تمهيد:
إن الإيمان بالبعث أمر معلوم من الدين بالضرورة، ومنكره خارج عن الإسلام. ولقد خص ذكر اليوم الآخر بمزيد من العناية والتعظيم لشأنه في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه ﷺ، وقد أجمع على ذلك المسلمون
- عناية الكتاب والسنة بالإيمان باليوم الآخر:
إن المتتبع لطريقة القرآن الكريم في مجادلة خصوم العقيدة؛ يجد أن الاهتمام باليوم الآخر أخذ قسطًا واسعًا من تلك الحجج والبراهين الدامغة لمنكري اليوم الآخر، وكذا في السنة المطهرة، ويتمثل ذلك فيما يلي:
١ - ربط الله تعالى الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر:
كما قال تعالى: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، وكذا قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ٦٢]، فنحن نرى كيف ربط الله تعالى الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر، وجعله في المرتبة الثانية بعد الإيمان بالله.
فلا إيمان إذًا للشخص وإن قال أنه مؤمن بالله حتى يؤمن باليوم الآخر كإيمانه بالله تعالى، وإن المفرق بينهما لا حظَّ له من الإيمان وإن ادعاه، وقد كان كثير من الكفار يؤمنون بالله ولكنهم يجحدون اليوم الآخر؛ فلم ينفعهم ذلك الإيمان، وأباح الله للمؤمنين دماءهم وأموالهم لأنهم كفار.
ويتمثل كذلك ربط الإيمان بالله باليوم الآخر من السنة المطهرة في مثل قوله ﷺ: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم» (١)، وقال ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» (٢). وقال ﷺ: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر» (٣).
٢ - الإكثار من ذكره في القرآن الكريم وفي السنة النبوية:
فقلما تخلو سورة من سور القرآن عن التحدث عنه وتقريبه إلى الأذهان بشتى الأساليب، من إقامة للحجة والبرهان، أو من ضرب الأمثال، كالاستدلال بالنشأة الأولى، وكذا خلق السموات والأرض، وإحياء الأرض بعد موتها - على الإعادة، وما إلى ذلك من المسالك التي سلكها القرآن الكريم
٣ - كثرة الأسماء التي جاءت له في القرآن الكريم:
فقد وردت أسماء كثيرة وكلها تبين ما سيقع في هذا اليوم من أهوال (٤).
ومعلوم من أساليب العرب أنهم يكثرون الأسماء للشيء إذا كان ذا أهمية وشأن، وقد نزل القرآن بلغتهم.
ولتلك العناية أسباب نذكرها فيما يلي:
بعض أسباب العناية باليوم الآخر:
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٨٨)، ومسلم (١٣٩٩) واللفظ له. من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه البخاري (٦٠١٨)، ومسلم (٤٧). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه مسلم (٧٦). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) «العقائد الإسلامية» (ص: ٢٦١).
[ ٤ / ٩٦ ]
لقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم على نبيه محمد ﷺ في وقت انمحت فيه كثير من الأمور التعبدية، وجهلت فيه على الخصوص عقيدة الإيمان باليوم الآخر، فلم تعد على ذلك الوضوح الذي كان في زمن الأنبياء، بل صارت بتطاول الزمن عقيدة محرفة بعيدة عن الصواب والواقع، فلم تبق من معالم الإيمان باليوم الآخر إلا بقايا رسوم؛ هي إلى الاندثار أقرب منها إلى التماسك، ليس عند جهة أو قوم بل في كل بقاع الأرض، وعند كل أمة عربية أو غير عربية، اللهم إلا ما ورد عن أناس بخصوصهم من العرب بقوا على الحنفية ملة إبراهيم.
فالعرب منهم مشركون ينكرون اليوم الآخر أساسًا، وأهل الكتاب من يهود ونصارى –وإن كانوا يؤمنون باليوم الآخر عمومًا – لكنهم على جهل كبير بحقيقته، وما ينبغي اعتقاده فيه، وغير هؤلاء وثنيون أو مجوس لا يؤمنون به مطلقًا عند بعضهم، وعند بعضهم الآخر يؤمنون أن هناك عودة للروح، لكنه لا يمت إلى الإيمان باليوم الآخر كما جاءت به الأنبياء بأي صلة، كما هو الحال عند الهنود والبوذيين وغيرهم من الفرق الضالة.
وعلى هذا فمن أسباب تلك العناية ما يلي:
١ - إنكار المشركين لليوم الآخر أشد الإنكار، ونسبة ما يشاهد من الإحياء والإماتة إلى الدهر، دون أن يكون هناك تنظيم لهذا التغير المستمر أو هدف من وراء هذا الخلق: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ [الجاثية: ٢٤].
فكان من الأمور البديهية أن ينزل القرآن بتلك الحجج القوية ليشد من أزر الرسول ﷺ في مواجهة ذلك السيل الجارف من الجحود لليوم الآخر.
٢ - فإن أهل الكتاب وإن كانوا يؤمنون باليوم الآخر لكنهم لم يكونوا على العقيدة الصحيحة فيه، فقد حرفوه وبلغوا به منتهى الفساد، وحتى صاروا فيه كالوثنيين من هنود وبوذيين، وذلك من ناحية أن الهنود يعتقدون في كرشنة أنه هو المخلص لهم من الآلام (١).
والنصارى – بخصوصهم – يعتقدون في عيسى أنه هو المخلص لأمته من عقوبة الخطايا في الآخرة؛ فالكل في الجنة والنعيم (٢).
وأما اليهود فقد اختلفوا في الإيمان باليوم الآخر، وحتى نفس هذا الاختلاف بعيد كل البعد عن حقيقة اليوم الآخر.
٣ - ومن الأسباب التي جعلت القرآن الكريم يهتم باليوم الآخر ذلك الاهتمام الشديد، هو التأكيد على أن هذه الحياة إنما جعلت لهدف أعلى وغاية سامية، فلولا أن هناك يومًا يجازى فيه المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته؛ لما كان هناك فرق بين عمل الخير وعمل الشر، ولا كانت هناك فضائل ولا رذائل، فالحياة فوضى، والمصير مجهول، ولا وازع نفسي، ولا ضمير حي.
إذًا فلا عجب إن رأينا الإسلام يهتم بذكر اليوم الآخر، ويحث على الإيمان به، ويجعله من أهم القضايا الأساسية التي لا يمكن أن يسمى الشخص مؤمنًا إلا إذا جاء بها، معتقدًا صحتها في قرارة نفسه.
فالإسلام خاتم الديانات ورسوله خاتم المرسلين، ولا عجب كذلك حينما نرى ونقرأ حقائق وتفاصيل عن اليوم الآخر لم تكن معلومة عند أهل الديانات السابقة.
وهذا هو الذي حمل بعض الفلاسفة ومن سار على طريقهم على القول بأنه لم يفصح بمعاد الأبدان إلا نبينا محمد ﷺ (٣)،
ولأن تلك التفاصيل لم تكن معلومة لدى الكفار من قريش وغيرهم؛ نرى أن الإسلام قد سلك مسالك شتى وطرقًا متعددة في إقناع الكفار بالإيمان باليوم الآخر، مبينًا أن هذا الكون لابد وأن ينتهي ويزول كل أثر له، وأنه لم يخلق عبثًا دون حساب وجزاء. الحياة الآخرة لغالب عواجي – بتصرف - ١/ ٧٣
_________________
(١) انظر: «الديانات القديمة» لأبي زهرة (ص: ٣٠).
(٢) انظر: «الديانات القديمة» لأبي زهرة (ص: ٣٠).
(٣) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٤٥٧).
[ ٤ / ٩٧ ]
الباب الأول: القيامة الصغرى
الفصل الأول: الاحتضار
تمهيد
ويدخل في الإيمان باليوم الآخر (الإيمان بالموت) الذي هو المفضي بالعبد إلى منازل الآخرة، وهو ساعة كل إنسان بخصوصه، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث : «إنْ يعش هذا لَمْ يُدْرِكْهُ الهرم قامَتْ عليكم ساعَتُكُمْ» (١) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – بتصرف - ص ٨٦٠
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥١١)، ومسلم (٢٩٥٢). من حديث عائشة ﵂.
[ ٤ / ٩٨ ]
المبحث الأول: تعريف الاحتضار
الحضور: نقيض المغيب والغيبة، يقال: حَضَر الرجل يَحْضُرُ حُضُورًا وحِضَارة، ويعدّى فيقال: حَضَرَه، يَحْضُرُهُ، وأحْضَرَ الشيء وأَحْضَرَه إياه، وكان ذلك بِحَضْرَةِ فلان وحِضْرَته وحُضْرَتِهِ، وحَضَرِه ومَحْضَرِه، وكلّمته بِحَضْرَةِ فُلان وبمَحْضَرٍ منه، أي بمشهد منه.
وحَضْرَةُ الرجل: قُرْبه وفِناؤه، والحَضْرة: قرب الشيء، يقال: أُكْرِم فلانُ بِحَضْرة فلان وبمَحْضَرِه، ويقال: حَضَرَت الصَلاة.
ورجل حَضِرٌ وحَضُرٌ: يتحيّن طعام الناس حتى يَحْضُرَه، تقول العرب: اللبن مُحْتضِرٌ ومَحْضُوْرٌ فَغَطِّه: أي كثير الآفة، يعني يحتضره الجنّ والدواب وغيرها.
وقوله تعالى: وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون: ٩٨] أي: أعوذ بك من حضور الشياطين في شيء من أمري (١).
وحضره الهمُّ واحْتضره وتَحَضّرَه إذا نزل به.
وحُضِر المريض واحْتُضِرَ إذا نزل به الموت (٢).
نخلص مما سبق إلى أن الاحتضار هو حضور الموت ونزوله بالعبد. أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ ص ٧١
_________________
(١) انظر: «تفسير ابن كثير» (٣/ ٢٤٧).
(٢) انظر: «لسان العرب» (١/ ٦٥٨، ٦٥٩).
[ ٤ / ٩٩ ]
المبحث الثاني: حضُور ملائكة الموت
إذا حان الأجل وشارفت حياة الإنسان على المغيب أرسل الله رسل الموت لسلِّ الروح المدبِّرة للجسد والمحركة له، وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ [الأنعام: ٦١]، وملائكة الموت تأتي المؤمن في صورة حسنة جميلة، وتأتي الكافر والمنافق في صورة مخيفة، ففي حديث البراء بن عازب ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدَّ بصره، ثم يجيء ملك الموت ﵇، حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة -وفي رواية: المطمئنة- اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيِّ السقاء، فيأخذها وإن العبد الكافر -وفي رواية الفاجر- إذا كان في انقطاع من الآخرة، وإقبال من الدنيا، نزل إليه من السماء ملائكة -غلاظ شداد- سود الوجوه، معهم المسوح -من النار- فيجلسون منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب. قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود -الكثير الشعب- من الصوف المبلول، -فتقطع معها العروق والعصب-» (١).
وما يحدث للميت حال موته لا نشاهده ولا نراه، وإن كنا نرى آثاره، وقد حدثنا ربنا ﵎ عن حال المحتضر فقال: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ - وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ - وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥]: والمتحدث عنه في الآية الروح عندما تبلغ الحلقوم في حال الاحتضار، ومن حوله ينظرون إلى ما يعانيه من سكرات الموت، وإن كانوا لا يرون ملائكة الرحمن التي تسلُّ روحه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٨٥] كما قال تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ [الأنعام: ٦١].
وقال في الآية الأخرى: كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [القيامة: ٢٦ - ٣٠] والتي تبلغ التراقي هي الروح، والتراقي جمع ترقوة وهي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق (٢).
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧)، والحاكم (١/ ٩٣)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٣٥٥). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الطبري في «مسند عمر» (٢/ ٤٩١): إسناده صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين فقد احتجا جميعا بالمنهال بن عمرو وزاذان أبي عمر الكندي، وفي هذا الحديث فوائد كثيرة لأهل السنة وقمع للمبتدعة ولم يخرجاه بطوله وله شواهد على شرطهما، وصحح إسناده البيهقي، وقال الهيثمي (٣/ ٥٢): رجاله رجال الصحيح.
(٢) انظر: «تفسير البغوي» (٨/ ٢٨٥)، «تفسير الرازي» (٣٠/ ٢٠٤)، «تفسير ابن كثير» (٨/ ٢٨١).
[ ٤ / ١٠٠ ]
وقد صرح الحديث بأن ملك الموت يبشر المؤمن بالمغفرة من الله والرضوان، ويبشر الكافر أو الفاجر بسخط الله وغضبه، وهذا قد صرحت به نصوص كثيرة في كتاب الله، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وهذا التنزُّل – كما قال طائفة من أئمة التفسير منهم مجاهد والسدي – إنما يكون حالة الاحتضار (١)، ولا شك أن الإنسان في حالة الاحتضار يكون في موقف صعب، يخاف فيه من المستقبل الآتي، كما يخاف على من خلَّف بعده، فتأتي الملائكة لتؤمنه مما يخاف ويحزن، وتُطَمئِنُ قلبه، وتقول له: لا تخف من المستقبل الآتي في البرزخ والآخرة، ولا تحزن على ما خلفت من أهل وولد أو دَيْنٍ، وتبشره بالبشرى العظيمة، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: ٣٠]، وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت: ٣١]، وما دام العبد قد تولى الله وحده، فإن الله يتولاه دائمًا، وخاصة في المواقف الصعبة، ومن أشقها هذا الموقف، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [فصلت: ٣١]. أما الكفرة الفجرة فإن الملائكة تتنزل عليهم بنقيض ذلك إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا [النساء: ٩٧]، وقد نزلت هذه الآية كما أخرج البخاري عن ابن عباس في فريق أسلم، ولكنه لم يهاجر فأدركه الموت، أو قتل في صفوف الأعداء (٢)، فإن الملائكة تقرِّع هؤلاء في حال الاحتضار وتوبخهم، وتبشرهم بالنار.
وقد حدثنا ربنا عن توفي الملائكة للكفرة في معركة بدر فقال: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ - ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [الأنفال: ٥٠ - ٥١].
قال ابن كثير في تفسير الآيات: (ولو ترى يا محمد حال توفي الملائكة أرواح الكفار لرأيت أمرًا عظيمًا فظيعًا منكرًا، إذ يضربون وجوههم وأدبارهم، ويقولون ذوقوا عذاب الحريق) (٣).
وقد أشار المفسر المدقق العلامة ابن كثير إلى أن هذا وإن كان في وقعة بدر، ولكنه عام في حق كل كافر، ولهذا لم يخصصه تعالى بأهل بدر، بل قال: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ .. (٤).
وهذا الذي قاله ابن كثير صحيح يدل عليه أكثر من آية في كتاب الله تعالى، كقوله: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ [الأعراف: ٣٧]، وقوله: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل: ٢٨]، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [محمد: ٢٥ - ٢٧]. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٩
_________________
(١) «تفسير الطبري» (٢١/ ٤٦٦).
(٢) رواه البخاري (٤٥٩٦).
(٣) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٧٦).
(٤) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٧٧).
[ ٤ / ١٠١ ]
المبحث الثالث: مع ملك الموت ملائكة يعاونونه في قبض الروح
إذا حان أجل العبد وأراد الله تعالى قبض روحه أرسل إليه ملك الموت ومعه ملائكة يعاونونه على قبض روح ذلك العبد، قال تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ [الأنعام: ٦١]، فقوله: حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي احتضر وحان أجله، تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا أي ملائكة موكلون بذلك، روى ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس وغير واحد قولهم: إن لملك الموت أعوانًا من الملائكة يخرجون الروح من الجسد فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم (١).
يقول الطبري: (يقول تعالى ذكره: إن ربكم يحفظكم إلى أن يحضركم الموت، وينْزل بكم أمر الله وإذا جاء ذلك أحدكم توفاه أملاكنا الموكلون بقبض الأرواح ورسلنا المرسلون به وهم لا يفرطون في ذلك، فيضيعونه؛ فإن قال قائل: أو ليس الذي يقبض الأرواح ملك الموت فكيف قيل تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا والرسل جملة، وهو واحد، أو ليس قد قال يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [السجدة: ١١]، قيل جائز أن يكون الله تعالى أعان ملك الموت بأعوان من عنده، فيتولون ذلك بأمر ملك الموت، فيكون التوفي مضافًا، وإن كان ذلك من فعل أعوان ملك الموت إلى ملك الموت؛ إذ كان فعلهم ما فعلوا من ذلك بأمره، كما يضاف قتل من قتل أعوان السلطان، وجلد من جلدوه بأمر السلطان إلى السلطان، وإن لم يكن السلطان باشر ذلك بنفسه، ولا وليه بيده) (٢).
فالمتأمل في نصوص القرآن الكريم يدرك أن الله ﷾ أسند التوفي للملائكة كما في قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ [النحل: ٢٨]، وقوله: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ [سورة النحل: ٣٢]، وقوله تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا، وغيرها من الآيات، وأسنده في آية أخرى لملك الموت، قال تعالى: قل يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ، وأسنده سبحانه في آية أخرى إليه جل وعلا، قال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر: ٤٢]، ولا معارضة بين الآيات المذكورة، فإسناد التوفي إليه ﷾؛ لأنه لا يموت أحد إلا بمشيئته وإذنه كما قال تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا [آل عمران: ١٤٥]، وإسناده لملك الموت؛ لأنه هو المأمور بقبض الأرواح، وإسناده للملائكة؛ لأن لملك الموت أعوانًا من الملائكة ينْزعون الروح من الجسد إلى الحلقوم؛ فيأخذها ملك الموت) (٣). أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ ص ٧١
_________________
(١) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٢٦٧).
(٢) «تفسير الطبري» (١١/ ٤٠٩ - ٤١٠)
(٣) انظر: «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن» (٣/ ٢٦٧)، و«دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب» (ص: ٢٣٦).
[ ٤ / ١٠٢ ]
المبحث الرابع: حضور الشيطان عند الموت
إذا حضر الموت كان الشيطان حريصًا على الإنسان حتى لا يفلت منه، ففي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه، حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة، فليمط ما كان بها من أذى، ثم ليأكلها، ولا يدعها للشيطان، فإذا فرغ فليلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة» (١).
وقد ذكر علماؤنا أن الشيطان يأتي الإنسان في تلك اللحظات الحرجة في صورة أبيه أو أمه أو غيرهم ممن هو شفيق عليه ناصح له، ويدعوه إلى اتباع اليهودية أو النصرانية أو غيرها من المبادئ المعارضة للإسلام، فهناك يزيغ الله من كتبت له الشقاوة (٢)، وهو معنى قوله تعالى: رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: ٨].
وقد حدث عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل قال: (حضرت وفاة أبي أحمد، وبيدي خرقة لأشد لحييه، فكان يغرق، ثم يفيق، ويقول بيده: لا بعد، لا بعد، فعل هذا مرارًا، فقلت له: يا أبت أي شيء يبدو منك؟ قال: إن الشيطان قائم بحذائي عاض على أنامله، يقول: يا أحمد فتني، وأنا أقول: لا بعد، لا بعد، حتى أموت) (٣).
وقال القرطبي: سمعت شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر القرطبي، يقول: (حضرت أخا شيخنا أبي جعفر أحمد بن محمد القرطبي بقرطبة، وقد احتضر، فقيل له: لا إله إلا الله، فكان يقول: لا، لا، فلما أفاق، ذكرنا له ذلك، فقال: أتاني شيطانان عن يميني وعن شمالي، يقول أحدهما: مت يهوديًا فإنه خير الأديان، والآخر يقول: مت نصرانيًا فإنه خير الأديان، فكنت أقول لهما: لا، لا ) (٤). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر- ص: ٢٩
وقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث – حديث جابر بن عبد الله - على حضور الشيطان عند المحتضر؛ لإغوائه وافتتانه، كما استدلوا أيضًا بما رواه أبو هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يدعو: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» (٥).
قال ابن دقيق العيد ت ٧٠٢هـ: (فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند الموت، وفتنة الممات يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ما قبل ذلك، ويجوز أن يراد بها فتنة القبر) (٦).
_________________
(١) رواه مسلم (٢٠٣٣).
(٢) انظر: «التذكرة» (ص: ٣٣).
(٣) «الحجة في بيان المحجة» (١/ ٤٩٩).
(٤) انظر: «التذكرة» (ص: ٣٣).
(٥) رواه البخاري (١٣٧٧)، ومسلم (٥٨٨).
(٦) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٢/ ٣١٩).
[ ٤ / ١٠٣ ]
كما قد استدل شيخ الإسلام ابن تيمية بحديث الاستعاذة من فتنة المحيا والممات على حضور الشيطان عند المحتضر لإغوائه، وأنه قد يعرض الأديان على بعض العباد، حيث قال ﵀: (أما عرض الأديان على العبد وقت الموت فليس هو أمرًا عامًا لكل أحد، ولا هو أيضًا منتفيًا عن كل أحد، بل من الناس من تعرض عليه الأديان قبل موته، ومنهم من لا تعرض عليه، وقد وقع ذلك لأقوام، وهذا كله من فتنة المحيا والممات التي أمرنا أن نستعيذ منها في صلاتنا، منها ما في الحديث الصحيح «أمرنا النبي ﷺ أن نستعيذ في صلاتنا من أربع من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» (١)، ولكن وقت الموت أحرص ما يكون الشيطان على إغواء بني آدم؛ لأنه وقت الحاجة، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «الأعمال بخواتيمها» (٢) وقال ﷺ: «إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (٣) ، ولهذا يقال: إن من لم يحج يخاف عليه من ذلك، لما روى أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من ملك زادًا أو راحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديًا، وإن شاء نصرانيًا» (٤) ) (٥).
وقال في موضع آخر: (وأما عرض الأديان وقت الموت فيبتلى به بعض الناس دون بعض ) (٦).
وذكر ابن حجر أن الأكثر والأغلب في سوء الخاتمة أنه لا يقع إلا لمن في طويته فساد أو ارتياب، ويكثر وقوعه للمصرّ على الكبائر والمجترئ على العظائم، إذ يهجم عليه الموت بغتة فيصطلمه (٧) الشيطان عند تلك الصدمة، فيكون ذلك سببًا لسوء خاتمته (٨).
ويدل على حضور الشيطان عند المحتضر قوله تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون: ٩٧، ٩٨]، فالمعنى: أعوذ بك أن يحضرني الشيطان في أمرٍ من أموري كائنًا ما كان، سواء كان ذلك وقت تلاوة القرآن، أو عند حضور الموت، أو غير ذلك من جميع الشؤون في جميع الأوقات (٩).
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٧٧)، ومسلم (٥٨٨).
(٢) رواه البخاري (٦٤٩٣). من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁.
(٣) رواه البخاري (٧٤٥٤)، ومسلم (٢٦٤٣). من حديث ابن مسعود ﵁.
(٤) رواه الترمذي (٨١٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٤٣٠). من حديث علي ﵁. قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وفي إسناده مقال وهلال بن عبد الله مجهول والحارث يضعف، وقال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (١١/ ٨١): روي موقوفًا وهو أصلح رواية، وقال السيوطي في «النكت على الموضوعات» (١٢٩): له شواهد، وقال ابن همات في «التنكيت والإفادة» (١١٦): بشواهده لا ينزل عن درجة الحسن، وحسنه لغيره الشوكاني في «نيل الأوطار» (٥/ ٨).
(٥) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٥٥، ٢٥٦).
(٦) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٤/ ٢٠٢).
(٧) الاصطلام: الاستئصال والهلاك والقطع. انظر: «لسان العرب» (٢/ ٤٦٩).
(٨) انظر: «فتح الباري» (١١/ ٤٨٩، ٤٩٠).
(٩) انظر: «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن» (٥/ ٨١٩).
[ ٤ / ١٠٤ ]
وتحدث أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن مفلح المقدسي عن حضور الشيطان عند المحتضر تحت عنوان (الفصل الثاني والعشرون في اجتهاد الشيطان على المؤمن عند الموت)، واستشهد بما رواه النسائي وأبو داود بسنديهما عن أبي اليسر قال: كان رسول الله ﷺ يقول «اللهم إني أعوذ بك من التردّي، والهدم، والغرق، والحريق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرًا، وأعوذ بك أن أموت لديغًا» (١).
فقوله ﷺ: «وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت»، قال الخطابي ت٣٨٨هـ في شرحه: (هو أن يستولي عليه عند مفارقة الدنيا، فيضله، ويحول بينه وبين التوبة أو يعوقه عن إصلاح شأنه والخروج من مظلمة تكون قبله، أو يؤيسه من رحمة الله، أو يكره له الموت ويؤسفه على حياة الدنيا، فلا يرضى بما قضاه الله عليه من الفناء والنقلة إلى الدار الآخرة، فيختم له، ويلقى الله وهو ساخط عليه) (٢).
ويقول ابن الجوزي ت٥٩٧هـ: (وقد يتعرض إبليس للمريض فيؤذيه في دينه ودنياه، وقد يستولي على الإنسان فيضله في اعتقاده، وربما حال بينه وبين التوبة وربما جاء الاعتراض على المقدر؛ فينبغي للمؤمن أن يعلم أن تلك الساعة هي مصدوقة للحرب، وحين يحمى الوطيس فينبغي أن يتجلد، ويستعين بالله على العدو) (٣). أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - ص ١٢٣
_________________
(١) رواه أبو داود (١٥٥٢)، والنسائي (٨/ ٢٨٣)، وأحمد (٣/ ٤٢٧) (١٥٥٦٢)، والطبراني (١٩/ ١٧٠) (٣٨١). والحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٣/ ٢٣) كما قال ذلك في المقدمة، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».
(٢) «معالم السنن» (٢/ ١٩٤).
(٣) «الثبات عند الممات» (ص: ٤١، ٤٢).
[ ٤ / ١٠٥ ]
الفصل الثاني: الإيمان بالموت
المبحث الأول: تحتم الموت على من كان في الدنيا من المخلوقات
إن الموت واقع حتما على من كان في الدنيا من أهل السموات والأرض من الإنس والجن والملائكة وغيرهم من المخلوقات قال الله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٨٨] وقال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] وقال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:١٨٥] وقال تعالى: لنبيه ﷺ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر:٣٠ - ٣١] وقال تعالى: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:٣٤ – ٣٥]، وقال تعالى: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [العنكبوت:٥٦ - ٥٧]، وقال تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [السجدة:١١] وفي (الصحيح) عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يقول: «أعوذُ بعزَّتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أَنْتَ الحيُّ الذي لا يموت، والجِنُّ والإِنسُ يَمُوتُونَ» (١) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٨٦٠
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧١٧).
[ ٤ / ١٠٦ ]
المبحث الثاني: الإيمان بأن الأجل محدود
إنَّ كلًّا له أجلٌ محدود وأمدٌ ممدود ينتهي إليه لا يتجاوزه ولا يقصر عنه، وقد علم الله تعالى: جميع ذلك بعلمه الذي هو صفته، وجرى به القلم بأمره يوم خلقه، ثم كتبه الملك على كل أحد في بطن أمه بأمر ربه ﷿ عند تخليق النطفة في عينه في أي مكان يكون وفي أي زمان فلا يزاد فيه ولا ينقص منه ولا يغير ولا يبدل عما سبق به علم الله تعالى: وجرى به قضاؤه وقدره، وأنَّ كُلَّ إنسانٍ مات أو قتل أو حرق أو غرق أو بأَيِّ حتف هلك بأجله لم يستأخر عنه ولم يستقدم طرفة عين، وأن ذلك السبب الذي كان هو فيه حتفه هو الذي قدره الله تعالى: عليه وقضاه عليه وأمضاه فيه ولم يكن له بد منه ولا محيص عنه ولا مفر له ولا مهرب ولا فكاك ولا خلاص، وأنى وكيف وإلى أين ولات حين مناص، قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا [آل عمران:١٤٥] الآية. وقال تعالى: قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران: ١٥٤] الآيات. وقال تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ [النساء:٧٨] وقال تعالى: حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:٦١ – ٦٢] وقال تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:٣٤] في مواضع من القرآن، وقال تعالى: كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى [الرعد:٢] وقال تعالى: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى [طه:١٢٩] وقال تعالى: وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ [الرعد:٨] وقال تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجمعة:٨]، وقال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر:٤٢] وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إليه مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأنعام:٦٠] وغيرها من الآيات. وروى مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى: في (صحيحه) عن المعرور بن سويد عن عبدالله بن مسعود قال: قالت أم حبيبة ﵂: اللَّهُمَّ مَتِّعني بزوجي رسولِ الله ﷺ، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال لها رسول الله ﷺ: «إنَّكِ سألتِ الله تعالى: لآجالٍ مضروبةٍ وآثارٍ موطوءةٍ وأرزاقٍ مقسومةٍ لا يعجل شيء منها قبل حله ولا يؤخر منها يومًا بعد حله، ولو سألت الله تعالى: أنْ يعافيك من عذابٍ في النار وعذابٍ في القبر لكانَ خيرًا لكِ» (١).
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٦٣) (٣٣).
[ ٤ / ١٠٧ ]
وفي رواية: «قد سألتِ الله لآجالٍ مضروبةٍ وأيام معدودةٍ وأرزاقٍ مقسومةٍ لَنْ يعجل شيئًا قبل حله أو يؤخر شيئًا عن حله، ولو كُنتِ سألتِ الله تعالى: أن يعيذكِ من عذابٍ في النار أو عذابٍ في القبر كانَ خيرًا وأفضل» (١) وفي أخرى «وآثارٍ مبلوغةٍ» (٢). وعن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [فاطر:١١] يقول: «ليس أحد قضيت له بطول العمر والحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر، وقد قضيت ذلك له فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي كتبت له، فذلك قوله تعالى: وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [فاطر:١١] يقول كل ذلك في كتاب عنده» (٣). وهكذا قال الضحاك بن مزاحم. وأما حديث أنس في (الصحيحين) وغيرهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ سَرَّهُ أن يبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه» (٤) فإنه يفسر بحديث أبي الدرداء ﵁ عند ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى: قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ الزيادة في العمر فقال: «إنَّ الله تعالى: لا يؤخِّر نفسًا إذا جاء أجلها، وإنّما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره فذلك زيادةُ العمر» (٥) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٨٦١
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٦٣) (٣٢).
(٢) رواه مسلم (٢٦٦٣) (٣٣م).
(٣) رواه الطبري في «تفسيره» (٢٠/ ٤٤٧)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٠/ ٣١٧٥).
(٤) رواه البخاري (٢٠٦٧)، ومسلم (٢٥٥٧).
(٥) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٠/ ٣١٧٤)، والطبراني في «الأوسط» (٣/ ٣٤٣)، وابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٤/ ٢٨٥). وقال: سليمان بن عطاء في بعض أحاديثه بعض الإنكار. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ١٩٦ - ١٩٧): رواه الطبراني في «الأوسط» فيه سليمان بن عطاء وهو ضعيف. وقال الشوكاني في «فتح القدير» (٢/ ٢٩٧): وهذا الحديث ينبغي أن يكشف عن إسناده ففيه نكارة وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في (الصحيحين) وغيرهما بخلافه. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٥٤٣): منكر.
[ ٤ / ١٠٨ ]
المبحث الثالث: الإيمان بأن الأجل لا يعلمه أحد إلا الله
الإيمان بأن ذلك الأجل المحتوم والحد المرسوم لانتهاء كل عمر إليه لا اطلاع لنا عليه ولا علم لنا به وأنَّ ذلك من مفاتح الغيب التي استأثر الله تعالى: بعلمها عن جميع خلقه فلا يعلمها إلا هو كما قال تعالى: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ [الأنعام:٥٩] الآية. وقال تعالى: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان:٣٤] الآية. وفي الحديث المشهور عند أحمد والترمذي وغيرهما عن جماعة من الصحابة قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله تعالى: قَبْضَ روحِ عبدٍ بأرضٍ جعل له فيها – أو قال: بها – حاجةً» (١) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي –بتصرف- – ٢/ ٨٦٣
_________________
(١) رواه الترمذي (٢١٤٧)، وأحمد (٣/ ٤٢٩) (١٥٥٧٨)، والحاكم (١/ ١٠٢). من حديث أبي عزة ﵁. قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ورواته عن آخرهم ثقات فإني سمعت علي بن عمر الحافظ يقول: يلزم البخاري ومسلمًا إخراج حديث أبي المليح عن أبي عزة فقد احتج البخاري بحديث أبي المليح عن بريدة وحديث أبي عزة رواه جماعة من الثقات الحفاظ. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.
[ ٤ / ١٠٩ ]
المبحث الرابع: الإكثار من ذكر الموت
ذكر العبد الموت وجعله على باله وهو المفضي به إلى أعماله وإلى الحسن والقبيح من أقواله وأفعاله وإلى الجزاء الأوفى من الحكم العدل في شرعه وقدره وقضائه ووعده ووعيده فلا يعاقب أحدًا بذنب غيره ولا يهضمه ذرة من حسن أعماله. وفي حديث أبي هريرة ﵁ عند الترمذي والنسائي وابن حبان وصححه قال: قال رسول الله ﷺ: «أكثروا من ذكر هادم اللَّذات» الموت (١). وقال البخاري رحمه الله تعالى: في كتاب الرقاق من (صحيحه): باب قول النبي ﷺ (كُنْ في الدنيا كأَنَّك غريب أو عابر سبيل) عن عبدالله بن عمر ﵄ قال: أَخَذَ رسولُ الله ﷺ بمنكبي فقال: «كُنْ في الدنيا كأنَّك غريب أو عابرُ سبيل» وكان ابنُ عمر ﵄ يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساءَ. وخُذْ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتِك» (٢) ثم قال: باب في الأمل وطوله وقول الله تعالى: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:١٨٥] بمزحزحه بمباعده. وقال تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر:٣]، وقال علي ﵁: (ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون. فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل) (٣). عن ربيع بن خُثيم عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: خَطَّ النبيُّ ﷺ خطًّا مربعًا وخط خطًّا في الوسط خارجًا منه وخطّ خططًا صغارًا إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط وقال: «هذا الإنسان، وهذا أجله محيطٌ به أو قد أحاط به. وهذا الذي هو خارجٌ أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض فإن أخطأهُ هذا نهشه هذا وإن أخطأه هذا نهشه هذا» (٤)، عن أنس ﵁ قال: خَطَّ النبيُّ ﷺ خطوطًا فقال: «هذا الأملُ، وهذا أجله، فبينما هو كذلك إذ جاءَهُ الخط الأقرب» (٥) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - بتصرف – ٢/ ٨٦٥
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٣٠٧)، والنسائي (٤/ ٤)، وابن ماجه (٤٢٥٨)، وأحمد (٢/ ٢٩٢) (٧٩١٢)، وابن حبان (٧/ ٢٥٩)، والحاكم (٤/ ٣٥٧). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال النووي في «المجموع» (٥/ ١٠٥): إسناده صحيح كلها على شرط البخاري ومسلم. وقال الحافظ في «بلوغ المرام» (ص١٥٠): صححه ابن حبان. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.
(٢) رواه البخاري (٦٤١٦).
(٣) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٦٤١٧)، ورواه موصولًا ابن أبي شيبة (٧/ ١٠٠)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ٧٦)، وابن أبي الدنيا - مرفوعًا - في «قصر الأمل» (٢). قال أبو نعيم: رواه الثوري وجماعة عن زبيد مثله عن علي مرسلًا، ثم قال: أفادني هذا الحديث الدارقطني عن شيخي لم أكتبه إلا من هذا الوجه. وقال ابن حجر في «هداية الرواة» (٥/ ٢٣): وصله ابن أبي الدنيا. وقال في «تغليق التعليق» (٥/ ١٥٨ - ١٦٠): ووقع لنا من وجه آخر فيه ضعف وانقطاع، والصواب الموقوف.
(٤) رواه البخاري (٦٤١٧).
(٥) رواه البخاري (٦٤١٨).
[ ٤ / ١١٠ ]
المبحث الخامس: التأهب للموت قبل نزوله
والمبادرة بالعمل الصالح والسعي النافع قبل دهوم البلاء وحلوله، وهو - المقصود الأعظم - إذ هو الفيصل بين هذه الدار وبين دار القرار وهو الفصل بين ساعة العمل والجزاء عليه، والحد الفارق بين أوان تقديم الزاد والقدوم عليه، إذ ليس بعده لأحد من مستعتب ولا اعتذار، ولا زيادة في الحسنات ولا نقص من السيئات، ولا حيلة ولا افتداء ولا درهم ولا دينار ولا مقعد ولا منْزل إلا القبر وهو إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار إلى يوم البعث والجزاء وجمع الأوَّلين والآخرين وأهل السموات والأرضين والموقف الطويل بين يدي القويِّ المتين، يوم يقوم الناس لرب العالمين الحكيم العليم المقسط العدل الحكيم الذي لا يحيف ولا يجور ولا يظلم مثقال ذرة إن ربي على صراط مستقيم، ثم إما نعيم مقيم في جنات النعيم، وإما عذاب أليم في نار الجحيم، وإنَّ لكل ظاعن مقرًا ولكل نبأ مستقرًا وسوف تعلمون، قال الله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:٩٩ – ١٠٠] الآيات، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر:١٨] الآيات، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:٩ – ١١] وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ [الشورى:٤٤] وهذا سؤالهم الرجعة عند الاحتضار، وكذلك يسألون الرجعة عند معاينة العذاب يوم القيامة كما قال تعالى: وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ [إبراهيم:٤٤] الآيات.
[ ٤ / ١١١ ]
وكذلك يسألون الرجعة إذا وقفوا على النار ورأوا ما فيها من عظيم الأهوال وشديد الأنكال والمقامع والأغلال والسلاسل الطوال وما لا يصفه عقل ولا يعبر عنه مقال ولا يغني بالخبر عنه ضرب الأمثال كما قال تعالى: وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:٢٧ – ٢٨] الآيات، وكذلك يسألون الرجعة إذا وقفوا على ربهم وعرضوا عليه وهم ناكسو رؤوسهم بين يديه كما قال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة:١٢] الآيات، وكذلك يسألون الرجعة وهم في غمرات الجحيم وعذابها الأليم كما قال تعالى: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:٣٧] الآيات، وقال تعالى: قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ [غافر:١١] وغيرها من الآيات. ويجمع كل ذلك قوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ [الأعراف:٥٣] وغيرها من الآيات. وقال قتادة في قوله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [المؤمنون:٩٩]، قال كان العلاء بن زياد يقول: لينَزل أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه فأقاله فليعمل بطاعة ربه تعالى. وقال قتادة: والله ما تمنى إلاّ أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فانظروا أمنية الكافر المفرط فاعملوا بها ولا حول ولا قوة إلاّ بالله. وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﵁ قال: «إذا وضع – يعني الكافر – في قبره فيرى مقعده من النار قال فيقول: ربِّ ارجعون أتوبُ وأعملُ صالحًا، قال فيقال: قد عُمِّرت ما كنت معمرًا. قال فيضيق عليه قبرُه ويلتئِمُ فهو كالمنهوشِ ينام أو يفزع تهوي إليه هوام الأرض وحيَّاتها وعقاربها» (١). وروى الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كلُّ أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول لو أَنَّ الله هداني، فتكون عليه حسرة. قال: وكلُّ أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول لولا أَنَّ الله هداني قال فيكون لهم الشكر» (٢) وحديث أبي هريرة ﵁ عند مسلم «بادروا بالأعمال ستًا: طلوع الشمس من مغربها» الحديث (٣).
_________________
(١) انظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (٥/ ٤٩٤).
(٢) رواه أحمد (٢/ ٥١٢) (١٠٦٦٠)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٤٤٧)، والحاكم (٢/ ٤٧٣). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٣٩٩): رواه كله أحمد ورجاله رجال الصحيح. وانظر: «السلسلة الصحيحة» للألباني (٢٠٣٤).
(٣) رواه مسلم (٢٩٤٧).
