله تعالى: وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ [الحجر: ١٦ - ١٨].
قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره وحفظنا السماء الدنيا من كل شيطان لعين، قد رجمه الله ولعنه، إلا من استرق السمع يقول لكن قد يسترق من الشياطين السمع مما يحدث في السماء بعضها، فيتبعه شهاب من النار مبين، يبين أثره فيه إما بإخباله وإفساده، أو بإحراقه اهـ (٢).
وقيل: محفوظًا من الهدم والنقض، وعن أن يبلغه أحد بحيلة.
وقيل: محفوظًا فلا يحتاج إلى عماد (٣).
والله يحفظ ذلك كله بلا مشقة ولا كلفة، ودون أدنى تعب أو نصب، كما قال سبحانه وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [الحجر: ٩].
فبقى كذلك – كما قال سبحانه – هذه القرون الطويلة محفوظًا بحفظ الله تعالى له، فهو من آيات الله الظاهرة للعيان، الدالة على صدق وعد الله جل شأنه.
ولقد أتى على المسلمين أيام فتن سوداء، انتشر فيها أهل البدع والأهواء، وأدخلوا على هذا الدين أنواع المحدثات، وافتروا على رسول الأمة ﷺ أنواع المفتريات، ولكنهم عجزوا جميعًا عن أن يحدثوا في هذا القرآن شيئًا، أو أن يغيروا فيه حرفًا واحدًا، فبقي كما هو، وبقيت نصوصه كما أنزلها الله على نبيه ﷺ.
وكذا أماكن العبادة، فإن المحفوظ منها هو ما حفظه الله ﷾ وهو خير حافظًا.
قال ابن تيمية ﵀ عن آيات الله العظيمة: وكذلك الكعبة، فإنها بيت من حجارة بواد غير ذي زرع، ليس عندها أحد يحفظها من عدو، ولا عندها بساتين وأمور يرغب الناس فيها، فليس عندها رغبة ولا رهبة، ومع هذا فقد حفظها بالهيبة والعظمة، فكل من يأتيها يأتيها خاضعا ذليلًا متواضعًا في غاية التواضع، وجعل فيها من الرغبة ما يأتيها الناس من أقطار الأرض محبة وشوقًا من غير باعث دنيوي، وهي على هذه الحال من ألوف من السنين، وهذا مما لا يعرف في العالم لبنية غيرها، والملوك يبنون القصور العظيمة فتبقى مدة، ثم تهدم لا يرغب أحد في بنائها ولا يرهبون من خرابها.
_________________
(١) «معاني القرآن» (٢/ ٢٠١)، وكذا في «تفسير ابن كثير» (٣/ ١٧٧) فقد قال: وقوله وجعلنا السماء سقفًا محفوظًا أي: على الأرض وهي كالقبة عليها.
(٢) «جامع البيان» (١٤/ ١١).
(٣) «الجامع لأحكام القرآن» (١١/ ٢٨٥).
[ ٢ / ٤٠٧ ]
وكذلك ما بني للعبادات قد تتغير حاله على طول الزمان، وقد يستولي العدو عليه كما استولى على بيت المقدس، والكعبة لها خاصة ليست لغيرها، وهذا مما حير الفلاسفة ونحوهم، فإنهم يظنون أن المؤثر في هذا العالم هو حركات الفلك، وأن ما بنى وبقي فقد بني بطالع سعيد، فحاروا في طالع الكعبة إذ لم يجدوا في الأشكال الفلكية ما يوجب مثل هذه السعادة والفرح والعظمة والدوام والقهر والغلبة، وكذلك ما فعل الله بأصحاب الفيل لما قصدوا تخريبها قال تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُول [الفيل: ١ - ٥].
قصدها جيش عظيم ومعهم الفيل، فهرب أهلها منهم فبرك الفيل وامتنع من المسير إلى جهتها، وإذا وجهوه إلى غير جهتها توجه، ثم جاءهم من البحر طير أبابيل أي جماعات في تفرقة فوجًا بعد فوج رموا عليهم حصى هلكوا به كلهم، فهذا مما لم يوجد نظيره في العالم، فآيات الأنبياء هي أدلة وبراهين على صدقهم اهـ (١).
٣ - والله سبحانه وحده هو الذي يحفظ الإنسان من الشرور والآفات والمهالك، ويحفظه من عقابه وعذابه وسخطه، إن هو حفظ حدود الله واجتنب محارمه، فبتقوى الله وخوفه يحفظ الإنسان، وبقدر ذلك يكون الحفظ والكلاءة، قال تعالى فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ [النساء: ٣٤]، فالآية تدل على ذلك، فلأنهن صالحات حافظات لمغيب أزواجهن – من عرض ومال وولد – حفظهن الله سبحانه، وأعانهن وسددهن على ذلك.
فبحفظهن الله – أي أمره ودينه – حفظهن الله. وجاء في الحديث قوله ﷺ لابن عباس ﵄: «يا غلام إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك » (٢).
قال ابن رجب ﵀: يعني احفظ حدود الله، وحقوقه وأوامره ونواهيه، وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده فلا يتجاوز ولا يتعدى ما أمر به إلى ما نهى عنه، فدخل في ذلك فعل الواجبات جميعًا وترك المحرمات جميعًا اهـ (٣).
وقد مدح الله سبحانه عباده الذين يحفظون حقوقه وحدوده فقال في معرض بيانه لصفات المؤمنين الذين اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ١١٣].
وقال هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ [ق: ٣٢ - ٣٣].
٤ - ومن أعظم ما يجب على المسلم حفظه من حقوق الله هو التوحيد، أن يعبده ولا يشرك به شيئا، كما جاء في حديث معاذ بن جبل ﵁ إذ قال له رسول الله ﷺ: «يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: هل تدري ما حق الله على العباد؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، ثم سار ساعة ثم قال: يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك رسول الله وسعديكن قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم» (٤).
_________________
(١) «النبوات» (ص: ١٦٠ - ١٦١).
(٢) رواه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١/ ٢٩٣) (٢٦٦٩)، والحاكم (٣/ ٦٢٤). قال الترمذي: صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث كبير عال من حديث عبد الملك بن عمير عن ابن عباس ﵄ إلا أن الشيخين ﵄ لم يخرجا شهاب بن خراش ولا القداح في الصحيحين وقد روي الحديث بأسانيد عن ابن عباس غير هذا.
(٣) «نور الاقتباس» (ص: ٣٤).
(٤) رواه البخاري (٥٩٦٧)، ومسلم (٣٠).
[ ٢ / ٤٠٨ ]
فهذا هو الحق العظيم الذي أمر الله سبحانه عباده أن يحفظوه ويراعوه، وهو الذي من أجل حفظه، أرسل الرسل وأنزل الكتب.
فمن حفظه في الدنيا، حفظه الله تعالى من عذابه يوم القيامة، وسلمه وأمنه منه، وكان له عند الله عهدًا أن يدخله الجنة ويجيره من النار.
وإن عذب بسبب ذنوبه، فإنه أيضًا محفوظ بتوحيده من الخلود في نار جهنم، مع الكفار الذين ضيعوا هذا الحق العظيم.
٥ - ومن أعظم ما أمر الله بحفظه من الواجبات: الصلاة، قال تعالى حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى [البقرة: ٢٣٨]. وقال وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المؤمنون: ٩].
فمن حافظ على الصلوات وحفظ أركانها، حفظه الله من نقمته وعذابه وكانت له نجاة يوم القيامة. قال ابن القيم ﵀: والصلاة مجلبة للرزق، حافظة للصحة، دافعة للأذى، مطردة للأدواء، مقوية للقلب، مبيضة للوجه، مفرحة للنفس، مذهبة للكسل، منشطة للجوارح، ممدة للقوى، شارحة للصدر، مغذية للروح، منورة للقلب، حافظة للنعمة، دافعة للنقمة، جالبة للبركة، مبعدة من الشيطان، مقربة من الرحمن.
وبالجملة: فلها تأثير عجيب في حفظ صحة البدن والقلب وقواهما، ودفع المواد الرديئة عنهما، وما ابتلى رجلان بعاهة أو داء أو محنة أو بلية إلا كان حظ المصلي منهما أقل، وعاقبته أسلم.
وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا، ولاسيما إذا أعطيت حقها من التكميل ظاهرًا وباطنًا، فما استدفعت شرور الدنيا والآخرة، ولا استجلبت مصالحها بمثل الصلاة.
وسر ذلك: إن الصلاة صلة بالله ﷿، وعلى قدر صلة العبد بربه ﷿ تفتح عليه من الخيرات أبوابها، وتقطع عنه الشرور أسبابها، وتفيض عليه مواد التوفيق من ربه ﷿، والعافية، والصحة، والغنيمة والغنى، والراحة والنعيم، والأفراح والمسرات، كلها محضرة لديه، ومسارعة إليه اهـ (١).
ومما جاء في أن الصلاة تحفظ صاحبها قوله ﷺ: «عن الله ﷿ أنه قال: يا ابن آدم! اركع لي من أول النهار أربع ركعات أكفك آخره» (٢) وقيل: إن الصلاة تحفظ صاحبها الحفظ الذي نبه عليه في قوله: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ [العنكبوت: ٤٥] (٣) وأما من ضيع الصلاة فقد توعده الله سبحانه بالهلاك والشر العظيم. قال سبحانه فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم: ٥٩].
ومما أمر الله بحفظه السمع والبصر والفؤاد، قال سبحانه وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا [الإسراء: ٣٦]. فاحفظ سمعك، فلا تسمع إلا ما يرضيه، واحفظ بصرك فلا تنظر إلا إلى ما يرضيه، واحفظ قلبك وعقلك من أن يتعلقا بما يغضبه ويسخطه، وينشغلا بغيره.
٧ - ومما أمر ﷾ بحفظه الفروج، قال سبحانه قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور: ٣٠] ومدح المؤمنين بذلك فقال وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون: ٥ - ٦]. وقال ﷺ «من يضمن لي ما بين لحييه ورجليه أضمن له الجنة» (٤).
_________________
(١) «الطب النبوي» (ص: ٣٣٢).
(٢) رواه الترمذي (٤٧٥). وقال: هذا حديث حسن غريب، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
(٣) «المفردات» للراغب (ص: ١٢٤).
(٤) رواه البخاري (٦٤٧٤). من حديث سهل بن سعد ﵁.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
٨ - ومما أمر الله بحفظه الإيمان، فقال وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ [المائدة: ٨٩]. لأن حفظ اليمين يدل على إيمان المرء وورعه، فكثير من الناس يتساهل في الحلف والقسم، وقد تلزمه الكفارة وهو لا يدري، أو يعجز عنها، فيقع في الإثم لتضييعه وعدم حفظه لأيمانه واستقصاء هذا يطول.
وبالجملة فالمؤمن مأمور بحفظ دينه أجمع، فلا يترك منه شيئًا لتعارضه مع هواه ومصلحته، بل هو مطيع لربه على أي حال، وفي كل زمان ومكان.
وكلما كان وفاءه بحفظ حدود الله وشرائعه أعظم، كان حفظ الله له كذلك، قال تعالى وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: ٤٠].
وقال فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: ١٥٢].
وقال إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد: ٧].
قال ابن رجب ﵀: وحفظ الله سبحانه له يتضمن نوعين: أحدهما حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وماله.
وفي حديث ابن عمر قال: لم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: «اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم أني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي» (١).
قال: ودعا رجل لبعض السلف بأن يحفظه الله، فقال له: يا أخي لا تسأل عن حفظه ولكن قل يحفظ الإيمان.
يعني أن المهم هو الدعاء بحفظ الدين، فإن الحفظ الدنيوي قد يشترك فيه البر والفاجر، فالله تعالى يحفظ على المؤمن دينه، ويحول بينه وبين ما يفسده عليه بأسباب قد لا يشعر العبد ببعضها وقد يكون يكرهه.
وهذا كما حفظ يوسف ﵇ – قال كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف: ٢٤]. فمن أخلص لله خلصه من السوء والفحشاء وعصمه منهما من حيث لا يشعر، وحال بينه وبين أسباب المعاصي المهلكة. قال: وفي الجملة فمن حفظ حدود الله وراعى حقوقه، تولى الله حفظه في أمور دينه ودنياه، وفي دنياه وآخرته.
وقد أخبر الله تعالى في كتابه أنه ولي المؤمنين، وأنه يتولى الصالحين، وذلك يتضمن أنه يتولى مصالحهم في الدنيا والآخرة، ولا يكلهم إلى غيره قال تعالى اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ [البقرة: ٢٥٧].
وقال تعالى ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد: ١١]، وقال وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣]، وقال أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦] اهـ (٢).
٩ - الله سبحانه يحفظ أعمال عباده فلا يضيع شيء منها ولا يخفى عليه، صغيرًا كان أو كبيرًا، ويوافيهم بها يوم الحساب إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ولا ينسى الله منه شيئًا وإن نساه الناس، قال تعالى أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة: ٦]، وقال وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا [النبأ: ٢٩]. وقد وكل الله بذلك حفظة كرامًا من الملائكة.
قال تعالى وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار: ١٠ - ١٢].
_________________
(١) رواه أبو داود (٥٠٧٤)، والنسائي (٨/ ٢٨٢)، وابن ماجه (٣١٣٥)، وأحمد (٢/ ٢٥) (٤٧٨٥)، والحاكم (١/ ٦٩٨). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٨٩٧) كما أشار إلى ذلك في المقدمة.
(٢) من «نور الاقتباس» باختصار.
[ ٢ / ٤١٠ ]
وقال إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤]، وغيرها. ولا يسقط من هذه الصحف شيئًا ولو صغر، قال تعالى وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩].
وقال وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر: ٥٣ - ٥٤].
وهذا الأمر ليس من مهام الرسل ولا أتباع الرسل، بل هو لله وحده كما قال سبحانه في ذلك قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ [الأنعام: ١٠٤].
وقال عن شعيب ﵇ في خطابه لقومه بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ [هود: ٨٦].
وقال تعالى وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا [النساء: ٨٠] وغيرها.
١٠ - يجوز إطلاق هذا الاسم على الخلق، فقد جاء ذلك في قوله تعالى هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ [ق: ٢٢]. وقال يوسف ﵊ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٥]. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٣٢٤
[ ٢ / ٤١١ ]
اثنان وخمسون: الآثار الإيمانية لاسم الله المقيت
١ - إن الله هو (المقيت) أي القدير على كل شيء، وسيأتي بسط الكلام على ذلك في (القدير) إن شاء الله تعالى.
٢ - إن الله ﷾ هو المعطى لأقوات الخلق صغيرهم وكبيرهم، قويهم وضعيفهم، غنيهم وفقيرهم، قال تعالى وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [هود: ٦].
وقد قدر الله ذلك كله عند خلقه للأرض، قال تعالى وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ [فصلت: ١٠].
قال ابن كثير: وقدر فيها أقواتها، وهو ما يحتاج أهلها إليه من الأرزاق والأماكن التي تزرع وتغرس (١).
وقال القرطبي: معنى قدر فيها أقواتها أي أرزاق أهلها وما يصلح لمعايشهم من التجارات والأشجار والمنافع في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة والأسفار من بلد على بلد (٢).
٣ - قال القرطبي في الأسنى: وقد يقوت الأرواح إدامة المشاهدة ولذيذ المؤانسة، قال الله ﷿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ [يونس: ٩] (٣).
وإلى هذا أحد أوجه قوله ﵊: «إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» (٤).
وأنشدوا:
فقوت الروح أرواح المعاني وليس بأن طعمت وأن شربتا
فلكل مخلوق قوت، فالأبدان قوتها المأكول والمشروب، والأرواح قوتها العلوم، وقوت الملائكة التسبيح، وبالجملة فالله سبحانه هو المقيت لعباده، الحافظ لهم، والشاهد لأحوالهم، والمطلع عليهم، وقد تضمن هذا الاسم جميع الصفات.
فيجب على كل مكلف أن يعلم أن لا قائم بمصالح العباد إلا الله سبحانه، وأنه الذي يقوتهم ويرزقهم.
وأفضل رزق يرزقه الله العقل، فمن رزقه العقل أكرمه، ومن حرمه ذلك فقد أهانه اهـ (٥). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٣٤١
_________________
(١) «التفسير» (٤/ ٩٣).
(٢) «التفسير» (١٥/ ٣٤٢ - ٣٤٣).
(٣) قال في «التفسير» (٨/ ٣١٢): يهديهم ربهم بإيمانهم أي يزيدهم هداية كقوله والذين اهتدوا زادهم هدى.
(٤) رواه البخاري (٧٢٩٩)، ومسلم (١١٠٣). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) «الكتاب الأسنى»
[ ٢ / ٤١٢ ]
ثلاث وخمسون: الآثار الإيمانية لاسم الله الحسيب
١ - إن الله ﷾ هو الكافي لعباده، الذي لا غنى لهم عنه أبدًا، بل لا يتصور لهم وجود بدونه، فهو خالقهم وبارئهم ورازقهم وكافيهم في الدنيا والآخرة، لا يشاركه في ذلك أحد أبدًا، وإن ظن الناس أن غير الله يكفيهم فهو ظن باطل، وخطأ محض، بل كل شيء بخلقه وتقديره وأمره.
قال في المقصد: هو الكافي، وهو الذي من كان له كان حسبه، والله تعالى حسيب كل أحد وكافيه، وهذا وصف لا يتصور حقيقته لغيره، فإن الكفاية إنما يحتاج إليها المكفي، لوجوده ولدوام وجوده ولكمال وجوده.
وليس في الوجود شيء هو وحده كاف لشيء إلا الله تعالى، فإنه وحده كاف لكل شيء، لا لبعض الأشياء، أي هو وحده كاف يتحصل به وجود الأشياء ويدوم به وجودها ويكمل به وجودها.
ولا تظنن أنك إذا احتجت إلى طعام وشراب وأرض وسماء وشمس وغير ذلك، فقد احتجت إلى غيره ولم يكن هو حسبك، فإنه هو الذي كفاك بخلق الطعام والشراب والأرض والسماء، فهو حسبك.
ولا تظنن أن الطفل الذي يحتاج إلى أمه، ترضعه وتتعهده، فليس الله حسيبه وكافيه، بل الله كفاه إذ خلق أمه، وخلق اللبن في ثديها وخلق له الهداية إلى التقامه، وخلق الشفقة والمودة في قلب الأم حتى مكنته من الالتقام، ودعته إليه وحملته عليه.
فالكفاية إنما حصلت بهذه الأسباب، والله وحده المتفرد بخلقها لأجله، ولو قيل لك أن الأم وحدها كافية للطفل وهي حسبه لصدقت به، ولم تقل إنها لا تكفيه لأنه يحتاج إلى اللبن فمن أين تكفيه الأم إذا لم يكن لبن؟ ولكنك تقول: نعم، يحتاج إلى اللبن، ولكن اللبن أيضًا من الأم، فليس محتاجًا إلى غير الأم، فاعلم أن اللبن ليس من الأم، بل هو والأم من الله، ومن فضله وجوده.
فهو وحده حسب كل أحد، وليس في الوجود شيء وحده هو حسب شيء سواه، بل الأشياء يتعلق بعضها ببعض وكلها تتعلق بقدرة الله تعالى اهـ (١).
فالله وحده حسب كل أحد، لا يشاركه في ذلك أحد، وهذا هو المعنى الصحيح لقول تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٤]، وهو المعنى الذي اختاره أكثر العلماء والذي تؤيده الأدلة الكثيرة.
قال ابن القيم ﵀ بعد ذكره للآية السابقة: أي الله وحده كافيك، وكافي أتباعك، فلا تحتاجون معه إلى أحد.
قال: وهنا تقديران، أحدهما: أن تكون الواو عاطفة لـ (من) على الكاف المجرورة، ويجوز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة والثاني أن تكون الواو واو (مع)، وتكون (من) في محل نصب عطفًا على الموضع، (فإن حسبك) في معنى (كافيك)، أي: الله يكفيك ويكفي من اتبعك، كما تقول العرب: حسبك وزيدًا درهم، قال الشاعر:
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا فحسبك والضحاك سيف مهند
وهذا أصح التقديرين:
وفيها تقدير ثالث: أن تكون (من) في موضع رفع بالابتداء، أي: ومن اتبعك من المؤمنين، فحسبهم الله.
_________________
(١) «المقصد الأسنى» (ص: ٧٢).
[ ٢ / ٤١٣ ]
وفيها تقدير رابع، وهو خطأ من جهة المعنى، وهو أن تكون (من) في موضع رفع عطفًا على اسم الله، ويكون المعنى: حسبك الله وأتباعك، وهذا وإن قاله بعض الناس (١) فهو خطأ محض، لا يجوز حمل الآية عليه، فإن (الحسب) و(الكفاية) لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة، قال الله تعالى: وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٢]. ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده، وأثنى الله سبحانه على أهل التوحيد والتوكل من عباده حيث أفردوه بالحسب، فقال تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران: ١٧٣].
ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله، فإذا كان هذا قولهم، ومدح الرب تعالى لهم بذلك، فكيف يقول لرسوله: الله وأتباعك حسبك؟ وأتباعه قد أفردوا الرب تعالى بالحسب، ولم يشركوا بينه وبين رسوله فيه، فكيف يشرك بينهم وبينه في حسب رسوله؟! هذا من أمحل المحال وأبطل الباطل.
ونظير هذا قوله تعالى وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ [التوبة: ٥٩]. فتأمل كيف جعل الإيتاء لله ولرسوله، كما قال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [الحشر: ٥٩]. وجعل الحسب له وحده، فلم يقل: وقالوا: حسبنا الله ورسوله، بل جعله خالص حقه، كما قال تعالى: إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ [التوبة: ٥٩] ولم يقل: وإلى رسوله، بل جعل الرغبة إليه وحده، كما قال تعالى: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الانشراح: ٧ - ٨]. فالغربة، والتوكل، والإنابة، والحسب لله وحده، كما أن العبادة والتقوى، والسجود لله وحده، والنذر والحلف لا يكون إلا لله ﷾.
ونظير هذا قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦] فالحسب: هو الكافي، فأخبر ﷾ أنه وحده كاف عبده، فكيف يجعل أتباعه مع الله في هذه الكفاية؟! والأدلة الدالة على بطلان هذا التأويل الفاسد أكثر من أن تذكر ها هنا اهـ (٢).
وبقدر ما يلتزم العبد بطاعة الله ورسوله، تكون الولاية والكفاية، ولذلك يتابع ابن القيم كلامه قائلًا:
والمقصود أن بحسب متابعة الرسول تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أن بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح والنجاة، فالله سبحانه علق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن، والفلاح والعزة، والكفاية والنصرة، والولاية والتأييد، وطيب العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذلة والصغار، والخوف والضلال، والخذلان والشقاء في الدنيا والآخرة. اهـ.
٣ - والله ﷾ (الحاسب) الذي أحصى كل شيء، لا يفوته مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
قال ﵎: وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن: ٢٨].
وقال إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا [مريم: ٩٣ - ٩٤].
وكتب ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو (٣).
_________________
(١) ذكره الفراء في «معاني القرآن» (١/ ٤١٧) وقال: وهو أحب الوجين إلي اهـ ونقله القرطبي (٨/ ٤٣). عن الحسن والنحاس.
(٢) «زاد المعاد» (١/ ٣٥ - ٣٧).
(٣) رواه مسلم (٢٦٥٣).
[ ٢ / ٤١٤ ]
وتصديق ذلك من كتاب الله قوله سبحانه وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس: ١٢]، والإمام هو أم الكتاب (١).
وقوله مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: ٢٢].
وقوله وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا [النبأ: ٢٩].
٤ - وأعمالك أيها الإنسان كلها محسوبة محصية، لا يضيع منها شيء، ولا يزاد عليك شيء، فتجزى بها يوم القيامة ولا تظلم.
قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء: ٤٧].
وقال سبحانه: أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة: ٦].
وقد أمر الله سبحانه الحفظة بذلك، أن يدونوا كل صغيرة وكبيرة.
قال تعالى: مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨]. وهذا الحفظ والإحصاء الدقيق، والحساب الذي لا يفوته شيء، هو الذي يبهت أهل الأجرام، الذين لا يبالون بأعمالهم صلحت أو فسدت، يعملون السيئات بلا حساب ويظنون أنهم متروكون سدى، لا حساب ولا عذاب، قال تعالى عنهم وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩].
لذلك كان لزامًا علينا أن نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب، وأن نزن أعمالنا قبل توزن (٢).
قال الأقليشي: فأرباب القلوب، المحسون بأوجاع الذنوب العالمون يقينًا بمحاسبة علام الغيوب، وإحصاء حسابه لجميع العيوب، أقاموا في الدنيا موازين القسط على أنفسهم وأحصوا عليها بالحساب المحرر كلما برز عنها وصدر ثم حاسبوها محاسبة الشريك النحرير القائم بماله شريكه الذي انفصل عن شركته بعداوة وقعت بينه وبينه، فانظر هل يسمح له بترك حبة، أو يسقيه من مائه عند ظمأه عبه، فلذلك انتثرت ذنوب هؤلاء من الصحائف كما ينتثر ورق الشجر اليابس بالريح العاصف. فإذا قدموا قضاء الموقف، برزت لهم تلك الصحائف منيرة وقد استنارت فيها المعاني والأحرف، لأنها ممحضة مخلصة بدقيق المحاسبة وشديد المطالبة فكان حسابهم عرضًا لا مناقشة اهـ (٣).
٥ - وحساب الخلق لا مشقة فيه على الخالق الحاسب، بل هو يسير عليه.
قال تعالى ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام: ٦٢].
قال ابن جرير: ثم ردت الملائكة الذين توفوهم فقبضوا نفوسهم وأرواحهم إلى الله سيدهم الحق، (ألا له الحكم) يقول: ألا له الحكم والقضاء دون من سواه من جميع خلقه، (وهو أسرع الحاسبين) يقول: وهو أسرع من حسب عددكم وأعمالكم وآجالكم وغير ذلك من أموركم أيها الناس، وأحصاها وعرف مقاديرها ومبالغها.
لأنه لا يحسب بعقد يد، ولكنه يعلم ذلك ولا يخفى عليه منه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين اهـ (٤).
فكما أن خلقهم وبعثهم لا مشقة فيه كما قال سبحانه مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [لقمان: ٢٨].
فكذلك حسابهم لا مشقة فيه ولا تأخير، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢].
فسبحان الله العظيم، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٣٤٩
_________________
(١) انظر «تفسير ابن جرير» (٢٢/ ١٠٠) وغيره.
(٢) روي عن عمر ﵁: «أنه قال في خطبته حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا فإنه أهون لحسابكم وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا» رواه ابن المبارك في «الزهد» (ص: ٣٠٦)، وابن أبى شيبة (٧/ ٩٦)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ٥٢).
(٣) «الكتاب الأسنى» (٢٠٩ - ٢١٠)
(٤) «جامع البيان» (٧/ ١٤٠).
[ ٢ / ٤١٥ ]
أربع وخمسون: الآثار الإيمانية لاسم الله الواسع
١ - الله ﷾ واسع في علمه، واسع في حكمته، فلو كان ماء البحر مدادًا للقلم الذي يكتب به كلمات الله وحكمته، وآياته وعلمه وشرعه وقدره، لنفد ماء البحر قبل أن تنفد ما عند الله من علم وحكمة وآيات، ولو مددنا البحر بمثل ما فيه، كما قال تعالى قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف: ١٠٩].
وقال سبحانه وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [لقمان: ٢٧]. أي لو أن أشجار الأرض كانت أقلاما، والبحار مدادًا، وسبعة بحار مثلها مدادًا، وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات في الله، لنفدت البحار وتكسرت الأقلام، ولم تنفد كلمات الله جل شأنه.
وقد نظم ذلك ابن القيم بقوله:
كلماته جلت عن الإحصاء والتعداد بل عن حصر ذي الحسبان
لو أن أشجار البلاد جميعها الأقلام تكتبها بكل بنان
والبحر تلقى فيه سبعة أبحر لكتابة الكلمات كل زمان
نفدت ولم تنفد بها كلماته ليس الكلام من الإله بفان (١)
٢ - تقدم قول الحليمي ﵀ أن (الواسع) معناه الكثير مقدوراته ومعلوماته.
