مقدمة
مقدّمة
إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران، ١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء، ١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب،٧٠-٧١] .
أمّا بعد:
فإنّ أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هديُ محمد ﷺ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار١.
_________________
(١) ١ هذه الخطبة تسمى خطبة الحاجة، وهي مأثورة عن النبي ﷺ، وهي تُشرع بين يدي كلّ حاجة. وقد أخرجها الإمام مسلم في صحيحه ١/٣٣٦، ٢/٥٩٢-٥٩٣، والإمام أحمد في مسنده ٣/٣١٠، ٣٧١. والنسائي في سننه ٣/١١٨، كتاب صلاة العيدين، باب كيف الخطبة. وابن ماجه في سننه ١/٦٠٩، كتاب النكاح، باب خطبة النكاح. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ١/٣. وقد أفردها الشيخ محمد ناصر الدين الألباني برسالة جمع الأحاديث الواردة فيها، وسماها خطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يُعلّمها أصحابه.
[ ١ / ٥ ]
ثم أما بعد: فإن الله تعالى لم يخلق عباده عَبَثًا، ولم يتركهم سُدى، بل أرسل إليهم أنبياءه ورسله واسطةً بينه وبينهم يُبلّغونهم أوامره ونواهيه، ويُبيِّنون لهم طريق الهدى من الضلال.
فتبارك القائل: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون، ١١٥]، ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ [القيامة، ٣٦] .
وبعثة الرسل فضلٌ منه - جلّ وعلا - ومنّة يمتنّ بها على عباده المؤمنين.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران، ١٦٤] .
وفي بعثة الرسل إنذارٌ منه - ﵎ - لبني آدم، كي لا تكون لهم حجّة على الله بعد الرسل، فيُقيم عليهم الحجة بإرسال المرسلين، ولا يقولوا بعدها: ما جاءنا مبشّرون ولا منذرون.
قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء، ١٦٥] .
إذ من سُنّته تعالى أن لا يُعذّب أحدًا حتى يُقيم عليه الحجة، وفي إرسال المرسلين - عليهم الصلاة والسلام - إقامة للحجة.
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء، ١٥] .
وموضوع النبوات من أعظم أبواب العقيدة؛ إذ الإيمان برسل الله - ﵎ - أحدُ أركان الإيمان الستة، فلا يصحّ إيمان العبد حتى يؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشرّه.
[ ١ / ٦ ]
والنبوة هي الطريق لمعرفة محابّ الله ومساخطه، وأوامره ونواهيه، وما يُقرّب إليه، وما يُبعد عن رحمته.
لذلك اقتضت حكمته - جلّ وعلا - أن يُرسل أنبياءه ورسله لإرشاد الخلق، وتوضيح الحقّ، وبيان الشريعة والدين، وما يضمن السعادة في الدارَيْن.
وقد منّ الله عليّ إذ وفقني في مرحلة الماجستير لاختيار رسالة نافعة - بإذن الله - درستُ فيها جهود عَلَمٍ من أعلام أهل السنة في عصرنا في تقرير عقيدة سلف هذه الأمة - ﵏ - ألا وهو الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي - رحمة الله عليه.
وقد كانت هذه الرسالة ذات أثرٍ مبارك عليّ - بحمد الله؛ إذ وصلتني بكتب أعلام السلف، فعشت معها وقتًا طيبًا مباركًا، ووجدت في قراءتها لذّة ما بعدها لذّة.
ومن أشهر من ارتبطت صلتي بهم من كتب هؤلاء الأعلام: شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀، الذي جدّد الله - ﵎ - به الدين في أواخر القرن السابع، وأوائل القرن الثامن الهجري.
وقد منّ الله به على المسلمين، وجعله عونًا لمن اتبع منهج سيّد المرسلين، وشوكة في حلوق المخالفين، ونُصرة لهذا الدين، ينفي عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين؛ كما قال سيّد الأنبياء والمرسلين ﷺ: "يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"١.
_________________
(١) ١ أورده التبريزي في "مشكاة المصابيح": (رقم ٢٤٨) وفيه: عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال: قال رسول الله ﷺ: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين". رواه البيهقي. وقد علق الشيخ الألباني على هذا الحديث بأنه مرسل؛ لأن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري هذا تابعي مقلّ كما قال الذهبي، راويه عنه معاذ بن رفاعة ليس بعمدة. لكن الحديث قد روي موصولًا من طريق جماعة من الصحابة، وصحح بعض طرقه الحافظ العلائي في "بغية الملتمس" (٣-٤) . وروى الخطيب في "شرف أصحاب الحديث" (٣٥/٢) عن مهنا بن يحيى قال: سألت أحمد - يعني ابن حنبل- عن حديث معاذ بن رفاعة عن إبراهيم هذا، فقلت لأحمد: كأنه كلام موضوع؟ فقال: لا، هو صحيح. فقلتُ له: ممن سمعته أنت؟ قال: من غير واحد. قلت: من هم؟ قال: حدثني به مسكين، إلا أنه يقول: معاذ، عن القاسم بن عبد الرحمن. قال أحمد: معاذ بن رفاعة لا بأس به انظر مشكاة المصابيح ١/٨٢-٨٣. وقال الذهبي عن العذري في "الميزان": ما علمته واهيًا، أرسل حديث: "يحمل هذا العلم من كلّ خلفٍ عدوله".. وسيأتي تخريجه ص (٦٧٥-٦٧٦) .
[ ١ / ٧ ]
وقال ﷺ أيضًا: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ لا يضرّهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك"١.
ولا شكّ أنّ علم الأعلام، وشيخ الإسلام - ﵀ - من هذه الطائفة المنصورة؛ فقد حمل أمانة العلم، وبلّغها بكلّ صدقٍ وإخلاص، وجاهد بلسانه وقلمه ويده، وأُوذي بسبب صدعه بالحقّ وحرصه على هداية الخلق، وامتحن بسبب عقيدته، وضُيِّق عليه ونُفي من بلدته، وهو رغم ذلك كلّه غير مبالٍ، لا يخاف في الله لومة لائم، حتى توفّاه الله - تعالى - معتَقَلًا، لم يخش من سلطان الباطل أو يُظهر من جَلَده على باطله مَلَلًا. وقد ذهب عصره ومضى إلى الربّ خصومه، ومات من كانوا يكيدون به، لكن لم يمت علمه ولم ينطفئ نوره بل بقي شعلةً تُنير الطريق لسالكي الطريق المستقيم؛ طريق الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" ٣/١٥٢٣، كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: "لا تزال طائفة..".
[ ١ / ٨ ]
وقد طبّقت شهرة شيخ الإسلام الآفاق، ووضع الله لكتبه القبول، ونهل الناس من معينها الرقراق.
ومن تلكم الكتب: كتاب «النبوات» الذي يعتبر من أفضل ما كُتب في موضوعه، فقد بيَّن فيه مؤلفه - ﵀ - مفهوم النبوة، والمعجزة، والكرامة، وذكر الفرق بينها، وبين خوارق السحرة والكهان ومدّعي النبوة والولاية وأشباههم من أصحاب الأحوال الشيطانية.
وقد عرض - ﵀ - موضوع النبوة في شقّين:
أورد في الأول منهما: منهج أهل السنة في النبوات، من خلال عرض أقوالهم.
وردّ في الثاني منهما: على المخالفين في النبوة؛ من المنكرين، وأهل البدع، والفرق الضالّة، وذلك من خلال ذكر أصول دينهم العقلية التي أصلوها مخالفة لأصول الرسول ﷺ.. وقد هدم تلك الأصول بمعوله، فانهارت بأصحابها بقوة الله وحوله.
وكتاب «النبوات» نادرٌ في بابه، بل لست مبالغًا إن قلت: لا يوجد لأهل السنة والجماعة كتابٌ على شاكلته ومنواله.
لذلك تظهر الحاجة إلى تحقيقه، والعناية به، وإبرازه في أحسن صورة.
وقد طبع هذا الكتاب طبعات عدّة، إلا أنه لم يلق من العناية التامة ما يليق به وبمؤلفه الذي أعدّه؛ فلم تُصحّح ألفاظه، أو تُوثّق نصوصه، أو يُفسّر غامضه، أو يُشرح مشكله.
لذلك شمّرت عن ساعد الجدّ، وبذلت في تحقيقه الجهد، وتوخّيتُ خدمة الكتاب مستعينًا بالرحمن، الذي هو ثقتي، وبه المستعان، وعليه التكلان.
[ ١ / ٩ ]
وفي الختام: أحمد الله - تعالى - وأُثني عليه الخير كلّه، فله الفضل والنعمة والثناء الجميل الحسن، أحمده على توفيقه، وأشكره على تسهيله وتيسيره في إتمام تحقيق هذا الكتاب، فلولا إعانته لي لما استطعتُ إخراجه في هذه الصورة، ولولا تفضّله عليّ لما استطعت بذل ما بذلتُه من جهد، فله الحمد أولًا وآخرًا، وله الشكر ظاهرًا وباطنًا، أعانني على خدمته وتحقيقه، وتصحيحه وتوثيقه، حتى خرج في صورته هذه.
فهذا هو كتاب «النبوات» وهذا تحقيقي له، فإن وفقت وأصبتُ فمن الله وله الحمد والمنّة، وإن قصّرتُ أو أخطأتُ فذلك من نفسي، وعذري أني قد بذلت الوسع والطاقة.
ولئن فارقني الصواب في موضع، فإني لأرجو أن لا يفوتني الأجر من الله المطّلع على الضمائر، العالم بالسرائر، وهو سبحانه يغفر الزلّة، ويتجاوز عن التقصير والهفوة، إنّه جواد كريم، وهو بعباده رؤوف رحيم.
وإني لأستغفر الله وأتوب إليه من كلّ ذنبٍ وخطيئة.
وصلّى الله وسلّم وبارك على نبيِّنا محمّد وعلى آله وصحبه.
[ ١ / ١٠ ]
أسباب اختياري لهذا الكتاب
تقدمت في ثنايا الصفحات السابقة دوافع كثيرة حدت بي إلى التشبّث بكتاب شيخ الإسلام «النبوات»، ولا شكّ أنّها حوافز على تحقيق هذا الكتاب الجليل.
وها أنا ذا أُجمل هذه الحوافز والدوافع، مع دوافع أُخرى في النقاط التالية:
١- إنّ كتاب «النبوات» من الكتب التي تُقرّر حقيقة النبوة، وتُبيِّن مفهومها وفق منهج سلفنا الصالح - ﵏ - وتردّ على المخالفين - شأنه في ذلك شأن كتب شيخ الإسلام - ﵀ - الأخرى التي تُقرّر عقيدة السلف الصالح، وتردّ على من خالفهم، فهو من الكتب السلفية المهمة التي لا يُستغنى عنها.
٢- كون مؤلفه - ﵀ - من كبار علماء السلف المشهود لهم بالسبق، والرسوخ في العلم في أصول الدين وفروعه، وله قدم صدق، وجهاد وصبر ومصابرة في نصرة الحقّ.
٣- كثرة العبارات الغامضة، والألفاظ الصعبة، والموضوعات الشائكة التي يصعب فهمها في هذا الكتاب، فهو بحاجة إلى خدمة لتوضيح عباراته وشرح ألفاظه.
وهذا قد لمستُه بنفسي من بعض طلبة العلم المهتمِّين بكتب هذا الإمام، إذ صرّحوا أنهم يجدون صعوبة في الاستفادة منه، بخلاف كتبه الأخرى.
[ ١ / ١١ ]
٤- ندرة الكتب المؤلفة في النبوات، وطرق إثباتها، والردّ على المخالفين، على منهج السلف الصالح - رحمهم الله تعالى.
لذا فإنّ إخراج هذا الكتاب العظيم في صورة طيبة يسدّ ثغرة كبيرة، ويُثري المكتبة الإسلامية، لما فيه من بيان سبيل المؤمنين، وتحذيرٍ من طرق الضالّين.
ولقد قرأت كتبًا، ورسائل أُلّفت حول موضوع النبوات، والمعجزات، والكرامات، فوجدتُ أكثر ما فيها نقولات من كتب المخالفين، سلّم الناقل منها بها، وظنّها من أقوال أهل السنة والجماعة. وما ذلك إلاّ لانتشارها، وكثرتها، وشهرة مؤلفيها. مع ندرة الكتب المؤلفة على منهج أهل السنة والجماعة.
وكتاب شيخ الإسلام - ﵀ - هذا - يردّ على أمثال هذه الأقوال، ويُحذّر منها، ويُناقش أصحابها، ويُبيِّن أنّ هذه الأقوال بُنيت على أصول تُخالف دين الرسول ﷺ.
٥- إنّ أقوال من ردّ عليهم شيخ الإسلام - ﵀ - تعالى لا زالت تعشعش بين أظهرنا، ولا زال محبّوها ومعتنقوها يعملون على إذكاء نارها، وإبقاء سعيرها.
ولا ريب أنّ إخراج هذا الكتاب في صورة طيبة يُساعد على إطفاء هذه النّار وإخماد جذوتها، أو وقف انتشارها.
واللهً أسأل أن يجعل خدمتي له ذُخرًا يوم ألقاه، وأن يغفر لمؤلفه، ويُحسن عاقبته ومثواه.
[ ١ / ١٢ ]
الخطة التي سرت عليها
شرعتُ بالعمل في هذا الكتاب مستعينًا بالله تعالى - وهو خير معين - وقد قسمتُ العمل إلى قسمين:
القسم الأول: الدراسة.
وفيه ثلاثة مباحث:؟
المبحث الأول: مدخل لدراسة موضوع الكتاب، وما أُلِّف فيه.
وفيه ثمانية مطالب:
المطلب الأول: حقيقة النبوّة.
المطلب الثاني: الحكمة من بعث الرسل.
المطلب الثالث: وظائف الرسل.
المطلب الرابع: أقوال الناس في النبوّة.
المطلب الخامس: الإيمان بالأنبياء ركن من أركان الإيمان.
المطلب السادس: الإسلام دين جميع الأنبياء.
المطلب السابع: المعجزات.
المطلب الثامن: ما أُلِّف في النبوات.
المبحث الثاني: التعريف بالمؤلّف.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: حياة المؤلف الشخصية.
[ ١ / ١٣ ]
وفيه أربع مسائل:
المسألة الأولى: اسمه ونسبه.
المسألة الثانية: ولادته، ونشأته، وأسرته.
المسألة الثالثة: صفاته الخَلقيّة.
المسألة الرابعة: صفاته الخُلُقيّة.
المطلب الثاني: حياة المؤلف العلمية.
وفيه سبع مسائل:
المسألة الأولى: نشأته العلمية.
المسألة الثانية: أبرز شيوخه.
المسألة الثالثة: أشهر تلاميذه.
المسألة الرابعة: أشهر مؤلفاته.
المسألة الخامسة: اهتمام الشيخ بالتأليف في جانب العقيدة.
المسألة السادسة: علماء توقعوا الذيوع والانتشار لكتب شيخ الإسلام ﵀ بعد موته.
المسألة السابعة: الأيام الأخيرة لشيخ الإسلام، ووفاته.
المبحث الثالث: دراسة الكتاب.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: التعريف بالكتاب.
وفيه أربع مسائل:
المسألة الأولى: تحقيق اسم الكتاب، وتوثيق نسبته إلى مؤلفه، وتاريخ تأليفه.
[ ١ / ١٤ ]
المسألة الثانية: سبب تأليف الكتاب. وفيه ترجمة موجزة للباقلاني، وتعريف بكتابه "البيان".
المسألة الثالثة: منهج شيخ الإسلام ﵀ في كتابه.
المسألة الرابعة: مصادر المؤلف في كتابه.
المطلب الثاني: التعريف بالمخطوط، ووصفه، وعملي في الكتاب.
القسم الثاني: تحقيق نصّ الكتاب.
ثمّ الفهارس.
[ ١ / ١٥ ]
كلمة شكر وتقدير
أحمد الله ﷾ على توفيقه، وأشكره على إعانته على إتمام هذا العمل، فله الحمد حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يُحبّ ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.
وانطلاقًا من قول الرسول ﷺ: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس"١، فإني أتقدم بالشكر الجزيل، والعرفان الجميل إلى الجامعة الإسلامية، ممثلة بمديرها معالي الدكتور صالح بن عبد الله العبود.
كما أتقدم بالشكر والثناء إلى القائمين على كلية الدعوة وأصول الدين، وإلى رئيس قسم العقيدة فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن سعد السحيمي، على ما أبدوه من عناية بالعلم وطلابه، سائلًا الله العليّ القدير أن يُثيبهم أحسن الإثابة، ويجزيهم خير الجزاء.
كما أنه من الواجب عليّ أن أتقدّم بفائق التقدير والاحترام، ووافر الثناء والشكر، وعظيم المودّة والامتنان إلى فضيلة شيخي وأستاذي، فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد بن عطية بن علي الغامدي الذي أحاطني برعايته، وأولاني اهتمامه طيلة عشر سنوات أشرف عليّ خلالها في رسالَتَي الماجستير والدكتوراه، كان فيها نعم المعلم والموجّه والمؤدّب؛ أحسن معاملتي، واهتمّ بي، وصبر عليّ، وأتحفني بتوجيهاته، وجاد عليّ بملاحظاته القيّمة التي كان لها أكبر الأثر في إظهار هذا الكتاب بمظهره الذي هو عليه. فأسأل الله الحيّ القيوم أن يجزيه أفضل ما جزى معلمًا عن
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٢/٢٩٥، ٣٠٢. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ١/١٥٨.
[ ١ / ١٦ ]
تلاميذه، وأن يُثيبه عني حسن الثواب في الدارين، ويجعل ذلك في ميزان حسناته، إنه جواد كريم.
كما أشكر جميع من أسدى إليّ نصحًا، أو مشورة، راجيًا من الله أن يجزيهم الجزاء الحسن.
وفي الختام: أرجو من الله العليّ القدير أن يعمّنا بدعوة شيخ الإسلام - ﵀ - والتي كان يُكرّرها دائمًا١، وهي قوله: "فنسأل الله العظيم أن يهدينا إلى صراط مستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيّين والصديقين والشهداء والصالحين الذين عبدوه وحده لا شريك له، وآمنوا بما أرسل به رسله، وبما جاءوا به من الآيات، وفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغيّ والرشاد، وطريق أولياء الله المتقين وأعداء الله الضالّين والمغضوب عليهم، فكان ممّن صدّق الرسل فيما أخبروا به، وأطاعهم فيما أمروا به، ولا حول ولا قوة إلا بالله"٢.
وكان يقول - ﵀: "اللهم انصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر بنا، واهدنا ويسِّر الهدى لنا، اللهم اجعلنا لك شاكرين، لك ذاكرين، لك أوّاهين، لك مخبتين، إليك راغبين، إليك راهبين، لك مطاويع. ربنا تقبل توباتنا، واغسل حوباتنا، وثبت حججنا، واهد قلوبنا، واسلل سخيمة صدورنا"٣.
كما يقول - ﵀: "فنسأل الله العظيم أن يجعلنا من المتبعين له، المؤمنين به، وأن يحيينا على سنته، ويتوفانا عليها، لا يفرق بيننا وبينها،
_________________
(١) ١ انظر: الجواب الصحيح ٢/٣٣٥. ومجموع الفتاوى ١٩/٢٧٩. ٢ النبوات ص ٥٤١. ٣ الأعلام العلية للبزار ص ٣٩-٤٠. وقال البزار: "كان غالب دعائه".
[ ١ / ١٧ ]
إنه سميع الدعاء، وأهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وأصحابه الطيبين الطاهرين"١.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٩/١٠٥.
[ ١ / ١٨ ]
الباب الأول
المبحث الأول: مدخل لدراسة موضوع الكتاب وما ألف فيه
المطلب الأول: حقيقة النبوة
المطلب الأول: حقيقة النبوّة.
النبوة واسطة بين الخالق والمخلوق في تبليغ شرعه وسفارة بين الملك وعبيده، ودعوة من الرحمن الرحيم - ﵎ - لخلقه ليُخرجهم من الظلمات إلى النور، وينقلهم من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
فهي نعمة مهداة من الله - ﵎ - إلى عبيده، وفضل إلهيّ يتفضّل بها عليهم. هذا في حقّ المرسَل إليهم.
أما في حقّ المرسَل نفسه، فهي امتنان من الله يمنّ بها عليه، واصطفاء من الربّ له من بين سائر النّاس، وهبة ربانيّة يختصّه الله بها من بين الخلق كُلّهم.
والنبوة لا تنال بعلم ولا رياضة، ولا تدرك بكثرة طاعة أو عبادة، ولا تأتي بتجويع النفس أو إظمائها كما يظنّ من في عقله بلادة.
وإنّما هي محض فضل إلهيّ، ومجرّد اصطفاء ربانيّ، وأمر اختياريّ؛ فهو جلّ وعلا كما أخبر عن نفسه: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة، ١٠٥] .
فالنبوة إذًا لا تأتي باختيار النبيّ، ولا تنال بطلبه.
ولذلك لما قال المشركون: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ
[ ١ / ١٩ ]
عَظِيمٍ﴾، أجابهم الربّ ﵎: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف، ٣٠-٣١] .
فالله تعالى هو الذي يقسم ذلك، ويتفضّل به على من يشاء من النّاس، ويصطفي من يشاء من عباده، ويختار من يشاء من خلقه. ما كانت الخيرة لأحدٍ غيره، وما كان الاجتباء لأحدٍ سواه.
والإيمان بالنبوة هو الطريق الموصل إلى معرفة الله ومحبّته، والمسلك المفضي إلى رضوان الله وجنّته، والسبيل المؤدي إلى النجاة من عذاب الله، والفوز بمغفرته.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى: "والإيمان بالنبوة أصل النجاة والسعادة، فمن لم يُحقّق هذا الباب اضطرب عليه باب الهدى والضلال، والإيمان والكفر، ولم يُميّز بين الخطأ والصواب"١.
وحاجة العباد إلى الإقرار بالنبوّة أشدّ من حاجتهم إلى الهواء الذي يتنسمونه، وإلى الطعام الذي يأكلونه، وإلى الشراب الذي يشربونه؛ إذ من فقد أحد هؤلاء خسر الدنيا، أما من عدم الإقرار بالنبوة فخسارته أشدّ وأنكى، إذ خسر الدنيا والآخرة - عياذًا بالله تعالى.
قال شيخ الإسلام - ﵀: ودلائل النبوّة من جنس دلائل الربوبية، فيها الظاهر والبيِّن لكلّ أحد؛ كالحوادث المشهودة؛ فإنّ الخلق كلّهم محتاجون إلى الإقرار بالخالق، والإقرار برسله" ٢.
ولا شك أنّ معرفة الله، والإيمان به، وعبادته، ومعرفة رسوله، وطاعته، يحتاجها كلّ مخلوق مكلّف.
_________________
(١) ١ النبوات ص ٦١١-٦١٢. ٢ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٥/٤٣٥.
[ ١ / ٢٠ ]
ومن حكمة الله تعالى أنّه كلّما كان الناس إلى معرفة شيء أحوج، فإنّه - جلّ وعلا - يجعله سهلًا ميسّرًا غير ذي عِوَج١.
ولحاجة الناس إلى معرفة النبوة، والإقرار بالرسول، فقد وضّحها المولى - جلّ وعلا - في كتابه توضيحًا أعظم من أن يُشرح في هذا المقام، إذ الشرح يطول.
يقول شيخ الإسلام: "فتقرير النبوات من القرآن الكريم أعظم من أن يُشرح في هذا المقام، إذ ذلك هو عماد الدين، وأصل الدعوة النبوية، وينبوع كلّ خير، وجماع كلّ هدى"٢.
ولشيخ الإسلام - ﵀ - كلام رائع نفيس يُجمل فيه ما قُدّم بيانه، يقول فيه: "فإنّ الله - سبحانه - جعل الرسل وسائط بينه وبين عباده في تعريفهم ما ينفعهم وما يضرّهم، وتكميل ما يُصلحهم في معاشهم ومعادهم، وبعثوا جميعًا بالدعوة إلى الله، وتعريف الطريق الموصل إليه، وبيان حالهم بعد الوصول إليه.
فالأصل الأول يتضمن إثبات الصفات والتوحيد والقدر، وذكر أيام الله في أوليائه وأعدائه، وهي القصص التي قصّها على عباده، والأمثال التي ضربها لهم.
والأصل الثاني يتضمن تفصيل الشرائع، والأمر والنهي والإباحة، وبيان ما يُحبّه الله وما يكرهه.
والأصل الثالث يتضمن الإيمان باليوم الآخر، والجنة والنار، والثواب والعقاب.
وعلى هذه الأصول الثلاثة مدار الخلق والأمر، والسعادة والفلاح موقوفة عليها، ولا سبيل إلى معرفتها إلا من جهة الرسل، فإنّ العقل لا يهتدي إلى
_________________
(١) ١ انظر: درء تعارض العقل والنقل ٩/٦٦،، ١٠/١٢٩. ٢ شرح الأصفهانية ٢/٦٠٦.
[ ١ / ٢١ ]
تفاصيلها ومعرفة حقائقها، وإن كان قد يُدرك وجه الضرورة إليها، من حيث الجملة، كالمريض الذي يُدرك وجه الحاجة إلى الطبّ ومن يُداويه، ولا يهتدي إلى تفاصيل المرض وتنزيل الدواء عليه.
وحاجة العبد إلى الرسالة أعظم بكثير من حاجة المريض إلى الطبّ؛ فإنّ آخر ما يقدر بعدم الطبيب موت الأبدان، وأما إذا لم يحصل للعبد نور الرسالة وحياتها مات قلبه موتًا لا تُرجى الحياة معه أبدًا، أو شقي شقاوة لا سعادة معها أبدًا. فلا فلاح إلا باتباع الرسول"١.
ويقول أيضًا - ﵀: "والنبوة مشتملة على علوم وأعمال لا بدّ أن يتصف الرسول بها، وهي أشرف العلوم، وأشرف الأعمال. فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب"٢.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٩/٩٦-٩٧. ٢ شرح الأصفهانية ٢/٤٧٧.
[ ١ / ٢٢ ]
المطلب الثاني: الحكمة من بعث الرسل.
١- الأنبياء والرسل هم صفوة الخلق، ومصطفوا الحقّ، وحاجة الخلق إليهم ماسّة ليبلّغوهم ما يُحبّه الله ويرضاه، وما يغضب منه ويأباه.
وكثير من العصاة والمنحرفين ضلّوا في متاهات الشقاوة. هذا مع وجود الأنبياء - ﵈ - فكيف تكون الحال لو لم يُرسل الله تعالى رسلًا مبشرين ومنذرين.
فالرسل بُعثوا يُهذّبون العباد، ويُخرجونهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ويُحرّرونهم من رقّ عبودية المخلوق، إلى حرية عبادة رب الأرباب الذي أوجدهم من العدم، وسيفنيهم بعد الوجود، ويبعثهم بعد
[ ١ / ٢٢ ]
الفناء، ليكونوا إما أشقياء، وإما سعداء.
فلو تُرك الناس هملًا دون إنذار وتخويف، لعاشوا عيشة ضنكًا، في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، وعادات منحرفة، وأخلاق فاسدة، مجتمعُ غاب القويّ فيهم يأكل الضعيف، والشريف فيهم يذلّ الوضيع، وهكذا.. فاقتضت حكمته جلّ وعلا أن لا يخلق عباده سُدى، ولا يتركهم هملًا،
قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ [القيامة، ٣٦] .
ومن رحمته - جلّ وعلا - بهم أن منّ عليهم إذ بعث فيهم رسلًا مبشرين ومنذرين يتلون عليهم آيات ربهم، ويُعلّمونهم ما يصلحهم، ويُرشدونهم إلى مصدر سعادتهم في الدنيا والآخرة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.
٢- إن الغاية العظمى التي أوجد الله الخلق لأجلها هي عبادته، وتوحيده، وفعل محابّه، واجتناب مساخطه، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات، ٥٦] .
ولا يستطيع الإنسان أن يعرف حقيقة العبادة؛ من فعل ما يُحبّه الله ويرضاه، وترك ما يكرهه الله ويأباه، إلا عن طريق الرسل الذين اصطفاهم الله من خلقه، وفضّلهم على العالمين، وجعلهم مبرّئين من كلّ عيب مشين، وكلّ خلق معيب، وأيّدهم بالمعجزات والحجج والبراهين، وأنزل عليهم البيّنات والهدى، وعرّفهم به، وأمرهم أن يدعوا الناس إلى عبادته وحده حقّ العبادة.
٣- إقامة الحجة على البشر بإرسال الرسل، كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء، ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء، ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه، ١٣٤] .
[ ١ / ٢٣ ]
فالله - سبحانه - وتعالى أرسل الرسل؛ ليقطع دابر الكافرين، فلا يعتذروا عن كفرهم بعدم مجيء النذير، وليعلم علم ظهور، وإلا فهو تعالى يعلم - بالعلم الأزلي - من يطيعه ممن يعصيه، وليقيم على عباده الحجة الدامغة، فيحيى من حيَّ عن بيّنة، ويهلك من هلك عن بيان وبرهان.
٤- إن الناس لا يدركون بعقولهم كثيرًا من الغائبات؛ مثل معرفة أسماء الله وصفاته، ومعرفة الملائكة والجن والشياطين، ومعرفة ما أعدّ الله للطائعين في دار رضوانه وكرامته، وما أعدّ للعاصين في دار سخطه وإهانته.
لذا فإنّ حاجتهم إلى من يعلّمهم هذه الحقائق، ويُطلعهم على هذه المغيّبات ضرورية.
وقد امتدح الله تعالى عباده الذين يؤمنون بالغيب، فقال تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة، ١٣] .
فلو لم يبعث الله الرسل، لما عرف الناس هذه الأمور الغيبية، ولما آمنوا إلا بما يُدركونه بحواسّهم.
فسبحان الخلاق العليم الذي منّ على عباده ببعثة الأنبياء والمرسلين.
٥- الخلق بحاجة إلى القدوة الحسنة، ممن كمّلهم الله بالأخلاق الفاضلة، وعصمهم من الشبهات والشهوات النازلة.
والأنبياء هم نبراس الهدى، ومصابيح الدجى، يقتدي بهم الخلق، ويتخذون من سيرتهم وحياتهم قدوة يسيرون على منوالهم حتى يصلوا إلى دار السلام، ويحطّوا رحالهم في ساحة ربّ الأنام.
فالرسل هم قدوة الأتباع، والأسوة الحسنة لمن أطاع، في العبادات، والأخلاق، والمعاملات، والاستقامة على دين الله.
[ ١ / ٢٤ ]
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب، ٢١] .
٦- الرسل ﵈ جاءوا لإصلاح النفوس، وتزكيتها، وتطهيرها، وتحذيرها من كلّ ما يُرديها.
فقد بُعثوا لدلالة الخلق على الطريق المستقيم، وإرشادهم إلى المنهجالقويم، وتوجيههم نحو الأخلاق الحميدة، وتنفيرهم من المساوئ الذميمة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة، ٢] .
وقد أوضح شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - حاجة العباد إلى بعثة المرسلين في مواضع شتى من كتبه.
فمن ذلك قوله: "والرسالة ضرورية للعباد، لا بدّ لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كلّ شيء. والرسالة روح العالم، ونوره، وحياته. فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور، والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة. وكذلك العبد ما لم تُشرق في قلبه شمس الرسالة، ويناله من حياتها وروحها، فهو في ظلمة، وهو من الأموات. قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام، ١٢٢]، فهذا وصف المؤمن، كان ميتًا في ظلمة الجهل، فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان، وجعل له نورًا يمشي به في الناس. وأما الكافر فميّت القلب في الظلمات"١.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٩/٩٣-٩٤.
[ ١ / ٢٥ ]
وقال - ﵀ - أيضًا: "والرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده، فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة، فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة؛ فإنّ الإنسان مضطر إلى الشرع؛ فإنه بين حركتين؛ حركة يجلب بها ما ينفعه، وحركة يدفع بها ما يضرّه. والشرع هو النور الذي يُبيِّن ما ينفعه وما يضرّه. والشرع نور الله في أرضه، وعدله بين عباده، وحصنه الذي من دخله كان آمنًا. وليس المراد بالشرع التمييز بين الضارّ والنافع بالحسّ، فإن ذلك يحصل للحيوانات العجم؛ فإن الحمار والجمل يميّز بين الشعير والتراب. بل التمييز بين الأفعال التي تضرّ فاعلها في معاشه ومعاده؛ كنفع الإيمان والتوحيد والعدل والبر والتصديق والإحسان والأمانة والعفة والشجاعة والحلم والصبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الأرحام، وبرّ الوالدين، والإحسان إلى المماليك والجار، وأداء الحقوق، وإخلاص العمل لله، والتوكل عليه، والاستعانة به، والرضا بمواقع القدر به، والتسليم لحكمه، والانقياد لأمره، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، وخشيته في الغيب والشهادة، والتقرب إليه بأداء فرائضه واجتناب محارمه واحتساب الثواب عنده، وتصديقه، وتصديق رسله في كل ما أخبروا به، وطاعته في كل ما أمروا به، مما هو نفع وصلاح للعبد في دنياه وآخرته، وفي ضد ذلك شقاوته ومضرته في دنياه وآخرته. ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد. فمن أعظم نعم الله على عباده وأشرف منة عليهم أن أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبيَّن لهم الصراط المستقيم. ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام والبهائم، بل أشرّ حالًا منها. فمن قبل رسالة الله واستقام عليها، فهو من خير البرية، ومن ردَّها وخرج
[ ١ / ٢٦ ]
عنها فهو من شرّ البرية، وأسوأ حالًا من الكلب والخنزير والحيوان البهيم"١.
وهذا ما وضّحه شيخ الإسلام - ﵀ - بقوله: "وليست حاجة أهل الأرض إلى الرسول كحاجتهم إلى الشمس والقمر والرياح والمطر، ولا كحاجة الإنسان إلى حياته، ولا كحاجة العين إلى ضوئها، والجسم إلى الطعام والشراب، بل أعظم من ذلك، وأشدّ حاجة من كلّ ما يقدّر ويخطر بالبال. فالرسل وسائط بين الله وبين خلقه في أمره ونهيه، وهم السفراء بينه وبين عباده"٢.
فاضطرار العباد إلى المرسلين لا يُعادله اضطرار، وحاجتهم إلى المبشرين والمنذرينلا تماثلها حاجة..
وللعلامة ابن القيم - ﵀ - كلام نفيس يُشبه كلام شيخه شيخ الإسلام - ﵀ - ولا عجب! فكلاهما يصدر عن مشكاة واحدة.
يقول - ﵀: "فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا يُنال رضي الله البتة إلا على أيديهم. فالطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاؤوا به؛ فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم توزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميّز أهل الهدى من أهل الضلال.
فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها. فأي ضرورة وحاجة فرضت فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٩/٩٩-١٠٠. ٢ مجموع الفتاوى ١٩/١٠١.
[ ١ / ٢٧ ]
وما ظنّك بمن إذا غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين، فسد قلبك، وصار كالحوت إذا فارق الماء ووضع في المقلاة. فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال، بل أعظم، ولكن لا يحسّ بهذا إلا قلب حيّ. وما لجرحٍ بميتٍ إيلام ١.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ١/٦٩.
[ ١ / ٢٨ ]
المطلب الثالث: وظائف الرسل.
للرسل عليهم الصلاة والسلام وظائف كثيرة، أُجمل بعضها في النقاط التالية:
١- غايتهم العظمى، ووظيفتهم الكبرى، وهدفهم الأسمى: دعوة الناس إلى عبادة الله وحده، وخلع عبادة ما سواه.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل، ٣٦] .
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥] .
٢- تبليغ الشريعة الربانيّة إلى الناس.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة، ٦٧] .
٣- تبيين ما أُنزل من الدين.
قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل، ٤٤] .
[ ١ / ٢٨ ]
٤- دلالة الأمة إلى الخير وتبشيرهم بالثواب المعدّ إن فعلوه، وتحذيرهم من الشرّ وإنذارهم بالعقاب المعدّ إن اقترفوه.
قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء، ١٦٥] .
٥- إصلاح الناس بالقدوة الطيبة، والأسوة الحسنة في الأقوال والأعمال.
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام، ٩٠] .
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب، ٢١] .
٦- إقامة شرع الله بين العباد وتطبيقه.
قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة، ٤٩] .
٧- شهادة الرسل على أممهم يوم القيامة بأنّهم قد بلّغوهم البلاغ المبين.
قال تعالى: ﴿ويوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل، ٨٩] .
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة، ١٤٣] .
فهذه بعض وظائف المرسلين، التي تزيدهم شرفًا إلى شرفهم، وفضلًا إلى فضلهم، ويكفيهم فخرًا أنّهم يُبلّغون عن ربّ العالمين.
فسبحان من خصهم بهذه الرتبة العليَّة، ومنحهم هذه الوظيفة السنيَّة، واصطفاهم واختارهم من بين سائر عباده، ليقوموا بهذه الخدمة المرضيَّة.
[ ١ / ٢٩ ]
المطلب الرابع: أقوال الناس في النبوة:
تنوعت أقوال الناس في النبوة
أولًا: قول أهل السنة والجماعة:
وقالوا: إنّ النبيّ يختصّ بصفات ميّزه الله بها على غيره، وبصفات فضّله بها بعد البعثة لم تكن موجودة فيه من قبل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀: "والله سبحانه قد أخبر أنه يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس.
والاصطفاء: افتعال من التصفية، كما أن الاختيار: افتعال من الخيرة، فيختار من يكون مصطفى. وقد قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام، ١٢٤]، فهو أعلم بمن يجعله رسولًا ممّن لم يجعله رسولًا. ولو كان كلّ الناس يصلح للرسالة لامتنع هذا. وهو عالم بتعيين الرسول، وأنه أحقّ من غيره بالرسالة، كما دلّ القرآن على ذلك - إلى أن قال: والله سبحانه اتخذ رسولًا فضّله بصفات أخرى لم تكن موجودة فيه من قبل إرساله، كما كان يظهر لكلّ من رأى موسى وعيسى ومحمدًا من أحوالهم وصفاتهم بعد النبوة، وتلك الصفات غير الوحي الذي ينزل عليهم، فلا يقال إن النبوة مجرّد صفة إضافية كأحكام الأفعال كما تقوله الجهمية"١.
_________________
(١) ١ منهاج السنة النبوية ٥/٤٣٧-٤٣٩.
[ ١ / ٣٠ ]
وقال - ﵀ - في موضع آخر: "الله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فالنبيّ يختص بصفات ميّزه الله بها على غيره، وفي عقله ودينه، واستعدّ بها لأنيخصه الله بفضله ورحمته،
كما قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف، ٣١] "١.
ثانيًا: النبوة عند الجهمية والأشاعرة:
جوّز الجهمية والأشاعرة بعثة كلّ مكلّف، بناءً على أصلهم: إنّ الله يجوز أن يفعل كلّ ممكن. ولكنّهم قيّدوا إطلاقهم هذا بقولهم: إنّ النبيّ لا يكون فاجرًا. وهذا - أي: كون النبيّ غير فاجر - عندهم لم يُعلم بالعقل - على حدّ زعمهم -بل عُلم بالسمع٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀: "فهؤلاء يُجوّزون بعثة كلّ مكلّف، والنبوّة عندهم مجرّد إعلامه بما أوحاه إليه.
والرسالة مجرّد أمره بتبليغ ما أوحاه إليه.
وليست النبوة عندهم صفة ثبوتية، ولا مستلزمة لصفة يختصّ بها، بل هي من الصفات الإضافية، كما يقولون مثل ذلك في الأحكام الشرعية"٣.
قال الشهرستاني - وهو من كبار علماء الأشاعرة: "النبوة ليست صفة راجعة إلى نفس النبيّ، ولا درجة يبلغ إليها أحدٌ بعلمه "٤.
_________________
(١) ١ منهاج السنة النبوية ٢/٤١٦. ٢ انظر: منهاج السنة النبوية ٢/٤١٩. ٣ منهاج السنة النبوية ٢/٤١٤. ٤ نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني ص ٤٦٢. وانظر: قانون التأويل لابن العربي - قسم الدراسة -: ص ٣٤٨.
[ ١ / ٣١ ]
وقال سيف الدين الآمدي - وهو من كبار علمائهم أيضًا: "وليست النبوة هي معنى يعود إلى ذات من ذاتيات النبيّ، ولا إلى عرض من أعراضه استحقها بكسبه وعلمه.."١.
فليست النبوة إذًا عند الأشاعرة صفة ثبوتيّة، كما نصّ على ذلك شيخ الإسلام ﵀، وكما تقدّم من كلام بعض أئمتهم.
وهم - أعني: الأشاعرة لم يُميّزوا بين معجزات الأنبياء وكرامات أتباعهم، وبين خوارق السحرة والكهان.
قال شيخ الإسلام - ﵀ - عنهم: "وقالوا: وخوارق الأنبياء يظهر مثلها على يد الساحر والكاهن والصالح، ولا يدلّ على النبوة، لأنه لم يدّعيها. قالوا: ولو ادّعى النبوة أحدٌ من أهل الخوارق مع كذبه، لم يكن بُدّ من أنّ الله يعجزه عنها، فلا يخلقها على يده، أو يقيّض له من يُعارضه فتبطل حجّته"٢.
وقال - ﵀: "ولهذا يقيم أكابر فضلائهم مدة يطلبون الفرق بين المعجزات والسحر، فلا يجدون فرقًا؛ إذ لا فرق عندهم في نفس الأمر. والتحقيق: أن آيات الأنبياء مستلزمة للنبوة، ولصدق الخبر بالنبوة، فلا يوجد إلا مع الشهادة للرسول بأنه رسول، لا يوجد مع التكذيب بذلك"٣.
مع أنّ التمييز بين ما للأنبياء وأتباعهم، وبين ما للسحرة والكهان ومن على شاكلتهم، من أشرف العلوم.
إلا أنّهم لم يُوفّقوا في هذا الباب.
_________________
(١) ١ غاية المرام في علم الكلام للآمدي ص ٣١٧. ٢ النبوات ص ٥٨٨. وانظر المصدر نفسه ٧٣١-٧٣٥، ٩٤٦-٩٥١، ١١٤٦-١١٥٢. ٣ النبوات ص ٩٥٦-٩٥٩. وانظر: منهاج السنة النبوية ٥/٤٣٦-٤٣٩. وشرح الأصفهانية ٢/٥٤٣. وكتاب الصفدية ١/٢٢٥-٢٢٩.
[ ١ / ٣٢ ]
ثالثًا: النبوة عند المعتزلة والشيعة:
يذهب المعتزلة إلى أنّ إرسال الرسل واجبٌ على الله - ﷾ - بناءً على أصلهم في التحسين والتقبيح العقليين. ولذلك يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي: "قال مشيختنا: إن البعثة متى حسنت وجبت" ١.
وقد ردّ عليهم شيخ الإسلام - ﵀ - وبيَّن أنّ إرسال الله تعالى لرسله هو بفضله سبحانه. وكما أن هدايته لهم بفضله، فكذلك الثواب والجزاء هو بمنته وفضله، وإن كان أوجب ذلك على نفسه، كما حرّم الظلم عليها.
قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام، ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم، ٤٧] .
فهو واقع لا محالة، وواجب بحكم إيجابه ووعده؛ لأنّ الخلق لا يوجبون على الله شيئًا، أو يُحرّمون عليه شيئًا، بل هم أعجز من ذلك، وأقلّ من ذلك، وكلّ نعمة منه فضل، وكلّ نقمة منه عدل٢.
أمّا عن موقف المعتزلة من النبوّة: هل هي صفة ثابتة قائمة بنفس النبيّ، أو صفة إضافية؟
فيُؤكّد شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أنّهم يجعلونها صفة ثبوتية.
يقول شيخ الإسلام - ﵀: "وكثير من القدرية المعتزلة والشيعة وغيرهم من يقول بأصله في التعديل والتجوير، وأنّ الله لا يُفضّل شخصًا على شخص إلا بعمله، يقول: إنّ النبوّة، أو الرسالة جزاء على عمل متقدّم؛ فالنبيّ فَعَلَ من الأعمال الصالحة ما استحقّ به أن يجزيه الله بالنبوة" ٣.
_________________
(١) ١ شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص ٥٦٤. ٢ انظر مجموع الفتاوى ٨/٧٢-٧٣. ٣ منهاج السنة النبوية ٢/٤١٥.
[ ١ / ٣٣ ]
ويحكي - ﵀ - قولهم عن النبوة: أن "صفاتها ثابتة بدون الخطاب، والخطاب مجرّد كاشف بمنزلة الذي يُخبر عن الشمس والقمر والكواكب بما هي متصفة به" ١.
رابعًا: النبوة عند المتفلسفة وصوفيتهم:
أبعد المتفلسفة وصوفيتهم النجعة في هذا الباب، وانزلقوا منزلقًا خطيرًا حين زعموا أنّ النبوّة فيضٌ يفيض على الإنسان بحسب استعداده، ونفوا أن ينزل المَلَك بالوحي على النبيّ، وزعموا أنّه مجرّد خطاب يسمعه الشخص، كما يسمع النائم الخطاب.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀: "وأما المتفلسفة القائلون بقدم العالم وصدوره عن علة موجبة، مع إنكارهم أن الله - تعالى - يفعل بقدرته ومشيئته، وأنه يعلم الجزئيّات، فالنبوة عندهم: فيضٌ يفيض على الإنسان بحسب استعداده، وهي مكتسبة عندهم.
ومن كان متميّزًا في قوته العلمية بحيث يستغني عن التعليم، وشُكِّل في نفسه خطاب يسمعه كما يسمع النائم، وشخص يُخاطبه كما يخاطب النائم - وفي العملية - بحيث يؤثر في العنصريات تأثيرًا غريبًا - كان نبيًّا عندهم.
وهم لا يُثبتون ملكًا مفضلًا يأتي بالوحي من الله - تعالى - ولا ملائكة، بل ولا جنًا يخرق الله بهم العادات للأنبياء إلا قوى النفس. وقول هؤلاء وإن كان شرًا من أقوال كفار اليهود والنصارى، وهو أبعد الأقوال عما جاءت به الرسل، فقد وقع فيه كثير من المتأخرين الذين لم يُشرق عليهم نور النبوة من المدّعين للنظر العقليّ، والكشف الخيالي الصوفي، وإن كان غاية هؤلاء
_________________
(١) ١ منهاج السنة النبوية ٥/٤٣٧. وانظر الصفدية ١/٢٢٥.
[ ١ / ٣٤ ]
الأقيسة الفاسدة، والشكّ، وغاية هؤلاء الخيالات الفاسدة والشطح"١.
خامسًا: النبوة عند الباطنية:
اعتبر الباطنية النبوة نوعًا من أنواع السياسة العادلة التي وضعت لمصلحة العامة، مع عدم إيمانهم بأحوالها مطلقًا، بل آمنوا ببعض، وكذّبوا ببعض.
يقول شيخ الإسلام - ﵀ - عنهم: "يجعلون الملك بمنزلة المذاهب والسياسات التي يسوغ اتّباعها، وأن النبوة نوع من السياسة العادلة التي وضعت لمصلحة العامة في الدنيا.
فإنّ هذا الصنف يكثرون ويظهرون إذا كثرت الجاهلية وأهلها، ولم يكن هناك من أهل العلم بالنبوة والمتابعة لها من يُظهر أنوارها الماحية لظلمة الضلال، ويكشف ما في خلافها من الإفك والشرك والمحال. وهؤلاء يُكذّبون بالنبوة تكذيبًا مطلقًا، بل هم يؤمنون ببعض أحوالها، ويكفرون ببعض الأحوال. وهم متفاوتون فيما يؤمنون به، ويكفرون به من تلك الخلال، فلهذا يلتبس أمرهم بسبب تعظيمهم للنبوات على كثير من أهل الجهالات" ٢.
ولا ريب أنّ بُعد هذه الفرق عن الصواب، وكثرة اختلافها، يتناسب طردًا مع بعدها عن كلام الله وكلام رسوله ﷺ.
فكلّما كانت الفرقة إلى الكتاب والسنة أقرب، كان الصواب فيها أكثر.
وكلّما كانت الفرقة عن الكتاب والسنة أبعد، كان الاختلاف فيها أكثر.
فالكتاب والسنّة هما الضابط لذلك كلِّه.
_________________
(١) ١ منهاج السنة النبوية ٢/٤١٥-٤١٦. وانظر: المصدر نفسه ٥/٤٣٤- ٤٣٥. ومجموع الفتاوى ١١/٦٠٧، ١٩/١٥٦. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٢٠٤. ودرء تعارض العقل والنقل ٥/٣٥٣، ١٠/٢٠٤. ٢ منهاج السنة النبوية ١/٦.
[ ١ / ٣٥ ]
وقد بيَّن شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - ذلك في كلمة رائعة قال فيها: "ولهذا كلّ طائفة كانت إلى النبوات أقرب، كانت أقلّ اختلافًا، وكلّما كثر بُعدها كثر اختلافها.
فالمتفلسفة لما كانوا أبعد من أهل الكلام عن النبوات، كانوا أكثر اختلافًا؛ فإنّ لهم من الاختلاف في الطبيعيّات والرياضيّات ما لا يكاد يحصيه إلا الله.
وأما اختلافهم في الإلهيات فأعظم.
والشيعة لما كانوا من أجهل الطوائف المنسوبين إلى الملة، كانوا أكثر اختلافًا من جميع الطوائف.
ثم المعتزلة أكثر اختلافًا من المثبتة للصفات والقدر.
ثم المثبتة المتكلمون فيهم من الاختلاف ما لا يوجد في أهل العلم بالسنة المحضة والحديث وأقوال السلف؛ فإنّ هؤلاء أبعد الطوائف عن الاختلاف في أصولهم؛ لأنهم أكثر اعتصامًا بالكتاب والسنّة من غيرهم. وبطريقتهم تنحلّ الإشكالات الواردة على طريقة غيرهم" ١.
وبيَّن - ﵀ - هذه الحقيقة الثابتة في موضع آخر بقوله: "وإذا تدبّر العاقل، وجد الطوائف كلّها كلّما كانت الطائفة إلى الله ورسوله أقرب، كانت بالقرآن والحديث أعرف وأعظم عناية، وإذا كانت عن الله وعن رسوله أبعد، كانت عنهما أنأى، حتى تجد في أئمة علماء هؤلاء من لا يميز بين القرآن وغيره، بل ربما ذكرت عنده آية فقال: لا نسلّم صحة الحديث. وربما قال لقوله ﵇: كذا.. وتكون آية من كتاب الله.
وقد بلغنا من ذلك عجائب، وما لم يبلغنا أكثر" ٢.
_________________
(١) ١ شرح الأصفهانية ٢/٣٧٩. ٢ مجموع الفتاوى ٤/٩٦.
[ ١ / ٣٦ ]
المطلب الخامس: الإيمان بالأنبياء من أركان الإيمان:
الإيمان بأنبياء الله ورسله ركنٌ من أركان الإيمان، فلا يتحقّق إيمان العبد حتى يؤمن بجميع الأنبياء، ويُصدّق بأنّ الله تعالى أرسلهم لهداية البشر، وإرشاد الخلق، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وأنّهم بلّغوا ما أُنزل إليهم من ربّهم البلاغ المبين، فبلّغوا الرسالة، وأدّوا الأمانة، ونصحوا الأمة، وجاهدوا في الله حقّ جهاده.
قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة، ٢٨٥] .
وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة، ١٧٧] .
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: كان رسول الله ﷺ يومًا بارزًا للنّاس، إذ أتاه رجل وهو جبريل يمشي، فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: " أن تؤمن بالله وملائكته ورسله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخر" ١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀: "ولا بُدّ في الإيمان أن يؤمن العبد بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويؤمن بكلّ رسولٍ أرسله، وكلّ كتاب أنزله"٢.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ ومسلم في صحيحه ١/٣٩، كتاب الإيمان، باب أركان الإيمان. ٢ الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٧٧.
[ ١ / ٣٧ ]
والإيمان بأنبياء الله تعالى لا يتمّ حتى يؤمن العبد بجميعهم من غير حصر، مَنْ قصّهم الله علينا، ومن لم يقصصهم؛ فقد أخبرنا جلّ وعلا أنّ هناك أنبياء لم يقصصهم علينا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر، ٧٨] .
يقول شيخ الإسلام - ﵀: "فنؤمن بما سمّى الله في كتابه من رسله، ونؤمن بأن لله سواهم رسلًا وأنبياء لا يعلم أسماءهم إلا الذي أرسلهم، ونؤمن بمحمد ﷺ، وإيمانك به غير إيمانك بسائر الرسل؛ إيمانك بسائر الرسل: إقرارك بهم، وإيمانك بمحمد: إقرارك به وتصديقك إياه دائبًا على ما جاء به، فإذا اتبعت ما جاء به أدّيت الفرائض، وأحللت الحلال، وحرّمت الحرام، ووقفت عند الشبهات، وسارعت في الخيرات"١.
وقال - ﵀ - أيضًا: "من أطاع رسولًا واحدًا فقد أطاع جميع الرسل، ومن آمن بواحدٍ منهم فقد آمن بالجميع، ومن عصى واحدًا منهم فقد عصى الجميع، ومن كذّب واحدًا منهم فقد كذّب الجميع؛ لأنّ كلّ رسولٍ يُصدّق الآخر ويقول: إنه رسول صادق، ويأمر بطاعته. فمن كذّب رسولًا فقد كذّب الذي صدّقه، ومن عصاه فقد عصى من أمر بطاعته"٢.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٧/٣١٣. ٢ مجموع الفتاوى ١٩/١٨٠. وانظر المصدر نفسه ١٩/١٨٥.
[ ١ / ٣٨ ]
المطلب السادس: الإسلام دين جميع الأنبياء:
وكلّ واحد من الأنبياء والرسل ﵈ يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون، ٢٣] .
فهم متفقون على الدعوة إلى التوحيد الخالص، والنهي عن الشرك. فالغاية التي بُعثوا من أجلها: إفراد الله تعالى بالعبادة، والنهي عن جميع الموبقات؛ من الكفر، والفسوق، والعصيان.
والشرائع كلها تدعو إلى هذه الغاية العظيمة؛ إذ هي مهمة جميع الرسل، من لدن نوحٍ ﵇، إلى رسولنا محمد ﷺ.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀: "فهذا دين الأولين والآخرين من الأنبياء وأتباعهم، هو دين الإسلام؛ وهو عبادة الله وحده لا شريك له. وعبادته تعالى في كلّ زمان ومكان بطاعة رسله - ﵈ - فلا يكون عابدًا له من عبده بخلاف ما جاءت به رسله، كالذين قال فيهم: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى،٢١] . فلا يكون مؤمنًا به إلا من عبده بطاعة رسله، ولا يكون مؤمنًا به ولا عابدًا له إلا من آمن بجميع رسله، وأطاع من أرسله إليه، فيطاع كل رسول إلى أن يأتي الذي بعده، فتكون الطاعة للرسول الثاني"١.
_________________
(١) ١ الجواب الصحيح ١/٨٣-٨٤.
[ ١ / ٣٩ ]
المطلب السابع: المعجزات:
النبوة هي أصل المعجزة.
والولاية هي أصل الكرامة.
فلا تحصل المعجزة الخارقة للعادة - التي هي أصل الكرامة في الجنس - إلا مع النبوة الصادقة، كما أنّ الكرامة الخارقة للعادة لا تحصل للولي إلا بمتابعته لشرع نبيّه.
فالمعجزة إذًا دليلٌ على النبوة الصادقة.
والكرامة دليلٌ على صدق الشاهد بالنبوة الصادقة.
وجامعهما: آية الله الخارقة الدالة على النبوة الصادقة.
فهما من جنس واحدٍ.
ولكن لا يلزم من هذا أن تكون المعجزة والكرامة متساويتين في الحدّ والحقيقة؛ فآيات الله لا يُحاط بها علمًا، كما أنه - جلّ وعلا - لا يُحيطون به علمًا إلا بما شاء ﷾.
ومن آيات الله تعالى ما هي آيات كبرى، ومنها ما هي آيات صغرى.
فالآيات الكبرى لا تكون إلا للأنبياء والمرسلين، وهي التي وجب على الناس الإيمان بمقتضاها، وهي التي يُطلق عليها اسم المعجزات.
والآيات الصغرى لا تصل إلى درجة سابقتها، ولا تبلغ مبلغها في الحدّ ولا في الحقيقة، وهي التي يُطلق عليها اسم الكرامات.
ولما كانت الآيات الكبرى والصغرى من جنس واحد، وكان من خواصهما خرق العادة، كان من الواجب أن يكون خرق العادة فيهما مخالفٌ لسنن الطبيعة، وخواص المادة، وقانون الأسباب والمسبّبات،
[ ١ / ٤٠ ]
لا سيما في المعجزات التي هي الدلائل اليقينيّة على صدق الرسل؛ فإنّ رتبة الرسالة ذات شأن عظيم؛ إذ هي الواسطة بين الخالق والمخلوق، والعابد والمعبود، وعليها تترتب سعادة المصدّقين، وشقاوة المكذّبين في كلتا الدارين١.
وفضل معرفة المعجزات، والتمييز بينها وبين ما للسحرة والكهان من الخوارق عظيم، وتعلّم ذلك من أشرف العلوم.
يقول شيخ الإسلام - ﵀: "فإنّ الكلام في المعجزات وخصائصها، والفرق بينها وبين غيرها من أشرف العلوم، وأكثر أهل الكلام خلطوا فيه تخليطًا ليس هذا موضعه" ٢.
ويقول - ﵀: "الفرق بين النبيّ والساحر أعظم من الفرق بين الليل والنهار"٣.
ويقول - ﵀ - أيضًا: "فهذا الموضوع من فهمه فهمًا جيدًا تبيَّن له الفرقان في هذا النوع؛ فإنّ كثيرًا من الناس يصفها بأنها خوارق ومعجزات وعجائب، ونحو ذلك، ولا يُحقّق الفرق بين ما يجب أن يخرق عادته ومعجزه، ومن لا يجب أن يكون في حقه كذلك"٤.
_________________
(١) ١ انظر: خوارق العادات لعبد الرحمن إبراهيم الحميضي ص ٥. وانظر: النبوات ص ٦٣٦، ٩٦١-٩٦٣، ١٢٦١، ١٣٢٦. ٢ قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان ص ١٦٤. ٣ النبوات ص ٨٤٥. ٤ النبوات ص ١٠٢٠.
[ ١ / ٤١ ]
والمعجزات طريق من طرق إثبات الصانع، ومعرفة صدق الرسول، كما قال شيخ الإسلام - ﵀: "المعجزات قد يُعلم بها ثبوت الصانع وصدق الرسول معًا"١.
ودلالتها على إثبات الصانع، وصدق الرسول تأتي بيِّنة واضحة في أحايين كثيرة.
يقول شيخ الإسلام - ﵀: "إنّ دلائل النبوة من جنس دلائل الربوبية، فيها الظاهر والبيِّن لكلِّ أحد، كالحوادث المشهودة؛ فإنّ الخلق كلّهم محتاجون إلى الإقرار بالخالق والإقرار بالرسالة"٢.
ويقول - ﵀: "والكلام في النبوة فرعٌ على إثبات الحكمة التي يوجب فعل ما تقتضيه الحكمة، ويمتنع فعل ما تنفيه، فتقول: هو ﷾ حكيمٌ يضع كلّ شيء في موضعه المناسب له، فلا يجوز عليه أن يُسوّي بين جنس الصادق والكاذب.."٣.
لذا وجبت العناية بمعرفة ذلك، والتفريق بين معجزات الأنبياء وكرامات الصالحين، وبين خوارق السحرة والكهان والمشعوذين.
_________________
(١) ١ درء تعارض العقل والنقل ٥/٤٢. ٢ الجواب الصحيح ٥/٤٣٥. ٣ النبوات ص ١١٢٢.
[ ١ / ٤٢ ]
المطلب الثامن: ما أُلِّف في النبوات:
ألّف النّاس - في القديم والحديث - في النبوات، والكرامات، والرسل، والرسالات، ودلائل النبوات، وغير ذلك مما يتصل بموضوع النبوات الكتب الكثيرة.
وها أنا ذا أذكر بعضًا منها.
١- «البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانة والسحر والنارنجات»: تأليف القاضي أبي بكر الباقلاني.
٢- «دلائل النبوة»: تأليف إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الأصبهاني.
٣- «دلائل النبوة»: تأليف أبي نعيم الأصبهاني.
٤- «دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة»: تأليف أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي.
٥- «حياة الأنبياء صلوات الله عليهم بعد وفاتهم»: تأليف البيهقي. تحقيق د/ أحمد بن عطية الغامدي.
٦- «دلائل النبوة»: تأليف أبي بكر جعفر بن محمد الفريابي.
٧- «تثبيت دلائل النبوة»: تأليف القاضي عبد الجبار الهمذاني.
٨- «إثبات النبوات»: تأليف أبي يعقوب السجستاني. مخطوط، صورته في دار الكتب المصرية، برقم ٢٦٩٨٤ / ب علم الكلام.
٩- «الشفا بتعريف حقوق المصطفى»: تأليف القاضي عياض اليحصبي.
١٠- «عصمة الأنبياء»: تأليف محمد بن عمر الفخر الرازي.
١١- «النبوات وما يتعلق بها»: تأليف الفخر الرازي.
[ ١ / ٤٣ ]
١٢- «الصارم المسلول على شاتم الرسول»: تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀.
١٣- «المعجزة وكرامات الأولياء»: تأليف شيخ الإسلام - ﵀.
١٤- «أعلام النبوة»: تأليف أبي الحسن علي بن محمد الماوردي.
١٥- «تنزيه الأنبياء عن تسفيه الأغبياء»: تأليف جلال الدين السيوطي.
١٦- «تنزيه الأنبياء عما نسب إليهم حثالة الأغبياء»: تأليف علي بن أحمد البستي الأموي، المعروف بابن حمير.
١٧- «الدين والدولة في إثبات نبوة النبي ﷺ»: تأليف علي بن زين الطبري.
١٨- «الوحي المحمدي»: تأليف محمد رشيد رضا.
١٩- «الوحي المحمدي»: تأليف محمود عبد الوهاب فايد.
٢٠- «ختم النبوة في ضوء القرآن والسنة»: تأليف أبي الأعلى المودودي.
٢١- «النبوة عند ابن تيمية ورده على المخالفين» رسالة جامعية: تأليف سعيد إبراهيم مرعي خليفة.
٢٢- «النبوة والرسالة» (رسالة جامعية): إعداد مغفور عثمان.
٢٣- «خوارق العادات في القرآن الكريم» رسالة جامعية: تأليف عبد الرحمن إبراهيم الحميضي.
٢٤- «حقوق النبي ﷺ على أمته في ضوء الكتاب والسنة» رسالة جامعية: تأليف محمد بن خليفة بن علي التميمي.
٢٥- «الأولياء والكرامات»: تأليف أبي السمح محمد عبد الظاهر.
٢٦- «علامات النبوة»: تأليف عبد الملك علي الكليب.
٢٧- «عقيدة ختم النبوة بالنبوة المحمدية»: تأليف د/أحمد سعد حمدان الغامدي.
[ ١ / ٤٤ ]
٢٨- «من معجزات الرسول»: تأليف عبد العزيز المحمد السلمان.
٢٩- «النبوة والأنبياء في ضوء القرآن»: تأليف أبي الحسن علي الحسني الندوي.
٣٠- «النبوة عند الفلاسفة الإسلاميين» رسالة جامعية: تأليف أنور بن عيسى السليم.
٣١- «دراسات في النبوة والرسالة»: تأليف عبد العزيز بن إبراهيم العسكر.
٣٢- «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: تأليف مقبل بن هادي الوادعي.
٣٣- «دلائل النبوة المحمدية في ضوء المعارف الحديثة»: تأليف محمود مهدي استانبولي.
٣٤- «مقارنة بين الغزالي وابن تيمية في النبوة»: تأليف د/ محمد رشاد سالم.
٣٥- «نبوءات الرسول ﷺ ما تحقق منها وما لم يتحقق»: تأليف محمد ولي الله الندوي
٣٦- «نبوءات المصطفى»: تأليف نشأت المصري.
٣٧- «النبأ العظيم»: تأليف محمد عبد الله دراز.
٣٨- «نبوة محمد من الشك إلى اليقين»: تأليف د/ فاضل السامرائي.
٣٩- «نبوة محمد ﷺ في القرآن»: تأليف د/ حسن ضياء الدين عتر.
٤٠- «نظرات في النبوة»: تأليف صلاح الدين محيميد.
٤١- «آيات الإيمان بالرسل»: تأليف عبد المنعم أحمد تعيلب.
٤٢- «بشارات الأنبياء بمحمد ﷺ»: تأليف عبد الوهاب عبد السلام طويلة.
٤٣- «البشارة بنبي الإسلام في التوراة والإنجيل»: تأليف أحمد حجازي السقا.
٤٤- «بشائر النبوة الخاتمة»: تأليف رؤوف شلبي.
٤٥- «بشرية المسيح ونبوة محمد ﷺ في نصوص كتب العهدين» ردّ على شبه المنصرين والمستشرقين: تأليف أحمد محمد عبد القادر ملكاوي.
[ ١ / ٤٥ ]
٤٦- «عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم»: تأليف محمد أبو النور الحديدي.
٤٧- «النبوة والأنبياء»: تأليف محمد علي الصابوني.
٤٨- «الرسل والرسالات»: تأليف عمر سليمان الأشقر.
٤٩- «مع الأنبياء في القرآن الكريم»: تأليف عفيف عبد الفتاح طبارة.
٥٠- «الإسلام ونبي الإسلام»: تأليف محمد بن رزق الطرهوني.
٥١- «الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام»: تأليف أحمد عز الدين البيانوني.
٥٢- «أدعياء النبوة الكاذبة في الإسلام»: تأليف يحيى محمد زاهر الحارثي.
٥٣- «أدعياء النبوة»: تأليف سوسن الجبار.
٥٤- «خصائص المصطفى ﷺ بين الغلو والجفاء»: رسالة جامعية، تأليف الصادق محمد إبراهيم.
[ ١ / ٤٦ ]
*
المبحث الثاني: التعريف بالمؤلِّف.
تاللهِ إنّ المرء ليستشعر نقصه، ويُدرك بُعد الغاية، وعلوّ النهاية، حين يُفكّر في الكتابة عن هذا العَلَم الشهير، والعالِم الكبير، والبطل النحرير.
رجلٌ أشهر من نارٍ على علم، ومن المعلوم أنّ النار تخبو وتهمد، إلا أنّ نور هذا العلم يزداد ويتمدّد.
رجلٌ جعل الله له ذكرًا في العالمين، فأحبّه الأوّلون، واشتغل بعلمه الآخرون، وانشغل النّاس في الكتابة عنه، حتى لكأنّهم أدركوا أنّ ذكر النّاس لهم قرينٌ بذكره، فبلغ ما كُتب عنه أكثر من مائة كتاب، هذا ما عُلم١، أما ما لم يُعلم فعلمه عند ربّ العباد.
والإنسان حين يُريد أن يكتب عن هذا الرجل يُقدّم رِجلًا، ويُؤخّر أخرى.
فالرجل قمّة سامقة، وذروة شاهقة.
فعن ماذا يكتب؟
أيكتب عن منهجه في تقرير عقيدة السلف والردّ على من خالفهم؟
أم يكتب عن جهاده وصبره ومصابرته؟
_________________
(١) ١ ذكر الشيخ محمد إبراهيم الشيباني: ص (١٠٦) كتبًا أُلِّفت في ترجمة شيخ الإسلام ﵀ في القديم والحديث. انظر: «أوراق مجموعة من حياة شيخ الإسلام» ص ١٨٨-٢٠٠.
[ ١ / ٤٧ ]
أم يكتب عن جهوده في نشر الدعوة السلفية؟
أم..؟ أم..؟ ؟
موضوعات شتى يقف المرء أمامها متحيّرًا.
ولكن ما لا يُدرك كلّه، لا يُترك جُلُّه..
هذا على الرغم من كثرة من كتب عنه، وترجم له، ودرس جوانب حياته.
وكما - أسلفتُ - لعلّ الحافز على الكتابة رغبتي في أن أُذكر معه، وأسأل ربي أن يحشرني معه.
[ ١ / ٤٨ ]
المطلب الأول: حياة المؤلف الشخصية:
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: اسمه ونسبه:
هو شيخ الإسلام، وعلم الأعلام، تقي الدين، أبو العباس أحمد بن شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن مجد الدين أبي البركات عبد السلام ابن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي ابن عبد الله بن تيمية الحراني النميري.
فهو ينتسب إلى قبيلة عربية نِمْريّة؛ من بني نُمَيْر الذين يرجع نسبهم إلى قيس عيلان من مضر١.
أما عن سبب تسمية عائلته بآل تيمية:
فقد قيل إن جدّه محمد بن الخضر حجّ على درب تيماء، فرأى هناك طفلة، فلما رجع وجد امرأته قد ولدت له بنتًا، فقال يا تيمية، يا تيمية.
_________________
(١) ١ انظر: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، للأتابكي: ١/٢٧١. وترجمة المؤلف لزهير شاويش، على هامش كتاب «شرح حديث النزول» ص ٦، هامش ١.
[ ١ / ٤٨ ]
وقيل إنّ أمّ جدّه محمدٍ كانت تُسمّى تيمية، وكانت واعظة، فنسب إليها، وعُرف بها١.
المسألة الثانية: ولادته، ونشأته، وأسرته:
وُلد شيخ الإسلام - ﵀ - يوم الاثنين العاشر من ربيع الأول، وقيل: ثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة ٦٦١؟ بحران٢؛ وهي بلدة في الجزيرة بين العراق والشام٣.
وقد عاش شيخ الإسلام في مسقط رأسه مع والديه ست سنوات.
وبعد اجتياح التتار للعالم الإسلامي، خربت حران، فهاجر أهلها، ومنهم آل تيمية إلى دمشق.
ويُحدّثنا ابن عبد الهادي عن قصة سفر آل تيمية إلى دمشق، وحرصهم على العلم، ومحافظتهم على الكتب، فيقول: "فساروا بالليل ومعهم الكتب على عجلة لعدم الدواب، فكاد العدو يلحقهم، ووقفت العجلة، فابتهلوا إلى الله، واستغاثوا به، فنجوا وسلموا، وقدموا دمشق سنة ٦٦٧؟"٤.
وقد استوطنوا دمشق، واشتهرت عائلتهم بالعلم:
فجدّه أبو البركات مجد الدين عبد السلام: كان فقيهًا محدثًا أصوليًا نحويًا، من العلماء الأعلام٥.
_________________
(١) ١ انظر: العقود الدرية ص ٢. ٢ انظر: العقود الدرية ص ٢. وكتاب الذيل لابن رجب ٤/٣٨٧. ٣ انظر: معجم البلدان ٢/٢٣٥. ٤ العقود الدرية ص ٣. ٥ ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٤/٢٤٩.
[ ١ / ٤٩ ]
ووالده شهاب الدين عبد الحليم: كان عالمًا فاضلًا من علماء عصره١.
قال عنه الحافظ الذهبي: "صار شيخ حران وحاكمها وخطيبها بعد موت والده"٢.
وذكر الحافظ ابن كثير: "أنّ له كرسيًا للدراسة والتعليم والوعظ، وأنه تولى مشيخة دار الحديث السكرية، وبها كان سكنه، مات سنة ٦٨٢"٣.
وأخوه شرف الدين عبد الله: كان من العلماء، وكان ممن دافع عن شيخ الإسلام، وامتحن بسببه٤.
وكذلك أخوه زين الدين عبد الرحمن: كان زاهدًا عابدًا، كما أنه كان تاجرًا، وكان يخدم الشيخ - ﵀ - وسجن معه في سجن القلعة٥.
وأخوه لأمه بدر الدين أبو القاسم محمد بن خالد الحراني: كان عالمًا فقيهًا إمامًا تولى التدريس عن أخيه تقي الدين٦.
وهناك العديد من مشاهير آل تيمية، من هذه الأسرة الكريمة التي عُرف عنها الاشتغال بالعلم رجالًا ونساءً٧.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه ٤/٣١٠. ٢ العبر للذهبي ٣/٣٤٩-٣٥٠. ٣ البداية والنهاية لابن كثير ١٣/٣٠٣. ٤ انظر: العقود الدرية ص ٣٦١. وذيل الطبقات ٢/٣٨٢. ٥ انظر: العقود الدرية ص ٣٦٨. ٦ انظر: ذيل طبقات الحنابلة ٢/٣٧٠. ٧ انظر: أوراق مجموعة من حياة شيخ الإسلام، تأليف محمد بن إبراهيم الشيباني ص ١٤-٢٢.
[ ١ / ٥٠ ]
فشيخ الإسلام - ﵀ - نشأ في وسط هذا الجوّ العلميّ؛ بين جدّ فقيه محدّث أصولي، ووالد صاحب علوم مختلفة ومعارف شتى، وإخوة اشتهروا بالفضل والعلم.
فكان لهذا الجوّ العلميّ تأثيره على شخصيته العلمية، مع ما وهبه الله من حافظة قوية، وسرعة بديهة، وذكاء مفرط، ومحافظة على الوقت منذ نعومة أظفاره.
المسألة الثالثة: صفاته الخَلقيّة:
كان - رحمه الله تعالى - أبيض اللون، أسود الرأس واللحية، قليل الشيب، شعره إلى شحمة أذنيه، كأنّ عينيه لسانان ناطقان، ربعة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين، جهوري الصوت، فصيحًا، سريع القراءة، تعتريه حدّة لكن يقهرها بالحلم١.
المسألة الرابعة: صفاته الخُلُقيّة:
اتصف شيخ الإسلام - ﵀ - بصفات عظيمة؛ من الأخلاق، والمروءة، والكرم، والإيثار، والحلم، والتعبّد، والزهد، وصدق الصلة بالله، فلم يكن يخاف من غيره، أو يرهب من سواه.
قال الحافظ الذهبي - ﵀ - عنه: "كان إمامًا متبحرًا في علوم الديانة، صحيح الذهن، سريع الإدراك، سيّال الفهم، كثير المحاسن، موصوفًا بفرط الشجاعة والكرم، فارغًا عن شهوات المأكل والملبس والجماع، لا لذة له في غير نشر العلم وتدوينه والعمل بمقتضاه"٢.
_________________
(١) ١ كتاب الذيل ٢/٣٩٥. وأوراق مجموعة من حياة شيخ الإسلام ص ٢٦. ٢ كتاب ذيل طبقات الحنابلة ٢/٣٩٠ ط. ابن رجب.
[ ١ / ٥١ ]
وقال الحافظ الذهبي أيضًا: "كان محافظًا على الصلاة والصوم، معظمًا للشرائع ظاهرًا وباطنًا، لا يؤتى من سوء فهم؛ فإنّ له الذكاء المفرط، ولا من قلة علم؛ فإنه بحر زخار، ولا كان متلاعبًا بالدين، ولا ينفرد بمسائله بالتشهي، ولا يطلق لسانه بما اتفق، بل يحتج بالقرآن والحديث والقياس، ويبرهن، ويناظر أسوة بمن تقدمه من الأئمة، فله أجرٌ على أخطائه، وأجران على إصابته. لم أرَ مثله في ابتهاله واستغاثته، وكثرة توجهه وإنه بحر لا ساحل له، وكنز لا نظير له، ولكن ينقمون عليه أخلاقًا وأفعالًا، وكل أحدٍ يُؤخذ من قوله ويترك.."١.
وقال أيضًا: "وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي، بل يقول الحق المر الذي أدّاه إليه اجتهاده، وحدّة ذهنه، وسعة دائرته في السنن والأقوال. مع ما اشتهر عنه من الورع، وكمال الفكرة، وسرعة الإدراك، والخوف من الله، والتعظيم لحرمات الله فجرى بينه وبينهم حملات حربية، ووقائع شامية ومصرية، وكم من نوبة قد رموه عن قوس واحد، فيُنجّيه الله، فإنه دائم الابتهال لله، كثير الاستغاثة، قوي التوكّل، ثابت الجأش، له أوراد وأذكار يدعو منها بكيفية وجَعِيَّة"٢.
وقد كان - ﵀ - صبورًا على مُرّ الكلام، عدلًا في المخاطبة.. يقول عن نفسه: "فإنّ الناس يعلمون أنّي من أطول الناس روحًا وصبرًا على مرّ الكلام، وأعظم الناس عدلًا في المخاطبة لأقلّ الناس، دع لولاة الأمر"٣.
_________________
(١) ١ نقلًا عن أوراق مجموعة من حياة شيخ الإسلام ص ٢٦-٢٧. ٢ العقود الدرية ص ١١٨. ٣ مجموع الفتاوى ٣/٢٥١.
[ ١ / ٥٢ ]
أما عن شدّة ذكائه، واتقاد حافظته، فقد قال جمال الدين السرمري في أماليه: "ومن عجائب زماننا في الحفظ: ابن تيمية، كان يمرّ بالكتاب مرة مطالعة، فينقش في ذهنه، وينقله من مصنفاته بلفظه ومعناه. وحكى بعضهم عنه أنه قال: من سألني مستفيدًا حققت له، ومن سألني متعنتًا ناقضته، فلا يلبث أن ينقطع فأُكفى مؤنته"١.
ومن أقواله - رحمه الله تعالى -:
"لن يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه؛ فإن رجلًا شكى إلى أحمد بن حنبل خوفه من بعض الولاة، فقال: لو صَحَحْتَ لم تخف أحدًا؛ أي خوفك من أجل زوال الصحة من قلبك".
ولما وُشي به إلى السلطان الناصر خاطبه قائلًا: إنني أُخبرتُ أنك قد أطاعك الناس، وأن في نفسك أخذ الملك، فلم يكترث به. بل قال له بنفس مطمئنة، وقلب ثابت، وصوت عال سمعه كثير ممن حضر: "أنا أفعل ذلك! والله إنّ ملكك وملك المغل٢ لا يُساوي عندي فلسين". فتبسّم السلطان لذلك، وأجابه في مقابلته بما أوقع الله له في قلبه من الهيبة العظيمة: إنك والله لصادق، وإن الذي وشي بك إليّ كاذب٣.
_________________
(١) ١ البدر الطالع ١/٧٠. ٢ المغل: هم المغول: قوم من أطراف الصين يسكنون جبال طمغاج من الصين، ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأطيبه وأحسنه عمارة وأكثره أهلًا وأعدلهم أخلاقًا وسيرة. في نحو سنة ٦١٦؟ خرجوا بقيادة ملكهم جنكيز خان فملكوا من أقصى بلاد الصين إلى أن وصلوا إلى بلاد العراق وما حولها، حتى انتهوا إلى إربل وأعمالها فملكوا في سنة واحدة سنة ٦١٧؟. وهم يسجدون للشمس إذا طلعت ولا يحرّمون شيئًا ويأكلون ما يجدونه من الحيوانات والميتات. وضع لهم جنكيز خان السياسات التي يتحاكمون إليها ويحكمون بها، وأكثرها مخالف لشرائع الله تعالى وكتبه، وهو شيء اقترحه من عند نفسه، وتبعوه في ذلك. انظر: البداية والنهاية ١٣/٩٠، ٩٤-٩٥، ١٢٧. ٣ الأعلام العلية للبزار ص ٧٤-٧٥.
[ ١ / ٥٣ ]
ولمّا خُوّف - ﵀ - قال: "أنا من أي شيء أخاف؟ فإن قتلت كنت من أفضل الشهداء، وكان ذلك سعادة في حقي، يترضى بها عليّ إلى يوم القيامة، ويلعن الساعي في ذلك إلى يوم القيامة؛ فإنّ جميع أمّة محمد يعلمون أني أقتل على الحق الذي بعث الله به رسوله. وإن حبست فوالله إن حبسي لمن أعظم نعم الله عليّ. وليس لي ما أخاف الناس عليه؛ لا مدرسة، ولا إقطاع، ولا مال، ولا رئاسة، ولا شيء من الأشياء"١.
وكان - ﵀ - من أشجع الناس، وأقواهم قلبًا، فما رُؤي أحد أثبت جأشًا منه، ولا أعظم عناء في جهاد العدو منه، كان يُجاهد في سبيل الله بقلبه ولسانه ويده، ولا يخاف لومة لائم٢.
قال الذهبي عن شجاعته: "وأما شجاعته فبها تضرب الأمثال، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال، فلقد أقامه الله في نَوْبَةِ غَازان٣، والتقى أعباء الأمر بنفسه، وقام وقعد، وطلع وخرج، واجتمع بالملك مرتين،
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٣/٢٥٩. ٢ انظر: الأعلام العلية ص ٦٩. ٣ هو ملك التتار، واسمه محمود بن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن تولى بن جنكيز خان. تولى الملك على التتار سنة ٦٩٤؟ فأسلم على يد الأمير توزون وأظهر الإسلام ودخلت التتار أو أكثرهم في الإسلام، وتسمى بمحمود وشهد الجمعة والخطبة وخرّب كنائس كثيرة وضرب عليهم الجزية ورد مظالم كثيرة ببغداد وغيرها من البلاد. ثم قتل قازان الأمير نوروز!!! الذي كان إسلامه على يديه وقتل جميع من ينتسب إليه وهو من خيار أمراء التتار. وقد كسر المسلمين عند وادي مسلمية وولى السلطان هاربًا فولى المسلمون لا يلوون على أحد فاجتمع أعيان دمشق على أخذ الأمان منه لأهل دمشق فاجتمعوا به عند النبك وكلّمه الشيخ تقي الدين كلامًا قويًا شديدًا فيه مصلحة عظيمة عاد نفعها على المسلمين ولله الحمد. وقد توفي قازان سنة ٧٠٣؟ بالقرب من همدان، وقام بالملك من بعده أخوه خربندا. انظر: البداية والنهاية ١٣/٣٦٠، ٣٧٢،، ١٤/٨، ٣٠.
[ ١ / ٥٤ ]
وبقَطْلوشاه١ وببُولاي٢. وكان قَبْجَق٣ يتعجب من إقدامه وجرأته على المغول. وله حدّة قوية تعتريه في البحث، حتى كأنه ليث حرب"٤.
وقال عنه ابن عبد الهادي: "ولقد أخبرني حاجب من الحجاب الشاميين؛ أمير من أمرائهم ذو دين متين، وصدق لهجة معروف في الدولة قال: قال لي الشيخ يوم اللقاء ونحن بمرج الصُّفَّر٥ وقد تراءى الجمعان:
_________________
(١) ١ هو نائب قازان. وهو من التتر. انظر: البداية والنهاية ١٤/١٠. ٢ من أمراء التتر الذين عاثوا في الأرض فسادًا بعد وقعة قازان. قال ابن كثير: (خرج الشيخ تقي الدين ابن تيمية إلى مخيم بولاي فاجتمع به في فكاك من كان معه من أسارى المسلمين فاستنقذ كثيرًا منهم من أيديهم وأقام عنده ثلاثة أيام ثم عاد ثم راح إليه جماعة من أعيان دمشق ثم عادوا من عنده فشلحوا عند باب شرقي وأخذ ثيابهم وعمائمهم ورجعوا في شر حالة ثم بعث في طلبهم فاختفى أكثرهم وتغيبوا عنه) . البداية والنهاية ١٤/١١-١٢. ٣ هو الأمير سيف الدين قبجق المنصوري نائب السلطان على دمشق سنة ٦٩٦؟. وفي سنة ٦٩٨؟ فرّ إلى المغول ولحق بهم في أيام لاجين خوفًا منه بعد وقعة قازان ودخول التتر دمشق. فجعله قازان نائبًا له على الشام، ثمّ تركها لما رحل قازان عن دمشق، ثم استناب على حماة ثم حلب للملك الناصر نحمد بن المنصور قلاوون. وكان على يديه فرج المسلمين عام قازان. مات بحلب وهو وال عليها. ودفن بحماة سنة ٧١٠؟. انظر: البداية والنهاية ١٣/٣٦٩،، ١٤/٣-٤، ٨-١٢، ٣٠، ٦٢. ٤ العقود الدرية ص ١١٨. وانظر: البداية والنهاية ١٤/٩٢. ٥ هو أرض واسعة في دمشق فيها نبت كثير تمرج فيها الدواب. له ذكر في فتوح خالد بن الوليد لدمشق، كان فيه موقعة عظيمة مع الروم، وصارت فيه وقعة شقجب بين المسلمين والتتر، وانتصر فيها المسلمون سنة ٧٠٢؟. وحضرها شيخ الإسلام ﵀ وجاهد فيها مع أصحابه بسيفه، وكان ﵀ يحلف للأمراء والناس أنهم في هذه الكرة منصورون، فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا. انظر: البداية والنهاية ١٤/٢٥-٢٧. ومعجم البلدان ٥/١٠١. وحاشية كتاب العقود الدرية ص ١٧٦.
[ ١ / ٥٥ ]
يا فلان أوقفني موقف الموت. قال: فسقته إلى مقابلة العدو وهم منحدرون كالسيل تلوح أسلحتهم من تحت الغبار المنعقد عليهم. ثم قلت: يا سيدي هذا موقف الموت، وهذا العدو قد أقبل تحت هذه الغبرة المنعقدة، فدونك وما تريد. قال: فرفع طرفه إلى السماء، وأشخص ببصره، وحرك شفتيه طويلًا، ثم انبعث وأقدم على القتال ثم حال القتال بيننا والالتحام، وما عدت رأيته حتى فتح الله ونصر"١.
وأما عن إيثاره غيره على نفسه، مع فقره:
فيقول تلميذه البزار - ﵀ - عن ذلك: "كان - ﵁ - مع شدة تركه للدنيا، ورفضه لها، وفقره فيها، وتقلله منها، مؤثرًا بما عساه يجده منها، قليلًا كان أو كثيرًا، جليلًا أو حقيرًا، لا يحتقر القليل فيمنعه ذلك عن التصدق به، ولا الكثير فيصرفه النظر إليه عن الإسعاف به. فقد كان يتصدّق حتى إذا لم يجد شيئًا نزع بعض ثيابه المحتاج إليه فيصل به الفقير، وكان يستفضل من قوته القليل الرغيف والرغيفين فيؤثر بذلك على نفسه. وربّما خبّأها في كمّه. ويمضي ونحن معه لسماع الحديث، فيراه بعضنا وقد دفعه إلى فقير، مستخفينا، يحرص أن لا يراه أحد.. وكان إذا ورد عليه فقير وآثر المقام عنده يؤثره عند الأكل بأكثر قوته الذي جعل برسمه"٢.
وأما هيئته ولباسه:
فقد كان - ﵁ - متوسطًا في لباسه وهيئته، لا يلبس فاخر الثياب بحيث يرمق ويُمدّ النظر إليه، ولا أطمارًا أو ثياب غليظة تُشهر حال لابسها، ولا يُميّز عن عامة الناس بصفة خاصة يراه الناس فيها من عالم وعابد.
_________________
(١) ١ العقود الدرية ص ١٧٧-١٧٨. ٢ الأعلام العلية ص ٥٠.
[ ١ / ٥٦ ]
بل كان لباسه وهيئته كغالب الناس ومتوسطهم.
ولم يكن يلزم نوعًا واحدًا من اللباس فلا يلبس غيره، بل كان يلبس ما اتفق وحصل، ويأكل ما حضر. وكانت بذاذة الإيمان عليه ظاهرة، لا يُرى متصفًا في عمامة، ولا لباس، ولا مشية، ولا قيام، ولا جلوس، ولا يتهيّأ لأحد يلقاه، ولا لمن يرد عليه من بلد١.
وأما كرمه:
فقد كان مجبولًا على الكرم، لا يتطبعه، ولا يتصنعه، بل هو له سجية. وما شدّ على دينار ولا درهم قطّ بل كان مهما قدر على شيء من ذلك يجود به كله. وكان لا يردّ من يسأله شيئًا يقدر عليه من دراهم، ولا دنانير، ولا ثياب، ولا كتب، ولا غير ذلك.
وكان - ﵀ - لا يردّ أحدًا يسأله شيئًا من كتبه، بل يأمره أن يأخذ هو بنفسه ما يشاء منها.
وكان يُنكر إنكارًا شديدًا على من يسأل شيئًا من كتب العلم التي يملكها ويمنعها من السائل، ويقول: ما ينبغي أن يمنع العلم ممن يطلبه٢.
أما عفوه عمّن ظلمه، ومسامحته لمن عاداه، حتى بعد القدرة عليه:
فقد قال تلميذه ابن عبد الهادي - ﵀: "سمعت الشيخ تقي الدين ابن تيمية - ﵀ - يذكر أن السلطان لما جلس بالشباك، أخرج من جيبه فتاوى لبعض الحاضرين في قتله، واستفتاه في قتل بعضهم. قال: ففهمت مقصوده، وأن عنده حنقًا شديدًا عليهم لما خلعوه وبايعوا الملك المظفر
_________________
(١) ١ انظر في هيئته ولباسه: الأعلام العلية ص ٥٥. ٢ انظر: الأعلام العلية ص ٦٥.
[ ١ / ٥٧ ]
ركن الدين بيبرس الجاشنكير. فشرعتُ في مدحهم، والثناء عليهم، وشكرهم، وأنّ هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك. أما أنا فهم في حلّ من حقي، ومن جهتي، وسكّنتُ ما عنده عليهم. قال: فكان القاضي زين الدين ابن مخلوف قاضي المالكية يقول بعد ذلك: ما رأينا أتقى من ابن تيمية، لم نبق ممكنًا في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا عنّا"١.
ولعلّ ابن مخلوف هذا هو الذي كنّى عنه ابن كثير ب"أحد خصوم شيخ الإسلام)، ونقل قوله عن شيخ الإسلام - ﵀: "ما رأينا مثل ابن تيمية، حرّضنا عليه، فلم نقدر عليه، وقدر علينا، فصفح عنّا وحاجج عنّا"٢.
وقال الشيخ - ﵀ - قبيل وفاته للوزير، لما اعتذر إليه عن نفسه، والتمس منه أن يعفو عما بدر منه في حقه من تقصير أو غيره: "إني قد أحللتك وجميع من عاداني وهو لا يعلم أني على الحقّ وقال ما معناه: إني قد أحللت السلطان الملك الناصر من حبسه إياي لكونه فعل ذلك مقلدًا غيره معذورًا، ولم يفعله لحظ نفسه، بل لِمَا بلغه مما ظنه حقًا من مبلغه، والله يعلم أنه بخلافه. وقد أحللتُ كلّ واحدٍ مما كان بيني وبينه، إلا من كان عدوًا لله ورسوله"٣.
_________________
(١) ١ العقود الدرية ص ٢٨٢-٢٨٣. ٢ البداية والنهاية ١٤/٥٤، وكذا (حاجج) في الأصل، والقياس: (حاج) . ٣ الأعلام العلية ص ٨٣-٨٤.
[ ١ / ٥٨ ]
المطلب الثاني: حياة المؤلف العلمية.
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: نشأته العلمية:
يُحدّثنا ثلاثة من تلاميذ الشيخ - ﵀ - عن جدّه واجتهاده في طلب العلم، وحرصه عليه.
فيقول تلميذه البزار - ﵀: "ولم يزل منذ إبان صغره مستغرق الأوقات في الجدّ والاجتهاد. وختم القرآن صغيرًا، ثم انشغل بحفظ الحديث والفقه والعربية حتى برع في ذلك، مع ملازمة مجالس الذكر، وسماع الأحاديث والآثار. ولقد سمع غير كتاب عن غير شيخ من ذوي الروايات الصحيحة. أما دواوين الإسلام الكبار ك «مسند أحمد» و«صحيح البخاري»، ومسلم، و«جامع الترمذي»، و«سنن أبي داود السجستاني»، والنسائي، وابن ماجه، والدارقطني؛ فإنه - ﵀ ورضي عنهم وعنه - سمع كل واحد منها عدّة مرات. وأول كتاب حفظه في الحديث «الجمع بين الصحيحين» للإمام الحميدي. وقلّ كتاب من فنون العلم إلا وقف عليه، وكان الله قد خصّه بسرعة الحفظ، وإبطاء النسيان، لم يكن يقف على شيء، أو يستمع لشيء غالبًا إلا ويبقى على خاطره؛ إما بلفظه أو معناه. وكان العلم كأنه قد اختلط بلحمه ودمه وسائره.."١
وقال تلميذه ابن عبد الهادي - ﵀: "..وشيوخه الذين سمع منهم أكثر من مائتي شيخ. وسمع «مسند الإمام أحمد بن حنبل» مرات، وسمع
_________________
(١) ١ الأعلام العلية ص ١٩-٢٠.
[ ١ / ٥٩ ]
الكتب الستة الكبار، والأجزاء، ومن مسموعاته: «معجم الطبراني الكبير» . وعني بالحديث، وقرأ، ونسخ، وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ العربية على ابن عبد القوي، ثم فهمها، وأخذ يتأمّل كتاب سيبويه حتى فهم في النحو، وأقبل على التفسير إقبالًا كليًّا حتى حاز فيه قصب السبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك.. هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة. فانبهر أهل دمشق من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه"١.
وقال تلميذه الحافظ الذهبي - ﵀: "نشأ - يعني الشيخ تقي الدين ﵀ - في تصون تام، وعفاف، وتألّه وتعبّد، واقتصاد في الملبس والمأكل. وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره، ويناظر ويفحم الكبار، ويأتي بما يتحيّر منه أعيان البلد في العلم. فأفتى وله تسع عشرة سنة، بل أقلّ. وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت، وأكبّ على الاشتغال، ومات والده، وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم، فدرس بعده وظائفه وله إحدى وعشرون سنة. واشتهر أمره، وبعد صيته في العالم، وأخذ في تفسير الكتاب العزيز في الجامع على كرسيّ من حفظه، فكان يُورد المجلس ولا يتلعثم. وكذا كان الدرس بتؤدة وصوت جَهْوري فصيح"٢.
ونقل الذهبي عن بعض العلماء قوله في شيخ الإسلام: "ألفيته ممن أدرك من العلوم حظًا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا. إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته، وإن أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر
_________________
(١) ١ العقود الدرية ص ٣. ٢ العقود الدرية ص ٥.
[ ١ / ٦٠ ]
بالحديث فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضر بالنحل والملل لم يُرَ أوسع من نحلته، ولا أرفع من درايته. برز في كلّ فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه"١.
وقال الذهبي - ﵀ - أيضًا: "ولقد نصر السنة المحضة، والطريقة السلفية، واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجسر هو عليها"٢.
وبذلك نرى شيخ الإسلام ﵀ قد استحق هذا اللقب بجدارة؛ فهو شيخ الإسلام حقًا، وعلم الأعلام صدقًا.
المسألة الثانية: أبرز شيوخه:
حرص الشيخ - ﵀ - على تلقي العلم من الصغر، ولذلك أخذ عن كثير من الشيوخ، حتى قال ابن عبد الهادي: "إن شيوخه الذين سمع منهم أكثر من مائتي شيخ"٣.
ومن أبرزهم:
١- زين الدين أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي.
٢- ابن أبي اليسر.
٣- الكمال بن عبد.
٤- ابن عساكر الجدّ.
٥- أصحاب الخشوي.
_________________
(١) ١ كتاب الذيل ٢/٣٩٠-٣٩١. ٢ المصدر نفسه ٢/٣٩٤. ٣ العقود الدرية ٣/٣٢.
[ ١ / ٦١ ]
٦- الجمال يحيى بن الصيرفي.
٧- أحمد بن أبي الخير الحداد.
٨- القاسم الأربلي.
٩- فخر الدين بن البخاري.
١٠- الكمال عبد الرحيم.
١١- أبو القاسم بن علان.
١٢- أحمد بن شيبان.
١٣- شمس الدين بن أبي عمر.
١٤- إبراهيم بن الدرجي.
وخلقٌ كثير١.
المسألة الثالثة: أشهر تلاميذه:
١- محمد بن أحمد بن عبد الهادي.
٢- محمد بن أبي بكر، ابن قيم الجوزية.
٣- محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي.
٤- محمد بن مفلح بن محمد المقدسي.
٥- إسماعيل بن عمر بن كثير.
٦- عمر بن علي البزار.
_________________
(١) ١ انظر: العقود الدرية ص ٣. وكتاب الذيل لابن رجب ٢/٣٨٧. وقد جمع الدكتور عبد الرحمن الفريوائي بعض أسماء شيوخه، وترجم لهم، وذكر منهم (٦٩) عالمًا، منهم خمس من النساء. انظر: شيخ الإسلام ابن تيمية وجهوده في الحديث وعلومه ١/٧١-١٠٠.
[ ١ / ٦٢ ]
٧- أحمد بن حسن بن عبد الله بن قدامه.
٨- محمد بن شاكر الكتبي.
٩- سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصري البغدادي.
١٠- عمر بن مظفر الوردي المصري الحلبي.
١١- عمر بن سعد الله الحراني.
١٢- محمد بن المنجا التنوخي الدمشقي.
وغيرهم ١.
المسألة الرابعة: أشهر مؤلفاته:
لقد كان شيخ الإسلام - ﵀ - حريصًا على نشر مذهب السلف الصالح وتدوينه؛ من الأصول والفروع، وتقرير معتقدهم الصحيح، والردّ على المخالفين؛ من المتكلمين، والفلاسفة، والرافضة، والمتصوفة، والباطنية.
وأكثر مؤلفاته في الأصول والعقائد، والردّ على أهل البدع والأهواء.
وقد ذكر كلامًا في أحد كتبه، كأنّه يردّ على من يسأل عن سبب كثرة تأليفه في الأصول والعقائد، وتقرير مذهب السلف بذكر القواعد، فقال - رحمه الله تعالى: "فإنّ هذه القواعد المتعلقة بتقرير التوحيد، وحسم مادة الشرك والغلو، كلما تنوّع بيانها، ووضحت عباراتها، كان ذلك نورًا على نور، والله المستعان"٢.