[ ٤ / ١١٢ ]
وفي (صحيح البخاري) عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصِّحةُ والفراغ» (١). وللحاكم عنه ﵁ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال لرجلٍ وهو يعظه: «اغتنم خَمْسًا قبل خَمْس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (٢)، يعني: أن هذه الخمس أيام الشباب والصحة والغنى والفراغ والحياة هي أيام العمل والتأهب والاستعداد والاستكثار من الزاد، فمن فاته العمل فيها لم يدركه عند مجيء أضدادها، ولا ينفعه التمني للأعمال، بعد التفريط منه والإهمال، في زمن الفرصة والإمهال، فإن بعد كل شباب هرمًا، وبعد كل صحة سقمًا، وبعد كل غنىً فقرًا، وبعد كل فراغ شغلًا، وبعد كل حياة موتًا، فمن فرط في العمل أيام الشباب لم يدركه في أيام الهرم، ومن فرط فيه في أوقات الصحة لم يدركه في أوقات السقم، ومن فرط فيه في حالة الغنى فلم ينل القرب التي لم تنل إلاّ بالغنى لم يدركه في حالة الفقر، ومن فرط فيه في ساعة الفراغ لم يدركه عند مجيء الشواغل، ومن فرط في العمل في زمن الحياة لم يدركه بعد حيلولة الممات، فعند ذلك يتمنى الرجوع وقد فات، ويطلب الكرة وهيهات، وحيل بينه وبين ذلك وعظمت حسراته حين لا مدفع للحسرات. ولقد حثَّنا الله ﷿ أعظم الحث وحضنا أشد الحضَّ ودعانا إلى اغتنام الفرص في زمن المهلة وأخبرنا أن من فرط في ذلك تمناه وقد حيل بينه وبينه إذ يقول تعالى: في محكم كتابه داعيًا عباده إلى بابه يا من يسمع صريح خطابه ويتأمل لطيف عتابه قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [الزمر:٥٣ – ٥٩]، الآيات. وقال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ [الروم:٤٣] الآيات. وقال تعالى: اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُم مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ [الشورى:٤٧] الآيات. وغيرها. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ٢/ ٨٦٧
_________________
(١) رواه البخاري (٦٤١٢).
(٢) رواه الحاكم (٤/ ٣٤١). وقال: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح الجامع» (١٠٧٧): صحيح.
[ ٤ / ١١٣ ]
الفصل الثالث: سكرات الموت
المبحث الأول: تعريف السكرات والغمرات
المطلب الأول: تعريف السكرات
السكرات جمع سَكْرة، والسَّكْرَانُ: خلاف الصاحي، والسُّكْرُ: نقيض الصَّحْوِ، وقولهم: ذهب بين الصحوة والسكرة إنما هو بين أن يعقل ولا يعقل.
وسكرة الموت: شدّته، وسكرة الميت غشيته التي تدل الإنسان على أنه ميّت (١).
قال الراغب الأصفهاني ت ٥٠٢هـ: (السكر حالة تعرض بين المرء وعقله، وأكثر ما يستعمل في الشراب المسكر، ويطلق في الغضب والعشق والألم والنعاس، والغشي الناشئ عن الألم وهو المراد هنا) (٢).
فالمراد بالسكرات، إذًا، شدائد الموت وأهواله وكربه التي تصيب المحتضر، بسبب نزع الروح. أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - بتصرف - ص ٧٦
_________________
(١) انظر: «لسان العرب» (٢/ ١٧٠، ١٧١).
(٢) انظر: «مفردات القرآن» (ص: ٢٣٦)، و«فتح الباري» (١١/ ٣٦٢).
[ ٤ / ١١٤ ]
المطلب الثاني: تعريف الغمرات
الغمرات جمع غَمْرَة، وهي الشدة، وغَمْرةُ كل شيء: مُنْهَمَكه وشدّته
قال الطبري ت٣١٠هـ: (والغمرات جمع غمرة، وغمرة كل شيء كثرته ومعظمه، وأصله الشيء الذي يغمر الأشياء، فيغطيها) (١).
وغمرات الموت سكراته التي تغمر المحتضر، أي تغطي عقله وتستره، فيصاب بالغمرة والإغماء (٢). أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - بتصرف -ص ٧٦
_________________
(١) «تفسير الطبري» (٧/ ١٨٢، ١٨٣).
(٢) انظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير (ص: ٦٧٨).
[ ٤ / ١١٥ ]
المبحث الثاني: الأدلة من الكتاب والسنة على سكرات الموت
أولًا: الأدلة من كتاب الله تعالى:
ذكر الله ﷾ في كتابه الكريم، القرآن العظيم، سكرات الموت وشدائده في أكثر من آية، منها:
١ - قوله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ [الأنعام: ٩٣].
قال الطبري في تفسير هذه الآية: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ ولو ترى يا محمد حين يغمر الموت بسكراته هؤلاء الظالمين ، فتعاينهم وقد غشيتهم سكرات الموت، ونزل بهم أمر الله، وحان فناء آجالهم ، والغمرات جمع غمرة، وغمرة كل شيء كثرته ومعظمه) (١)، ثم روى عن ابن عباس في قوله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ. أنه قال: سكرات الموت (٢).
يقول السعدي ت ١٣٧٦هـ: (ولما ذم الظالمين ذكر ما أعد لهم من العقوبة حال الاحتضار، ويوم القيامة فقال: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت أي: شدائده وأهواله الفظيعة، وكربه الشنيعة، لرأيت أمرًا هائلًا، وحالة لا يقدر الواصف أن يصفها، وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ إلى أولئك الظالمين المحتضرين بالضرب والعذاب ) (٣).
٢ - قوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا قَلِيلا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [الأحزاب: ١٨، ١٩].
٣ - وقوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نزلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةُ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونُ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فِإِذَا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [محمد: ٢٠، ٢١]
فقوله تعالى في الآية الأولى رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ يعني ينظرون إليك يا محمد ﷺ تدور أعينهم خوفًا من القتل وفرارًا منه كالذي يغشى عليه من الموت، أي كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت النازل به وما يعانيه من سكرات وكرب (٤).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ت٧٢٨هـ: (من شدة الرعب الذي في قلوبهم يشبهون المغمى عليه وقت النزع؛ فإنه يخاف ويذهل عقله، ويشخص بصره، ولا يطرف، فكذلك هؤلاء؛ لأنهم يخافون القتل) (٥).
٤ - قوله تعالى وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق: ١٩].
_________________
(١) «تفسير الطبري» (٧/ ١٨٢).
(٢) «تفسير الطبري» (٧/ ١٨٣).
(٣) «تفسير السعدي» (ص: ٢٢٧).
(٤) انظر: «تفسير الطبري» (٢١/ ٨٩).
(٥) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٢٨/ ٤٥٦).
[ ٤ / ١١٦ ]
والمراد بسكرة الموت شدته وغمرته وغلبته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله، ومعنى (بالحق) أي من أمر الآخرة، فتبينه الإنسان حتى تثبته وعرفه، بمعنى أنه عند الموت يتضح له الحق، ويظهر له صدق ما جاءت به الرسل من الإخبار بالبعث، والوعد والوعيد، وقيل الحق هو الموت، فيكون المعنى: وجاءت سكرة الموت بحقيقة الموت، كما قرأ أبو بكر الصديق وابن مسعود (وجاءت سكرة الحق بالموت) (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ أي جاءت بما بعد الموت من ثواب وعقاب، وهو الحق الذي أخبرت به الرسل، ليس مراده أنها جاءت بالحق الذي هو الموت؛ فإن هذا مشهور لم ينازع فيه، ولم يقل أحد: إن الموت باطل حتى يقال جاءت بالحق) (٢).
٥ - قوله تعالى: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الواقعة: ٨٣ - ٨٧] هذا دليل على سكرات الموت (٣)؛ فإن الله ﷾ يقول: مهلًا إذا بلغت النفوس عند خروجها من أجسادكم، أيها الناس، حلاقيكم، ومن حضرهم منكم من أهليهم حينئذ إليهم ينظر، ونحن أقرب إليه بالعلم والقدرة والرؤية منكم، ورسلنا الذين يقبضون روحه أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون، فلولا إن كنتم غير مربوبين ومملوكين وغير مجزيين ترجعون تلك النفوس التي بلغت الحلقوم عند سكرات الموت إلى مقرها الذي كانت فيه، إن كنتم صادقين بأنكم غير مربوبين ولا مجزيين، ولن ترجعونها فبطل زعمكم (٤).
قال ابن كثير ت٧٧٤هـ في تفسير هذه الآيات: يقول تعالى فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ أي الروح الْحُلْقُومَ أي الحلق، وذلك حين الاحتضار، كما قال تعالى: كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [القيامة: ٢٦ - ٣٠]؛ ولهذا قال هاهنا وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ أي: إلى المحتضر، وما يكابده من سكرات الموت وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ أي بملائكتنا وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ أي: ولكن لا ترونهم، كما قال تعالى في الآية الأخرى وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام: ٦١، ٦٢]، وقوله تعالى: فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا معناه فهلا ترجعون هذه النفس التي قد بلغت الحلقوم إلى مكانها الأول، ومقرها من الجسد، إن كنتم غير مدينين) (٥).
٦ - وقد روى ابن كثير ت٧٧٤هـ عن جماعة من السلف أن المراد بقوله تعالى وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا [النازعات: ١، ٢]: الملائكة حين تنْزع أرواح بني آدم، فمنهم من تؤخذ روحه بعسر، فتغرق في نزعها، ومنهم من تؤخذ روحه بسهولة، وكأنما حلته من نشاط (٦).
_________________
(١) «تفسير الطبري» (٢٦/ ١٠٠، ١٠١)، «فتح القدير» (٥/ ٧٥).
(٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٦٥).
(٣) انظر: «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» (١/ ٤١).
(٤) انظر: «تفسير الطبري» (٢٧/ ١٢٠، ١٢١)، «تفسير البغوي» (٤/ ٢٩٠، ٢٩١).
(٥) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٣٠١).
(٦) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٤٦٨).
[ ٤ / ١١٧ ]
وقال ابن تيمية ت٧٢٨هـ: (وأما وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا فهي الملائكة القابضة للأرواح، وهذا يتضمن الجزاء، وهو من أعظم المقسم عليه) (١).
وقال البغوي ت٥١٦هـ: ( وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا: يعني الملائكة تنْزع أرواح الكفار من أجسادهم، كما يغرق النازع في القوس، فيبلغ بها غاية المدّ، وقال ابن مسعود: ينْزعها ملك الموت من تحت كل شعرة ومن الأظافر وأصول القدمين، ويرددها في جسده بعدما ينْزعها حتى إذا كادت تخرج ردها في جسده بعدما ينْزعها، فهذا عمله بالكفار ، وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا هي الملائكة تنشط نفس المؤمن، أي تحل حلًا رفيقًا فتقبضها، كما ينشط العقال من يد البعير، أي يحل برفق) (٢)، وروي في تفسيرها غير ذلك (٣).
٧ - قوله تعالى كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٤).
دلت هذه الآية على سكرة الموت؛ فقوله كَلا إِذَا بَلَغَتِ أي النفس التَّرَاقِيَ فحشرج بها عند سكرات الموت، والتراقي جمع الترقوة، وهي العظام بين ثغرة النحر والعاتق، فدل ذلك على الإشراف على الموت، وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ أي: قال من حضره هل من طبيب يرقيه ويداويه، فيشفيه برقيته أو دوائه، وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ أي أيقن الذي بلغت روحه التراقي أنه مفارق الدنيا، حيث تتابعت عليه الشدائد، فلا يخرج من كرب إلا جاءه أشد منه، واجتمع فيه الحياة والموت، والتفت ساقاه (٥).
يقول السعدي في تفسير هذه الآيات: (يعظ تعالى عباده بذكر المحتضر حال السياق، وأنه إذا بلغت روحه التراقي، وهي العظام المكتنفة لثغرة النحر، فحينئذ يشتد الكرب، ويطلب كل وسيلة وسبب يظن أن يحصل به الشفاء والراحة؛ ولهذا قال: وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ أي: من يرقيه، من الرقية؛ لأنهم انقطعت آمالهم من الأسباب العادية، فتعلقوا بالأسباب الإلهية، ولكن القضاء والقدر إذا حتم وجاء فلا مرد له، وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ للدنيا، وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ، أي: اجتمعت الشدائد، والتفت، وعظم الأمر، وصعب الكرب، وأريد أن تخرج الروح من البدن، الذي ألفته، ولم تزل معه، فتساق إلى الله تعالى؛ ليجازيها بأعمالها ويقررها بفعلها، فهذا الزجر الذي ذكره الله يسوق القلوب إلى ما فيه نجاتها، ويزجرها عما فيه هلاكها، ولكن المعاند الذي لا تنفع فيه الآيات لا يزال مستمرًا على غيه وكفره وعناده) (٦)
ثانيا: الأدلة على سكرات الموت من السنة والأثر:
ثبتت أحاديث عن الرسول ﷺ تدل على أن للموت سكرات، ومن ذلك:
١ - ما أخرجه البخاري بسنده عن عائشة ﵂: «أنّ رسول الله ﷺ كانت بين يديه رَكْوَة، أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات، ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قبض ومالت يده» (٧).
_________________
(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٣/ ٣٢٠).
(٢) «تفسير البغوي» (٤/ ٤٤١).
(٣) انظر: «تفسير الطبري» (٣٠/ ١٨ - ٢٠)، و«تفسير البغوي» (٤/ ٤٤١، ٤٤٢).
(٤) سورة القيامة، الآية ٢٦ - ٣٠.
(٥) انظر: «تفسير البغوي» (٤/ ٤٢٤، ٤٢٥)، «تفسير الطبري» (٢٩/ ١٢١).
(٦) «تفسير السعدي» (ص: ٨٣٣).
(٧) رواه البخاري (٦٥١٠).
[ ٤ / ١١٨ ]
٢ - وعن أنس ﵁ قال: «لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه فقالت فاطمة: وا كرب أباه، فقال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربًا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلما دفن قالت فاطمة -﵂-: يا أنس أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب» (١)
٣ - ما أخرجه البخاري بسنده عن عائشة ﵂ قالت: «مات النبي ﷺ وإنه لبين حاقنتي وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد أبدًا بعد النبي ﷺ» (٢).
٤ - ما رواه الترمذي بسنده عن عائشة ﵂ قالت «ما أغبط أحدًا بهون موت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله ﷺ» (٣).
قال أبو حامد الغزالي ت٥٠٥هـ: (اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب ولا هول ولا عذاب سوى سكرات الموت بمجردها لكان جديرًا بأن يتنغص عليه عيشه، ويتكدر عليه سروره ويفارقه سهوه وغفلته، وحقيقًا بأن يطول فيه فكره، ويعظم له استعداده، لا سيما وهو في كل نفس بصدده ، واعلم أن شدة الألم في سكرات الموت لا يعرفها بالحقيقة إلا من ذاقها، ومن لم يذقها فإنما يعرفها إما بالقياس إلى الآلام التي أدركها، وإما بالاستدلال بأحوال الناس في النَزع على شدة ما هم فيه.
فأما القياس: الذي يشهد له فهو أن كل عضو لا روح فيه فلا يحس بالألم، فإذا كان فيه الروح فالمدرك للألم هو الروح، فمهما أصاب العضو، جرح أو حريق سرى الأثر إلى الروح، فبقدر ما يسري إلى الروح يتألم، يتفرق على اللحم والدم وسائر الأجزاء، فلا يصيب الروح إلا بعض الألم؛ فإن كان من الآلام ما يباشر نفس الروح ولا يلاقي غيره فما أعظم ذلك الألم وما أشده، والنَزع عبارة عن مؤلم نزل بنفس الروح فاستغرق جميع أجزائه، حتى لم يبق جزء من أجزاء الروح المنتشر في أعماق البدن إلا وقد حل به الألم ، فألم النَزع يهجم على نفس الروح ويستغرق جميع أجزائه؛ فإنه المنْزوع المجذوب من كل عرق من العروق، وعصب من الأعصاب، وجزء من الأجزاء، ومفصل من المفاصل، ومن أصل كل شعرة وبشرة من العرق إلى القدم، فلا تسل عن بدن يجذب منه كل عرق من عروقه، ولو كان المجذوب عرقًا واحدًا لكان ألمه عظيمًا، فكيف والمجذوب نفس الروح المتألم، لا من عرق واحد، بل من جميع العروق، ثم يموت كل عضو من أعضائه تدريجيًا، فتبرد أولًا قدماه، ثم ساقاه، ثم فخذاه، ولكل عضو سكرة بعد سكرة، وكربة بعد كربة، حتى يبلغ بها إلى الحلقوم، فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها) (٤).
أخرج ابن أبي الدنيا عن شداد ابن أوس ﵁ قال: «الموت أفظع هول في الدنيا والآخرة على المؤمنين، والموت أشد من نشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض، وغلي في القدور، ولو أن الميت نُشر فأخبر أهل الدنيا بألم الموت، ما انتفعوا بعيش، ولا لذوا بنوم» (٥).
وأخرج ابن سعد عن عوانة بن الحكم قال: (كان عمرو بن العاص يقول: عجبًا لمن نزل به الموت وعقله معه كيف لا يصفه، فلما نزل به قال له ابنه عبد الله: يا أبتِ إنك كنت تقول: عجبًا لمن نزل به الموت وعقله معه كيف لا يصفه؟ فصف لنا الموت قال: يا بنيّ الموت أجل من أن يوصف، ولكن سأصف لك منه شيئًا، أجدني كأن على عنقي جبال رضوى، وأجدني كأن في جوفي الشوك، وأجدني كأن نفسي تخرج من ثقب إبرة (٦). أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - ص ٧٧
_________________
(١) رواه البخاري (٤٤٦٢) بلفظ: «أطابت أنفسكم» بدلًا من «أطابت نفوسكم».
(٢) رواه البخاري (٤٤٤٦).
(٣) رواه الترمذي (٩٧٩). حسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ١٦٨) كما قال ذلك في المقدمة، وقال المباركفوري في «تحفة الأحوذي» (٣/ ٤١٥): الظاهر أنه حسن، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
(٤) انظر: «الموت»: (ص٦٥ - ٦٧)، ونقله ابن الجوزي في: «الثبات عند الممات» (ص٦١ - ٦٣).
(٥) «الموت» (ص: ٦٩).
(٦) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٤/ ٢٦٠). وانظر: «سير أعلام النبلاء» (٣/ ٧٥)، و«فتح الباري» (٨/ ٣٤٦).
[ ٤ / ١١٩ ]
المبحث الثالث: سكرات الموت تحصل لكل المخلوقات
كل المخلوقات تجد سكرات الموت ويشهد لهذا عموم قوله تعالى كل نفس ذائقة الموت [آل عمران: ١٨٥]، وقوله ﷺ «إن للموت سكرات» (١)، لكن تختلف المخلوقات في درجة إحساسها بالسكرات (٢).
فالعبد المؤمن تخرج روحه بسهولة ويسر، ودليل ذلك ما ورد في حديث البراء بن عازب أن الرسول ﷺ قال عن وفاة المؤمن: «ثم يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة وفي رواية: المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيِّ السقاء، فيأخذها » (٣).
أما الكافر فإن روحه تخرج بشدة وصعوبة يتعذب بها، لقوله ﷺ في حديثه عن وفاة الكافر وفي رواية الفاجر: «ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب» (٤).
هذا بالجملة وإلا فإنه قد تشتد السكرات على بعض الصالحين؛ لتكفير ذنوبهم، ولرفع درجاتهم، كما حصل للرسول ﷺ حيث عانى من شدة سكرات الموت، كما في صحيح البخاري
قال ابن حجر: وفي الحديث «لا إله إلا الله إن للموت سكرات»: أن شدة الموت لا تدل على نقص في المرتبة، بل هي للمؤمن إما زيادة في حسناته، وإما تكفير لسيئاته) (٥).
وقد ترجم ابن ماجه ت٢٧٥هـ في سننه بعنوان: (باب ما جاء في المؤمن يؤجر في النَزْع)، وساق تحته قوله ﷺ: «المؤمن يموت بعرق الجبين» (٦). كما قد جاء في حديث آخر قوله ﷺ: «الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم ألم مس القرصة» (٧).
_________________
(١) رواه البخاري (٤٤٤٩). من حديث عائشة ﵁.
(٢) انظر: «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» (١/ ٥٠، ٥١).
(٣) رواه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧)، والحاكم (١/ ٩٣)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٣٥٥). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الطبري في «مسند عمر» (٢/ ٤٩١): إسناده صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين فقد احتجا جميعا بالمنهال بن عمرو وزاذان أبي عمر الكندي، وفي هذا الحديث فوائد كثيرة لأهل السنة وقمع للمبتدعة ولم يخرجاه بطوله وله شواهد على شرطهما، وصحح إسناده البيهقي، وقال الهيثمي (٣/ ٥٢): رجاله رجال الصحيح.
(٤) رواه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧)، والحاكم (١/ ٩٣)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٣٥٥). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الطبري في «مسند عمر» (٢/ ٤٩١): إسناده صحيح، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين فقد احتجا جميعا بالمنهال بن عمرو وزاذان أبي عمر الكندي، وفي هذا الحديث فوائد كثيرة لأهل السنة وقمع للمبتدعة ولم يخرجاه بطوله وله شواهد على شرطهما، وصحح إسناده البيهقي، وقال الهيثمي (٣/ ٥٢): رجاله رجال الصحيح.
(٥) «فتح الباري» (١١/ ٣٦٣).
(٦) رواه ابن ماجه (١١٩٧). وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ١٨٣) كما قال ذلك في المقدمة، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».
(٧) رواه ابن ماجه (٢٢٧٨). بلفظ: «ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم من القرصة». قال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.
[ ٤ / ١٢٠ ]
وهذا يدل على أن الأصل تخفيف نزع روح المؤمن، إلا أنها قد تشدّد على من أراد الله ﷾ من المؤمنين؛ تكفيرًا لسيئاتهم، أو رفعًا لدرجاتهم؛ قال القرطبي في معرض حديثه عن سكرات الموت: قال القرطبي: (قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فإذا كان هذا الأمر قد أصاب الأنبياء والمرسلين والأولياء فما لنا عن ذكره مشغولين؟ وعن الاستعداد له متخلفين؟ قالوا وما جرى على الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين من شدائد الموت وسكراته فله فائدتان:
أحدهما: أن يعرف الخلق مقدار ألم الموت وأنه باطن، وقد يطلع الإنسان على بعض الموتى فلا يرى عليه حركة ولا قلقًا، ويرى سهولة خروج روحه، فيغلب على ظنه سهولة أمر الموت ولا يعرف ما الميت فيه، فلما ذكر الأنبياء الصادقون في خبرهم شدة ألمه مع كرامتهم على الله تعالى، وتهوينه على بعضهم قطع الخلق بشدة الموت الذي يعانيه ويقاسيه الميت مطلقًا لإخبار الصادقين عنه، ما خلا الشهيد قتيل الكفار
الثانية: ربما خطر لبعض الناس أن هؤلاء أحباب الله وأنبياؤه ورسله، فكيف يقاسون هذه الشدائد العظيمة؟ وهو سبحانه قادر أن يخفف عنهم أجمعين. فالجواب: أن «أشد الناس بلاءً في الدنيا الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» (١) كما قال نبينا ﵇ فأحب الله أن يبتليهم تكميلًا لفضائلهم لديه، ورفعة لدرجاتهم عنده، وليس ذلك في حقهم نقصًا ولا عذابًا، بل هو .. كمال رفعة، مع رضاهم بجميل ما يجري الله عليهم، فأراد الحق سبحانه أن يختم لهم بهذه الشدائد، مع إمكان التخفيف والتهوين عليهم، ليرفع منازلهم، ويعظم أجورهم قبل موتهم، كما ابتلى إبراهيم بالنار، وموسى بالخوف والأسفار وعيسى بالصحارى والقفار، ونبينا محمدًا ﷺ بالفقر في الدنيا ومقاتلة الكفار، كل ذلك لرفعة في أحوالهم وكمال في درجاتهم.
ولا يفهم من هذا أن الله شدد عليهم أكثر مما شدد على العصاة المخلطين؛ فإن ذلك عقوبة لهم، ومؤاخذة على إجرامهم، فلا نسبة بينه وبين هذا) (٢).
فشدة السكرات تخفف من الذنوب، وكل ما يصيب الإنسان من مرض أو شدة أو هم أو غم حتى الشوكة تصيبه فإنها كفارة لذنوبه، ثم إن صبر واحتسب كان له مع التكفير أجر ذلك الصبر الذي قابل به هذه المصيبة التي لحقت به، ولا فرق في ذلك بين ما يكون عند الموت، وما يكون قبله، فالمصائب كفارات لذنوب المؤمن، وقد أخبر الرسول ﷺ بأنه: «ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها»، وكذلك قوله ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يصب منه» وقوله ﷺ: «ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهمّ يهمّه إلا كفر به من سيئاته»، وفي رواية قال ﷺ: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه».
أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - ص ٨٦
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٣٩٨)، وأحمد (١/ ١٧٢) (١٤٨١)، و(١/ ١٨٠) (١٥٥٥)، والحاكم (١/ ٩٩). من حديث سعد ابن أبي وقاص ﵁، بلفظ: «أي الناس أشد بلاء؟ قال الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فيبتلى الرجل على حسب دينه ». قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ١١٦): له شاهد، وصححه الزرقاني في «مختصر المقاصد» (١٠٢)، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٣/ ٥٢): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٩٩٢).
(٢) «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» (١/ ٤٨ - ٥٠).
[ ٤ / ١٢١ ]
المبحث الرابع: من يخفف عنه سكرات الموت
أخبرنا الرسول ﷺ أن الشهيد الذي يسقط في المعركة تخفف عنه سكرات الموت، فقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة» رواه الترمذي والنسائي والدارمي (١)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص٢٦
_________________
(١) رواه الترمذي (١٦٦٨)، والنسائي (٦/ ٣٦)، والدارمي (١/ ١٧٩) (٢٤٥٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وقال أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٨/ ٢٩١): ثابت مشهور من حديث القعقاع عن أبي صالح، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: حسن صحيح.
[ ٤ / ١٢٢ ]
الفصل الرابع: حال الإنسان عند الاحتضار
المبحث الأول: سؤال الرجعة إلى الدنيا عند الاحتضار
الكافرون والمفرّطون في أمر الله تعالى يسألون الله ﷿ حال الاحتضار الرجعة إلى الحياة الدنيا؛ ليصلحوا ما كان أفسدوه في مدة حياتهم، قال تعالى عنهم: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠].
فالكافرون يسألون الرجعة عند الاحتضار؛ ليسلموا، والعصاة ليتوبوا ويعملوا صالحًا، فلا يجابون إلى ذلك، كما قال تعالى كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وكَلا حرف ردع وزجر، أي لا نجيبه إلى ما طلب ولا نقبل منه، وقوله: إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا أي لابد أن يقولها لا محالة كل محتضر ظالم، ولو رُدّ لما عمل صالحًا ولكن يكذب في مقالته.
يقول الطبري في تفسيره للآية السابقة: (يقول تعالى ذكره حتى إذا جاء أحد هؤلاء المشركين الموت، وعاين نزول أمر الله به، قال لعظيم ما يعاين، مما يقدم عليه من عذاب الله تندمًا على ما فات، وتلهفًا على ما فرط فيه قبل ذلك من طاعة الله ومسألته للإقالة: رَبِّ ارْجِعُونِ إلى الدنيا فرّدوني إليها، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا، يقول: كي أعمل صالحًا فِيمَا تَرَكْتُ قبل اليوم، من العمل، فضيّعته، وفرطت فيه) (١).
ويقول السعدي: (يخبر تعالى عن حال من حضره الموت من المفرطين الظالمين أنه يندم في تلك الحال، إذا رأى مآله، وشاهد قبح أعماله، فيطلب الرجعة إلى الدنيا، لا للتمتع بلذاتها واقتطاف شهواتها، وإنما ذلك ليقول: لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ من العمل، وفرطت في جنب الله، كَلَّا أي: لا رجعة له ولا إمهال، قد قضى الله أنهم إليها لا يرجعون إِنَّهَا أي: مقالته التي تمنى فيها الرجوع إلى الدنيا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا أي مجرد قول اللسان لا يفيد صاحبه إلا الحسرة والندم، وهو أيضًا غير صادق في ذلك؛ فإنه لو رُدّ لعاد لما نُهِي عنه) (٢).
ويدل على سؤال الرجعة وتمنيها حين الاحتضار قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون: ٩ - ١١].
فكل مفرّط يندم عند الاحتضار، ويتحسر على ما فرّط في وقت الإمكان، ويسأل الرجعة إلى الدنيا، ولو لمدة يسيرة، ليستعتب ويستدرك ما فاته وما فرّط فيه، ويتصدق ويكون من الصالحين، لكن هيهات فهذا السؤال والتمني قد فات وقته ولا يمكن تداركه؛ ولهذا قال تعالى: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون: ١١] أي لا يؤخر أحدًا بعد حلول أجله، وهو سبحانه أعلم وأخبر بمن يكون صادقًا في قوله وسؤاله ممن لو رُدّ لعاد إلى شر مما كان عليه (٣)
_________________
(١) «تفسير الطبري» (١٨/ ٤٠).
(٢) «تفسير السعدي» (ص: ٥٠٨).
(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٤/ ٣٧٣)، و«تفسير السعدي» (ص: ٨٠٢).
[ ٤ / ١٢٣ ]
قال أبو جعفر الطبري في تفسير هذه الآية: (يقول تعالى ذكره وَأَنْفِقُوا أيها المؤمنون بالله ورسوله، من الأموال التي رزقناكم مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ إذا نزل به الموت: يا رب هلا أخرتني، فتمهل لي في الأجل إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ يقول فأزكي مالي، وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ أعمل بطاعتك وأؤدي فرائضك، وقيل: عني بقوله وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وأحج بيتك الحرام) (١).
وفي موضع آخر من كتاب الله تعالى يخبر جل وعلا عن حال الذين ظلموا أنفسهم عند معاينة العذاب وحلول الأجل أنهم يسألون الرجعة وتأخير الأجل؛ نادمين على ما فعلوا، قال تعالى مخبرًا عنهم: وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ [إبراهيم: ٤٤]؛ وهذا كله أمل في التخلص من العذاب الأليم وإلا فهم كاذبون في وعودهم؛ ولهذا يوبخون بأن يقال لهم أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ [إبراهيم: ٤٤، ٤٥]، فهم يوبخون بتذكيرهم بكذبهم حين أقسموا أنهم لن يزولوا عن الدنيا إلى الآخرة، وهم يرون ويعلمون ما أحل بالأمم المكذبة قبلهم وما نزل بهم من العقوبات ولكنهم لم يعتبروا ولم يتعظوا، بل أعرضوا واستمروا على باطلهم وظلمهم حتى وصلوا إلى اليوم الذي لا ينفع فيه اعتذار ولا تقبل فيه توبة (٢).
قال الشنقيطي ت١٣٩٣هـ: (قوله تعالى حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا .. [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠] وما تضمنته الآية الكريمة من أن الكافر والمفرّط في عمل الخير إذا حضر أحدهما الموت طلبا الرجعة إلى الحياة؛ ليعملا العمل الصالح الذي يدخلهما الجنة، ويتداركا به ما سلف منهما من الكفر والتفريط، وأنهما لا يجابان إلى ذلك، كما دل عليه حرف الزجر والردع الذي هو كَلا، جاء موضحًا في مواضع أخر كقوله تعالى وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا الآية، وقوله تعالى: وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ [إبراهيم: ٤٤] إلى غير ذلك من الآيات، وكما أنهم يطلبون الرجعة عند حضور الموت، ليصلحوا أعمالهم؛ فإنهم يطلبون ذلك يوم القيامة، ومعلوم أنهم لا يجابون إلى ذلك.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا الظاهر أن لعل فيه للتعليل أي ارجعون لأجل أن أعمل صالحًا، وقيل: هي للترجي والتوقع؛ لأنه غير جازم بأنه إذا رُدّ للدنيا عمل صالحًا، والأول أظهر، والعمل الصالح يشمل جميع الأعمال من الشهادتين والحج، الذي كان قد فرّط فيه، والصلوات والزكاة، ونحو ذلك، والعلم عند الله تعالى، وقوله كَلا كلمة زجر، وهي دالة على أن الرجعة التي طلبها لا يعطاها كما هو واضح» (٣). أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - ص ١٢٠
_________________
(١) «تفسير الطبري» (٢٨/ ٧٦).
(٢) انظر: «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٢٢ - ٥٢٣)، و«تفسير السعدي» (ص: ٣٨١ - ٣٨٢).
(٣) «أضواء البيان» (٥/ ٨٢١، ٨٢٢).
[ ٤ / ١٢٤ ]
المبحث الثاني: انقطاع التوبة بحضور الموت
أخبرنا الله ﷾ في كتابه العزيز أن الذين يعملون السيئات ثم يتوبون فإنه تعالى يقبل توبتهم، حيث قال سبحانه إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: ١٧] وغيرها من الآيات الكثيرة، ويقول ﷺ فيما يرويه عنه أبو هريرة ﵁ «لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء، ثم تبتم لتاب عليكم» (١)، وعن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (٢)، وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» (٣)، وغيرها من الأحاديث الشريفة، فالنصوص الشرعية التي تحث على التوبة كثيرة جدًا، إلا أنها غير مقبولة عند الله تعالى إلا حين تتوفر شروطها التي ذكرها العلماء استقراءً من نصوص كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، ومن تلك الشروط:
١ - أن تكون التوبة خالصة لوجه الله تعالى، فلا يراد بها الدنيا أو مدح الناس وثناؤهم.
٢ - الإقلاع عن المعصية.
٣ - الندم على فعلها.
٤ - العزم على عدم العودة إليها.
٥ - إرجاع الحقوق إلى أصحابها، إن كانت المعصية حقوقًا للآخرين.
٦ - أن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها، وقبل حضور الموت (٤).
والذي يعنينا من هذه الشروط في هذا المبحث هو أن التوبة لا بد أن تكون قبل حضور الموت (٥) لقوله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء: ١٧، ١٨].
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٤٢٤٨). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٣٣٠): هذا إسناد حسن، وقال محمد الغزي في «إتقان ما يحسن» (٢/ ٤٥٦): إسناده جيد، وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن صحيح.
(٢) رواه ابن ماجه (٣٤٤٦)، والطبراني (١٠/ ١٥٠) (١٠٣٠٣)، والبيهقي (١٠/ ١٥٤) (٢١٠٧٠). قال ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (١/ ١١٧): [رواته] كلهم ثقات وأبو عبيدة هو ابن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ٢٠٣): رجاله رجال الصحيح إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، وقال السخاوي في «الأجوبة المرضية» (١/ ٨٧): رجال سنده ثقات ولولا الإرسال الذي فيه لكان صحيحًا، وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».
(٣) رواه الترمذي (٢٤٩٩)، وابن ماجه (٤٢٥١)، والحاكم (٤/ ٢٧٢). قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة عن قتادة، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال ابن حجر في «بلوغ المرام» (٤٣٩): إسناده قوي. وحسّنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».
(٤) انظر: «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» (١/ ٨٥).
(٥) انظر: «فتح الباري» (١١/ ٤٨٧).
[ ٤ / ١٢٥ ]
يقول الطبري: (ما التوبة على الله لأحد من خلقه إلا للذين يعملون السوء من المؤمنين بجهالة، ثم يتوبون من قريب، يقول: ما الله براجع لأحد من خلقه إلى ما يحبه من العفو عنه، والصفح عن ذنوبه التي سلفت منه إلا للذين يأتون ما يأتونه من ذنوبهم جهالة منهم وهم بربهم مؤمنون ثم يراجعون طاعة الله ويتوبون منه إلى ما أمرهم الله به من الندم عليه والاستغفار وترك العودة إلى مثله قبل نزول الموت بهم، وذلك هو القريب الذي ذكره الله تعالى ذكره، فقال: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ، تأويله يتوبون قبل مماتهم في الحال التي يفهمون فيها أمر الله ﵎، ونهيه، وقبل أن يغلبوا على أنفسهم وعقولهم، وقبل حال اشتغالهم بكرب الحشرجة وغم الغرغرة، فلا يعرفوا أمر الله ونهيه، ولا يعقلوا التوبة؛ لأن التوبة لا تكون توبة إلا ممن ندم على ما سلف وعزم فيه على ترك المعاودة، وهو يعقل الندم، ويختار ترك المعاودة، وأما إذا كان بكرب الموت مشغولًا، وبغم الحشرجة مغمورًا فلا أخاله إلا عن الندم على ذنوبه مغلوبًا؛ ولذلك قال من قال: إن التوبة مقبولة ما لم يغرغر العبد بنفسه؛ فإن كان المرء في تلك الحال يعقل عقل الصحيح، ويفهم فهم العاقل الأديب فأحدث إنابة من ذنوبه، ورجعة من شروده عن ربه إلى طاعته كان إن شاء الله ممن دخل في وعد الله الذي وعد التائبين إليه من إجرامهم من قريب) (١).
فهذه الآية تدل على قبول الله تعالى للتوبة قبل حضور الموت، أما إذا حضر موته وغرغرت روحه فليس توبته معتبرة حينئذ ولا مقبولة، قال ابن كثير في تفسيره للآيتين السابقتين: (يقول ﷾ إنما يقبل الله التوبة ممن عمل السوء بجهالة ثم يتوب ولو بعد معاينة الملك يقبض روحه قبل الغرغرة ، فقد دلت الأحاديث على أن من تاب إلى الله ﷿ وهو يرجو الحياة فإن توبته مقبولة ، وأما متى وقع الإياس من الحياة، وعاين الملك، وخرجت الروح من الحلق، وضاق بها الصدر، وبلغت الحلقوم، وغرغرت النفس صاعدة من الغلاصم، فلا توبة مقبولة حينئذ ولات حين مناص) (٢).
وهذا مثل قوله تعالى عن فرعون: حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: ٩٠، ٩١].
ففرعون كفر بالله تعالى وكذّب رسوله ﵊، وأساء إلى نفسه أيام حياته وفي صحته بتماديه في طغيانه ومعصية ربه، فلما حل به سخط الله ونزل عليه عقابه، فزع إليه مستجيرًا به من عذابه الواقع به، وناداه وقد علته أمواج البحر، وغشيته كرب الموت قائلًا: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ له المنقادين بالذلة والعبودية، فقال ﷾ معرفًا فرعون قبح صنيعه في حياته: آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ آلآن تقر بالعبودية وتستسلم له بالذلة وتخلص له الألوهية، وقد عصيته قبل نزول نقمته بك فأسخطته على نفسك، وكنت من الصادين عن سبيله، فهلا وأنت في مهل وباب التوبة لك منفتح أقررت بما أنت به الآن مقر (٣).
_________________
(١) «تفسير الطبري» (٤/ ٢٠٢، ٢٠٥، ٢٠٦).
(٢) «تفسير ابن كثير» (١/ ٤٣٩، ٤٤٠).
(٣) انظر: «تفسير الطبري» (١١/ ١١٣).
[ ٤ / ١٢٦ ]
قال السعدي: (حتى إذا أدرك فرعون الغرق وجزم بهلاكه قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وهو الله الحق، الذي لا إله إلا هو وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي: المنقادين لدين الله، ولما جاء به موسى، قال الله تعالى، مبينًا أن هذا الإيمان في هذه الحالة غير نافع له آلآنَ تؤمن، وتقر برسول الله وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ أي: بارزت بالمعاصي والكفر والتكذيب وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فلا ينفعك الإيمان كما جرت عادة الله أن الكفار إذا وصلوا إلى هذه الحالة الاضطرارية أنه لا ينفعهم إيمانهم؛ لأن إيمانهم صار إيمانًا مشاهدًا كإيمان من ورد القيامة، والذي ينفع إنما هو الإيمان بالغيب) (١).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل هذه التوبة لا تمنع إلا إذا عاين أمر الآخرة، كما قال تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ .. [النساء: ١٧] الآية وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب، وأما من تاب عند معاينة الموت فهذا كفرعون الذي قال: أنا الله فلما أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قال الله: آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وهذا استفهام إنكار بين به أن هذه التوبة ليست هي التوبة المقبولة المأمور بها ومثله قوله تعالى: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [غافر: ٨٣ - ٨٥] الآية، بين أن التوبة بعد رؤية البأس لا تنفع، وأن هذه سنة الله التي قد خلت في عباده كفرعون وغيره) (٢).
