كأن يتهمهم بالكفر أو الفسق، وكان ممن تواترت النصوص بفضله كالخلفاء:
فذلك كفر – على الصحيح – لأن في هذا تكذيبًا لأمر متواتر.
روى أبو محمد بن أبي زيد عن سحنون، قال: (من قال في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي: إنهم كانوا على ضلال وكفر. قتل. ومن شتم غيرهم من الصحابة بمثل ذلك نكل النكال الشديد) (١).
وقال هشام بن عمار: (سمعت مالكًا يقول: من سب أبا بكر وعمر قتل. ومن سب عائشة ﵂ قتل؛ لأن الله تعالى يقول فيها: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [النور: ١٧]. فمن رماها فقد خالف القرآن. ومن خالف القرآن قتل) (٢).
أما قول مالك ﵀ في الرواية الأخرى: (من سب أبا بكر جلد، ومن سب عائشة قتل. قيل له: لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن) (٣). فالظاهر والله أعلم أن مقصود مالك ﵀ هنا في سب أبي بكر ﵁ فيما دون الكفر، يوضحه بقية كلامه عن عائشة ﵂، حيث قال: (من رماها فقد خالف القرآن). فهذا سب مخصوص يكفر صاحبه – ولا يشمل كل سب – وذلك لأنه ورد عن مالك القول بالقتل فيمن كفر من هو دون أبي بكر (٤).
قال الهيثمي، مشيرًا إلى ما يقارب ذلك عند كلامه عن حكم سب أبي بكر: (فيتلخص أن سب أبي بكر كفر عند الحنفية، وعلى أحد الوجهين عند الشافعية، ومشهور مذهب مالك أنه يجب به الجلد، فليس بكفر. نعم: قد يخرج عنه ما مر عنه في الخوارج أنه كفر. فتكون المسألة عنده على حالين: إن اقتصر على السب من غير تكفير لم يكفره وإلا كفر) (٥).
وقال أيضًا: (وأما تكفير أبي بكر ونظرائه ممن شهد لهم النبي ﷺ بالجنة فلم يتكلم فيها أصحاب الشافعي. والذي أراه الكفر فيها قطعًا) (٦).
وقال الخرشي: (من رمى عائشة بما برأها الله منه ، أو أنكر صحبة أبي بكر، أو إسلام العشرة، أو إسلام جميع الصحابة، أو كفر الأربعة، أو واحدًا منهم، كفر) (٧).
وقال البغدادي: (وقالوا بتكفير كل من كفر واحدا من العشرة الذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة، وقالوا بموالاة جميع أزواج رسول الله ﷺ وكفروا من كفرهن، أو كفر بعضهن) (٨).
والمسألة فيها خلاف مشهور، ولعل الراجح ما تقدم، وأما القائلون بعدم كفر من هذه حاله، فقد أجمعوا على أنه فاسق، لارتكابه كبيرة من كبائر الذنوب، يستحق التعزير والتأديب، على حسب منزلة الصحابي، ونوعية السب.
وإليك بيان ذلك:
قال الهيثمي: (أجمع القائلون بعدم تكفير من سب الصحابة على أنهم فساق) (٩).
وقال ابن تيمية: (قال إبراهيم النخعي: كان يقال: شتم أبي بكر وعمر من الكبائر). وكذلك قال أبو إسحاق السبيعي: شتم أبي بكر وعمر من الكبائر التي قال الله تعالى فيها: إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [النساء: ٣١].
وإذا كان شتمهم بهذه المثابة، فأقل ما فيه التعزير؛ لأنه مشروع في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة.
_________________
(١) «الشفا» للقاضي عياض (٢/ ١١٠٩).
(٢) «الصواعق المحرقة» (ص: ٣٨٤).
(٣) «الشفا» للقاضي عياض (٢/ ١١٠٩)، «الصارم المسلول» (ص: ٥٧١).
(٤) «الشفا» (٢/ ١١٠٩).
(٥) «الصواعق» (ص: ٣٨٦).
(٦) «الصواعق» (ص: ٣٨٥).
(٧) «الخرشي على مختصر خليل» (٨/ ٧٤).
(٨) «الفرق بين الفرق» (ص: ٣٦٠).
(٩) «الصواعق المحرقة» (ص: ٣٨٣).
[ ٧ / ٢٩٤ ]
وهذا مما لا نعلم فيه خلافًا بين أهل الفقه والعلم من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان، وسائر أهل السنة والجماعة؛ فإنهم مجمعون على أن الواجب الثناء عليهم والاستغفار لهم والترحم عليهم .. وعقوبة من أساء فيهم القول) (١).
