قبل الإجابة عن هذا السؤال أحب أن أنبه على أن حكم التبرك بآثار الرسول ﷺ باق على مشروعيته، لا يقتصر على الصحابة ﵃ أو التابعين فقط رحمهم الله تعالى، فإن بركة آثار الرسول ﷺ باقية فيها، وليس هناك ما يرفعها.
وإجابة عن السؤال الآنف الذكر لابد من بيان الأمور الآتية:
أولًا: جاء في صحيح البخاري ﵀ عن عمرو بن الحارث ﵁ أنه قال: (ما ترك رسول الله ﷺ عند موته درهمًا ولا دينارًا، ولا عبدًا ولا أمة، ولا شيئًا، إلا بغلته البيضاء، وسلاحه، وأرضًا جعلها صدقة) (١).
ولا شك أن هذا يدل على قلة ما خلفه الرسول ﷺ بعد موته من أدواته الخاصة.
ثانيًا: وردت أخبار عديدة بعد عصر الصحابة ﵃، والتابعين ﵏، إلى يومنا هذا تدل على حصول هذا التبرك بآثار المصطفى ﷺ، من قبل بعض الخلفاء والعلماء والصالحين، وإن كان بعض هذه الأخبار ليس صحيحًا، وهذا إما بسبب ضعف في روايته، أو لعدم صحة نسبة الأثر ذاته إلى الرسول ﷺ، وهذا هو الأكثر.
قال صاحب كتاب (الآثار النبوية) بعد أن سرد الآثار المنسوبة إلى النبي ﷺ وغيره، بالقسطنطينية – عاصمة الخلافة العثمانية -: (لا يخفى أن بعض هذه الآثار محتمل الصحة، غير أنا لم نر أحدًا من الثقات ذكرها بإثبات أو نفي، فالله سبحانه أعلم بها، وبعضها لا يسعنا أن نكتم ما يخامر النفس فيها من الريب ويتنازعها من الشكوك) (٢) الخ.
ثالثًا: ثبوت فقدان الكثير من آثار الرسول ﷺ على مدى الأيام والقرون، بسبب الضياع، أو الحروب والفتن، وغير ذلك.
ومن الأمثلة على هذا ما يأتي:-
١ - جاء في صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (اتخذ رسول الله ﷺ خاتمًا من ورق فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى وقع منه في بئر أريس، نقشه – محمد رسول الله -) (٣).
٢ - فقدان البردة والقضيب في آخر الدولة العباسية حين أحرقهما التتار عند غزوهم لبغداد سنة ٦٥٦هـ (٤).
قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: (وقد توارث بنو العباس هذه البردة خلفًا عن سلف، وكان الخليفة يلبسها يوم العيد على كتفيه، ويأخذ القضيب المنسوب إليه صلوات الله وسلامه عليه في إحدى يديه، فيخرج وعليه من السكينة والوقار ما يصدع به القلوب، ويبهر به الأبصار) (٥).
٣ - ذهاب نعلين ينسبان إلى النبي ﷺ في فتنة تيمورلنك بدمشق سنة ٨٠٣هـ (٦).
ومن الأسباب أيضًا لفقدان الآثار النبوية وصية بعض من عنده شيء منها أن يكفن فيه إن كان لباسًا، كما تقدم قريبًا من حديث سهل بن سعد ﵁، أو يوصي بأن يدفن معه بعد موته، إن كان ذلك الأثر شعرات مثلًا (٧).
_________________
(١) رواه البخاري (٢٧٣٩).
(٢) من كتاب «الآثار النبوية» لأحمد تيمور باشا (ص: ٧٨).
(٣) رواه البخاري (٥٨٧٣)، ومسلم (٢٠٩١).
(٤) من كتاب «الآثار النبوية» لأحمد تيمور باشا (ص: ٢٧ - ٣٠).
(٥) من كتاب «البداية والنهاية» لابن كثير (٦/ ٨).
(٦) «فتح المتعال في مدح النعال» لأحمد بن محمد المقري (ص: ٣٦٣) باختصار.
(٧) انظر: «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١١/ ٣٣٧)، «الآثار النبوية» لأحمد تيمور باشا (ص: ٨٢، ٨٤، ٨٥).