_________________
(١) ١ وقد جمع د/ عبد الرحمن الفريوائي أكثر تلاميذ شيخ الإسلام - ﵀ ورحمهم - وترجم لهم، وعدّ منهم (١٦١) تلميذًا. انظر: شيخ الإسلام ابن تيمية وجهوده في الحديث وعلومه ١/١٠١-١٥٩. ٢ مجموع الفتاوى ١/٣١٣.
[ ١ / ٦٣ ]
فكثرة ترداد القواعد يزيدها وضوحًا، وتنوّع البيان يوضّح العبارات.
وتصانيفه - ﵀ - كثيرة في الأصول والقواعد، وغير ذلك، ولا يُقدر على إحصائها، حتى إن تلميذه - وهو من ألصق الناس به - يقول عنها: "وأما مؤلفاته ومصنفاته، فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها، أو يحضرني جملة أسمائها، بل هذا لا يقدر عليه غالبًا أحدٌ؛ لأنها كثيرة جدًا، وكبارًا وصغارًا، وهي منشورة في البلدان، فقلّ بلد نزلتُه إلا ورأيت فيه من تصانيفه"١.
وقال الحافظ ابن رجب - ﵀: "وأما تصانيفه - ﵀ - فهي أشهر من أن تذكر، وأعرف من أن تُنكر، سارت مسير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار. وقد جاوزت حدّ الكثرة فلا يمكن لأحد حصرها، ولا يتسع هذا المكان لعدّ المعروف منها، ولا ذكرها) ٢.
ومن أهمّ ما كتب الشيخ - ﵀ - في العقيدة - وهو المطبوع منها:
١- «منهاج السنة النبوية» .
٢- «شرح الأصفهانية» .
٣- «الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح» .
٤- «درء تعارض العقل والنقل» .
٥- «الاستقامة» .
٦- «بيان تلبيس الجهمية» .
٧- «الرد على المنطقيين» .
٨- «بغية المرتاد» .
٩- «كتاب الصفدية» .
_________________
(١) ١ الأعلام العلية ص ٢٥. ٢ كتاب الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب ٢/٤٠٣.
[ ١ / ٦٤ ]
١٠- «قاعدة في المعجزات والكرامات» .
١١- «الرسالة القبرصية» .
١٢- «الرسالة البعلبكية» .
١٣- «الرسالة المراكشية» .
١٤- «الرسالة المدنية» .
١٥- ("شرح حديث النزول» .
١٦- «شرح حديث «فحج آدم موسى»» .
١٧- «الإيمان الكبير» .
١٨- «الإيمان الأوسط» .
١٩- «اقتضاء الصراط المستقيم» .
٢٠- «التدمرية» .
٢١- «الحموية» .
٢٢- «تفسير آيات أَشكلت» .
٢٣- «تفسير سورة الإخلاص» .
٢٤- «العبودية» .
٢٥- «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» .
وقد صنّف الإمام ابن القيم - ﵀ - فهرسًا بأسماء كتب ابن تيمية، أوصل عددها إلى (٣٢١) ما بين رسالة وكتاب كبير١.
_________________
(١) ١ وقد طبعها د/ صلاح الدين المنجد، بيروت، ١٩٧٦ م. وقد ذكر بعض العلماء عددًا من مصنّفات شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، منهم: ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات ١/٧٥-٨٠. وابن عبد الهادي في العقود الدرية ص ٢٦-٦٧. والبزار في الأعلام العلية ص ٢٢-٢٨. والصفدي في كتابه الوافي بالوفيات ص ٧/٣٠-٣٣.
[ ١ / ٦٥ ]
فشيخ الإسلام - ﵀ - جمع بين غزارة العلم، وعمق الفهم، وشدة الذكاء، والإحاطة بعلوم الشريعة والمعارف الفكرية، والنظريات، والمسائل الكلامية. واستقرأ، واستوعب ما ألفه من كان قبله، فحوى تلك العلوم، ونقلها إلينا بفهم ثاقب، وعقيدة صائبة، فأكثر - ﵀ - من الإنتاج والتأليف.
ومؤلفات شيخ الإسلام - ﵀ - من الصعب حصرها وجمعها.
حتى قال الذهبي - ﵀: "جمعت مصنفات شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية - ﵁ - فوجدته ألف مصنّف، ثم رأيت له أيضًا مصنفات أخر"١.
وقال ابن عبد الهادي - ﵀ - بعد أن ذكر أسماء كثير من كتب شيخ الإسلام - ﵀: "وله من الأجوبة والقواعد شيء كثير غير ما تقدم ذكره، يشق ضبطه وإحصاؤه، ويعسر حصره واستقصاؤه. وسأجتهد إن شاء الله تعالى في ضبط ما يمكنني ضبطه من مؤلفاته في موضع آخر غير هذا، وأُبيِّن ما صنّفه منها بمصر، وما ألفه منها بدمشق، وما جمعه وهو في السجن، وأرتبه ترتيبًا حسنًا غير هذا الترتيب بعون الله تعالى وقوته ومشيئته.
قال الشيخ أبو عبد الله٢: لو أراد الشيخ تقي الدين - ﵀ - أو غيره حصرها - يعني مؤلفات الشيخ - لما قدروا لأنه ما زال يكتب. وقد منّ الله عليه بسرعة الكتابة، وكان يكتب من حفظه من غير نقل.
_________________
(١) ١ الرد الوافر ص ٧٢. ٢ هو عبد الله بن رشيق المغربي، توفي سنة ٧٤٩هـ يوم عرفة. قال عنه ابن كثير ﵀: (كاتب مصنفات شيخنا العلامة ابن تيمية كان أبصر بخط الشيخ منه إذ عزب شيء منه على الشيخ استخرجه أبو عبد الله هذا. وكان سريع الكتابة لا بأس به دينًا عابدًا كثير التلاوة حسن الصلاة له عيال وعليه ديون ﵀ وغفر له آمين) . البداية والنهاية ١٤/٢٤١.
[ ١ / ٦٦ ]
وأخبرني غير واحد أنه كتب مجلدًا لطيفًا في يوم، وكتب غير مرة أربعين ورقة في جلسة وأكثر. وأحصيت ما كتبه وبيضه في يوم فكان ثمان كراريس في مسألة من أشكل المسائل.
وكان يكتب على سؤال الواحد مجلدًا.
وأما جواب يكتب فيه خمسين ورقة، وستين، وأربعين، وعشرين فكثير.
وكان يكتب الجواب، فإن حضر من يبيضه، وإلا أخذ السائل خطه وذهب.
ويكتب قواعد كثيرة في فنون من العلم في الأصول والفروع والتفسير وغير ذلك، فإن وجد من نقله من خطه، وإلا لم يشتهر، ولم يعرف، وربما أخذه بعض أصحابه، فلا يقدر على نقله، ولا يرده إليه، فيذهب.
وكان كثيرًا ما يقول: قد كتبت في كذا وكذا. ويُسئل عن الشيء، فيقول: قد كتبتُ في هذا، فلا يُدرى أين هو. فيلتفت إلى أصحابه ويقول: ردّوا خطي وأظهروه لينقل. فمن حرصهم عليه لا يردونه. ومن عجزهم لا ينقلونه، فيذهب ولا يعرف اسمه.
فلهذه الأسباب وغيرها تعذّر إحصاء ما كتبه وما صنّفه.
وما كفى هذا، إلا أنه لما حُبس تفرّق أتباعه، وتفرّقت كتبه، وخوّفوا أصحابه من أن يُظهروا كتبه، فذهب كل أحدٍ بما عنده وأخفاه، ولم يظهروا كتبه، فبقي هذا يهرب بما عنده، وهذا يبيعه أو يهبه، وهذا يخفيه ويودعه، حتى منهم من تسرق كتبه، أو تجحد، فلا يستطيع أن يطلبها، ولا يقدر على تخليصها. فبدون هذا تتمزق الكتب والتصانيف. ولولا أن الله تعالى لطف وأعان، ومنَّ وأنعم، وجرت العادة في حفظ أعيان كتبه وتصانيفه، لما أمكن لأحد أن يجمعها. ولقد رأيت من خرق العادة في حفظ كتبه، وجمعها، وإصلاح ما فسد منها، وردّ ما ذهب منها، ما لو ذكرته لكان عجبًا يعلم به
[ ١ / ٦٧ ]
كل منصف أن لله عناية به وبكلامه؛ لأنه يذب عن سنة نبيه ﷺ تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"١.
وقال - ﵀ - أيضًا: "وللشيخ - ﵀ - من المصنفات والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل وغير ذلك من الفوائد ما لا ينضبط، ولا أعلم أحدًا من متقدمي الأمة ولا متأخريها جمع مثل ما جمع، ولا صنّف نحو ما صنّف، ولا قريبًا من ذلك، مع أنّ أكثر تصانيفه إنما أملاها من حفظه، وكثير منها صنّفه في الحبس وليس عنده ما يحتاج إليه من الكتب"٢.
وبهذا نعرف غزارة علم الشيخ - ﵀ - ووفرة ما ألّف، وكثرة ما صنّف، حتى إنّ أقرب الناس إليه، ومن صحبه وسبر حاله، لم يستطع حصرها واستيعابها، وكلّهم يُشير إلى كثرتها في الأقطار، وانتشارها في الأمصار.
وما زال المسلمون - ولله الحمد - ينتفعون بها؛ فقد حفظ الله الكثير منها، ونفع بها، فله الحمد والمنّة
وقد جمع الأخ الباحث علي بن عبد العزيز الشبل قوائم ببعض مخطوطات شيخ الإسلام - ﵀ - من فهارس المكتبات والمجموعات الخطية العامة والخاصة، وأوصل عدد ما جمع إلى (٤١٢) مخطوطًا ما بين رسالة وكتاب كبير، وأسماها الثبت. وهو مطبوع.
وقد أضاف إليه أيضًا قائمة ببعض مخطوطات العلامة ابن القيم ﵀. فجزاه الله خيرًا.
ولا شكّ أنه لم يستوف كلّ الموجود، بل ربما كان ما فُقد أكثر.
_________________
(١) ١ العقود الدرية ص ٢٦. ٢ العقود الدرية ص ٦٤-٦٦.
[ ١ / ٦٨ ]
المسألة الخامسة: اهتمام شيخ الإسلام - ﵀ - بالتأليف في جانب العقيدة:
كتب شيخ الإسلام - ﵀ - في كثير من الفنون، كما يُدرك ذلك من اطّلع على كتبه، إلا أنّ العقيدة هي السمة الغالبة في شتى مؤلفاته.
فقد تميزت أغلب كتبه بشرح معتقد السلف الصالح، وتقرير أصولهم، والردّ على من خالفهم؛ من متكلمين، وفلاسفة، وصوفية، ورافضة، وباطنية، وغيرهم من أهل الأهواء والبدع.
وقد ناقش هذه الفرق في شبهاتهم، ومن خلال هذه المناقشات كان ينصر معتقد السلف الصالح، ويعرضه بدلائله العقليّة والنقلية، ويردّ على من خالفه بأقوى ردّ، وأفحم حجّة.
قال تلميذه الحافظ الذهبي عنه: "عرف أقوال المتكلمين، وردّ عليهم، ونبّه على خطئهم، وحذّر منهم، ونصر السنة بأوضح حجج، وأبهر براهين"١.
وقال تلميذه البزار عن مؤلفاته: "وقد أبان - بحمد الله تعالى - فيما ألّف فيها لكلّ بصير الحق من الباطل، وأعانه بتوفيقه، حتى ردّ عليهم بدعهم وآراءهم وخدعهم وأهواءهم مع الدلائل النقليّة بالطريقة العقلية، حتى يجيب عن كلّ شبهة من شبههم بعدة أجوبة جليلة واضحة، يعقلها كلّ ذي عقل صحيح، ويشهد لصحتها كلّ عاقل رجيح"٢.
ويُحدّثنا شيخ الإسلام عن نفسه، ويُخبرنا عن كثرة المخالفين لمذهب
_________________
(١) ١ ذيل طبقات الحنابلة ٢/٣٨٩. ٢ الأعلام العلية ص ٣٧.
[ ١ / ٦٩ ]
أهل السنة في طرق إثبات الصانع، وعن سعة اطلاعه - ﵀ - على أقوالهم، وعن ردِّه لتلك الجموع العظيمة الكثيرة، وفضحه لهم، وكشفه لعوارهم، فيقول: "وذكرنا عامّة طرائق أهل الأرض في إثبات الصانع؛ من المتكلمين والفلاسفة، وطرق الأنبياء صلوات الله عليهم، وما سلكه عامة نظّار الإسلام؛ من معتزلي، وكرّامي، وكلامي، وأشعري فيلسوف وغيرهم"١.
ويقول - ﵀ - لخصومه أثناء مناظرتهم له: "أنا أعلم كلّ بدعة حدثت في الإسلام، وأوّل من ابتدعها، وما كان سبب ابتداعها"٢.
وقد تمنّى بعض من ترجم لشيخ الإسلام - ﵀ - أن لو جعل جهده في تفسير القرآن العظيم، وشرح السنة المطهرة، بدلًا من الإكثار من الردّ على أهل البدع والأهواء.
يقول الصفدي - ﵀: "وضيّع الزمان في ردّه على النصارى، والرافضة، ومَنْ عاند الدين أو ناقضه. ولو تصدّى لشرح البخاري، أو لتفسير القرآن العظيم لقلّد أعناق أهل العلم بدرّ كلامه النظيم"٣.
وقد تقدّم لشيخ الإسلام - ﵀ - كلام، كأنّه ردّ فيه على أشباه هذه التساؤلات، يقول فيه - رحمه الله تعالى: "فإنّ هذه القواعد المتعلقة بتقرير التوحيد، وحسم مادة الشرك والغلو، كلما تنوّع بيانها، ووضحت عباراتها، كان ذلك نورًا على نور، والله المستعان"٤.
_________________
(١) ١ الرد على المنطقيين ص ٢٥٣. ٢ مجموع الفتاوى ٣/١٨٤. ٣ الوافي بالوفيات للصفدي٧/٣٢. ٤ مجموع الفتاوى ١/٣١٣. وقد تقدمت هذه العبارة في ص ٧٦.
[ ١ / ٧٠ ]
وقد أجابَ الشيخُ - ﵀ - تلميذَه البزار - ﵀ - عن هذا الإشكال، حين سأل هذا الأخير شيخَه شيخ الإسلام - ﵀ - عن سبب إكثاره من التأليف في الأصول، وقلّة تآليفه في العلوم الأخرى
ومما قاله البزار: "ولقد أكثر - ﵁ - التصنيف في الأصول، فضلًا عن غيره من بقية العلوم، فسألتُه عن سبب ذلك، والتمستُ منه تأليف نص في الفقه يجمع اختياراته وترجيحاته ليكون عمدة في الإفتاء، فقال لي ما معناه: الفروع أمرها قريب، ومتى قلّد المسلم فيها أحد العلماء المقلّدين، جاز له العمل بقوله ما لم يتيقّن خطأه. وأما الأصول: فإني رأيت أهل البدع والضلالات والأهواء؛ كالمتفلسفة، والباطنية، والملاحدة، والقائلين بوحدة الوجود، والدهرية، والقدرية، والنصيرية، والجهمية، والحلولية، والمعطلة، والمجسمة، والمشبهة، والراوندية، والكلابية، والسليمية١، وغيرهم من أهل البدع قد تجاذبوا فيها بأزمة الضلال، وبان لي أنّ كثيرًا منهم إنما قصد إبطال الشريعة المقدسة المحمدية الظاهرة العلية على كلّ دين، وأن جمهورهم أوقع الناس في التشكيك في أصول دينهم. ولهذا قلّ أن سمعت أو رأيت معرضًا عن الكتاب والسنة، مقبلًا على مقالاتهم إلا وتزندق، أو صار على غير يقين في دينه واعتقاده. فلما رأيت الأمر على ذلك، بان لي أنه يجب على كلّ من يقدر على دفع شبهتهم وأباطيلهم، وقطع حجتهم وأضاليلهم أن يبذل جهده ليكشف رذائلهم، ويزيّف دلائلهم ذبًا عن الملة الحنيفية، والسنة الصحيحة الجليّة. ولا واللهِ ما رأيت فيهم أحدًا ممن صنّف في هذا الشأن وادّعى علوّ المقام، إلا وقد
_________________
(١) ١ لعل المقصود بهم السالمية.
[ ١ / ٧١ ]
ساعد بمضمون كلامه في هدم قواعد دين الإسلام. وسبب ذلك: إعراضه عن الحقّ الواضح المبين، وعن ما جاءت به الرسل الكرام عن ربّ العالمين، واتباعه طرق الفلسفة في الاصطلاحات التي سموها بزعمهم حكميات وعقليات، وإنما هي جهالات وضلالات، وكونه التزمها معرضًا عن غيرها أصلًا ورأسًا، فغلبت عليه حتى غطت على عقله السليم فتخبط حتى خبط فيها عشواء١، ولم يفرّق بين الحق والباطل. وإلا فالله أعظم لطفًا بعباده أن لا يجعل لهم عقلًا يقبل الحق ويثبته، ويبطل الباطل وينفيه. لكن عدم التوفيق، وغلبة الهوى أوقع من أوقع في الضلال. وقد جعل الله تعالى العقل السليم من الشوائب ميزانًا يزن به العبد الواردات فيفرّق به بين ما هو من قبيل الحقّ، وما هو من قبيل الباطل، ولم يبعث الله الرسل إلا إلى ذوي العقل، ولم يقع التكليف إلا مع وجوده. فكيف يقال إنه مخالف لبعض ما جاءت به الرسل الكرام عن الله تعالى. هذا باطلٌ قطعًا، يشهد له كلّ عقل سليم. لكن: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُور﴾ ٍ [سورة النور، الآية ٤٠] .قال الشيخ الإمام - قدس الله روحه -: فهذا ونحوه هو الذي أوجب أني صرفت جلّ همي إلى الأصول، وألزمني أن أوردت مقالاتهم، وأجبتُ عنها بما أنعم الله تعالى به من الأجوبة النقلية والعقلية"٢.
وهكذا نرى شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - قد أخذ على عاتقه، وأوجب على نفسه الكتابة في أصول الدين، والردّ على المخالفين.
_________________
(١) ١ قال محقق «الأعلام العلية» في ح (١): العشواء الناقة التي لا تبصر ليلًا، وهو مثل يضرب للذي لا يتبصر في أموره. ٢ الأعلام العلية ص ٣٥-٣٧.
[ ١ / ٧٢ ]
وكأنّه بذلك يُرشد من قدر على دفع شرّ المخالفين، وكشف خطرهم، ومحو شبهاتهم وباطلهم، أنّ هذا الصنيع واجب في حقه كذلك، للذب عن دين رب العالمين، ولنصرة سنة سيد المرسلين.
ولم يقف الأمر عند الكتابة، بل طبّق الشيخ ﵀ العقيدة عمليًّا، حين كسر عددًا من الأحجار التي كانت تُعبد من دون الله، وقطع أشجارًا كثيرة كان يُصرف لها شيء من العبادة.
وقد تحققت فيه دعوة الإمام النووي لما دعا اللهَ قائلًا: "اللهم أقم لدينك رجلًا يكسر العمود المخلّق١، ويُخرّب القبر الذي في جيروت٢"، فكان ذلك على يد شيخ الإسلام - رحمه الله٣.
المسألة السادسة: علماء توقعوا الذيوع والانتشار لكتب شيخ الإسلام - ﵀ - بعد موته:
مؤلفات شيخ الإسلام - ﵀ - تعالى كتب الله لها الحفظ والانتشار.
وها نحن الآن في القرن الخامس عشر الهجري، وقد مضى على وفاة شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - نحو سبعة قرون، ولا زالت - بفضل الله وتوفيقه -
_________________
(١) ١ قال ابن كثير ﵀: (وفي هذا الشهر بعينه راح الشيخ تقي الدين ابن تيمية إلى المسجد النارنج وأمر أصحابه ومعهم حجارون يقطع صخرة كانت بنهر قلوط تزار وينذر لها فقطعها وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها، فأزاح عن المسلمين شبهة كان شرها عظيمًا. وبهذا وأمثاله حسدوه وأبرزوا له العداوة) . البداية والنهاية ١٤/٣٦. ٢ قال ابن كثير ﵀: (وهو باب شرقي جامع دمشق لم ير باب أوسع ولا أعلى منه.. من عجائب الدنيا، وقد ذكرته العرب في أشعارها، وهو منسوب إلى ملك يقال له جيروت بن سعد. كان بناؤه قبل الخليل ﵇) . البداية والنهاية ١٤/٢٥٣. ٣ انظر: أوراق مجموعة من حياة شيخ الإسلام ﵀ ص ٧٠-٧١.
[ ١ / ٧٣ ]
مؤلفاته منتشرة، كثيرة مشتهرة، تنير الدرب للراغب في الهداية، وتوضّح السبيل للباحث عن الحقيقة.
ولقد أوضح شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - في كتبه معتقدَ السلف، وطريقهم، ومنهجهم، بأقوى حجة، وأوضح برهان. فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
ولقد كان تلاميذ الشيخ - ﵀ - يتواصون فيما بينهم بالعناية بما كتب الشيخ، والنسخ عنه، والمحافظة عليه.
فها هو ذا أحد تلاميذه، وهو الإمام أحمد بن مرّي الحنبلي يُرسل رسالة إلى تلاميذ شيخ الإسلام بعد موته، ويوصيهم بنسخ تآليفه من مسوداته، والاحتفاظ بها، ويبشرهم بالعاقبة الحسنة، ويُمّنيهم بأنّ هذه الكتب ستنتشر يومًا ما، ويذيع صيتها، فيقول - ﵀: "فإن يسر الله تعالى وأعان على هذه الأمور العظيمة صارت إن شاء الله مؤلفات شيخنا ذخيرة صالحة للإسلام وأهله، وخزانة عظيمة لمن يؤلف منها وينقل، وينصر الطريقة السلفية على قواعدها، ويستخرج ويختصر إلى آخر الدهر إن شاء الله تعالى. قال ﷺ: "لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم فيه بطاعة الله» ١، وقال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة"٢. والله ﷾ يقول في كتابه: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل، ٨] . وكما انتفع الشيخ بكلام الأئمة قبله، فكذلك ينتفع بكلامه من بعده - إن شاء الله تعالى. فاتبعوا
_________________
(١) ١ رواه الإمام أحمد في المسند ٤/٢٠٠. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ٥/٢٤٤٢، وفي صحيح الجامع ٦/٢٣١. ٢ تقدم تخريجه ص ١١.
[ ١ / ٧٤ ]
أمر الله، واقصدوا رضى الله بجمع كل ما تقدرون عليه من أنواع المؤلفات الكبار، وأشتات المسائل الصغار، ومن نسخ الفتاوى المتفرقة، وسائر كلامه الذي قد مُلئ - ولله الحمد - من الفوائد، والفرائد، والشوارد. فأيقظوا الهمم، وبذلوا الأموال الكثيرة في تحصيل هذا المطلب العظيم الذي لا نظير له. فهذا هو الذي يلزمنا من حيث الأسباب والتمام على رب الأرباب، ومسبب الأسباب، وفاتح الأبواب، الذي يقيم دينه، وينصر كتابه، وسنة نبيه على الدوام، ويثبت من يؤهله لذلك من أنواع الخاص والعام. وكلٌّ مجزي في القيامة بعمله، وما ربّك بظلام للعبيد.
وقد عُلم أن الإمام أحمد بن حنبل كان ينهى في حال حياته عن كتابة كلامه ليجمع القلوب على المادة الأصلية العظمى، ولما توفي استدرك أصحابه ذلك الأمر الكبير، فنقلوا علمه، وبيّنوا مقاصده، وشهروا فوائده، فانتصرت طريقته، واقتفيت آثاره، لأجل ذلك الوجود هو على هذه الصفة قديمًا وحديثًا. فلا تيأسوا من قبول القلوب القريبة والبعيدة لكلام شيخنا، فإنه ولله الحمد مقبول طوعًا وكرهًا. وأين غايات قبول القلوب السليمة لكلماته، وتتبع الهمم النافذة لمباحثه وترجيحاته. ووالله إن شاء الله ليقيمنّ الله - سبحانه - لنصر هذا الكلام ونشره وتدوينه وتفهمه، واستخراج مقاصده، واستحسان عجائبه وغرائبه رجالًا هم إلى الآن في أصلاب آبائهم. وهذه سنة الحياة الجارية في عباده وبلاده. والذي وقع من هذه الأمور في الكون لا يحصى عدده غير الله - تعالى. ومن المعلوم أن البخاري مع جلالة قدره أُخرج طريدًا ثم مات بعد ذلك غريبًا، وعوضه الله - سبحانه - عن ذلك بما لا خطر في باله، ولا مرّ في خياله؛ من عكوف الهمم على كتابه، وشدة احتفالها به، وترجيحها له على جميع كتب السنن، وذلك لكمال صحته،
[ ١ / ٧٥ ]
وعظمة قدره، وحسن ترتيبه وجمعه، وجميل نية مؤلفه، وغير ذلك من الأسباب.
ونحن نرجو أن يكون لمؤلفات شيخنا أبي العباس من هذه الوراثة الصالحة نصيب كثير - إن شاء الله تعالى؛ لأنه كان بنى جملة أموره على الكتاب والسنة ونصوص أئمة سلف الأمة، وكان يقصد تحرير الصحة بكل جهده، ويدفع الباطل بكل ما يقدر عليه، لا يهاب مخالفة أحد من الناس في نصر هذه الطريقة، وتبيين هذه الحقيقة، وتسهيل العبارات، وجمع أشتات المتفرقات، والنطق في مضايق الأبواب، بحقائق فصل الخطاب، ما ليس لأكثر المصنفين في أبواب مسائل أصول الدين وغيرها من مسائل المحققين؛ لأنه كان يجعل النقل الصحيح أصله وعمدته في جميع ما يبني عليه، ثم يعتضد بالعقليات الصحيحة التي توافق ذلك وبغيرها ويجتهد على دفع كلّ ما يُعارض ذلك من شبهة المعقولات، ويلتزم حلّ كل شبهة كلامية وفلسفية"١.
وهذا عالمٌ آخر يُنادي بنسخ تآليف شيخ الإسلام من المسودات، والمحافظة عليها، ويبشر بأنها طريقٌ لإعادة مجد الإسلام، فيقول: (شجّعوا ابن القيم ينقل لكم ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه لا يعرف أحد أن يقرأ خطه سواه، وهو أعلم تلاميذه بكتبه وآثاره. واعلموا أنه سيصير لهذه الآثار شأن عظيم، وسبب لإعادة مجد الإسلام، وستكون مرجعًا في المستقبل لمعرفة الإسلام الصحيح"٢.
_________________
(١) ١ قطعة من مكتوب الشيخ الإمام أحمد بن مري - تحقيق محمد إبراهيم الشيباني - ص ١٦-١٨. ٢ المصدر نفسه.
[ ١ / ٧٦ ]
وهذا الحافظ ابن حجر - ﵀ - يُثني على شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - ويُشير إلى بقاء تصانيفه، وانتقال تواليفه إلى الأجيال القادمة، فيقول: (وتلقيبه بشيخ الإسلام باق إلى الآن على الألسنة الزكية، وسيستمر غدًا ما كان بالأمس، ولا ينكر ذلك إلا من جهل مقداره، وتجنب الإنصاف"١.
وقال الواسطي في رسالة إلى تلاميذ شيخ الإسلام - ﵀ - يوصيهم بالشيخ وبعلمه، فيقول: (فاشكروا الله الذي أقام لكم في رأس السبعمائة من الهجرة من بيَّن لكم أعلام دينكم، وهداكم الله به وإيانا إلى نهج شريعته، وبيَّن لكم بهذا النور المحمدي ضلالات العباد وانحرافاتهم، فصرتم تعرفون الزائغ من المستقيم، والصحيح من السقيم، وأرجو أن تكونوا أنتم الطائفة المنصورة الذين لا يضرّهم من خذلهم ولا من خالفهم"٢.
وقال أحمد بن طرخان الملكاوي (ت ٨٠٣؟) عن شيخ الإسلام - ﵀: (فوالله إنّ الشيخ تقي الدين شيخ الإسلام لو دَرَوْا ما يقول لرجعوا إلى محبته وولائه"، وقال: (كلّ صاحب بدعة ومن ينتصر له لو ظهروا لا بدّ من خمودهم وتلاشي أمرهم. وهذا الشيخ تقي الدين ابن تيمية كلّما تقدّمت أيامه تظهر كراماته، ويكثر محبّوه وأصحابه"٣.
فتأمّل - يا رعاك الله - كلام هؤلاء الأئمة، وانظر بإمعان وإنصاف فيه، فتجد أنّها كانت فراسة صادقة، وحدسًا صادقًا، وظنًّا صائبًا، وبُعدَ نظرٍ في العواقب.
_________________
(١) ١ تقريظ الحافظ ابن حجر على الرد الوافر - تحقيق محمد إبراهيم الشيباني، ص ١٢. ٢ التذكرة والاعتبار والانتصار للأبرار في الثناء على شيخ الإسلام والوصاية به ص ٢٤. ٣ الرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي ص ١٤١.
[ ١ / ٧٧ ]
فقد توقعوا أن يكتب الله لمؤلفات إمام الأئمة القبول، وأن ينتشر علمه في العرض والطول، وأن تحتاجه الأمة في حاضرها جيلًا إثر جيل، وأن يكون سببًا في رجعة الأجيال إلى المعتقد الأصيل.
وقد صدقت توقعاتهم، فها نحن - بحمد الله - نحياها؛ فما دعوة الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب إلا ثمرة من غرس شيخ الإسلام، خرجت شجرة طيبة في جزيرة العرب، وطاب غراسها، فآتت أكلها بإذن ربها، وتأسست دولة الإسلام على أصلها الثابت، وانتشر خيرها في الأرجاء، وعمّ في الربوع الرخاء، وانتشر العلم القائم على النور السلفي، وأُنشئت المؤسسات الصادرة عن هذا الينبوع الصافي.
وما دور جامعتنا المباركة - الجامعة الإسلامية - عنّا ببعيد، فقد قامت على ذلك المنهج السلفي، واحتضنت أبناء العالم الإسلامي، وغذتهم بلبان العقيدة الصحيحة، فجزى الله القائمين عليها خير الجزاء.
المسألة السابعة: الأيام الأخيرة لشيخ الإسلام، ووفاته:
كان شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - عالمًا عاملًا، نشر الدعوة بكلّ جدّ ونشاط، حتى جاء عام ٧١٨؟، فمنعه السلطان فيه من الفتوى في مسألة الحلف بالطلاق بالتكفير، ثم عقد لهذا الغرض مجالس في سنة ٧١٩؟، وحبس في سجن القلعة فترة، وانتهى الأمر بمنعه - بسبب فتواه - من الفتيا مطلقًا.
ثم دبّر له أعداؤه مكيدة أخرى؛ إذ وشوا به للسلطان، وقالوا له: إنه يفتي بمنع السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين، وأوهموا السلطان أنّ في ذلك تنقصًا للأنبياء والمرسلين، وتنقصهم كفر.
وأفتى بذلك طائفة من أهل الأهواء؛ وهم ثمانية عشر نفسًا، يرأسهم
[ ١ / ٧٨ ]
القاضي الأخنائي المالكي، وأفتى قضاة مصر الأربعة بحبسه، فحبس بقلعة دمشق سنتين وأشهرًا.
وقد بقي - ﵀ - في القلعة يكتب العلم، ويُصنّفه، ويُرسل إلى أصحابه الرسائل١.
قال الحافظ ابن كثير - ﵀: (وفي يوم الاثنين تاسع جمادى الآخرة من عام ٧٢٨؟، أُخّر ما كان عند الشيخ تقي الدين بن تيمية من الكتب والأوراق والدواة والقلم، ومنع من الكتابة والمطالعة، وحملت كتبه في مستهل رجب إلى خزانة الكتب بالعادلية الكبيرة وكان سبب ذلك أنه أجاب لما كان ردّ عليه التقي ابن الأخنائي المالكي في مسألة الزيارة، فردّ عليه الشيخ تقي الدين واستجهله، وأعلمه أنه قليل البضاعة في العلم، فطلع الأخنائي إلى السلطان وشكاه، فرسم السلطان عند ذلك بإخراج ما عنده من ذلك"٢.
وقد حدّث ابن عبد الهادي عن حال شيخ الإسلام بعد إخراج ما عنده من الكتب، ومنعه من المطالعة والكتابة، فقال: (وأقبل الشيخ بعد إخراجها على العبادة والتلاوة والتذكر والتهجد حتى أتاه اليقين، وختم القرآن مدّة إقامته بالقلعة ثمانين أو إحدى وثمانين ختمة، انتهى في آخر ختمة إلى آخر: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ وكانت مدة مرضه بضعة وعشرين يومًا. وأكثر الناس ما علموا بمرضه، فلم يفجأ الخلق إلا نعيه"٣.
_________________
(١) ١ انظر: شيخ الإسلام وجهوده في الحديث ١/٣٨-٣٩. ٢ البداية والنهاية ٤/١٤٠. وانظر: العقود الدرية ص ٣٦٣. ٣ العقود الدرية ص ٣٦٨.
[ ١ / ٧٩ ]
قال البزار - ﵀ - عن آخر أيامه، ووفاته: (ثم إن الشيخ - ﵁ - بقي إلى ليلة الاثنين والعشرين من ذي القعدة الحرام، وتوفي إلى رحمة الله تعالى ورضوانه في بكرة ذلك اليوم، وذلك في سنة ثمان وعشرين وسبع مائة، وهو على حاله مجاهدًا في ذات الله، صابرًا، محتسبًا، لم يجبن، ولم يهلع، ولم يضعف، ولم يتتعتع، بل كان - ﵁ - إلى حين وفاته مشتغلًا بالله عن جميع ما سواه. قالوا: فما هو إلا أن سمع الناس بموته، فلم يبق في دمشق من يستطيع المجيء للصلاة عليه وأراده إلا حضر لذلك، وتفرغ له، حتى غلقت الأسواق بدمشق، وعطلت معايشها حينئذ، وحصل للناس بمصابه أمر شغلهم عن غالب أمورهم وأسبابهم، وخرج الأمراء والرؤساء والعلماء والفقهاء والأتراك والأجناد والرجال والنساء والصبيان من الخواص والعوام.
قالوا: ولم يتخلف أحد من غالب الناس فيما أعلم، إلا ثلاثة أنفس كانوا قد اشتهروا بمعاندته، فاختفوا من الناس خوفًا على أنفسهم، بحيث غلب على ظنهم أنهم متى خرجوا رجمهم الناس فأهلكوهم"١.
وقد صُلي على شيخ الإسلام - ﵀ - صلاة الغائب في غالب أمصار المسلمين، فما من مصر وصلهم خبر موته، إلا وصلوا عليه صلاة الغائب٢.
وقد ذكر الحافظ ابن كثير أنّه صُلّي عليه في المدينة النبوية في يوم الجمعة آخر شهر ربيع الآخر من سنة ٧٢٩؟؛ أي بعد قرابة خمسة أشهر من وفاته - رحمه الله٣.
_________________
(١) ١ الأعلام العلية ص ٨٤-٨٥. ٢ انظر: الأعلام العلية للبزار ص ٨٧. ٣ انظر: البداية والنهاية ١٤/١٤٩.
[ ١ / ٨٠ ]
وهكذا عاش شيخ الإسلام - ﵀ - سبعةً وستين عامًا حافلة بالجهاد، والنصح للعباد.
وقد ذهب من كاد له وحسده، ونسي الناس من مكر به ورصد له، وبقي علم الشيخ - ﵀ - وبقيت آثاره، وستستمرّ - إن شاء الله - يُنهل من معينها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
رحم الله شيخ الإسلام رحمة واسعة، وجزاه أحسن الجزاء عمّا ترك للمسلمين من علوم نافعة، وأجزل له المثوبة يوم الدين، ونفعنا بعلمه، ووفقنا لسلوك منهج المتقين.
ورحم الله القائل فيه:
فالله يوسعه برًّا ويشكر ما أبدى لنا معشر القرآن والسنن١.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيّنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة منهاج السنة النبوية ١/٥٨.
[ ١ / ٨١ ]
المبحث الثالث: دراسة الكتاب
المطلب الأول: التعريف بالكتاب
المطلب الأول: التعريف بالكتاب.
كتاب ("النبوات» يبحث في طرق إثبات النبوة، والمعجزة، والكرامة، والفرق بينها وبين خوارق العادات، وفق معتقد أهل السنة والجماعة.
وفيه ردّ على المخالفين في هذا الباب؛ من أشعرية، ومعتزلة، وفلاسفة، مع ذكر مذاهبهم، وبيان أدلتهم.
وقد فصّل شيخ الإسلام - ﵀ - فيه القول، وأطال النفس:
فَعَرَضَ أقوال الأشاعرة بالتفصيل، وردّ عليها.
واهتمّ حين عَرْضِه لأقوال الأشاعرة، بأقوال الشخصية الثانية في المذهب الأشعري، ألا وهو القاضي أبو بكر الباقلاني، حيث انتقده في كتابه «البيان»، وردّ على أقواله، وناقشها، ومحّصها، وبيَّن مجانبتها للصواب، وكرَّ على ما بُنيت عليه هذه الأقوال من قواعد فنسفها نسفًا، ووضّح لازمها، والنتيجة التي تفضي إليها، محذّرًا بذلك منها ومن اعتقادها.
وكتاب «النبوات» لم يقتصر على مباحث النبوات، والفروق بين المعجزة والكرامة، وبين ما يظهر على أيدي السحرة والكهان وأمثالهم من خوارق. بل كما هي عادة شيخ الإسلام - ﵀، كان يردّ على الخصوم،
[ ١ / ٨٣ ]
ويُبيِّن المضائق والمزالق التي أودت بهم إليها أقوالهم الباطلة، ويوضّح المآزق التي أوقعتهم بها أصولهم الهابطة النازلة.
ومن طريقته - ﵀ - ومنهجه: أنه إذا تعرض لنقد قول ما، أو ناقش مسألة ما، فإنه لا يردّ عليها مباشرة، وإنّما يُنقّب عن الأصول التي قامت عليها، والأسس التي صدرت عنها.
وقد نبّه شيخ الإسلام - ﵀ - إلى أنّ أقوال أهل البدع التي التزموها، وخالفوا فيها الرسول، سببها ما أصلوه من أصول عقلية قياسيّة مخالفة لأصول الرسول.
فكان هدم هذه الأصول هو غايته، ودكّها وما بني عليها من أقوال ومسائل منتهى أُمنيّته.
لذلك نراه يُجهز عليها، ويُدفّف عليها، ويُرسل عليها سهامًا صدرت عن بحر علمه الزاخر، فلا تقف في مواجهته، وينقلب أصحابها ما بين خائب وخاسر.
ويورد عليها من الأدلة ما يكون سببًا في إبطالها، وبيان مجانبتها للصواب، ومخالفتها لأقوال السلف الصالح، ومجانبتها لفهوم ذوي الألباب.
ومن المسائل التي تعرّض لها الشيخ - ﵀ - في هذا الكتاب: مسألة أنّ الرسول ﷺ قد بيَّن أصول الدين، وأنّ الأدلة العقلية الصريحة لا تُعارض الأدلة النقلية الصحيحة.
وقد انتقد الشيخ - ﵀ - أصول المبتدعة الشهيرة، التي اتفقوا عليها؛ مثل دليل الأعراض وحدوث الأجسام، وبيَّن أنّها لا وزن لها في ميزان الشرع، بل هي تافهة حقيرة.
وتكلّم عن أقوالهم في بقاء المادة، وردّ على من يقول بعدم فنائها.
[ ١ / ٨٤ ]
وتناول طرق الناس في التمييز بين خوارق العادات، وناقش موقف كلّ فرقة من هذه الخوارق من حيث النفي والإثبات.
وتكلم عن محبة الله - تعالى، وموقف الناس منها من جافى في إثباتها أو غالى.
وكذلك الاستدلال بحكمة الله وإرادته على النبوة، والاستدلال بسنته - تعالى - وعادته على ذلك، وردّ - ﵀ - على من نفى ذلك فأقحم نفسه في المهالك.
وتكلّم عن غنى الله، وردّ على المتكلمين والفلاسفة الذين خالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك.
وتكلّم عن العدالة الإلهية، وردّ على من يقول بتعذيب أهل الصلاح، وتنعيم أهل الظلم ردودًا واضحة جليّة.
وغير ذلك من المباحث المهمة الطريفة الجامعة، التي تناولها الشيخ - ﵀ - في ثنايا هذا الكتاب ذي البحوث والمسائل النافعة.
المسألة الأولى: تحقيق اسم الكتاب، وتوثيق نسبته إلى مؤلفه، وتاريخ تأليفه:
أولًا: تحقيق اسم الكتاب:
الاسم الذي على النسخة المخطوطة هو: ("الكلام على النبوات والمعجزات» .
وقد ذكر الشيخ ابن عبد الهادي - ﵀ - مؤلفات شيخه شيخ الإسلام - ﵀، وعدّ منها: "قاعدة في تقرير النبوات بالعقل والنقل» ١.
_________________
(١) ١ العقود الدرية ص ٦٦.
[ ١ / ٨٥ ]
وحين ذكر كلّ من الصفدي، وابن شاكر الكتبي، والآلوسي مؤلفات شيخ الإسلام - ﵀ - عدّوا منها كتاب: "ثبوت النبوات عقلًا ونقلًا والمعجزات والكرامات") ١.
وكتاب «النبوات» الذي بين أيدينا يتحدّث عن طرق ثبوت النبوة، والفرق بين خوارق العادات عقلًا ونقلًا، فهو المقصود - من غير شك - بهذا الاسم.
ولكنّي أميل إلى إبقاء اسمه «النبوات» لعدة أمور، منها:
(١) أنّ اسم «النبوات»، تدخل فيه المعجزة والكرامة؛ إذ النبوة أصل، والمعجزة فرع عنها.
(٢) لا شك أنّ اسم «النبوات» جزء من العنوان، وأنّه اختصر من ذاك العنوان الطويل: «الكلام على النبوات والمعجزات»، أو «قاعدة في تقرير النبوات بالعقل والنقل»، أو «ثبوت النبوات عقلًا ونقلًا والمعجزات والكرامات»؛ إذ جرت العادة في اختصار الأسماء الطويلة، لأجل الحفظ، وسهولة النطق.
والأمثلة كثيرة عن اختصار أسماء الكتب الطويلة.
(٣) من عادة شيخ الإسلام المعروفة في بعض كتبه أنّه لا يُسمّيها، وإن سمّاها، فليس لها اسم ثابت؛ إذ قد تختلف هذه الأسماء حتى في كلام مؤلفها؛ كما حدث في الجواب الصحيح، ودرء التعارض، والتدمرية، ونقض المنطق، ونحوها ممّا ليس هذا محلّ بسطه.
_________________
(١) ١ انظر: الوافي بالوفيات للصفدي ٧/٢٥. وفوات الوفيات للكتبي ١/٧٦-٧٧. وجلاء العينين للآلوسي ص ٨.
[ ١ / ٨٦ ]
(٤) أنّ بعض رسائل شيخ الإسلام - ﵀ - ليس لها اسم أُطلق عليها من قِبَله، ومن ذلك رسائله التي كانت إجابات على أسئلة ترد عليه من أمصار المسلمين؛ إذ كانت تُسمّى بحسب البلدة التي ينتمي إليها السائل، أو أنّ تلاميذ شيخ الإسلام كانوا يُسمّونها باسم معيّن.
(٥) قد توافق كلّ من طبع هذا الكتاب على تسميته باسم «النبوات» . وهو ما اشتهر بين الناس أيضًا.
فالذي أُرجّحه - والله أعلم - إبقاء عنوان الكتاب على ما عُرف به: «النبوات» فقط؛ إذ هذا الاسم في صميم الموضوع، وقد تعارف طلبة العلم على إطلاقه، وانتشر بينهم بهذا الاسم.
ولا محذور في إبقائه على هذا الاسم - إن شاء الله، ولو غُيِّر لالتبس على الناس، إذ قد يُظنّ أنه كتاب آخر غير كتاب «النبوات» المعروف. والله أعلم.
ثانيًا: توثيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه:
هذا الكتاب هو كتاب شيخ الإسلام - ﵀ - من غير شكّ، ونسبته إليه قطعية بدلائل يقينيّة. منها:
(١) الكتاب لم يُنسب إلى غير شيخ الإسلام.
بل قد صُرّح في أول نسخه المخطوطة باسم مؤلفه، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - ووضع اسمه على الغلاف كذلك.
(٢) إنّ شيخ الإسلام - ﵀ - أشار في هذا الكتاب إلى كثير من كتبه المشهورة المعروفة.
وهذا لا يترك محلًا للشكّ في أنّه هو المؤلف له - رحمه الله تعالى.
(٣) أنّ المستقرئ للكتاب يُدرك أنّ هذا الكتاب هو كتاب شيخ الإسلام - ﵀؛ فالأسلوب هو أسلوبه من حيث العرض، والردّ على المخالفين في أصولهم ومذاهبهم وأقوالهم، والاستطراد في بعض المسائل.
[ ١ / ٨٧ ]
(٤) أنّ من ترجم لشيخ الإسلام - ﵀ - من تلاميذه ذكر هذا الكتاب: كتاب النبوات والمعجزات ضمن مؤلفاته. وهكذا فالكتاب هو كتاب شيخ الإسلام - ﵀ - إذ عليه نور النبوة الذي هو سمة كتبه الأخرى.
ثالثًا: تاريخ تأليف الكتاب:
بعد استقراء هذا الكتاب، ومقارنته بكتب شيخ الإسلام الأخرى، اتضح لي أنّ كتاب النبوات من أواخر ما كتب شيخ الإسلام - ﵀.
وربّما لو قلتُ بأنّه ألّفه في سجنه الأخير، لما كنت مجانبًا للصواب، أو مصادمًا للحقيقة.
وعلى كلّ حال: هو أمرٌ تبيّن لي من خلال الاستقراء، ولا دليل ثابت عليه، فهو لا يعدو كونه مجرّد احتمال.
وقد ذكر ابن عبد الهادي أنّ شيخ الإسلام لبث مقيمًا بسجن القلعة سنتين وثلاثة أشهر وأيامًا، ثم توفي إلى - رحمة الله ورضوانه - وما برح في هذه المدة مكبًا على العبادة والتلاوة وتصنيف الكتب في الردّ على المخالفين، وأنّ أكثر كتبه كتبها وهو في السجن١.
وذكر ابن عبد الهادي أيضًا أنّ مؤلفاته كانت على ثلاثة أنواع؛ نوع أكمله وبيَّضه، ثم كُتب عنه. ونوع أكمله ولم يُبيِّضه. وجملة كثيرة من كتبه لم يُكملها٢.
والناظر في كتاب النبوات يرى أنّ شيخ الإسلام - ﵀ - ذكر فيه كثيرًا من المباحث العقديّة، والجزئيات الأصولية؛ فهو كالفهرس لكتبه الأخرى، فيه خلاصة ما كتبه - ﵀ - في كتبه السابقة.
_________________
(١) ١ انظر: العقود الدرية ص ٣٦١. ٢ انظر: المصدر نفسه ص ٣٧٣.
[ ١ / ٨٨ ]
وكذا يُلاحظ عدم ترتيب معلومات الكتاب، ممّا يُرشد إلى أنّه من النوع الثاني من كتب شيخ الإسلام؛ وهي الكتب التي أكملها، ولم يُبيّضها.
والأمر المهمّ هو أنّ شيخ الإسلام - ﵀ - ذَكَر في كتاب «النبوات» أهمّ وأشهر كتبه، ممّا يدلّ على أنّها متقدّمة على هذا الكتاب في التأليف.
ومن الكتب التي ذكرها، والتي سأحاول - قدر المستطاع - أن أذكرها مرتبة وفق تسلسل تأليفها الزمني:
١- «بغية المرتاد»، أو ("السبعينية") . ألّفها في الاسكندرية١.
٢- «شرح الأصفهانية» . ألّفه في مصر٢.
٣- «بيان تلبيس الجهمية» . ألّفه في مصر٣.
٤- «درء تعارض العقل والنقل» . ألّفه بعد رجوعه إلى الشام. وقد رجح الدكتور محمد رشاد سالم أنّه ألّفه بين سنتي ٧١٣-٧١٧هـ لأسباب ذكرها٤.
٥- «منهاج السنة النبوية» . ألّفه في الشام؛ لأنه صرح فيه بذكر «درء تعارض العقل والنقل» أكثر من مرة٥.
٦- «كتاب الصفدية» . ألّفه بالشام؛ فقد صرّح فيه بذكر «درء تعارض العقل والنقل» ٦.
_________________
(١) ١ انظر: النبوات ص ٤٦٧. والصفدية ١/٣٠٢. والرد على المنطقيين ص ٣. ٢ انظر: النبوات ص ٧٧٧. والرد على المنطقيين ص ٢٥٤. وذيل طبقات الحنابلة ١/٤٠٣. ٣ انظر: النبوات ص ٧٧٤. وذيل طبقات الحنابلة ١/٤٠٣. ٤ انظر: مقدمة تحقيق درء تعارض العقل والنقل ١/٨-١٠. وانظر: النبوات ص ٧٧٣. والرد على المنطقيين ص ٢٥٣. ٥ انظر: مقدمة تحقيق منهاج السنة النبوية ١/٨٨. ٦انظر: كتاب الصفدية ٢/٤٢، ٣٢٦.
[ ١ / ٨٩ ]
٧- «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» . ألّفه في دمشق؛ لأنّه صرّح فيه بذكر كتابه «منهاج السنة النبوية» ١، وكتابه «درء تعارض العقل والنقل» ٢.
٨- «الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح» . وهو آخر هذه الكتب؛ فقد صرح فيه بذكر «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» ٣.
وقد ذكر شيخ الإسلام هذا الكتاب في «النبوات» ٤؛ مما يُرشد إلى أنّ كتاب النبوات متأخّر عنه.
٩- «الردّ على المنطقيين» . ألّفه بعد «الجواب الصحيح»؛ فقد صرح فيه بذكر ("الجواب الصحيح» ٥، وذكر فيه «الصفدية» ٦.
وقد جزم د/ عبد الرحمن الفريوائي أنّ شيخ الإسلام - ﵀ - ألّف هذا الكتاب - «الردّ على المنطقيين» - قبل تأليف كتابه «درء تعارض العقل والنقل» ٧.
وهذا غير صحيح، بل صرّح شيخ الإسلام - ﵀ - في كتابه الردّ على المنطقيين بذكر كتابه درء تعارض العقل والنقل في مواضع٨.
_________________
(١) ١ انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٨٩. ٢ انظر: المصدر نفسه ص ١٩٩. ٣ انظر: الجواب الصحيح ٣/٣٤٩. ٤ انظر: النبوات ص ٧٧٧-٧٧٨. ٥ انظر: الرد على المنطقيين ص ٢٥٤. ٦ انظر: المصدر نفسه ص ٢٧٨، ٣٠١، ٣١٤، ٤٦٠. ٧ انظر: شيخ الإسلام وجهوده في الحديث وعلومه للفريوائي ١/٣٧. ٨ انظر: الرد على المنطقيين ص ٥٣، ٣٢٤، ٣٧٣.
[ ١ / ٩٠ ]
وهذا دليلٌ واضح على أنّ كتاب الردّ على المنطقيين متأخّرٌ عن درء تعارض العقل والنقل في التأليف
وقد ذكر شيخ الإسلام - ﵀ - أنّه ألّف ("الردّ على المنطقيين» في الربوة بدمشق١.
وقال فيه: (وكذلك بيَّنّا طرق الناس في إثبات العلم بالنبوات في شرح الأصفهانية، وكتاب الردّ على النصارى، وغيرها" ٢.
ولو كان شيخ الإسلام - ﵀ - قد ألّف كتاب «النبوات»، لنوّه بذكره؛ إذ هو في صميم الموضوع.
ومن الكتب التي ذكرها شيخ الإسلام - ﵀ - في «النبوات»:
تفسير سورة الإخلاص٣.
مسألة القادر المختار٤.
مسألة العدل والظلم٥.
مسألة القدرة والإرادة٦.
وبعد هذا العرض الموجز لأشهر مؤلفات الشيخ، تبيَّن لنا بالدلائل القطعيّة أنّ كتاب «النبوات» ممّا أُلِّف في الشام، وأنّه من آخر ما ألّف.
وقد ضمّنه - ﵀ - خلاصة آرائه، وأفكاره، واجتهاداته.
_________________
(١) ١ انظر: المصدر نفسه ص ١٨٤. ٢ المصدر نفسه ص ١٨٤-١٨٥. ٣ انظر: النبوات ص ٢١٥. ٤ انظر: النبوات ص ١١١٣. ٥ انظر: النبوات ص ١١١٣. ٦ انظر: النبوات ص ٧٥٠.
[ ١ / ٩١ ]
ومن هنا تأتي أهميته العلمية، ومكانته في التعرّف على أقوال شيخ الإسلام - ﵀ - الأخيرة.
لذلك: إن أتت أقوال للشيخ - ﵀ - تتعارض مع ما في «النبوات»، فالمعتبر ما في كتاب «النبوات؛ إذ هو خلاصة أفكاره، وخاتمة أقواله، وناسخٌ لما تقدّم من آرائه.
فعلى سبيل المثال: ما يتعلّق بحياة الخضر ﵇: نجد شيخ الإسلام في الفتاوى قد رجح حياة الخضر، ونافح عن ذلك بشدة، وانتقد من يقول بموته. وهذا في «مجموع الفتاوى» ١.
أما في كتابه «النبوات»: فالأمر بخلاف ذلك؛ إذ مال إلى الرأي القائل بموته، وصرّح بأنّ الشيطان يتمثّل في صورة إنسيّ، ويقول إنه الخضر٢.
وكذلك مسألة: هل آدم أُهبط من جنة التكليف التي في السماء؟ أم من جنّةٍ في الأرض؟ .
نجده في «مجموع الفتاوى» يذكر أنّ في المسألة قولًا واحدًا لأهل السنّة، وهو أنّها جنّة الخلد. ويذكر أنّ من قال إنّها جنّة في الأرض، فهو من المتفلسفة الملحدين، أو من إخوانهم المتكلمين المبتدعين٣.
أما في «النبوات»: فقد جعل في المسألة قولين، أصحّهما أنّ جنّة آدم كانت جنّة التكليف، ولم تكن في السماء٤.
هذه الأمور، وأمثالها تجعلنا نجزم أنّ كتاب «النبوات» هو خلاصة
_________________
(١) ١ انظر: مجموع الفتاوى ٤/٣٣٨. ٢ انظر: النبوات ص ١٢٩٠-١٢٩٤. ٣ انظر: مجموع الفتاوى ٤/٣٤٧-٣٤٩. ٤ انظر: النبوات ص ٨٤٦.
[ ١ / ٩٢ ]
أقوال شيخ الإسلام - ﵀، وأوثق آرائه، وزبدة أفكاره التي استقرّ عليها.
هل الكتاب ناقص، أم لا؟
أشار بعض الباحثين إلى أنّ كتاب «النبوات» ناقص، ولم يذكروا دليلًا على ذلك.
ومن هؤلاء: د/ محمد رشاد سالم ﵀ في كتابه: «مقارنة بين الغزالي وابن تيمية» .
قال - ﵀ - وهو يتكلم عن شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀: (وقد خصّص كتابين من كتبه للنبوة؛
١- أولهما وأهمهما: كتاب «الصفدية» . وقد كتبه للرد على من زعم أن معجزات الأنبياء قوى نفسانية.
٢- والثاني: كتاب «النبوات» . ويهتم فيه ابن تيمية بالرد على آراء المتكلمين في مسألة النبوة. وأُرجّح أنّ قسمًا لا يُستهان به من الكتاب مفقود"١.
وممّن قال بنقصه، ولم يورد دليلًا على ذلك: د/ عبد الرحمن المحمود، الذي قال وهو يستعرض مؤلفات شيخ الإسلام - ﵀: (النبوات. وهو في الردّ على الأشاعرة، ومنهم الباقلاني في مسألة معجزات الأنبياء والفرق بينها وبين الكرامات والخوارق الشيطانية. وهو مطبوع، لكن فيه نقص. ولعلّ الله أن ييسر مخطوطات هذا الكتاب ليحقق ويُخرج بشكل جيد"٢.
وأقول: لا أدري ما هي الأدلة التي استندوا إليها، فخلصوا إلى هذا الرأي، ولا ما هي الأسس التي بنوا عليها، فرجحوا نقصان الكتاب؟
_________________
(١) ١ مقارنة بين الغزالي وابن تيمية ص ٧٦. ٢ موقف ابن تيمية من الأشاعرة ١/٢٠١.
[ ١ / ٩٣ ]
ولعلّ الذي دفعهم إلى هذا القول نظرهم إلى أول الكتاب، وملاحظتهم خلوّه من خطبة أو استفتاح، الأمر الذي يُخالف عادة المؤلفين.
ويُردّ عليهم:
١- أنّ ذكر الخطبة، أو الاستفتاح ليس عادة مطردة لشيخ الإسلام ﵀؛ إذ يوجد من مؤلفات الشيخ ما هو خال من ذلك، ويبدأ به مباشرة بقوله: فصل؛ كصنيعه في كتاب «النبوات» .
ومن ذلك - على سبيل المثال لا الحصر - كتاب الردّ على الأخنائي، وكتاب معارج الوصول - وهما مما ألّفه الشيخ وهو في السجن - وأكثر الرسائل التي احتواها كتاب جامع الرسائل - الذي حققه د/محمد رشاد سالم - وكذلك أغلب ما في مجموع الفتاوى، ومجموعة الرسائل الكبرى.
٢- أضف إلى هذا أنّ كتاب النبوات لم يخل ممّا يُشبه الاستفتاح؛ إذ في أوله بسملة، وثناء على الله تعالى، ثم عقّب بقوله: فصل.
٣- وممّا يُؤيّد ما ذهبت إليه - وهو قولي بأنّ كتاب «النبوات» ليس ناقصًا - أنّ الشيخ ﵀ لم يشر إلى مسألة تقدّمت، إلا وهي في الكتاب. وهذا توصّلتُ إليه بعد استقراء تام لكتاب النبوات.
ولو كان ثمّة نقص - كما ادّعى البعض - لفُقدت بعض المسائل التي أشار الشيخ إلى أنّه قد قدّم الكلام عنها.
٤- وممّا يزيد الأمر يقينًا لديّ: وجود نسخة مخطوطة كتبت بعد وفاة المؤلف ﵀ باثنتين وثمانين سنة؛ إذ كتبت في عام ٨٣٠؟، وهي قريبة العهد من عصر المؤلف.
وقد ضمنها ابن زكنون ﵀ مجموعه الكبير: «الكواكب الدراري في
[ ١ / ٩٤ ]
ترتيب مسند الإمام أحمد» - وقد ضمّ هذا المجموع رسائل كثيرة لشيخ الإسلام ﵀.
وذكر - أعني ابن زكنون - بداية كتاب النبوات في النصف الأسفل من إحدى الصفحات، حيث سبقه في النصف الأعلى خاتمة كتاب لأحد العلماء.
وحين انتهت المخطوطة، أتبعها بذكر كتاب الصارم المنكي لابن عبد الهادي.
فلم يتقدّم مخطوطة النبوات خرمٌ ولا اختزال، بل هي باقية على حالها، كما وضعها ابن زكنون - ﵀ - بعد اثنتين وثمانين سنة من وفاة شيخ الإسلام.
وهذه النسخة قد مضى على كتابتها سبع وستمائة سنة، وهي محفوظة في هذا المجموع الكبير الذي حفظ لنا ذخائر من تراث شيخ الإسلام ﵀، ومؤلفات تلاميذه ﵏.
٥- إنّ كتاب «النبوات» لم يُشر إليه أحدٌ من تلاميذ شيخ الإسلام، باستثناء ابن عبد الهادي، والصفدي.
وأما ابن القيم - ﵀: فمع جلالة قدره، وشدة التصاقه بالشيخ، وحرصه على مؤلفاته، وجمعه لأسمائها في فهرس، فإنّه لم يذكر كتاب «النبوات» .
وهذا يدلّ على ما ذكرناه سابقًا؛ من أنّ كتاب النبوات من آخر ما ألّف شيخ الإسلام - ﵀ - وأنّه ممّا كُتب ولم يُبيّض.
ولم يشتهر هذا الكتاب عند تلاميذ شيخ الإسلام، بل ولا الخاصة منهم، بل لم يأخذ حظه من الشهرة بين طلبة العلم - كما وقع لكتب
[ ١ / ٩٥ ]
شيخ الإسلام الأخرى مبكرًا - إلا بعد أن طُبع الكتاب طبعته الأولى عام ١٣٤٦؟.
وقد بذلت قصارى جهدي؛ من البحث الطويل، وسؤال المختصين، والمكتبات الكبيرة، والمراكز المشهورة عن نسخ للكتاب، فلم أجد من يدلّني على نسخة أخرى لهذا الكتاب.
وقد خاطبت الشيخ محمد إبراهيم الشيباني مدير مركز المخطوطات والتراث والوثائق في الكويت، فجاءني منه ردّ بتاريخ ١٣/٧/١٤١٣؟ بأنّه لا يعلم أن للكتاب نسخة أخرى، ووعد بأنه إذا وجد شيئًا أثناء بحثه في مكتبات العالم أن يبلغني به، ولم أتلق منه بعد ذلك أي اتصال.
وقد بحثتُ في مراكز المخطوطات في كل من الجامعة الإسلامية، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، وجامعة أم القرى في مكة المكرمة، وجامعة الملك سعود في الرياض، وجامعة الملك عبد العزيز في جدة، ومركز الملك فيصل للمعلومات في الرياض، ومكتبة الملك فهد الوطنية في الرياض، والمكتبة السعودية في دار الإفتاء في الرياض، فلم أجد لكتاب النبوات أثرًا في هذه الأماكن، باستثناء الجامعة الإسلامية؛ إذ يوجد في مكتبة المخطوطات فيها صورة للنسخة الوحيدة الموجودة في المكتبة الظاهرية.
وقد سألت عددًا من المهتمين بمؤلفات شيخ الإسلام ﵀، فأفادوني بأنهم لا يعلمون بوجود نسخة أخرى للكتاب.
[ ١ / ٩٦ ]
المسألة الثانية: سبب تأليف الكتاب. وفيها ترجمة موجزة للباقلاني، وتعريف بكتابه «البيان» .
أولًا: سبب تأليف الكتاب:
ألّف شيخ الإسلام ﵀ كتاب النبوات لأمرين؛ عام، وخاص.
أما الأمر العام: فهو:
أ- إبراز معتقد أهل السنة والجماعة في الفرق بين النبي والمتنبي، ومعرفة طرق إثبات النبوة، والفروق بين خوارق العادات.
قال - ﵀: (فينبغي أن يتدبر هذا الموضوع، وتفرق هذه الفروق الكثيرة بين آيات الأنبياء وبين ما يشتبه بها، كما يعرف الفرق بين النبي والمتنبي، وبين ما يجيء به النبي وما يجيء به المتنبي. فالفرق حاصل في نفس صفات هذا وصفات هذا، وأفعال هذا وأفعال هذا، وأمر هذا وأمر هذا، وخبر هذا وخبر هذا، وآيات هذا وآيات هذا؛ إذ الناس محتاجون إلى هذه الفروق أعظم من حاجتهم إلى غيره، والله تعالى يُبيِّنه ويُيسِّره) ١.
وقال ﵀: (والفرق بين النبي والساحر أعظم من الفرق بين الليل والنهار"٢.
ب- الردّ على المخالفين في النبوات، من المتكلمين - أشاعرة ومعتزلة ومن وافقهم - والفلاسفة.
قال شيخ الإسلام - ﵀: (إنّ المتكلمين المبتدعين تكلموا في النبوات بكلام كثير، لبسوا فيه الحق بالباطل؛ كما فعلوا مثل ذلك في غير
_________________
(١) ١ النبوات ص ١٧٣. ٢ المصدر نفسه ص ٨٤٥.
[ ١ / ٩٧ ]
النبوات؛ كالإلهيات، وكالمعاد. وعند التحقيق لم يعرفوا النبوة، ولم يثبتوا ما يدلّ عليها، فليس عندهم لا هدى ولا بيّنات"١.
وأما الأمر الخاصّ الذي ألّف شيخ الإسلام - ﵀ - لأجله كتاب «النبوات»:
فقد ناقش شيخ الإسلام - ﵀ - في هذا الكتاب الأشاعرةَ مناقشة تفصيليّة مستفيضة، وذلك من خلال مناقشته لشيخهم الباقلاني في كتابه «البيان» الذي هو العمدة عند الأشاعرة في مبحث النبوات٢.
ويوضح شيخ الإسلام - ﵀ - أسباب ردّه على الأشاعرة، فيقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله! ولو لم يتعلق هذا بالإيمان بالرسول، وبما أخبر به الرسول، واحتجنا إلى أن نُميّز بين الصحيح والفاسد في الأدلة والأصول، لما ورد على هؤلاء من هذه السؤالات، ولم تكن بنا حاجة إلى كشف الأسرار، لكن لما تكلموا في إثبات النبوات صاروا يوردون عليها أسئلة في غاية القوة والظهور، ولا يُجيبون عنها إلا بأجوبة ضعيفة، كما ذكرنا كلامهم، فصار طالب العلم والإيمان والهدى من عندهم لا سيما إذا اعتقد أنهم أنصار الإسلام ونظاره والقائمون ببراهينه وأدلته، إذا عرف حقيقة ما عندهم، لم يجد ما ذكروه يدلّ على ثبوت نبوة الأنبياء، بل وجده يقدح في الأنبياء، ويورث الشك فيهم أو الطعن فانسد طريق الإيمان والعلم، وانفتح طريق النفاق والجهل، لا سيما على من لم يعرف إلا ما قالوه. والذي يفهم ما قالوه لا يكون إلا فاضلًا قد قطع درجة الفقهاء،
_________________
(١) ١ المصدر نفسه ص ٧٧١، وانظر: ما بعدها ص ٧٧٣، و(لا) في (لا هدي) ينبغي أن تحمل على الزيادة. ٢ طبع هذا الكتاب بتحقيق أحد النصارى/ يوسف مكارثي اليسوعي، ويقع في (١٠٨) صفحات.
[ ١ / ٩٨ ]
ودرجة من قلّد المتكلمين، فيصير هؤلاء إما منافقين، وإما في قلوبهم مرض. ويظن الظان أنه ليس في الأمر على نبوة الأنبياء براهين قطعية، ولا يعلم أن هذا إنما هو لجهل هؤلاء وأصولهم الفاسدة التي بنوا عليها الاستدلال، وقدحهم في الإلهية، وأنهم لم ينزهوا الرب عن فعل شيء من الشرّ، ولا أثبتوا له حكمة ولا عدلًا وهم في الأصل إنما قصدوا الرد على القدرية الذين قالوا: إن الله لم يشأ كلّ شيء، ولم يخلق أفعال العباد، وهو مقصود صحيح، لكن ظنوا أن هذا لا يتمّ إلا بجحد حكمته وعدله ورحمته، فغلطوا في ذلك "١.
إذًا: فالأمر الخاصّ الذي ألّف شيخ الإسلام - ﵀ - لأجله كتاب النبوات كما مرّ - هو مناقشة الأشاعرة مناقشة تفصيليّة مستفيضة، وذلك من خلال مناقشة شيخهم الباقلاني في كتابه «البيان» الذي هو عمدة مذهب الأشاعرة في النبوات.
يقول شيخ الإسلام - ﵀ - عن القاضي أبي بكر: (وفي كلامه في هذا الباب٢ من الاضطراب ما يطول وصفه، وهو رأس هؤلاء الذين اتبعوه؛ كالقاضي أبي يعلى، وأبي المعالي، والرازي، والآمدي، وغيرهم) ٣.
وقال أيضًا - عن الأشاعرة -: (وجوّزوا من جهة العقل ما ذكره القاضي أبو بكر: أن يكون الرسول فاعلًا الكبائر، إلا أنه لا بد أن يكون عالمًا بمرسله فلم يعتمد القاضي أبو بكر وأمثاله في تنزيه الأنبياء لا على دليل عقلي، ولا سمعي في الكتاب والسنة؛ فإن العقل عنده لا يمنع أن
_________________
(١) ١ النبوات ص ١١٤٥-١١٥٠. ٢ يعني في الفرق بين المعجزات والسحر. ٣ النبوات ص ٩٦٠.
[ ١ / ٩٩ ]
يرسل الله من يشاء إذ كان يجوز عنده على الله فعل كلّ ما يقدر عليه، وإنما اعتمد على الإجماع"١.
وذكر هذا الأمر الخاص الذي ألّف لأجله شيخ الإسلام كتاب «النبوات»، يستلزم من الباحث أن يُعرّف بالباقلاني، ويُعرّف بكتابه.
ثانيًا: ترجمة الباقلاني، والتعريف بكتابه «البيان» .
الباقلاني هو٢: القاضي الأصولي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد ابن جعفر بن قاسم البصري ثم البغدادي، ابن الباقلاني. يُعدّ من أكابر أئمة الأشاعرة بعد مؤسسها أبي الحسن الأشعري، عالم بعلوم أهل الكلام، ولم يعرف تاريخ ولادته.
ذكره القاضي عياض في طبقات المالكية، وقال عنه: إليه انتهت رئاسة المالكية في وقته.
وقال عنه الذهبي: وكان يضرب المثل بفهمه وذكائه وكان ثقة إمامًا بارعًا، صنّف في الردّ على الرافضة والمعتزلة والخوارج والجهمية والكرامية، وانتصر لطريقة أبي الحسن الأشعري، وقد يُخالفه في مسائل، فإنه من نظرائه وقد أخذ علم النظر عن أصحابه.
مات الباقلاني في ذي القعدة سنة ثلاث وأربع مائة، وصلى عليه ابنه حسن، وكانت جنازته مشهودة.
_________________
(١) ١ النبوات ص ٤٧٦-٤٧٧. ٢ انظر: ترجمة الباقلاني في: تاريخ بغداد للخطيب ٥/٣٧٩-٣٨٣. ووفيات الأعيان لابن خلكان ٤/٤٠٠-٤٠١. والبداية والنهاية لابن كثير ١١/٣٧٣. وسير أعلام النبلاء للذهبي ١٧/١٩٠-١٩٣.
[ ١ / ١٠٠ ]
ومن أهم مؤلفاته المطبوعة:
١- «التمهيد»، وسُمّي «تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل» . وقد طبع الكتاب أكثر من طبعة.
٢- «الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به» .
٣- كتاب «البيان» عن الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانة والسحر والنارنجات.
فالباقلاني إذًا يُعتبر المؤسس الثاني للمذهب الأشعري؛ فهو تلميذ لتلاميذ أبي الحسن الأشعري، فهو قريب العهد به.
وعلى الرغم من أن تلامذة الأشعري كانوا أقوياء وذوي تأثير واسع، إلا أن أحدًا منهم لم يبلغ ما وصل إليه الباقلاني. ولعلّ الفترة التي عاشها الأشعري وتلامذته كان السائد فيها المذهب الكلابي، فكان المذهبان متداخلين. فلما جاء الباقلاني جرّد نفسه لنصرة أبي الحسن الأشعري ومذهبه، والعمل على دعمه بأوجه جديدة من الحجج والمناظرات١. هذا عن الباقلاني.
أما كتابه «البيان»: فهو العمدة - كما أسلفنا - عند الأشاعرة في النبوات.
وقد أصّل فيه مؤلفه أصولًا، وقعّد قواعد تُخالف أصول أهل السنة والجماعة، ولذلك التزم فيه لوازم باطلة.
وقد ناقش شيخ الإسلام - ﵀ - هذه الأصول، وردّ على هذه اللوازم في كتاب النبوات.
ولا بأس من إيراد بعض آراء الباقلاني في كتابه «البيان»، لتتضح الأفكار
_________________
(١) ١ انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود ٢/٥٤٩.
[ ١ / ١٠١ ]
التي ناقشها شيخ الإسلام - ﵀ - في كتابه النبوات.
١- يقول الباقلاني: (المعجزة قد تكون بمعنى منع العادة المألوفة؛ مثل أن يقول: آيتي وحجتي أنني أقوم من مكاني، وأُحرّك يدي، وأنّكم لا تستطيعون مثل ذلك"١.
٢- ويقول أيضًا: (وقد اتفق على أنه لا دليل يفصل بين الصادق والكاذب في ادعاء الرسالة، إلا آيات المعجزة.." ٢.
٣- قوله: (إن فرض التوحيد والمعرفة واجب من جهة السمع المحض) ٣.
٤- يرى الباقلاني أنّ خوارق الأنبياء قد تقع من غير الأنبياء، ولكن لا تعتبر معجزة؛ لأنه لا يُتحدّى بها. فليس جنس المعجزة عنده الآية، وإنما هي التحدي وادعاء النبوة. أما الآية فلا تعتبر معجزة لأن غير النبي يأتي بها، ولكن لا يدّعي النبوة٤.
٥- الفرق بين المعجزة والكرامة هو التحدي، وإلا فالجنس واحد؛ فقد يكون للولي مثل معجزات الأنبياء، إلا أنه لا يتحدى بها٥.
٦- يرى أنه لا يُستثنى من السحر إلا ما ورد الإجماع والتوقيف على أنه لا يكون بسحر الساحر. ومن الأشياء التي لا يستطيعها الساحر، ويستثنى من فعلها: آيات الأنبياء الكبرى٦.
_________________
(١) ١ البيان ص ١٦. ٢ البيان ص ٣٨. ٣ البيان ص ٤٢. ٤ انظر: البيان ص ٤٧. ٥ انظر: البيان ص ٤٨. ٦ انظر: البيان ص ٩١.
[ ١ / ١٠٢ ]
وبعد: فهذه أهم الأقوال التي وقفت عليها في كتاب البيان تُخالف مذهب أهل السنة والجماعة، وقد تصدّى لها شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - بالردّ والتفنيد.
وثمّة أقوال وآراء عن السحرة وغيرهم، وعن الكرامة، وغير ذلك.
ومن الأمور التي ناقش فيها شيخ الإسلام - ﵀ - الأشاعرةَ في كتاب «النبوات»: تجويزهم على الله تعالى فعل كلّ شيء، وعدم تنزيهه عن شيء. وهذه من اللوازم التي التزموها، وانبثقت عن أقوالهم المتقدّمة.
فيجوز عندهم أن يجعل الله الساحر والكافر والفاسق نبيًّا، وأن يرسله، ويؤيده بالمعجزات والآيات.
ويجوز عندهم أن لا يميز الله بين الصادق والكاذب، إلا بأن يُظهر على يد الأول المعجزات، ويمنع الآخر منها.
ومع تجويزاتهم هذه، نجدهم قد أنكروا حكمة الله، وعدله، ورحمته، فانسدّ عليهم طريق النبوة.
المسألة الثالثة: منهج شيخ الإسلام ﵀ في كتابه «النبوات»:
الكتابة عن منهج أيّ مؤلّفٍ في أيّ كتابٍ من كتبه فيه نوعٌ من المشقة؛ إذ الأمر يستلزم القراءة المتأنيّة، والفحص الدقيق، والاستقراء التامّ.
فما ظنّك إن كانت الكتابة عن منهج شيخ الإسلام الفريد في كتاباته، والمتعمّق في تأليفاته، صاحب الكتب التي لا زالت كلماتها نابضة، تُجدّد - بإذن الله - من الدين ما اندثر، وتُظهر - بعون الله - منه ما انطمر، وتُحيي من السنن ما أماته أهله وانقبر.
يُروى عن الشيخ عبد الرزاق عفيفي - ﵀ - أنه قال عن منهج شيخ الإسلام: (شيخ الإسلام يأتي إلى جدار الباطل فيلطمه حتى يعتدل. أما ابن
[ ١ / ١٠٤ ]
القيم فيأخذ هذا الجدار حجرًا حجرًا، فيكسرها إلى أشلاء"١.
فشيخ الإسلام - ﵀ - رجلٌ فريدٌ في نوعه، فريدٌ في تأليفاته، فريدٌ في منهجه، جاء في وقت اندثرت فيه السنة، واشرأبّت أعناق أهل البدعة، وباض فيه أهل الأهواء وفرّخوا، فقام بنصر دين الله، وجاهد لإعلاء كلمة الله، وكافح من أجل توحيد الله، وإفراده بالعبادة وحده دون سواه.
كتب عنه بعض العلماء حين رآه: (فألفيتُه ممن أدرك من العلوم حظًّا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا. إن تكلّم في التفسير فهو حامل رايته، أو أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضر بالنِّحَل والملل لم يُرَ أوسع من نحلته في ذلك ولا أرفع من درايته. برز في كلّ فنّ على أبناء جنسه، ولم ترَ عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه"٢.
هذا عن الرجل.. فماذا عن الكتاب؟! .
سبق الحديث عن كتاب النبوات من حيث أهميته، وذُكر حينها أنّ الكتاب من أجمع الكتب، وأشملها، وأنّ فيه خلاصة آراء صاحبه، وزبدة أفكاره.
وهذا ممّا يُصعِّب الحديث عن منهج مؤلفه.
ولكن ما لا يُدرك جلّه، لا يُترك كلّه.
وهذا جهد المقلّ، أتحدّث فيه عن منهج شيخ الإسلام - ﵀ - في كتابه ("النبوات")، مجملًا ذلك في النقاط التالية:
_________________
(١) ١ نقلًا عن شريط عن شيخ الإسلام ابن تيمية للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ. ٢ العقود الدرية ص ١٠.
[ ١ / ١٠٥ ]
١- يذكر شيخ الإسلام - ﵀ - في كتابه أقوال ومذاهب المخالفين من فلاسفة ومتكلمين، ويردّها إلى أصولها.
فيُوضّح الأصول البدعية التي قامت عليها، ويُبيِّن مخالفتها لأصول الرسول ﷺ، ويذكر اللوازم التي التزمها أصحابها لأجلها، ثمّ ينقضها، ويردّ عليها، ويُنبّه إلى أقوال من طعن فيها أو ردّ عليها.
ويجتثّ هذه الأصول من جذورها، فتنهار الأقوال بأصحابها مع الأسس التي بنوا عليها، وتُسوّى بهم الأرض، فلا ترى لهم بناءً مشيّدًا.
٢- يُكثر - ﵀ - من الاستطرادات، وبسط الكلام في سرد أدلة الخصم، وذكر حججه.
ولكن ليس ذلك حشوًا، بل هو شديد العلاقة بأصل الكلام، حتى إنّ المنصف يُدرك أنّ ما بُسط من الكلام هذا موضعه، ولو تُرك ذلك لقلّت فائدة من يُراجعه.
٣- أما عن طريقته - ﵀ - في الردّ على الخصوم، أو عرض مذهب أهل السنة في المسألة: فإنّه قد يوجز تارةً، ويُحيل على مؤلفاته الأخرى، بقوله: كما قد بُسط في غير هذا الموضع، أو: قد بسطناه في موضع آخر، أو: وبسطُ هذا له موضع آخر، وهكذا. أو يُطيل النفس في الردّ.
وينصر في ردّه المذهب الحقّ والقول الصحيح الذي يعتمد على الكتاب والسنة، مدلّلًا له بكلام الله، أو سنّة رسول الله ﷺ، أو أقوال الصحابة والتابعين؛ من أئمة سلف هذه الأمة المهديين.
٤- يُكثر - ﵀ - من تعضيد كلامه بأقوال العلماء، أو كلام المفسرين، أو أقوال النحويين ليُدلّل على صحة ما ذهب إليه.
[ ١ / ١٠٦ ]
فإذا ذكر مسألة ما، استشهد لها بأقوال العلماء، والمختصين من أهل الفنون؛ فإن كانت في التفسير، ذكر بعض أقوال المفسرين، وإن كانت لغوية أورد كلام علماء اللغة والنحويين وهكذا.
ومن منهجه - ﵀ - في تفسير الآيات: أن يُفسّر القرآن الكريم بالقرآن، والأحاديث النبوية الصحيحة، وأقوال الصحابة والتابعين - فهو تفسير بالمأثور - أو أقوال المفسرين المعروفين.
وهو - ﵀ - يهتمّ باللغة العربية، فيجمع شواردها، ويسوق شواهدها، ويعتبرها مصدرًا من مصادر تفسير القرآن الكريم.
فتراه يُناقش علماء التفسير، وأصحاب المعاجم اللغوية في جوانب كثيرة من تفسيراتهم لبعض الآيات، فيُوجّه أقوالهم إن أمكن الجمع بينها، ويذكر جوانب الاتفاق، وأطراف الاختلاف.
٥- يُورد أدلة الخصوم، ويُناقشها بما يُجانسها.
٦- يذكر أقوال الناس في المسألة، ويختم بما يراه راجحًا، كقوله: والتحقيق: ويُعضّد ذلك بالأدلة العقلية، والسمعية، وأقوال العلماء، والتعليل.
٧- يسلك في الكلام مسلكًا منهجيًّا يُقرّب فيه المعلومات إلى الفهوم؛ كتقسيم الكلام إلى فصول، أو أنواع، أو أقسام، أو مراتب؛ كي يُقرّب المعلومة إلى ذهن القارئ فيفهمها.
٨- إذا ذكر أقوال الخصوم، نسب كلّ قول إلى قائله؛ سواء كان فرقة، أو طائفة، أو شخصًا.
٩- يُكثر الاستشهاد على المسألة اللغوية من القرآن الكريم.
١٠- في حال نقده لقولٍ ما: يسوقه بنصّه، أو يذكره مختصرًا.
[ ١ / ١٠٧ ]
١١- يذكر شبه المخالفين، وأدلتهم، وحججهم، والدوافع التي أفضت بهم إلى مقولتهم، ثمّ يكرّ عليهم بالردّ بكلام داحض لحججهم، كاشف عن عوارهم.
١٢- أثناء مناقشة الخصوم: كثيرًا ما يُشير إلى القواعد الكلية العقليّة؛ إذ هي بديهية مسلّم بها، وتُلزم الخصم، وتفحمه.
١٣- في معرض مناقشته ﵀ للشيخ الباقلاني ذكر أقواله، وذكر قول من يُوافقه من أهل المذاهب، أو يُخالفه.
١٤- قد ينقل - ﵀ - كلام الباقلاني بنصه من كتابه (البيان)، أو يعرضه باختصار، أو يذكر خلاصة القول الذي يُريد أن يردّ عليه.
١٥- قد يردّ - ﵀ - على الخصوم، ويستدرك عليهم من عدّة وجوه.
١٦- إذا انتقد شخصية ما، فإنه يورد خلاصة ما قيل في معتقده، ويُعرّج على ذكر بعض مخالفاته التي وقع فيها، ويذكر مقدار قربه أو بعده من مذهب أهل السنة والجماعة.
١٧- يُشير أحيانًا إلى بعض ما ورد في الكتب المتقدمة - كالتوراة والإنجيل ممّا لم يدخله التحريف - ليُعضّد ما ذهب إليه.
١٨- يتحرّى الدقة، والأمانة العلمية في النقل؛ فيُورد أقوال المخالفين من كتبهم، ويستحضرها عن ظهر قلب؛ فيذكر ما يُريد نقله، ويذر ما لا يُريد، فيأخذ حاجته من الكلام لا يزيد فيه ولا ينقص، معزوًّا إلى المخالفين، أو بعض كتبهم. والإنصاف شعاره - ﵀ - مع المخالفين. وهذا قد شهد به أعداؤه.
١٩- التأصيل ووحدة المنهج في مصنفات شيخ الإسلام - ﵀ - فيفسر بعضها بعضًا، فلا يختلف كلامه، مع كثرة مؤلفاته وتنوع مباحثها، مع تباعد أزمنة تأليفها
[ ١ / ١٠٨ ]
المسألة الرابعة: مصادر المؤلف في كتابه، والكتب التي أوردها، أو أشار إليها فيه:
لا شكّ أنّ شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - قد أورد الآيات الكثيرة من القرآن الكريم، مستشهدًا بها على مسألة، أو رادًّا بها على قول، أو موضّحًا بها قضيّة.
وثمّة كتب كثيرة أخذ منها شيخ الإسلام - ﵀ - ونقل عنها، أو أشار إليها، ودلّ عليها في كتابه.
وها أنا ذا أذكرها مستعينًا بالرحمن؛ إذ هو ربي وعليه التكلان:
١- «صحيح البخاري» .
٢- «صحيح مسلم» .
٣- «سنن أبي داود» .
٤- «سنن النسائي» .
٥- «سنن الترمذي» .
٦- «سنن ابن ماجه» .
٧- «مسند الإمام أحمد» .
٨- «مصنف عبد الرزاق» .
٩- «تفسير ابن أبي حاتم» .
١٠- «تفسير الطبري» .
١١- «تفسير ابن عطية» .
١٢- «تفسير أبي روق» .
١٣- «تفسير البغوي» .
١٤- «تفسير الوالبي» .
[ ١ / ١٠٩ ]
١٥- «زاد المسير لابن الجوزي» .
١٦- «رسالة إلى أهل الثغر»: للأشعري.
١٧- «مقالات الإسلاميين»: للأشعري.
١٨- «اللمع في الرد على أهل الأهواء والبدع»: للأشعري.
١٩- «نقض اللمع في الردّ على أهل البدع»: للقاضي عبد الجبار.
٢٠- «نقض نقض اللمع»: للباقلاني.
٢١- «شرح اللمع في الرد على أهل البدع»: للباقلاني.
٢٢- «الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانات والسحر والنارنجات»: للباقلاني.
٢٣- «رسالة الإمام أحمد إلى الخليفة المتوكل» .
٢٤- «كتاب خلق أفعال العباد»: للبخاري.
٢٥- «كتاب الملل والنحل»: للشهرستاني.
٢٦- «معراج السالكين»: للغزالي.
٢٧- «إحياء علوم الدين»: للغزالي.
٢٨- «المضنون به على غير أهله»: للغزالي.
٢٩- «تهافت الفلاسفة»: للغزالي.
٣٠- «تهذيب اللغة»: للأزهري.
٣١- «كتاب الدعاء، أو: شأن الدعاء»: للخطابي.
٣٢- «رسائل إخوان الصفا» .
٣٣- «المطالب العالية»: للرازي.
٣٤- «أقسام اللذات»: للرازي.
٣٥- «كتاب الإحاطة»: لابن سبعين.
[ ١ / ١١٠ ]
٣٦- «لوح الأصالة»: لابن سبعين.
٣٧- «كتاب البد»: لابن سبعين.
٣٨- «الردّ على ابن سبعين وأهل الوحدة»: لابن تيمية. وهو المسمّى: «بغية المرتاد، أو السبعينيّة» .
٣٩- «شرح الأصفهانية»: لابن تيمية.
٤٠- «الجواب الصحيح»: لابن تيمية.
٤١- «منع تعارض العقل والنقل»: لابن تيمية.
٤٢- «مسألة القادر المختار»: لابن تيمية.
٤٣- «مسألة العدل والظلم»: لابن تيمية.
٤٤- «مسألة القدرة والإرادة»: لابن تيمية.
٤٥- «رسالة في الإجماع»: لابن تيمية.
٤٦- «العدة»: لأبي يعلى.
[ ١ / ١١١ ]
المطلب الثاني: التعريف بالأصل المخطوط
أصل الكتاب نسخة مخطوطة، موجودة ضمن «الكواكب الدراري» في المكتبة الظاهرية بدمشق، تحمل رقم ٥٨١. ومنه صورة في مكتبة المخطوطات في الجامعة الإسلامية تحمل الرقم ٤٤٧٢ فيلم.
و«الكواكب الدراري» جمعه: علاء الدين أبو الحسن علي بن حسين بن عروة المشرقي الدمشقي الحنبلي، المعروف بابن زكنون.
قال عنه الحافظ ابن حجر: "كان زاهدًا، عابدًا، قانتًا، خيِّرًا، لا يقبل من أحد شيئًا، ولا يأكل إلا من كسب يده. مات سنة ٨٣٧؟"١.
وقد رتّب ابن زكنون في كتابه «الكواكب»: أحاديث مسند الإمام أحمد بن حنبل على الأبواب التي وضعها البخاري في صحيحه.
وكتاب «الكواكب الدراري» كبير جدًا، ضمّنه ابن زكنون كثيرًا من كتب شيخ الإسلام - ﵀؛ مثل: «اقتضاء الصراط المستقيم»، و«التوسل والوسيلة»، و«السياسة الشرعية»، و«نقض التأسيس»، و«شرح حديث النزول» .
أما كتاب «النبوات»: فقد ذكر بعضه في المجلد الحادي والعشرين بعد المائة؛ في آخره، من صفحة (٢٢١)، إلى نهاية المجلد صفحة (٢٥١) . واشتمل هذا المجلد على الثلث الأول من كتاب النبوات؛ أي حوالي (٣٠) ورقة.
_________________
(١) ١ انظر: شذرات الذهب ٧/٢٢٢-٢٢٣.
[ ١ / ١١٢ ]
ثم أكمله في المجلد الثاني والعشرين بعد المائة؛ من أول صفحة في المجلد، إلى صفحة (٧٦) منه، حيث آخر كتاب النبوات.
وكاتب هذه النسخة الفريدة هو: إبراهيم بن محمد بن محمود بن بدر الحنبلي، كتبها عام ٨٣٠؟.
والنسخة واضحة الخط، قليلة الأخطاء، بل نادرة الأخطاء، بسبب استدراكات الناسخ؛ فكأنه بعد ما فرغ من كتابتها، أعاد مقابلتها، فكتب ما فاته بين السطرين، أو على حاشية النسخة.
وهذه الاستدراكات كثيرة؛ مما يُرشد إلى أنّ هذه النسخة مراجعة، ومقروءة، ومقابلة على الأصل.
وعلى النسخة بلاغات؛ يقول فيها: بلغ مقابلة بأصله، أو نحو هذه العبارة.
وقد اهتمّ الناسخ بوضع النقاط في مواضعها.
وعدد أسطر هذه النسخة في كلّ صفحة ما بين ٢٨ - ٣٠ سطرًا.
وعلى المخطوطة ختم: مجاميع المدرسة العمرية١.
_________________
(١) ١ المدرسة العمرية الشيخية تنسب إلى واقفها وبانيها الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي الحنبلي أخو العلامة الموفق. ولد بجماعيل سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، وهاجر إلى دمشق، وتوفي سنة سبع وستمائة. وتقع في الصالحية في وسطها نهر يزيد قبلي الجامع المظفري. قال ابن بدران: (هي موجودة بالصالحية مشهورة معمورة الجدران، لا ظل للعلم فيها ولا أثر. وقد كان بها خزانة كتب لا نظير لها، فلعبت بها أيدي المختلسين، ثم نقل ما بقي وهو شيء لا يُذكر بالنسبة لما كان بها إلى خزانة الكتب في قبة الملك الظاهر في مدرسته) . منادمة الأطلال للعلامة عبد القادر بدران ص ٢٤٤-٢٤٦، ط الثانية، ١٤٠٥هـ، المكتب الإسلامي. وانظر: القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية لابن طولون ١/٢٤٨-٢٧٤، ط الثانية، ١٤٠١؟.
[ ١ / ١١٣ ]
وثمّة ملاحظة على النسخة، وقع فيها الناسخ، ولم يشذّ عنها، هي اثبات ألف (ابن) في شتى المواضع، حتى ولو كانت بين علمين.
وهذا لم أُشر إليه في ثنايا التحقيق لكثرته المفرطة، لذا لزم التنويه عنه هاهنا، وبالله التوفيق.
[ ١ / ١١٤ ]
طبعات الكتاب
١- طبع الكتاب لأول مرة في مصر، في المطبعة المنيرية عام ١٣٤٦؟، عن نسخة أصلية، اعتنى بها صاحب المطبعة: محمد منير آغا الدمشقي، الذي كان له قصب السبق في إخراج كتاب «النبوات» من عالم المخطوطات.
وعلى طبعته هذه تعليقات قليلة.
وقد وقعت هذه الطبعة في (٣٠٠) صفحة.
وقد صورت هذه الطبعة (المنيرية) من قبل دار الفكر ببيروت، ومكتبة الرياض الحديثة، دون أن يُشار إليها.
ول (محمد منير آغا الدمشقي) المجموعة المنيرية، وهي مجموعة نفيسة ضمّت كثيرًا من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀.
فرحم الله صاحب المطبعة المنيرية، وجزاه خير الجزاء على اعتنائه واهتمامه بكتب شيخ الإسلام.
٢- طبع كتاب «النبوات» كذلك طبعة أخرى باعتناء الشيخ/ محمد حامد الفقي، في مطبعة دار الفكر ببيروت، دون ذكر لتاريخ الطبع. والذي يظهر أنه صورة من المنيرية.
وطبعته كذلك باعتناء الفقي دار الكتب العلمية ببيروت عام ١٤٠٢؟. ويقع في (٤٥٤) صفحة.
[ ١ / ١١٥ ]
٣- وأخيرًا طبع كتاب «النبوات» باعتناء محمد عبد الرحمن عوض، طبعته دار الكتاب العربي ببيروت، عام ١٤٠٥؟.
وهذه الطبعة من أقلّ الطبعات اعتناء، على الرغم من أنه كتب عليها: دراسة وتحقيق.
وقد لاحظت على هذه الطبعة مجموعة من الملاحظات، أذكر بعضها:
١- أنه أخذ تعليقات محمد منير آغا الدمشقي على الكتاب، وأضافها إلى نفسه.
٢- من ذلك: أنه يعزو الآيات القرآنية إلى غير مواضعها في القرآن الكريم، فأحيانًا يعزو إلى سورة أخرى، وكثيرًا ما يعزو إلى آية أخرى، أو يكتفي بذكر رقم آية واحدة، مع أنّ المذكور في المتن أكثر من ذلك١.
٣- أنه انتقد شيخ الإسلام ﵀ في كثير من الأمور العقدية، وعارضه بإيراد أقوال الفلاسفة، كأنه يؤيدها٢.
٤- ترتيب الفقرات عنده مشوش، مما يُغيّر المعنى ويُشوهه٣.
٥- يخلط أحيانًا بين كلام شيخ الإسلام ﵀ وكلام غيره٤.
_________________
(١) ١ انظر: ص ٢٤، ٢٧، ٢٩، ٦٩، ٧١، ٩٦، ١٠٩، ١١٣، ١٢٠، ١٢٦، ١٦٤، ٢٣٣، ٢٦٠، ٢٨٩، ٢٩٣، ٢٩٦، ٢٩٧، ٣١٠، ٣٢٣، ٣٢٥، ٣٢٧، ٣٣٣، ٣٦٥، ٣٧٣، ٣٨٤، ٣٨٦، ٤٠٠، ٤٠٧، ٤٠٨، ٤٢٥، ٤٣٥، ٤٤٠، ٤٤٤ من كتاب النبوات، تحقيق / محمد عبد الرحمن عوض. ٢ انظر: ص ١٦، ٤٨، ٥٦، ٥٨، ٨٤، ٩٦، ١٠١، ١٠٥، ١١٠، ١٢٢، ١٣٩، ٢٠٩ من كتاب النبوات، تحقيق / محمد عبد الرحمن عوض. ٣ انظر: على سبيل المثال ص ٦٣، ١٩٠-١٩٤ من الطبعة المذكورة. ٤ انظر: مثلًا خلطه بين الشروط التي يقررها شيخ الإسلام ويراها في المعجزة، وبين التي يردّ عليها، ولا يرضاها، في ص ٢٣٤-٢٣٥ من الطبعة المذكورة. وكذا انظر: ص ٥٥.
[ ١ / ١١٦ ]
عملي في الكتاب
لقد اجتهدتُ - حسب الوسع والطاقة - في خدمة هذا الكتاب، وإخراجه بهذه الصورة.
ويتلخّص عملي بالكتاب في الخطوات التالية:
أوّلا- تحقيقُ النص وضبطه، وذلك بالمقابلة بين المخطوطة التي رمزتُ لها بالرمز «خ»، مع أول طبعة؛ أعني طبعة منير آغا الدمشقي المطبوعة عام ١٣٤٦ هـ والتي رمزت لها بالرمز «م»، وآخر طبعة؛ وهي التي اعتنى بها محمد عبد الرحمن عوض، وطبعت عام ١٤٠٥؟ ورمزت لها بالرمز «ط» .
فأُثبتُ من النّصّ ما تتّفق عليه النسخ، إلاّ أن يكون خطأ ظاهرًا. وإذا وجدتُ اختلافات بينها، فإني أُثبتُ منها ما أراه صحيحًا، حتى وإن خالف الأصل المخطوط، وأُشير إلى الفروق الأخرى في الهامش.
ثانيًا- عزوت الآيات القرآنية إلى مواضعها من القرآن الكريم، بذكر اسم السورة، ورقم الآية.
ثالثًا- خرّجت الأحاديث النبوية من الصحيحين، إن كانت فيهما، أو في أحدهما، وإلا فمن كتب الحديث الأخرى، واجتهدت في نقل حكمٍ لأحد العلماء عليها إن لم تكن في الصحيحين أو في أحدهما.
وكذا خرّجت الآثار الواردة.
رابعًا- عرّفت بالأعلام غير البارزين.
[ ١ / ١١٧ ]
خامسًا - اجتهدت في تخريج النصوص، وأقوال الفرق، والناس، التي أوردها المؤلف. فنسبت كلّ قول إلى قائله، وكلّ مذهب إلى فرقته، حسب الطاقة والوسع. ووثقتُ أقوال الباقلاني من كتابه «البيان» .
سادسًا- كلّ ما قال فيه شيخ الإسلام - ﵀ - إنه بسطه في مواضع أخرى، أشرت إلى هذه المواضع التي ذكره فيها في كتبه الأخرى.
سابعًا- علّقتُ على ما يحتاج إلى توضيح وزيادة بيان.
وطريقتي في ذلك هي: إن كان للشيخ - ﵀ - في هذه المسألة كلام في كتاب من كتبه، فإني أنقل عنه ما يُوضّح العبارة، أو يشرح المعنى، أو يزيل اللبس والإشكال إن وقع شيء من ذلك.