وقبول التوبة قبل حضور الموت؛ لأن الرجاء باق ويصح الندم والعزم على ترك الفعل، قال القرطبي: (قال علماؤنا ﵏ وإنما صحت منه التوبة في هذا الوقت؛ لأن الرجاء باق ويصح الندم والعزم على ترك الفعل، وقيل: المعنى يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار، والمبادرة في الصحة أفضل وألحق لأمله في العمل الصالح والبعد كل البعد عن الموت، وأما ما كان قبل الموت فهو قريب) (٣).
وقد أخبر الله تعالى عن الأمم المكذبة بالرسل في قديم الدهر بأنهم لما رأوا وقوع عذاب الله بهم وحّدوا الله ﷿ وكفروا بالطاغوت فلم يقبل الله منهم توبتهم، قال تعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ [غافر: ٨٤، ٨٥]، فهذا حكم الله في جميع من تاب عند معاينة العذاب أنه لا يقبل، وهذه سنة الله وعادته أن المكذبين حين ينْزل بهم بأس الله وعقابه إذا آمنوا كان إيمانهم غير صحيح ولا مقبولًا؛ لأنه إيمان ضرورة قد اضطروا إليه، وإيمان مشاهدة، وإنما الإيمان المقبول المنجي هو الإيمان الاختياري، الذي يكون إيمانًا بالغيب، وذلك قبل وجود قرائن العذاب (٤).
_________________
(١) «تفسير السعدي» (ص: ٣٢٨، ٣٢٩).
(٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٨/ ١٩٠، ١٩١).
(٣) «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» (١/ ٨٥).
(٤) انظر: «تفسير ابن كثير» (٤/ ٩١)، و«تفسير السعدي» (ص: ٦٩٠).
[ ٤ / ١٢٧ ]
يقول الطبري: (لم يك ينفعهم تصديقهم في الدنيا بتوحيد الله عند معاينة عقابه قد نزل، وعذابه قد حل؛ لأنهم صدقوا حين لا ينفع التصديق مصدقا؛ إذ كان قد مضى حكم الله في السابق من علمه أن من تاب بعد نزول العذاب من الله على تكذيبه لم تنفعه توبته) (١).
ويشهد لهذا الشرط المهم من شروط قبول التوبة ما ورد عن الرسول ﷺ أنه قال: «إن الله ﷿ ليقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (٢)، أي فإذا غرغر وبلغت الروح الحنجرة، وعاين الملك فلا توبة حينئذ (٣).
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ [آل عمران: ٩٠]، قال بعض العلماء بأن المراد: إذا أخروا التوبة إلى حضور الموت فتابوا حينئذ، فلن تقبل توبتهم، فيكون مثل قوله تعالى في الآية السابقة: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء: ١٨]، وتقرر في الأصول حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا (٤).
وروى الطبري ت٣١٠هـ بسنده عن الحسن البصري ت١١٠هـ قوله في هذه الآية هم اليهود والنصارى لن تقبل توبتهم عند الموت (٥).
وقال ابن تيمية: (قال الأكثرون لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت ، قلت: وذلك لأن التائب راجع عن الكفر، ومن لم يتب فإنه مستمر يزداد كفرًا بعد كفر، فقوله ثم ازدادوا بمنْزلة قول القائل: ثم أصروا على الكفر، واستمروا على الكفر، وداموا على الكفر، فهم كفروا بعد إسلامهم، ثم زاد كفرهم ما نقص، فهؤلاء لا تقبل توبتهم، وهي التوبة عند حضور الموت؛ لأن من تاب قبل حضور الموت فقد تاب من قريب، ورجع عن كفره، فلم يزدد بل نقص، بخلاف المصر إلى حين المعاينة، فما بقي له زمان يقع لنقص كفره فضلًا عن هدمه) (٦).
_________________
(١) «تفسير الطبري» (٢٤/ ٥٨).
(٢) رواه الترمذي (٣٥٣٧)، وابن ماجه (٣٤٤٩) - قال المزي: وقع عند ابن ماجه عبدالله بن عمرو وهو وهج والصواب عن عبدالله بن عمر بن الخطاب-، وأحمد (٢/ ١٣٢) (٦١٦٠)، وابن حبان (٢/ ٣٩٤) (٦٢٨)، والحاكم (٤/ ٢٨٦). من حديث ابن عمر ﵄. قال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن كثير في «تفسير القرآن» (٢/ ٢٠٧): مرسل حسن، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٢/ ٤٤٩) كما قال ذلك في المقدمة.
(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٤/ ٩١).
(٤) انظر: «أضواء البيان» (١/ ٣٤٣).
(٥) انظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٢٤٣).
(٦) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١٦/ ٢٩).
[ ٤ / ١٢٨ ]
أما ما ثبت «أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي ﷺ - وعنده أبو جهل - فقال: أي عم، قل: لا إله إلا الله كلمةً أحاجُّ لك بها عند الله» (١) الحديث، فقد قال ابن حجر: بأنه ﷺ لقن عمه الشهادة قبل أن يدخل في الغرغرة، وقول الرسول ﷺ: أحاج لك بها عند الله كأنه ﵊ فهم من امتناع أبي طالب من الشهادة في تلك الحالة أنه ظن أن ذلك لا ينفعه؛ لوقوعه عند الموت؛ أو لكونه لم يتمكن من سائر الأعمال الصالحة كالصلاة وغيرها، فلذلك ذكر له المحاججة، وأما لفظ (الشهادة) فيحتمل أنه يكون ظن أن ذلك لا ينفعه إذ لم يحضر حينئذ أحد من المؤمنين مع النبي ﷺ فطيب قلبه بأن يشهد له بها فينفعه، وهذا يدل على أن التوبة مقبولة ولو في شدة مرض الموت حتى يصل إلى المعاينة فلا يقبل، كما يدل هذا الحديث على أن الكافر إذا شهد شهادة الحق قبل المعاينة وتحقق الموت نجا من العذاب؛ لأن الإسلام يجب ما قبله (٢).
ونقل ابن حجر عن الكرماني قوله بأن عرض الرسول ﷺ الشهادة على عمه كان عند حضور علامات الوفاة، وإلا فلو كان انتهى إلى المعاينة لم ينفعه الإيمان لو آمن، ويدل على الأول ما وقع من المراجعة بينه وبينهم، ثم قال ابن حجر: (ويحتمل أن يكون انتهى إلى تلك الحالة، لكن رجا النبي ﷺ أنه إذا أقر بالتوحيد، ولو في تلك الحالة أن ذلك ينفعه بخصوصه، وتسوغ شفاعته ﷺ لمكانه منه، ولهذا قال: أجادل لك بها وأشفع لك ، ويؤيد الخصوصية أنه بعد أن امتنع من الإقرار بالتوحيد، وقال هو على ملة عبد المطلب ومات على ذلك أن النبي ﷺ لم يترك الشفاعة له، بل شفع له حتى خفف عنه العذاب بالنسبة لغيره، وكان ذلك من الخصائص في حقه) (٣)، يشير في هذا إلى ما ثبت أن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال للنبي ﷺ: «ما أغنيت عن عمّك؛ فإنه كان يحوطك ويغضب لك. قال ﷺ: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» (٤).
وقال ابن بطال ت٤٤٩هـ: (فإن قال قائل: فأي محاجة يحتاج إليها من وافى ربه بما يدخله به الجنة؟ فالجواب: أنه يحتمل وجوهًا من التأويل:
أحدها: أن يكون ظن ﵇ أن عمه اعتقد أن من آمن في مثل حاله لا ينفعه إيمانه؛ إذ لم يقارنه عمل سواه من صلاة وصيام وزكاة وحج وشرائط الإسلام كلها، فأعلمه ﵇ أن من قال: لا إله إلا الله عند موته أنه يدخل في جملة المؤمنين، وإن تعرى من عمل سواها.
ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن يكون أبو طالب قد عاين أمر الآخرة، وأيقن بالموت، وصار في حالة من لا ينتفع بالإيمان لو آمن، وهو الوقت الذي قال فيه: هو على ملة عبد المطلب، عند خروج نفسه، فرجا له ﵇ إن قال: لا إله إلا الله، وأيقن بنبوته أن يشفع له بذلك، ويحاج له عند الله في أن يتجاوز عنه، ويتقبل منه إيمانه في تلك الحال، ويكون ذلك خاصًا لأبي طالب وحده؛ لمكانه من الحماية والمدافعة عن النبي ﵇
_________________
(١) رواه البخاري (٣٨٨٤). من حديث المسيب بن حزن ﵁.
(٢) انظر: «فتح الباري» (٧/ ١٩٥، ١٩٦).
(٣) «فتح الباري» (٨/ ٥٠٦، ٥٠٧).
(٤) رواه البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩).
[ ٤ / ١٢٩ ]
ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن أبا طالب كان ممن عاين براهين النبي ﵇ وصدق معجزاته، ولم يشك في صحة نبوته، وإن كان ممن حملته الأنفة وحمية الجاهلية على تكذيب النبي ﷺ ، فاستحق أبو طالب ونظراؤه على ذلك من عظيم الوزر وكبير الإثم أن باؤوا بإثمهم على تكذيب النبي ﵇، فرجا له ﵇ المحاجة بكلمة الإخلاص عند الله، حتى يسقط عنه إثم العناد والتكذيب لما قد تبين حقيقته وإثم من اقتدى به في ذلك، وإن كان الإسلام يهدم ما قبله لكن آنسه بقوله: «أحاج لك بها عند الله» لئلا يتردد في الإيمان، ولا يتوقف عليه؛ لتماديه على خلاف ما تبين حقيقته، وتورطه في أنه كان مضلًا لغيره.
وقيل: إن قوله: «أحاج لك بها عند الله) كقوله: «أشهد لك بها عند الله» (١)، لأن الشهادة المرجحة له في طلب حقه؛ ولذلك ذكر البخاري هذا الحديث في هذا الباب بلفظ (الشهادة» (٢) لأنه أقرب للتأويل، وذكر قوله «أحاج لك بها عند الله» في قصة أبي طالب في كتاب مبعث النبي ﵇، لاحتمالها التأويل) (٣).
ونص بعض أهل العلم على أن الخبر الذي فيه حضور أبي طالب الوفاة مطابق لقوله تعالى: حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [النساء: ١٨]، وبالتالي فإن الأوضح أن يقال بأن ذلك خاص بالنبي ﷺ مع أبي طالب، واستدل من قال بهذا القول بأمرين:
الأول: أن الرسول ﷺ قال: «كلمة أحاج لك بها عند الله»، ولم يجزم بنفعها له، ولم يقل: تخرجك من النار.
الثاني: أنه سبحانه أذن للنبي ﷺ بالشفاعة لعمه مع كفره، وهذا لا يستقيم إلا له، والشفاعة له ليخفف عنه العذاب (٤).
هذه أقوال بعض أهل العلم في قصة أبي طالب، ولعل الأقرب أن تكون خاصة به، وعلى كل الأحوال فإن مما لا خلاف فيه أن الذين يعملون السيئات من أهل الإصرار على المعاصي حتى إذا حضر أحدهم الموت، وحشرج بنفسه، وعاين الملائكة قد أقبلوا عليه لقبض روحه، وقد غلب على نفسه، وحيل بينه وبين فهمه بشغله بكرب حشرجته وغرغرته قال: إِنِّي تُبْتُ الآنَ فليس لهذا عند الله ﵎ توبة؛ لأنه قال ما قال في غير حال توبة (٥).
فإن قيل: هل تصح توبة من حكم عليه بالقتل، أو حضر في مكان يحترق أو كان في طائرة حدث فيها خلل وبدأت تهوي إلى الأرض، ونحو هذه الحالات.
فإنه يقال: نعم تصح توبة هؤلاء؛ لأنهم ربما ينجون من الموت، فمن هوت به الطائرة، أو كان في بيت يحترق، فربما ينجو، وكذلك من حكم عليه بالقتل فربما يرفع القتل عنه (٦). أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - ص ١٠٨
_________________
(١) جزء من حديث رواه البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤). من حديث المسيب بن حزن ﵁.
(٢) أي: في باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله، من كتاب الجنائز.
(٣) «شرح صحيح البخاري» (٣/ ٣٤٤ - ٣٤٦).
(٤) انظر: «القول المفيد على كتاب التوحيد» (١/ ٣٥٤).
(٥) انظر: «تفسير الطبري» (٤/ ٢٠٥، ٢٠٦).
(٦) انظر: «فتاوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين» (٢/ ٩٩٠).
[ ٤ / ١٣٠ ]
المبحث الثالث: فرح المؤمن بلقاء ربه
إذا جاءت ملائكة الرحمن العبد المؤمن بالبشرى من الله ظهر عليه الفرح والسرور، أما الكافر والفاجر فإنه يظهر عليه الضيق والحزن والتعب، ومن ثم فإن العبد المؤمن في حال الاحتضار يشتاق إلى لقاء الله، والعبد الكافر أو الفاجر يكره لقاء الله تعالى، فقد روى أنس بن مالك، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت، قال: ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حُضِر بُشِّر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله، وكره الله لقاءه» (١) ولذلك فإن العبد الصالح يطالب حامليه بالإسراع به إلى القبر شوقًا منه إلى النعيم، بينما العبد الطالح ينادي بالويل من المصير الذاهب إليه، ففي صحيح البخاري وسنن النسائي عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمع الإنسان لصعق» (٢).
ولكن هذا ليس لازمًا لكل أحد كما يقول ابن تيمية، بل من الناس من تعرض عليه الأديان قبل موته، ومنهم من لا تعرض عليه، وقد وقع ذلك لأقوام، وهذا كله من فتنة المحيا والممات التي أمرنا أن نستعيذ منها في صلاتنا (٣)، وقد ذكر الشيخ ابن تيمية أن الشيطان أحرص ما يكون على إغواء الإنسان وقت موته، لأنه وقت الحاجة، واستدل بالحديث الذي في الصحيح: «الأعمال بخواتيمها» (٤)، وقال ﷺ: «إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها» (٥)، ولهذا روي: «أن الشيطان أشد ما يكون على ابن آدم حين الموت، يقول لأعوانه: دونكم هذا فإنه إن فاتكم لن تظفروا به أبدًا» (٦). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص: ٢٨
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٠٧).
(٢) رواه البخاري (١٣١٦)، والنسائي (٤/ ٤١).
(٣) الحديث رواه البخاري (١٣٧٧)، ومسلم (٥٨٨).
(٤) رواه البخاري (٦٤٩٣). من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁.
(٥) رواه البخاري (٧٤٥٤)، ومسلم (٢٦٤٣). من حديث ابن مسعود ﵁.
(٦) ذكره ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٥٦). ولم أقف عليه.
[ ٤ / ١٣١ ]
وقد جاء صريحًا في كتاب الله تعالى أن الملائكة تتنْزل على المؤمنين بعدم الخوف والحزن، والبشرى بالجنة، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نزلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصّلت: ٣٠ - ٣٢]، أي إن الذين أخلصوا العمل لله، وعملوا بطاعة الله تعالى على ما شرع الله لهم تتنّزل عليهم الملائكة عند الموت والاحتضار قائلين لهم أَلا تَخَافُوا مما تقدمون عليه من عمل الآخرة وَلا تَحْزَنُوا على ما خلفتموه من أمر الدنيا من ولد وأهل ومال أو دين؛ فإنا نخلفكم فيه وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ فيبشرونهم بذهاب الشر وحصول الخير، ذكر هذا ابن كثير ثم روى عن زيد بن أسلم قوله: بأن البشرى تكون عند الموت وفي القبر وحين البعث (١). ثم علّق ابن كثير على رأي زيد بقوله: (وهذا القول يجمع الأقوال كلها، وهو حسن جدًا، وهو الواقع) (٢).
وقوله تعالى نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ (أي تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار نحن كنا أولياءكم: أي قرناؤكم في الحياة الدنيا نسددكم ونوفقكم ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة نؤنس منكم الوحشة في القبور، وعند النفخة في الصور، ونؤمنكم يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم الصراط المستقيم، ونوصلكم إلى جنات النعيم) (٣).
وذكر الطبري في تفسيره أن تنَزل الملائكة عليهم، في الآية، معناه أن الملائكة تتهبط عليهم عند نزول الموت بهم قائلة لهم: لا تخافوا ما تقدمون عليه من بعد مماتكم، ولا تحزنوا على ما تخلفونه وراءكم (٤).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد ذكروا أن هذا التنَزل عند الموت) (٥).
وقال الله تعالى ﷾ في بشارة المؤمنين: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس: ٦٢ - ٦٤].
فالله جل وعلا يخبر في هذه الآيات عن أوليائه بأنه لا خوف عليهم فيما يستقبلونه أمامهم من الأهوال والمخاوف؛ ولا هم يحزنون على ما أسلفوا؛ لأنهم لم يسلفوا إلا الأعمال الصالحة؛ لذلك كانت لهم البشارة، في الدنيا بالثناء الحسن والمودة في قلوب المؤمنين، والرؤيا الصالحة، ولطف الله بهم وتيسيرهم لأحسن الأعمال والأخلاق، وصرفهم عن مساوئها، ولهم البشارة في الآخرة، وأولها البشارة عند قبض أرواحهم، وفي القبر، ثم دخول جنات النعيم، والنجاة من العذاب الأليم (٦).
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (ص: ٣٣٧٦) عن زيد بن أسلم، ﵁، يا أيتها النفس المطمئنة قال: بشرت بالجنة عند الموت، وعند البعث، ويوم الجمع.
(٢) «تفسير ابن كثير» (٤/ ١٠٠ - ١٠١).
(٣) «تفسير ابن كثير» (٤/ ١٠١).
(٤) انظر: «تفسير الطبري» (٢٤/ ٧٤).
(٥) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٦٨).
(٦) انظر: «تفسير السعدي» (ص: ٣٢٤)، و«تفسير ابن كثير» (٢/ ٤٠٥).
[ ٤ / ١٣٢ ]
قال الطبري: (إن الله تعالى ذكره أخبر أن لأوليائه المتقين البشرى في الحياة الدنيا، ومن البشارة في الحياة الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، ومنها بشرى الملائكة إياه عند خروج نفسه برحمة الله ، ومنها بشرى الله إياه ما وعده في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من الثواب الجزيل ، وكل هذه المعاني من بشرى الله إياه في الحياة الدنيا بشره بها، ولم يخصص الله من ذلك معنى دون معنى، فذلك مما عمه جل ثناؤه أن لهم البشرى في الحياة الدنيا، وأما في الآخرة فالجنة، وأما قوله: لا تبديل لكلمات الله؛ فإن معناه أن الله لا خلف لوعده، ولا تغيير لقوله عما قال، ولكنه يمضي لخلقه مواعيده، وينجزها لهم) (١).
وقال ابن تيمية: (وقد فَسّر النبي ﷺ البشرى في الدنيا بنوعين:
أحدهما: ثناء المثنين عليه.
الثاني: الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح، أو ترى له، فقيل: «يا رسول الله الرجل يعمل العمل لنفسه فيحمده الناس عليه؟ قال: تلك عاجل بشرى المؤمن» (٢)، وقال البراء بن عازب: «سئل النبي ﷺ عن قوله: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فقال: هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له» (٣) (٤).
وأخبر الله ﷾ عن حال المؤمنين عند الاحتضار أنهم طيبون، أي مخلصون من الشرك والدنس، وكل سوء، وأن الملائكة تسلم عليهم، وتبشرهم بالجنة، حيث قال تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل: ٣٢].
قال الشنقيطي ت١٣٩٣هـ: (ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المتقين الذين كانوا يمتثلون أوامر ربهم، ويجتنبون نواهيه، تتوفاهم الملائكة: أي يقبضون أرواحهم في حال كونهم طيبين: أي طاهرين من الشرك والمعاصي - على أصح التفسيرات - ويبشرونهم بالجنة، ويسلّمون عليهم ، والبشارة عند الموت وعند الجنة من باب واحد؛ لأنها بشارة بالخير بعد الانتقال إلى الآخرة، ويفهم من صفات هؤلاء الذين تتوفاهم الملائكة طيبين، ويقولون لهم سلام عليكم ادخلوا الجنة: أن الذين لم يتصفوا بالتقوى لم تتوفهم الملائكة على تلك الحال الكريمة، ولم تسلّم عليهم، ولم تبشرهم» (٥).
وقال تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: ٢٧]
ففي هذه الآية يخبر الله ﷾ أنه يثبت المؤمنين بالقول الثابت في الحياة الدنيا عند ورود الشبهات والشهوات، بالهداية إلى اليقين وتقديم ما يحبه الله على هوى النفس ومرادها، وفي الآخرة عند الموت بالثبات على التوحيد، وفي القبر عند سؤال الملكين للجواب الصحيح، ويضل الله الظالمين عن الصواب في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) «تفسير الطبري» (١١/ ٩٦).
(٢) رواه مسلم (٢٦٤٢). من حديث أبي ذر الغفاري ﵁.
(٣) رواه الترمذي (٢٢٧٥)، وابن ماجه (٣١٦٠)، وأحمد (٥/ ٣١٥) (٢٢٧٤٠)، والحاكم (٢/ ٣٧٠). من حديث عبادة بن الصامت ﵁. قال الترمذي: حسن، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر في «الكافي الشاف» (١٤٤): رجاله ثقات إلا أنه معلول فإن أبا سلمة لم يسمع من عبادة، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».
(٤) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (١/ ٨)، و(١٤/ ٢٠٠).
(٥) «أضواء البيان» (٣/ ٢٦٦).
[ ٤ / ١٣٣ ]
قال البغوي ت٥١٦هـ: (قوله تعالى يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ: كلمة التوحيد، وهي قول: لا إله إلا الله، فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا يعني قبل الموت وَفِي الآخِرَةِ يعني في القبر، هذا قول أكثر المفسرين، وقيل: في الحياة الدنيا عند السؤال في القبر، وفي الآخرة عند البعث، والأول أصح) (١).
وروى النسائي ت٣٠٣هـ بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا حُضِر المؤمن أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية مرضيًا عنك، إلى روح الله وريحان، ورب غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك حتى إنه ليناوله بعضهم بعضًا، حتى يأتوا به باب السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض!، فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشدُّ فرحًا به من أحدكم بغائبه يقدم عليه، فيسألونه: ماذا فعل فلان؟ ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوه فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟ قالوا: ذُهب به إلى أمه الهاوية.
وإن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح، فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطًا عليك إلى عذاب الله ﷿؛ فتخرج كأنتن ريح جيفة، حتى يأتون به باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح! حتى يأتون به أرواح الكفار» (٢).
وفي سنن ابن ماجه ت ٢٧٥هـ عن أبي هريرة ﵁، عن النّبي ﷺ قال: «الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحًا قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيّب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله ﷿.
وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فلا يفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لا تفتح لك أبواب السماء فيرسل بها من السماء، ثم تصير إلى القبر» (٣)
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن المؤمن ينْزل به الموت، ويعاين ما يعاين، فودّ لو خرجت - يعني نفسه - والله يحب لقاءه. فإذا كان عدوًا لله نزل به الموت وعاين ما عاين؛ فإنه لا يحب أن تخرج روحه أبدًا، والله يبغض لقاءه » (٤). أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - بتصرف - ص ٩٨
_________________
(١) «تفسير البغوي» (٣/ ٣٣).
(٢) رواه النسائي (٤/ ٨)، وابن حبان (٧/ ٢٨٤) (٣٠١٤)، والحاكم (١/ ٥٠٤). وقال: سنده صحيح، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (٥/ ٢١٢): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».
(٣) رواه ابن ماجه (٣٤٥٦)، وأحمد (٢/ ٣٦٤) (٨٧٥٤)، والطبري في «مسند عمر» (٢/ ٥٠٣). وقال: إسناده صحيح، وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٣٣٣): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقال الذهبي في «العرش» (٢٩): صحيح على شرط الشيخين.
(٤) رواه البزار (١/ ٤١٣)، والطبري في «مسند عمر» (٢/ ٥٠٢). وقال: إسناده صحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٥٥): رجاله ثقات خلا سعيد بن بحر القراطيسي فإني لم أعرفه، وقال السيوطي في «شرح الصدور» (١٣٤): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٢٦٢٨).
[ ٤ / ١٣٤ ]
المبحث الرابع: تخيير الأنبياء عند الموت
روى البخاري بسنده عن عائشة ﵂ قالت: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من نبي يمرض إلا خيّر بين الدنيا والآخرة. وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بُحّة شديدة فسمعته يقول: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء: ٦٩]، فعلمت أنه خُيّر» (١).
وعنها ﵂ قالت: «كنت أسمع أنه لا يموت نبي حتى يخيّر بين الدنيا والآخرة، فسمعت النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه، وأخذته بُحّة، يقول: مع الذين أنعم الله عليهم الآية، فظننت أنه خيّر» (٢).
وفي رواية عنها قالت: «لما مرض النبي ﷺ المرض الذي مات فيه جعل يقول: في الرفيق الأعلى» (٣).
وفي رواية أخرى قالت: «كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يُحيّا، أو يُخيّر فلما اشتكى وحضره القبض - ورأسه على فخذ عائشة - غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت، ثم قال: اللهم في الرفيق الأعلى. فقلت: إذًا لا يختارنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدّثنا وهو صحيح» (٤).
فمعنى قوله ﷺ «ما من نبي يمرض إلا خُيّر بين الدنيا والآخرة»: أي خيره الله تعالى بين الإقامة في الدنيا والموت؛ لتكون وفادته على الله وفادة محب مخلص مبادر، ولتقاصُر المؤمن عن يقين النبي ﷺ تولى الله الخيرة في لقائه؛ لأنه وليه، ألا ترى إلى خبر «ما ترددت في شيء ترددي في قبض روح عبدي المؤمن» (٥)، ففي ضمن ذلك اختيار الله للمؤمن لقاءه؛ لأنه وليه، يختار له فيما لا يصل إليه إدراكه ) (٦).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «خطب رسول الله ﷺ الناس وقال: إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله. قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله عن عبد خيّر، فكان رسول الله ﷺ هو المخيّر، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول الله ﷺ: إن أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوّة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سدّ إلا باب أبي بكر» (٧).
قال ابن حجر: (فهم عائشة من قوله ﷺ: «في الرفيق الأعلى» أنه خيّر، نظير فهم أبيها ﵁ من قوله ﷺ «إن عبدًا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده» (٨) أن العبد المراد هو النبي ﷺ حتى بكى) (٩).
وقال بدر الدين العيني ت٨٥٥هـ: «قول (خُيّر) على صيغة المجهول: أي خيّر بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة ﷺ» (١٠).
هذه الأحاديث الصحيحة تدل على أنه ما من نبي يمرض إلا خُيّر بين البقاء في الحياة الدنيا والموت.
_________________
(١) رواه البخاري (٤٥٨٦).
(٢) رواه البخاري (٤٤٣٥).
(٣) رواه البخاري (٤٤٣٦).
(٤) رواه البخاري (٤٤٣٧).
(٥) رواه البخاري (٦٥٠٢). من حديث أبي هريرة ﵁. بلفظ: «وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن».
(٦) «فيض القدير» (٥/ ٥٠١).
(٧) رواه البخاري (٣٦٥٤).
(٨) رواه البخاري (٣٩٠٤)، ومسلم (٢٣٨٢). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٩) «فتح الباري» (٧/ ١٣).
(١٠) «عمدة القاري» (١٨/ ١٧٨).
[ ٤ / ١٣٥ ]
وقد ثبت أن ملك الموت ﵇ جاء إلى موسى ﵇ فخيره بين الموت والحياة، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «جاء ملك الموت إلى موسى، فقال له أجب ربك، قال: فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع الملك إلى الله ﷿، فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت، وقد فقأ عيني، قال: فردّ إليه عينه، قال: ارجع إلى عبدي فقل له: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعرةٍ فإنك تعيش بها سنة، قال: ثم مه؟ قال: ثم تموت، قال: فالآن من قريب، قال: ربّ أدنني من الأرض المقدسة رمية بحجر، قال رسول الله ﷺ: لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر» (١).
هذا الحديث ثابت، وقد أنكره بعض المبتدعة قائلين: إن كان موسى ﵇ عرفه فقد استخف به، وإن كان لم يعرفه فلماذا لم تقتص له من فقء عينه؟
قال بعض أهل العلم: إن الله لم يبعث ملك الموت لموسى، وهو يريد قبض روحه حينئذٍ، وإنّما بعثه إليه اختبارًا، فلطمه موسى ﵇ لأنه رأى آدميًا داخل داره بغير إذنه، ولم يعلم أنه ملك الموت، فقد جاء في رواية «كان ملك الموت يأتي الناس عيانًا فأتى موسى فلطمه » (٢)، وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم وإلى لوط في صورة البشر فلم يعرفاهم ابتداء، وقد أباح الشارع فقء عين الناظر في دار المسلم بغير إذنه، كما جاء في الحديث: «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم حل لهم أن يفقؤوا عينه» (٣)، وعلى فرض أنه عرفه فلا دليل على مشروعية القصاص بين الملائكة والبشر، ولا دليل على أن ملك الموت طلب القصاص من موسى فلم يقتص له، ثم رد الله عين ملك الموت ليعلم موسى أنه جاءه من عند الله فلهذا استسلم حينئذ (٤).
ونقل النووي أنه لا يمتنع أن يأذن الله لموسى في هذه اللطمة امتحانًا للملطوم (٥).
وقال ابن حجر: (وقال غيره -أي غير النووي-: إنما لطمه؛ لأنه جاء لقبض روحه من قبل أن يخيره، لما ثبت أنه لم يقبض نبي حتى يخير، فلهذا لما خيره في المرة الثانية أذعن، قيل: وهذا أولى الأقوال بالصواب، وفيه نظر؛ لأنه يعود أصل السؤال، فيقال: لم أقدم ملك الموت على قبض نبي الله وأخل بالشرط؟ فيعود الجواب أن ذلك وقع امتحانًا، وزعم بعضهم أن معنى قوله (فقأ عينه) أي أبطل حجته، وهو مردود بقوله في نفس الحديث (فرد الله عينه)، وبقوله (لطمه وصكّه) وغير ذلك من قرائن السياق ، ورد الله إلى ملك الموت عينه البشرية؛ ليرجع إلى موسى على كمال الصورة، فيكون ذلك أقوى في اعتباره) (٦).
وكذا ذكر المناوي ت١٠٣١هـ أن موسى ﵇ لطم موسى ﵊ لما جاءه؛ لكونه لم يخير قبل ذلك (٧). أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - ص ١٤٣
_________________
(١) رواه البخاري (٣٤٠٧)، ومسلم (٢٣٧٢).
(٢) رواه أحمد (٢/ ٥٣٣) (١٠٩١٧)، والحاكم (٢/ ٦٣٢). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٢٠٧): رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح. والحديث أصله في الصحيحين.
(٣) رواه مسلم (٢١٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) انظر: «شرح السنة» (٥/ ٢٦٦، ٢٦٧)، و«شرح صحيح مسلم» للنووي (١٥/ ١٢٩)، و«فتح الباري» (٦/ ٤٤٢)، و«البداية والنهاية» (١/ ٢٩٦).
(٥) انظر: «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٥/ ١٢٩).
(٦) «فتح الباري» (٦/ ٤٤٢، ٤٤٣).
(٧) انظر: «فيض القدير» (٥/ ٥٠١).
[ ٤ / ١٣٦ ]
المبحث الخامس: حال الكفار عند الموت
أخبر الله ﷾ في كتابه الكريم عن حال توفي الملائكة الكفارَ، وذلك بأن الملائكة يضربون وجوه الكفار وأدبارهم، ويبشرونهم بعذاب الحريق، قال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ [الأنفال: ٥٠، ٥١].
قال ابن كثير: (يقول تعالى ولو عاينت يا محمد حال توفي الملائكة أرواح الكفار لرأيت أمرًا عظيمًا هائلًا فظيعًا منكرًا؛ إذ يضربون وجوههم وأدبارهم، ويقولون: لهم: ذوقوا عذاب الحريق) (١).
وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نزلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٢٧، ٢٨]، أي كيف حال الكفار إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم وتعاصت الأرواح في أجسادهم، واستخرجتها الملائكة وهم باسطوا أيديهم يضربون وجوههم وأدبارهم، يقولون لهم أخرجوا أنفسكم (٢).
والخبر الوارد في سورة الأنفال نزل في وصف وفاة الكفار يوم بدر إلا أنه وصف عام لوفاة الكفار في كل وقت، قال ابن كثير في تفسيره للآية السابقة: (وهذا السياق وإن كان سببه وقعة بدر، ولكنه عام في حق كل كافر؛ ولهذا لم يخصصه الله تعالى بأهل بدر، بل قال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ [الأنفال: ٥٠ - ٥١]. وفي سورة القتال (محمد) مثلها، وفي سورة الأنعام قوله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ [الأنعام: ٩٣]، أي باسطوا أيديهم بالضرب فيهم بأمر ربهم؛ إذ استصعبت أنفسهم وامتنعت من الخروج من الأجساد أن تخرج قهرًا، وذلك إذا بشروهم بالعذاب والغضب من الله، كما في حديث البراء أن ملك الموت إذا جاء الكافر عند احتضاره في تلك الصورة المنكرة يقول: اخرجي أيتها النفس الخبيثة إلى سموم وحميم وظل من يحموم، فتفرق في بدنه، فيستخرجونها من جسده كما يخرج السفود من الصوف المبلول، فتخرج معها العروق والعصب؛ ولهذا أخبر تعالى أن الملائكة تقول لهم ذوقوا عذاب الحريق) (٣).
_________________
(١) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٣٠٥).
(٢) انظر: «تفسير الطبرى» (٧/ ١٨٢)، و«تفسير ابن كثير» (٤/ ١٨٢).
(٣) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٣٠٥).
[ ٤ / ١٣٧ ]
ويشهد له قوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [الأعراف: ٣٧]، ففي هذه الآية يخبر ﷾ أن الملائكة إذا توفت المشركين تفزعهم عند الموت وقبض أرواحهم ويقولون لهم: أين الذين كنتم تشركون بهم في الدنيا وتدعونهم وتعبدونهم من دون الله ادعوهم يخلصونكم مما أنتم فيه الآن من الفزع والموت الواقع بكم، قالوا: ذهبوا عنا فلا نرجو نفعهم ولا ضرهم، وأقروا واعترفوا على أنفسهم بالكفر والضلال (١).
وكذلك قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [النحل: ٢٨، ٢٩].
فالله ﷾ يخبر في هذه الآية أن المشركين الظالمين لأنفسهم عند احتضارهم ومجيء الملائكة إليهم لقبض أرواحهم الخبيثة يظهرون السمع والطاعة قائلين مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ فقال الله مكذبًا لهم بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ أي بئس المقيل والمقام من دار هوان لمن كان متكبرًا عن آيات الله واتباع رسله، وهم يدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم، وينال أجسادهم في قبورها من حرها وسمومها؛ فإذا كان يوم القيامة سلكت أرواحهم في أجسادهم وخلدت في نار جهنم (٢).
فقوله تعالى فَأَلْقَوُا السَّلَمَ أي: الاستسلام والخضوع، والمعنى أنهم أظهروا الطاعة والانقياد، وتركوا ما كانوا عليه من الشقاق، فالمشركون في الدنيا يشاقون الرسل ويخالفونهم ويعادونهم؛ فإذا عاينوا الحقيقة ألقوا السلم وخضعوا وانقادوا، وذلك عندما يعاينون الموت أو يوم القيامة، ولكن لا ينفعهم ذلك؛ لأن الانقياد عند معاينة الموت لا ينفع (٣).
وقد توعد الله تعالى في كتابه العزيز من تركوا الهجرة مع قدرتهم عليها حتى ماتوا بأن الملائكة الذين يقبضون أرواحهم يوبخونهم توبيخًا عظيمًا، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا [النساء: ٩٧، ٩٨].
_________________
(١) انظر: «تفسير الطبري» (٨/ ١٢٧)، و«تفسير ابن كثير» (٢/ ٢٣).
(٢) انظر: «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٤٨).
(٣) انظر: «أضواء البيان» (٣/ ٢٥٩، ٢٦٠).
[ ٤ / ١٣٨ ]
قال الطبري في تفسير هذه الآية: (إن الذين تقبض أرواحهم الملائكة ظالمي أنفسهم، يعني مكسبي أنفسهم غضب الله وسخطه ، قالت الملائكة لهم فِيمَ كُنْتُمْ في أي شيء كنتم من دينكم، قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ يعني قال الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم: كنا مستضعفين في الأرض، يستضعفنا أهل الشرك بالله، في أرضنا وبلادنا معذرة ضعيفة وحجة واهية، قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا يقول: فتخرجوا من أرضكم ودوركم، وتفارقوا من يمنعكم بها من الإيمان بالله واتباع رسوله ﷺ ..، وذُكر أن هاتين الآيتين والتي بعدهما نزلت في أقوام من أهل مكة كانوا قد أسلموا وآمنوا بالله وبرسوله، وتخلفوا عن الهجرة مع رسول الله ﷺ حين هاجر، وعُرض بعضهم على الفتنة فافتتن، وشهد مع المشركين حرب المسلمين، فأبى الله قبول معذرتهم، التي اعتذروا بها، التي بينها في قوله، خبرًا عنهم: قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ ) (١).
وقال السعدي: (قوله فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ فيه ذكر بيان السبب الموجب، فقد يترتب عليه مقتضاه، مع اجتماع شروطه، وانتفاء موانعه، وقد يمنع من ذلك مانع، وفي الآية دليل على أن الهجرة من أكبر الواجبات، وتركها من المحرمات، بل من أكبر الكبائر) (٢). أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - ص ٩١
وقد جاء صريحًا في كتاب الله تعالى أن الملائكة تبشر الكافر بالعذاب، قال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزلُ مِثْلَ مَا أَنزلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام: ٩٣]. أي: أن الملائكة يبسطون أيديهم بالضرب والعذاب للملائكة حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم؛ ولهذا يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم؛ وذلك أن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال والأغلال والسلاسل والجحيم والحميم وغضب الرحمن الرحيم فتتفرق روحه في جسده وتعصى وتأبى الخروج فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم قائلين لهم الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ أي اليوم تهانون غاية الإهانة بسبب تكذيبكم على الله واستكباركم على اتباع آياته والانقياد لرسله (٣).
يقول الطبري في تفسير هذه الآية: (وهذا خبر من الله جل ثناؤه، عما تقول رسل الله التي تقبض أرواح هؤلاء الكفار لها، يخبر عنها أنها تقول لأجسامها ولأصحابها أخرجوا أنفسكم إلى سخط الله ولعنته؛ فإنكم اليوم تثابون على كفركم بالله، وقيلكم عليه الباطل وزعمكم أن الله أوحى إليكم ولم يوح إليكم شيئًا، وإنذاركم أن يكون الله أنزل على بشر شيئًا، واستكباركم عن الخضوع لأمر الله وأمر رسوله والانقياد لطاعته، عذاب الهون وهو عذاب جهنم الذي يهينهم فيذلهم حتى يعرفوا صغار أنفسهم وذلتها) (٤).
_________________
(١) «تفسير الطبري» (٥/ ١٤٧، ١٤٨)، وانظر: «تفسير البغوي» (١/ ٤٦٩).
(٢) «أضواء البيان» (ص: ١٥٩، ١٦٠).
(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (٢/ ١٤٩).
(٤) «تفسير الطبري» (٧/ ١٨٣).