[ ٣ / ١٨٢ ]
رابعًا: يلحظ كثرة ادعاء وجود وامتلاك شعرات منسوبة إلى الرسول ﷺ في كثير من البلدان الإسلامية (١) في العصور المتأخرة، حتى قيل إن في القسطنطينية وحدها ثلاثًا وأربعين شعرة سنة ١٣٢٧هـ، ثم أهدي منها خمس وعشرون وبقي ثماني عشرة (٢).
ولذا قال مؤلف كتاب (الآثار النبوية) بعد أن ذكر أخبار التبرك بشعرات الرسول ﷺ من قبل أصحابه ﵃: (فما صح من العشرات التي تداولها الناس بعد ذلك فإنما وصل إليهم مما قسم بين الأصحاب ﵃، غير أن الصعوبة في معرفة صحيحها من زائفها) (٣).
وهناك عناية بحفظ تلك الشعراء المنسوبة إلى الرسول ﷺ من قبل من يدعي ذلك، حيث إنها تحفظ في صناديق أو قوارير وتلف بقطع من الحرير ونحوه.
على أنه في بعض الأماكن يحتفل بإخراجها – على طريقة خاصة – مرة واحدة أو أكثر كل عام، في بعض المواسم، كليلة ٢٧ من رمضان، أو ليلة النصف من شعبان مثلًا (٤).
ومن خلال ما تقدم فإن ما يدعى الآن عند بعض الأشخاص، أو في بعض المواضع من وجود بعض الآثار النبوية، كالشعرات أو النعال وغيرها – موضع شك، فيحتاج في إثبات صحة نسبته إلى الرسول ﷺ إلى برهان قاطع، يزيل الشك الوارد، ولكن أين ذلك؟
يقول الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀: (ونحن نعلم أن آثاره ﷺ، من ثياب، أو شعر، أو فضلات، قد فقدت، وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين) (٥) لاسيما مع مرور أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان على وجود تلك الآثار النبوية، ومع إمكان الكذب في ادعاء نسبتها إلى الرسول ﷺ للحصول على بعض الأغراض، كما وضعت الأحاديث ونسبت إلى الرسول ﷺ كذبًا وزورًا.
وعلى أي حال فإن التبرك الأسمى والأعلى بالرسول ﷺ هو اتباع ما أثر عنه من قول أو فعل، والاقتداء به، والسير على منهاجه ظاهرًا وباطنًا، وإن في هذا الخير كله
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (كان أهل المدينة لما قدم عليهم النبي ﷺ في بركته لما آمنوا به وأطاعوه، فببركة ذلك حصل لهم سعادة الدنيا والآخرة، بل كل مؤمن آمن بالرسول وأطاعه حصل له من بركة الرسول بسبب إيمانه وطاعته من خير الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله) (٦). التبرك أنواعه وأحكامه لناصر بن عبد الرحمن الجديع - بتصرف– ص: ٢٤٣
_________________
(١) ومن الأمثلة على ذلك: القاهرة، دمشق، بيت المقدس، عكا، حيفا وغيرها. انظر كتاب «الآثار النبوية» لأحمد تيمور باشا (ص: ٨٩ - ٩٦).
(٢) انظر: «الآثار النبوية» (ص: ٩١).
(٣) انظر: «الآثار النبوية» (ص: ٨٢).
(٤) انظر: «الآثار النبوية» (ص: ٩١ - ٩٣، ٩٥)، وكتاب «تبرك الصحابة بآثار رسول الله ﷺ» للكردي (ص: ٥٨ - ٦٠)، وكتاب «تحذير المسلمين عن الابتداع والبدع في الدين» لأحمد بن حجر البنعلي (ص: ١٦٨ - ١٧٠).
(٥) «التوسل أنواعه وأحكامه» للألباني (ص: ١٤٦)، وانظر كتاب «أوضح الإشارة في الرد على من أجاز الممنوع من الزيارة» لأحمد بن يحيى النجمي (ص: ٣٠٩)، وكتاب «هذه مفاهيمنا» لصالح بن عبد العزيز آل الشيخ (ص: ٢٠٤).
(٦) «مجموع فتاوى» شيخ الإسلام ابن تيمية (١١/ ١١٣).
[ ٣ / ١٨٣ ]