وإن لم أجد وضّحت المراد بنقل قول أحد العلماء المعتبرين، أو أجتهد في بيان ذلك.
ثامنًا- شَرَحْتُ الألفاظ والمصطلحات الغريبة.
تاسعًا- عرَّفت بالأماكن والبلدان التي وردت.
عاشرًا- نَسَبْتُ أبيات الشعر الواردة في النص إلى قائليها
أحد عشر - عرَّفت بالطوائف والفرق الواردة في الكتاب.
ثاني عشر - وَضَعْتُ عناوين جانبية تبرز مباحث الكتاب وجزئياته.
ثالث عشر - وَضَعْتُ فهارس عامة للكتاب، وهي:
١- فهرس الآيات القرآنية.
٢- فهرس الأحاديث النبوية.
٣- فهرس الآثار.
٤- فهرس الأعلام المترجم لهم.
٥- فهرس الأماكن والبلدان.
[ ١ / ١١٨ ]
٦ - فهرس الفرق والطوائف.
٧ - فهرس المواد والمصطلحات اللغوية والكلامية.
٨ - فهرس الأبيات الشعرية.
٩- فهرس المصادر.
١٠- فهرس الموضوعات.
[ ١ / ١١٩ ]
الباب الثاني: قسم التحقيق
فصل في معجزات الأنبياء التي هي آياتهم وبراهينهم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين. قال شيخ الإسلام تقي الدّين بن تيميّة - ﵀:
فصل «في معجزات الأنبياء التي هي آياتهم وبراهينهم» «كما سماها الله آيات وبراهين»
[فإنّ لهم١ طرقًا] ٢ في التمييز بينها وبين غيرها، وفي وجه دلالتها.
طرق النظار في التمييز بين المعجزة وغيرها
أمّا الأول: فإنّ [منهم] ٣ من رأى [أنّ] ٤ [كلّ ما] ٥ يخرج عن الأمر المعتاد، فإنه معجزة؛ وهو الخارق للعادة إذا اقترن بدعوى النبوة.
وقد علموا أنّ الدليل مستلزمٌ للمدلول، فيلزم أن يكون كلّ من خُرِقت له العادة نبيًّا.
_________________
(١) قول المعتزلة وغيرهم: إن العادة لا تنخرق إلا لنبي [فقالت] ٦ طائفة٧: لا تخرق العادة إلا لنبي. وكذبوا بما يذكر من ١ أي للنظّار؛ كما هو مثبتٌ في «م»، و«ط» . ٢ في «م»: وللنظّار طرقٌ. وفي «ط»: للنظّار طرق - بإسقاط الواو. ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٥ في «خ»: كلما - موصولة. ٦ في «ط» فقط: قالت. ٧ وهم أكثر المعتزلة؛ كما سيأتي قول شيخ الإسلام ﵀ في ذلك. وهم يقولون إنّ الخوارق لا تظهر على يد غير الأنبياء. يقول القاضي عبد الجبار:"إنّ العادة لا تُخرق إلا عند إرسال الرسل. ولا تنخرق لغير هذا الوجه؛ لأنّ خرقها لغير هذا الوجه يكون بمنزلة العبث". انظر: المغني في أبواب العدل والتوحيد، لعبد الجبار ١٥/١٨٩.
[ ١ / ١٢٩ ]
خوارق السحرة والكهان، وبكرامات الصالحين.
وهذه طريقة أكثر المعتزلة١، وغيرهم؛ كأبي محمد بن حزم٢، وغيره٣.
_________________
(١) ١ المعتزلة: سموا بذلك لاعتزال رئيسهم واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري. وقيل لاعتزالهم قول الأمة في دعواهم أنّ الفاسق من أمة الإسلام لا مؤمن ولا كافر. والأول أرجح. ولهم أصول خمسة اشتهروا بها، هي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص٢٠، ١١٤. والملل والنحل للشهرستاني١/٤٣. وخطط المقريزي ٢/٣٤٥. والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص ٤٩. ٢ هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الفارسيّ الأصل، الأموي مولاهم، القرطبي الظاهري. قال عنه الذهبي: "الإمام الأوحد، البحر ذو الفنون والمعارف، أبو محمد". ولد بقرطبة في سنة ٣٨٤ هـ، وتوفي سنة ٤٥٦؟. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ١٨/١٨٤. وشذرات الذهب لابن العماد ٣/٢٩٩. ولأبي محمد بن حزم قول في أنّ الخوارق لا تظهر على يد غير الأنبياء. يقول: " وأنّ المعجزات لا يأتي بها أحدٌ إلا الأنبياء ﵈. قال ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [غافر، ٧٨] " المحلّى لابن حزم ١/٣٦. وانظر: الفصل له ٥/٢-٤، ٨. والدر فيما يحب اعتقاده، له ص ١٩٢. ٣ مثل أبي عبد الله الحليمي. انظر: المواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٧٠. ولوامع الأنوار للسفاريني ٢/٣٩٤. وقال الإيجي في «المواقف» عن الكرامات: "وهي جائزة عندنا خلافًا للأستاذ أبي إسحاق، والحليمي منّا، وغير أبي الحسين من المعتزلة". وأبو إسحاق الاستراباذي من أصحاب الشافعي. انظر: تفسير القرطبي ٧/٣٢.
[ ١ / ١٣٠ ]
من اشتهر عنهم إنكار المعجزات
بل يُحكى هذا القول عن أبي إسحاق الاسفراييني١، وأبي محمد بن أبي زيد٢. ولكن كأنّ في الحكاية عنهما غلطًا٣
_________________
(١) ١ هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الاسفراييني. الأصوليّ، الشافعيّ، الملقب: ركن الدين. من مصنفاته: جامع الخلي في أصول الدين، والرد على الملحدين في خمس مجلدات. توفي سنة ٤١٨؟ بنيسابور. انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/٣٥٣. وشذرات الذهب ٣/٢٠٩. وطبقات الشافعيّة ٤/٢٥٦. أمّا عن إنكاره لكرامات الأولياء؛ فقد ذكر الجويني في الإرشاد ص ٣١٩ أنه أنكر الكرامات. وذكر ذلك الذهبي عنه في السير، فقال: (وحكى أبو القاسم القشيري عنه أنّه كان يُنكر كرامات الأولياء، ولا يُجوّزها. وهذه زلة كبيرة) . سير أعلام النبلاء ١٧/٣٥٣. وقال السبكي عنه: "ويزداد تعجبي عند نسبة إنكارها إلى الأستاذ أبي إسحاق الاسفراييني، وهو من أساطين أهل السنة والجماعة، على أن نسبة إنكارها إليه على الإطلاق كذب عليه. والذي ذكره الرجل في مصنفاته أن الكرامات لا تبلغ مبلغ خرق العادة". طبقات الشافعية للسبكي ٢/٣١٥. وكذلك ابن خلدون في مقدمته اعتذر لأبي إسحاق الاسفراييني بأن النقل عن الأستاذ في ذلك ليس صريحًا. مقدمة ابن خلدون ١/٤٠٢. ٢ هو أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني المالكي. ويُقال له: مالك الصغير. قال عنه الذهبي: "الإمام، العلامة، القدوة، الفقيه، عالم أهل المغرب وكان ﵀ على طريقة السلف في الأصول، لا يدري الكلام، ولا يتأوّل". توفي سنة ٣٨٦ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/١٠. وشذرات الذهب ٣/١٣١. ٣ وقد اعتذر الباقلاني قبل شيخ الإسلام لابن أبي زيد القيرواني، وكأنّه استبعد صدور ذلك عنه. انظر: البيان للباقلاني ص ٥. وممّن أنكرها: أبو منصور الماتريدي. انظر كتاب السحر بين الحقيقة والخيال لناصر بن محمد الحمد ص ٣٨. وقد أوضح د/ محمد باكريم با عبد الله موقف ابن أبي زيد القيرواني من الكرامات، ولخّص المسألة، فقال: "ونخلص من ذلك إلى احتمالين: الأول: أنّ ابن أبي زيد لم ينكر الكرامات الثابتة للصالحين، وإنّما أنكر ما يدّعيه أهل البدع من وقوع خوارق العادات، واعتبارها كرامات لهم؛ فلم يفهم كثيرٌ مقصودَه، ونسب إليه القول بإنكار الكرامات. وهذا الرأي يميل إليه الباقلاني، والقاضي عياض، وابن تيمية. الثاني: أنه وقع منه ذلك لأسباب، منها: داعي المناظرة والجدل والإلزام، لكنه رجع عن ذلك. وهذا ما ذهب إليه الطلمنكي. وعلى كلا الاحتمالين، فلا يعتبر منكرًا لكرامات الأولياء؛ لأنّه إما لم يكن وقع منه أصلًا، أو يكون قد وقع منه، ورجع عنه. والله أعلم) . انظر تعليق الدكتور محمد باكريم با عبد الله على رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت ص ٢٢٨. وانظر مزيدًا حول هذه المسألة: ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض: ٦/٢١٨، وكتاب الاستغاثة هامش: ١/٤٦، تحقيق: عبد الله بن دجين السهلي، وقسم الدراسة من الجامع لابن أبي زيد القيراوني: ص ٤٩-٥٠.
[ ١ / ١٣١ ]
وإنما أرادوا الفرق بين الجنسين١.
وهؤلاء يقولون [إن] ٢ ما جرى لمريم٣، وعند مولد الرسول٤ [ﷺ]؛
_________________
(١) ١ جنس المعجزات وجنس خوارق الكهان والسحرة. ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٣ لقد أكرم الله تعالى مريم بكرامات كثيرة، منها:
(٢) إكرامها بالرزق؛ قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران ٣٧]
(٣) حملها بعيسى ﵇ بواسطة نفخ الملك، بدون أن يمسها بشر؛ قال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ٩١] .
(٤) تبرئة ابنها لها، وكلامه في المهد؛ قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم ٢٩-٣٠ وما بعدها] . ٤ فمما جرى عند مولده ﷺ، ما أخرجه قوام السنة في دلائل النبوة، عن أبي أمامة الباهلي - ﵁، قال: قيل: يا رسول الله! ما كان بُدؤ أمرك؟ قال: "دعوة إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي خرج منها نورٌ أضاءت له قصور الشام". دلائل النبوة ١/٢٣٩، وقد حسّنه محقق الكتاب مساعد الراشد. وقد أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٥/٢٦٢، وصححه الألباني. انظر الصحيحة رقم ١٥٤٦.
[ ١ / ١٣٢ ]
فهو إرهاصٌ١؛ أي توطئةٌ، وإعلامٌ بمجيء الرسول، فما خُرقت في الحقيقة إلاّ لنبيّ.
الرد على من أنكر الكرامات
فيُقال لهم: وهكذا الأولياء، إنّما خُرقت لهم لمتابعتهم الرسول؛ فكما أنّ ما تقدّمه فهو من معجزاته، فكذلك ما تأخّر عنه.
وهؤلاء٢ يستثنون ما يكون أمام الساعة.
لكن هؤلاء كذّبوا بما تواتر من الخوارق لغير الأنبياء.
الرد على من أنكر الكرامات
والمنازع لهم يقول: هي موجودةٌ مشهودةٌ لمن شهدها، متواترةٌ عند كثير من الناس، أعظم ممّا تواترت عندهم بعض معجزات الأنبياء. وقد شهدها خلق كثير لم يشهدوا معجزات الأنبياء، فكيف يكذّبون بما شهدوه، ويصدّقون بما غاب عنهم، ويكذّبون بما تواتر عندهم أعظم مما تواتر غيره؟!
قول الأشاعرة في الفرق بين المعجزة وغيرها
وقالت طائفة٣: بل كل هذا حقٌ، وخرق العادة جائزٌ مطلقًا، وكلّ ما
_________________
(١) ١ الإرهاص لغة مشتقة من الرِّهص - بالكسر؛ وهو العرق الأسفل من الحائط. والإرهاص هو المقدّمة للشيء، والإيذان به. والإرهاص اصطلاحًا: ما يصدر من النبيّ ﷺ قبل النبوة من أمرٍ خارق للعادة تمهيدًا لها. انظر: القاموس المحيط للفيروزأبادي ص ٨٠١. وكتاب التعريفات للجرجاني ص ٣١. ولسان العرب لابن منظور ٧/٤٤. ٢ أي المعتزلة، ومن وافقهم. ٣ وهم الأشاعرة. انظر مقولتهم في: البيان للباقلاني ص ٤٧-٤٨، ٩٠، ٩٤-٩٥، ١٠٥-١٠٦. والإرشاد للجويني ص ٣١٧، ٣١٩، ٣٢٢، ٣٢٦، ٣٢٨. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٥، ١٨٥. والمواقف للإيجي ص ٣٤٦. وشرح المقاصد للتفتازاني ٥/٧٣، ٧٥. وانظر: الجواب الصحيح ٦/٤٠٠.
[ ١ / ١٣٣ ]
خُرق لنبيّ من العادات يجوز أن يُخرق لغيره من الصالحين، بل ومن السحرة والكهان.
لكن الفرق أنّ هذه تقترن بها [دعوى] ١ النبوّة؛ وهو التحدّي٢.
من أصول الأشاعرة
وقد يقولون: إنّه لا يمكن أحدًا أن يعارضها، بخلاف تلك. وهذا قول من اتّبع جهمًا٣ على أصله في أفعال الرب من الجهمية٤، وغيرهم؛ حيث جوّزوا أن
يفعل كلّ ممكن٥؛ فلزمهم جواز خرق العادات مطلقًا على
_________________
(١) ١ في «خ»: دعوة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٨. ٣ هو الجهم بن صفوان الراسبي مولاهم، أبو محرز السمرقندي. رأس الفرقة الجهمية. قتله سلم بن أحوز نائب أصبهان سنة ثمان وعشرين ومائة. كان يقول: إنّ العباد مجبورون على أفعالهم، وإنّ الإيمان هو المعرفة بالله فقط، وإنّ الجنّة والنار تفنيان وتبيدان، وإنّ القرآن مخلوق. وكان يُنكر صفات الله ﷿ وأسماءه، ويقول: إنّ الله في الأمكنة كلها. تعالى الله عما يقول الجاهلون علوًا كبيرًا. انظر: الفرق بين الفرق ص ٢١١. والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص ٣٤. وسير أعلام النبلاء ٦/٢٦. والبداية والنهاية ٩/٣٦٤. والخطط للمقريزي ٢/٣٤٩. ٤ هي فرقة تنتسب للجهم بن صفوان الراسبي. وقد تبعته في معتقداته كلها. لاحظ التعليقة السابقة. ٥ وهذا قول من يُنكر حكمة الله، والأسباب التي جعلها الله سببًا لحصول بعض الأشياء. ولا فعلَ للعبد عندهم، والله هو الفاعل. وهذا هو قول الأشاعرة. انظر: الإرشاد للجويني ص ٣١٩، ٣٢٢، ٣٢٦. وأصول الدين للبغدادي ص ١٣٨، ١٧٢، ١٧٦. والملل والنحل للشهرستاني ١/٩٧. ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية ٣/١٣، ١١٢. وسيأتي توضيح لهذا الأصل عند الأشعري. وانظر شرح الأصفهانية ٢/٦١٧.
[ ١ / ١٣٤ ]
يد كلّ أحد. واحتاجوا مع ذلك إلى الفرق بين النبي وغيره، فلم يأتوا بفرق معقول، بل قالوا: هذا يقترن به التحدي، فمن ادّعى النبوة وهو كاذب، لم يجز أن يخرق الله له العادة أو يخرقها له، ولا [تكون] ١ دليلًا على صدقه لما يقترن بها [من ما] ٢ يناقض ذلك؛ فان هذين قولان لهم٣.
الرد على الأشاعرة
فقيل لهم: لِمَ أوجبتم هذا في هذا الموضع، دون غيره، وأنتم لا توجبون على الله شيئًا؟ فقالوا: لأنّ المعجزةَ علمُ الصدق؛ فيمتنع أن يكون لغير صادق٤. [فقلنا: المجموع] ٥ هو الممتنع؛ وهو خارق العادة، ودعوى النبوة. أو هذان مع السلامة عن المعارض.
فقيل لهم: ولم قلتم أنه علم الصدق على قولكم؟ فقالوا: إمّا لأنّه يُفضي منع ذلك إلى عجزه؛ وإمّا لأنّه علم دلالته على الصدق بالضرورة.
فقيل لهم: إنّما يلزم العجز، [أن] ٦ لو كان التصديق على قولكم ممكنًا. وكون دلالتها معلومةٌ بالضرورة؛ هو مُسَلّم، لكنّه يُناقض أصولكم، ويُوجب أن يكون أحد الشيئين معلومًا بالضرورة، دون نظيره. وهذا
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: يكون. ٢ في «م»، و«ط»: مما. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٥. ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٣٧-٣٨. والجواب الصحيح ٦/٣٩٩. ٥ في «م» و«ط»: فالمجموع - بإسقاط: فقلنا. وزيادة الفاء. ٦ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» .
[ ١ / ١٣٥ ]
ممتنع؛ فإنّكم تقولون: يجوز أن يخلق على يد مدّعي النبوة، والساحر، والصالح. لكن إن ادّعى النبوّة، دلّت على صدقه، وإن لم يدّع النبوّة، لم يدل على شيء١، مع أنّه لا فرق عند الله بين أن يخلقها على يد مدّعي النبوّة، وغير مدّعي النبوة، بل كلاهما جائز فيه.
فإذا كان هذا مثل هذا: [لِمَ] ٢ كان أحدهما دليلًا دون الآخر؟ ولِمَ اقترن العلم بأحد المتماثلين دون الآخر؟ ومن أين علمتم أنّ الرب لا يخرقها مع دعوى النبوة إلاّ على يد صادق، وأنتم تجوّزون على أصلكم كلّ فعل مقدور٣، وخلقها على يد الكذاب مقدور؟!.
الأشاعرة لم يجعلوا بين المعجزات والكرامات فرقًا
ثمّ هؤلاء٤ جوّزوا كرامات الصالحين، ولم يذكروا بين جنسها٥ وجنس كرامات الأنبياء فرقٌ، بل صرّح أئمتهم٦ [أنّ كلّ ما] ٧ خُرق لنبيّ،
_________________
(١) ١ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٠. ٢ في «م»، و«ط»: فلِمَ. ٣ من أصول الأشاعرة: لا فاعل إلا الله، وليس للإنسان إلا الكسب الذي هو - عندهم - مقارنة القدرة والإرادة للفعل، من غير أن يكون هناك من العبد تأثير، أو مدخل في وجوده، سوى كونه محلًا له. وقد تقدّم نقل هذا عنهم فيما مضى. وانظر: الإرشاد للجويني ص ٣١٩، ٣٢٢، ٣٢٨. وشرح المواقف للجرجاني ص ٢٣٧. وانظر: الجواب الصحيح ٦/٣٩٤-٤٠٠. ٤ أي الأشاعرة. ٥ أي معجزات الرسل. ٦ انظر: أصول الدين للبغدادي ص ١٧٤، ١٧٥. والإرشاد للجويني ص ٣١٧. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٧٠. وشرح المقاصد للتفتازاني ٥/٧٣، ٧٤. وشرح الفقه الأكبر للقاري ص ٧٩. ٧ في «خ»: كما. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ١٣٦ ]
يجوز أن يخرق للأولياء؛ حتى معراج محمد١، وفرق البحر لموسى٢، وناقة صالح٣، وغير ذلك.
ولم يذكروا بين المعجزة والسحر فرقًا معقولًا، بل قد يجوّزون أن يأتي الساحر بمثل ذلك٤. لكن بينهما فرق دعوى النبوة، وبين الصالح والساحر، والبر والفجور.
طريقة الفلاسفة في المعجزات
وحذّاق٥ الفلاسفة الذين تكلموا في هذا الباب٦؛ مثل ابن سينا٧،
_________________
(١) ١ المعراج: الطريق الذي تصعد فيه الملائكة. انظر: تهذيب اللغة ١/٣٥٥. وهو بمنزلة السلم، لكن لا نعلم كيف هو. وحكمه كحكم غيره من المغيّبات؛ نؤمن به، ولا نشتغل بكيفيّته. انظر شرح الطحاوية ص ٢٧٠. وحديث الإسراء والمعراج مخرّج في الصحيحين. أخرجه البخاري في صحيحه ٣/٦٣-٦٥، كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج. ومسلم في صحيحه ١/١٤٥-١٤٧، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات. ٢ قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء ٦٣] . ٣ قال تعالى: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء ١٥٥] . ٤ انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ٥/٢. ونسب هذا القول للباقلاني. وانظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٥. والإرشاد للجويني ص ٣٢٧-٣٢٨. ٥ الحذق، والحذاقة: المهارة في كلّ العمل. انظر تهذيب اللغة ٤/٣٥. ٦ في النبوات. ٧ هو الحسين بن عبد الله بن سيناء، أبو علي. الملقّب بالرئيس، الحكيم. قال عنه ابن حجر: "ما أعلمه روى شيئًا من العلم، ولو روى لما حلّت الرواية عنه؛ لأنّه فلسفيّ النحلة، ضالّ. لا ﵁. كان يقول بقدم العالم، ونفي المعاد الجسماني. ونُقل عنه أنّه قال: إنّ الله لا يعلم الجزئيات بعلم جزئي، بل بعلم كليّ. من مصنفاته: الشفا، والنجاة، والإشارات والتنبيهات. مات سنة ٤٢٨؟. انظر: لسان الميزان لابن حجر ٢/٢٩١. والأعلام للزركلي ٢/٢٤١. ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحالة ٤/٢٠. وقد قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأهل بيت ابن سينا كانوا من أتباع هؤلاء - يعني القرامطة والباطنية والإسماعيلية - وأبوه وجده من أهل دعوتهم، وبسبب ذلك دخل في مذاهب الفلاسفة؛ فإن هؤلاء يتظاهرون باتباع الملل، ويدعون أن للملة باطنًا يُناقض ظاهرها". كتاب «الصفدية» ١/٣-٤. وانظر: شرح الأصفهانية ٢/٦٣٤. والرد على المنطقيين ص ١٤١-١٤٤، ٢٧٩، ٢٨١، ٣٩٦. ومجموع الفتاوى ٣٥/١٨٦.
[ ١ / ١٣٧ ]
[و] ١ هو أفضل طائفتهم، [وهو] ٢ أجهل من تكلم في هذا الباب فإنهم جعلوا ذلك كلّه من قوى النفس، لكنّ الفرق أنّ النبيّ والصالح نفسُه طاهرةٌ يقصد الخير، والساحر نفسُه خبيثةٌ.
وأما الفرق بين النبي والصالح فمتعذّرٌ على قول هؤلاء.
الرد على من فرق بين المعجزة والكرامة بفروق ضعيفة
ومن الناس٣ من فرّق بين معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء بفروق ضعيفة؛ مثل قولهم: الكرامة يُخفيها صاحبها، أو الكرامة لا يُتحدّى بها. ومن الكرامات ما أظهرها أصحابها؛ كإظهار العلاء بن الحضرمي٤ المشي
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ في «م»، و«ط»: ولكنه. ٣ وهم الأشاعرة. انظر: أصول الدين للبغدادي ص ١٧٤. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص٣٧٠. وشرح المقاصد للتفتازاني ٥/٧٤. وطبقات الشافعية للسبكي٢/٣١٧. واليواقيت والجواهر لعبد الوهاب الشعراني ١/١٦١. ٤ هو العلاء بن عبد الله بن عماد الحضرمي. من سادة المهاجرين. ولاّه رسول الله ﷺ البحرين. ثمّ وليها لأبي بكر، وعمر ﵄. وكان أبو هريرة ﵁ يقول: رأيت من العلاء ثلاثة أشياء، لا أزال أحبه أبدًا: قطع البحر على فرسه يوم دارين. وقدم يريد البحرين، فدعا الله بالدهناء، فنبع لهم ماء، فارتووا. ونسي رجل منهم بعض متاعه فرد، فلقيه ولم يجد الماء، ومات ونحن على غير ماء، فأبدى الله لنا سحابة، فمطرنا، فغسلناه، وحفرنا له بسيوفنا، ولم نلحد له. انظر: سير أعلام النبلاء ١/٢٦٢. والبداية والنهاية ٦/١٦٢-١٦٣. وقال شيخ الإسلام ﵀ في العلاء بن الحضرمي ﵁: "والعلاء بن الحضرمي - ﵁ - كان عامل رسول الله ﷺ على البحرين، وكان يقول في دعائه: يا عليم يا حليم يا علي يا عظيم، فيستجاب له. ودعا الله بأن يسقوا ويتوضؤوا لما عدموا الماء، ولا يبقى الماء بعدهم، فأجيب. ودعا الله لما اعترضهم البحر ولم يقدروا على المرور بخيولهم، فمروا كلهم على الماء، فابتلت سرج خيولهم. ودعا الله أن لا يروا جسده إذا مات، فلم يجدوه في اللحد". الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٣١١. وانظر: حلية الأولياء لأبي نعيم ١/٧. وصفوة الصفوة لابن الجوزي ١/٦٩٤. وذكر ابن كثير أنه توفي سنة أربع عشرة. البداية والنهاية ٧/١٢٣.
[ ١ / ١٣٨ ]
على الماء، وإظهار عمر مخاطبة سارية١ على المنبر٢، وإظهار أبي
_________________
(١) ١ هو سارية بن زنيم بن عمرو الكناني. قال ابن عساكر: له صحبة. كان في الجاهلية كثير الغارات، يسبق الفرس عدوًا على رجليه، ولما ظهر الإسلام أسلم. قال الواقدي: أمّره عمر على جيش، وسيّره إلى فارس سنة ثلاث وعشرين، وفتح بلادًا منها أصبهان. توفي سنة ٣٠؟. انظر: الإصابة لابن حجر ٤/٩٦. والأعلام للرزكلي ٣/٦٩. ٢ وذلك لما كان عمر بن الخطاب ﵁ يخطب على المنبر في المدينة، وسارية ابن زنيم يُجاهد في العراق، فتذكّر عمر سارية، فنادى: يا سارية الجبل. يقول سارية: سمعت صوت عمر، فصعدتُ الجبل. أورده ابن كثير في البداية والنهاية ٧/١٣٥، وقال: إسناده جيد حسن. وكذلك حسّن أسانيده الحافظ ابن حجر في الإصابة ٤/٩٨.
[ ١ / ١٣٩ ]
مسلم١ لما أُلقي في النار أنّها صارت عليه بردًا وسلامًا. وهذا بخلاف من يدخلها بالشياطين، فإنّه قد يُطفئها، إلاّ أنّها لا تصير عليه بردًا وسلامًا. وإطفاء النار مقدورٌ للإنس والجنّ.
ومنها: ما يتحدّى بها صاحبها أنّ دين الإسلام حقّ؛ كما فعل خالد ابن الوليد لما شرب السُّمَّ٢؛ وكالغلام الذي أتى الراهب، وترك الساحر،
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن ثوب الخولاني، من خولان ببلاد اليمن. دعاه الأسود العنسي إلى أن يشهد أنّه رسول الله، فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ فقال: لا أسمع، أشهد أنّ محمدًا رسول الله. فأجّج له نارًا، وألقاه فيها، فلم تضرّه وأنجاه الله منها. فكان يُشبّه بإبراهيم الخليل. ثمّ هاجر، فوجد رسولَ الله ﷺ قد مات، فقدم على الصديق أبي بكر ﵁، فأجلسه بينه وبين عمر، وقال له عمر: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرى في أمة محمد من فُعل له كما فعل بإبراهيم الخليل ﵇. توفي أبو مسلم الخولاني سنة ٦٠؟. وقد ذكر له شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عددًا من الكرامات؛ منها: أنه مشى هو ومن معه في المعسكر على دجلة وهي ترمي بالخشب في مدّها. ووضعت له جارية السمّ في طعامه، فلم يضرّه. وخبّبت امرأةٌ عليه زوجتَه، فدعا عليها، فعميت، فجاءت وتابت، فدعا لها، فردّ الله عليها بصرها. انظر: مجموع الفتاوى ١١/٢٧٩. وانظر: حلية الأولياء ٢/١٢٢، ١٣١. وجامع العلوم والحكم لابن رجب ص ٣٢٢. وسير أعلام النبلاء ٤/٧. والبداية والنهاية لابن كثير ٨/١٤٩. والتقريب لابن حجر ٢/٤٧٣، وفيه ذكر أن اسمه عبد الله بن ثوب. ٢ وذلك لمّا نزل الحيرة - بالعراق، وأراد الأعاجم أن يُسقوه السمّ، فأخذه بيده، ثمّ اقتحمه، وقال: بسم الله، وشرب، فلم يضرّه شيئًا. الخبر أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٤/١٢٣-١٢٤. وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٣٥٠ أنّ أبا يعلى أخرجه، والطبراني في المعجم الكبير بإسنادين؛ رجال أحدهما رجال الصحيح، ورجال الآخر ثقات. وذكر كذلك أنّ رجال إسناد أبي يعلى ثقات. وانظر: مجموع الفتاوى ١١/٢٧٧-٢٧٨. وقد ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ عند محاصرة خالد بن الوليد للحيرة، أن خالدًا أخذ السم من ابن بقيلة - من نصارى العرب، ثم قال: لن تموت نفس حتى تأتي على أجلها، ثم قال: بسم الله خير الأسماء، رب الأرض والسماء، الذي ليس يضرّ مع اسمه داء، الرحمن الرحيم. قال: وأهوى إليه الأمراء ليمنعوه منه، فبادرهم فابتلعه. فلما رأى ذلك ابن بقيلة، قال: والله يا معشر العرب لتملكن ما أردتم ما دام منكم أحد. ثم التفت إلى أهل الحيرة فقال: لم أر كاليوم أوضح إقبالًا من هذا. ثم دعاهم، وسألوا خالدًا الصلح فصالحهم. البداية والنهاية ٦/٣٥١. وانظر: طبقات الشافعية للسبكي ٢/٣٣٣. وقد خالفه الصحابة في ذلك. ويكفي خالدًا كرامة أن جعله الله عزًا للإسلام وأهله، وذلًا للكفر، وشتاتًا لشمله.. وقد سماه رسول الله ﷺ سيف الله، وقال الصديق - ﵁ - في حقه: (يا معشر قريش إن أسدكم قد عدا على الأسد فغلبه على خراديله، عجزت النساء أن يلدن مثل خالد بن الوليد) . البداية والنهاية ٦/٣٥١.
[ ١ / ١٤٠ ]
وأمر بقتل نفسه بسهمه باسم ربّه، وكان قبل ذلك قد خُرِقت له العادة فلم يتمكّنوا من قتله١. ومثل هذا كثير.
مراتب الخوارق
فيقال المراتب ثلاثة: آيات الأنبياء، ثمّ كرامات الصالحين، ثمّ خوارق الكفار والفجار؛ كالسحرة والكهان، وما يحصل لبعض المشركين، وأهل الكتاب، والضلاّل من المسلمين.
الكرامات سببها اتباع الأنبياء
أمّا الصالحون الذين يدعون إلى طريق الأنبياء لا يخرجون عنها، فتلك خوارقهم من معجزات الأنبياء؛ فإنّهم يقولون: نحن إنّما حصل لنا هذا باتّباع الأنبياء، ولو لم نتّبعهم لم يحصل لنا هذا.
فهؤلاء إذا قُدّر أنه جرى على يد أحدهم ما هو من جنس ما جرى للأنبياء؛ كما صارت النار بردًا وسلامًا على أبي مسلم٢، كما صارت على
_________________
(١) ١ وخبر الغلام طويلٌ أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ٤/٢٢٩٩-٢٣٠١، كتاب الزهد والرقائق، باب قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام. ٢ الخولاني. تقدّمت قصته قريبًا ص ١٥٩.
[ ١ / ١٤١ ]
إبراهيم١؛ وكما يكثّر الله الطعام والشراب لكثيرٍ من الصّالحين٢؛ كما جرى في بعض المواطن للنبيّ ٣، أو إحياء الله ميتًا لبعض الصالحين٤ كما أحياه للأنبياء٥.
كرامات الأولياء معجزات للأنبياء
فهذه الأمور٦ هي مؤكدة لآيات الأنبياء، وهي أيضًا من معجزاتهم بمنزلة ما تقدّمهم من الإرهاص.
ومع هذا فالأولياء دون الأنبياء والمرسلين، فلا تبلغ كرامات أحدٍ قطّ إلى مثل معجزات المرسلين، كما أنهم لا يبلغون في الفضيلة والثواب إلى
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ . [الأنبياء ٦٩] . ٢ مثل قصة أبي بكر مع أضيافه، في تكثير الطعام. انظر صحيح البخاري ٦/٤٣٦. ٣ انظر على سبيل المثال: صحيح البخاري ٤/٢٣٤. وقد عقد القاضي عياض في كتابه الشفا ١/٤١٠ فصلًا: من معجزاته ﷺ تكثير الطعام ببركته ودعائه. ٤ من ذلك إحياء الله تعالى لصلة بن أشيم العدوي فرسَه بعد أن ماتت وهو في الغزو، فأحياها الله له، ووصل إلى أهله، وقال لابنه: ألق السرج عن الفرس فإنّها عارية، فلمّا ألقى السرج عنها، سقطت ميتة. انظر: حلية الأولياء لأبي نعيم ٢/٢٣٩. وطبقات الشافعية للسبكي ٢/٣٢٠. وسير أعلام النبلاء للذهبي ٣/٤٩٩، وقال الذهبي عن هذه القصة: وهذه كرامة ثابتة. وانظر: مجموع الفتاوى ١١/٢٨٠. ٥ مثل عيسى ﵇. قال الله تعالى عنه: ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٤٩] . وكذلك عزير ﵇ الذي أماته الله وحماره مائة عام، ثمّ بعثهما. قال الله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة ٢٥٩] . وانظر كتاب الشفا للقاضي عياض١/٤٤٤، حيث عقد فصلًا في: إحياء الموتى، وكلامهم. ٦ يقصد كرامات الأولياء.
[ ١ / ١٤٢ ]
درجاتهم، ولكن قد يُشاركونهم في بعضها، كما قد يُشاركونهم في بعض أعمالهم.
كرامات الأولياء لا تجعلهم معصومين
وكرامات الصالحين [تدلّ] ١ على صحة الدّين الذي جاء به الرسول، لا تدلّ على أنّ الولي معصومٌ، ولا على أنّه يجب طاعته في كلّ ما يقوله٢.
ومن هنا ضلّ كثيرٌ من النّاس من النّصارى وغيرهم٣؛ فإنّ الحواريّين٤، وغيرهم كانت لهم كرامات، كما تكون الكرامات لصالحي هذه الأمة، فظنّوا أنّ ذلك يستلزم عصمتهم كما يستلزم عصمة الأنبياء، فصاروا يُوجبون موافقتهم في كلّ ما يقولون.
النبي صارت طاعته واجبة بأمور
وهذا غلطٌ؛ فإنّ النبيّ وجب قبول كلّ ما يقول لكونه نبيًّا [ادّعى] ٥ النّبوّة، ودلّت المعجزة على صدقه، والنبيّ معصومٌ. وهنا المعجزة٦ ما دلّت على النبوة بل على متابعة النبيّ وصحّة دين النبيّ، فلا يلزم أن يكون هذا التابع معصومًا. من أسباب تأليف الكتاب
ولكن الذي يحتاج إلى الفرقان الفرق بين الأنبياء وأتباعهم، وبين من خالفهم من الكفار والفجار؛ كالسحرة، والكهان، وغيرهم؛ حتى يظهر
_________________
(١) ١ في «خ»: يدلّ. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٤٤. والجواب الصحيح ٢/٣٣٨؛ فقد فصّل شيخ الإسلام ﵀ في هذين الموضعين تفصيلًا طيّبًا. ٣ وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أصناف الناس بالنسبة لمواقفهم ممن يجري على أيديهم بعض الأمور الخارقة في «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» ص ١٤٧. ٤ الحواريّون هم أصحاب عيسى ﵇ وخاصّته الذين اختارهم ليكونوا تلامذته؛ حيث بادروا إلى الإيمان به، وتعلّموا منه، وكانوا اثني عشر رجلًا. انظر: الجواب الصحيح ٢/٣٩٨-٤٠٠،، ٤/١٧. ٥ في «خ» رسمت ادعاء. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ يقصد الكرامة.
[ ١ / ١٤٣ ]
الفرق بين الحقّ والباطل، وبين ما يكون دليلًا على صدق صاحبه؛ كمدّعي النبوّة، و[بين] ١ ما لا يكون دليلًا على صدق صاحبه؛ فإنّ الدليلَ لا يكون دليلًا حتى يكون مستلزمًا للمدلول؛ متى وُجِدَ وُجِدَ المدلول، وإلاّ فإذا وُجِدَ تارةً مع وجود المدلول، وتارةً مع عدمه [فليس بدليل] ٢.
فآيات الأنبياء وبراهينهم لا [توجد] ٣ إلاّ مع النبوّة، ولا توجد مع ما يناقض النبوة.
ومدّعي النبوّة إمّا صادق، وإمّا كاذب.
والكذب يُناقض النبوة، فلا يجوز أن يُوجد مع المناقض لها، مثل ما يوجد معها. وليس هنا شيءٌ مخالفٌ لها؛ [لا موافقٌ] ٤، ولا مناقضٌ؛ فإنّ الكفر، والسحر، والكهانة، كلّ هذا يناقض النبوّة، لا يجتمع هو [و] ٥ النبوة.
والنّاس رجلان: رجلٌ موافقٌ لهم، ورجلٌ مخالفٌ لهم.
فالمخالف مناقض.
الفرق بين جنس آيات الأنبياء وخوارق من خالفهم
وإذا كان كذلك، فيُقال: جنس آيات الأنبياء خارجة عن مقدور البشر، بل وعن مقدور جنس الحيوان.
وأمّا خوارق مخالفيهم؛ كالسحرة، والكُهّان؛ فإنّها من جنس أفعال الحيوان؛ من الإنس، وغيره من الحيوان، والجنّ؛ مثل قتل الساحر، وتمريضه لغيره؛ فهذا أمرٌ مقدورٌ، معروفٌ للنّاس بالسّحر، وغير السّحر؛
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٣ في «خ» يوجد. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» . ٥ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين.
[ ١ / ١٤٤ ]
وكذلك ركوب المكنسة١، أو الخابية٢، أو غير ذلك؛ حتّى تطير به، وطيرانه في الهواء من بلد إلى بلد؛ هذا فعلٌ مقدورٌ للحيوان؛ فإنّ الطير [يفعل] ٣ ذلك، والجنّ تفعل ذلك. وقد أخبر الله أنّ العفريت قال لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ ٤؛ وهذا تصرّف في أعراض٥ الحيّ؛ فإنّ الموت، والمرض، والحركة أعراضٌ، والحيوان يقبل في العادة مثل هذه الأعراض، ليس في هذا قلب جنس إلى جنس، ولا في هذا ما يختصّ الربّ بالقدرة عليه، ولا ما يختصّ به الملائكة.
وكذلك إحضار ما يُحضر من طعامٍ، أو نفقة، أو ثياب، أو غير ذلك من الغيب. [و] ٦ هذا [إنّما هو] ٧ نقل مالٍ من مكانٍ إلى مكانٍ. وهذا تفعله الإنس والجنّ، لكن الجنّ تفعله، والنّاس لا يُبصرون ذلك. وهذا بخلاف كون الماء القليل نفسه يفيض حتى يصير كثيرًا، بأن ينبع من بين الأصابع من غير زيادة يُزادها٨. فهذا لا يقدر عليه إنسيّ ولا جنّي.
_________________
(١) ١ المكنسة - بكسر الميم - ما يُكنس به. والكُناسة - بالضمّ - ما يُكنس؛ وهي الزبالة. انظر: المصباح المنير ص ٥٤٢. ٢ الخابية: وعاء الماء الذي يحفظ فيه. وجمعه خوابي. المعجم الوسيط ١/١٣. ٣ في «م»، و«ط» تفعل. ٤ سورة النمل، الآية ٣٩. ٥ العَرَض في اللغة: ما يعرض للإنسان من مرض، وموت، ونحو ذلك. انظر: الصحاح للجوهري ٣/١٠٣٨. والمعجم الوسيط ص ٥٩٤. ٦ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٧ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٨ مثل ما حدث في غزوة الحديبية؛ حيث وضع رسول الله ﷺ يده في الإناء، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون. قال جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ - وهو راوي الحديث: "فوضع النبي ﷺ يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون. قال فشربنا. قال الراوي: فقلت لجابر: كم كنتم يومئذ، قال: لو كنّا مائة ألف لكفانا، كنّا خمس عشرة مائة". أخرجه البخاري في صحيحه ٤/١٥٢٦، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية. وقد ذكر أنس بن مالك - ﵁ - قصة أخرى في نبع الماء من بين أصابع نبيّنا ﷺ. فعنه - ﵁ - أن النبي ﷺ دعا بماء، فأُتي بقدح رحراح، فجعل القوم يتوضؤون، فحزرت ما بين الستين إلى الثمانين، قال: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه. صحيح مسلم ٤/١٧٨٣، كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي ﷺ.
[ ١ / ١٤٥ ]
أخبار الأنبياء لا كذب فيها، بخلاف من خالفهم
وكذلك الإخبار ببعض الأمور الغائبة، مع الكذب في بعض الأخبار. فهذا تفعله الجن / كثيرًا مع الكُهّان١، وهو معتادٌ لهم، مقدورٌ، بخلاف إخبارهم بما يأكلون، وما يدّخرون، مع تسمية الله على ذلك؛ فهذا لا تظهر عليه الشياطين٢.
_________________
(١) ١ مثل حال ابن صياد، لمّا قال له رسول الله ﷺ: "إنّي خبّأتُ لك خبيئًا" فقال: هو الدّخّ. فقال الرسول ﷺ: "اخسأ، فلن تعدو قدرك". الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه٤/٢٢٤٠، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر ابن صيّاد. ٢ قال رسول الله ﷺ: "إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله، وعند طعامه، قال الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء..". الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ٣/١٥٩٨، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما. وقال رسول الله ﷺ: "غطوا الإناء، وأوكئوا السقاء، وأغلقوا الأبواب، وأطفئوا السراج، فإنّ الشيطان لا يحلّ سقاءً، ولا يفتح بابًا، ولا يكشف إناءً ". الحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه ١٠/٧٧، والإمام مسلم في صحيحه ٣/١٥٩٤، كتاب الأشربة، باب الأمر بتغطية الإناء، وإيكاء السقاء، وإغلاق الأبواب، وذكر اسم الله عليها..
[ ١ / ١٤٦ ]
وبنو إسرائيل كانوا مسلمين يسمّون الله١.
وأيضًا: فخبر المسيح٢، وغيره من الأنبياء ليس فيه كذب قط. والكهان لا بُدّ لهم من الكذب. والربُّ قد أخبر في القرآن أنّ الشياطين [تنزل] ٣ على بعض الناس، فتخبره ببعض الأمور الغائبة، لكن ذكر الفَرْقَ، فقال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ ٤.
الحكمة من مسرى النبي ﷺ
وكذلك مسرى الرسول ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ ليريه الربّ من آياته٥. فخاصّة الرسول ليست مجرّد قطع هذه المسافة، بل قطعها ليريه الربّ من الآيات الغائبة ما يُخبر به. فهذا لا يقدر عليه الجنّ، وهو نفسه لم يحتجّ بالمسرى على نبوته، بل جعله مما يؤمن به؛ فأخبرهم به ليؤمنوا به.
_________________
(١) ١ قال الله تعالى في شأنهم: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة، ١٣٣] . وأما عن تسميتهم الله، فقد قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ.﴾ [المائدة، ٥] . ومعلوم أنّهم لو لم يكونوا يُسمّون الله تعالى عند الذبح، لم يكن طعامهم حلًا لنا؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام، ١٢١] . ٢ وهو إخباره ﵇ عمّا يأكل بنو إسرائيل وما يدّخرون في بيوتهم. قال تعالى عن معجزات عيسى ﵇: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران الآية، ٤٩] . ٣ في «خ»: ينزل. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ سورة الشعراء، الآيات ٢٢١-٢٢٣. ٥ قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ . [الإسراء، ١] .
[ ١ / ١٤٧ ]
والمقصود إيمانهم بما أخبرهم من الغيب الذي رآه تلك الليلة، وإلاّ فهم كانوا يعرفون المسجد الأقصى، ولهذا قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَة المَلْعُونَةَ فِيْ القُرْآن﴾ ١.
قال ابن عباس [﵁] ٢: هي رؤيا عين أُريها رسول الله ﷺ ليلة أُسري به٣. وهذا كما قال في الآية: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ المَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى﴾ ٤.
وكذلك ما يُخبر به الرسول من أنباء الغيب؛ قال تعالى: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًَا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًَا﴾ ٥. فهذا غيب الربّ الذي اختص به؛ مثل علمه بما سيكون من تفصيل الأمور الكبار على وجه الصدق، فإنّ هذا لا يقدر عليه إلا الله.
الفرق بين خبر الرسول وخبر الجنّ
والجنّ غايتها أن تخبر ببعض الأمور المستقبلة؛ كالذي يسترقه الجن من السماء٦، مع ما في الجنّ من الكذب، فلا بُدّ لهم من الكذب، والذي يخبرون به هو ممّا يُعلم بالمنامات وغير المنامات، فهو من جنس المعتاد للناس.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآية ٦٠. ٢ ما بين المعقوفتين من «ط»، وليس في «خ»، و«م» . ٣ انظر: صحيح البخاري ٤/١٧٤٨. ٤ سورة النجم، الآيات ١٣-١٨. ٥ سورة الجن، الآيتان ٢٦-٢٧. ٦ قال تعالى يحكي عن الجنّ: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن، ٩] .
[ ١ / ١٤٨ ]
وأما ما يخبر الرسل من الأمور البعيدة الكبيرة مفصلًا؛ مثل إخباره: "إنكم تقاتلون الترك، صغار الأعين، ذُلْفُ الآنُفِ١، ينتعلون الشعر، كأنّ وجوههم المَجَانُّ المُطْرَقَة٢"٣، وقوله: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تُضيء لها أعناق الإبل ببُصرى٤"٥، ونحو ذلك. فهذا لا يقدر عليه جني، ولا إنسيّ.
_________________
(١) ١ الذَّلَف بالتحريك: قصر الأنف وانبطاحه. وقيل: ارتفاع طرفه مع صغر أرنبته. والذُّلْف بسكون اللام: جمع أذلف؛ كأحمُر، وحمر. والآنُف: جمع قلة للأنف، وضع موضع جمع الكثرة، ويحتمل أنّه قللها لصغرها. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ٢/١٦٥. ٢ وهي التروس التي يُطرق بعضها على بعض. انظر الصحاح للجوهري ٤/١٥١٦) . والمراد: تشبيه وجوه الترك في عرضها، وتلوّن وجناتها بالترسة المطرقة. ٣ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٣/١٠٧٠. ومسلم في صحيحه ٤/٢٢٣٣، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكانه من البلاء. والإمام أحمد في المسند ح ٧٢٦٢ - تحقيق أحمد شاكر. ٤ بُصرى - بضمّ الباء - آخرها مقصور: مدينة بالشام، ويُقال لها حوران. انظر معجم البلدان لياقوت الحموي ١/٤٤١. وهي اليوم مدينة من مدن الجمهورية السورية، في شرقها. ٥ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٦/٢٦٠٥. ومسلم في صحيحه ٤/٢٢٢٧-٢٢٢٨، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز. وهذا الغيب الذي أخبر عنه النبيّ ﷺ قد وقع - كما ذكر المؤرخون - سنة أربع وخمسين وستمائة. وقد أخبر غير واحد أنّه لمّا ظهرت النار في بعض أودية المدينة النبوية، واستمرت شهرًا، وكان الناس يسيرون على ضوئها بالليل إلى تيماء - قرب تبوك - شاهد من كان بحاضرة بلد بُصرى أعناق الإبل في ضوء هذه النار التي ظهرت من أرض الحجاز. انظر: الفتن والملاحم - النهاية - لابن كثير ١/١٨-١٩.
[ ١ / ١٤٩ ]
والمقصود أنّ ما يُخبر به غير النبي من الغيب معتادٌ، معروفٌ نظيره من الجن والإنس، فهو من غيب الله الذي قال فيه: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًَا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ ١.
والآيات الخارقة جنسان: جنسٌ في نوع العلم، وجنسٌ في نوع القدرة٢.
أقسام الخوارق
فما اختصّ به النبيّ من العلم خارجٌ عن قدرة الإنس والجنّ، وما اختصّ به من المقدورات خارجٌ عن قدرة الإنس والجنّ.
خوارق الجنّ
وقدرة الجنّ في هذا الباب٣ كقدرة الإنس؛ لأنّ الجن هم من جملة من دعاه الأنبياء إلى الإيمان، وأرسلت الرسل إليهم؛ قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الجِنّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّوْنَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الجن، الآيتان ٢٦-٢٧. ٢ ولشيخ الإسلام ﵀ زيادة إيضاح لهذا الموضوع، حيث قال: (الخوارق منها ما هو من جنس العلم؛ كالمكاشفات. ومنها ما هو من جنس القدرة والملك؛ كالتصرفات الخارقة للعادات. ومنها ما هو من جنس الغنى عن جنس ما يُعطاه الناس في الظاهر من العلم والسلطان والمال والغنى) . «مجموع الفتاوى» ١١/٢٩٨-٢٩٩. وقال أيضًا: "فالأقسام ثلاثة: إما أن يتعلق بالعلم والقدرة، أو بالدين فقط، أو بالكون فقط. ثمّ فصّل، واستدلّ لكلّ نوع". انظر: مجموع الفتاوى ١١/٣٢٣-٣٢٤. وانظر قاعدة في المعجزات ص ٩. وانظر كتاب الصفدية ١/١٨٣، فإنه جعل الخوارق ثلاثة أقسام. وقد أفاض المؤلف ﵀ في ذكر أقسام المعجزات بالتفصيل. انظر: الجواب الصحيح ٦/٨٠-٢٩٦. ٣ باب الخوارق. ٤ سورة الأنعام، الآية ١٣٠.
[ ١ / ١٥٠ ]
ومعلومٌ أنّ النبيّ إذا دعا الجن إلى الإيمان به، فلا بُدّ أن يأتي بآية خارجة عن مقدور الجنّ؛ فلا بُدّ أن تكون آيات الأنبياء خارجة عن مقدور الإنس والجنّ.
وما يأتي به الكاهن من خبر [الجنّ] ١ غايته أنّه سمعه الجني لمّا استرق السمع؛ مثل الذي يستمع إلى حديث قومٍ وهم له كارهون.
وما أعطاه اللهُ سليمانَ مجموعه يخرج عن قدرة الإنس والجنّ؛ كتسخير الرياح، والطير.
خوارق الملائكة تختص بالأنبياء وأتباعهم
وأما الملائكة: فالأنبياء لا تدعوا الملائكةَ إلى الإيمان بهم، بل الملائكة [تنزل] ٢ بالوحي على الأنبياء، وتعينهم، وتؤيدهم. فالخوارق التي [تكون] ٣ بأفعال الملائكة تختص بالأنبياء وأتباعهم، لا تكون للكفّار، والسحرة، والكُهّان.
ولهذا أخبر الله تعالى أنّ الذي جاءه بالقرآن مَلَكٌ لا شيطان؛ فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِيْ العَرْشِ مَكِين * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُون * وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِين * وَمَا هُوَ عَلَى الغَيْبِ بِضَنِين * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ ٤، وقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين؟ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِين﴾ ٥، وقال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدُسِ منْ رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ ٦، وقال: ﴿قل مَنْ كَانَ
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٢ في «خ»: ينزل. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: يكون. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ سورة التكوير، الآيات ١٩-٢٥. ٥ سورة الشعراء، الآيتان ١٩٣-١٩٤. ٦ سورة النحل، الآية ١٠٢.
[ ١ / ١٥١ ]
عَدُوًَّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ ١، وقال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيم * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ ٢.
الواجب معرفة الفروق بين آيات الأنبياء وبين من خالفهم
فينبغي أن يُتدبّر هذا الموضع، وتُعرف الفروق الكثيرة بين آيات الأنبياء، وبين ما يشتبه بها؛ كما يُعرف الفرق بين النبي، وبين المتنبي؛ وبين ما يجيء به النبي، وما يجيء به المتنبي.
فالفرق حاصلٌ في نفس صفات هذا، وصفات هذا، وأفعال هذا، وأفعال هذا، وأمر هذا، وأمر هذا، وخبر هذا، وخبر هذا، وآيات هذا، وآيات هذا؛ إذ الناس محتاجون إلى هذا الفرقان أعظم من حاجتهم إلى غيره، والله تعالى يبيّنه، ويُيسّره.
ولهذا أخبر أنه أرسل رسله بالآيات البيّنات. وكيف [يشبّه] ٣ خير الناس بشر الناس. ولهذا لما مثّلوا الرسول بالساحر، وغيره، قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ ٤.
وقد تنازع النّاس في الخوارق: هل تدلّ على صلاح صاحبها، وعلى ولايته لله٥؟.
هل الخوارق تدل على صلاح صاحبها أم لا؟
والتحقيق: أنّ من كان مؤمنًا بالأنبياء،لم يستدلّ على الصلاح بمجرّد
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية ٩٧. ٢ سورة الشعراء، الآيات ٢٢١-٢٢٣. ٣ في «خ»: شبه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ سورة الفرقان، الآية ٩. ٥ للاطلاع على خلافهم في ذلك، راجع: مجموع الفتاوى ١١/٢١٤، ٢٨٧. والجواب الصحيح ٢/٣٣٨. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٤٧-١٤٨. وقطر الولي على حديث الولي للشوكاني ص ٢٧٢.
[ ١ / ١٥٢ ]
الخوارق التي قد تكون للكفار والفسّاق، وإنّما يُستدلّ بمتابعة الرجل للنبيّ؛ فيُميّز بين أولياء الله وأعدائه بالفروق التي بيَّنَها اللهُ ورسوله؛ كقوله: ﴿[أَلاَ] ١ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٢.
وقد علق السعادة بالإيمان والتقوى في عدّة مواضع؛ كقوله لمّا ذكر السّحرة: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٣، وقوله عن يوسف: ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ؟ وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ للَّذِيْنَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٤، وقوله في قصة صالح: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِيْنَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ٥ وهذه طريقة الصحابة والسلف.
تنازع الناس في ولاية المعين على قولين
وأمّا دلالتها على ولاية المعيّن: فالناس متنازعون؛ هل الوليّ والمؤمن من مات على ذلك؛ بحيث إذا كان مؤمنًا تقيًّا، وقد عُلم أنّه يموت كافرًا، يكون في تلك الحال عدوًّا لله؟ أو ينتقل من إيمان وولاية إلى كفر وعداوة؟. وهما قولان معروفان٦.
فمن قال بالأول؛ فالوليّ عنده كالمؤمن [عند] ٧ من علم أنه يموت
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ سورة يونس، الآيتان ٦٢-٦٣. ٣ سورة البقرة، الآية ١٠٣. ٤ سورة يوسف، الآيتان ٥٦-٥٧. ٥ سورة فصلت، الآية ١٨. ٦ انظر: مجموع الفتاوى ١١/٦٢، ٦٥. ٧ في «خ»: عنده. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ١٥٣ ]
على تلك الحال، والخوارق لا تدلّ على ذلك.
ولهذا قال هؤلاء؛ كالقاضي أبي بكر١، وأبي يعلى٢، وغيرهما: أنّها لا تدلّ٣.
وأمّا من قال: الولاية تتبدّل؛ فالولاية هنا كالإيمان. وقد يُعلم أنّ الرجل مؤمنٌ في الباطن، تقيّ بدلائل كثيرة، وقد يُطلع الله بعضَ الناس على خاتمة غيره. فهذا لا يمتنع.
أقوال الناس في الشهادة لمعين بالجنة
لكن هذا مثل الشهادة لمعين بالجنة، وفيها ثلاثة أقوال٤:
قيل: لا يشهد بذلك لغير النبي. وهو قول أبي حنيفة، والأوزاعي، وعلي ابن المديني، وغيرهم.
_________________
(١) ١ الباقلاني. هو أبو بكر محمد بن طيب بن محمد بن جعفر البصريّ. سبقت ترجمته. ٢ هو القاضي أبو يعلى؛ محمد بن الحسين بن محمد بن خلف البغدادي الفراء، شيخ الحنابلة، وعالم العراق في زمانه. توفي سنة ٤٥٨؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/٨٩. وطبقات الحنابلة ٢/١٩٣. والبداية والنهاية ١٢/١٠١. ٣ انظر: البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات للباقلاني ص ٥١. والتمهيد له ص ٤٧-٤٨. والإنصاف ص ٦٩. ومقالات الإسلاميين للأشعري ١/٣٥٠. وشرح المقاصد للتفتازاني ص ٧٣، ٧٥، ٧٦. ٤ انظر هذه الأقوال الثلاثة في: مجموع الفتاوى ١١/٥١٨. ومنهاج السنة النبوية ٣/٤٩٦-٤٩٧. وشرح الطحاوية ص ٥٣٨. وغاية الأماني في الرد على النبهاني للآلوسي ١/١٨٧. وكذلك في المقدمة السالمة في خوف الخاتمة لملا علي القاري - مخطوط - رقم اللوحة ٣٥، ضمن مجموع ابن سلطان رقم ١٥٨٩.
[ ١ / ١٥٤ ]
وقيل: يشهد به لمن جاء به نص، إن١ كان [خبرًا] ٢ صحيحًا؛ كمن شهد له النبيّ بالجنة فقط. وهذا قول كثيرٍ من أصحابنا، وغيرهم.
وقيل: يشهد به لمن استفاض عند الأمة أنه رجل صالح٣؛ كعمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وغيرهما.
وكان أبو ثور٤ يشهد لأحمد بن حنبل بالجنّة.
وقد جاء في الحديث الذي في المسند: "يُوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار". قالوا: بماذا يا رسول الله؟ قال: "بالثناء الحسن والثناء السيئ"٥.
وفي الصحيحين: أنّ النبيّ ﷺ مُرّ عليه بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا، فقال: "وَجَبَت وَجَبَت". ومُرّ عليه بجنازة، فأثنوا عليها شرًا، فقال: "وَجَبَت وَجَبَت". فقيل: يا رسول الله! ما قولك: وجبت وجبت؟ قال:
_________________
(١) ١ في «خ»: وإن. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «خ»: خيرًا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والأشبه أن يُشهد له بذلك. هذا في الأمر العام) . انظر مجموع الفتاوى ١١/٦٥. ٤ هو إبراهيم بن خالد. الإمام الحافظ الحجة المجتهد، مفتي العراق، أبو ثور. ولد في حدود سنة ١٧٠؟. قال الإمام أحمد لمّا سُئل عنه: أعرفه بالسنّة منذ خمسين سنة، وهو عندي في مسلاخ سفيان الثوري. وقال النسائي: ثقة مأمون، أحد الفقهاء. توفي في صفر ٢٤٠؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٢/٧٢. والبداية والنهاية ١٠/٣٢٢. ٥ الحديث رواه الإمام أحمد في المسند ٣/٤١٦، ٦/٤٦٦، من حديث أبي بكر بن أبي زهير الثقفي، عن أبيه. وسنده حسن كما ذكر محققا شرح الطحاوية ص ٥٣١.
[ ١ / ١٥٥ ]
"هذه الجنازة أثنيتم عليها الخير، فقلت: وجبت لها الجنة. وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرًا، فقلت: وجبت لها النار. أنتم شهداء الله في الأرض"١.
وفي حديث آخر: "إذا سمعت جيرانك يقولون: قد أحسنتَ، فقد أحسنت. وإذا سمعتهم يقولون: قد أسأتَ، فقد أسأت"٢.
وسئل عن الرجل: يعمل العمل لنفسه، فيحمده الناس عليه، فقال: "تلك عاجل بشرى المؤمن" ٣.
الثناء على رجل يعرف بأسباب
والتحقيق: أنّ هذا قد [يُعلم] ٤ بأسباب، وقد يغلب على الظن. ولا يجوز للرجل أن يقول بما لا يعلم؛ ولهذا لما قالت أم العلاء الأنصارية٥: لمّا قدم المهاجرون المدينة اقترعت الأنصار على سكناهم، فصار لنا عثمان بن مظعون٦ في السكنى، / فمرض، فمرضناه، ثم توفي، فجاء رسول الله ﷺ، فدخل، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه ١/٤٦٠. ومسلم في صحيحه حديث ٩٤٩. ٢ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ١/٤٠٢١. وقال الساعاتي: (وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: حديث عبد الله بن مسعود هذا صحيح، رجاله ثقات، وأورده الهيثمي، وقال: رواه (طب) ورجاله رجال الصحيح. وغفل عن عزوه للإمام أحمد) . الفتح الرباني ١٩/٢١٩-٢٢٠. ٣ أخرجه مسلم في صحيحه، حديث ٢٦٤٢. ٤ في «خ»: يعمل. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ هي أم العلاء بنت الحارث بن ثابت الخزرجية. يُقال إنها والدة خارجة بن زيد بن ثابت. إحدى الصحابيات ﵂. انظر الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٤/٤٧٨. ٦ هو عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب الجمحي، أبو السائب. من سادة المهاجرين، وممن فازوا بوفاتهم في حياة نبيّهم ﷺ، فصلى عليهم. وكان أول من دفن بالبقيع. انظر: حلية الأولياء ١/١٠٢. وسير أعلام النبلاء ١/١٥٣.
[ ١ / ١٥٦ ]
أن قد أكرمك الله. قال النبي ﷺ: " [وما يدريك] ١ أنّ الله قد أكرمه؟ ". قالت: لا والله، لا أدري. فقال النبي ﷺ: "أما هو فقد أتاه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير. والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل بي ولا بكم". قالت: فوالله لا أزكي بعده أحدًا أبدًا. قالت: ثم رأيت لعثمان [﵁] ٢ بعد في النوم عينًا تجري، فقصصتها على رسول الله ﷺ، فقال: "ذاك عمله"٣.
وأما من لم يكن مقرًا بالأنبياء، فهذا لا يعرف الولي من غيره؛ إذ الولي لا يكون وليًا إلا إذا آمن بالرسل.
لكن قد [تدل] ٤ الخوارق على أنّ هؤلاء على الحقّ، دون هؤلاء؛ لكونهم من أتباع الأنبياء؛ كما قد [يتنازع] ٥ المسلمون والكفار في الدين؛ فيؤيّد الله المؤمنين بخوارق تدل على صحة دينهم؛ كما صارت النار على أبي مسلم٦ بردًا وسلامًا؛ وكما شرب خالد السمّ٧، وأمثال ذلك. فهذه الخوارق هي من جنس آيات الأنبياء.
كل ما كان الإنسان أقرب إلى الإسلام فهو أقوى خوارق
وقد يجتمع كفار، ومسلمون، ومبتدعة، وفجّار؛ فيؤيّد هؤلاء بخوارق تعينهم عليها الجنّ و[الشياطين] ٨، ولكن جنهم وشياطينهم أقرب إلى
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ ما بين المعقوفتين يُوجد في «ط» فقط. ٣ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٢/٩٥٤، ٩٥٥. ٤ في «خ»: يدلّ. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ في «خ»: تتنازع. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ الخولاني. تقدمت قصته قريبًا، ص ١٥٩. ٧ تقدمت قصة شرب خالد بن الوليد ﵁ للسمّ قريبًا، ص ١٥٩. ٨ في «خ»: الشيطاطين. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ١٥٧ ]
الإسلام؛ فيترجّحون بها على أولئك الكفار عند من لا يعرف النبوّات؛ كما يجري لكثيرٍ من المبتدعة، والفجّار، مع الكفّار؛ مثل ما يجري للأحمدية١، وغيرهم، مع عبّاد المشركين البخشيّة٢ قدّام التتار٣، كانت خوارق هؤلاء أقوى لكونهم كانوا أقرب إلى الإسلام٤.
_________________
(١) ١ الأحمدية، والرفاعية من طرق الصوفية. وتنسب إلى أحمد الرفاعي بن سلطان علي. ويُوصل أتباعه نسبه إلى موسى الكاظم بن جعفر الصادق، إلى علي بن أبي طالب ﵁. ولد أحمد الرفاعي في قرية حسن بالقرب من أم عبيدة بالعراق سنة ٥١٢؟، وتوفي سنة ٥٧٨، ودفن في قرية أم عبيدة. انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١٢/٣١٢. وسير أعلام النبلاء للذهبي ٢١/٧٦. وطبقات الشافعية للسبكي ٤/١٩. وشذرات الذهب لابن العماد ٤/٢٥٩. والفكر الصوفي لعبد الرحمن عبد الخالق ص ٣٦٦. وقد ناقش شيخ الإسلام - ﵀ - هؤلاء الرفاعية وكشف حقيقة ما يظهرونه من المخاريق مثل ملابسة النار والحيات وإظهار الدم، وذلك في مناقشة علنية بحضور نائب السلطان وأهل دمشق. انظر مجموع الفتاوى ١١/٤٤٥، ٤٧٦، ٤٩٤. (بخش) كلمة سنسكريتية، أصل الكلمة (بهشكو)، وهي تدلّ على كهنة بوذا. وهذا أحد معانيها. والكلمة بهذا المعنى ترادف الكلمة الصينيّة: (هو شانغ)، والتيبتية: (لاما)، والأويغورية: (تواين) . انظر: دائرة المعارف الإسلامية لمجموعة من المستشرقين ٦/٣٨٦. وقد تكلم شيخ الإسلام ﵀ عن هؤلاء البخشية في كتاب الصفدية ١/١٩١. ومنهاج السنة ٣/٤٤٦-٤٤٧. ٣ لعل المراد أنّ أحوال هؤلاء لا تظهر إلا عند التتار. ٤ ذكر شيخ الإسلام ﵀ قصة لشيخ من الأحمدية: أنه كان مرة عند بعض أمراء التتار، وكان لهذا الأمير صنم يعبده، فقال الأمير لذاك الشيخ: هذا الصنم يأكل من هذا الطعام كلّ يوم، ويبقى أثر الأكل في الطعام. فأنكر الشيخ ذلك، فقال له الأمير: إن كان يأكل، فأنت تموت - يعني سيقتله لإنكاره ذلك. فقال له الشيخ: نعم. يقول ذاك الشيخ: فأقمت عنده إلى نصف النهار، ولم يظهر في الطعام أثر، فاستعظم ذلك التتري. قال شيخ الإسلام ﵀: فقلت لهذا الشيخ: أنا أُبيّن لك سبب ذلك؛ التتريّ كافر مشرك، ولصنمه شيطان يُغويه بما يُظهره من الأثر في الطعام. وأنتَ كان معك من نور الإسلام ما أوجب انصراف الشيطان فالتتري وأمثاله سود، وأهل الإسلام المحض بيض، وأنتم بُلق؛ فيكم سواد وبياض) . «مجموع الفتاوى» ١١/٤٤٧-٤٤٨. ونقل شيخ الإسلام ﵀ عن شيخٍ من مشايخ الأحمدية قوله: أحوالنا تظهر عند التتار، لا تظهر عند شرع محمد بن عبد الله. انظر مجموع الفتاوى ١١/٤٥٥.
[ ١ / ١٥٨ ]
كلام الغزالي ينفع الفلسفي ويضر المسلم
وعند من هو أحق بالإسلام منهم لا تظهر خوارقهم، بل تظهر خوارق من هو أتمّ إيمانًا منهم. وهذا يُشبه ردّ أهل البدع على الكفّار بما فيه بدعة؛ فإنّهم وإن ضلّوا من هذا الوجه، فهم خير من أولئك الكفار، لكن من أراد أن يسلك إلى الله على ما جاء به الرسول يضرّه هؤلاء، ومن كان [حائرًا] ١ نفعه هؤلاء. بل كلام أبي حامد٢ ينفع المتفلسف ويصير أحسن؛ فإنّ المتفلسف يُسلم به إسلام الفلاسفة، والمؤمن يصير به إيمانه مثل إيمان الفلاسفة. وهذا [أردأ] ٣ من هذا، بخلاف ذاك.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: جائرًا. ٢ هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسيّ الشافعيّ الغزالي. توفي سنة ٥٠٥ هـ. قال عنه أبو بكر بن العربي: شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة، وأراد أن يتقيّأهم، فما استطاع. وقال عنه ابن الجوزي: صنّف أبو حامد الإحياء، وملأه بالأحاديث الباطلة، ولم يعلم بُطلانها، وتكلّم على الكشف، وخرج عن قانون الفقه. انظر: سير أعلام النبلاء ١٩/٣٢٢. ٣ في «خ»: ردّه. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ١٥٩ ]
أنواع الخوارق
والخوارق ثلاثة أنواع١:
إمّا أن [تُعين] ٢ صاحبها على البر والتقوى؛ فهذه أحوال نبيّنا ومن اتبعه؛ خوارقهم لحجّة في الدين، أو حاجةً للمسلمين.
والثاني: أن تعينهم على مباحات؛ كمن [يُعينه] ٣ الجنّ على قضاء حوائجه المباحة؛ فهذا متوسط، وخوارقه لا ترفعه ولا تخفضه. وهذا يُشبه تسخير الجنّ لسليمان [﵇] ٤. والأول مثل إرسال نبيّنا إلى الجنّ يدعوهم إلى الإيمان؛ فهذا أكمل من استخدام الجنّ في بعض الأمور المباحة؛ كاستخدام سليمان [﵇] ٥ لهم في محاريبَ، وتماثيلَ، وجِفانٍ [كالجوابِ] ٦ وقدورٍ راسيات، [اعملوا آل داود شُكرًا] ٧؛ قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ [كَالجَوَابِ] ٨ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْملُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًَا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور﴾ ٩، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِير﴾ ١٠.
ونبيّنا أُرسل إليهم يدعوهم إلى الإيمان بالله وعبادته؛ كما أُرسل إلى الإنس. فإذا اتّبعوه، صاروا سعداء. فهذا أكمل له ولهم من ذاك.
_________________
(١) ١ انظر أيضًا: مجموع الفتاوى ١١/٣١٩-٣٢٠، ٣٢٣-٣٢٩. ٢ في «خ»: يعين. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «م»، و«ط»: تعينه. ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ» . ٥ ما بين المعقوفتين ليس في «خ» . ٦ في «م»، و«ط»: كالجوابي. ٧ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» . ٨ في «م»، و«ط»: كالجوابي. ٩ سورة سبأ، الآية ١٣. ١٠ سورة سبأ، الآية ١٢.
[ ١ / ١٦٠ ]
العبد الرسول أكمل من الملك الرسول
كما أنّ العبدَ الرّسول أكمل من النبيّ الملِك١. ويوسف، وداود، وسليمان [﵈] ٢ أنبياء ملوك. وأمّا محمّد [ﷺ] ٣ فهو عبدٌ رسولٌ؛ كإبراهيم، وموسى، والمسيح [﵈] ٤. وهذا الصنف أفضل، وأتباعهم أفضل.
_________________
(١) ١ وقال شيخ الإسلام ﵀ أيضًا: "وانقسم الأنبياء ﵈ إلى عبدٍ رسول، ونبيّ ملك. وقد خيَّر الله سبحانه محمّدًا ﷺ بين أن يكون عبدًا رسولًا، وبين أن يكون نبيًّا ملكًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا فالنبيّ الملك يفعل ما فرض الله عليه، ويترك ما حرّم الله عليه، ويتصرّف في الولاية والمال بما يُحبّه، ويختار من غير إثم عليه. وأما العبد الرسول فلا يُعطي أحدًا إلا بأمر ربه، ولا يُعطي من يشاء ويحرم من يشاء؛ بل رُوي عنه أنّه قال: "إني والله لا أعطي أحدًا، ولا أمنع أحدًا، إنّما أنا قاسم حيث أمرت". مجموع الفتاوى ١١/١٨٠-١٨١. وانظر: المصدر نفسه ١٣/٨٨. ومنهاج السنة النبوية ٧/٤٦٨. والبداية والنهاية لابن كثير ٦/٥٠، ٢٩٤. وحديث "إني والله لا أُعطي أحدًا". رواه البخاري في كتاب فرض الخمس. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنّ رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال: "إنّ عبدًا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختارما عنده.. فبكى أبو بكر.." انظر: صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة رقم ٤٥ - الفتح ٧/٢٢٧ -. وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من مناقب أبي بكر الصديق ﵁، رقم ٢. وعن أبي هريرة ﵁ قال: "جلس جبريل إلى النبيّ ﷺ فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال جبريل: إنّ هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة. فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربك فقال: أفملكًا نبيًا يجعلك، أو عبدًا رسولًا. قال جبريل: تواضع لربك يا محمد. قال: "بل عبدًا رسولًا". انظر: مسند الإمام أحمد ٢/٢٣١. وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح (المسند ١٢/١٤٢-١٤٣)، والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان١٤/٢٨٠. وقال محققه: صحيح على شرط الشيخين. ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ» . ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «خ» . ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ» .
[ ١ / ١٦١ ]
أهل البدع أحوالهم من إعانة الشياطين
والثالث: أن تعينه على محرمات؛ مثل الفواحش، والظلم، والشرك، والقول الباطل؛ فهذا من جنس خوارق السحرة، والكهّان، والكفّار، والفجّار؛ مثل أهل البدع من الرفاعية١، وغيرهم؛ فإنهم يستعينون بها على الشرك، وقتل النفوس بغير حق، والفواحش. وهذه الثلاثة هي التي حرّمها الله في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًَا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًَا﴾ ٢.
ولهذا كانت طريقهم من جنس طريق الكهّان، والشعراء، والمجانين - وقد نزّه الله نبيّه عن أن يكون مجنونًا، وشاعرًا، وكاهنًا٣ - فإنّ إخبارهم٤ بالمغيّبات عن شياطين تنزل عليهم كالكهّان، وأقوى أحوالهم لمؤلهيهم. وهم من جنس المجانين، وقد قال شيخهم: إن أصحاب الأحوال منهم يموتون على غير الإسلام. وأما سماعهم، ووجدهم فهو شعر الشعراء، ولهذا شبّههم من رآهم بعبّاد المشركين؛ من الهند الذين يعبدون الأنداد.
_________________
(١) ١ تقدم التعريف بهم ص ١٨٠. ٢ سورة الفرقان، الآية ٦٨. ٣ قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ . [سورة الطور، الآيات ٢٩-٣١] . ٤ يعني الكهان، والشعراء، والمجانين.
[ ١ / ١٦٢ ]
فصل كل ما يدل علىالنبوة آية وبرهان عليها
وحقيقة الأمر أنّ ما يدل على النبوة هو آيةٌ على النبوة، وبرهانٌ عليها. فلا بُدّ أن يكون مختصًا بها، لا يكون [مشتركًا] ١ بين الأنبياء وغيرهم؛ فإنّ الدليل هو مستلزمٌ لمدلوله، لا يجب أن يكون أعمّ وجودًا منه، بل إما أن يكون مساويًا له في العموم والخصوص، أو يكون أخصّ منه. وحينئذٍ فآية النبيّ لا تكون لغير الأنبياء. لكن إذا كانت معتادة لكلّ نبيّ، أو لكثيرٍ من الأنبياء، لم يقدح هذا فيها، فلا يضرّها أن تكون معتادة للأنبياء.
وصف الآية بأنها خارقة أو غير خارقة وصف لا ينضبط
وكون الآية خارقة للعادة، أو غير خارقة: هو وصفٌ لم يصفه القرآن، والحديث، ولا السلف.
وقد بيّنا في غير هذا الموضع أنّ هذا وصفٌ لا ينضبط٢، وهو عديم التأثير؛ فإنّ نفس النبوة معتادة للأنبياء، خارقة للعادة بالنسبة إلى غيرهم.
إنّ كون الشخص يخبره الله بالغيب خبرًا معصومًا هذا مختصّ بهم، وليس هو موجودًا لغيرهم، فضلًا عن كونه معتادًا.
_________________
(١) ١ في «خ»: مشركًا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ انظر من كتب شيخ الإسلام: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٥/٤١٢-٤٢١، ٦/٣٨٠-٤٠٤، ٤٩٦-٥٠٥. ومنهاج السنة النبوية ٣/٢٢٨. وقد بسط المؤلف ﵀ الكلام على هذا في مواضع من كتابنا هذا. راجع ص ٩٩٠، ١٠١٧، وغيرها.
[ ١ / ١٦٣ ]
معنى الخارق للعادة
فآية النبيّ لا بُدّ أن تكون خارقةً للعادة؛ بمعنى أنّها ليست معتادة للآدميين؛ وذلك لأنها حينئذ لا تكون مختصة بالنبي بل مشتركة.
وبهذا احتجوا على أنّه لا بدّ أن تكون خارقة للعادة. لكن ليس في هذا ما يدلّ على أنّ كل خارق آية؛ فالكهانة١، والسحر٢ هو معتاد للسحرة والكهان، وهو خارق بالنسبة إلى غيرهم؛ كما أنّ ما يعرفه أهل الطب، والنجوم٣،
_________________
(١) ١ الكاهن: هو الذي يدّعي مطالعة عالم الغيب، ويُخبر الناس عن الكوائن. وكان في العرب كهنة يدّعون أنهم يعرفون كثيرًا من الأمور؛ كشقّ، وسطيح، وغيرهما. انظر: معالم السنن ٤/٢٢٨. ولسان العرب ١٣/٣٦٣. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أما الكاهن، والمنجم، ونحو هؤلاء، فيكذبون كثيرًا، كما يصدقون أحيانًا، ويُخبرون بجمل غير مفصّلة". الجواب الصحيح ٦/٦٩. ٢ قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ عن السحر: "اعلم أنّ السحر في الاصطلاح لا يمكن حدّه بحدّ جامع مانع؛ لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته. ولا يتحقق قدر مشترك يكون جامعًا لها ما نعًا لغيرها. ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حده اختلافًا متباينًا". أضواء البيان ٤/٤٤٤. وعرفه ابن قدامه بقوله: "عزائم، ورقى، وعقد تُؤثّر في الأبدان والقلوب، فيمرض، ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه". الكافي ٤/١٦٤. والمغني ١٢/٢٩٩. وانظر: زاد المعاد ٤/١٢٥-١٢٦. وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ في مواضع أخرى من كتابه هذا: النبوات ص ١٧٢: "أنّ الكاهن إنّما عنده أخبار، والساحر عنده تصرف بقتل، وإمراض، وغير ذلك. وهذا تطلبه النفوس أكثر". ٣ التنجيم نوعان: أولا: علم التأثير عرّفه شيخ الإسلام ﵀ بأنّه: "الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، والتمزيج بين القوى الفلكية، والقوابل الأرضية) . وقال ﵀ عن حكمه: "صناعة محرمة بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين في جميع الملل". مجموع الفتاوى ٣٥/١٩٢. وعرفه ابن خلدون ﵀ بأنّه "ما يزعمه أصحاب هذه الصناعة من أنهم يعرفون بها الكائنات في عالم العناصر قبل حدوثها، من قبل معرفة قوى الكواكب، وتأثيرها في المولدات العنصرية مفردة ومجتمعة؛ فتكون لذلك أوضاع الأفلاك والكواكب دالّة على ما سيحدث من نوع من أنواع الكائنات الكلية والشخصية". مقدمة ابن خلدون ص ٥١٩-٥٢٠. وهذا ينافي التوحيد. والنوع الثاني: علم التيسير؛ وهو الاستدلال بالشمس والقمر والكواكب على القبلة والأوقات والجهات، فهذا لا بأس به، بل كثير منه نافع قد حث عليه الشارع إذا كان وسيلة إلى معرفة أوقات العبادات، أو الاهتداء به في الجهات. انظر: القول السديد في مقاصد التوحيد للشيخ عبد الرحمن السعدي: ص ٩١-٩٢. وهناك تعاريف أخرى. انظر: معالم السنن ٥/٣٧١-٣٧٢. وشرح السنة للبغوي ١٢/١٨٣.
[ ١ / ١٦٤ ]
والفقه، والنحو هو معتادٌ لنظرائهم، وهو خارقٌ بالنسبة إلى غيرهم.
الكسوف يُعرف بالحساب
ولهذا إذا أخبر الحاسب١ بوقت الكسوف والخسوف٢، تعجب الناس؛ [إذ] ٣ كانوا لا يعرفون طريقه؛ فليس في هذا ما يختص بالنبيّ. وكذلك [قراءة] ٤ القرآن بعد أن بعث محمد ﷺ صارت مشتركة بين النبيّ وغيره. وأما نفس الابتداء به فهو المختص بالنبيّ.
_________________
(١) ١ الحَسْبُ يأتي بمعان كثيرة، منها: العدّ والإحصاء وتقدير الشيء. قال الفراء: حَسِبتُ الشيء: ظننتُه أحسِبُه وأحسَبُه، والكسر أجود اللغتين. انظر: تهذيب اللغة ٤/٣٢٩-٣٣١، مادة حسب. وجاء في حديث الهجرة: "فيلقى الرجل أبا بكر، فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل. قال: فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير ". الحديث رواه البخاري في صحيحه٥/٧٩. ٢ الكسوف: مأخوذ من كسفت الشمس والقمر - بفتح الكاف. وقيل: كسف الشمس - بالكاف -، وخسف القمر - بالخاء -. انظر: شرح النووي على مسلم ٦/١٩٨. وجمهور أهل العلم على أنّ الكسوف والخسوف يكون لذهاب ضوء الشمس والقمر كلّه، ويكون لذهاب بعضه. فالكسوف لا يكون إلا في آخر الشهر ليالي الإسرار. والخسوف لا يكون إلا في وسط الشهر ليالي الإبدار. انظر: مجموعة الفتاوى المصرية ١/٣٢٠. ومجموع الفتاوى ٣٥/١٧٥. ٣ في «ط» فقط: إذا. ٤ في «خ»: قرأت. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ١٦٥ ]
المعجزة تكون من الابتداء مختصة بالنبي
وكذلك ما يرويه من أنباء الغيب عن الأنبياء لما صار مشتركًا بين النبيّ وغيره، لم يبق [آية] ١، بخلاف الابتداء به.
معنى الكهانة
فالكهانة مثلًا: وهو الإخبار ببعض الغائبات عن الجن: أمرٌ معروفٌ عند الناس. وأرض العرب كانت مملوءة من الكهان، وإنّما ذهب ذلك بنبوّة محمد ﷺ ٢. وهم يكثرون في كل موضع نقص فيه أمر النبوة؛ فهم كثيرون في أرض عبّاد الأصنام، ويوجدون كثيرًا عند النصارى، ويوجدون كثيرًا في بلاد المسلمين؛ حيث نقص العلم والإيمان بما جاء به الرسول٣؛
_________________
(١) ١ في «خ»: أنه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ لما بعث رسول الله ﷺ قالت الجنّ - فيما ذكره الله تعالى عنهم -: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجنّ ٨-١٠] . قال ابن عبّاس: "انطلق النبي ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليه الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: مالكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأُرسلت علينا الشهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث.." أخرجه البخاري في صحيحه ٢/٢٥٣. ومسلم في صحيحه ١/٣٣١. قال شيخ الإسلام: "وقد تواترت الأخبار بأنه حين المبعث كثر الرمي بالشهب، وهذا أمر خارق للعادة، حتى خاف بعض الناس أن يكون ذلك لخراب العالم، حتى نظروا هل الرمي بالكواكب التي في الفلك، أم الرمي بالشهب؟ فلما رأوا أنه بالشهب، علموا أنه لأمر حدث. وأرسلت الجن تطلب ذلك، حتى سمعت القرآن، فعلمت أنه كان لأجل ذلك". الجواب الصحيح ٥/٣٥٣-٣٥٤. ٣ وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ ذلك مرارًا، وبيَّن أن أحوال المشعوذين تُقبل في مجتمعات الجاهلين، وتكثر حيث يقلّ العلم والعلماء العاملين. انظر: كتاب الصفدية ١/٢٣٣، ٢٣٦. والرد على المنطقيين ص ١٨٧. وهذا مشاهد الآن في بعض الأقطار التي يقلّ فيها نور الإسلام؛ فقد شاع بين بعض الناس علوم السحرة، والعرّافين، وأهل الزّار، ومن يُخبر عن الحظ، والطالع. ونفقت بضاعة المشعوذين والدجالين التي هي من علوم الجاهلية؛ كما قال شيخ البطائحية لشيخ الإسلام ﵀ لما ناظرهم: "أحوالنا تظهر عند التتار، لا تظهر عند شرع محمد بن عبد الله". انظر: مجموع الفتاوى ١١/٤٥٥.
[ ١ / ١٦٦ ]
لأنّ هؤلاء أعداء الأنبياء، والله تعالى قد ذكر الفرق بينهم وبين الأنبياء؛ فقال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ [الشَّيَاطِين] ١ [تَنَزَّلُ] ٢ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيْم يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ ٣.
فهؤلاء لا بُدّ أن يكون في أحدهم كذب وفجور، وذلك يُناقِض النبوّة. فمن ادّعى النبوّة، وأخبر بغيوبٍ من جنس أخبار الكهّان، كان ما أخبر به خرقًا للعادة عند أولئك القوم، لكن ليس خرقًا لعادة جنسه من الكهّان.
خوارق بعض المتنبئين
وهم إذا جعلوا ذلك آية لنبوته، كان ذلك لجهلهم [بوجود] ٤ هذا الجنس لغير الأنبياء؛ كالذين صدّقوا مسيلمة الكذّاب٥، والأسود
_________________
(١) ١ في «خ»: الشيطان. ٢ في «خ»: تنزلوا. ٣ سورة الشعراء، الآيات ٢٢١-٢٢٣. ٤ في «ط» فقط: لوجود. ٥ هو: مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفيّ الوائلي. متنبئ. ولد ونشأ باليمامة في بلدة الجبيلة بوادي حنيفة. وكان قد تنبّأ في حياة الرسول ﷺ في آخر سنة عشر. وزعم أنه اشترك مع محمد ﷺ في النبوة، وكان معه من الشياطين من يُخبر بالمغيبات. بعث أبو بكر خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذاب في جيش كثير، حتى أهلكه الله على يد وحشي غلام مطعم بن عدي؛ الذي قتل حمزة بن عبد المطلب. وكان وحشي يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية، وشرّ الناس في الإسلام. انظر: مجموع الفتاوى ١١/٢٨٥. وشذرات الذهب ١/٢٣١. والأعلام ٧/٢٢٦.
[ ١ / ١٦٧ ]
العنسي١، والحارث الدمشقي٢، وبابا الرومي٣، وغير هؤلاء من
_________________
(١) ١ هو عبهلة بن كعب بن غوث العنسي المذحجي، ذو الخمار، ويلقب بالأسود. كان كاهنًا مشعبذًا، فتنبأ باليمن، واستولى على بلاده، وكان له من الشياطين من يخبره ببعض الأمور الغيبية. فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون من الشياطين أن يُخبروه بما يقولون فيه، حتى أعانتهم عليه امرأته لمّا تبيّن لها كفره، فقتلوه؛ قتله فيروز الديلمي على فراشه. فبشّر النبيّ ﷺ أصحابه بهلاك الأسود، وقُبض رسول الله ﷺ من الغد. وأتى خبر مقتل العنسي المدينةَ في آخر شهر ربيع الأول، بعد ما خرج أسامة. وكان ذلك أول فتح جاء أبا بكر ﵁. انظر: مجموع الفتاوى ١٠/٦٦٦، ١١/٢٨٤. والبداية والنهاية ٦/٣١١. والأعلام ٥/٢٩٩. ٢ هو الحارث بن سعيد - أو ابن عبد الرحمن - بن سعد. متنبئ من أهل دمشق. يُعرف أتباعه بالحارثية. كان مولى لأحد القرشيين، ونشأ متعبدًا زاهدًا، ثم ادعى النبوة. وكان يأتي إلى رخامة فينقرها بيده، فتسبح. ويطعمهم فاكهة الصيف في الشتاء، ويظهر لهم خيالات يقول إنها الملائكة. وتبعه خلق كثير. قبض عليه عبد الملك ابن مروان، فصلبه، وقتله. انظر: مجموع الفتاوى ١١/٢٨٥. والبداية والنهاية ٩/٢٧-٢٨. والأعلام ٢/١٥٤. ٣ ذكر شيخ الإسلام ﵀ هذا المتنبئ الكذّاب في كثير من كتبه؛ مثل: الجواب الصحيح ٢/٣٤. وشرح الأصفهانية ١/٢٨٧. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٧٩-١٨٠؛ حيث ذكره فيه باسم باباه الرومي. والبابا: اسم عام، يُطلق على الرئيس الأعلى للكنيسة الكاثوليكية انظر: المعجم الوسيط ١/٣٥. ولعلّ المؤلف - ﵀ - يقصد شخصًا معيّنًا؛ فلعله أن يكون البابا نبيّ الصابئة الحرّانيّين؛ إذ ذكر شيخ الإسلام ﵀ في موضع آخر أنّ الصابئة الحرانيين "لهم نبيّ على أصلهم، يُقال له البابا، وله مصحف يذكر فيه كثيرًا من الأخبار المستقبلة، ويذكر أن سيّدته؛ يعني روحانية الزهرة، أخبرته بذلك. وكثير منها صحيح؛ كإخباره بدخول المسلمين بلاد حرّان وغيرها، وفتحهم البلاد، وإهانتهم لطائفته". الرد على المنطقيين ص ٤٨٠-٤٨١. وليس الأمر علمًا بالغيب، بل لعله حدسٌ صدق.
[ ١ / ١٦٨ ]
المتنبئين الكذّابين١. وكان هؤلاء [يأتون] ٢ بأمور عجيبة خارقة لعادة أولئك القوم، لكن ليست خارقة لعادة جنسهم ممن ليس [بنبي] ٣. فمن صدقهم ظنّ أنّ هذا مختصٌ بالأنبياء، وكان من جهله بوجود هذا لغير الأنبياء، كما أنهم كانوا يأتون بأمور [تناقض] ٤ النبوة٥.
آيات الأنبياء لا يعارضها من ليس بنبي
ولهذا يجب في آيات الأنبياء أن لا يُعارضها من ليس بنبي، فكل ما عارضها [صادرًا م] ٦ مّن ليس من جنس الأنبياء، فليس من آياتهم.
ولهذا طلب فرعون أن يُعارَض ما جاء به موسى لمّا ادعى أنّه ساحر٧؛ فجمع السحرة ليفعلوا مثل ما يفعل موسى، فلا [تبقى] ٨ حجته مختصة
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ﵀: "مسيلمة الكذاب والأسود العنسي اللذين ادعيا النبوة في آخر أيام النبي ﷺ، وكان لكل منهما شياطين تُخبره وتعينه". مجموع الفتاوى ١١/٦٦٦. ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: نبي. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: يناقض. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ ذكر علماء التاريخ أنّ مسيلمة كان يتشبّه بالنبي ﷺ. وبلغه أنّ رسول الله ﷺ بصق في بئر، فغزر ماؤها. فبصق مسيلمة في بئر، فغاض ماؤها بالكلية. وبصق في آخر، فصار ماؤه أجاجًا، وتوضأ، وسقى بوضوئه نخلًا، فيبست، وهلكت. وأتى بولدان يُبرّك عليهم، فجعل يمسح رؤوسهم، فمنهم من قرع رأسه، ومنهم من لثغ لسانه. ويُقال إنه دعا لرجل أصابه وجع في عينيه، ومسحهما، فعمي. انظر: البداية والنهاية ٦/٣٣١. وأما الأسود العنسي: فلا أدلّ على كذبه من قصة أبي مسلم الخولاني، حين ألقاه العنسي في النار، فصارت عليه بردًا وسلامًا؛ كما صارت النار بردًا وسلامًا على إبراهيم ﵇. وقد تقدمت هذه القصة قريبًا ص ١٩٢. ٦ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٧ المدّعي هو فرعون؛ زعم أنّ ما جاء به موسى ﵇ سحر، وأنّه - ﵇ - ساحر. ٨ في «خ»: يبقى. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ١٦٩ ]
بالنبوة. وأمر؟ [م موسى] ١ أن يأتوا أولًا بخوارقهم، فلمّا أتت، وابتلعتها العصا التي صارت حية، علم السحرة أنّ هذا ليس من جنس مقدورهم، فآمنوا إيمانًا جازمًا.
ولما قال لهم فرعون: ﴿ولأُصَلِّبَنَّكُمْ في جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًَا وَأَبْقَى؟ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ ٢. وقالوا: ﴿آمَناَّ بِرَبِّ العَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُون﴾ ٣.
فكان من تمام علمهم بالسحر: أنّ السحر معتادٌ لأمثالهم، وأنّ هذا ليس من هذا الجنس، بل هذا مختص بمثل هذا؛ فدلّ على صدق دعواه.
وفرعون وقومه [بين] ٤ معاندٍ وجاهلٍ استخفه فرعون؛ كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَومَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ ٥.
نقد شيخ الإسلام لبعض من عرف المعجزة
فإذا قيل لهم: المعجزة هي الفعل الخارق للعادة، أو قيل: هي الفعل الخارق للعادة المقرون بالتحدي، أو قيل مع ذلك الخارق للعادة: السليم عن المعارضة؛ فكونه خارقا للعادة ليس أمرا مضبوطا.
فإنّه إن أريد به أنّه لم يوجد له نظير في العالم، فهذا باطلٌ؛ فإن آيات الأنبياء بعضها نظير بعض، بل النوع الواحد منه؛ كإحياء الموتى: هو آية لغير واحد من الأنبياء.
وإن [قيل] ٦: إنّ بعض الأنبياء كانت آيته لا نظير لها؛ كالقرآن،
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ سورة طه، الآيتان ٧١-٧٢. ٣ سورة الأعراف، الآيتان ١٢١-١٢٢. ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٥ سورة الزخرف، الآية ٥٤. ٦ في «خ»: قد. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ١٧٠ ]
والعصا، والناقة، لم يلزم ذلك في سائر الآيات١.
ثمّ هب أنّه لا نظير لها في نوعها، لكن وجد خوارق العادات للأنبياء غير هذا، فنفس خوارق العادات معتادٌ [جنسه] ٢ للأنبياء، بل هو من لوازم نبوتهم، مع كون الأنبياء كثيرين؛ وقد روي أنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبيّ٣ وما يأتي به كلّ واحد من هؤلاء، لا يكون معدوم النظير في العالم، [بل ربما كثر نظيره] ٤.
_________________
(١) ١ والسبب والله أعلم: أنّ هذه المعجزات لم تتكرر لأنبياء آخرين، إنّما جاءت لما هو شائعٌ بين القوم المرسل إليهم، ليكون ذلك أبلغ في إقامة الحجة. فالقرآن الكريم تحدّى به رسول الله ﷺ العربَ أن يأتوا بسورةٍ من مثله، فعجزوا، وهم الذين عُرفوا بالبراعة في فنون القول والفصاحة. والعصا معجزة موسى ﵇ لما عُرف عن قوم فرعون من البراعة في السحر. والناقة معجزة صالح ﵇، وكان قومه يتقلبون في نعم الله، وينحتون من الجبال بيوتًا؛ فأخرج الله لهم ناقة عشراء من صخرة ملساء، لها شرب، ولثمود شرب يوم آخر. انظر: رسالة إلى أهل الثغر لأبي الحسن الأشعري ص١٦٦. وأعلام النبوة للماوردي ص ٩٧. والإنصاف للباقلاني ص ٩٣. وأصول الدين للبغدادي ص ١٠٨. وشرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص ٥٧٢. والشفاء للقاضي عياض ١/٢٠٠. وشرح المقاصد للتفتازاني ٥/١٤. وتفسير ابن كثير ١/٣٦٤-٣٦٥، ٢/٤١٨، ٥/١٦٩-٢٠٠. والبداية والنهاية له ٢/٨٤. وتفسير السعدي ٣/٢٨. ومع الأنبياء في القرآن الكريم ص ٢٢. ٢ في «م»، و«ط»: جميعه. ٣ رواه الإمام أحمد في المسند ٥/٢٦٦. وابن حبان في صحيحه ٨/٥٤، وقال: على شرط مسلم، ولم يُخرّجه. وقال عنه القرطبي: هذا أصحّ ما رُوي في ذلك. انظر: الجامع لأحكام القرآن ٦/١٤. وصحّحه الألباني. انظر: مشكاة المصابيح ٣/١٥٩٩. ٤ في «خ»: وإن كثر. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ١٧١ ]
الكلام عن معنى خرق العادة
[وإن عني بكون] ١ المعجزة هي الخارق للعادة: أنّها خارقة لعادة أولئك المخاطبين بالنبوة؛ بحيث ليس فيهم من يقدر على ذلك، فهذا ليس بحجة؛ فإنّ أكثر الناس لا يقدرون على الكهانة، والسحر، ونحو ذلك.
وقد يكون المخاطبون بالنبوة ليس فيهم هؤلاء؛ كما كان أتباع مسيلمة٢، والعنسي٣، وأمثالهما؛ لا يقدرون على ما يقدر عليه هؤلاء.
والمبّرز في فنٍ من الفنون يقدر على ما لا يقدر عليه أحد في زمنه، وليس هذا دليلًا على النبوة؛ فكتاب سيبويه٤ مثلًا ممّا لا يقدر على مثله عامّة الخلق، وليس بمعجز؛ إذ كان ليس مختصًا بالأنبياء، بل هو موجود لغيرهم. وكذلك طب أبقراط٥.
بل وعلم العالم الكبير من علماء المسلمين خارج عن عادة الناس، وليس هو دليلًا على نبوّته.