فقد جاء اسمه (الواسع) مقترنًا بـ (العليم) في سبع آيات من كتاب الله، فالله سبحانه واسع العطاء، كثير الأفضال على خلقه، والخلق كلهم يتقلبون في رحمته وجوده وفضله، يعطى من يشاء ويمنع، ويخفض من يشاء ويرفع، بعلمه الذي وسع كل شيء وحكمته.
وقد ذكر الله اعتراض بنو إسرائيل على نبيهم حين قال لهم: إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ [البقرة: ٢٤٧]. أي كيف يكون له الملك وليس من سبط النبوة ولا الملك (٢)، ونحن أحق بالملك منه، ثم هو ليس من الأغنياء أصحاب الأموال والسعة في الرزق ليفضل علينا، فرد عليهم نبيهم ﵊ بقوله قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ أي: أن الله سبحانه قد زاده بسطة وسعة في العلم والجسم، وهما خير من الملك والمال، ثم ذكرهم بأنه مختار من قبل الله سبحانه وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
قال ابن جرير: يعني تعالى بذلك: إن الملك لله وبيده دون غيره، (يؤتيه) قول: يؤتى ذلك من يشاء فيضعه عنده ويخصه به ويمنحه من أحب من خلقه، يقول فلا تستنكروا يا معشر الملأ من بني إسرائيل أن يبعث الله طالوت ملكا عليكم، وإن لم يكن من أهل بيت المملكة، فإن الملك ليس بميراث عن الآباء والأسلاف، ولكنه بيد الله يعطيه من يشاء من خلقه، فلا تتخيروا على الله.
وأما قوله (والله واسع عليم) فإنه يعني بذلك: والله واسع بفضله فينعم به على من أحب، ويريد به من يشاء، عليم بمن هو أهل لملكه الذي يؤتيه، وفضله الذي يعطيه، فيعطيه ذلك لعلمه به، وبأنه لما أعطاه أهل، إما للإصلاح به، وإما لأن ينتفع هو به اهـ (٣).
٣ - تقدم قول القرطبي في الواسع أنه الذي يوسع على عباده في دينهم، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم.
ومصداق ذلك من كتاب الله قوله سبحانه يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥].
_________________
(١) «النونية» (٢/ ٢١٧).
(٢) لأنه من سبط بنيامين بن يعقوب «ابن جرير» (٢/ ٣٧٨).
(٣) «جامع البيان» (٢/ ٣٨١).
[ ٢ / ٤١٦ ]
وقوله: لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة: ٢٣٣].
وقوله: لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦].
وقوله: يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا [النساء: ٢٨].
وقوله: مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة: ٦].
وقال ﷺ: «إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه » (١).
فكل ما كلفنا الله سبحانه به من العبادات والشرائع هو مما تطيقه النفوس على وجه العموم، ثم خفف الله عن المريض والمسافر، والمسن والفقير، والمرأة والصغير، وغيرهم من أصحاب الأعذار، كل ذلك تخفيفًا وتوسعة على عباده، ورفعًا للضيق والحرج عنهم.
واضرب على ذلك مثالًا مناسبًا لما نسمعه هذه الأيام من اتجاه الغرب لإباحة الطلاق بعد أن حرموه على أنفسهم وضيقوا ما وسع الله عليهم.
قال الله تعالى في كتابه العزيز عن الزوجين وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلًاّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللهُ وَاسِعًا حَكِيمًا [النساء: ١٣٠]. قال ابن جرير: يغنى الله الزوج والمرأة المطلقة من سعة فضله، أما هذه فبزوج هو أصلح لها من المطلق الأول، أو برزق واسع وعصمة، وأما هذا فبرزق واسع وزوجة هي أصلح له من المطلقة أو عفة، وكان الله واسعًا يعني: وكان الله واسعًا لهما في رزقه إياهما وغيرهما من خلقه، حكيمًا فيما قضى بينه وبينها من الفرقة والطلاق، وسائر المعاني التي عرفناها من الحكم بينهما في هذه الآيات وغيرها، وفي ذلك من أحكامه وتدبيره وقضاياه في خلقه اهـ (٢).
٤ - أن الله واسع المغفرة، ومن سعة مغفرته أنه يغفر لكل من تاب وأناب مهما بلغت ذنوبه وخطاياه، قال عز من قائل قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣].
وقال حمله العرش عن ربهم ﵎ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر: ٧]. النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٣٨٦
_________________
(١) رواه البخاري (٣٩)، ومسلم (٢٨١٦). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) «جامع البيان» (٥/ ٢٠٤)، وبنحوه ابن كثير (١/ ٥٦٤).
[ ٢ / ٤١٧ ]
خمس وخمسون: الآثار الإيمانية لاسم الله الرب
١ - أن الله سبحانه هو الرب على الحقيقة، فلا رب على الحقيقة سواه وهو رب الأرباب ومالك الملك، وملك الملوك ﷾.
قال القرطبي: فالله سبحانه رب الأرباب، ومعبود العباد، يملك الممالك والملوك، وجميع العباد، وهو خالق ذلك ورازقه، وكل رب سواه غير خالق ولا رازق، وكل مخلوق فمملك بعد أن لم يكن، ومنتزع ذلك من يده، وإنما يملك شيء دون شيء. وصفة الله مخالفة لهذا المعنى، فهذا الفرق بين صفات الخالق والمخلوقين.
فأما قول فرعون –لعنة الله- إذ قال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات: ٢٤]، فإنه أراد أن يستبد بالربوبية العالية على قومه، ويكون رب الأرباب فينازع الله في ربوبيته وملكه الأعلى، فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى [النازعات: ٢٥].
وقد قيل إن الرب مشتق من التربية فالله سبحانه مدبر لخلقه ومربيهم ومصلحهم وجابرهم والقائم بأمورهم، قيوم الدنيا والآخرة، كل شيء خلقه، وكل مذكور سواه عبده وهو ربه، لا يصلح إلا بتدبيره ولا يقوم إلا بأمره، ولا يربه سواه، ومنه قوله تعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ [النساء: ٢٣]، فسمى ولد الزوجة ربيبة لتربية الزوج لها.
فعلى أنه مدبر لخلقه ومربيهم ومصلحهم وجابرهم يكون صفة فعل، وعلى أن الرب المالك والسيد يكون صفة ذات اهـ (١).
ويبين الحليمي أن الله سبحانه يرعى العباد ويربيهم في أحوالهم وأطوارهم المختلفة فيقول: (الرب) وهو المبلغ كل ما أبدع حد كماله الذي قدره له، وهو يسل النطفة من الصلب ويجعلها علقة، والعلقة مضغة، ثم يجعل المضغة عظامًا، ثم يكسو العظام لحمًا، ثم يخلق في البدن الروح ويخرجه خلقًا آخر وهو صغير ضعيف، فلا يزال ينميه وينشئه حتى يجعله رجلًا، ويكون في بدء أمره شابًا ثم يجعله كهلًا ثم شيخًا.
وهكذا كل شيء خلقه فهو القائم عليه به، والمبلغ إياه الحد الذي وصفه وجعله نهاية ومقدارًا له (٢).
٢ - فمن عرف ذلك لم يطلب غير الله تعالى له ربًا وإلهًا، بل رضى به ﷾ ربا، ومن كانت هذه صفته ذاق طعم الإيمان وحلاوته، كما قال ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا» (٣).
قال القاضي عياض ﵀: معنى الحديث صح إيمانه واطمأنت به نفسه وخامر باطنه، لأن رضاه بالمذكورات دليل لثبوت معرفته، ونفاذ بصيرته، ومخالطة بشاشته قلبه، لأن من رضي أمرًا سهل عليه، فكذا المؤمن إذا دخل قلبه الإيمان سهل عليه طاعات الله تعالى ولذت له، والله أعلم (٤).
٣ - وقد تكلم العلامة ابن القيم عن ارتباط اسم (الرب) باسم (الله) كلامًا جيدًا حيث يقول:
وتأمل ارتباط الخلق والأمر بهذه الأسماء الثلاثة. وهي (الله، والرب، والرحمن) كيف نشأ عنها الخلق، والأمر، والثواب، والعقاب؟ وكيف جمعت الخلق وفرقتهم؟ فلها الجمع، ولها الفرق.
فاسم (الرب) له الجمع الجامع لجميع المخلوقات. فهو رب كل شيء وخالقه، والقادر عليه لا يخرج شيء عن ربوبيته، وكل من في السموات والأرض عبد له في قبضته، وتحت قهره. فاجتمعوا بصفة الربوبية، وافترقوا بصفة الإلهية، فألهه وحده السعداء، وأقروا له طوعًا بأن الله الذي لا إله إلا هو، الذي لا تنبغي العبادة والتوكل، والرجاء والخوف، والحب والإنابة والإخبات والخشية، والتذلل والخضوع إلا له.
_________________
(١) «الكتاب الأسنى».
(٢) «المنهاج في شعب الإيمان» (١/ ٢٠٥) وقد ذكره في الأسماء التي تتبع إثبات التدبير له دون ما سواه، وكذا البيهقي في «الأسماء» (ص: ٩٤).
(٣) رواه مسلم (٣٤). من حديث العباس ﵁.
(٤) «شرح مسلم للنووي» (٢/ ٢).
[ ٢ / ٤١٨ ]
وهنا افترق الناس، وصاروا فريقين: فريقا مشركين في السعير، وفريقًا موحدين في الجنة.
فالإلهية هي التي فرقتهم، كما أن الربوبية هي التي جمعتهم.
فالدين والشرع، والأمر والنهي – مظهره، وقيامه-: من صفة الإلهية. والخلق والإيجاد والتدبير والفعل: من صفة الربوبية. الجزاء بالثواب والعقاب والجنة والنار: من صفة الملك. وهو ملك يوم الدين. فأمرهم بإلهيته، وأعانهم ووفقهم وهداهم وأضلهم بربوبيته وأثابهم وعاقبهم بملكه وعدله. وكل واحدة من هذه الأمور لا تنفك عن الأخرى.
وأما الرحمة: فهي التعلق، والسبب الذي بين الله وبين عباده. فالتأليه منهم له، والربوبية منه لهم. والرحمة سبب وأصل بينه وبين عباده، بها أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه. وبها هداهم. وبها أسكنهم دار ثوابه. وبها رزقهم وعافاهم وأنعم عليهم. فبينهم وبينه سبب العبودية، وبينه وبينهم سبب الرحمة.
واقترن ربوبيته برحمته كاقتران استوائه على عرشه برحمته. فـ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى مطابق لقوله رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فإن شمول الربوبية وسعتها بحيث لا يخرج شيء عنها أقصى شمول الرحمة وسعتها. فوسع كل شيء برحمته وربوبيته، مع أن في كونه ربًا للعالمين ما يدل على علوه على خلقه، وكونه فوق كل شيء، كما يأتي بيانه إن شاء الله اهـ (١).
٤ - قال القرطبي ﵀: فيجب على كل مكلف أن يعلم أن لا رب له على الحقيقة إلا الله وحده، وأن يحسن تربية من جعلت تربيته إليه، فيقوم بأمره ومصالحه كما قام الحق فيرقيه شيئًا شيئًا وطورًا طورًا، ويحفظه ما استطاع جهده، كما حفظه الله.
قال ابن عباس وقد سئل عن الرباني فقال: هو الذي يعلم الناس بصغار الأمر قبل كباره.
فالعالم الرباني هو الذي يحقق علم الربوبية وربي الناس بالعلم على مقدار ما يحتملوه، فبذل لخواصهم جوهره ومكنونه، وبذل لعوامهم ما ينالون به فضل الله ويدركونه اهـ (٢).
٥ - وقد دعا الأنبياء والصالحون الله ﷾ بهذا الاسم وتضرعوا به إليه.
فدعا آدم ﵇ وحواء به كما في قوله تعالى: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣].
ونوح ﵇ في دعائه رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [نوح: ٢٨].
وإبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: ١٢٧].
وموسى ﵊ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأعراف: ١٥١].
وعيسى ﵊ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء [المائدة: ١١٤].
والرسول ﷺ وأمته في قوله آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: ٢٨٥].
وغير ذلك في كتاب الله كثير لا يحصى.
٦ - وقد نهي النبي ﷺ العبد أن يقول لسيده (ربي) فقال: «لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك، وليقل: سيدي مولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي أمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي» (٣).
_________________
(١) «مدارج السالكين» (١/ ٣٤ - ٣٥).
(٢) «الكتاب الأسنى».
(٣) رواه البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٨). من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٤١٩ ]
قال الحافظ ابن حجر: وفيه نهي العبد أن يقول لسيده ربي، وكذلك نهي غيره فلا يقول له أحد ربك، ويدخل في ذلك أن يقول السيد ذلك عن نفسه، فإنه قد يقول لعبده إسق ربك، فيضع الظاهر موضع الضمير على سبيل التعظيم لنفسه.
والسبب في النهي أن حقيقة الربوبية لله تعالى، لأن الرب هو المالك القائم بالشيء، فلا توجد حقيقة ذلك إلا لله تعالى. قال الخطابي: سبب المنع أن الإنسان مربوب متعبد بإخلاص التوحيد لله، وترك الإشراك معه، فكره له المضاهاة في الاسم لئلا يدخل في معنى الشرك، ولا فرق في ذلك بين الحر والعبد، فأما ما لا تعبد عليه من سائر الحيوانات والجمادات فلا يكره إطلاق ذلك عليه عند الإضافة، كقوله: رب الدار ورب الثوب.
قال ابن بطال: لا يجوز أن يقال لأحد غير الله رب، كما لا يجوز أن يقال له إله.
وتعقبه الحافظ بقوله: والذي يختص بالله تعالى إطلاق الرب بلا إضافة، أما مع الإضافة فيجوز إطلاقه كما في قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇ اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ [يوسف: ٤٢]، وقوله ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ [يوسف: ٥٠]، وقوله ﵊ في أشراط الساعة «أن تلد الأمة ربتها» (١) فدل على أن النهي في ذلك محمول على الإطلاق، ويحتمل أن يكون النهي للتنزيه، وما ورد في ذلك فلبيان الجواز.
وقيل هو مخصوص بغير النبي ﷺ ولا يرد ما في القرآن، أو المراد النهي عن الإكثار من ذلك واتخاذ استعمال هذه اللفظة عادة، وليس المراد النهي عن ذكرها في الجملة اهـ (٢). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٣٩٤
_________________
(١) رواه مسلم (٨). من حديث عمر ﵁.
(٢) «الفتح» (٥/ ١٧٩).
[ ٢ / ٤٢٠ ]
ست وخمسون: الآثار الإيمانية لاسم الله الودود
١ - قال القرطبي: فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الله سبحانه هو (الودود) على الإطلاق، المحب لخلقه، والمثنى عليهم والمحسن إليهم اهـ (١).
فالله ﷾ يحب من أطاعه ويبغض من عصاه. يحب التوابين والمتطهرين والصابرين والمتوكلين والمقسطين والمؤمنين والمتقين والمحسنين، وجميع الطائعين. ويبغض ويكره المعتدين والمفسدين والمسرفين والخائنين والمستكبرين والفاسقين والظالمين والكافرين، ولا يحب كل مختال فخور، ولا كل خوان كفور، وهذا كله في كتابه العزيز.
فيجب على العبد أن يتبع ما يحبه الله ويرضاه، ويتجنب ما يبغضه ولا يحبه.
يقول القرطبي في تتمه كلامه السابق: ثم يجب عليه أن يتودد على ربه بامتثال أمره ونهيه، كما تودد إليه بإدرار نعمه وفضله، ويحبه كما أحبه.
ومن حب العبد لله رضاه بما قضاه وقدره، وحب القرآن والقيام به، وحب الرسول ﷺ وحب سنته والقيام بها والدعاء إليها، قال الله العظيم قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ [آل عمران: ٣١]، فمن اتبع رسوله فيما جاء به، وصدق في أتباعه، فذلك الذي أحب الله وأحبه الله.
واعلم أن مثال محبة الله تعالى بترك المناهي، أكثر من مثالها بسواها من أعمال الطاعات، فالأعمال الصالحة قد يعملها البر والفاجر، والانتهاء عن المعاصي لا تكون إلا بالكمال (و) إلا من مصدق.
قلت (القرطبي) وعلى هذا الحذو – والله أعلم – يترتب حب الله تعالى للعبد وحب الناس له، وعليه يخرج الحديث الذي خرجه مالك والبخاري ومسلم وغيرهم واللفظ لمسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانًا فأحبه، قال فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض الله عبدًا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانًا فأبغضه فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، قال فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض» (٢) (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو سبحانه يحب عباده الذين يحبونه، والمحبوب لغيره أولى أن يكون محبوبًا.
فإذا كنا إذا أحببنا شيئًا لله كان الله هو المحبوب في الحقيقة، وحبنا لذلك بطريق التبع، وكنا نحب من يحب الله لأنه يحب الله، فالله تعالى يحب الذين يحبونه، فهو المستحق أن يكون هو المحبوب المألوه المعبود، وأن يكون غاية كل حب (٤).
٢ - أن المستحق أن يحب لذاته هو الله سبحانه، وتعالى، وكل محبة يجب أن تكون لله وفي الله، فإذا أحب العبد أحب الله وإذا أبغض أبغض لله، وإذا أعطى أعطى لله، وإذا منع منع لله، وإذا والى والى في الله وإذا عادى عادى في الله، وهكذا كل أعماله يجب أن تكون فيما يحبه الله ويرضاه.
وكذا فإنه لا يجوز للعبد أن يبغض من أحبه الله تعالى من الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين، ولا يحب من أبغضه الله من الفساق والعاصين والمكذبين والمحاربين لله بأموالهم وأنفسهم، مهما كانت قرابتهم له.
_________________
(١) «الكتاب الأسنى».
(٢) رواه البخاري (٣٢٠٩)، ومسلم (٢٦٣٧).
(٣) «الكتاب الأسنى».
(٤) «درء تعارض العقل والنقل» (٤/ ١٥).
[ ٢ / ٤٢١ ]
فعن الأول يقول المصطفى ﷺ «إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته» (١).
فالحديث يدل على أن معاداة أولياء الله إنما هي في الحقيقة معاداة الله، ومن ذا الذي يطيق أن يعادي الله تعالى شأنه أو يحاربه، ويدل أيضًا على أن الفرائض من أحب ما يتقرب به إلى الله تعالى، ويليها النوافل.
وأما عن الثاني وهي أن لا يحب من عصى الله، يقول تعالى لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة: ٢٢].
قال ابن تيمية ﵀:
وليس ما يستحق أن يكون هو المحبوب لذاته، المراد لذاته، المطلوب لذاته، المعبود لذاته: إلا الله. كما أنه ليس ما هو بنفسه مبدع خالق إلا الله، فكما أنه لا رب غيره، فلا إله إلا هو، فليس في المخلوقات ما يستقل بإبداع شيء حتى يكون ربا له، ولكن ثم أسباب متعاونة ولها فاعل هو سببها.
وكذلك ليس في المخلوقات ما هو مستحق لأن يكون المستقل بأن يكون هو المعبود المقصود المراد بجميع الأعمال، بل إذا استحق أن يحب ويراد، فإنما يراد لغيره، وله ما شاركه في أن يحب معه، وكلاهما يحب أن يحب الله، لا يحب واحد منهما لذاته، إذ ليست ذاته هي التي يحصل بها كمال النفوس وصلاحها وانتفاعها، إذا كانت هي الغاية المطلوبة.
والله فطر عباده على ذلك، وهو أعظم من كونه فطرهم على حب الأغذية التي تصلحهم، فإذا تناولوا غيرها أفسدتهم، فإن ذلك، وإن كان كذلك، ففي الممكن أن يجعل في غير ذلك ما يغذيهم. وأما كون الفطرة يمكن أن تصلح على عبادة غير الله، فهذا ممتنع لذاته كما يمتنع لذاته أن يكون للعالم مبدع غير الله. قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [الروم: ٣٠].
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟» (٢).
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله: إني خلقت عبادي حنفاء (كلهم) فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» (٣).
والفطر تعرف هذا أعظم مما تعرف ما يلائمها من الطعام والشراب، لكن قد يحصل للفطرة نوع فساد، فيفسد إدراكها، كما يفسد إدراكها إذا وجدت الحلو مرا، وهذا هو أعرف المعروف الذي أمر الله الرسل أن تأمر به، والشرك أنكر المنكر الذي أمرهم بالنهي عنه، والشرك لا يغفره الله، فإنه فساد لا يقبل الصلاح.
ولهذا وجب التفريق بين الحب مع الله، والحب لله، فالأول شرك، والثاني إيمان.
قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ [البقرة: ١٦٥]، فليس لأحد أن يحب شيئًا مع الله.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٠٢). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨).
(٣) رواه مسلم (٢٨٦٥).
[ ٢ / ٤٢٢ ]
وأما الحب لله فقال تعالى: أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ [التوبة: ٢٤].
وقال ﷺ في الصحيح: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذا أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار» (١) اهـ (٢).
٣ - حب الله سبحانه ورسوله ﷺ يقوى بقوة العلم الشرعي، وكلما كان المسلم عالمًا بدين الله وأحكامه وشرائعه، عاملًا به، كان حبه أقوى من غيره من الجاهلين، وإن كانت محبة الله سبحانه توجد في الفطر، ولكنها تقوى بالعلم وتخبو وتضعف بالشهوات والشبهات.
قال ابن تيمية ﵀: وكذلك حب الله ورسوله حاصل لكل مؤمن، ويظهر ذلك بما إذا خير المؤمن بين أهله وبين الله ورسوله، فإنه يختار الله ورسوله.
والمؤمنون متفاضلون في هذه المحبة، ولكن المنافقون – الذين أظهروا الإسلام ولما يدخل الإيمان في قلوبهم – ليسوا من هؤلاء، وما من مؤمن إلا وهو إذا ذكر له رؤية الله اشتاق إلى ذلك شوقًا لا يكاد يشتاقه إلى شيء.
وقد قال الحسن البصري: لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت أنفسهم في الدنيا (٣).
والحب لله يقوى بسبب قوة المعرفة وسلامة الفطرة، ونقصها من نقص المعرفة ومن خبث الفطرة بالأهواء الفاسدة.
ولا ريب أن النفوس تحب اللذة بالأكل والشرب والنكاح، وقد تشتغل النفوس بأدنى المحبوبين عن أعلاهما، لقوة حاجته العاجلة إليه، كالجائع الشديد الجوع، فإن ألمه بالجوع قد يشغله عن لذة مناجاته لله في الصلاة.
ولهذا قال ﷺ في الحديث الصحيح: «لا يصلين أحدكم بحضرة طعام، ولا هو يدافع الأخبثين» (٤).
وإن كانت الصلاة قرة عين العارفين، والإنسان إنما يشتاق إلى ما يشعر به من المحبوبات، فأما ما لم يشعر به فهو لا يشتاق إليه، وإن كان لو شعر به لكان شوقه إليه أشد من شوقه إلى غيره اهـ (٥). النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٤٠٤
_________________
(١) رواه البخاري (٤٣)، ومسلم (٤٣). من حديث أنس ﵁.
(٢) «درء تعارض العقل والنقل» (٩/ ٣٧٤ - ٣٧٦).
(٣) رواه عبد الله في «السنة» (١/ ٢٦٣) (٢/ ٤٧١)، والآجري في «الشريعة» (ص: ٢٥٣).
(٤) رواه مسلم (٥٦٠). من حديث عائشة ﵁.
(٥) «درء تعارض العقل والنقل» (٦/ ٧٢ - ٧٣).
[ ٢ / ٤٢٣ ]
سبع وخمسون: الآثار الإيمانية لاسم الله المجيد
١ - قال الأزهري: الله تعالى هو (المجيد) تمجد بفعاله، ومجده خلقه لعظمته (١).
فالله سبحانه له المجد العلي العظيم، بفعاله العظيمة وصفاته العلية وبأسمائه الحسنى، فلا مجد إلا مجده، ولا عظمة إلا عظمته، وكل مجد لغيره إنما هو منه عطاء وتفضل.
وفي اقتران (الحميد) مع (المجيد) بيان أنه محمود على مجده وعظمته وكمال صفاته، فليس كل ذي شرف محمود، وكذلك ليس كل محمود يكون ذو شرف.
قال الحليمي: (المجيد) ومعناه: المنيع المحمود، لأن العرب لا تقول لكل محمود مجيدًا، ولا لكل منيع مجيدًا. أو قد يكون الواحد منيعًا غير محمود، كالمتآمر الخليع الجائر، أو اللص المتحصن ببعض القلاع.
وقد يكون محمودًا غير منيع، كأمير السوقة والصابرين من أهل القبلة.
فلما لم يقل لكل واحد منهما مجيد، علمنا أن (المجيد) من جمع بينهما فكان منيعًا لا يرام، وكان في منعته حسن الخصال جميل الفعال، والباري – جل ثناؤه – يجل عن أن يرام وأن يوصل إليه، وهو مع ذلك فحسن مجمل لا يستطيع العبد أن يحصي نعمته، ولو استنفذ فيه مدته، فاستحق اسم المجيد وما هو أعلى منه اهـ (٢).
٢ - إن الله سبحانه عطاؤه واسع، وفضله سابغ، قد شمل المؤمن والكافر، والبر والفاجر، مجد بذلك نفسه في قوله ﷿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤].
٣ - مجد الله تعالى نفسه في كتابه العزيز في آيات كثيرة بل القرآن مليء بتمجيد الله وتعظيمه، وكذا حديث رسوله ﷺ، وأعظم آيات القرآن وسوره هي التي احتوت على ذلك، كآية الكرسي في البقرة، وسورة الفاتحة والإخلاص.
ومن أعظم من يعظم به العبد ربه ويمجده هو تلاوة كتابه، في آناء الليل وأطراف النهار، فإنه لا أحد يحصى الثناء عليه والتمجيد له، هو كما أثنى على نفسه.
ففي الحديث القدسي «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي » (٣).
ثم ذكره وتسبيحه وتحميده وتكبيره وتهليله، وما يلتحق بها من الحوقلة والبسملة والحسبلة والاستغفار والدعاء بخيري الدنيا والآخرة.
وهذه الحال هي حال أهل الذكر، من لا يشقى بهم الجليس، من الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين، كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم، قال فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال فيسألهم ربهم ﷿ وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ قال تقول: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال فيقول: هل رأوني؟ قال فيقولون: لا والله ما رأوك، قال فيقول: كيف لو رأوني؟ قال يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيدًا وأكثر لك تسبيحًا ، حتى قال تعالى: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال يقول: ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة قال هم الجلساء لا يشقى جليسهم» (٤).
٤ - سمى الله ﵎ كتابه بـ (المجيد) في آيتين من كتابه: في قوله تعالى ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق: ١]. وقوله بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ [البروج: ٢١ - ٢٢].
_________________
(١) «اللسان» (٥/ ٤١٣٨).
(٢) «المنهاج» (١/ ١٩٧) ذكره في الأسماء التي تتبع نفي التشبيه عن الله تعالى جده، وكذا البيهقي في «الأسماء» (ص: ٥٧).
(٣) رواه مسلم (٣٩٥). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) رواه البخاري (٦٤٠٨)، ومسلم (٢٦٨٩).
[ ٢ / ٤٢٤ ]
قال قتادة: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ يقول: قرآن كريم (١). فالقرآن مجيد أي شريف كريم عظيم، ولا غرابة في ذلك فإنه كلام الله المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
ومن مجد القرآن وشرفه أنه لا يمكن للجن والأنس أن يأتوا بمثله، بل بسورة منه، قال تعالى قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨].
وهذا يتجلى لنا في جوانب عديدة:
منها، أنه لا يمكن للجن والإنس أن يأتوا بمثل ما فيه من التشريعات من أمر ونهي، وحلال وحرام، وما فيه من العبادات الدينية والمعاملات الدنيوية، فهذا من أعظم إعجازه.
ومنها أن بلاغته وفصاحته، وروعته وبهاؤه، وحسن تراكيبه وأسلوبه، وأخذه بالنفوس كله مما لا يضاهي.