[ ٤ / ١٣٩ ]
ويقول ابن القيم: (فقول الملائكة: الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ المراد به عذاب البرزخ، الذي أوله يوم القبض والموت) (١).
وأخبر ﷾ عن حالهم حين الاحتضار، في سورة أخرى، بقوله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ [الأنفال: ٥٠ - ٥١] فالله جل وعلا يخاطب نبينا محمدًا ﷺ قائلًا له: (ولو تعاين يا محمد حين يتوفى الملائكة أرواح الكفار فتنْزعها من أجسادهم، تضرب الوجوه منهم والأستاه، ويقولون لهم ذوقوا عذاب النار التي تحرقكم يوم ورودكم جهنم ..، ذوقوا عذاب الله الذي يحرقكم، هذا العذاب لكم بما قدمت أيديكم، أي بما كسبت أيديكم من الآثام والأوزار، واجترحتم من معاصي الله أيام حياتكم، فذوقوا اليوم العذاب، وفي معادكم عذاب الحريق) (٢).
يقول ابن القيم: (فهذه الإذاقة هي في البرزخ وأولها حين الوفاة؛ فإنه معطوف على قوله يضربون وجوههم وأدبارهم وهو من القول المحذوف مقولة لدلالة الكلام عليه كنظائره، وكلاهما واقع وقت الوفاة) (٣).
والأدلة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ على بشارة الملائكة الكفار بالعذاب، وحزنهم بذلك كثيرة أحوال المحتضر لمحمد العلي مجلة الجامعة الإسلامية العدد ١٢٤ - ص ١٠٦
_________________
(١) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٧٢).
(٢) «تفسير الطبري» (١٠/ ١٦، ١٧).
(٣) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٧٢).
[ ٤ / ١٤٠ ]
المبحث السادس: حال الروح بعد فراق البدن
عن أبي هريرة عند مسلم قال: «إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان – يُصعدانها. قال حماد: فذكر من طيب ريحها، وذكر المسك قال: ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض، صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه ﷿، ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل ". قال: " وإنّ الكافر إذا خرجت روحه – قال حماد: وذكر من نتنها، وذكر لعنًا – ويقول أهل السماء: روح خبيثة من قبل الأرض، قال: فيقال: انطلقوا به آخر الأجل» (١).
وقد ذكر الرسول ﷺ في حديث البراء التكريم الذي يكون لروح العبد الصالح بعد خروجها من جسده، حيث تصلي ملائكة الله على تلك الروح الطيبة، وتفتح له أبواب السماء، وتجعل في كفن من الجنة وحنوط من الجنة، وتخرج منها روائح طيبة عطرة تفوق رائحة المسك، ثم تأخذها الملائكة في رحلة علوية كريمة، وتفتح لها أبواب السماء، أما الروح الخبيثة، فتلعنها ملائكة السماء عند خروجها، وتغلق أبواب السماء دونها، ويدعو كل فريق من ملائكة الرحمن على باب ألا تعرج من قبلهم وتجعل تلك الروح الخبيثة في حنوط من النار وكفن من النار، وتفوح منها الروائح الخبيثة التي تؤذي ملائكة الرحمن. ويعرج بها إلى السماء فلا تفتح لها أبواب السماء، فتلقى روحه من شاهق، ففي حديث البراء بن عازب الذي يصف الرسول ﷺ فيه رحلة الإنسان من الموت إلى البرزخ قال: «حتى إذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج من قبلهم، فإذا أخذها (يعني ملك الموت) لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، فذلك قوله تعالى: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ [الأنعام: ٦١]، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض.
قال: فيصعدون بها، فلا يمرون – يعني – بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان – بأحسن أسمائه التي كان يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله ﷿: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ - كِتَابٌ مَّرْقُومٌ - يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين: ١٩ - ٢١]، فيكتب كتابه في عليين، ثم يقال: أعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. .». وتحدث الرسول ﷺ عن الروح الخبيثة التي نزعت من العبد الكافر أو الفاجر، فقال عنها بعد نزعها: فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وتغلق أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن لا تعرج روحه من قبلهم، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ: لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف: ٤٠].
_________________
(١) رواه مسلم (٢٨٧٢).
[ ٤ / ١٤١ ]
فيقول الله ﷿: اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى ثم يقول: أعيدوا عبدي إلى الأرض، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، فتطرح روحه من السماء، طرحًا (حتى تقع في جسده)، ثم قرأ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج: ٣١]، فتعاد روحه إلى جسده» (١).
وروى ابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ، قال: «الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحًا، قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، وربّ غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقول: فلان، فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله ﵎ فإذا كان الرجل السُّوءُ: قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغسّاق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لا تفتح لَكِ أبواب السماء، فيرسل بها من السماء، ثم تصير إلى القبر. ..» (٢). القيامةالصغرى لعمر الأشقر - ص ٣٧
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٥٠): هو في (الصحيح) وغيره باختصار رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
(٢) رواه ابن ماجه (٣٤٥٦)، وأحمد (٢/ ٣٦٤) (٨٧٥٤)، والطبري في «مسند عمر» (٢/ ٥٠٣). وقال: إسناده صحيح، وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٣٣٣): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقال الذهبي في «العرش» (٢٩): صحيح على شرط الشيخين.
[ ٤ / ١٤٢ ]
الفصل الخامس: أهوال القبور
المبحث الأول: هول القبر وفظاعته
روى هانئ مولى عثمان بن عفان، قال: «كان عثمان ﵁ إذا وقف على قبر بكى، حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إنّ رسول الله ﷺ قال: إنَّ القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه، قال: وقال رسول الله ﷺ: ما رأيت منظرًا قط إلا القبر أفظع منه» أخرجه الترمذي (١)، ولما كان ما بعد القبر أيسر منه لمن نجا فإن العبد المؤمن إذا رأى في قبره ما أعد الله له من نعيم يقول: «رب عجل قيام الساعة، كيما أرجع إلى أهلي ومالي» (٢) والعبد الكافر الفاجر إذا رأى ما أعد الله له من العذاب الشديد فإنه يقول على الرغم مما هو فيه من عذاب: «رب لا تقم الساعة» (٣)، لأن الآتي أشدُّ وأفظع. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٤١
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٣٠٨)، وابن ماجه (٣٤٦١)، وأحمد (١/ ٦٣) (٤٥٤)، والحاكم (٤/ ٣٦٦). قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث هشام بن يوسف، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسنه ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٤/ ١٩٢).
(٢) جزء من حديث رواه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٩٥) (١٨٦٣٧). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٥٠): هو في (الصحيح) وغيره باختصار رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
(٣) جزء من حديث رواه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٩٥) (١٨٦٣٧). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٥٠): هو في (الصحيح) وغيره باختصار رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
[ ٤ / ١٤٣ ]
المبحث الثاني: ظلمة القبر
«ماتت امرأة كانت تَقُمُّ المسجد في عهد الرسول ﷺ، ففقدها الرسول ﷺ، فأخبروه أنها ماتت من الليل، ودفنوها، وكرهوا إيقاظه، فطلب من أصحابه أن يدلوه على قبرها، فجاء إلى قبرها فصلى عليها، ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ﷿ ينورها لهم بصلاتي عليهم» (١). القيامة الصغرى لعمر الأشقر - ص ٤٢
_________________
(١) رواه البخاري (٤٥٨)، ومسلم.
[ ٤ / ١٤٤ ]
المبحث الثالث: ضمَّة القبرة
عندما يوضع الميت في القبر فإنه يضمه ضمة لا ينجو منها أحد كبيرًا كان أو صغيرًا، صالحًا أو طالحًا، فقد جاء في الأحاديث أن القبر ضم سعد بن معاذ، وهو الذي تحرك لموته العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، ففي (سنن النسائي) عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: «هذا الذي تحرك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لقد ضم ضمة، ثم فرج عنه» (١). وفي (مسند الإمام أحمد) عن ابن عمر أيضًا أن الرسول ﷺ قال: «إن للقبر ضغطة لو كان أحد ناجيًا منها نجا سعد بن معاذ» رواه أحمد في مسنده (٢). وفي (معجمي الطبراني الكبير والأوسط) عن ابن عباس ﵄ أن الرسول ﷺ قال: «لو نجا أحد من ضمة القبر، لنجا سعد بن معاذ، ولقد ضمَّ ضمة، ثم رخي عنه» (٣). ومما يدل على أن ضمة القبر لازمة لكل إنسان أن الصبيان لا ينجون منها، ففي (معجم الطبراني الكبير) عن أبي أيوب الأنصاري بإسناد صحيح وهو في (معجمه الأوسط)، وفي (الكامل) لابن عدي عن أنس أن الرسول ﷺ قال: «لو أفلت أحد من ضمة القبر لنجا هذا الصبي» (٤). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٤٣
_________________
(١) رواه النسائي (٤/ ١٠٠)، والطبراني (٦/ ١٠) (٥٣٤٠). قال النووي في «الخلاصة» (٢/ ١٠٤٢): إسناده صحيح، وقال السيوطي في «اللآلئ المصنوعة» (١/ ٤٣٦): أصله صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».
(٢) (٦/ ٩٨) (٢٤٧٠٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٣٥٨) (٣٩٦). من حديث عائشة ﵂ وليس من حديث ابن عمر ﵄. قال الهيثمى (٣/ ٤٦): رواه أحمد عن نافع عن عائشة وعن نافع عن إنسان عن عائشة، وكلا الطريقين رجالها رجال الصحيح، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢١٨٠).
(٣) رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (١٠/ ٣٣٤) (١٠٨٤٩)، وفي «المعجم الأوسط» (٦/ ٣٤٩) (٦٥٩٣). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٤٩): رجاله موثقون، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٣٠٦).
(٤) رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (٤/ ١٢١) (٣٨٥٩)، وفي «المعجم الأوسط» (٣/ ١٤٦) (٢٧٥٣)، وابن عدي في «الكامل» (٢/ ٣٢٢). وقال: [فيه] ثمامة بن عبد الله عن أنس وهو صالح فيما يرويه عنه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٥٠): رجاله موثقون، وقال ابن حجر في «المطالب العالية» (٥/ ٩٧): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٣٠٧).
[ ٤ / ١٤٥ ]
المبحث الرابع: فتنة القبر
المطلب الأول: كيف تكون فتنة القبر؟
إذا وضع العبد في قبره جاءته ملائكة على صورة منكرة، ففي سنن الترمذي «إذا قبر الميت – أو قال: أحدكم – أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير، فيقولان، ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول، هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. . وإن كان منافقًا، قال: سمعت الناس يقولون قولًا، فقلت مثله، لا أدري » (١).
وجاء في الحديث الذي يرويه البراء بن عازب عن الرسول ﷺ: «فيأتيه ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه، ويجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن، فذلك حين يقول الله ﷿: يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [إبراهيم: ٢٧]، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، وقال في العبد الكافر أو الفاجر: ويأتيه ملكان شديدا الانتهار، فينتهرانه، ويجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه، هاه لا أدري، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه، فيقال: محمد، فيقول: هاه، هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون ذاك، قال: فيقولان: لا دريت ولا تلوت فينادي منادي أن كذب عبدي» (٢).
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم، إذا انصرفوا: أتاه ملكان، فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل، محمد؟ فأما المؤمن، فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله ..، وأما الكافر أو المنافق، وفي رواية: وأما الكافر والمنافق – فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس فيه، فيقال: لا دريت، ولا تليت ..» رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي (٣). ولم يكن الرسول ﷺ يعلم في أول الأمر أن هذه الأمة تفتن في قبورها، ثم أوحى الله له بهذا العلم، فقد حدث عروة بن الزبير عن خالته عائشة، قالت: «دخل علي رسول الله ﷺ، وعندي امرأة من اليهود، وهي تقول: هل شعرت أنكم تفتنون في القبور؟ قالت: فارتاع رسول الله ﷺ، وقال: إنما تفتن اليهود. قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله ﷺ: هل شعرت أنه أوحي إليَّ أنَّكم تفتنون في القبور؟ قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ، بعد: يستعيذ من عذاب القبر» (٤). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٤٤
_________________
(١) رواه الترمذي (١٠٧١). من حديث أبي هريرة ﵁. وقال: حسن غريب، وقال محمد المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (١/ ١١٩) رجاله رجال مسلم، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ١١٥) كما قال ذلك في المقدمة.
(٢) رواه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٥٠): هو في (الصحيح) وغيره باختصار رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
(٣) رواه البخاري (١٣٧٤)، ومسلم (٢٨٧٠)، وأبو داود (٢٨٩٧)، والنسائي (٤/ ٩٧).
(٤) رواه مسلم (٥٨٤).
[ ٤ / ١٤٦ ]
المطلب الثاني: هل يفتن الكافر في قبره؟
دلت الأحاديث على أن الكفار يفتنون في قبورهم، وقد خالف في ذلك الحكيم الترمذي وابن عبد البرّ والسيوطي (١)، واحتج الحكيم الترمذي على عدم السؤال بأن الأمم الماضية إن رفضت الاستجابة لرسلها عوجلت بالعذاب، بخلاف هذه الأمة، فقد أمسك عنها العذاب، وبعث الرسول ﷺ بالسيف، فمن دخل في الإسلام مخافة القتل، ثم نافق عذب في قبره، وهذا الذي قاله فيه نظر، فإن الله لم يهلك مكذبي الأمم بعد نزول التوراة (٢)، واحتج ابن عبد البرّ بقوله ﵇ في الحديث الصحيح: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها» (٣)، ومنهم من يرويه: تسأل، والأحاديث الصحيحة ترد هذا الفهم، وتدل على أن هذا ليس خاصًا بالمؤمنين، وليس خاصًا بهذه الأمة (٤). وقد ذهب إلى أن السؤال عام عبد الحق الإشبيلي، وابن القيم، والقرطبي، والسفاريني وغيرهم (٥). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٤٦
_________________
(١) انظر: «لوامع الأنوار البهية» للسفاريني (٢/ ١٠).
(٢) انظر: «لوامع الأنوار البهية» للسفاريني (٢/ ١٠).
(٣) رواه مسلم (٢٨٦٧). من حديث زيد بن ثابت ﵁.
(٤) «التمهيد» (٢٢/ ٢٥٣).
(٥) انظر: «لوامع الأنوار البهية» للسفاريني (٢/ ١٠)، و«التذكرة» للقرطبي (ص: ١٤٧).
[ ٤ / ١٤٧ ]
المطلب الثالث: هل يفتن غير المكلفين؟
الفتنة عامة لجميع المكلفين إلا النبيين فقد اختلف فيهم (١)، وإلا الشهداء والمرابطين ونحوهم.
ممن جاءت النصوص دالة على نجاتهم من الفتنة واختلف في غير المكلفين من الصبيان والمجانين، فذهب جمع من العلماء إلى أنهم لا يفتنون، منهم: القاضي أبو يعلى وابن عقيل، ووجهة نظر هؤلاء أن المحنة تكون لمن كلف، أما من رفع عنه القلم فلا يدخل في المحنة، إذ لا معنى لسؤاله عن شيء لم يكلف به.
وقال آخرون: بل يفتنون. وهذا قول أبي الحكيم الهمداني، وأبي الحسن بن عبدوس، ونقله عن أصحاب الشافعي، وقد روى مالك وغيره عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ صلى على الطفل، فقال: «اللهم قه عذاب القبر وفتنة القبر» (٢) وهذا القول موافق لقول من قال: إنهم يمتحنون في الآخرة، وأنهم مكلفون يوم القيامة، كما هو قول أكثر أهل العلم وأهل السنة من أهل الحديث والكلام، وهو الذي ذكره أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة واختاره، وهو مقتضى نصوص الإمام أحمد (٣). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٤٧
_________________
(١) انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٥٧).
(٢) لم أقف عليه.
(٣) انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٥٧ - ٢٧٧).
[ ٤ / ١٤٨ ]
الفصل السادس: عذاب القبر ونعيمه
المبحث الأول: أحاديث عذاب القبر ونعيمه متواترة
يقول شارح الطحاوية: (وقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، لكونه لا عهد له به في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، بل إن الشرع قد يأتي بما تحار فيه العقول، فإن عودة الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا) (١). وقال في موضع آخر: (واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر، أكلته السباع أو احترق حتى صار رمادًا ونسف في الهواء، أو صلب أو غرق في البحر، وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور، وما ورد من إجلاسه، واختلاف أضلاعه ونحو ذلك، فيجب أن يفهم عن الرسول ﷺ مراده من غير غلو ولا تقصير) (٢). وأنكرت الملاحدة ومن تمذهب بمذهب الفلاسفة من الإسلاميين عذاب القبر، وقالوا: ليس له حقيقة، واحتجوا لذلك بأنهم يفتحون القبور فلا يرون شيئًا مما أخبرت به النصوص (٣).
وأنكره أيضًا الخوارج وبعض المعتزلة كضرار بن عمرو وبشر المريسي، وخالفهم جميع أهل السنة، وأكثر المعتزلة (٤).
وهؤلاء كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وقد ظن هؤلاء أن أبصارهم يمكن أن ترى كل شيء، وأن أسماعهم يمكن أن تسمع كل شيء، ونحن اليوم نعلم من أسرار الكون ما كانت أسماعنا وأبصارنا عاجزة عن سماعه ورؤيته، ومن آمن بالله صدَّق خبره.
وقد وردت إشارات في القرآن تدل على عذاب القبر، وقد ترجم البخاري في كتاب الجنائز لعذاب القبر، فقال: باب ما جاء في عذاب القبر، وساق في الترجمة قوله تعالى: إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ [الأنعام: ٩٣]، وقوله تعالى: سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ [التوبة: ١٠١]. وقوله تعالى: وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ - النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: ٤٥ - ٤٦].
والآية الأولى التي ساقها البخاري إنما هي في تعذيب الملائكة الكفار في حال الاحتضار ، والآية الثانية تدل على أن هناك عذابين سيصيبان المنافقين قبل عذاب يوم القيامة، العذاب الأول ما يصيبهم الله به في الدنيا إما بعقاب من عنده وإما بأيدي المؤمنين، والعذاب الثاني عذاب القبر، قال الحسن البصري: سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ [التوبة: ١٠١]: (عذاب الدنيا، وعذاب القبر) (٥)، وقال الطبري: (والأغلب أن إحدى المرتين عذاب القبر، والأخرى تحتمل أحد ما تقدم ذكره من الجوع أو السبي أو القتل والإذلال أو غير ذلك) (٦).
_________________
(١) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٢٧٦).
(٢) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٢٦٨).
(٣) «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» (ص: ١٢٥).
(٤) انظر: «فتح الباري» (٣/ ٢٣٣).
(٥) رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٤٤٣).
(٦) انظر: «تفسير الطبري» (١٤/ ٤٤٢).
[ ٤ / ١٤٩ ]
والآية الثالثة حجة واضحة لأهل السنة الذين أثبتوا عذاب القبر، فإن الحق ﵎ قرر أن آل فرعون يعرضون على النار غدوًا وعشيًا، وهذا قبل يوم القيامة، لأنه قال بعد ذلك: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: ٤٦]، قال القرطبي: (الجمهور على أن هذا العرض يكون في البرزخ، وهو حجة في تثبيت عذاب القبر) (١).
ومن الإشارات القرآنية الواضحة الدالة على فتنة القبر وعذابه قوله ﵎: يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم: ٢٧] ففي الحديث الذي يرويه البراء بن عازب ﵄ عن النبي ﷺ قال: «إذا أقعد المؤمن في قبره أتى ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فذلك قوله: يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [إبراهيم: ٢٧]، وفي رواية أخرى: وزاد: يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ [إبراهيم: ٢٧] نزلت في عذاب القبر» (٢).
وقد روت لنا السيدة عائشة ﵂: «أن اليهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة الرسول ﷺ عن عذاب القبر، فقال: نعم، عذاب القبر. قالت عائشة ﵂: فما رأيت رسول الله ﷺ بعد صلى إلا تعوذ من عذاب القبر» (٣). زاد غندر: «عذاب القبر حق» رواه البخاري (٤). وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂، قالت: «دخلت عليَّ عجوزان من عُجُز يهود المدينة، فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، قالت: فكذبتهما، ولم أنعم أن أصدقهما، فخرجتا، ودخل رسول الله ﷺ، فقلت له: يا رسول الله إن عجوزين من عجز يهود المدينة دخلتا عليَّ، فزعمتا أن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فقال: صدقتا، إنهم يعذبون عذابًا تسمعه البهائم " قالت: فما رأيته بعد في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر» (٥).
ولعظم هذا الأمر وخطورته كان الرسول ﷺ يعلمه لأصحابه، بل وخطب فيهم مرة به، ففي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵂: قالت: «قام رسول الله ﷺ خطيبًا فذكر فتنة القبر التي يفتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة " رواه البخاري (٦). والنسائي، وزاد النسائي: «حالت بيني وبين أن أفهم كلام رسول الله ﷺ، فلما سكنت ضجتهم، قلت لرجل قريب مني: أي بارك الله لك، ماذا قال رسول الله ﷺ آخر قوله؟ قال: قد أوحى إلي: أنكم تفتنون في القبور قريبًا من فتنة الدجال» (٧). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٤٨
_________________
(١) انظر: «فتح الباري» (٣/ ٢٣٣).
(٢) رواه البخاري (١٣٦٩).
(٣) رواه البخاري (١٣٧٢).
(٤) رواه البخاري (١٣٧٣).
(٥) رواه مسلم (٥٨٦). ورواه البخاري (٦٣٦٦).
(٦) رواه البخاري (١٣٧٣).
(٧) رواه النسائي (٤/ ١٠٣). وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».
[ ٤ / ١٥٠ ]
المبحث الثاني: سماع الرسول ﷺ أصوات المعذبين
وقد أعطى الله رسوله القدرة على سماع المعذبين في قبورهم، ففي الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه عن زيد بن ثابت ﵁ قال: «بينما النبي ﷺ في حائط لبني النجار، على بغلة له، ونحن معه، إذ حادت به، فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال: من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل: أنا، قال: فمتى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك، فقال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا، لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه» (١).
وفي صحيح البخاري ومسلم وسنن النسائي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: «خرج رسول الله ﷺ بعدما غربت الشمس، فسمع صوتًا، فقال: يهود تعذب في قبورها» (٢).
ويدل على سماع الرسول ﷺ للمعذبين في قبورهم الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عباس، وفيه أن الرسول ﷺ مرّ بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ..» الحديث (٣). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٥٢
_________________
(١) رواه مسلم (٢٨٦٧).
(٢) رواه البخاري (١٣٧٥)، ومسلم (٢٨٦٩)، والنسائي (٤/ ١٠٢).
(٣) رواه البخاري (٦٠٥٥)، ومسلم (٢٩٢).
[ ٤ / ١٥١ ]
المبحث الثالث: سماع غير الرسول ﷺ أصوات المعذبين
لم يزل بعض الناس يتحدثون عن سماعهم أو رؤيتهم للمعذبين في قبورهم، ومن هؤلاء ثقات أعلام لا مطعن في دينهم وأمانتهم، يقول ابن تيمية في ذلك: (قد يكشف لكثير من أبناء زماننا يقظة ومنامًا، ويعلمون ذلك ويتحققونه، وعندنا من ذلك أمور كثيرة) (١).
وقال في موضع آخر في معرض رده على المكذبين بعذاب القبر: (وإذا عرف أن النائم يكون نائمًا وتقعد روحه وتقوم وتمشي، وتذهب وتتكلم وتفعل أفعالًا وأمورًا بباطن بدنه مع روحه، ويحصل لبدنه وروحه بها نعيم وعذاب، مع أن جسده مضطجع، وعينيه مغمضة، وفمه مطبق، وأعضاؤه ساكنة، وقد يتحرك لقوة الحركة الداخلة، وقد يقوم ويمشي ويتكلم ويصيح، لقوة الأمر في باطنه، كان هذا مما يعتبر به أمر الميت في قبره، فإن روحه تقعد، وتجلس، وتسأل، وتنعم، وتعذب، وتصيح وذلك متصل ببدنه، مع كونه مضطجعًا في قبره، وقد يقوى ذلك حتى يظهر ذلك في بدنه، وقد يرى خارجًا من قبره، والعذاب عليه، وملائكة العذاب موكلة به، فيتحرك بدنه، ويمشي ويخرج من قبره، وقد سمع غير واحد أصوات المعذبين في قبورهم، وقد شوهد من يخرج من قبره وهو معذب، ومن يقعد بدنه أيضًا إذا قوي الأمر، لكن ليس هذا لازمًا في حق كل ميت، كما أن قعود بدن النائم لما يراه، ليس لازمًا لكل نائم، بل هو بحسب قوة الأمر) (٢). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٥٣
_________________
(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٢٤/ ٣٧٦).
(٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٥/ ٥٢٥).
[ ٤ / ١٥٢ ]
المبحث الرابع: صفة نعيم القبر وعذابه
ذكر الرسول ﷺ في حديث البراء بن عازب أن الملائكة تسأل العبد المؤمن في قبره فيحسن الإجابة وعند ذاك: «ينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مدّ بصره، قال: ويأتيه (وفي رواية: يمثل له) رجل حسن الوجه حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، (أبشر برضوان من الله، وجنات فيها نعيم مقيم) هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: (وأنت فبشرك الله بخير) من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح (فوالله ما علمتك إلا كنت سريعًا في طاعة الله، بطيئًا في معصية الله، فجزاك الله خيرًا)، ثم يفتح له باب من الجنة، وباب من النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا، فإذا رأى ما في الجنة، قال: ربِّ عجل قيام الساعة، كيما أرجع إلى أهلي ومالي، فيقال له: اسكن» (١).
وذكر صلوات الله عليه وسلامه أن العبد الكافر أو الفاجر بعد أن يسيء الإجابة «ينادي منادٍ في السماء أن كذب، فافرشوا له من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه في قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه (وفي رواية: ويمثل له) رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: (وأنت فبشرك الله بالشر)، من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، (فوالله ما علمتك إلا كنت بطيئًا عن طاعة الله، سريعًا إلى معصية الله)، (فجزاك الله شرًا، ثم يقيض الله له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة، لو ضرب بها جبل كان ترابًا، فيضربه حتى يصير بها ترابًا، ثم يعيده كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، ثم يفتح له باب من النار، ويمهد من فرش النار)، فيقول: رب لا تقم الساعة» (٢).
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٣٠٠). من حديث البراء بن عازب ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال البيهقي: هذا حديث صحيح الإسناد. وحسنه المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٢٨٠)، وابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ١١٦) كما أشار لذلك في مقدمته، وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
(٢) رواه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٩٥) (١٨٦٣٧). من حديث البراء بن عازب ﵁. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٥٠): هو في (الصحيح) وغيره باختصار رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
[ ٤ / ١٥٣ ]
وفي حديث أنس: أن العبد المؤمن إذا أجاب الإجابة الصادقة في قبره، «يقال له: انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، قال النبي ﷺ: فيراهما جميعًا، قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره» وذكر في حديث أنس أن الكافر والمنافق بعد أن يجيب في قبره تلك الإجابة الكاذبة، يقال له: «لا دريت، ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين» أخرجه البخاري ومسلم (١)، ولفظ الحديث للبخاري، ولمسلم: «إن العبد إذا وضع في قبره»، ثم ذكر نحوًا مما تقدم إلى قوله: «وذكر لنا: أنه يفسح فيه سبعين ذراعًا، ويملأ عليه خضرًا إلى يوم تبعثون» (٢)، وفي رواية لأبي داود أن العبد المؤمن بعد أن يسأل ويجيب: «ينطلق به إلى بيت كان له في النار، فيقول له: هذا كان لك، ولكن الله عصمك، فأبدلك به بيتًا في الجنة، فيراه، فيقول: دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي، فيقال له: اسكن» (٣).
وهذا الذي أشارت إليه الأحاديث من أنَّ كل إنسان يعرض عليه مقعده بعد أن يسأل في قبره مستمر طيلة بقائه في القبر، وقد صرح بذلك الرسول ﷺ، ففي الحديث الذي يرويه عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة» (٤).
وفي سنن الترمذي عن أبي هريرة أن الرسول ﷺ أخبر أن الملكين يقولان للعبد المؤمن بعد أن يجيب الإجابة السديدة: «قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال له: نم، فيقول، أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. وأنهما يقولان للمنافق: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، فلا يزال معذبًا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» (٥). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٥٤
قال الإمام الطحاوي: (وبعذاب القبر لمن كان له أهلًا، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ، وعن الصحابة رضوان الله عليهم. والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران). قال الشارح: قال تعالى: وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:٤٥ - ٤٦]. وقال تعالى: فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الطور:٤٥ - ٤٧]،. وهذا يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا، وأن يراد به عذابهم في البرزخ، وهو أظهر، لأن كثيرًا منهم مات ولم يعذب في الدنيا، أو المراد أعم من ذلك.
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٧٤)، ومسلم (٢٨٧٠).
(٢) رواه مسلم (٢٨٧٠).
(٣) رواه أبو داود (٤٧٥١). وسكت عنه، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود».
(٤) رواه البخاري (١٣٧٩)، ومسلم (٢٨٦٦).
(٥) رواه الترمذي (١٠٧١). من حديث أبي هريرة ﵁. وقال: حسن غريب، وقال محمد المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (١/ ١١٩) رجاله رجال مسلم، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ١١٥) كما قال ذلك في المقدمة.
[ ٤ / ١٥٤ ]
وعن البراء بن عازب ﵁، قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي ﷺ، فقعد وقعدنا حوله، كأن على رؤوسنا الطير، وهو يلحد له، فقال: «أعوذ بالله من عذاب القبر، ثلاث مرات، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا، نزلت إليه الملائكة، كأن على وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، فجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: يا أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها، فلا يمرون بها، يعني على ملأ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله، فيقول الله ﷿: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: ما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: يا رب، أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي، قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح خبيثة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ: لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، فيقول الله ﷿: اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا، ثم قرأ: ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم، فيقول: هاه هاه، لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب، فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت، فوجهك الوجه
[ ٤ / ١٥٥ ]
(الذي) يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول رب لا تقم الساعة» (١). وذهب إلى موجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث، وله شواهد من (الصحيح). فذكر البخاري ﵀ عن سعيد عن قتادة عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم، فيأتيه ملكان، فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل، محمد ﷺ؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبدالله ورسوله، فيقول له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعا. قال قتادة: وروي لنا أنه يفسح له في قبره» (٢) وذكر الحديث. وفي (الصحيحين) عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ مر بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، فدعا بجريدة رطبة، فشقها نصفين، وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» (٣). وفي (صحيح أبي حاتم) عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ: «إذا قبر أحدكم، أو الإنسان أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر، وللآخر: النكير» (٤) وذكر الحديث إلخ. وقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا تتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، لكونه لا عهد له به في هذا الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول. فإن عود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي - ٢/ ٥٧٢
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٧٥٣)، وأحمد (٤/ ٢٨٧) (١٨٥٥٧). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٥٠): هو في (الصحيح) وغيره باختصار رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
(٢) رواه البخاري (١٣٧٤)، ومسلم (٢٨٧٠).
(٣) رواه البخاري (١٣٦١)، ومسلم (٢٩٢).
(٤) رواه ابن حبان (٧/ ٣٨٦). والحديث رواه الترمذي (١٠٧١). وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ١١٥): - كما أشار لذلك في مقدمته - والألباني في «صحيح سنن الترمذي». وقال شعيب الأرناؤوط محقق «صحيح ابن حبان»: إسناده قوي.
[ ٤ / ١٥٦ ]
المبحث الخامس: أسباب عذاب القبر
تمهيد
قال القرطبي: (قال أبو محمد عبد الحق: اعلم أن عذاب القبر ليس مختصًا بالكافرين، ولا موقوفًا على المنافقين، بل يشاركهم فيه طائفة من المؤمنين، وكل على حاله من عمله، وما استوجبه من خطيئته وزلله) (١)، والأدلة على أن المؤمن قد يعذب في قبره بسبب ذنوبه كثيرة
(الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور على قسمين: مجمل ومفصّل، أمّا المجمل فإنهم يعذبون على جهلهم بالله وإضاعتهم لأمره وارتكابهم معاصيه) (٢). أما المفصل فإن النصوص ذكرت منه الكثير، وسنشير إلى ما اطلعنا على ذكره في الأحاديث القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر – بتصرف - ص ٥٦
_________________
(١) «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» (ص: ١٤٦).
(٢) «لوامع الأنوار البهية» للسفاريني (٢/ ١٧).
[ ٤ / ١٥٧ ]
المطلب الأول: من أسباب عذاب القبر عدم الاستتار من البول، والنميمة
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس ﵄ قال: «مرّ النبي ﷺ على قبرين، فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، أمّا أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله، ثم قال: ثم أخذ عودًا رطبًا فكسره باثنتين، ثم غرز كل واحد منهما على قبر، ثم قال: لعله يخفف عنهما، ما لم ييبسا» (١).
وروى النسائي عن عائشة ﵂ قالت: «دخلت عليَّ امرأة من اليهود، فقالت: إن عذاب القبر من البول، فقلت: كذبت، فقالت: بلى، إنا لنقرض منه الجلد والثوب، فخرج رسول الله ﷺ إلى الصلاة، وقد ارتفعت أصواتنا، فقال: ما هذا؟ فأخبرته بما قالت فقال: صدقت. قالت: فما صلى بعد يومئذ إلا قال دبر كل صلاة: ربّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أعذني من حرّ النار وعذاب القبر» (٢).
وهذا الذي أشار إليه الحديث من أن بني إسرائيل كانوا يقرضون من البول الجلد والثوب – هو من الدين الذي شرعه الله لهم، ولذلك لما نهاهم عن فعل ذلك أحدهم عذب في قبره بسبب نهيه، ففي حديث عبد الرحمن بن حسنة أن رسول الله ﷺ قال: «ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل، كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم، فنهاهم عن ذلك، فعذب في قبره» (٣).
وقد أخبر الرسول ﷺ أن عامة عذاب القبر من البول، فقد روى أنس ﵁، عن الرسول ﷺ قال: «تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه» (٤)، ورواه ابن عباس بلفظ: «عامة عذاب القبر من البول، فتنزهوا منه» (٥) ورواه أبو هريرة بلفظ: «أكثر عذاب القبر من البول» (٦). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٥٧
_________________
(١) رواه البخاري (٢١٨)، ومسلم (٢٩٢).
(٢) رواه النسائي (٣/ ٧٢). وضعف إسناده الألباني في «صحيح سنن النسائي».
(٣) رواه أبو داود (٢٢)، والنسائي (١/ ٢٦)، وابن ماجه (٢٨١)، وأحمد (٤/ ١٩٦) (١٧٧٩٣)، وابن حبان (٧/ ٣٩٧) (٣١٢٧)، والحاكم (١/ ٢٩٤). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ومن شرط الشيخين، وصححه النووي في «الخلاصة» (١/ ١٥٨)، والعيني في «عمدة القاري» (٨/ ٢١١).
(٤) رواه الدارقطني (١/ ٣١١). وقال: المحفوظ مرسل، وقال الذهبي في «تنقيح التحقيق» (١/ ١٢٩): إسناده وسط، وحسن إسناده ابن الملقن في «تحفة المحتاج» (١/ ٢١٧)، وابن كثير في «إرشاد الفقيه» (١/ ٥٧).
(٥) رواه عبد بن حميد (ص: ٢١٥)، والبزار (١١/ ١٧٠)، والطبراني (١١/ ٧٩) (١١١٠٤)، والدارقطني (١/ ٣١٥)، والحاكم (١/ ٢٩٣). قال البزار: روي من غير وجه بألفاظ مختلفة، وصححه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١٣/ ١٨٩)، وقال الدارقطني: لا بأس به.
(٦) رواه ابن ماجه (٢٨٣)، وأحمد (٢/ ٣٨٩) (٩٠٤٧)، والدارقطني (١/ ٣١٤)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ١١٤). قال الدارقطني: صحيح، وقال المنذري: صحيح على شرط الشيخين، وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (١/ ٦٠): هذا إسناد صحيح رجاله عن آخرهم محتج بهم في الصحيحين.
[ ٤ / ١٥٨ ]
المطلب الثاني: الغلول
ومن الذنوب التي يعذب صاحبها في القبر الغلول، وقد صح في ذلك أكثر من حديث، فعن أبي هريرة، قال: «أهدى رجل لرسول الله ﷺ غلامًا يقال له: مِدْعم، فبينما مدعم يحط رحلًا لرسول الله ﷺ إذ أصابه سهم عائر، فقتله، فقال الناس: هنيئًا له الجنة، فقال الرسول ﷺ: كلا، والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارًا. فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبي ﷺ، فقال: " شراك من نار أو شراكان من نار» متفق عليه (١).
وعن عبد الله بن عمرو قال: «كان على ثقل النبي ﷺ رجل يقال له: كَرْكرة، فمات، فقال رسول الله ﷺ: هو في النار فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلّها» رواه البخاري (٢). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٥٨
_________________
(١) رواه البخاري (٦٧٠٧)، ومسلم (١١٥).
(٢) رواه البخاري (٣٠٧٤).
[ ٤ / ١٥٩ ]
المطلب الثالث: الكذب، هجر القرآن، الزنا، الربا
أرى الله رسوله ﷺ أنواعًا مما يعذب به بعض العصاة، ففي صحيح البخاري عن سمرة بن جندب قال: «كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال: من رأى منكم الليلة رؤيا؟ قال: فإن رأى أحد قصها، فيقول ما شاء الله.
فسألنا يومًا فقال: هل رأى أحدكم منكم رؤيا؟ قلنا: لا، قال: لكني رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل جالس، ورجل قائم بيده كلوب من حديد – قال بعض أصحابنا عن موسى: كلوب من حديد يدخله في شدقه – حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويلتئم شدقه هذا، فيعود فيصنع مثله.
قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة، فيشدخ به رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر، فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه.
قلت: من هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد تحته نارًا، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة.
فقلت: من هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم، على وسط النهر رجل بين يديه حجارة – قال يزيد ووهب بن جرير عن جرير بن حازم: وعلى شط النهر رجل – فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان.
فقلت: من هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصبيان، وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصعدا بي في الشجرة وأدخلاني دارًا لم أر قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب ونساء وصبيان، ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل، فيها شيوخ وشباب.
قلت: طَوَّفتماني الليلة فأخبراني عما رأيتُ. قالا: نعم. أما الذي رأيته يُشَقُّ شِدْقُه فكذاب يحدّث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة، والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار، يُفعل به إلى يوم القيامة. والذي رأيته في الثقب فهم الزناة. والذي رأيته في النهر آكلوا الربا. والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم ﵇، والصبيان حوله أولاد الناس. والذي يوقد النار مالك خازن النار. والدار الأولى التي دخلت عامة المؤمنين، وأما هذه الدار فدارُ الشهداء. وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك. فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب، قالا: ذاك منزلك. قلت: دعاني أدخل منزلي. قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله، فلو استكملت أتيت منزلك» (١). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٥٩
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٨٦).
[ ٤ / ١٦٠ ]
المطلب الرابع: حبس المدين في قبره بدينه
ومما يضر الميت في قبره ما عليه من دين، فعن سعد بن الأطول ﵁: «أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالًا، قال: فأردت أن أنفقها على عياله، قال: فقال لي نبي الله ﷺ: إن أخاك محبوس بدينه، فاذهب فاقض عنه، فذهبت فقضيت عنه، ثم جئت، قلت: يا رسول الله، قد قضيت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة، وليست لها بيِّنه، قال: أعطها فإنها محقة. وفي رواية: صادقة» (١).
