لقد دل القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع العلماء على الأمر بمخالفة الكفار، والنهي عن مشابهتهم، لما ينشأ عن مشابهتهم والاقتداء بهم من الأضرار الكثيرة.
فمن الأدلة على ذلك في القرآن الكريم قول الله تعالى: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [البقرة: ١٢٠].
وأما الأحاديث في ذلك فكثيرة.
منها ما روي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من تشبه بقوم فهو منهم» (١).
وما أخرجه الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لتتبعن سنن الذين من قبلكم، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» (٢).
قال ابن تيمية ﵀: وهذا خرج منه مخرج الخبر عن وقوع ذلك، والذم لمن يفعله، كما كان يخبر عما يفعله الناس بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمات (٣).
كما جاءت السنة بالنهي عن مشابهة الكفار في أمور مخصوصة كثيرة، في العبادات والعادات، كنهيه ﷺ عن اتخاذ القبور مساجد، وأن في ذلك مشابهة لأهل الكتاب.
وقد تقدم لنا إنكار النبي ﷺ على من طلب اتخاذ شجرة لتعليق الأسلحة، وللعكوف عندها من أجل التبرك، اقتداء بفعل مشركي الجاهلية.
هذا ومن صور التبرك الحاصلة بسبب التشبه بالكفار مما ابتلي به بعض المسلمين ما يأتي:
١ - الغلو في الأنبياء والصالحين.
فإن النصارى قد عظموا أنبياءهم وأتباعهم حتى عبدوهم، فقلدهم بعض المسلمين وتأثروا بهم، حيث غلوا في محبة وتعظيم النبي ﷺ وغيره من الأنبياء والصالحين، كما تقدم قريبًا.
وقد أضل النصارى كثيرًا من جهال المسلمين، حتى صاروا يزورون كنائسهم، ويلتمسون البركة من قسيسيهم ورهابينهم ونحوهم (٤).
٢ - إحداث الاحتفال بالموالد والأعياد.
ومن أمثلة ذلك الاحتفال بزمان المولد النبوي، وموالد الأولياء، ونحو ذلك من المناسبات تعظيمًا وتبركًا.
ولا يخفى أن أهم دواعي إحداث هذه الأعياد والاحتفالات البدعية في بلاد المسلمين هو التشبه بأهل الكتاب، ولاسيما النصارى منهم، حيث إنهم يقيمون أعيادًا عديدة في مواسم وأحوال عيسى ﵇.
٣ - بناء المساجد وغيرها على القبور، والتبرك بها.
فإن منشأ ما ابتلي به الكثير في بلاد المسلمين من بناء المساجد على القبور، أو اتخاذ القبور مساجد بلا بناء، أو تعظيم القبور والمشاهد، إن منشأ ذلك هو التقليد الأعمى لمن كان قبلنا من الضالين، بل والمغضوب عليهم (٥).
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٠٣١)، وأحمد (٢/ ٥٠) (٥١١٤). من حديث ابن عمر ﵄. والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١٥/ ٥٠٩)، والعراقي في «المغني» (١/ ٣٥٩): إسناده صحيح. وقال ابن حجر في «فتح الباري» (١٠/ ٢٨٢): ثابت [و] إسناده حسن. وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: حسن صحيح.
(٢) رواه البخاري (٧٣١٩)، ومسلم (٢٦٦٩).
(٣) «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ١٤٧).
(٤) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٢٧/ ٤٦٠، ٤٦١) بتصرف.
(٥) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (٢٧/ ٤٦٠)، «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٧٧، ٢٩٥)، بحث الوادعي «حول القبة المبنية على قبر الرسول ﷺ» (ص: ٢٨٦) بتصرف.
[ ٣ / ٢٠١ ]
فإن اليهود والنصارى هم الأئمة في ذلك، ولهذا قال النبي ﷺ محذرًا عن فعلهم، في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١).
والنصارى أشد غلوا في ذلك من اليهود، كما في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا لرسول الله ﷺ كنيسة رأينها بالحبشة، فيها تصاوير، فقال رسول الله ﷺ: «إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (٢).
ومن المعلوم أن النصارى يفرحون بما يفعله أهل البدع والجهل من المسلمين، مما يوافق دينهم، ويشابهونهم فيه، ويحبون أن يقوى ذلك ويكثر، ليقوى بذلك دينهم، ولئلا ينفر المسلمون عنهم وعن دينهم (٣). ولا شك أن من دواعي التشبه بأفعال الكفار مجاورتهم أو مخالطتهم، حتى وصل الحال – مثلًا – ببعض جهال المسلمين في بلاد الهند إلى أن أحدهم صار يمشي زحفًا لزيارة قبر الولي، ويرجع على قفاه تقديرًا وتعظيمًا. وهذا بسبب مجاورة البوذيين هناك ومخالطتهم، حيث تأثروا بهم فقلدوهم في هذا الفعل ونحوه. التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن بن محمد الجديع – ص: ٤٧٥
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٩٠)، ومسلم (٥٢٩) من حديث عائشة.
(٢) رواه البخاري (٤٢٧)، ومسلم (٥٢٨).
(٣) «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» (٢٧/ ٤٦٢ - ٤٦٤) باختصار.
[ ٣ / ٢٠٢ ]