ومنها كثرة فوائده التي لا تنقضي، ولا يشبع منها العلماء على مر الدهور والعصور.
ومن شرفه ورفعته، أن الله سبحانه حفظه وصانه من كيد الكفار والمنافقين، ومن الحاقدين على هذا الدين، حفظه من أن يبدلوه أو أن يحرفوه، أو أن يزيدوا فيه أو ينقصوه، قال سبحانه إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩].
ومن عظمة هذا الكتاب ومجده، أن الله يرفع به من عمل به واتخذه دينا ومنهاجًا، ويخفض به ويذل من تركه وراء ظهره، ورأى أن العمل به رجعية وتخلف وجمود.
ففي صحيح مسلم عن عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزي، قال: ومن ابن أبزي؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلف عليهم مولى؟! قال: إنه قارئ لكتاب الله ﷿، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين» (٢).
فقد رفع الله تعالى هذا المولى لحفظه لكتابه وعلمه به مع انحطاط نسبه وشرفه على غيره من أهل مكة أهل الشرف والنسب.
وهكذا الجد والرفعة في الدرجات في الآخرة، فإنما هي لمن أخذ بهذا الكتاب، وعمل به، والذل والمهانة والدركات لمن تركه وأعرض عنه النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٤١٥
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٤/ ٣٤٧).
(٢) رواه مسلم (٨١٧).
[ ٢ / ٤٢٥ ]
المبحث الثالث: الآثار الإيمانية لبعض صفات الله ﷿
تمهيد
أن العلم بصفات الله ﷿، والإيمان بها، على ما يليق به سبحانه، وتدبرها: يورث ثمرات عظيمة وفوائد جليلة، تجعل صاحبها يذوق حلاوة الإيمان، وقد حُرِمها قوم كثيرون من المعطِّلة والمؤوِّلة والمشبهة، وإليك بعضًا منها:
١ - فمن ثمرات الإيمان بصفات الله ﷿: أن العبد يسعى إلى الاتصاف والتحلِّي بها على ما يليق به؛ لأنه من المعلوم عند أرباب العقول أن المحب يحب أن يتصف بصفات محبوبه؛ كما أن المحبوب يحب أن يتحلَّى مُحِبُّهُ بصفاته؛ فهذا يدعو العبد المحب لأن يتصف بصفات محبوبه ومعبوده كلٌّ على ما يليق به، فالله كريم يحب الكرماء، رحيم يحب الرحماء، رفيق يحب الرفق، فإذا علم العبد ذلك؛ سعى إلى التحلي بصفات الكرم والرحمة والرفق، وهكذا في سائر الصفات التي يحب الله تعالى أن يتحلَّى بها العبد على ما يليق بذات العبد.
٢ - ومنها: أن العبد إذا آمن بصفة (الحب والمحبة) لله تعالى وأنه سبحانه (رحيم ودود) استأنس لهذا الرب، وتقرَّب إليه بما يزيد حبه ووده له، «ولا يزال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه» وسعى إلى أن يكون ممن يقول الله فيهم: «يا جبريل إني أُحبُّ فلانًا فأحبَّه، فيُحبُّه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله يحبُّ فلانًا فأحبوه، فيُحبُّه أهلُ السماء ثم يوضع له القبول في الأرض» ومن آثار الإيمان بهذه الصفة العظيمة أن من أراد أن يكون محبوبًا عند الله اتبع نبيه ﷺ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ وحبُّ الله للعبد مرتبطٌ بحبِ العبدِ لله، وإذا غُرِست شجرةُ المحبة في القلب، وسُقيت بماء الإخلاص، ومتابعة الحبيب ﷺ، أثمرت أنواعَ الثمار، وآتت أُكُلَها كلَّ حينٍ بإذن ربها. ٣ - ومنها: أنه إذا آمن العبد بصفات (العلم، والإحاطة، والمعية)؛ أورثه ذلك الخوف من الله ﷿ المطَّلع عليه الرقيب الشهيد، فإذا آمن بصفة (السمع)؛ علم أن الله يسمعه؛ فلا يقول إلا خيرًا، فإذا آمن بصفات (البصر، والرؤية، والنظر، والعين)؛ علم أن الله يراه؛ فلا يفعل إلا خيرًا؛ فما بالك بعبد يعلم أن الله يسمعه، ويراه، ويعلم ما هو قائله وعامله، أليس حريٌّ بهذا العبد أن لا يجده الله حيث نهاه، ولا يفتقده حيث أمره؟! فإذا علم هذا العبد وآمن أن الله (يحبُّ، ويرضى)؛ عمل ما يحبُّه معبوده ومحبوبه وما يرضيه، فإذا آمن أن من صفاته (الغضب، والكره، والسخط، والمقت، والأسف، واللعن)؛ عمل بما لا يُغْضب مولاه ولا يكرهه حتى لا يسخط عليه ويمقته ثم يلعنه ويطرده من رحمته، فإذا آمن بصفات (الفرح، والبشبشة، والضحك)؛ أنس لهذا الرب الذي يفرح لعباده ويتبشبش لهم ويضحك لهم؛ ما عدمنا خيرًا من ربًّ يضحك.
٤ - ومنها: أنه إذا علم العبد وآمن بصفات الله من (الرحمة، والرأفة، والتَّوْب، واللطف، والعفو، والمغفرة، والستر، وإجابة الدعاء)؛ فإنه كلما وقع في ذنب؛ دعا الله أن يرحمه ويغفر له ويتوب عليه، وطمع فيما عند الله من سترٍ ولطفٍ بعباده المؤمنين، فأكسبه هذا رجعة وأوبة إلى الله كلما أذنب، ولا يجد اليأس إلى قلبه سبيلًا، كيف ييأس من يؤمن بصفات (الصبر، والحلم)؟! كيف ييأس من رحمة الله من علم أن الله يتصف بصفة (الكرم، والجود، والعطاء)؟!.
٥ - ومنها: أن العبد الذي يعلم أن الله متصف بصفات (القهر، والغلبة، والسلطان، والقدرة، والهيمنة، والجبروت)؛ يعلم أن الله لا يعجزه شيء؛ فهو قادر على أن يخسف به الأرض، وأن يعذبه في الدنيا قبل الآخرة؛ فهو القاهر فوق عباده، وهو الغالب من غالبه، وهو المهيمن على عباده، ذو الملكوت والجبروت والسلطان القديم؛ فسبحان ربي العظيم.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
٦ - ومن ثمرات الإيمان بصفات الله ﷿ أن يظل العبد دائم السؤال لربه، فإن أذنب؛ سأله بصفات (الرحمة، والتَّوب، والعفو، والمغفرة) أن يرحمه ويتوب عليه ويعفو عنه ويغفر له، وإن خشي على نفسه من عدو متجهم جبار؛ سأل الله بصفات (القوة، والغلبة، والسلطان، والقهر، والجبروت)؛ رافعًا يديه إلى السماء، قائلًا: يا رب! يا ذا القوة والسلطان والقهر والجبروت! اكفنيه. فإن آمن أن الله (كفيل، حفيظ، حسيب، وكيل)؛ قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، وتوكل على (الواحد، الأحد، الصمد)، وعلم أن الله ذو (العزة، والشدة، والمحال، والقوة، والمنعة) مانعه من أعدائه، ولن يصلوا إليه بإذنه تعالى، فإذا أصيب بفقر؛ دعا الله بصفات (الغنى، والكرم، والجود، والعطاء)، فإذا أصيب بمرض؛ دعاه لأنه هو (الطبيب، الشافي، الكافي)، فإن مُنع الذُرِّيَّة؛ سأل الله أن يرزقه ويهبه الذرية الصالحة؛ لأنه هو (الرَّزَّاق، الوهَّاب) وهكذا فإنَّ من ثمرات العلم بصفات الله والإيمان بها دعاءه بها.
٧ - ومنها: أن العبد إذا تدبر صفات الله من (العظمة، والجلال، والقوة، والجبروت، والهيمنة)؛ استصغر نفسه، وعلم حقارتها، وإذا علم أن الله مختص بصفة (الكبرياء)؛ لم يتكبَّر على أحد، ولم ينازع الله فيما خصَّ نفسه من الصفات، وإذا علم أن الله متصف بصفة (الغنى، والملك، والعطاء)؛ استشعر افتقاره إلى مولاه الغني، مالك الملك، الذي يعطي من يشاء ويمنع من يشاء.
٨ - ومنها: أنه إذا علم أن الله يتصف بصفة (القوة، والعزة، والغلبة)، وآمن بها؛ علم أنه إنما يكتسب قوته من قوة الله، وعزته من عزة الله؛ فلا يذل ولا يخنع لكافر، وعلم أنه إن كان مع الله؛ كان الله معه، ولا غالب لأمر الله.
٩ - ومن ثمرات الإيمان بصفات الله: أن لا ينازع العبدُ اللهَ في صفة (الحكم، والألوهية، والتشريع، والتحليل، والتحريم)؛ فلا يحكم إلا بما أنزل الله، ولا يتحاكم إلا إلى ما أنزل الله. فلا يحرِّم ما أحلَّ الله، ولا يحل ما حرَّم الله.
١٠ - ومنها: أن صفات (الكيد، والمكر، والاستهزاء، والخداع) إذا آمن بها العبد على ما يليق بذات الله وجلاله وعظمته؛ علم أن لا أحد يستطيع أن يكيد لله أو يمكر به، وهو خير الماكرين سبحانه، كما أنه لا أحد من خلقه قادر على أن يستهزئ به أو يخدعه، لأن الله سيستهزئ به ويخادعه ومن أثر استهزاء الله بالعبد أن يغضب عليه ويمقته ويعذبه، فكان الإيمان بهذه الصفات وقاية للعبد من الوقوع في مقت الله وغضبه.
١١ - ومنها: أن العبد يحرص على ألاَّ ينسى ربه ويترك ذكره، فإن الله متصف بصفة (النسيان، والترك)؛ فالله قادرٌ على أن ينساه – أي: يتركه،) نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ (، فتجده دائم التذكر لأوامره ونواهيه.
١٢ - ومنها أن العبد الذي يعلم أن الله متصف بصفة (السلام، والمؤمن، والصِّدق)؛ فإنه يشعر بالطمأنينة والهدوء النفسي؛ فالله هو السلام، ويحب السلام، فينشر السلام بين المؤمنين، وهو المؤمن الذي أمِنَ الخلقُ من ظلمه، وإذا اعتقد العبد أن الله متصف بصفة (الصَّدق)، وأنه وعده إن هو عمل صالحًا جنات تجري من تحتها الأنهار؛ علم أن الله صادق في وعده، لن يخلفه، فيدفعه هذا لمزيدٍ من الطاعة، طاعة عبدٍ عاملٍ يثقُ في سيِّده وأجيرٍ في مستأجره أنَّه موفيه حقَّه وزيادة.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
١٣ - ومنها: أن صفات الله الخبرية كـ (الوجه، واليدين، والأصابع، والأنامل، والقدمين، والساق، وغيرها) تكون كالاختبار الصعب للعباد، فمن آمن بها وصدق بها على وجه يليق بذات الله ﷿ بلا تمثيل ولا تحريف ولا تكييف، وقال: كلُّ من عند ربنا، ولا فرق بين إثبات صفة العلم والحياة والقدرة وبين هذه الصفات، مَن هذا إيمانه ومعتقده؛ فقد فاز فوزًا عظيمًا، ومن قدَّم عقله السقيم على النقل الصحيح، وأوَّل هذه الصفات، وجعلها من المجاز، وحرَّف فيها، وعطَّلها؛ فقد خسر خسرانًا مبينًا، إذ فرَّق بين صفة وصفة، وكذَّب الله فيما وصف به نفسه، وكذَّب رسوله ﷺ، فلو لم يكن من ثمرة الإيمان بهذه الصفات إلا أن تُدخل صاحبها في زمرة المؤمنين الموحِّدين؛ لكفى بها ثمرة، ولو لم يكن من ثمراتها إلا أنها تميِّز المؤمن الحق الموحِّد المصدِّق لله ورسوله ﷺ وبين ذاك الذي تجرَّأ عليهما، وحرَّف نصوصهما، واستدرك عليهما؛ لكفى، فكيف إذا علمت أن هناك ثمراتٍ أخرى عظيمةً للإيمان بهذه الصفات الخبرية؛ منها أنك إذا آمنت أن لله وجهًا يليق بجلاله وعظمته، وأن النظر إليه من أعظم ما ينعم الله على عبده يوم القيامة، وقد وعد به عباده الصالحين؛ سألت الله النظر إلى وجهه الكريم، فأعطاكه، وأنك إذا آمنت أن لله يدًا ملأى لا يغيضها نفقة، وأن الخير بين يديه سبحانه؛ سألته مما بين يديه، وإذا علمت أن قلبك بين إصبعين من أصابع الرحمن؛ سألت الله أن يثبت قلبك على دينه٠٠٠ وهكذا.
١٤ - ومن ثمرات الإيمان بصفات الله ﷿: تَنْزِيه الله وتقديسه عن النقائص، ووصفه بصفات الكمال، فمن علم أن من صفاته (القُدُّوس، السُّبُّوح)؛ نَزَّه الله من كلِّ عيبٍ ونقصٍ، وعلم أن الله) لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء (
١٥ - ومنها: أن من علم أن من صفات الله (الحياة، والبقاء)؛ علم أنه يعبد إلهًا لا يموت، ولا تأخذه سنة ولا نوم، فأورثه ذلك محبة وتعظيمًا وإجلالًا لهذا الرب الذي هذه صفته.
١٦ - ومن ثمرات الإيمان بصفة (العلو، والفوقية، والاستواء على العرش، والنُّزُول، والقُرب، والدُّنُو)؛ أن العبد يعلم أن الله منزه عن الحلول بالمخلوقات، وأنه فوق كل شيء، مطَّلع على كل شيء، بائن عن خلقه، مستو على عرشه، وهو قريب من عبده بعلمه، فإذا احتاج العبد إلى ربه؛ وجده قريبًا منه، فيدعوه، فيستجيب دعاءه، وينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الآخر من الليل كما يليق به سبحانه، فيقول: من يدعوني فأستجب له، فيورث ذلك حرصًا عند العبد بتفقد هذه الأوقات التي يخلو فيها مع ربه القريب منه، فهو سبحانه قريب في علوه، بعيد في دنوه.
١٧ - ومنها أن الإيمان بصفة (الكلام) وأن القرآن كلام الله يجعل العبد يستشعر وهو يقرأ القرآن أنه يقرأ كلام الله، فإذا قرأ: يا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؛ أحسَّ أن الله يكلمه ويتحدث إليه، فيطير قلبه وجلًا، وأنه إذا آمن بهذه الصفة، وقرأ في الحديث الصحيح أن الله سيكلمه يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان؛ استحى أن يعصي الله في الدنيا، وأعد لذلك الحساب والسؤال جوابًا.
وهكذا؛ فما من صفة لله تعالى؛ إلا وللإيمان بها ثمرات عظيمة، وآثار كبيرة مترتبة على ذلك الإيمان؛ فما أعظم نعم الله على أهل السنة والجماعة الذين آمنوا بكل ذلك على الوجه الذي يليق بالله تعالى!. صفات الله الواردة في الكتاب والسنة لعلوي بن عبد القادر السقاف – ص ٣٠
[ ٢ / ٤٢٨ ]
أولا: الآثار الإيمانية لصفة الفرح
١ - كمال رحمته جل وعلا ورأفته بعباده؛ حيث يحب رجوع العاصي إليه هذه المحبة العظيمة، هارب من الله، ثم وقف ورجع إلى الله، يفرح الله به هذا الفرح العظيم.
(وهذا أمر عظيم إلى الغاية، فإذا كانت التوبة بهذه المنزلة، كيف لا يكون صاحبها معظمًا عند الله؟!) (١).
ويفيدنا أن نحرص على التوبة غاية الحرص، كلما فعلنا ذنبًا؛ تبنا إلى الله.
فأنت إذا علمت أن الله يفرح بتوبتك هذا الفرح الذي لا نظير له؛ لا شك أنك سوف تحرص غاية الحرص على التوبة (٢). الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي – ص: ٢٠٥
_________________
(١) «شرح حديث أبي بكر» (ص: ٥٣)، لشيخ الإسلام ﵀.
(٢) «شرح العقيدة الواسطية» (ص: ٤٠٥).
[ ٢ / ٤٢٩ ]
ثانيا: الآثار الإيمانية لصفة المعية
إذا عرف العبد أن الله معه؛ فلا شك أنه يراقب الله، يعرف أن الله مطلع عليه، وأنه لا تخفى عليه منه خافية. فإذا آمن بأن الله معه، أي عالم به ومطلع عليه ورقيب على أعماله؛ (فإن ذلك يحمله على مراقبة الله، وعلى خوفه، وعدم الخروج عن طاعته، وعدم ارتكاب شيء من معاصيه. تقول له نفسه وقلبه: كيف تتجرأ على مخالفته وهو مراقب لك ولأعمالك؟ ويحمله هذا على إصلاح الأعمال وعدم إفسادها، وعلى الإكثار من الحسنات والبعد عن السيئات، هذه فائدة الإيمان بالمعية) (١) العامة.
عن عبد الله بن معاوية الغاضري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده فإنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه وزكى عبد نفسه» فقال رجل: وما تزكية المرء نفسه يا رسول الله؟ قال: «يعلم أن الله معه حيث ما كان» (٢).
فحصلت التزكية بالإيمان بهذه المعية، وأي تزكية أعظم منها!
وأما المعية الخاصة، فإن الإنسان إذا عرف أن هذا العمل يحظى أهله بمعية الله، حرص على أن يكون من أهله، فيحرص على أن يكون من أهل التقوى والإحسان والصبر والإيمان، ويكثر من الذكر والدعاء. (وأي فضيلة تداني فضيلة من كان الله معه! وأي مزية توازي مزية من هو من أهل هذه الطبقة الشريفة، والمنزلة السامية؟!) (٣).
فمتى حظي العبد بمعية الله (هانت عليه المشاق، وانقلبت المخاوف في حقه أمانًا، فبالله يهون كل صعب، ويسهل كل عسير، ويقرب كل بعيد، وبالله تزول الهموم والغموم والأحزان؛ فلا هم مع الله، ولا غم ولا حزن) (٤). وإنما الحزن كل الحزن لمن فاته الله، فمن حصل الله له فعلى أي شيء يحزن؟ ومن فاته الله فبأي شيء يفرح (٥). وإذا كان الله معك، فمن تخاف؟ وإذا كان عليك، فمن ترجو؟ (٦)
واعلم بأن معية الله (من أعظم نعمة أنعم الله بها على عبده، ولكن لهذه النعمة أقوال وأعمال، هما السبب الذي تنال به، والله سبحانه سميع لتلك الأقوال، عليم بتلك الأفعال، وهو عليم بمن يصلح لهذه النعمة، ويشكرها، ويعرف قدرها، ويحب المنعم عليه، فتصلح عنده هذه النعمة، ويصلح بها كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَؤُلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [الأنعام: ٥٣]، فإذا فاتت العبد نعمة من نعم ربه، فليقرأ على نفسه: أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٧).
لمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (٨). الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي– ص: ٨٤
_________________
(١) «التعليقات الزكية على العقيدة الواسطية» (١/ ٢٤٢).
(٢) رواه أبو داود (١٥٨٢) مختصرا والبيهقي (٤/ ٩٦) والطبراني في المعجم الصغير (٥٥٥) قال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٥٨٠): صحيح.
(٣) «الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني» (٣/ ١٣٦٠).
(٤) «الداء والدواء» (ص: ٢٨٨).
(٥) «طريق الهجرتين» (ص: ٢٨٠).
(٦) «الدرر السنية» (٢/ ١٦٨).
(٧) «زاد المعاد» (٣/ ١٧).
(٨) «طريق الهجرتين» (ص: ٥٠٧).
[ ٢ / ٤٣٠ ]
ثالثا: الآثار الإيمانية لصفة الضحك
١ - إن المؤمن يقابل صفة الضحك بالقبول، والرضى والتسليم، فيستنير بها قلبه، ويتسع لها صدره، ويمتلئ بها سرورًا ومحبة، ويعلم أنها تعريف من تعريفات الله تعالى، تعرف بها إليه على لسان رسوله، فأنزلها من قلبه منزلة الغذاء، أعظم ما كان إليه فاقة، ومنزلة الشفاء، أشد ما كان إليه حاجة؛ فاشتد بها فرحه، وعظم بها غناه، وقويت بها معرفته، واطمأنت إليها نفسه، وسكن إليها قلبه (١).
٢ - إننا إذا علمنا أن الله ﷿ يضحك؛ فإننا نرجو منه كل خير. ولهذا قال أبو رزين العقيلي ﵁ للنبي ﷺ: يا رسول الله! أويضحك ربنا؟ قال: «نعم». قال: لن نعدم من رب يضحك خيرًا (٢).
إذا علمنا ذلك؛ انفتح لنا الأمل في كل خير. وتفاءلنا أعظم تفاؤل، واستبشرنا خيرًا. الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي– ص: ٣١٢
_________________
(١) انظر: «الكافية الشافية» (ص: ٣٢ - ٣٣).
(٢) رواه ابن ماجه (١٨١) وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١/ ٧٨): صحيح.
[ ٢ / ٤٣١ ]
رابعا: الآثار الإيمانية لصفة وجه الله تعالى
أ- قصد وجه الله بصالح الأعمال:
قال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف: ٢٨] أي: يقصدون وجه الله بالرضا، أي رضا وجهه سبحانه، وقال سبحانه: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ [الإنسان: ٩]. وقال تعالى: وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل: ١٩ - ٢١]. فجعل غاية أعمال الأبرار والمقربين والمحبين إرادة وجهه (١). أي: يقصدون بأعمالهم وجه الله، بدخولهم الجنة ورؤيته فيها.
عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا شيء له» فأعادها ثلاث مرات، يقول له رسول الله ﷺ: «لا شيء له» ثم قال: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغي به وجهه» (٢).
وعن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة» (٣).
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من جرعة أعظم أجرًا عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله» (٤).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» (٥) -يعني: ريحها-.
وعن عتبان بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: « فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (٦).
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: « إنك لن تخلف، فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله تعالى، إلا ازددت به خيرًا، ودرجة ورفعة» (٧).
وعن حذيفة ﵁ قال: أسندت النبي ﷺ إلى صدري فقال: «من قال: لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة، ومن صام يومًا ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة» (٨).
ومتى أنفق العبد ليريد من المنفق عليه جزاء بوجه من الوجوه، فهذا لم يرد وجه الله، وإنما يقبل ما كان عطاؤه لله، وقصده ابتغاء وجه الله.
_________________
(١) «تهذيب المدارج» (ص: ٨١٩).
(٢) رواه النسائي (٣١٤٠) وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٤٠): إسناده جيد وقال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (١/ ٨١): إسناده جيد.
(٣) رواه البخاري (٤٥٠) ومسلم (٥٣٣).
(٤) رواه ابن ماجه (٤٣٢٩) والإمام أحمد١٣/ ٢٨٦ قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٣٨٦) رواته محتج بهم في الصحيح، وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٣٣٩٦): صحيح.
(٥) رواه أبو داود (٣٦٦٤) وابن ماجه (٢٥٢) وسكت عنه أبو داود [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح]. وقال محمد المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (١/ ١٦٥): رجاله رجال الصحيحين.
(٦) رواه البخاري (٤٥٠١) ومسلم (٣٣).
(٧) رواه البخاري (٤٤٠٩) ومسلم (١٦٢٨).
(٨) رواه الإمام أحمد ٥/ ٣٩١ وابن أبي شيبة كما في «إتحاف الخيرة المهرة» (٦١٢٥/ ١) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٦٥١) قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ١٠٨) إسناده لا بأس به. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٣٢٧): رجاله موثقون.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
فلهذا ينبغي للعبد، أن يقصد وجه الله تعالى، ويخلص العمل لله، في كل وقت، وفي كل جزء من أجزاء الخير، ليحصل له بذلك الأجر العظيم، وليتعود الإخلاص، فيكون من المخلصين، وليتم له الأجر، سواء تم مقصوده أم لا، لأن النية حصلت، واقترن بها، ما يمكن من العمل (١).
ب- الاستعاذة بوجهه سبحانه:
عن جابر ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ [الأنعام: ٦٥] قال رسول الله ﷺ: «أعوذ بوجهك». قال: أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ قال: «أعوذ بوجهك». قال: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام: ٦٥]. قال رسول الله ﷺ: «هذا أهون أو هذا أيسر» (٢).
عن عبد الله بن عمر ﵄: أن النبي ﷺ كان إذا دخل المسجد قال: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم» قال: «فإذا قلت ذلك، قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم» (٣).
قال ابن القيم ﵀: فتأمل كيف فرق في الاستعاذة بين استعاذته بالذات وبين استعاذته بالوجه الكريم، وهذا صريح في إبطال قول من قال: إنه الذات نفسها (٤).
ج- إجابة من سألك بوجه الله:
عن أبي موسى الأشعري ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ملعون من سأل بوجه الله، ومعلون من سئل بوجه الله ثم منع سائله، ما لم يسأل هجرا» (٥).
قوله: (هجرا) الهجر: الكلام الباطل (٦).
وعن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «من استعاذ بالله؛ فأعيذوه، ومن سألكم بوجه الله فأعطوه» (٧).
قال العلامة الألباني ﵀: ووجوب الإعطاء إنما هو إذا كان المسؤول قادرًا على الإعطاء، ولا يلحقه ضرر به أو بأهله، وإلا فلا يجب عليه، والله أعلم (٨).
_________________
(١) «تيسير الكريم الرحمن» (ص: ٢٥٤).
(٢) رواه البخاري (٤٦٢٨).
(٣) رواه أبو داود (٤٦٦) وسكت عنه [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح] وقال النووي في «الأذكار» (٤٦): حسن. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٤٦٦): صحيح.
(٤) «مختصر الصواعق» (٣/ ١٠١٠).
(٥) رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (٢٢/ ٣٧٧) من حديث أبي عبيد مولى رفاعة بن رافع قال ابن منده في «الرد على الجهمية» (٩٨) لا يثبت من جهة الرواة. وقال ابن عبد البر في الاستغناء (٢/ ١٣٠٤): أبو عبيد ليست له صحبة [وفيه] أبو معقل قال أبو زرعة: لا يسمى.
(٦) «المجموع» (٥/ ٣١٠)، للإمام النووي ﵀.
(٧) رواه أبو داود (٥١٠٨) والإمام أحمد١/ ٢٤٩ سكت عنه أبو داود [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح] وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٥١٠٨): حسن صحيح.
(٨) «السلسلة الصحيحة» (١/ ٥١٣).
[ ٢ / ٤٣٣ ]
فلو سألك سائل فقال: أسألك بوجه الله أن تعطيني كذا وكذا، أعطه، إلا إذا سألك شيئًا محرمًا، فلا تعطه، مثلًا أن يسألك يقول لك: أسألك بوجه الله أن تخبرني ماذا تصنع مع أهلك مثلا، هذا لا يجوز أن تخبره، بل وجهه وانصحه وقل: هذا تدخل فيما لا يعنيك، وقد قال النبي ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (١). وكذلك لو سأل محرمًا ولو سألك بوجه الله لا تعطه، لو قال: أسألك بوجه الله أن تعطيني كذا وكذا ليشتري به دخانًا، فلا تعطه، لأنه سألك ليستعين به على شيء محرم، فالمهم أن من سألك بوجه الله فأعطه ما لم يكن على شيء محرم. وكذلك ما لم يكن عليك ضرر، فإن كان عليك ضرر فلا تعطه (٢)، لأن النبي ﷺ قال: «لا ضرر ولا ضرار» (٣).
د- الطمع في رؤية وجه الله:
عن عمار بن ياسر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: « وأسألك لذة النظر إلى وجهك» (٤).
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» (٥).
ومن أعظم نعيم الجنة: التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، وقرة العين بالقرب منه وبرضوانه.
وهل فوق نعيم قرة العين برؤية الله، الذي لا شيء أجل منه، ولا أكمل ولا أجمل، قرة عين البتة؟!