فقد أخبر الرسول ﷺ أن ذلك الصحابي محبوس بسبب دينه، ويمكن أن يُفسّر هذا الحبس الحديث الآخر حيث قال الرسول ﷺ: «إنه مأسور بدينه عن الجنة»، ففي الحديث الذي يرويه سمرة بن جندب «أن النبي ﷺ صلى على جنازة، (وفي رواية صلى الصبح)، فلما انصرف قال: أهاهنا من آل فلان أحد؟ (فسكت القوم، وكان إذا ابتدأهم بشيء سكتوا)، فقال ذلك مرارًا، (ثلاث لا يجيبه أحد)، (فقال رجل: هو ذا)، قال: فقام رجل يجر إزاره من مؤخر الناس، (فقال له النبي ﷺ: ما منعك في المرتين الأوليين أن تكون أجبتني؟) أما إني لم أنوِّه باسمك إلا لخير، إن فلانًا – لرجل منهم – مأسور بدينه (عن الجنة، فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله)، فلو رأيت أهله ومن يتحرَّون أمره قاموا فقضوا عنه، (حتى ما أحد يطلبه بشيء» (٢). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٦١
_________________
(١) رواه ابن ماجه (١٩٨٨) وأحمد (٤/ ١٣٦) (١٧٢٦٦)، وأبو يعلى (٣/ ٨٠) (١٥١٠)، والطبراني (٦/ ٤٦) (٥٤٦٦)، والبيهقي (١٠/ ١٤٢) (٢٠٢٨٦). قال البوصيري (٣/ ٧١): ليس لسعد هذا عند ابن ماجه سوى هذا الحديث وليس له شيء في الكتب الخمسة وإسناد حديثه صحيح، وقال الهيثمى (٤/ ١٢٩): فيه عبد الملك بن أبى جعفر وقد ذكره ابن حبان في الثقات ولم أجد من ترجمه، وقال الشوكاني في «السيل الجرار» (٤/ ٤٩٥): إسناده رجاله ثقات.
(٢) رواه أبو داود (٣٣٤١)، والنسائي (٧/ ٣١٥)، وأحمد (٥/ ٢٠) (٢٠٢٤٤)، والطبراني (٧/ ١٧٩) (٦٧٧١). والحديث سكت عنه أبو دواد، وحسنه الألباني في «صحيح سنن أي داود».
[ ٤ / ١٦١ ]
المطلب الخامس: عذاب الميت ببكاء الحي
«عندما طُعِن عمر بن الخطاب ﵁ دخل عليه صهيب يبكي، يقول: وا أخاه، واصاحباه، فقال عمر ﵁: يا صهيب أتبكي عليَّ وقد قال رسول الله ﷺ: إن الميت يُعَذَّب ببعض بكاء أهله عليه» (١). وقد أنكرت عائشة ﵂ أن يكون الرسول ﷺ قد قال هذا الحديث، ففي (صحيح البخاري) «أن ابن عباس ذكر لعائشة ما قاله عمر بعد وفاته، فقالت: رحم الله عمر، والله ما حدَّث رسول الله ﷺ أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله ﷺ قال: إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه، حسبكم القرآن وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر: ١٨]» (٢)، وقد أولت عائشة ﵂ هذا الحديث أكثر من تأويل، ورد ذلك عنها في الصحاح والسنن (٣).
وها هنا أمران: الأول هل قال الرسول ﷺ هذا الحديث؟ قال القرطبي: (إنكار عائشة ذلك، وحكمها على الراوي بالتخطئة أو النسيان أو على أنه سمع بعضًا، ولم يسمع بعضًا بعيد، لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون، وهم جازمون فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح) (٤).
الثاني: كيف يعذب ببكاء أهله عليه، وليس ذلك من فعله، والله يقول: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر: ١٨].
للعلماء في ذلك أجوبة أحسنها ما قاله البخاري في ترجمة الباب الذي وضع الحديث تحته، قال رحمه الله تعالى: (باب قول النبي ﷺ يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته) لقول الله تعالى: قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم: ٦]، وقال النبي ﷺ: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته» (٥) فإذا لم يكن من سنته فهو كما قالت عائشة ﵂ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر: ١٨] وممن ذهب هذا المذهب الترمذي ﵀، فإنه روى حديث عمر ﵁ بلفظ: «الميت يعذب ببكاء أهله عليه» (٦) ثم قال: (قال أبو عيسى (هو الترمذي): حديث عمر حديث حسن صحيح، وقد كره قوم من أهل العلم البكاء على الميت، قالوا: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، وذهبوا إلى هذا الحديث، وقال ابن المبارك: أرجو إن كان ينهاهم في حياته، أن لا يكون عليه من ذلك شيء) (٧). وهذا الفقه للحديث هو مذهب القرطبي ﵁، فإنه قال: (قال بعض العلماء أو أكثرهم: إنما يعذب الميت ببكاء الحي إذا كان البكاء من سنة الميت واختياره، كما قال:
إذ أنا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي عليَّ الجيب يا ابنة معبد
وكذلك إذا وصى به) (٨).
(وقد كان النواح ولطم الخدود وشق الجيوب من شأن أهل الجاهلية، وكانوا يوصون أهاليهم بالبكاء، والنوح عليهم، وإشاعة النعي في الأحياء، وكان ذلك مشهورًا من مذاهبهم، وموجودًا في أشعارهم كثيرًا، فالميت تلزمه العقوبة في ذلك لما تقدم إليهم في وقت حياته) كذا قال ابن الأثير (٩).
_________________
(١) رواه البخاري (١٢٨٦)، ومسلم (٩٢٧).
(٢) رواه البخاري (١٢٨٦).
(٣) انظر: «فتح الباري» (٣/ ١٥٢).
(٤) انظر: «فتح الباري» (٣/ ١٥٤).
(٥) رواه البخاري (٨٩٣) مسندا من حديث ابن عمر ﵄.
(٦) رواه الترمذي (١٠٠٢). وقال: حديث عمر حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
(٧) «سنن الترمذي» (٣/ ٣٢٦).
(٨) «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» (ص: ١٠٢).
(٩) «جامع الأصول في أحاديث الرسول» (ص: ١٠٢).
[ ٤ / ١٦٢ ]
وينبغي أن ينبه هنا إلى لفظ البخاري، فقد جاء فيه: «يعذب ببعض بكاء أهله عليه» (١). ولا يعذب بكل البكاء، فالبكاء الذي تدمع فيه العين، ولا شق، ولا لطم معه لا يؤاخذ صاحبه به، وقد جاءت في ذلك نصوص كثيرة. وقد تعرض العلامة ابن تيمية للمسألة وضعف مذهب البخاري والقرطبي وابن عبدالبرَّ ومن سلك مسلكهم في فقه الأحاديث التي أخبرت أن الميت يعذب ببكاء الحي، فقد قال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر النصوص الواردة في ذلك: (وقد أنكر ذلك طوائف من السلف والخلف، واعتقدوا أن ذلك من باب تعذيب الإنسان بذنب غيره، فهو مخالف لقوله تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [فاطر: ١٨]، ثم تنوعت طرقهم في تلك الأحاديث الصحيحة.
فمنهم من غلَّط الرواة لها، كعمر بن الخطاب وغيره، وهذه طريقة عائشة والشافعي، وغيرهما. ومنهم من حمل ذلك على ما إذا أوصى به فيعذب على إيصائه، وهو قول طائفة كالمزني، وغيره.
ومنهم من حمل ذلك على ما إذا كان عادتهم، فيعذب على ترك النهي عن المنكر، وهو اختيار طائفة منهم جدي أبو البركات، وكل هذه الأقوال ضعيفة جدًا) (٢) وقد رد قول الذين ردوا هذه الأحاديث بنوع من التأويل، فقال: (والأحاديث الصحيحة الصريحة التي يرويها مثل عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأبو موسى الأشعري وغيرهم، لا ترد بمثل هذا، وعائشة أم المؤمنين ﵂ لها مثل هذا نظائر، ترد الحديث بنوع من التأويل والاجتهاد لاعتقادها بطلان معناه، ولا يكون الأمر كذلك، ومن تدبر هذا الباب وجد هذا الحديث الصحيح الصريح الذي يرويه الثقة لا يرده أحد بمثل هذا إلا كان مخطئًا) (٣). ثم بين رحمه الله تعالى أن عائشة وقعت في مثل ما فرت منه، قال: (وعائشة ﵂ روت عن النبي ﷺ لفظين – وهي الصادقة فيما نقلته – فروت عن النبي ﷺ قوله: «إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه» (٤)، وهذا موافق لحديث عمر، فإنه إذا جاز أن يزيده عذابًا ببكاء أهله، جاز أن يعذب غيره ابتداء ببكاء أهله، ولهذا رد الشافعي في (مختلف الحديث) هذا الحديث نظرًا إلى المعنى، وقال الأشبه روايتها الأخرى: «إنهم يبكون عليه، وإنه ليعذب في قبره» (٥) (٦).
ورد قول الذين ظنوا أن الحديث يفيد معاقبة الإنسان بذنب غيره، فقال: (والذين أقروا هذا الحديث على مقتضاه، ظن بعضهم أن هذا من باب عقوبة الإنسان بذنب غيره، وأن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، واعتقد هؤلاء أن الإنسان يعاقب بذنب غيره، فجوزوا أن يدخل أولاد الكفار النار بذنوب آبائهم) (٧) وبعد أن أطال النفس في هذه المسألة: مسألة دخول أولاد الكفار النار بذنوب آبائهم، وأن هذا ليس بصواب من القول، وأن الحق أن الله لا يعذب إلا من عصاه، وأن الذين لم يبتلوا يمتحنون في عرصات القيامة، قال: (وأما تعذيب الميت: فهو لم يقل: إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه، بل قال: (يعذب)، والعذاب أعمُّ من العقاب، فإن العذاب هو الألم، وليس كل من تألم بسبب كان ذلك عقابًا له على ذلك السبب، فإن النبي ﷺ قال: «السفر قطعة من العذاب، يمْنَعُ أحدكم طعامه وشرابه» (٨)، فسمى السفر عذابًا، وليس هو عقابًا.
_________________
(١) الحديث لفظه لمسلم (٩٢٧)، ورواه البخاري (١٢٨٦) بلفظ: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه».
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٧٠).
(٣) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٧٠).
(٤) رواه مسلم (٩٢٩).
(٥) رواه مسلم (٩٣١).
(٦) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٧١).
(٧) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٧١).
(٨) رواه البخاري (١٨٠٤)، ومسلم (١٩٢٧). من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٤ / ١٦٣ ]
والإنسان يعذب بالأمور المكروهة التي يشعر بها، مثل الأصوات الهائلة، والأرواح الخبيثة، والصور القبيحة، فهو يتعذب بسماع هذا وشَمِّ هذا، ورؤية هذا، ولم يكن ذلك عملًا له عوقب عليه، فكيف ينكر أن يعذب الميت بالنياحة، وإن لم تكن النياحة عملًا له، يعاقب عليه؟
والإنسان في قبره يعذب بكلام بعض الناس، ويتألم برؤية بعضهم، وبسماع كلامهم، ولهذا أفتى القاضي أبو يعلى بأن الموتى إذا عمل عندهم المعاصي فإنهم يتألمون بها، كما جاءت بذلك الآثار، فتعذبهم بعمل المعاصي عند قبورهم كتعذيبهم بنياحة من ينوح عليهم، ثم النياحة سبب العذاب) (١).
وهذا الفقه الذي صار إليه الشيخ العلامة جاءت بعض الأحاديث دالة عليه، فعن النعمان بن بشير، قال: «أغمي على عبد الله بن رواحة ﵁، فجعلت أخته عمرة تبكي: واجبلاه، واكذا، واكذا، تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئًا إلا قيل لي، أنت كذلك؟! فلما مات لم تبك عليه» (٢)، بل إن هذا المعنى ورد صريحًا في الحديث الذي يرويه أبو موسى الأشعري، أن رسول الله ﷺ قال: «ما من ميت يموت، فيقوم باكيه، فيقول: واجبلاه! واسيداه! أو نحو ذلك، إلا وكل به ملكان يلهزانه: أهكذا كنت» رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن غريب (٣)، وقال الحافظ في (التلخيص) بعد سياقه لهذا الحديث: (ورواه الحاكم وصححه، وشاهده في الصحيح عن النعمان بن بشير) (٤). وينبغي أن ينبه هنا أنه ليس كل ميت يناح عليه يعذب بالنياح عليه، فقد يندفع حكم السبب بما يعارضه – كما يقول ابن تيمية – كما يكون في بعض الناس من القوة ما يدفع ضرر الأصوات الهائلة، والأرواح والصور الخبيثة. ثم ذكر أن أحاديث الوعيد يذكر فيها السبب، وقد يتخلف موجبه لموانع تدفع ذلك، إما بتوبة مقبولة، وإما بحسنات ماحية، وإما بمصائب مكفرة، وإما بشفاعة شفيع مطاع، وإما بفضل الله ورحمته ومغفرته. وبين في خاتمة كلامه أن ما يصيب الميت المؤمن من عذاب في قبره بما نيح عليه يكفر الله به عن سيئاته (٥). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٦٢
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٧١).
(٢) رواه البخاري (٤٢٦٨).
(٣) رواه الترمذي (١٠٠٣). وقال: هذا حديث حسن غريب، وصححه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٢/ ٣٨٥)، وقال ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٢/ ١٤٠): ورواه الحاكم وصححه وشاهده في الصحيح عن النعمان بن بشير، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
(٤) «التلخيص الحبير» لابن حجر (٢/ ١٤٠).
(٥) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٧٥).
[ ٤ / ١٦٤ ]
المطلب السادس: عذاب الذي يأخذ القرآن ويرفضه، والنائم عن الصلاة المكتوبة
حديث سمرة بن جندب ﵁ بطوله، وفيه «. .. وأنا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه، فيثلغ رأسه، فيتدهده الحجر ها هنا، فيتبع الحجر، فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى» ثم جاء البيان في آخر الحديث بقول الملكين للرسول ﷺ: «أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة» (١)، وفي رواية «فيفعل به إلى يوم القيامة» (٢). القبر عذابه ونعيمه لحسين العواشيه -ص ٢٥ - ٢٧
_________________
(١) رواه البخاري (٧٠٤٧).
(٢) رواه البخاري (١٣٨٦).
[ ٤ / ١٦٥ ]
المبحث السادس: الذين يعصمون من فتنة القبر وعذابه
بعض المؤمنين من الذين قاموا بأعمال جليلة، أو أصيبوا بمصائب كبيرة يأمنون فتنة القبر وعذابه، فمن هؤلاء:
١ - الشهيد: فقد روى المقدام بن معدي كرب، قال: قال رسول الله ﷺ: «للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده في الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقربائه» رواه الترمذي وابن ماجه (١). وروى النسائي في سننه عن راشد بن سعد بن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ «أن رجلًا قال: يا رسول الله! ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» (٢). ٢ - الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فقد روى فضالة بن عبيد، عن رسول الله ﷺ، قال: «كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله؟ فإنه ينمي له عمله يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر» رواه الترمذي وأبو داود (٣).
٣ - الذي يموت يوم الجمعة، ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ، قال: «ما من مسلم يموت يوم الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر» رواه أحمد والترمذي (٤)، والحديث صحيح بمجموع طرقه أو حسن.
- الذي يموت بداء البطن، وقد ثبت في حديث يرويه عبد الله بن يسار، قال: «كنت جالسًا وسليمان بن صرد وخالد بن عرفطة، فذكروا أن رجلًا توفي مات ببطنه، فإذا هما يشتهيان أن يكونا شهدا جنازته، فقال أحدهما للآخر: ألم يقل رسول الله ﷺ: من يقتله بطنه فلن يعذب في قبره؟ فقال الآخر: بلى» وفي رواية: «صدقت» (٥). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٧١
_________________
(١) رواه الترمذي (١٦٦٣)، وابن ماجه (٢٢٧٤). قال الترمذي: حسن صحيح غريب، وحسنه ابن القطان في «الوهم والإيهام» (٥/ ١٦١)، وابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٤/ ١٦) كما قال هذا في المقدمة.
(٢) رواه النسائي (٤/ ٩٩). وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».
(٣) رواه أبو داود (٢٥٠٠)، والترمذي (١٦٢١)، والحاكم (٢/ ٨٨). قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٤/ ١١٣)، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٢/ ٤٢٩): ثابت وله شواهد.
(٤) رواه الترمذي (١٠٧٤)، وأحمد (٢/ ١٦٩) (٦٥٨٢). وقال الترمذي: غريب وليس إسناده متصل، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
(٥) رواه النسائي (٤/ ٩٨)، وأحمد (٤/ ٢٦٢) (١٨٣٣٦)، والطبراني (٤/ ١٩٠) (٤١٠٤). وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي»، والوادعي في «الصحيح المسند» (٤٥٤)، وقال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن يسار - وهو الجهني - فقد روى له أبو داود والنسائي وهو ثقة.
[ ٤ / ١٦٦ ]
الفصل السابع: الروح والنفس
تمهيد:
لا بدَّ للباحث في أمر الإنسان بعد موته من إعطاء فكرة عن الروح التي تنعم أو تعذب بعد موتها، ما هي؟ وهل لها كيفية تعلم؟ وهل هي جزء من البدن، أم شيء آخر غير البدن؟ فإن كانت غيره فأين مسكنها فيه؟ وهل هي مخلوقة؟ وهل هي واحدة في الإنسان أم متعددة؟ وهل تموت الأرواح، وكيف موتها؟ وأين مستقرها في البرزخ، وهل تعلم الأرواح شيئًا عما يجري في الدنيا من البرزخ؟ يقول ابن تيمية: (والروح المدبرة للبدن التي تفارقه بالموت هي الروح المنفوخة فيه، وهي النفس التي تفارقه بالموت) (١)، وقد أخطأ الذين فرقوا بين الروح والنفس واعتقدوا أنهما أمران مختلفان، ومن تأمل علم أن النفس هي التي تقبضها الملائكة، وتصعد بها إلى السماء، وتعود بها إلى الجسد، وتسأل، وتنعم وتعذب، وهي الروح أيضًا التي إذا خرجت من الجسد تبعها البصر كما ثبت في الأحاديث.
وهذا المخلوق الذي تكون به الحياة، وتفقد الحياة بفقده يسمى روحًا ونفسًا، ولا يمنع هذا أن تطلق كل من الروح والنفس إطلاقات أخرى، يقول ابن تيمية: (لفظ الروح والنفس يعبر بهما عن عدة معان: فيراد بالروح الهواء الخارج من البدن والهواء الداخل فيه، ويراد بالروح البخار الخارج من تجويف القلب من سويداه الساري في العروق، وهو الذي تسميه الأطباء الروح، ويسمى الروح الحيواني، فهذان المعنيان غير الروح التي تفارق بالموت التي هي النفس، ويراد بنفس الشيء ذاته وعينه، وقد يراد بلفظ النفس الدم الذي يكون في الحيوان، كقول الفقهاء: " ماله نفس سائلة، وما ليس له نفس سائلة " فهذان المعنيان بالنفس ليسا هما معنى الروح) (٢).
وتطلق الروح أيضًا على جبرائيل: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء: ١٩٣]، وتطلق على القرآن وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا [الشورى: ٥٢].
ويلاحظ شارح الطحاوية أن الروح والنفس وإن أطلقا على تلك اللطيفة الربانية، إلا أن (غالب ما يسمى نفسًا إذا كانت الروح متصلة بالبدن، وأما إذا أخذت مجردة فتسمية الروح أغلب عليها) (٣).
ويقول ابن تيمية في هذا: (لكن تسمى نفسًا باعتبار تدبيره للبدن، وتسمى روحًا باعتبار لطفه، ولهذا يسمى الريح روحًا، وقال النبي ﷺ: «الريح من روح الله» (٤) أي: من الروح التي خلقها الله (٥).
لما كنت الروح مخلوقة من جنس لا نظير له في عالم الموجودات فإننا لا نستطيع أن نعرف صفاتها، فقد عرفنا الله أنها تصعد وتهبط، وتسمع وتبصر وتتكلم إلى غير ذلك، إلا أن هذه الصفات مخالفة لصفات الأجسام المعروفة، فليس صعودها وهبوطها وسمعها وبصرها وقيامها وقعودها من جنس ما نعرفه ونعلمه، فقد أخبرنا الرسول ﷺ أن الروح يصعد بها إلى السماوات العلى، ثم تعاد إلى القبر، ساعة من الزمن، وقد أخبرنا أنها تنعم أو تعذّب في القبر، ولا شك أن هذا النعيم على نحو مخالف لما نعلمه ونعرفه. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - بتصرف- ص ٨٥
_________________
(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٩/ ٢٨٩).
(٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٩/ ٢٩٢).
(٣) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٤٤٤).
(٤) رواه أبو داود (٥٠٩٧)، وأحمد (٢/ ٢٦٧) (٧٦١٩)، وابن حبان (٣/ ٢٨٧) (١٠٠٧)، والحاكم (٤/ ٣١٨). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسن إسناده النووي في «المجموع» (٥/ ٩٧)، وقال ابن حجر في «الفتوحات الربانية» (٤/ ٢٧٢): حسن صحيح ورجاله رجال الصحيح إلا ثابت بن قيس.
(٥) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٩/ ٢٩٠).
[ ٤ / ١٦٧ ]
المبحث الأول: استقلال الروح عن البدن
و(يرى فريق من أهل الكلام المبتدع المحدث من الجهمية والمعتزلة أن الروح جزء من أجزاء البدن، أو صفة من صفاته، كقول بعضهم: إنها النفس أو الريح التي تردد في البدن، وقول بعضهم: إنها الحياة أو المزاج أو نفس البدن) (١). (والفلاسفة المشاؤون يقرون بأن النفس تبقى إذا فارقت البدن، لكن يصفون النفس بصفات باطلة فيدعون أنها إذا فارقت البدن كانت عقلًا، والعقل عندهم مجرد عن المادة وعلائق المادة، والمادة عندهم هي الجسم، والعقل عندهم قائم بنفسه، لا يوصف بحركة ولا سكون، ولا يتجدد له أحوال البتة) (٢).
وقد تخبط هؤلاء وهؤلاء في مقالاتهم في الروح، فأهل الكلام المبتدع المذموم الذين قالوا: إن الروح هي الحياة أو المزاج أو نفس البدن، أنكر كثير منهم عذاب القبر، فليس هناك روح تنعم أو تعذب بعد الموت في البرزخ. ورفضوا النصوص التي أثبتت ذلك.
والفلاسفة الذين زعموا أن الروح إذا فارقت البدن تصبح عقلًا، قالوا: (إذا فارقت البدن لا يتجدد لها حال من الأحوال لا علوم ولا تصورات، ولا سمع ولا بصر، ولا إرادات، ولا فرح ولا سرور، ولا غير ذلك مما قد يتجدد ويحدث، بل تبقى عندهم على حال واحدة أزلًا وأبدًا، كما يزعمونه في العقل والنفس) (٣).
(وفريق من الفلاسفة يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم، وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود، فيقولون لا هي داخل البدن ولا خارجه، ولا مباينة له، ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عرض) (٤).
والسبب الذي أوقع كلا الفريقين في هذا الخطأ أنهم اعتمدوا على عقولهم وما وضعوه من مقاييس في البحث عن أمر غيبي، فالفريق الأول أنكر وجود روح مستقلة عن البدن، وهذا تكذيب للنصوص المتواترة، وإنكار لأمر معلوم من الدين بالضرورة، والفلاسفة المشاؤون ومن سلك سبيلهم أثبتوا وجود الروح مستقلة عن البدن، ولكن لما كانت هذه الروح (ليست من جنس هذا البدن، ولا جنس العناصر والمولدات منها، بل هي جنس آخر مخالف لهذه الأجناس) (٥) صعب عليهم تعريفها وتصورها، وضاقت تعبيراتهم ومقاييسهم عن حدها وتصورها. وقد هدى الله الذين استجابوا لله ورسوله، وآمنوا بما أخبرهم به، فعلموا أن (الروح جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد، وسريان الدهن في الزيتون، والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف، بقي هذا الجسم اللطيف متشابكًا بهذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة والإرادة، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن وانفصل إلى عالم الأرواح) (٦).
وقد سقنا في تضاعيف بحثنا كثيرًا من الأدلة التي تثبت أن الروح شيء مستقل عن البدن، كقوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ [الزمر: ٤٢]، وقوله: وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [الأنفال: ٥٠]، وقوله: وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ [الأنعام: ٩٣]، وقوله: كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [القيامة: ٢٦ - ٣٠]، وقوله: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ [الواقعة: ٨٣ - ٨٤]، فالذي يمسك، وتتوفاه الملائكة، ويبلغ الحلقوم، ويبلغ التراقي، ويساق لا بد أن يكون شيئًا حقيقيًا مخالفًا للجسد.
وقد سقنا الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله ﷺ أنَّ ملك الموت يقبض الروح، وأنَّ الملائكة تضع تلك الروح في كفن من الجنة أو النار بحسب فلاحها أو فسادها، وأنَّه يذهب بها في رحلة علوية سماوية، حيث تفتح لها أبواب السماء إن كانت صالحة، وتغلق دونها إن كانت طالحة، وأنها تعاد إلى الجسد، وتسأل وتعذب أو تنعم، وأن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، وأرواح المؤمنين طير يعلق في شجر الجنة، وأن الروح إذا قبض تبعه البصر، إلى غير ذلك من النصوص الدالة في مجموعها دلالة قاطعة على أن الأرواح شيء آخر غير الأبدان، وأنها تبقى بعد مفارقة البدن. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٨٨
_________________
(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣/ ٣١).
(٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٩/ ٢٧٢).
(٣) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٩/ ٢٧٣).
(٤) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣/ ٣١).
(٥) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣/ ٣٢).
(٦) «الروح» لابن القيم (ص/١٧٨ - ١٧٩).
[ ٤ / ١٦٨ ]
المبحث الثاني: مسكن الروح في الجسد
الروح تسري في بدن الإنسان كله، يقول ابن تيمية: (لا اختصاص للروح بشيء من الجسد، بل هي سارية في الجسد كما تسري الحياة التي هي عرض في جميع الجسد، فإن الحياة مشروطة بالروح، فإذا كانت الروح في الجسد كان فيه حياة، وإذا فارقته الروح فارقته الحياة) (١). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٩٢
_________________
(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٩/ ٣٠٢ - ٣٠٣).
[ ٤ / ١٦٩ ]
المبحث الثالث: الروح مخلوقة
ذهب فريق من الفلاسفة إلى أن الروح غير مخلوقة، بل هي قديمة أزلية، ولكنها ليست من ذات الرب، ومقالتهم في الروح هي مقالتهم في العقول والنفوس الملكية، ويزعم من دخل من أهل الملل فيهم أنها هي الملائكة.
وذهب صنف آخر من زنادقة هذه الأمة وضُلالها من المتكلمة والمتصوفة والمحدثة إلى أن الروح من ذات الله، وهؤلاء – كما يقول ابن تيمية – أشرُّ قولًا من أولئك، وهؤلاء جعلوا الآدمي نصفين: نصف لاهوت، وهو روحه، ونصف ناسوت، وهو جسده: نصفه رب ونصفه عبد (١).
والحق الذي لا ينبغي أن يخالف فيه أن الروح مخلوقة مبتدعة، ويدل على ذلك أمور: ١ - الإجماع:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (روح الآدمي مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غيرُ واحد من أئمة المسلمين، مثل محمد بن نصر المروزي، الإمام المشهور، الذي هو أعلم أهل زمانه بالإجماع والاختلاف، أو من أعلمهم.
وكذلك أبو محمد بن قتيبة، قال في (كتاب اللقط) لما تكلم على خلق الروح، قال: النسم الأرواح، قال: وأجمع الناس أن الله خالق الجثة وبارئ النسمة، أي: الروح. وقال أبو إسحاق بن شاقلا فيما أجاب به في هذه المسألة: سألت رحمك الله عن الروح مخلوقة أو غير مخلوقة، قال: هذا مما لا يشك فيه من وفق للصواب، إلى أن قال: والروح من الأشياء المخلوقة، وقد تكلم في هذه المسألة طوائف من أكابر العلماء والمشايخ، وردوا على من يزعم أنها غير مخلوقة.
وصنف الحافظ أبو عبد الله بن منده في ذلك كتابًا كبيرًا في (الروح والنفس) وذكر فيه من الأحاديث والآثار شيئًا كثيرًا، وقبله الإمام محمد بن نصر المروزي وغيره، والشيخ أبو يعقوب الخراز، وأبو يعقوب النهرجوري، والقاضي أبو يعلى، وقد نص على ذلك الأئمة الكبار، واشتد نكيرهم على من يقول ذلك في عيسى ابن مريم، لا سيما في روح غيره كما ذكره أحمد في كتابه في (الرد على الزنادقة والجهمية) (٢).
٢ - الكتاب والسنة:
الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على خلقها كثيرة، مثل قوله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد: ١٦]، [الزمر: ٦٢]، يقول شارح الطحاوية عقب استدلاله بهذه الآية: (فهذا عام لا تخصيص فيه بوجه ما) (٣) ومن ذلك قوله تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا [الإنسان: ١]، وقوله جل وعلا لزكريا: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [مريم: ٩]، والإنسان اسم لروح الإنسان وبدنه، وخطاب الله لزكريا لروحه وبدنه.
_________________
(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٢١ - ٢٢٢).
(٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢١٦ - ٢١٧).
(٣) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٤٤٢).
[ ٤ / ١٧٠ ]
يقول ابن تيمية: (الإنسان عبارة عن البدن والروح معًا، بل هو بالروح أخص منه بالبدن، وإنما البدن مطية للروح، كما قال أبو الدرداء: (إنما بدني مطيتي، فإن رفقت بها بلغتني، وإن لم أرفق بها لم تبلغني)، وقد رواه ابن منده وغيره عن ابن عباس، قال: (لا تزال الخصومة يوم القيامة بين الخلق حتى تختصم الروح والبدن، فتقول الروح للبدن: أنت عملت السيئات، فيقول البدن للروح: أنت أمرتني، فيبعث الله ملكًا يقضي بينهما فيقول: إنما مثلكما كمثل مقعد وأعمى دخلا بستانًا، فرأى المقعد فيه ثمرًا معلقًا، فقال للأعمى: إني أرى ثمرًا ولكن لا أستطيع النهوض إليه، وقال الأعمى: لكني أستطيع النهوض إليه، ولكني لا أراه، فقال المقعد: تعال فاحملني حتى أقطفه، فحمله وجعل يأمره فيسير به إلى حيث يشاء فقطع الثمرة، قال المَلَكُ: فعلى أيهما العقوبة؟ قالا: عليهما جميعًا، قال: فكذلك أنتما) (١).
٣ - ذكرنا في بحثنا هذا كثيرًا من النصوص عن النبي ﷺ أن الأرواح تقبض، وتوضع في كفن وحنوط تأتي بهما الملائكة، ويصعد بها، وتنعم وتعذب، وتمسك في النوم، وترسل، وكل هذا شأن المخلوق المحدث. ٤ - لو لم تكن مخلوقة مربوبة لما أقرت بالربوبية، وقد قال الله للأرواح حين أخذ الميثاق على العباد، وهم في عالم الذرّ، ألستُ بربكم؟ قالوا: بلى (٢)، وذلك ما قرره الحق في قوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى [الأعراف: ١٧٢]، وما دام هو ربهم فإنهم مربوبون مخلوقون.
٥ - لو لم تكن الأرواح مخلوقة فإن النصارى لا لوم عليهم في عبادتهم عيسى، ولا في قولهم: إنه ابن الله، أو هو الله.
- لو كانت الروح غير مخلوقة فإنها لا تدخل النار ولا تعذب، ولا تحجب عن الله، ولا تغيب عن البدن، ولا يملكها ملك الموت، ولما كانت صورة توصف، ولم تحاسب ولم تعذب، ولم تتعبد ولم تخف، ولم ترج، ولأن أرواح المؤمنين تتلألأ، وأرواح الكفار سود مثل الفحم (٣). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٩٣
_________________
(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٢٢ - ٢٢٣).
(٢) رواه أحمد (١/ ٢٧٢) (٢٤٥٥)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ٣٤٧) (١١١٩١)، والحاكم (١/ ٨٠). من حديث ابن عباس ﵁. وقال: صحيح الإسناد، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (١/ ٨٣): إسناده جيد قوي على شرط مسلم، وقال الهيثمي (٧/ ٢٨): رجاله رجال الصحيح.
(٣) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٢٠).
[ ٤ / ١٧١ ]
المبحث الرابع: شبهات الذين زعموا أن الروح غير مخلوقة
الذين قالوا: إن الروح غير مخلوقة احتجوا بمثل قوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: ٨٥]، والجواب عن هذا من وجوه: الأول: أن الروح هنا ليست روح الآدمي، وإنما هو اسم ملك، كما قال تعالى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا [النبأ: ٣٨]، وقال: تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج: ٤]، وقال: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم [القدر: ٤] وهذا قول معروف مشهور عند علماء السلف في تفسير الآية (١).
الثاني: وإذا قلنا: إن المراد بالروح هنا روح الآدمي – كما هو قول جمع من علماء السلف في الآية – فليس فيها ما يدل على أن الروح غير مخلوقة، وأنها جزء من ذات الله تعالى كما يقال هذه الخرقة من هذا الثواب، بل المراد أنها تنسب إلى الله، لأنها بأمره تكونت، أو لأنها بكلمته كانت، والأمر في القرآن يذكر ويراد به المصدر تارة، ويراد به المفعول تارة أخرى، وهو المأمور به، كقوله تعالى: أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١] أي: المأمور به، ويمكن أن يقال أيضًا: إن لفظة مِنْ في قوله: مِنْ أَمْرِ رَبِّي لابتداء الغاية، ومعلوم أن (من) تأتي لبيان الجنس، كقولهم: باب من حديد، وتأتي لابتداء الغاية، كقولهم: خرجت من مكة، فقوله: مِنْ أَمْرِ رَبِّي ليس نصًا في أن الروح بعض الأمر ومن جنسه، بل هي لابتداء الغاية إذ كونت بالأمر، وصدرت عنه، وهذا معنى جواب الإمام أحمد في قوله: وَرُوحٌ مِّنْهُ حيث قال: وَرُوحٌ مِّنْهُ يقول: من أمره كان الروح، كقوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ [الجاثية: ١٣]، ونظير هذا أيضًا قوله تعالى: وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ [النحل: ٥٣]. فإذا كانت المسخرات والنعم من الله، ولم تكن بعض ذاته، بل منه صدرت، لم يجب أن يكون معنى قوله في المسيح وَرُوحٌ مِّنْهُ، أنها بعض ذاته (٢).
الشبهة الثانية: قوله تعالى في آدم: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي [الحجر: ٢٩]، وقوله في عيسى: فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا [الأنبياء: ٩١]، قالوا: فقد أضاف الله الروح إلى نفسه، وقد أجاب عن هذه الشبهة شارح الطحاوية فقال: (ينبغي أن يعلم أن المضاف إلى الله تعالى نوعان: صفات لا تقوم بأنفسها، كالعلم والقدرة، والكلام والسمع والبصر، فهذه إضافة صفة إلى موصوف بها، فعلمه وكلامه وقدرته وحياته صفات له، وكذا وجهه ويده سبحانه.
والثاني: إضافة أعيان منفصلة عنه، كالبيت والناقة والعبد والرسول والروح كقوله: نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا [الشمس: ١٣] وقوله: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان: ١] وقوله: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [الحج: ٢٦] فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، لكن إضافة تقتضي تخصيصًا وتشريفًا، يتميز بها المضاف إلى غيره) (٣). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٩٧
_________________
(١) «تفسير الطبري» (٢٤/ ١٧٦).
(٢) انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٢٦ - ٢٣٥).
(٣) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٤٤٢).
[ ٤ / ١٧٢ ]
المبحث الخامس: هل تموت النفوس
يقول ابن تيمية: (والأرواح مخلوقة بلا شك، وهي لا تعدم ولا تفنى، ولكن موتها بمفارقة الأبدان، وعند النفخة الثانية تعاد الأرواح إلى الأبدان) (١).
وقد تعرَّض شارح الطحاوية لهذه المسألة، فقال: (واختلف الناس هل تموت الروح أم لا؟ فقالت طائفة: تموت لأنها نفس، وكل نفس ذائقة الموت، .. وإذا كانت الملائكة تموت، فالنفوس البشرية أولى بالموت، وقال آخرون: لا تموت الأرواح، فإنها خلقت للبقاء، وإنما تموت الأبدان، قالوا: وقد دل على ذلك الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله في أجسادها، والصواب أن يقال: موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها، فإن أريد بموتها هذا القدر، فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها تعدم وتفنى بالكلية فهي لا تموت بهذا الاعتبار، بل هي باقية بعد خلقها في نعيم أو في عذاب، .. وقد أخبر سبحانه أن أهل الجنة لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى [الدخان: ٥٦]، وتلك الموتة هي مفارقة الروح للجسد) (٢). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٠١
_________________
(١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٧٩).
(٢) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص: ٤٤٦).
[ ٤ / ١٧٣ ]
المبحث السادس: مستقر الأرواح في البرزخ، وهل العذاب على الروح أم على البدن؟
المطلب الأول: مستقر الأرواح في البرزخ
أرواح العباد في البرزخ متفاوتة في منازلها، وقد استقرأنا النصوص الواردة في ذلك فأفادتنا التقسيم التالي:
أولًا: أرواح الأنبياء، وهذه تكون في خير المنازل في أعلى عليين، في الرفيق الأعلى، وقد سمعت السيدة عائشة الرسول ﷺ في آخر لحظات حياته يقول: «اللهمَّ الرفيق الأعلى» (١).
الثاني: أرواح الشهداء، وهؤلاء أحياء عند ربهم يرزقون، قال تعالى: وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦]، وقد سأل مسروق عبد الله بن مسعود عن هذه الآية، فقال: «إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: " أرواحهم في أجواف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل» رواه مسلم في صحيحه (٢). وهذه أرواح بعض الشهداء لا كل الشهداء، لأن منهم من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه، كما في المسند عن عبد الله بن جحش: «أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، مالي إن قتلت في سبيل الله؟ قال: الجنة، فلما ولّى، قال: إلا الدين، سارني به جبريل آنفًا» (٣). الثالث: أرواح المؤمنين الصالحين: تكون طيورًا تعلق في شجر الجنة، ففي الحديث الذي يرويه عبد الرحمن بن كعب بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما نسمة المسلم طير يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعها الله إلى جسده إلى يوم القيامة» رواه أحمد (٤).
_________________
(١) رواه البخاري (٤٤٦٣)، ومسلم (٢٤٤٤).
(٢) رواه مسلم (١٨٨٧).
(٣) رواه أحمد (٤/ ٣٥٠) (١٩١٠٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ١٣٠): فيه أبو كثير وهو مستور وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني في «إرواء الغليل» (٥/ ١٩): إسناده جيد.