_________________
(١) ١ في «خ»: قد يكون. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ سبق التعريف به قريبًا ص ١٩٢. ٣ سبق التعريف به قريبًا ص ١٩٢. ٤ هو عمرو بن عثمان بن قنبر، مولى بني الحارث. أبو البشر. من تلاميذ الخليل. توفي سنة ١٧٧؟، وعمره نيف وأربعين سنة. وقد صنّف في النحو كتابًا لا يلحق شأوه، وشرحه أئمة النحاة بعده، فانغمروا في لجج بحره. وكان المبرد إذا أراد إنسان أن يقرأ كتاب سيبويه يقول له: ركبتَ البحر؛ تعظيمًا له، واستعظامًا لما فيه. وقال المازني: من أراد أن يعمل كتابًا كبيرًا في النحو بعد كتاب سيبويه، فليستحيي. انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١٠/١٨٢. والفهرست لابن النديم ص ٧٦. ٥ هو بقراط بن إيراقليس. طبيب ماهر من تلاميذ أسقلبيوس الثاني. كان في أيام بهمن ابن أردشير. قال يحيى النحوي: بقراط وحيد دهره الذي يضرب به المثل، الطبيب الفيلسوف. وبلغ به الأمر إلى أن عبده الناس. توفي سنة ٣٥٧ ق. م، وعمره ٩٥سنة. انظر: طبقات الأطباء ص ٢٤. والفهرست ص ٤٠٠. وتاريخ الحكماء ص ٩٠.
[ ١ / ١٧٢ ]
وأيضًا: فكون الشيء معتادًا هو مأخوذ من العود. وهذا يختلف بحسب الأمور؛ فالحائض المعتادة: من الفقهاء من يقول: [تثبت] ١ عادتها بمرة، ومنهم من يقول: بمرتين، ومنهم من يقول: لا [تثبت] ٢ إلا بثلاث٣.
وأهل كلّ بلدٍ لهم عادات في طعامهم، ولباسهم، وأبنيتهم، لم يعتدها غيرهم. فما خرج عن ذلك فهو خارق لعادتهم، لا لعادة من اعتاده [غيرهم] ٤.
فلهذا لم يكن في كلام الله، ورسوله، وسلف الأمة، وأئمتها وصف آيات الأنبياء بمجرد كونها خارقة للعادة، [ولا يجوز أن يجعل مجرد خرق العادة هو الدليل؛ فإنّ هذا لا ضابط له، وهو مشتركٌ بين الأنبياء وغيرهم. ولكن إذا قيل: من شرطها أن تكون خارقة للعادة] ٥؛ بمعنى أنها لا تكون معتادة للناس فهذا ظاهر يعرفه كل أحد.
القول بأن المعجزة هي الخارقة للعادة ليس كافيًا لوجهين
ويعرفون أنّ الأمر المعتاد؛ مثل الأكل، والشرب، والركوب، والسفر، وطلوع الشمس، وغروبها، ونزول المطر في وقته، وظهور الثمرة في وقتها، ليس دليلًا، ولا يدّعي أحدٌ أنّ مثل هذا دليلٌ له؛ فإن فساد هذا ظاهر لكلّ أحد.
ولكن ليس مجرد كونه خارقًا للعادة كافيًا لوجهين:
أحدهما: أنّ كون الشيء معتادًا وغير معتاد أمرٌ نسبيّ إضافيّ، ليس بوصف مضبوط تتميّز به الآية، بل يعتاد هؤلاء ما لم يعتد هؤلاء؛ مثل كونه مألوفًا، ومجرّبًا، ومعروفًا، ونحو ذلك من الصفات الإضافية.
_________________
(١) ١ في «خ»: يثبت. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «خ»: يثبت. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ انظر: هذه الأقوال الثلاثة مع أدلتها في كتاب المغني ١/٣٩٧-٣٩٨. ٤ في «م»، و«ط»: من غيرهم. ٥ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» .
[ ١ / ١٧٣ ]
الثاني: أنّ مجرّد ذلك مشترك بين الأنبياء وغيرهم. وإذا خصّ ذلك بعدم المعارضة، فقد يأتي الرجل بما لا يقدر الحاضرون على معارضته، ويكون معتادًا لغيرهم كالكهانة، والسحر. وقد يأتي بما لا يمكن معارضته، وليس بآية لشيء؛ لكونه لم يختص بالأنبياء.
وقد يُقال في طبّ [بقراط] ١ ونحو سيبويه٢ أنّه لا نظير له، بل لا بد أن يقال: إنّه مختصّ بالأنبياء، والطب، والنحو، والفقه.
وإن أتى الواحد بما لا يقدر غيره على نظيره، فليس مختصًا بالأنبياء، بل معروف أنّ هذا تعلّم بعضه من غيره، واستخرج سائره بنظره.
وإذا خصّ الله طبيبًا، أو نحويًا، أو فقيهًا بما ميّزه به على نظرائه، لم يكن ذلك دليلًا على نبوّته، وإن كان خارقًا للعادة؛ فإنّ ما يقوله الواحد من هؤلاء قد علمه بسماعٍ، أو تجربةٍ، أو قياسٍ.
وهي طرقٌ [معروفة] ٣ لغير الأنبياء.
والنبيّ قد علّمه الله من الغيب الذي عصمه فيه عن الخطأ ما لم يعلَمْهُ إلا نبيّ مثلُهُ.
الآية لا تعرف أنها مختصة بالنبي حتى يعرف جنس النبوة
فإن قيل: فحينئذٍ لا يُعرف أنّ الآية مختصةٌ بالنبيّ، حتى [تُعرف] ٤ النبوة. [قيل] ٥: أما بعد وجود الأنبياء في العالم، فهكذا هو.
ولهذا يُبيّن الله ﷿ نبوّة محمّد في غير موضع باعتبارها بنبوّة من
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: أبقراط. وبقراط: تقدم التعريف به. ٢ تقدم التعريف به. ٣ في «خ»: معرفة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: يعرف. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ في «م»، و«ط»: قبل.
[ ١ / ١٧٤ ]
قبله. [و] ١ تارةً يُبيّن أنّه لم يُرسل ملائكةً، بل رجالًا من أهل القرى، ليُبيّن أنّ هذا معتادٌ معروفٌ، ليس هو أمرًا لم تَجْرِ به عادة الربّ؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالًا يُوحَى إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢؛ كما ذكره في سورة النحل٣ والأنبياء٤. وقال في يوسف: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ القُرَى أَفَلَمْ يَسِيْرُوا في الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ للذِينَ اتَّقَوا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ٥.
فإنّ الكفّار كانوا يقولون: إنّما يُرسل الله مَلَكًا، أو يُرسل مع البشر مَلَكًَا؛ كما قال فرعون ﴿أَمْ أَنَا [خَيْرٌ] ٦ مِنْ هَذَا الذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِين فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ [أَسْوِرَة] ٧ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ [مُقْتَرنِين] ٨﴾ ٩.
وقال قوم نوح: ﴿مَا هذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا في آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ ١٠.
وقال مشركو العرب لمحمد: ﴿مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي
_________________
(١) ١ حرف الواو ساقطٌ في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ سورة الأنبياء، الآية ٧. ٣ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . [النحل ٤٣] . ٤ وهي الآية التي تقدمت آنفًا. ٥ سورة يوسف، الآية ١٠٩. ٦ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ» . ٧ في «خ»: أساورة. ٨ رسمت في «خ»: مقترين. ٩ سورة الزخرف، الآيتان ٥٢-٥٣. ١٠ سورة المؤمنون، الآية ٢٤.
[ ١ / ١٧٥ ]
في الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ [إِلَيْهِ] ١ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًَا رَسُولًا قُلْ لَوْ كَانَ في الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًَا رَسُولًا﴾ ٣.
الآيات الدالة على أن الرسول ﷺ تقدم له نظراء وقد بشروا به
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَك وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًَا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًَا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ ٤؛ بيَّن أنّهم لا يُطيقون الأخذ عن الملائكة إن لم يأتوا في صورة البشر، ولو جاءوا في صورة البشر لحصل اللبس.
وقال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًَا أَنْ أَوْحَينَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ ٥، وكانت العرب لا عهد لها بالنبوة من زمن إسماعيل، فقال الله لهم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْر ِ﴾ ٦؛ يعني أهل الكتاب، ﴿إِنْ كُنْتُم لا تَعْلَمُونَ﴾ ٧: هل أرسل إليهم رجالا أو ملائكة، ولهذا قال له: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًَا مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٨، وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل﴾ ٩؛ بيَّن أنّ هذا الجنس من الناس معروفٌ، قد تقدم له نظراء وأمثال.
_________________
(١) ١ في «ط»: عليه. ٢ سورة الفرقان، الآيتان ٧-٨. ٣ سورة الإسراء، الآيتان ٩٤-٩٥. ٤ سورة الأنعام، الآيتان ٨-٩. ٥ سورة يونس، الآية ٢. ٦ سورة النحل، الآية ٤٣. ٧ سورة النحل، الآية ٤٣. ٨ سورة الأحقاف، الآية ٩. ٩ سورة آل عمران، الآية ١٤٤.
[ ١ / ١٧٦ ]
وهو سبحانه أمر أن يُسأل أهل الكتاب، وأهل الذكر عما عندهم من العلم [بأمور] ١ الأنبياء؛ هل هو من جنس ما جاء به محمّد، أو هو مخالفٌ له؛ ليتبيّن بأخبار أهل الكتاب المتواترة جنس ما جاءت به الأنبياء، وحينئذٍ فيعرف قطعًا أنّ محمّدًا نبيّ، بل هو أحقّ بالنبوّة من غيره.
والثاني: أن يسألوهم عن خصوص محمّد، وذكره عندهم. وهذا يعرفه الخاصّة منهم، ليس هو معروفًا كالأوّل يعرفه كل كتابي؛ قال تعالى: ﴿قلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ [وَشَهِدَ] ٢ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ ٣.
تفسير قوله تعالى: ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل﴾
وقوله: ﴿شَهِدَ شَاهِدٌ﴾: ليس المقصود شاهدًا واحدًا معيّنًا، بل ولا [يُحتَمل] ٤ كونه واحدًا. وقول من قال: [إنه] ٥ عبد الله بن سلام٦ ليس بشيء٧؛ فإنّ هذه نزلت بمكة قبل أن يعرف ابن سلام٨، ولكنّ المقصود
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: من أمور. ٢ في «خ»: شاهد. ٣ سورة الأحقاف، الآية ١٠. ٤ في «خ»: يحمل. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ ما بين المعقوفتين ليس في «خ» . ٦ هو عبد الله بن سلام بن الحارث؛ الإمام الحبر، المشهود له بالجنّة. أبو الحارث الإسرائيليّ، حليف الأنصار. من خواصّ أصحاب النبيّ ﷺ. أسلم وقت هجرة النبيّ ﷺ وقدومه المدينة. توفي بالمدينة سنة ثلاث وأربعين. انظر: سير أعلام النبلاء ٢/٤١٣. ٧ القول بأنّ المقصود بهذه الآية عبد الله بن سلام: رواه البخاري في صحيحه ٣/١٣٨٧، كتاب مناقب الأنصار، باب مناقب عبد الله بن سلام ﵁، عن سعد بن أبي وقاص ﵁. وعزاه القرطبيّ إلى ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وقتادة، ومجاهد. انظر: الجامع لأحكام القرآن ١٦/١٢٤. ٨ قال مسروق ﵀: واللهِ ما نزلت في عبد الله بن سلام. ما نزلت إلا بمكة، وما أسلم عبد الله إلا بالمدينة، ولكنّها خصومة خاصم محمد ﷺ بها قومه فالتوراة مثل القرآن، وموسى مثل محمد ﷺ. انظر: تفسير الطبري ٢٧/٩.
[ ١ / ١٧٧ ]
جنس الشاهد١؛ كما [تقول] ٢ قام الدليل. وهو الشاهد الذي يجب تصديقه سواء كان واحدًا قد يقترن بخبره ما يدلّ على صدقه، أو كان عددًا يحصل بخبرهم العلم [بما] ٣ تقول؛ فإن [خبرك] ٤ بهذا صادقٌ. وقوله: ﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾: فإنّ الشاهد من بني إسرائيل على [مثل] ٥ القرآن؛ وهو أنّ الله بعث بشرًا، وأنزل عليه كتابًا أمر فيه بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهى فيه عن عبادة ما سواه، وأخبر فيه أنّه خلق هذا العالم وحده، وأمثال ذلك.
المشركون ليس معهم دليل سمعي ولا عقلي
وقد ذَكَرَ في أول هذه السورة٦ التوحيد، وبيّن أنّ المشركين ليس معهم على الشرك لا دليل عقليّ، ولا سمعيّ؛ فقال تعالى: ﴿[مَا خَلَقْنَا] ٧ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمَّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ في السَّمَوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَمَنْ أَضَلّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُوْنِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ
_________________
(١) ١ قال الحافظ ابن كثير ﵀: "وهذا الشاهد اسم جنس يعمّ عبد الله بن سلام ﵁ وغيره". انظر: تفسير القرآن العظيم ٤/١٥٦. ٢ في «خ»: يقول. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: كما. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: أخبرك. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٦ سورة الأحقاف. ٧ في «خ»، و«م»، و«ط»: ما خلق الله. وهو خطأ، والصواب ما أثبت.
[ ١ / ١٧٨ ]
اللهِ شَيْئًَا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيْضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًَا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوْحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ إلى آخره١.
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتَابِ﴾ ٢؛ فمن عنده علم الكتاب٣ شهد بما في الكتاب الأول٤، وهو يوجب تصديق الرسول لأنه يشهد بالمثل٥، ويشهد أيضًا بالعين٦. و[كلّ] ٧ من الشهادتين كافية، فمتى ثبت الجنس٨، عُلم قطعًا أنّ المعيّن منه.
_________________
(١) ١ سورة الأحقاف، الآيات ٣-١٠. ٢ سورة الرعد، الآية ٤٣. ٣ قال ابن كثير ﵀: (والصحيح في هذا: أنّ ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾: اسم جنس يشمل علماء أهل الكتاب الذين يجدون صفة محمد ﷺ ونعته في كتبهم المتقدمة؛ من بشارات الأنبياء به؛ كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ﴾، وأمثال ذلك مما فيه الإخبار عن علماء بني إسرائيل أنهم يعلمون ذلك من كتبهم المنزلة) . تفسير القرآن العظيم ٢/٥٢١. ٤ وهي الكتب السابقة المتقدمة على القرآن، والتي فيها ذكر رسولنا محمد ﷺ؛ كالتوراة والإنجيل. ٥ أمثال الأنبياء، وحاجة الأمم إليهم، ولأنّ الله ﷾ لا بُدّ أن يُقيم الحجة على عباده، فيُرسل إليهم الرسل يدلّونهم على عبادته وحده. ٦ أنّه يخصّ ويُعيّن رسولنا ﷺ؛ اسمه، وصفاته؛ كما قال عيسى بن مريم ﵇: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ..﴾ . [الصف، الآية ٦] . ٧ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٨ جنس الأنبياء.
[ ١ / ١٧٩ ]
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ في شَكّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الحَقُّ مِنْ رَبِّك فلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الّذِينَ كذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ ١. وهذا سواءٌ كان خطابًا [للرسول] ٢ والمراد به غيره، أو خطابًا له وهو لغيره بطريق الأولى. [والتقدير] ٣ قد يكون معدومًا أو ممتنعًا٤، وهو بحرف (إن)؛ كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ للرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِيْنَ﴾ ٥، و﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ ٦؛ والمقصود بيان الحكم على هذا التقدير: إن كنتُ قلتُهُ فأنت عالمٌ به وبما في نفسي، وإن كان له ولدٌ فأنا عابده، وإن كنت شاكًّا فاسأل إن قُدّر إمكان ذلك؛ فسؤال الذين يقرءون الكتاب قبله إذا أخبروا، فما عندهم شاهدٌ له، ودليلٌ، وحجّةٌ. ولهذا نهى بعد ذلك عن الامتراء٧ والتكذيب.
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآيتان ٩٤-٩٥. ٢ في «ط» فقط: للرسل. ٣ في «م»، و«ط»: المقدر. ٤ يرى الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ أنّ المحال لا يعلّق عليه إلا المحال؛ فيقول ﵀: "إنّ الشرط إن عُلّق به مستحيل، فلا يُمكن أن يصحّ الربط بينه وبين الجزاء، إلا إذا كان الجزاء مستحيلًا أيضًا؛ لأنّ الشرط المستحيل لا يمكن أن يوجد به إلا الجزاء المستحيل. أما كون الشرط مستحيلًا، والجزاء هو أساس الدين وعماد الأمر، فهذا مما لا يصحّ بحال. ومن ذهب إليه من أهل العلم والدين لا شك في غلطه ". أضواء البيان ٧/٢٩٤. ٥ سورة الزخرف، الآية ٨١. ٦ سورة المائدة، الآية ١١٦. ٧ الامتراء: الشكّ. انظر: لسان العرب ١٥/٢٧٨. والقاموس المحيط ٧٦٦. والمصباح المنير ٧٥٠.
[ ١ / ١٨٠ ]
الآيات التي بتقدير الممتنع بحرف إن كثيرة
وأما تقدير الممتنع بحرف (إن) فكثيرٌ، ومن ذلك قوله: ﴿فَإِن اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًَا في الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًَا في السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ ١، ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ ٢، ﴿أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٣، ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًَا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٤، ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٥، وقد قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةٌ أَنْ يَعْلَمُهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ ٧، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوْتُوا العِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًَا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ ٨، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ ٩. وهذا كُلّه في السور المكية، والمقصود الجنس. فإذا شهد جنس هؤلاء مع العلم بصدقهم حصل المطلوب.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية ٣٥. ٢ سورة المرسلات، الآية ٣٩. ٣ سورة النمل، الآية ٦٤. ٤ سورة البقرة، الآية ١١١. ٥ سورة يونس، الآية ٣٨. ٦ سورة الشعراء، الآية ١٩٧. ٧ سورة الأنعام، الآية ١١٤. ٨ سورة الإسراء، الآية ١٠٧-١٠٨. ٩ سورة القصص، الآيات ٥٢-٥٤.
[ ١ / ١٨١ ]
شهادة الرسل بنبيّنا محمد ﷺ
لا يقف العلم على شهادة كل واحد واحد؛ فإنّ هذا متعذّر. ومن أنكر، أو قال: لا أعلم، لم يضر إنكاره. وإن قال: بل أعلم عَدَمَ مَا شهدوا به، عُلم افتراؤه في الجنس، وعُلم في الشخص [إذ] ١ كان لم يحط علمًا بجميع نسخ الكتب المتقدمة، وما في النبوّات كلّها، فلا سبيل لأحدٍ من أهل الكتاب أن يعلم انتفاء ذكر محمد في كل نسخة، بكلّ كتابٍ من كتب الأنبياء؛ إذ العلم بذلك متعذّر. ثمّ هذه النسخ الموجودة فيها ذكره في مواضع كثيرة، قد ذكر قطعة منها في غير هذا الموضع٢.
أعظم شرك المشركين دعوى الشريك لله والولد
وما ينبغي أن يعلم أن أعظم ما كان عليه المشركون قبل محمد، وفي مبعثه: هو دعوى الشريك لله، والولد. والقرآن مملوءٌ من تنزيه الله عن هذين، وتنزيهه عن المثل والولد يجمع كلّ التنزيه.
فهذا في سورة الإخلاص، وفي سورة الأنعام في مثل قوله: ﴿وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٣، وفي سورة [سبحان] ٤: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ للهِ الّذِي لَمْ يَتّخِذ وَلَدًَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ ٥، وفي سورة الكهف في أولها: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًَا﴾ ٦، وفي آخرها: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتّخِذُوا عِبَادِي
_________________
(١) ١ في «خ» رسمت: "إن". وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ انظر: الجواب الصحيح ٥/١٩٧-٣١٨؛ فقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ كثيرًا من الشهادات الدالّة على نبوّة نبيّنا محمد ﷺ في التوراة والإنجيل. ٣ سورة الأنعام، الآية ١٠٠. ٤ في «ط» فقط: الإسراء. ٥ سورة الإسراء، الآية ١١١. ٦ سورة الكهف، الآية ٤.
[ ١ / ١٨٢ ]
مِنْ دُونِي أَوْلِيَاء [وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًَا] ١﴾ ٢، وفي مريم تنزيهه عن الولد في أول السورة٣، وآخرها٤ ظاهرٌ. وعن الشريك: في مثل قصة إبراهيم٥، وفي تنزيل٦، وغير ذلك. وفي الأنبياء تنزيهه عن الشريك والولد، وكذلك في المؤمنين: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ ٧، وأوّل الفرقان: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ ٨. وأما طه، والشعراء مما بسط فيه قصة موسى.
فالمقصود الأعظم بقصة موسى إثبات الصانع٩، ورسالته؛ إذ كان فرعون منكرًا. ولهذا عظم ذكرها في القرآن، بخلاف قصة غيره؛ فإن فيها الردّ على المشركين المقرّين بالصانع، ومن جعل له ولدًا من المشركين، وأهل الكتاب١٠.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين لا يوجد في «ط» فقط، ويُوجد بدلًا منه: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ . ٢ سورة الكهف، الآيات ١٠٢-١١٠. ٣ في قوله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ . [مريم، ٣٥] . ٤ في نحو قوله جل وعلا: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ . [مريم، ٩٢] . ٥ انظر: سورة مريم، الآيات ٤٢-٤٨. ٦ قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ . [الزمر، ١-٢] . ٧ سورة المؤمنون، الآية ٩١. ٨ سورة الفرقان، الآية ٢. ٩ الصانع: ليس من أسماء الله تعالى، وإنّما ذلك من باب الإخبار. وما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته؛ كالشيء، والموجود، والصانع، والقائم بنفسه، والقديم؛ فإنّه يُخبر به عنه إن احتيج إليه، وإن كان لا يُدعى بمثل هذه الأسماء التي ليس فيها ما يدلّ على المدح. انظر: مجموع الفتاوى ٩/٣٠٠-٣٠١. وبدائع الفوائد ١/١٦١. ١٠ انظر: الجواب الصحيح ٦/٤٤٥.
[ ١ / ١٨٣ ]
مذهب الفلاسفة الملحدين
ومذهب الفلاسفة الملحدة١ دائرٌ بين التعطيل، وبين الشرك والولادة؛ كما يقولونه في الإيجاب الذاتي٢؛ فإنه أحد أنواع الولادة. وهم ينكرون معاد الأبدان.
وقد قُرن بين هذا وهذا٣ في الكتاب والسنة في مثل قوله: ﴿وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًَّا أَوَلا يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًَا﴾ ٤، إلى قوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًَا﴾ ٥. وهذه في سورة مريم
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ﵀ عن الفلاسفة: "وأما الفلاسفة فإمّا أن يكونوا من المشركين، وإما أن يكونوا من المجوس، وإما أن يكون من الصابئين، وإما أن يكونوا منتسبين إلى أهل الملل الثلاث. فمن كان من المشركين كما يُذكر عن الفلاسفة اليونان ونحوهم، أو من المجوس كفلاسفة الفرس ونحوهم: فاليهود والنصارى خيرٌ منه. ولذلك هم خيرٌ من فلاسفة الصابئين". درء تعارض العقل والنقل ٩/٢٠٧-٢٠٨. وقال في موضع آخر: "الفلاسفة الملاحدة؛ كابن عربي، وابن سبعين، وابن الفارض، وأمثالهم..". درء تعارض العقل والنقل ٣/١٦٥. ٢ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لفظ الموجب بالذات لفظ فيه إجمال. فإن عني به ما يعنيه الفلاسفة من أنه علة تامة مستلزمة للعالم، فهذا باطل؛ لأنّ العلة التامة تستلزم معلولها. ولو كان العالم معلولًا لازمًا لعلة أزلية، لم يكن فيه حوادث؛ فإنّ الحوادث لا تحدث عن علة تامة أزلية. وهذا خلاف المحسوس. وسواء قيل: إن تلك العلة التامة ذات مجردة عن الصفات؛ كما يقوله نفاة الصفات من المتفلسفة؛ كابن سينا وأمثاله. أو قيل: إنه ذات موصوفة بالصفات، لكنها مستلزمة لمعلولها. فإنه باطلٌ أيضًا. وإن فسّر الموجب بالذات بأنه يوجب بمشيئته وقدرته كلّ واحد واحد من المخلوقات في الوقت الذي أحدثه فيه. فهذا دين المسلمين وغيرهم من أهل الملل، ومذهب أهل السنة. فإذا قالوا: إنه بمشيئته وقدرته يوجب أفعال العباد وغيرها من الحوادث، فهو موافق لهذا المعنى لا المعنى الذي قالته الدهرية". منهاج السنة النبوية ٣/٢٧٤-٢٧٥. ٣ بين إنكار البعث، ووصف الله بأنّ له ولدًا - تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا -. ٤ سورة مريم، الآيتان ٦٦-٦٧. ٥ سورة مريم، الآية ٨٨.
[ ١ / ١٨٤ ]
المتضمنة خطاب النصارى، ومشركي العرب؛ لأن الفلاسفة داخلون فيهم؛ فإنّ اليونان اختلطوا بالروم، فكان فيها خطاب هؤلاء وهؤلاء.
وفي الصحيحين: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى: "شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وكذّبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك. فأمّا شتمه إياي: فقوله: إني اتّخذت ولدًا. وأنا الأحد، الصمد، لم ألد، ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد. وأما تكذيبه إياي: فقوله: لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته" رواه البخاري عن ابن عباس١.
ولمّا كان الشركُ أكثرُ في بني آدم من القول بأنّ له ولدًا، كان تنزيهه عنه أكثر. وكلاهما يقتضي إثبات: (مِثْلٍ)، و(نِدّ) من بعض الوجوه؛ فإنّ الولد من جنس الوالد، ونظير له، وكلاهما يستلزم الحاجة والفقر، فيمتنع وجود قادر بنفسه.
فالذي جعل شريكًا، لو فُرض مكافئًا، لزم افتقار كلّ منهما. وهو ممتنع. وإن كان غير مكافئ، فهو مقهورٌ.
الولد يتخذه المتخذ للحاجة
والولد يتخذه المتّخذ لحاجته إلى معاونته له؛ كما يُتَّخَذ المال؛ فإنّ الولد إذا اشتدّ أعان والده.
قال تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًَا سُبْحَانَهُ هُوَ الغَنِيّ لَهُ مَا في السَّمَوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًَا لَقَدْ
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٤/١٩٠٣، كتاب التفسير، باب تفسير ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ سورة الإخلاص. وأخرجه الإمام أحمد في المسند ٢/٣٥٠-٣٥١، ٣٩٤-٣٩٧، عن أبي هريرة. ٢ سورة يونس، الآية ٦٨.
[ ١ / ١٨٥ ]
جِئْتُمْ شَيْئًَا إِدًَّا﴾ ١، إلى قوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ في السَّمَوَاتِ والأَرْضِ إِلاَّ آتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًَا﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًَا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ٣.
فإنّ كون المخلوق مملوكًا لخالقه، وهو مفتقر إليه من كل وجه، والخالق غنيّ عنه يُناقض اتّخاذ الولد؛ [لأنه] ٤ إنما يكون لحاجته إليه في حياته، أو ليخلفه بعد موته. والربّ غنيّ عن كلّ ما سواه، وكلّ ما سواه فقيرٌ إليه، وهو الحي الذي لا يموت.
والوالد في نفسه [مفتقر] ٥ إلى ولد مخلوق، لا حيلة له فيه، بخلاف من يشتري المملوك فإنه باختياره مَلَكَهُ، ويمكنه إزالة ملكه؛ فتعلقه به من جنس تعلقه بالأجانب. والولادة بغير اختيار الوالد. والربّ يمتنع أن يحدث شيء بغير اختياره.
واتّخاذ الولد هو عِوَض عن الولادة لمن لم يحصل له، فهو أنقص في الولادة.
ولهذا من قال بالإيجاب الذاتي بغير مشيئته وقدرته، فقوله من جنس قول القائلين بالولادة الحاصلة بغير الاختيار، بل قولهم شرّ من قول النصارى ومشركي العرب من بعض الوجوه؛ كما قد بسط الكلام على هذا
_________________
(١) ١ سورة مريم، الآيتان ٨٨-٨٩. ٢ سورة مريم، الآية ٩٣. ٣ سورة البقرة، الآية ١١٦. ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٥ في «خ»: افتقار. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ١٨٦ ]
في تفسير ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ١، وغيره٢.
جنس النبوة معروف عند الناس
والمقصود: أنّ الله قال لمحمّد: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًَا مِنَ الرُّسُل﴾ ٣، وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل﴾ ٤؛ فبيَّن أنّ هذا الجنس من الناس معروفٌ، قد تقدم له نظراء، وأمثال؛ فهو معتادٌ في الآدميين، وإن كان قليلًا [في الآدميّين] ٥.
آيات الأنبياء مختصة بهم وكرامات أتباعهم آيات لهم
وأمّا من جاءهم رسولٌ [لا] ٦ يعرفون قبله رسولًا؛ كقوم نوح، فهذا بمنزلة ما يبتديه الله من الأمور، وحينئذٍ فهو يأتي بما يختص به، ممّا يعرفون أن الله صدّقه في إرساله. فهذا يدلّ على النوع والشخص، وإن كانت آيات غيره تدلّ على الشخص؛ إذ النوع قد عرف قبل هذا.
[والمقصود] ٧ أن آيته وبرهانه لا بُدّ أن يكون مختصًا بهذا النوع، لا يجب أن يختصّ بواحدٍ من النوع، ولا يجوز أن يوجد لغير النوع.
_________________
(١) ١ وهو كتاب تفسير سورة الإخلاص لشيخ الإسلام. ولشيخ الإسلام رحمه الله تعالى كتاب آخر في تفسير السورة، اسمه: جواب أهل العلم والإيمان بتحقيق ما أخبر به الرسول ﷺ من أن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن. حققه الشيخ سليمان الغفيص، في مرحلة الماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض. ٢ انظر: مجموع الفتاوى ١٧/٢٩١. ٣ سورة الأحقاف، الآية ٩. ٤ سورة آل عمران، الآية ١٤٤. ٥ في «م»، و«ط»: فيهم. ٦ في «م»، و«ط»: ما. ٧ في «م»، و«ط»: والمقصود.
[ ١ / ١٨٧ ]
وقد قلنا١ أنّ ما يأتي به أتباع الأنبياء من ذلك هو مختص بالنوع، [فإنا نقول] ٢ هذا لا يكون إلا لمن اتبع الأنبياء فصار مختصًا بهم. وأما ما يوجد لغير الأنبياء وأتباعهم، فهذا هو الذي لا يدلّ على النبوة؛ [كخوارق] ٣ السحرة، والكهان.
من طعن بالأنبياء وصفهم بالسحر والجنون والشعر
وقد عرف الناس أنّ السحرة لهم خوارق، ولهذا كانوا إذا طعنوا في نبوّة النبيّ واعتقدوا علمه، قالوا هو ساحر؛ كما قال فرعون لموسى: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ ٤، وقال للسحرة لما آمنوا: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِيعَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ ٥، و﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ ٦؛ [و] ٧ كلّ هذا من كذب فرعون، وكانوا يقولون: ﴿يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ ٨.
وكذلك المسيح؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًَا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًَا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ [بَعْدِي] ٩ اسْمُهُ أَحْمَد فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ١٠.
_________________
(١) ١ انظر: ص ١٦١، ١٦٢، ١٧٩، ١٨٧. ٢ في «خ»: فإنّه يقول. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: لخوارق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ سورة الشعراء، الآيتان ٣٤-٣٥. ٥ سورة طه، الآية ٧١. ٦ سورة الأعراف، الآية ١٢٣. ٧ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» . ٨ سورة الزخرف، الآية ٤٩. ٩ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ» . ١٠ سورة الصف، الآية ٦.
[ ١ / ١٨٨ ]
وقال تعالى عن كُفّار العرب: ﴿وَ[إِنْ] ١ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرّ﴾ ٢.
وإن نسبوه إلى عدم العلم، قالوا: مجنونٌ؛ كما قالوا عن نوح: ﴿مَجْنُونٌ وَازْدُجِر﴾ ٣، وقالوا عن موسى: ﴿قال إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكُمْ لَمَجْنُون﴾ ٤، وقال عن مشركي العرب: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِيْنَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُون﴾ ٥.
وقد قال تعالى: ﴿[كَذَلِكَ] ٦ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُون﴾ ٧.
فالسحر أمرٌ معتادٌ في بني آدم، كما أنّ النبوّة معتادةٌ فيهم. كما أنّ العقلاء معتادون في بني آدم، والمجانين معتادون فيهم.
فإذا قالوا عن الشخص: إنّه مجنون؛ فإنّه يُعلم هل هو من العقلاء أو من المجانين بنفس ما يقوله ويفعله. وكذلك يُعرف هل هو من جنس الأنبياء، أو من جنس السحرة.
وكذلك لما قالوا عن محمّد: إنّه شاعرٌ٨؛ فإنّ الشعراء جنسٌ
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٢ سورة القمر، الآية ٢. ٣ سورة القمر، الآية ٩. ٤ سورة الشعراء، الآية ٢٧. ٥ سورة القلم، الآية ٥١. ٦ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» . ٧ سورة الذاريات، الآيتان ٥٢-٥٣. ٨ ذكر الله ﷾ أنّ كفّار مكة قالوا عن رسول الله ﷺ: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ . [الأنبياء ٥١] . وقال ﷾: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ . [يس ٦٩] . قال ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية: "أي ما هو في طبعه؛ فلا يُحسنه، ولا يُحبّه، ولا تقتضيه جبلته. ولهذا ورد أنّه ﷺ كان لا يحفظ بيتًا على وزن منتظم، بل إن أنشده زحفه، أو لم يتمّه"، ثمّ ذكر ﵀ أمثلة على ذلك. انظر: تفسير ابن كثير ٣/٥٧٨.
[ ١ / ١٨٩ ]
معروفون في الناس، وقالوا: إنه كاهن١.
شبهة من قال: القرآن شعر
وشبهة الشعر أنّ القرآن كلام موزون٢، والشعر موزون.
وشبهة الكهانة أنّ الكاهن يُخبر ببعض الأمور الغائبة؛ فَذَكَرَ الله تعالى الفرق بين هذين، وبين النبيّ، فقال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُون﴾ ٣، ثمّ قال: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ في كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا
_________________
(١) ١ قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: خرجتُ أتعرّض لرسول الله ﷺ قبل أن أُسلم، فوجدتُه قد سبقني إلى المسجد، فقمتُ خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلتُ أعجب من تأليف القرآن. قال: فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش. قال: فقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ . قال: فقلت: كاهن. قال: فقرأ: ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ . [الحاقة ٤٠-٤٢] أخرجه الإمام أحمد في مسنده. انظر: الفتح الرباني ٢٠/٢٣٢. ٢ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وما يُوجد في القرآن من مثل قوله: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]، و﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ﴾ [العاديات ١١]، ونحو ذلك، فلم يتكلّف لأجل التجانس، بل هذا غير مقصود بالقصد الأول؛ كما يوجد في القرآن من أوزان الشعر، ولم يقصد به الشعر؛ كقوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ ١٣]، وقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر ٤٩]، ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح ٢-٣]، ونحو ذلك) . منهاج السنة النبوية ٣/٥٣-٥٤. وانظر: الجواب الصحيح ٥/٤٣٣. ٣ سورة الشعراء، الآيات ٢٢١-٢٢٣.
[ ١ / ١٩٠ ]
يَفْعَلُونَ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًَا﴾ ١، ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ لا بِقَولِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٣.
ولهذا لما عرض الكُفّار على كبيرهم [الوحيد] ٤ أن يقولوا للناس: هو شاعرٌ، ومجنونٌ، وساحرٌ، وكاهنٌ، صار يُبيّن لهم أنّ هذه أقوال فاسدة، وأنّ الفرق معروفٌ بينه، وبين هذه الأجناس.
فالمقصود أن هذه الأجناس كلّها موجودة في الناس، معتادة، معروفة. وكلّ واحد منها يُعرف بخواصه المستلزمة له، وتلك الخواص آيات له، مستلزمة له. فكذلك النبوّة لها خواصّ مستلزمة لها، تُعرف بها،
_________________
(١) ١ سورة الشعراء، الآيات ٢٢٤-٢٢٧. ٢ سورة يس، الآية ٦٩. ٣ سورة الحاقة، الآيات ٤١-٤٣. ٤ في «خ»: التوحيد. وما أثبت من «م»، و«ط» . والمقصود به كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: الوليد بن المغيرة، الذي كان من أعظم الناس كفرًا، وهو الوحيد المذكور في قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر، ١١] . انظر: منهاج السنة النبوية ١/٤١. ودرء تعارض العقل والنقل ٥/١٦٢. ومن خبره: "أنه سمع الرسول ﷺ يُصلّي ويقترئ، فأعجبه القرآن، ووصفه بأنه ليس بشعر، ولا بسحر، ولا بهذي من الجنون، وأنّ له لحلاوة، وأنّ عليه لطلاوة، وأنه ليعلو وما يعلى عليه. وقال لهم أيضًا: سمعت قولًا حلوًا أخضر مثمرًا يأخذ بالقلوب، فقالوا: هو شعر؟ فقال: لا والله ما هو بالشعر، ليس أحد أعلم بالشعر مني، أليس قد عرضَتْ عليّ الشعراء شعرهم؛ نابغة، وفلان، وفلان؟. قالوا: فهو كاهن؟ فقال: لا والله ما هو بكاهن، قد عُرِضت عليّ الكهانة. قالوا: فهذا سحر الأولين اكتتبه؟ قال: لا أدري إن كان شيئًا فعسى هو إذًا سحر يؤثر". انظر: الخبر برواياته في تفسير الطبري ٢٩/١٥٦-١٥٧، وفي تفسير ابن كثير ٤/٤٤٣.
[ ١ / ١٩١ ]
وتلك الخواص خارقة لعادة غير الأنبياء، وإن كانت معتادة للأنبياء، فهي لا توجد لغيرهم. فهذا هذا١. والله أعلم.
مدعي النبوة يستعين بالشياطين
فإذا أتى مدّعي النبوّة بالأمر الخارق للعادة الذي لا يكون إلا لنبيّ، لا يحصل مثله لساحرٍ، ولا كاهنٍ، ولا غيرهما، كان دليلًا على نبوّته. وكلّ من الساحر، والكاهن يستعين بالشياطين؛ فإنّ الكهّان [تنزل] ٢ عليهم الشياطين تخبرهم؛ والسحرة تعلّمهم الشياطين؛ قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى [يَقُولا] ٣ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ٤.
والساحر لا يتجاوز سحره الأمور المقدورة للشياطين؛ كما تقدّم بيانه٥.
الساحر ومقدرته ومقصده
والساحر كما قال تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ ٦،وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ في الآخِرَةِ مِنْ خَلاق﴾ ٧؛ فهم يعلمون أنّ السحر لا ينفع في الآخرة، ولا يُقرّب إلى الله، وأنّ من اشتراه ما له في الآخرة من خلاق؛ فإنّ مبناه على الشرك، والكذب، والظلم، مقصود صاحبه الظلم، والفواحش.
_________________
(١) ١ كما أنّ جنس الشعر، والسحر، والكهانة لها خواصّ معتادة، مستلزمة لها، تُعرف بها. فكذلك النبوّة من هذا الباب. ٢ في «خ»: ينزل. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: يقول. ٤ سورة البقرة، الآية ١٠٢. ٥ تقدّم بيان ذلك ص ١٩٢. ٦ سورة طه، الآية ٦٩. ٧ سورة البقرة، الآية ١٠٢.
[ ١ / ١٩٢ ]
الفرق بين النبي والساحر
وهذا مما يُعلم بصريح العقل أنّه من السيئات؛ فالنبيّ لا يأمر به، [ولا يعمله] ١، [وإنّما] ٢ يستعين على ذلك [صاحبه] ٣ بالشرك والكذب. وقد عُلِم بصريح العقل، مع ما تواتر عن الأنبياء أنّهم حرّموا الشِّرك. فمتى كان الرجل يأمر بالشرك، وعبادة غير الله، أو يستعين على مطالبه بهذا، وبالكذب، والفواحش، والظلم، عُلِم قطعًا أنّه من جنس السحرة، لا من جنس الأنبياء.
وخوارق هذا يمكن معارضتها وإبطالها من بني جنسه، وغير بني جنسه. وخوارق الأنبياء لا يمكن غيرهم أن يعارضها، ولا يمكن أحدًا إبطالها، لا من جنسهم، ولا من غير جنسهم؛ فإنّ الأنبياء [يصدق] ٤ بعضهم بعضًا، فلا يُتصوّر أنّ نبيًا يُبطل معجزة آخر. وإن أتى بنظيرها، فهو يصدقه.
ومعجزة كلّ منهما آية له، وللآخر٥ أيضا؛ كما أن معجزات أتباعهم٦ آيات لهم، بخلاف خوارق السحرة؛ فإنّها إنّما تدلّ على أنّ صاحبَها ساحرٌ يؤثّر آثارًا غريبةً ممّا هو فسادٌ في العالم، ويُسَرّ بما يفعله من الشرك، والكذب، والظلم، ويستعين على ذلك بالشياطين، فمقصوده الظلم، والفساد، والنبيّ مقصوده العدل، والصلاح. وهذا يستعين بالشياطين، وهذا بالملائكة. وهذا يأمر بالتوحيد لله، وعبادته وحده لا شريك له، وهذا
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين من «م»، و«ط» . ٢ ما بين المعقوفتين لا يوجد في «م»، و«ط» . ٣ ما بين المعقوفتين من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: تصدق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ للنبيّ الذي يأتي بعده. ٦ المقصود كرامات أتباعهم.
[ ١ / ١٩٣ ]
إنّما يستعين بالشرك، وعبادة غير الله. وهذا يُعظِّم إبليسَ وجنودَه، وهذا يذمّ إبليسَ وجنودَه.
الإقرار بوجود الملائكة والجن عام وقد أنكرهما الفلاسفة
والإقرار بالملائكة، والجنّ عامّ في بني آدم، لم ينكر ذلك إلا شواذّ من بعض الأمم١، ولهذا قالت الأمم المكذّبة: ﴿ولَوْ شَاءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ ٢؛ حتى قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم فرعون. قال قوم نوح: ﴿مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ ٣، وقال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ٤.
وفرعون وإن كان مظهرًا لجحد الصانع؛ [فإنه ما] ٥ قال: ﴿فلوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ [أَسْوِرَة] ٦ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ٧ إلاَّ وقد سمع بذكر الملائكة؛ إمّا معترفًا بهم، وإمّا مُنكرًا لهم.
_________________
(١) ١ أنكرت الفلاسفة وجودَ الملائكة والجنّ، وعبّروا عنهما بالقوّة التخييليّة. انظر: الرد على المنطقيين ص ١٠٦. ودرء تعارض العقل والنقل ١٠/٢٠٥. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ملاحدة الفلاسفة يجعلون الملائكة قوى النفس الصالحة، والشياطين قوى النفس الخبيثة، ونحو ذلك من المقالات الخبيثة التي يقولها القرامطة الباطنية، ومن سلك سبيلهم من ضلاّل المتكلمين والمتعبّدة". مجموع الفتاوى ٤/٣٤٦. وانظر: المرجع نفس ٤/٢٥٩. وشرح الطحاوية ص ٤٠٢-٤٠٣. ٢ سورة المؤمنون، الآية ٢٤. ٣ سورة المؤمنون، الآية ٢٤. ٤ سورة فصلت، الآيتان ١٣-١٤. ٥ في «خ» كُتبت: فإنّما. ثمّ صُحّحت في الهامش بقوله: صوابه: فإنّه ما. ٦ في «خ»، و«م»، و«ط»: أساور. ٧ سورة الزخرف، الآية ٥٣.
[ ١ / ١٩٤ ]
فذكر الملائكة، والجنّ عامّ في الأمم.
وليس في الأمم أمّة تُنكر ذلك إنكارًا عامًا، وإنّما يُوجد إنكار ذلك في بعضهم؛ مثل من قد [يتفلسف] ١، فينكرهم لعدم العلم لا للعلم بالعدم.
فلا بُدّ في آيات الأنبياء من أن تكون مع كونها خارقةً للعادة أمرًا غيرَ معتاد لغير الأنبياء، بحيث لا يقدر عليه إلا الله الذي أرسل الأنبياء، ليس مما يقدر عليه غير الأنبياء، لا بحيلة، ولا عزيمة، ولا استعانة بشياطين، ولا غير ذلك.
من خصائص معجزات الأنبياء
ومن خصائص معجزات الأنبياء: أنّه لا يُمكن معارضتها. فإذا عجز النوع البشري غير الأنبياء عن معارضتها، كان ذلك أعظم دليل على اختصاصها بالأنبياء، بخلاف ما كان موجودًا لغيرها. فهذا لا يكون آيةً البتة.
الفلاسفة لا يعرفون النبوة
فأصل هذا أن يعرف وجود الأنبياء في العالم، وخصائصهم؛ كما يعلم وجود السحرة، وخصائصهم. ولهذا من لم يكن عارفًا بالأنبياء من فلاسفة اليونان، والهند، وغيرهم، لم يكن له فيهم كلام يُعرف، كما لم يُعرف لأرسطو٢، وأتباعه فيهم كلام يُعرف، بل غاية من أراد أن يتكلم في ذلك؛
_________________
(١) ١ في «خ»: يفلسف. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ هو أرسطوطاليس بن نيقو ماخس الفيثاغوري. تتلمذ على أفلاطون، ثم صار بعده أستاذًا. انتهت إليه فلسفة اليونان، فكان هو خاتمهم. وكان مشركًا يعبد الأصنام. وهو الذي جعل المنطق آلة العلوم النظرية. وكان معلمًا للإسكندر. وقد عني فلاسفة المسلمين بفلسفة أرسطو، وسمّوه معلمهم الأول. وله كتاب الحيوان. ولد في اليونان سنة٣٨٤ ق. م راجع: تاريخ الحكماء ص ٢٧-٥٣. وفهرست ابن النديم ص ٣٥٩. وإغاثة اللهفان من مصايد الشيطان لابن القيم ٢/٢٥٩. والفرق بين الفرق ص ٣٠٧-٣٠٨.
[ ١ / ١٩٥ ]
كالفارابي١، وغيره أن يجعلوا ذلك من جنس المنامات المعتادة. ولمّا أراد طائفة؛ كأبي حامد٢، وغيره أن يقرّروا إمكان النبوة على أصلهم، احتجوا بأنّ مبدأ الطبّ، ومبدأ النجوم، ونحو ذلك، كان من الأنبياء؛ لكون المعارف المعتادة لا تنهض بذلك. وهذا إنّما يدلّ على اختصاص من أتى بذلك بنوعٍ من العلم. وهذا لا يُنكره عاقل.
وعلى هذا بنى ابن سينا أمر النبوة؛ أنها من قوى النفس، وقوى النفوس متفاوتة٣.
_________________
(١) ١ هو أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان التركي الحكيم. صاحب التصانيف في المنطق والموسيقى وغيرهما. وهو أكبر فلاسفة المسلمين. وقد أتقن اللغة العربية. وكان مولده سنة ٢٥٩؟، ووفاته سنة ٢٩٩؟. انظر: وفيات الأعيان ٥/١٥٣. وفهرست ابن النديم ص ٣٦٨. والبداية والنهاية ١١/٣٢٤. وقال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والفلسفة التي ذهب إليها الفارابي، وابن سينا إنما هي فلسفة المشائين أتباع أرسطو صاحب التعاليم". درء تعارض العقل والنقل١/١٥٧. ٢ هو الغزالي. وقد مرّ التعريف به. ٣ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وهذا القدر، فعله ابن سينا وأمثاله ممن رام الجمع بين ما جاءت به الأنبياء وبين فلسفة المشائين؛ أرسطو وأمثاله. ولهذا تكلموا في الآيات، وخوارق العادات، وجعلوا لها ثلاثة أسباب: القوى الفلكية، والقوى النفسانية، والطبيعية؛ إذ كانت هذه هي المؤثرات في العالم عندهم. وجعلوا ما للأنبياء وغير الأنبياء من المعجزات والكرامات، وما للسحرة من العجائب هو من قوى النفس. ولكن الفرق بينهما أن ذلك قصده الخير، وهذا قصده الشرّ. وهذا المذهب من أفسد مذاهب العقلاء فإنه مبنيّ على إنكار الملائكة وإنكار الجنّ، وعلى أنّ الله لا يعلم الجزئيات، ولا يخلق بمشيئته وقدرته، ولا يقدر على تغيير العالم". الجواب الصحيح٦/٢٤. وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٥/٧٠.
[ ١ / ١٩٦ ]
وكلّ هذا كلام من لا يعرف النبوة، بل هو أجنبيّ عنها، وهو أنقص ممن أراد أن يُقرّر أنّ في الدنيا فقهاء، وأطباء، وهو لم يعرف غير الشعراء؛ فاستدلّ بوجود الشعراء، على وجود الفقهاء، والأطباء. بل هذا المثال أقرب؛ فإنّ بُعد النبوّة عن غير الأنبياء أعظم من بُعد الفقيه، والطبيب عن الشاعر، ولكنّ هؤلاء من أجهل الناس بالنبوّة، ورأوا ذكر الأنبياء قد شاع، فأرادوا تخريج ذلك على أصول قومٍ لم يعرفوا الأنبياء.
فإن قيل: موسى، وغيره كانوا موجودين قبل أرسطو؛ فإنّ أرسطو كان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة١.
وأيضًا فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا في كُلّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت فَمِنْهُم مَنْ هَدَى الله وَمِنْهُم مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَة فَسِيرُوا في الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ٢، وقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالحَقِّ بَشِيرًَا وَنَذِيرًَا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِير﴾ ٣؛ فهذا يُبيِّن أنّ كُلّ أمّة قد جاءها رسولٌ، فكيف لم يعرف هؤلاء الرسل؟.
جوابان عن عدم معرفة الفلاسفة الأنبياء
قلت: عن هذا جوابان:
أحدهما: أنّ كثيرًا من هؤلاء لم يعرفوا الرسل؛ كما قال: ﴿وَمِنْهُم
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ﵀: "وكان أرسطو قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة، وهو وزير الاسكندر بن فيلبس المقدوني التي تؤرخ له التاريخ الرومي من اليهود والنصارى. وهذا كان مشركًا يعبد هو وقومه الأصنام، ولم يكن يسمى ذا القرنين". الجواب الصحيح١/٣٤٥. وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٥/٦٨. ومنهاج السنة النبوية ١/٤٠٩. ٢ سورة النحل، الآية ٣٦. ٣ سورة فاطر، الآية ٢٤.
[ ١ / ١٩٧ ]
مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَة فَسِيرُوا في الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ١، فلم تبق أخبار الرسول وأقواله معروفة عندهم.
الثاني: أنّه قال تعالى: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُم فَهُوَ وَلِيّهُمُ اليَوْمَ﴾ ٢، فإذا كان الشيطان قد زيّن لهم أعمالهم، كان في هؤلاء من درست أخبار الأنبياء عندهم، فلم يعرفوها. وأرسطو لم يأت إلى أرض الشام، ويُقال: إنّ الذين كانوا قبله كانوا يعرفون الأنبياء، لكن المعرفة المجملة لا تنفع؛ كمعرفة قريش؛ كانوا قد سمعوا بموسى، وعيسى، وإبراهيم سماعًا من غير معرفة بأحوالهم.
وأيضا: فهم وأمثالهم المشاؤون٣ أدركوا الإسلام وهم من أكفر الناس بما جاءت [به] ٤ الرسل. أما أنهم لا يطلبون معرفة أخبارهم، وما سمعوه: حرّفوه، أو حملوه على أصولهم.
وكثيرٌ من المتفلسفة هم من هؤلاء. فإذا كان هذا حال هؤلاء في ديار الإسلام، فما الظن بمن كان ببلادٍ٥ لا [يُعرف] ٦ فيها شريعة نبي، بل طريق معرفة الأنبياء كطريق معرفة نوعٍ من الآدميين خصّهم [الله] ٧ بخصائص، يعرف ذلك من أخبارهم، واستقراء أحوالهم؛ كما يعرف الأطباء، والفقهاء.
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية ٣٦. ٢ سورة النحل، الآية ٦٣. ٣ المشاؤون هم أتباع أرسطو. وسمّوا مشائين لأنهم كانوا يمشون ويلقون دروسهم وهم سائرون في الطريق. انظر: إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطي ص ١٤. ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٥ في «ط» فقط: في بلاد. ٦ في «م»، و«ط»: تعرف. ٧ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهي في «م»، و«ط» .
[ ١ / ١٩٨ ]
جنس النبوة يثبت بأحوال الأنبياء السابقين
ولهذا إنّما يقرّر الربّ تعالى في القرآن أمر النبوّة وإثبات جنسها بما وقع في العالم؛ من قصة نوح وقومه، وهود وقومه، وصالح وقومه، وشعيب، ولوط، وإبراهيم، وموسى، وغيرهم؛ [فيذكر] ١ وجود هؤلاء، وأنّ قومًا صدّقوهم، وقومًا كذّبوهم. ويُبيِّن حال من صدّقهم، وحال من كذّبهم؛ فيُعلم بالاضطرار حينئذٍ ثبوت هؤلاء٢، [ويتبيّن] ٣ وجود آثارهم في الأرض. فمن لم يكن رأى في بلده آثارهم، فليسر في الأرض، ولينظر آثارهم، وليسمع أخبارهم المتواترة. يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَومُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِير فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيد أَفَلَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًَا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ المَصِير﴾ ٤.
ولهذا قال مؤمن آل فرعون٥ لمّا أراد إنذار قومه: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ
_________________
(١) ١ في «خ»: فتذكر. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ انظر: الجواب الصحيح ٥/١٤١-١٤٢، ٦/٣٤٥-٣٥٠. وشرح الطحاوية ص١٥١. ٣ في «خ»: وتبيين. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ سورة الحج، الآيات ٤٢-٤٨. ٥ ذكر الطبري ﵀ اختلاف أهل العلم في هذا الرجل المؤمن؛ فقال بعضهم: كان الرجل إسرائيليًا، ولكنه كان يكتم إيمانه من آل فرعون. وقال آخرون - وهو الصواب: إنه من آل فرعون، قد أصغى لكلامه، واستمع منه ما قاله، وتوقف عن قتل موسى عند نهيه عن قتله. انظر: جامع البيان ٢٤/٥٩-٦٠.
[ ١ / ١٩٩ ]
عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًَا لِلْعِبَاد﴾ ١.
ولهذا لما سمع ورقة بن نوفل٢، والنجاشيّ٣، وغيرهما القرآنَ، قال ورقة بن نوفل: هذا هو النَّاموس٤ الذي كان يأتي موسى٥. وقال
_________________
(١) ١ سورة غافر، الآيتان ٣٠-٣١. ٢ هو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي الأسديّ، ابن عم خديجة بنت خويلد زوج النبيّ ﷺ. كان قد كره عبادة الأوثان، وطلب الدين في الآفاق، وقرأ الكتب، وكانت خديجة ﵂ تسأله عن أمر النبيّ ﷺ، فيقول: ما أراه إلا نبيّ هذه الأمة الذي بشّر به موسى وعيسى. انظر: الإصابة لابن حجر ٣/٦٣٣-٦٣٥. ٣ النجاشيّ لقبٌ لكلّ من ملك الحبشة؛ مثل لقب قيصر لمن ملك الروم، وكسرى لمن ملك فارس. والمراد بالنجاشيّ هنا: أصحمة. أسلم في عهد النبيّ ﷺ، وأحسن إلى المسلمين الذين هاجروا إلى أرضه. وأخباره معهم ومع كفار قريش الذين طلبوا منه أن يُسلّم إليهم المسلمين مشهورة. توفي في بلده قبل فتح مكة، وصلى عليه النبيّ ﷺ صلاة الغائب بالمدينة، وكبّر عليه أربعًا. انظر: الإصابة لابن حجر ١/١٧. ٤ الناموس: صاحب السرّ؛ كما جزم به البخاري في أحاديث الأنبياء. وزعم ابن ظفر أنّ الناموس: صاحب سرّ الخير، والجاسوس: صاحب سر الشرّ. والأول الصحيح الذي عليه الجمهور. وقد سوّى بينهما رؤبة بن العجاج أحد فصحاء العرب. والمراد بالناموس هنا: جبريل ﵇. وقوله: "على موسى"، ولم يقل على عيسى، مع كونه نصرانيًا؛ لأنّ كتاب موسى ﵇ مشتمل على أكثر الأحكام، بخلاف عيسى ﵇. وكذلك النبيّ ﷺ. على أنّه قد ورد بإسنادين؛ أحدهما حسن، والآخر ضعيف: ناموس عيسى. فعلى هذا: كان ورقة يقول تارةً: ناموس عيسى، وتارةً: ناموس موسى. انظر: فتح الباري ١/٣٥. ٥ رواه الإمام البخاري في صحيحه ١/٥، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ. والإمام مسلم في صحيحه ١/١٣٩، ١٤٥، ١٦٠-١٦١. وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "والقرآن أصلٌ كالتوراة، وإن كان أعظم منها. ولهذا علماء النصارى يقرنون بين موسى ومحمد ﷺ، كما قال النجاشي ملك النصارى لما سمع القرآن: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. وكذلك ورقة بن نوفل، وهو من أحبار نصارى العرب لما سمع كلام النبي ﷺ قال له: إنه يأتيك الناموس الذي يأتي موسى ولهذا يقرن سبحانه بين التوراة والقرآن ". الجواب الصحيح ١/١١٦-١١٨.
[ ١ / ٢٠٠ ]
النجاشي: إنّ هذا والذي جاء به موسى [ليخرج] ١ من مشكاة واحدة٢. فكان عندهم علمٌ بما جاء به موسى؛ اعتبروا به، ولولا ذلك لم يعلموا هذا.
وكذلك الجنّ لمّا سمعت القرآن، ولّوا إلى قومهم منذرين، ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًَا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًَا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيم﴾ ٣.
ولما أراد سبحانه تقرير جنس ما جاء به محمد، قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًَا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًافَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًَا وَبِيلًا﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدَى لِلنَّاسِ [تَجْعَلُونَهُ] ٥ قَرَاطِيسَ [تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ] ٦ كَثِيرًَا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ في
_________________
(١) ١ في «خ»: لتخرج. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ رواه الإمام أحمد في المسند ١/٢٠١-٢٠٣،، ٥/٢٩٠-٢٩٢. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/٢٤-٢٧): ورجال أحمد رجال الصحيح، غير ابن إسحاق، وقد صرّح بالسماع. ٣ هذا نصّ الآية الثلاثين من سورة الأحقاف. ٤ سورة المزمل، الآيتان ١٥-١٦. ٥ في «خ»: يجعلونه. ٦ في «خ»: يُبدونها ويُخفون.
[ ١ / ٢٠١ ]
خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ١.
فهو سبحانه يُثبت وجود جنس الأنبياء ابتداءً؛ كما في السور المكية٢ حتى يثبت وجود هذا الجنس، وسعادة من اتبعه، وشقاء من خالفه.
من أقر بجنس الأنبياء يلزمه الإقرار بنبوة محمد ﷺ
ثم [نبوة] ٣ عين هذا النبيّ٤ تكون ظاهرة؛ لأنّ الذي جاء به أكمل مما جاء به جميع الأنبياء. فمن أقرّ بجنس الأنبياء، كان إقراره بنبوة محمّد في غاية الظهور، أبين مما أقرّ أنّ في الدنيا نحاة، وأطباء، وفقهاء. فإذا رأى نحو سيبويه، وطب [أبقراط] ٥، وفقه الأئمة الأربعة، ونحوهم، كان إقراره بذلك من أبين الأمور.
ولهذا كان من نازع من أهل الكتاب في نبوة محمد إما أن يكون لجهله بما جاء به، وهو الغالب على عامتهم، أو لعناده وهو حال طلاب الرياسة بالدين منهم.
والعرب عرفوا ما جاء به محمد. فلمّا أقرّوا بجنس الأنبياء، لم يبق عندهم في محمّد شكّ.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآيتان ٩١-٩٢. ٢ قيل في تعريف المكي والمدني عدة تعريفات، أشهرها: أنّ المكي: ما نزل قبل الهجرة، والمدني: ما نزل بعد الهجرة، وإن كان بمكة. وقد رجح الزركشي أنّ المكي خطاب، المقصود به - أو جلّ المقصود به - أهل مكة كذلك بالنسبة إلى أهل المدينة. والتعريف الأول أظهر. انظر: البرهان في علوم القرآن ١/١٨٧-١٩١. ٣ كتب في «خ»: ثبوت. وفي الحاشية: لعله نبوة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ المقصود به الإقرار بنبوة نبيّنا محمد ﷺ. ٥ في «خ»: بقراط. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٢٠٢ ]
وجميع ما يذكره الله تعالى في القرآن من قصص الأنبياء، يدلّ على نبوّة محمّد بطريق الأولى؛ إذ كانوا من جنس واحد، ونبوّته أكمل. فينبغي معرفة هذا، فإنّه أصل عظيم١.
ولهذا جميع مشركي العرب آمنوا به، فلم يحتج أحد منهم أن تؤخذ منه جزية. فإنّهم لما عرفوا نبوته، وأنّه لا بُدّ من متابعته، أو متابعة اليهود والنصارى، عرفوا أنّ متابعته أولى.
ومن كان من أهل الكتاب: بعضهم آمن به، وبعضهم لم يؤمن جهلًا، وعنادًا. وهؤلاء كان عندهم كتاب ظنوا استغناءهم به، فلم يستقرئوا أخبار محمد، وما جاء به خالين من [الهوى] ٢، بخلاف من لم يكن له كتاب٣؛ فإنّه نظر في الأمرين نَظَرَ خالٍ من الهوى، فعرف فضل ما جاء به محمد على ما جاء به غيره.
ولهذا لا تكاد [توجد] ٤ أمة لا كتاب لها يُعرض عليها دين المسلمين، واليهود، والنصارى، إلاَّ رجّحت دين الإسلام؛ كما يجري لأنواع الأمم التي لا كتاب لها.
_________________
(١) ١ فمن أقرّ بجنس الأنبياء يلزمه أن يُقرّ بنبوة محمد ﷺ؛ لأنها في غاية الظهور والبيان. وهذا الأصل من الطرق التي بها تعرف نبوته ﷺ. وانظر: الجواب الصحيح ٥/١٤١-١٤٢، ٦/٣٤٥-٣٥٠. وشرح الطحاوية ص١٥١. ٢ في «خ»: هوى. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ مثل المجوس، والصابئة. انظر: الملل والنحل ١/٢٣٠، ٢/٥. ٤ في «خ»: يوجد. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٢٠٣ ]
فأهل الكتاب مقرون بالجنس، منازعون في العين١. والمتفلسفة من اليونان والهند منازعون في وجود كمال الجنس، وإن أقرّوا ببعض صفات الأنبياء، فإنّما أقرّوا منها بما لا يختص بالأنبياء، بل هو مشترك بينهم وبين غيرهم.
فلم يؤمن هؤلاء ٢ بالأنبياء البتة.
هذا هو الذي يجب القطع به٣. ولهذا يُذكرون معهم ذكر الجنس الخارج عن أتباعهم؛ فيقال: قالت الأنبياء، والفلاسفة، واتفقت الأنبياء، والفلاسفة؛ كما يُقال: المسلمون، واليهود، والنصارى٤.
_________________
(١) ١ مقرون بالأنبياء السابقين، منكرون لنبوة نبينا محمد ﷺ. ٢ الفلاسفة. ٣ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن معتقد الفلاسفة: "ليس للفلاسفة مذهب معيّن ينصرونه، ولا قول يتفقون عليه في الإلهيات، والمعاد، والنبوات، والشرائع، بل وفي الطبيعيات، والرياضيات، بل ولا في كثير من المنطق، ولا يتفقون إلا على ما يتفق عليه جميع بني آدم من الحسيّات المشاهدة، والعقليات التي لا ينازع فيها أحد". منهاج السنة النبوية ١/٣٥٧. وقال أيضًا: "لكن الذي لا ريب فيه أنّ هؤلاء أصحاب التعاليم؛ كأرسطو وأتباعه، كانوا مشركين يعبدون المخلوقات، ولا يعرفون النبوات، ولا المعاد البدني، وأن اليهود والنصارى خيرٌ منهم في الإلهيات، والنبوات، والمعاد". منهاج السنة النبوية ١/٣٦٤. ٤ يُوجد في «خ» بياض.
[ ١ / ٢٠٤ ]
[وقال أيضًا ﵁:
فصل] ١ من آيات الأنبياء: نصرهم على قومهم. وهذا من وجهين:
ومن آياته: نصر الرسل على قومهم. وهذا على وجهين:
الوجه الأول بإهلاك الأمم وإنجاء الرسل وأتباعهم
تارةً: يكون بإهلاك الأمم، وإنجاء الرسل وأتباعهم؛كقوم نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط، وموسى. ولهذا يقرن الله بين هذه القصص في سورة الأعراف، وهود، والشعراء، ولا يذكر معها قصة إبراهيم٢. وإنّما ذكر قصة إبراهيم في سورة الأنبياء٣، ومريم٤، والعنكبوت٥، والصافات٦؛ فإنّ هذه السور لم يقتصر فيها على ذكر من أهلك من الأمم.
_________________
(١) ١ في «ط» فقط: فصل قال ﵁. ٢ ذكر الله ﷾ قصة إبراهيم ﵇ في سورة الشعراء بعد قصة موسى وإهلاك فرعون وقومه؛ قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ . الآيتان ٦٩-٧٠. ٣ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ إلخ﴾ . سورة الأنبياء، آية ٥١، إلى آية ٧٣. ٤ قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا إِذْ قَالَ لأبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ .. سورة مريم، الآيتان ٤١-٤٢، إلى آية ٥٠. ٥ قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . سورة العنكبوت، الآية ١٦، إلى الآية ٢٧. ٦ قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ ﴾ . سورة الصافات، الآيات ٨٣-٨٥، إلى آية ١١٣.
[ ١ / ٢٠٥ ]
بل في سورة الأنبياء كان المقصود ذكر الأنبياء، ولهذا سميت سورة الأنبياء؛ فذكر فيها إكرامه للأنبياء، وإن لم يذكر قومهم؛ كما ذكر قصة داود، وسليمان١، وأيوب٢، وذكر آخر الكلّ: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَة﴾ ٣، وبدأ فيها بقصة إبراهيم٤؛ إذ كان المقصود ذكر إكرامه للأنبياء قبل محمّد وإبراهيم؛ أكرمهم على الله تعالى، وهو خير البرية، وهو [أبو] ٥ أكثرهم، إذ ليس هو [أبا] ٦ نوحٍ ولوط، لكن لوط من أتباعه٧، وأيوب من ذريته؛ بدليل قوله في سورة الأنعام: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ﴾ ٨.
وأمّا سورة مريم: فذكر الله تعالى فيها إنعامه على الأنبياء المذكورين فيها؛ فذكر فيها رحمته زكريا، وهبته يحيى٩، وأنه ورث نبوته، وغيرها
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ . سورة الأنبياء، الآيات ٧٨-٨٢. ٢ قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ ﴾ .. سورة الأنبياء، الآيتان ٨٣-٨٤. ٣ سورة الأنبياء، الآية ٩٢. ٤ وهي تبدأ من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ..﴾ . من آية ٥١، إلى آية ٧٣. ٥ في «خ»، و«م»، و«ط»: أب. والصحيح: أبو. ٦ في «خ»، و«م»، و«ط»: أب. والصحيح: أبا. ٧ قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ . سورة العنكبوت، الآيتان ٢٦-٢٧. ٨ سورة الأنعام، الآية ٨٤. ٩ في «ط» فقط: ﵉.
[ ١ / ٢٠٦ ]
من علم آل يعقوب، وأنه آتاه الحكم صبيًّا١؛ وذكر بدء خلق عيسى، وما أعطاه الله تعالى من تعليم الكتاب؛ وهو التوراة، والنبوّة، وأنّ الله تعالى جعله مباركًا أينما كان، وغير ذلك٢؛ وذكر قصة إبراهيم، وحسن خطابه لأبيه، وأنّ الله تعالى وهبه إسحاق ويعقوب نبيّين، ووهبه من رحمته، وجعل له لسان صدق عليًا٣؛ ثم ذكر موسى، وأنّه خصّصه الله تعالى بالتقريب والتكليم، [ووهبه] ٤ أخاه، وغير ذلك٥؛ وذكر إسماعيل، وأنّه كان صادق الوعد٦ وكأنّه والله أعلم من ذلك أو أعظمه صَدَقَهُ فيما وَعَدَ به أباه من صبره عند الذبح، فوفى بذلك٧؛ وذكر إدريس، وأنّ الله تعالى رفعه مكانا عليًّا٨. ثمّ قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم﴾ ٩.
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ إلى قوله عن يحيى ﵇: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ . سورة مريم، من أولها، إلى آية ١٥. ٢ قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ . سورة مريم، الآيات ١٦، إلى ٣٤. ٣ قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ إلى قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ . سورة مريم، الآيات ٤١-٥٠. ٤ في «خ»: وهبه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ سورة مريم، الآيات ٥١-٥٣. ٦ قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ . سورة مريم، الآية ٥٤٧ انظر تفسير ابن كثير ٣/١٢٥. ٨ قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ . سورة مريم، الآيتان ٥٦-٥٧. وانظر أقوال العلماء في معنى رفعه ﵇ في أعلام النبوة للماوردي ص ٨٢. والبداية والنهاية لابن كثير ١/٩٣. ٩ سورة مريم، الآية ٥٨.
[ ١ / ٢٠٧ ]
وأما سورة العنكبوت: فإنّه ذكر فيها امتحانه للمؤمنين، ونصره لهم، وحاجتهم إلى الصبر والجهاد، وذكر فيها حسن العاقبة لمن صبر، وعاقبة من كذب الرسل؛ فذكر قصة إبراهيم لأنّها من النمط الأول، ونصرة الله له على قومه١.
وكذلك سورة الصافات قال فيها: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ ٢. وهذا يقتضي أنّها عاقبة رديئة؛ إمّا بكونهم غُلبوا وذلّوا، وإما بكونهم أُهلكوا. ولهذا ذكر فيها قصة إلياس، ولم يذكرها في غيرها، ولم يذكر هلاك قومه، بل قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلاَّ عِبَادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾ ٣. وإلياس قد رُوِيَ أنّ الله تعالى رفعه٤، وهذا يقتضي عذابهم في الآخرة؛ فإنّ إلياس لم
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . سورة العنكبوت، الآية ١٦. ٢ سورة الصافات، الآيات ٧١-٧٣. ٣ سورة الصافات، الآيتان ١٢٧-١٢٨. ٤ اختلف في إلياس، فذُكر عن ابن مسعود، وقتادة، ومحمد بن إسحاق، والضحاك: أنّ إلياس هو إدريس. وقيل: إلياس نبيّ بُعث إلى بني إسرائيل بعد مهلك حزقيل، فعبدوا الأصنام، ثم دعا الله عليهم، فحبس عنهم القطر ثلاث سنين، ثم سألوه أن يكشف ذلك عنهم، ووعدوه الإيمان به إن هم أصابهم المطر، فدعا الله تعالى لهم فجاءهم الغيث، فاستمروا على أخبث ما كانوا عليه من الكفر، فسأل الله أن يقبضه إليه فيُريحه منهم، فأمر إلياس أن يذهب إلى مكان كذا وكذا، فمهما جاءه فليركبه، ولا يهابه. فجاءته فرس من نار، فركب، وألبسه الله تعالى النور، وكساء الريش، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، وطار في الملائكة، فكان إنسيًا ملكيًا، أرضيًا سماويًا. انظر: جامع البيان ٢٣/٩١-٩٤. والجامع لأحكام القرآن ١٥/٧٦-٧٧. وتفسير القرآن العظيم ٣/١٩-٢٠. وقال ابن كثير ﵀ في آخر القصة: هكذا حكاه وهب بن منبه عن أهل الكتاب، والله أعلم بصحته. وانظر في رفعه ﵇: أعلام النبوة للماوردي ص ٨٩. وكذا البداية والنهاية ١/٣١٤-٣١٦،، ٢/٥.
[ ١ / ٢٠٨ ]
يقم فيهم، وإلياس المعروف بعد موسى١ من بني إسرائيل، وبعد موسى لم يهلك المكذبين بعذاب الاستئصال. وبعد نوح٢ لم يهلك جميع النوع. وقد بعث في كلّ أمة نذيرًا، والله تعالى لم يذكر قطّ عن قوم إبراهيم٣ أنهم أهلكوا، كما ذكر ذلك عن غيرهم، بل ذكر أنّهم ألقوه في النار، فجعلها الله عليه بردًا وسلامًا، وأرادوا به كيدًا، فجعلهم الله الأسفلين الأخسرين.
وفي هذا:
الوجه الثاني إظهار برهان النبي بالحجة والعلم والقدرة
ظهور برهانه، وآيته، وأنه أظهره عليهم بالحجة والعلم، وأظهره أيضًا [بالقدرة] ٤؛ حيث أذلهم ونصره. [وهذا من جنس المجاهد الذي هزم عدوه، وتلك من جنس المجاهد الذي قتل عدوه] ٥.
وإبراهيم بعد هذا لم يقم بينهم، بل هاجر وتركهم. وأولئك الرسل لم يزالوا مقيمين بين ظهراني قومهم حتى هلكوا، فلم يوجد في حق قوم إبراهيم سبب الهلاك؛ وهو إقامته فيهم، وانتظار العذاب النازل.
وهكذا محمد مع قومه لم يقم فيهم، بل خرج عنهم، حتى أظهره الله تعالى عليهم بعد ذلك.
الخليلان هما أفضل الرسل
ومحمد وإبراهيم أفضل الرسل فإنّهم إذا علموا [الدعوة] ٦ حصل المقصود.
_________________
(١) ١ في «ط» فقط: ﵇. ٢ في «ط» فقط: ﵇. ٣ في «ط» فقط: ﵇. ٤ في «ط» فقط: بالقدوة. ٥ ما بين المعقوفتين مكرّر في «خ» . ٦ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهي في «م»، و«ط» .
[ ١ / ٢٠٩ ]
وقد يتوب منهم١ من يتوب بعد ذلك؛ كما تاب من قريش من تاب.
وأما حال إبراهيم٢: فكانت إلى الرحمة أميل، فلم يَسْعَ في هلاك قومه، لا بالدعاء، ولا بالمقام، ودوام إقامة الحجة عليهم.
وقد قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ٣.
وكان كل قوم يطلبون هلاك نبيهم [فعوقبوا] ٤.
وقوم إبراهيم أوصلوه إلى العذاب، لكن جعله الله [تعالى] ٥ عليه بردًا وسلامًا، ولم يفعلوا بعد ذلك ما يستحقون به العذاب؛ إذ الدنيا ليست دار الجزاء التام، وإنّما فيها من الجزاء ما [تحصل] ٦ به الحكمة والمصلحة؛ كما في العقوبات الشرعية.
فمن أراد أعداؤه من أتباع الأنبياء أن يهلكوه فعصمه الله٧، وجعل صورة الهلاك نعمة في حقه، ولم يهلك أعداءه، بل أخزاهم، ونصره؛ فهو أشبه بإبراهيم٨.
_________________
(١) ١ من أقوام الأنبياء ﵈. ٢ في «ط» فقط: ﵇. ٣ سورة إبراهيم، الآيتان ١٣-١٤. ٤ في «م»، و«ط»: إلا عوقبوا. ٥ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» . ٦ في «خ»: يحصل. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ العبارة فيها لبس، ومعناها: أنّ من أتباع الأنبياء من يُريد أعداؤه أن يُهلكوه، ويعصمه الله منهم. ٨ جملة: (فهو أشبه إبراهيم): جواب الشرط. ومعناه: من أراد أعداؤه إهلاكه، وعصمه الله، وجعل صورة الهلاك نعمة في حقه، وأخزى أعداءه، فهو أشبه بإبراهيم ﵇.
[ ١ / ٢١٠ ]
وإذا عصمه من كيدهم، وأظهره حتى صارت الحرب بينه وبينهم سجالًا، ثم كانت العاقبة له، فهو أشبه بحال محمّد [ﷺ] ١؛ فإنّ محمدًا سيّد الجميع٢، وهو خليل الله٣؛ كما أن إبراهيم خليله.
والخليلان٤: هما أفضل الجميع، وفي طريقتهما من الرأفة والرحمة، ما ليس في طريقة غيرهما.
حكمة الرب تعالى في عقوبته لكل قوم بما يناسبهم
ولم يذكر الله عن قوم إبراهيم دينًا غير الشرك، وكذلك عن قوم نوح.
وأمّا عاد: فذكر عنهم التجبّر، وعمارة الدنيا.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين لا يوجد في «ط» . ٢ قال ﷺ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفّع". أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ٤/١٧٨٢، كتاب الفضائل، باب تفضيل نبينا ﷺ على جميع الخلائق، رقم ٢٢٧٨. والإمام أحمد في المسند ٢/٥٤٠. وقال ﷺ: "أنا سيد الناس يوم القيامة". أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، رقم ٣٣٤٠. والإمام مسلم في صحيحه، رقم ١٩٤. وقال ﷺ: "أنا سيد ولد آدم، ولا فخر". أخرجه الإمام أحمد في مسنده٣/٢، ١٤٤. وابن ماجه في سننه ٢/١٤٤٠، كتاب الزهد، باب ذكر الشفاعة. ٣ قال ﷺ: "إنّ الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا". أخرجه الإمام مسلم في صحيحه رقم ٥٣٢. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الخُلّة: هي كمال المحبة المستلزمة من العبد كمال العبودية لله، ومن الرب سبحانه كمال الربوبية لعباده الذين يُحبّهم ويُحبونه ولهذا لم يكن له ﷺ من أهل الأرض خليل؛ إذ الخلة لا تحتمل الشركة. فإنه كما قيل في المعنى: قد تخلّلت مسلك الروح مني وبذا سُمّي الخليل خليلًا. العبودية لابن تيمية ص ١٢٨. وانظر الشفا للقاضي عياض في الفرق بين المحبة والخلة ١/٢٧٩-٢٨٩. ٤ إبراهيم، ومحمد صلى الله عليهما وعلى آلهما وسلّم.
[ ١ / ٢١١ ]
وقوم صالح١: ذكر عنهم الاشتغال بالدنيا عن الدين، لم يذكر عنهم من التجبر ما ذكر عن عاد، وإنّما أهلكهم لما عقروا الناقة.
وأمّا أهل مدين: فذكر عنهم الظلم في الأموال، مع الشرك؛ ﴿قَالُوا يَا شُعَيبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ في أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ ٢.
وقوم لوط ذكر عنهم استحلال الفاحشة، ولم يذكروا بالتوحيد، بخلاف سائر الأمم. وهذا يدلّ على أنّهم لم يكونوا مشركين، وإنما ذنبهم استحلال الفاحشة، وتوابع ذلك. وكانت عقوبتهم أشد؛ إذ ليس في ذلك تديّن، بل شر يعلمون أنه شرّ٣.
وهذه الأمور تدلّ على حكمة الربّ، وعقوبته لكل قوم بما يناسبهم؛ فإنّ قوم نوحٍ أَغرقهم إذ لم يكن فيهم خيرٌ يُرجى.
_________________
(١) ١ في «ط» فقط: ﵇. ٢ سورة هود، الآية ٨٧. ٣ وقد وصفهم الله تعالى بصفات قبيحة؛ منها صفة العدوان على حدود الله، فقال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ . سورة الشعراء، الآية ١٦٥-١٦٦. ووصفهم بالجهل، قال تعالى: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ . سورة النمل، الآية ٥٥. ووصفهم بالإسراف في الشهوات، قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ . سورة الأعراف، الآية ٨١. وقال تعالى: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ . سورة العنكبوت، الآية ٢٩. وقال شيخ الإسلام ﵀ عن قوم لوط: "وكانوا كفارًا من جهات؛ من جهة استحلال الفاحشة، ومن جهة الشرك، ومن جهة تكذيب الرسل؛ ففعلوا هذا وهذا، ولكن الشرك والتكذيب مشترك بينهم وبين غيرهم، والذي اختصوا به الفاحشة، فلهذا عوقبوا عقوبة تخصهم، لم يعاقب غيرهم بمثلها، وجعل جنس هذه العقوبة هو الرجم".تفسير آيات أشكلت من القرآن ١/٣٩١.
[ ١ / ٢١٢ ]
فصل في آيات الأنبياء وبراهينهم
معنى آيات الأنبياء
[و] ١ هي الأدلة والعلامات المستلزمة لصدقهم.
الدليل مستلزم للمدلول
والدليل لا يكون إلاَّ مستلزما للمدلول عليه مختصًا به، لا يكون مشتركًا بينه وبين غيره؛ فإنّه يلزم من تحقّقه تحقّق المدلول. وإذا [انتفى] ٢ المدلول انتفى هو؛ فما يوجد مع وجود الشيء، ومع عدمه، لا يكون دليلًا عليه، بل الدليل ما لا يكون إلاَّ مع وجوده. فما وُجد مع النبوّة تارةً، ومع عدم النبوّة تارةً، لم يكن دليلًا على النبوّة، بل دليلها ما يلزم من وجوده وجودها.
اضطراب الناس في دليل النبوة
وهنا اضطرب الناس، فقيل: دليلُها جنسٌ يختصّ بها، وهو الخارق للعادة. فلا يجوز وجوده لغير نبيّ؛ لا ساحر، ولا كاهن، ولا وليّ٣؛ كما
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ في «خ»: انتفاء. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ الوَلِيّ: بمعنى مفعول في حق المطيع. فيقال: المؤمن ولي الله. المصباح المنير ٦٧٣. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والولاية ضدّ العداوة. وأصل الولاية: المحبة، والقرب. وأصل العداوة: البُغض والبُعد. وقد قيل: إنّ الوليّ سُمّي وليًّا من موالاته للطاعات؛ أي متابعته لها. والأول أصحّ. والوليّ: القريب فإذا كان وليّ الله هو الموافق، المتابع له فيما يُحبّه ويرضاه، ويُبغضه ويُسخطه، ويأمر به وينهى عنه، كان المعادي لوليه معاديًا له ". الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٩-١٠.
[ ١ / ٢١٣ ]
يقول ذلك من يقوله من المعتزلة١، [وغيرهم] ٢؛ كابن حزم٣، وغيره.
قول الأشاعرة
وقيل: بل الدليل هو الخارق للعادة، بشرط الاحتجاج به على النبوّة، والتحدّي بمثله. وهذا منتفٍ في السحر، والكرامة؛ كما يقول ذلك من يقوله من متكلمي أهل الإثبات٤؛ كالقاضيَيْن أبي بكر٥، وأبي يعلى٦، وغيرهما.
البيان: كتاب الباقلاني
وقد بسط القاضي أبو بكر٧ الكلام في ذلك، في كتابه المصنّف٨ في الفرق بين المعجزات، والكرامات، والحيل، والكهانات، والسحر، والنيرنجيات٩.
_________________
(١) ١ انظر المغني في أبواب التوحيد والعدل للقاضي عبد الجبار ١٥/١٨٩. ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ» . وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ انظر المحلى لابن حزم ١/٣٦. ٤ يعني الأشاعرة. وانظر قولهم في المعجزة، في: أصول الدين للبغدادي ص ١٧٥، ١٨٥. والإرشاد للجويني ص ٣٠٧-٣١٥. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٣٩. وشرح المقاصد للتفتازاني ٥/١١. ٥ الباقلاني. سبقت ترجمته. وانظر كلامه في كتابه البيان ص ١٩-٢٠، ٤٦-٤٩. وانظر: الإرشاد للجويني ص ٣١٢-٣١٣. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٠-١٧١. والمواقف للإيجي ص ٣٣٩-٣٤٠. ٦ سبقت ترجمته. ٧ الباقلاني. ٨ طبع هذا الكتاب أول مرة، ونشره الأب رتشرد يوسف مكارثي اليسوعي عام ١٩٥٨، في المكتبة الشرقية ببيروت. ٩ النِيرَنْج - بالكسر: أخذ كالسحر، وليس به، وإنما هو تشبيه، وتلبيس. انظر: اللسان ٢/٣٧٦. والقاموس المحيط ص ٢٦٥.
[ ١ / ٢١٤ ]
سبب الغلط عند المعتزلة والأشاعرة في دليل النبوة..
وهؤلاء [وهؤلاء] ١ جعلوا مجرّد كونه خارقًا للعادة هو الوصف المعتبر.
وفرقٌ بين أن يقال: لا بدّ أن يكون خارقًا للعادة، وبين أن يقال: كونه خارقًا للعادة هو المؤثّر؛ فإنّ الأول يجعله شرطًا لا موجبًا، والثاني يجعله موجبًا.
وفرقٌ بين أن يقال: العلم، والبيان، وقراءة القرآن، لا يكون إلاَّ من حيّ، وبين أن يقال: كونه حيًّا يُوجب أن يكون عالمًا قارئًا.
ومن هنا دخل الغلط على هؤلاء.
ليس في الكتاب والسنة لفظ المعجزة وخرق العادة
وليس في الكتاب والسنة تعليق الحكم بهذا الوصف، بل ولا ذكر خرق العادة، ولا لفظ المعجز، وإنّما فيه آيات وبراهين٢، وذلك يوجب اختصاصها بالأنبياء.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ساقطٌ من «م»، و«ط» . ٢ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وهذه الألفاظ إذا سمّيت بها آيات الأنبياء كانت أدلّ على المقصود من لفظ المعجزات. ولهذا لم يكن لفظ (المعجزات) موجودًا في الكتاب والسنة، وإنما فيه لفظ (الآية)، و(البينة)، و(البرهان)؛ كما قال تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ..﴾ . [سورة القصص ٣٢] في العصا، واليد. وقال تعالى في حق محمد ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ . [سورة النساء، آية ١٧٤] ) . ثمّ ذكر ﵀ الآيات القرآنية الدالّة على أنّ الآيات النبوية تُسمّى براهين، ثمّ قال ﵀: (وأما لفظ الآيات فكثير في القرآن) ثمّ استشهد بآيات كثيرة، منها قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ . [سورة الإسراء، آية ١٠١] انظر الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح ٥/٤١٢-٤١٩. وانظر قاعدة في المعجزات والكرامات لشيخ الإسلام ﵀ ص ٧.
[ ١ / ٢١٥ ]
شرط المعجزة عند الأشاعرة
وأيضًا: فقالوا في شرطها: أن لا يقدر عليها إلا الله، لا [تكون] ١ مقدورة للملائكة، ولا للجنّ، ولا للإنس؛ بأن يكون جنسها ممّا لا يقدر عليه إلا الله٢؛ كإحياء الموتى، وقلب العصا حية.
وإذا كانت من أفعال العباد لكنها خارقة للعادة؛ مثل حمل الجبال، والقفز من المشرق إلى المغرب، والكلام المخلوق الذي يقدر على مثله البشر، ففيه لهم قولان:
أحدهما: أنّ ذلك يصح أن يكون معجزة.
والثاني: أن المعجزة إنّما هي إقدار المخلوق على ذلك؛ بأن [يخلق] ٣ فيه قدرة [خارجة] ٤ عن قدرته المعتادة٥.
مناقشة الباقلاني في تعريف المعجزة
وهذا اختيار القاضي أبي بكر٦، ومن اتبعه؛ كالقاضي [أبي يعلى] ٧.
_________________
(١) ١ في «خ»: يكون. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٨، ١٩، ٥٧. ٣ في «خ»: خلق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: خارقة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ وقال عبد القاهر البغدادي - من الأشاعرة -: "قال أصحابنا: أكثر المعجزات من أفعال الله تعالى لا يقدر على جنسها غيره؛ كإحياء الأموات، وإبراء الأكمه، والأبرص، وقلب العصا حية، وفلق البحر، وإمساك الماء في الهواء، وتشقق القمر، وإنطاق الحصى، وإخراج الماء من بين الأصابع، ونحو ذلك. ومنها ما هو خلق لله اختراعًا وكسبًا لصاحب المعجزة؛ كإقداره إنسانًا على الطفر إلى السماء، وعلى قطع المسافة البعيدة في الساعة القصيرة، وعلى إطلاق لسان الأعجمي بالعربية، ونحو ذلك، مما لم يجر العادة به". أصول الدين للبغدادي ص ١٧٦-١٧٧. وانظر: شرح المقاصد للتفتازاني ٥/١٧. والإرشاد للجويني ص ٣٠٨-٣٠٩. ٦ الباقلاني. انظر: كتابه البيان ص ١٤-١٥، ٢٠، ٢٣، ٣٤. ٧ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ»، وهو في «م»، و«ط» .
[ ١ / ٢١٦ ]
وظنوا أن هذا يوجب طرد قولهم أنّها لا تكون مقدورة لغير الله، بخلاف القول الأول؛ فإنه تقع فيه شبهة إذ كان الجنس معتادا. وإنّما الخارق هو الكثير الخارج عن العادة.
الفرق بين المعجزة وغيرها عند الأشاعرة
وهذا الفرق الذي ذكره ضعيفٌ، فإنّه إذا كان قادرًا على اليسير، فَخَرَقَ العادة في قدرته، حتى جعله قادرًا على الكثير، فجنس القدرة معتاد مثل جنس المقدور، وإنّما خُرقت العادة بقدرة خارجة عن العادة؛ كما خرقت بفعل خارج عن القدرة. وعنده أنّ خلقَ القدرة خلقٌ لمقدورها، والقدرة عنده مع الفعل، فلا فرق.
وهذا القول، وهو: أنّ المعجزة لا تكون إلاَّ مقدورة للرب، لا للعباد: قولُ كثيرٍ من أهل الكلام؛ من القدرية١، والمثبتة للقدر، وغيرهم.
دليل الأشاعرة علىامتناع أن تكون هذه الخوارق لغير الله
ثمّ إنّهم لمّا طُولبوا بالدليل على أنّه لا يجوز أن تقدر العباد على مثل: إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، ونحو ذلك مما ذكروا أنّه يمتنع أن يكون مقدورًا لغير الله، اعتمدوا في الدلالة على (أنّ القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده)، فلو جاز أن يكون العبد قادرًا على هذه الأمور، لوجب أن لا يخلو من ذلك ومن ضده؛ وهو العجز، أو القدرة على ضدّ
_________________
(١) ١ القدرية من الألفاظ المشتركة. فالقدرية النفاة هم الذين ينفون الإرادة عن الله تعالى، ويقولون بأنّ العبد يخلق فعل نفسه. وهذا المعروف من معتقد المعتزلة في القدر. والقدرية المثبتة الذين يجعلون العبد مجبورًا على أفعاله. قال شارح الطحاوية: "وسمّوا قدرية لإنكارهم القدر. وكذلك تسمى الجبرية المحتجون بالقدر قدرية أيضًا، والتسمية على الطائفة الأولى أغلب". شرح الطحاوية ص ٧٩. وقد قسّم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ القدرية إلى ثلاثة أصناف:
(٢) القدرية المشركية. ٢- والقدرية المجوسية. ٣- والقدرية الإبليسيّة. انظر: مجموع الفتاوى ٨/٢٥٦-٢٦١.
[ ١ / ٢١٧ ]
ذلك الفعل؛ كما يقولونه في فعل العبد:
المعجزات عند الأشاعرة هي ما تعجز قدرات العباد عنها
إنّه إذا لم يقدر على الفعل، فلا بُدّ أن يكون عاجزًا، أو قادرًا على ضدّه.
هذا احتجاج من يقول القدرة مع الفعل١، والقدرة عنده لا تصلح للضدّين؛ كالأشعرية، فيقول: لا يخلو من القدرة، أو العجز، فهذه مقدمة.
والمقدمة الثانية: ونحن لا نحسّ من أنفسنا عجزًا عن إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، ونحو هذه الأمور، لكنّا غير قادرين عليها، ولا يجوز أن نقدر عليها. وهؤلاء يقولون: لا يكون الشيء عاجزًا إلاَّ عمّا يصحّ أن يكون قادرًا عليه، [بخلاف ما لا يصحّ أن يكون قادرًا عليه] ٢، فلا يصحّ أن يكون عاجزًا عنه. ولهذا قالوا: لا ينبغي أن تُسمّى هذه معجزات؛ لأنّ ذلك يقتضي أنّ الله أعجز العباد عنها، وإنما يعجز العباد عما يصحّ قدرتهم عليه. هذا٣ كلام القاضي أبي بكر، ومن وافقه٤.
رد شيخ الإسلام عليهم
وكلا المقدمتين دعوى مجردة لم يقم على واحدة منها حجة. فكيف يجوز أن يكون الفرق بين المعجزة وغيرها مبنيًّا على مثل هذا الكلام الذي
_________________
(١) ١ هذا قول الأشاعرة. انظر: التمهيد للباقلاني ص ٤٦. والإرشاد للجويني ص ٢١٩-٢٢٠. ويقصد شيخ الإسلام ﵀ بهذا الكلام أن يُبيّن أنّهم يقولون: القدرة تكون مع الفعل، لا كما يقوله أهل السنة والجماعة: أنّ القدرة تكون قبل الفعل، ومع الفعل. انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/٦٠-٦٢،، ٩/٢٤١-٢٤٢. ومجموع الفتاوى ٨/١٢٩-١٣٠، ٢٩٠-٢٩٢، ٣٧١-٣٧٦، ١٠/٣٢، ١٨/١٧٢-١٧٣. وشرح الطحاوية ص ٤٥. ٢ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ»، وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «ط» فقط: وهذا. ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٨-١٢.
[ ١ / ٢١٨ ]
ينازعه فيه أكثر العقلاء، ولو كان صحيحًا لم يفهم إلا بكلفة، ولا يفهمه إلا قليلٌ من الناس. فكيف إذا كان باطلًا.
والذين آمنوا بالرسل لِمَا رأوه، وسمعوه من الآيات، لم يتكلموا بمثل هذا الفرق، بل ولا خطر بقلوبهم.
متأخروا الأشاعرة حذفوا القيد الذي وضعه المتقدمون
ولهذا لما رأى المتأخرون ضعف هذا الفرق؛ كأبي المعالي١، والرازي٢، والآمدي٣، وغيرهم حذفوا هذا القيد؛ وهو كون المعجزة مما ينفرد الباري بالقدرة عليها، وقالوا: كلّ حادثٍ، فهو مقدورٌ
_________________
(١) ١ هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني الشافعيّ، الملقّب إمام الحرمين. أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي. متفنّن في العلوم من الأصول والفروع. وألّف العقيدة النظامية على عقيدة أهل التفويض. ويعتبر من أعلام الأشاعرة كان مولده سنة ٤١٩؟، وتوفي سنة ٤٧٨؟، ودفن بنيسابور. انظر: البداية والنهاية ١٢/١٢٨. ووفيات الأعيان ٣/١٦٧. وشذرات الذهب٣/٣٥٨، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة: ٢/٦٠٢. ٢ هو محمد بن عمر بن الحسن التيمي البكري الرازي، الإمام المفسّر. كان يُحسن الفارسية، وكان واعظًا بارعًا بها وبالعربية أيضًا. له كتاب «مفاتيح الغيب» في تفسير القرآن الكريم. وله مؤلفات عديدة. وهو من علماء الأشاعرة، وممن خلطوا الكلام بالفلسفة، وُلد في الريّ سنة ٥٤٤؟، وتوفي في وهران سنة ٦٠٦؟. انظر: وفيات الأعيان ٤/٢٤٨٨. وشذرات الذهب ٥/٢١. والأعلام ٧/٢٠٣، وموقف شيخ الإسلام ابن تيمية من الأشاعرة: ٢/٦٦٢. ٣ هو أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سلم التغلبي. الفقيه الأصولي، الملقب سيف الدين. كان حنبليًا، ثمّ صار شافعيًا. ويعتبر من علماء الأشاعرة، وممن خلطوا الكلام بالفلسفة، له نحو من عشرين مؤلفًا. قال عنه ابن كثير: كان حسن الأخلاق، سليم الصدر، كثير البكاء، تكلموا فيه بأشياء، الله أعلم بصحتها، والذي يغلب على الظنّ أنّه ليس لغالبها صحة. وُلد سنة ٥٥١؟، ومات سنة ٦٣١؟. انظر: وفيات الأعيان ٣/٢٩٣. والبداية والنهاية ١٣/١٤٠. وشذرات الذهب ٥/١٤٤. ومعجم المؤلفين ٧/١٥٥، وموقف شيخ الإسلام من الأشاعرة: ٢/٦٧٩.
[ ١ / ٢١٩ ]
للربّ١، وأفعال العباد هي أيضًا مقدورة للرب، وهو خالقها، والعبد ليس خالقًا لفعله؛ فالاعتبار بكونها خارقة للعادة قد استدلّ بها على النبوّة، وتحدّى بمثلها، فلم يمكن أحدًا معارضة هذه القيود الثلاثة، وحذفوا ذلك القيد.
كلام الباقلاني في الفرق بين المعجز والسحر
وزعم القاضي أبو بكر أنّ ما يُستدلّ به على أنّ المعجزات يمتنع دخولها تحت قدر العباد لا يصحّ على أصول القدرية. وبَسَطَ القول في ذلك بكلام يصح بعضه دون بعض؛ كعادته في أمثال ذلك٢، ثمّ جعل هذا الفرق: هو الفرق بين المعجزات، وبين السحر، والحيل؛ فقال: وأمّا على قولنا إن المعجز لا يكون إلا من مقدورات القديم، ومّما يستحيل دخوله، ودخول مثله تحت قدر العباد، فإذا كان كذلك، استحال أن يفعل أحدٌ من الخلق شيئًا من معجزات الرسل، أو ما هو من جنسها؛ لأنّ المحتال إنّما يحتال ويفعل ما يصح دخوله تحت قدرته، دون ما يستحيل كونه مقدورا له٣.
قال: "وأمّا٤ القائلون بأنّه يجوز٥ أن يكون في٦ معجزات الرسل ما يدخل جنسه تحت قُدَرِ العباد، وإن لم يقدروا على كثيره، وما يخرق العادة منه، فإنّهم٧ يقولون: قد علمنا أنه لا حيلة ولا شيء من٨ السحر يمكن
_________________
(١) ١ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣١٩، ٣٢٢. ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٦٦-٧٠. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ٧٢-٧٣. ٤ في البيان: فأما. ٥ في البيان: قد يجوز. ٦ في البيان: من. ٧ في البيان: فإنهم أيضًا. ٨ في البيان: في.