وهذا –والله- هو العلم الذي شمر إليه المحبون، واللواء الذي أمه العارفون، وهو روح مسمى (الجنة) وحياتها، وبه طابت الجنة، وعليه قامت. الأسماء الحسنى والصفات العلى لعبد الهادي بن حسن وهبي– ص: ٣٣٠
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٩٦٧). من حديث أبي هريرة ﵁. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٩١١).
(٢) انظر: «شرح رياض الصالحين» (٤/ ٣٦٥)، للعلامة ابن عثيمين ﵀.
(٣) رواه ابن ماجه (١٩٠٩)، وأحمد (٥/ ٣٢٦) (٢٢٨٣٠)، والبيهقي (٦/ ١٥٦) (١٢٢٢٤). من حديث عبادة بن الصامت. قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٣/ ٤٨): هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع. والحديث صححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه». والحديث مشهور روي من طرق عن عبد الله بن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وعائشة بنت أبي بكر الصديق، وثعلبة بن أبي مالك القرظي، وأبي لبابة ﵃ جميعًا.
(٤) رواه النسائي (١٣٠٥) وأشار ابن خزيمة في مقدمة كتاب التوحيد (١/ ٢٩) أنه صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح. وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي» (١٣٠٤).
(٥) رواه البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (١٨٠).
[ ٢ / ٤٣٤ ]
الفصل الخامس: مسالك المبتدعة في باب الأسماء والصفات والرد عليها
تمهيد:
شغل مبحث (الأسماء والصفات) حيزًا كبيرًا من التراث العقدي لأهل القبلة، وتعددت مدارسه، وتشعبت اتجاهاته. ولم يكن الأمر كذلك في صدر الإسلام إبان عهد النبوة، وعهد الخلفاء الراشدين، ولكن الاحتكاك بثقافات الأمم المغلوبة والمجاورة، وحركة الترجمة التي نشطت في عهد الخليفة العباسي المأمون، والاختلافات السياسية، وغيرها من الأسباب أفرزت توجهات عقدية متباينة، لحقت أخص جوانب العقيدة الإسلامية، إلا وهو الإيمان بأسماء الله وصفاته
قال المقريزي – ﵀ - في كلامه على افتراق الناس في نصوص الصفات: (فصار للمسلمين في ذلك خمسة أقوال: أحدها: اعتقاد ما يفهم مثله من اللغة. وثانيها: السكوت عنها مطلقًا، وثالثها: السكوت عنها بعد نفي إرادة الظاهر، ورابعها: حملها على المجاز، وخامسها: حملها على الاشتراك).
وقال الشيخ أحمد بن إبراهيم الواسطي الشافعي: (وكنت متحيرًا في الأقوال المختلفة الموجودة في كتب أهل العصر في جميع ذلك: من تأويل الصفات وتحريفها، أو إمرارها، أو الوقوف فيها، أو إثباتها بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – (وجماع الأمر: أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة: قسمان يقولان: تجري على ظواهرها، وقسمان يقولان: هي على خلاف ظاهرها، وقسمان: يسكتون. أما الأولون فقسمان:
أحدهما: من يجريها على ظاهرها، ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين. فهؤلاء (المشبهة)، ومذهبهم باطل، أنكره السلف، وإليهم يتوجه الرد بالحق.
الثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله، كما يجري ظاهر اسم العليم والقدير، والرب والإله، والموجود والذات ونحو ذلك؛ على ظاهرها اللائق بجلال الله؛ فإن ظواهر هذه الصفات في حق المخلوق إما جوهر محدث، أو عرض قائم به. فالعلم، والقدرة، والكلام، والمشيئة، والرحمة، والرضا، والغضب ونحو ذلك في حق العبد أعراض؛ والوجه، واليد، والعين، في حقه أجسام، فإذا كان الله موصوفًا عند عامة أهل الإثبات بأن له علمًا وقدرة، وكلامًا ومشيئة وإن لم يكن ذلك عرضًا؛ يجوز عليه ما يجوز على صفات المخلوقين، جاز أن يكون وجه الله ويداه صفات ليست أجسامًا، يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين.
وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها – أعني الذين يقولون: ليس لها في الباطن مدلول هو صفة الله تعالى قط، وأن الله لا صفة له ثبوتية؛ بل صفاته إما سلبية، وإما إضافية، وإما مركبة منهما، أو يثبتون بعض الصفات (وهي الصفات السبعة، أو الثمانية، أو الخمسة عشر) أو يثبتون الأحوال دون الصفات، ويقرون من الصفات الخبرية بما في القرآن دون الحديث، على ما قد عرف من مذاهب المتكلمين – فهؤلاء قسمان: قسم يتأولونها ويعينون المراد، مثل قولهم: استوى بمعنى استولى، أو بمعنى علو المكانة والقدر، أو بمعنى ظهور نوره للعرش، أو بمعنى انتهاء الخلق إليه .. إلى غير ذلك من تأويلات المتكلمين. وقسم يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية عما علمناه.
وأما القسمان الواقفان: فقوم يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله، ويجوز أن لا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم. وقوم يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن، وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات.
فهذه الأقسام الستة لا يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها).
ومن خلال المقارنة بين هذه النصوص نجد تطابقًا في تحديد الاتجاهات وإن كان الأخير منها أتم في القسمة، حيث فصل ما أجمله غيره. والذي يترشح منها ما يلي:
[ ٢ / ٤٣٥ ]
١ - اتجاه (التمثيل): وهو ما عناه المقريزي بقوله: (ما يفهم مثله من اللغة)، وصرح به شيخ الإسلام بقوله: (من يجريها على ظاهرها، ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، فهؤلاء: المشبهة).
٢ - اتجاه (النفي والتعطيل والتحريف): وهو القسم الرابع عند المقريزي، أي (حملها على المجاز)، وما أشار إليه الواسطي بقوله: (تأويل الصفات وتحريفها) وهو القسم الثالث عند شيخ الإسلام الذين (يتأولونها ويعينون المراد) ممن ينفون نصوص الصفات عن ظاهرها نفيًا كليًا أو جزئيًا.
٣ - اتجاه التوقف والسكوت: وهو القسم الثاني عند المقريزي: (السكوت عنها مطلقًا)، وما عبر عنه الواسطي بقوله: (أو الوقوف فيها). وهو الذي جعله شيخ الإسلام قسمين ووصفه مرة بالتوقف ومرة بالسكوت.
٤ - اتجاه التفويض: وهو القسم الثالث عند المقريزي حيث قال: (السكوت عنها بعد نفي إرادة الظاهر) ووصفه الواسطي (بالإمرار)، وأوضحه شيخ الإسلام بقوله: (وقسم يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية عما علمناه).
٥ - اتجاه الإثبات: ولعله ما أراده المقريزي في القسم الخامس من (حملها على الاشتراك)، ونص عليه الواسطي بقوله: (إثباتها بلا تأويل، ولا تشبيه، ولا تمثيل)، وأوضحه جليًا شيخ الإسلام بقوله: (من يجريها على ظاهرها اللائق بالله، كما يجري ظاهر اسم العليم والقدير، والرب والإله، والموجود والذات ونحو ذلك، على ظاهرها اللائق بجلال الله .. الخ)، مما يفسر كلام المقريزي في معنى الاشتراك في المعنى الكلي دون الكنه والحقيقة.
هذا مجمل الاتجاهات السائدة لدى أهل القبلة حيال نصوص الصفات .. مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي - بتصرف -٧٤
[ ٢ / ٤٣٦ ]
المبحث الأول: التمثيل
المطلب الأول: تعريف التمثيل
التمثيل: ذكر مماثل للشيء، وبينه وبين التكييف عموم وخصوص مطلق، لأن كل ممثل مكيف، وليس كل مكيف ممثلا، لأن التكييف ذكر كيفية غير مقرونة بمماثل، مثل أن تقول: لي قلم كيفيته كذا وكذا فإن قرنت بمماثل، صار تمثيلًا، مثل أن أقول: هذا القلم مثل هذا القلم، لأني ذكرت شيئًا مماثلا لشيء وعرفت هذا القلم بذكر مماثله شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ١٠٢
[ ٢ / ٤٣٧ ]
المطلب الثاني: عقيدة أهل السنة هي إثبات الصفات دون مماثلة
أهل السنة يتبرءون من تمثيل الله ﷿ بخلقه، لا في ذاته ولا في صفاته وأهل السنة والجماعة يثبتون لله ﷿ الصفات بدون مماثلة، يقولون: إن الله ﷿ له حياة وليست مثل حياتنا، له علم وليس مثل علمنا، له بصر، ليس مثل بصرنا، له وجه وليس مثل وجوهنا له يد وليست مثل أيدينا وهكذا جميع الصفات، يقولون: إن الله ﷿ لا يماثل خلقه فيما وصف به نفسه أبدًا شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ١٠٢
[ ٢ / ٤٣٨ ]
المطلب الثالث: الأدلة على انتفاء التمثيل في باب الصفات
• ١ -: الأدلة السمعية.
• ٢ -: الأدلة العقلية.
• ٣ - الأدلة الفطرية.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
١ -: الأدلة السمعية
تنقسم إلى قسمين: خبر، وطلب
- فمن الخبر قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء [الشورى: ١١]، فالآية فيها نفي صريح للتمثيل.
وقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥]، فإن هذا وإن كان إنشاء، لكنه بمعنى الخبر، لأنه استفهام بمعنى النفي.
وقوله: وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٤]، فهذه كلها تدل على نفي المماثلة، وهي كلها خبرية.
وأما الطلب، فقال الله تعالى: فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا [البقرة: ٢٢] أي: نظراء مماثلين وقال فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَال [النحل: ٧٤].
فمن مثل الله بخلقه، فقد كذب الخبر وعصى الأمر ولهذا أطلق بعض السلف القول بالتكفير لمن مثل الله بخلقه، فقال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري ﵀: من شبه الله بخلقه، فقد كفر، لأنه جمع بين التكذيب بالخبر وعصيان الطلب.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
٢ -: الأدلة العقلية
من وجوه:
أولًا: أن نقول لا يمكن التماثل بين الخالق والمخلوق بأي حال من الأحوال لو لم يكن بينهما من التباين إلا أصل الوجود، لكان كافيًا، وذلك أن وجود الخالق واجب، فهو أزلي أبدي، ووجود المخلوق ممكن مسبوق بعدم ويلحقه فناء، فما كانا كذلك لا يمكن أن يقال: إنهما متماثلان.
ثانيًا: أنا نجد التباين العظيم بين الخالق والمخلوق في صفاته وفي أفعاله، في صفاته يسمع ﷿ كل صوت مهما خفي ومهما بعد، لو كان في قعار البحار، لسمعه ﷿.
وأنزل الله قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إلى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: ١]، تقول عائشة: (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، إني لفي الحجرة، وإنه ليخفى علي بعض حديثها) (١)، والله تعالى سمعها من على عرشه وبينه وبينها ما لا يعلم مداه إلا الله ﷿، ولا يمكن أن يقول قائل: إن سمع الله مثل سمعنا.
ثالثًا: نقول: نحن نعلم أن الله تعالى مباين للخلق بذاته: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:٢٥٥]، وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُه [الزمر: ٦٧]، ولا يمكن لأحد من الخلق أن يكون هكذا، فإذا كان مباينًا للخلق في ذاته، فالصفات تابعة للذات، فيكون أيضًا مباينًا للخلق في صفاته ﷿، ولا يمكن التماثل بين الخالق والمخلوق
رابعًا: نقول: إننا نشاهد في المخلوقات أشياء تتفق في الأسماء وتختلف في المسميات، يختلف الناس في صفاتهم: هذا قوي البصر وهذا ضعيف، وهذا قوي السمع وهذا ضعيف، هذا قوي البدن وهذا ضعيف وهذا ذكر وهذا أنثى وهكذا التباين في المخلوقات التي من جنس واحد، فما بالك بالمخلوقات المختلفة الأجناس؟ فالتباين بينها أظهر ولهذا، لا يمكن لأحد أن يقول: إن لي يدًا كيد الجمل، أو لي يدًا كيد الذرة، أو لي يدًا كيد الهر، فعندنا الآن إنسان وجمل وذرة وهر، كل واحد له يد مختلفة عن الثاني، مع أنها متفقة في الاسم فنقول: إذا جاز التفاوت بين المسميات في المخلوقات مع اتفاق مع فجوازه بين الخالق والمخلوق ليس جائزًا فقط بل هو واجب؛ فعندنا أربعة وجوه عقلية كلها تدل على أن الخالق لا يمكن أن يماثل المخلوق بأي حال من الأحوال
_________________
(١) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم مختصرا (٧٣٨٥)، والنسائي (٦/ ١٦٨)، وابن ماجه (١٨٨)، وأحمد (٦/ ٤٦) (٢٤٢٤١). وقال ابن عساكر في «معجم الشيوخ» (١/ ١٦٣) والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح. وقال ابن تيمية في «تلبيس الجهمية» (١/ ٢٨٠): إسناده ثابت.
[ ٢ / ٤٤١ ]
٣ - الأدلة الفطرية
ربما نقول أيضا هناك دليل فطري، وذلك لأن الإنسان بفطرته بدون أن يلقن يعرف الفرق بين الخالق والمخلوق ولولا هذه الفطرة؛ ما ذهب يدعو الخالق فتبين الآن أن التمثيل منتفٍ سمعًا وعقلًا وفطرة شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ١٠٣
[ ٢ / ٤٤٢ ]
المطلب الرابع: شبهات والرد عليها
فإن قال قائل: إن النبي ﷺ حدثنا بأحاديث تشتبه علينا؛ هل هي تمثيل أو غير تمثيل؟ ونحن نضعها بين أيديكم:
١ - قال النبي ﷺ «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته» (١)؛ فقال: (كما) والكاف للتشبيه، هذا رسول الله ﷺ، ونحن من قاعدتنا أن نؤمن بما قال الرسول كما نؤمن بما قال الله؛ فأجيبوا عن هذا الحديث؟
نقول نجيب عن هذا الحديث وعن غيره بجوابين: الجواب الأول مجمل والثاني مفصل
فالأول المجمل: أنه لا يمكن أن يقع تعارض بين كلام الله وكلام رسوله الذي صح عنه أبدًا؛ لأن الكل حق، والحق لا يتعارض والكل من عند الله، وما عند الله تعالى لا يتناقض وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]؛ فإن وقع ما يوهم التعارض في فهمك؛ فاعلم أن هذا ليس بحسب النص، ولكن باعتبار ما عندك؛ فأنت إذا وقع التعارض عندك في نصوص الكتاب والسنة؛ فإما لقلة العلم، وإما لقصور الفهم، وإما للتقصير في البحث والتدبر، ولو بحثت وتدبرت؛ لوجدت أن التعارض الذي توهمته لا أصل له، وإما لسوء القصد والنية؛ بحيث تستعرض ما ظاهره التعارض لطلب التعارض، فتحرم التوفيق؛ كأهل الزيغ الذين يتبعون المتشابه
ويتفرع على هذا الجواب المجمل أنه يجب عليك عند الاشتباه أن ترد المشتبه إلى المحكم؛ لأن هذه الطريق طريق الراسخين في العلم؛ قال الله تعالى: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران:٧]، ويحملون المتشابه على المحكم حتى يبقى النص كله محكمًا وأما الجواب المفصل؛ فإنا نجيب عن كل نص بعينه فنقول:
إن قول النبي ﷺ «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته»؛ ليس تشبيهًا للمرئي بالمرئي، ولكنه تشبيه للرؤية بالرؤية؛ (سترون كما ترون)؛ الكاف في (كما ترون) داخلة على مصدر مؤول؛ لأن (ما) مصدرية، وتقدير الكلام: كرؤيتكم القمر ليلة البدر وحينئذ يكون التشبيه للرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي، والمراد أنكم ترونه رؤية واضحة كما ترون القمر ليلة البدر ولهذا أعقبه بقوله: "لا" تضامون في رؤيته" أو: " لا تضارون في رؤيته" فزال الإشكال الآن
٢ - قال النبي ﷺ «إن الله خلق آدم على صورته» (٢) والصورة مماثلة للأخرى، ولا يعقل صورة إلا مماثلة للأخرى، ولهذا أكتب لك رسالة، ثم تدخلها الآلة الفوتوغرافية، وتخرج الرسالة، فيقال: هذه صورة هذه، ولا فرق بين الحروف والكلمات؛ فالصورة مطابقة للصورة، والقائل: " إن الله خلق آدم على صورته": الرسول ﵊ أعلم وأصدق وأنصح وأفصح الخلق
والجواب المجمل أن نقول: لا يمكن أن يناقض هذا الحديث قوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١]، فإن يسر الله لك الجمع؛ فاجمع، وإن لم يتيسر؛ فقل: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧]، وعقيدتنا أن الله لا مثيل له؛ بهذا تسلم أمام الله ﷿
_________________
(١) رواه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣). من حديث جرير بن عبد الله ﵁.
(٢) رواه البخاري (٦٢٢٧) بدون (إن)، ومسلم (٢٦١٢). من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
هذا كلام الله، وهذا كلام رسوله، والكل حق، ولا يمكن أن يكذب بعضه بعضًا؛ لأنه كله خبر وليس حكمًا كي ينسخ؛ فأقول: هذا نفي للمماثلة، وهذا إثبات للصورة؛ فقل: إن الله ليس كمثله شيء، وإن الله خلق آدم على صورته؛ فهذا كلام الله، وهذا كلام رسوله والكل حق نؤمن به، ونقول: كل من عند ربنا ونسكت وهذا هو غاية ما نستطيع
وأما الجواب المفصل؛ فنقول: إن الذي قال «إن الله خلق آدم على صورته» رسول الذي قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: الآية١١] والرسول لا يمكن أن ينطق بما يكذب المرسل والذي قال «خلق آدم على صورته»: هو الذي قال «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر» (١) فهل أنت تعتقد أن هؤلاء الذين يدخلون الجنة على صورة القمر من كل وجه أو تعتقد أنهم على صورة البشر لكن في الوضاءة والحسن والجمال واستدارة الوجه وما أشبه ذلك على صورة القمر، لا من كل وجه؟! فإن قلت بالأول؛ فمقتضاه أنهم دخلوا وليس لهم أعين وليس لهم آناف وليس لهم أفواه! وإن شئنا قلنا: دخلوا وهم أحجار! وإن قلت بالثاني؛ زال الإشكال، وتبين أنه لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلًا له من كل وجه
فإن أبى فهمك، وتقاصر عن هذا وقال: أنا لا أفهم إلا أنه مماثل قلنا: هناك جواب آخر، وهو أن الإضافة هنا من باب إضافة المخلوق إلى خالقه؛ فقوله:" على صورته"؛ مثل قوله ﷿ في آدم: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر: من الآية٢٩]، ولا يمكن أن الله ﷿ أعطى آدم جزءًا من روحه، بل المراد الروح التي خلقها الله ﷿، لكن إضافتها إلى الله بخصوصها من باب التشريف؛ كما نقول: عباد الله؛ يشمل الكافر والمسلم والمؤمن والشهيد والصديق والنبي لكننا لو قلنا: محمد عبد الله؛ هذه إضافة خاصة ليست كالعبودية السابقة فقوله: «خلق آدم على صورته»؛ يعني: صورة من الصور التي خلقها الله وصورها؛ كما قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ [الأعراف: الآية١١]، والمصور آدم إذًا؛ فآدم عل صورة الله؛ يعني: أن الله هو الذي صوره على هذه الصورة التي تعد أحسن صورة في المخلوقات، لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:٤]؛ فإضافة الله الصورة إليه من باب التشريف؛ كأنه ﷿ اعتنى بهذه الصورة ومن أجل ذلك؛ لا تضرب الوجه؛ فتعيبه حسًا، ولا تقبحه فتقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك؛ فتعيبه معنىً؛ فمن أجل أنه الصورة التي صورها الله وأضافها إلى نفسه تشريفًا وتكريمًا؛ لا تقبحها بعيب حسي ولا بعيب معنوي
ثم هل يعتبر هذا الجواب تحريفًا أم له نظير؟
نقول: له نظير، كما في: بيت الله، وناقة الله، وعبد الله؛ لأن هذه الصورة (أي: صورة آدم) منفصلة بائنة من الله وكل شيء أضافه الله إلى نفسه وهو منفصل بائن عنه؛ فهو من المخلوقات؛ فحينئذ يزول الإشكال
ولكن إذا قال قائل: أيما أسلم المعنى الأول أو الثاني؟ قلنا: المعنى الأول أسلم، ما دمنا نجد أن لظاهر اللفظ مساغًا في اللغة العربية وإمكانًا في العقل؛ فالواجب حمل الكلام عليه ونحن وجدنا أن الصورة لا يلزم منها مماثلة الصورة الأخرى، وحينئذ يكون الأسلم أن نحمله على ظاهره
فإذا قلت: ما هي الصورة التي تكون لله ويكون آدم عليها؟
_________________
(١) رواه البخاري (٣٢٤٦)، ومسلم (٢٨٣٤). من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
قلنا: إن الله ﷿ له وجه وله عين وله يد وله رجل ﷿، لكن لا يلزم من أن تكون هذه الأشياء مماثلة للإنسان؛ فهناك شيء من الشبه لكنه ليس على سبيل المماثلة؛ كما أن الزمرة الأولى من أهل الجنة فيها شبه من القمر لكن بدون مماثلة، وبهذا يصدق ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة؛ من أن جميع صفات الله ﷾ ليست مماثلة لصفات المخلوقين؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل
نسمع كثيرًا من الكتب التي نقرأها يقولون: تشبيه؛ يعبرون بالتشبيه وهم يقصدون التمثيل؛ فأيما أولى: أنعبر بالتشبيه، أو نعبر بالتمثيل؟ نقول بالتمثيل أولى
أولًا: لأن القرآن عبر به: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١]، فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا [البقرة: الآية٢٢] وما أشبه ذلك، وكل ما عبر به القرآن؛ فهو أولى من غيره؛ لأننا لا نجد أفصح من القرآن ولا أدل على المعنى المراد من القرآن، والله أعلم بما يريده من كلامه، فتكون موافقة القرآن هي الصواب، فنعبر بنفي التمثيل وهكذا في كل مكان؛ فإن موافقة النص في اللفظ أولى من ذكر لفظ مرادف أو مقارب
ثانيًا: أن التشبيه عند بعد الناس يعني إثبات الصفات ولهذا يسمون أهل السنة: مشبهة؛ فإذا قلنا: من غير تشبيه وهذا الرجل لا يفهم من التشبيه إلا إثبات الصفات؛ صار كأننا نقول له: من غير إثبات صفات! فصار معنى التشبيه يوهم معنى فاسدًا فلهذا كان العدول عنه أولى
ثالثًا: أن نفي التشبيه على الإطلاق غير صحيح؛ لأن ما من شيئين من الأعيان أو من الصفات إلا وبينهما اشتراك من بعض الوجوه، والاشتراك نوع تشابه، فلو نفيت التشبيه مطلقًا؛ لكنت نفيت كل ما يشترك فيه الخالق والمخلوق في شيء ما مثلًا: الوجود؛ يشترك في أصله الخالق والمخلوق، هذا نوع اشتراك نوع تشابه، لكن فرق بين الوجودين؛ وجود الخالق واجب ووجود المخلوق ممكن وكذلك السمع؛ فيه اشتراك؛ الإنسان له سمع، والخالق له سمع، لكن بينهما فرق، لكن أصل وجود السمع مشترك فإذا قلنا: من غير تشبيه ونفينا مطلق التشبيه؛ صار في هذا إشكال
وبهذا عرفنا أن التعبير بالتمثيل أولى من ثلاثة أوجه
٣ - وفي قوله: َليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير [الشورى:١١] رد صريح على الممثلة الذين يثبتون أن الله ﷾ له مثيل وحجة هؤلاء يقولون: إن القرآن عربي، هذا كان عربيًا؛ فقد خاطبنا الله تعالى بما نفهم، ولا يمكن أن يخاطبنا بما لا نفهم، وقد خاطبنا الله تعالى، فقال: إن له وجهًا وإن له عينًا، وإن له يدين وما أشبه ذلك ونحن لا نعقل بمقتضى اللغة العربية من هذه الأشياء إلا مثل ما نشاهد، وعلى هذا؛ فيجب أن يكون مدلول هذه الكلمات مماثلًا لمدلولها بالنسبة للمخلوقات: يد ويد، وعين وعين، ووجه ووجه وهكذا؛ فنحن إنما قلنا بذلك لأن لدينا دليلًا لا شك أن هذه الحجة واهية يوهيها ما سبق من باين أن الله ليس له مثيل ونقول: إن الله خاطبنا بما خاطبنا به من صفاته، لكننا نعلم علم اليقين أن الصفة بحسب الموصوف ودليل هذا في الشاهد؛ فإنه يقال للجمل يد وللذرة يد، ولا أحد يفهم من اليد التي أضفناها إلى الجمل أنها مثل اليد التي أضفناها إلى الذرة! هذا وهو في المخلوقات؛ فكيف إذا كان ذلك من أوصاف الخالق؟! فإن التباين يكون أظهر وأجلى وعلى هذا؛ فيكون قول هؤلاء الممثلة مردودًا بالعقل كما أنه مردود بالسمع قال الله تعالى وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فأثبت لنفسه ﷾ السمع والبصر؛ لبيان كماله، ونقص الأصنام التي تُعبد من دونه؛ فالأصنام التي تعبد من دون الله تعالى لا يسمعون، ولو سمعوا؛ ما استجابوا، ولا يبصرون؛ كما قال الله ﷿: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النحل:٢٠ - ٢١]؛ فهم ليس لهم سمع ولا عقل ولا بصر ولو فرض أن لهم ذلك؛ ما استجابوا: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف:٥] فأهل السنة والجماعة يؤمنون بانتفاء المماثلة عن الله؛ لأنها عيب ويثبتون له السمع والبصر؛ لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:١١] شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ١٠٥
[ ٢ / ٤٤٥ ]
المطلب الخامس: معنى قول أهل السنة: (من غير تكييف ولا تمثيل)
هذه العبارة فيها تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة المشبهة.
(فالتكييف) هو: جعل الشيء على حقيقة معينة من غير أن يقيدها بمماثل (١).
مثال ذلك: قول الهشامية عن الله: (طوله كعرضه) (٢).
أو قولهم: (طوله طول سبعة أشبار بشبر نفسه).
وعلى هذا التعريف يكون هناك فرق بين التكييف والتمثيل.
فالتكييف: ليس فيه تقيد بمماثل.
وأما التمثيل: فهو اعتقاد أنها مثل صفات المخلوقين.
ولعل الصواب أن التكييف أعم من التمثيل.
فكل تمثيل تكييف؛ لأن من مثل صفات الخالق بصفات المخلوقين فقد كيف تلك الصفة أي جعل لها حقيقة معينة مشاهدة.
وليس كل تكييف تمثيلًا؛ لأن من التكييف ما ليس فيه تمثيل صفات المخلوقين، كقولهم: طوله كعرضه.
ومعنى قول أهل السنة: (من غير تكييف) أي من غير كيف يعقله البشر، وليس المراد من قولهم: (من غير تكييف) أنهم ينفون الكيف مطلقًا؛ فإن كل شيء لابد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد أنهم ينفون علمهم بالكيف؛ إذ لا يعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه (٣).
فمن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفاته ﷿؛ لأنه تعالى أخبرنا عن الصفات ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تعمقنا في أمر الكيفية قفوًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به.
وقد أخذ العلماء من قول الإمام مالك: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) قاعدة ساروا عليها في هذا الباب.
(ولا تمثيل):
المثيل لغة: هو الند والنظير.
والتمثيل: هو الاعتقاد في صفات الخالق أنها مثل صفات المخلوقين.
وهو قول الممثل: له يد كيدي، وسمع كسمعي، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
والتمثيل والتشبيه هنا بمعنى واحد، وإن كان هناك فرق بينهما في أصل اللغة (٤).
فالمماثلة: هي مساواة الشيء لغيره من كل وجه.
والمشابهة: هي مساواة الشيء لغيره في أكثر الوجوه.