(٤) رواه أحمد (٣/ ٤٥٥) (١٥٨١٤). قال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٢/ ٦٩٤)، وشعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
[ ٤ / ١٧٤ ]
والفرق بين أرواح المؤمنين وأرواح الشهداء، أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح متنقلة في رياض الجنة، وتأوي إلى قناديل معلقة في العرض، أما أرواح المؤمنين فإنها في أجواف طير يعلق ثمر الجنة ولا ينتقل في أرجائها. وكون أرواح المؤمنين في أجواف طير يعلق شجر الجنة لا يشكل عليه الحديث الآخر الذي يرويه أبو هريرة عن الرسول ﷺ، وفيه «أن الملائكة تقبض روح العبد المؤمن، وترقى به إلى السماء، فتقول الملائكة: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض، فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشدُّ فرحًا من أحدكم بغائبه يقدم عليه، فيسألونه: ماذا فعل فلان؟ ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوه، فإنه كان في غم الدنيا، فيقول: قد مات، أما أتاكم؟ قالوا: ذهب به إلى أمه الهاوية» (١)، فإن روح المؤمن تلتقي بأرواح المؤمنين في الجنة. الرابع: أرواح العصاة: أن الذي يكذب الكذبة تبلغ الآفاق يعذب بكلوب من حديد يدخل في شدقه حتى يبلغ قفاه، والذي نام عن الصلاة المكتوبة يشدخ رأسه بصخرة، والزناة والزواني يعذبون في ثقب مثل التنور، ضيق أعلاه، وأسفله واسع، توقد النار من تحته، والمرابي يسبح في بحر من دم، وعلى الشط من يلقمه حجارة (٢). وقد ذكرنا الأحاديث التي تتحدث عن عذاب الذي لم يكن يستنزه من بوله، والذي يمشي بالنميمة بين الناس، والذي غلَّ من الغنيمة ونحو ذلك. الخامس: أرواح الكفار: في حديث أبي هريرة عند النسائي بعد وصف حال المؤمن إلى أن يبلغ مستقره في الجنة، ذكر حال الكافر، وما يلاقيه عند النزع، وبعد أن تقبض روحه «تخرج منه كأنتن ريح، حتى يأتون به باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح، حتى يأتون به أرواح الكفار» (٣).
إشكال وجوابُه:
قد يقال: سقت من النصوص ما يدل على أن الأرواح تعاد إلى الأبدان، ثم تُسأل، وبعد ذلك ينعم المؤمن، ويعذب الكافر، فكيف تقول بعد ذلك: إن نسم المؤمنين في الجنة، ونسم الكفار في النار؟
حاول ابن حزم أن يضعف الأحاديث التي تذكر إعادة الروح إلى البدن في القبر، ولكن ليس الأمر كذلك، فإن ما ضعفه ابن حزم وهو حديث زاذان عن البراء حديث صحيح، وهناك أحاديث كثيرة صحيحة متواترة تدل على عود الروح إلى البدن كما يقول ابن تيمية (٤).
وفي التوفيق بين النصوص يقول ابن تيمية: (وأرواح المؤمنين في الجنة، وإن كانت مع ذلك قد تعاد إلى البدن، كما أنها قد تكون في البدن، ويعرج بها إلى السماء كما في حال النوم، أما كونها في الجنة ففيه أحاديث عامة، وقد نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء، واحتجوا بالأحاديث المأثورة العامة وأحاديث خاصة في النوم وغيره) (٥).
_________________
(١) رواه النسائي (٤/ ٨)، وابن حبان (٧/ ٢٨٤) (٣٠١٤)، والحاكم (١/ ٥٠٤). وقال: سنده صحيح، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (٥/ ٢١٢): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».
(٢) الحديث رواه البخاري (٧٠٧٤). من حديث سمرة بن جندب ﵁.
(٣) رواه النسائي (٤/ ٨)، وابن حبان (٧/ ٢٨٤) (٣٠١٤)، والحاكم (١/ ٥٠٤). وقال: سنده صحيح، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (٥/ ٢١٢): إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».
(٤) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٤٦).
(٥) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٤٧).
[ ٤ / ١٧٥ ]
ثم ذكر بعض هذه الأحاديث التي سقناها من قبل، وأورد حديث أبي هريرة الذي رواه ابن حبان وغيره، والذي يذكر فيه أن المؤمن يرى بعد السؤال مقعده من الجنة، ومقعده من النار لو كان كافرًا، قال: «ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا، وينور له فيه، ويعاد جسده كما بدئ، وتجعل نسمته في نسم طيب، وهي طير تعلق في شجر الجنة» (١)، وفي لفظ: «وهو طير يعلق في شجر الجنة» (٢)، وفي لفظ: «ثم يعاد جسده إلى ما بدئ منه» (٣) فالروح – كما يدل عليه الحديث تعاد إلى الجسد بعد الرحلة إلى السماء، ثم تسأل، ثم تكون طيرًا يعلق بشجر الجنة إلى أن يبعث العباد، ومع كونها في الجنة فإنه يبقى لها تعلق بالجسد، كحال الإنسان في النوم، فإنها تجول في ملكوت السماوات والأرض، مع أن لها تعلق بالجسد، وفقه هذا مبني على معرفة أن الروح مخالفة للأجساد وللمعهود من حال المخلوقات الدنيوية، يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر أن مستقر أرواح المؤمنين الجنة: (ومع ذلك تتصل بالبدن متى شاء الله تعالى، وهي في تلك بمنزلة نزول الملك، وظهور الشعاع في الأرض، وانتباه النائم) (٤). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٠٢ - ١٠٦
وقد اختلف في مستقر الأرواح ما بين الموت إلى قيام الساعة: فقيل: أرواح المؤمنين في الجنة، وأرواح الكافرين في النار، وقيل: إن أرواح المؤمنين بفناء الجنة على بابها، يأتيهم من روحها ونعيمها ورزقها. وقيل: على أفنية قبورهم. وقال مالك: بلغني أن الروح مرسلة، تذهب حيث شاءت. وقالت طائفة: بل أرواح المؤمنين عند الله ﷿، ولم يزيدوا على ذلك. وقيل: إن أرواح المؤمنين بالجابية من دمشق، وأرواح الكافرين ببرهوت بئر بحضرموت! وقال كعب: أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة، وأرواح الكافرين في سجين في الأرض السابعة تحت خد إبليس! وقيل: أرواح المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكافرين ببئر برهوت. وقيل: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله. قال ابن حزم وغيره: مستقرها حيث كانت قبل خلق أجسادها. وقال أبو عمر بن عبد البر: أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح عامة المؤمنين على أفنية قبورهم. وعن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن أرواح الشهداء كطير خضر معلقة بالعرش، تغدو وتروح إلى رياض الجنة، تأتي ربها كل يوم تسلم عليه. وقالت فرقة: مستقرها العدم المحض. وهذا قول من يقول: إن النفس عرض من أعراض البدن، كحياته وإدراكه! وقولهم مخالف للكتاب والسنة. وقالت فرقة: مستقرها بعد الموت أبدان أخر تناسب أخلاقها وصفاتها التي اكتسبتها في حال حياتها، فتصير كل روح إلى بدن حيوان يشاكل تلك الروح! وهذا قول التناسخية منكري المعاد، وهو قول خارج عن أهل الإسلام كلهم.
_________________
(١) رواه الترمذي (١٠٧١)، وابن حبان (٧/ ٣٨٠) (٣١١٣). من حديث أبي هريرة ﵁. وقال: حسن غريب، وقال محمد المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (١/ ١١٩) رجاله رجال مسلم، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ١١٥) كما قال ذلك في المقدمة.
(٢) رواه الترمذي (١٠٧١)، وابن حبان (٧/ ٣٨٠) (٣١١٣). من حديث أبي هريرة ﵁. وقال: حسن غريب، وقال محمد المناوي في «تخريج أحاديث المصابيح» (١/ ١١٩) رجاله رجال مسلم، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ١١٥) كما قال ذلك في المقدمة.
(٣) رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ٥٩٦ - ٥٩٧).
(٤) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٢٤/ ٣٦٥).
[ ٤ / ١٧٦ ]
ويتلخص من أدلتها: أن الأرواح في البرزخ متفاوتة أعظم تفاوت، فمنها: أرواح في أعلى عليين، في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، وهم متفاوتون في منازلهم. ومنها أرواح في حواصل طير خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، وهي أرواح بعض الشهداء، لا كلهم، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه. كما في (المسند) عن عبدالله بن جحش: «أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: مالي إن قتلت في سبيل الله؟ قال: الجنة، فلما ولى، قال: إلا الدين، سارني به جبرائيل آنفا» (١). ومن الأرواح من يكون محبوسًا على باب الجنة، كما في الحديث الذي قال فيه رسول الله ﷺ: «رأيت صاحبكم محبوسًا على باب الجنة» (٢) ومنهم من يكون محبوسًا في قبره، ومنهم من يكون في الأرض، ومنها أرواح في تنور الزناة والزواني، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه وتلقم الحجارة، كل ذلك تشهد له السنة، والله أعلم. وأما الحياة التي اختص بها الشهيد وامتاز بها عن غيره، في قوله تعالى: وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:١٦٩]، وقوله تعالى: وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ [البقرة:١٥٤] فهي: أن الله تعالى: جعل أرواحهم في أجواف طير خضر. كما في حديث عبدالله بن عباس ﵄، أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لما أصيب إخوانكم، يعني يوم أحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب مظلة في ظل العرش» الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود (٣)، وبمعناه في حديث ابن مسعود رواه مسلم (٤). فإنهم لما بذلوا أبدانهم لله ﷿ حتى أتلفها أعداؤه فيه، أعاضهم منها في البرزخ أبدانًا خيرًا منها، تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون تنعمها بواسطة تلك الأبدان، أكمل من تنعم الأرواح المجردة عنها. ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير، أو كطير، ونسمة الشهيد في جوف طير. وتأمل لفظ الحديثين، ففي (الموطأ) أن كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله ﷺ، قال: «إن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» (٥). فقوله نسمة المؤمن تعم الشهيد وغيره، ثم خص الشهيد بأن قال: هي في جوف طير خضر، ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير، فتدخل في عموم الحديث الآخر بهذا الاعتبار، فنصيبهم من النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم من الأموات على فرشهم، وإن كان الميت أعلى درجة من كثير منهم، فلهم نعيم يختص به لا يشاركه فيه من هو دونه، والله أعلم. وحرم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، كما روي في (السنن) (٦). وأما الشهداء فقد شوهد منهم بعد مدد من دفنه كما هو لم يتغير، فيحتمل بقاؤه كذلك في تربته إلى يوم محشره، ويحتمل أنه يبلى مع طول المدة، والله أعلم. وكأنه - والله أعلم - كلما كانت الشهادة أكمل، والشهيد أفضل، كان بقاء جسده أطول. شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي - بتصرف - ٢/ ٥٨٢
_________________
(١) رواه أحمد (٤/ ١٣٩) (١٧٢٩٢)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٣/ ٢٣) والطبراني (١٩/ ٢٤٧). وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ١٢٧): رواه أحمد وفيه أبو كثير وهو مستور وبقية رجاله موثقون. وقال الألباني في «شرح العقيدة الطحاوية» (٤٥٣): صحيح.
(٢) رواه بنحوه أحمد (٥/ ١١) (٢٠١٣٦)، والطبراني في «الأوسط» (٣/ ٢٤٤). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ١٢٩): رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه أسلم بن سهل الواسطي قال الذهبي: لينه الدارقطني، وهذه عبارة سهلة في التضعيف وبقية رجاله ثقات. وقال الألباني في «شرح العقيدة الطحاوية» (٤٥٥): صحيح.
(٣) رواه أبو داود (٢٥٢٠)، وأحمد (١/ ٢٦٥) (٢٣٨٨)، والحاكم (٢/ ٩٧). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن.
(٤) انظر: صحيح مسلم (١٨٨٧).
(٥) رواه مالك في «الموطأ» (٢/ ٣٣٧) بلفظ: (طير) بدلًا من (طائر). والحديث رواه النسائي (٤/ ١٠٨)، وابن ماجه (٤٢٧١)، وأحمد (٣/ ٤٥٥) (١٥٨١٦). قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢/ ٦١٤)، وابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٤/ ١٢٥)، وابن حجر في «توالي التأسيس» (١/ ٢٠٣)، والألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.
(٦) الحديث روي في «السنن» بلفظ: «إن الله عزوجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء». رواه أبو داود (١٠٤٧)، والنسائي (٣/ ٩١)، وابن ماجه (١٦٣٦). قال الحاكم (١/ ٤١٣): هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.
[ ٤ / ١٧٧ ]
المطلب الثاني: هل العذاب في البرزخ على الروح أم على البدن أم على كليهما؟
الفِرَقُ الإسلامية في هذا الموضوع على أقوال (١):
الأول: مذهب أهل السنة والجماعة أن الروح منفصلة عن الجسد، ومتصلة به، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعًا باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما يكون للروح مفردة عن البدن).
الثاني: قول كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم الذين ينكرون النعيم والعذاب في البرزخ مطلقًا، والسِّر في ذلك أنهم ينكرون وجود روح مستقلة عن الجسد، فالروح عندهم هي الحياة، ولا تبقى الروح في نظرهم بعد الموت، فلا نعيم ولا عذاب حتى يبعث الله العباد، قال بذلك بعض المعتزلة والأشاعرة كالقاضي أبي بكر، وهذا قول باطل لا شك في بطلانه خالفه أبو المعالي الجويني، وقد نقل غير واحد من أهل السنة الإجماع على أن الروح تبقى بعد فراق البدن وأنها منعمة أو معذبة.
الثالث: قول الفلاسفة الذين يرون أن النعيم والعذاب على الروح وحدها، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب، وقد قال بهذا القول من أهل السنة ابن ميسرة، وابن حزم. الرابع: قول من قال من علماء الكلام: إن الذي ينعم ويعذب في القبر البدن وحده، وقال بذلك طائفة من أهل الحديث منهم ابن الزاغوني (٢). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٠٧
وليس السؤال في القبر للروح وحدها، كما قال ابن حزم وغيره، وأفسد منه قول من قال: إنه للبدن بلا روح! والأحاديث الصحيحة ترد القولين. وكذلك عذاب القبر يكون للنفس والبدن جميعًا، باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب مفردة عن البدن ومتصلة به. واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر، أكلته السباع أو احترق حتى صار رمادًا ونسف في الهواء، أو صلب أو غرق في البحر- وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور. وما ورد من إجلاسه واختلاف أضلاعه ونحو ذلك - فيجب أن يفهم عن الرسول ﷺ مراده من غير غلو ولا تقصير، فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله، ولا يقصر به عن مراده وما قصده من الهدى والبيان، فكم حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله. بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام، وهو أصل كل خطأ في الفروع والأصول، ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد. والله المستعان. فالحاصل أن الدور ثلاث: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار. وقد جعل الله لكل دار أحكاما تخصها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام الدنيا على الأبدان، والأرواح تبع لها، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح، والأبدان تبع لها، فإذا جاء يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم - صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعًا. فإذا تأملت هذا المعنى حق التأمل، ظهر لك أن كون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار مطابق للعقل، وأنه حق لا مرية فيه، وبذلك يتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم. ويجب أن يعلم أن النار التي في القبر والنعيم، ليس من جنس نار الدنيا ولا نعيمها، وإن كان الله تعالى: يحمي عليه التراب والحجارة التي فوقه وتحته حتى يكون أعظم حرًا من جمر الدنيا، ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بها. بل أعجب من هذا أن الرجلين يدفن أحدهما إلى جنب صاحبه، وهذا في حفرة من النار، وهذا في روضة من رياض الجنة، لا يصل من هذا إلى جاره شيء من حر ناره، ولا من هذا إلى جاره شيء من نعيمه. وقدرة الله أوسع من ذلك وأعجب، ولكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به علما. وقد أرانا الله في هذه الدار من عجائب قدرته ما هو أبلغ من هذا بكثير. وإذا شاء الله أن يطلع على ذلك بعض عباده أطلعه وغيبه عن غيره، ولو اطلع الله على ذلك العباد كلهم لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس، كما في (الصحيح) عنه ﷺ: «لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع» (٣). ولما كانت هذه الحكمة منتفية في حق البهائم سمعته وأدركته شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي - ٢/ ٥٧٩
_________________
(١) انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٦٢ - ٢٨٢).
(٢) انظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٤/ ٢٦٢ - ٢٨٢).
(٣) رواه مسلم (٢٨٦٧).
[ ٤ / ١٧٨ ]
المبحث السابع: هل يعلم الإنسان شيئًا عن أحوال الدنيا بعد موته
ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الميت يسمع قرع نعال أصحابه، بعد وضعه في قبره، حال انصرافهم، فعن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: «إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم ..» (١) ووقف الرسول ﷺ بعد ثلاثة أيام من معركة بدر على قتلى بدر من المشركين، فنادى رجالًا منهم، فقال: «يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًا فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! كيف يسمعوا أنى يجيبوا وقد جيفوا؟! قال: والذي نفسي بيده! ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا، ثم أمر بهم فسحبوا، فألقوا في قليب بدر» (٢).
وقد ساق ابن تيمية جملة من الأحاديث التي تدل على أن الموتى يسمعون، ثم قال: (فهذه النصوص وأمثالها تُبين أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي، ولا يجب أن يكون السمع له دائمًا، بل قد يسمع في حال دون حال، كما قد يعرض للحي، فإنه يسمع أحيانًا خطاب من يخاطبه، وقد لا يسمع لعارض يعرض له) (٣)، وقد أجاب شيخ الإسلام على إشكال من يقول: إن الله نفى السماع عن الميت في قوله: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل: ٨٠]، وكيف تزعمون أن الموتى يسمعون؟ فقال: وهذا السمع سمع إدراك، ليس يترتب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفي بقوله: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل: ٨٠]، فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال، فإن الله جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه، وكالبهائم التي تسمع الصوت، ولا تفقه المعنى، فالميت وإن سمع الكلام وفقه المعنى، فإنه لا يمكنه إجابة الداعي، ولا امتثال ما أمر به، ونهى عنه، فلا ينتفع بالأمر والنهي، وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي، وإن سمع الخطاب، وفهم المعنى، كما قال تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ [الأنفال: ٢٣] (٤).
وقد جاءت النصوص دالة أيضًا على أن الميت مع سماعه يتكلم، فإن منكرًا ونكيرًا يسألانه، فالمؤمن يوفق للجواب الحق، والكافر والمنافق يضل عن الجواب، ويتكلم أيضًا في غير سؤال منكر ونكير، وكل هذا مخالف لما عهده أهل الدنيا من كلام، فإن الذي يسأل ويتكلم الروح، وهي التي تجيب وتقعد وتعذب وتنعم، وإن كان لها نوع اتصال بالجسد القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٠٩
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٧٤)، ومسلم (٢٨٧٠).
(٢) رواه مسلم (٢٨٧٤). من حديث أنس ﵁.
(٣) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٥/ ٣٦٤).
(٤) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٥/ ٣٦٤).
[ ٤ / ١٧٩ ]
المبحث الثامن: التفاضل في البرزخ
والمؤمنون يتفاضلون في البرزخ، وتتفاوت درجاتهم تفاوتًا عظيمًا، وأفضلهم درجة في البرزخ الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فأرواح الأنبياء في أعلى عليين، في الملأ الأعلى، ويدل على ذلك حديث الإسراء والمعراج المخرج في الصحيحين وفيه أن النبي ﷺ التقى بالأنبياء في السموات على اختلاف منازلهم فيها، وأنه رأى موسى قائمًا يصلي، ورأى عيسى قائمًا يصلي، ورأى إبراهيم قائمًا يصلي، ورأى إبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور (١).
وفي أحاديث الإسراء والمعراج دلالتان:
الأولى: أن الأنبياء أفضل المؤمنين حياة في البرزخ.
الثانية: أن الأنبياء متفاضلون في حياتهم البرزخية.
وقد ورد في الأنبياء قوله ﷺ: «إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء» (٢)
ومن تفاضل المؤمنين في البرزخ ما ثبت في فضل الشهداء من قوله ﷺ لما سئل عن قوله تعالى: وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦٩].
فقال ﷺ: «أرواحهم في جوف طير خضر. لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت. ثم تأوي إلى تلك القناديل. فاطلع إليهم ربهم اطلاعة. فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات. فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى. فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا» (٣).
وقال ﷺ: «ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا، وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة» (٤).
فالشهيد اختص بحياة في البرزخ امتاز بها عن غيره من المؤمنين، قال شارح الطحاوية في الشهداء: (فنصيبهم من النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم من الأموات على فرشهم، وإن كان الميت أعلى درجة منهم، فلهم نعيم يختص به لا يشاركه فيه من هو دونه) (٥). إلا الشهيد يتساوى مع بقية المؤمنين في المؤاخذة بالدين، وإن كان يمتاز في سوى ذلك، قال ﷺ: «يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين» (٦).
_________________
(١) رواه مسلم (١٦٢). من حديث أنس ﵁.
(٢) رواه أبو داود (١٠٤٧)، والنسائي (٣/ ٩١)، وابن ماجه (١٦٣٦)، وأحمد (٤/ ٨) (١٦٢٠٧)، وابن حبان (٣/ ١٩٠)، والحاكم (١/ ٤١٣). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال النووي في «المجموع» (٤/ ٥٤٨): إسناده صحيح. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (٢/ ٩٤) - كما أشار لذلك في المقدمة -. وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.
(٣) رواه مسلم (١٨٨٧).
(٤) رواه البخاري (٢٨١٧)، ومسلم (١٨٧٧).
(٥) «شرح الطحاوية» (٣٩٦).
(٦) رواه مسلم (١٨٨٦). من حديث ابن عمرو ﵄.
[ ٤ / ١٨٠ ]
فمن المؤمنين طائفة يحبسون في البرزخ عن الجنة وهم المحبوسون بدين عليهم حتى يؤدى، ففي الحديث أن النبي ﷺ صلى على جنازة – وفي رواية صلى الصبح – فلما انصرف قال: أهاهنا من آل فلان أحد؟ قالوا: نعم، قال: «إن فلانًا – لرجل منهم – مأسور بدينه عن الجنة – (وفي رواية محتبس على باب الجنة في دين عليه) – فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله» (١).
_________________
(١) رواه أحمد (٥/ ٢٠) (٢٠٢٣٥)، والطبراني (٧/ ١٧٨) (٦٧٥٠)، والحاكم (٢/ ٣٠)، والبيهقي (٦/ ٧٦) (١١١٩٢). من حديث سمرة بن جندب ﵁. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الألباني في «أحكام الجنائز» (٢٦): على الوجه الأول صحيح على شرط الشيخين وعلى الوجه الثاني صحيح.
[ ٤ / ١٨١ ]
وفي هذا الحديث دلالة على أن في المؤمنين في البرزخ من يحبس على باب الجنة حتى يزول سبب الحبس، وهو دال على أن فيهم من يدخل الجنة، وهناك أحاديث تدل على أن في المؤمنين من يعذب في البرزخ بذنوب ارتكبوها، وفيها دلالة على تفاوت هؤلاء في العذاب على تفاوتهم فيما آتوا من الذنوب، وهي أحاديث يطول حصرها جدًا، ومن أمثلتها قوله ﷺ لأصحابه: «إنه أتاني الليلة آتيان، وأنهما ابتعثاني، وأنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوى بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتهدهد الحجر ههنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصبح رأسه كما كان، ثم يعود فيفعل به مثل ما فعل في المرة الأولى. قال: قلت لهما: سبحان الله ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق، قال: فانطلقنا، فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، وربما قال أبو رجاء: فيشق - قال: ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا، فأتينا على مثل التنور - قال: وأحسب أنه كان يقول: فإذا فيه لغط وأصوات، قال: فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا، قال: قلت لهما: ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا، فأتينا على نهر- حسبت أنه كان يقول أحمر مثل الدم - وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة، فيفغر له فاه فيلقمه حجرًا فينطلق يسبح، ثم يرجع إليه كلما رجع إليه فغر فاه فألقمه حجرًا، قال: قلت لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه المرآة، كأكره ما أنت راء رجلًا مرآة، وإذا عنده نار يحشها ويسعى حولها، قال: قلت لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا، فأتينا على روضة معتمة، فيها من كل نور الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل، لا أكاد أرى رأسه طولًا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط، قال: قلت لهما: ما هذا؟ ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة، لم أر روضة قط أعظم منها ولا أحسن، قال: قالا لي: ارق فيها، قال: فارتقينا فيها، فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا فدخلناها، فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قال: قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، قال: وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قال: قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك، قال: فسما بصري صعدًا، فإذا قصر مثل الربابة البيضاء، قال: قالا لي: هذاك منزلك، قال: قلت لهما: بارك الله فيكما ذراني فأدخله، قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله، قال: قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجبا، فما هذا الذي رأيت؟ قال: قالا لي: أما إنا سنخبرك، أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة، وأما الرجل الذي أتيت عليه، يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة والزواني، وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة، فإنه آكل الربا، وأما الرجل الكريه المرآة، الذي عند النار يحشها ويسعى حولها، فإنه مالك خازن جهنم، وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﷺ، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة. قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ، وأولاد المشركين، وأما القوم الذين كانوا شطرًا منهم حسنًا وشطرًا منهم قبيحًا، فإنهم قوم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، تجاوز الله عنهم» (١).
ففي الحديث أن من المؤمنين في البرزخ من يثلغ رأسه أي يشدخ بالحجر، وأن منهم من يكون في تنور الزناة والزواني، وأن منهم من يكون في نهر الدم يسبح فيه ويلقم بالحجارة، ذلك لمعاصي أتوها، وأن منهم من يكون شطره حسنًا وشطره الآخر قبيحًا لخلطه عملا صالحًا وآخر سيئًا. مباحث المفاضلة في العقيدة لمحمد بن عبدالرحمن الشظيفي – ص ٣٨٦
_________________
(١) رواه البخاري (٧٠٤٧). من حديث سمرة بن جندب ﵁.
[ ٤ / ١٨٢ ]
الباب الثاني: أشراط الساعة
الفصل الأول: معنى الأشراط والعلامات
المبحث الأول: معنى الأشراط والعلامات لغة
الأشراط جمع شرط بالتحريك، والشرط العلامة، وأشراط الساعة أي علاماتها، وأشراط الشيء أوائله، ومنه شُرَط السلطان وهم نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من مجموع جنده.
الأشراط في اللغة هي علامات الشيء المتقدمة عليه والدالة عليه، ومما يدل على تسمية هذه الأشراط في السنة بالعلامات ما جاء في حديث جبريل المشهور عند النسائي، قال: «يا محمد، أخبرني متى الساعة؟ قال: فنكس، فلم يجبه شيئا ثم أعاد فلم يجبه شيئا ثم أعاد فلم يجبه شيئا ورفع رأسه فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ولكن لها علامات تعرف بها » (١) الحديث والساعة: هي جزء من أجزاء الليل أو النهار وجمعها ساعات وساع. والساعة: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، وقد سميت بذلك لسرعة الحساب فيها، أو لأنها تفاجئ الناس في ساعة فيموت الخلق كلهم بصيحة واحدة. أشراط الساعة لعبد الله بن سليمان الغفيلي - ص٤٢
_________________
(١) رواه النسائي (٨/ ١٠١). من حديث أبي هريرة وأبي ذر ﵄. قال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: صحيح. والحديث رواه أصحاب (السنن)، وأصله في (الصحيحين).
[ ٤ / ١٨٣ ]
المبحث الثاني: معنى الأشراط والعلامات شرعا
هي العلامات التي تسبق يوم القيامة وتدل على قدومها.
يقول الحليمي: أما انتهاء الحياة الأولى فإن لها مقدمات تسمى أشراط الساعة وهي أعلامها. ويقول البيهقي في تحديد المراد من الأشراط: أي: ما يتقدمها من العلامات الدالة على قرب حينها.
ويقول الحافظ ابن حجر المراد بالأشراط: العلامات التي يعقبها قيام الساعة. أشراط الساعة لعبد الله بن سليمان الغفيلي - ص٤٢
[ ٤ / ١٨٤ ]
الفصل الثاني: علامات الساعة الصغرى
المبحث الأول: علامات الساعة التي وقعت ولا تتكرر
المطلب الأول: بعثة النبي ﷺ
أخبر ﷺ أن بعثته دليل على قرب الساعة، وأنه نبي الساعة، ففي الحديث عن سهل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين، ويشير بأصبعيه فيمدهما» (١).
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين، قال: وضم السبابة والوسطى» (٢).
وعن قيس بن أبي حازم عن أبي جبيرة مرفوعًا «بعثت في نسم الساعة» (٣).
فأول أشراط الساعة بعثة المصطفى ﷺ، فهو النبي الأخير فلا يليه نبي آخر، وإنما تليه القيامة كما يلي السبابة الوسطى، وليس بينهما أصبع آخر، أو كما يفضل إحداهما الأخرى (٤)، ويدل على ذلك رواية الترمذي «بعثت أنا والساعة كهاتين – وأشار أبو داود بالسبابة والوسطى – فما فضل إحداهما على الأخرى» (٥).
وفي رواية مسلم: قال شعبة: وسمعت قتادة يقول: (في قصصه كفضل إحداهما على الأخرى فلا أدري أذكره عن أنس أو قاله قتادة) (٦).
قال القرطبي: (أولها النبي ﷺ، لأنه نبي آخر الزمان، وقد بعث وليس بينه وبين القيامة نبي) (٧).
قال تعالى: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب: ٤٠]. أشراط الساعة ليوسف الوابل - ٦٤
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٠٣).
(٢) رواه البخاري (٦٥٠٤)، ومسلم (٢٩٥١) واللفظ له.
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في «الأهوال» (٥)، والبزار كما في «مجمع الزوائد» للهيثمي (١٠/ ٥٦٢)، والدولابي في «الكنى والأسماء» (١/ ٢٣)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٤/ ١٦١). قال الزيلعي في «تخريج الكشاف» (٢/ ٣٥٩): رواه البزار في مسنده وسكت عنه، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٨٠٨): إسناده صحيح رجاله ثقات.
(٤) انظر: «التذكرة» (ص: ٧١٠)، و«فتح الباري» (١١/ ٣٤٩)، و«تحفة الأحوذي شرح الترمذي» (٦/ ٤٦٠).
(٥) رواه الترمذي (٢٢١٤). وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال الألباني: صحيح.
(٦) رواه مسلم بعد حديث (٢٩٥١).
(٧) «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» (ص: ٧١٠).
[ ٤ / ١٨٥ ]
المطلب الثاني: موت النبي ﷺ
من أشراط الساعة موت النبي ﷺ، ففي الحديث عن عوف بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي» (١) الحديث.
فقد كان موت النبي ﷺ من أعظم المصائب التي وقعت على المسلمين، فقد أظلمت الدنيا في عيون الصحابة ﵃ عندما مات ﵊.
قال أنس بن مالك ﵁: (لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن رسول الله ﷺ الأيدي وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا) (٢).
قال ابن حجر: (يريد أنهم وجدوها تغيرت عما عهدوه في حياته من الألفة والصفاء والرقة، لفقدان ما كان يمدهم به من التعليم والتأديب) (٣).
فبموته ﷺ انقطع الوحي من السماء كما في جواب أم أيمن لأبي بكر وعمر ﵃ عندما زاراها بعد موت النبي ﷺ، فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها: (ما يبكيك ما عند الله خير لرسول الله ﷺ.
فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ، ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها) (٤).
فقد مات ﵊ كما يموت الناس لأن الله تعالى لم يكتب الخلود في هذه الحياة الدنيا لأحد من الخلق، بل هي دار ممر لا دار مقر كما قال تعالى: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء: ٣٤ - ٣٥]. إلى غير ذلك من الآيات التي تبين أن الموت حق، وأن كل نفس ذائقة الموت، حتى ولو كان سيد الخلق وإمام المتقين محمد بن عبد الله ﷺ. وكان موته كما قال القرطبي: (أول أمر دهم الإسلام .. ثم بعده موت عمر فبموت النبي ﷺ انقطع الوحي وماتت النبوة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه) (٥). أشراط الساعة ليوسف الوابل - ٦٤
_________________
(١) رواه البخاري (٣١٧٦).
(٢) رواه الترمذي (٣٦١٨)، وابن ماجه (١٣٣٢)، وأحمد (٣/ ٢٦٨) (١٣٨٥٧). قال الترمذي: غريب صحيح، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٥/ ٢٣٩): إسناده على شرط الصحيحين. وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».
(٣) «فتح الباري» (٨/ ١٤٩).
(٤) رواه مسلم (٢٤٥٤).
(٥) «التذكرة» (ص: ٧١١).
[ ٤ / ١٨٦ ]
المطلب الثالث: انشقاق القمر
اتفق العلماء على أن القمر قد انشق في عهد رسول الله ﷺ وأن انشقاقه إحدى المعجزات الباهرة، وقد صرح القرآن بهذا في قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ [القمر:١ - ٢] القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٤١
[ ٤ / ١٨٧ ]
المطلب الرابع: نار الحجاز التي أضاءت أعناق الإبل ببصرى
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء أعناق الإبل ببصرى» (١).
وقد ظهرت هذه النار في منتصف القرن السابع الهجري في عام أربع وخمسين وستمائة، وكانت نارًا عظيمة أفاض العلماء ممن عاصر ظهورها ومن بعدهم في وصفها.
قال النووي: (خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، وكانت نارًا عظيمة جدًا من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، تواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة) (٢).
ونقل ابن كثير أن غير واحد من الأعراب ممن كان بحاضرة بصرى، شاهدوا أعناق الإبل في ضوء هذه النار التي ظهرت من أرض الحجاز (٣).
وذكر القرطبي ظهور هذه النار وأفاض في وصفها في كتابه (التذكرة) (٤)، فذكر أنها رؤيت من مكة ومن جبال بصرى.
وقال ابن حجر: (والذي ظهر لي أن النار المذكورة هي التي ظهرت بنواحي المدينة كما فهمه القرطبي وغيره) (٥). أشراط الساعة ليوسف الوابل-٩٢
_________________
(١) رواه البخاري (٧١١٨)، ومسلم (٢٩٠٢).
(٢) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٨/ ٢٨).
(٣) «البداية والنهاية» (٦/ ٢٨٥).
(٤) «التذكرة» (٦٣٦).
(٥) «فتح الباري» (١٣/ ٧٩).
[ ٤ / ١٨٨ ]
المطلب الخامس: فتح بيت المقدس
ومن أشراط الساعة فتح بيت المقدس، فقد جاء في حديث عوف بن مالك ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أعدد ستًا بين يدي الساعة» فذكر منها «فتح بيت المقدس» (١).
ففي عهد عمر بن الخطاب ﵁ تم فتح بيت المقدس سنة ست عشرة من الهجرة كما ذهب إلى ذلك أئمة السير، فقد ذهب عمر ﵁ بنفسه، وصالح أهلها، وفتحها، وطهرها من اليهود والنصارى، وبنى بها مسجدًا في قبلة بيت المقدس (٢).
روى الإمام أحمد من طريق عبيد بن آدم قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب الأحبار: (أين ترى أن أصلي؟ فقال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة فكانت القدس كلها بين يديك!
فقال عمر: ضاهيت اليهودية، لا ولكن أصلي حيث صلى رسول الله ﷺ فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط رداءه، فكنس الكناسة في ردائه وكنس الناس) (٣). أشراط الساعة ليوسف الوابل – ص: ٦٨
_________________
(١) رواه البخاري (٣١٧٦).
(٢) «البداية والنهاية» (٧/ ٥٥ - ٥٧).
(٣) رواه أحمد (١/ ٣٨) (٢٦١). قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (٧/ ٦٠): إسناده جيد، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ٩): رواه أحمد وفيه عيسى بن سنان القسملي وثقة ابن حبان وغيره وضعفه أحمد وغيره وبقية رجاله ثقات، وحسن إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١/ ١٣٦).
[ ٤ / ١٨٩ ]
المطلب السادس: طاعون عمواس
جاء في حديث عوف بن مالك قوله ﷺ: «أعدد ستًا بين يدي الساعة» فذكر منها «ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم» (١).
قال ابن حجر: (يقال أن هذه الآية ظهرت في طاعون عمواس في خلافة عمر، وكان ذلك بعد فتح بيت المقدس) (٢).
ففي سنة ثمان عشرة للهجرة على المشهور الذي عليه الجمهور (٣) وقع طاعون في كورة عمواس، ثم انتشر في أرض الشام، فمات فيه خلق كثير من الصحابة ﵃، ومن غيرهم، قيل: بلغ عدد من مات فيه – خمسة وعشرون ألفا من المسلمين، ومات فيه من المشهورين أبو عبيدة عامر الجراح أمين هذه الأمة ﵁ (٤). أشراط الساعة ليوسف الوابل- ٦٨
_________________
(١) رواه البخاري (٣١٧٦).
(٢) «فتح الباري» (٦/ ٢٧٨).
(٣) «البداية والنهاية» (٧/ ٩٠).
(٤) «معجم البلدان» (٤/ ١٥٧)، و«البداية والنهاية» «٧/ ٩٤).
[ ٤ / ١٩٠ ]
المطلب السابع: توقف الجزية والخراج
وهما من أهم مصادر بيت مال المسلمين وقد أخبر الرسول ﷺ بأن ذلك سيتوقف وسيفقد المسلمون بسبب ذلك موردا إسلاميا هاما ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «منعت العراق درهمها وقفيزها ومنعت الشام مدها ودينارها ومنعت مصر إردبها ودينارها وعدتم من حيث بدأتم وعدتم من حيث بدأتم»، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه (١). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٥٤
_________________
(١) رواه مسلم (٢٨٩٦).
[ ٤ / ١٩١ ]
المبحث الثاني: العلامات التي وقعت وهي مستمرة أو وقعت مرة ويمكن أن تتكرر
المطلب الأول: الفتوحات والحروب
قد كان الرسول ﷺ يخبر الصحابة بما سيكون من الفتوحات والانتصارات التي سيجريها الله على أيديهم أو على أيدي من بعدهم حيث أخبر ﷺ بفتح فارس والروم وزوال ملك كسرى وقيصر، وغزو الهند ثم فتح القسطنطينية وفتح روما وقتال الترك. قال ﷺ: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفس محمد بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» (١)، وقال ﷺ: «عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار: عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى بن مريم ﵇» (٢)، وفي الحديث الصحيح عن أبي قبيل قال: كنا عند عبدالله بن عمرو بن العاص وسئل أي المدينتين تفتح أولًا القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبدالله بصندوق له حلق قال: فأخرج منه كتابا قال: فقال عبدالله: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب إذ سئل رسول الله ﷺ: أي المدينتين تفتح أولا أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله ﷺ: «مدينة هرقل تفتح أولا يعني القسطنطينية» (٣). وقال ﷺ: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا يعز الله به الإسلام وذلا يذل به الكفر» (٤). وقال ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك » (٥). القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٥٧
_________________
(١) رواه البخاري (٣٦١٨). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواه النسائي (٦/ ٤٢)، وأحمد (٥/ ٢٧٨) (٢٢٤٤٩). من حديث ثوبان ﵁. قال ابن القيسراني في «ذخيرة الحفاظ» (٣/ ١٥٧٩): صالح. وقال الألباني في «صحيح سنن النسائي»: صحيح.
(٣) رواه أحمد (٢/ ١٧٦) (٦٦٤٥)، والدارمي (١/ ١٣٧)، والحاكم (٤/ ٤٦٨). من حديث عبدالله بن عمرو ﵄. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤): وهو كما قالا.
(٤) رواه أحمد (٤/ ١٠٣) (١٦٩٩٨)، والحاكم (٤/ ٤٧٧). من حديث تميم الداري ﵁. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ١٤): ورجال أحمد رجال الصحيح. وانظر: «السلسلة الصحيحة» للألباني (٣).
(٥) رواه البخاري (٢٩٢٨) واللفظ له، ومسلم (٢٩١٢) بلفظ: (يقاتل المسلمون). من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٤ / ١٩٢ ]
المطلب الثاني: خروج الدجالين أدعياء النبوة
ومن العلامات التي ظهرت خروج الكذابين الذين يدعون النبوة، وهم قريب من ثلاثين كذابًا، وقد خرج بعضهم في الزمن النبوي وفي عهد الصحابة، ولا يزالون يظهرون، وليس التحديد في الأحاديث مرادًا به كل من ادعى النبوة مطلقًا، فإنهم كثير لا يحصون، وإنما المراد من قامت له شوكة، وكثر أتباعه، واشتهر بين الناس (١).
ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين. كلهم يزعم أنه رسول الله» (٢).
وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى يعبدوا الأوثان، وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي» (٣).