[ ١ / ٢٢٠ ]
أن يتوصل به الساحر، والمشعبذ١ إلى فعل الصعود في٢ السماء، [والطَفَرِ] ٣ من المشرق إلى المغرب٤. [وقَفْزُ] ٥ الفراسخ الكثيرة، والمشي على الماء، وحمل الجبال الراسيات: هذا٦ أمرٌ لا يتم بحيلة محتال ولا [سحر] ٧ ساحر٨"٩.
وتكلّم على إبطال قول من قال: إنّ السحر لا يكون إلا تخييلًا، لا حقيقة له، وذكر أقوال العلماء [والآثار عن الصحابة بأنّ السّاحر يُقتل بسحره١٠،
١ الشعبذة، والشعوذة: اللعب بخفة. يرى الإنسان منه الشيء بغير ما عليه أصله في رأي العين؛ أي يرى ما ليس له حقيقة. والمشعبذ هو المشعوذ.
انظر: لسان العرب ٣/٤٩٥. والمصباح المنير١/٣١٤. والقاموس المحيط ص ٤٢٧.
٢ في البيان: إلى.
٣ في «م»، و«ط»: ولا قفز.
والطفر: هو القفز، والوثوب في ارتفاع. وعُرف بين المتكلمين: النظرية التي تُخالف العقل، والتي اشتهر بها النظّام، فيُقال: طفرة النظام. انظر القاموس المحيط ص ٥.
وسيأتي معنى الطفرة عند النظام.
٤ في البيان: من الشرق إلى الغرب.
٥ في «م»، و«ط»: ولا طفر.
٦ في البيان: هذا زعموا.
٧ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» .
٨ في البيان: لا يتمّ بحيلة ساحر ولا محتال.
٩ البيان للباقلاني ص ٧٣.
١٠ ومن آثار الصحابة الدالّة على قتل الساحر:
_________________
(١) قول عمر بن الخطاب ﵁ قبل موته بسنة: «اقتلوا كلّ ساحر» . قال الراوي: فقتلنا في يوم واحدٍ ثلاث سواحر. أخرجه أبو داود ٣/٤٣١-٤٣٢، وقال عنه الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: إسناده حسن. انظر تيسير العزيز الحميد ص ٣٩١-٣٩٢.
(٢) وما رواه الإمام مالك من أنّ حفصة زوج النبيّ ﷺ قتلت جارية لها سحرتها، وقد كانت دبرتها، فأمرت بها فقتلت. موطأ مالك ٢/٨٧١.
(٣) وما رواه البخاري في تاريخه الكبير: "كان عند الوليد رجل يلعب، فذبح إنسانًا وأبان رأسه، فجاء جندب الأزدي فقتله". التاريخ الكبير للبخاري، القسم الثاني من الجزء الأول، ص ٢٢٢. وانظر: هذه الآثار في أضواء البيان ٤/٤٦١.
[ ١ / ٢٢١ ]
وقولٌ] ١ أنّه يُقتل حدًّا عند أكثرهم، وقصاصًا عند بعضهم٢. [ثمّ قال٣
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٧٤-٨٧. وقد اتفق الأئمة الأربعة على قتل الساحر كفرًا إذا تضمّن سحره الكفر. أما إن قتل بسحره إنسانًا، ولم يكن سحره متضمنًا الكفر، فإنه يُقتل عند مالك، والشافعيّ، وأحمد ﵏. أما أبو حنيفة ﵀ فقال: "لا يُقتل حتى يتكرّر منه ذلك، أو يقرّ بذلك في حقّ شخص معيّن". وإذا قتل، فإنه يقتل حدًا عندهم، إلا الشافعيّ، فإنّه قال: يُقتل والحالة هذه قصاصًا. أما هل يقتل الساحر بمجرد فعله السحر، واستعماله، فقال مالك، وأبو حنيفة، ورواية عن أحمد: يقتل. وقال الشافعيّ: "الساحر إذا كان يعمل في سحره، ما يبلغ به الكفر، يُقتل. فإذا عمل عملًا دون الكفر لم نر عليه قتلًا". وهو رواية عن أحمد. انظر: المغني ١٢/٣٠٢. وفتح الباري ١٠/٢٤٧. وتيسير العزيز الحميد ص ٣٩١. وتفسير القرآن العظيم ١/١٤٧. وشرح النووي على صحيح مسلم ١٤/١٧٦. وتفسير القرطبي ٢/٢٣. وأضواء البيان ٤/٤٥٦-٤٥٧. ٣ أي الباقلاني. قال هذا في البيان ص ٩٣.
[ ١ / ٢٢٢ ]
[ثم قال١:
فصل القول في الفصل بين المعجز والسحر] ٢.
وهو لم يفرق بين الجنسين، بل يجوز أن يكون ما هو معجزةٌ للرسول يظهر على يد الساحر. لكن قال: الفرق: هو (تحدّي الرسول٣ بالإتيان بمثله، وتقريع مخالفه، بتعذر [مثله] ٤ عليه، فمتى وجد الذي٥ ينفرد الله بالقدرة عليه٦، من غير تحدٍّ منه٧، واحتجاج لنبوته بظهوره، لم يكن معجزًا. وإذا كان٨ كذلك، خرج السحر عن أن يكون معجزًا ومشبهًا لآيات الأنبياء٩، [و] ١٠ كان١١ ما يظهر عند فعل الساحر، من جنس
_________________
(١) ١ أي: الباقلاني. قال هذا في البيان ص ٩٣. ٢ ما بين المعقوفتين في «ط» فقط هكذا: (باب القول في الفصل بين المعجز والسحر. ثمّ قال) . وهو مخالف لما في «خ»، و«م» . ٣ في البيان: ﵇. ٤ في «خ»: مثلثه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ في البيان: وجد الشيء الذي. ٦ في البيان زيادة: على حدّ العادة. ٧ في البيان: على غير تحدي نبيّ به. ٨ في البيان: كان ذلك. ٩ في البيان: الرسل. ١٠ في «خ»: ولو. وما أثبت من «م»، و«ط» . ١١ في البيان: وإن كان.
[ ١ / ٢٢٥ ]
بعض معجزات الرسل، وما يفعله الله١ عند تحديهم به.
غير أنّ الساحر إذا احتج بالسحر، وادعى به النبوة، أبطله الله بوجهين) ٢:
أحدهما: أن ينسيه عمل السحر، أو لا يفعل عند سحره شيئًا في المسحور؛ من موتٍ، أو سقم، أو بغض، ولم يخلق فيه الصعود إلى جهة العلو، والقدرة على الدخول في بقرة. فإذا منعه هذه الأسباب بطل السحر٣.
والثاني: [أنّ الساحر] ٤ تمكن معارضته؛ فإن أبواب السحر معلومة عند السحرة. فإذا تحدى ساحر بشيء يفعل عند سحره، لم يلبث أن يجد خلقًا من السحرة يفعلون مثل فعله، ويعارضونه بأدقّ وأبلغ ممّا أورده٥
"والرسول٦ إذا ظهر عليه مثل ذلك، وادعاه آية له، قال لهم: هذا آيتي وحجتي، ودليل ذلك: أنّكم لا تقدرون على مثله، ولا يفعله الله٧ في وقتي هذا، ومع تحدّيّ٨ ومطالبتي بمثله عند سحر ساحر، وفعل كاهن.
_________________
(١) ١ في البيان: تعالى. ٢ البيان للباقلاني ص ٩٤. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٥. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٥ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٥. ٦ في البيان: ﵇. ٧ في البيان: سبحانه. ٨ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والتحدي هو أن يحدوهم؛ أي يدعوهم، فيبعثهم إلى أن يُعارضوه، فيُقال فيه: حداني على هذا الأمر؛ أي بعثني عليه. ومنه سمّي حادي العيس؛ لأنه بحداه يبعثها على السير. وقد يُريد بعض الناس بالتحدي دعوى النبوة، ولكنه أصله الأول. قال تعالى في سورة الطور: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ". [سورة الطور، الآيتان ٣٤-٣٥] ) . الجواب الصحيح ٥/٤٢٢-٤٢٣.
[ ١ / ٢٢٦ ]
وقد كان١ يظهر من سحرتكم وكهانكم، وهي آية لا تظهر٢ اليوم على أحد من الخلق، وإن دقّ سحره، وعظم في الكهانة٣ علمه. فإذا ظهر ذلك عليه، وامتنع ظهور مثله على يد ساحرٍ أو كاهن، مع أنّه قد كان يظهر٤ من قبل، صار هذا٥ [خرقًا] ٦ عادة البشر، وعادة السحرة والكهنة٧ خاصّة" ٨.
قال: ولم يبعد أن يقال: هذه الآية أعظم من غيرها، وأنّ لها فضل مزية٩. ذكر هذا بعد أن قال: فإن قال قائل: فإذا أجزتم أن يكون من عمل السحر ما يفعل الله عنده سقم الصحيح وموته، ويفعل عنده بغض المحب وحب المبغض، وبغض الوطن والردّ إليه من السفر، وضيق الصدر والعجز عن الوطء بالربط والشدّ الذي [يعمله] ١٠ السحرة، والصعود في جهة العلو على خيط أو بعض [الآلة] ١١. [فما] ١٢ الفصل بين هذا، وبين معجزات الرسل؟ وكيف ينفصل - مع ذلك - المعجزات من السحر؟ ويمكن
_________________
(١) ١ في البيان: كان مثل هذا. ٢ في البيان: وآيتي أنه لا يظهر اليوم. ٣ في البيان: في النهاية. ٤ في البيان: يظهر ذلك. ٥ في البيان: ذلك. ٦ كذا في البيان للباقلاني. وهي في جميع النسخ: خرقٌ. ٧ في البيان: عادة الكهنة والسحرة - تقديم وتأخير. ٨ البيان للباقلاني ص ٩٥-٩٦. ٩ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٥-٩٦. ١٠ في «م»، و«ط»: يعلمه. ١١ في «م»، و«ط»: الآلات. ١٢ في «م»، و«ط»: في.
[ ١ / ٢٢٧ ]
الفرق بين النبي والساحر؟؛ أوليس لو قال نبي مبعوث: إنّي أصعد على هذا الخيط نحو السماء، وأدخل جوف هذه البقرة وأخرج، وإني أفعل فعلًا أفرّق به بين المرء وزوجه، وأفعل فعلًا أقتل به هذا الحي وأسقم هذا الصحيح. فهل كان يكون ذلك لو ظهر على يده آية ودليلًا على صدقه؟ [فما] ١ الفصل إذًا بين السحر والمعجز٢.
كلام الباقلاني في الفرق بين المعجزة والسحر هو عمدة الأشاعرة
ثم قال في الجواب: يُقال له: جواب هذا قريبٌ، وذلك أنّا قد بيّنا في صدر هذا الكتاب٣ أنّ من حق [المعجز أن] ٤ لا يكون معجزًا، حتى يكون واقعًا من فعل الله على وجه خرق عادة البشر، مع تحدي الرسول بالإتيان إلى آخر ما كتب٥.
قلت: هذا عمدة القوم، ولهذا طعن الناس في طريقهم، وشنع عليهم ابن حزم٦ وغيره.
مناقشة شيخ الإسلام لكلام الباقلاني في الفرق بين المعجزة والسحر
وذلك أن هذا الكلام مستدرك من وجوه:
أحدها: أنّه إذا جوز أن يكون ما ينفرد الرب بالقدرة عليه على قوله: يأتي به النبيّ تارة، والساحر تارة، ولا فرق بينهما إلا دعوى النبوّة، والاستدلال به، والتحدي بالمثل، فلا حاجة إلى كونه مما انفرد الباري
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: وما. ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٣-٩٤. ٣ يشير الباقلاني إلى أول كتابه «البيان» . ٤ في «م»، و«ط»: المعجزات. ٥ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤. ٦ انظر بعض كتب ابن حزم؛ مثل: كتاب الدرة فيما يجب اعتقاده ص ١٩٥-١٩٧. والأصول والفروع ٢/١٣٢-١٣٤. وكتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل ٥/٢-٩. والمحلى ١/٣٦.
[ ١ / ٢٢٨ ]
بالقدرة عليه، لا سيما وقد ظهر ضعف الفرق بين ما يمتنع قدرة العباد عليه، وما لا يمتنع. ولهذا أعرض المتأخرون عن هذا القيد١.
لا تكون المعجزة عند الأشاعرة إلا إذا استدل بها واقترن بها دعوى نبوة..
والوجه الثاني: وبه تنكشف حقيقة طريقهم أنه على هذا لم [تتميز] ٢ المعجزات بوصف تختص به، وإنما امتازت باقترانها [بدعوى] ٣ النبوة. وهذا حقيقة قولهم، وقد صرّحوا به٤.
فالدليل والبرهان إن استدلّ به كان دليلًا، وإن لم يستدلّ به لم يكن دليلًا، وإن اقترنت به الدعوى، كان دليلًا، وإن لم تقترن به الدعوى، لم يكن دليلا عندهم. ولهذا لم يجعلوا دلالة المعجز دلالة عقلية، بل دلالة وضعية٥؛ كدلالة الألفاظ بالاصطلاح.
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام - فيما سبق من هذا الكتاب -: "ولهذا لما رأى المتأخرون ضعف هذا الفرق؛ كأبي المعالي، والرازي، والآمدي، وغيرهم، حذفوا هذا القيد، وهو كون المعجزة مما ينفرد الباري بالقدرة عليها. وقالوا: كلّ حادث فهو مقدور للربّ، وأفعال العباد هي أيضًا مقدورة للرب". انظر ص ١٩٤. ٢ في «خ»: يتميز. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «م»، و«ط»: بدعوة. ٤ انظر: شرح المقاصد ص ١١. والمواقف للإيجي ص ٣٣٩. والإرشاد للجويني ص ٣٠٧-٣١٥. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٠-١٧١. ٥ الدلالة اللفظية الوضعية: هي كون اللفظ بحيث متى أُطلق، أو تُخيّل، فُهم منه معناه للعلم بوضعه. وهي المنقسمة إلى المطابقة، والتضمن، والالتزام. لأنّ اللفظ الدالّ بالوضع يدلّ على تمام ما وضع له بالمطابقة، وعلى جزئه بالتضمّن، وعلى ما يلازمه في الذهن بالالتزام؛ كالإنسان؛ فإنّه يدلّ على تمام الحيوان الناطق بالمطابقة، وعلى جزئه بالتضمّن، وعلى قابل العلم بالالتزام. انظر: التعريفات للجرجاني ص ١٤٠. وانظر: الإرشاد للمفيد ص ٣٢٤.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وهذا مستدرك من وجوه:
رد شيخ الإسلام عليهم من تسعة وجوه..
منها: أنّ كون آيات الأنبياء مساوية في الحدّ١ والحقيقة [لسحر] ٢ السحرة، أمرٌ معلوم الفساد بالاضطرار من دين الرسل.
الثاني: أنّ هذا من أعظم القدح في الأنبياء، [إذ] ٣ كانت آياتهم من جنس سحر السحرة، وكهانة الكهان.
الثالث: أنّه على هذا التقدير لا [يبقى] ٤ دلالة؛ فإنّ الدليل ما يستلزم المدلول، ويختصّ به. فإذا كان مشتركًا بينه وبين غيره، لم يبق دليلًا. فهؤلاء قدحوا في آيات الأنبياء، ولم يذكروا دليلًا على صدقهم.
الرابع: أنه على هذا التقدير يمكن الساحر دعوى النبوة. وقوله: أنه عند ذلك يسلبه الله القدرة على السحر، أو يأتي بمن يعارضه٥: دعوى مجردة؛ فإنّ المنازع يقول: [لا نسلم] ٦ أنه إذا ادعى النبوة فلا بدّ أن يفعل الله ذلك، لا سيما على أصله؛ وهو: أنّ الله يجوز أن يفعل كل مقدور٧، وهذا مقدور للرب فيجوز أن يفعله. وادعى أن ما يخرق العادة من الأمور
_________________
(١) ١ الحدّ: قول دالّ على ماهية الشيء. التعريفات ص ١١٢. ٢ في «م»، و«ط»: بسحر. ٣ في «م»، و«ط»: إذا. ٤ في «م»، و«ط»: تبقى. ٥ انظر البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٥. ٦ في «خ»: يسلم. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ انظر: البيان للباقلاني ص٨١-٨٢، ٨٨-٩٠. والتمهيد للباقلاني ص ٣١٧-٣٢٢، ٣٨٥-٣٨٦. والإرشاد للجويني ص ٣١٩، ٣٢٢، ٣٢٦. والاقتصاد للغزالي ص ١١٦-١١٨. وقواعد العقائد له ص ٦١. والمواقف للإيجي ص ٣٢٨-٣٣١.
[ ١ / ٢٣٠ ]
الطبيعية، والطلسمات١، هي كالسحر.
فقال: ولأجل ذلك لم تلتبس آيات الرسل بما يظهر من جذب حجر المغناطيس٢، وما يوجد ويكون عند كتب الطلسمات٣. قال: وذلك أنّه لو ابتدأ نبيّ بإظهار حجر المغناطيس، لوجب أن يكون ذلك آية له. ولو أنّ أحدًا أخذ هذا الحجر، وخرج إلى بعض البلاد، وادّعى أنّه آية له عند من لم يره، ولم يسمع به، لوجب أن ينقضه الله عليه بوجهين.
أحدهما: أن يؤثر دواعي خلق من البشر إلى حمل جنس تلك الحجارة إلى ذلك البلد. وكذلك سبيل الزناد الذي يقدح النار، وتعرفه العرب٤. وكذلك سبيل الطلسمات التي يقال أنها تنفي الذباب، والبقّ، والحيّات٥.
_________________
(١) ١ الطلسم: لفظ يوناني. وهو في علم السحر خطوط وأعداد يزعم كاتبها أنه يربط بها روحانيات الكواكب العلوية بالطبائع السفلية، لجلب محبوب، أو دفع أذى. انظر المعجم الوسيط / مادة طلسم ٢/٥٦٨. ٢ حجر المغناطيس: هو حجر له خاصيّة جذب الحديد ومعادن أخرى؛ كالكوبالت، والكروم، والنيكل. وهذا الجسم يوجد بكثرة في بلاد السويد، والنورفيج، وأواسط تركيا. وإذا عُلّق المغناطيس تعليقًا حُرًّا فإنّه يأخذ اتجاهًا ثابتًا دائمًا نحو الشمال. انظر: الموسوعة العربية الميسرة ١٧٢٦. ودائرة معارف القرن العشرين ٩/٢٨٢. ٣ انظر البيان للباقلاني ص ٧٠. ٤ الزند: العود الذي يقدح به النار، وهو الأعلى. والزندة: السفلى، فيها ثقب، وهي الأنثى. فإذا اجتمعا قيل زندان، ولم يقل زندتان. انظر: الصحاح ٢/٤٨١. والقاموس ٣٦٤. والمصباح المنير ٢٥٦. ٥ قال ابن حزم ﵀: "وأما السحر فإنه ضروب، منه ما هو من قبل الكواكب؛ كالطابع المنقوش فيه صورة عقرب في وقت كون القمر في العقرب، فينفع إمساكه من لدغة العقرب. ومن هذا الباب كانت الطلسمات، وليست إحالة طبيعة، ولا قلب عين، ولكنها قوى ركبها الله ﷿ مدافعة لقوى أخر؛ كدفع الحرّ للبرد، ودفع البرد للحرّ؛ وكقتل القمر للدابة الدبرة إذا لاقى الدبرة ضوءه إذا كانت دبرتها مكشوفة للقمر. ولا يمكن دفع الطلسمات لأننا قد شاهدنا بأنفسنا آثارها ظاهرة إلى الآن من قرى لا تدخلها جرادة، ولا يقع فيه برد ". إلى أن قال: "ومنه ما يكون بالخاصة؛ كالحجر الجاذب للحديد، وما أشبه ذلك. ومنه ما يكون لطف يد..". الفصل في الملل والأهواء والنحل ٥/٤.
[ ١ / ٢٣١ ]
والوجه الآخر: أن لا يفعل الله عند ذلك ما كان يفعله من قبل١، فيقال: هذه دعوى مجردة.
ومما يوضح ذلك:
الباقلاني جعل حجر المغناطيس والطلسمات من جنس معجزات الأنبياء.. والرد عليه
الوجه الخامس: وهو أن جعل قدح الزناد، وجذب حجر المغناطيس، والطلسمات من جنس معجزات الأنبياء، وأنه لو بعث نبيّ ابتداء، وجعل ذلك آية له، جاز ذلك: غلطٌ عظيمٌ، وعدم علم بقدر معجزات الأنبياء وآياتهم. وهذا إنما أتاهم حيث جعلوا جنس الخارق هو الآية٢؛ كما فعلت المعتزلة. وأولئك٣ كذبوا بوجود ذلك لغير الأنبياء، وهؤلاء٤ ما أمكنهم تكذيب ذلك؛ لدلالة الشرع، والأخبار المتواترة، والعيان على وجود حوادث [من هذا النوع] ٥، فجعلوا [الفرق] ٦ افتراق الدعوى، والاستدلال، والتحدي [دون الخارق] ٧. ومعلومٌ أن ما ليس بدليل
_________________
(١) ١ انظر البيان للباقلاني ص ٩٨-١٠٠. وقال بعد ذلك: "فلو ادّعى بعضها مدّع لوفّر الله سبحانه دواعي خلق من عباده العالمين بها على معارضة ذلك الرجل، وإظهار مثل قوله". ٢ أي أنهم حصروا المعجزة في الخارق. ٣ يقصد المعتزلة. انظر المغني في أبواب التوحيد والعدل ١٥/١٨٩. ٤ يقصد الأشاعرة. انظر الإرشاد للجويني ص ٣١٩. ٥ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٦ في «خ»: الفراق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ في «خ»: والخارق. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٢٣٢ ]
لا يصير دليلًا بدعوى المستدلّ أنّه دليل.
الذين ادعوا النبوة ظهرت لهم خوارق ولم يعارضهم أحد
وقد بسط الكلام في ذلك، وجوز أن [تظهر] ١ المعجزات على يد كاذب٢، إذا خلق الله مثلها على يد من يعارضه؛ فعمدته سلامتها من المعارضة بالمثل، مع أن المثل عنده موجود، وآيات الأنبياء لها أمثال كثيرة لغير الأنبياء، لكن يقول٣ إنّ من ادّعى الإتيان؛ فإما أن لا يظهرها الله على يديه، وإما أن [يُقيّض] ٤ من يعارضه بمثلها. هذا عمدة القوم، وليس فرقًا حقيقيًا بين النبيّ والساحر، وإنّما هو مجرّد دعوى.
وهذا يظهر ب الوجه السادس: وهو أنّ من الناس من ادّعى النبوة٥، وكان كاذبًا، وظهرت على يده بعض هذه الخوارق، فلم يُمنع منها، ولم يعارضه أحدٌ، بل عُرف أنّ هذا الذي أتى به ليس من آيات الأنبياء، وعُرف كذبه بطرق متعددة؛ كما في قصة الأسود العنسي، ومسيلمة الكذاب، [والحارث] ٦ الدمشقي، وبابا الرومي، وغير هؤلاء٧ ممّن ادعى النبوة. فقولهم: إنّ الكذاب لا يأتي بمثل هذا الجنس، ليس كما ادعوه٨.
_________________
(١) ١ في «خ»: يظهر. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ انظر: البيان للباقلاني ص٤٧-٤٨، ٩١، ٩٤. والإرشاد للجويني ص٣١٩، ٣٢٨. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٧. ٤ في «ط» فقط: يقبض. ٥ مثل مسيلمة الكذاب. ٦ في «م»، و«ط»: والحارس. ٧ وكلّ هؤلاء سبق التعريف بهم. ٨ قال شيخ الإسلام في معرض الردّ عليهم في الجواب الصحيح: "أنت تُجوّز انتقاض العادة، وليس لانتقاضها عندك سبب تختصّ به، ولا حكمة انتقضت لأجلها، بل لا فرق عندك بين انتقاضها للأنبياء والأولياء والسحرة وغير ذلك. ولهذا قلتم: ليس بين معجزات الأنبياء، وبين كرامات الأولياء والسحرة فرق، إلا مجرّد اقتران دعوى النبوة والتحدي بالمعارضة، مع عدم المعارضة، مع أن التحدي بالمعارضة قد يقع من المشرك، بل ومن الساحر، فلم يثبتوا فرقًا يعود إلى جنس الخوارق المفعولة، ولا إلى قصد الفاعل والخالق، ولا قدرته، ولا حكمته". الجواب الصحيح ٦/٤٠١.
[ ١ / ٢٣٣ ]
الباقلاني منع من ظهور الخارق على يد الكذاب
الوجه السابع: أنه إنما أوجب أن لا يظهر الله الخوارق على يد الكذاب؛ لأنّ ذلك يُفضي إلى عجز الربّ. وهذه عمدة الأشعري في أظهر قولَيْه١، وهي المشهورة عند قدمائهم٢، وهي التي سلكها القاضي أبو يعلى، ونحوه.
قال القاضي أبو بكر: فإن قال قائلٌ من القدرية٣: [فلم] ٤ لا يجوز أن يظهر المعجزات على يد مدّعي النبوّة ليُلبّس بذلك على العباد، ويضل به عن الدين، وأنتم تجوّزون خلقه الكفر في قلوب الكفار، وإضلالهم. [فما] ٥ الفصل بين إضلالهم بهذا، وبين إضلالهم بإظهار المعجزات على يد الكاذبين؟
قال: فيُقال لمن سأل عن هذا من القدرية: الفصل بين الأمرين ظاهرٌ معلومٌ، وقد نصّ القرآن والأخبار بأنه يضلّ ويهدي٦، ويختم على القلوب، والأسماع، والأبصار٧.
_________________
(١) ١ انظر: المواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٤٢. ٢ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣٢٧. وانظر أيضًا الجواب الصحيح ٦/٣٩٧، ٣٩٨. ٣ انظر: شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص ٥٦٤، ٥٧١. وذكر الجويني اعتراض المعتزلة هذا عليهم في الإرشاد ص ٣٢٦. ٤ في «ط» فقط: لم. ٥ في «م»، و«ط»: في. ٦ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ . سورة الرعد، آية ٢٧. ٧ قال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . سورة البقرة، الآية ٧.
[ ١ / ٢٣٤ ]
فأما مطالبتهم بالفرق بين إضلال العباد بهذه الضروب١ من الأفعال، وبين إضلالهم بإظهار المعجزات على أيدي الكذابين؟ فجوابه: أنّا لم نحل إضلالهم بهذا الضرب لأنه إضلال عن الدين، أو لقبحه من الله لو وقع، أو لاستحقاقه الذمّ عليه - تعالى عن ذلك، أو لكونه ظالمًا لهم بالتكليف مع هذا الفعل. كلّ ذلك باطلٌ محالٌ من تمويههم، وإنما أحلناه لأنه يُوجب عجز القديم عن تمييز الصادق من الكاذب.
وتعريفنا الفرق بين النبي والمتنبي من جهة الدليل؛ إذ لا دليل [بقول] ٢ كلّ أحدٍ أثبت النبوة على نبوة الرسل وصدقهم، إلا [ظهورًا لأعلام] ٣ المعجزة على أيديهم، أو خبرُ من ظهرت المعجزة على يده عن نبوّة آخرَ مُرسَلٍ. فهذا إجماع لا خلاف فيه؛ فلو أظهر الله على يد المتنبي الكاذب ذلك، لبطلت دلائل النبوة، وخرجت المعجزات عن كونها دلالة على صدق الرسول، ولوجب لذلك عجز القديم عن الدلالة على صدقهم.
ولمّا لم يجز عجزه، وارتفاع قدرته عن بعض المقدورات، لم يجز لذلك ظهور المعجزات على أيدي الكذابين، بخلاف خلق الكفر في قلوب الكافرين٤.
متأخروا الأشاعرة سلكوا طريق الضرورة في معرفة صدق النبي
قلت: هذا عمدة القوم. والمتأخرون عرفوا ضعف هذا، فلم يسلكوه؛ كأبي المعالي٥، والرازي، وغيرهما. بل سلكوا الجواب الآخر: وهو أنّ
_________________
(١) ١ الضرب: المثل. وضرب المثل: هو ذكر شيء أثره يظهر في غيره. (انظر: القاموس المحيط ص ١٣٨. ومفردات ألفاظ القرآن ص ٥٠٦) . ٢ في «م»، و«ط»: في قول. ٣ في «م»، و«ط»: ظهور أعلام. ٤ هذا الكلام لا يوجد في القسم المطبوع من البيان. وهو ناقص من آخره. ٥ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣١٢، ٣٢٥.
[ ١ / ٢٣٥ ]
العلم بالصدق عند المعجز يحصل ضرورة، فهو علم ضروري١. [وبيّن] ٢ ضعف هذا الجواب، مع أنه يُحتجّ به، وقال: فهذا هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال: إن كان الأمر كما زعمتم، فإنما يلزم العجز إذا كان خلق الدليل الدالّ على صدقهم جنسه لا يدلّ، بل جنسه يقع مع عدم النبوّة، ولم يبق عندكم جنسٌ من الأدلة [يختصّ] ٣ النبوة.
فلِمَ قلتم: إنّ تصديقهم والحال هذه ممكن؟
ولا ينفعكم هنا الاستدلال بالإجماع ونحوه من الأدلة السمعية؛ لأنّ كلامكم مع منكري النبوات. فيجب أن [تقيموا] ٤ عليهم كون المعجزات دليلًا على صدق النبي.
وأما من أقر بنبوّتهم بطريقٍ غير طريقكم، فإنّه لا يحتاج إلى كلامكم. فإذا قال لكم منكروا النبوّة: لا نسلّم إمكان طريق يدل على صدقهم، لم يكن معكم ما يدلّ على ذلك.
وقد أورد هذا السؤال، وأجاب عنه: بأنّه يمكنه تصديقهم بالقول، والمعجزات تقوم مقام التصديق بالقول، بل التصديق بالفعل أوكد. وضرب المثل بمدّعي الوكالة، إذا قال: قُمْ، أو اقعد، ففعل ذلك عند استشهاد وكيله؛ فإنّ العقلاء كلّهم يعلمون أنّه أقام تلك الأفعال مقام القول.
قلت: وهذا يعود إلى الاحتجاج بالطريقة الثانية؛ وهي العلم بالتصديق ضرورة، فلا حاجة إلى طريقة المعجزات.
_________________
(١) ١ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣١٢، ٣٣٦. ٢ في «خ»: وبيان. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «م»، و«ط»: يخصّ. ٤ في «خ»: يقيموا. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٢٣٦ ]
الثاني: أنّه يُمكن أن يخلق علمًا ضروريًا بصدقهم. وقد سلّم القاضي أبو بكر١ ذلك، لكن قال: إذا اضطررنا إلى العلم بصدق مدّعي النبوة، وأنّه أرسله إلينا، كان في ضمن هذا العلم اضطراره لنا إلى العلم بذاته، وإلى أنه قد أرسل مدعي النبوة. وإذا علمنا ذلك اضطرارًا، لم يكن للتكليف بالعلم بصدقه وجهًا، وخرجنا بذلك عن أن نكون مكلفين [للعلم] ٢ بالدين. وهذا كلامٌ يؤدي إلى خروجنا عن حدّ المحنة والتكليف.
فيُقال له: إذا حصل العلم الضروريّ بوجود الخالق [وبصدق] ٣ رسوله، كان التكليف بالإقرار بالصانع، وعبادته وحده لا شريك له، وبتصديق رسله، وطاعة أمره. وهذا هو الذي أَمَرَتْ به الرسل؛ أَمَرَتْ الخلق أن يعبدوا الله وحده، وأن يُطيعوا رسله، ولم يأمروا جميع الخلق بأن يكتسبوا علمًا نظريًا بوجود الخالق، وصدق رسله. لكن من جحد الحق أمروه بالإقرار به، وأقاموا الحجة عليه، وبيّنوا معاندته، وأنّه جاحدٌ للحقّ الذي يعرفه. وكذلك الرسول كانوا يعلمون أنّه صادق ويكذبونه. فليُتدبّر هذا الموضع؛ فإنه موضعٌ عظيم.
حكمة الله تمنع ظهور المعجزات على يد الكذاب
الوجه الثالث: أن يقال: نحن نُسلّم أنّ المعجزات تدلّ على الصدق، وأنّه لا يجوز إظهارها على يد الكاذب، لكن هو٤ لأنّ الله [ميّزه] ٥ عن ذلك، وأنّ حكمته تمنع ذلك، ولا يجوز عليه كلّ فعل ممكن، وأنتم مع
_________________
(١) ١ الباقلاني. ٢ في «م»، و«ط»: بالعلم. ٣ في «خ»: وتصدق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ كذا في «خ»، و«م»، و«ط» . ٥ في «م»، و«ط»: منزه.
[ ١ / ٢٣٧ ]
تجويزكم عليه كلّ ممكن١، يلزمكم تجويز خلق المعجزة على يد الكاذب، فما علم بالعقل والإجماع من امتناع ظهورها على يد الكاذب يدل على فساد أصلكم.
الرد على من قال لا دليل على صدق الأنبياء إلا المعجزات
الوجه الرابع: أن يقال: لِمَ قلتم أنّه لا دليل على صدقهم إلا المعجزات٢، وما ذكرتم من الإجماع على ذلك لا يصحّ الاستدلال به لوجهين:
أحدهما: أنه لا إجماع في ذلك، بل كثيٌر من الطوائف يقولون: إنّ صدقهم بغير المعجزات.
الثاني: إنّه لا يصحّ الاحتجاج بالإجماع في ذلك؛ فإنّ الإجماع إنّما يثبت بعد ثبوت النبوة، والمقدمات التي يُعلم بها النبوة لا يُحتج عليها بالإجماع، وقولكم: لا دليل سوى المعجز: مقدمة ممنوعة.
وذُكر عن الأشعري أنّه ذَكَرَ جوابًا آخر، فقال: وأيضًا فإنّ قول القائل: ما أنكرتم من جواز إظهار المعجزات على أيدي الكذابين: قولٌ متناقضٌ، والله على كل شيء قدير. ولكن ما طالب السائل بإجازته محالٌ، لا تصحّ القدرة عليه، ولا العجز عنه؛ لأنّه بمنزلة كونه أظهر المعجزات على أيديهم؛ فإنّه أوجب أنهم صادقون؛ لأنّ المعجز دليلٌ على الصدق، ومتضمنٌ له.
وقوله: مع ذلك أنهم كاذبون: نقضٌ لقوله: أنهم صادقون قد ظهرت المعجزات على أيديهم. فوجب إحالة هذه المطالبة، وصار هذا بمثابة قول
_________________
(١) ١ انظر: البيان للباقلاني ص٨١-٨٢، ٨٨-٩٠. والإرشاد للجويني ص٣١٩، ٣٢٢، ٣٢٦. وانظر ما سبق في هذا الكتاب ص ١٥٢-١٥٣،١٥٥، ٢٦٨، ٢٧٢-٢٧٥. ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٣٨. والإرشاد للجويني ص ٣٣١.
[ ١ / ٢٣٨ ]
من قال: ما أنكرتم من صحة١ ظهور الأفعال المحكمة الدالّة على علم فاعلها، والمتضمّنة لذلك من جهة الدليل، من الجاهل بها في أنّه قولٌ باطلٌ متناقضٌ، فيجب إذا كان الأمر كذلك استحالة ظهور المعجزات على يد الكاذبين، واستحالة ثبوت قدرة قادر عليه. وكيف يصح على هذا الجواب أن يقال: ما أنكرتم [وزعمتم أنّه] ٢ من فعل المحال الذي لا يصحّ حدوثه، وتناول القدرة له [هو من قبيل الجائز] ٣ قياسًا على صحّة خلق الكفر، وضروب الضلال التي يصحّ حدوثها، وتناول القدرة لها.
من أصول الأشاعرة تجويزهم على الله فعل كل ممكن وعدم تنزيهه عن شيء.. ويلزمهم على ذلك خلق المعجزة على يد الكذاب
قلت: هذا كلامٌ صحيحٌ إذا عُلم أنّها دليل الصدق، يستحيل وجوده بدون الصدق، والممتنع غير مقدور، فيمتنع أن يظهر على أيدي الكاذبين ما يدل على صدقهم. لكن المطالب يقول: كيف يستقيم على أصلكم [أن يكون] ٤ ذلك [دليل] ٥ الصدق، وهو أمرٌ حادثٌ مقدور، وكلّ مقدور يصح عندكم أن يفعله الله، ولو كان فيه من الفساد ما كان؛ فإنّه عندكم لا ينزه عن فعل ممكن، ولا يقبح منه فعل؛ فحينئذ إذا خلق على يد الكاذب مثل هذه الخوارق، لم يكن ممتنعًا على أصلكم، وهي لا تدلّ على الصدق البتة على أصلكم، ويلزمكم إذا لم يكن دليل إلهي، ألاَّ يكون في المقدور دليلٌ على صدق مدعي النبوّة، فيلزم أنّ الربّ سبحانه لا يصدق أحدًا ادّعى النبوّة٦.
_________________
(١) ١ كذا في «خ»، و«م»، و«ط» . ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: لكن أن يكون. - بزيادة: لكن -. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٦ انظر: الجواب الصحيح ٦/٣٩٣-٤٠١. وشرح الأصفهانية ٢/٦٢١-٦٢٤. وانظر أيضًا شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار المعتزلي ص ٥٧١-٥٧٢.
[ ١ / ٢٣٩ ]
وإذا قلتم: هذا ممكنٌ، بل واقعٌ، ونحن نعلم صدق الصادق إذا ظهرت هذه الأعلام على يده ضرورةً١. قيل: فهذا يُوجب أنّ الربّ لا يجوز عليه إظهارها على يد كاذب. وهذا فعلٌ من الأفعال هو قادر عليه، وهو سبحانه لا يفعله، بل هو منزّه عنه. فأنتم بين أمرين: إن قلتم: لا يمكنه خلقها على يد الكاذب وكان ظهورها ممتنعًا، فقد قلتم: أنّه لا يقدر على إحداث حادثٍ قد فعل مثله، وهذا تصريحٌ بعجزه. وأنتم قلتم: فليست [بدليل، فلا] ٢ يلزم عجزه، فصارت دلالتها مستلزمةً لعجزه على أصلكم. وإن قلتم: يقدر، لكنّه لا يفعل، فهذا حقٌ، وهو ينقض أصلكم.
وحقيقة الأمر: أنّ نفس ما يدلّ على صدق [الصادق] ٣ بمجموعه، امتنع أن يحصل للكاذب، وحصوله له ممتنعٌ غير مقدور.
الله قادر على خلق الخوارق على يد الكذاب ولا يفعل لحكمة
وأمّا خلق مثل تلك الخارقة على يد الكاذب، فهو ممكنٌ، والله ﷾ قادر عليه، لكنه لا يفعله لحكمته٤؛ كما أنّه سبحانه يمتنع عليه أن يكذب، أو يظلم.
الأشاعرة ينفون حكمة الله تعالى
والمعجزُ تصديقٌ، وتصديق الكاذب هو منزهٌ عنه، والدالّ على الصدق قَصْدُ الربّ تصديق الصادق. وهذا القصد يمتنع حصوله للكاذب؛ فيمتنع جعل من ليس برسولٍ رسولًا، وجعل الكاذبِ صادقًا، ويمتنع من الرب
_________________
(١) ٢ ما بين المعقوفتين رسم في «خ» هكذا: بدل ليلا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ ما بين المعقوفتين ملحق في هامش «خ» . ٤ قال ابن حزم ﵀: "والله تعالى قادر على إظهار الآيات على أيدي الكذابين المدّعين للنبوّة، لكنّه تعالى لا يفعل، كما لا يفعل ما لا يُريد أن يفعله من سائر ما هو قادر عليه". الفصل في الملل والأهواء والنحل ٥/٢.
[ ١ / ٢٤٠ ]
قصد المحال، وهو غير مقدور، وهو إذا صدّق الصادق بفعله علم بالاضطرار والدليل أنّه صدّقه، وهذا العلم يمتنع حصوله للكاذب. واستشهادكم بالعلم: هو من هذا الباب؛ فأنتم تقولون إنّ الربّ لا يخلق شيئًا لشيءٍ١. وحينئذٍ: فلا يكون قاصدًا لما في المخلوقات من الإحكام،
_________________
(١) ١ وهي مسألة الحكمة وتعليل أفعال الله التي نفاها الأشاعرة. انظر: الإرشاد للجويني ص ٢٦٨. ونهاية الإقدام للشهرستاني ص ٢٩٧. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٣١-٣٣٢. ومحصّل أفكار المتقدمين والمتأخرين للرازي ص ٢٠٥. وغاية المرام للآمدي ص ٢٢٤. وقد ناقشهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في نفيهم تعليل الله، وتجويزهم على الله كلّ فعل، وردّ عليهم، فقال ﵀: "حيث قيل لهم: على أصلكم: لا يفعل الله شيئًا لأجل شيء، وحينئذٍ فلم يأت بالآيات الخارقة للعادة لأجل تصديق الرسول، ولا عاقب هؤلاء لتكذيبهم له، ولا أنجى هؤلاء ونصرهم لإيمانهم به، إذ كان لا يفعل شيئًا عندكم وإذا جوّزتم على الربّ كلّ فعل، جاز أن يظهر الخوارق على يد الكاذب. ويُقال لهم أيضًا: أنتم لا تعلمون ما يفعل الربّ إلا بعادة، أو خبر الأنبياء، فقبل العلم بصدق النبيّ لا يعلم شيء بخبره. والعادة إنما تكون فيما يتكرر؛ كطلوع الشمس، ونزول المطر، ونحو ذلك. والإتيان بالخارق للتصديق ليس معتادًا".. إلى أن قال - ﵀ - عنهم: "ويُجوّزون عليه فعل كلّ شيء ممكن، لا يُنزّهونه عن فعل سيئ الأفعال، وليس عندهم قبيحًا وظُلمًا إلا ما كان ممتنعًا؛ مثل جعل الشيء موجودًا معدومًا، وجعل الجسم من مكانين. ولهذا ذكر ذلك مخالفوهم حجة إبطال مذهبهم، وقالوا: قولهم يقدح في العلوم الضرورية، ويسدّ باب العلم بصدق الرسل. قالوا: إذا جوّزتم أن يفعل كلّ شيء، فجوّزوا أن يكون الجبال انقلبت ياقوتًا، والبحار لبنًا، ونحو ذلك ممّا يُعلم بالضرورة بطلانه. وجوّزوا أن يخلق المعجزات على يدي الكذابين ". الجواب الصحيح٦/٣٩٤-٣٩٥. وناقش - ﵀ - حجج الرازي على نفي الحكمة في أفعال العباد، وردّ عليها، وفنّدها في شرح الأصفهانية ٢/٣٥٧-٣٧٩. وستأتي هذه المسألة ص ٤٩٩-٥٠٣ من هذا الكتاب.
[ ١ / ٢٤١ ]
فلا يكون الإحكام دالا على العلم على أصلكم؛ فإنّ الإحكام: إنّما هو جعل الشيء محصّلًا للمطلوب؛ بحيث يجعل لأجل ذلك المطلوب. وهذا عندهم لا يجوز؛ فإثباته علمه، وتصديق رسله مشروطٌ بأن يفعل شيئًا لشيءٍ. وهذا عندكم لا يجوز، فلهذا يُقال: إنّكم متناقضون، والله ﷾ أعلم.
حقيقة المعجزة على قول الأشاعرة
الوجه الثامن: أنّ حقيقة الأمر على قول هؤلاء الذين جعلوا المعجزة: الخارق، مع التحدي: أنّ المعجز في الحقيقة ليس إلا منع الناس من المعارضة بالمثل؛ سواءٌ كان المعجز في نفسه خارقًا، أو غير خارق١. وكثيرٌ [ممّا] ٢ يأتي به [الساحر] ٣ والكاهن أمرٌ معتادٌ لهم.
وهم يجوّزون أن يكون آيةً للنبيّ. وإذا كان آيةً، منع الله الساحر والكاهن من مثل ما كان يفعل، أو قيّض له من يعارضه.
وقالوا: هذا أبلغ؛ فإنه منع المعتاد. وكذلك عندهم [أحد] ٤ نَوْعَي المعجزات [منعهم] ٥ من الأفعال المعتادة. وهو مأخذ من يقول بالصرفة٦.
_________________
(١) ١ انظر: البيان للباقلاني ص ١٦-٢٠، ٧٢-٧٣. والإرشاد للجويني ص ٣٢٨-٣٣١. ٢ في «ط» فقط: ما. ٣ في «ط» فقط: ساحر. ٤ في «م»، و«ط»: إحدى. ٥ في «ط» فقط: فيهم. ٦ الصرفة: هي أنّ الله تعالى صرف الخلق عن الإتيان بمثل القرآن الكريم. وهو قولٌ قال به بعض أهل الكلام؛ كالرازي، وغيره. والصواب أنّ القرآن بنفسه معجز. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومن أضعف الأقوال: قول من يقول من أهل الكلام إنّه معجز بصرف الدواعي مع تمام الموجب لها، أو بسلب القدرة التامة، أو بسلبهم القدرة المعتادة في مثله سلبًا عامًا، مثل قوله تعالى لزكريا: ﴿آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [سورة مريم، الآية ١٠] . وهو أنّ الله صرف قلوب الأمم عن معارضته، مع قيام المقتضي التامّ؛ فإنّ هذا يُقال على سبيل التقدير والتنزيل وإلا فالصواب المقطوع به: أنّ الخلق كلّهم عاجزون عن معارضته، لا يقدرون على ذلك، ولا يقدر محمد ﷺ نفسه من تلقاء نفسه على أن يبدل سورة من القرآن، بل يظهر الفرق بين القرآن وبين سائر كلامه لكلّ من له أدنى تدبّر؛ كما قد أخبر الله به في قوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ . [سورة الإسراء، الآية ٨٨] ) . الجواب الصحيح ٥/٤٢٩-٤٣١. وانظر: المصدر نفسه ٥/٤٢٠-٤٣١. والمغني في أبواب التوحيد والعدل لعبد الجبار ١٦/٢٦٤. وشرح الأصول الخمسة له ص ٥٨٧-٥٩٠. ومقالات الإسلاميين للأشعري ١/٢٩٦. وأعلام النبوة للماوردي ص ٢٢١-٢٢٢. وإعجاز القرآن للباقلاني ص ٧٧-٧٩. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٥٢. ومناهل العرفان للزرقاني ص ٣١٠-٣١٥.
[ ١ / ٢٤٢ ]
وإذا كان كذلك، جاز أن يكون كلّ أمرٍ؛ كالأكل، والشرب، والقيام، والقعود معجزةً إذا منعهم أن يفعلوا كفعله، وحينئذٍ: فلا معنى لكونها خارقًا، ولا لاختصاص الربّ بالقدرة عليها، بل الاعتبار بمجرّد عدم المعارضة. وهم يُقرّون بخلاف ذلك، والله أعلم.
الوجه التاسع: أنّه إذا كانت المعجزة هي مجموع دعوى الرسالة، مع التحدي، فلا حاجة إلى كونه خارقًا؛ كما تقدم١، ويجب إذا تحدّى بالمثل أن يقول: فليأت بمثل القرآن من يدّعي النبوّة؛ فإنّ هذا هو المعجز عندهم، وإلاَّ القرآن مجرّدًا ليس بمعجز؛ فلا يُطلب مثل القرآن إلاَّ ممّن يدّعي النبوّة٢؛ كما في الساحر والكاهن إذا ادّعى النبوة سلبه الله ذلك، أو
_________________
(١) ١ انظر: ص.٢٠١ من هذا الكتاب ٢ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "..أنّ مسيلمة ادّعى النبوّة، واتبعه قومه على ذلك أنه كان له مخاريق، وأنّه ظهر كذبه من وجوه متعددة، وأنّ أبا بكر الصديق والصحابة قاتلوه على كذبه في دعوى النبوة، وقاتلوا قومه على ردّتهم عن الإسلام، واتباعهم نبيًّا كاذبًا، لم يُقاتلوهم على كونهم لم يُؤدّوا الزكاة لأبي بكر. وكذلك الأسود العنسيّ الذي ادّعى النبوّة في حياة النبيّ ﷺ، وقتل في حياته؛ كلّ منهما عُرف كذبه بتكذيب النبيّ الصادق والمصدوق لهما، وممّا ظهر من دلائل كذبهما؛ مثل الأخبار الكاذبة التي تناقض النبوّة، ومثل الإيمان بقرآن مختلف يعلم من سمعه أنه لم يتكلم الله به، وإنما هو تصنيف الآدميين؛ كما قال أبو بكر الصديق لهم لما تابوا من الردّة وعادوا إلى الإسلام: أسمعوني قرآن مسيلمة. فلما أسمعوه إياه قال: ويحكم أين يُذهب بعقولكم! إنّ هذا كلام لم يخرج) . الجواب الصحيح ٦/٤٧٦.
[ ١ / ٢٤٣ ]
قيّض له من يعارضه. وإذا لم يدّع النبوّة جاز أن يظهر على يده مثل ما يظهر على يد النبيّ. فكذلك يلزمهم مثل هذا في القرآن، وسائر المعجزات. والله أعلم.
[ ١ / ٢٤٤ ]
فصل في أن الرسول لا بُدّ أن يبيّن أصول الدين١
وهي البراهين الدالّة على أنّ ما يقوله حقّ؛ من الخبر، والأمر؛ فلا بُدّ أن يكون قد بيّن الدلائل على صدقه في كلّ ما أخبر، ووجوب طاعته في كلّ ما أوجب وأمر.
ومن أعظم أصول الضلال: الإعراض عن بيان الرسول للأدلة والآيات والبراهين والحجج؛ فإنّ المعرضين عن هذا؛ إمّا أن يُصدّقوه، ويقبلوا قوله، ويؤمنوا به بلا دليلٍ أصلًا ولا علم؛ وإمّا أن يستدلّوا على ذلك بغير أدلته
فإن لم يكونوا عالمين بصدقه: فهم ممّن يُقال له في قبره: ما قولك في هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فأمّا المؤمن أو الموقن، فيقول: هو عبد الله ورسوله جاءنا بالبيّنات والهدى، فآمنّا به واتبعناه. وأمّا المنافق أو المرتاب، فيقول: هاه، هاه، لا أدري، سمعتُ النّاس يقولون شيئًا، فقلتُهُ. فيُضرب بمِرْزَبَّةٍ ٢ من حديدٍ، فيصيح صيحةً يسمعها كلّ
_________________
(١) للمؤلف ﵀ رسالة باسم: "معارج الوصول إلى أنّ أصول الدين وفروعه قد.بيّنها الرسول ﷺ". نشر مكتبة ابن الجوزي. وانظر: درء تعارض العقل والنقل للمؤلف ١/٢٢-٢٧ وما بعدها. ومجموع الفتاوى ٣/٢٩٣، ٣٢٦.
(٢) المِرْزَبَّة، والمِرْزَبَة - بالتشديد، والتخفيف -: عُصَيّة من حديد. القاموس المحيط للفيروزآبادي ص ١١٤ (رزب) .
[ ١ / ٢٤٥ ]
شيء، إلا الثقلين١٢.
وإن استدلّ على ذلك بغير الآيات والأدلة التي دعا بها النّاس، فهو مع كونه مبتدعًا٣، لا بُدّ أن يُخطئ ويُضلّ.
فإن ظنّ الظانّ أنّه بأدلة٤ وبراهين خارجة عمّا جاء به تدلّ٥ على ما جاء به، فهو٦ من جنس ظنّه أنّه يأتي بعبادات غير ما شرعه تُوصل إلى مقصوده٧.
_________________
(١) الثقلان: الجنّ والإنس. القاموس المحيط للفيروزآبادي ص ١٢٥٦ (ث ق ل) .
(٢) معنى حديث طويل أخرجه البخاري في صحيحه ١/٤٦١، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، ومسلم في صحيحه ٤/٢٢٠٠-٢٢٠١، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوّذ منه. كلاهما أخرجاه بألفاظ مقاربة لما ذكره المؤلف.
(٣) الابتداع: هو شرع ما لم يأذن الله به، ولم يكن عليه أمر النبيّ ﷺ ولا أصحابه. وهي ما عناه النبي ﷺ بقوله: "كل عمل ليس عليه أمرنا.. " الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٦/٢٦٧٥، كتاب الاعتصام، باب: وكذلك جعلناكم أمة وسطا. ومسلم في صحيحه ٣/١٣٤٣، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة وردّ محدثات الأمور. وانظر: معارج القبول للحكمي٣/١٢٢٨) . وعرّف الشاطبي البدعة بقوله: "عبارة عن طريقة في الدين مخترعة، تُضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبّد لله سبحانه". الاعتصام ١/٣٧. والمبتدع: هو الذي وقعت منه البدعة. وهو نوعان: مبتدع اعتقاديّ، ومبتدع عمليّ. والمبتدع المقصود هاهنا هو صاحب البدعة الاعتقادية: الذي يعتقد خلاف ما عليه النبيّ ﵇؛ سواء صاحب الاعتقاد عمل، أم لم يُصاحب.. وانظر: الاستقامة لابن تيمية ١/٥.
(٤) كذا في «خ»، و«م»، ولعلّ المراد: أنّه أتى بأدلة
(٥) في «خ» يدلّ، وما أثبت من «م»، و«ط» .
(٦) ليست في «خ» . وهي في «م»، و«ط» .
(٧) قال شيخ الإسلام ﵀: "وكلّ من دعا إلى شيء من الدين بلا أصل من كتاب الله وسنة رسوله، فقد دعا إلى بدعة وضلالة، والإنسان في نظره مع نفسه ومناظرته لغيره إذا اعتصم بالكتاب والسنة هداه الله إلى صراطه المستقيم؛ فإنّ الشريعة مثل سفينة نوح ﵇، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق". درء تعارض العقل والنقل ١/٢٣٤.
[ ١ / ٢٤٦ ]
"وهذا الظنّ وقع فيه طوائف من النظّار الغالطين١، أصحاب الاستدلال والاعتبار والنظر؛ كما وقع في الظنّ الأول طوائف من العبّاد الغالطين٢، أصحاب الإرادة والمحبّة والزهد"٣.
وقوله ﷺ في خطبته يوم الجمعة: "خيرُ الكلامِ كلامُ اللهِ، وخيرُ الهَدْيِ هديُ محمّد، وشرُّ الأمورِ مُحْدَثاتُها، وكلُّ بدعةٍ ضلالة"٤ يتناول هذا وهذا.
وقد أرى الله تعالى عبادَه الآيات في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى تبيّن٥ لهم أنّ ما٦ قاله فهو حقّ؛ فإنّ أرباب العبادة، والمحبّة، والإرادة، والزهد الذين سلكوا غير ما أُمروا به، ضلّوا كما ضلّت النصارى. ومبتدعة
(٤) مثل المتكلمين.
(٥) مثل المتصوّفة.
(٦) العبارة في «خ» وردت هكذا: "وهذا الظنّ وقع فيه طوائف من العبّاد الغالطين أصحاب الإرادة والمحبة والزهد؛ كما وقع في الظنّ الأول طوائف من النظّار الغالطين أصحاب الاستدلال والاعتبار والنظر".
ولعلّ الصواب ما أُثبت نقلًا عن «م»، و«ط»؛ لأنّ الظنّ المُراد في قوله: (وهذا الظنّ..) هو ظنّ المتكلّمين وأمثالهم ممّن أتوا ببراهين وأدلة خارجة عمّا جاء به رسول الله ﷺ.
_________________
(١) الحديث أخرجه أحمد في المسند ٣/٣١٠، ٣٧١. ومسلم في صحيحه ٢/٥٩٢، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة.. مع اختلاف في الألفاظ.
(٢) في «خ»: يتبيّن، وفي «م»، و«ط»: تبيّن.
(٣) في «خ»: أنما، وفي «م»، و«ط»: أنّ ما. وهو الصحيح.
[ ١ / ٢٤٧ ]
هذه الأمة من العبّاد، وأرباب النظر، والاستدلال الذين سلكوا
غير دليله وبيانه أيضًا ضلّوا. قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّيْ هُدَىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدّاْيَ فَلاْ يَضِلُّ وَلاْ يَشْقَىْ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِيْ فَإِنَّ لَهُ مَعِيْشَةً ضَنْكًَا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَاْمَةِ أَعْمَىْ قَاْلَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيْ أَعْمَىْ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيْرًَا قَاْلَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاْتُنَاْ فَنَسِيْتَهَاْ وَكَذِلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَىْ﴾ ١.
قول الإمام أحمد: أصول الإسلام أربعة
وفي الكلام المأثور عن الإمام أحمد: أصول الإسلام أربعة٢: دالٌ، ودليل، ومبيِّن، ومُستدِلّ. فالدالّ هو الله، والدليل هو القرآن، والمبيِّن هو الرسول؛ قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاْسِ مَاْ نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٣، والمستدِلّ هم أولوا العلم وأولوا الألباب٤ الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم٥.
وقد ذكره ابن الْمَنِّي٦عن أحمد. وهو مذكور في العدّة٧ للقاضي أبي يعلى٨، وغيرها، إما أنّ أحمد قاله، أو قيل له، فاستحسنه.
_________________
(١) سورة طه، الآيات ١٢٣-١٢٦.
(٢) في كتاب «العدة في أصول الفقه» للقاضي أبي يعلى: (قواعد الإسلام أربع) . ٣ سورة النحل، جزء من الآية ٤٤.. ٤ في العدة: (والمستدلّ أولوا الألباب) .. ٥ في العدة: (ولا يُقبل الاستدلال إلا ممّن كانت هذه صفته) .. ٦ ابن المني: هو أبو الفتح؛ نصر بن فتيان بن مطر بن المني النهرواني الحنبلي، شيخ الحنابلة. ولد سنة ٥٠١هـ. كان ورعًا، عابدًا، حسن السمت، على منهج السلف. توفي سنة ٥٨٣ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء ٢١/١٣٧، ١٣٨. والبداية والنهاية ١٢/٣٥٠. وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ١/٣٥٨. وشذرات الذهب ٤/٢٧٧. ٧ انظر: كتاب العدة في أصول الفقه للقاضي أبي يعلى ١٠/١٣٥، تحقيق د/ أحمد بن علي سير المباركي. وانظر: كتاب شرح الكوكب المنير لأبي البقاء الفتوحي١/٥٥. ٨ تقدمت ترجمته ١٧٥.
[ ١ / ٢٤٨ ]
أهل الكلام يوجبون النظر
ولهذا صار كثير من النظّار يوجبون العلم والنظر والاستدلال١، وينهون عن التقليد، ويقول كثير منهم: إنّ إيمان المقلّد لا يصحّ، أو أنه وإن صحّ، لكنّه عاص بترك الاستدلال، ثمّ النظر٢.
الاستدلال الفاسد الذي أصله المتكلمون
والاستدلال الذي يدعون إليه، ويوجبونه، ويجعلونه أول الواجبات٣،
_________________
(١) ١ وهذا صنيع جمهور المعتزلة والماتريدية والأشعريّة؛ فإنّهم يوجبون العلم والنظر والاستدلال على كلّ أحد، بل يجعلونه أول واجب على المكلّف. انظر: الغنية في أصول الدين لعبد الرحمن النيسابوري ص ٥٥. وشرح الأصول الخمسة لعبد الجبار المعتزلي ص ٦٠-٧٥. والتوحيد للماتريدي ص ١٣٥-١٣٧. والإرشاد للجويني ص ٣. وشرح جوهرة التوحيد للبيجوري ص ٣٨. وشرحها للقاني ص ٢٤-٢٥. ٢ قال الصاوي في شرح جوهرة التوحيد - بعد أن ساق في المسئلة ستة أقوال -: "والحقّ الذي عليه المعوّل: أنّه مؤمن عاص بترك النظر، إن كان فيه أهلية النظر".. شرح جوهرة التوحيد للصاوي ص ٦١. وانظر: أيضًا: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٧/٣٥٣، ٤٠٨. ومجموع الفتاوى ٢٠/٢٠٢. والاستقامة ١/١٤٢. وسيأتي ردّ المصنّف ﵀ عليهم بالتفصيل في هذا الكتاب ٣٩٢، ٣٩٣. ٣ قال أبو جعفر السمناني عن هذه المسألة: (إنّ هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة، وتفرّع عليها أنّ الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنّه لا يكفي التقليد في ذلك ) . فتح الباري لابن حجر ١٣/٣٦١. وقد نقلها شيخ الإسلام ﵀ في درء تعارض العقل والنقل ٧/٤٠٧، ٤٦١. ومعتقد السلف في هذه المسألة أنّ أوّل واجب على المكلّف: الشهادتان، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشكّ؛ كما هي أقوال المتكلمين. فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا؛ كما قال النبيّ ﷺ: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنّة" الحديث أخرجه أحمد في مسنده٥/٢٣٣، ٣٤٧. والحاكم في مستدركه ١/٣٥١، وصححه ووافقه الذهبي. وكذلك قوله ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله" الحديث أخرجه البخاري ٢/١٢٥، كتاب الزكاة، ومسلم ١/٥٠-٥١، كتاب الإيمان. فهو أول واجب، وآخر واجب. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٨/٦-٧، ٢١. ومجموع الفتاوى ١٦/٣٢٨. وشرح الطحاوية ١/٢٣.
[ ١ / ٢٤٩ ]
وأصل العلم: هو نظر واستدلال ابتدعوه، ليس هو المشروع؛ لا خبرًا، ولا أمرًا. وهو استدلال فاسد لا يُوصل إلى العلم؛ فإنّهم جعلوا أصل العلم بالخالق هو الاستدلال على ذلك بحدوث الأجسام١، والاستدلال على
_________________
(١) ١ لأنّهم قالوا إنّ إثبات الصانع لا يُعرف إلا بالنظر المفضي إلى العلم بإثباته، والعلم بإثبات الصانع لا يمكن إلا بإثبات حدوث العالم، وإثبات حدوث العالم لا يمكن إلا بإثبات حدوث الأجسام؛ لذلك جعلوا أصل العلم بالخالق هو الاستدلال على ذلك بحدوث الأجسام. انظر: الفرقان بين الحق والباطل لابن تيمية ص ٩٦، ٩٨. والرسالة التدمرية له ص ١٤٨. ومنهاج السنة النبوية له ١/٣٠٩-٣١٠. ويذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في موضع آخر أنّ الذي أوجب دليل الأعراض وحدوث الأجسام هم متأخرو الأشعريّة؛ كالجوينيّ، فيقول ﵀: "وبالجملة: فإنه وإن كان أبو المعالي ونحوه يوجبون هذه الطريقة، فكثير من أئمة الأشعريّة، أو أكثرهم يُخالفونه في ذلك، ولا يُوجبونها، بل إمّا أن يُحرّموها أو يكرهوها أو يبيحوها وغيرها، ويُصرّحون بأنّ معرفة الله تعالى لا تتوقّف على هذه الطريقة، ولا يجب سلوكها. ثمّ هم قسمان؛ قسم يسوقها ويسوق غيرها ويعدّها طريقًا من الطرق، فعلى هذا إذا فسدت لم يضرّهم. والقسم الثاني يذمونها ويعيبونها ويعيبون سلوكها، وينهون عنها؛ إمّا نهي تنزيه، وإما نهي تحريم". نقض التأسيس لابن تيمية ٢/١٥. وهؤلاء الذين يقولون إنّ معرفة الله لا تتوقّف على طريقة الأعراض، ولا يوجبونها، أو الذين ينهون عنها هم من متقدّمي الأشعريّة.. أمّا متأخروهم، فكلهم على أنّها أصل الدين، ولا يُعرف الله إلا بها. وطريقة الأعراض وحدوث الأجسام هذه مأخوذة عن الجهميّة والمعتزلة؛ فهم الأصل فيها، وعنهم انتشرت، وإليهم تُضاف.. كما نصّ على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في درء تعارض العقل والنقل ٧/٢٠٩.
[ ١ / ٢٥٠ ]
حدوث الأجسام بأنّها مستلزمة للأعراض لا يخلو عنها ولا ينفكّ منها١. ثمّ استدلّوا على حدوث الأعراض. قالوا: فثبتَ أنّ الأجسام مستلزمة للحوادث، لا يخلو عنها، فلا تكون مثلها.
دليل الحوادث
ثمّ كثير منهم قالوا: وما لم يخل من الحوادِث، أو ما لم يسبق الحوادث، فهو حادِث٢، وظنّ أنّ هذه مقدّمة بديهيّة معلومة بالضرورة لا يُطلب عليها دليل، وكان ذلك بسبب أنّ لفظ الحوادِث يُشعر بأنّ٣ لها ابتداءً؛ كالحادِث المعيّن، والحوادِث المحدودة٤. ولو قدّرت ألف ألف
_________________
(١) ١ وقد اختلفوا فيما يُستدلّ به على حدوثها؛ هل بملازمتها للأعراض جميعها، أو لبعض الأعراض؛ كالأكوان الأربعة، أو لبعض الأكوان؛ كالحركة مثلًا؛ على أقوال. فاستدلّ المعتزلة بملازمة الأجسام للأعراض جميعها، أو بعضها - كالأكوان - على حدوثها. انظر: شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص ٩٥. واستدلّ الأشعريّة بملازمة الأجسام للأكوان، أو بعضها - كالحركة والسكون - على حدوثها. انظر: التمهيد للباقلاني ص ٣٨. وأصول الدين للبغدادي ص ٥٩. والإرشاد للجويني ص ٤٠. أما الماتريديّة: فقد وافقوا المعتزلة في استدلالهم بملازمة الأجسام للأعراض، أو لبعضها - كالأكوان - على حدوثها.. انظر: العقائد النسفية لأبي حفص النسفي ص ٢٠. وتفسير أبي البركات النسفي ١/٢٠٠. وإشارات المرام من عبارات الإمام للبياضي ص ٨٢. ٢ وهذه عبارات متنوعة، مؤدّاها واحد. انظر: جامع الرسائل - رسالة في الصفات الاختيارية - لابن تيمية ٢/٣١-٣٢. وكتاب الصفدية له ٢/١٦٣. ودرء تعارض العقل والنقل له ٨/١٧٣. وانظر: من كتب الأشعريّة: التمهيد للباقلاني ص ٤١. والإنصاف له ص ٢٨. والإرشاد للجويني ص ١٧-٢٨. وأصول الدين للبغدادي ص ٦٠. ٣ في «خ»: بأنّه.. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ وذلك لأنّ الحادِث ما يكون مسبوقًا بالعدم؛ حدث بعد أن لم يكن. ويُفهم من هذا أنّ جنس الحوادِث لها ابتداء. وهذا الأمر صحيح بالنسبة للحوادِث المخلوقة. أمّا أفعال الله تعالى فليس لنوعها ابتداء؛ فهو - جلّ وعلا - لم يكن معطّلًا عن صفاته الفعلية أزلًا، ثمّ وجدت بعد أن لم تكن. بل هو أزليّ بصفاته، وإن كانت أفعاله قديمة النوع متجدّدة الآحاد. وما كان كذلك لا يُقال عنه إنّه وُجد بعد العدم.
[ ١ / ٢٥١ ]
ألف حادث، فإنّ الحوادث إذا جُعلت مقدّرة محدودة، فلا بُدّ أن يكون لها ابتداء١؛ فإنّ ما لا ابتداء له ليس له حدّ معيّن ابتدأ منه، إذ قد قيل لا ابتداء له، بل هو قديم أزليّ دائم. ومعلومٌ أنّ هذه الحوادِث ما لم يسبقها فهو حادث؛ فإنّه يكون إمّا معها، وإمّا بعدها٢.
_________________
(١) ١ وقد مثّلوا لذلك ببرهان، أطلقوا عليه اسم «برهان التطبيق»، وقالوا: لو فُرض فيما لا يتناهى من الحوادِث سلسلتان؛ إحداهما من الطوفان إلى ما لانهاية له في القدم، والأخرى من الهجرة إلى ما لا نهاية له في القدم، ثمّ طبّق بين هاتين السلسلتين؛ فكلما طرح من السلسلة الأولى واحد، طرح من الأخرى مقابله واحد أيضًا، وهنا لا يخلو الحال من أمور ثلاثة: إمّا أن يفرغا معًا: وهذا خلاف الفرض، ويلزم منه مساواة الناقص للزائد. وإمّا ألاّ يفرغا، وهو باطل عندهم أيضًا؛ لأنّه يلزم منه المساواة بين مختلفَيْن - على حد قولهم، وتستحيل المساواة لتحقق الزيادة في أحدهما. وإمّا أن يفرغ أحدهما قبل الآخر؛ فإذا فرغت إحدى السلسلتين، لزم أن تفرغ الأخرى أيضًا لوجود قدر متناه بينهما. وهذا الأمر الثالث هو المعتبر عندهم، وهو يدلّ على امتناع حوادث لا أول لها. انظر: من كتبهم: المواقف للإيجي ص ٩٠. وشرح المقاصد للتفتازاني ٢/١٢٠-١٢٢. ٢ وهذا تقدّمت الإشارة إليه قريبًا، وهو إحدى المقدّمتين اللتين بنوا عليهما إثبات حدوث الأجسام، وهو معنى قولهم: ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، أو ما لا يسبق الحوادث فهو حادث إلخ. انظر: نقض التأسيس لابن تيمية - مخطوط - ق ٤٧/ب) .
[ ١ / ٢٥٢ ]
وكثير منهم١ يفطن للفرق بين جنس الحوادث، وبين الحوادث المحدودة؛ فالجنس: مثل أن يُقال: ما زالت الحوادث توجد شيئًا بعد شيء، أو ما زال جنسها موجودًا، أو ما زال الله متكلّمًا إذا شاء، أو ما زال الله فاعلًا لما يشاء٢، أو ما زال قادرًا على أن يفعل قدرة يمكن معها اقتران المقدور بالقدرة، لا تكون قدرة يمتنع معها المقدور؛ فإنّ هذه في الحقيقة ليست قدرة٣. ومثل أن يُقال في المستقبل: لا بُدّ أنّ الله يخلق شيئًا بعد شيء،
_________________
(١) ١ أي من النظّار. ٢ وهذا ما قاله السلف - ﵏ - في صفات الأفعال الاختيارية؛ من أنّها قديمة النوع، حادثة الآحاد، لا بمعنى وجود المفعولات معه جلّ وعلا أزلًا؛ فإنّ القول بوجود المفعولات مع الله جلّ وعلا أزلًا ليس من أقوال المسلمين. انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/١٤٨) . ٣ مع القدرة التامة يتعيّن وجود المقدور، وإلا فليست قدرة. انظر: جامع الرسائل - رسالة في الصفات الاختيارية - لابن تيمية ٢/٢٠-٢١) . تنبيه: ليس يُفهم من قول السلف - رحمهم الله تعالى - عن الله جلّ وعلا: لم يزل فاعلًا، أو لم يزل خالقًا، أو لم يزل قادرًا، إلخ: أنّ الخالق للسموات والأرض والإنسان لم يزل يخلق السموات والأرض والإنسان، أو لم يزل يفعل كذا؛ بمعنى أنّ هذه المفعولات، أو المخلوقات موجودة معه في الأزل، بل المراد ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر بقوله: "لم يزل الخالق لذلك سيخلقه، ولم يزل الفاعل لذلك سيفعله؛ فما من مخلوق من المخلوقات، ولا فعل من المفعولات، إلا والرب تعالى موصوف بأنه لم يزل سيفعله، ليس موصوفًا بأنّه لم يزل فاعلًا له خالقًا له؛ بمعنى أنّه موجود معه في الأزل. وإن قُدّر أنه كان قبل هذا الفعل فاعلًا لفعل آخر، وقبل هذا المخلوق خالقًا لمخلوق آخر، فهو لم يزل بالنسبة إلى كلّ فعل ومخلوق: سيفعله، وسيخلقه، لا يُقال: لم يزل فاعلًا له بمعنى مقارنته له". درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٢/٢٦٧-٢٦٨. وقال شيخ الإسلام في موضع آخر: "فليس مع الله في الأزل شيء من المفعولات ولا الأفعال؛ إذ كان كل منهما حادِثًا بعد أن لم يكن، والحادِث بعد أن لم يكن لا يكون مقارنًا للقديم الذي لم يزل". درء تعارض العقل والنقل ٢/٢٦٧.
[ ١ / ٢٥٣ ]
ونعيم أهل الجنة دائم لا يزول، ولا ينفذ. وقد يُقال في النوعين: كلمات الله لا تنفذ، ولا نهاية لها؛ لا في الماضي، ولا في المستقبل، ونحو ذلك١.
فالكلام٢ في دوام الجنس وبقائه، وأنّه لا ينفذ، ولا ينقضي، ولا يزول، ولا ابتداء له: غير الكلام فيما يقدر محدودًا له ابتداء، أو له ابتداء وانتهاء٣؛ فإنّ كثيرًا من النظّار٤ من٥ يقول: جنس الحوادِث إذا قدّر له ابتداء، وجب أن يكون له انتهاء؛ لأنّه يمكن فرض تقدّمه على ذلك الحدّ، فيكون أكثر ممّا وجد، وما لا يتناهى لا يدخله التفاضل؛ فإنّه ليس وراء عدم النهاية شيء أكثر منها، بخلاف ما لا ابتداء له ولا انتهاء؛ فإنّ هذا لا يكون شيء فوقه، فلا يفضي إلى التفاضل فيما لا يتناهى. وبسط هذا له موضع آخر٦.
_________________
(١) ١ وهذا هو التسلسل الذي أجازه السلف - رحمهم الله تعالى - ورأوا أنّ إثباته ضروريّ لإثبات أفعال الله الاختياريّة، وعليه يشهد قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَاْنَ الْبَحْرُ مِدَاْدًَا لِكَلِمَاْتِ رَبِّيْ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاْتُ رَبِّيْ وَلَوْ جِئْنَاْ بِمِثْلِهِ مَدَدًَا﴾ [الكهف، ١٠٩] . فكلمات الله لا نهاية لها؛ لم يزل متكلمًا بمشيئته وقدرته، ولا يزال؛ فلا نهاية لكلماته. ٢ كذا في «خ»، وفي «م» . وفي «ط»: فالكلمة. ٣ وفي هذا إشارة إلى الفرق بين جنس الحوادث، وبين الحوادث المحدودة؛ كما تقدّم التنويه بذلك. ٤ كأبي الهذيل العلاّف، والجهم بن صفوان، ومن وافقهما.. وكان من حجتهم: إذا امتنعت حوادث لا أول لها في الماضي، فيجب أن تمتنع حوادث لا نهاية لها في المستقبل.. انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/١٤٧) . ٥ هكذا وردت في «خ»، و«م»، و«ط» . ولعلّ الأصوب حذفها. ٦ انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/١٤٦-١٤٧، ١/٢٢٣-٢٣٤، والفتاوى ٢/٨٨، و٣٦/٢٨-٣٠، والصفدية ١/٨-١٣٥. وقد نسب خصوم شيخ الإسلام ﵀ كالسبكي وغيره (طبقات الشافعية٦/١٠٦) أنه يقول بقدم العالم وبتسلسل الحوادث، والمشهور من كتب شيخ الإسلام ﵀ أنه رد على الفلاسفة القائلين بقدم العالم كما رد على قول المتكلمين الذين يجوزون دوام الحوادث في المستقبل دون الماضي ويقولون: "إن الله خلق بعد أن بم يكن يخلق، ونصر قول أهل الحديث الذي لم يفهمه المتكلمون؛ وهو أن الله لم يزل فاعلا متكلما بمشيئته ولم يكن معطلا عن الخلق والأمر".
[ ١ / ٢٥٤ ]
المتكلمون جعلوا أصل دينهم النظر في دليل الأعراض وحدوث الأجسام
والمقصود هنا أنّ هؤلاء جعلوا هذا أصل دينهم وإيمانهم، وجعلوا النظر في هذا الدليل هو النظر الواجب على كلّ مكلّف، وأنّه من لم ينظر في هذا الدليل؛ فإمّا أنّه لا يصحّ إيمانه، فيكون كافرًا١ على قول طائفة منهم، وإمّا أن يكون عاصيًا٢ على قول آخرين، وإما أن يكون مقلّدًا لا علم له بدينه، لكنه ينفعه هذا التقليد، ويصير به مؤمنًا غير عاص.
الرسول لم يدع الخلق إلى دليل النظر
والأقوال الثلاثة باطلة؛ لأنّها مفرّعة على أصل باطل، وهو أنّ النظر الذي هو أصل الدين والإيمان، هو هذا النظر في هذا الدليل؛ فإنّ علماء المسلمين يعلمون بالاضطرار أنّ الرسول لم يدع الخلق بهذا النظر، ولا بهذا الدليل؛ لا عامة الخلق، ولا خاصّتهم٣، فامتنع أن يكون هذا شرطًا في الإيمان والعلم.
_________________
(١) ١ وذلك لأنّ النظر في هذا الدليل «دليل الأعراض وحدوث الأجسام» هو المسلك الوحيد عندهم لإثبات وجود الله تعالى، فمن لم يسلكه عجز عن إثبات وجود ربّه وتصحيح عقيدته، فصار من الملحدين. انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/٣٠٣. والفرقان بين الحق والباطل له ص ٤٧. وشرح حديث النزول ص ١٦١-١٦٢) . يقول الماتريديّ عن الله تعالى: "لا سبيل إلى العلم به، إلا من طريق دلالة العالم عليه". التوحيد للماتريدي ص ١٢٩ ويقول أبو حامد الغزالي: " فبان أنّ من لا يعتقد حدوث الأجسام، فلا أصل لاعتقاده في الصانع أصلًا". تهافت الفلاسفة ص ١٩٧. ٢ قال الصاوي: "والحق الذي عليه المعوّل: أنّه مؤمن عاص بترك النظر إلخ". شرح جوهرة التوحيد للصاوي ص ٦١ ٣ فالأنبياء ﵈ - وفي مقدمتهم نبيّنا ﷺ - لم يأمروا أحدًا بسلوك هذا السبيل، فدلّ ذلك على أنّه غير مشروع؛ إذ لو كان واجبًا أو مستحبًا لشرعه رسول الله ﷺ. وما دام الأمر كذلك، فليست معرفة الله تعالى موقوفة عليه؛ إذ معرفته جلّ وعلا واجبة. انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٦/٥٠.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وقد شهد القرآن والرسول لمن شهد له من الصحابة وغيرهم بالعلم، وأنّهم عالمون بصدق الرسول، وبما جاء به، وعالمون بالله، وبأنّه لا إله إلا الله، ولم يكن الموجب لعلمهم هذا الدليل المعيّن١؛ كما قال تعالى:
﴿وَيَرَىْ الّذِيْنَ أُوْتُوْا الْعِلْمَ الّذِيْ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقُّ وَيَهْدِيْ إِلَىْ صِرَاْطِ الْعَزِيْزِ الْحَمِيْدِ﴾ ٢، وقال: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوْا الْعِلْمِ قَاْئِمًَا بِالْقِسْطِ﴾ ٣، وقال: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَاْ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىْ﴾ ٤.
وقد وصف باليقين والبصيرة في غير موضع؛ كقوله: ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوْقِنُوْنَ﴾ ٥، وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ٦، وقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيْلِيْ أَدْعوا إِلَىْ اللهِ عَلَىْ بَصِيْرَةٍ أَنَا وَمنِ اتَّبَعَنيْ﴾ ٧، وأمثال ذلك.
فتبين أنّ هذا النظر والاستدلال الذي أوجبه هؤلاء، وجعلوه أصلَ الدين، ليس ممّا أوجبه الله ورسوله٨. ولو قدّر أنّه صحيح في نفسه، وأنّ
_________________
(١) ١ وهو ما أنكره بعض النظّار أنفسهم. يقول أبو حامد الغزالي - وهو من أئمة المتكلمين: "فليت شعري متى نُقل عن رسول الله ﷺ، أو عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم قالوا لمن جاء مسلمًا الدليل على أنّ العالم حادث: أنّه لا يخلو عن الأعراض، وما لا يخلو عن الحوادث حادث". فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة للغزالي ص ٨٩. ٢ سورة سبأ، الآية ٦. ٣ سورة آل عمران، الآية ١٨. ٤ سورة الرعد، الآية ١٩. ٥ سورة البقرة، الآية ٤. ٦ سورة البقرة، الآية ٤. ٧ سورة يوسف، الآية ١٠٨. ٨ بل لم يرد في إثبات هذا النظر والاستدلال دليلٌ؛ لا من كتاب، ولا سنّة، ولا خبر صحابي، ولا قول تابعيّ، ولا أحد من أئمة الدين. انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/٣١٥-٣١٦.
[ ١ / ٢٥٦ ]
الرسول أخبر بصحته، ولم يلزم من ذلك وجوبه؛ إذ قد يكون للمطلوب أدلة كثيرة.
طعن الرازي وغيره على الجويني
ولهذا طعن الرازي١، وأمثاله٢ على أبي المعالي٣ في قوله أنّه لا يُعلم حدوث العالم إلا بهذا الطريق٤، وقالوا: هب أنّه يدلّ على حدوث العالم، فمن أين يجب أن لا يكون ثمّ طريق آخر.
_________________
(١) ١ هو محمد بن عمر بن الحسن التيمي؛ فخري الدين الرازي. أشعري المعتقد، إلا أنّه خلط مذهبه بالاعتزال والفلسفة. توفي سنة ٦٠٦؟. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان ٣/٣٨١-٣٨٥. ونقض التأسيس لابن تيمية - مخطوط - ق ٢٨/أ. ولسان الميزان لابن حجر ٤/٢٤٦-٢٤٩. ٢ كأبي الحسن الآمدي الذي قلّل من شأن دليل الأعراض وحدوث الأجسام، وقال بعد أن نقل الدليل بطوله: "وهو عند التحقيق سرابٌ غير حقيق". غاية المرام في علم الكلام للآمدي ص ٢٦٠. ٣ هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف، أبو المعالي الجويني. احتار في آخر عمره، وتمنّى أن يكون على عقيدة عجائز بلده. توفي سنة ٤٧٨؟. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ١٨/٤٦٨-٤٧٧. والفتاوى المصرية لابن تيمية ٦/٦٢٠-٦٢١. وبغية المرتاد له ص ٤٥٠. ٤ انظر: نهاية العقول للرازي - مخطوط - ق ١٧٥/ب. والمطالب العالية له ١/٧١. والمباحث المشرقية له ١/٣٢٧، ٣٦٥. "فقد ضعّف البراهين الخمسة التي احتجّ بها أبو المعالي - في الإرشاد ص ٣٧ - ومن شايعه على حدوث العالم وحدوث الأجسام". وقد ذكر شيخ الإسلام موقف الأشعريّة من دليل الأعراض في موضع آخر، فقال: "لكن هؤلاء وغيرهم يعتقدون صحة تلك الطريق، وإن قالوا إنّ تصديق الرسول لا يتوقف عليها. ثم منهم من يقول إنها لا تعارض النصوص، بل يمكن الجمع بينهما؛ وهذه طريقة الأشعريّ وأئمة أصحابه؛ يثبتون الصفات الخبرية التي جاء بها القرآن، مع اعتقاد صحة طريق الاستدلال بحدوث الأعراض وتركيب الأجسام ومن هؤلاء من يدّعي التعارض بينهما؛ كالرازي وأمثاله؛ كما يقول ذلك من يوجب الاستدلال بطريقة حدوث الأعراض؛ كالمعتزلة وأبي المعالي وأتباعه". درء تعارض العقل والنقل ٧/٧٤-٧٥.
[ ١ / ٢٥٧ ]
وسلكوا هم طرقًا أُخَر.
فلو كانت هذه الطريقة صحيحة عقلًا، وقد شهد لها الرسول والمؤمنون الذين لا يجتمعون على ضلالة بأنها طريق صحيحة، لم يتعيّن، مع إمكان سلوك طرق أُخرى١.
كما أنّه في القرآن سور وآيات قد ثبت بالنصّ والإجماع أنها من آيات الله الدالّة على الهدى. ومع هذا، فإذا اهتدى الرجل بغيرها، وقام بالواجب، ومات ولم يعلم بها، ولم يتمكن من سماعها، لم يضرّه؛ كالآيات المكيّة التي اهتدى بها من آمن ومات في حياة النبيّ ﷺ قبل أن ينزل سائر القرآن. فالدليل يجب طرده، لا يجب عكسه٢
_________________
(١) ١ فكيف! وهي طريق بدعيّة لم ترد في كتاب الله، ولا سنّة رسوله ﷺ، ولم يسلكها أحدٌ من الصحابة الموصوفين بالعلم والإيمان، وكذا التابعون لهم بإحسان. ٢ الطرد: ما يوجب الحكم لوجود العلة؛ وهو التلازم في الثبوت. والعكس: عبارة عن تعليق نقيض الحكم المذكور بنقيض علته المذكورة. وقيل العكس: عدم الحكم لعدم العلة. انظر: التعريفات للجرجاني ص ١٨٣، ١٩٨. والعدة في أصول الفقه للقاضي أبي يعلى ١/٧٧. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية موضّحًا هذه القاعدة - فالدليل يجب طرده، لا يجب عكسه - في بعض مؤلفاته: "فمن المعلوم أنّ الدليل يجب طرده، وهو ملزوم للمدلول عليه؛ فيلزم من ثبوت الدليل ثبوت المدلول عليه، ولا يجب عكسه؛ فلا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول له. وهذا كالمخلوقات؛ فإنّها آية للخالق؛ فيلزم من ثبوتها ثبوت الخالق، ولا يلزم من وجود الخالق وجودها. وكذلك الآيات الدالاّت على نبوة النبيّ. وكذلك كثير من الأخبار والأقيسة الدالّة على بعض الأحكام، يلزم من ثبوتها ثبوت الحكم، ولا يلزم من عدمها عدمه؛ إذ قد يكون الحكم معلومًا بدليل آخر..". درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٥/٢٦٩-٢٧٠.
[ ١ / ٢٥٨ ]
من أنكر سلوك هذه الطريقة
ولهذا أنكر كثير من العلماء على هؤلاء إيجاب سلوك هذه الطريق، مع تسليمهم أنّها صحيحة؛ كالخطّابي ١٢، والقاضي أبي يعلى٣، وابن عقيل٤٥، وغيرهم٦.
_________________
(١) ١ هو حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطّاب البستي. إمام صاحب تصانيف. تأثر بتقريرات المتكلمين في بعض جوانب العقيدة. توفي سنة ٣٨٨؟. انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/٢١٤-٢١٦. وسير أعلام النبلاء للذهبي ١٧/٢٣-٢٨) . ٢ وقد نصّ على أنّه يرى أنّ الطرق الشرعيّة أوضح بيانًا، وأصحّ برهانًا من طريقة الأعراض وحدوث الأجسام، وممّا قاله: "فأما مثبتوا النبوات فقد أغناهم الله تعالى عن ذلك، وكفاهم كلفة المؤونة في ركوب هذه الطريق المنعرجة التي لا يؤمن العنت على راكبها، والابتداع والانقطاع على سالكها) . ذكر ذلك في كتاب الغنية عن الكلام وأهله. وقد نقل عنه ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في نقض التأسيس ١/٢٥٤. وفي درء تعارض العقل والنقل ٧/٢٩٢-٢٩٤. ٣ تقدمت ترجمته. ولم أقف على كلام له في ذلك. وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أنّ أبا يعلى ممّن انتقد دليل الأعراض وحدوث الأجسام. انظر: مجموع الفتاوى ٥/٥٤٣. ٤ هو أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي. وقع في حبائل المعتزلة، فتجاسر على تأويل الصفات. من مؤلفاته كتاب الفنون الذي يزيد على أربعمائة مجلد، ولد سنة ٤٣٠؟ أو ٤٣١؟. توفي سنة ٥١٣؟. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ١٩/٤٤٣-٤٥١. ولسان الميزان لابن حجر ٤/٢٤٣-٢٤٤. ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية ١/٤٢٤، وشذرات الذهب ٤/٣٥. ٥ وها هو ابن عقيل - رغم وقوعه في حبائل المتكلمين - يقول: "أنا أقطع أنّ الصحابة ماتوا ولم يعرفوا الجوهر ولا العرض. فإن رضيتَ أن تكون مثلهم، فكن. وإنرأيتَ أنّ طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر، فبئس ما رأيتَ". نقله عنه ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص ٨٥. وانظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٨/٤٨. ٦ كأبي حامد الغزالي (في فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ص ١٢٧)، وأبي الحسن الآمدي (في غاية المرام في علم الكلام ص ٢٦٠)، وابن رشد الحفيد (في الكشف عن مناهج الأدلة ص ٤٣)، وغيرهم.
[ ١ / ٢٥٩ ]
والأشعري١ نفسه أنكر على من أوجب سلوكها أيضًا في رسالته إلى أهل الثغر، مع اعتقاده صحتها٢، واختصر منها طريقة ذكرها في أول كتابه المشهور المسمّى ب «اللّمع» في الردّ على أهل البدع، وقد اعتنى به أصحابه حتى شرحوه شروحًا كثيرة. والقاضي أبو بكر٣ شرحه، ونقض كتاب عبد الجبار٤ الذي صنّفه في نقضه، وسمّاه «نقض نقض اللمع» ٥.
_________________
(١) ١ هو علي بن إسماعيل بن أبي بشر. ينتسب إلى أبي موسى الأشعري صاحب رسول الله ﷺ. وكنيته أبو الحسن. ولد في البصرة سنة (٢٦٠؟)، وتوفي على القول الراجح سنة (٣٢٤؟) في بغداد. وكان له ثلاثة أحوال، كان في أولاها معتزليًا، وسلك في الثانية مذهب ابن كلاب، ورجع أخيرًا إلى معتقد السلف، وألّف عدة كتب في نصرة معتقدهم؛ ككتاب «الإبانة»، و«رسالة إلى أهل الثغر»، و«مقالات الإسلاميين» . انظر: البداية والنهاية ١١/١٩٩. وشذرات الذهب ٢/٣٠٢. ومقدمة تحقيق د/عبد الله شاكر ل «رسالة إلى أهل الثغر» لأبي الحسن الأشعري) . ٢ وقد ذكر في رسالة إلى أهل الثغر: "أنّ الأعراض لا يصحّ الاستدلال بها إلا بعد رتب كثيرة يطول الخلاف فيها ويدقّ الكلام عليها؛ فمنها ما يحتاج إليه في الاستدلال على وجودها، والمعرفة بشبه المنكرين لها إلخ"؛ من طولها، وغموضها، والتناقضات التي حوتها.. لذلك رأى الأشعريّ - مع تصحيحه لطريقة الأعراض - أنّ في الطرق الشرعيّة غنية عنها. انظر: رسالة إلى أهل الثغر ص ١٨٤-١٨٥، ١٨٦-١٨٧. وانظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/٣٠٩. ٣ محمد بن الطيّب الباقلاني. سبقت ترجمته ص ١١٦ من هذا الكتاب. ٤ هو عبد الجبار بن أحمد الهمداني، شيخ المعتزلة. توفي سنة ٤١٥؟. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ١٧/٢٤٤-٢٤٥. ولسان الميزان لابن حجر ٣/٣٨٦-٣٨٧. ٥ في «خ»: (نقض النقض للمع) . وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٢٦٠ ]
دليل الأعراض وحدوث الأجسام يوجب اعتقادات ولوزام باطلة
وأما أكابر أهل العلم من السلف والخلف: فعلموا أنها طريقة باطلة في نفسها، مخالفة لصريح المعقول وصحيح المنقول، وأنّه لا يحصل بها العلم بالصانع، ولا بغير ذلك١، بل يوجب سلوكها اعتقادات باطلة توجب٢ مخالفة كثير ممّا جاء به الرسول، مع مخالفة صريح المعقول٣؛ كما أصاب من سلكها من الجهميّة، والمعتزلة، والكُلاّبيّة، والكرّاميّة، ومن تبعهم من الطوائف، وإن لم يعرفوا غورها وحقيقتها؛ فإنّ أئمة هؤلاء الطوائف صار كل منهم يلتزم ما يراه لازمًا له ليطردها، فيلتزم لوازم٤ مخالفة للشرع والعقل، فيجيء الآخر، فيردّ عليه، ويبيّن فساد ما التزمه، ويلتزم هو لوازم أُخر لطردها، فيقع أيضًا في مخالفة الشرع والعقل.
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر عن هذه الطريقة: "فهذه الطريقة ممّا يُعلم بالاضطرار أنّ محمّدًا ﷺ لم يدع الناس بها إلى الإقرار بالخالق ونبوة أنبيائه. ولهذا قد اعترف حذّاق أهل الكلام كالأشعريّ وغيره بأنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم، ولا سلف الأمة وأئمتها، وذكروا أنها محرمة عندهم. بل المحققون على أنها طريقة باطلة". درء تعارض العقل والنقل ١/٣٩. ٢ في «خ»: يوجب. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ من ذلك تعطيل الله ﵎ عن صفاته العُلا التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله؛ كلها، أو بعضها.. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر: "لأجل الاستدلال على حدوث العالم بحدوث الأعراض: التزم طوائف من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم نفي صفات الرب مطلقًا، أو نفي بعضها؛ لأنّ الدالّ عندهم على حدوث هذه الأشياء هو قيام الصفات بها، والدليل يجب طرده؛ فالتزموا حدوث كل موصوف بصفة قائمة به، وهو أيضًا في غاية الفساد والضلال. ولهذا التزموا القول بخلق القرآن، وإنكار رؤية الله في الآخرة، وعلوه على عرشه،". درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/٤١. ٤ في «خ»: لوازمًا. والصواب ما أُثبت، وهو في «م»، و«ط»؛ لأنّ (لوازم) ممنوعة من الصرف.
[ ١ / ٢٦١ ]
الجهمية التزموا لأجلها نفي الأسماء والصفات
فالجهمية التزموا لأجلها نفي أسماء الله وصفاته، إذ كانت الصفات أعراضًا تقوم بالموصوف، ولا يُعقل موصوف بصفة إلا الجسم١، فإذا اعتقدوا حدوثه، اعتقدوا حدوث كلّ موصوف بصفة، والربّ تعالى قديم. فالتزموا نفي صفاته. وأسماؤه مستلزمة لصفاته؛ فنفوا أسماءه الحسنى٢، وصفاته العُلا٣.
المعتزلة التزموا نفي الصفات
والمعتزلة استعظموا نفي الأسماء لما فيه من٤ تكذيب القرآن تكذيبًا ظاهر الخروج عن العقل والتناقض؛ فإنّه لا بُدّ من التمييز بين الربّ وغيره بالقلب واللسان، فما لا يُميَّز من غيره لا حقيقة له ولا إثبات. وهو حقيقة قول الجهميّة؛ فإنّهم لم يُثبتوا في نفس الأمر شيئًا قديمًا البتة٥.
_________________
(١) ١ في «خ»: لجسم. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ حكى عنهم شيخ الإسلام في موضع آخر أنهم يقولون عن الله تعالى: "ليس له اسم؛ كالشيء، والحيّ، والعليم، ونحو ذلك؛ لأنه إذا كان له اسم من هذه الأسماء، لزم أن يكون متصفًا بمعنى الاسم؛ كالحياة، والعلم؛ فإنّ صِدق المشتقّ مستلزم لصدق المشتقّ منه، وذلك يقتضي قيام الصفات به، وذلك محال ". مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/٣٥. ٣ وقد بسط شيخ الإسلام ﵀ الكلام عن تعطيل الجهميّة لأسماء الله وصفاته مستندين لدليل الأعراض وحدوث الأجسام في مواضع كثيرة من كتبه الفريدة. انظر: على سبيل المثال: شرح حديث النزول ص ١٥٧. ودرء تعارض العقل والنقل ١/٣٩، ٣٠٥،، ١٠/٢٦٠. ومنهاج السنة النبوية ٢/٩٧-٩٩) . ٤ في «خ»: مع. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ وأسماء الله تعالى يُثبتونها على أنّها مجاز في الربّ جلّ وعزّ؛ إذ إثباتها على الحقيقة يستلزم إثبات ما دلّت عليه من صفات. وهذا ما يفرّ المعتزلة من إثباته.. لأنّهم يزعمون أنّ إثبات الصفات لله تعالى يقتضي أن يكون جسمًا. انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/٤١. ومنهاج السنة النبوية ٣/٣٦١. وشرح الطحاوية ١/٢٤-٢٥.
[ ١ / ٢٦٢ ]
الفلاسفة قالوا بقدم العالم
كما أنّ المتفلسفة الذين سلكوا مسلك الإمكان والوجوب١، وجعلوا ذلك بدل الحادث والقديم، لم يُثبتوا واجبًا بنفسه البتة٢، وظهر بهذا فساد عقلهم، وعظيم جهلهم، مع الكفر؛ وذلك أنّه يُشهد وجود السموات وغيرها. فهذه الأفلاك إن كانت قديمة واجبة، فقد ثبت وجود الموجود القديم الواجب، وإن كانت ممكنة، أو مُحدثة، فلا بُدّ لها من واجب قديم؛ فإنّ وجود الممكن بدون الواجب٣، والمحدَث بدون القديم ممتنعٌ في بداية العقول. فثبت وجود موجود قديم واجب بنفسه على كلّ تقدير.
فإذا كان ما ذكروه من نفي الصفات عن القديم والواجب يستلزم نفي القديم مطلقًا، ونفي الواجب: عُلم أنّه باطلٌ٤.