ولكن التعبير هنا بنفي (التمثيل) أولى لموافقة لفظ القرآن.
في قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشُّورى: ١١].
وقوله تعالى: فَلَا تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ [النحل: ٧٤].
وقد وقع في التمثيل والتكييف (المشبهة) الذين بالغوا في إثبات الصفات إلى درجة تشبيه الخالق بالمخلوق.
وقد وقع في التمثيل كل من:
١ - الكرامية: أتباع محمد بن كرام السجستاني.
وهم طوائف يبلغ عددهم اثنتي عشرة فرقة، وأصولها ستة هي:
١ - العابدية. ٢ - النونية. ٣ - الزرينية.
٤ - الإسحاقية. ٥ - الواحدية. ٦ - الهيصمية.
٢ - الهشامية الرافضية الإمامية.
وهم أصحاب: هشام بن الحكم الرافضي.
وأحيانًا تنسب إلى: هشام بن سالم الجواليقي، وكلاهما من الإمامية المشبهة، والجدير بالذكر أن الرافضة الإمامية كان ينتشر فيهم التشبيه وهذا في أوائلهم (٥).
وأما الرافضة الإمامية في الوقت الراهن فعلى عقيدة المعتزلة في مسائل الصفات، وكذلك (الزيدية) من الشيعة. معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات لمحمد بن خليفة التميمي– ص: ٦٤
_________________
(١) «القواعد المثلى» (ص: ٢٧).
(٢) «مقالات الإسلاميين» (ص: ٣١).
(٣) «شرح العقيدة الواسطية» (ص: ٢١).
(٤) «القواعد المثلى» (ص: ٢٧).
(٥) «شرح الأصفهانية» (ص: ٦٥).
[ ٢ / ٤٤٦ ]
المطلب السادس: الفرق بين التمثيل والتكييف
الفرق بينهما من وجهين:
الأول: أن التمثيل ذكر الصفة مقيدة بمماثل؛ فتقول يد فلان مثل يد فلان، والتكييف ذكر الصفة غير مقيدة بمماثل؛ مثل أن تقول: كيفية يد فلان كذا وكذا
وعلى هذا نقول: كل ممثل مكيف، ولا عكس
الثاني: أن الكيفية لا تكون إلا في الصفة والهيئة، والتمثيل يكون في ذلك كما في قوله تعالى اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُن [الطلاق: ١٢]؛ أي: في العدد
بل يؤمنون بأن الله سبحانه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:١١] أي: يقر أهل السنة والجماعة بذلك إقرارًا وتصديقًا بأن الله ليس كمثله شيء؛ كما قال عن نفسه: َليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير [الشورى:١١]؛ فهنا نفى المماثلة، ثم أثبت السمع والبصر فنفى العيب، ثم أثبت الكمال؛ لأن نفي العيب قبل إثبات الكمال أحسن، ولهذا يقال التخلية قبل التحلية فنفي العيوب يبدأ به أولًا ثم يذكر إثبات الكمال
وكلمة (شيء) نكرة في سياق النفي، فتعم كل شيء، ليس شيء مثله أبدًا ﷿ أي مخلوق وإن عظم؛ فليس مماثلًا لله ﷿؛ لأن مماثلة الناقص نقص، بل إن طلب المفاضلة بين الناقص والكامل تجعله ناقصًا؛ كما قيل:
ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
فهنا لو قلنا: إن لله مثيلًا؛ لزم من ذلك تنقص الله ﷿؛ فلهذا نقول: نفى الله عن نفسه مماثلة المخلوقين؛ لأن مماثلة المخلوقين نقص وعيب؛ لأن المخلوق ناقص وتمثيل الكامل بالناقص يجعله ناقصا، بل ذكر المفاضلة بينهما يجعله ناقصًا؛ إلا إذا كان في مقام التحدي؛ كما في قوله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩]، وقوله: قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ [البقرة: ١٤٠] شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ١١٢
[ ٢ / ٤٤٧ ]
المبحث الثاني: التعطيل
المطلب الأول: تعريف التعطيل
المسألة الأولى: تعريف التعطيل لغةً
التعطيل لغة مأخوذ من مادة (عطل):
قال ابن فارس: (عطل) العين والطاء واللام أصل صحيح واحد يدل على خلو وفراغ؛ تقول عطلت الدار، ودار معطلة. ومتى تركت الإبل بلا راع فقد عطلت، وكذلك البئر إذا لم تورد ولم يستق منها.
قال الله ﵎: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ [الحج: ٤٥] وقال تعالى: وَإِذَا العِشَارُ عُطِّلَتْ [التَّكوير: ٤]، وكل شيء خلا من حافظ فقد عطل، من ذلك تعطيل الثغور وما أشبهها، ومن هذا الباب العَطَل وهو العُطُول، يقال امرأة عاطل، إذا كانت لا حلي لها، والجمع عواطل، وقوس عُطُلٌ: لا وتر عليها، وخيل أعطال: لا قلائد لها (١).
وقال الخليل بن أحمد: (امرأة عاطل بغير هاء: لا حلي عليها وقوس عُطُل: لا وتر عليها، والأعطال من الخيل التي لا أرسان عليها، وإذا ترك الثغر بلا حام يحميه فقد عطل، والمواشي إذا أهملت بلا راع فقد عطلت، وكذلك الرعية إذا لم يكن لها وال يسوسها فهم معطلون، وقد عطلوا: أي أهملوا، وبئر معطلة لا يستقى منها ولا ينتفع بمائها، وتعطيل الحدود ألا تقام على من وجبت عليه، وعطلت الغلات والمزارع إذا لم تعمر ولم تحرث، وسمعت العرب تقول فلان ذو عطلة إذا لم تكن له صنعة يمارسها، ودلو عَطِلّة إذا تَقَطع وذَمُها فتعطلت من الاستقاء بها) (٢).
وقال ابن سيده: (التعطيل: التَّفريغ، وعطّل الدار: أخلاها، وكل ما ترك ضياعًا مُعَطَّلٌ ومُعْطَل) (٣).
فمن خلال هذه النقول عن بعض كبار أئمة اللغة يتضح لك أن مدار كلمة التعطيل في اللغة على الخلو والفراغ والترك، وهذا ما فسر به بعض السلف قوله تعالى: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ.
قال ابن عباس ﵄ في تفسيرها: (التي تركت) (٤).
وقال قتادة: (أعطلها أهلها، وتركوها) (٥).
وكذا قوله تعالى: وَإِذَا العِشَارُ عُطِّلَتْ قال أبي بن كعب: (إذا أهملها أهلها) (٦)، وقال مجاهد: (سيبت وتركت) (٧).
وهذه المعاني اللغوية للتعطيل هي المستعملة في الاصطلاح. مقالة التعطيل والجعد بن درهم لمحمد بن خليفة التميمي– ص: ١٦
_________________
(١) «معجم مقاييس اللغة» (٤/ ٣٥١).
(٢) «تهذيب اللغة» (٢/ ١٦٥).
(٣) «المحكم» (١/ ٣٣٨، ٣٣٩).
(٤) «تفسير الطبري» (١٧/ ١٨٠).
(٥) «تفسير الطبري» (١٧/ ١٨٠).
(٦) «تفسير الطبري» (٣٠/ ٦٦).
(٧) «تفسير الطبري» (٣٠/ ٦٦).
[ ٢ / ٤٤٨ ]
المسألة الثانية: تعريف التعطيل شرعًا
يختلف تعريف التعطيل باختلاف صوره فهناك:
١ - التعطيل المحض أو الكلي: وهو إنكار الخالق، وإنكار كلامه ودينه، وإنكار عبادته وشرائعه.
قال ابن القيم: (وأهل التعطيل المحض عطلوا الشرائع، وعطلوا المصنوع عن الصانع، وعطلوا الصانع عن صفات كماله، وعطلوا العالم عن الحق الذي خلق له وبه، فعطلوه عن مبدئه ومعاده وعن فاعله وغايته) (١).
وأهل هذا التعطيل هم الملاحدة الدهرية الطبائعية الذين ينكرون ما سوى هذا الوجود الذي يشاهده الناس ويحسونه، وهو وجود الأفلاك وما فيها (٢)، وقالوا: (إن العالم دائم لم يزل ولا يزال، ولا يتغير ولا يضمحل، وإن الأشياء ليس لها أول البتة) (٣).
٢ - أما تعطيل الأسماء والصفات: فهو نفي الصفات الإلهية عن الله وإنكار قيامها بذاته أو إنكار بعضها (٤).
أو: نفي الأسماء والصفات أو بعضها.
فتوحيد الأسماء والصفات له ضدان هما:
١ - التعطيل. ٢ - التمثيل.
فمن نفى صفات الرب ﷿ وعطلها؛ فقد كذب تعطيله توحيده، ومن شبهه بخلقه ومثله بهم؛ فقد كذب تشبيهه وتمثيله توحيده (٥).
والتعطيل في هذا الباب على قسمين:
القسم الأول: التعطيل المحض التام أو الكلي، وهو الذي عليه الجهمية والفلاسفة من إنكار جميع الأسماء والصفات.
والقسم الثاني: التعطيل الجزئي، وهو نوعان:
النوع الأول: إثبات الأسماء ونفي الصفات وهو الذي عليه المعتزلة ومن وافقهم.
النوع الثاني: نفي بعض الصفات دون بعض وهو الذي عليه الكلابية والأشاعرة والماتريدية.
والتعطيل هنا في هذا الباب يدخل فيه تعطيل الباري ﷾ عن أسمائه وصفاته.
ويدخل فيه أيضًا تعطيل نصوص الأسماء والصفات الذي هو إنكار حقائقها وما دلت عليه وما تضمنته من المعاني.
٣ - تعطيل النبوات: وهو إنكار النبوات، كما هو حال البراهمة القائلين بحدوث العالم المثبتين للصانع ولكنهم ينكرون النبوات أصلًا. فالخلاف مع الخارجين عن الملة على ثلاثة أضرب:
١ - الخلاف مع المنكرين للصانع والقائلين بقدم العالم.
٢ - وخلاف مع القائلين بحدوث العالم المثبتين للصانع المنكرين للنبوات أصلًا كالبراهمة.
٣ - خلاف مع القائلين ببعض النبوات المنكرين لنبوة محمد ﷺ (٦).
قال ابن حزم: (ذهبت البراهمة وهم قبيلة بالهند فيهم أشراف الهند وهم يقولون بالتوحيد على نحو قولنا إلا أنهم أنكروا النبوات) (٧). مقالة التعطيل والجعد بن درهم لمحمد بن خليفة التميمي– ص: ١٧
_________________
(١) «إغاثة اللهفان» (٢/ ٢٦٨).
(٢) «درء تعارض العقل والنقل» (٥/ ١٦٨).
(٣) «إغاثة اللهفان» (٢/ ٢٥٦).
(٤) «الكواشف الجلية عن معاني الواسطية» (ص: ٨٧).
(٥) «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص: ٣٦).
(٦) «نقض تأسيس الجهمية» (١/ ١٤٠).
(٧) «الفصل» (١/ ٦٩).
[ ٢ / ٤٤٩ ]
المطلب الثاني: عقيدة أهل السنة والجماعة بريئة من التعطيل
فأهل السنة والجماعة لا يعطلون أي اسم من أسماء الله، أو أي صفة من صفات الله ولا يجحدونها، بل يقرون بها إقرارًا كاملًا
فإن قلت: ما الفرق بين التعطيل والتحريف؟
قلنا: التحريف في الدليل والتعطيل في المدلول، فمثلًا:
إذا قال قائل: معنى قوله تعالى بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان [المائدة: ٦٤]، أي بل قوتاه هذا محرف للدليل، ومعطل للمراد الصحيح، لأن المراد اليد الحقيقية، فقد عطل المعنى المراد، وأثبت معنى غير المراد وإذا قال: بل يداه مبسوطتان، لا أدري! أفوض الأمر إلى الله، لا أثبت اليد الحقيقية، ولا اليد المحرف إليها اللفظ نقول: هذا معطل، وليس بمحرف، لأنه لم يغير معنى اللفظ، ولم يفسره بغير مراده، لكن عطل معناه الذي يراد به، وهو إثبات اليد لله ﷿
أهل السنة والجماعة يتبرءون من الطريقتين: الطريقة الأولى: التي هي تحريف اللفظ بتعطيل معناه الحقيقي المراد إلى معنى غير مراد والطريقة الثانية: وهي طريقة أهل التفويض، فهم لا يفوضون المعنى كما يقول المفوضة بل يقولون: نحن نقول: بَلْ يَدَاهُ، أي: يداه الحقيقيتان مَبْسُوطَتَان، وهما غير القوة والنعمة
فعقيدة أهل السنة والجماعة بريئة من التحريف ومن التعطيل شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ٩١
[ ٢ / ٤٥٠ ]
المطلب الثالث: أنواع التعطيل في توحيد الله
ينقسم التعطيل في باب التوحيد إلى ثلاثة أقسام هي:
١ - التعطيل في جانب الربوبية.
٢ - التعطيل في جانب الألوهية.
٣ - التعطيل في جانب الأسماء والصفات.
فالتوحيد كما هو معلوم ضده الشرك، والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق سبحانه وصفاته ولكنه عطل حق التوحيد، وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل (١).
أما القسم الأول: فهو تعطيل جانب الربوبية:
والمقصود به: إنكار وجود الخالق ﷾، ومن صور هذا القسم وأمثلته:
١ - شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته، وإنه لم يكن معدومًا أصلًا بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها يسمونها بالعقول والنفوس (٢).
٢ - شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون ما ثم خالق ومخلوق، ولا هاهنا شيئان، بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه (٣).
٣ - شرك فرعون إذ قال: قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ [الشعراء: ٢٣] وقال تعالى مخبرًا عنه أنه قال لهامان: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا [غافر: ٣٧].
القسم الثاني: التعطيل في جانب الألوهية:
قال ابن القيم في تعريفه هو: تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. ومن صوره: ما يفعله بعض غلاة المتصوفة من إسقاط العبادات عنهم وعن أتباعهم، وزعمهم أن الكمال في فناء العبد عن حظوظه – أي الفناء في توحيد الربوبية – حيث يعلنون أن العارف الذي يشهد هذا المقام (لا يستحسن حسنة، ولا يستقبح سيئة) ويجعلون هذا غاية العرفان (٤).
القسم الثالث: التعطيل في جانب الأسماء والصفات:
وهو: نفي أسماء الله وصفاته أو بعضها. ومن صوره: ما يعتقده غلاة الجهمية والقرامطة الذين لم يثبتوا لله أسمًا ولا صفة، فعطلوا أسماء الرب تعالى، وأوصافه، وأفعاله، بل جعلوا المخلوق أكمل منه إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها (٥). مقالة التعطيل والجعد بن درهم لمحمد بن خليفة التميمي– ص: ٢١
_________________
(١) «الجواب الكافي» (ص: ١٥٣).
(٢) «الجواب الكافي» (ص: ١٥٣).
(٣) «الجواب الكافي» (ص: ١٥٣).
(٤) «التصوف وابن تيمية» للدكتور مصطفى حلمي (ص: ٣٩٠).
(٥) «الجواب الكافي» (ص: ١٥٣).
[ ٢ / ٤٥١ ]
المطلب الرابع: درجات التعطيل في أسماء الله وصفاته
المسألة الأولى: درجات التعطيل في باب الأسماء والصفات عمومًا
من سبر أقوال أهل التعطيل يجدها من حيث العموم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: نفي جميع الأسماء والصفات
وهذا قول الجهمية أتباع جهم بن صفوان (١)، والفلاسفة، سواء كانوا أصحاب فلسفة محضة كالفارابي (٢)، أو فلسفة باطنية إسماعيلية قرمطية كابن سينا (٣)، أو فلسفة صوفية اتحادية كابن عربي، وابن سبعين، وابن الفارض.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والتحقيق أن التجهم المحض وهو نفي الأسماء والصفات، كما يحكي عن جهم والغالية من الملاحدة ونحوهم من نفي أسماء الله الحسنى، كفر بين مخالف لما علم بالاضطرار من دين الرسول) (٤).
القسم الثاني: نفي الصفات دون الأسماء
وهذا قول المعتزلة، ووافقهم عليه ابن حزم الظاهري (٥)، والزيدية، والرافضة الإمامية، والإباضية. فالمعتزلة يجمعون على تسمية الله بالاسم ونفي الصفة عنه.
يقول ابن المرتضى المعتزلي: (فقد أجمعت المعتزلة على أن للعالم محدثًا، قديمًا، قادرًا، عالمًا، حيًا، لا لمعان ) (٦).
القسم الثالث: إثبات الأسماء وبعض الصفات ونفي البعض الآخر
وهذا قول الكلابية، والأشاعرة، والماتريدية.
فالكلابية وقدماء الأشاعرة: يثبتون الأسماء والصفات ما عدا صفات الأفعال الاختيارية (٧) (أي التي تتعلق بمشيئته واختياره)، فهم إما يؤولونها أو يثبتونها على اعتبار أنها أزلية، وذلك خوفًا منهم على حد زعمهم من حلول الحوادث بذات الله (٨)، أو يجعلونها من صفات الفعل المنفصلة عن الله التي لا تقوم به (٩).
وأما الأشاعرة المتأخرون ومعهم الماتريدية فهم يثبتون الأسماء وسبعًا من الصفات هي: (الحياة، العلم، القدرة، السمع، البصر، الإرادة، الكلام) ويزيد بعض الماتريدية صفة ثامنة هي (التكوين) (١٠)، وينفون باقي الصفات، ويؤولون النصوص الواردة فيها، ويحرفون معانيها. مقالة التعطيل والجعد بن درهم لمحمد بن خليفة التميمي– ص: ٢١
المعطلة أربع طوائف
الطائفة الأولى: الأشاعرة ومن تبعهم
قالوا: نثبت له الأسماء حقيقة، ونثبت له صفات معينة دل عليها العقل وننكر الباقي، نثبت له سبع صفات فقط والباقي ننكره تحريفًا لا تكذيبًا، لأنهم لو أنكروه تكذيبًا، كفروا، لكن ينكرونه تحريفًا وهو ما يدعون أنه "تأويل"
الصفات السبع هي مجموعة في قوله:
له الحياة والكلامُ والبصر سمع إرادةُ وعلم واقتدر
فهذه الصفات نثبتها لأن العقل دل عليها وبقية الصفات ما دل عليها العقل، فنثبت ما دل عليه العقل، وننكر ما لم يدل عليه العقل وهؤلاء هم الأشاعرة، آمنوا بالبعض، وأنكروا البعض
الطائفة الثانية: المعتزلة ومن تبعهم
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٣٥، ٥/ ٣٥٥، ١٣/ ١٣١)، «درء تعارف العقل والنقل» (٣/ ٣٦٧).
(٢) «منهاج السنة» (٢/ ٥٢٣، ٥٢٤).
(٣) «شرح العقيدة الأصفهانية» (ص: ٧٦).
(٤) «النبوات» (ص: ١٩٨).
(٥) «درء تعارض العقل والنقل» (٥/ ٢٤٩، ٢٥٠).
(٦) كتاب «باب ذكر المعتزلة من كتاب المنية والأمل» (ص: ٦). وانظر «شرح الأصول الخمسة» (ص: ١٥١) و«مقالات الإسلاميين» (ص: ١٦٤، ١٦٥)، «مجموع الفتاوى» (٥/ ٣٥٥).
(٧) «مجموع الفتاوى» (١٣/ ١٣١).
(٨) «موقف ابن تيمية من الأشاعرة» (٢/ ٥٠٦).
(٩) «موقف ابن تيمية من الأشاعرة» (٢/ ٥٤٤).
(١٠) انظر: «تحفة المريد» (ص: ٦٣)، و«إشارات المرام» (ص: ١٠٧ - ١١٤)، و«كتاب الماتريدية دراسة وتقويم» (ص: ٢٣٩)، و«كتاب الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات» (٢/ ٤٣٠)، و«منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله» (ص: ٤٠١).
[ ٢ / ٤٥٢ ]
قالوا: يثبت له الأسماء دون الصفات، وهؤلاء هم المعتزلة أثبتوا أسماء الله، قالوا: إن الله سميع بصير قدير عليم حكيم لكن قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع بصير بلا بصر، عليم بلا علم، حكيم بلا حكمة
الطائفة الثالثة: غلاة الجهمية والقرامطة والباطنية ومن تبعهم
قالوا: لا يجوز أبدًا أن نصف الله لا بوجود ولا بعدم، لأنه إن وصف بالوجود، أشبه الموجودات، وإن وصف بالعدم، أشبه المعدومات، وعليه يجب نفي الوجود والعدم عنه، وما ذهبوا إليه، فهو تشبيه للخالق بالممتنعات والمستحيلات، لأن تقابل العدم والوجود تقابل نقيضين، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وكل عقول بني آدم تنكر هذا الشيء ولا تقبله، فانظر كيف فروا من شيء فوقعوا في أشر منه!
الطائفة الرابعة: غلاة الغلاة من الفلاسفة والقرامطة والباطنية
قالوا: نصفه بالنفي ولا نصفه بالإثبات، يعني: أنهم يجوِّزون أن تسلب عن الله ﷾ الصفات لكن لا تثبت، يعني: لا نقول: هو حي، وإنما نقول ليس بميت ولا نقول عليم، بل نقول: ليس بجاهل وهكذا قالوا: لو أثبت له شيئًا شبهته بالموجودات، لأنه على زعمهم كل الأشياء الموجودة متشابهة، فأنت لا تثبت له شيئًا، وأما النفي، فهو عدم، مع أن الموجود في الكتاب والسنة في صفات الله من الإثبات أكثر من النفي بكثير قيل لهم: إن الله قال عن نفسه: (سميع بصير) قالوا: هذا من باب الإضافات، بمعنى: نُسب إليه السمع لا لأنه متصف به، ولكن لأن له مخلوقا يسمع، فهو من باب الإضافات، فـ (سميع)، يعني: ليس له سمع، لكن له مسموع وجاءت طائفة ثانية، قالوا: هذه الأوصاف لمخلوقاته، وليست له، أما هو، فلا يثبت له صفة فهذه أقسام التعطيل في الأسماء والصفات شرح العقيدة الواسطية لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ٣١
[ ٢ / ٤٥٣ ]
المسألة الثانية: درجات التعطيل في باب الأسماء الحسنى
القول الأول: من يقول إن الله لا يسمى بشيء
وهذا قول الجهمية أتباع جهم بن صفوان، والغالية من الملاحدة كالقرامطة الباطنية والفلاسفة.
وهؤلاء المعطلة لهم في تعطيلهم لأسماء الله أربعة مسالك هي:
المسلك الأول: الاقتصار على نفي الإثبات فقالوا: لا يسمى بإثبات.
المسلك الثاني: أنه لا يسمى بإثبات ولا نفي.
المسلك الثالث: السكوت عن الأمرين الإثبات والنفي.
المسلك الرابع: تصويب جميع الأقوال بالرغم من تناقضها.
فهذا الصنف من المعطلة اتفقوا على إنكار الأسماء جميعها، ولكن تنوعت مسالكهم في الإنكار.
١ - فأصحاب المسلك الأول: اقتصروا على قولهم: بأنه ليس له اسم كالحي والعليم ونحو ذلك. وشبهتهم في ذلك:
أ- أنه إذا كان له اسم من هذه الأسماء لزم أن يكون متصفًا بمعنى الاسم كالحياة والعلم.
فإن صدق المشتق – أي الاسم كالعليم – مستلزم لصدق المشتق منه – أي الصفة كالعلم – وذلك محال عندهم.
ب- ولأنه إذا سمي بهذه الأسماء فهي مما يسمى به غيره؛ والله منزه عن مشابهة الغير (١).
فهؤلاء المعطلة المحضة – نفاة الأسماء – يسمون من سمى الله بأسمائه الحسنى مشبهًا؛ فيقولون: (إذا قلنا حي عليم فقد شبهناه بغيره من الأحياء العالمين، وكذلك إذا قلنا هو سميع بصير فقد شبهناه بالإنسان السميع البصير، وإذا قلنا رؤوف رحيم فقد شبهناه بالنبي الرؤوف الرحيم، بل قالوا إذا قلنا موجود فقد شبهناه بسائر الموجودات لاشتراكهما في مسمى الوجود) (٢).
وهذا المسلك ينسب لجهم بن صفوان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (جهم كان ينكر أسماء الله تعالى فلا يسميه شيئًا لا حيًا ولا غير ذلك إلا على سبيل المجاز) (٣) هو قول الباطنية من الفلاسفة والقرامطة، فهم يقولون لا نسميه حيًا، ولا عالمًا، ولا قادرًا، ولا متكلمًا، إلا مجازًا بمعنى السلب والإضافة: أي هو ليس بجاهل ولا عاجز (٤). وهذا كذلك قول ابن سينا وأمثاله (٥).
٢ - وأما أصحاب المسلك الثاني: فقد زادوا في الغلو فقالوا: (لا يسمى بإثبات ولا نفي، ولا يقال موجود ولا لا موجود، ولا حي ولا لا حي؛ لأن في الإثبات تشبيهًا بالموجودات، وفي النفي تشبيهًا له بالمعدومات.
وكل ذلك تشبيه. وهذا المسلك ينسب لغلاة المعطلة من القرامطة الباطنية والمتفلسفة (٦).
٣ - وأما أصحاب المسلك الثالث فيقولون: نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، فلا ننفي النقيضين، بل نسكت عن هذا وهذا، فنمتنع عن كل من المتناقضين، لا نحكم بهذا ولا بهذا، فلا نقول ليس بموجود ولا معدوم، ولكن لا نقول هو موجود ولا نقول هو معدوم.
ومن الناس من يحكي هذا عن الحلاج، وحقيقة هذا القول هو الجهل البسيط والكفر البسيط، الذي مضمونه الإعراض عن الإقرار بالله، ومعرفته، وحبه، وذكره، وعبادته، ودعائه (٧).
وأصحاب هذا المسلك: هم المتجاهلة اللاأدرية.
وأصحاب المسلك الثاني: هم المتجاهلة الواقفة الذين يقولون لا نثبت ولا ننفي.
وأصحاب المسلك الأول: هم المكذبة النفاة.
_________________
(١) انظر «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٥، ٣/ ١٠٠)، و«درء تعارض العقل والنقل» (٣/ ٣٦٧)، وكتاب «الصفدية» (١/ ٨٨ - ٨٩، ٩٦ - ٩٧).
(٢) «منهاج السنة» (٢/ ٥٢٣، ٥٣٤).
(٣) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٣١١).
(٤) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٣٥٥).
(٥) «الصفدية» (١/ ٢٩٩ - ٣٠٠).
(٦) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٥، ٣/ ١٠٠)، «شرح الأصفهانية» (ص: ٧٦ - ٨٠).
(٧) كتاب «الصفدية» (٦/ ٩٦ - ٩٨)، «شرح الأصفهانية» (ص: ٨٤).
[ ٢ / ٤٥٤ ]
والملاحظ أن كل فريق من هؤلاء يهدم ما بناه ما قبله، فلما اقتصر أصحاب المسلك الأول على النفي وامتنعوا عن الإثبات بحجة أن في الإثبات تشبيهًا له بالموجودات جاء أصحاب المسلك الثاني فزادوا في الغلو، وزعموا أن في النفي كذلك تشبيهًا له بالجمادات، فمنعوا النفي أيضًا، ثم جاء أصحاب المسلك الثالث فاتهموا أصحاب المسلك الثاني بأنهم شبهوه بالممتنعات، لأن قولهم يقوم على نفي النقيضين وهذا ممتنع.
٤ - وهناك مسلك رابع: وهو مسلك أصحاب وحدة الوجود الذين يعطون أسماءه سبحانه لكل شيء في الوجود، إذ كان وجود الأشياء عندهم هو عين وجوده ما ثمت فرق إلا بالإطلاق والتقييد (١).
وهذا منتهى قول طوائف المعطلة (٢) وغاية ما عندهم في الإثبات قولهم هو: (وجود مطلق) أي: وجود خيالي في الذهن، أو وجود مقيد بالأمور السلبية (٣).