والأحاديث في ظهور هؤلاء الدجاجلة كثيرة، وفي بعضها وقع أنهم ثلاثون بالجزم كما في حديث ثوبان، وفي بعضها أنهم قريب من الثلاثين كما في حديث الصحيحين، ولعل رواية ثوبان على طريقة جبر الكسر (٤).
وممن ظهر من هؤلاء الثلاثين مسيلمة الكذاب، فادعى النبوة في آخر زمن النبي ﷺ، وكاتبه رسول الله ﷺ وسماه مسيلمة الكذاب وقد كثر أتباعه، وعظم شره على المسلمين حتى قضى عليه الصحابة في عهد أبي بكر الصديق ﵁ في معركة اليمامة المشهورة.
وظهر كذلك الأسود العنسي في اليمن وادعى النبوة، فقتله الصحابة قبل موت النبي ﷺ، وظهرت سجاح وادعت النبوة، وتزوجها مسيلمة ثم لما قتل رجعت إلى الإسلام.
وتنبأ أيضًا طليحة بن خويلد الأسدي، ثم تاب ورجع إلى الإسلام وحسن إسلامه. ثم ظهر المختار بن أبي عبيد الثقفي، وأظهر محبة أهل البيت، والمطالبة بدم الحسين، وكثر أتباعه فتغلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير، ثم أغواه الشيطان فادعى النبوة ونزول جبريل عليه (٥). والذي يقوي أنه من الدجالين ما رواه أبو داود بعد سياقة لحديث أبي هريرة الذي في الصحيحين في ذكر الكذابين عن إبراهيم النخعي أنه قال لعبيدة السلماني: أترى هذا منهم – يعني المختار؟ قال: فقال عبيدة: أما أنه من الرؤوس) (٦).
ومنهم الحارث الكذاب خرج في خلافة عبد الملك بن مروان فقتل وخرج في خلافة بني العباس جماعة (٧).
وظهر في العصر الحديث ميرزا أحمد القادياني بالهند وادعى النبوة، وأنه المسيح المنتظر، وأن عيسى ليس بحي في السماء، إلى غير ذلك من الإدعاءات الباطلة، وصار له أتباع وأنصار، وانبرى له كثير من العلماء، فردوا عليه وبينوا أنه أحد الدجالين.
ولا يزال خروج هؤلاء الكذابين واحدًا بعد الآخر حتى يظهر آخرهم الأعور الدجال. فقد روى الإمام أحمد عن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم كسفت الشمس على عهده: «وأنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابًا آخرهم الأعور الكذاب» (٨).
ومن هؤلاء الكذابين أربع نسوة، فقد روى الإمام أحمد عن حذيفة ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: «في أمتي كذابون ودجالون سبعة وعشرون منهم أربع نسوة، وإني خاتم النبيين لا نبي بعدي» (٩). أشراط الساعة ليوسف الوابل- ٨٩
_________________
(١) «فتح الباري» (٦/ ٦١٧).
(٢) رواه البخاري (٣٦٠٩)، ومسلم (١٥٧).
(٣) رواه أبو داود (٤٢٥٢)، والترمذي (٢٢١٩). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٩٠٦)، وقال السخاوي في «البلدانيات» (١٠٥): صحيح.
(٤) «فتح الباري» (١٣/ ٨٧).
(٥) «فتح الباري» (٦/ ٦١٧).
(٦) رواه أبو داود بعد حديث (٤٣٣٤). قال الألباني في «ضعيف سنن أبو داود»: ضعيف مقطوع.
(٧) «فتح الباري» (٦/ ٦١٧).
(٨) رواه أحمد (٥/ ١٦) (٢٠١٩٠) بلفظ: «الدجال» بدلًا من «الكذاب». قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٣٤٤): رجال أحمد رجال الصحيح غير ثعلبة بن عباد وثقه ابن حبان.
(٩) رواه أحمد (٥/ ٣٩٦) (٢٣٤٠٦). قال ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ٩٣): أخرجه أحمد عن حذيفة بسند جيد.
[ ٤ / ١٩٣ ]
المطلب الثالث: ظهور الفتن
الفتن: جمع فتنة، وهي الابتلاء والامتحان والاختبار، ثم كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه، ثم أطلقت على كل مكروه أو آيل إليه، كالإثم، والكفر، والقتل، والتحريق وغير ذلك من الأمور المكروهة (١).
وقد أخبر النبي ﷺ أن من أشراط الساعة ظهور الفتن العظيمة التي يلتبس فيها الحق بالباطل فتزلزل الإيمان حتى يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا.
كلما ظهرت فتنة قال المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف، ويظهر غيرها فيقول هذه هذه، ولا تزال الفتن تظهر في الناس إلى أن تقوم الساعة.
ففي الحديث عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فكسروا قسيكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا سيوفكم الحجارة، فإن دخل على أحدكم فليكن كخير ابني آدم» رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم في (المستدرك) (٢).
وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا» (٣).
وعن أم سلمة زوج النبي ﷺ ﵂ قالت: «استيقظ رسول الله ﷺ ليلة فزعًا، يقول: سبحان الله، ماذا أنزل الله من الخزائن، وماذا أنزل من الفتن، من يوقظ صواحب الحجرات - يريد أزواجه لكي يصلين - رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة» (٤).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: نادى منادي رسول الله ﷺ: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم. وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها. وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها. وتجيء الفتنة فيرقق بعضها بعضًا. وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه. فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر» رواه مسلم (٥).
وأحاديث الفتن كثيرة جدًا فقد حذر النبي ﷺ أمته من الفتن، وأمر بالتعوذ منها، وأخبر أن آخر هذه الأمة سيصيبها بلاء وفتن عظيمة، وليس هنالك عاصم منها إلا الإيمان بالله، واليوم الآخر، ولزوم جماعة المسلمين، وهم أهل السنة وإن قلُّوا، والابتعاد عن الفتن والتعوذ منها، فقد قال ﵊: «تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن» رواه مسلم عن زيد بن ثابت ﵁ (٦).
ظهور الفتن من المشرق:
_________________
(١) انظر: «لسان العرب» (١٣/ ٣١٧) مادة (فتن).
(٢) رواه أبو داود (٤٢٥٩)، وابن ماجه (٣٢١٥)، وأحمد (٤/ ٤٠٨) (١٩٦٧٧)، والحاكم (٤/ ٤٤٠). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (٩٠٩) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وصححه ابن دقيق العيد في «الاقتراح» (١٠١).
(٣) رواه مسلم (١١٨).
(٤) رواه البخاري (٧٠٦٩).
(٥) رواه مسلم (١٨٤٤).
(٦) رواه مسلم (٢٨٦٧).
[ ٤ / ١٩٤ ]
أكثر الفتن التي ظهرت في المسلمين كان منبعها من المشرق من حيث يطلع قرن الشيطان. وهذا مطابق لما أخبر به نبي الرحمة ﷺ، فقد جاء في الحديث عن ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ وهو مستقبل المشرق يقول: «ألا أن الفتنة هاهنا، ألا أن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان» رواه الشيخان (١) وفي رواية لمسلم أنه قال: «رأس الكفر من هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان» (٢)
وعن ابن عباس ﵄ قال: دعا النبي ﷺ: «اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا، فقال رجل من القوم: يا نبي الله، وفي عراقنا، قال: أن بها قرن الشيطان، وتهيج الفتن، وأن الجفاء بالمشرق» (٣).
قال ابن حجر: (وأول الفتن كان منبعها من قبل المشرق، فكان ذلك سببًا للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة) (٤).
فمن العراق ظهر الخوارج، والشيعة الروافض، والباطنية، والقدرية، والجهمية، والمعتزلة، وأكثر مقالات الكفر كان منشؤها من المشرق من جهة الفرس المجوس كالزردشتية، والمانوية، والمزدكية، والهندوسية، والبوذية، وأخيرًا وليس آخرًا القاديانية، والبهائية إلى غير ذلك من المذاهب الهدامة.
وأيضًا فإن ظهور التتار في القرن السابع الهجري كان من المشرق، وقد حدث على أيديهم من الدمار والقتل والشر العظيم ما هو مدون في كتب التاريخ، وإلى اليوم لا يزال المشرق منبعًا للفتن، والشرور، والبدع، والخرافات، والإلحاد، فالشيوعية الملحدة مركزها روسيا والصين الشيوعية وهما في المشرق، وسيكون ظهور الدجال، ويأجوج ومأجوج من جهة المشرق، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. أشراط الساعة ليوسف الوابل- ٧٢
_________________
(١) رواه البخاري (٣٢٧٩)، ومسلم (٢٩٠٥).
(٢) رواه مسلم (٢٩٠٥).
(٣) رواه الطبراني (١٢/ ٨٤) (١٢٥٨٣)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٢/ ٢١٤). وقال: رواته ثقات، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٣٠٨): رواه الطبراني في «الكبير» ورجاله ثقات، وصححه لغيره الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٢٠٤).
(٤) «فتح الباري» (١٣/ ٤٧).
[ ٤ / ١٩٥ ]
المطلب الرابع: إسناد الأمر إلى غير أهله
عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يحدث فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثه قال «أين السائل عن الساعة». قال: ها أنا يا رسول الله قال: «فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة». قال كيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٧٨
_________________
(١) رواه البخاري (٥٩).
[ ٤ / ١٩٦ ]
المطلب الخامس: اتباع سنن الأمم الماضية
ومن الفتن العظيمة اتباع سنن اليهود والنصارى وتقليدهم، فقد قلد بعض المسلمين الكفار، وتشبهوا بهم، وتخلقوا بأخلاقهم، وأعجبوا بهم، وهذا مصداق ما أخبر به النبي ﷺ، ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع. فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك» رواه البخاري (١).
وفي رواية عن أبي سعيد: «قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن» رواه البخاري ومسلم (٢).
قال ابن بطال: (أُعْلِمَ ﷺ أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور، والبدع والأهواء، كما وقع للأمم قبلهم. وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شر، والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وأن الدين إنما يبقى قائمًا عند خاصة من الناس) (٣).
وقال ابن حجر: (وقد وقع معظم ما أنذر به ﷺ وسيقع بقية ذلك) (٤).
وفي هذا الزمن كثر في المسلمين من يتشبه بالكفار من شرقيين وغربيين، فتشبه رجالنا برجالهم، ونساءنا بنسائهم، وافتتنوا بهم حتى أدى الأمر ببعض الناس أن خرجوا عن الإسلام، واعتقدوا أنه لا يتم لهم تقدم وحضارة إلا بنبذ كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، ومن عرف الإسلام الصحيح عرف ما وصل إليه المسلمون في القرون الأخيرة من بعد عن تعاليم الإسلام، وانحراف عن عقيدته، فلم يبق عند بعضهم من الإسلام إلا اسمه، فقد حكموا قوانين الكفار، وابتعدوا عن شريعة الله، وليس هناك أبلغ مما وصف به النبي ﷺ المسلمين في اتباعهم ومحاكاتهم للكفار فقال: «شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم» (٥).
قال النووي: (والمراد بالشبر والذراع وجحر الضب التمثيل بشدة الموافقة لهم، والمراد الموافقة في المعاصي والمخالفات، لا في الكفر وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ فقد وقع ما أخبر به ﷺ) (٦)
هذا والفتن ليس لها حصر ففتنة النساء، وفتنة المال، وحب الشهوات، وحب السلطان، والسيادة والزعامة، كلها فتن ربما تهلك الإنسان وتعصف به إلى مهاوي الردى نسأل الله العافية والسلامة. أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٨٧
_________________
(١) رواه البخاري (٧٣١٩).
(٢) رواه البخاري (٣٤٥٦)، ومسلم (٢٦٦٩).
(٣) «شرح صحيح البخاري» (١٠/ ٣٦٦)، «فتح الباري» (١٣/ ٣٠١).
(٤) «فتح الباري» (١٣/ ٣٠١).
(٥) رواه البخاري (٧٣٢٠).
(٦) «شرح النووي لمسلم» (١٦/ ٢١٩).
[ ٤ / ١٩٧ ]
المطلب السادس: ولادة الأمة ربتها وتطاول الحفاة العراة رعاة الشاة في البنيان
عن أبي هريرة قال كان النبي ﷺ بارزا يوما للناس فأتاه جبريل فقال ما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث». قال ما الإسلام؟ قال «الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان». قال ما الإحسان؟ قال «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك». قال متى الساعة؟ قال «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل وسأخبرك عن أشراطها إذا ولدت الأمة ربها وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله». ثم تلا النبي ﷺ إن الله عنده علم الساعة الآية ثم أدبر فقال «ردوه» فلم يروا شيئا فقال: «هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم» (١). والمراد بقوله: (أن تلد الأمة ربها) أي: سيدتها ومالكتها. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٨٣
_________________
(١) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩).
[ ٤ / ١٩٨ ]
المطلب السابع: استفاضة المال والاستغناء عن الصدقة
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض، حتى يهم رب المال من يقبله منه صدقة، ويدعى إليه الرجل فيقول: لا أرب لي فيه» (١).
وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب، ثم لا يجد أحدًا يأخذها منه» (٢). أشراط الساعة ليوسف الوابل- ص: ٦٩
_________________
(١) رواه البخاري (١٤١٢)، ومسلم (١٥٧).
(٢) رواه البخاري (١٤١٤)، ومسلم (١٠١٢).
[ ٤ / ١٩٩ ]
المطلب الثامن: تداعي الأمم على الأمة الإسلامية
عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن». فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٨٥
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٢٩٧)، وأحمد (٥/ ٢٧٨) (٢٢٤٥٠) بلفظ: (حب الحياة). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
[ ٤ / ٢٠٠ ]
المطلب التاسع: ضياع الأمانة
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» (١).
وبيَّن النبي ﷺ كيف ترفع الأمانة من القلوب، وأنه لا يبقى منها في القلب إلا أثرها.
روى حذيفة ﵁ قال: «حدثنا رسول الله ﷺ حديثين، رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر: حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة. وحدثنا عن رفعها قال: ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوكت، ثم ينام النومة فتقبض فيبقى أثرها مثل المجل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرًا وليس فيه شيء، فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحدهم يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، ويقال للرجل: ما أعقله، وما أظرفه، وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان. ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلمًا ردَّه عليَّ الإسلام، وإن كان نصرانيًا ردَّه عليَّ ساعيه، فأما اليوم: فما كنت أبايع إلا فلانًا وفلانًا» (٢).
ففي هذا الحديث بيان أن الأمانة سترفع من القلوب، حتى يصير الرجل خائنًا بعد أن كان أمينًا، وهذا إنما يقع لمن ذهبت خشيته، وضعف إيمانه، وخالط أهل الخيانة فيصير خائنًا، لأن القرين يقتدي بقرينه.
ومن مظاهر تضييع الأمانة إسناد أمور الناس من إمارة وخلافة وقضاء ووظائف على اختلافها إلى غير أهلها القادرين على تسييرها والمحافظة عليها، لأن في ذلك تضييعًا لحقوق الناس، واستخفافًا بمصالحهم، وإيغارًا لصدورهم، وإثارة للفتن بينهم.
فإذا ضيع من يتولى أمر الناس الأمانة، والناس تبع لمن يتولى أمرهم، كانوا مثله في تضييع الأمانة، فصلاح حال الولاة صلاح لحال الرعية، وفساده فساد لهم، ثم أن إسناد الأمر إلى غير أهله دليل واضح على عدم اكتراث الناس بدينهم، حتى أنهم ليولون أمرهم من لا يهتم بدينه وهذا إنما يكون عند غلبة الجهل ورفع العلم، ولهذا ذكر البخاري ﵀ حديث أبي هريرة الماضي في كتاب العلم إشارة إلى هذا.
قال ابن حجر: (ومناسبة هذا المتن لكتاب العلم أن إسناد الأمر إلى غير أهله إنما يكون عند غلبة الجهل ورفع العلم، وذلك من جملة الأشراط) (٣) وقد أخبر ﷺ أنه ستكون هناك سنون خداعة، تنعكس فيها الأمور، يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويخون الأمين، ويؤتمن الخائن. أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ٩٩
_________________
(١) رواه البخاري (٥٩).
(٢) رواه البخاري (٧٠٨٦)، ومسلم (١٤٣).
(٣) «فتح الباري» (١/ ١٤٣).
[ ٤ / ٢٠١ ]
المطلب العاشر: قبض العلم وظهور الجهل
ومن أشراطها قبض العلم، وفشو الجهل، ففي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل» (١).
وروى البخاري عن شقيق قال: كنت مع عبد الله وأبي موسى فقالا: قال النبي ﷺ: «إن بين يدي الساعة لأيامًا ينزل فيها الجهل، ويرفع العلم» (٢).
وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يتقارب الزمان، ويقبض العلم، وتظهر الفتن، ويلقي الشح، ويكثر الهرج» (٣).
قال ابن بطال: (وجميع ما تضمنه هذا الحديث من الأشراط قد رأيناها عيانًا، فقد نقص العلم، وظهر الجهل، وألقي الشح في القلوب، وعمت الفتن، وكثر القتل) (٤) وعقب على ذلك الحافظ ابن حجر بقوله: (الذي يظهر أن الذي شاهده كان منه الكثير مع وجود مقابله، والمراد من الحديث استحكام ذلك حتى لا يبقى بما يقابله إلا النادر، وإليه الإشارة بالتعبير بقبض العلم، فلا يبقى إلا الجهل الصرف، ولا يمنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم، لأنهم يكونون حينئذ معمورين في أولئك) (٥).
وقبض العلم يكون بقبض العلماء، ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (٦).
قال النووي: (هذا الحديث يبين أن المراد بقبض العلم في الأحاديث السابقة المطلقة ليس هو محوه من صدور حفاظه ولكن معناه: أن يموت حملته، ويتخذ الناس جهالًا يحكمون بجهالاتهم، فيَضِلُّون ويُضِلِّون) (٧)
والمراد بالعلم هنا علم الكتاب والسنة وهو العلم الموروث عن الأنبياء ﵈، فإن العلماء هم ورثة الأنبياء وبذهابهم يذهب العلم وتموت السنن وتظهر البدع ويعم الجهل، وأما علم الدنيا فإنه في زيادة وليس هو المراد في الأحاديث، بدليل قوله ﷺ: «فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». والعلماء الحقيقيون هم الذين يعملون بعلمهم، ويوجهون الأمة ويدلونها على طريق الحق والهدى، فإن العلم بدون عمل لا فائدة فيه، بل يكون وبالًا على صاحبه، وقد جاء في رواية للبخاري «وينقص العمل» (٨).
قال الإمام مؤرخ الإسلام الذهبي بعد ذكره لطائفة من العلماء: (وما أوتوا من العلم إلا قليلًا، وأما اليوم فما بقي من العلوم القليلة إلا القليل في أناس قليل ما أقل من يعمل منهم بذلك القليل فحسبنا الله ونعم الوكيل) (٩) وإذا كان هذا في عصر الذهبي فما بالك بزمننا هذا؟ فإنه كلما بعد الزمان من عهد النبوة كلما قل العلم وكثر الجهل، فإن الصحابة ﵃ كانوا أعلم هذه الأمة ثم التابعين، ثم تابعيهم، وهم خير القرون كما قال ﷺ: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١٠).
_________________
(١) رواه البخاري (٨٠)، ومسلم (٢٦٧١).
(٢) رواه البخاري (٧٠٦٢).
(٣) رواه مسلم (١٥٧).
(٤) «شرح صحيح البخاري» (١٠/ ١٣)، و«فتح الباري» (١٣/ ١٦).
(٥) «فتح الباري» (١٣/ ١٦).
(٦) رواه البخاري (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣).
(٧) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٦/ ٢٢٣).
(٨) رواها البخاري (٦٠٣٧).
(٩) «تذكرة الحفاظ» (٣/ ١٠٣١).
(١٠) رواه البخاري (٣٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٣).
[ ٤ / ٢٠٢ ]
ولا يزال العلم ينقص والجهل يكثر حتى لا يعرف الناس فرائض الإسلام، فقد روى حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، ويسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها. فقال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثًا كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة، تنجيهم من النار ثلاثًا» (١).
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: «لينزعن القرآن من بين أظهركم يسري عليه ليلًا فيذهب من أجواف الرجال فلا يبقى في الأرض منه شيء» (٢).
قال ابن تيمية: (يسري به في آخر الزمان من المصاحف والصدور فلا يبقى في الصدور منه كلمة، ولا في المصاحف منه حرف) (٣).
وأعظم من هذا أن لا يذكر اسم الله تعالى في الأرض كما في الحديث عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله» (٤).
قال ابن كثير: (في معنى هذا الحديث قولان:
أحدهما: أن معناه أن أحدًا لا ينكر منكرًا، ولا يزجر أحدًا إذا رآه قد تعاطى منكرًا، وعبر عن ذلك بقوله «حتى لا يقال: الله الله»، كما في حديث عبد الله بن عمرو «فيبقى فيها عجاجة لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا» (٥).
والقول الثاني: حتى لا يذكر الله في الأرض، ولا يعرف اسمه فيها، وذلك عند فساد الزمان، ودمار نوع الإنسان، وكثرة الكفر والفسوق والعصيان" (٦). أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ١٠٢
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٣٢٨٩)، والحاكم (٤/ ٥٨٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٣٥٦) (٢٠٢٨). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٤/ ٩٤): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ١٩): إسناده قوي.
(٢) رواه الطبراني (٩/ ١٤١) (٨٧١٩)، وعبدالرزاق في «المصنف» (٣/ ٣٦٣). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٣٣٢): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير شداد بن معقل وهو ثقة، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٣/ ١٩): إسناده صحيح لكنه موقوف.
(٣) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٣/ ١٩٨).
(٤) رواه مسلم (١٤٨).
(٥) رواه أحمد (٢/ ٢١٠) (٦٩٦٤). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ١٦): رواه أحمد مرفوعًا وموقوفًا ورجالهما رجال الصحيح، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١١/ ١٦١).
(٦) «النهاية في الفتن والملاحم» (١/ ١٢٢ - ١٢٣).
[ ٤ / ٢٠٣ ]
المطلب الحادي عشر: الخسف والقذف والمسخ
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، قالت: قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا ظهر الخبث» (١).
وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «بين يدي الساعة مسخ وخسف وقذف» (٢).
وقد جاء الخبر أن الزنادقة والقدرية يقع عليهم المسخ والقذف، روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيكون في أمتي مسخ وقذف، وهو في الزندقية والقدرية» (٣).
وفي رواية للترمذي: «في هذه الأمة أو في أمتي خسف أو مسخ أو قذف في أهل القدر» (٤).
وعن عبد الرحمن بن صحار العبدي عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يخسف بقبائل، فيقال: من بقي من بني فلان؟ قال: فعرفت حين قال: قبائل أنها العرب، لأن العجم تنسب إلى قراها» (٥).
وعن محمد بن إبراهيم التيمي قال: سمعت بقيرة امرأة القعقاع بن أبي حدرد تقول: سمعت رسول الله ﷺ على المنبر وهو يقول: «إذا سمعتم بجيش قد خسف به قريبًا فقد أظلت الساعة» (٦).
والخسف قد وجد في مواضع في الشرق والغرب (٧) قبل عصرنا هذا، ووقع في هذا الزمن كثير من الخسوفات في أماكن متفرقة من الأرض، وهي نذير بين يدي عذاب شديد، وتخويف من الله لعباده، وعقوبة لأهل البدع والمعاصي، كي يعتبر الناس ويرجعوا إلى ربهم ويعلموا أن الساعة قد أزفت، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه.
_________________
(١) رواه الترمذي (٢١٨٥)، وقال: غريب من حديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه و[فيه] عبد الله بن عمر تكلم فيه يحيى بن سعيد من قبل حفظه، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
(٢) رواه ابن ماجه (٣٢٩٦). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٢/ ٣١٠): حديث عبد الله ورجال إسناده ثقات. إلا أنه منقطع. سيار أبو الحكم لم يحدث عن طارق ابن شهاب. قاله الإمام أحمد. وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه ابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».
(٣) رواه أحمد (٢/ ١٣٦) (٦٢٠٨). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٠٦): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وصحح إسناده السيوطي في «الخصائص الكبرى» (٢/ ١٤٨)، وأحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٩/ ٧٤).
(٤) رواه الترمذي (٢١٥٢). وقال: حسن صحيح غريب، وقال ابن القيم في «تهذيب السنن» (١٢/ ٤٥٥): أجود ما في الباب، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
(٥) رواه أحمد (٣/ ٤٨٣) (١٥٩٩٨)، والحاكم (٤/ ٤٩٢). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ١٨): رواه أحمد والطبراني وأبو يعلى والبزار ورجاله ثقات، وصحح إسناده ابن حجر في «فتح الباري» (٨/ ١٤٢)، والسفاريني في «شرح ثلاثيات المسند» (١/ ٢٩٠).
(٦) رواه أحمد (٦/ ٣٧٨) (٢٧١٧٣). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ١٢): رواه أحمد والطبراني وفيه ابن إسحاق وهو مدلس وبقية رجال أحد إسنادي أحمد رجال الصحيح، وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٦١٨).
(٧) انظر: «فتح الباري» (١٣/ ٨٤)، و«عون المعبود» (١١/ ٤٢٩).
[ ٤ / ٢٠٤ ]
وقد جاء الوعيد للعصاة من أهل المعازف وشاربي الخمور بالخسف والمسخ والقذف، روى الترمذي عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف. فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله ومتى ذلك؟ قال: إذا ظهرت القيان والمعازف، وشربت الخمور» (١).
وروى ابن ماجة عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير» (٢).
والمسخ يكون حقيقيًا، ويكون معنويًا، فقد فسر الحافظ ابن كثير ﵀ (المسخ) في قوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ [البقرة: ٦٥].
بأنه مسخ حقيقي وليس مسخًا معنويًا فقط، وهذا القول هو الراجح، وهو ما ذهب إليه ابن عباس وغيره من أئمة التفسير (٣).
وذهب مجاهد وأبو العالية وقتادة إلى أن المسخ كان معنويًا وأنه كان لقلوبهم ولم يمسخوا قردة (٤) ونقل ابن حجر عن ابن العربي القولين ورجح الأول (٥) ورجح رشيد رضا في تفسيره القول الثاني، وهو أنه كان مسخًا في أخلاقهم (٦).
واستبعد ابن كثير ما روي عن مجاهد وقال: (أنه قول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وغيره) (٧).
ثم قال بعد سياقه لطائفة من كلام العلماء: والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد - ﵀ – من أن مسخهم إنما كان معنويًا لا صوريًا بل الصحيح أنه معنوي صوري والله أعلم (٨).
وإذا كان المسخ يحتمل أن يكون معنويًا فإن كثيرًا من المستحلين للمعاصي قد مسخت قلوبهم فأصبحوا لا يفرقون بين الحلال والحرام، ولا بين المعروف والمنكر، مثلهم في ذلك كمثل القردة والخنازير – نسأل الله العافية والسلامة – وسيقع ما أخبر به ﷺ من المسخ سواء كان معنويًا أو صوريًا. أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ١٣٣
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٢١٢). وقال: غريب، وحسنه لغيره الشوكاني في «نيل الأوطار» (٨/ ٢٦٢)، وحسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
(٢) رواه ابن ماجه (٣٢٦٣)، والبيهقي (١٠/ ٢٢١) (٢١٥١٧). وقال بعده: ولهذا شواهد من حديث علي وعمران بن حصين وعبد الله بن بسر وسهل بن سعد وأنس بن مالك وعائشة ﵃ عن النبي ﷺ، وصحح إسناده ابن القيم في «إغاثة اللهفان» (١/ ٥٠٩)، وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: صحيح.
(٣) «تفسير الطبري» (٢/ ١٧٠)، «تفسير الماوردي» (١/ ١٣٥)، «تفسير ابن كثير» (١/ ١٥٠).
(٤) «تفسير الطبري» (٢/ ١٧٢ - ١٧٣)، «تفسير ابن كثير» (١/ ١٥٠).
(٥) «فتح الباري» (١٠/ ٥٦).
(٦) «تفسير المنار» (١/ ٣٤٣).
(٧) «تفسير ابن كثير» (١/ ١٥١).
(٨) «تفسير ابن كثير» (١/ ١٥٣).
[ ٤ / ٢٠٥ ]
المطلب الثاني عشر: انتشار الزنا
ومن العلامات التي ظهرت فشو الزنا وكثرته بين الناس، فقد أخبر النبي ﷺ بأن ذلك من أشراط الساعة:- ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أشراط الساعة (فذكر منها) ويظهر الزنا» (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «سيأتي على الناس سنوات خداعات (فذكر الحديث وفيه) وتشيع فيها الفاحشة» (٢).
وأعظم من ذلك استحلال الزنا. فقد ثبت في الصحيح عن أبي مالك الأشعري أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير» (٣)، وفي آخر الزمان بعد ذهاب المؤمنين يبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر، كما جاء في حديث النواس ﵁ «ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة» (٤).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق فيكون خيارهم يومئذ من يقول لو واريتها وراء هذا الحائط» (٥). قال القرطبي في كتابه (المفهم) على حديث أنس السابق: (في هذا الحديث علم من أعلم النبوة إذ أخبر عن أمور ستقع فوقعت خصوصًا في هذه الأزمان) (٦).
وإذا كان هذا في زمان القرطبي فهو في زماننا هذا أكثر ظهورًا لعظم غلبة الجهل وانتشار الفساد بين الناس. أشراط الساعة ليوسف الوابل-١٠٧
_________________
(١) رواه البخاري (٨٠)، ومسلم (٢٦٧١).
(٢) رواه ابن ماجه (٣٢٧٧)، والحاكم (٤/ ٥٥٧) واللفظ له. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وهو من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري عن المقبري غريب جدا، وقال الذهبي: صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».
(٣) رواه البخاري (٥٥٩٠).
(٤) رواه مسلم (٢٩٣٧).
(٥) رواه أبو يعلى (١١/ ٤٣) (٦١٨٣). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٣٣٤): رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح.
(٦) «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» (٢٢/ ٦١)، «فتح الباري» (١/ ١٧٩).
[ ٤ / ٢٠٦ ]
المطلب الثالث عشر: انتشار الربا
ومنها ظهور الربا وانتشاره بين الناس، وعدم المبالاة بأكل الحرام، ففي الحديث عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «بين يدي الساعة يظهر الربا» (١).
وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ليأتين على الناس زمان، لا يبالي المرء بما أخذ المال، أمن حلال أم من حرام» (٢).
وهذه الأحاديث تنطبق على كثير من المسلمين في هذا الزمن، فتجدهم لا يتحرون الحلال في المكاسب، بل يجمعون المال من الحلال والحرام وأغلب ذلك بدخول الربا في معاملات الناس، فقد انتشرت المصارف المتعاملة بالربا، ووقع كثير من الناس في هذا البلاء العظيم.
ومن فقه الإمام البخاري ﵀ أنه أورد حديث أبي هريرة السابق في باب قول الله ﷿: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: ١٣٠] ليبين أن أكل الأضعاف المضاعفة من الربا يكون بالتوسع فيه عند عدم مبالاة الناس بطرق جمع المال، وعدم التمييز بين الحلال والحرام. أشراط الساعة ليوسف الوابل-١٠٨
_________________
(١) رواه الطبراني (٧/ ٣٤٩) (٧٦٩٥)، والمنذري في «الترغيب والترهيب» (٣/ ٧). وقال: رواه الطبراني ورواته رواة الصحيح، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٤/ ١٢١): رواه الطبراني في «الأوسط» ورجاله رجال الصحيح، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٣٤١٥): رجال إسناده رجال الصحيح غير أبي حمزة الكوفي وهو حسن الحديث.
(٢) رواه البخاري (٢٠٨٣).
[ ٤ / ٢٠٧ ]
المطلب الرابع عشر: ظهور المعازف واستحلالها
عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: «سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ، قيل: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا ظهرت المعازف والقينات» (١).
وهذه العلامة قد وقع شيء كبير منها في العصور السابقة، وهي الآن أكثر ظهورًا، فقد ظهرت المعازف في هذا الزمن وانتشرت انتشارًا عظيمًا، وكثر المغنون والمغنيات وهم المشار إليهم في هذا الحديث بـ " القينات" وأعظم من ذلك استحلال كثير من الناس للمعازف، وقد جاء الوعيد لمن فعل ذلك بالمسخ، والقذف، والخسف كما في الحديث السابق، ولما ثبت في صحيح البخاري ﵀ قال: قال هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد - ثم ساق السند إلى أبي مالك الأشعري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم - يعني الفقير - لحاجة فيقولوا: ارجع إلينا غدًا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة» (٢).
وقد زعم ابن حزم أن هذا الحديث منقطع لم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد، ورد عليه العلامة ابن القيم، وبيَّن أنَّ ما قاله ابن حزم باطل من ستة وجوه (٣):
١ - أن البخاري قد لقي هشام بن عمار وسمع منه، فإذا روى عنه معنعنًا حمل على الاتصال اتفاقًا لحصول المعاصرة والسماع فإذا قال: (قال هشام) لم يكن فرق بينه وبين قوله: (عن هشام) أصلًا.
٢ - أن الثقات الأثبات قد رووه عن هشام موصولًا، قال الإسماعيلي في صحيحه: (أخبرني الحسن حدثنا هشام بن عمار) بإسناده ومتنه.
٣ - أنه قد صح من غير حديث هشام، فرواه الإسماعيلي وعثمان بن أبي شيبة بسندين آخرين إلى أبي مالك الأشعري ﵁.
٤ - أن البخاري لو لم يلق هشامًا ولم يسمع منه فإدخاله هذا الحديث في صحيحه وجزمه به يدل على أنه ثابت عنده عن هشام ولم يذكر الواسطة بينه وبين هشام إما لشهرتهم، وإما لكثرتهم فهو معروف مشهور عن هشام.
٥ - أن البخاري إذا قال في صحيحه: (قال فلان) فالمراد أن الحديث صحيح عنده.
٦ - أن البخاري ذكر هذا الحديث محتجًا به، مدخلًا له في صحيحه أصلًا لا استشهادًا فالحديث صحيح بلا ريب.
وقال ابن الصلاح ولا التفات إلى أبي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في رده ما أخرجه البخاري من حديث أبي عامر أو أبي مالك فذكره ثم قال: – والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح، والبخاري ﵀ قد يفعل مثل ذلك لكون ذلك الحديث معروفًا من جهة الثقات عن ذلك الشخص الذي علقه عنه. وقد يفعل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسندًا متصلًا وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع والله أعلم (٤). أشراط الساعة ليوسف الوابل- ص: ١٠٩
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٣٢٩٧)، والطبراني (٦/ ١٥٠) (٥٨٢٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ١٣): فيه عبد الله بن أبي الزناد وفيه ضعف وبقية رجال إحدى الطريقين رجال الصحيح. وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».
(٢) رواه البخاري (٥٥٩٠).
(٣) «تهذيب السنن» (٥/ ٢٧٠).
(٤) «مقدمة ابن الصلاح» (ص: ٣٦).
[ ٤ / ٢٠٨ ]
المطلب الخامس عشر: كثرة شرب الخمر واستحلالها
ظهر في هذه الأمة شرب الخمر وتسميتها بغير اسمها، والأدهى من ذلك استحلال بعض الناس لها، وهذا من أمارات الساعة، فقد روى الإمام مسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أشراط الساعة» وذكر منها «ويشرب الخمر» (١) ومضى ذكر بعض الأحاديث في الكلام على المعازف وفيها أنه سيكون من هذه الأمة من يستحل شرب الخمر. ومنها ما رواه الإمام أحمد وابن ماجة عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «لتستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه» (٢).
فقد أطلق على الخمر أسماء كثيرة، حتى سميت بالمشروبات الروحية ونحو ذلك، والأحاديث في بيان أن هذه الأمة سيفشو فيها شرب الخمر، وأن فيهم من يستحلها ويغير اسمها، وفسر ابن العربي استحلال الخمر بتفسيرين:
الأول: اعتقاد حل شربها.
الثاني: أن يكون المراد بذلك الاسترسال في شربها كالاسترسال في الحلال.
وذكر أنه سمع ورأى من يفعل ذلك (٣)، وهو في زمننا هذا أكثر، فقد فتن بعض الناس بشربها، وأعظم من ذلك بيعها جهارًا وشربها علانية في بعض البلدان الإسلامية، وانتشار المخدرات انتشارًا عظيمًا لم يسبق له مثيل مما ينذر بخطر عظيم، وفساد كبير، والأمر لله من قبل ومن بعد. أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ١١٢
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٧١). ورواه البخاري (٨٠).
(٢) رواه ابن ماجه (٢٧٤٦)، وأحمد (٥/ ٣١٨) (٢٢٧٦١) واللفظ له. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٥/ ٧٨): رواه أحمد وفيه ثابت بن السمط وهو مستور وبقية رجاله ثقات، وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».
(٣) «فتح الباري» (١٠/ ٥٥).
[ ٤ / ٢٠٩ ]
المطلب السادس عشر: زخرفة المساجد والتباهي بها
ومنها زخرفة المساجد ونقشها والتفاخر بها فقد روى الإمام أحمد عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» (١) وفي رواية للنسائي وابن خزيمة ﵁ أن النبي ﷺ قال «ومن أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد» (٢).
قال البخاري: (قال أنس: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلًا، فالتباهي بها العناية بزخرفتها) (٣).
قال ابن عباس: (لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى) (٤).
وقد نهى عمر بن الخطاب ﵁ عن زخرفة المساجد لأن ذلك يشغل الناس عن صلاتهم. وقال عندما أمر بتجديد المسجد النبوي (أكِنَّ الناسَ من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس) (٥).
ورحم الله عمر فإن الناس لم يأخذوا بوصيته، ولم يقتصروا على التحمير والتصفير. بل تعدوا ذلك إلى نقش المساجد كما ينقش الثوب، وتباهى الملوك والخلفاء في بناء المساجد وتزويقها حتى أتوا في ذلك بالعجب، ولا زالت هذه المساجد قائمة حتى الآن كما في الشام ومصر وبلاد المغرب والأندلس وغيرها. وحتى الآن لا يزال المسلمون يتباهون في زخرفة المساجد.
ولا شك أن زخرفة المساجد علامة على الترف والتبذير، وعمارتها إنما تكون بالطاعة والذكر فيها، ويكفي الناس ما يكنهم من الحر والقر والمطر، وقد جاء الوعيد بالدمار إذا زخرفت المساجد وحليت المصاحف، فقد روى الحكيم الترمذي عن أبي الدرداء ﵁ قال: (إذا زخرفتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم، فالدمار عليكم) (٦)، قال المناوي: (فزخرفة المساجد، وتحلية المصاحف منهي عنها، لأن ذلك يشغل القلب، ويلهي عن الخشوع والتدبر والحضور مع الله تعالى، والذي عليه الشافعية أن تزويق المسجد ولو الكعبة بذهب أو فضة حرام مطلقًا وبغيرهما مكروه) (٧). أشراط الساعة ليوسف الوابل- ص: ١١٣
_________________
(١) رواه أحمد (٣/ ١٣٤) (١٢٤٠٢)، ورواه أبو داود (٤٤٩) وسكت عنه. وصحح إسناده عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الصغرى» (١٨١) كما أشار إلى ذلك في المقدمة، وصححه النووي في «الخلاصة» (١/ ٣٠٥)، وابن دقيق العيد في «الاقتراح» (١١٤).
(٢) رواه النسائي (٢/ ٣٢)، ابن خزيمة (٢/ ٢٨٢) (١٣٢٣). والحديث حسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (١/ ٣٣٦) كما قال ذلك في المقدمة، وصححه الألباني في «صحيح سنن النسائي».
(٣) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٤٤٦)، ووصله أبو يعلى في مسنده (٥/ ١٩٩) (٢٨١٧)، وانظر «تغليق التعليق» لابن حجر (٢/ ٢٣٦).
(٤) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٤٤٦)، ووصله ابن حجر في «تغليق التعليق» (٢/ ٢٣٨).
(٥) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٤٤٦).
(٦) رواه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (٣/ ٢٥٦). وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٨٥).