_________________
(١) ١ إذ الوجود - عندهم - ينقسم إلى واجب، وممكن - وهو خلاف تقسيم المتكلمين له إلى قديم وحادث. ويُعرّف المتفلسفة الواجب: بأنّه الضروريّ الوجود - وهو يُقابل القديم عند المتكلمين -. ويُعرّفون الممكن بأنّه الذي لا ضرورة فيه بوجه؛ أي لا في وجوده، ولا عدمه - وهو يُقابل المُحدَث عند المتكلمين. انظر: النجاة لابن سينا ص ٣٦٦. ومعيار العلم في فن المنطق للغزالي ص ٣٢٥-٣٢٦. ٢ وهم يزعمون أنّ واجب الوجود هو الذات دون صفاتها. ولا يُعقل ذات مجرّدة عن الصفات، بل ذلك من صفات العدم؛ لذلك لم يُثبتوا واجبًا. انظر: منهاج السنة لابن تيمية ١/٢٦٦. ٣ في «خ»: الوجب. ويبدو أنّ الألف سقطت سهوًا. ٤ لأنّ الواجب المجرّد عن جميع الصفات، أو القديم الذي ليس له صفة تُميّزه: ممتنع الوجود؛ إذ لا بُدّ لوجوب وجود الواجب، وإثبات وجود القديم من إثبات ما يُميّزه من الصفات.. ولا يستلزم ذلك تعدّد القدماء، أو تركيب الواجب؛ لأنّ نفي ذلك يقتضي نفي ما يُريدون إثباته.. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وإذا لم يكن واجبًا، لم يلزم من التركيب مُحال، وذلك لأنّهم إنّما نفوا المعاني لاستلزامها ثبوت التركيب، المستلزم لنفي الوجوب. وهذا تناقض؛ فإنّ نفي المعاني مستلزم لنفي الوجوب، فكيف ينفونها لثبوته؟! ". مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/٣٤٥.
[ ١ / ٢٦٣ ]
من نفى صفة لزمه نفي جميع الصفات
وقد بُسط هذا في مواضع١، وبُيِّن أنّ كلّ من نفى صفة ممّا أخبر به الرسول لزمه نفي جميع الصفات، فلا يُمكن القول بموجب أدلة العقول، إلا مع القول بصدق الرسول؛ فأدلة العقول مستلزمة لصدق الرسول٢؛ فلا يمكن مع عدم تصديقه القول بموجب العقول، بل من كذّبه فليس معه لا عقل، ولا سمع؛ كما أخبر الله تعالى عن أهل النّار:
قال تعالى: ﴿كُلَّمَاْ أُلْقِيَ فِيْهَاْ فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَاْ أَلَمْ يَاْتِكُمْ نَذِيْرٌ قاْلُوْا بَلَىْ قَدْ جَاْءَنَاْ نَذِيْرٌ فَكَذَّبْنَاْ وَقُلْنَاْ مَاْ نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِيْ ضَلاَلٍ كَبِيْرٍ وَقَاْلُوْا لَوْ كُنَّاْ نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَاْ كُنَّاْ فِيْ أَصْحَاْبِ السَّعِيْر فَاعْتَرَفُوْا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًَا لأصْحَاْبِ السَّعِيْرِ﴾ ٣، وهذا مبسوطٌ في غير هذا الموضع٤.
_________________
(١) ١ انظر: من كتب ابن تيمية: منهاج السنة النبوية ٢/٢٦٧. ومجموع الفتاوى ٦/٣٤٥. ودرء تعارض العقل والنقل١/٤١. والتدمرية ص ٣١. ٢ أما المعقولات التي تُخالف ما جاء به الرسول، فالمتأمّل لها يجد أنها وضعت لتكذيب الرسول، لا لتصديقه؛ كما يزعم أصحابها؛ لذلك يصفها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بتسميته لها: "ترتيب الأصول في تكذيب الرسول". انظر: درء تعارض العقل والنقل ٢/٢٠٧. ٣ سورة الملك، الآيات ٨-١٠. ٤ انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/٣٢٠. ومجموع فتاوى ابن تيمية ١٦/٤٥٢.
[ ١ / ٢٦٤ ]
المعتزلة نفوا الصفات وأثبتوا الأسماء
والمقصود هنا أنّ المعتزلة لمّا رأوا الجهميّة قد نفوا أسماء الله الحسنى، [استعظموا ذلك] ١، وأقرّوا بالأسماء. ولمّا رأوا هذه الطريق٢ توجب نفي الصفات: نفوا الصفات؛ فصاروا متناقضين؛ فإنّ إثبات حيّ، عليم، قدير، حكيم، سميع، بصير، بلا حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا حكمة، ولا سمع، ولا بصر: مكابرة للعقل؛ كإثبات مصلٍّ بلا صلاة، وصائمٍ بلا صيام، وقائمٍ بلا قيام، ونحو ذلك من الأسماء المشتقة؛ كأسماء الفاعلين، والصفات المعدولة عنها.
ولهذا ذكروا في أصول الفقه٣ أنّ صدق الاسم المشتقّ٤؛ كالحيّ، والعليم لا ينفكّ عن صدق المشتق منه؛ كالحياة، والعلم. وذكروا النزاع مع من٥ ذكروه من المعتزلة؛ كأبي عليّ٦، وأبي
_________________
(١) (استعظموا ذلك): ليست في «خ» . وأثبتها من «م»، و«ط» . ٢ طريق التركيب؛ إذ زعموا أنّ إثبات الصفات يستلزم تعدّد القدماء، فيكون القديم مُركّبًا، والقديم ليس بمُركّب، لذلك زعم عبد الجبار أنّ نفي الصفات هو السبيل الوحيد إلى القول بإفراد الله بالقدم انظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل لعبد الجبار ٤/٣٤١، ونفي الصفات هو أحد أصول المعتزلة الخمسة، ويُطلقون عليه اسم التوحيد. انظر: شرح المقاصد للتفتازاني ٤/٨٣ والملل والنحل للشهرستاني ص ٤٦-٤٧. ٣ قال في المراقي: وعند فقد الوصف لا يشتق وأعوز المعتزليّ الحقّ شرح مراقي السعود ص ٢٥٧. وانظر: بدائع الفوائد لابن القيم ١/٢٢. ٤ في «خ»: مشتق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ في «خ»: معمن - موصولة. ٦ أبو عليّ محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان، مولى عثمان ابن عفان، الجبائي البصري. ولد في سنة ٢٣٤؟. شيخ المعتزلة. تنسب إليه فرقة الجبائية من المعتزلة. درس الاعتزال على شيخ المعتزلة عن أبي يعقوب الشحّام، وتزوّج الجبائي بأمّ الأشعريّ، فتتلمذ عليه الأشعريّ قبل أن يترك الاعتزال. توفي سنة ٣٣٥؟، ومات بالبصرة. انظر: الملل والنحل للشهرستاني ١/٧٨. والبداية والنهاية ١١/١٣٤. وسير أعلام النبلاء ١٤/١٨٣. وذكر مذاهب الفرق الثنتين والسبعين المخالفة للسنة والمبتدعين ص ٥٠.
[ ١ / ٢٦٥ ]
هاشم١،
الكلابية أثبتوا الصفات العقلية
فجاء ابن كُلاّب، ومن اتبعه؛ كالأشعريّ، والقلانسيّ٢، فقرّروا أنّه لا بُدّ من إثبات الصفات متابعة للدليل السمعيّ والعقليّ، مع إثبات الأسماء. وقالوا: ليست أعراضًا٣؛ لأنّ العرض لا يبقى
_________________
(١) ١ أبو هاشم: هو عبد السلام بن أبي علي محمد بن عبد الوهاب. ولد سنة ٢٧٧؟، وتوفي سنة ٣٢١. وإليه تنسب فرقة البهشمية - إحدى فرق المعتزلة. انظر: شذرات الذهب ٢/٢٨٩. وسير أعلام النبلاء ١٥/٦٣. والملل والنحل١/٧٨وذكر مذاهب الفرق الثنتين والسبعين المخالفة للسنة والمبتدعين ص ٥٧. ٢ هو أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن خالد القلانسي الرازي. قال عنه ابن عساكر: (إنه من معاصري أبي الحسن ﵀، لا من تلاميذه كما قال الأهوازي. وهو من جملة العلماء الكبار الأثبات، واعتقاده موافق لاعتقاده في الإثبات) . تبيين كذب المفتري ص ٣٩٨. ٣ ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنّ العرض في اللغة: هو ما يعرض ويزول. انظر: مجموع الفتاوى ٥/٢١٥،، ٩/٣٠٠. واستدلّ بقوله تعالى: ﴿يَأْخُذُوْنَ عَرَضَ هَذَاْ الأدْنَىْ﴾ [سورة الأعراف، ١٦٩] . وذكر ﵀ أنّ العرض عند أهل الاصطلاح الكلامي: "قد يُراد به ما يقوم بغيره مطلقًا، وقد يُراد به ما يقوم بالجسم من الصفات. ويُراد به في غير هذا الاصطلاح أمور أخرى". مجموع الفتاوى ٩/٣٠٠. أمّا المتكلّمون: فالعرض عندهم ضدّ الجوهر؛ إذ العالم عندهم جواهر وأعراض. فالجوهر: هو المتحيّز، وكل ذي حجم متحيّز. والعرض: هو المعنى القائم بالجوهر؛ كاللون، والطعم، والرائحة، والحياة، والموت، والعلوم والإرادات، والقُدَر القائمة بالجواهر. انظر: الإرشاد للجويني ص ٢. وأصول الدين للبغدادي ص ٣٣.
[ ١ / ٢٦٦ ]
زمانين١، [وصفات الربّ باقية٢.
من قال: إن العرض لا يبقى زمانين
وسلكوا في هذا الفرق - وهو أنّ العرض لا يبقى زمانين] ٣ - مسلكًا أنكره عليهم جمهور العقلاء، وقالوا: إنهم خالفوا الحسّ وضرورة العقل، وهم موافقون لأولئك٤ على صحة هذه الطريقة - طريقة الأعراض - قالوا: وهذه٥ تنفي عن الله أن يقوم به حادِث، وكلّ حادِثٍ فإنّما يكون بمشيئته وقدرته. قالوا: فلا يتّصف بشيء من هذه الأمور؛ لا يتكلّم بمشيئته وقدرته، ولا يقوم به فعل اختياري يحصل بمشيئته وقدرته٦؛ كخلق العالَم، وغيره.
بل منهم من قال: لا يقوم به فعل، بل الخلق هو المخلوق؛ كالأشعريّ ومن وافقه٧.
_________________
(١) ١ بل يطرأ عليه التغيّر والتحوّل، وهذا من صفات الحوادث. انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/٣٠٢-٣٠٦. ٢ وليس ذلك شاملًا لكل صفات الله تعالى؛ بل يُفرّقون بين صفات الأفعال، وما عداها؛ فيُطلقون على صفات الأفعال اسم الأعراض، وينفون قيامها بالله تعالى؛ بحجة أنها تعرض وتزول - بزعمهم -، ولا يُطلقون اسم الأعراض على ما عدا ذلك من الصفات. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/٣٦. وعلى هذا المعتقد متقدموا الكلابيّة والأشعريّة، وقد نقل اتفاقهم على ذلك: الرازي في كتابه «المحصّل» ص ٢٦٥. والإيجي في «المواقف» ص ١٠١. ٣ ما بين المعقوفتين ساقطة من أصل «خ»، وملحقة بالهامش. وهي في «م»، و«ط» . ٤ للمعتزلة. ٥ أي طريقة الأعراض. ٦ قالوا: لو قامت به الأفعال الاختياريّة، للزم أن لا يخلو منها؛ لأنّ القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضدّه. وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. انظر: إحياء علوم الدين للغزالي ١/١٠٤-١٠٧. ونهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني ص ١١. وشرح جوهرة التوحيد للبيجوري ص ٥١. ٧ كابن فورك، والغزالي، وغيرهما. انظر: مشكل الحديث وبيانه لابن فورك ص ٤٧٢-٤٧٣. وقواعد العقائد للغزالي ص ١٦٥-١٦٧.
[ ١ / ٢٦٧ ]
ومنهم من قال: بل فعل الربّ قديم أزليّ، وهو من صفاته الأزليّة؛ وهو قول قدماء الكلابيّة١، وهو الذي ذكره أصحاب ابن خزيمة٢
ما وقع بين ابن خزيمة والكلابية
لمّا وقع بينه وبينهم بسبب هذا الأصل، فكتبوا عقيدةً اصطلحوا عليها٣، وفيها: إثبات الفعل القديم الأزليّ.
وكان سبب ذلك أنّهم كانوا كلابيّة يقولون: إنّه لا يتكلّم بمشيئته وقدرته، بل كلامه المعيّن لازمٌ لذاته أزلًا وأبدًا.
_________________
(١) ١ الكلابية: هم أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد القطان، المعروف بابن كلاب. سلك الأشعريّ مسلكه في طوره الثاني، وتوفي سنة ٢٤٠؟. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الكلابية والأشعرية خير من هؤلاء - يقصد النجارية والضرارية - في باب الأسماء والصفات؛ فإنهم يثبتون لله الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة؛ كما فصّلتُ أقوالهم في غير هذا الموضع. وأما في القدر ومسائل الأسماء والأحكام فأقوالهم متقاربة) . مجموع الفتاوى ٣/١٠٣. وانظر: مقالات الإسلاميين ١/٣٥٠، ٣٥١،، ٢/٢٢٥-٢٢٧. وذكر مذاهب الفرق الثنتين والسبعين المخالفة للسنة والمبتدعين ص ١٣٩-١٤٠. ٢ أصحاب ابن خزيمة: المقصود بهم: أبو علي الثقفي، وأبو بكر الصيفي، وكانا من أخص تلاميذ ابن خزيمة وكانا يقولان بقول ابن كلاب في كلام الله: أنّه أزليّ، وأنّه لا يتكلّم إذا شاء، متى شاء، ولا يتعلّق ذلك بمشيئته. فوقع بين ابن خزيمة وبينهما في ذلك نزاع، حتى أظهروا موافقتهم له فيما لا نزاع فيه. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٢/٩، ٧٧-٨٣، ١٠١. ومجموع الفتاوى ١٧/٥٦. وسير أعلام النبلاء ١٤/٣٧٧-٣٨١. وابن كُلاّب كان قد نفى أن يكون كلام الله تعالى من صفات الأفعال، وأثبته على أنّه كلامٌ يقوم بذات المتكلّم بلا قدرة ولا مشيئة، أزليّ كأزليّة العلم والقدرة. انظر: شرح حديث النزول لابن تيمية ص ١٦٩-١٧٠. ودرء تعارض العقل والنقل له ٢/١٨. ٣ ذكر شيخ الإسلام ﵀ أنّ هذه المشاجرة التي وقعت بين ابن خزيمة وبعض أصحابه، وما نتج عنها، ذكرها بطولها الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في تاريخ نيسابور. انظر: مجموع الفتاوى ١٧/٥٦. ودرء تعارض العقل والنقل ٢/٧٨-٨٣.
[ ١ / ٢٦٨ ]
وكان ابن خزيمة وغيره على القول المعروف للمسلمين وأهل السنّة: أنّ الله يتكلّم بمشيئته وقدرته، وكان قد بلغه عن الإمام أحمد أنّه كان يذمّ الكلابيّة، وأنّه أمر بهجر الحارث المحاسبي١ لما بلغه أنه على قول ابن كلاب٢. وكان يقول: حذروا عن حارث الفقير؛ فإنّه جهميّ٣. واشتهر هذا عن أحمد٤.
_________________
(١) ١ هو الحارث بن أسد المحاسبي، أبو عبد الله. من شيوخ الصوفية. قال عنه الذهبي: صدوق في نفسه. وقد نقموا عليه بعض تصوفه وتصانيفه. سير أعلام النبلاء١٢/١١٠-١١٢. وقال شيخ الإسلام ﵀: "وبسبب مذهب ابن كلاب هجره الإمام أحمد بن حنبل، وقيل تاب منه". منهاج السنة النبوية ١/٤٢٤. وانظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ١٢/٣٦٨. وقد نقل ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص٢٤٠ عن أبي عبد الرحمن السلمي - صاحب طبقات الصوفية ت ٤١٢ أنه قال "وتكلم الحارث المحاسبي في شيء من الكلام والصفات، فهجره أحمد بن حنبل، فاختفى إلى أن مات". ٢ في «ط»: ابن كلام. وهو خطأ مطبعيّ. ٣ لم أجد هذه العبارة بنصها فيما اطلعت عليه من مصادر. ولكن ذكر أبو يعلى في الطبقات: عن الإمام أحمد أنه قال: "حارث أصل البليّة ما الآفة إلاّ حارِث حذّروا عن حارث أشدّ التحذير..". الطبقات ١/٦٢-٦٣. ونقل ابن الجوزي عن الخلال في كتابه السنة، عن أحمد بن حنبل أنه قال: "احذروا من الحارث أشد التحذير.. الحارث أصل البلية - يعني في حوادث كلام جهم - ذاك جالسه فلان وفلان، وأخرجهم إلى رأي جهم، وما زال مأوى أصحاب الكلام.. حارث بمنزلة الأسد المرابط، انظر: أي يوم يثب على الناس". تلبيس إبليس ص ٢٤٠. ٤ لعل كلمة الإمام أحمد ﵀ فيه قبل أن يتوب ويرجع كما ذكر ذلك ابن تيمية ﵀.. قال شيخ الإسلام ﵀: "وكان الحارث المحاسبي يوافقه - أي ابن كلاب، ثم قيل إنه رجع عن موافقته؛ فإنّ أحمد بن حنبل أمر بهجر الحارث المحاسبي وغيره من أصحاب ابن كلاب لما أظهروا ذلك.. كما أمر السري السقطي الجنيد أن يتقي بعض كلام الحارث. فذكروا أنّ الحارث ﵀ تاب من ذلك، وكان له من العلم والفضل والزهد". مجموع الفتاوى ٦/٥٢١-٥٢٢. وانظر: المصدر نفسه ١٢/٣٦٨، ١٧/٥٦. ودرء تعارض العقل والنقل ٢/٦، ٧/١٤٨-١٤٩. ومنهاج السنة النبوية ١/٤٢٤. وقال أيضًا ﵀: "وكان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين؛ فأهل السنة والجماعة يُثبتون ما قام بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها. والجهميّة من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا. فأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلّق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها. ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري، وغيرهما. وأما الحارث المحاسبي: فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه، ثم قيل عن الحارث: إنه رجع عن قوله". درء تعارض العقل والنقل ٢/٦. وانظر: مجموع الفتاوى ١٢/٣٦٦-٣٦٨.
[ ١ / ٢٦٩ ]
وكان بنيسابور١ طائفة من الجهميّة والمعتزلة ممّن يقولون٢ إنّ القرآن وغيره من كلام الله مخلوق، ويُطلقون القول بأنّه متكلّم بمشيئته وقدرته، ولكنّ مرادهم بذلك أنّه يخلق كلامًا بائنًا عنه، قائمًا بغيره؛ كسائر المخلوقات. وكان من هؤلاء من عرف أصل ابن كلاب، فأراد التفريق بين ابن خزيمة وبين طائفة من أصحابه، فأطلعه على حقيقة قولهم٣، فنَفَرَ
_________________
(١) ١ نيسابور: مدينة عظيمة من بلاد خراسان، سمّيت بذلك لأنّ سابور بن أزدشير بن بابك مرّ بها. ومنها ما لا يحصى من العلماء والأئمة؛ كالإمام مسلم وغيره. وقد دخلها التتر سنة ٦١٨ هـ فدمّروها. انظر: معجم البلدان ٥/٣٣١. ولطائف المعارف ص ١٩١. ٢ في «خ» يقول: وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ أي أنّ هذا المعتزلي - أو الجهميّ - الذي أراد التفريق بين ابن خزيمة وبعض أصحابه أطلع ابن خزيمة على موافقة بعض أصحابه لابن كلاب في معتقده في كلام الله تعالى.
[ ١ / ٢٧٠ ]
منه١. وهم كانوا قد بنوا ذلك على أصل ابن كلاب، واعتقدوا أنّه لا تقوم به الحوادث بناءً على هذه الطريقة؛ طريقة الأعراض. وابن خزيمة شيخهم، وهو الملقّب بإمام الأئمة، وأكثر الناس معه، ولكن لا يفهمون حقيقة النزاع؛ فاحتاجوا لذلك إلى ذكر عقيدة لا يقع فيها نزاع بين الكلابيّة وبين أهل الحديث والسنّة؛ فذكروا فيها: أنّ كلام الله غير مخلوق، وأنّه لم يزل متكلّمًا٢، وأنّ فعله أيضًا غير مخلوق؛ فالمفعول مخلوق، ونفس فعل الربّ له قديم غير مخلوق٣.
وهذا قول الحنفيّة، وكثير من الحنبليّة، والشافعيّة، والمالكيّة، وهو اختيار القاضي أبي يعلى وغيره في آخر عمره. وبَسْطُ هذا له موضع آخر٤.
_________________
(١) ١ قال الحاكم: "فلما ورد منصور بن يحيى الطوسي نيسابور، وكان يكثر الاختلاف إلى ابن خزيمة للسماع منه، وهو معتزلي، وعاين ما عاين من الأربعة الذين سميناهم، حسدهم، واجتمع مع أبي عبد الرحمن الواعظ القدري بباي معمر في أمورهم غير مرة، فقالا: هذا إمام لا يسرع في الكلام، وينهى أصحابه عن التنازع في الكلام وتعليمه، وقد نبغ له أصحاب يُخالفونه، وهو لا يدري، فإنّهم على مذهب الكلابية، فاستحكم طمعهما في إيقاع الوحشة بين هؤلاء الأئمة. سير أعلام النبلاء ١٤/٣٧٧، ٣٨١. وكذلك ذكر تلك القصة شيخ الإسلام ﵀ في درء تعارض العقل والنقل ٢/٧٨-٨٣، وفي مجموع الفتاوى ٦/١٦٩-١٧٢. ٢ وقد روى الحاكم بسنده عن الإمام ابن خزيمة أنّه قال: "القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ومن قال شيء منه مخلوق فهو جهميّ". نقله عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٤/٣٧٩. وتذكرة الحفاظ ٢/٧٢٦. وابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل ٢/٧٩. ٣ انظر: هذه العقيدة في: مجموع الفتاوى ٦/١٦٩-١٧٢. وسير أعلام النبلاء ١٤/٣٨١. وتذكرة الحفاظ ٢/٧٢٧. ٤ انظر: موقف الإمام ابن خزيمة من بعض أصحابه ممّن كان يقول بقول ابن كلاب في: درء تعارض العقل والنقل ٢/٦٠، ٧٧-٨٣، ١٠١. وشرح العقيدة الأصفهانية ص ٣٤. ومجموع الفتاوى ٦/١٦٩-١٧٢. وشرح حديث النزول ص ١٥٨-١٥٩. وسير أعلام النبلاء ١٤/٣٧٧-٣٨١.
[ ١ / ٢٧١ ]
افتراق الأمة بسبب طريقة الأعراض
والمقصود التنبيه على افتراق الأمة بسبب هذه الطريقة.
ولما عرف كثير من النّاس باطن قول ابن كلاب، وأنّه يقول: إنّ الله لم يتكلّم بالقرآن العربيّ، وإنّ كلامه شيء واحد؛ هو معنى آية الكرسيّ، وآية الدَّيْن١ عرفوا ما فيه من مخالفة الشرع والعقل؛ فنفروا٢ عنه، وعرفوا أنّ هؤلاء يقولون: إنّه لا يتكلّم بمشيئته وقدرته، فأنكروه.
وكان ممّن أنكر ذلك الكرّامية٣، وغير الكرّاميّة؛ كأصحاب أبي معاذ
_________________
(١) ١ ذكر أبو الحسن الأشعريّ أنّ ابن كُلاّب زعم أنّ كلام الله: "ليس بحروف ولا صوت، ولا ينقسم، ولا يتجزّأ، ولا يتبعّض، ولا يتغاير. وأنّه معنى واحد قائم بالله ﷿، وأنّ الرسم هو الحروف المتغايرة، وهو قراءة القرآن. وأنّه خطأ أن يقال: كلام الله هو هو، أو بعضه، أو غيره. وأنّ العبارات عن كلام الله تختلف وتتغاير، وكلام الله سبحانه ليس بمختلف ولا متغاير؛ كما أنّ ذكرنا لله ﷿ يختلف ويتغاير، والمذكور لا يختلف ولا يتغاير. وإنّما سُمّيَ كلام الله سبحانه عربيًا؛ لأنّ الرسم الذي هو العبارة عنه، وهو قراءته: عربيّ؛ فسُمّي عربيًا لعلّة، وكذلك سُمّي عبرانيًا لعلّة؛ وهي أنّ الرسم الذي هو عبارة عنه عبرانيّ ". مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري ٢/٢٥٧-٢٥٨. وانظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ٨/٤٢٤-٤٢٥، ١٢/٤٩، ١٦٥، ٣٧٠-٣٧١، ١٧/٥٠-٥١، ١٤٧. والفتاوى المصرية ٥/١٥. ٢ في «خ»: فيفرّوا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ الكرامية: فرقة من فرق المرجئة، تنتسب إلى محمد بن كرّام. قال عنه الذهبي: عابد متكلّم شيخ الكرامية. مات بالشام سنة ٢٥٥ هـ. قال شيخ الإسلام عنهم: "الكرامية قولهم في الإيمان قول منكر لم يسبقهم إليه أحد؛ حيث جعلوا الإيمان قول باللسان وإن كان مع عدم تصديق القلب؛ فيجعلون المنافق مؤمنًا، لكنّه يخلد في النّار؛ فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم. وأمّا في الصفات والقدر والوعيد فهم أشبه من أكثر طوائف الكلام التي في أقوالها مخالفة للسنّة". مجموع الفتاوى ٣/١٠٣. وقال - ﵀ - أيضًا إنّ الكراميّة المجسمة كلّهم حنفيّة. مجموع الفتاوى ٣/١٨٥. وانظر: في بيان معتقد الكرامية: مجموع الفتاوى ٦/٣٦. والملل والنحل ١/١٠٨. والفرق بين الفرق ص ٢١٥-٢٢٥. وميزان الاعتدال ٤/٢١.
[ ١ / ٢٧٢ ]
التومني١، وزهير البابي٢، وداود بن٣ عليّ٤، وطوائف. فصار كثير من هؤلاء يقولون: إنّه يتكلّم بمشيئته وقدرته، فأنكروه، لكن يراعي تلك الطريقة لاعتقاده صحتها؛ فيقول: إنّه لم يكن في الأزل متكلّمًا؛ لأنّه إذا
_________________
(١) ١ أبو معاذ التومني ينتسب إلى قرية تومن من قرى مصر. من أئمة المرجئة، ورأس الفرقة التومنية. لا يُعرف تاريخ وفاته. وأشار كل من الأشعريّ، والشهرستاني، والبغدادي إلى أقواله وآرائه بالتفصيل. انظر: المقالات لأبي الحسن الأشعري ١/٣٥١. والملل والنحل للشهرستاني ١/١٤٤. والفرق بين الفرق للبغدادي ص ٢٠٣-٢٠٤. والأنساب للسمعاني ٣/١١١. ٢ كذا في جامع الرسائل ٢/٦: البابي. وأحيانًا يُذكر باسم زهير اليامي - ولعله تصحيف - انظر: مجموع الفتاوى ٦/٢١٩) . لم أقف على ترجمته. وكثيرًا ما يقرن شيخ الإسلام بينه وبين أبي معاذ التومني في عرض آرائهما العقديّة، وأنّهما من أهل الكلام من المرجئة. ويُسمّيه في درء تعارض العقل والنقل، وشرح حديث النزول: زهير الأبريّ. وقد أفاد د/محمد رشاد سالم ﵀ أنّ هذه التسمية خاطئة، والصحيح أنّه زهير الأثريّ؛ كما ذكر ذلك الأشعريّ في المقالات، وقال: وكان أبو معاذ التومني يوافق زهيرًا في أكثر أقواله. وقد ذكر الأشعريّ في المقالات آراءه بالتفصيل. انظر: مقالات الإسلاميين ١/٣٥١، ٢/٢٣٢. وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٢/١٩. وشرح حديث النزول ص ٤٠٤. ومنهاج السنة النبوية ٢/٣٦١. ٣ في «خ»: بابن. ٤ هو داود بن علي بن خلف الأصبهاني، أبو سليمان، الملقّب بالظاهريّ. قال عنه الخطيب: (هو إمام أصحاب الظاهر، وكان ورعًا ناسكًا زاهدًا. مات سنة ٢٧٠؟، وقيل سنة ٢٧٥؟) . تاريخ بغداد ٨/٣٦٩. وانظر: البداية والنهاية ١١/٥٥ والأعلام للزركلي ٢/٣٣٣.
[ ١ / ٢٧٣ ]
كان لم يزل متكلمًا بمشيئته، لزم وجود حوادث لا تتناهى١٢.
وأصل الطريقة أنّ هذا ممتنع، فصار حقيقة قول هؤلاء أنّه صار متكلّمًا بعد أن لم يكن متكلّمًا.
فخالفوا قول السلف والأئمة، أنه لم يزل متكلّمًا إذا شاء.
وبسط هذه الأمور له موضع آخر٣.
ذم السلف للكلام والمتكلمين
والمقصود هنا أنّ كثيرًا من أهل النظر صار ما يوجبونه من النظر والاستدلال ويجعلونه أصل الدين والإيمان هو هذه الطريقة المبتدعة في الشرع، المخالفة للعقل، التي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمها وذمّ أهلها:
فذمّهم للجهميّة الذين ابتدعوا هذه الطريقة أولًا متواترٌ مشهور، قد صُنِّف فيه مصنّفات٤. وذمّهم للكلام والمتكلّمين ممّا عني به أهل هذه الطريقة؛
_________________
(١) ١ في «خ»: (تتناهى) بدلًا من (لا تتناهى)، وهو غير مستقيم. والصواب ما في «م»، و«ط» . ٢ وهم يقولون: إنّ الله تعالى لم يكن في الأزل متكلمًا إلا بمعنى القدرة على الكلام؛ لأنه لو كان متكلّمًا أزلًا بكلام متعلق بمشيئته وقدرته للزم وجود حوادث لا تتناهى في القدم، ويمتنع وجود حوادث لا أول لها. انظر: توضيح معتقدهم في صفة الكلام في كتب ابن تيمية: مجموع الفتاوى ٦/٥٢٤. والفرقان بين الحق والباطل ص ١٠٠. وبغية المرتاد ص ٣٦١. ٣ بسط شيخ الإسلام ﵀ الكلام عن موقف المشبهة من صفة الكلام، ومخالفتهم للسلف والأئمة في هذه القضيّة في كتابه: رسالة في العقل والروح - موجود ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ٢/٣٣ -. وفي قاعدة نافعة في صفة الكلام - يوجد أيضًا ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ٢/٧٥ -. وفي الفرقان بين الحق والباطل ص١٠٠-١٠١. وفي مجموع الفتاوى ٦/٥٢٤. ٤ فالإمام نعيم بن حماد، قال عنه الذهبي: "وضع ثلاثة عشر كتابًا في الردّ على الجهميّة". انظر: سير أعلام النبلاء ١٠/٥٩٩. والإمام أحمد بن حنبل صنّف كتابًا في الردّ على الجهميّة والزنادقة. وهو مطبوع. والإمام محمد بن أسلم الطوسيّ، له كتاب «الرد على الجهميّة» . انظر: سير أعلام النبلاء ١٢/١٩٧. والإمام ابن أبي حاتم له كتاب «الرد على الجهميّة» . انظر: سير أعلام النبلاء١٣/٢٦٤. والإمام ابن قتيبة له كتاب «الرد على الجهميّة» . انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/٢٩٨. والإمام عثمان بن سعيد الدارمي صنّف في الردّ على بشر المريسي، وفي الرد على الجهميّة، وكلاهما مطبوع. وغير هؤلاء كثير جدًا ممّن لا يُحصون في موضع واحد
[ ١ / ٢٧٤ ]
كذمّ الشافعيّ لحفص الفرد١٢، الذي كان على قول ضرار بن٣ عمرو٤.
_________________
(١) ١ حفص الفرد من المجبرة، ومن أكابرهم، نظير النجّار، ويكنى أبا عمرو، وكان من أهل مصر. كان أول أمره معتزليًا، ثمّ قال بخلق الأفعال، وهو من أتباع ضرار بن عمرو، وسمع من أبي الهذيل العلاف من كتبه: الاستطاعة، وكتاب التوحيد، وكتاب الرد على النصارى، وغيرها. قال عنه الذهبي: "حفص الفرد مبتدع، قال النسائي: صاحب كلام لا يكتب حديثه. وكفّره الشافعيّ في مناظرته". ميزان الاعتدال١/٥٦٤. وانظر: الفرق بين الفرق ص ٢١٤. والفهرست لابن النديم ص ٢٥٥. ٢ وأمّا ذم الشافعي له، ففيما رواه البيهقي عن أبي الوليد بن الجارود، قال: "دخل حفص الفرد على الشافعي، فقال - أي الشافعي - لنا: لأن يلقى اللهَ العبدُ بذنوب مثل جبال تهامة، خير له من أن يلقاه باعتقاد حرف ممّا عليه هذا الرجل وأصحابه. وكان يقول بخلق القرآن". أخرجه البيهقي في مناقب الشافعي ١/٤٥٢، وفي الاعتقاد ص ٢٣٩. وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٧/٢٥٠. وشرح الأصفهانية ٢/٣٢١. ٣ في «خ» ابن. ٤ هو ضرار بن عمرو القاضي. قال عنه الذهبي: "من رؤوس المعتزلة، شيخ الضراريّة. قال الإمام أحمد بن حنبل: شهدت على ضرار بن عمرو عند سعيد بن عبد الرحمن، فأمر بضرب عنقه، فهرب". سير أعلام النبلاء ١٠/٥٤٤-٥٤٥. وانظر: الملل والنحل ١/٩٠. والمقالات ١/٣٣٩. والفرق بين الفرق ص ٢١٣-٢١٤
[ ١ / ٢٧٥ ]
وذمّ أحمد بن حنبل لأبي عيسى؛ محمد بن١ عيسى برغوث٢٣، الذي كان على قول حسين النجار٤. وذمّهما، وذمّ أبي يوسف٥٦،
_________________
(١) ١ في «خ»: ابن. ٢ برغوث: أبو عبد الله محمد بن عيسى. وكان على مذهب النجّار. قال عنه الذهبي: وهو رأس البدعة.. الجهميّ، أحد من كان يناظر الإمام أحمد وقت المحنة. صنّف كتاب الاستطاعة، وكتاب المقالات، وكتاب الاجتهاد، وكتاب الردّ على جعفر ابن حرب، وكتاب المضاهاة. قيل توفي سنة أربعين ومائتين، وقيل سنة إحدى وأربعين. وإليه تنسب الفرقة البرغوثيّة. سير أعلام النبلاء ١٠/٥٤٤. وانظر: الفرق بين الفرق ص ٢٠٩. والمقالات ٢/٢٣٠. ودرء تعارض العقل والنقل ٧/٢٥٧. وشرح حديث النزول ص ٢٥١-٢٥٢. وشرح الأصفهانية ٢/٣٢٢. ٣ ومن أقوال الإمام أحمد في ذمّ أهل الكلام: (علماء الكلام زنادقة)، "لا يفلح صاحب كلام أبدًا، ولا يرى أحد نظر في الكلام إلا في قلبه دغل". انظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢/٩٥. وتلبيس إبليس لابن الجوزي ص ٨٣. ودرء تعارض العقل والنقل ٧/٢٧٥. ٤ هو أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الله النجار، وكان حائكًا في حراز العباس ابن محمد الهاشمي. من كبار المجبرة ومتكلميهم. والسبب في موته أنّه اجتمع مع إبراهيم النظّام، فأفحمه النظّام في مناظرات جرت بينهما، فانصرف محمومًا، فكان ذلك سبب علته التي مات فيها. انظر: الفهرست لابن النديم ص ٢٠٤. وذكر الأشعريّ في المقالات ٢/٣٤٠ أنّ أصحابه يسمون الحسينيّة. وأما الشهرستاني في الملل والنحل فسمّأهم النجّاريّة، وذكر أنّ أكثرهم معتزلة. وكذلك ذكرهم البغدادي في الفرق بين الفرق ص ٢٠٧. ٥ هو القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي، تلميذ أبي حنيفة. عالم، فقيه، محدث. قال يحيى بن معين: ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في الحديث، ولا أحفظ، ولا أصلح رواية من أبي يوسف. توفي ﵀ سنة ١٨٢ هـ. انظر: تذكرة الحفاظ ١/٢٩٢. والجواهر المضيئة ٢/٢٢٠. ٦ ومن ذم أبي يوسف لأهل الكلام، قوله: "من طلب العلم بالكلام تزندق". انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/٢٣٢. والصواعق المرسلة لابن القيم ٤/١٢٦٤. وقد ذكر الذهبي ﵀ في العلو ص١١٢ قول أبي يوسف: (من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن تتبع غريب الحديث كذب) .
[ ١ / ٢٧٦ ]
ومالك١، وغيرهم٢ لأمثال هؤلاء الذين سلكوا هذه الطريقة٣.
وقد صنّف في ذمّ الكلام وأهله مصنّفات أيضًا٤، وهو متناول لأهل
_________________
(١) ١ ومن ذمّ الإمام مالك لأهل الكلام، قوله: (لعن الله عمرًا - يعني عمرو بن عبيد؛ فإنّه ابتدع هذه البدع من الكلام، ولو كان الكلام علمًا، لتكلّم فيه الصحابة والتابعون كما تكلموا في الأحكام والشرائع. ولكنّه باطل يدلّ على باطل". شرح السنة للبغوي ١/٢١٧. وانظر: الفتاوى المصرية لابن تيمية ٦/٥٦٠. ومن أقواله: "لا تجوز شهادة أهل الأهواء والبدع..". انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم ٤/١٢٦٤. ٢ كالقاضي ابن سريج «مجموع الفتاوى ١٧/٣٠٥»، والإمام البغوي «شرح السنة ١/٢١٦»، وغيرهما. ٣ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فقول ضرار والنجار وأتباعهما كبرغوث وحفص، وقول بشر المريسي ونحوه من أهل الكلام الذين ذمهم الشافعي، وأحمد، وغيرهما من الأئمة: ليس فيه إنكار للقدر، بل فيه إثبات له، وإنّما ذموهم لما في قولهم من نفي ما وصف الله به نفسه، مع أنّ قول النجار وضرار خير من قول المعتزلة، وقولهما في الرؤية يشبه قول من ينفي العلوّ ويُثبت الرؤية من الأشعريّة ونحوهم. وأصل كلامهم الذي بنوا عليه نفي ذلك ما تقدّم من الأصول الثلاثة ليس لهم غيرها، وهي: دليل الأعراض، والتركيب، والاختصاص". درء تعارض العقل والنقل ٧/٢٧٨. ٤ يقول الشيخ عبد الرحمن الشبل في مقدمة تحقيق كتاب ذم الكلام للهروي ١/٢: "أمّا الكتب التي ألفها أهل العلم في بيان زيف علم الكلام وبطلانه، وفضح أهله، والرد عليهم، فأكثر من أن تحصى. ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ النصيب الأكبر منها، بل إنّ كلّ كتاب ألّفه لا بُدّ أن يُشير غالبًا إلى شيء من ذلك. لكن من باب التمثيل أيضًا أُشير إلى الكتب الآتية:
(٢) الغنية عن الكلام وأهله لأبي سليمان الخطابي.
(٣) إلجام العوام عن علم الكلام لأبي حامد الغزالي. وله أيضًا:
(٤) تهافت الفلاسفة.
(٥) الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام ابن تيمية. وله أيضًا: نقض المنطق.
(٦) نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان.
(٧) فصل الكلام في ذم الكلام لجلال الدين السيوطي. وله أيضًا:
(٨) القول المشرق في تحريم الاشتغال بالمنطق.
(٩) صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام.
(١٠) جهد القريحة في تجريد النصيحة. لخّص فيه السيوطي كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية المذكور آنفًا. وانظر: أيضًا درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية، والصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن قيم الجوزية، ومختصره لمحمد الموصلي؛ ففيهما مباحث قيّمة تتعلّق بهذا الباب".
[ ١ / ٢٧٧ ]
هذه الطريقة قطعًا. فكان إيجاب النظر بهذا التفسير باطلًا قطعًا، بل هذا نظر فاسد يُناقض الحقّ والإيمان.
حذاق الطوائف ببينوا فساد طريقة الأعراض
ولهذا صار من يسلك هذه الطريقة١ من حذّاق الطوائف يتبيّن لهم فسادها٢؛ كما ذكر مثل ذلك أبو حامد الغزالي٣، وأبو عبد الله الرازي٤، وأمثالهما٥.
_________________
(١) ١ طريقة الأعرض وحدوث الأجسام. ٢ كذا في «خ»، و«م» . وفي «ط»: فاسدها. وهو خطأ. ٣ وقد تقدّم قوله: "فليت شعري متى نُقل عن رسول الله ﷺ أو عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم قالوا لمن جاءهم مسلمًا: الدليل على أنّ العالم حادث: أنّه لا يخلو عن الأعراض، وما لا يخلو عن الحوادث حادث". فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ص ٨٩. وفي قوله توهين لقيمة هذه الطريقة، وتقليل من شأنها، ودليل على أنّه لا يرى - في قرارة نفسه - أنّ هذه الطريقة صالحة للاستدلال على إثبات الصانع. ٤ وقد تقدّم أنّ الرازي ضعّف البراهين الخمسة التي احتُجّ بها على حدوث العالم وحدوث الأجسام. انظر: المطالب العالية للرازي ١/٧١، والمباحث المشرقية له١/٣٢٧. ٥ ذكر أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر أنّ الرسل لم تدع إلى هذا الدليل المبتدع انظر: ص ١٨٥-١٩٢) . وكذلك نقل الشهرستاني والخطابي ذمّها. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٧/٢٢٧، ٢٩٣، وما بعدها.
[ ١ / ٢٧٨ ]
ثمّ الذي يتبيّن له فسادها: إذا لم يجد عند من يعرفه من المتكلمين في أصول الدين غيرها بقي حائرًا مضطربًا١.
الفلاسفة تسلطوا على المتكلمين بسبب فساد طريقة الأعراض
والقائلون بقدم العالم؛ من الفلاسفة، والملاحدة، وغيرهم تبيّن٢ لهم فسادها؛ فصار ذلك من أعظم حججهم على قولهم الباطل؛ فيُبطلون قول هؤلاء أنّه صار فاعلًا، أو فاعلًا ومتكلمًا بمشيئته بعد أن لم يكن٣، ويُثبتون وجوب دوام نوع الحوادث، ويظنّون أنّهم إذا أبطلوا كلام أولئك المتكلمين بهذا حصل مقصودهم٤. وهم٥ أضلّ وأجهل من أولئك٦؛ فإنّ أدلتهم لا توجب قدم شيء بعينه من العالم، بل كلّ ما سوى الله فهو حادث مخلوق كائن بعد أن لم يكن، ودلائل كثيرة غير تلك الطريقة٧.
_________________
(١) ١ لذلك نجد أكثر من سلك هذا المسلك أصابته الحيرة في آخر عمره؛ فمنهم من تاب وأناب، ومنهم من صرّح بما كان يخفيه، وأعلن عن رأيه في الكلام والمنطق. وسيأتي كلام الرازي، والشهرستاني، والغزالي، وغيرهم لاحقًا إن شاء الله. ٢ في «خ» يبين. والصواب من «م»، و«ط» . ٣ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية حاكيًا عن طريقة الأعراض التي سلكها المتكلمون: "فطريقتهم التي أثبتوا بها أنه خالق للخلق، مرسل للرسل، إذا حُقّقت عليهم، وُجد لازمها أنه ليس بخالق ولا مُرسِل. فيبقى المسلم العاقل إذا تبيّن له حقية الأمر، وكيف انقلب العقل والسمع على هؤلاء، متعجبًا. ولهذا تسلّط عليهم بها أعداء الإسلام من الفلاسفة والملاحدة وغيرهم؛ لما بيّنوا أنّه لا يثبت بها خلق ولا إرسال؛ فادّعى أولئك قدم العالم، وأثبتوا موجبًا بذاته، وقالوا: إنّ الرسالة فيض يفيض على النبيّ من جهة العقل الفعّال، لا أنّ هناك كلامًا تكلّم الله تعالى به قائمًا به أو مخلوقًا في غيره". شرح العقيدة الأصفهانية - بتحقيق السعوي - ص ٣٢٩-٣٣٠. ٤ أي مقصود الفلاسفة. ٥ أي الفلاسفة. ٦ أي من المتكلمين. ٧ انظر: كلام شيخ الإسلام ﵀ على تسلط الفلاسفة وملاحدة الصوفية على المتكلمين في: الرد على المنطقيين ص ٣١٠-٣١١. وشرح الأصفهانية ص ٣٢٩-٣٣١. ومجموع الفتاوى ١٣/١٥٧. وشرح حديث النزول ص ٤٢٠-٤٢٢، ٤٢٨. ومنهاج السنة النبوية ١/٣٥٢. قال شيخ الإسلام: "إنّ هؤلاء المتكلمين الذين زعموا أنهم ردوا عليهم، لم يكن الأمر كما قالوه، بل هم فتحوا لهم دهليز الزندقة. ولهذا يوجد كثير ممن دخل في هؤلاء الملاحدة إنما دخل من باب أولئك المتكلمين؛ كابن عربي، وابن سبعين، وغيرهم. وإذا قام من يرد على هؤلاء الملاحدة، فإنهم يستنصرون ويستعينون بأولئك المتكلمين المبتدعين، ويعينهم أولئك على من ينصر الله ورسوله؛ فهم جندهم على محاربة الله ورسوله كما قد وجد ذلك عيانًا". شرح حديث النزول ص ٤٢٢-٤٢٣.
[ ١ / ٢٧٩ ]
وإن كان الفاعل لم يزل فاعلًا لما يشاء، ومتكلمًا بما يشاء، وصار كثير من أولئك١ إذا ظهر له فساد أصل أولئك المتكلمين المبتدعين، وليس عنده إلا قولهم، وقول هؤلاء٢، يميل إلى قول هؤلاء الملاحدة، ثمّ قد يُبطن ذلك، وقد يُظهر لمن يأمنه.
أثر طريقة الأعراض على المتصوفة
وابتُلِيَ بهذا كثير من أهل النظر والعبادة والتصوف، وصاروا يُظهرون هذا في قالب المكاشفة٣، ويزعمون أنّهم أهل التحقيق والتوحيد
_________________
(١) ١ ممّن سلكوا طريقة الأعراض وحدوث الأجسام. ٢ الفلاسفة والملاحدة. ٣ المكاشفة: هي عبارة عن بيان ما يستتر عن الفهم، فيُكشف للعبد عنه كأنّه يراه رأي العين. انظر: حياة القلوب في كيفية الوصول إلى المحبوب - بهامش قوت القلوب - (٢/٢٧٣) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فما كان من الخوارق من باب العلم، فتارة بأن يسمع العبد ما لا يسمعه غيره، وتارة بأن يرى ما لا يراه غيره يقظة ومنامًا، وتارة بأن يعلم ما لا يعلم غيره وحيًا وإلهامًا. أو إنزال علم ضروري، أو فراسة صادقة، ويُسمّى كشفًا ومشاهدات ومكاشفات ومخاطبات. فالسماع مخاطبات، والرؤية مشاهدات، والعلم مكاشفة. ويُسمّى ذلك كله (كشفًا) و(مكاشفة)؛ أي كشف له عنه". مجموع الفتاوى ١١/٣١٣. وانظر: الصفدية ١/١٨٦.
[ ١ / ٢٨٠ ]
والعرفان. فأخذوا من نفي الصفات أنّ صانع العالم١ لا داخل العالم، ولا خارجه. ومن قول هؤلاء: إنّ العالم قديم، ولم يروا موجودًا سوى العالم، فقالوا: إنّه هو الله، وقالوا: هو الوجود المطلق، والوجود واحد، وتكلّموا في وحدة الوجود٢، وأنه الله بكلام ليس هذا موضع بسطه٣.
_________________
(١) ١ في «خ» العلم. وهو خطأ. وما أثبته من «م»، و«ط» . ٢ وحدة الوجود: من أبرز عقائد ملاحدة الصوفية. وقد أوضح شيخ الإسلام مقصودهم به فقال: "معناه أن وجود الكائنات هو عين وجود الله تعالى، وليس وجودها غيره، ولا شيء سواه البتة". مجموع الفتاوى ١١/١٤٠. وانظر: المصدر نفسه ١١/١٧٢-١٧٣. والباطنية: باطنية الشيعة والمتصوّفة؛ كابن سبعين وابن عربي هم في الباطن كذلك، بل يقولون: الوجود واحد: وجود الخالق هو وجود الخلق، فيجب أن يكون كل موجود عابدًا لنفسه، شاكرًا لنفسه، حامدًا لنفسه. وابن عربي يجعل الأعيان ثابتة في العدم، وقد صرّح بأنّ الله لم يعط أحدًا شيئًا، وأنّ جميع ما للعباد فهو منهم لا منه، وهو مفتقر إليهم لظهور وجوده في أعينهم، وهم مفتقرون إليه لكون أعيانهم ظهرت في وجوده، فالربّ إن ظهر فهو العبد، والعبد إن بطن فهو ربّ، ولهذا قال: لا تحمد ولا تشكر إلا نفسك، فما في أحد من الله شيء ولا في أحد من نفسه شيء. ولهذا قال: إنه يستحيل من العبد أن يدعوه لأنه يشهد أحدية العين، فالداعي هو المدعو، فكيف يدعو نفسه. وزعم أن هذا هو خلاصة غاية الغاية، فما بعد هذا شيء. انظر: جامع المسائل ٢/١٠٤-١٠٥. ٣ وقد تكلّم شيخ الإسلام ﵀ عن هذا الموضوع بكثرة. انظر: على سبيل المثال: الجزء الثاني من الفتاوى؛ فقد حوى رسائل في هذا الموضوع، منها رسالة تسمى «حقيقة مذهب الاتحاديين أو وحدة الوجود» من ص ١٣٤-٢٨٥، وكذلك «رسالة إلى نصر المنبجي» من ص ٤٥٢-٤٧٩. وانظر: جامع الرسائل ٢/١٠٤-١١٦، ٢٠١-٢٠٦.
[ ١ / ٢٨١ ]
ثمّ لمّا ظهر أنّ كلامهم يُخالف الشرع والعقل، صاروا يقولون: ثَبَتَ١ عندنا في الكشف ما يُناقض صريح العقل، ويقولون: القرآن كله شرك، وإنّما التوحيد في كلامنا، ومن أراد أن يحصل له هذا العلم اللدنيّ الأعلى، فليترك العقل والنقل٢. وصار حقيقة قولهم الكفر بالله، وبكتبه، ورسله، وباليوم الآخر من جنس قول الملاحدة الذين يظهرون التشيّع. لكنّ أولئك لمّا كان ظاهر قولهم هو ذمّ الخلفاء كأبي بكر وعمر وعثمان [﵃] ٣، صارت وصمة الرفض تنفر عنهم خلقًا كثيرًا لم يعرفوا باطن أمرهم، وهؤلاء صاروا ينتسبون إلى المعرفة والتوحيد واتباع شيوخ الطرق؛
_________________
(١) ١ كذا في «خ» . وفي «م»، و«ط»: يثبت. ٢ انظر: كلام هؤلاء في الفرقان ص ٢٢٩. والفتاوى ٢/٤٧٢. قال شيخ الإسلام ﵀ عنهم: "ولهذا كان هؤلاء الاتحاديّة والحلوليّة يصفونه بما توصف به الأجسام المذمومة، ويصرحون بذلك، وهؤلاء من أعظم النّاس كفرًا وشتمًا لله، وسبًّا لله سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا ويُسمّون أنفسهم المنزِّهون، وهم أبعد الخلق عن تنزيه الله وأقرب لتنجيس تقديسه وهذا التلمساني هو وسائر الاتحادية؛ كابن عربي الطائي صاحب الفصوص وغيره، وابن سبعين، وابن الفارض والقونوي صاحب ابن عربي شيخ التلمساني، وسعيد الفرغاني، إنما يدعون الكشف والشهود لما يخبرون عنه وأن تحقيقهم لا يوجد بالنظر والقياس والبحث، وإنما هو شهود الحقائق وكشفها. ويقولون: ثبت عندنا في الكشف ما يُناقض صريح العقل، ويقولون لمن يسلكونه لا بد أن يجمع بين النقيضين وأن يخالف العقل والنقل، ويقولون: القرآن كله شرك، وإنما التوحيد في كلامنا، ويقولون: لا فرق عندنا بين الأخوات والبنات والزوجات؛ فإنّ الوجود واحد، لكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام، فقلنا حرام عليكم ". بيان تلبيس الجهميّة ٢/٥٣٨-٥٣٩. وانظر: بغية المرتاد ص ٤٩١. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٢٢٩-٢٣٠. وكتاب الصفدية ص ٢٤٤. ٣ ليست في «خ» و«م»، وهي في «ط» .
[ ١ / ٢٨٢ ]
كالفضيل١، وإبراهيم بن أدهم٢، والتستري٣، والجنيد٤، وسهل بن٥ عبد الله٦، وأمثال هؤلاء ممّن له في الأمة لسان صدق، فاغترّ بهؤلاء من لم يعرف باطن أمرهم، وهم في الحقيقة من أعظم خلق الله خلافًا لهؤلاء المشايخ
_________________
(١) ١ الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي اليربوعي، الإمام القدوة الثبت، شيخ الإسلام، أبو علي. ولد بسمرقند وأصله من الكوفة، وسكن مكة. يُعدّ من العباد الصالحين، وكان ثقة نبيلًا فاضلًا عابدًا ورعًا كثير الحديث. توفي بمكة سنة ١٨٧؟. انظر: سير أعلام النبلاء ٨/٤٢١-٤٤٢. وحلية الأولياء ٨/٨٤. وشذرات الذهب ١/٣١٦-٣١٧. وطبقات الصوفية ٦-١٤. والأعلام ٥/١٥٣. ٢ إبراهيم بن أدهم بن منصور التميمي نزيل الشام، مولده في حدود المائة. قال عنه ابن كثير ﵀: (أحد مشاهير العباد، كانت له همة عالية في ذلك ﵀) . توفي سنة ١٦٢؟. انظر: سير أعلام النبلاء ٧/٣٨٧-٣٩٦. وحلية الأولياء٧/٣٦٧. وطبقات الصوفية ص ٢٧. والبداية والنهاية ١٠/١٣٨. ٣ في «خ» السّري، وما أُثبت من «م»، و«ط» . والتستري هو: سهل بن عبد الله بن يونس التستري، أبو محمد الصوفي الزاهد، وهو من كبار الصوفية. مات سنة ٢٨٣؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/٣٣٠. وطبقات الصوفية ص٢٠٦. وحلية الأولياء ١٠/١٨٩. وشذرات الذهب ٢/١٨٢. ٤ هو الجنيد بن محمد بن الجنيد، أبو القاسم. قال عنه الخطيب: (نشأ ببغداد، وسمع بها الحديث، ثمّ اشتغل بالعبادة ولازمها) . مات سنة ٢٩٨؟. انظر: تاريخ بغداد ٧/٢٤١. وسير أعلام النبلاء ٢٠/٢٧٢. وحلية الأولياء ١٠/٢٥٥. وشذرات الذهب ٢/٢٢٨. وطبقات الصوفية ص ١٥٥. ٥ في «خ» لبن. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ لعله أبو طاهر سهل بن عبد الله بن الفرخان الأصبهاني. قال عنه الذهبي: أحد الثقات.. وكان من حملة الحجة، كبير القدر. قال أبو نعيم: لقيت أصحابه، وكان مجاب الدعوة وهو أول من حمل مختصر حرملة من علم الشافعي إلى أن قال: - ومات في سنة ست وسبعين ومائتين. انظر: سير أعلام النلاء ١٣/٣٣٣-٣٣٤. وحلية الأولياء ١٠/٢١٢-٢١٣ - وسماه الفرحان.
[ ١ / ٢٨٣ ]
السادة، ولمن هو أفضل منهم من السابقين الأولين، والأنبياء المرسلين١.
وكان من أسباب ذلك أنّ العبادة والتألّه والمحبة ونحو ذلك ممّا يتكلّم فيه شيوخ المعرفة والتصوّف أمر معظّم في القلوب، والرسل إنّما بُعثوا بدعاء الخلق إلى أن يعرفوا الله، ويكون أحبّ إليهم من كلّ ما سواه، فيعبدوه ويألهوه، ولا يكون لهم معبود مألوه غيره٢.
وقد أنكر جمهور أولئك المتكلمين أن يكون الله محبوبًا، أو أنّه يُحبّ شيئًا، أو يُحبّه أحد٣. وهذا في الحقيقة إنكار لكونه إلهًا معبودًا؛ فإنّ
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ﵀: "فإنّ ابن عربي وأمثاله وإن ادعوا أنهم من الصوفية، فهم من صوفية الملاحدة الفلاسفة، ليسوا من صوفية أهل الكلام، فضلًا عن أن يكونوا من مشايخ أهل الكتاب والسنة؛ كالفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبو سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وأمثالهم رضوان الله عليهم أجمعين". الفرقان ص ٢١٣. ٢ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "محبة الله، بل محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان، وأكبر أصوله، وأجلّ قواعده، بل هي أصل كلّ عمل من أعمال الإيمان؛ كما أن التصديق به أصل كلّ قول من أقوال الإيمان والدين". مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/٤٨-٤٩. وانظر: جامع الرسائل ٢/٢٣٥. وتقديم محبة الله تعالى على محبة ما سواه أحد الأسباب - بل أهمها - التي يجد العبد بها حلاوة الإيمان؛ كما أخبر رسول الله ﷺ: "ثلاث من كنّ فيه، وجد بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه ممّا سواهما.." الحديث. أخرجه البخاري في صحيحه ١/١٤، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان. ومسلم في صحيحه ١/٦٦، كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتّصف بهنّ وجد حلاوة الإيمان. ٣ انظر: إنكار ابن كلاب لذلك في مقالات الإسلاميين ١/٢٥٠، ٢/٢٢٥. وإنكار الباقلاني في كتابه الإنصاف ص ٦٩. وابن فورك في مشكل الحديث وبيانه ص ٣٣٢. وابن جماعة في إيضاح الدليل ص ١٣٩. والقرطبي في تفسيره ٢٠/٤. ومدارك التنزيل للنسفي ١/٢٠٩. وعمدة القاري للعيني ٢٥/٨٤. وانظر: أيضًا: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/٦٦.
[ ١ / ٢٨٤ ]
الإله: هو المألوه الذي يستحق أن يؤله ويُعبد، والتألّه والتعبّد: يتضمن غاية الحب بغاية الذلّ١.
الإلهية: القدرة على الاختراع عند الأشعري
ولكن غلط كثير من أولئك، فظنّوا أنّ الإلهيّة هي القدرة على الخلق، وأنّ الإله بمعنى الآلِه، وأنّ العباد يألههم الله، لا أنّهم هم يألهون الله؛ كما ذكر ذلك طائفة منهم الأشعريّ وغيره٢.
وطائفة ثالثة٣ لما رأت ما دلّ على أنّ الله يُحِبّ أن يكون محبوبًا من أدلة الكتاب والسنة،
الذين غلطوا في مسمى المحبة والإرادة
وكلام السلف وشيوخ أهل المعرفة، صاروا يقرّون
_________________
(١) ١ انظر: كتاب العبودية للمؤلف؛ فقد تحدّث حول هذا الموضوع ص ٣٥. وانظر: أيضًا: مجموع الفتاوى له ١٣/٢٠٢-٢٠٣، والمصدر نفسه ٨/٣٧٨. والجواب الصحيح ٦/٣١. وجامع الرسائل ٢/١٩٦، ٢٥٤-٢٥٦. ٢ هذا الفهم الخاطئ قال به الأشعريّ، وتبعه عليه جميع الأشعريّة. انظر: الملل والنحل للشهرستاني ١/٩١. وانظر: أيضًا: الجواب الصحيح ٢/١٥٢. والصفدية ١/١٤٨. واقتضاء الصراط المستقيم ٢/٨٤٥. ودرء تعارض العقل والنقل ٩/٣٧٧. ومجموع الفتاوى ٨/١٠١. والتدمرية ص ١٨٥-١٨٦. وفهمهم هذا خاطئ؛ فإنّ الإله بمعنى المألوه المعبود، لا بمعنى الآلِه كما زعموا. وقد بيّن شيخ الإسلام خطأهم في ذلك، فقال: (والإله هو بمعنى المألوه المعبود الذي يستحق العبادة، ليس هو الآلِه بمعنى القادر على الخلق. فإذا فسّر المفسر الإله بمعنى القادر على الاختراع، واعتقد أنّ هذا أخص وصف الإله، وجعل إثبات هذا التوحيد هو الغاية في التوحيد، كما يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفاتية - وهو الذي ينقلونه عن أبي الحسن وأتباعه - لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله؛ فإنّ مشركي العرب كانوا مقرّين بأنّ الله وحده خالق كل شيء، وكانوا مع هذا مشركين؛ قال تعالى: ﴿وَمَاْ يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُوْنَ﴾ [يوسف ١٠٦] قال طائفة من السلف: تسألهم من خلق السموات والأرض، فيقولون: الله، وهم مع هذا يعبدون غيره..) . درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ١/٢٢٦-٢٢٧. وانظر: مجموع الفتاوى ٨/٣٧٨. وشرح الأصفهانية ١/١٤٨. ٣ انظر: مجموع الفتاوى ١٠/٧٤-٧٥.
[ ١ / ٢٨٥ ]
بأنّه محبوب، لكنّه هو نفسه لا يحبّ شيئًا إلا بمعنى المشيئة، وجميع الأشياء مرادة له فهي محبوبة له. وهذه طريقة كثير من أهل النظر والعبادة والحديث؛ كأبي إسماعيل الأنصاري١، وأبي حامد الغزالي، وأبي بكر بن العربي٢٣.
_________________
(١) ١ هو أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الهروي الأنصاري، ولد سنة ٣٩٦، وتوفي سنة ٤٨١؟. قال عنه الذهبي: "شيخ الإسلام الإمام القدوة الحافظ الكبير، وشيخ خراسان من ذرية صاحب النبيّ ﷺ أبي أيوب الأنصاري". انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/٥٠٣. وطبقات الحنابلة ٢/٢٤٧-٢٤٨. وشذرات الذهب ٣/٣٦٥-٣٦٦. وانظر: كلامه في مدارج السالكين ١/٢٢٧، وقد علّق عليه ابن القيم ﵀ بأنّه من أبطل الباطل. كما نقل كلامه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وسمى هذه المسألة مسألة إرادة الكائنات وخلق الأفعال. وقال عنه بأنّه في هذه المسألة (أبلغ من الأشعريّة؛ لا يُثبت سببًا ولا حكمة، بل يقول: إنّ مشاهدة العارف الحكم لا يبقى له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة، والحكم عنده هو المشيئة؛ لأنّ العارف عنده من يصل إلى مقام الفناء) . مجموع الفتاوى ٨/٢٣٠. وانظر: المصدر نفسه ٨/٣٣٩-٣٤٠. ٢ في «خ»:ابن عربي. وما أثبت من «م»، و«ط» . وأبو بكر بن العربي، هو: محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن العربي الأندلسي الأشبيلي المالكي. ولد في أشبيلية سنة ٤٦٨؟، وتوفي سنة ٥٤٣؟. رحل إلى المشرق، وأخذ من العلماء وأشهرهم الغزالي، ثم رجع إلى الأندلس وتولى قضاء أشبيلية. يعتبر من أئمة المالكية، ومن كبار حفّاظهم وفقهائهم إلا أنه أشعري تتلمذ على الغزالي وتأثر ببعض أفكاره. انظر: سير أعلام النبلاء ٢٠/١٩٧. والبداية والنهاية ١٢/٢٤٥ - وقال عن وفاته: إنها سنة ٥٤٥ هـ. قانون التأويل - قسم التحقيق - لابن العربي ص ١١٧، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ٢/٦٤٧. ٣ بل هذا قول المعتزلة والجهميّة وأغلب الأشعريّة. انظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل لعبد الجبار المعتزلي ٦/٥١-٥٦. والإنصاف للباقلاني ص ٦٩-٧٠. ولباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول للمكلاتي ص ٢٨٨.
[ ١ / ٢٨٦ ]
وحقيقة هذا القول أنّ الله يُحبّ الكفر، والفسوق، والعصيان، ويرضاه١. وهذا هو المشهور من قول الأشعريّ وأصحابه٢، وقد ذكر أبو المعالي أنه أول من قال ذلك٣، وكذلك ذكر ابن عقيل٤ أنّ أوّل من قال إن الله يحب الكفر والفسوق والعصيان هو الأشعريّ وأصحابه، وهم قد يقولون لا يُحبّه دينًا، ولا يرضاه دينًا، كما يقولون: لا يريده دينًا؛ أي لا يريد أن يكون فاعله مأجورًا، وأما هو نفسه فهو محبوب له كسائر المخلوقات؛ فإنّها عندهم محبوبة له؛ إذ كان ليس عندهم إلا إرادة واحدة
_________________
(١) ١ لأنّ من جوّز إطلاق المحبة على الإرادة، فلازم قوله أنّ الله يحب الكفر ويرضاه كفرًا. انظر: مجموع الفتاوى ٨/٣٤٣. ٢ يقول أبو المعالي الجويني: "إذا تعلّقت الإرادة بنعيم ينال عبدًا، فإنها تسمى محبة ورضى. وإذا تعلّقت بنقمة تنال عبدًا فإنها تسمى سخطًا". الإرشاد للجويني ص ٢٣٩. وانظر: الإنصاف للباقلاني ص ٦٩-٧٠. والتمهيد له ص ٣٨٥-٣٨٦. وانظر: مدارج السالكين لابن القيم ١/٢٢٨، ٢٥١، ٢/١٨٩. ومنهاج السنة النبوية ١/١٣٤-١٣٥، ٥/٣٦٠. وسيأتي مزيد إيضاح لهذا الموضوع، حين نقل كلام الأشعري نفسه في اللمع، في ص ٣٠١ من هذا الكتاب. ٣ انظر: الإرشاد للجويني ص ٢٣٧-٢٣٩. وانظر: أيضًا: أصول الدين للبغدادي ص ١٠٢-١٠٤. ومجموع فتاوى ابن تيمية ٨/٢٣٠. وفي منهاج السنة ٥/٣٦٠ قال: إن أبا الحسن أول من سوّى بينهما. ٤ وكان يميل إلى بعض كلام المعتزلة كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ﵀ درء تعارض العقل والنقل ١/٢٧٠. وقد نقل في منهاج السنة النبوية ٥/٣٦٠ عنه قوله: (أجمع المسلمون على أن الله لا يحب الكفر والفسوق والعصيان، ولم يقل إنه يحبه غير الأشعري) .
[ ١ / ٢٨٧ ]
شاملة لكل مخلوق؛ فكل مخلوق، فهو عندهم محبوب مرضيّ١.
وجماهير المسلمين يعرفون أنّ هذا القول معلوم الفساد بالضرورة من دين أهل الملل، وأنّ المسلمين واليهود والنصارى متفقون على أنّ الله لا يُحبّ الشرك، ولا تكذيب الرسل، ولا يرضى ذلك، بل هو يُبغض ذلك ويمقته ويكرهه؛ كما ذكر الله في سورة بني إسرائيل ما ذكره من المحرّمات، ثمّ قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَاْنَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوْهًَا﴾ ٢. وبسط هذه الأمور له مواضع أُخَر٣.
_________________
(١) ١ وهذا نجم عن قولهم "إنّ الإرادة تستلزم الرضى والمحبة"، وقد تقدّم نقل ذلك عنهم. وخطؤهم الذي وقعوا فيه وحدا بهم إلى هذه المآزق هو ظنّهم أنّ الإرادة في النصوص كلها بمعنى واحد، بل ولا تتجدّد أيضًا. وهذا خطأ عظيم، ووهم كبير، وقول مخالف للكتاب والسنّة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رادًا على معتقدهم هذا: "وإثبات إرادة كما ذكروه لا يُعرف بشرع ولا عقل، بل هو مخالف للشرع والعقل؛ فإنّه ليس في الكتاب والسنّة ما يقتضي أنّ جميع الكائنات حصلت بإرادة واحدة بالعين تسبق جميع المرادات بما لا نهاية له". درء تعارض العقل والنقل ٨/٢٨٣. وانظر: أصول الدين للبغدادي ص ١٠٢. ومراتب الإرادة لابن تيمية - ضمن مجموع الفتاوى٨/١٨٨-١٩٠، ١٩٧. ومجموع الفتاوى ٦/١١٥-١١٦، ٨/٢٢-٢٣، ٣٣٩، ٣٤٠-٣٤١، ٤٤٠، ٤٧٤-٤٧٦، ١٦/٣٠١-٣٠٣، ١٧/١٠١، ١٨/١٣٢. ودرء تعارض العقل والنقل ٢/١٧٢. وشرح الأصفهانيّة - ت مخلوف - ص ٢٧. ومدارج السالكين لابن القيم ١/٢٢٨، ٢٥١-٢٥٢. ٢ سورة الإسراء، الآية ٣٨. ٣ انظر: مجموع الفتاوى ٦/١١٥-١١٦، ٨/٢٢-٢٣، ٢٣٠-٢٣٤، ٣٣٧-٣٥٥، ٣٧٠، ٤٤٠، ٤٧٤-٤٧٦، ١٦/٣٠١-٣٠٣، ١٧/١٠١، ١٨/١٣٢. ودرء تعارض العقل والنقل ٢/١٧٢، ٨/٢٨٣. وشرح الأصفهانيّة - ت مخلوف - ص ٢٧. ومنهاج السنة النبوية ٥/٣٥٩-٣٦١.
[ ١ / ٢٨٨ ]
الذين أوجبوا النظر أعرضوا عن طريق الرسول
والمقصود هنا أنّ الذين أعرضوا عن طريق الرسول في العلم و١العمل وقعوا في الضلال والزلل، وأنّ أولئك لما أوجبوا النظر الذي ابتدعوه، صارت فروعه فاسدة، إن قالوا إنّ من لم يسلكها كفر أو عصى٢، فقد عُرف بالاضطرار من دين الإسلام أنّ الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يسلكوا طريقهم، وهم خير الأمة٣. وإن قالوا: إنّ من ليس عنده علم ولا بصيرة بالإيمان، بل قاله تقليدًا محضًا من غير معرفة يكون مؤمنًا، فالكتاب والسنّة يُخالف٤ ذلك. ولو أنّهم سلكوا طريقة الرسول، لحفظهم الله من هذا التناقض؛ فإنّ ما جاء به الرسول جاء من عند الله٥،
_________________
(١) ١ في «خ»: أو. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ ذكر الإمام ابن حزم عنهم ذلك، فقال: "ذهب محمد بن جرير الطبري، والأشعريّة كلها، حاشا السمناني إلى أنّه لا يكون مسلمًا إلا من استدلّ، وإلا فليس مسلمًا. وقال الطبري: من بلغ الاحتلام أو الإشعار من الرجال والنساء، أو بلغ المحيض من النساء، ولم يعرف الله ﷿ بجميع أسمائه وصفاته من طريق الاستدلال، فهو كافر حلال الدم والمال". الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ٤/٣٥. وانظر: كلام شيخ الإسلام ﵀ عنهم في هذه المسألة في درء تعارض العقل والنقل ٧/٤٠٧. وانظر: رسالة السجزي في الرد على من أنكر الحرف والصوت ص ١٣٩. ٣ وهذا سبق بيانه ص ٢٩٧- ٣٠٣. ٤ في «خ»: تخالف. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ انظر: معارج الوصول إلى أنّ أصول الدين وفروعه قد بيّنها الرسول ﷺ. وكذلك درء تعارض العقل والنقل ١/١٦-٢٧، ٣٨-٤٣، ١٩٤-١٩٥، ٥/٣٦٣-٣٧٠. وانظر: كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن تناقض الأشاعرة في الشرعيّات والعقليّأت في التسعينيّة ص ٢٥٩-٢٦٠. وانظر: كلامه - ﵀ - عن أول واجب على المكلف في درء تعارض العقل والنقل ٨/٦-٧. ومجموع الفتاوى ١٦/٣٢٨.
[ ١ / ٢٨٩ ]
وما ابتدعوه جاؤوا به من عند غير الله، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَاْنَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوْا فِيْهِ اخْتِلافًَا كَثِيْرًَا﴾ ١.
وهؤلاء٢ بنوا دينهم على النظر، والصوفية بنوا دينهم على الإرادة، وكلاهما لفظ مجمل، يدخل فيه الحق والباطل.
فالحق: هو النظر الشرعيّ، والإرادة الشرعيّة.
النظر الشرعي
[فالنظر الشرعيّ] ٣: [هو] ٤ النظر فيما بُعث به الرسول من الآيات والهدى؛ كما قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَاْنَ الَّذِيْ أُنْزِلَ فِيْهِ الْقُرْآنُ هُدَىً لِلنَّاْسِ وَبَيِّنَاْتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَاْن﴾ ٥.
الإرادة الشرعية والسماع الشرعي والدليل الشرعي
والإرادة الشرعيّة: إرادة ما أمر الله به ورسوله. والسماع الشرعيّ: سماع ما أحبّ الله سماعه كالقرآن. والدليل الذي يستدلّ به هو الدليل الشرعيّ، وهو الذي دلّ الله به عباده، وهداهم به إلى صراط مستقيم٦؛ فإنّه لمّا ظهرت البدع، والتبس الحقّ بالباطل صار اسم النظر، والدليل، والسماع، [والإرادة يُطلق على ثلاثة أمور:
إطلاقات النظر والإرادة والسماع والدليل
منهم: من يريد به البدعيّ دون الشرعيّ؛ فيريدون بالدليل: ما ابتدعوه من الأدلة الفاسدة، والنظر فيها. ومن السماع والإرادة] ٧: ما ابتدعوه من
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية ٨٢. ٢ أي المتكلمون. ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: وهو. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ سورة البقرة، الآية ١٨٥. ٦ كالنظر في المخلوقات، ودلالة المعجزات، وغير ذلك من الأدلة الشرعية. انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ٧/٣٠٠-٣٠٢. وشرح حديث النزول ص ٢٧-٢٨. ومجموع الفتاوى ١١/٣٧٨. ٧ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . وهو في «م»، و«ط» .
[ ١ / ٢٩٠ ]
اتباع ذوقهم ووجدهم، وما تهواه أنفسهم، وسماع الشعر والغناء الذي يُحرّك هذا الوجد التابع لهذه الإرادة النفسانيّة التي مضمونها اتباع ما تهوى الأنفس بغير هدى من الله.
ومنهم: من يريد مطلق الدليل والنظر، ومطلق السماع والإرادة، من غير تقييدها لا بشرعيّ ولا ببدعيّ. فهؤلاء يُفسّرون قوله: ﴿الَّذِيْنَ يَسْتَمِعُوْنَ الْقَوْلَ﴾ ١: بمطلق القول الذي يدخل فيه القرآن والغناء، ويستمعون إلى هذه وهذا، وأولئك٢ يُفسّرون الإرادة بمطلق المحبة للإله٣ من غير تقييدها بشرعيّ ولا بدعيّ، ويجعلون الجميع من أهل الإرادة؛ سواء عبد الله بما أمر الله به ورسوله من التوحيد وطاعة الرسول، أو كان عابدًا للشيطان مشركًا، عابدًا بالبدع، وهؤلاء أوسطهم، وهم أحسن حالًا من الذين قيّدوا ذلك بالبدعيّ
وأما القسم الثالث: فهم صفوة الأمة، وخيارها المتبعون للرسول علمًا وعملًا، يدعون إلى النظر والاستدلال والاعتبار بالآيات والأدلة والبراهين التي بعث الله بها رسوله، وتدبّر القرآن وما فيه من البيان، ويدعون إلى المحبة والإرادة الشرعيّة؛ وهي محبة الله وحده، وإرادة عبادته وحده لا شريك له بما أمر به على لسان رسوله؛ فهم لا يعبدون إلا الله، ويعبدونه بما شرع وأمر، ويستمعون ما أحبّ استماعه، وهو قوله الذي قال فيه: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَرُوْا الْقَوْلَ﴾ ٤، وهو الذي قال فيه: ﴿فَبَشِّرْ عِبَاْدِ الَّذِيْنَ يَسْتَمِعُوْنَ الْقَوْلَ
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الآية ١٨. ٢ يقصد الصوفية. ٣ في «خ»: للتأله. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ سورة المؤمنون، الآية ٦٨.
[ ١ / ٢٩١ ]
فَيَتَّبِعُوْنَ أَحْسَنَهُ﴾ ١؛ كما قال: ﴿وَاتَّبِعُوْا أَحْسَنَ مَاْ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ منْ رَبِّكُمْ﴾ ٢. وقال: ﴿وَكَتَبْنَاْ لَهُ فِيْ الألْوَاْحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيْلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَاْ بِقُوَّةٍ وَاْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوْا بِأحْسَنِهَاْ﴾ ٣.
[والله] ٤ سبحانه بيَّنَ القدرة على الابتداء؛ كقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِيْ رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّاْ خَلَقْنَاْكُمْ مِنْ تُرَاْبٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ الآية٥، ومثل قوله: ﴿وَيَقُوْلُ الإِنْسَاْنُ أَإِذَاْ مَاْ مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًَّا أَوَلا يَذْكُرُ الإِنْسَاْنُ أَنَّاْ خَلَقْنَاْهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًَا﴾ ٦ الآية، ومثل قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَاْ مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَاْلَ مَنْ يُحْيِيْ الْعِظَاْمَ وَهِيَ رَمِيْم قُلْ يُحْيِيْهَاْ الَّذِيْ أَنْشَأَهَاْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيْم﴾ ٧، وغير ذلك.
الاستدلال على الخالق بخلق الإنسان طريق عقلي صحيح
فالاستدلال على الخالق بخلق الإنسان في غاية الحسن والاستقامة، وهي طريقة عقليّة صحيحة. وهي شرعيّة؛ دلّ القرآن عليها، وهدى النّاس إليها، وبيّنها وأرشد إليها. وهي عقليّة٨؛ فإنّ نفس كون الإنسان حادثًا
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الآيتان ١٧، ١٨. ٢ سورة الزمر، الآية ٥٥. ٣ سورة الأعراف، الآية ١٤٥. ٤ ليست في «خ»، و«م» . ٥ سورة الحج، الآية ٥. ٦ سورة مريم، الآيتان ٦٦، ٦٧. ٧ سورة يس، الآيتان ٧٨، ٧٩. ٨ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فإنّ الفاضل إذا تأمّل غاية ما يذكره المتكلمون والفلاسفة من الطرق العقلية، وجد الصواب منها يعود إلى بعض ما ذكر في القرآن من الطرق. وفي طرق القرآن من تمام البيان والتحقيق ما قد نبهنا على بعضه في غير هذا الموضع". شرح الأصفهانية - ت السعوي - ١/٤١. وانظر: الاستدلال بهذه الطريقة في: نقض أساس التقديس ١/٨٠-٨٢. ودرء تعارض العقل والنقل ٧/٣٠٠-٣٠٢.
[ ١ / ٢٩٢ ]
بعد أن لم يكن، ومولودًا ومخلوقًا من نطفة، ثمّ من علقة، هذا لم يُعلم بمجرّد خبر الرسول، بل هذا يعلمه النّاس كلهم بعقولهم؛ سواء أخبر به الرسول، أو لم يُخبر. لكنّ الرسول أمر أن يُستدلّ به، ودلّ به، وبيّنه، واحتجّ به؛ فهو دليل شرعيّ؛ لأنّ الشارع استدلّ به، وأمر أن يُستدلّ به؛ وهو عقليّ؛ لأنّه بالعقل تُعلم صحته. وكثيرٌ من المتنازعين في المعرفة هل تحصل بالشرع، أو بالعقل لا يسلكونه. وهو عقليّ شرعيّ، وكذلك غيره من الأدلة التي في القرآن؛ مثل الاستدلال بالسحاب والمطر؛ هو مذكور في القرآن في غير موضع، وهو عقليّ شرعيّ؛ كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّاْ نَسُوْقُ الْمَاْءَ إِلَىْ الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًَا تأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَاْمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُوْنَ﴾ ١؛ فهذا مرئيّ بالعيون. وقال تعالى: ﴿سَنُرِيْهِمْ آيَاْتِنَاْ فِيْ الآفَاْقِ وَفِيْ أَنْفُسِهِمْ حَتَّىْ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ٢، ثمّ قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىْ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيْدٌ﴾ ٣.
فالآيات التي يُريها الناس، حتى يعلموا أنّ القرآن حق، هي آيات عقليّة؛ يستدلّ بها العقل على أنّ القرآن حقّ، وهي شرعيّة؛ دلّ الشرع عليها، وأمر بها. والقرآن مملوء من ذكر الآيات العقليّة التي يستدلّ بها العقل، وهي شرعيّة؛ لأنّ الشرع دلّ عليها، وأرشد إليها.
ولكنْ كثيرٌ٤ من النّاس لا يُسمّي دليلًا شرعيًّا إلا ما دلّ بمجرّد خبر الرسول، وهو اصطلاح قاصر، ولهذا يجعلون أصول الفقه هو لبيان الأدلة
_________________
(١) ١ سورة السجدة، الآية ٢٧. ٢ سورة فصلت، الآية ٥٣. ٣ سورة فصلت، الآية ٥٣. ٤ ما أثبت من «خ»، و«م»؛ على أنّ (لكنْ) - بالنون الساكنة - للاستدراك. وما في «ط»: (لكنّ) - بالنون المشدّدة - من أخوات (إنّ) .
[ ١ / ٢٩٣ ]
الشرعيّة؛ الكتاب، والسنّة، والإجماع. والكتاب يُريدون به أن يعلم مراد الرسول فقط. والمقصود من أصول الفقه: هو معرفة الأحكام الشرعيّة العمليّة؛ فيجعلون الأدلة الشرعيّة: ما دلّت على الأحكام العمليّة فقط، ويُخرجون ما دلّ بإخبار الرسول عن أن يكون شرعًا، فضلًا عمّا دلّ بإرشاده وتعليمه. ولكن قد يُسمّون هذا دليلًا سمعيًّا، ولا يُسمّونه شرعيًّا، وهو اصطلاح قاصر. والأحكام العمليّة أكثر الناس يقولون إنها تُعلم بالعقل أيضًا، وأنّ العقل قد يعرف الحسن والقبح، فتكون الأدلة العقليّة دالّة على الأحكام العمليّة أيضًا.
ويجوز أن تُسمّى شرعيّة؛ لأنّ الشرع قرّرها، ووافقها، أو دلّ عليها وأرشد إليها؛ كما قيل مثل ذلك في المطالب الخبريّة؛ كإثبات الربّ، ووحدانيته، وصدق رسله، وقدرته على المعاد: أنّ الشرع دلّ عليها، وأرشد إليها. وبسط هذا له موضع آخر١.
_________________
(١) ١ انظر: كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في اختلاف الناس في مسألة (الحسن والقبح) في منهاج السنة النبوية ١/٣١٦-٣١٧. ومجموع الفتاوى ٨/٩٠، ٣٠٩-٣١٠، ٦٧٧-٦٨٦،، ١١/٣٤٧-٣٥٥، ٦٧٦-٦٧٧،، ١٦/٢٤٦-٢٤٧، ٤٩٨. والتسعينيّة ص ٢٤٧. وشرح الأصفهانيّة - ت مخلوف - ص ١٦١. ودرء تعارض العقل والنقل ٨/٢٢، ٤٩٢،، ٩/٤٩-٦٢. والرد على المنطقيين ص ٤٢٠-٤٣٧. والجواب الصحيح ١/٣١٤-٣١٥. وقال الأشعريّ: "العقل لا يقتضي حسن شيء، ولا قبحه، وإنّما عُرف القبيح والحسن بالسمع، ولولا السمع ما عُرف قبح الشيء، ولا حسنه". انظر: رسالة السجزي في الرد على من أنكر الحرف والصوت ص ١٣٩. والملل والنحل للشهرستاني ١/١٠١. والإرشاد للجويني ص ٢٥٨. والمحصل للرازي ص ٢٠٢. وشرح المواقف للجرجاني ٨/١٨١-١٨٢. فالأشاعرة يقولون: "لا حسن، ولا قبح قبل مجيء الرسول، وإنّما الحسن ما قيل فيه: افعل. والقبيح ما قيل فيه: لا تفعل".
[ ١ / ٢٩٤ ]
الأشعري بنى أصول الدين على دليل الحوادث
والمقصود هنا: أنّ الأشعريّ بنى أصول الدين في «اللمع»، و«رسالة الثغر» على كون الإنسان مخلوقًا محدثًا، فلا بُدّ له من محدِث١، لكون هذا الدليل مذكورًا في القرآن، فيكون شرعيًّا عقليًّا.
لكنّه في نفس الأمر سلك في ذلك طريقة الجهميّة بعينها٢؛ وهو الاستدلال على حدوث الإنسان بأنّه مُركّب من الجواهر المفردة٣، فلم يخل من الحوادث، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث؛ فجعل العلم بكون الإنسان محدَثًا، وبكون غيره من الأجسام المشهودة محدثًا إنّما يُعلم بهذه الطريقة؛ وهو أنّه مؤلّف من الجواهر المفردة، وهي لا تخلو من اجتماع وافتراق - وتلك أعراض حادثة٤ - وما لم ينفكّ من الحوادث، فهو محدَث٥.
_________________
(١) ١ انظر: اللمع للأشعريّ ص ٦ - ط مكارثي -. ورسالة إلى أهل الثغر ص ١٤٤. ٢ وهذا تقدّم توضيحه قريبًا ص ٣٠٣. ٣ الجواهر المفردة: تُعرف بأنها الجزء الذي لا يتجزأ، وهو متحيّز لا ينقسم لا بالفكّ والقطع، ولا بالوهم والغرض. انظر: الصحائف الإلهيّة للسمرقندي ص ٢٥٥. وقال صاحب التعريفات عنها: "والجزء الذي لا يتجزأ: جوهر ذو وضع لا يقبل الانقسام أصلًا، لا بحسب الوهم أو الغرض العقليّ. وتتألف الأجسام من أفراده بانضمام بعضها إلى بعض كما هو مذهب المتكلمين". التعريفات للجرجاني ص ١٠٣. وانظر: الإرشاد للجويني ص ١٧. وأصول الدين للبغدادي ص ٣٣. ٤ وهي من الأكوان الأربعة. والأكوان بعض الأعراض؛ كما تقدّم ص ٢٥٨. ٥ وقد نقل عنه تمسّكه بهذه الطريقة - طريقة الأعراض وحدوث الأجسام -، وبناءه عليها، وتأويله للنصوص كي يُوافقها من جاء بعده من أعلام الأشاعرة؛ كابن فورك في المجرد ص ٦٧. والجويني في الإرشاد ص ١٢٠. والبغدادي في أصول الدين ص ١١٣. والبيهقي في الأسماء والصفات ص ٥١٧، ٥٦٤. والشهرستاني في نهاية الإقدام ص ٣٠٤.
[ ١ / ٢٩٥ ]
وهذه الطريقة أصل ضلال هؤلاء؛ فإنّهم أنكروا المعلوم بالحسّ، والمشاهدة، والضرورة العقليّة؛ من حدوث المحدثات المشهود حدوثها، وادّعوا أنه إنما يُشهد١ حدوث أعراض لا حدوث أعيان، مع تنازعهم في الأعراض. ثمّ قالوا: والأجسام لا تخلو من الأعراض - وهذا صحيح، ثمّ قالوا: والأعراض حادثة. فاضطربوا هنا. ثمّ قالوا: وما لم يخل من الحوادث فهو حادث. وهذا أصل دينهم، وهو أصل فاسد مخالف للسمع والعقل، كما قد بُسط في غير هذا الموضع٢.
والمتفلسفة أشدّ مخالفة للعقل والسمع منهم، لكنهم عرفوا فساد طريقتهم هذه العقليّة، فاستطالوا عليهم بذلك، وسلكوا ما هو أفسد منها كطريقة الإمكان والوجوب٣؛ كما قد بُسط في موضع آخر٤؛
فلبّسوا هذا الباطل بالحقّ الذي جاء به الرسول؛ وهو الاستدلال بحدوث الإنسان وغيره
_________________
(١) ١ في «ط»: شُهد، وما أُثبت من «خ»، و«م» . ٢ انظر: من كتب شيخ الإسلام: مجموع الفتاوى ٦/٣١٣، ٣٣٠. وشرح العقيدة الأصفهانية - ت مخلوف - ص ٧٠. وشرح حديث النزول ص ٧٣، وص ٤١٣-٤٢٠ - محقق -. وكتاب الصفدية ٢/١٦٣. ودرء تعارض العقل والنقل ٨/١٧٣. ورسالة في الصفات الاختيارية - ضمن جامع الرسائل ٢/٣١-٣٢ -. والفتاوى المصريّة ٦/٥٥٢-٥٥٦. ٣ تقدّم الكلام على مسلكهم - الوجوب والإمكان - قريبًا ص ٣٠٧. ٤ انظر: من كتب شيخ الإسلام: شرح العقيدة الأصفهانية - ت السعوي - ص ٣٣١، ٤٤٢-٤٤٣. وشرح حديث النزول - محقق - ص ٤٢٠، ٤٢٢، ٤٢٨، ٤٣٦، ٤٣٨. والفرقان بين الحق والباطل ص ١٠٢. ومنهاج السنة النبوية ١/٣٠٣-٣٠٤، ٣٥٢-٣٥٩، و٣/٣٦١-٣٦٢. ودرء تعارض العقل والنقل ٣/٣٣٦-٣٤٢، ٧/٢٤٢، ٣٤٥-٣٥٢، ٨/٩٧، ٩/٦٨، ٣٧٩، و١٠/٣١٦-٣١٧. ومجموع الفتاوى ١٢/٥٩٠، ١٣/١٥٧. ونقض تأسيس الجهميّة ١/٢٢٣، ومجموع الرسائل الكبرى ١/٣٢٩-٣٣٠، ولابن القيم رحمه: مختصر الصواعق المرسلة ١/١٩٧-١٩٩، ومفتاح دار السعادة ١/١٥٨.
[ ١ / ٢٩٦ ]
من المحدثات التي يُشهد حدوثها. فصار في كلامهم حق وباطل، من جنس ما أحدثه أهل الكتاب؛ حيث لبسوا الحقّ بالباطل، واحتاجوا في ذلك إلى كتمان الحق - الذي جاء به الرسول - الذي يخالف ما أحدثوه، فصاروا يكرهون ظهور ما جاء به الرسول، بل يمنعون عن قراءة الأحاديث وسماعها، وقراءة كلام السلف وسماعه.
ومنهم من يكره قراءة القرآن وحفظه. والذين لا يقدرون على المنع من ذلك، صاروا يقرأون حروفه، ولا يعلمون حدود ما أنزل الله على رسوله، بل إن اشتغلوا بعلومه اشتغلوا بتفسير من يشركهم في بدعتهم؛ ممّن يُحرّف١ الكلم؛ كلم الله عن مواضعه. والأصل العقليّ الحسيّ الذي به فارقوا العقل والسمع، هو: حدوث ما يُشهد حدوثه؛ مثل حدوث الزرع، والثمار، وحدوث الإنسان، وغيره من الحيوان، وحدوث السحاب، والمطر، ونحو ذلك من الأعيان القائمة بنفسها، غير حدوث الأعراض؛ كالحركة، والحرارة، والبرودة، والضوء، والظلمة، وغير ذلك. بل تلك الأعيان التي يُسمّونها أجسامًا وجواهر هي حادثة؛ فإنه معلوم أنّ الإنسان مخلوق من نطفة، ثمّ من علقة، ثمّ من مضغة، وأنّ الثمار تُخلق من الأشجار، وأنّ الزرع تُخلق من الحبّ، والشجر تُخلق من النوى؛ قال
تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ فَاْلِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَّىْ تُؤْفَكُوْنَ فَاْلِقُ الإِصْبَاْحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاْنًَا ذَلِكَ تَقْدِيْرُ الْعَزِيْزِ الْعَلِيْمِ وَهُوَ الَّذِيْ جَعَلَ لَكُمُ النُّجُوْمَ لِتَهْتَدُوْا بِهَاْ فِيْ ظُلُمَاْتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَاْ الآيَاْتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُوْنَ وَهُوَ الَّذِيْ أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاْحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَاْ الآيَاْتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُوْنَ وَهُوَ الَّذِيْ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاْءِ مَاْءً فَأَخْرَجْنَاْ بِهِ نَبَاْتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَاْ مِنْهُ خَضِرًَا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًَّا مُتَرَاْكِبًَا وَمِنَ
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: يُحرّفون.
[ ١ / ٢٩٧ ]
النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَاْ قِنْوَاْنٌ دَاْنِيَةٌ وَجَنَّاتِ مِنْ أَعْنَاْبِ وَالزَّيْتُوْنَ وَالرُّمَّاْنَ مُشْتَبِهًَا وَغَيْرَ مُتَشَاْبِهٍ أُنْظُرُوْا إِلَىْ ثَمَرِهِ إِذَاْ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِيْ ذَلِكم لآيَاْتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُوْنَ﴾ ١.
طريقة الجهمية في خلق الإنسان هي تركيب الجواهر لا إحداثها
فهذا الإنسان، والشجر، والزرع المخلوق من مادّة قد خُلق منها عين قائمة بنفسها، [وهم يقولون: إنّما هي من] ٢ الجسم٣ القائم بنفسه، وهو الجوهر العامّ في اصطلاحهم، الذي يقولون إنّه مُركّبٌ من الجواهر المفردة٤. [وهل الذي خُلق من المادّة هو] ٥ أعيان، أم لم يخلق إلا أعراض قائمة بغيرها، وأمّا الأعيان فهي الجواهر المفردة، [وتلك لم يُخلق منها] ٦ شيء في هذه الحوادث، ولكن أُحدِث فيها جمعٌ وتفريقٌ؛ فكان خلقُ الإنسان وغيره هو تركيب تلك الجواهر، وإحداث هذا التركيب لا إحداث تلك الجواهر. وأمّا حدوث تلك الجواهر فإنّما يُعلم بالاستدلال، فيُستدلّ عليه بأنّ الجواهر التي تركّبت منها هذه الأجسام لا تخلو٧ من اجتماع وافتراق، والاجتماع والافتراق حادِث، وما لم يخلُ من الحوادِث فهو حادِث. فهذه طريق هؤلاء الجهميّة أهل الكلام المُحدَث.
وأما جمهور العقلاء فيقولون: بل نحن نعلم حدوث هذه الأعيان القائمة بنفسها، لا نقول أنّه لم يحدث٨ إلا عرض؛ فإنّ هذا القول يقتضي
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآيات ٩٥-٩٩. ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: وهو الجسم. وما أُثبت من «م»، و«ط» . ٤ وهذا أحد تعريفات الجوهر عند المتكلمين. ٥ ما بين المعقوفتين من «م»، و«ط» . وفي «خ»: [وهذه الأعيان خلقت من مادّة هي أعيان] . ٦ في «م»، و«ط»: وتلك منها. ٧ في «خ»: لا يخلوا. وما أُثبت من «م»، و«ط» . ٨ في «ط» فقط: لا محدث.
[ ١ / ٢٩٨ ]
أنّ تلك الجواهر التي رُكّب منها آدم باقية لم يزل في كلّ آدميّ منها شيء. وهذا مكابرة؛ فإنّ بدن آدم لا يحتمل هذا كلّه، لا يحتمل أن يكون فيه جواهر بعدد ذريته، لا سيّما وكلّ آدميّ إنّما خُلق من مني أبويه. وهم يقولون: تلك الجواهر التي في مني الأبوين باقية بأعيانها في الولد. وهم يقولون: إنّ الجواهر لا تفنى، بل تنتقل من حال إلى حال. وكثير منهم يقول إنّها مستغنية عن الربّ بعد أن خلقها. وتحيّروا فيما إذا أراد أن يفنيها: كيف يفنيها؟ كما قد ذُكر في غير هذا الموضع١؛ إذ المقصود هنا التنبيه على أنّ أصل الأصول معرفة حدوث الشيء من الشيء؛ كحدوث الإنسان من المني، فهؤلاء ظنّوا أنه لا يحدث إلا الأعراض٢.
ولهذا لمّا ذكر أبو عبد الله بن الخطيب الرازي في كتبه (الكبار والصغار) الطرقَ الدالّة على إثبات الصانع لم يذكر طريقًا صحيحًا، وليس في كتبه وكتب أمثاله طريق صحيح لإثبات الصانع، بل عدلوا عن الطرق العقليّة التي يعلمها العقلاء بفطرتهم؛ وهي التي دلّتهم عليها الرسل، إلى طرق سلكوها
_________________
(١) ١ وقد بسط شيخ الإسلام ﵀ الكلام في ذلك في: مجموع الفتاوى ٥/٤٢١-٤٢٥، ١٧/٢٤٢-٢٦٠. ودرء تعارض العقل والنقل ٣/٨٣-٨٦، ٤٤٤-٤٤٦. وشرح الأصفهانية ١/٢٦٢. ومنهاج السنة النبوية ١/٣٦٠، ٢/١٣٩-١٤١، ٢٠٢، ٥/٤٤٣-٤٤٤. ودرء تعارض العقل والنقل ١/١٢٢-١٢٤، ٣٠٨، ٥/١٩٥-٢٠٣، ٨/٢٥٢. وبيان تلبيس الجهمية ١/١٧٨، ٢٧٣. وذكر الدكتور محمد رشاد سالم ﵀ في أثناء تحقيقه لكتاب منهاج السنة النبوية ٢/١٤١، حاشية رقم (٤) أن لابن تيمية ﵀ كتابًا اسمه: «إبطال قول الفلاسفة بإثبات الجواهر العقلية»، ذكره ابن عبد الهادي في كتابه العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ص ٣٦، وابن قيم الجوزية في أسماء مؤلفات ابن تيمية ص ٢٠. وهذا الكتاب من كتب شيخ الإسلام المفقودة. ٢ في «خ»: عرض. وما أُثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٢٩٩ ]
مخالفة للشرع والعقل، لا سيّما من سلك طريقة الوجوب والإمكان متابعة لابن سينا؛ كالرازي، فإنّ هؤلاء من أفسد النّاس استدلالًا كما قد ذكرنا طرق عامّة النّظّار في غير هذا الموضع؛ مثل كتاب منع تعارض العقل والنقل١، وغير ذلك٢.
