فلا شك في كفر من قال بذلك لأمور من أهمها:
- إن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق، وبذلك يقع الشك في القرآن والأحاديث؛ لأن الطعن في النقلة طعن في المنقول.
- إن في هذا تكذيبًا لما نص عليه القرآن من الرضا عنهم والثناء عليهم (فالعلم الحاصل من نصوص القرآن والأحاديث الدالة على فضلهم قطعي) (١) ومن أنكر ما هو قطعي فقد كفر.
- إن في ذلك إيذاء له ﷺ؛ لأنهم أصحابه وخاصته، فسب المرء وخاصته، والطعن فيهم، يؤذيه ولا شك. وأذى الرسول ﷺ كفر كما هو مقرر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية، مبينًا حكم هذا القسم: (وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضًا في كفره؛ لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع؛ من الرضا عنهم، والثناء عليهم. بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين .. - إلى أن قال- وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام) (٢).
وقال الهيثمي ﵀: (ثم الكلام - أي الخلاف - إنما هو في سب بعضهم - أما سب جميعهم، فلا شك في أنه كفر) (٣).
ومع وضوح الأدلة الكلية السابقة، ذكر بعض العلماء أدلة أخرى تفصيلية، منها:
أولًا: ما مر معنا من تفسير العلماء للآية الأخيرة من سورة الفتح: من قوله مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ إلى قوله: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح: ٢٩] استنبط الإمام مالك ﵀ من هذه الآية كفر من يبغضون الصحابة؛ لأن الصحابة يغيظونهم، ومن غاظه الصحابة فهو كافر، ووافقه الشافعي وغيره (٤).
ثانيًا: ما سبق من حديث أنس عند الشيخين أن النبي ﷺ قال: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار» (٥). وفي رواية: «لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق» (٦).
ولمسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: «لا يبغض الأنصار رجل آمن بالله واليوم الآخر» (٧). فمن سبهم فقد زاد على بغضهم، فيجب أن يكون منافقًا لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر (٨).
ثالثًا: ما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، أنه ضرب بالدرة من فضله على أبي بكر. ثم قال: (أبو بكر كان خير الناس بعد رسول الله ﷺ في كذا وكذا). ثم قال عمر: (من قال غير هذا أقمنا عليه ما نقيم على المفتري) (٩).
وكذلك قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: (لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري) (١٠).
فإذا كان الخليفتان الراشدان عمر وعلي ﵄ يجلدان حد المفتري من يفضل عليًا على أبي بكر وعمر، أو من يفضل عمرًا على أبي بكر، مع أن مجرد التفضيل ليس فيه سب ولا عيب، علم أن عقوبة السب عندهما فوق هذا بكثير (١١).
_________________
(١) «الرد على الرافضة» (ص: ١٩) ضمن جزء ملحق المصنفات للإمام المجدد طبعة الجامعة.
(٢) «الصارم المسلول» (ص: ٥٨٦ - ٥٨٧).
(٣) «الصواعق المحرقة» (ص: ٣٧٩).
(٤) «الصواعق المحرقة» (ص: ٣١٧)، وانظر: «تفسير ابن كثير» (٤/ ٢٠٤).
(٥) رواه البخاري (١٧)، ومسلم (٧٤).
(٦) رواه البخاري (٣٧٨٣)، ومسلم (٧٥). من حديث البراء ﵁.
(٧) رواه مسلم (٧٦).
(٨) «الصارم المسلول» (ص: ٥٨١).
(٩) رواه أحمد في «فضائل الصحابة» (١/ ٣٠٠). وصحح إسناده ابن تيمية في «الصارم المسلول» (٣/ ١١٠٦).
(١٠) رواه أحمد في «فضائل الصحابة» (١/ ٨٤)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٢/ ٥٧٥)، والبيهقي في «الاعتقاد» (ص: ٣٥٨)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٠/ ٣٨٣). قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٤٧٤): [روي] بأسانيد جيدة.
(١١) «الصارم المسلول» (ص: ٥٨٦).
[ ٧ / ٢٩٣ ]