(٧) «فيض القدير» (١/ ٣٦٧).
[ ٤ / ٢١٠ ]
المطلب السابع عشر: تقارب الزمن
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى .. يتقارب الزمان» (١).
وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة» (٢). وللعلماء أقوال في المراد بتقارب الزمان منها:
١ - أن المراد بذلك قلة البركة في الزمان (٣).
قال ابن حجر: (وقد وجد في زماننا هذا، فإننا نجد من سرعة مر الأيام ما لم يكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا) (٤).
٢ - أن المراد بذلك هو ما يكون في زمان المهدي وعيسى ﵇ من استلذاذ الناس للعيش وتوفر الأمن وغلبة العدل وذلك أن الناس يستقصرون أيام الرخاء وأن طالت، وتطول عليهم مدة الشدة وأن قصرت (٥).
٣ - أن المراد تقارب أحوال أهله في قلة الدين حتى لا يكون منهم من يأمر بمعروف وينهى عن منكر لغلبة الفسق وظهور أهله وذلك عند ترك طلب العلم خاصة والرضى بالجهل، وذلك لأن الناس لا يتساوون في العلم، فدرجات العلم تتفاوت كما قال تعالى: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٦) [يوسف: ٧٦] وإنما يتساوون إذا كانوا جهالًا.
٤ - أن المراد تقارب أهل الزمان بسبب توفر وسائل الاتصالات والمراكب الأرضية والجوية السريعة التي قربت البعيد (٧).
٥ - أن المراد بذلك هو قصر الزمان وسرعته سرعة حقيقية وذلك في آخر الزمان، وهذا لم يقع إلى الآن ويؤيد ذلك ما جاء أن أيام الدجال تطول حتى يكون اليوم كالسنة وكالشهر وكالجمعة في الطول، فكما أن الأيام تطول فإنها تقصر (٨) وذلك لاختلال نظام العالم وقرب زوال الدنيا.
قال ابن أبي جمرة: يحتمل أن يكون المراد بتقارب الزمان قصره على ما وقع في حديث «لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر» وعلى هذا فالقصر يحتمل أن يكون حسيًا ويحتمل أن يكون معنويًا، أما الحسي فلم يظهر بعد ولعله من الأمور التي تكون قرب قيام الساعة.
وأما المعنوي فله مدة منذ ظهر يعرف ذلك أهل العلم الديني ومن له فطنة من أهل السبب الدنيوي، فإنهم يجدون أنفسهم لا يقدر أحدهم أن يبلغ من العمل قدر ما كانوا يعملونه قبل ذلك، ويشكون ذلك ولا يدرون العلة فيه، ولعل ذلك بسبب ما وقع من ضعف الإيمان لظهور الأمور المخالفة للشرع من عدة أوجه، وأشد ذلك الأقوات ففيها من الحرام المحض ومن الشبه ما لا يخفى، حتى أن كثيرًا من الناس لا يتوقف في شيء ومهما قدر على تحصيل شيء هجم عليه ولا يبالي.
والواقع أن البركة في الزمان وفي الرزق وفي النبت إنما يكون من طريق قوة الإيمان، واتباع الأمر، واجتناب النهي، والشاهد لذلك قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [الأعراف: ٩٦] (٩). أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ١٢٠
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠٣٧)، ومسلم (١٥٧).
(٢) رواه أحمد (٢/ ٥٣٧) (١٠٩٥٦). قال شعيب الأرناؤوط محقق «المسند»: إسناده صحيح على شرط مسلم، وحسنه الوادعي في «الصحيح المسند» (١٤٦٠).
(٣) «معالم السنن بهامش مختصر سنن أبي داود للمنذري» (٦/ ١٤١) «جامع الأصول لابن الأثير» (١٠/ ٤٠٩) «فتح الباري» (١٣/ ١٦).
(٤) «فتح الباري» (١٣/ ١٦).
(٥) «فتح الباري» (١٣/ ١٦).
(٦) «مختصر سنن أبي داود للمنذري» (٦/ ١٤٢).
(٧) «اتحاف الجماعة» (١/ ٤٩٧)، «والعقائد الإسلامية» (٢٤٧) لسيد سابق.
(٨) «مختصر سنن أبي داود للمنذري» (٦/ ١٤٢) «جامع الأصول» (١٠/ ٤٠٩) تحقيق عبد القادر الأرناؤوط.
(٩) «فتح الباري» (١٣/ ١٧).
[ ٤ / ٢١١ ]
المطلب الثامن عشر: كثرة شهادة الزور وكتمان شهادة الحق
جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قوله ﷺ: «إن بين يدي الساعة شهادة الزور وكتمان شهادة الحق» (١).
وشهادة الزور هي الكذب متعمدًا في الشهادة، فكما أن شهادة الزور سبب لإبطال الحق، فكذلك كتمان الشهادة سبب لإبطال الحق.
قال الله تعالى: وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٨٣].
وعن أبي بكرة ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر. ثلاثًا الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، أو قول الزور وكان متكئًا فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته يسكت» (٢).
وما أكثر شهادة الزور وكتمان شهادة الحق في هذا الزمن، ولعظم خطرها قرنها النبي ﷺ بالشرك وعقوق الوالدين، فإن شهادة الزور سبب للظلم والجور وضياع حقوق الناس في الأموال والأعراض، وظهورها دليل على ضعف الإيمان وعدم الخوف من الرحمن. أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ١٥٠
_________________
(١) رواه أحمد (١/ ٤٠٧) (٣٨٧٠). قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٣٣٢): رجاله رجال الصحيح، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٥/ ٣٣٣)، والألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٦٤٧) وقال: على شرط مسلم.
(٢) رواه البخاري (٢٦٥٤)، ومسلم (٨٧).
[ ٤ / ٢١٢ ]
المبحث الثالث: العلامات التي لم تقع بعد
المطلب الأول: عودة جزيرة العرب جنات وأنهارًا
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها منه وحتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا» (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٩٥
_________________
(١) رواه مسلم (١٥٧).
[ ٤ / ٢١٣ ]
المطلب الثاني: انتفاخ الأهلة
من الأدلة على اقتراب الساعة أن يرى الهلال عند بدو ظهوره كبيرا حتى يقال ساعة خروجه إنه لليلتين أو ثلاثة فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة» (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٩٦
_________________
(١) رواه الطبراني (١٠/ ١٩٨). وقال الألباني في «صحيح الجامع» (٥٨٩٨): صحيح. وانظر كلامه في «السلسلة الصحيحة» (٢٢٩٢).
[ ٤ / ٢١٤ ]
المطلب الثالث: تكليم السباع والجماد الإنس
عن أبي سعيد الخدري قال: عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبه الراعي فانتزعها منه فأقعى الذئب على ذنبه قال: ألا تتقي الله تنزع مني رزقا ساقه الله إلي. فقال: يا عجبي ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس. فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك محمد ﷺ بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق. قال فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة فزواها إلى زاوية من زواياها ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره فأمر رسول الله ﷺ فنودي: الصلاة جامعة ثم خرج فقال للراعي: «أخبرهم». فأخبرهم فقال رسول الله ﷺ: «صدق والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس ويكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده» (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ١٩٧
_________________
(١) رواه أحمد (٣/ ٨٣) (١١٨٠٩). وروى الترمذي - طرف من آخره - (٢١٨١)، والحاكم (٤/ ٤١٤). قال الترمذي: وهذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل، والقاسم بن الفضل ثقة مأمون عند أهل الحديث وثقه يحيى بن سعيد القطان، وعبدالرحمن بن مهدي. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ٢٩١): عند الترمذي طرف من آخره - ثم قال: رواه أحمد والبزار بنحوه باختصار ورجال أحد إسنادي أحمد رجال الصحيح. وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٢٢): وهذا سند صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير القاسم هذا وهو ثقة اتفاقًا، وأخرج له مسلم في (المقدمة).
[ ٤ / ٢١٥ ]
المطلب الرابع: انحسار الفرات عن جبل من ذهب
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب. يقتتل الناس عليه. فيقتل من كل مائة، تسعة وتسعون. ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو» (١).
وليس المقصود بهذا الجبل من ذهب (النفط) (البترول الأسود) كما يرى ذلك أبو عبية في تعليقه على النهاية في الفتن لابن كثير (٢) وذلك من وجوه:
١ - أن النص جاء فيه (جبل من ذهب) والبترول ليس بذهب على الحقيقة فإن الذهب هو المعدن المعروف.
٢ - أن النبي ﷺ أخبر أن ماء النهر ينحسر عن جبل من ذهب فيراه الناس، والنفط أو (البترول) يستخرج من باطن الأرض بالآلات من مسافات بعيدة.
٣ - أن النبي ﷺ خص الفرات بهذا دون غيره من البحار والأنهار، والنفط نراه يستخرج من البحار كما يستخرج من الأرض وفي أماكن كثيرة متعددة.
٤ - أن النبي ﷺ أخبر أن الناس سيقتتلون عند هذا الكنز ولم يحصل أنهم اقتتلوا عند خروج النفط من الفرات أو غيره، بل أن النبي ﷺ نهى من حضر هذا الكنز أن يأخذ منه شيئًا كما في الرواية الأخرى عن أبي بن كعب ﵁ قال: لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا .. إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا» (٣).
ومن حمله على النفط فإنه يلزمه على قوله هذا النهي عن الأخذ من النفط ولم يقل به أحد (٤).
وقد رجح الحافظ ابن حجر أن سبب المنع من الأخذ من هذا الذهب لما ينشأ عن أخذه من الفتنة والقتال عليه (٥). أشراط الساعة ليوسف الوابل-ص: ١٥٦
_________________
(١) رواه مسلم (٢٨٩٤).
(٢) «النهاية في الفتن والملاحم» (١/ ٢٠٨) تحقيق محمد فهيم أبو عبية.
(٣) رواه البخاري (٧١١٩)، ومسلم (٢٨٩٤).
(٤) «اتحاف الجماعة» (١/ ٤٨٩).
(٥) «فتح الباري» (١٣/ ٨١).
[ ٤ / ٢١٦ ]
المطلب الخامس: إخراج الأرض كنوزها المخبوءة
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي. ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت يدي ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا» (١). وهذه آية من آيات الله حيث يأمر الحق الأرض أن تخرج كنوزها المخبوءة في جوفها. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٠١
_________________
(١) رواه مسلم (١٠١٣).
[ ٤ / ٢١٧ ]
المطلب السادس: محاصرة المسلمين إلى المدينة
من أشراط الساعة أن يهزم المسلمون وينحسر ظلهم ويحيط بهم أعداؤهم ويحاصرونهم في المدينة المنورة. عن ابن عمر: ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك المسلمون أن يحاصروا إلى المدينة حتى يكون أبعد مسالحهم سلاح» (١) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٠٢
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٢٥٠)، وابن حبان (١٥/ ١٧٤)، والطبراني في «الأوسط» (٦/ ٢٨٦)، والحاكم (٤/ ٥٥٦). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح. وقال شعيب الأرناؤوط محقق «صحيح ابن حبان»: قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري.
[ ٤ / ٢١٨ ]
المطلب السابع: إحراز الجهجاه الملك
الجهجاه رجل من قحطان سيصير إليه الملك وهو شديد القوة والبطش، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه» (١) وفي رواية: «لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل يقال له: الجهجاه» (٢). ويحتمل أن يكون هذا الذي في الرواية الأخيرة غير الأول فقد صح في سنن الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يذهب الليل والنهار حتى يملك رجل من الموالي يقال له جهجاه» (٣) القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٠٣
_________________
(١) رواه البخاري (٣٥١٧)، ومسلم (٢٩١٠).
(٢) رواه مسلم (٢٩١١).
(٣) رواه الترمذي (٢٢٢٨)، وأحمد (٢/ ٣٢٩) (٨٣٤٦). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (١٦/ ١٥٦): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: صحيح.
[ ٤ / ٢١٩ ]
المطلب الثامن: فتح القسطنطينية
ومنها فتح مدينة القسطنطينية – قبل خروج الدجال - على يدي المسلمين، والذي تدل عليه الأحاديث أن هذا الفتح العظيم يكون بعد قتال الروم في الملحمة الكبرى وانتصار المسلمين عليهم، فعندئذ يتوجون إلى مدينة القسطنطينية فيفتحها الله للمسلمين بدون قتال، وسلاحهم التكبير والتهليل.
ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق. فإذا جاؤوها نزلوا. فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم. قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر. فيسقط أحد جانبيها. قال ثور (أحد رواة الحديث): لا أعلمه إلا قال: الذي في البحر. ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر. فيسقط جانبها الآخر. ثم يقولوا الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر. فيفرج لهم. فيدخلوها فيغنموا. فبينما هم يقتسمون الغنائم، إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج. فيتركون كل شيء ويرجعون» (١).
وقد أشكل قوله في هذا الحديث: «يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق» والروم من بني إسحاق، لأنهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵉، فكيف يكون فتح القسطنطينية على أيديهم؟
قال القاضي عياض: (كذا هو في جميع أصول صحيح مسلم من بني إسحاق، ثم قال: قال بعضهم: المعروف المحفوظ من بني إسماعيل، وهو الذي يدل عليه الحديث وسياقه لأنه إنما أراد العرب) (٢).
وذهب الحافظ ابن كثير: إلى أن هذا الحديث (يدل على أن الروم يسلمون في آخر الزمان، ولعل فتح القسطنطينية يكون على أيدي طائفة منهم كما نطق به الحديث المتقدم أنه يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق) واستشهد على ذلك بأنهم مدحوا في حديث المستورد القرشي فقد قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: تقوم الساعة والروم أكثر الناس، فقال له عمرو: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعت من رسول الله ﷺ. قال: لئن قلت ذلك، إن فيهم لخصالًا أربعًا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة. وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة. وأوشكهم كرة بعد فرة. وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف. وخامسة حسنة وجميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك» (٣).
ويدل أيضًا على أن الروم يسلمون في آخر الزمان حديث أبي هريرة السابق في قتال الروم وفيه: أن الروم يقولون للمسلمين «خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا» (٤) فالروم يطلبون من المسلمين أن يتركوهم يقاتلون من سبي منهم لأنهم أسلموا فيرفض المسلمون ذلك، ويبينون للروم أن من أسلم منهم فهو من إخواننا لا نسلمه لأحد، وكون غالب جيش المسلمين ممن سبي من الكفار ليس بمستغرب.
قال النووي: (وهذا موجود في زماننا، بل معظم عساكر الإسلام في بلاد الشام ومصر سبوا ثم هم اليوم بحمد الله يسبون الكفار وقد سبوهم في زماننا مرارًا كثيرة، يسبون في المرة الواحدة من الكفار ألوفًا ولله الحمد على إظهار الإسلام وإعزازه) (٥).
_________________
(١) رواه مسلم (٢٩٢٠).
(٢) «إكمال المعلم شرح صحيح مسلم» (٨/ ٢٣٢)، و«شرح صحيح مسلم» للنووي (١٨/ ٤٣ - ٤٤).
(٣) رواه مسلم (٢٨٩٨).
(٤) رواه مسلم (٢٨٩٧).
(٥) «شرح صحيح مسلم» (١٨/ ٢١).
[ ٤ / ٢٢٠ ]
ويؤيد كون هذا الجيش الذي يفتح القسطنطينية من بني إسحاق أن جيش الروم يبلغ عددهم قريبًا من ألف ألف، فيقتل بعضهم ويسلم بعضهم ويكون من أسلم مع جيش المسلمين الذي يفتح القسطنطينية والله أعلم. وفتح القسطنطينية بدون قتال لم يقع إلى الآن وقد روى الترمذي عن أنس بن مالك أنه قال: «فتح القسطنطينية مع قيام الساعة» (١).
ثم قال الترمذي: قال محمد أي ابن غيلان شيخ الترمذي: هذا حديث غريب، والقسطنطينية هي مدينة الروم تفتح عند خروج الدجال، والقسطنطينية قد فتحت في زمان بعض أصحاب النبي ﷺ (٢)، والصحيح أن القسطنطينية لم تفتح في عصر الصحابة فإن معاوية ﵁ بعث إليها ابنه يزيد في جيش فيهم أبو أيوب الأنصاري، ولم يتم لهم فتحها ثم حاصرها مسلمة بن عبد الملك ولم تفتح أيضًا، ولكنه صالح أهلها على بناء مسجد بها (٣).
وفتح الترك أيضًا للقسطنطينية كان بقتال، وستفتح فتحا أخيرًا كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ.
قال أحمد شاكر: (فتح القسطنطينية المبشر به في الحديث سيكون في مستقبل قريب أو بعيد يعلمه الله ﷿، وهو الفتح الصحيح لها حين يعود المسلمون إلى دينهم الذي أعرضوا عنه، وأما فتح الترك الذي كان قبل عصرنا هذا فإنه كان تمهيدا للفتح الأعظم، ثم هي قد خرجت بعد ذلك من أيدي المسلمين منذ أعلنت حكومتهم هناك أنها حكومة غير إسلامية وغير دينية وعاهدت الكفار أعداء الإسلام، وحكمت أمتها بأحكام القوانين الوثنية الكافرة، وسيعود الفتح الإسلامي لها إن شاء الله كما بشر به رسول الله ﷺ) (٤). أشراط الساعة ليوسف الوابل- بتصرف- ص: ١٦٤
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٢٣٩). وقال: هذا حديث غريب، وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي»: إسناده صحيح موقوف.
(٢) «جامع الترمذي» (٤/ ٥١٠).
(٣) «النهاية –الفتن والملاحم-» (١/ ٦٢) تحقيق د. طه الزيني.
(٤) «حاشية عمدة التفسير عن ابن كثير» (٢/ ٢٥٦) اختصار وتحقيق الشيخ أحمد شاكر.
[ ٤ / ٢٢١ ]
المطلب التاسع: فتنة الأحلاس وفتنة الدهيماء
عن عبدالله بن عمر قال: كنا عند رسول الله ﷺ قعودا فذكر الفتن فأكثر في ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس فقال قائل: يا رسول الله وما فتنة الأحلاس؟ قال: «هي فتنة هَرَب وحَرَب ثم فتنة السراء دخلها أو دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني إنما وليّي المتقون ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحدا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة فإذا قيل: انقطعت تمادت يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسى كافرا حتى يصير الناس إلى فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه إذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من اليوم أو غد» (١) والأحلاس: جمع حلس وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب شبهت به الفتنة لملازمتها للناس حين تنزل بهم كما يلازم الحلس ظهر البعير وقال الخطابي: يحتمل أن تكون هذه الفتنة شبهت بالأحلاس لسواد لونها وظلمتها. والحرب: ذهاب المال والأهل، والدهيماء: الداهية التي تدهم الناس بشرها. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٠٤
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٢٤٢)، وأحمد (٢/ ١٣٣) (٦١٦٨)، والحاكم (٤/ ٥١٣). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وقال أحمد شاكر في «مسند أحمد» (٩/ ٢٤): إسناده صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
[ ٤ / ٢٢٢ ]
المطلب العاشر: خروج المهدي
• الفرع الأول: اسمه وصفته.
• الفرع الثاني: مكان خروجه.
• الفرع الثالث: الأدلة من السنة على ظهوره.
• الفرع الرابع: العلماء الذين احتجوا بأحاديث المهدي وصححوها.
• الفرع الخامس: في نقل كلام أهل العلم في إثبات حقيقة المهدي.
• الفرع السادس: عقائد الفرق الإسلامية في المهدي.
[ ٤ / ٢٢٣ ]
الفرع الأول: اسمه وصفته
وهذا الرجل اسمه كاسم رسول الله ﷺ، واسم أبيه كاسم أبي النبي ﷺ فيكون اسمه محمد أو أحمد بن عبد الله، وهو من ذرية فاطمة بنت رسول الله ﷺ، ثم من ولد الحسن بن علي ﵃.
قال ابن كثير ﵀ في المهدي: (وهو محمد بن عبد الله العلوي الفاطمي الحسني ﵁) (١).
وصفته الواردة: أنه أجلى الجبهة، أقنى الأنف. أشراط الساعة ليوسف الوابل- ص ١٩٣
_________________
(١) «النهاية في الفتن والملاحم» (١/ ٢٩) تحقيق د. طه زيني.
[ ٤ / ٢٢٤ ]
الفرع الثاني: مكان خروجه
يكون ظهور المهدي من قبل المشرق، فقد جاء في الحديث عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يقتتل عند كنزكم هذا ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصل إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونكم قتلًا لم يقتله قوم - ثم ذكر شيئًا – لا أحفظه فقال: فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوًا على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي» (١).
قال ابن كثير ﵀: (والمراد بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة، يقتتل عنده ليأخذوه ثلاثة من أولاد الخلفاء، حتى يكون آخر الزمان فيخرج المهدي، ويكون ظهوره من بلاد المشرق لا من سرداب سامرا، كما يزعمه جهلة الرافضة من أنه موجود فيه الآن، وهم ينتظرون خروجه في آخر الزمان، فإن هذا نوع من الهذيان، وقسط كبير من الخذلان، شديد من الشيطان، إذ لا دليل على ذلك ولا برهان، لا من كتاب ولا سنة، ولا معقول صحيح ولا استحسان)، وقال أيضًا: (ويؤيد بناس من أهل المشرق ينصرونه، ويقيمون سلطانه، ويشيدون أركانه، وتكون راياتهم سود أيضًا، وهو زي عليه الوقار لأن راية رسول الله ﷺ كانت سوداء يقال لها العقاب) إلى أن قال: (والمقصود أن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزمان يكون أصل ظهوره وخروجه من ناحية المشرق، ويبايع له عند البيت كما دل على ذلك بعض الأحاديث) (٢). أشراط الساعة ليوسف الوابل- ص ١٩٤
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٤١٨)، والحاكم (٤/ ٥١٠). وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٤/ ٢٠٤): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
(٢) «النهاية في الفتن والملاحم» (١/ ٢٩).
[ ٤ / ٢٢٥ ]
الفرع الثالث: الأدلة من السنة على ظهوره
جاءت الأحاديث الصحيحة الدالة على ظهور المهدي، وهذه الأحاديث منها ما جاء فيه النص على المهدي ومنها ما جاء فيه ذكر صفته فقط، وسأذكر هنا بعض هذه الأحاديث وهي كافية في إثبات ظهوره في آخر الزمان علامة من علامات الساعة.
١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحًا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعًا، أو ثمانيًا، يعني حججًا» (١).
٢ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أبشركم بالمهدي يبعث على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسم المال صحاحًا. فقال له رجل: ما صحاحًا؟ قال: بالسوية بين الناس، قال: ويملأ الله قلوب أمة محمد ﷺ غنى، ويسعهم عدله، حتى يأمر مناديًا فينادي، فيقول: من له في مال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلا رجل، فيقول: ائت السدان يعني الخازن فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالًا، فيقول له: أحث، حتى إذا جعله في حجرة وأبرزه ندم، فيقول: كنت أجشع أمة محمد نفسًا، أو عجز عني ما وسعهم، قال: فيرده، فلا يقبل منه، فيقال له: إنا لا نأخذ شيئًا أعطيناه، فيكون كذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين، ثم لا خير في العيش بعده، أوقال: لا خير في الحياة بعده» (٢).
وفي هذا دليل على أنه بعد موت المهدي، يظهر الشر والفتن العظيمة.
٣ - وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة» (٣).
قال ابن كثير: (أي يتوب عليه ويوفقه، ويلهمه ويرشده بعد أن لم يكن كذلك) (٤).
٤ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «المهدي مني؛ أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، يملك سبع سنين» (٥).
١ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة» (٦).
_________________
(١) رواه الحاكم (٤/ ٦٠١). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٧١١): إسناده صحيح رجاله ثقات.
(٢) رواه أحمد (٣/ ٣٧) (١١٣٤٤). قال عبدالحق الإشبيلي في «الأحكام الشرعية الكبرى» (٤/ ٥٣٢): له متابعة، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/ ٣١٦): رجاله ثقات.
(٣) رواه ابن ماجه (٣٣١٦)، وأحمد (١/ ٨٤) (٦٤٥). قال أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٢/ ٥٨): إسناده صحيح، وحسنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه».
(٤) «النهاية في الفتن والملاحم» (١/ ٢٩) تحقيق د. طه زيني.
(٥) رواه أبو داود (٤٢٨٥)، والحاكم (٤/ ٦٠٠). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وقال الذهبي في «تلخيص العلل المتناهية» (٣١٩): إسناده صالح، وجوّد إسناده ابن القيم في «المنار المنيف» (ص: ١٠٩)، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ١٢٠) كما قال ذلك في المقدمة.
(٦) رواه أبو داود (٤٢٨٤)، وابن ماجه (٣٣١٧)، والحاكم (٤/ ٦٠١). والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه ابن تيمية في «منهاج السنة» (٨/ ٢٥٥)، وحسنه ابن حجر في «تخريج مشكاة المصابيح» (٥/ ١١٩).
[ ٤ / ٢٢٦ ]
٢ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول: لا، إن بعضهم أمير بعض، تكرمة الله لهذه الأمة» (١).
٣ - وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «منا الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه» (٢).
٤ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تذهب أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، ويواطئ اسمه اسمي» (٣).
وفي رواية: «يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي» (٤).
بعض ما ورد في الصحيحين من الأحاديث فيما يتعلق بالمهدي:
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم» (٥).
٢ - وعن جابر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. قال، فينزل عيسى بن مريم ﷺ فيقول أميرهم: تعال صل لنا. فيقول: لا. إن بعضكم على بعض أمراء. تكرمة الله هذه الأمة» (٦).
٣ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيًا لا يعده عدد».
قال الجريري – أحد رواة الحديث – قلت لأبي نضرة وأبي العلاء: أتريان أنه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا" (٧).
فهذه الأحاديث التي وردت في الصحيحين تدل على أمرين:
أحدهما: أنه عند نزول عيسى بن مريم – ﵊ – من السماء يكون المتولي لأمرة المسلمين رجلا منهم.
_________________
(١) رواه أحمد (٣/ ٣٤٥) (١٤٧٦٢)، وأبو يعلى (٤/ ٥٩) (٢٠٧٨)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٩/ ٣٩) (٩٠٧٨). قال ابن القيم في «المنار المنيف» (١١٤): إسناده جيد، وقال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٢٢٣٦): إسناده جيد رواته ثقات.
(٢) رواه أبو نعيم في «الأربعون في المهدي» (٦٤). وصححه الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٢٢٩٣).
(٣) رواه أبو داود (٤٢٨٢)، والترمذي (٢٢٣١)، وأحمد (١/ ٣٧٦) (٣٥٧٢). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقال المباركفوري في «تحفة الأحوذي» (٦/ ٩٢): لا ينحط عن درجة الحسن وله شواهد كثيرة من بين حسان وضعاف [وهو] مع شواهده وتوابعه صالح للاحتجاج، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (٦/ ١٣٩).
(٤) رواه أبو داود (٤٢٨٢)، والطبراني (١٠/ ١٣٥) (١٠٢٤٣). والحديث سكت عنه أبو داود، وصححه ابن تيمية في «منهاج السنة» (٨/ ٢٥٥)، وابن القيم في «المنار المنيف» (١٠٨)، وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.
(٥) رواه البخاري (٣٤٤٩)، ومسلم (١٥٥).
(٦) رواه مسلم (١٥٦).
(٧) رواه مسلم (٢٩١٣).
[ ٤ / ٢٢٧ ]
والثاني: أن حضور أميرهم للصلاة، وصلاته بالمسلمين وطلبه من عيسى ﵇ عند نزوله أن يتقدم ليصلي لهم يدل على صلاح في هذا الأمير وهدى، وهي وإن لم يكن فيها التصريح بلفظ المهدي إلا أنها تدل على صفات رجل صالح يؤم المسلمين في ذلك الوقت، وقد جاءت الأحاديث في السنن والمسانيد وغيرها مفسرة لهذه الأحاديث التي في الصحيحين ودالة على أن ذلك الرجل الصالح يسمى محمد بن عبد الله ويقال له المهدي، والسنة يفسر بعضها بعضًا، ومن الأحاديث الدالة على ذلك الحديث الذي رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم المهدي» (١) فهو دال على أن ذلك الأمير المذكور في صحيح مسلم الذي طلب من عيسى بن مريم ﵊ أن يتقدم للصلاة يقال له المهدي.
وقد أورد الشيخ صديق حسن في كتابه الإذاعة جملة كبيرة من أحاديث المهدي جعل آخرها حديث جابر المذكور عند مسلم، ثم قال عقبه: (وليس فيه ذكر المهدي ولكن لا محمل له ولأمثاله من الأحاديث إلا المهدي المنتظر كما دلت على ذلك الأخبار المتقدمة والآثار الكثيرة) (٢). أشراط الساعة ليوسف الوابل - ص ١٩٥
٤ - عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي» (٣). وفي رواية: قال: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا مني أو من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا» (٤). قال فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبدالله بن باز: أمر المهدي معلوم، والأحاديث فيه مستفيضة، بل متواترة متعاضدة، وقد حكى غير واحد من أهل العلم تواترها، وتواترها تواتر معنوي، لكثرة طرقها، واختلاف مخارجها وصحابتها ورواتها وألفاظها، فهي بحق تدل على أن هذا الشخص الموعود به أمره ثابت وخروجه حق، وهو محمد بن عبدالله العلوي الحسني من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃، وهذا الإمام من رحمة الله ﷿ بالأمة في آخر الزمان، يخرج فيقيم العدل والحق، ويمنع الظلم والجور، وينشر الله به لواء الخير على الأمة عدلا وهداية وتوفيقا وإرشادا للناس. القيامة الصغرى لعمر بن سليمان الأشقر - ص ٢٠٦
_________________
(١) رواه الحارث بن أبي أسامة كما ذكره ابن القيم في (المنار المنيف) (ص: ١١٤) وقال: إسناده جيد، قال الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٢٢٣٦): وهو كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى، فإن رجاله كلهم ثقات.
(٢) «عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر» (ص ١٧٥ - ١٧٦) عبد المحسن العباد.
(٣) رواه أبو داود (٤٢٨٢) بزيادة (أو لا تنقضي)، والترمذي (٢٢٣٠) واللفظ له، وأحمد (١/ ٣٧٧) (٣٥٧٣). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ووافقه الألباني في «صحيح سنن الترمذي».
(٤) رواه أبو داود (٤٢٨٢) واللفظ له، والطبراني (١٠/ ١٣٥) بلفظ: (ليلة) بدلا من (يوم). والحديث سكت عنه أبو داود، وقال ابن القيم في «المنار المنيف» (١٠٨): صحيح. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.
[ ٤ / ٢٢٨ ]
الفرع الرابع: العلماء الذين احتجوا بأحاديث المهدي وصححوها
أخرج أحاديث المهدي الإمام أحمد بن حنبل، والطبراني، وأبو يعلى، والبزار وعبد الرازق الصنعاني، وابن أبي شيبة، وأبو نعيم بن حماد، وابن ماجة، والترمذي، والحاكم، وأبو داود، وفي أحاديثهم: الصحيح والحسن والضعيف.
وممن صحح أحاديث المهدي من علماء السلف والخلف: العقيلي، وأبو الحسن الآبري، والقرطبي، وشيخ الإسلام أحمد بن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، والذهبي، والمنذري، والهيثمي، وابن حجر العسقلاني، والمباركفوري، وشمس الحق آبادي، وعلي بن سلطان محمد القاري، والشعراني، والكشميري، والخطابي، والشوكاني، ومحمد بن إسماعيل الصنعاني، والبوصيري، ومحمد بن أحمد السفاريني، ومحمد بن جعفر الكناني، وأبو العلاء السيد إدريس العراقي، وأبو الطيب صديق حسن خان، والسيد محمد الشهروزي، وأبو عبد الله محمد جسوس، ومحمد العربي الفاسي.
- ومن العلماء المعاصرين العلامة الفاضل الشيخ عبد العزيز بن باز، ومحدث الشام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، والشيخ عبد الله بن حميد، والشيخ محمد بن عثيمين وغيرهم كثيرون.
- وإذا كان الحق لا يعرف بالرجال، فلا شك أن الرجال هم الواسطة في معرفة هذا الحق، ولابد أن يراعى قدرهم وجلالتهم وإمامتهم خاصة إذا انضم إلى ذلك كثرة عددهم في جانب مخالفيهم، وقلة علم مخالفيهم بالنسبة إليهم، وقبل ذلك كله صحة الأحاديث الواردة في ذلك، بل وحكم الكثير منهم عليها بالتواتر المعنوي، والحق أنه لم يعرف أنه خالف في هذه العقيدة من الغابرين سوى ابن خلدون، وليس من أهل التحقيق كما قال العلماء. الرسالة في الفتن والملاحم وأشراط الساعة لماهر بن صالح آل مبارك– ص: ٨٧
[ ٤ / ٢٢٩ ]
الفرع الخامس: في نقل كلام أهل العلم في إثبات حقيقة المهدي
قال العلامة أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي (١):
(اعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على مر الأعصار أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأن عيسى ﵇ ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله، ويأتم بالمهدي في صلاته.
وخرج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة منهم: أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والبزار، والحاكم، والطبراني، وأبو يعلى الموصلي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل: علي، وابن عباس، وابن عمر، وطلحة، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة، وأنس، وأبي سعيد الخدري، وأم حبيبة، وأم سلمة، وثوبان، وقرة بن إياس، وعلي الهلالي، وعبد الله بن الحارث بن جزء ﵃.
وإسناد أحاديث هؤلاء بين صحيح، وحسن، وضعيف. وقد بالغ الإمام المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون المغربي في تاريخه في تضعيف أحاديث المهدي كلها فلم يصب بل أخطأ).
قال القاضي الشوكاني في الفتح الرباني:
(الذي أمكن الوقوف عليه من الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر خمسون حديثا وثمانية وعشرون أثرًا. ثم سردهم مع الكلام عليها) ثم قال: (وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى من له فضل اطلاع). اهـ.
وقال الإمام أبو الحسن محمد بن الحسين الآبري في كتاب (مناقب الشافعي):
(وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ وعلى آله وسلم بذكر المهدي وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلًا، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه). اهـ.
قال المحدث الناقد أبو العلاء السيد إدريس بن محمد بن إدريس العراقي الحسيني في تأليف له في المهدي ما نصه:
(أحاديث المهدي متواترة – أو كادت – وجزم بالأول غير واحد من الحفاظ النقاد). اهـ.
قال الشوكاني في تأليف له سماه (التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح) (٢):
(والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثًا فيها الصحيح، والحسن، والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضًا لها حكم الرفع إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك). اهـ.
قال المحدث أبو الطيب صديق حسن الحسيني البخاري في كتاب (الإذاعة):
(والأحاديث الواردة في المهدي – على اختلاف رواياتها كثيرة جدًا تبلغ حد التواتر، وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد) وقال أيضًا بعد كلام له ما نصه:
(وأحاديث المهدي بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف، وأمره مشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار). اهـ.
وقال العلامة أبو عبد الله محمد جسوس في شرح رسالة أبي زيد ما نصه:
(ورد خبر المهدي في أحاديث ذكر السخاوي أنها وصلت إلى حد التواتر). اهـ.
وقال الحافظ ابن كثير في (نهاية البداية والنهاية) (١/ ٣٧):
_________________
(١) راجع كتاب «عون المعبود شرح سنن أبي داود» (١١/ ٣٦١ - ٣٦٢).
(٢) راجع كتاب «الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة» (ص: ١٢٤).
[ ٤ / ٢٣٠ ]
(فصل في ذكر المهدي الذي يكون في آخر الزمان وهو أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين وليس بالمنتظر الذي تزعم الروافض، وترتجي ظهوره من سرداب في سامرا، فإن ذاك مالا حقيقة له ولا عين ولا أثر .. وأما ما سنذكره فقد نطقت به الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ أنه في آخر الدهر، وأظن ظهوره يكون قبل نزول عيسى بن مريم كما دلت على ذلك الأحاديث ثم ذكر الحافظ ابن كثير بعض ما ورد في ظهور المهدي من الآثار). اهـ.
وقال السفاريني في عقيدته المسماة (بالدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية):
(وما أتى في النص من أشراط فكله حق بلا شطاط
منها الإمام الخاتم الفصيح محمد المهدي والمسيح)
وقال أيضًا في شرحها: (كثرت أقوال في المهدي حتى قيل: (لا مهدي إلا عيسى)، والصواب الذي عليه أهل الحق: أن المهدي غير عيسى، وأنه يخرج قبل نزول عيسى ﵇، وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عد من معتقداتهم .. ثم ذكر بعض الأحاديث الواردة فيه من طريق جماعة من الصحابة ثم قال: وقد روي عمن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم بروايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم، مما يفيد مجموعه العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة). اهـ.
وقال صاحب كتاب (الإذاعة) (ص: ١٢٤).
(وقد جمع السيد العلامة بدر الملة المنير محمد بن إسماعيل الأمير اليماني الأحاديث القاضية بخروج المهدي، وأنه من آل محمد ﷺ، وأنه يظهر في آخر الزمان) ثم قال: (ولم يأت تعيين زمنه إلا أنه يخرج قبل الدجال). اهـ.
وقال أيضًا:
(ونقل العلامة الشيخ مرعي في كتابه (فوائد الفكر) عن محمد بن الحسين أنه قال: قد تواترت الأحاديث واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى ﷺ بمجيء المهدي، وأنه من أهل بيته ﷺ). اهـ.
وقال الحافظ في فتح الباري شرح صحيح البخاري (١٣/ ٨٢).
أثناء شرحه لحديث: «تصدقوا فسيأتي على الناس زمان يمشي الرجل بصدقته فلا يجد من يقبلها» (١). فذكر الحافظ احتمالات تعلق هذا الحديث بالباب الذي قبله وهو باب خروج النار فقال ﵀: (وتعلقه به من جهة الاحتمال الذي تقدم، وهو أن ذلك يقع في الزمان الذي يستغني فيه الناس عن المال، إما لاشتغال كل منهم بنفسه عن طروق الفتنة، فلا يلوي على الأهل فضلًا عن المال، وذلك في زمن الدجال، وإما بحصول الأمن المفرط، والعدل البالغ بحيث يستغني كل أحد بما عنده عما في يد غيره، وذلك في زمن المهدي وعيسى بن مريم، وإما عند ظهور النار التي تسوقهم إلى المحشر). اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في (منهاج السنة النبوية ٤/ ٢١١):
(الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة رواها أبو داود، والترمذي، وأحمد، وغيرهم من حديث ابن مسعود وغيره.
ثم ذكر شيخ الإسلام روايات ابن مسعود، وأم سلمة، وأبي سعيد، وعلي ﵃ جميعًا.
وقال الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز (﵀) (٢):
(أما إنكار المهدي المنتظر بالكلية كما زعم ذلك بعض المتأخرين فهو قول باطل، لأن أحاديث خروجه في آخر الزمان، وأنه يملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما ملئت جورًا، قد تواترت تواترًا معنويًا، وكثرت جدًا واستفاضت كما صرح بذلك جماعة من العلماء بينهم: أبو الحسن الآبري السجستاني من علماء القرن الرابع، والعلامة السفاريني، والعلامة الشوكاني وغيرهم، وهو كالإجماع من أهل العلم، ولكن لا يجوز الجزم بأن فلانًا هو المهدي إلا بعد توافر العلامات التي بينها النبي ﷺ في الأحاديث الثابتة، وأعظمها وأوضحها كونه يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا). اهـ. الرسالة في الفتن والملاحم وأشراط الساعة لماهر بن صالح آل مبارك– ص: ٨٩
_________________
(١) رواه البخاري (١٤١١)، ومسلم (١٠١١). من حديث حارثة بن وهب ﵁.
(٢) «جريدة عكاظ» (١٨ محرم ١٤٠٠هـ).
[ ٤ / ٢٣١ ]