وقال القاضي عياض: (وسب أحدهم من المعاصي الكبائر، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يعزر ولا يقتل) (٢).
وقال عبد الملك بن حبيب: (من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أدب أدبًا شديدًا. وإن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر، فالعقوبة عليه أشد، ويكرر ضربه، ويطال سجنه حتى يموت) (٣).
فلا يقتصر في سب أبي بكر ﵁ على الجلد الذي يقتصر عليه في جلد غيره؛ لأن ذلك الجلد لمجرد حق الصحبة، فإذا انضاف إلى الصحبة غيرها مما يقتضي الاحترام؛ لنصرة الدين وجماعة المسلمين، وما حصل على يده من الفتوح وخلافة النبي ﷺ وغير ذلك، كان كل واحد من هذه الأمور يقتضي مزيد حق موجب لزيادة العقوبة عند الاجتراء عليه (٤).
وعقوبة التعزير المشار إليها لا خيار للإمام فيها، بل يجب عليه فعل ذلك.
قال الإمام أحمد ﵀: (لا يجوز لأحد أن يذكر شيئًا من مساوئهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا بنقص. فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه فإن تاب قبل منه، وإن ثبت عاد عليه بالعقوبة وخلده الحبس حتى يموت أو يراجع) (٥).
فانظر أخي المسلم إلى قول إمام أهل السنة فيمن يعيب أو يطعن بواحد منهم، ووجوب عقوبته وتأديبه. ولما كان سبهم المذكور من كبائر الذنوب – عند بعض العلماء – فحكم فاعله حكم أهل الكبائر من جهة كفر مستحلها.
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀؛ مبينًا حكم استحلال سب الصحابة: (ومن خص بعضهم بالسب، فإن كان ممن تواتر النقل في فضله وكماله؛ كالخلفاء، فإن اعتقد حقية سبه أو إباحته فقد كفر؛ لتكذيبه ما ثبت قطعًا عن رسول الله ﷺ ومكذبه كافر، وإن سبه من غير اعتقاد حقية سبه أو إباحته، فقد تفسق؛ لأن سباب المسلم فسوق. وقد حكم البعض فيمن سب الشيخين بالكفر مطلقًا والله أعلم) (٦).
وقال القاضي أبو يعلي – تعليقًا على قول الإمام أحمد ﵀ حين سئل عمن شتم الصحابة، فقال: ما أراه على الإسلام – قال أبو يعلى: (فيحتمل أن يحمل قوله: ما أراه على الإسلام. إذا استحل سبهم، فإنه يكفر بلا خلاف. ويحمل إسقاط القتل على من لم يستحل ذلك مع اعتقاده لتحريمه، كمن يأتي بالمعاصي. ثم ذكر بقية الاحتمالات) (٧).
يتلخص مما سبق فيمن سب بعضهم سبًا يطعن في دينه وعدالته، وكان ممن تواترت النصوص بفضله، أنه يكفر – على الراجح – لتكذيبه أمرًا متواترًا. أما من لم يكفره العلماء، فأجمعوا على أنه من أهل الكبائر، ويستحق التعزير والتأديب، ولا يجوز للإمام أن يعفو عنه، ويزاد في العقوبة على حسب منزلة الصحابي. ولا يكفر – عندهم – إلا إذا استحل السب. أما من زاد على الاستحلال؛ كأن يتعبد الله ﷿ بالسب والشتم، فكفر مثل هذا مما لا خلاف فيه. ونصوص العلماء السابقة واضحة في مثل ذلك
_________________
(١) «اللالكائي» (٨/ ١٢٦٢ - ١٢٦٦)، «الصارم المسلول» (١/ ٥٧٧).
(٢) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٦/ ٩٣).
(٣) «الشفا» (٢/ ١١٠٨)، وعنه «الصارم المسلول» (ص: ٥٦٩).
(٤) «الصواعق المحرقة» (ص: ٣٨٧).
(٥) «طبقات الحنابلة» (١/ ٢٤)، و«الصارم المسلول» (ص: ٥٦٨).
(٦) «فصل الخطاب في بيان عقيدة الشيخ محمد بن عبدالوهاب» لأحمد بن عبدالكريم نجيب (ص: ٢٨)، و«الرد على الرافضة» (ص: ١٩).
(٧) «الصارم المسلول» (ص: ٥٧١) وما قبلها.
[ ٧ / ٢٩٥ ]