القول الثاني: أن الله يسمى باسمين فقط هما: (الخالق) و(القادر): وهذا القول منسوب للجهم بن صفوان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (كان الجهم وأمثاله يقولون: إن الله ليس بشيء، وروى عنه أنه قال: لا يسمى باسم يسمى به الخلق، فلم يسمه إلا (بالخالق) و(القادر) لأنه كان جبريًا يرى أن العبد لا قدرة له) (٤).
وقال ﵀: (ولهذا نقلوا عن جهم أنه لا يسمى الله بشيء، ونقلوا عنه أنه لا يسميه باسم من الأسماء التي يسمى بها الخلق: كالحي، والعالم، والسميع، والبصير، بل يسميه قادرًا خالفًا، لأن العبد عنده ليس بقادر، إذ كان هو رأس الجهمية الجبرية) (٥).
القول الثالث: إثبات الأسماء مجردة عن الصفات
وهذا قول المعتزلة ووافقهم ابن حزم الظاهري. وتبع المعتزلة على ذلك الزيدية، والرافضة الإمامية، وبعض الخوارج. فالمعتزلة يجمعون على تسمية الله بالاسم ونفي الصفة عنه. يقول ابن المرتضى المعتزلي: (فقد أجمعت المعتزلة على أن للعالم محدثًا قديمًا، قادرًا، عالمًا، حيًا لا لمعان) (٦).
وابن حزم وافق المعتزلة في ذلك فهو يرى: (أن الأسماء الحسنى كالحي، والعليم، والقدير، بمنزلة أسماء الأعلام التي لا تدل على حياة ولا علم، ولا قدرة، وقال: لا فرق بين الحي وبين العليم في المعنى أصلًا) (٧).
والمعتزلة لهم في نفيهم لتضمن الأسماء للصفات مسلكان:
المسلك الأول: من جعل الأسماء كالأعلام المحضة المترادفة التي لم توضع لمسماها باعتبار معنى قائم به. فهم بذلك ينظرون إلى هذه الأسماء على أنها أعلام محضة لا تدل على صفة.
و(المحضة) الخاصة الخالية من الدلالة على شيء آخر، فهم يقولون: إن العليم والخبير والسميع ونحو ذلك أعلام لله ليست دالة على أوصاف، وهي بالنسبة إلى دلالتها على ذات واحدة هي مترادفة وذلك مثل تسميتك ذاتًا واحدة (يزيد، وعمرو، ومحمد، وعلي) فهذه الأسماء مترادفة، وهي أعلام خالصة لا تدل على صفة لهذه الذات المسماة بها (٨).
_________________
(١) «شرح القصيدة النونية» للهراس (٢/ ١٢٦).
(٢) «الصفدية» (١/ ٩٨، ٩٩).
(٣) «الصفدية» (١/ ١١٦، ١١٧).
(٤) «منهاج السنة» (٢/ ٥٢٦ - ٥٢٧)، «الأنساب» للسمعاني (٢/ ١٣٣).
(٥) «درء تعارض العقل والنقل» (٥/ ١٨٧)، «مجموع الفتاوى» (٨/ ٤٦٠).
(٦) كتاب «ذكر المعتزلة» (ص: ٦)، «شرح الأصول الخمسة» (ص: ١٥١)، «مقالات الإسلاميين» (ص: ١٦٤ - ١٦٥).
(٧) «شرح الأصفهانية» (ص: ٧٦)، «الفصل» (٢/ ١٦١)، «درء تعارض العقل والنقل» (٥/ ٢٤٩ - ٢٥٠).
(٨) «التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية» (١/ ٤٦).
[ ٢ / ٤٥٥ ]
والمسلك الثاني: من يقول منهم إن كل علم منها مستقل، فالله يسمى عليمًا وقديرًا، وليست هذه الأسماء مترادفة، ولكن ليس معنى ذلك أن هناك حياة أو قدرة (١)؛ ولذلك يقولون عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر.
القول الرابع: إثبات الأسماء الحسنى مع إثبات معاني البعض وتحريف معاني البعض الآخر.
وهذا قول الكلابية، والأشاعرة، والماتريدية.
فهؤلاء وإن كانوا يوافقون أهل السنة والجماعة في إثبات ألفاظ الأسماء الحسنى لكنهم يخالفونهم في إثبات بعض معاني تلك الأسماء.
فمن المعلوم أن كل اسم من أسماء الله متضمن لصفة. وللكلابية والأشاعرة والماتريدية قول في الصفات يخالف قول أهل السنة والجماعة. فالكلابية وقدماء الأشاعرة ينفون صفات الأفعال الاختيارية، وبالتالي لا يثبتون الصفات التي تضمنتها الأسماء إذا كانت من هذا القبيل كالخالق والرزاق ونحوها، وأما المتأخرون من الأشاعرة ومعهم الماتريدية، فإنهم لا يثبتون من الصفات سوى سبع صفات هي: (العلم، القدرة، الحياة، السمع، البصر، الإرادة، الكلام) ويزيد بعض الماتريدية صفة ثامنة هي (التكوين). فالاسم عندهم إن دل على ما أثبتوه من الصفات؛ أثبتوا ما دل عليه من المعنى، وإن كان دالًا على خلاف ما أثبتوه صرفوه عن حقيقته وحرفوا معناه.
ومعلوم أنه لم يرد في باب الأسماء من تلك الصفات التي ذكروها إلا خمسة فقط وهي: (العليم)، و(القدير)، و(الحي)، و(السميع)، و(البصير)، فهذه الخمسة يثبتون معانيها وإن كان هناك من يرجع صفتي (السمع) و(البصر) إلى (العلم)، ولكن جمهورهم على خلاف ذلك (٢).
وأما بقية الأسماء التي لا تتفق مع ما أثبتوه من الصفات، فإنهم لا يثبتون ما دلت عليه من المعاني، بل يحرفونها كتحريفهم لمعنى (الرحمة) في اسمه (الرحمن) إلى إرادة الثواب أو إرادة (الإنعام)، و(الود) في (الودود) بـ (إرادة إيصال الخير) (٣). مقالة التعطيل والجعد بن درهم لمحمد بن خليفة التميمي - بتصرف– ص: ٢٦
_________________
(١) «التحفة المهدية» (١/ ٤٦).
(٢) «لباب العقول» للمكلاني (ص: ٢١٣ - ٢١٤)، «شرح الأصفهانية» (ص: ٤٤٥)، «المسايرة» لابن الهمام (ص: ٦٧)، «الماتريدية دراسة وتقويم» (ص: ٢٦٤)، «الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات» (٢/ ٤١٣)، «منهج أهل السنة ومنهج الأشاعرة في التوحيد» (ص: ٤٠٩).
(٣) «شرح الأسماء الحسنى» للرازي (ص: ٢٨٧).
[ ٢ / ٤٥٦ ]
المسألة الثالثة: درجات التعطيل في باب صفات الله تعالى
القول الأول: نفاة جميع الصفات
وهذا قول الغلاة من المعطلة، ومنهم الجهمية أتباع جهم، والفلاسفة سواء كانوا أهل فلسفة محضة كالفارابي، أو فلسفة باطنية رافضية إسماعيلية كابن سينا وإخوان الصفا، أو فلسفة صوفية اتحادية كابن عربي وابن سبعين. وهذا القول بنفي الصفات هو قول المعتزلة ومن تبعهم كالزيدية، والرافضة الإمامية، والخوارج الإباضية، وكذلك هو قول النجارية، والضرارية.
فهؤلاء جميعًا لا يثبتون الصفات لله تعالى، وقد تنوعت أساليب تعطيلهم وطرق إنكارهم لها، ويمكن تصنيفهم إلى صنفين:
١ - غلاة المعطلة. ٢ - المعتزلة ومن وافقهم.
١ - فغلاة المعطلة يمنعون الإثبات بأي حال من الأحوال ولهم في النفي درجات:
الدرجة الأولى: درجة المكذبة النفاة
وهي التي عليها الجهمية وطائفة من الفلاسفة (١)، وهو كذلك قول ابن سينا وأمثاله (٢).
فهم يصفون الله بالصفات السلبية على وجه التفصيل، ولا يثبتون له إلا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان (٣)، فهؤلاء وصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات، وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات (٤).
الدرجة الثانية: المتجاهلة الواقفة
الذين يقولون لا نثبت ولا ننفي، وهذه الدرجة تنسب لغلاة المعطلة من القرامطة الباطنية المتفلسفة (٥).
فهؤلاء هم غلاة الغلاة (٦) لأنهم يسلبون عنه النقيضين فيقولون: لا موجود، ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات، فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول؛ وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب وما جاء به الرسول ﷺ؛ فوقعوا في شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات؛ إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات (٧).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالقرامطة الذين قالوا لا يوصف بأنه حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، بل قالوا لا يوصف بالإيجاب ولا بالسلب، فلا يقال حي عالم، ولا ليس بحي عالم، ولا يقال هو عليم قدير، ولا يقال ليس بقدير عليم، ولا يقال هو متكلم مريد، ولا يقال ليس بمتكلم مريد، قالوا لأن في الإثبات تشبيهًا بما تثبت له هذه الصفات، وفي النفي تشبيه له بما ينفى عنه هذه الصفات) (٨).
الدرجة الثالثة: المتجاهلة اللأدرية
الذين يقولون: نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت، فلا ننفي النقيضين، بل نسكت عن هذا وهذا، فنمتنع عن كل من المتناقضين لا نحكم بهذا ولا بهذا، فلا نقول: ليس بموجود ولا معدوم، ولكن لا نقول هو موجود ولا نقول هو معدوم.
ومن الناس من يحكي نحو هذا عن الحلاج، وحقيقة هذا القول هو الجهل البسيط والكفر البسيط، الذي مضمونه الإعراض عن الإقرار بالله، ومعرفته، وحبه، وذكره، وعبادته، ودعائه (٩).
الدرجة الرابعة: أهل وحدة الوجود
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٧ - ٨).
(٢) «الصفدية» (١/ ٢٩٩، ٣٠٠).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٧)، «شرح الأصفهانية» (ص: ٥١ - ٥٢).
(٤) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٨).
(٥) «شرح العقيدة الأصفهانية» (ص: ٧٦).
(٦) «مجمع الفتاوى» (٣/ ١٠٠).
(٧) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٧ - ٨).
(٨) «شرح العقيدة الأصفهانية» (ص: ٧٦).
(٩) «الصفدية» (١/ ٩٦، ٩٨).
[ ٢ / ٤٥٧ ]
الذين لا يميزون الخالق بصفات تميزه عن المخلوق، ويقولون بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق. فعلى سبيل المثال هم يقولون بأن الله هو المتكلم بكل ما يوجد من الكلام، وفي ذلك يقول ابن عربي:
ألا كل قول في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه
يعم به أسماع كل مكون فمنه إليه بدؤه وختامه (١)
فيزعمون أنه هو المتكلم على لسان كل قائل. ولا فرق عندهم بين قول فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النَّازعات: ٢٤] ومَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص: ٣٨] وبين القول الذي يسمعه موسى إِنَّنِي أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [طه: ١٤]. بل يقولون: (إنه الناطق في كل شيء؛ فلا يتكلم إلا هو، ولا يسمع إلا هو، حتى قول مسيلمة الكذاب، والدجال، وفرعون يصرحون بأن أقوالهم هي قوله) (٢).
وهذا قول أصحاب وحدة الوجود كابن عربي، وابن سبعين، وابن الفارض والعفيف التلمساني.
وأصل مذهبهم: أن كل واحد من وجود الحق، وثبوت الخلق يساوي الآخر ويفتقر إليه، وفي هذا يقول ابن عربي:
فيعبدني وأعبده ويحمدني وأحمده (٣)
ويقول: إن الحق يتصف بجميع صفات العبد المحدثات، وإن المحدث يتصف بجميع صفات الرب، وإنهما شيء واحد إذ لا فرق في الحقيقة بين الوجود والثبوت (٤) فهو الموصوف عندهم بجميع صفات النقص والذم، والكفر، والفواحش، والكذب، والجهل، كما هو الموصوف عندهم بصفات المجد، والكمال، فهو العالم والجاهل، والبصير والأعمى، والمؤمن والكافر، والناكح والمنكوح، والصحيح والمريض، والداعي والمجيب، والمتكلم والمستمع، وهو عندهم هوية العالم ليس له حقيقة مباينة للعالم، وقد يقولون لا هو العالم ولا غيره، وقد يقولون: هو العالم أيضًا وهو غيره، وأمثال هذه المقالات التي يجمع فيها في المعنى بين النقيضين مع سلب النقيضين (٥).
وهؤلاء الاتحادية يجمعون بين النفي العام والإثبات العام؛ فعندهم أن ذاته لا يمكن أن ترى بحال، وليس له اسم، ولا صفة، ولا نعت، إذ هو الوجود المطلق الذي لا يتعين، وهو من هذه الجهة لا يرى ولا اسم له.
ويقولون: إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الاسمي لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء، ويتجلى في كل موجود، لكنه لا يمكن أن ترى نفسه، بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي: ترى الأشياء فيه، وتارة يقولون يرى هو في الأشياء، وهو تجليه في الصور، وتارة يقولون كما يقول ابن سبعين:
(عين ما ترى ذات لا ترى وذات لا ترى عين ما ترى)
وهم مضطربون لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض، إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقًا بلا ريب، لم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي، فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها، وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود (٦).
وفي هذا يقول ابن عربي:
فإن قلت بالتنزيه كنت مقيدًا وإن قلت بالتشبيه كنت محددًا
وإن قلت بالأمرين كنت مسددًا ض وكنت إمامًا في المعارف سيدًا
فمن قال بالإشفاع كان مشركًا ومن قال بالإفراد كان موحدًا
فإياك والتشبيه إن كنت ثانيًا وإياك والتنزيه إن كنت مفردًا
فما أنت هو بل أنت هو وتراه في عين الأمور مسرحًا ومقيدًا) (٧)
@ مقالة التعطيل والجعد بن درهم لمحمد بن خليفة التميمي– ص: ٣٣
_________________
(١) «الفتوحات المكية» (٤/ ١٤١) ط: دار صادر، بيروت.
(٢) «بغية المرتاد» (ص: ٣٤٩).
(٣) «فصوص الحكم» (١/ ٨٣).
(٤) «بغية المرتاد» (ص: ٣٩٧، ٣٩٨).
(٥) «بغية المرتاد» (ص: ٤٠٨).
(٦) «بغية المرتاد» (ص: ٤٧٣).
(٧) «بغية المرتاد» (ص: ٥٢٧).
[ ٢ / ٤٥٨ ]
المطلب الخامس: جمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل
أما تمثيل المعطلة: فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات.
فهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم.
وتعطيل المعطلة: في نفيهم لما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات اللائقة به سبحانه.
وبذلك جمعوا بين التعطيل والتمثيل: مثلوا أولًا، وعطلوا آخرا.
وامتاز أهل التعطيل عن أهل التمثيل بنفيهم المعاني الصحيحة للصفات.
مثال لجمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل:
نصوص الاستواء: كقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥].
فإن المعطل يقول: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش، أو أصغر، أو مساويًا، وكل ذلك من المحال، ونحو ذلك من الكلام.
فهذا المعطل لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا اللازم الذي جاء به المعطل تابع لهذا المفهوم.
وكان الواجب عليه أن يثبت لله استواء يليق بجلاله ويختص به، فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي هي من لوازم المخلوقات، ويجب نفيها في حق الله.
فأهل التعطيل وقعوا في أربعة محاذير:
الأول: كونهم مثلوا ما فهموه من النصوص بصفات المخلوقين، وظنوا أن مدلول النصوص هو التمثيل.
الثاني: أنهم عطلوا النصوص عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله.
الثالث: أنهم بنفي تلك الصفات صاروا معطلين لما يستحقه الرب من صفات الكمال.
الرابع: أنهم وصفوا الرب بنقيض تلك الصفات، من صفات الأموات والجمادات والمعدومات (١). معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات لمحمد بن خليفة التميمي– ص: ٦٦
_________________
(١) «الرسالة التدمرية» (ص: ٧٩ - ٨٠).
[ ٢ / ٤٥٩ ]
المطلب السادس: خطورة مقالة التعطيل
ظهرت مقالة التعطيل التي هي مقالة (الجهمية) في أواخر عصر التابعين من أوائل المائة الثانية (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه المسألة: (هذه مسألة كبيرة عظيمة القدر اضطرب فيها خلائق من الأولين والآخرين، من أوائل المائة الثانية من الهجرة النبوية، فأما المائة الأولى فلم يكن بين المسلمين اضطراب في هذا. وإنما نشأ ذلك في أوائل المائة الثانية؛ لما ظهر (الجعد بن درهم) وصاحبه (الجهم بن صفوان) ومن تبعهما من المعتزلة وغيرهم على إنكار الصفات) (٢).
وقد جاءت هذه المقالة من حيث الترتيب بعد مقالات الخوارج، والشيعة، والقدرية، والمعتزلة، والمرجئة، فقد كانت تلك المقالات أسبق في الظهور منها. لكن مقالة التعطيل تعد أغلظ تلك البدع، والسبب في ذلك:
أولًا: أن أصحاب هذه المقالة كانوا أول من عارض الوحي بالرأي، ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة علي ﵁، والمرجئة والقدرية حدثوا في أواخر عصر الصحابة، وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص، ويستدلون بها على قولهم، ولا يدعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص (٣).
قال ابن القيم ﵀: (مضى الرعيل الأول في ضوء ذلك النور – أي نور الوحي – لم تطفئه عواصف الأهواء، ولم تلتبس به ظلم الآراء، وأوصوا من بعدهم أن لا يفارقوا النور الذي اقتبسوه منهم، وأن لا يخرجوا عن طريقهم، فلما كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأئمة، ومع هذا لم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يدع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم فيها، والاستبداد بما ظهر لهم منها، دون من قبلهم، ورأوا أنهم إن اقتفوا أثرهم كانوا مقلدين لهم.
فصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، وتبرؤا منهم، وحذروا من سبيلهم أشد التحذير، وكانوا لا يرون السلام عليهم، ولا مجالستهم، وكلامهم فيهم معروف في كتب السنة، وهو أكثر من أن يذكر هاهنا.
فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي) (٤).
ثانيًا: أن بدعة هؤلاء كانت في أعظم مسائل الإيمان، ألا وهي الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته، بل أعظم مسائل الدين، وهذا ما لم يسبقهم إليه أحد من أهل المقالات إلا القدرية؛ روى عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن أبي المعتمر سليمان ابن طرخان التيمي قال: (ليس قوم أشد نقضًا للإسلام من الجهمية والقدرية، وأما الجهمية فقد بارزوا الله تعالى؛ وأما القدرية فقد قالوا في الله ﷿) (٥).
ودخل رأس من رؤوس الزنادقة يقال له (شمعلة) على المهدي فقال: دلني على أصحابك. فقال: أصحابي أكثر من ذلك. فقال: دلني عليهم. فقال: صنفان ممن ينتحل القبلة: الجهمية والقدرية. الجهمي إذا غلا قال: ليس ثم شيء وأشار إلى السماء. والقدري إذا غلا قال: هما اثنان، خالق خير، وخالق شر؛ فضرب عنقه وصلبه (٦).
وقال عبد الله بن المبارك: (ليس تعبد الجهمية شيئًا) (٧).
وقد مضى عصر الصحابة وعقيدة الإيمان بأسماء الله وصفاته محفوظة مصونة؛ إلى أن ابتدع الجعد مقالته في أواخر عصر التابعين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام – أعني أن الله ليس على العرش حقيقة، وأن معنى استوى استولى ونحو ذلك – هو الجعد بن درهم) (٨). مقالة التعطيل والجعد بن درهم لمحمد بن خليفة التميمي– ص: ٣٣
_________________
(١) «منهاج السنة» (١/ ٣٠٩)، «مجموع الفتاوى» (١٣/ ١٧٧).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٣).
(٣) «درء تعارض العقل والنقل» (٥/ ٢٤٤).
(٤) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٦٩ - ١٠٧٠).
(٥) «السنة» لعبد الله بن الإمام أحمد (١/ ١٠٤، ١٠٥) رقم (٨).
(٦) كتاب «خلق أفعال العباد» (ص: ١١)، «توضيح المقاصد وتصحيح القواعد» (١/ ٤٨).
(٧) «السنة» لعبد الله بن الإمام أحمد (١/ ١٠٩) رقم (١٧).
(٨) «الفتوى الحموية» (ص: ٤٧).
[ ٢ / ٤٦٠ ]
المبحث الثالث: التحريف
المطلب الأول: تعريف التحريف
قال في الصحاح: (حرف كل شيء: طرفه وشفيره وحده .. وتحريف الكلام عن مواضعه: تغييره). وقال في (المفردات): (وتحريف الشيء إمالته، كتحريف القلم، وتحريف الكلام: أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن حمله على الوجهين. قال ﷿:
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ [المائدة: ١٣]. ومِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ [المائدة: ٤١]. وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ٧٥].
فالتحريف في أصل الوضع يعني التغيير والإمالة. والتحريف في النصوص تغييرها لفظًا أو معنى والميل بها عن وجهها وحقيقتها.
والتحريف أعم من التعطيل، إذ هو تعطيل وزيادة. فالمحرف نفى المعنى الصحيح للنص أولًا، ثم استبدله بمعنى آخر ثانيًا، فصار كل محرف معطلًا ولا عكس. ولذا جعل أهل السنة والجماعة التحريف قسيمًا للتعطيل في جانب النفي، كما جعلوا التكييف قسيمًا للتمثيل في جانب الإثبات، (فيصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل) (١). مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص ١١٥
_________________
(١) انظر: «أقاويل الثقات» لمرعي الكرمي (ص: ٦٤).
[ ٢ / ٤٦١ ]
المطلب الثاني: أنوع التحريف
التحريف نوعان النوع الأول: تحريف اللفظ:
وتعريفه: هو العدول باللفظ عن جهته إلى غيرها، وله أربع صور:
١ - الزيادة في اللفظ.
٢ - النقصان في اللفظ.
٣ - تغيير حركة إعرابية.
٤ - تغيير حركة غير إعرابية.
ومن أمثلة تحريف اللفظ:
المثال الأول: تحريف إعراب قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤] من الرفع إلى النصب، وقال: وَكَلَّمَ الله أي موسى كلم الله، ولم يكلمه الله، ولما حرفها بعض الجهمية هذا التحريف قال له بعض أهل التوحيد: فكيف تصنع بقوله: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف: ١٤٣] فبهت المحرف.
مثال آخر: إن بعض المعطلة سأل بعض أئمة العربية: هل يمكن أن يقرأ العرش بالرفع في قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] وقصد بهذا التحريف أن يكون الاستواء صفة للمخلوق لا للخالق (١).
النوع الثاني: تحريف المعنى:
وتعريفه: هو صرف اللفظ عن معناه الصحيح إلى غيره مع بقاء صورة اللفظ (٢). أو نقول: تعريفه: هو العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته، وإعطاء اللفظ معنى لفظ آخر بقدر ما مشترك بينهما.
وهذا النوع هو الذي جال فيه أهل الكلام من المعطلة وصالوا، وتوسعوا وسموه تأويلًا، وهو اصطلاح فاسد حادث لم يعهد به استعمال في اللغة (٣).
ومن أمثلة تحريف المعنى:
كقول المعطلة في معنى استوى: استولى في قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥].
وفي معنى اليد في قوله تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤] النعمة والقدرة.
وفي معنى المجيء في قوله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] وجاء أمر ربك.
وقد ذكر الله التحريف وذمه حيث ذكره، وهو مأخوذ في الأصل عن اليهود، فهم الراسخون فيه، وهم شيوخ المحرفين وسلفهم، فإنهم حرفوا كثيرًا من ألفاظ التوراة، وما غلبوا عن تحريف لفظه حرفوا معناه؛ ولهذا وصفوا بالتحريف في القرآن دون غيرهم من الأمم.
وقد درج على آثارهم الرافضة؛ فهم أشبه بهم من القذة بالقذة، وكذلك الجهمية؛ فإنهم سلكوا في تحريف النصوص مسالك إخوانهم في اليهود (٤).
وأصحاب تحريف الألفاظ شر من أصحاب تحريف المعنى من وجه.
وأصحاب تحريف المعنى شر من أصحاب تحريف اللفظ من وجه.
فأصحاب تحريف اللفظ عدلوا باللفظ والمعنى جميعًا عما هما عليه، فأفسدوا اللفظ والمعنى، بينما أصحاب تحريف المعنى أفسدوا المعنى وتركوا اللفظ على حاله فكانوا خيرًا من أولئك من هذا الوجه.
فأصحاب تحريف اللفظ لما أرادوا المعنى الباطل حرفوا له لفظًا يصلح له لئلا يتنافر اللفظ والمعنى، بحيث إذا أطلق ذلك اللفظ المحرف فهم منه المعنى المحرف، فإنهم رأوا أن العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته مع بقاء اللفظ على حاله مما لا سبيل إليه، فبدأوا بتحريف اللفظ ليستقيم لهم حكمهم على المعنى الذي قصدوا (٥).
وأما كون أصحاب تحريف المعنى شرًا من أصحاب تحريف اللفظ من وجه؛ فلأن تحريف المعنى هو الأكثر استعمالًا عند أصحاب التحريف؛ ولأنه أسهل رواجًا وسوقًا عند الجهلة والعوام من الناس، فيفتتن به من ليس لديه زاد من العلم الصحيح المعتمد على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة. معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات لمحمد بن خليفة التميمي– ص: ٥٩
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢١٨).
(٢) «الصواعق المنزلة» (١/ ٢٠١).
(٣) «مختصر الصواعق» (٢/ ١٤٧).
(٤) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢١٥ - ٢١٦).
(٥) «مختصر الصواعق» (٢/ ١٤٧، ١٤٨).
[ ٢ / ٤٦٢ ]
المطلب الثالث: الفرق بين التحريف والتأويل
لما كان الإيمان بخبر الله ورسوله أصل هذا الدين، لم يسع أحدًا من أهل البدع المنتسبين إلى الملة رد ألفاظ النصوص الثابتة المتواترة من كتاب وسنة مما يخالف أصل بدعتهم، لكنهم سلكوا مسلكًا آخر وهو رد معانيها الثابتة الصحيحة التي فهمها سلف هذه الأمة عن الله ورسوله ﷺ، واستبدالها بمعان محدثة ابتكروها لتوافق بدعتهم. وهذه حقيقة التحريف. إلا أنهم تلطيفًا لبشاعة مسلكهم هذا سموه بغير اسمه، وزعموا أنه (تأويل) لا (تحريف)، حتى شاع هذا المصطلح وذاع في المتأخرين، وعد من طريقة أهل السنة والجماعة، ووصف ب (العلم) و(الحكمة) حتى قيل: (طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم).
لكن التواضع على الخطأ لا يقلب الباطل حقًا، ولا يغير حقائق الأشياء لا سيما ما كان صادرًا عن معصوم. قال شيخ الإسلام – ﵀ -: (الأقوال نوعان:
- أقوال ثابتة عن الأنبياء فهي معصومة؛ يجب أن يكون معناها حقًا، عرفه من عرفه، وجهله من جهله، والبحث عنها إنما هو عما أرادته الأنبياء، فمن كان مقصوده معرفة مرادهم من الوجه الذي يعرف مرادهم فقد سلك طريق الهدى، ومن قصد أن يجعل ما قالوه تبعًا له؛ فإن وافقه قبله وإلا رده وتكلف له من التحريف ما يسميه تأويلًا، مع أنه يعلم بالضرورة أن كثيرًا من ذلك أو أكثره لم ترده الأنبياء، فهو محرف للكلم عن مواضعه، لا طالب لمعرفة التأويل الذي يعرفه الراسخون في العلم.
- النوع الثاني: ما ليس منقولًا عن الأنبياء، فمن سواهم، ليس معصومًا، فلا يقبل كلامه ولا يرد إلا بعد تصور مراده، ومعرفة صلاحه من فساده). (١).