طرق الرازي العقلية في إثبات الصانع
والمقصود هنا أنّ الرازي ذكر أنّ ما يُستدلّ به على إثبات الصانع٣؛ إمّا حدوث الأجسام٤، وإما حدوث صفاتها٥، وإمّا
_________________
(١) ١ انظر: درء تعارض العقل والنقل ١/٣٨-٣٩، ٩٦-٩٧، ٣٠٧-٣٠٨، ٣/٧٣، ٧/٧١، ١٤١-١٤٢، ٢٤٢، ٣٨٢، ٨/١٧-١٨، ٩٣،، ٩/١٣٢، ١٠/٢٦٠. ٢ انظر: من كتب شيخ الإسلام: الاستقامة ١/١٠٢. وكتاب الصفدية ٢/٤١-٥٥. ومنهاج السنة النبوية ١/٣٠٩-٣١٠، ٣١٥. والفتاوى المصرية ٦/٦٤٤-٦٤٥. وشرح حديث النزول ص ١٦٠-١٦١. والفرقان بين الحق والباطل ص ٤٧. ونقض تأسيس الجهمية ١/١٤١-١٤٤، ٢٥٧-٢٥٨. والرسالة التدمرية ص ١٤٨. ومجموع الفتاوى ٦/٣١٣، ٣٣٠،، ١٢/٤٤. ٣ وهذه المسالك جميعها ذكرها الرازي مطوّلة في كتابه نهاية العقول - مخطوط - ق ٥٨/أ ٦٣/أ. وذكرها مختصرة في كتابه الأربعين ص ٧٠. ومعالم أصول الدين - على هامش محصل أفكار المتقدمين - ص ٢٦-٢٩. ٤ وهذه هي طريقة الأشعريّة، وعامة من ينفي قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى؛ استدلّوا بقيام الأعراض بالأجسام على حدوثها - أي الأجسام -. وقد ذمّها الأشعريّ كما تقدّم لطولها وغموضها. وسيأتي بيان المصنّف لهذه الطريق، والقائلين بها قريبًا. وشيخ الإسلام قد ناقشها وبيّن بطلانها في الكثير من مصنفاته. انظر: شرح الأصفهانيّة - ت السعوي - ص ٢٦٠-٢٦١. ودرء تعارض العقل والنقل ١/٩٦، ٣٠٧-٣٠٨، ٣/٧٢-٨٧، ٥/٢٩٢-٢٩٤، ٧/٢٢٩-٢٣٢. ٥ كصيرورة النطفة علقة، ثمّ مضغة، ثمّ إنسانًا - في النهاية، وتحوّل الطين إلى آجرّ، ولبن، ثمّ دار - في النهاية. وهذا التحوّل في صفات الأجسام يدلّ على أنّ لها فاعلًا فعلها. وهذا المسلك ذكره الأشعريّ في كتابه: اللمع ص ٦-٧، ط مكارثي. وفي رسالة إلى أهل الثغر ص ٣٤-٤٠. وشيخ الإسلام يرى أنّ هذا المسلك صحيح لو جُرّد من الأمور الباطلة التي أُدخلت فيه. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣/٨٣.
[ ١ / ٣٠٠ ]
إمكانها١، وإمّا إمكان صفاتها٢، وذكر في بعض المواضع: وإمّا الإحكام والإتقان٣، لكن الإحكام والإتقان يدلّ٤ على العلم ابتداءً، والاستدلال بحدوث الأجسام، وإمكانها، وإمكان صفاتها طرق فاسدة؛
_________________
(١) ١ أي الأجسام. وهذا المسلك عمدة المتفلسفة؛ كابن سينا وأمثاله. انظر: النجاة لابن سينا ص ٣٨٣. والرسالة العرشية له ص ٢. والتعليقات للفارابي ص ٣٧. وطريقتهم أنّ الوجود ينقسم إلى واجب وممكن. وكلّ ممكن فلا بُدّ له من واجب. وهذه الطريقة قد نصّ على ضعفها شيخ الإسلام في العديد من مصنفاته. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣/٧٥، ١٣٨،، ٥/٢٩٣،، ٧/٢٣٠،، ٨/١٢٥، ١٢٧. ومجموع الفتاوى ١/٤٩. وشرح الأصفهانيّة - ت السعوي - ص ١٤١-١٤٥) . ٢ وهذا يُعرف بدليل الاختصاص. وقد بنوه على أنّ الأجسام متماثلة، وتخصيص بعضها بالصفات دون بعض يفتقر إلى مخصّص. وقالوا: لا يجوز أن يكون الله تعالى جسمًا، ونفوا لأجل ذلك صفتَي العلو والاستواء. وهو مسلك بعض الأشعريّة. انظر: أصول الدين للبغدادي ص٦٩. ونهاية الإقدام للشهرستاني ص ١٠٥، ٢٤٥. وقد بيّن شيخ الإسلام ﵀ فساد هذه الطريقة في مواضع عديدة من تصانيفه. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٥/١٩٢-٢٠٣،، ٧/١١٢-١١٤، ١٠/٣١٢-٣١٦. ونقض تأسيس الجهمية ١/١٨٣) . وانظر: لهذه الطرق عند الرازي: مجموع الفتاوى ١٧/٢٤٦. وشرح الأصفهانية ١/٢٦٠. ودرء تعارض العقل والنقل ١/٣٠٧. ٣ وهذا المسلك أورده شيخ الإسلام، وبيّن ما فيه من حق وما أدخل سالكوه فيه من باطل. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣/١٢٨-١٣٧. ٤ في «خ»: تدلّ. وما أُثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٣٠١ ]
فإنّ [دلالة] ١ حدوثها مبنيّة٢ على امتناع حوادث لا أول لها؛ و[دلالة] ٣ إمكانها مبنية٤ على أنّ ما قامت به الصفات يمتنع أن يكون واجبًا بنفسه؛ لأنّه مُركّب؛ و[دلالة] ٥ إمكان صفاتها مبنيّة٦ على تماثلها، فلا بُدّ لتخصيص٧ بعضها بالصفات من مُخصّص. وهذه كلها طرق باطلة.
قال٨: وأمّا الاستدلال بحدوث الصفات، فهو الاستدلال بحدوث الأعراض٩.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ في «خ»: مبنيّ. وما أثبته من «م»، و«ط» . ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: مبنيّ. وما أثبته من «م»، و«ط» . ٥ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٦ في «خ»: مبنيّ. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ كذا في «خ»، و«م» . وفي «ط»: للتخصيص. ٨ القائل هو الباقلاني الذي قصد شيخ الإسلام ﵀ بتأليفه لكتابه «النبوات» الردّ عليه. وهذه المقولة ليست في كتاب «البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات» له، بل هي في كتابه: «شرح اللمع» وهو غير موجود. وقد نقل عنه شيخ الإسلام ﵀ في مواضع متفرقة من درء تعارض العقل والنقل. ٩ تقدّم أنّ من الأمثلة على حدوث الصفات: صيرورة النطفة علقة، ثمّ مضغة، ثمّ إنسانًا. أو: تحوّل القطن إلى غزل مفتول، ثمّ ثوب. أو تحوّل الطين إلى آجر ولبن، ثمّ إلى دار. وهذا التحوّل في هذه الأجسام يدلّ على أنّ لها فاعلًا فعلها. وكذا النطفة: لا بُدّ لها من صانع صنعها، وهو الله تعالى. وهذا الدليل ذكره الأشعريّ في كتابه: «اللمع» ص ٦-٧ - ط مكارثي. ثمّ جاء بعده الباقلاني، وشرح كتابه: «اللمع»، وحاول أن يُفسّر أقوال الأشعريّ في هذه المسألة ليُقرّب مذهبه؛ فذكر أنّ الأشعريّ أراد تعميم النطفة، لتشمل سائر الأعراض، كما حاول الباقلاني أن يُدلّل على أنّ مسألة (المحدَث لا بُدّ له من محدِث) مسألة نظرية تحتاج إلى برهان. بينما لم يتعرّض الأشعريّ لهذه المسألة لاعتقاده أنها بدهيّة، لا نظريّة. وقد أطال شيخ الإسلام ﵀ النَّفَسَ في مناقشة الباقلاني في هذه القضيّة في درء تعارض العقل والنقل ٧/٣٠٤-٣٠٧، ٨/٧٠-٨٨، ١٠٦، ٣٠٠-٣٤٣. وخلص إلى أنّ ما قرّره الأشعريّ في «اللمع» خير ممّا قاله الباقلاني في شرحه لهذا الكتاب.
[ ١ / ٣٠٢ ]
وهذه الطريق١ أجود ما سلكوه من الطرق مع أنها قاصرة؛ فإنّ مدارها على أنهم لم يعرفوا حدوث شيء من الأعيان، وإنّما علموا حدوث بعض الصفات. وهذا يدلّ على أنّه لا بُدّ لها من محدث٢.
قال٣: وهذا لا ينفي كون المحدَث جسمًا، بخلاف تلك الطرق٤.
وهذه الطريق تدلّ على أنّ الأعراض؛ كتركيب الإنسان لا بُدّ له من مُركّب، ولا ينفي بها شيء من قدم الأجسام والجواهر، بل يجوز أن يكون جميع جواهر الإنسان وغيره قديمة أزليّة، لكن حدثت٥ فيها الأعراض. ويجوز أن يكون المحدث للأعراض بعض أجسام العالم.
_________________
(١) ١ أي: الاستدلال بحدوث الصفات. ٢ وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ - في موضع آخر - أنّ طريقة القرآن هي الاستدلال بحدوث الأعيان والمخلوقات ذاتها؛ من إنسان، وحيوان، وغير ذلك، لا بحدوث الصفات؛ يقول ﵀: (الطريقة المذكورة في القرآن هي الاستدلال بحدوث الإنسان وغيره من المحدثات المعلوم حدوثها بالمشاهدة ونحوها على وجود الخالق ﷾، فحدوث الإنسان يستدلّ به على المحدث، لا يحتاج أن يُستدلّ على حدوثه بمقارنة التغيّر أو الحوادث له ووجوب تناهي الحوادث. والفرق بين الاستدلال بحدوثه، والاستدلال على حدوثه بيِّن. والذي في القرآن هو الأول لا الثاني؛ كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوْا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَاْلِقُوْنَ﴾ [الطور ٣٥]، فنفس حدوث الحيوان، والنبات، والمعدن، والمطر، والسحاب، ونحو ذلك معلومٌ بالضرورة، بل مشهود لا يحتاج إلى دليل، وإنّما يُعلم بالدليل ما لم يُعلم بالحسّ وبالضرورة) . درء تعارض العقل والنقل ٧/٢١٩. وانظر: شرح الأصفهانية - ت السعوي - ١/٤٠-٤١. ٣ أي: الباقلاني. ٤ كأنّ الباقلاني يرى أنّ هذه الطريق أدلّ على مذهبه - في نفي الصفات خشية التجسيم - من سائر الطرق الأخرى. ٥ في «خ»: حديث. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٣٠٣ ]
فهذه الطريق لا تنفي أن يكون الربّ بعض أجسام العالم.
وتلك باطلة، مع أنّ مضمونها أنّ الربّ لا يتصف بشيء من الصفات، فهي لا تدلّ على صانع، وإن دلّت على صانع، فليس بموجود، بل معدوم، أو متصف بالوجود والعدم؛ كما قد بُسط في غير موضع١.
ولهذا يقول الرازي في آخر مصنّفاته٢: لقد تأمّلتُ الطرق الكلاميّة، والمناهج الفلسفيّة، فما رأيتُها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيتُ أقرب الطرق طريقة القرآن؛ اقرأ في الإثبات: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ٣، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَىْ الْعرْشِ استَوَىْ﴾ ٤، واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيْءٌ﴾ ٥،
_________________
(١) ١ انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣/٨٣،، ٧/٢١٩، ٢٢٤-٢٣٢، ٣٠٠، ٣٠٤-٣٠٧،، ٨/٧٠-٨٨، ١٠٠، ١٠٦، ٣٠٠-٣٤٣. وشرح العقيدة الأصفهانيّة - ت السعوي - ص ٢٦١-٢٦٢. ومجموع الفتاوى ١٧/٢٦٧-٢٧٠. ٢ في كتاب «أقسام اللذات» . وقد صرح شيخ الإسلام ﵀ بذكر اسمه بقوله: وقد ذكر هذا الإمام لأتباعه أبو عبد الله الرازي في كتابه أقسام اللذات لما ذكر اللذة العقلية، وأنها العلم، وأن أعرف العلوم العلم بالله، لكنه العلم بالذات والصفات والأفعال، وعلى كل واحدة من ذلك عقدة: هل الوجود هو الماهية أم قدر زائد؟ وهل الصفات زائدة على الذات أم لا؟ وهل الفعل مقارن أم محدث؟ ثم قال: ومن الذي وصل إلى هذا الباب، أو ذاق من هذا الشراب! ". بيان تلبيس الجهمية ١/١٢٨-١٢٩. وقال الحافظ ابن القيم ﵀ عن هذا الكتاب: (وهو كتاب مفيد، صنّفه في آخر عمره) . اجتماع الجيوش الإسلامية ص ١٢١. ٣ سورة فاطر، الآية ١٠. ٤ سورة طه، الآية ٥. ٥ سورة الشورى، الآية ١١.
[ ١ / ٣٠٤ ]
﴿وَلا يُحِيْطُوْنَ بِهِ عِلْمًَا﴾ ١. قال: ومن جرّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي٢.
ولما ذكر الرازي الاستدلال بحدث الصفات٣؛ كالحيوان، والنبات، والمطر، ذكر أنّ هذه طريقة القرآن٤.
ولا ريب أنّ القرآن يُذكر فيه الاستدلال بآيات الله؛ كقوله: ﴿إِنَّ فِيْ خَلْقِ السَّمَوَاْتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَاْرِ وَالْفُلْكِ الَّتِيْ تَجْرِيْ فِيْ الْبَحْرِ بِمَاْ يَنْفَعُ النَّاْسَ وَمَاْ اَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاْءِ مِنْ مَاْءٍ فَأَحْيَاْ بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاْ وَبَثَّ فِيْهَاْ مِنْ كُلِّ دَاْبَّةٍ وَتَصْرِيْفِ الرِّيَاْحِ وَالسَّحَاْبِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاْءِ وَالأَرْضِ لآيَاْتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُوْنَ﴾ ٥. وهذا مذكورٌ بعد قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاْحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيْم﴾ ٦، وقبل قوله: ﴿وَمِنَ النَّاْسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُوْنِ اللهِ أَنْدَاْدًَا يُحِبُّوْنَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ ٧.
لكن القرآن لم يذكر أنّ هذه صفات حادثة، وأنّه ليس فيها إحداثُ عين
_________________
(١) ١ سورة طه، الآية ١١٠. ٢ نقل شيخ الإسلام ﵀ كلام الرازي هذا في الكثير من مصنفاته. انظر: مجموع الفتاوى ٤/٧٢-٧٣. ودرء تعارض العقل والنقل ١/١٥٩-١٦٠. وشرح حديث النزول ص ٤٤١. والفتوى الحموية ص١٥. ومنهاج السنة النبوية ٥/٢٧١-٢٧٢. ونقض المنطق ص ٦٠-٦١. ومعارج الوصول ص ٢٠. والفرقان بين الحق والباطل ص ٨٤. وبيان تلبيس الجهمية ١/١٢٨-١٢٩. ٣ تقدّم ص ٣٥١ - ٣٥٢ أنّ الرازي ذكرها مطوّلة في كتابه نهاية العقول، ومختصرة في كتابه الأربعين. ٤ انظر: نهاية العقول للرازي - مخطوط - ق ٥٨/ب. ٥ سورة البقرة، الآية ١٦٤. ٦ سورة البقرة، الآية ١٦٣. ٧ سورة البقرة، الآية ١٦٥.
[ ١ / ٣٠٥ ]
قائمة بنفسها، بل القرآن يُبيِّن أنّ في خلق الأعيان القائمة بنفسها آيات، ويذكر الآيات في خلق الأعيان والأعراض؛ كقوله: ﴿إِنَّ فِيْ خَلْقِ السَّمَوَاْتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَاْرِ وَالْفُلْكِ الَّتِيْ تَجْرِيْ فِيْ الْبَحْرِ بِمَاْ يَنْفَعُ النَّاْسَ﴾ ١، وهي أعيان. ثمّ قال: [﴿وَمَاْ أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاْءِ مِنْ مَاْءٍ﴾، والماء عينٌ قائمةٌ بنفسها. وقوله:] ٢ ﴿فَأَحْيَاْ بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاْ﴾ ٣؛ هو ما يخلقه فيها من النبات، وهو أعيان. وكذلك قوله: ﴿وَبَثَّ فِيْهاْ مِنْ كُلِّ دَاْبَّة﴾، وقوله: ﴿وَتَصْرِيْفِ الرِّيَاْحِ﴾؛ فالرياح أعيان، وتصريفها أعراض. وقوله: ﴿وَالسَّحَاْبِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاْءِ وَالأَرْضِ﴾، والسحاب أعيان. ﴿لآيَاْتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُوْنَ﴾ ٤.
وقد تقدّم٥ أنّ أصل الاشتباه في هذا أنّ خلقَ الشيء من مادّة، هل هو خلق عين، أم إحداث اجتماع [و] ٦ افتراق وأعراض فقط.
اختلاف الناس في خلق الشيء هل هو خلق عين، أم إحداث اجتماع وافتراق على ثلاثة أقوال
والناس مختلفون في هذا على ثلاثة أقوال٧: فالقائلون بالجواهر المفردة٨ من أهل الكلام القائلون بأنّ الأجسام مُركّبة من الجواهر الصغار التي قد بلغت من الصغر إلى حدّ لا يتميّز منها جانب عن جانب يقولون: تلك الجواهر باقية تنقّلت في الحوادث، ولكن تعتقب عليها الأعراض الحادثة. والاستدلال بالأعراض على حدوث ما يلزمه من الجواهر، ثمّ
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية ١٦٤. ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «ط»، وهو في «خ»، و«م» . ٣ سورة البقرة، الآية ١٦٤. ٤ سورة البقرة، الآية ١٦٤. ٥ انظر: ما تقدم ص ٣٤٥-٣٥١، وما سيأتي ص ١٣٤٠-١٣٤٩ من هذا الكتاب. ٦ ليست في «خ» . وأثبتها من «م»، و«ط» . ٧ وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ اختلاف الناس وأقوالهم في هذه المسألة.. انظر: منهاج السنة النبوية ٢١٤٠-١٤٢. ومجموع الفتاوى ١٧٢٤٣-٢٤٥. ودرء تعارض العقل والنقل ٣٨٣-٨٦. ٨ تقدم تعريف الجوهر الفرد ص ٣٤٥.
[ ١ / ٣٠٦ ]
الاستدلال بذلك على المحدِث، غير الاستدلال بحدوث هذه الأعراض على المحدِث لها؛ فتلك١ هي طريقة الجهميّة المشهورة، وهي التي سلكها الأشعريّ في كتبه كلها متابعة للمعتزلة٢، ولهذا قيل: الأشعريّة مخانيث المعتزلة٣.
وأما الاستدلال بالحوادث على المحدِث، فهي الطريقة المعروفة لكل أحد٤، لكن تسمية هذه أعراضًا هو تسمية القائلين بالجوهر الفرد٥، مع
_________________
(١) ١ أي الاستدلال بحدوث الأعراض على حدوث الجواهر والأجسام، ثمّ الاستدلال بحدوث الجواهر والأجسام على أنّ لها محدِثًا. هذه هي طريقة الجهميّة، ومن تابعهم. ٢ انظر: اللمع ص ٧، ٢٢ - ط مكارثي -. ورسالة إلى أهل الثغر ص ٢١٨-٢١٩. والإبانة - ت فوقية - ص ٦٧، ٨٠-٨١، ١٠٢. ٣ هذه العبارة يذكرها شيخ الإسلام ﵀ كثيرًا بقوله: قيل. وقد نسبها في الفتاوى ٨٢٢٧ لأبي إسماعيل الأنصاري ﵀، أنّه قال: "الأشعريّة الإناث، هم مخانيث المعتزلة". وأحيانًا يذكر ﵀ هذه العبارة بقوله: "فالمعتزلة في الصفات مخانيث الجهميّة". وأمّا الكلابيّة: فيُثبتون الصفات في الجملة، وكذلك الأشعريّون، ولكنّهم كما قال الشيخ أبو إسماعيل الأنصاري: "الأشعريّة الإناث، وهم مخانيث المعتزلة". انظر: مجموع الفتاوى ١٤٣٤٨-٣٤٩. أو يذكرها بقوله: "كما قيل: المعتزلة مخانيث الفلاسفة". انظر: مجموع الفتاوى ١٢٣١. ٤ وهذه طريقة شرعيّة عقليّة؛ فالقرآن مليء بالآيات التي تحثّ على التفكّر والتدبّر في خلق الله للاستدلال به على الخالق. وهو أمرٌ معلوم بضرورة العقل. انظر: مجموع الفتاوى ١٤٢٥. والرسالة التدمرية ص ٢٠. ومنهاج السنة النبوية ٣٢٩-٣٠. ٥ وهم متأخّروا المعتزلة والأشعريّة. انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص ٣٢٨. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص١٦٥. والصحائف الإلهية للسمرقندي ص٢٥٥.
[ ١ / ٣٠٧ ]
أنّ الرازي توقّف في آخر أمره فيه؛ كما ذَكَرَ ذلك في نهاية العقول١. وذُكِر أيضًا عن أبي الحسين البصري٢، وأبي المعالي٣ أنّهما توقّفا فيه٤.
والمقصود أنّ القائلين بالجوهر الفرد يقولون: إنّما أحدث أعراضًا لجمع الجواهر وتفريقها. فالمادّة٥ التي هي الجواهر المنفردة باقية عندهم بأعيانها، ولكن أحدث صورًا هي أعراض قائمة بهذه الجواهر٦.
_________________
(١) ١ انظر: نهاية العقول - مخطوط - ق ٦٧أ. ٢ هو أبو الحسين؛ محمد بن علي الطيب البصري. ولد في البصرة، ودرس في بغداد على القاضي عبد الجبار. من متأخري المعتزلة، ومن أئمتهم. وقال عنه ابن حجر: "شيخ المعتزلة، ليس بأهل للرواية". مات سنة ٤٣٦؟. انظر: لسان الميزان ٥٥٩٨. وشذرات الذهب ٣٥٩. ٣ الجويني. ٤ بل إنّ أكثر طوائف أهل الكلام لم يتكلّموا به. انظر: من كتب ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل ٤١٣٥-١٣٦. والرد على المنطقيين ص ٦٧. ومجموع الفتاوى ١٢٣١٨. ومنهاج السنة النبوية ٢٢١١. وتفسير سورة الإخلاص ص ٨٦. ٥ المادّة تُسمّى عند المتفلسفة: هيولى. وهي أحد جُزأي الجسم، والجزء الآخر هو الصورة. وكلّ جزء من هذا الجسم محلّه الجزء الآخر. فالصورة صورة للمادة؛ أي أنّها تحلّ بها. والمادّة محلّ للصورة. انظر: التعليقات للفارابي ص ٤١، ٤٣، ٦٠. والمبين في ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي ص ١١٠. يقول شيخ الإسلام: "التحقيق أنّ المادّة والصورة لفظ يقع على معان؛ كالمادّة والصورة الصناعيّة، والطبيعيّة، والكليّة، والأوليّة. فالأوّل: مثل الفضة إذا جعلت درهمًا وخاتمًا وسبيكةً، والخشب إذا جُعل كرسيًّا، واللبِن والحجر إذا جعل بيتًا، والغزل إذا نُسج ثوبًا، ونحو ذلك. فلا ريب أنّ المادّة هنا التي يُسمّونها الهيولى هي أجسام قائمة بنفسها، وأنّ الصورة أعراض قائمة بها، فتحوُّل الفضة من صورة إلى صورة هو تحوُّلها من شكل إلى شكل، مع أنّ حقيقتها لم تتغيّر أصلًا". درء تعارض العقل والنقل ٣٨٤. ٦ انظر: منهاج السنة النبوية ٢١٣٩-١٤٠.
[ ١ / ٣٠٨ ]
قول الفلاسفة
وأمّا المتفلسفة فيقولون: أحدث صورًا في موادّ باقية كما يقول هؤلاء، لكن [يقولون] ١: أحدث صورًا هي جواهر في مادّة هي جوهر، وعندهم ثمّ مادّة باقية بعينها، والصور الجوهرية؛ كصورة الماء، والهواء، والتراب، والمولّدات تعتقب عليها٢.
أقسام الموجودات عند الفلاسفة
وهذه المادة - عندهم٣ - جوهر عقليّ، وكذلك الصورة المجرّدة جوهر عقليّ٤، ولكن الجسم مُركّب من المادّة والصورة٥، ولهذا قسّموا الموجودات، فقالوا: إما أن يكون الموجود حالا [بغيره] ٦، أو محلا، أو مركبا من الحال، والمحل، [أو] ٧ لا هذا ولا هذا. فالحال في غيره هو الصورة، والمحلّ هو المادّة، والمركّب منهما هو الجسم، وما ليس كذلك؛ إن كان متعلّقًا بالجسم، فهو النفس، وإلا فهو العقل٨.
وهذا التقسيم فيه خطأ كثير من وجوه، ليس هذا موضعها٩؛ إذ
_________________
(١) ١ ملحقة بهامش «خ» . ٢ انظر منهاج السنة النبوية ١٣٦٠. ٣ أي عند الفلاسفة. ٤ انظر كتاب الشفا لابن سينا ٣٦١. ٥ انظر تهافت الفلاسفة للغزالي ص ١٦٣. ٦ في «خ»: لغيره. وما أثبت من «م» و«ط» . ٧ ليست في «خ» وهي في «م» و«ط» . ٨ انظر: كتاب الشفا لابن سينا ٣٧٢. والتعليقات للفارابي ص ٤١، ٤٣، ٦٠. وتهافت الفلاسفة للغزالي ص ١٦٣. والمبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي ص ١١٠. والتعريفات للجرجاني ص ١٣٥، ١٣٦، ٢٥٧. ٩ وقد بيّن شيخ الإسلام ﵀ خطأ هذا التقسيم في مواضع متعدّدة من كتبه. انظر: منهاج السنة النبوية ٢٢١١. ودرء تعارض العقل والنقل ٤١٤٦. وبغية المرتاد ص ٤١٦. والرد على المنطقيين ص ٦٧. وكتاب الصفدية ٢٢٢٩.
[ ١ / ٣٠٩ ]
المقصود أنّهم يقولون أيضًا أنّه لم يُحدِث جسمًا قائمًا بنفسه، بل إنما أحدث صورة في مادّة باقية١.
ولا ريب أنّ الأجسام بينها قدر مشترك في الطول والعرض والعمق، وهو المقدار المجرّد الذي لا يختصّ بجسم بعينه٢، ولكنّ هذا المقدار المجرّد هو في الذهن، لا في الخارج؛ كالعدد المجرّد، والسطح المجرّد، والنقطة المجرّدة، وكالجسم التعليميّ٣؛ وهو الطويل العريض العميق الذي لا يختصّ بمادّة بعينها٤.
_________________
(١) ١ راجع المصادر المتقدّمة في هامش (٦) من الصفحة السابقة. ٢ فكلّ جسم له طول، وعرض، وعمق. ولكن هذه الأبعاد لا تُسمّى تركيبًا. يقول شيخ الإسلام ﵀: "وإذا سمّى مسمّ هذه مركّبًا كان إما غالطًا في عقله؛ لاعتقاده اشتمالها على حقيقتين؛ وجودها، وحقيقتها المغايرة لوجودها. أو على حقيقتين؛ ذات قائمة بنفسها معقولة مستغنية عن صفاتها، وصفات زائدة عليها قائمة بها. أو على جواهر منفردة، أو معقولة، أو نحو ذلك من الأمور التي يُثبتها طائفة من الناس ويُسمّونها تركيبًا". انظر: درء تعارض العقل والنقل٥١٤٦. ٣ الجسم التعليمي: هو الذي يقبل الإنقسام طولًا وعرضًا وعمقًا، ونهايته السطح، وهو نهاية الجسم الطبيعيّ. ويُسمّى جسمًا تعليميًا إذ يُبحث عنه في العلوم التعليميّة؛ أي الرياضيّة الباحثة عن أحوال الكمّ المتصل والمنفصل منسوبة إلى التعليم والرياضة؛ فإنهم كانوا يبتدؤون بها في تعاليمهم ورياضتهم لنفوس الصبيان لأنها أسهل إدراكًا. انظر: التعريفات للجرجاني ص ٧٦. وانظر: زيادة إيضاح حول هذا الموضوع من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الجواب الصحيح ٤٣٠٧. وفي درء تعارض العقل والنقل ١٠٢٩٠. ٤ قال شيخ الإسلام ﵀ - في موضع آخر - عن لفظ الجسم: " وكذلك النظار، يُريدون بلفظ الجسم تارة المقدار، وقد يُسمونه الجسم التعليمي، وتارة يريدون به الشيء المقدر، وهو الجسمي الطبيعي والمقدار المجرد عن المقدار، كالعدد المجرد عن المعدود، وذلك لا يوجد إلا في الأذهان دون الأعيان، وكذلك السطح والخط والنقطة المجردة عن المحل الذي تقوم به لا يوجد إلا في الذهن ". مجموع الفتاوى ١٢٣١٦-٣١٧.
[ ١ / ٣١٠ ]
فهذه المادة المشتركة التي أثبتوها هي في الذهن، وليس بين الجسمين في الخارج شيء اشتركا فيه بعينه، فهؤلاء جعلوا الأجسام مشتركة في جوهر عقليّ، وأولئك جعلوها مشتركة في الجواهر الحسيّة. وهؤلاء قالوا: إذا خلق كلّ شيء من شيء، فإنّما أُحدِثت صورة، مع أنّ المادّة باقية بعينها، لكن أفسدت صورة، وكونت صورة. ولهذا يقولون عن ما تحت الفلك: عالم الكون والفساد١.
ولهذا قال ابن رشد٢: "إنّ الأجسام المركبة من المادة والصورة هي في عالم الكون والفساد، بخلاف الفَلَك؛ فإنه ليس مركبًا من مادة وصورة عند الفلاسفة".
حيرة المتكلمين والفلاسفة في خلق الشيء من مادة
قال٣: وإنّما ذكر أنه مركّب من هذا، وهذا: ابن سينا٤.
_________________
(١) ١ انظر: الإرشاد للجويني ص ٢٥، وقد أشار إلى هذا القول للفلاسفة. ٢ هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد الأندلسي الفيلسوف. ولد سنة ٥٢٠؟. من أهل قرطبة. وهو المعروف بابن رشد الحفيد تمييزًا له عن جدّه شيخ المالكية. عني بكلام أرسطو وترجمه إلى العربية، وزاد عليه زيادات. قرّبه المنصور أولًا، ثمّ اتهمه خصومه بالزندقة والإلحاد، فنفاه إلى مراكش وأحرق بعض كتبه، ثمّ رضي عنه، وأذن له بالعودة، فعاجلته الوفاة بمراكش سنة ٥٩٥؟. من مصنفاته: تهافت التهافت، ومناهج الأدلة. انظر: شذرات الذهب ٤٣٢٠. والأعلام ٥٣١٨. وسير أعلام النبلاء ٢١٣٠٧. ٣ أي ابن رشد. ٤ تقدمت ترجمته.
[ ١ / ٣١١ ]
[وهؤلاء، وهؤلاء] ١ تحيّروا في خلق الشيء من مادة؛ كخلق الإنسان من النطفة، والحب من الحب، والشجرة من النواة، وظنّوا أنّ هذا لا يكون إلا مع بقاء أصل تلك المادّة؛ إمّا الجواهر عند قوم٢، وإمّا المادّة المشتركة عند قوم٣. وهم في الحقيقة يُنكرون أن يخلق الله شيئًا من شيء؛ فإنّه عندهم لم يُحدِث إلا الصورة التي هي عرض عند قوم، أو جوهر عقليّ عند قوم. وكلاهما لم يخلق من مادّة، والمادّة عندهم باقية بعينها، لم يخلق، و[لن] ٤ يخلق منها شيء.
وقد ذكروا في قوله: ﴿أَمْ خُلِقُوْا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ ٥ ثلاثة أمور:
قال ابن عباس والأكثرون: أم خُلقوا من غير خالق، وهو الذي ذكره٦ الخطابي٧.
_________________
(١) ١ كذا وردت في «خ» مكرّرة. ولا يوجد التكرار في النسختين الأخريين. ٢ وهم المتكلمون. انظر: شرح الأصفهانية ١٢٦٢. ومجموع الفتاوى ٥٤٢٤-٤٢٥. ٣ وهم الفلاسفة. انظر: منهاج السنة النبوية ١٣٦٠. وشرح الأصفهانية ١٢٦٢. ٤ في «خ»: لم. وما أثبته من «م»، و«ط» . ٥ سورة الطور، الآية ٣٥. ٦ في «خ»: ذكر. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ هو حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي، أبو سليمان. فقيه، مُحدِّث، من أهل بست من بلاد كابل، من نسل زيد بن الخطاب. له معالم السنن في شرح سنن أبي داود، وغريب الحديث، والغنية عن الكلام وأهله. توفي في بست سنة ٣٨٨؟. انظر: شذرات الذهب ٢١٢٧. والبداية والنهاية ١١٣٤٦. والأعلام ٢٢٧٣.
[ ١ / ٣١٢ ]
وقال الزجاج١، وابن كيسان٢: "أم خلقوا عبثًا وسُدى، فلا يُبعثون، ولا يُحاسبون، ولا يؤمرون، ولا يُنهون؛ كما يقولون: فعلتُ هذا من غير شيء؛ أي: لغير علّة"٣.
وقيل: أم خُلقوا من غير مادّة؛ أي: من غير أب وأمّ. ثمّ من هؤلاء من قال: فهم كالجماد. ومنهم من قال: كالسموات؛ ظنًّا منه أنّها خُلقت من غير مادّة. ذكر الأربعة أبو الفرج٤٥.
وذكر البغوي٦ الوجهين الأولين٧.
_________________
(١) ١ هو إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج. كان فاضلًا دينًا حسن الاعتقاد. وله المصنفات الحسنة، منها كتاب معاني القرآن. مات سنة ٣١١؟. انظر: البداية والنهاية ١١١٥٩. وتاريخ بغداد ٦٨٩. ٢ هو محمد بن أحمد بن كيسان النحوي، أحد حفاظه والمكثرين منه. كان يحفظ طريقة البصريين والكوفيين معًا. قال ابن مجاهد: كان ابن كيسان أنحى من الشيخين؛ المبرد وثعلب. توفي سنة ٢٩٩؟. انظر: البداية والنهاية ١١١٢٥. وسير أعلام النبلاء ١٦٣٢٩؛ وقد ترجم لولديه، ولم يفرده بترجمة. ٣ انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٥٦٥. ٤ هو عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي القرشي البكري الحنبلي. ينتهي نسبه إلى أبي بكر الصديق. قال عنه الذهبي: "الإمام، العلامة، الحافظ، عالم العراق، وواعظ الآفاق". توفي سنة ٥٩٥؟. انظر: تذكرة الحفاظ ٤١٣٤٢. وسير أعلام النبلاء ٢١٣٦٥. وذيل طبقات الحنابلة ١٣٩٩. وشذرات الذهب ٤٢٣٩. ٥ زاد المسير لابن الجوزي ٨٥٥-٥٦. ٦ هو الحسين بن مسعود بن محمد البغوي، صاحب التفسير، وشرح السنة، والتهذيب في الفقه. قال عنه الذهبي: الإمام الحافظ الفقيه المجتهد محيي السنة". وقال عنه ابن كثير: "وكان علامة زمانه فيها، وكان دينًا ورعًا زاهدًا عابدًا صالحًا". توفي سنة ٥١٦؟. انظر: تذكرة الحفاظ ٤١٢٥٧. والبداية والنهاية ١٢٢٠٦. وشذرات الذهب ٤٤٨. ٧ انظر: تفسير البغوي المسمى معالم التنزيل ٤٢٤١.
[ ١ / ٣١٣ ]
قول الفلاسفة في المادة
والذي ذكرناه من قول أولئك المتكلمين والفلاسفة معنى آخر؛ وهو: أنّ من قال المادّة باقية بعينها، وإنما حدث عرض، أو صورة، وذلك لم يُخلق من غيره، ولكن أُحدِث في المادّة الباقية. فلا يكون الله خلق شيئًا من شيء؛ لأنّ المادّة عندهم لم تُخلق. أمّا المتفلسفة: فعندهم المادّة قديمة أزليّة باقية بعينها.
قول المتكلمين في الجواهر
وأمّا المتكلّمون: فالجواهر عندهم موجودة، ما زالت موجودة، لكن من قال إنّها حادثة من أهل الملل وغيرهم قالوا: يُستدلّ على حدوثها بالدليل، لا أنّ خلقها معلوم للناس؛ فهو عندهم ممّا يُستدلّ عليه بالأدلة الدقيقة الخفيّة، مع أنّ ما يذكرونه منتهاه إلى أنّ ما لا يخلو عن الحوادِث فهو حادث. وهو دليل باطل. فلا دليل عندهم على حدوثها. وإذا كانت لم تُخلق إذ خُلق الإنسان، بل هي باقية في الإنسان، والأعراض الحادثة لم تخلق من مادّة، فإذا خلق الإنسان لم [يُخلق] ١ من شيء؛ لا جواهره، ولا أعراضه. وعلى قولهم، ما جعل الله من الماء كلّ شيء حيّ، ولا خلق كلّ دابّة من ماء، ولا خلق آدم من تراب، ولا ذريّته من نطفة، بل نفس الجواهر الترابيّة باقية بعينها لم تخلق حينئذ، ولكن أُحدث فيها أعراض، أو صورة حادثة، وتلك الأعراض ليست من التراب. فلمّا خُلق آدم، لم يُخلق شيءٌ من تراب، وكذلك النطفة جواهرها باقية؛ إمّا الجواهر المنفردة، وإمّا المادّة. والحادث هو عرض، أو صورة في مادّة. ولا هذا، ولا هذا خلق من نطفة. وليس قولهم أنّه لم يُخلق من مادّة، معناه أنّ الخالق أبدعه لا من شيء، وأنّهم قصدوا بها تعظيم الخالق، بل الإنسان لا ريب أنّه جوهر قائم بنفسه. وعندهم ذلك القائم بنفسه ما زال موجودًا،
_________________
(١) ١ في «ط» فقط: يخل.
[ ١ / ٣١٤ ]
لم يخلق إذ خلق الإنسان. والجوهر الحامل لصورته ما زال موجودًا أيضًا؛ فلم يخلق عند [هؤلاء١ إلا الأعراض] ٢، وعند هؤلاء٣ إلا صورة مجرّدة.
المخلوق عند المتكلمين والفلاسفة
وكلاهما ليس هو الإنسان، بل صفة له، أو صورة له. هذا هو المخلوق٤ عندهم؛ يُخلق الإنسان فقط.
وقد قال تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكرُ الإِنْسَاْنُ أَنَّاْ خَلَقْنَاْهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًَا﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًَا﴾ ٦. فقد أمر الإنسان أن يتذكّر أنّ الله خلقه ولم يكُ شيئًا. والإنسان إذا تذكرّ إنّما يذكر أنّه خلق من نطفة.
الجواهر والأعراض عند المتكلمين
وعندهم ما زال جواهر الإنسان شيئًا، وذلك الشيء باق، وإنّما حدث أعراض لتلك الأشياء. ومعلوم أنّ تلك الأعراض وحدها ليست هي الإنسان؛ فإنّ الإنسان مأمورٌ، منهيّ، حيّ، عليم، قدير، متكلّم، سميع، بصير، موصوفٌ بالحركة والسكون. وهذه صفات الجواهر، والعرض لا يُوصف بشيء؛ لا سيّما وهم يقولون: العرض لا يبقى زمانين٧. فالمخلوق - على قولهم - لا يبقى زمانين، بل يفنى عقِب ما يُخلق.
اضطرابهم في البعث
ولهذا اضطربوا في المعاد؛ فإنّ معرفة المعاد مبنيّة على معرفة المبدأ، والبعث مبنيّ على الخلق. فقال بعضهم: هو تفريق تلك الأجزاء، ثمّ جمعها، وهي
_________________
(١) ١ أي المتكلمون. ٢ في «خ»: هؤلاء الأعراض. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ أي الفلاسفة. ٤ كذا في «خ»، و«م»، و«ط» . وفي حاشية «خ» كُتب: لعله المراد. ٥ سورة مريم، الآية ٦٧. ٦ سورة مريم، الآية ٩. ٧ تقدّمت مقولتهم هذه ص ٣١٠.
[ ١ / ٣١٥ ]
باقية بأعيانها. وقال بعضهم: بل يُعدمها، ويُعدم الأعراض القائمة بها، ثمّ يُعيدها، وإذا أعادها فإنّه يُعيد تلك الجواهر التي كانت باقية، إلى أن حصلت في هذا الإنسان.
اضطرابهم في جواهر المأكول إذا أُعيدت من الآكل
فلهذا اضطربوا لما قيل لهم: فالإنسان إذا أكله حيوان آخر، فإن أُعيدت تلك الجواهر من الأول، نقصت من الثاني، وبالعكس. أما على قول من يقول إنّها تُفرّق ثمّ تجمع، فقيل له: تلك الجواهر إن جمعت للآكل، نقصت من المأكول، وإن [أُعيدت] ١ للمأكول، نقصت من الآكل٢.
وأما الذي يقول: تُعدم ثمّ تُعاد بأعيانها، فقيل له: أتُعدم لما أكلها الآكل، أم قبل أن يأكلها؟ فإن كان بعد أن أكلها؛ فإنّها تُعاد في الآكل، فينقص المأكول. وإن كان قبل الأكل، فالآكل لم يأكل إلا أعراضًا، لم يأكل جواهر. [فهذا] ٣ مكابرة. ثمّ إنّ المشهور أنّ الإنسان يبلى ويصير ترابًا كما خُلق من تراب، وبذلك أخبر الله. فإن قيل: إنّه إذا صار ترابًا عُدمت تلك الجواهر؛ فهو لما خُلق من تراب عُدمت أيضًا تلك الجواهر. فكونهم يجعلون الجواهر باقية في جميع الاستحالات - إلا إذا صار ترابًا - تناقضٌ بيِّن، ويلزمهم عليه الحيوان المأكول، وغير ذلك.
وكأنّ هذا الضلال [أصل] ٤ ضلالهم في تصوّر الخلق الأوّل، والنشأة
_________________
(١) ١ في «ط»: أعقيدت. وما أثبت من «خ»، و«م» . ٢ وقد بحث شيخ الإسلام ﵀ هذه المسألة في مواضع أخرى. انظر: مجموع الفتاوى ١٧٢٤٧، ٢٥٧. وانظر: هذه المسألة في شرح الطحاوية ص ٥٢٣. وفي لوامع الأنوار ٢١٦٠. ٣ في «خ»: وهذا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: أصله. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٣١٦ ]
الأولى التي أمرهم الرب أن يتذكروها ويستدلوا بها على قدرته على الثانية١. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَاْ تُمْنُوْنَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُوْنَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَاْلِقُوْن نَحْنُ قَدَّرْنَاْ بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَاْ نَحْنُ بِمَسْبُوْقِيْنَ عَلَىْ أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَاْلَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِيْمَاْ لا تَعْلَمُوْنَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُوْلَىْ فَلَوْلا تَذْكُرُوْنَ﴾ ٢.
والفلاسفة أجود تصوّرًا في هذا الموضع؛ حيث قالوا: تفسد الصورة الأولى وهي جوهر، وتحدث صورة أخرى. فإنّ هذا أجود من أن يُقال: يزول عرض ويحدث عرض.
ولكنّ الفلاسفة غلطوا في توهمهم أنّ هناك مادة باقية بعينها، وإنما تفسد صورتها.
التحقيق في مسألة المادة
والحقّ أنّ المادّة التي منها يُخلق الثاني تفسد، وتستحيل، وتتلاشى، ويُنشئ الله الثانيَ ويبتديه، ويخلق٣ من غير أن يبقى من الأول شيء؛ لا مادة، ولا صورة، ولا جوهر، ولا عرض. فإذا خلق الله الإنسان من المني، فالمني استحال وصار علقةً، والعلقة استحالت وصارت مضغةً، والمضغة استحالت إلى عظام وغير عظام. والإنسان بعد أن خُلق، خُلق كلّه؛ جواهره وأعراضه، وابتدأه الله ابتداءً؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِيْ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَاْنِ مِنْ طِيْنٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاْءٍ مَهِيْنٍ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإِنْسَاْنُ أَنَّاْ خَلَقْنَاْهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًَا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ أي النشأة الثانية. ٢ سورة الواقعة، الآيات ٥٨-٦٢. ٣ في «خ»: يخلقه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ سورة السجدة، الآيتان ٧-٨. ٥ سورة مريم، الآية ٦٧.
[ ١ / ٣١٧ ]
فالإنسان مخلوق، خلق الله جواهره وأعراضه كلّها من المني؛ من مادّة استحالت، ليست باقية بعد خلقه؛ كما تقول المتفلسفة أنّ هناك مادّة باقية١.
ولفظ المادّة مشترك:
فالجمهور يُريدون به ما منه خُلق، وهو أصله وعنصره.
وهؤلاء يُريدون بالمادّة جوهر باق، وهو محلّ للصورة الجوهرية. فلم يُخلق عندهم الإنسان من مادّة، بل المادّة باقية، وأحدث٢ صورته فيها؛ كما أنّ الصور الصناعيّة؛ كصورة الخاتم، والسرير، والثياب، والبيوت، وغير ذلك إنّما أحدث الصانع صورته العرضيّة في مادّة لم تزل موجودة ولم تفسد، ولكن حُوِّلَت من صفة إلى صفة. فهكذا تقول الجهميّة المتكلّمة المبتدعة أنّ الله أحدث صورة عرضيّة في مادّة باقية لم تفسد؛ فيجعلون خلق الإنسان بمنزلة عمل الخاتم، والسرير، والثوب.
والمتفلسفة تقول أيضًا: إنّ مادّته باقية لم تفسد؛ كمادّة الصورة الصناعيّة، لكن يقولون: إنّه أحدث صورة جوهريّة. وهم قد يخلطون ولا يفرقون بين الصور العرضيّة والجوهريّة؛ فإنّهم يُسمّون صورة الإنسان صورةً في مادّة، وصورة الخاتم صورةً في مادّة؛ فيكون خلق الإنسان عند هؤلاء وهؤلاء من جنس ما يُحدِثه الناس في الصور من الموادّ، ويكون خلقه بمنزلة تركيب الحائط من اللَّبِن. ولهذا قال من قال منهم: إنّه يستغني عن الخالق بعد الخلق، كما يستغني الحائط عن البَنَّاء.
_________________
(١) ١ انظر: درء تعارض العقل والنقل ١٣٠٨،، ٥١٩٥-٢٠٣. ومنهاج السنة النبوية ٢١٤٠. ٢ في «خ»: وأحدثت. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٣١٨ ]
والأشعريّة عندهم أنّ البَنَّاءَ، والخيَّاط، وسائر أهل الصنائع لم يُحدِثوا في تلك الموادّ شيئًا؛ فإنّ القدرة المُحدثة - عندهم - لا تتعلّق إلا بما هو في محلّها، لا خارجًا عن محلّها. ويقولون: إنّ تلك المصنوعات كلّها مخلوقة لله، ليس للإنسان فيها صنع.
وخَلْقُ اللهِ على أصلهم: هو إحداث أعراض فيها كما تقدّم١.
فيُنكرون ما يصنعه الإنسان، وهو في الحقيقة مثلما يجعلونه [مخلوقًا] ٢ للرحمن، وهم لا يشهدون للرحمن إحداثًا ولا إفناءً، بل إنما يحدث عندهم الأعراض، وهي تفنى بأنفسها، لا بإفنائه، وهي تفنى عقب إحداثها.
إفناء الأعراض والجواهر عند المتكلمين
وهذا لا يُعقل، وهم حائرون؛ إذا أراد أن يُعدم الأجسام، كيف يُعدمها؟. والمشهور - عندهم - أنّها تعدم بأنفسها إذا لم يخلق لها أعراضًا. فالعرض يفني عندهم بنفسه، والجوهر يفني بنفسه إذا لم يخلق له عرض بعد عرض. هذا في الإفناء. وأمّا في الإحداث: فإنّهم استدلوا على حدوثها بدليل باطل، لو كان صحيحًا، للزم حدوث كلّ شيء من غير مُحدِث.
فحقيقة أصل [أهل] الكلام المتبعين للجهمية: أنّه لا يُحدِث شيئًا، ولا يُفني شيئًا، بل يُحدث كلَّ شيءٍ بنفسه، ويُفني بنفسه، ويلزمهم جواز أن يكون الربّ مُحدثًا أيضًا بلا محدث.
وهذه الأصول [هي] ٣ أصول دينهم العقلية التي بها يعارضون الكتاب، والسنّة، والمعقولات الصريحة، وهي في الحقيقة لا عقل،
_________________
(١) ١ انظر: ص ٣٦١-٣٦٧ من هذا الكتاب. ٢ في «خ»: مخلوقة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهي في «م»، و«ط» .
[ ١ / ٣١٩ ]
ولا سمع؛ كما حكى [الله] ١ عن من قال: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السَّعِير﴾ ٢.
والخلق يشهدون إحداث الله لما يحدثه، وإفناءه لما يُفنيه؛ كالمني الذي استحال، وفني، وتلاشى، وأحدث منه هذا الإنسان؛ وكالحبة التي فنيت، واستحالت، وأحدث منها الزرع؛ وكالهواء الذي استحال، وفني، وحدث منه النار أو الماء؛ وكالنار التي استحالت، وحدث منها الدخان. فهو - سبحانه - دائمًا يُحدث ما يُحدثه ويكوّنه، ويُفني ما يُفنيه ويُعدمه. والإنسان إذا مات وصار ترابًا فَنِي وعُدِم، وكذلك سائر ما على الأرض؛ كما قال: ﴿كُلّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ٣، ثمّ يُعيده من التراب كما خلقه ابتداءً من التراب، ويخلقه خلقًا جديدًا.
ولكنْ للنشأةِ الثانية [أحكامٌ] ٤ وصفات ليست للأولى.
فمعرفة الإنسان بالخلق الأول، وما يخلقه من بني آدم وغيرهم من الحيوان، وما يخلقه من الشجر والنبات والثمار، وما يخلقه من السحاب والمطر وغير ذلك: هو أصلٌ لمعرفته بالخلق، والبعث بالمبدأ والمعاد، وإن لم يعرف أنّ الله يخلقه كلّه من المنيّ؛ جواهره وأعراضه، وإلا فما عرف أنّ الله خلقه. ومن ظنّ أنّ جواهره لم يخلقها إذ خلقه، بل جواهر المنيّ، وجواهر ما يأكله ويشربه باقية بعينها فيه، لم يخلقها، أو أنّ مادته التي تقوم بها صورته لم يخلقها إذ خلقه، بل هي باقية أزليّة أبديّة، لم يكن قد عرف أنّه مخلوقٌ مُحدَثٌ.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهي في «م»، و«ط» . ٢ سورة الملك، الآية ١٠. ٣ سورة الرحمن، الآية ٢٦. ٤ في «ط» فقط: أحكامًا.
[ ١ / ٣٢٠ ]
والعلماء ينكرون على من يقول إنّ روح الإنسان قديمةٌ أزليّة من المنتسبين إلى الإسلام.
وهؤلاء الذين يقولون١ إنّ مادة جسمه باقية بعينها، وهي أزليّة أبديّة، أبعد عن العقل والنقل منهم. وأولئك أنكروا عليهم حيث قالوا: [الإنسان] ٢ مركّبٌ من قديمٍ ومحدَثٍ؛ من لاهوتٍ قديم، وناسوتٍ محدَثٍ.
[و] ٣ هؤلاء٤ جعلوه مركبًا من مادة قديمة أزلية، وصورة محدثة، وجعلوا القديم الأزلي فيه أخس ما فيه، وهو المادة؛ فإنّها عندهم أخسّ الموجودات، وهي قديمة أزلية. وأولئك٥ جعلوا القديم الأزلي أشرف ما فيه وهي النفس الناطقة. وكلتا الطائفتين وإن كان ضالًا؛ فالشريف العالي أولى بالقدم من الخسيس السافل، وهذا أولى بالحدوث.
وأما المتكلمة الجهمية: فهم لا يتصوّرون ما يشهدونه؛ من حدوث هذه الجواهر في جواهرَ أُخَر من مادة، ثمّ يدّعون أنّ الجواهر جميعها أُبدعت ابتداءً لا من شيء. وهم لم يعرفوا قطّ جوهرًا أُحدث لا من شيء، كما لم يعرفوا عرضًا أُحدِث لا في محلّ. وحقيقة قولهم: أنّ الله لا يُحدث شيئًا من شيء؛ لا جوهرًا، ولا عرضًا؛ فإنّ الجواهر كلّها أُحدثت لا من شيء، والأعراض كذلك.
_________________
(١) ١ وهم الفلاسفة المنتسبون للإسلام، والمتكلمون. ٢ في «ط» فقط: لإنسان. ٣ في «م»، و«ط»: أو. ٤ الذين يقولون: إنّ مادة جسم الإنسان باقية بعينها، وهي أزليّة أبديّة. ٥ الذين قالوا: "إنّ روح الإنسان قديمة أزليّة، وإنّ الإنسان مُركّب من لاهوتٍ قديم، وناسوتٍ مُحدَث.
[ ١ / ٣٢١ ]
والمشهود المعلوم للناس إنّما هو إحداثه لما يحدثه من غيره، لا إحداثًا من غير مادة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًَا﴾ ١، ولم يقل خلقتك لا من شيء، وقال تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ ٢، ولم يقل خلق كل دابة لا من شيء، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ٣.
الرد على الجهمية
وهذا٤ هو القدرة التي تبهر العقول؛ وهو أن يقلب حقائق الموجودات فيحيل الأول ويُفنيه ويُلاشيه، ويُحدث شيئًا آخر؛ كما قال: ﴿فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَمُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾ ٥، ويُخرج الشجرة الحية، والسنبلة الحية، من النواة والحبة الميتة، ويخرج النواة الميتة، والحبة الميتة، من الشجرة والسنبلة الحية؛ كما يخرج الإنسان الحي من النطفة الميتة، والنطفة الميتة من الإنسان الحي.
وعندهم٦ لا يُخرج حيًّا من ميت، ولا ميتًا من حي؛ فإنّ الحيّ والميت إنّما هو الجوهر القائم بنفسه؛ فإنّ الحياة عرض لا يقوم إلا بجوهر، والعرض نفسه لا يقوم بعرض آخر. وإن كان العرض يوصف بأنّه حيّ؛ كما يقال: قد أحييت العلم والإيمان، وأحييت الدين، وأحييت السنة والعدل؛ كما يقال: [أمات] ٧ البدعة.
_________________
(١) ١ سورة مريم، الآية ٩. ٢ سورة النور، الآية ٤٥. ٣ سورة الأنبياء، الآية ٣٠. ٤ هكذا وردت في «خ»، و«م»، و«ط» . ٥ سورة الأنعام، الآية ٩٥. ٦ عند المتكلمة الجهمية. ٧ في «خ» رسمت هكذا: امه. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٣٢٢ ]
فهؤلاء١ عندهم لا يُخرج جوهرًا من جوهر، ولا عرضًا من عرض؛ فلا يُخرج حيًّا من ميت، ولا ميتًا من حيّ، بل الجواهر التي كانت في الميت هي بعينها باقية كما كانت، ولكن أحدث فيها حياة لم تكن.
وتلك الحياة لم تخرج من ميت؛ فما أُخرج عندهم حيّ من ميت، ولا ميت من حي، ولهذا ينكرون أن يقلب الله جنسًا إلى جنس آخر، ويقولون: الجواهر كلّها جنس واحد؛ فإذا خلق النطفة إنسانًا، لم يقلب عندهم جنسًا إلى جنس، بل نفس الجواهر هي باقية كما كانت. وخاصية الخلق إنما هي بقلب جنس إلى جنس، وهذا لا يقدر عليه إلا الله؛ كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًَا وَلَو اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًَا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيّ عَزِيزٌ﴾ ٢.
ولا ريب أنّ النخلة ما هي من جنس النواة، ولا السنبلة من جنس الحبّة، ولا الإنسان من جنس المني، ولا المني من جنس الإنسان. وهو يخرج هذا من هذا، وهذا من هذا؛ فيخرج كلّ جنسٍ من جنسٍ آخر بعيدٍ عن مماثلته٣، و﴿هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ٤.
وهو سبحانه إذا جعل الأبيض أسود، أعدم ذلك البياض، وجعل موضعه السواد، لا أنّ الأجسام تعدم تلك المادة [فتحيلها، وتلاشيها، وتجعل] ٥
_________________
(١) ١ المتكلمة الجهمية. ٢ سورة الحج، الآية ٧٣، ٧٤. ٣ انظر: درء تعارض العقل والنقل ١٣٠٨، ففيه كلام مماثل لما هنا. وكذا المصدر نفسه ٥٢٠١. ٤ سورة لقمان، الآية ١١. ٥ في «خ»: فيحيلها، ويلاشيها، ويجعل. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٣٢٣ ]
منها هذا المخلوق الجديد، ويخلق الضدّ من ضدّه؛ كما جعل من الشجر الأخضر نارًا، فإذا حك الأخضر بالأخضر، سخن ما يسخنه بالحركة، حتى ينقلب نفس الأخضر فيصير نارًا١. وعلى قولهم ما جعل فيه نارًا، بل تلك الجواهر باقية بعينها، وأُحْدِثَ فيها [عرضٌ] ٢ لم يكن.
وخلقُ الشيءِ من غير جنسه أبلغ في قدرة القادر الخالق ﷾؛ كما وصف نفسه بذلك في قوله: ﴿قُل اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْر إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ في اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب﴾ ٣. ولهذا قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًَا مِنْ طِين فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ٤، وقال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ في قَرَارٍ مَكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُونَ﴾ ٥.
ولهذا امتنع اللعين؛كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيْسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًَا﴾ ٦، وقال: ﴿لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُون﴾ ٧.
_________________
(١) ١ كما قال تعالى: ﴿الَّذي جَعَلَ لَكُم مِن الشَّجَر الأخضَرِ نارًا فَإذَا أنتُم منهُ تُوقِدُون﴾ . سورة يس، الآية ٨٠. والمقصود به ما يُشاهدونه من جعله النّار من العفار والمرخ، وهما شجرتان خضراوان، إذا حكت إحداهما بالأخرى بتحريك الريح لها، اشتعل النار فيها. انظر: تفسير الطبري ٢٣٣٢. ورسالة إلى أهل الثغر ص ١٦٠. ٢ في «ط» فقط: عرضًا. ٣ سورة آل عمران، الآيتان ٢٦-٢٧. ٤ سورة ص، الآيتان ٧١-٧٢. ٥ سورة المرسلات، الآية ٢٠-٢٣. ٦ سورة الإسراء، الآية ٦١. ٧ سورة الحجر، الآية ٣٣.
[ ١ / ٣٢٤ ]
وأيضًا: فكون الشيء مخلوقًا من مادّة وعنصر، أبلغ في العبودية من كونه خُلق لا من شيء، وأبعد عن مشابهة الربوبية؛ فإنّ الرب هو أحدٌ، صمدٌ، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد؛ فليس له أصل وجد منه، ولا فرع يحصل عنه.
فإذا كان المخلوق له أصلٌ وُجد منه، كان بمنزلة الولد له، وإذا خلق له شيء آخر، كان بمنزلة الوالد، وإذا كان والدًا ومولودًا كان أبعد عن مشابهة الربوبية والصمدية؛ فإنه خرج من غيره، ويخرج منه غيره؛ لا سيما إذا كانت المادة التي خلق منها مهينة؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ ١، وقال تعالى ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِق خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَرَائِبِ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ ٢.
وفي المسند عن [بسر] ٣ بن جحاش٤ قال: "بصق رسول الله ﷺ في كفه، فوضع عليها إصبعه، ثم قال: يقول الله تعالى: ابن آدم أنّى [تُعجزني] ٥، وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك، مشيتَ بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعتَ، ومنعتَ، حتى إذا بلغت التراقي، قلتَ أتصدَّقُ، وأنّى أوان الصدقة"٦.
_________________
(١) ١ سورة المرسلات، الآية ٢٠. ٢ سورة الطارق، الآيات ٥-١٠. ٣ في «خ»، و«م»، و«ط»: بشر - بالشين المعجمة. وقد قال الدارقطني، وابن زبر، وغيرهما: لا يصحّ بالمعجمة. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ١١٤٨. ٤ هو بسر بن جِحاش القرشيّ. صحابي، نزل حمص، ومات بها. الإصابة لابن حجر ١١٤٨. ٥ في «ط» فقط: تعج. ٦ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤٢١٠. وابن ماجه في سننه ١٩٠٣، وقال في الزوائد: إسناده صحيح.
[ ١ / ٣٢٥ ]
وكذلك إذا خلق في محلّ مظلمٍ وضيّق؛ كما خلق الإنسان في ظلمات ثلاث، كان أبلغ في قدرة القادر، وأدلّ على عبودية الإنسان، وذلّه لربّه، وحاجته إليه.
وقد يقول [المعيّر] ١ للرجل: مالك أصل ولا فصل٢، و[لكنّ] ٣ الإنسان أصله التراب، وفصله الماء المهين.
ولهذا لمّا خُلق المسيح من غير أب، وقعت به الشبهة لطائفة٤، وقالوا: إنّه ابن الله، مع أنّه لم يُخلق إلاَّ من مادّة أمّه، ومن الروح التي نُفخ فيها؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ ٥، [وقال تعالى أيضًا] ٦: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًَا سَوِيًَّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًَّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ [لأَهَبَ] ٧ لَكَ غُلامًَا زَكِيًَّا﴾ ٨؛ فما خلق من غير مادة [يكون] ٩ كالأب له، قد يظن فيه أنّه ابن الله، وأنّ الله خلقه من ذاته.
_________________
(١) ١ في «خ» رسمت هكذا: المعري. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في مجمع الأمثال للميداني: "لا أصل له ولا فصل". قال الكسائي: "الأصل: الحسب، والفصل: اللسان؛ يعني النطق". مجمع الأمثال ٢٢٨٥. وانظر: اللسان ١١١٧، مادة أصل. ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٤ المقصود بهم النصارى. ٥ سورة التحريم، الآية ١٢. ٦ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٧ في «خ»: ليهب. ٨ سورة مريم، الآيات ١٧-١٩. ٩ في «م»، و«ط»: تكون.
[ ١ / ٣٢٦ ]
فلهذا كانت الأنبياء مخلوقة من مادة لها أصول، ومنها فروع، لها والد ومولود. والأحد الصمد: لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
وحدوث الشيء لا من مادة، قد يُشبه حدوثه من غير رب خالق، وقد يُظنّ أنّه حَدَثَ من ذات الرب؛ كما قيل مثل ذلك في المسيح، والملائكة أنّها بنات الله، لمّا لم يكن لها [أب] ١، مع أنّها مخلوقة من مادّة؛ كما ثبت في الصحيح؛ صحيح مسلم عن عائشة: أنّ النبيّ ﷺ قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم ممّا وُصف لكم"٢.
ولمّا ظنّ طائفة أنّها لم تُخلق من مادة، ظنّوا أنّها قديمة أزلية. وأيضًا فالدليل الذي احتجّ به كثيرٌ من النّاس على أنّ كُلّ حادث لا يحدث إلا من شيء، أو في شيء؛ فإن كان عرضًا لا يحدث إلاَّ [في] ٣ محلّ، وإن كان عينًا قائمة بنفسها لم [تحدث] ٤ إلاَّ من مادة، فإنّ الحادث إنّما يحدث إذا كان حدوثه ممكنًا، وكان يقبل الوجود والعدم، فهو مسبوق بإمكان الحدوث وجوازه، فلا بُدَّ له من محلّ يقوم به هذا الإمكان والجواز.
وقد تنازعوا في هذا: هل الإمكان صفة خارجية، لا بُدّ لها من محلّ، أو هي حكم عقلي لا يفتقر إلى غير الذهن؟
_________________
(١) ١ في «خ»: أبا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ٤٢٢٩٤. والإمام أحمد في مسنده ٦١٥٣، ١٦٨. ٣ في «خ»: من. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: يحدث. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٣٢٧ ]
الإمكان نوعان
والتحقيق: أنّه نوعان: فالإمكان الذهني: وهو تجويز الشيء، أو عدم العلم بامتناعه، محلّه الذهن. والإمكان الخارجي المتعلق بالفاعل، أو المحل؛ مثل أن [تقول] ١: يمكن القادر أن يفعل، والمحل؛ مثل أن [تقول] ٢: هذه الأرض يمكن أن تزرع، وهذه المرأة يمكن أن تحبل. [و] ٣ هذا لا بُدّ له من محلّ خارجيّ، فإذا قيل عن الربّ: يمكن أن يخلق؛ فمعناه أنّه يقدر على ذلك، ويتمكّن منه. وهذه صفة قائمة به.
وإذا قيل: يمكن أن يحدث حادث؛ فإن قيل يمكن حدوثه بدون سبب حادث، فهو ممتنع، وإذا كان الحدوث لا بُدّ له من سبب حادث؛ فذاك السبب إن كان قائمًا بذات الرب، فذاته قديمةٌ أزليّةٌ، واختصاص ذلك الوقت بقيام مشيئةٍ، أو تمام تمكّنٍ، ونحو ذلك، لا يكون إلا لسببٍ قد أحدثه قبل هذا في غيره، فلا يحدث حادثٌ مبايِنٌ إلاَّ مسبوقًا بحادثٍ مباينٍ له.
فالحدوث مسبوقًا بإمكانه، ولا بُدّ لإمكانه من محلّ، ولهذا لم يذكر الله قط أنّه أحدث شيئًا إلا من شيء. والذي يقول إنّ جنس الحوادث حدثت لا من شيء، هو كقولهم: إنها حدثت بلا سبب حادث، مع قولهم إنّها كانت ممتنعة، ثم صارت ممكنة، من غير تجدّد سبب، بل حقيقة قولهم أنّ الربّ صار قادرًا بعد أن لم يكن، من غير تجدّد شيءٍ يُوجِب ذلك.
وهذه الأمور كلّها من أقوال الجهمية؛ أهل الكلام المحدَث المبتَدَع المذموم، وهو بناء على قولهم: إنّه تمتنع حوادث لا أوّل لها. وهؤلاء وأمثالهم غلطوا فيما جاء به الشرع، وأخبرت به الرسل؛ كما غلطوا في المعقولات؛ فكلّ واحدٍ ممّا يُسمّى شرعًا، وعقلًا، وسمعًا، قد وقع فيه اشتباه.
_________________
(١) ١ في «خ»: يقول. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «خ»: يقول. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» .
[ ١ / ٣٢٨ ]
معنى الشرع
فالشرع يطلق تارة على ما جاء به الرسول؛ من الكتاب والسنة. هذا هو الشرع المنزل، وهو الحق الذي ليس لأحد خلافه، ويُطلق على ما يضيفه بعض الناس إلى الشرع إمّا بالكذب والافتراء، وإما بالتأويل والغلط، وهذا شرع مبدل لا منزّل ولا يجب، بل ولا يجوز اتباعه.
لفظ السنة
وكذلك لفظ السنة: فإنّ السنّة التي يجب اتباعها هي سنة رسول الله ﷺ، والسنة تُذكر في الأصول والإعتقادات، وتُذكر في الأعمال والعبادات. وكلاهما يدخل فيما أخبر به وأمر به؛ فما أخبر به وجب تصديقه فيه، وما أوجبه وأمر به وجبت طاعته فيه.
ثم كثيرٌ من الناس يُضيف إلى السنّة ما أدخله بعض الناس فيها؛ إمّا بالكذب، وإما بالتأويل؛ مثل أحاديث كثيرة ضعيفة، بل موضوعة، واستدلالات بأقواله على ما لا يدلّ عليه، ومثل أقوال أحدثها قوم انتسبوا إلى السنة في بعض الأمور؛ مثل إثبات الصفات، والقدر؛ فإنّ [المنتسبين] ١ لذلك يُضافون إلى السنة؛ لأنّ نفاة الصفات، والقدر مبتدعة.
وكذلك حب الخلفاء الراشدين، وموالاتهم يضاف أهله إلى السنّة؛ لأنّ الطاعنين فيهم أهل بدعة.
ومثل الإستدلال بالنصوص على موارد النزاع؛ فإنّ أهل ذلك يُضافون إلى السنّة؛ لكونهم يقصدون اتباع القرآن والحديث، والمخالفون لذلك الذين يردّون الأخبار الصحيحة، أو لا يحتجّون بالقرآن مبتدعون.
ثم قد يقول المضافون إلى السنّة أشياء ليست من السنة؛ مثل أحاديث كثيرة يروونها في فضائل بعض الصحابة، وهي كذب؛ ومثل [نفي] ٢
_________________
(١) ١ في «خ»: المنتبين. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «ط» فقط: تقى.
[ ١ / ٣٢٩ ]
الحكمة والأسباب في مسائل القدر؛ ومثل كلامهم في الأجسام والاعراض، وتناهي الحوادث، ونحو ذلك ممّا لم يأخذوه عن الرسول. فهذا ليس من السنّة، وإن كان أهلها وافقوا السنة في مواضع خالفهم [فيها] ١ من تنازعهم في هذه المسائل.
فلا يجب إذا كانوا أصابوا حيث وافقوا السنة، أن يُصيبوا حيث لم يوافقوها.
وكذلك مسمى العقل؛ فإنّ مسمّى العقل قد مدحه الله في القرآن في غير آية٢.
لكن لمّا أحدث قومٌ من الكلام المبتدَع المخالِف للكتاب والسنّة - بل وهو في نفس الأمر مخالفٌ للمعقول، وصاروا يُسمّون ذلك عقليّات، وأصولَ دين، وكلامًا في أصول الدين، صار من عَرَفَ أنّهم مبتدعة ضُلاّل في ذلك ينفر عن جنس المعقول، والرأي، والقياس، والكلام، والجدل. فإّذا رأى من يتكلّم بهذا الجنس اعتقده مبتدِعًا مبطلًا؛
وهؤلاء وهؤلاء أدخلوا في مسمى الشرع والعقل ما هو محمود وما هو مذموم
كما أنّ هؤلاء٣ لمّا رأوا أنّ جنس المنتسبين إلى السنّة والشرع والحديث قد أخطأوا في مواضع، وخالفوا فيها صريح المعقول، وهم يقولون إنّ السنّة جاءت بذلك، صار هؤلاء ينفرون عن جنس ما يُستدلّ في الأصول بالشرع والسنّة،
_________________
(١) ١ في «خ»: فيه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [سورة الملك، الآية ١٠] . وقال تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية ٧٣] . وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [سورة العنكبوت، الآية ٤٣] . وقال تعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة الزمر، الآية ٤٣] . ٣ المتفلسفة.
[ ١ / ٣٣٠ ]
ويُسمّونهم حشويّة وعامّة١. وكلّ من هؤلاء، وهؤلاء أدخلوا في مسمّى الشرع والعقل والسمع ما هو محمود ومذموم.
[ثمّ هؤلاء قبلوا من مسمّى الشرع والسنّة عندهم محموده ومذمومه، وخالفوا مسمّى العقل محموده ومذمومه] ٢. وأولئك قبلوا مسمّى العقل عندهم محموده، ومذمومه، [وخالفوا مسمّى الشرع محموده ومذمومه] ٣.
_________________
(١) ١ الحشو من الكلام: الفضل الذي لا يعتمد عليه. وكذلك هو من الناس؛ فحشوة الناس: رذالتهم. انظر: لسان العرب ١٤١٨٠. وتهذيب اللغة ٥١٣٧-١٣٨. وقال شيخ الإسلام ﵀: "مسمّى الحشو في لغة الناطقين به ليس هو اسمًا لطائفة معينة لها رئيس قال مقالة فاتبعته؛ كالجهمية، والكلابيّة، والأشعريّة، ولا اسمًا لقولٍ معين من قاله كان كذلك. والطائفة إنما تتميز بذكر قولها، أو بذكر رئيسها - إلى أن قال: - وإذا كان كذلك، فأوّل من عُرف أنّه تكلّم في الإسلام بهذا اللفظ: عمرو بن عبيد رئيس المعتزلة؛ فقيههم وعابدهم، فإنّه ذُكر له عن ابن عمر شيء يُخالف قوله، فقال: كان ابن عمر حشويًا؛ نسبه إلى الحشو، وهم العامّة والجمهور. وكذلك تُسمّيهم الفلاسفة كما سمّاهم صاحب هذا الكتاب - يعني الرازي -. والمعتزلة ونحوهم يُسمّونهم الحشوية. والمعتزلة تعني بذلك كلّ من قال بالصفات وأثبت القدر. وأخذ ذلك عنها متأخرو الرافضة، فسمّوا هم الجمهور بهذا الاسم. وأخذ ذلك عنهم القرامطة الباطنية فسمّوا بذلك كل من اعتقد صحة ظاهر الشريعة؛ فمن قال عندهم بموجب الصلوات الخمس، والزكاة المفروضة، وصوم رمضان، وحج البيت، وتحريم الفواحش والمظالم والشرك ونحو ذلك، سمّوه حشويًا؛ كما رأينا ذلك مذكورًا في مصنفاتهم. والفلاسفة تُسمّي من أقرّ بالمعاد الجسمي والنعيم الحسّي حشويًا. وأخذ ذلك عن المعتزلة تلامذتهم من الأشعريّة فسمّوا من أقرّ بما ينكرونه من الصفات، ومن يذمّ ما دخلوا فيه من بدع أهل الكلام والجهميّة والإرجاء حشويًا. ومنهم أخذ ذلك هذا المصنّف" - يعني الرازي -. بيان تلبيس الجهميّة ١٢٤٢، ٢٤٤-٢٤٥. وانظر: كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عن لفظ «الحشوية» في منهاج السنة النبوية ٢٥٢٠-٥٢٢. ومجموع الفتاوى ٤٨٧، ٨٩، ١٤٦،، ٣١٨٦،، ١٢١٧٦. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٣ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» .
[ ١ / ٣٣١ ]
فيجب البيان والتفصيل والاستفسار، وبيان الفرقان بين الحق والباطل؛ فإنّ ذلك يوجب التصديق بما جاء به الشرع المنزّل، والسنّة الغرّاء؛ وهو المعقول الحقّ؛ وهو الكلام الصدق؛ وهو الجدل بالتي هي أحسن؛ ويُوجب ردّ ما أُدخل في الشرع والسنّة، وليس منها؛ وردّ ما سُمّي معقولًا، وهو باطل؛ وسُمّي كلامًا صدقًا، وهو كذب؛ وسُمّي جدلًا بالتي هي أحسن، وهو جدل بالباطل بغير علم.
ولهذا حصل من الذين لبسوا الحقّ بالباطل تبديل لما بدّلوه من الدين، وتحريف الكلم عن مواضعه، ومضاهاة لأهل الكتاب ممّا ذمهم الله عليه. والبخاري في أول كتاب «خلق أفعال العباد»: ذكر الردّ على المعطّلة الذين يُبدّلون كلام الله من الجهميّة، وذكر من كلام السلف والأئمة فيهم ما عُرِف به مقصودهم١.
التبديل نوعان
والتبديل نوعان: أحدهما: أن يُناقضوا خبره. والثاني: أن يُناقضوا أمره. فإنّ الله بعثه بالهدى ودين الحق، وهو صادقٌ فيما أخبر به عن الله، آمرٌ بما أمر الله به؛ كما قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُوْلَ فَقَدْ أَطَاْعَ اللهَ﴾ ٢. وأهل التبديل [الذين يُضيفون إلى دينه وشرعه ما ليس منه، وهم أهل الشرع المبدّل] ٣: تارةً يُناقضونه في خبره؛ فينفون ما أثبته، أو يُثبتون ما نفاه؛
_________________
(١) ١ وكتابه - ﵀ - قسمه إلى جزئين؛ الأوّل منهما في ذكر كلام السلف والأئمة؛ وابتدأه ببابٍ سمّاه: باب ما ذكر أهل العلم للمعطلة الذين يريدون أن يُبدّلوا كلام الله ﷿. انظر: ص ٧-٢٤. وأمّا الجزء الثاني فقد أفرده للردّ على الجهميّة، وابتدأه ببابٍ سمّاه: باب الردّ على الجهميّة وأصحاب التعطيل. انظر: ص ٧١ وما بعدها. ٢ سورة النساء، الآية ٨٠. ٣ ما بين المعقوفتين ملحقة بهامش «خ» .
[ ١ / ٣٣٢ ]
كالجهميّة الذين ينفون ما أثبته من صفات الله وأسمائه؛ والقدريّة الذين ينفون ما أثبته من قدر الله ومشيئته وخلقه وقدرته؛ والقدرية المجبرة الذين ينفون ما أثبته من عدل الله وحكمته ورحمته، ويُثبتون ما نفاه من الظلم والعبث والبخل ونحو ذلك عنه. وأمثال ذلك.
ومسائل أصول الدين عامّتها من هذا الباب.
الذين أوجبوا النظر لإثبات الصانع
ثمّ إنّهم أيضًا يُوجبون ما لم يُوجبه، بل حرّمه، ويُحرّمون ما لم يُحرّمه، بل أوجبه؛ فيوجبون اعتقاد هذه الأقوال والمذاهب المناقضة لخبره، وموالاة أهلها، ومعاداة من خالفها. ويُوجبون النظر المعيّن في طريقهم الذي أحدثوه؛ كما أوجبوا النظر في دليل الأعراض الذي استدلّوا به على حدوث الأجسام١، وقالوا: يجب على كلّ مكلّف أن ينظر فيه ليحصل له العلم بإثبات الصانع٢،
_________________
(١) ١ وهذا نظر مخصوص؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في موضع آخر: "جعلوا ذلك نظرًا مخصوصًا؛ وهو النظر في الأعراض، وأنّها لازمة للأجسام، فيمتنع وجود الأجسام بدونها". مجموع فتاوى ابن تيمية ١٦٣٢٩. ٢ يقول الماتريديّ عن الله جلّ وعلا: "لا سبيل إلى العلم به إلا من طريق دلالة العالَم عليه بانقطاع وجوه الوصول إلى معرفته من طريق الحواس عليه، أو شهادة السمع". التوحيد للماتريدي ص ١٢٩. وقد أورد شيخ الإسلام ﵀ طريقة المتكلمين في إثبات الصانع، فقال: "قالوا: لأنّه لا يعرف بالنظر والاستدلال المفضي إلى العلم بإثبات الصانع، قالوا: ولا طريق إلى ذلك إلا بإثبات حدوث العالم. ثمّ قالوا: ولا طريق إلى ذلك إلا بإثبات حدوث الأجسام، قالوا: ولا دليل على ذلك إلا الاستدلال بالأعراض، أو ببعض الأعراض؛ كالحركة والسكون، أو الاجتماع والافتراق؛ وهي الأكوان؛ فإنّ الجسم لا يخلو منها، وهي حادثة، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث". ثمّ ذكر ﵀ ذمّ السلف لهذه الطريقة، واللوازم التي تلزم سالكيها، فقال: "وهذه الطريقة هي أساس الكلام الذي اشتهر ذم السلف والأئمة له، ولأجلها قالوا بأنّ القرآن مخلوق، وأنّ الله لا يُرى في الآخرة، وأنه ليس فوق العرش، وأنكروا الصفات. والذامون لها نوعان: منهم من يذمها لأنها بدعة في الإسلام؛ فإنّا نعلم أنّ النبيّ ﷺ لم يدع الناس بها، ولا الصحابة؛ لأنها طويلة مخطرة كثيرة الممانعات والمعارضات، فصار السالك فيها كراكب البحر عند هيجانه. وهذه طريقة الأشعري في ذمّه لها، والخطابي، والغزالي، وغيرهم ممن لا يُفصح ببطلانها. ومنهم من ذمها لأنها مشتملة على مقامات باطلة لا تحصل المقصود، بل تناقضه. وهذا قول أئمة الحديث وجمهور السلف". كتاب الصفدية ١٢٧٤-٢٧٥.
[ ١ / ٣٣٣ ]
قالوا: لأنّ معرفة الله واجبة،
ولا طريق إليها إلا هذا النظر وهذا الدليل١.
الرسول لم يوجب النظر
ولما علم كثيرٌ من موافقيهم٢ أنّ الاستدلال بهذا الدليل لم يُوجبه الرسول، خالفوهم في إيجابهم، مع موافقتهم لهم على صحته٣.
والتحقيق ما عليه السلف؛ أنّه ليس بواجب أمرًا، ولا هو صحيح خبرًا، بل هو باطلٌ منهيّ٤ عنه شرعًا؛ فإنّ الله تعالى لا يأمر بقول الكذب والباطل، بل ينهى عن ذلك. لكن غلطوا حيث اعتقدوا أنّه حقّ، وأنّ الدين لا يقوم إلا على هذا الأصل الذي أصّلوه.
_________________
(١) ١ يقول أبو حامد الغزالي: "من لا يعتقد حدوث الأجسام، فلا أصل لاعتقاده في الصانع أصلًا". تهافت الفلاسفة ص ١٩٧. وانظر: الإرشاد للجويني ص ٨-٩. والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ٤٣٥. ورسالة السجزي ص ١٩٨. وقد ناقش شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذه المسألة ونقل كلام بعض من ردّ على هذا القول، أو تبنّاه. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٧٣٥٢-٤٤٥. ٢ في «خ»: موافقتهم. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ ومن هؤلاء: أبو الحسن الأشعريّ في رسالته إلى أهل الثغر ص ١٨٦. والخطابي في الغنية عن الكلام وأهله - انظر: نقض تأسيس الجهمية ١٢٥٤، والغزالي في فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ص ١٢٧. وغيرهم. ٤ في «ط»: منهم. وما أثبت من «خ»، و«م» .
[ ١ / ٣٣٤ ]
الذين ضلوا عن طريق الرسول ﷺ
كما أنّ طوائف من أهل العبادة، والزهد، والإرادة، والمحبة، والتصوف سلكوا طرقًا١ ظنّوا أنّه لا يُوصل إلى الله إلا بها. ثمّ منهم من يوجبها ويذمّ من لم يسلكها، ومنهم من لم ير أنّ سالكيها أفضل من غيرهم، ويوسع الرحمة؛ لأنّه قد علم أنّ الرسول والصحابة لم يأمروا بها النّاس، مع اعتقادهم أنّها طرق صحيحة موصلة إلى رضوان الله. وهي عند التحقيق طرق مضلّة إنّما توصل إلى رضى الشيطان، وسخط الرحمن؛ كالعبادات التي ابتدعها ضلاّل أهل الكتاب والمشركين، وخالفوا بها دين المرسلين؛ فهؤلاء في الأحوال البدعيّة، وأولئك في الأقوال البدعيّة.
والقول الحقّ هو القرآن، والحال الحق هو الإيمان؛ كما قال جندب٢، وابن عمر: "تعلّمنا الإيمان، ثمّ تعلّمنا القرآن، فازددنا إيمانًا"٣.
وفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "مَثَلُ المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأُترجّة طعمها طيّب، وريحها طيّب. ومثل المؤمن الذي
_________________
(١) ١ كسلوك الصوفيّة للكشف، والوجد، والذوق، وجعل ذلك أساسًا للمعرفة؛ فلا تنال حقائق الأمور عندهم إلا بهذه الطرق التي تُعدّ السبيل الأوحد - لديهم - لتحصيل المعارف، ودرك العلوم. وقد نبذوا لأجل هذه الطرق الكتاب والسنّة، بل وعارضوهما بها، وقدموها عليهما. انظر: تفصيل ذلك في كتاب المصادر العامة للتلقي عند الصوفية - عرضًا ونقدًا - لصادق سليم صادق -. ٢ ابن عبد الله بن سفيان البجليّ. صحابي. مات بعد الستين. انظر: تقريب التهذيب ١١٦٦. ٣ أخرجه ابن ماجه في السنن ١٢٣، وكذا أخرجه الخلال في السنة ٥٥٤، وأشار محققه إلى أنّ إسناده حسن. وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ١١٦.
[ ١ / ٣٣٥ ]
لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيّب، ولا ريح لها. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيّب، وطعمها مُرّ. ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مرّ، ولا ريح لها"١.
الناس أربعة أصناف
فالنّاس أربعة أصناف: صاحب قول قرآنيّ، [وحال إيمانيّ؛ فهم أفضل الخلق. وصاحب قول قرآني] ٢، وحال ليس بإيمانيّ. وصاحب حال إيمانيّ، وليس له قول. ومن ليس له لا قول قرآنيّ، ولا حال إيمانيّ.
وكثيرٌ من المنتسبين إلى القول، والكلام، والعلم، والنظر، والفقه، والاستدلال ابتدعوا أقوالًا تُخالف القرآن. وكثيرٌ من المنتسبين إلى العمل، والعبادة، والإرادة، والمحبّة، وحسن الخلق، والمجاهدة ابتدعوا أحوالًا وأعمالًا تُخالف الإيمان، وصار مع كلّ طائفة نوعٌ من الحقّ الذي جاء به الرسول، لكن ملبوسٌ بغيره. وصار كثيرٌ من الطائفتين يُنكر ما عليه الأخرى مطلقًا؛ كما قالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء٣.
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه البخاري في الصحيح عن أبي موسى ٤١٩١٧، كتاب فضائل القرآن، باب فضل القرآن على سائر الكلام،، و٥٢٠٧٠، كتاب الأطعمة، باب ذكر الطعام، و٦٢٧٤٨، كتاب التوحيد، باب قراءة الفاجر والمنافق وأصواتهم وتلاوتهم لا تجاوز حناجرهم. ومسلم في صحيحه ١٥٤٩، كتاب صلاة المسافرين، باب فضيلة حافظ القرآن. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٣ يشير إلى قوله تعالى حاكيًا عن اليهود والنصارى: ﴿وَقَاْلَتِ الْيَهُوْدُ لَيْسَتِ النَّصَاْرَى عَلَىْ شَيْءٍ وَقَاْلَتِ النَّصَاْرَى لَيْسَتِ الْيَهُوْدُ عَلَىْ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُوْنَ الْكِتَاْبَ كَذَلِكَ قَاْلَ الَّذِيْنَ لا يَعْلَمُوْنَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَاْمَةِ فِيْمَاْ كَاْنُوْا فِيْهِ يَخْتَلِفُوْنَ﴾ سورة البقرة، الآية ١١٣.
[ ١ / ٣٣٦ ]
وفي كلّ من الطائفتين شَبَهٌ من إحدى١ الأمتين؛ ففي المنتسبين إلى العلم إذا لم يُوافقوا العلم النبويّ ويعملوا به شَبَهٌ من اليهود٢. وفي أهل العمل إذا لم يُوافقوا العمل الشرعيّ، ويعملوا بعلمٍ شَبَهٌ من النّصَارى٣٤. وصار كثيرٌ من أهل الكلام والرأي يُنكرون جنس محبّة الله، وإرادته؛ [كما صار كثيرٌ من أهل الزهد، والتصوّف يُنكر جنس العلم، والكلام، والنظر. وأولئك الذين أنكروا محبّة الله وإرادته] ٥، بَنَوْا ذلك على أصل لهم للقدريّة المجبرة٦، والنافية؛ وهو: أنّ المحبّة، والإرادة، والرضا، والمشيئة شيءٌ واحدٌ، ولا يتعلّق ذلك إلا بمعدوم؛ وهو إرادة الفاعل أن يفعل ما لم يكن فَعَلَه؛ فاعتقدوا أنّ المحبّة، والإرادة لا تتعلّق إلا بمعدوم. فالموجود لا يُحَبّ، ولا يُراد. والقديم الأزليّ لا يُحَبّ، ولا يُراد. والباقي لا يُحَبّ، ولا يُراد؛ فأنكروا أن يكون الله محبوبًا، أو مُرادًا٧. وهم لإنكار
_________________
(١) ١ في «ط»، و«م»: أحد. وما أثبت من «خ» . ٢ الذين عرفوا الحق، فلم يعملوا به، بل عملوا بخلافه. ٣ الذين لم يعرفوا الحقّ، فعملوا على جهالة. ٤ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ولهذا كان السلف؛ سفيان بن عيينة وغيره يقولون: إنّ من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود. ومن فسد من عُبّادنا ففيه شبه من النصارى". اقتضاء الصراط المستقيم ١٦٧. وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٨٦٩-٧٠. ومجموع الفتاوى ٨١٩٧. ٥ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٦ في «ط»: للقدرية والمجبرة. وهو خطأ. وما أثبت من «خ»، و«م» . ٧ ففسّروا محبّة العبد لربه بأنّها إرادة العبادة له، وإرادة التقرب إليه، ولم يُثبتوا أنّ العبد يُحبّ الله. انظر: قاعدة في المحبة لابن تيمية ص ٥١.
[ ١ / ٣٣٧ ]
كونه يُحِبّ أبلغ وأبلغ؛ فلا يُثبتون إلا مشيئته أن يخلق فقط، وهي لا تتعلّق إلا بمعدوم. فأمّا أن يُحِبّ موجودًا من خَلْقِه، فهذا باطل عند الطائفتين١. لكنّ المجبرة يقولون: محبّته هي مشيئته، وقد شاء خَلْقَ كلّ شيء، فهو يُحِبّ كلّ شيء٢. والنفاة يقولون: محبّته هي إرادته إثابة المطيعين؛ وهي مشيئة خاصّة٣.
والذي جاء به الكتاب والسنّة، واتفق عليه سلف الأمة، وعليه مشايخ المعرفة، وعموم المسلمين: أنّ الله يُحِبّ، ويُحَبّ؛ كما نطق بذلك الكتاب والسنّة في مثل قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّوْنَهُ﴾ ٤، ومثل قوله: ﴿وَالَّذِيْنَ آمَنُوْا أَشَدُّ حُبًَّا لِلَّهِ﴾ ٥، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّوْنَ اللهَ فاتَّبِعُوْنِيْ يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ ٦.
لا يُحبّ لذاته محبة مطلقة إلا الله وحده
بل لا شيء يُستحقّ أن يُحَبّ لذاته محبّة مطلقة إلا الله وحده. وهذا من معنى كونه معبودًا٧؛ فحيث جاء القرآن بالأمر بالعبادة، والثناء على أهلها، أو على المنيبين إلى الله، والتوّابين إليه، أو الأوّابين، أو المطمئنّين بذكره، أو المحبين له، ونحو ذلك: فهذا كلّه يتضمّن محبته. وما لا يُحَبّ يمتنع٨
_________________
(١) ١ القدرية المجبرة، والقدرية النافية على السواء في ذلك. ٢ نقل ذلك عنهم القاضي عبد الجبار المعتزلي في المحيط بالتكليف ص ٤٠٨. ٣ انظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل لعبد الجبار ٦٣، ٤، ٥. وانظر: منهاج السنة النبوية ٥٣٨٨. ٤ سورة المائدة، الآية ٥٤. ٥ سورة البقرة، الآية ١٦٥. ٦ سورة آل عمران، الآية ٣١. ٧ إذ العبادة تتضمّن معنى الحبّ، ومعنى الذلّ؛ فهي تتضمّن كما قال شيخ الإسلام ﵀ في موضع آخر: (غاية الذلّ لله، بغاية المحبّة له) . انظر: العبودية ص ٦. ٨ في «م»، و«ط»: ممتنع.
[ ١ / ٣٣٨ ]
كونه معبودًا، ومألوهًا، [و] ١ مُطْمَأَنًَا بذكره. ومن أُطيع لعوضٍ يُؤخذ منه، أو لدفع ضرره، فهذا ليس بمعبود ولا إله، بل قد يكون الشخص كافرًا، وظالمًا يُبغَض، ويُلعَن، ومع هذا يُعمل معه عمل بعوض. فمن جعل العمل لله لا يكون إلا لذلك، فلم يُثبت الربّ إلهًا معبودًا، ولا ربًّا محمودًا، وهو حقيقة قول النفاة من الجهميّة، والقدريّة النافية، والمثبتة. والله سبحانه [وتعالى] ٢ رغَّب في عبادته، والعمل له بما ذكره من الوعد، ورهَّب من الكفر به، والشرك بما ذكره من الوعيد، وهو حقّ، لكنّه لم يقل إنّ العابد لله، والعامل له لا يحصل له إلا ما ذُكِرَ، بل وقد قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاْ أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ٣. وفي الحديث الصحيح يقول الله تعالى: "أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ذُخْرًا، بله ما أطلعتهم عليه. اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاْ أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاْءً بِمَاْ كَاْنُوْا يَعْمَلُوْنَ﴾ ٤ ٥. وقد ثبت في [الحديث] ٦ الصحيح عن صهيب، عن النبيّ ﷺ قال: "يقول الله: يا أهل الجنّة ! إنّ لكم عندي موعدًا أُريد أن أُنجزكموه. فيقولون: ما هو؟ ألم [تُبَيِّض] ٧ وجوهنا، وتثقل موازيننا، وتُدخلنا الجنّة، وتُجرنا من النّار؟
_________________
(١) ١ في «خ»: أو. وما أثبت من «م»، و«ط» . (وتعالى) ليست في «خ»، وهي في «م»، و«ط» . ٣ سورة السجدة، الآية ١٧. ٤ سورة السجدة، الآية ١٧. ٥ أخرجه البخاري في صحيحه ٤١٧٩٤، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاْ أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية. ومسلم في صحيحه ٤٢١٧٤-٢١٧٥، كتاب الجنة وصفة نعيمها. وأحمد في مسنده ٢٣١٣، ٤١٦. ٦ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٧ في «م»، و«ط»: تنتضر.
[ ١ / ٣٣٩ ]
قال: فيَكشفُ الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا أحبّ إليهم من النّظر إليه، وهي الزيادة"١.
وفي الحديث الذي رواه النسائي: لمّا صلّى عمّار، فأوجز، وقال: دعوتُ في الصلاة بدعاء سمعته من النبيّ ﷺ: "اللهمّ بعلمك٢ الغيبَ، وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. اللهمّ إنّي أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحقّ في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا ينفد، وقُرّة عينٍ لا تنقطع. وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذّة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، من غير ضرّاء مُضرّة، ولا فتنة مُضلّة. اللهمّ زيِّنَّا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين"٣. وروي نحوَ هذا من وجه آخر٤؛ فقد أخبر الصادق المصدوق أنّه لم يُعطَ
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ١١٦٣، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾. وأحمد في المسند ٤٣٣٢، ٣٣٣. والترمذي في جامعه ٤٦٨٧، كتاب صفة الجنة، باب في رؤية الرب ﵎. وابن ماجه في سننه ١٦٧؛ في المقدمة، حديث رقم (١٨٧) . كلّهم أخرجوه بألفاظ مقاربة للّفظ الذي ساقه المصنّف. ٢ في «خ»: بعملك. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ أخرجه النسائي في سننه ٣٥٤-٥٥، كتاب السهو، باب نوع آخر في الدعاء بعد الذكر، رقم (٦٢) . وأحمد في المسند ٤٢٦٤. والحاكم في المستدرك ١٠٥٢٤-٥٢٥، وصححه، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي ١٢٨٠-٢٨١، رقم ١٢٣٧-١٢٣٨. ٤ من رواية زيد بن ثابت ﵁؛ كما في مسند الإمام أحمد ٥١٩١. وهو حديث طويل، ومنه قوله ﷺ: " أسألك اللهم الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الممات، ولذةَ نظرٍ إلى وجهك، وشوقًا إلى لقائك، من غير ضرّاء مضرّة، ولا فتنة مُضلّة..". وقد صرّح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى ٨٣٥٦ أنّه يقصد بهذا الوجه رواية زيد بن ثابت ﵁ هذه.
[ ١ / ٣٤٠ ]
أهلُ الجنّة أحبّ إليهم من النظر إليه. وسُنّ أن يُدعى بلذة النظر إلى وجهه الكريم. وأهل الجنّة قد تنعّموا من أنواع النّعيم بالمخلوقات بما هو غاية النّعيم، فلمّا كان نظرهم إليه أحبّ إليهم من كلّ أنواع النّعيم، عُلم أنّ لذّة النّظر إليه أعظم عند أهل الجنّة من جميع أنواع اللَّذَّات.
الذين أنكروا محبة الله حزبان الحزب الأول
والجنّةُ فيها ما تشتهي الأنفس، وتلذّ الأعين؛ فما لذّت أعينهم بأعظم من لذّتها بالنظر إليه. واللّذّة تحصل بإدراك المحبوب، فلو لم يكن أحبّ إليهم من كلّ شيء، [ما كان النظر إليه أحبّ إليهم من كلّ شيء] ١، وكانت لذّته أعظم من كلّ لذّة. والله تعالى وعد عباده المؤمنين بالجنّة؛ وهي اسمٌ لدارٍ فيها جميع أنواع اللّذّات المتعلقة بالمخلوق، وبالخالق؛ كما أنّ النّار اسمٌ لدارٍ فيها أنواع الآلام، لكن غلط من ظنّ أنّ التنعيم بالنظر إليه ليس من نعيم أهل الجنّة. وصار هؤلاء حزبين: حزبًا أنكروا التنعيم بالنظر إليه؛ وهم المنكرون للمحبّة٢؛ حتى قال أبو المعالي٣ ونحوه ممّن يُنكر محبّته أنّهم إذا رأَوْه لم يلتذوا بنفس النظر، بل يخلق لهم لذّة ببعض المخلوقات مع
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "والمنكرون لرؤيته من الجهميّة والمعتزلة تُنكر هذه اللذة. وقد يُفسّرها من يتأوّل الرؤية - بمزيد العلم - على لذة العلم به؛ كاللذة التي في الدنيا بذكره، لكن تلك أكمل. وهذا قول متصوفة الفلاسفة والنفاة؛ كالفارابي، وأبي حامد، وأمثاله، فإنّ ما في كتبه من الإحياء وغيره من لذة النظر إلى وجهه هو بهذا المعنى". منهاج السنة النبوية ٥٣٩٠. وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٧٦٢-٧٨. ٣ الجويني.
