لم يقتصر التبرك بآثار المصطفى ﷺ بعد وفاته على الصحابة الكرام ﵃، بل نقل عن بعض التابعين أيضًا رحمهم الله تعالى ما يدل على وقوع هذا التبرك المشروع.
وسأورد الآن نماذج مما صح نقله في هذا الباب عن جمع من التابعين رحمهم الله تعالى.
فمن ذلك حرصهم على اقتناء شعر الرسول ﷺ، المحفوظ عند بعض الصحابة ﵃ للتبرك به.
ففي صحيح البخاري رحمه الله تعالى عن ابن سيرين رحمه الله تعالى أنه قال: قلت لعبيدة: (عندنا من شعر النبي ﷺ، أصبناه من قبل أنس، أو من قبل أهل أنس) فقال: (لأن تكون عندي شعرة منه أحب إلي من الدنيا وما فيها) (١).
وكانوا يتبركون بالشعرات الكريمة عند إصابتهم بالعين ونحوها.
ففي صحيح البخاري عن عثمان بن عبد الله بن موهب ﵁ قال: (أرسلني أهلي إلى أم سلمة – زوج النبي ﷺ – بقدح من ماء فيه شعر من شعر النبي ﷺ، وكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث إليها مخضبة ) (٢).
قال ابن حجر ﵀: (والمراد أنه كان من اشتكى أرسل إناء إلى أم سلمة، فتجعل فيه تلك الشعرات وتغسلها فيه، وتعيده، فيشربه صاحب الإناء، أو يغتسل به استشفاء بها فتحصل له بركتها) (٣).
كما كان التابعون رحمهم الله تعالى يتبركون بالشرب في قدح النبي ﷺ.
فقد عقد الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه – كتاب الأشربة – بابًا بعنوان (باب الشرب من قدح النبي ﷺ وآنيته) ثم ذكر هذا القول تعليقًا: وقال أبو بردة: قال لي عبد الله بن سلام: (ألا أسقيك في قدح شرب النبي ﷺ فيه؟) (٤).
ثم روى البخاري في هذا الباب حديثين فقط.
وسأذكر أحدهما، وهو المروي عن أبي حازم ﵀ عن سهل بن سعد ﵁، وفيه أن سهل بن سعد سقى الرسول ﷺ وأصحابه ﵃ بقدح، قال أبو حازم: (فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه) وقال: (ثم استوهبه عمر بن عبد العزيز بعد ذلك فوهبه له) (٥).
وفي موضع آخر من صحيح البخاري، روى عن عاصم الأحول ﵀ أنه قال في شأن قدح النبي ﷺ – الموجود عند أنس بن مالك ﵁ -: (رأيت القدح وشربت فيه) (٦).
_________________
(١) رواه البخاري (١٧٠).
(٢) رواه البخاري (٥٨٩٦).
(٣) «فتح الباري» (١٠/ ٣٥٣).
(٤) رواه البخاري معلقا قبل حديث (٥٦٣٧).
(٥) رواه البخاري (٥٦٣٧).
(٦) رواه البخاري (٣١٠٩).
[ ٣ / ١٨١ ]