وعليه، فلا يسلم لهم تسمية (تحريفهم) (تأويلًا) بإطلاق. وسبب ذلك (أن لفظ التأويل قد صار بتعدد الاصطلاحات مستعملًا في ثلاثة معان:
أحدهما: وهو اصطلاح كثير من المتأخرين المتكلمين في الفقه وأصوله أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به. وهذا هو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص الصفات وترك تأويلها، وهل هذا محمود أم مذموم، وحق أو باطل؟
الثاني: أن التأويل بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح مفسري القرآن، كما يقول ابن جرير وأمثاله من المصنفين في التفسير: (واختلف علماء التأويل) (٢).
الثالث: من معاني التأويل: هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، كما قال تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف: ٥٣]، فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله تعالى به فيه، مما يكون من القيامة، والحساب، والجزاء، والجنة، والنار، ونحو ذلك، كما قال في قصة يوسف لما سجد أبواه وإخوته: وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ [يوسف: ١٠٠]. فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا) (٣).
فلما كان لفظ (التأويل) تتنازعه هذه المعاني، وإنما أراد مدعوه المعنى الأول منها فقط، كما أن ذلك المعنى قد يكون صحيحًا وقد يكون فاسدًا بحسب صحة الدليل الصارف أو فساده لم يجز أن يسمى صنيعهم ذلك تأويلًا، وقد قام على شبهة فاسدة، فإطلاق القول يوقع في الوهم.
ولهذا فإن السلف – ﵏ – لم يمنعوا التأويل مطلقًا، وإنما منعوا التحريف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بيان ذلك: (.. كان الأئمة كالإمام أحمد وغيره ينكرون على الجهمية وأمثالهم – من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه – تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على غير تأويله، كما قال أحمد في كتابه الذي صنفه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله. وإنما ذمهم لكونهم تأولوه على غير تأويله وذكر في ذلك ما يشتبه عليهم معناه، وإن كان لا يشتبه على غيرهم وذمهم على أنهم تأولوه على غير تأويله، ولم ينف مطلق لفظ (التأويل) كما تقدم من أن لفظ التأويل يراد به التفسير المبين لمراد الله به؛ فذلك لا يعاب بل يحمد، ويراد بالتأويل الحقيقة التي استأثر الله بعلمها، فذاك لا يعلمه إلا هو. .
وأما التأويل المذموم والباطل: فهو تأويل أهل التحريف والبدع، الذين يتأولونه على غير تأويله، ويدعون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله، بغير دليل يوجب ذلك) (٤). مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص ١١٦
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٤/ ١٩١).
(٢) انظر: «تفسير الطبري» (١/ ٢٣٧)، و«تفسير الماوردي» (١/ ١٠١) بلفظ: «اختلف أهل التأويل»، و«تفسير القرطبي» (١/ ٢٧٨)، و«تفسير ابن عادل» (ص: ١٢٧).
(٣) «التدمرية» (٨٩ - ٩٧)، وانظر الصواعق المرسلة ١/ ١٧٥ - ١٨٠
(٤) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٦٦ - ٦٧).
[ ٢ / ٤٦٣ ]
المطلب الرابع: أهل التحريف أصل شبهتهم والرد عليهم
يتذرع بالتحريف كل معطل تجبهه صراحة النصوص في الإثبات، سواء كان من أهل التعطيل الكلي كالجهمية والمعتزلة، أو كان من أهل التعطيل الجزئي كالمتكلمين من الأشاعرة، والماتريدية، والكلابية، وغيرهم من نظار المثبتة.
وقد نبه شيخ الإسلام ﵀ إلى اتفاق منابع التأويل، وأن ما يتأوله أصحاب التعطيل الجزئي إنما تلقفوه عمن سبقهم من أصحاب التعطيل المحض، فقال: (وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب التأويلات، وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه: (تأسيس التقديس)، ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء، مثل أبي علي الجبائي، وعبد الجبار بن أحمد الهمذاني، وأبي الحسن البصري، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي حامد الغزالي وغيرهم – هي بعينها تأويلات بشر المريسي التي ذكرها في كتابه، وإن كان يوجد في كلام بعض هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضًا. ولهم كلام حسن في أشياء) (١).
ومن هذا النص يتبين أن من وقع في التأويل المذموم على ضربين:
١ - من اتخذه منهجًا ثابتًا، وقاعدة مطردة يعامل بها النصوص، كبشر المريسي، والنفاة نفيًا مطلقًا.
٢ - من اضطرب قوله في ذلك ولم يسر على قاعدة مطردة، بل وقع له تأويل، ورد تأويل، وهو حال كثير من (الصفاتية) من الأشاعرة وغيرهم.
ولكنهم يتفقون – كل فيما رده - في تبرير تأويلاتهم بعلة عليلة تحمل علامات بطلانها في ثناياها (فيقولون: إن النصوص الواردة في الصفات لم يقصد بها الرسول ﷺ أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني، ولم يبين لهم تلك المعاني، ولا دلهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها. ومقصوده امتحانهم، وتكليفهم، وإتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله، ومقتضاه، ويعرف الحق من غير جهته، وهذا قول المتكلمة، والجهمية، والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك).
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه كثيرة أبرزها:
١ - أن هذا المسلك قائم على أن أسماء الله وصفاته مجاز لا حقيقة، (ولو كانت أسماء الله وصفاته مجازًا يصح نفيها عند الإطلاق لكان يجوز أن الله ليس بحي، ولا عليم، ولا قدير، ولا سميع، ولا بصير، ولا يحبهم، ولا يحبونه، ولا استوى على العرش، ونحو ذلك. ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاق النفي على ما أثبته الله تعالى من الأسماء الحسنى والصفات. بل هذا جحد للخالق وتمثيل له بالمعدومات. وهم مقرون أن علامة المجاز صحة نفيه عند الإطلاق.
٢ - أن المعاني التي ادعاها أهل التأويل المذموم معان مجازية باعترافهم وليست هي المعاني التي دلت عليها ظواهر الألفاظ، (فصرفها عن ظاهرها اللائق بجلال الله سبحانه، وحقيقتها المفهومة منها: إلى باطن يخالف الظاهر، ومجاز ينافي الحقيقة، لا بد فيه من أربعة أشياء:
أحدها: أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازي؛ لأن الكتاب والسنة وكلام السلف جاء باللسان العربي، ولا يجوز أن يراد بشيء منه خلاف لسان العرب، أو خلاف الألسنة كلها، فلابد أن يكون ذلك المعنى المجازي ما يراد به اللفظ، وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأي معنى سنح له وإن لم يكن له أصل في اللغة.
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٢٣).
[ ٢ / ٤٦٤ ]
الثاني: أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، وإلا فإذا كان يستعمل في معنى بطريق الحقيقة، وفي معنى بطريق المجاز، لم يجز حمله على المجازي بغير دليل يوجب الصرف بإجماع العقلاء، ثم إن ادعى وجوب صرفه عن الحقيقة فلا بد له من دليل قاطع عقلي أو سمعي يوجب الصرف. وإن ادعى ظهور صرفه عن الحقيقة فلا بد من دليل مرجح للحمل على المجاز.
الثالث: أنه لابد من أن يسلم ذلك الدليل – الصارف – عن معارض؛ وإلا فإذا قام دليل قرآني أو إيماني يبين أن الحقيقة مراده امتنع تركها، ثم إن كان هذا الدليل نصا قاطعا لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرا فلا بد من الترجيح.
الرابع: أن الرسول ﷺ إذا تكلم بكلام وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته فلابد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته، وأنه أراد مجازه، سواء عينه أولم يعينه، لا سيما في الخطاب العلمي الذي أريد منهم فيه الاعتقاد، والعلم، دون عمل الجوارح، فإنه – ﷾ – جعل القرآن نورًا وهدى وبيانًا للناس وشفاء لما في الصدور، وأرسل الرسل ليبين للناس ما نزل إليهم، وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. ثم هذا الرسول الأمي العربي بعث بأفصح اللغات، وأبين الألسنة والعبارات، ثم الأمة الذين أخذوا عنه كانوا أعمق الناس علمًا، وأنصحهم للأمة، وأبينهم للسنة، فلا يجوز أن يتكلم هو وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهره، إلا وقد نصب دليلًا يمنع من حمله على ظاهره؛ إما أن يكون عقليًا ظاهرًا، مثل قوله: إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣].، فإن كل أحد يعلم بعقله أن المراد أوتيت من جنس ما يؤتاه مثلها، وكذلك: خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: ١٠٢]. يعلم المستمع أن الخالق لا يدخل في هذا العموم. أو سمعيًا ظاهرًا، مثل الدلالات في الكتاب والسنة التي تصرف بعض الظواهر. ولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفي لا يستنبطه إلا أفراد الناس، سواء كان سمعيًا أو عقليًا؛ لأنه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى وأعاده مرات كثيرة؛ وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكي والبليد، والفقيه وغير الفقيه، وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه، ويتفكروا فيه، ويعتقدوا موجبه، ثم أوجب أن لا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئًا من ظاهره، كان هذا تدليسًا وتلبيسًا، وكان نقيض البيان وضد الهدى، وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان. فكيف إذا كانت دلالة ذلك الخطاب على ظاهره أقوى بدرجات كثيرة من دلالة ذلك الدليل الخفي على أن الظاهر غير مراد؟! أم كيف إذا كان ذلك الخفي شبهة ليس لها حقيقة؟!) (١).
٣ - أن مسلكهم هذا في تحريف نصوص الصفات، يوقعهم في التناقض والاضطراب والتفريق بين المتماثلات، وذلك أن هؤلاء المتكلمين مقرون بنصوص الغيب الأخرى من الإيمان باليوم الآخر وأنها حق على حقيقتها، بخلاف الملاحدة الباطنية الذين طردوا القول في الأمرين؛ نصوص الصفات ونصوص المعاد، وأنهما مجاز وتخييل لا تراد حقيقته، وإنما قصد به انتفاع العامة بحملهم على الطاعة والسلوك القويم خوفًا من تخييلات لا حقيقة لها. فصاروا هدفًا لهؤلاء الملاحدة من جهة النفي، ولأهل السنة من جهة الإثبات بسبب اضطراب طريقتهم وتناقضها.
_________________
(١) «مجموع فتاوى شيخ الإسلام» (٦/ ٣٦٠ - ٣٦٢). وانظر: «الوظائف الواجبة عل المتأول الذي لا يقبل منه تأويله إلا بها - في الصواعق المرسلة» (١/ ٢٨٨ - ٢٩٥).
[ ٢ / ٤٦٥ ]
قال شيخ الإسلام ﵀ في تصوير حال هؤلاء المحرفين: (أنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة وهم - في الحقيقة – لا للإسلام نصروا، ولا للفلاسفة كسروا؛ لكن أولئك الملاحدة ألزموهم في النصوص – نصوص المعاد – نظير ما ادعوه في نصوص الصفات، فقالوا لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان، وقد علمنا فساد الشبهة المانعة.
وأهل السنة يقولون لهم: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات. ونصوص الصفات في الكتب الإلهية: أكثر وأعظم من نصوص المعاد. ويقولون لهم: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول، وناظروه عليه؛ بخلاف الصفات فإنه لم ينكر شيئًا منها أحد من العرب.
فعلم إن إقرار العقول بالصفات، أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به؟!) (١).
وكما أن هذا التناقض لازم لكل محرف سواء كان تحريفه كليًا أو جزئيًا، فإن أصحاب التحريف الجزئي من المتكلمين كالكلابية والأشاعرة يلزمهم لازم أخص وهو أن: (القول في بعض الصفات كالقول في بعض. فإن كان المخاطب ممن يقر بأن الله حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازًا، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات. قيل له: لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين، فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل، وإن قلت: له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به، قيل لك: وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق به) (٢). وحسبك بالتناقض والاضطراب دليلًا على فساد المنهج (٣). مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص ١١٩
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٣٣).
(٢) «التدمرية، ابن تيمية» (٣١ - ٣٢).
(٣) يراجع في إبطال مذهب أهل التأويل كتاب: «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» فقد توسع مؤلفه ﵀ في سرد أوجه بطلانه بما لم يجتمع في غيره.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
المبحث الرابع: التفويض في نصوص الصفات
• المطلب الأول: أركان التفويض.
• المطلب الثاني: أنواع التفويض.
• المطلب الثالث: دعوى أن التفويض هو الطريق الأسلم.
• المطلب الرابع: شبهات المفوضة.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
المطلب الأول: أركان التفويض
التفويض ينبني على ركنين:
الأول: اعتقاد أن ظواهر نصوص الصفات السمعية يقتضي التشبيه، حيث لا يعقل لها معنى معلوم إلا ما هو معهود في الأذهان من صفات المخلوقين. وبالتالي فإنه يتعين نفيه ومنعه. وهذه مقدمة مشتركة بين مذهب التفويض والتأويل.
الثاني: أن المعاني المرادة من هذه النصوص مجهولة للخلق، لا سبيل للعلم بها، بل هي مما استأثر الله بعلمه، ولا يمكن تعيين المراد بها لعدم ورود النص التوقيفي بذلك. وهنا يفترق مذهب التفويض مع مذهب التأويل الذي يجوز الاجتهاد في تعيين معان مجازية للصفات السمعية.
فصارت نتيجة مذهب التفويض هي الجهل المطبق بمعاني النصوص، ولذا سماهم أهل السنة (أهل التجهيل)، فقال ابن القيم في أقسام الناس في نصوص الوحي: (والصنف الثالث: أصحاب التجهيل: الذين قالوا: نصوص الصفات ألفاظ لا تعقل معانيها، ولا ندري ما أراد الله ورسوله منها. ولكن نقرأها ألفاظًا لا معاني لها، ونعلم أن لها تأويلًا لا يعلمه إلا الله. وهي عندنا بمنزلة كهيعص [مريم: ١] حم عسق [الشورى: ١ - ٢] المص [الأعراف: ١]. فلو ورد علينا منها ما ورد لم نعتقد فيه تمثيلًا ولا تشبيهًا، ولم نعرف معناه. وننكر على من تأوله، ونكل علمه إلى الله) (١)، وسماهم مرة: (اللاأدرية) (الذين يقولون: لا ندري معاني هذه الألفاظ، ولا ما أريد منها، ولا ما دلت عليه، وهؤلاء ينسبون طريقتهم إلى السلف) (٢). مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي - ص ١٥٥
_________________
(١) «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» (٢/ ٤٢٢).
(٢) «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» (٣/ ٩٢٠).
[ ٢ / ٤٦٨ ]
المطلب الثاني: أنواع التفويض
نبه شيخ الإسلام ﵀ إلى لونين من التفويض فقال: (وهؤلاء أهل التضليل والتجهيل الذين حقيقة قولهم: إن الأنبياء وأتباع الأنبياء جاهلون ضالون، لا يعرفون ما أراد الله بما وصف به نفسه من الآيات وأقوال الأنبياء.
ثم هؤلاء منهم من يقول: المراد بها خلاف مدلولها الظاهر والمفهوم. ولا يعرف أحد من الأنبياء، والملائكة، والصحابة، والعلماء ما أراد الله بها، كما لا يعلمون وقت الساعة.
ومنهم من يقول: بل تجري على ظاهرها، وتحمل على ظاهرها، ومع هذا فلا يعلم تأويلها إلا الله. فيتناقضون حيث أثبتوا لها تأويلًا يخالف ظاهرها، وقالوا – مع هذا – إنها تحمل على ظاهرها. وهذا ما أنكره ابن عقيل على شيخه القاضي أبي يعلى في كتاب (ذم التأويل» (١).
وكلا اللونين تفويض للعلم بالمعنى، والفرق بينهما أن الأولين يعتقدون بأن ظواهر النصوص مقتضية للتشبيه، فيبادرون بنفيها، ويحيلون على معنى مجهول لا يعلمه إلا الله. والآخرين يعتقدون بأن الظواهر لا تقتضي التشبيه، ويحكمون بوجوب إجرائها على ظواهرها، لكن دون أن يبينوا المعنى الواجب فهمه من تلك الظواهر، بل يحيلون إلى معنى مجهول لا يعلمه إلا الله. وهذا وجه تناقضهم.
ويفسر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقوع هذين الاتجاهين من التفويض لبعض الأفاضل فيقول في ذكر أنواع النفاة: (ونوع ثالث: سمعوا الأحاديث والآثار، وعظموا مذهب السلف، وشاركوا المتكلمين الجهمية في بعض أصولهم الباقية، ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن والحديث والآثار ما لأئمة السنة والحديث، لا من جهة المعرفة والتمييز بين صحيحها وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها، وقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأوا ما بينهما من التعارض. وهذا حال أبي بكر بن فورك، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل وأمثالهم.
ولهذا كان هؤلاء تارة يختارون طريقة أهل التأويل، كما فعله ابن فورك وأمثاله في الكلام على مشكل الآثار.
وتارة يفوضون معانيها، ويقولون: تجري على ظواهرها، كما فعله القاضي أبو يعلى وأمثاله في ذلك. وتارة يختلف اجتهادهم، فيرجحون هذا تارة وهذا تارة كحال ابن عقيل وأمثاله) (٢)
نسبة التفويض إلى السلف:
من الأخطاء الفاحشة في تاريخ العقيدة الإسلامية نسبة القول بالتفويض إلى مذهب السلف الصالح، وتوارث هذه الفكرة الخاطئة جيلًا بعد جيل، إلى وقتنا الحاضر حتى صارت لدى كثير من الناس من المسلمات التي لا يتطرق إليها الجدل والمقدمات التي ترتب عليها النتائج. مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص ١٥٦
_________________
(١) «درء تعارض العقل والنقل» (١/ ١٥ - ١٦).
(٢) «درء تعارض العقل والنقل» (٧/ ٣٤ - ٣٥).
[ ٢ / ٤٦٩ ]
المطلب الثالث: دعوى أن التفويض هو الطريق الأسلم
درج المفوضة والمتكلمة من الأشاعرة على وصف مذهب التفويض بـ (السلامة) مبررين بذلك – حسب فهمهم الخاطئ – اختيار السلف لهذا السبيل لكونهم أقرب إلى الورع والاحتياط في الدين. وانساق كثير من الناس وراء هذا التبرير الذي يظهر منه – بادئ الرأي – إجلال السلف، وإضفاء مسحة الورع عليهم بتعظيمهم لجانب الرب، وعدم الخوض في هذه المزالق.
وصار بعض من ينتحل السلف ومذهبهم يلوح بهذه اللافتة (السلامة) للترويج لمذهب التجهيل. ولما كانت (السلامة) كلمة مقابلة لكلمة (الهلاك) أو حتى كلمة (المخاطرة) فقد استمالت النفوس والقلوب طلبًا للحذر من الوقيعة في مقام دحض مزلة.
فاجتمع في دعوى التفويض المزعومة أمران حبيبان إلى النفوس:
- نسبته إلى السلف
- تضمنه للسلامة المنافية للخطر والهلكة.
ولذلك قيل: (مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم).
وقد تتابع المتأخرون على ترديد هذه المقالة بلفظها أو مضمونها
- قول بدر الدين بن جماعة: ت ٧٢٧هـ: (وقد رجح قوم من الأكابر الأعلام قول السلف لأنه أسلم، وقوم منهم قول أهل التأويل للحاجة إليه) (١).
- وقال سعد الدين التفتازاني (ت٧٩٣هـ) بعد ذكر نصوص الصفات: (إنها ظنيات سمعية في معارضة قطعيات عقلية، فيقطع بأنها ليست على ظواهرها، ويفوض العلم بمعانيها إلى الله – تعالى -، مع اعتقاد حقيقتها، جريًا على الطريق الأسلم الموافق للوقف على (إلا الله) في قوله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ، أو تأول تأويلات مناسبة موافقة لما دلت عليه الأدلة العقلية على ما ذكر في كتب التفسير، وشروح الحديث سلوكًا للطريق الأحكم، الموافق للعطف في (إلا الله، والراسخون في العلم» (٢).
- قول أحمد الدردير (ت ١٢٠١هـ: (وأجاب أئمتنا، سلفهم، بأن الله تعالى منزه عن صفات الحوادث، مع تفويض معاني هذه النصوص إليه تعالى إيثارًا للطريق الأسلم: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ، وخلفهم، بتعيين محامل صحيحة إبطالًا لمذهب الضالين، وإرشادًا للقاصدين .. نظرًا إلى الطريق الأحكم، وذهابًا إلى أن الوقف في الآية: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ. ومن ثم قيل: إن طريق السلف أسلم، وطريق الخلف أعلم) (٣).
ومثل هذا في كتب المتأخرين كثير. وسبب ذلك كما يبين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة، التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين؛ فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر، وكان مع ذلك لا بد للنصوص من معنى، بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى – وهي التي يسمونها طريقة السلف – وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف – وهي التي يسمونها طريقة الخلف – فصار هذا الباطل مركبًا من فساد العقل والكفر بالسمع .. الخ) (٤).
نقض شبهتهم:
بعد هذا العرض والاستذكار لدعوى المفوضة، والمسوغين للتفويض بأن التفويض أسلم، ننقض هذه الدعوى بما يلي:
أولًا: أن هذه (السلامة) المزعومة سلامة في مقابلة (العلم) و(الحكمة). فنصيب السلف: (السلامة) دون (العلم) و(الحكمة)، ونصيب الخلف (العلم) و(الحكمة) دون (السلامة)، وتلك قسمة ضيزى، وتحكم بلا دليل. فهذه الأمور الثلاثة متلازمة، لا يتصور انفكاكها. فإقرارهم بأن السلف لا يتميزون بالعلم والحكمة لعدم تعيينهم المراد من النصوص يتسلزم نفي السلامة عن طريقتهم. والأمر خلاف ذلك، بل على النقيض تمامًا.
_________________
(١) «إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل» (ص: ٩٣).
(٢) «شرح المقاصد» (٤/ ٥٠).
(٣) «شرح الخريدة البهية» (ص: ٤٢ - ٤٣).
(٤) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٩ - ١٠).
[ ٢ / ٤٧٠ ]
قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين في بيان بطلان هذا الزعم: (.. إن كون طريقة السلف أسلم من لوازم كونها أعلم وأحكم، إذ لا سلامة إلا بالعلم والحكمة. العلم بأسباب السلامة، والحكمة في سلوك تلك الأسباب، وبهذا يتبين أن طريق السلف (أسلم، وأعلم، وأحكم) (١).
والسلامة التي يمكن إثباتها في مذهب أهل التفويض هي السلامة من التحريف الذي تقوله المتكلمون على الله بغير علم، بصرف معاني النصوص إلى استعمالات مجازية. ولا ريب أن هذا لون من السلامة، لكن قابله الوقوع في هلكة التجهيل، بتفريغ تلك النصوص من أي معنى يفهمه السامع، فكانوا كما قيل:
المستجير بعمرو حال كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار
ثانيًا: أن هذه (السلامة) المدعاة، المبنية على الجهل، لن تصل بأصحابها إلى شاطئ الأمان، وبر الطمأنينة إلا من ابتلي بالإعراض والصدود ولم يشتغل قلبه بمعالي الأمور. أما النفوس الزكية، والقلوب الحية فلا يمكن أن تحال على مجهولات، وطلاسم، ومعميات ثم تركن إليها. (لأنه لا يمكن لأي قلب فيه حياة ووعي وطلب للعلم ونهمة في العبادة إلا أن يكون أكبر همه هو البحث في الإيمان بالله تعالى، ومعرفته بأسمائه وصفاته، وتحقيق ذلك علمًا واعتقادًا) (٢). وبالتالي يظل معتنق التفويض يعيش في حيرة، واضطراب، وتناقض، وحسبه بذلك بعدًا عن السلامة المزعومة. مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي -بتصرف – ص ٤٣٩
_________________
(١) «فتح رب البرية بتلخيص الحموية» (ص: ١٩).
(٢) «تلخيص الحموية» (ص: ٨).
[ ٢ / ٤٧١ ]
المطلب الرابع: شبهات المفوضة
المسألة الأولى: المراد بالمحكم والمتشابه
اختلفت عبارات المفسرين في تعريف المحكم والمتشابه من الآيات، حتى قال الإمام الخطابي ﵀ عن آية آل عمران: (هذه الآية مشكلة جدًا وأقاويل المتأولين فيها مختلفة) (١). ونكتفي بعرض ما أورده إمام المفسرين ابن جرير الطبري ﵀ مختصرًا عند ذكر هذه الآية: (فأما المحكمات فإنهن اللواتي قد أحكمن بالبيان والتفصيل، وأثبتت حججهن وأدلتهن على ما جعلن أدلة عليه، من حلال وحرام، ووعد ووعيد، وثواب وعقاب، وأمر وزجر، وخبر ومثل، وعظة وعبر، وما أشبه ذلك.
ثم وصف جل ثناؤه هؤلاء الآيات المحكمات بأنهن هن أم الكتاب، يعني بذلك أنهن أصل الكتاب الذي فيه عماد الدين، والفرائض والحدود، وسائر ما بالخلق إليه الحاجة من أمر دينهم، وما كلفوا من الفرائض في عاجلهم وآجلهم، وإنما سماهن أم الكتاب لأنهن معظم الكتاب، وموضع مفزع أهله عند الحاجة إليه.
وأما قوله (متشابهات) فإن معناه متشابهات في التلاوة، مختلفات في المعنى، كما قال جل ثناؤه: وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهًا [البقرة: ٢٥]، يعني في المنظر، مختلفًا في المطعم.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ، وما المحكم من آي الكتاب؟ وما المتشابه منه؟
- فقال بعضهم: المحكمات من آي القرآن: المعمول بهن وهن الناسخات، أو المثبتات الأحكام. والمتشابهات من آية: المتروك العمل بهن، المنسوخات.
- وقال آخرون: المحكمات من آي الكتاب: ما أحكم الله فيه بيان حلاله وحرامه، والمتشابه منها: ما أشبه بعضه بعضًا في المعاني، وإن اختلفت ألفاظه.
- وقال آخرون: المحكمات من آي الكتاب: ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد، والمتشابه منه: ما احتمل من التأويل أوجهًا.
- وقال آخرون: معنى المحكم: ما أحكم الله فيه من آي القرآن، وقصص الأنبياء ورسلهم الذين أرسلوا إليهم، ففصله بيان ذلك لمحمد وأمته. والمتشابه: هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور، فقصة باتفاق الألفاظ واختلاف المعاني، وقصة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني.
وقال آخرون: بل المحكم من آي القرآن: ما عرف العلماء تأويله، وفهموا معناه وتفسيره، والمتشابه: ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، وذلك نحو الخبر عن وقت مخرج عيسى ابن مريم ووقت طلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدنيا، وما أشبه ذلك، فإن ذلك لا يعلمه أحد ..) (٢).
فهذه خمسة أقوال مأثورة عن السلف في بيان المحكم والمتشابه. فصار الكلام في الإحكام والتشابه يدور حول خمسة متعلقات:
١ - النسخ.
٢ - الحلال والحرام.
٣ - احتمال المعاني.
٤ - القصص والأخبار.
٥ - حقائق المعاني الغيبية.
وقبل أن نبين وجه الإحكام والتشابه في هذه الأمور، نتعرف على معنى (الإحكام)، و(التشابه) من حيث هما، ومن حيث استعمالهما في القرآن الكريم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (.. إن الله وصف القرآن كله بأنه محكم وبأنه متشابه. وفي موضع آخر جعل منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه. فينبغي أن يعرف الإحكام والتشابه الذي يعمه، والإحكام والتشابه الذي يخص بعضه. قال تعالى: الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [هود: ١]، فأخبر أنه أحكم آياته كلها. وقال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ [الزمر: ٢٣]، فأخبر أنه كله متشابه.
_________________
(١) «أعلام الحديث» (٣/ ١٨٢٤).
(٢) «جامع البيان عن تأويل آي القرآن» (٣/ ١٧٠ - ١٧٥).
[ ٢ / ٤٧٢ ]
والحكم هو الفصل بين الشيئين، والحاكم يفصل بين الخصمين، والحكمة فصل بين المشتبهات علمًا وعملًا، إذا ميز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والنافع والضار. وذلك يتضمن فعل النافع وترك الضار، فيقال: حكمت السفيه، وأحكمته إذا أخذت على يديه، وحكمت الدابة وأحكمتها إذا جعلت لها حكمة، وهو ما أحاط الحنك من اللجام، وإحكام الشيء إتقانه. فإحكام الكلام: إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، وتمييز الرشد من الغي في أوامره.
والقرآن كله محكم بمعنى الإتقان، فقد سماه الله حكيمًا بقوله: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس: ١].
وأما التشابه الذي يعمه فهو ضد الاختلاف المنفي عنه في قوله: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]، وهو الاختلاف المذكور في قوله: إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [الذاريات: ٨ - ٩] فالتشابه هنا هو تماثل الكلام وتناسبه، بحيث يصدق بعضه بعضًا.
وهذا التشابه العام لا ينافي الإحكام، بل هو مصدق له. فإن الكلام المحكم المتقن يصدق بعضه بعضه، لا يناقض بعضه بعضًا. بخلاف الإحكام الخاص، فإنه ضد التشابه الخاص. فالتشابه الخاص هو مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو أو هو مثله، وليس كذلك.
والإحكام هو الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر. وهذا التشابه إنما يكون لقدر مشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما.
ثم من الناس من لا يهتدي للفصل بينهما، فيكون مشتبهًا عليه، ومنهم من يهتدي إلى ذلك، فالتشابه الذي لا تمييز معه قد يكون من الأمور النسبية الإضافية. بحيث يشتبه على بعض الناس دون بعض. ومثل هذا يعرف منه أهل العلم ما يزيل عنهم هذا الاشتباه، كما إذا اشتبه على بعض الناس ما وعدوا به في الآخرة بما يشهدونه في الدنيا فظن أنه مثله، فعلم العلماء أنه ليس هو مثله، وإن كان مشبهًا له من بعض الوجوه) (١).
فتبين من هذا العرض أن (الإحكام) و(التشابه) المتعلقان بالقرآن أربعة أنواع:
١ - الإحكام العام: بمعنى الإتقان في أخباره وأحكامه.
٢ - التشابه العام: وهو تماثله وتناسبه وتصديق بعضه بعضًا.
٣ - التشابه الخاص: وهو مشابهة الشيء لغيره من وجه، ومخالفته له من وجه آخر.
٤ - الإحكام الخاص: الفصل بين الشيئين المشتبهين من وجه، المختلفين من وجه آخر.
فالأول والثاني متفقان، والثالث والرابع متضادان. مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص ٢٩٨
_________________
(١) «التدمرية» (ص: ١٠٢ - ١٠٦) باختصار.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
والمحكم الذي اتضح معناه وتبين، والمتشابه هو الذي يخفى معناه، فلا يعلمه الناس، وهذا إذا جمع بين المحكم والمتشابه، وأما إذا ذكر المحكم مفردًا دون المتشابه، فمعناه المتقن الذي ليس فيه خلل: لا كذب في أخباره، ولا جور في أحكامه، قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥]، وقد ذكر الله الإحكام في القرآن دون المتشابه، وذلك مثل قوله تعالى: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس: ١]، وقال تعالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [هود: ١] وإذا ذكر المتشابه دون المحكم صار المعنى أنه يشبه بعضه بعضًا في جودته وكماله، ويصدق بعضه بعضًا ولا يتناقض، قال تعالى اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ [الزمر: ٢٣]، والتشابه نوعان: تشابه نسبي، وتشابه مطلق والفرق بينهما: أن المطلق يخفى على كل أحد، والنسبي يخفى على أحد دون أحد، وبناء على هذا التقسيم ينبني الوقف في قوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧] فعلى الوقوف على (إلا الله) يكون المراد بالمتشابه المطلق، وعلى الوصل (إلا الله والراسخون في العلم) يكون المراد بالمتشابه المتشابه النسبي، وللسلف في ذلك قولان: القول الأول: الوقف على (إلا الله)، وعليه أكثر السلف، وعلى هذا، فالمراد بالمتشابه المتشابه المطلق الذي لا يعلمه إلا الله، وذلك مثل كيفية وحقائق صفات الله، وحقائق ما أخبر الله به من نعيم الجنة وعذاب النار، قال الله تعالى في نعيم الجنة: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧]، أي: لا تعلم حقائق ذلك، ولذلك قال ابن عباس: (ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء) (١) والقول الثاني: الوصل، فيقرأ: إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران:٧]، وعلى هذا، فالمراد بالمتشابه المتشابه النسبي، وهذا يعلمه الراسخون في العلم ويكون عند غيرهم متشابهًا، ولهذا يروى عن ابن عباس أنه قال: (أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله) ولم يقل هذا مدحًا لنفسه أو ثناء عليها، ولكن ليعلم الناس أنه ليس في كتاب الله شيء لا يعرف معناه، فالقرآن معانيه بينة، لكن بعض القرآن يشتبه على ناس دون آخرين حتى العلماء الراسخون في العلم يختلفون في معنى القرآن، وهذا يدل على أنه خفي على بعضهم، والصواب بلا شك مع أحدهم إذا كان اختلافهم اختلاف تضاد لا تنوع، أما إذا كانت الآية تحتمل المعنيين جميعًا بلا منافاة ولا مرجح لأحدهما، فإنها تحمل عليهما جميعًا وبعض أهل العلم يظنون أن في القرآن ما لا يمكن الوصول إلى معناه، فيكون من المتشابه المطلق، ويحملون آيات الصفات على ذلك، وهذا من الخطأ العظيم، إذ ليس من المعقول أن يقول الله تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص: ٢٩]، ثم تستثني الصفات وهي أعظم وأشرف موضوعًا وأكثر من آيات الإحكام، ولو قلنا بهذا القول، لكان مقتضاه أن أشرف ما في القرآن موضوعًا يكون خفيًا، ويكون معنى قوله تعالى: لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ، أي: آيات الإحكام فقط، وهذا غير معقول، بل جميع القرآن يفهم معناه، إذا لا يمكن أن تكون هذه الأمة من رسول الله ﷺ إلى آخرها لا تفهم معنى القرآن، وعلى رأيهم يكون الرسول ﷺ وأبو بكر وعمر وجميع الصحابة يقرؤون آيات الصفات وهم لا يفهمون معناها، بل هي عندهم بمنزلة الحروف الهجائية أ، ب، ت والصواب أنه ليس في القرآن شيء متشابه على جميع الناس من حيث المعنى، ولكن الخطأ في الفهم فقد يقصر الفهم عن إدراك المعنى أو يفهمه على معنى خطأ، وأما بالنسبة للحقائق، فما أخبر الله به من أمر الغيب، فمتشابه على جميع الناس القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ٢/ ٣٦٨
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١/ ٣٩٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٦٦)، وأبو نعيم في «صفة الجنة» (١١٩)، وابن حزم في «الفصل» (٢/ ٨٦)، والضياء في «الأحاديث المختارة» (٤/ ٧٧)، والبيهقي في «البعث والنشور» (٣٢٢). قال ابن حزم: هذا سند غاية في الصحة. وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٤٠٨): رواه البيهقي موقوفًا بإسناد جيد. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٥٤١٠): صحيح.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
المسألة الثانية: أقوال السلف في المحكم والمتشابه
بيان أقوال السلف المأثورة كما حكاها ابن جرير الطبري ﵀ بعد تحرير المراد بـ (المحكم) و(المتشابه).
أولًا – تعلقهما بالنسخ:
المنسوخ أمران:
(أ) إلقاء الشيطان المشار إليه في قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج: ٥٢].
(ب) النص الشرعي المتقدم، المرفوع حكمه بنص شرعي متأخر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (.. ولهذا قال طائفة من المفسرين المتقدمين: المحكم هو الناسخ، والمتشابه المنسوخ. أرادوا والله أعلم قوله: فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، والنسخ هنا: رفع ما ألقاه الشيطان، لا رفع ما شرعه الله، وقد أشرت إلى وجه ذلك فيما بعد وهو أن الله جعل المحكم مقابل المتشابه تارة، ومقابل المنسوخ أخرى، والمنسوخ يدخل فيه في اصطلاح السلف كل ظاهر ترك ظاهره لمعارض راجح، كتخصيص العام، وتقييد المطلق. فإن هذا متشابه لأنه يحتمل معنيين، ويدخل في المجمل، فإنه متشابه، وإحكامه رفع ما يتوهم فيه من المعنى الذي ليس بمراد، وكذلك ما رفع حكمه، فإن في ذلك جميعه نسخًا لما يلقيه الشيطان في معاني القرآن. ولهذا كانوا يقولون: هل عرفت الناسخ من المنسوخ؟ فإذا عرف الناسخ عرف المحكم. وعلى هذا فيصح أن يقال: المحكم والمنسوخ، كما يقال: المحكم والمتشابه) (١).
فهذا وجه النسخ بالإحكام والتشابه، فالنسخ لما يلقي الشيطان هو (الإحكام العام) الذي بمعنى الإتقان، المقتضي لنفي ما ليس منه عنه. والنسخ بتخصيص، أو تقييد، أو تفصيل لعام، أو مطلق، أو مجمل هو (الإحكام الخاص) المقتضي للفصل بين الشيئين المشتبهين من وجه، المختلفين من وجه آخر.
ثانيًا – تعلقهما بالحلال والحرام، وبالأخبار والقصص والأمثال:
الإحكام متعلق بالأمر والنهي، لأنه فعل أو ترك ليس إلا. والتشابه متعلق بالأخبار، والوعد، والوعيد، والقصص، لأنه اعتقاد يتصور فيه الزيغ والانحراف. قال شيخ الإسلام ﵀: (ولهذا في الآثار: (العمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه)، لأن المقصود في الخبر الإيمان، وذلك لأن المخبر به من الوعد والوعيد فيه من التشابه ما ذكرناه، بخلاف الأمر والنهي، ولهذا قال بعض العلماء: المتشابه: الأمثال، والوعد والوعيد، والمحكم الأمر والنهي، فإنه متميز غير مشتبه بغيره، فإنه أمور نفعلها قد علمناها بالوقوع، وأمور نتركها لا بد أن نتصورها) (٢).
وعبارة ابن جرير ﵀ في حكاية القول الرابع تدل على هذا المعنى، فإنه قال: (المحكم: ما أحكم الله فيه من آي القرآن، وقصص الأمم ورسلهم الذين أرسلوا إليهم، ففصله بيان ذلك لمحمد وأمته) (٣)، فهذا الفصل الذي بينه الله لمحمد وأمته هو (الإحكام الخاص) المزيل لـ (التشابه الخاص) الواقع في قصص الأمم ورسلهم. ثم قال: (والمتشابه: هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور، فقصة باتفاق الألفاظ واختلاف المعاني، وقصة باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني) (٤)، وذكر أثرًا طويلًا عن ابن زيد ﵀ قال في آخره: (من يرد الله به البلاء والضلالة يقول: ما شأن هذا لا يكون هكذا، وما شأن هذا لا يكون هكذا؟) (٥).
_________________
(١) «الإكليل في المتشابه والتأويل» (ص: ٥).
(٢) «الإكليل في المتشابه والتأويل» (ص: ١٣).
(٣) «جامع البيان» (٣/ ١٧٤).
(٤) «جامع البيان» (٣/ ١٧٤).
(٥) «جامع البيان» (٣/ ١٧٤).
[ ٢ / ٤٧٥ ]
فهذا هو (التشابه الخاص) الذي يعتري بعض الناس فيتبعونه.
ثالثًا – تعلقهما باحتمال النص للمعاني:
فالمحكم ما كان نصًا فاصلًا في معناه، لا يحتمل غيره، والمتشابه ما تجاذبته التأويلات المختلفة. قال شيخ الإسلام ﵀: (وتارة يكون الإحكام في التأويل والمعنى، وهو تمييز الحقيقة المقصودة من غيرها حتى لا تشتبه بغيرها. وفي مقابلة المحكمات: الآيات المتشابهات التي تشبه هذا وتشبه بغيرها. وفي مقابلة المحكمات: الآيات المتشابهات التي تشبه هذا وتشبه هذا فتكون محتملة للمعنيين) (١)
فهذه الاحتمالات للمعاني المتنافرة هي الموجبة للتشابه الخاص. وتمييز الحقيقة من غيرها هو الإحكام الخاص.
رابعًا – تعلقهما بحقائق المعاني الغيبية:
وهذا بيت القصيد فقد قال أصحاب هذا القول - فيما حكاه الطبري ﵀ -: (المحكم من آي القرآن: ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره. والمتشابه: ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه دون خلقه) (٢)، وهذا تمييز دقيق، وتفريق واضح بين الإحكام والتشابه في الأمور الغيبية. فتعلق الإحكام بها يكون من جهة التفسير بالمعنى اللغوي من حيث أصل الوضع. والتشابه يتعلق بها من حيث الحقائق والكيفيات التي هي عليها في نفس الأمر. قال شيخ الإسلام ﵀: (وهذا القدر الذي أخبر به القرآن من هذه الأمور لا يعلم وقته، وقدره، وصفته إلا الله، فإن الله يقول: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧]، ويقول: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» (٣). وقال ابن عباس: (ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء) (٤)، فإن الله قد أخبر أن في الجنة خمرًا، ولبنًا، وماء، وحريرا، ً وفضة وغير ذلك، ونحن نعلم قطعًا أن تلك الحقيقة ليست مماثلة لهذه، بل بينهما تباين عظيم مع التشابه كما في قوله: وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهًا [البقرة: ٢٥] على أحد القولين أنه يشبه ما في الدنيا وليس مثله. فأشبه اسم تلك الحقائق أسماء هذه الحقائق، كما أشبهت الحقائق الحقائق من بعض الوجوه. فنحن نعلمها إذ خوطبنا بتلك الأسماء من جهة القدر المشترك بينهما، ولكن لتلك الحقائق خاصية لا ندركها في الدنيا، ولا سبيل إلى إدراكنا لها لعدم إدراك عينها أو نظيرها من كل وجه) (٥).
_________________
(١) «الإكليل في المتشابه والتأويل» (ص: ٧).
(٢) «جامع البيان» (٣/ ١٧٤).
(٣) رواه البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) رواه الطبري في تفسيره (١/ ٣٩٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٦٦)، وأبو نعيم في «صفة الجنة» (١١٩)، وابن حزم في «الفصل» (٢/ ٨٦)، والضياء في «الأحاديث المختارة» (٤/ ٧٧)، والبيهقي في «البعث والنشور» (٣٢٢). قال ابن حزم: هذا سند غاية في الصحة. وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٤٠٨): رواه البيهقي موقوفًا بإسناد جيد. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٥٤١٠): صحيح.
(٥) «الإكليل في المتشابه والتأويل» ص (١٠ - ١١).
[ ٢ / ٤٧٦ ]
وبهذا البيان الجلي يتبين متعلق الإحكام ومتعلق التشابه في نصوص الصفات أيضًا. فإن الإحكام فيها راجع إلى معرفة معانيها، وفهم مرادها، وثمرة ذلك التدبر والتفكر المحقق للعبودية الخالصة للرب سبحانه اعتقادًا وعملًا. والتشابه فيها راجع إلى استحالة إدراك كيفياتها وهيئاتها على ما هي عليه في الواقع. ولهذا جمع الله بين الأمرين في قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: ١١]. فالسمع من حيث القدر المشترك في الأذهان: إدراك الأصوات، والبصر: إدراك المرئيات. لكنهما في حق الباري ﷾ على صفة لا تبلغها الأوهام ولا تدركها العقول. فالإحكام تناول هاتين الصفتين من حيث التفسير والمعنى العام، والتشابه تناولهما من حيث الكيفية والكنه.
وبذلك يتبين خطأ المقدمة الأولى التي بنى عليها أهل التفويض مذهبهم؛ من أن المتشابه لا يوقف على معناه بلغة العرب، وأن آيات الصفات من ذلك المتشابه (١). وقد عقب ابن جرير ﵀ بعد ذكر الأقوال في معنى المحكم والمتشابه بقوله: (وذلك أن جميع ما أنزل الله ﷿ على رسوله ﷺ فإنما أنزله عليه بيانًا له ولأمته وهدى للعالمين، وغير جائز أن يكون فيه ما لا حاجة بهم إليهم، ولا أن يكون فيه ما بهم إليه حاجة، ثم لا يكون بهم إلى علم تأويله سبيل. فإذا كان ذلك كذلك، فكل ما فيه لخلقه إليه الحاجة، وإن كان في بعضه ما بهم عن بعض معانيه الغنى، وإن اضطرته الحاجة إليه في معان كثيرة، وذلك كقول الله ﷿: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ [الأنعام: ١٥٨]، فأعلم النبي ﷺ أمته أن تلك الآية التي أخبر الله جل ثناؤه عباده أنها إذا جاءت لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ذلك هي طلوع الشمس من مغربها، فالذي كانت بالعباد إليه الحاجة من علم ذلك هو العلم منهم بوقت نفع التوبة بصفته، بغير تحديده بعد بالسنين والشهور والأيام، فقد بين الله ذلك لهم بدلالة الكتاب، وأوضحه لهم على لسان رسوله ﷺ مفسرًا، والذي لا حاجة لهم إلى علمه منه وهو العلم بمقدار المدة التي بين نزول هذه الآية، ووقت حدوث تلك الآية فإن ذلك لا حاجة بهم إلى علمه في دين ولا دنيا. وذلك هو العلم الذي استأثر الله جل ثناؤه به دون خلقه، فحجبه عنهم، وذلك وما أشبهه هو المعنى الذي طلبت اليهود معرفته في مدة محمد ﷺ وأمته (٢) من قبل قوله: الم، المص، الر، المر، ونحو ذلك من الحروف المقطعة المتشابهات التي أخبر الله جل ثناؤه أنهم لا يدركون تأويل ذلك من قبله، وأنه لا يعلم تأويله إلا الله.
فإذا كان المتشابه هو ما وصفنا، فكل ما عداه فمحكم، لأنه لن يخلو من أن يكون محكمًا بمعنى واحد لا تأويل له غير تأويل واحد، وقد استغنى بسماعه عن بيان مبينه، أو يكون محكمًا وإن كان ذا وجوه وتأويلات وتصرف في معان كثيرة، فالدلالة على المعنى المراد منه إما من بيان الله تعالى ذكره عنه، أو بيان رسوله ﷺ لأمته، ولن يذهب علم ذلك عن علماء الأمة لما قد بينَّا) (٣). وقد تضمن هذا النقل الطويل حقائق هامة:
١ - جميع ما أنزل الله تعالى بيان للأمة وهدى للعالمين – دون استثناء -.
٢ - امتناع تضمنه ما لا حاجة للأمة إليه.
_________________
(١) «الإتقان في علوم القرآن» للسيوطي (٢/ ١٣)، و«مناهل العرفان» للزرقاني (٢/ ٢٠٥).
(٢) «جامع البيان» (١/ ٩٢ - ٩٣).
(٣) «جامع البيان» (٣/ ١٧٥).
[ ٢ / ٤٧٧ ]
٣ - امتناع تضمنه ما للأمة به حاجة، ثم لا يتمكنون من علمه.
٤ - إمكان تضمنه لما للأمة به حاجة وإن كان لها غنى عن بعض معانيه.
٥ - المتشابه الذي استأثر الله به هو الأمور الغيبية كالعلم بالمقدار، والوقت، والكيف ونحوه.
٦ - المحكم نوعان: ما له معنى واحد، سماعه بيانه. وما يحتمل عدة معان لكن تعيين المعنى المراد متحقق ببيان الله أو بيان رسوله ﷺ.
٧ - امتناع جهل علماء الأمة ببيان الله وبيان رسوله ﷺ.
وقد تضمنت هذه الحقائق القضاء المبرم على أصل مذهب التفويض ولوازمه، والحمد لله.
ومن الجدير بالذكر، أن شيخ المفسرين، الطبري ﵀ لم يشر من قريب ولا من بعيد، مع كثرة سياقاته للآثار، أن أحدًا قال: إن من المتشابه أسماء الله وصفاته. وغاية ما في الأمر أن المتشابه هو ما يتعلق بأمور الآخرة، وفناء الدنيا ليس غير، وأن اتباع المتشابه هو محاولة اليهود معرفة مدته ﷺ، ومدة أمته، وفناء الدنيا .. الخ من الحروف المقطعة (١). أما أمر صفات الله تعالى فلم يكن واردًا لديه أصلًا، وإنما أقحمت في المتشابه لدى المتأخرين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فصل – وأما إدخال أسماء الله وصفاته، أو بعض ذلك في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، أو اعتقاد أن ذلك هو المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله، كما يقول كل واحد من القولين طوائف من أصحابنا وغيرهم. فإنهم وإن أصابوا في كثير مما يقولون ونجوا من بدع وقع فيها غيرهم، فالكلام على هذا من وجهين:
الأول: من قال: إن هذا من المتشابه، وأنه لا يفهم معناه، فنقول: أما الدليل على بطلان ذلك فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة، ولا من الأئمة، لا أحمد بن حنبل ولا غيره، أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية، ونفى أن يعلم أحد معناه، وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، ولا قالوا: إن الله ينزل كلامًا لا يفهم أحد معناه، وإنما قالوا كلمات لها معان صحيحة. قالوا في أحاديث الصفات: (تمر كما جاءت). ونهوا عن تأويلات الجهمية، وردوها وأبطلوها التي مضمونها تعطيل النصوص على ما دلت عليه. ونصوص أحمد والأئمة قبله بينة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية منها، ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها، ويفهمون منها بعض ما دلت عليه كما يفهمون ذلك في سائر نصوص الوعد والوعيد والفضائل وغير ذلك.
الوجه الثاني: أنه إذا قيل: هذه من المتشابه، أو كان فيها ما هو من المتشابه، كما نقل عن بعض الأئمة أنه سمى بعض ما استدل به الجهمية متشابها، فيقال: الذي في القرآن أنه لا يعلم تأويله إلا الله، إما المتشابه، وإما الكتاب كله، ونفي علم تأويله ليس نفي علم معناه، كما قدمناه في القيامة وأمور القيامة، وهذا الوجه قوي إن ثبت حديث ابن إسحاق في وفد نجران أنهم احتجوا على النبي ﷺ بقوله: (إنا) و(نحن) ونحو ذلك، ويؤيده أيضًا أنه قد ثبت في القرآن متشابهًا وهو ما يحتمل معنيين، وفي مسائل الصفات ما هو من هذا الباب كما أن ذلك في مسائل المعاد أولى. فإن نفي التشابه بين الله وبين خلقه أعظم من نفي التشابه بين موعود الجنة وموجود الدنيا) (٢).
فأبطل الشيخ – ﵀ – إدخال أسماء الله وصفاته في المتشابه، أو اعتقاد أنه هو المتشابه بأمرين:
الأول: براءة السلف قاطبة من هذا الاعتقاد، بل الثابت المنقول عنهم هو إثبات المعاني.
_________________
(١) «جامع البيان» (٣/ ١٨٠).
(٢) «الإكليل في المتشابه والتأويل» (ص: ٢٥ - ٢٦، ٣٦ - ٣٧).
[ ٢ / ٤٧٨ ]
الثاني: أن التشابه الذي يطلقه بعض السلف على بعض ما يستدل به الجهمية إنما هو تشابه المعاني الذي لا يختص بباب الصفات، والعلم بالمعنى المراد ممكن بل متحقق، والمنفي العلم بتأويله لا العلم بمعناه.
والخلاصة أن إطلاق القول بأن معاني أسماء الله وصفاته من المتشابه، أو هي المتشابه، باطل، لم يصدر عن أحد من السلف. لكن قد يقع تشابه نسبي إضافي خاص لبعض الناس في هذا الباب فيزول بالإحكام الخاص الذي يعلمه الراسخون في العلم. أما حقائق هذه المعاني وكيفياتها، فلا ريب أنه مما استأثر الله بعلمه، وحجب إدراك كنهه عن خلقه، فلا سبيل لأحد إلى العلم به. مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات لأحمد بن عبدالرحمن القاضي – ص ٣٠٢
(ذكر ما ورد عن علماء السلف في المتشابه) قال في الدر المنثور: أخرج الحاكم - وصححه - عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: (كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، فنزل القرآن من سبعة أحرف: زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم ومتشابه، وأمثال فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا) (١) قال: وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران:٧] الآية قال: طلب القوم التأويل، فأخطأوا التأويل وأصابوا الفتنة، وطلبوا ما تشابه منه فهلكوا بين ذلك وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ [آل عمران:٧] قال: منهن قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام:١٥١] إلى ثلاث آيات، ومنهن: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء:٢٣] إلى آخر الآيات (٢) وأخرج ابن جرير من طريق أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة ﵃: (المحكمات الناسخات التي يعمل بهن، والمتشابهات المنسوخات) (٣) وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن إسحق بن سويد أن يحيى بن يعمر وأبا فاختة تراجعا هذه الآية هن أم الكتاب فقال أبو فاختة: هن فواتح السور منها يستخرج القرآن: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة:٢] منها استخرجت البقرة والم اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ [آل عمران:١ - ٢] منها استخرجت آل عمران وقال يحيى: هن اللاتي فيهن الفرائض، والأمر والنهي والحلال والحرام والحدود وعماد الدين (٤) وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: المحكمات فيهن حجة الرب وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس فيها تصريف ولا تحريف عما وضعت عليه وأخر متشابهات في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله بهن العباد كما ابتلاهم بالحلال والحرام، لا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق (٥) وأخرج ابن أبي حاتم مقاتل بن حيان إنما قال: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ لأنه ليس من أهل دين لا يرضى بهن: وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ يعني فيما بلغنا الم والمص والمر (٦)
_________________
(١) رواه الحاكم (١/ ٧٣٩)، (٢/ ٣١٧). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. والحديث حسنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٥٨٧).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٦/ ١٧٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٩٢).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (٦/ ١٧٥).
(٤) رواه الطبري في تفسيره (٦/ ١٨٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٩٣).
(٥) رواه الطبري في تفسيره (٦/ ١٧٧).
(٦) رواه ابن أبي حاتم (٢/ ٥٩٣ - ٥٩٤).
[ ٢ / ٤٧٩ ]
قلت: وليس في هذه الآثار ونحوها ما يشعر بأن أسماء الله تعالى وصفاته من المتشابه، وما قال النفاة من أنها من المتشابه دعوى بلا برهان قوله: ولما سمعت قريش رسول الله ﷺ يذكر الرحمن أنكروا ذلك فأنزل الله فيهم: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد:٣٠] روى ابن جرير عن قتادة: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ذكر لنا «أن نبي الله ﷺ زمن الحديبية حين صالح قريشًا كتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال مشركو قريش: لئن كنت رسول الله ثم قاتلناك لقد ظلمناك، ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله فقال أصحاب رسول الله ﷺ: يا رسول الله دعنا نقاتلهم فقال: لا اكتبوا كما يريدون: إني محمد بن عبد الله فلما كتب الكاتب بسم الله الرحمن الرحيم قالت قريش: أما الرحمن فلا نعرفه وكان أهل الجاهلية يكتبون: باسمك اللهم فقال أصحابه: دعنا نقاتلهم قال: لا ولكن اكتبوا كما يريدون» (١) وروى أيضًا عن مجاهد قال: «قوله: كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ [الرعد:٣٠] قال: هذا ما كاتب عليه رسول الله ﷺ قريشًا في الحديبية، كتب بسم الله الرحمن الرحيم قالوا: لا تكتب الرحمن، لا ندري ما الرحمن؟ لا نكتب إلا باسمك اللهم قال تعالى: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ الآية» (٢) وروى أيضًا عن ابن عباس ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ يدعو ساجدًا: يا رحمن يا رحيم فقال المشركون: هذا يزعم أنه يدعو واحدًا وهو يدعو مثنى مثنى فأنزل الله: قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء:١١٠] الآية» (٣) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ - ص٤٠٦
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ٤٤٥). والحديث أصله في الصحيحين رواه البخاري (٢٧٣١، ٢٧٣٢) من حديث المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم ﵄، ورواه مسلم مختصرًا (١٧٨٤) من حديث أنس ﵁.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ٤٤٦).
(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٥٨٠).
[ ٢ / ٤٨٠ ]
المسألة الثالثة: التأويل والظاهر
• أولًا: معاني التأويل.
• ثانيًا: بيان موضع الوقف في آية آل عمران.
[ ٢ / ٤٨١ ]