[ ١ / ٣٤١ ]
النّظر١. وكذلك قال من شاركهم في التجهّم؛ من أهل الوحدة٢؛ كابن عربي؛ قال: ما التذّ عارفٌ بمشاهدة قطّ٣. وادّعى أبو المعالي أنّ إنكار محبّته من أسرار التوحيد٤. وهو من أسرار توحيد الجهميّة المعطّلة المبدّلة. وحُكِيَ عن ابن عقيل أنّه سمع رجلًا يقول: أسألك لذّة النظر إلى وجهك الكريم. فقال له: هَبْ أنّ له وجهًا، أله وجهٌ يُلتذّ بالنظر إليه٥. وهذا بناءً على هذا الأصل؛ فإنّه وشيخه أبا يعلى، ونحوهما وافقوا الجهميّة في إنكار أن يكون الله محبوبًا، واتّبعوا في ذلك قول أبي بكر بن الباقلاني٦ ونحوه ممّن يُنكر محبّة الله، وجعل القول بإثباتها قول الحلوليّة٧.
_________________
(١) ١ انظر: العقيدة النظامية للجويني ص ٣٩. والإرشاد له ص ١٧١. وقواعد العقائد للغزالي ص ١٧١-١٧٢. وانظر: توضيح هذه المسألة في كتب شيخ الإسلام التالية: مجموع الفتاوى ٨٣٤٥، ١٠٦٩٥. ومنهاج السنة ٥٣٩١-٣٩٢. والاستقامة ٢٩٨. ٢ وحدة الوجود. تقدّم تعريفها ٣٢٨. ٣ لم أعثر عليه في مظانّه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والفلاسفة تُثبت اللذّة العقليّة، وأبو نصر الفارابي وأمثاله من المتفلسفة يُثبت الرؤية لله، ويُفسّرها بهذا المعنى". منهاج السنة النبوية ٥٣٨٨-٤٠٠. ٤ انظر: مجموع الفتاوى ٨٣٤٥، ١٠ ٦٩٥. ودرء تعارض العقل والنقل ٦٦٥-٧٧ - فقد ردّ فيه على من أنكر لذّة النظر إلى وجه الله ﷾. ٥ انظر: مجموع الفتاوى ٨٣٥٥، ١٠٦٩٥. ومنهاج السنة النبوية ٥٣٩٢. والاستقامة ٢٩٨. ٦ يقول الباقلاني: "واعلم أنّه لا فرق بين الإرادة، والمشيئة، والاختيار، والرضى، والمحبّة، على ما قدّمنا. واعلم أنّ الاعتبار في ذلك كلّه بالمآل لا بالحال". الانصاف للباقلاني ص ٦٩. ٧ انظر: مجموع الفتاوى ١٠٦٩٧. ومنهاج السنة النبوية ٥٣٩٢.
[ ١ / ٣٤٢ ]
الحزب الثاني
[والحزب الثاني] ١ أنّ طائفة من الصوفيّة والعبّاد شاركوا هؤلاء في أنّ مسمّى الجنّة لا يدخل فيه النظر إلى الله. وهؤلاء لهم نصيب من محبّة الله تعالى والتلذّذ بعبادته، وعندهم نصيب من الخوف والشوق والغرام، فلمّا ظنّوا أنّ الجنّة لا يدخل فيها النظر إليه، صاروا يستخفّون بمسمّى الجنّة، ويقول أحدهم: ما عبدتُك شوقًا إلى جنّتك، ولا خوفًا من نارك٢.
وهم قد غلطوا من وجهين:
الرد عليهم من وجهين
أحدهما: أنّ ما يطلبونه من النظر إليه والتمتع بذكره ومشاهدته، كلّ ذلك في الجنّة.
الثاني: أنّ الواحد من هؤلاء لو جاع في الدنيا أيامًا، أو أُلقي في بعض عذابها، طار عقله، وخرج من قلبه كلّ محبّة.
ولهذا قال سمنون٣:
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: الجواب الثاني. ٢ نقل الغزالي عن معروفٍ الكرخيّ نحوًا من هذه المقالة؛ أنّه عبد الله لا خوفًا من ناره، ولا شوقًا إلى جنّته، بل حُبًّا له. انظر: إحياء علوم الدين ٤٢٨٧. ونقل الغزالي أيضًا عن أبي سليمان الدارانيّ قوله: (إنّ لله عبادًا ليس يشغلهم عن الله خوف النّار، ولا رجاء الجنّة) . إحياء علوم الدين ٤٢٨٧. ونقل الغزالي أيضًا قول الثوريّ لرابعة العدويّة: (ما حقيقة إيمانك؟ قالت: ما عبدتُه خوفًا من ناره، ولا حبًّا لجنّته..) . إحياء علوم الدين ٤٢٨٧. والنقول في ذلك عن الصوفيّة كثيرة جدًا. وانظر: مجموع الفتاوى ١٠٢٤٠، ٦٩٩. والاستقامة ٢١٠٤، ١٠٥. ٣ هو سمنون بن حمزة، أبو الحسن الخواص. موسوس في آخر عمره، وله كلام في المحبّة مستقيم، وسمّى نفسه سمنون الكذّاب. توفي سنة ٢٩٨؟. انظر: البداية والنهاية ١١١٢٣. وطبقات الصوفيّة ص ١٩٥. وحلية الأولياء ١٠٣٠٩. وسير أعلام النبلاء ١٧٤٤١، ٦٥١.
[ ١ / ٣٤٣ ]
وليس لي في سواك حظٌّ فكيفما شئتَ فامْتحنّي
ابتلي بعسر البول، فصار يطوف على المكاتب ويقول: ادعوا لعمّكم الكذّاب١.
وأبو سليمان٢ لمّا قال: قد أُعطيتُ من الرضا نصيبًا لو ألقاني في النّار لكنتُ راضيًا٣، ذُكِرَ أنّه ابتُليَ بمرض، فقال: إن لم يُعافني وإلا كفرتُ، أو نحو هذا.
والفضيل بن عياض ابتُلي بعسر البول، فقال: "بحبّي لك إلا فرّجتَ عنّي٤. فَبَذَلَ حبّه في عسر البول".
فلا طاقة لمخلوق بعذاب الله، ولا غنى به عن رحمته.
_________________
(١) ١ انظر: كتاب نتائج الأفكار القدسيّة ١١٦٠، وذكر فيه بيتًا آخر زيادة على الذي أورده المصنّف، وهو قوله: إن كان يرجو سواك قلبي لانلتُ سُؤلي، ولا التمنّي وانظر: أيضًا: حلية الأولياء ١٠٣٠٩-٣١٠. وإحياء علوم الدين للغزالي ٤١٤١ ومجموع الفتاوى ١٠٢٤١، ٦٩٠. والبداية والنهاية ١١١٢٣. ٢ هو أبو سليمان عبد الرحمن بن أحمد بن عطية العنسي الدارانيّ - نسبة إلى داريّا؛ قرية من قرى دمشق، له كلام في الزهد. توفي سنة ٢١٥؟. انظر: حلية الأولياء ٩٢٥٤. وطبقات الصوفية ص ٧٥. وسير أعلام النبلاء ١٠١٨٢. ٣ هذه الكلمة رواها أبو نعيم بسنده عن أبي سليمان في حلية الأولياء ٩١٦٣. وكذا أسندها القشيريّ في رسالته ٢٢٤٦. وانظر: مجموع الفتاوى ١٠٢٤١، ٦٨٩. ٤ أوردها القشيريّ في رسالته ٢٦٢٣. وانظر: مجوع الفتاوى ١٠٦٩١.
[ ١ / ٣٤٤ ]
وقد قال النبيّ ﷺ لرجلٍ: "ما تدعو في صلاتك؟ ". قال: أسأل اللهَ الجنّة، وأعوذ به من النّار، أما أنّي لا أُحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ. فقال: "حولها ندندن" ١.
ودَخَلَ على أعرابيّ قد صار مثل الفَرْخ، فقال: "هل كنتَ تدعو الله بشيء؟ ". قال: كنتُ أقول: اللهمّ ما كنتَ معاقبي به في الآخرة، فعجّله [لي] ٢ في الدنيا. فقال: "سبحان الله! إنّك لا تستطيعه، ولا تُطيقه، [هلاّ] ٣ قلتَ: اللهمّ آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النّار"٤.
والعدوان في الإرادة، والعبادة، والعمل حصل من إعراضهم عن العلم الشرعيّ، واتّباع الرسول، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّوْنَ اللهَ فَاتَّبِعُوْنِيْ يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في المستد ٣٤٧٤. وأبو داود في السنن ١٥٠١، كتاب الصلاة، باب في تخفيف الصلاة، رقم ٧٩٢. وابن ماجه في السنن ١٢٩٥، كتاب إقامة الصلاة، باب ما يُقال في التشهد، والصلاة على النبيّ ﷺ، رقم ٩١٠. وصحّح النوويّ إسناده في الأذكار ١١٩٧، والألباني في صحيح سنن أبي داود ١١٥٠، وفي صحيح سنن ابن ماجه ١١٥٠، وفي تخريج أحاديث الكلم الطيب ١٠٣. ٢ في «خ»: له. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: هل لا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ٤٢٠٦٨-٢٠٦٩، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب كراهية الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا. والإمام أحمد في مسنده ٣١٠٧، مع اختلاف يسير في بعض ألفاظ الحديث. ٥ سورة آل عمران، الآية ٣١.
[ ١ / ٣٤٥ ]
قال بعضهم: ليس الشأن في أن تُحبّه، الشأنُ في أن يكونَ هو يُحِبُّكَ١. وهو إنّما يُحِبُّ من اتَّبع الرسول، وإلا فالمشركون وأهل الكتاب يدّعون أنّهم يُحبُّونه، وأولئك٢ غلطوا [بنفي] ٣ محبّته، وهؤلاء٤ أثبتوا محبّة شركيّة، لم يثُبتوا محبّة توحيديّة خالصة٥، وقد قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاْسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُوْنِ اللهِ أَنْدَاْدًَا يُحِبُّوْنَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِيْنَ آمَنُوْا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ٦.
أقسام الناس في المحبة
فالأقسام ثلاثة٧: أولئك٨ معطّلة للمحبّة، وحقيقة قولهم تعطيل العبادة مطلقًا. وهؤلاء٩ مشركون في المحبّة؛ فهم مشركون في العبادة. أولئك مستكبرون عن عبادته، والكبر لليهود. وهؤلاء مشركون في عبادته، والشرك للنصارى.
لفظ الإسلام
وكلّ واحدٍ من المستكبرين والمشركين ليسوا مسلمين، بل الإسلام هو الاستسلام لله وحده. ولفظ الإسلام يتضمّن الإسلام، ويتضمّن
_________________
(١) ١ نقله ابن كثير في تفسيره ١٣٥٨ عند تفسيرقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّوْنَ اللهَ فَاتَّبِعُوْنِيْ﴾ [آل عمران ٣١] وقال: عن بعض العلماء والحكماء.. ولم يعزه لأحد. ٢ أي الجهميّة، ومن تبعهم من أهل الكلام.. ٣ ليست في «خ» . وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ أي الصوفيّة. ٥ وقد قال عنهم شيخ الإسلام ﵀: "لكنهم قصروا في الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وأفرطوا حتى غلا بهم إلى الإلحاد، فصاروا من جنس المشركين". مجموعة الرسائل والمسائل ٤٣٠٠. ٦ سورة البقرة، الآية ١٦٥. ٧ انظر: بيانها في مجموع الفتاوى ١٠٨٢، ٦٨٣، ٦٨٤. ٨ أي الجهميّة ومن تبعهم من المتكلمين. ٩ أي الصوفيّة.
[ ١ / ٣٤٦ ]
إخلاصه لله١. وقد ذكر ذلك غير واحدٍ، حتى أهل العربيّة؛ كأبي بكر ابن الأنباري٢، وغيره.
ومن المفسرين من يجعلهما قولين؛ كما يذكر طائفة منهم البغويّ أنّ المسلم هو: المستسلم لله. وقيل: هو المخلص٣.
والتحقيق: أنّ المسلم يجمع هذا وهذا؛ فمن لم يستسلم له، لم يكن مسلمًا؛ ومن استسلم لغيره كما يستسلم له، لم يكن مسلمًا؛ ومن استسلم له وحده، فهو المسلم؛ كما في القرآن: ﴿بَلَىْ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُوْنَ﴾ ٤، وقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيْنًَا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاْهِيْمَ حَنِيْفًَا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاْهِيْمَ خَلِيْلًا﴾ ٥.
والاستسلام له يتضمّن الاستسلام [لقضائه] ٦، وأمره، [ونهيه] ٧؛ فيتناول فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور: ﴿إِنَّهُ مَنْ
_________________
(١) ١ انظر: مجموع الفتاوى ٨٦٢٣، ٦٣٥، ١٠١٤. والجواب الصحيح ٦٣١. وجامع الرسائل ٢٢٥٤. ٢ هو أبو بكر محمد بن القاسم بن محمد بن بشار الأنباري. ولد في الأنبار سنة ٢٧١؟. من أعلم أهل زمانه بالآداب واللغة. كان حافظًا للشعر والأخبار، كان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت شاهد في القرآن. توفي في بغداد سنة ٣٢٨؟. انظر: طبقات النحويين ص ١٧١. والأعلام ٦٣٣٤. ٣ تفسير البغوي ١١٠٦. ٤ سورة البقرة، الآية ١١٢. ٥ سورة النساء، الآية ١٢٥. ٦ في «خ»: لخلقه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ ليست في «خ»، وهي في «م»، و«ط» .
[ ١ / ٣٤٧ ]
يَتَّقِ وَيَصْبِرُ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيْعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِيْنَ﴾ ١.
قال ابن أبي حاتم٢: حدثنا عصام٣ بن [رواد] ٤، [حدثنا] ٥ آدم٦، عن أبي جعفر٧، عن الربيع، عن أبي العالية٨ في قوله: ﴿بَلَىْ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ ٩؛ يقول: من أخلص لله. قال ابن أبي حاتم: وروي عن الربيع
_________________
(١) ١ سورة يوسف، الآية ٩٠. ٢ هو أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر بن مهران التميمي الرازيّ. ولد سنة٢٤٠؟، ورحل في طلب الحديث إلى البلاد مع أبيه وبعده، وصنّف التصانيف، من جملتها: كتاب السنة، والتفسير، وكتاب الرد على الجهمية، وفضائل الإمام أحمد. توفي ٣٢٧؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٣٢٦٣. وطبقات الحنابلة ٢٥٥. وشذرات الذهب ٢٣٠٨-٣٠٩. وطبقات الشافعية للسبكي ٣٣٢٤-٣٢٨. ٣ هو عصام بن رواد بن الجراح العسقلاني. انظر: الجرح والتعديل ٧٢٦. وميزان الاعتدال ٣٦٦. ولسان الميزان ٤١٦٧) . ٤ في «ط»: وران. وما أثبت من «خ»، و«م»، وتفسير ابن أبي حاتم. ٥ في «خ»: ثنا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ هو آدم بن أبي إياس العسقلاني. توفي سنة ٢٢٠؟. انظر: الجرح والتعديل ٢٢٦٨. وتهذيب التهذيب ١١٩٦) . ٧ هو عيسى بن عبد الله بن ماهان الرازي. انظر: الجرح والتعديل ٥٢٢٧. وميزان الاعتدال ٢٤٠٤. وتهذيب التهذيب ٥١٧٦. ٨ هو رفيع بن مهران البصري، أبو العالية الرياحي. توفي سنة ٩٣؟. انظر: الجرح والتعديل ٣٥١٠. وسير أعلام النبلاء ٤٢٠٧. وتهذيب التهذيب ٣٢٨٤. ٩ سورة البقرة، الآية ١١٢.
[ ١ / ٣٤٨ ]
نحو ذلك١. وقال: ذُكِرَ عن يحيى بن آدم٢، حدثنا ابن المبارك٣، عن حيوة بن شريح٤، عن عطاء بن دينار٥، عن سعيد بن جبير٦: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾، قال: دينه٧.
_________________
(١) ١ تفسير ابن أبي حاتم ١٢٣٧. وأخرجه ابن جرير ١٤٩٣. وابن كثير ١٢٢٢. وانظر: الدر المنثور ١١٠٨. وفتح القدير ١١٢٠. وقال محقق تفسير ابن أبي حاتم عن رجال هذا الإسناد: "يُحتجّ بروايتهم، لكنّ أبا العالية يُرسل كثيرًا، ورواية أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس مضطربة". تفسير ابن أبي حاتم ١٢٨، ٣٥، ٤٢. فالأثر في سنده اضطراب. ٢ هو يحيى بن آدم بن سليمان الأموي، أبو زكريا الكوفي، توفي سنة ٢٠٣؟. انظر: الجرح والتعديل ٩١٢٨. وتهذيب التهذيب ١١١٧٥، ٥٨٠، ٥٨٤. ٣ هو عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم. ولد سنة ١١٨؟، وتوفي سنة ١٨١. أحد الأئمة الحفاظ. انظر: تذكرة الحفاظ ١٢٨٤. وتهذيب التهذيب ٥٣٨٢. ٤ هو حيوة بن شريح بن صفوان التجيبي، أبو زرعة المصري. توفي سنة ١٥٨؟. انظر: الجرح والتعديل ٣٣٠٦. وتهذيب التهذيب ٣٦٩. ٥ هو عطاء بن دينار الهذلي، مولاهم المصري. توفي سنة ١٢٦؟. له مراسيل عن سعيد بن جبير. انظر: الجرح والتعديل ٦٣٣٢. وميزان الاعتدال ٣٦٩. وتهذيب التهذيب ٧١٩٨. ٦ هو سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم، أبو محمد. تابعي ثقة، أخذ العلم في التفسير عن ابن عباس، وقتله الحجاج سنة ٩٥؟، ومات بعده بأيام. انظر: الجرح والتعديل ٤٩. والثقات ٤٢٧٥. وتهذيب التهذيب ٤١١. ٧ تفسير ابن أبي حاتم ١٣٣٧-٣٣٨. وقال محقق تفسير ابن أبي حاتم أيضًا: رجال إسناده ثقات، لكن رواية عطاء - التفسير - عن سعيد بن جبير مرسلة؛ حيث لم يأخذ عنه مباشرة، وإنما وجد صحيفة عن سعيد، فاكتتبها.
[ ١ / ٣٤٩ ]
وقال أبو الفرج١: "أسلم: أخلص. وفي الوجه قولان: أحدهما: أنّه الدين، والثاني: العمل"٢.
وقال البغوي: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾: أخلص دينه لله، وقيل: أخلص عبادته لله، وقيل: خضع وتواضع لله، وأصل الإسلام: الاستسلام والخضوع، وخُصّ الوجه لأنّه إذا جاد بوجهه في السجود، لم يبخل بسائر جوارحه. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في عمله، قيل: مؤمنٌ، وقيل: مُخلصٌ٣.
قلت: قول من قال: خضع وتواضع لربّه، هو داخلٌ في قول من قال: أخلص دينه، أو عمله، أو عبادته لله؛ فإنّ هذا إنّما يكون إذا خضع له وتواضع له دون غيره؛ فإنّ العبادة والدين والعمل له لا يكون إلا مع الخضوع له والتواضع، وهو مستلزمٌ لذلك. ولكنّ أولئك٤ ذكروا مع هذا أن يكون هذا الإسلام لله وحده؛ فذكروا المعنيَيْن: الاستلزام، وأن يكون لله.
حقيقة دين االإسلام
[و] ٥ قول من قال: خضع وتواضع لله، يتضمّن أيضًا أنّه أخلص عبادته ودينه لله؛ فإنّ ذلك يتضمّن الخضوع والتواضع لله دون غيره. وأمّا ذكره [التوجه] ٦: فقد بُسط الكلام عليه في غير هذا الموضع٧، وتبيّن أنّ الله ذكر إسلام الوجه له، وذكر إقامة الوجه له في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ
_________________
(١) ١ ابن الجوزي. ٢ زاد المسير (تفسير ابن الجوزي) ١١٣٣. ٣ تفسير البغوي ١١٠٦. ٤ الذين فسّروا إسلام الوجه بإخلاص الدين أو العبادة أو العمل. ٥ ليست في «ط»، وهي في «خ»، و«م» . ٦ في «خ»: الوجه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ انظر: الجواب الصحيح ٦٣١.
[ ١ / ٣٥٠ ]
لِلدِّيْنِ﴾ ١، وذكر توجيه الوجه له في قوله: ﴿إِنِّيْ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِيْ فَطَرَ السَّمَوَاْتِ وَالأرْضَ﴾ ٢؛ لأنّ الوجه إنّما يتوَجّه إلى حيث توجَّه القلب، والقلب هو الملك، فإذا توجَّه الوجه نحو جهةٍ كان القلب متوجّهًا إليها، ولا يُمكن الوجه أن يتوجّه بدون القلب؛ فكان إسلام الوجه، وإقامته، وتوجيهه، مستلزمًا لإسلام القلب، وإقامته، وتوجيهه. وذلك يستلزم إسلام كلّه لله، وتوجيه كله لله، وإقامة [كلّه] ٣ [لله] ٤. وبسط الكلام على ما يُناسب ذلك٥٦.
الذين أنكروا المحبة لهم شبهتان
وهذا حقيقة دين الإسلام٧. لكن الذين أنكروا ذلك لهم شبهتان: إحداهما: أنّ المحبّة تقتضي المناسبة٨، قالوا: وهي منتفية؛ فلا مناسبة بين المحدَث والقديم٩.
الشبهة الأولى والرد عليها
فيُقال لهم: هذا كلامٌ مجملٌ. تعنون بالمناسبة: الولادة؟ أو المماثلة؟ ونحو ذلك ممّا يجب تنزيه الربّ عنه؟؛ فإنّ الشيء
_________________
(١) ١ سورة الروم، الآية ٣٠. ٢ سورة الأنعام، الآية ٧٩. ٣ في «ط»: كلها. وما أثبت من «خ»، و«م» . ٤ ليست في «خ»، وهي في «م»، و«ط» . ٥ انظر: الرد على المنطقيين ص ٤٤٨. ٦ ها هنا في «خ» بياض بمقدار سطرين. وقد أُشير إلى ذلك في «م»، و«ط» . ٧ انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠١٤،، ١١٢٠٠، ٢١٨. ٨ المناسبة بين المحِبّ والمحَبّ. ٩ ومثل هذا القول صدرمنهم في الرؤية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إنّ مثبتة الرؤية، منهم من أنكر أن يكون المؤمن ينعم بنفس رؤية ربّه؛ قالوا: لأنّه لا مناسبة بين المحدَث والقديم؛ كما ذكر ذلك الأستاذ أبو المعالي الجويني في الرسالة النظاميّة، وكما ذكره أبو الوفاء بن عقيل في بعض كتبه". مجموع الفتاوى ١٠٦٩٥.
[ ١ / ٣٥١ ]
يُنسب إلى أصله بأنّه ابن فلان، وإلى فرعه بأنّه أبو فلان، وإلى نظيره بأنّه مثل فلان. ولمّا سأل المشركون النّبيّ ﷺ عن نسب ربّه١، أنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُوْلَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًَا أَحَد﴾ ٢؛ فلم يخرج من شيء، ولا يخرج منه شيء، ولا له مثل.
فإن عنيتُم هذا، لم نُسلِّم أنّ المحبّة لا بُدّ فيها من هذا. وإن أردتم بالمناسبة أن يكون المحبوب متّصفًا بمعنى يُحبّه المحِبّ، فهذا لازم المحبّة، والربّ متّصفٌ بكل صفةٍ تُحَبّ. وكلّ ما يُحبّ فإنّما هو منه؛ فهو أحقّ بالمحبّة من كلّ محبوب. وإذا كان الإنسان يُحِبّ الملائكة، وهم من غير جنسه، لما اتصفوا به من الصفات الحميدة؛ فالسُبُّوح القُدُّوس ربُّ الملائكة والروح الذي كلّ ما اتّصفت به الملائكة وغيرهم، فهو من جوده وإحسانه، وهو العزيز الرحيم، إذ كان المخلوق كثيرًا ما يتّصف بالعزّة دون الرحمة، أو تكون فيه رحمة بلا عزّة. وهو سبحانه: العزيز، الرحيم، الغفور، الودود، المجيد.
معنى اسم الودود
والودود: فعولٌ من الودّ. وقال شعيب: ﴿إنَّ رَبِّيْ رَحِيْمٌ وَدُوْدٌ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُوْرُ الْوَدُوْدُ﴾ ٤؛ فقرنه بالرحيم في موضع، وبالغفور في موضع.
_________________
(١) ١ قال الطبري: "ذُكِرَ أنّ المشركين سألوا رسول الله ﷺ عن نسب ربّ العزّة، فأنزل الله هذه السورة جوابًا لهم. وقال بعضهم: بل نزلت من أجل اليهود: سألوه، فقالوا له: هذا الله خلق الخلقَ، فمن خلق الله؟ فأنزلت جوابًا لهم". تفسير الطبري ١٥٣٤٢. ٢ سورة الإخلاص ١-٤. ٣ سورة هود، الآية ٩٠. ٤ سورة البروج، الآية ١٤.
[ ١ / ٣٥٢ ]
قال أبو بكر بن١ الأنباري٢: الودود معناه: المحِبّ لعباده؛ من قولهم: وددتُ الرجل أودّه [وُدًّا، ووِدًّا، ووَدًّا] ٣، ويُقال: وددتُ الرجلَ [وَدَادًا، ووِدَادًا، ووَدادةً] ٤.
وقال الخطابي٥: "هو اسمٌ مأخوذٌ من الودّ، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون فعولًا في محلّ مفعول؛ كما قيل: رجل هيوب بمعنى مهيب، وفرس رَكوب بمعنى مركوب. والله سبحانه [وتعالى] ٦ مودودٌ في قلوب أوليائه، لما [يتعرّفونه] ٧ من إحسانه إليهم٨. والوجه الآخر: [أن يكون بمعنى الوادّ] ٩؛ أي أنّه يودُّ عباده الصالحين؛ بمعنى أنّه يرضى عنهم، ويتقبّل أعمالهم١٠. [ويكون] ١١ معناه أن يُودِّدهم إلى خلقه؛ كقوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَُهمُ الرَّحْمَنُ وُدًَّا﴾ ١٢ "١٣.
_________________
(١) ١ في «خ»: ابن. ٢ انظر: كلام ابن الأنباري في تفسير ابن الجوزي؛ زاد المسير ٤١٥٢. وانظر: كذلك تهذيب اللغة للأزهري؛ فقد نقل كلام ابن الأنباري في ١٤٢٣٦. وابن لأنباري هو: محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر الأنباري. تقدمت ترجمته. ٣ ما بين المعقوفتين ضُبطت هكذا في «خ» . ٤ ما بين المعقوفتين ضبطت هكذا في «خ» . ٥ تقدمت ترجمته. ٦ ما بين المعقوفتين ليست في «خ»، ولا في شأن الدعاء للخطابي. وهي في «م»، و«ط» . ٧ كذا في «خ»، وفي شأن الدعاء. وفي «م»، و«ط»: يعرفونه. ٨ في «شأن الدعاء» زيادة: وكثرة عوائده عندهم. ٩ ما بين المعقوفتين في شأن الدعاء هكذا: أن يكون الودّ بمعنى الوادّ. وما أثبت من «خ»، وفي «م»، و«ط»: أن يكون بمعنى الودّ. ١٠ وهذا تأويل للصفة؛ لأنّ المحبّة غير الرضى، وغير قبول الأعمال. ١١ في «شأن الدعاء» للخطابي: وقد يكون. وفرق بين العبارتين؛ فالأولى فسّرت الوجه الآخر، وهذه أتت بمعنى جديد. ١٢ سورة مريم، الآية ٩٦. ١٣ شأن الدعاء للخطابي ص٧٤. وانظر: كلامه في زاد المسير لابن الجوزي ٤١٥٢.
[ ١ / ٣٥٣ ]
الأدلة على أن الله يحب عباده ويحبونه
قلت: قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًَّا﴾ ١ فسّروها بأنّه يُحبُّهم، ويُحبِّبُهم إلى عباده٢؛ كما في الصحيحين عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "إذا أحبَّ اللهُ العبدَ نادى: يا جبريل إنّي أُحِبُّ فلانًا فأحبَّه، فيُحبُّهُ جبريل، ثمّ يُنادى في السماء: إنّ الله يُحِبُّ فلانًا فأحبُّوه، فيُحبُّه أهل السماء، ثمّ يُوضع له القبول في الأرض". وقال في البغض مثل ذلك٣.
وقال عبد [بن] ٤ حُميد٥: أنبأ عبيد الله بن موسى٦، عن ابن أبي
_________________
(١) ١ سورة مريم، الآية ٩٦. ٢ انظر: تفسير الطبري ١١٣٢-١٣٣. وزاد المسير ٥٢٦٦. وانظر: أيضًا مجموع الفتاوى ١٥٢٣٢. ٣ أخرجه البخاري في صحيحه ٣١١٧٥، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، و٥٢١٤٦، كتاب الأدب، باب الحبّ في الله، و٦٢٧٢١، كتاب التوحيد، باب كلام الربّ مع جبريل، ونداء الله الملائكة. - وفي كلّ هذه المواضع لم يذكر في البُغض مثل ذلك - ومسلم في صحيحه ٤٢٠٣٠، كتاب البرّ والصلة والآداب، باب إذا أحبّ الله عبدًا حبّبه إلى عباده. ومالك في الموطأ ٢٩٥٣. وأحمد في المسند ٢٥١٤. - وقد ذُكر فيها في البُغض مثل ما ذُكِر في الحبّ -. ٤ في «خ»: ابن بإثبات ألف ابن. ٥ هو عبد بن حميد بن نصر، أبو محمد الكِسِّيّ، اسمه عبد الحميد، فخُفِّف. والكِسِّيّ نسبة إلى بلدة في ما وراء النهر، تُقارب سمرقند، يُقال لها: كِسّ. ويُقال له أيضًا: الكِشِّيّ؛ منسوب إلى كِشّ؛ قرية من قرى جرجان، وإذا أعرب كتب بالسين. ولد عبد بن حميد بعد السبعين ومائة بكِشّ، ونشأ بها، ثمّ رحل وطوّف في البلاد الإسلاميّة للسماع والتلقّي. قال عنه الذهبيّ: كان من الأئمة الثقات. وقال ابن حجر: ثقة حافظ من الحادية عشرة. مات سنة تسع وأربعين. ومن مصنفاته: التفسير، والمسند. انظر: الأنساب للسمعانيّ ١١١٠٨. وسير أعلام النبلاء ١٢٢٣٥. وتذكرة الحفّاظ ٢٥٢٤. وتقريب التهذيب ١٦٤٠. ٦ هو عبيد الله بن موسى بن أبي المختار باذام العبسي الكوفي، أبو محمد، من التاسعة. مات سنة ٢١٣؟. انظر: الجرح والتعديل ٥٣٣٤. وميزان الاعتدال ٣١٦. وتقريب التهذيب ١٦٤٠.
[ ١ / ٣٥٤ ]
ليلى١، عن الحكم٢، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًَّا﴾ ٣، قال: "يُحبُّهم، ويُحبِّبُهم"٤. ورواه ابن أبي حاتم أيضًا٥.
وقال عبدُ: أخبرني شبّابة٦، عن ورقاء٧، عن ابن أبي نجيح٨، عن مجاهد٩: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًَّا﴾، قال: "يُحبُّهم، ويُحبِّبُهم إلى المؤمنين"١٠.
_________________
(١) ١ ستأتي ترجمته. ٢ هو الحكم بن عتيبة الكندي - بالولاء -، أبو محمد. توفي سنة ١١٣؟. انظر: الجرح والتعديل ٣١٢٣. وتهذيب التهذيب ٢٤٣٣. ٣ سورة مريم، الآية ٩٦. ٤ أخرجها الطبري في تفسيره ١١٣٢. وانظر: زاد المسير ٥٢٦٦. والدر المنثور ٤٢٨٧. ٥ انظر: الدر المنثور ٤٢٨٧. ٦ هو شبابة بن سوار الفزاري، مولاهم أبو عمر المدائني الخراساني. توفي سنة ٢٥٤؟. انظر: الجرح والتعديل ٤٣٩٢. وميزان الاعتدال ٢٢٦٠. ٧ هو ورقاء بن عمر بن كليب اليشكري، أبو بشر الكوفي. ثقة. انظر: الجرح والتعديل ٩٥٠. وميزان الاعتدال ٤٣٣٢. وتهذيب التهذيب ١١١١٣. ٨ هو عبد الله بن أبي نجيح؛ يسار الثقفي، أبو يسار المكي. توفي سنة ١٠١؟. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن تفسيره: "تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد من أصح التفاسير". مجموع الفتاوى ١٧٤٠٩. ٩ هو مجاهد بن جبر المكي، أبو الحجاج المخزومي. ولد سنة ٢١، وتوفي سنة ١٠٣؟. انظر: الجرح والتعديل ٨٣١٩. وميزان الاعتدال ٣٤٣٩. وتهذيب التهذيب ١٠٤٢. ١٠ تفسير مجاهد - تحقيق عبد الرحمن السورتي - ص ٣٩١. وانظر: تفسير الطبري ١١٣٢.
[ ١ / ٣٥٥ ]
أخبرنا١ عبد الرزاق٢، عن الثوري٣، عن مسلم٤، عن مجاهد، عن ابن عبّاس: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًَّا﴾، قال: محبّةً٥.
وهذا فيه إثبات حبّه لهم، بعد أعمالهم؛ بقوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًَّا﴾، وهو نظير قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّوْنَ اللهَ فَاتَّبِعُوْنِيْ يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ ٦؛ فهو يُحبُّهم إذا اتّبعوا الرسول. ونظير قوله في الحديث الصحيح: "ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها"٧.
_________________
(١) ١ القائل عبد بن حميد. ٢ هو عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، مولاهم الصنعاني. ولد سنة ١٢٦، وتوفي سنة ٢١١؟. انظر: الجرح والتعديل ٦٣٩. وميزان الاعتدال ٢٦٠٩. وتهذيب التهذيب ٦٣١١. ٣ هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي. الحافظ، أمير المؤمنين في الحديث. ولد سنة ٩٧؟، وتوفي سنة ١٦١؟. انظر: الجرح والتعديل ٤٢٢٢. وتاريخ بغداد ٩١٥١. وتهذيب التهذيب ٤١١١. ٤ هو مسلم بن عمران، أو ابن أبي عمران البطين الكوفي. انظر: الجرح والتعديل ٨١٩١. وتهذيب التهذيب ١٠١٣٤. ٥ تفسير القرآن للإمام عبد الرزاق - تحقيق مصطفى مسلم - ٢١٤. وانظر: تفسير الطبري ١١٣٢. والدر المنثور ٤٢٨٧. ٦ سورة آل عمران، الآية ٣١. ٧ أخرجه البخاري في صحيحه ٥٢٣٨٤-٢٣٨٥، كتاب الرقاق، باب قول النبي ﷺ: "بُعثت أنا والساعة كهاتين". وأحمد في مسنده ٦٢٥٦.
[ ١ / ٣٥٦ ]
وكذلك قوله: ﴿وَأَحْسِنُوْا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِيْنَ﴾ ١. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّاْبِيْنَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِيْنَ﴾ ٢. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِيْنَ﴾ ٣. ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِيْنَ يُقَاْتِلُوْنَ فِيْ سَبِيْلِهِ صَفًَّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَاْنٌ مَرْصُوْصٌ﴾ ٤.
وهذه الآيات وأشباهها تقتضي أنّ الله يُحِبّ أصحاب هذه الأعمال؛ فهو يُحِبّ التوابين، وإنّما يكونون توّابين بعد الذنب، ففي هذه الحال يُحِبُّهم. وهذا مبنيّ على الصفات الاختياريّة٥، فمن نفاها٦ ردّ هذا كلّه.
من نفى الصفات الاختيارية لهم في المحبة قولان
ولهم٧ قولان: أحدهما: أنّ المحبّة قديمة؛ فهو يُحبّهم في الأزل إذا علِم
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية ١٩٥. ٢ سورة البقرة، الآية ٢٢٢. ٣ سورة التوبة، الآية ٤. ٤ سورة الصف، الآية ٤. ٥ الصفات الاختياريّة: هي الأمور التي يتصف بها الربّ ﷿، فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته؛ مثل كلامه، وسمعه، وبصره، وإرادته، ومحبّته إلخ. فالجهميّة، ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم يقولون: لا يقوم بذاته شيء من الصفات، ولا غيرها. جامع الرسائل ٢٣-٤. ولشيخ الإسلام ﵀ رسالة صغيرة في هذا الموضوع، اسمها: «رسالة في الصفات الاختياريّة» ضمن جامع الرسائل ٢٤-٧٠. وانظر: كلامه أيضًا ﵀ عن مسألة قيام الأفعال الاختياريّة بالله تعالى، وأقوال السلف فيها، ومن أثبتها، أو نفاها في درء تعارض العقل والنقل ٢١٨-٢٤. ٦ قال شيخ الإسلام ﵀: فباب محبّة الله ضلّ فيه فريقان من الناس؛ فريق من أهل النظر والكلام والمنتسبين إلى العلم جحدوها، وكذّبوا بحقيقتها. وفريق من أهل التعبّد والتصوّف والزهد، أدخلوا فيها من الاعتقادات، والإرادات الفاسدة ما ضاهوا بها المشركين". جامع الرسائل ٢٢٤٥. ٧ أي للمتكلّمة الكلابيّة والآشعريّة، ومن وافقهم في نفي الصفات الاختياريّة.
[ ١ / ٣٥٧ ]
أنّهم يموتون على حالٍ [مرضيّة] ١، ويقولون: إنّ الله يُحِبّ الكفّار في حال كفرهم إذا علم أنّهم يموتون على الإيمان، ويُبغض المؤمن إذا علم أنّه يرتدّ. هذا قول ابن كلاّب٢، ومن [تبعه] ٣. ثمّ منهم من يُفسّر المحبّة بالإرادة٤، ومنهم من يقول: هي صفة زائدة على الإرادة٥. والقول الثاني: يجعلون هذا من باب الفعل؛ فالمحبّة عندهم: إحسانه إليهم،
_________________
(١) ١ ليست في «خ» . وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ انظر: الإنصاف للباقلاني ص ٦٩. وذكر الأشعريّ في المقالات قول أصحاب ابن كلاّب "أنّ الله لم يزل راضيًا عمّن يعلم أنّه يموت مؤمنًا، ساخطًا على من يعلم أنّه يموت كافرًا"، وذكر أنّ هذا هو قولهم في الولاية، والعداوة، والمحبّة. مقالات الإسلاميّين للأشعريّ ١٣٥٠. وانظر: المصدر نفسه ٢٢٢٥، ٢٥٥. وقال شيخ الإسلام ﵀ مبيّنًا حال ابن كلاب وعقيدته: "أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان، له فضيلة ومعرفة ردّ بها على الجهميّة والمعتزلة نفاة الصفات، وبيّن أنّ الله نفسه فوق العرش، وبسط الكلام في ذلك. ولم يتخلّص من شبهة الجهميّة كلّ التخلّص، بل ظنّ أنّ الربّ لا يتصف بالأمور الاختياريّة التي تتعلّق بقدرته ومشيئته؛ فلا يتكلّم بمشيئته وقدرته، ولا يُحب العبد ويرضى عنه بعد إيمانه وطاعته، ولا يغضب عليه ويسخط بعد كفره ومعصيته، بل محبًا راضيًا، أو غضبان ساخطًا على من علم أنّه يموت مؤمنًا أو كافرًا. ولا يتكلّم بكلام بعد كلام ". مجموع الفتاوى ٧٦٦٢. وانظر: المصدر نفسه ٨٣٤٠-٣٤٣. ٣ في «خ»: اتبعه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ انظر: مشكل الحديث وبيانه لابن فورك ص ٣٣٢. وانظر: الإنصاف للباقلاني ص ٦٩. وجامع الرسائل ٢٢٣٧. ومجموع الفتاوى ١٠٦٩٧. ٥ انظر: الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص ٣٧. وإيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل لابن جماعه ص ١٣٩، ١٤٣-١٤٤. وتأويل الأحاديث الموهمة للتشبيه للسيوطي ص ١٢٠. وانظر: أيضًا مجموع الفتاوى لابن تيمية ٨٣٤٠-٣٤١.
[ ١ / ٣٥٨ ]
والإحسان عندهم ليس فعلًا قائمًا به، بل بائنًا عنه١.
والكتاب، والسنّة، وأقوال السلف والأئمة، والأدلة العقليّة إنّما تدلّ على القول الأوّل٢، كما قد بُسط في غير هذا الموضع٣؛ إذ المقصود هنا [ذِكرُ اسمه (الودود)، والأكثرون على ما ذكره] ٤ ابن الأنباري٥، وأنّه فعولٌ بمعنى فاعل؛ أي هو الوادُّ، كما قرنه بالغفور؛ وهو الذي يغفر، وبالرحيم؛ وهو الذي يرحم.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي٦، ثنا عيسى بن جعفر؛ قاضي الريّ٧، ثنا سفيان في قوله: ﴿إَنَّ رَبِّيْ رَحِيْمٌ وَدُوْدٌ﴾ ٨، قال: مُحِبّ. وقال٩:
_________________
(١) ١ انظر: الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز للعز بن عبد السلام ص ١٤٤- ١٤٥ والجامع لأحكام القرآن للقرطبي١١٥٠. وانظر: جامع الرسائل ٢٢٣٧. ٢ القول الأوّل: هو تفسير الودود بأنّه المُحِبّ لعباده. وليس المراد به القول الأول من أقوال المؤوّلة لصفة المحبّة - والذي تقدّم آنفًا -. ٣ انظر: من كتب شيخ الإسلام: قاعدة في المحبّة - ضمن جامع الرسائل ٢١٩٣-٤٠١. ومجموع الفتاوى ٨٣٣٧، ٣٧٠. ودرء تعارض العقل والنقل ٦٦٢-٦٥. ٤ ما بين المعقوفتين ساقط من «ط» . وهي في «خ»، و«م» . ٥ انظر: زاد المسير لابن الجوزي ٤١٥٢. ٦ هو محمد بن إدريس بن المنذر بن داود، أبو حاتم الرازي الحنظلي. الإمام الحافظ شيخ المحدثين. انظر: الجرح والتعديل ١٣٤٩-٣٧٥. وسير أعلام النبلاء ١٣٢٤٧. وشذرات الذهب ٢١٧١. ٧ انظر: ترجمته في الجرح والتعديل ٦٢٧٣. ٨ سورة هود، الآية ٩٠. ٩ أي ابن أبي حاتم.
[ ١ / ٣٥٩ ]
قُرئ على يونس١: ثنا ابن وهب٢، قال: وقال ابن زيد٣: قوله: (الودود)، قال: الرحيم. وقد ذَكَرَ٤ فيه [قولين] ٥؛ القول الأوّل رواه من تفسير الوالبي٦
_________________
(١) ١ هو يونس بن حبيب بن عبد القاهر بن عبد العزيز الأصبهاني، أبو بشر. توفي سنة ٢٦٧؟. قال ابن أبي حاتم: كتبت عنه بأصبهان وهو ثقة. انظر: الجرح والتعديل ٩٢٣٧. أو: يونس بن راشد الجزري، أبو إسحاق الحراني القاضي. انظر: الجرح والتعديل ٩٢٣٩. وميزان الاعتدال ٤٤٨٠. وتهذيب التهذيب ١١٤٣٩. ٢ هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، مولاهم، أبو محمد المصري. توفي سنة ١٩٨؟. انظر: الجرح والتعديل ٥١٨٩. وتهذيب التهذيب ٦٧١. ٣ هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي مولاهم، المدني. توفي سنة ١٨٢؟. انظر: الجرح والتعديل ٥٢٣٣. وميزان الاعتدال ٢٥٦٤. وتهذيب التهذيب ٦١٧٧. ٤ أي ابن أبي حاتم. والظاهر أنّه ذكر هذين القولين في تفسيره، ولكن لم يُطبع منه إلا الأجزاء الأولى. ٥ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٦ هو علي بن أبي طلحة؛ سالم بن مخارق الوالبي. قال عنه الذهبي: "أخذ تفسير ابن عباس عن مجاهد، فلم يذكر مجاهدًا، بل أرسله عن ابن عباس". مات سنة ١٢٣ هـ. صنّف تفسير القرآن. وطريقه عن ابن عباس من أجود الطرق، قال عنه الإمام أحمد ﵀: (إنّ بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل رجلٌ فيها إلى مصر قاصدًا ما كان كثيرًا) . انظر: ميزان الاعتدال للذهبي ٣١٣٤. وتهذيب التهذيب لابن حجر ٧٣٣٩. والاتقان للسيوطي ٢١٨٨. والتفسير والمفسرون للذهبي - المعاصر - ١٧٧. وتفسير الوالبي نقل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مرارًا في كتبه بهذا الاسم. انظر: على سبيل المثال: درء تعارض العقل والنقل ٨٤٧٨، ٤٨٠. وشرح حديث النزول ص ٣١٢. وشرح الأصفهانية - ت السعوي - ص ٣٨٠. ومنهاج السنة النبوية ٢١٨٦، ٥١٣٦، ١٣٩، ٢٩٠. وجامع الرسائل والمسائل ٤-٥٣٤٠. وأخذ عنه في هذا الكتاب - النبوات - عدّة مرات. ولقب الوالبي يشترك فيه ثلاثة أشخاص، كلهم يروي عن ابن عباس ﵄، وكلهم من المفسرين؛ أولهم: سعيد بن جبير الأسدي الوالبي مولاهم، الكوفي. قال عنه ابن حجر: ثقة. قتله الحجاج سنة ٩٥؟. انظر: تقريب التهذيب ١٢٩٢. وحلية الأولياء ٤٢٧٢. وثانيهم: أبو خالد هرمز مولى بني والبة، من بني أسد، من أهل الكوفة. ثقة، مات سنة ١٠٠؟ انظر: طبقات ابن سعد ٦٢٢٨. وتهذيب التهذيب ١٢٨٣-٨٤. والثالث: علي بن أبي طلحة؛ سالم بن مخارق الوالبي؛ كما صرّح باسمه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، مبيِّنًا أنّه هو المقصود، وقال عنه: إنه لم يسمع التفسير عن ابن عباس. انظر: جامع الرسائل والمسائل ٤-٥٥٤٠. وشرح الأصفهانية ١٣٨٠.
[ ١ / ٣٦٠ ]
عن ابن عباس قوله: (الودود)، قال: الحبيب١. والثاني: قول ابن زيد: الرحيم٢. وما ذكره الوالبي [أنّه] ٣ الحبيب، قد يُراد به المعنيان؛ أنّه يُحِبُّ، ويُحَبُّ٤؛ فإنّ الله يُحب من يحبه، وأولياؤه يُحبهم ويُحبُّونه.
_________________
(١) ١ رواه الطبري في تفسيره عن ابن عباس ١٥١٣٨، عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُوْرُ الْوَدُوْدُ﴾ . وانظر: صحيح البخاري ٤١٨٨٥، كتاب التفسير، باب تفسير سورة البروج؛ فإنّه ذكره عن ابن عباس. وانظر: أيضًا فتح القدير للشوكاني ٥٤١٧. ٢ رواه الطبري في تفسيره عن ابن زيد ١٥١٣٩ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُوْرُ الْوَدُوْدُ﴾، وانظر: تفسير القرطبي ١٩١٩٥. وفتح القدير للشوكاني ٥٤١٣. ٣ ما بين المعقوفتين ساقط من «ط»، وهو في «خ»، و«م» . ٤ قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في النونية ٢٨٩ - شرح الهراس -: وهو الودود يُحِبّهم ويُحبُّهُ أحبابه والفضل للمنّان وهو الذي جعل المحبّة في قلوبهم وجازاهم بحب ثان وانظر: توضيح المقاصد - شرح ابن عيسى - ٢٢٣٠. وبدائع التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن القيم ﵀ ٥١٧٢ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُوْرُ الْوَدُوْدُ﴾ . وانظر: كتاب الأسماء والصفات للبيهقي ١١٩٨.
[ ١ / ٣٦١ ]
والبغويّ ذكر الأمرين، فقال: وللودود معنيان؛ [أنّه] ١ يُحِبّ المؤمنين، وقيل: هو بمعنى المودود؛ أي محبوب المؤمنين٢.
وقال٣ أيضًا في قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُوْرُ الْوَدُوْدُ﴾ ٤: أي المحبّ لهم، وقيل: معناه المودود؛ كالحَلُوب، والرَّكوب؛ بمعنى المحلوب والمركوب، وقيل: يغفر، ويودّ أن يغفر، وقيل: المتودّد إلى أوليائه بالمغفرة٥.
قلت: هذا اللفظ معروفٌ في اللغة أنّه بمعنى الفاعل٦؛ كقول النبيّ [ﷺ]: "تزوّجوا الودود الولود"٧. وفعول بمعنى فاعل كثيرٌ؛ كالصبور، والشكور، وأمّا بمعنى مفعول، فقليلٌ. وأيضًا: فإنّ سياق القرآن يدلّ على
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: أن. ٢ تفسير البغوي ٢٣٩٩. ٣ أي البغويّ. ٤ سورة البروج، الآية ١٤. ٥ تفسير البغوي ٥٤٧١. ٦ انظر: اشتقاق أسماء الله ص ١٥٢ لأبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي؛ فإنه قال: "الودود فيه قولان: أحدهما: أنّه فعول بمعنى فاعل؛ كقولك غفور بمعنى غافر، وكما قالوا: رجل صَبور بمعنى صابر، وشَكور بمعنى شاكر؛ فيكون الودود في صفات الله تعالى ﷿ على هذا المذهب أنّه يودّ عباده الصالحين ويُحبّهم. والودّ، والمودّة، والمحبّة في المعنى سواء؛ فالله ﷿ ودودٌ لأوليائه والصالحين من عباده، وهو محبّ لهم. والقول الآخر: أنّه فعول بمعنى مفعول؛ كما يُقال: رجلٌ هَيوب؛ أي مهيب؛ فتقديره: أنّه ﷿ مودودٌ؛ أي يودّه عباده ويحبّونه. وهما وجهان جيّدان". اشتقاق أسماء الله لأبي القاسم الزجاجي ص ١٥٢. وانظر: تفسير الأسماء للزجاج ص ٥٢. ٧ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٣١٥٨، ٢٤٥. ورواه ابن حبان في صحيحه وصححه في كتاب النكاح، باب ما جاء في التزويج واستحبابه، رقم ١٢٢٨. ورواه سعيد بن منصور في سننه ١١٣٩، باب الترغيب في النكاح.
[ ١ / ٣٦٢ ]
أنّه١ أراد أنّه هو الذي يودّ عباده؛ كما أنّه هو الذي يرحمهم ويغفر لهم؛ فإنّ شعيبًا قال: ﴿وَاسْتَغْفِرُوْا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوْبُوْا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّيْ رَحِيْمٌ وَدُوْدٌ﴾ ٢؛ فذكر رحمته وودّه؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ٣. وهو أراد وصفًا يُبيّن لهم أنّه سبحانه يغفر الذنب، ويُقبل على التائب؛ وهو كونه وَدودًا؛ كما قال: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّاْبِيْنَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِيْنَ﴾ ٤. وقد ثبت في الصحاح من غير وجهٍ عن النبيّ [ﷺ] أنّ الله يفرح بتوبة التائب أشدّ من فرح من فقد راحلته بأرضٍ دَوِّيَّةٍ٥ مُهلكة، ثمّ وجدها بعد اليأس٦.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط» زيادة كلمة (صح) بعد: أنّه، وهي ليست في «خ» . ولا وجه لإثباتها. ٢ سورة هود، الآية ٩٠. ٣ سورة الروم، الآية ٢١. ٤ سورة البقرة، الآية ٢٢٢. ٥ الأرض الدويّة: هي الأرض القفر، والفلاة الخالية. قال الخليل: هي المفازة، قالوا: ويُقال: دوية، وداوية: مهلكة: هي موضع خوف الهلاك. ويُقال لها مفازة، قيل: إنّه من قولهم: فوز الرجل إذا هلك. وقيل: على سبيل التفاؤل بفوزه ونجاته منها؛ كما يُقال للّديغ: سليم. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٢١٤٣، ٥٢٧١. وشرح النووي على صحيح مسلم ١٧٦١. ٦ يُشير ﵀ إلى الحديث الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما، ولفظه: "لله أشدّ فرحًا بتوبة عبده المؤمن من رجلٍ في أرضٍ دوّيّة مهلكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت. فطلبها، حتى أدركه العطش، ثمّ قال: أرجع إلى مكاني الذي كنتُ فيه، فأنام حتى أموت. فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته، وعليها زاده وطعامه وشرابه. فالله أشدّ فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده" الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٥٢٣٢٤-٢٣٢٥، كتاب الدعوات، باب التوبة. ومسلم في صحيحه ٤٢١٠٢-٢١٠٣، كتاب التوبة، باب في الحضّ على التوبة والفرح بها. ومسند الإمام أحمد ٣٨٣؛ كلهم أخرجوه بألفاظ متقاربة.
[ ١ / ٣٦٣ ]
فهذا الفرح منه بتوبة التائب يُناسب محبّته له، ومودّته له. وكذلك قوله في الآية الأخرى: ﴿وَهُوَ الْغَفُوْرُ الْوَدُوْدُ﴾ ١، فإنّه مثل قوله: ﴿وَهُوَ الرَّحِيْم الْغَفُوْرُ﴾ ٢.
وأيضًا: فإنّ كونه مودودًا؛ أي محبوبًا، يُذكر على الوجه الكامل الذي يتبيّن اختصاصه به؛ مثل: [اسم] ٣ الإله؛ فإنّ الإله: المعبود هو مودودٌ بذلك، ومثل اسمه الصمد، ومثل ذي الجلال والإكرام، ونحو ذلك٤.
وكونه مودودًا ليس بعجيب، وإنّما العجب: جوده، وإحسانه؛ فإنّه يتودّد إلى عباده، كما جاء في الأثر: "يا عبدي! كم أتودّد إليك بالنّعم، وأنت تتمقّت إليّ بالمعاصي، ولا يزال مَلَكٌ كريم يصعد إليّ منك بعمل سيء"٥. وفي
الصحيحين عن النبيّ [ﷺ] أنّه قال: يقول الله تعالى: "من
_________________
(١) ١ سورة البروج، الآية ١٤. ٢ سورة سبأ، الآية ٢. ٣ في «ط»: الاسم. وما أثبت من «خ»، و«م» . ٤ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وهو سبحانه يحب عباده الذين يحبونه، والمحبوب لغيره أولى أن يكون محبوبًا. فإذا كنّا إذا أحببنا شيئًا لله كان الله هو المحبوب في الحقيقة، وحبّنا لذلك بطريق التبع. وكنّا نحب من يحب الله لأنّه يُحب الله، فالله تعالى يُحبّ الذين يحبونه؛ فهو المستحق أن يكون هو المحبوب المألوه المعبود، وأن يكون غاية كل حب". درء تعارض العقل والنقل ٤١٥. وانظر: أيضًا المصدر نفسه - عن المحبّة - ٩٣٧٤-٣٧٦،، ٦٧٢-٧٣. وجامع الرسائل ٢٢٥٤. ٥ روى أبو نعيم الأصبهاني عن مالك بن دينار أنّه قال: "قرأت في بعض الكتب أنّ الله تعالى يقول: يا ابن آدم خيري ينزل عليك، وشرّك يصعد إليّ، وأتحبّب إليك بالنّعم، وتتبغّض إليّ بالمعاصي، ولا يزال ملك كريم قد عرج منك إليّ بعمل قبيح". حلية الأولياء ٢٣٥٨. وانظر: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ١١٩٤. وإثبات صفة العلو لابن قدامه ص ١١٣وقال محققه: إسناده ضعيف لجهالة الشيخ القرشي. وأورده الذهبي من طريق ابن أبي الدنيا ص ٩٧ وقال: إسناده مظلم. وانظر: اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص ٢٦٨، فقد ذكر أنّ هذا الأثر رواه ابن أبي الدنيا.
[ ١ / ٣٦٤ ]
تقرّب إليّ شبرًا تقرّبتُ إليه ذراعًا، ومن تقرّب إليّ ذراعًا تقرّبتُ إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة"١.
وجاء في تفسير اسمه الحنّان، المنّان: أنّ الحنّان: الذي يُقبل على من أعرض عنه.
معنى الحنان والمنان
والمنّان: الذي يجود بالنوال قبل السؤال٢.
وأيضًا: فمبدأ الحبّ والودّ منه، لكن اسمه الودود يجمع المعنَيَيْن؛ كما قال الوالبيّ عن ابن عبّاس: أنّه الحبيب٣؛ وذلك أنّه إذا كان يودّ عباده، فهو مستحقٌ لأن يودّه العباد بالضرورة. ولهذا من قال إنّه يُحبّ المؤمنين، قال: إنّهم يُحِبّونه؛ فإنّ كثيرًا من النّاس يقول إنّه محبوب، وهو
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٦٢٧٤١، كتاب التوحيد، باب ذكر النبي ﷺ وروايته عن ربه، و٦٢٦٩٤، كتاب التوحيد باب قوله تعالى: ﴿ويُحذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ [سورة آل عمران ٢٨]، باختلاف يسير في بعض الألفاظ. ومسلم في صحيحه ٤٢٠٦٧-٢٠٦٨، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الذكر والدعاء. وأحمد في مسنده ٢٤١٣، ٣٤٠، ١٢٢. ٢ قال الأزهريّ في تهذيب اللغة ١٥٤٧١: "ومن صفات الله تعالى: المنّان؛ ومعناه: المعطي ابتداءً. ولله المنّة على عباده، ولا منّة لأحدٍ منهم عليه". وانظر: أيضًا شأن الدعاء للخطّابيّ ص ١٠٠. وهذا الأثر أورده القرطبي بدون عزو في كتاب: الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى - مخطوط - ق ٧٠أ. وفيه: أنّ أكينة بن عبد الله التميمي سمع علي بن أبي طالب يقول وقد سئل عن الحنّان المنّان، فذكره وانظر: شرح حديث النزول لابن تيمية ص ٤٥٣، تعليق المحقق رقم ١٣، والفتاوى ٥٥٧٣، و١٦٢١٧. ٣ انظر: تفسير الطبريّ ١٥١٣٩.
[ ١ / ٣٦٥ ]
لا يُحِبّ شيئًا مخصوصًا، لكن محبّته بمعنى مشيئته العامّة١. ومن النّاس من قال: أنّه لا يُحَبّ، مع أنّه يُثبت محبّته للمؤمنين.
القسمة في المحبة رباعية
فالقسمة في المحبّة رباعيّة؛ فالسلف وأهل المعرفة أثبتوا النوعين؛ قالوا: إنّه يُحِبّ، ويُحَبّ. والجهميّة والمعتزلة تُنكر الأمرين٢. ومن النّاس من قال: إنّه يُحبّه المؤمنون، وأمّا هو، فلا يُحبّ شيئًا دون شيء. ومنهم من عكس فقال: بل هو يُحبّ المؤمنين، مع أنّ ذاتَه لا يُحَبّ٣؛ كما
_________________
(١) ١ ومن هؤلاء: غلاة الصوفيّة؛ فإنّهم يعتقدون أنّه ليس في مشهدهم لله محبوبٌ، مرضيّ، مرادٌ إلا ما يقع، فما وقع فالله يُحِبّه ويرضاه، وما لم يقع فالله لا يحبه ولا يرضاه. فمشيئة الله العامّة التي تقع كلّها محبوبة له، يُريدها، ويرضى عنها كما زعموا. انظر: رسالة الاحتجاج بالقدر لابن تيمية ص ٨٠-٨١. ومن هؤلاء: الأشاعرة، ومن وافقهم؛ فإنّه لما ثبت عندهم أنّ المشيئة، والإرادة، والمحبّة، والرضى كلّها بمعنى واحد - على حدّ زعمهم، قالوا: فالمعاصي والكفر كلها محبوبة لله؛ لأنّ الله شاءها وخلقها. انظر: رسالة الاحتجاج بالقدر لابن تيمية ص ٦٧. ومدارج السالكين لابن القيم ١٢٢٨، ٢٥١، ٢١٨٩. ولازم هذا القول: أنّ الله - تعالى عن ذلك - يُحِبّ الكفر والمعاصي. انظر: الرسالة الأكملية - ضمن مجموع الفتاوى ٦١١٥-١١٦ -. ٢ انظر: درء تعارض العقل والنقل ٦٦٢-٦٦. وجامع الرسائل ٢٢٤٥. ومجموع الفتاوى ٨٣٥٦. ٣ وقد بيّن شيخ الإسلام ﵀ بطلان هذا القول، وذكر أنّ المحبوبات على قسمين، فقال: "المحبوبات على قسمين: قسمٌ يُحبّ لنفسه، وقسمٌ يُحب لغيره. إذ لا بُدّ من محبوبٍ يُحبّ لنفسه. وليس شيء شُرع أن يُحبّ لذاته إلا الله تعالى. وكذلك التعظيم لذاته، تارة يُعظّم الشيء لنفسه، وتارة يعظّم لغيره. وليس شيء يستحق التعظيم لذاته إلا الله تعالى. وكلّ ما أمر الله أن يُحَبّ ويُعظّم، فإنّما محبّته لله وتعظيمه عبادة لله؛ فالله هو المحبوب المعظَّم في المحبّة والتعظيم، المقصود المستقر الذي إليه المنتهى ". جامع الرسائل - قاعدة في المحبّة - ٢٢٨٧.
[ ١ / ٣٦٦ ]
يقولون أنّه يَرحَم، ولا يُرحَم. فإذا قيل: إنّ الودود بمعنى الوادّ، لزم أن يكون مودودًا، بخلاف العكس. فالصواب القطع بأنّ الودود هو الذي يُوَدّ، وإن كان ذلك مُتَضَمَّنًَا؛ لأنّه يستحقّ أن يُوَدّ، ليس هو بمعنى الودود فقط.
ولفظ الوِداد بالكسر هو مثل الموادّة والتوادّ، وذاك يكون من الطرفين؛ كالتحابّ. وهو سبحانه لمّا جَعَلَ بين الزوجين مودّة ورحمة، كان كلّ منهما يودّ الآخر ويرحمه.
وهو سبحانه كما ثبت في الحديث الصحيح أرحم بعباده من الوالدة بولدها١، وقد بيّن الحديث الصحيح أنّ فرحه بتوبة التائب أعظم من فرح الفاقد ماله ومركوبه في مهلكة، إذ أوجدهما بعد اليأس٢. وهذا الفرح [يقتضي] ٣ أنّه أعظم مودّة لعبده المؤمن من المؤمنين بعضهم لبعض. كيف، وكلّ وُدِّ في الوجود فهو من فعله. فالذي جعل الودّ في القلوب هو أولى بالودّ؛ كما قال ابن عبّاس، ومجاهد، وغيرهما٤ في قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًَّا﴾ ٥؛ قال: يُحِبّهم، ويُحَبِّبهم٦. وقد دلّ الحديث
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٥٢٢٣٥، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته. ومسلم في صحيحه ٤٢١٠٩، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنّها سبقت غضبه. وابن ماجه في السنن ٢١٤٣٦، كتاب الزهد، باب ما يُرجى من رحمة الله يوم القيامة. وأبو داود في سننه ٣٤٦٩، كتاب الجنائز، باب الأمراض المكفرة للذنوب. ٢ سبق تخريجه في ص ٤٢٥. ٣ في «خ»: تقتضي. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ سبق نقل كلامهم قريبًا، ص ٤١٥-٤١٧. ٥ سورة مريم، الآية ٩٦. ٦ تقدّم ص ٤١٧.
[ ١ / ٣٦٧ ]
الذي في الصحيحين١ على أنّ ما يجعل من المحبّة في قلوب النّاس هو بعد أن يكون هو قد أحبّه، وأمر جبريل أن يُنادي بأنّ الله يُحبّه. فنادى جبريل في السماء أنّ الله يُحِبّ فلانًا فأحبّوه٢. وبسط هذا له موضعٌ آخر٣.
وفي مناجاة بعض الداعين: ليس العجب من حبّي لك مع حاجتي إليك، العجب من حبّك لي مع غناك عنّي٤.
وفي أثرٍ آخر: يا عبدي! وحقّي إنّي لك محبّ، فبحقّي عليك كن لي محبًّا٥.
ورُوِيَ: يا داود حبّبني إلي عبادي، وحبّب عبادي إليّ؛ مرهم بطاعتي فأحبّهم، وذكّرهم آلائي فيُحبّوني؛ فإنّهم لا يعرفون منّي إلا الحسن الجميل٦.
وهو سبحانه كما قال؛ كلّ ما خلقه، فإنّه من نعمه على عباده. ولهذا يقول: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَاْ تُكَذِّبَاْن﴾ ٧. والخير بيديه، لا يأتي بالحسنات إلا
_________________
(١) ١ وهو قوله ﵇: " إذا أحبّ الله عبدًا.." الحديث. ٢ سبق تخريج هذا الحديث ص ٤١٤. ٣ انظر: قاعدة في المحبّة - ضمن جامع الرسائل ٢٢٨٧ -. ٤ انظر: حلية الأولياء لأبي نعيم ١٠٣٤؛ عن أبي يزيد البسطامي. ٥ قال أبو حامد الغزالي: "وفي بعض الكتب: عبدي! أنا - وحقّك - لك محبّ، فبحقّي عليك كن لي محبًّا". إحياء علوم الدين ٤٢٧٤. ٦ انظر: إحياء علوم الدين ٤١٣٨. وقال محقّقه: "الحديث لم أجد له أصلًا، وكأنّه من الإسرائيليّات". وانظر: كتاب تصفية القلوب لليماني الذمار ص ٢٩٨-٢٩٩. وقال محقّقه: "رواه ابن حبان من حديث أبي هريرة". ولم أقف عليه في صحيح ابن حبان. ٧ سورة الرحمن، وردت في آيات كثيرة.
[ ١ / ٣٦٨ ]
هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، ولا حول ولا قوّة إلا به، ولا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه.
وودّه سبحانه هو لمن تاب إليه وأناب إليه؛ كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِيْنَ آمَنُوْا وَعَمِلُوْا الصَّاْلِحَاْتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًَّا﴾ ١، وقال: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّاْبِيْنَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِيْنَ﴾ ٢؛ فلا يستوحش أهل الذنوب، وينفرون منه كأنّهم حمرٌ مستنفرة؛ فإنّه ودودٌ رحيمٌ بالمؤمنين، يُحبّ التوابين، ويُحبّ المتطهّرين.
ولهذا قال شعيب: ﴿وَاسْتَغْفِرُوْا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوْبُوْا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّيْ رَحِيْمٌ وَدُوْدٌ﴾ ٣، وقال هنا: ﴿وَهُوَ الْغَفُوْرُ الْوَدُوْدُ﴾ ٤؛ فذكر (الودود) في الموضعين لبيان مودّته للمذنب إذا تاب إليه، بخلاف القاسي الجافي الغليظ الذي لا ودّ فيه.
الشبهة الثانية لمن ينكر المحبة
والحجّة الثانية لهم: قالوا: إنّ الإرادة والمحبّة لا تتعلّق إلا بمعدومٍ يُراد فعله؛ فإنّه لو جاز أن يُراد الموجود، وأن يُراد القديم، لجاز أن يكون العالَم قديمًا مع كونه مُرادًا مقدورًا؛ كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة٥؛ فإنّ القائلين أنّه موجب بذاته والعالَم قديم؛ منهم من يصفه
_________________
(١) ١ سورة مريم، الآية ٩٦. ٢ سورة البقرة، الآية ٢٢٢. ٣ سورة هود، الآية ٩٠. ٤ سورة البروج، الآية ١٤. ٥ انظر: كلام الفلاسفة في هذا الموضوع في: قاعدة في المحبة - ضمن جامع الرسائل ٢٣٩٧-٣٩٨ -. والجواب الصحيح ٦٢٢-٤٥. ومجموع الفتاوى ٧٥٨٦-٥٩٧.
[ ١ / ٣٦٩ ]
بالإرادة؛ كأبي البركات١، وغيره؛ قالوا: ومن المعلوم بالاضطرار للعقلاء إذ قالوا: هذا الأمر حصل بالإرادة أن يكون محدَثًا، كائنًا بعد أن لم يكن، ولهذا لا يجوز أن يُقال إنّ قدرته ومشيئته تعلّقت بوجوده، ولا ببقائه، ولا بكونه حيًّا، ومن قال إنّ صفاته قديمة الأعيان، لا يقول إنّ كلامه وإرادته حصلت بإرادته وقدرته.
فيقال: هذا الذي قالوه، صحيحٌ. لكن هنا نوعان؛
أحدهما: إرادة أن يفعل الشيء ويكون. فهذه لا تكون إلا مع حدوثه.
والثانية: محبّة نفس ذاته، من غير أن يفعل في الذات شيء. فهذه التي تتعلّق بالموجود، والباقي، والقديم. وإرادة الفعل تابعة لهذه؛ فإنّه لولا أن تكون الإرادة متعلّقة بنفس الشيء الموجود، امتنع أن يراد إيجاده؛ فإنّ من أراد [أن] ٢ يبنيَ بيتًا ليسكنه، إنّما مراده نفس البيت لسكناه والانتفاع، وإنّما البناء وسيلة إلى ذلك. لولا إرادة الغاية المقصودة بالذات لم تُرد الوسيلة. وإذا بناه، فهو مريد له بعد البناء، ولهذا يكره خرابه وزواله. وكذلك من أراد أن يلبس ثوبًا، فلبسه، فهو في حال اللبس مريدٌ له. فمن أراد إحداث أمر وفعله، كانت إرادة فعله لغاية مقصودة بعد الفعل، هي العلّة [الغائيّة] ٣.
_________________
(١) ١ هو أبو البركات، هبة الله بن علي بن ملكا البلدي. قال عنه الذهبي: "العلامة الفيلسوف، شيخ الطب، أوحد الزمان". وكان يهوديًا، وأسلم في آخر عمره. ولد نحو سنة ٤٨٠؟، وتوفي سنة ٥٦٠؟. انظر: سير أعلام النبلاء ٢٠٤١٩. والأعلام ٨٧٤. ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٣ ما بين المعقوفتين في «ط»: الغائبة. وما أثبت من «خ»، و«م» . والعلّة الغائيّة هي: ما يوجد الشيء لأجله. انظر: التعريفات للجرجاني ص ٢٠٢. والمبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي ص ١٢٣. ومعيار العلم في فنّ المنطق للغزالي ص ٣١٣. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فالعلة الغائية متقدّمة في التصوّر والإرادة، وهي متأخرة في الوجود؛ فالمؤمن يقصد عبادة الله ابتداءً، وهو يعلم أنّ ذلك لا يحصل إلا بإعانته، فيقول: ﴿إِيَّاْكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاْكَ نَسْتَعِيْنُ﴾ . مجموع الفتاوى ١٠٢٨٤. وانظر: المصدر نفسه ٨١٨٧. ودرء تعارض العقل والنقل ١٣٢٩-٣٣٠.
[ ١ / ٣٧٠ ]
والفعل المطلوب لغاية، لفاعله إرادتان: إرادة الفعل، وإرادة الغاية. وهذه١ هي الأصل، وتلك٢ تبعٌ لهذه.
والإرادة إرادة لا تتعلّق بالمعدوم من جهة كونه معدومًا، بل تتعلّق بوجود الفعل، لكن يمتنع أن يراد فعله إلا إذا كان معدومًا٣.
فالعدم شرطٌ في إرادة فعله، ولهذا جُعل من جملة علل الفعل.
ولهذا كان جماهير العقلاء مطبقين على أنّ كلّ مفعولٍ فهو حادث، وكلّ ما أريد أن يُفعل فإنّه يكون حادثًا، وكلّ ما تعلّقت المشيئة والقدرة بفعله فهو حادث.
ثمّ من النّاس من يقول: هذا مختصّ بكونه مفعولًا بالاختيار، وإلا إذا كان معلولًا لعلّة موجبة، لم يلزم حدوثه.
وهو غلط. بل كلّ ما فُعل، فلا يكون إلا مُحدَثًا؛ سواءٌ كان ذلك ممكنًا، أو ممتنعًا. بل نفس كونه مفعولًا مستلزمٌ حدوثه، ونفس تصوّر
_________________
(١) ١ أي إرادة الغاية. ٢ أي إرادة الفعل. ٣ انظر: قاعدة في المحبة - ضمن جامع الرسائل ٢٣٩٨ -.
[ ١ / ٣٧١ ]
العلم بكونه مفعولًا يوجب العلم بحدوثه، وإن لم يخطر بالبال كونه مفعولًا بالقدرة والاختيار١.
ثمّ قد يُقال: ما من مفعول إلا وهو مفعولٌ بالاختيار. والقديم إذا قُدّر فاعلًا بلا مشيئة، كان ذلك ممتنعًا. والموجب بالذات إذا قيل هو موجب بذاته المتصفة بمشيئته وقدرته لما يشاؤه، و[هذا] ٢ حقّ، وهو مستلزمٌ لكونه فاعلًا بمشيئته وقدرته. وأمّا موجب بلا مشيئة، أو موجب يُقارنه موجب، فهذان باطلان، وبهما ضلّ من ضلّ من االمتفلسفة القائلين بقدم الفلك ونفي الصفات. ولكن: من أراد إحداث شيء وأحدثه، لم يجب أن تنقطع إرادته، بل قد يكون مريدًا له ما دام موجودًا، ولولا أنّه مريد لوجوده لما فعله. فكلّ ما شاء الله وجوده، فهو مريد إحداثه وبقاءه ما دام باقيًا. وأمّا الإرادة والمحبّة المتعلّقة بالقديم: فليست إرادة فعل فيه، بل هي محبّة ذاته. وكلّ إرادة ومحبّة، فلا بُدّ أن تنتهي إلى محبوبٍ لذاته. وكلّ فاعل بالإرادة، فإرادته تستلزم محبّة عامّة لأجلها فعل٣.
فالحبّ أصل وجود كلّ موجود، والربّ تعالى يُحبّ نفسه. ومن لوازم [حبّه] ٤ نفسه: أنّها محبّة مريدة لما يريد أن يفعله، وما أراد فعله، فهو يريده لغاية يُحبّها؛ فالحبّ هو العلّة الغائيّة التي لأجله كان كلّ شيء.
_________________
(١) ١ انظر: مختصر الصواعق لابن الموصلي ٢١١٦. ٢ في «خ»: ولهذا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ انظر: قاعدة في المحبّة - ضمن جامع الرسائل ٢٤٠١ -. ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» .
[ ١ / ٣٧٢ ]
الفلاسفة يصفون الله بالابتهاج والفرح
والمتفلسفة يصفونه بالابتهاج و[الفرح] ١؛ كما جاءت به النصوص النبويّة، لكنّهم يُقصّرون في معرفة هذا وأمثاله من الأمور الإلهيّة؛ فإنّهم يقولون: اللّذّة إدراك الملائم من حيث هو ملائم، وهو مدرك لذاته بأفضل إدراك٢؛ فهو أفضل مدرِك لأفضل مدرَك بأفضل [إدراك] ٣.
تقصير الفلاسفة في ذلك من ثلاثة أوجه
وقد قصّروا في ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنّ اللّذّة والفرح والسرور والبهجة ليس هو مجرّد الإدراك، بل هو حاصل عقب الإدراك؛ فالإدراك موجب له، ولا بُدّ في وجوده من محبّة. فهنا ثلاثة أمور: محبّة، وإدراك لمحبوب، ولذّة تحصل بالإدراك. وهذا في اللّذّات الدنيويّة الحسيّة وغيرها؛ فإنّ الإنسان يشتهي الحلو ويُحبّه، فإذا ذاقه التذّ بذوقه، والذوق هو الإدراك٤. وكذلك في لذّات قلبه يُحِبّ الله؛ فإنّه إذا ذكره، وصلّى له، وجد حلاوة ذلك؛ كما قال ﷺ: "جُعِلَتْ قُرّة عيني في الصلاة"٥.
وأهل الجنّة إذا تجلّى لهم، فنظروا إليه، قال: فما أعطاهم شيئًا أحبّ إليهم من النّظر إليه٦.
_________________
(١) ١ في «خ»: الفرج. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ انظر: المباحث المشرقية في علم الإلهيّات والطبيعيّات للرازي ١٥١٣-٥١٤. ٣ في «خ»: ادرك. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ انظر: المباحث المشرقية للرازي ١٥١٤؛ فقد ذكر نحوًا من كلام شيخ الإسلام هذا. ٥ الحديث رواه أحمد في المسند ٣١٢٨، ١٩٩، ٢٨٥. والنسائي ٧٦١ في عشرة النساء، باب حبّ النساء. والحاكم في المستدرك ٢١٦٠، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبيّ من حديث أنس. ٦ هو جزء من حديث سبق تخريجه ص ٣٩٨.
[ ١ / ٣٧٣ ]
والله أعلم١٢.
_________________
(١) ١ وانظر: أقسام النّاس في مقاصد العبادات - سيّما الفلاسفة - في: الجواب الصحيح ٦٣٧-٤١. وجامع الرسائل ٢٢٥١-٢٥٢. ومجموع الفتاوى ٧٥٣٦. ٢ كتب الناسخ عند نهاية هذا الكلام: آخر المجلد الحادي والعشرين من بعد المائة الملحق بالكواكب الدراري، ولله الحمد والمنّة، لا نحصي ثناءً عليه. وصلواته وسلامه وبركاته على سيدنا محمد وآله وأصحابه. ختم آخره [] بن محمد بن محمود بن بدر الحنبلي عشيّة يوم الخميس حادي وعشرين شهر شوال سنة ثلاثين وثمان مائة من الهجرة النبوية، عفى الله لمؤلفه ولكاتبه ولقارئه ولجميع المسلمين. يتلوه فصل في تمام القول في محبة الله وانقسام المراد إلى ما يراد لذاته إلخ. ملاحظة: في الأصل بين المعقوفتين - التي بعد ختم آخره - بياض، وقد ظهر لي أن اسمه إبراهيم، وذلك من خلال جزء من مخطوطة الكواكب الدراري التي كتبها. وكذلك في البطاقة التي فيها الفهارس والتعريف بكتاب النبوات في مكتبة الجامعة الإسلامية.
[ ١ / ٣٧٤ ]
فصل١
في تمام القول في محبّة الله٢،
وانقسام المراد إلى ما يُراد لذاته، وإلى ما يُراد لغيره٣
تابع: الوجه الأول في الرد على الفلاسفة
ثمّ٤ ذلك الغير لا بُدّ أن يكون مُرادًا لذاته، فالمراد لذاته لازمٌ لجنس الإرادة، والإرادة لازمة لجنس الحركة؛ فإنّ الحركة [الطبيعيّة٥،و] ٦ القسريّة٧ مستلزمةٌ للحركة الإراديّة٨. والحركة الإراديّة مستلزمة لمرادٍ
_________________
(١) ١ كُتب في بداية الورقة: "بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم عونك، لا حول ولا قوة إلا بك". ٢ انظر: كلام المؤلف - ﵀ - على محبّة الله تعالى في: منهاج السنة النبوية ٥٣٨٨-٤١٢. والاستقامة ٢٨٨-١٢٨. ومجموع الفتاوى ١٤٧٨. والجواب الصحيح ٦٣٩. وقاعدة في المحبة - ضمن جامع الرسائل - ٢١٩٣-٤٠١. ٣ انظر: مزيد كلامٍ للمؤلف - ﵀ - عن انقسام المراد إلى ما يُراد لذاته، وإلى ما يُراد لغيره في: درء تعارض العقل والنقل ٦٦٣-٦٦. ٤ في «ط»: تمّ - بالتاء -، وما أثبت من «خ»، و«م» . ٥ الحركة الطبيعيّة: هي التي لا تحصل بسبب أمر خارج، ولا تكون مع شعورٍ وإرادة؛ كحركة الحجر إلى أسفل. التعريفات للجرجاني ص ٨٥. ٦ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» . وهو في حاشية «خ»، فوق السطر، وعليه علامة التصحيح «صح» . ٧ الحركة القسريّة: ما يكون مبدؤها بسبب ميلٍ مستفادٍ من خارج؛ كالحجر المرمى إلى فوق. فهي حركة اضطراريّة. التعريفات للجرجاني ص ٨٥. ٨ الحركة الإراديّة: ما لا يكون مبدؤها بسبب أمرٍ خارجٍ مقارنًا بشعورٍ وإرادة؛ كالحركة الصادرة من الحيوان بإرادته. التعريفات ص ٨٥.
[ ١ / ٣٧٥ ]
لذاته. فكان جنس الحركات الموجودة في العالَم مستلزمة للمراد لذاته؛ وهو المعبود الذي يستحق العبادة لذاته؛ وهو الله لا إله إلا هو١، فلو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا. وكلّ عملٍ لا يُراد به وجهه، فهو باطلٌ. وكلّ عاملٍ لا يكون [عمله] ٢ لله، بل لغيره، وهو المشرك؛ فإنّه كما قال تعالى: ﴿فَكَأَنَّمَاْ خَرَّ مِنَ السَّمَاْءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِيْ بِهِ الرِّيْحُ فِيْ مَكَاْنٍ سَحِيْقٍ﴾ ٣؛ فإنّ قوام الشيء بطبيعته الخاصّة به؛ فالحيّ قوامه بطبيعته المستلزمة لحركته الإراديّة، وقوامها بالمراد لذاته، فإذا لم يكن حركتها لإرادة المعبود لذاته، لم يكن لنفسه قوام، بل بقيت ساقطة، خارَّة؛ كما ذكر الله تعالى. ولهذا يهوي في الهاوية؛ وهو ذنبٌ لا يُغفر؛ لأنّه فسد الأصل؛ كالمريض الذي فسد قلبه، لا ينفع مع ذلك إصلاح أعضائه.
_________________
(١) ١ هذا الدليل الذي ذكره شيخ الإسلام ﵀ دليلٌ عقليّ، يستخدمه كثيرًا ﵀، وقد قال عنه في بعض كتبه: "الحركات الموجودة في العالم ثلاثة: قسرية، وطبيعية، وإرادية. ووجه الحصر: أنّ مبدأ الحركة إما أن يكون من المتحرك، أو من سبب خارج. فإن لم تمكن حركته إلا بسبب خارج عنه؛ كصعود الحجر إلى فوق؛ فهذه الحركة القسرية. وإن كانت بسبب منه؛ فإمّا أن يكون المتحرك له شعور، وإما أن لا يكون. فإن كان له شعور، فهي الحركة الإرادية، وإلا فهي الطبيعية. والحركة الطبيعية في العناصر: إما أن تكون لخروج الجسم عن مركزه الطبيعيّ، وإلا فالتراب إذا كان في مركزه لم يكن في طبعه الحركة. فالمتولدات من العناصر لا تتحرك إلا بقاسر يقسر العناصر على حركة بعضها إلى بعض. وإذا كانت الحركات الطبيعية والقسرية مفتقرة إلى محرك في الخارج، عُلم أنّ أصل الحركات كلها الإرادة، فيلزم من هذا أن يكون مبدأ جميع الحركات من العالم العلويّ والسفليّ هو الإرادة". كتاب الصفدية ١١٧٤-١٧٥. وانظر: مجموع الفتاوى ١٦١٣١، ٨١٧١. وقد استخدم شيخ الإسلام ﵀ هذا الدليل أيضًا لإثبات وجود الملائكة بالعقل. انظر: المصدر المتقدم نفسه. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٣ سورة الحج، الآية ٣١.
[ ١ / ٣٧٦ ]
لفظ الدعاء في القرآن
ولفظ دعاء الله في القرآن١ يُراد به دعاء العبادة، ودعاء [المسألة] ٢؛ فدعاء العبادة يكون الله هو المراد به، فيكون الله هو المراد. ودعاء المسألة يكون المراد منه٣؛ كما في قول المصلّي: ﴿إِيَّاْكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاْكَ نَسْتَعِيْنُ﴾ ٤؛ فالعبادة إرادته، والاستعانة وسيلة إلى العبادة إرادة المقصود، وإرادة الاستعانة إرادة الوسيلة إلى المقصود، ولهذا قدّم قوله: ﴿إِيَّاْكَ نَعْبُدُ﴾، وإن كانت لا تحصل إلا بالاستعانة؛ فإنّ العلّة الغائيّة مقدّمة في التصوّر والقصد، وإن كانت مؤخّرة في [الوجود] ٥ والحصول، وهذا إنّما يكون لكونه هو المحبوب لذاته.
لكن المراد به محبّة مختصة به على سبيل الخضوع له والتعظيم، وعلى سبيل تخصيصها به؛ فيُعبّر عنها بلفظ الإنابة، والعبادة، ونحو ذلك؛ [إذ] ٦ كان لفظ المحبّة (جنس عامّ)، يدخل فيه أنواع كثيرة، فلا يرضى لله
_________________
(١) ١ قال رسول الله ﷺ: "الدعاء هو العبادة"، وقرأ: ﴿وَقَاْلَ رَبُّكُمُ ادْعُوْنِيْ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاْخرِيْنَ﴾ [سورة غافر، الآية ٦٠] . والحديث أخرجه الترمذيّ، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ٢ في «خ»: للمسألة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ أي من الله تعالى. والدعاء ينقسم إلى نوعين: دعاء مسألة: وهو سؤال الله تعالى بأسمائه الحسنى ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره. ودعاء عبادة: وهو التعبّد لله تعالى بمقتضى هذه الأسماء التي فيها ثناء على الله تعالى، والنوعان متلازمان. قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ الآيات وفيها: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعا﴾ وقد اشتملت الآية على النوعين، قيل: أعطيه إذا سألني، قيل: أثيبه إذا عبدني. انظر: مجموع الفتاوى ٥٢١١، ١٥١٠-١١. واقتضاء الصراط المستقيم ٢٧٧٨-٧٧٩. وبدائع الفوائد١١٦٤، ٣٢-٣. وزاد المعاد ١٣٣٥. وتيسير العزيز الحميد ص ٢١٦، ٦٤٠. ٤ سورة الفاتحة، الآية ٥. ٥ في «خ»: الوجد. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ في «ط»: إذا. وما أثبت من «خ»، و«م» .
[ ١ / ٣٧٧ ]
بالقدر المشترك، بل إذا ذُكِر من يُحبّ غير الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِيْنَ آمَنُوْا أَشَدُّ حُبًَّا للهِ﴾ ١، وإذا ذُكِر محبّتهم لربّهم، ذُكِرت محبّته لهم، وجهادهم؛ كما في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيْ اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّوْنَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِيْنَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَاْفِرِيْنَ يُجَاْهِدُوْنَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ وَلا يَخَاْفُوْنَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ ٢، وفي مثل قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُوْلِهِ وَجِهَاْدٍ فِيْ سَبِيْلِهِ﴾ ٣. ولهذا كانت القلوب [تطمئنّ بذكره] ٤؛ كما قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوْبُ﴾ ٥؛ فتقديم المفعول يدلّ على أنّها لا تطمئِنّ إلا بذكره، [و] ٦ هو تعالى إذا ذُكِرَ وَجِلَتْ، فحصل لها اضطراب ووجل لما [تخافه] ٧ من [دونه] ٨، و[تخشاه] ٩ من فوات نصيبها منه. فالوجل إذا ذُكر حاصل بسبب من الإنسان، وإلا فنفس ذكر الله يوجب الطمأنينة؛ لأنّه هو المعبود لذاته، والخير كلّه منه؛ قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَاْدِيْ أَنِّيْ أَنَاْ الْغَفُوْرُ الرَّحِيْمُ وَأَنَّ عَذَاْبِيْ هُوَ الْعَذَاْبُ الألِيْمُ﴾ ١٠، وقال تعالى: ﴿اِعْلَمُوْا أَنَّ اللهَ شَدِيْدُ العِقَاْبِ وَأَنَّ اللهَ غَفُوْرٌ رَحِيْمٌ﴾ ١١. وقال علي ﵁: "لا يرجونّ
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية ١٦٥. ٢ سورة المائدة، الآية ٥٤. ٣ سورة التوبة، الآية ٢٥. ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٥ سورة الرعد، الآية ٢٨. ٦ ما بين المعقوفتين ليس في «ط»، وهو في «خ»، و«م» . ٧ في «خ»: يخافه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٨ في «خ»: دونها. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٩ في «خ»: يخشاه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ١٠ سورة الحجر، الآيتان ٤٩-٥٠. ١١ سورة المائدة، الآية ٩٨.
[ ١ / ٣٧٨ ]
عبدٌ إلا ربّه، ولا يخافنّ عبدٌ [إلا] ١ ذنبه» ٢؛ فالخوف الذي يحصل عند ذكره، هو بسبب [من] ٣ العبد، وإلا فذكر الربّ نفسه يحصل الطمأنينة والأمن؛ فما أصابك من حسنةٍ فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك؛ كما قال ذلك المريض الذي سُئل: كيف تجدك؟ فقال: أرجو الله، وأخاف ذنوبي. فقال [النبيّ ﷺ] ٤: "ما اجتمعا في قلب عبدٍ في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمّنه ممّا يخاف" ٥.
ولم يقل بذكر الله توجل القلوب، كما قال: ﴿أَلا بِذِكُرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوْبُ﴾ ٦، بل قال: ﴿إِذَاْ ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوْبُهُم﴾ ٧، ثمّ قال: ﴿وَإِذَاْ تُلِيَتْ عَلَيْهمْ آيَاْتُهُ زَأْدَتْهُمْ إِيْمَاْنًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكلُوْنَ﴾ ٨. وإنّما يتوكّلون عليه لطمأنينتهم إلى كفايته، وأنّه سبحانه حَسْبُ من توكّل عليه؛ يهديه، وينصره،
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «ط»، وهو في «خ»، و«م» . ٢ سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن قول عليّ هذا: ما معناه؟ فأجاب ﵀: "هذا الكلام يؤثر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وهو من أحسن الكلام، وأبلغه، وأتمّه؛ فإنّ الرجاء يكون للخير، والخوف يكون من الشرّ، والعبد إنّما يُصيبه الشرّ بذنوبه" إلى آخر كلامه القيّم رحمه الله تعالى. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٨١٦١-١٨١. ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «ط»، وهو في «خ»، و«م» . ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٥ جزء من حديث رواه الترمذي في جامعه ٣٣٠٢، كتاب الجنائز، رقم ٩٨٣، وقال: حديث غريب. وابن ماجه - من حديث أنس - في سننه ٢١٤٢٣، كتاب الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له. وقال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب ٤١٦٣: إسناده حسن. وقال عنه الشيخ الألباني: "رجاله ثقات، وفي سيار بن حاتم كلامٌ لا يضرّ. فالسند حسن". مشكاة المصابيح ١٥٠٦. ٦ سورة الرعد، الآية ٢٨. ٧ سورة الأنفال، الآية ٢. ٨ سورة الأنفال، الآية ٢.
[ ١ / ٣٧٩ ]
ويرزقه بفضله، ورحمته، وجوده. فالتوكّل [عليه] ١ يتضمّن الطمأنينة إليه، والاكتفاء به عمّا سواه.
وكذلك قال في الآية الأخرى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاْحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوْا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِيْنَ الَّذِيْنَ إِذَاْ ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوْبُهُمْ وَالصَّاْبِرِيْنَ عَلَى مَاْ أَصَاْبَهُمْ وَالْمُقِيْمِيْ الصَّلاةِ وَمِمَّاْ رَزَقْنَاْهُمْ يُنْفِقُوْنَ﴾ ٢، فهم مُخبتون. والمُخبت: المطمئنّ الخاضع لله. والأرض [الخبت] ٣: [المطمئنّة] ٤.
روى ابن أبي حاتم من حديث ابن مهدي، عن الثوري، عن ابن أبي نجيح: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِيْنَ﴾، قال: المطمئنّين٥. وعن الضحّاك: المتواضعين٦؛ فوصفهم بالطمأنينة مع الوجل، كما وصفهم هناك بالتوكّل عليه مع الوجل، وكما قال في وصف القرآن: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُوْدُ الَّذِيْنَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُوْدُهُمْ وَقُلُوْبُهُمْ إِلَىْ ذِكْرِ اللهِ﴾ ٧. فذكر أنّه بعد الاقشعرار تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله؛ فذكره بالذات يوجب الطمأنينة، وإنّما الاقشعرار والوجل عارضٌ بسبب ما في نفس الإنسان من التقصير في حقّه، والتعدّي لحدّه؛ فهو كالزبد مع ما ينفع النّاس: الزبد يذهب جفاء، وما ينفع النّاس يمكث في الأرض.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٢ سورة الحج، الآيتان ٣٤-٣٥. ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «ط»، وهو في «خ»، و«م» . ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، و«م»، وهو في «ط» . ٥ تفسير مجاهد ص ٤٢٥، وفيه عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِيْنَ﴾، قال: المطمئنّين. وكذلك تفسير الطبري ٩١٥١. ٦ رواه الطبري في تفسيره عن قتادة. انظر: تفسيره ٩١٥١. ٧ سورة الزمر، الآية ٢٣.
[ ١ / ٣٨٠ ]
فالخوف مطلوبٌ لغيره، ليدعو النّفس إلى فعل الواجب، وترك المحرّم. وأمّا الطمأنينة بذكره، وفرح القلب به، ومحبّته، فمطلوب لذاته. ولهذا يبقى معهم هذا في الجنّة، فيُلهَمون التسبيح، كما يُلهَمون النَّفَس١.
اللذات عند الفلاسفة ثلاث
والمتفلسفة٢ رأوا اللّذّات في الدنيا ثلاثة٣: حسيّة، ووهميّة،
_________________
(١) ١ أخرج مسلم في صحيحه، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: "إنّ أهل الجنّة يأكلون فيها، ويشربون، ولا يتفلون، ولا يبولون، ولا يتغوّطون، ولا يمتخطون". قالوا: فما بال الطعام؟ قال: "جشاء، ورشح كرشح المسك، يُلهمون التسبيح والتحميد، كما يُلهمون النَّفس". صحيح مسلم ٤٢١٨٠-٢١٨١، كتاب الجنّة وصفة نعيمها وأهلها، باب في صفات أهل الجنّة وتسبيحهم فيها بكرة وعشيًّا. ومسند الإمام أحمد ٣٣٤٩. وانظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب ٢٢١١. ٢ الفلاسفة هم طائفة من اليونانيّين يشتغلون بالفلسفة، ولهم أقوال مختلفة. وكلمة فلسفة كلمة يونانيّة مركّبة من فيلو، ومعناها: محبّ، وسوفيا، ومعناها: الحكمة. فالفيلسوف هو محبّ الحكمة. ومذهبهم: أنّ العالّم قديم، وعلّته مؤثّرة بالإيجاب، وليست فاعلة بالاختيار. وأكثرهم ينكرون علم الله تعالى، وينكرون حشر الأجساد. وتأثّر بهم كثيرٌ ممّن أراد أن يجمع بين الشريعة والفلسفة؛ مثل ملاحدة الصوفيّة، والشيعة. انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل ١٤١. والملل والنحل ٢١٥٥. والمعجم الفلسفي ص ١٣٨-١٤٠. والجواب الصحيح ٦٢٢-٤٥. وكتاب الصفدية ١٢٦٧،، ٢٣٢٣. والرد على المنطقيّين ص ٣٣٢. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن الفلسفة: "والفلسفة هي باطن الباطنيّة، ولهذا صار في هؤلاء نوع من الإلحاد، فقلّ أن يسلم من دخل مع هؤلاء في نوع من الإلحاد في أسماء الله وآياته، وتحريف الكلم عن مواضعه". درء تعارض العقل والنقل ٣٢٦٩. ٣ ولقد شاركهم الرازي، وقسّمها مثل تقسيمهم في آخر كتبه؛ وهو كتاب أقسام اللّذّات، وبيّن أنّها ثلاثة: الحسيّة؛ كالأكل، والشراب، والنكاح، واللباس. واللذة الخياليّة الوهميّة؛ كلذة الرياسة، والأمر، والنهي، والترفع، ونحوها. واللذة العقليّة؛ كلذة العلوم، والمعارف. وهي الحقّ، وأنّ شرف العلم بشرف المعلوم. انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٣٠٤-٣٠٥. وجامع الرسائل ٢٢٥٠-٢٥١. وانظر: ما سيأتي لاحقًا ص ٤٧٨.
[ ١ / ٣٨١ ]
وعقليّة. والحسيّة في الدنيا غايتها دفع الألم. والوهميّة خيالات [وأضغاث] ١، واللذّة الحقيقيّة هي العلم. فجعلوا جنس العلم غاية، وغلطوا من وجوه: أحدها: أنّ العلم بحسب المعلوم، فإذا كان المعلوم محبوبًا تكمل النفس بحبّه، كان العلم به كذلك. وإن كان مكروهًا، كان العلم به لحذره، ودفع ضرره؛ كالعلم بما يضرّ الإنسان من شياطين الإنس والجنّ. فلم يكن المقصود نفس العلم، بل المعلوم. ولهذا قد يقولون: سعادتها في العلم بالأمور الباقية٢، وأنّها تبقى ببقاء معلومها. ثمّ يظنّون أنّ الفَلَك والعقول والنفوس أمور باقية، وأنّ بمعرفة هذه تحصل سعادة النفس. وأبو حامد في مثل «معراج السالكين»، ونحوه، يُشير إلى هذا٣؛ فإنّ كلامه برزخٌ بين المسلمين وبين الفلاسفة؛ ففيه فلسفة مشوبة بإسلام، وإسلامٌ مشوبٌ بفلسفة٤،
الغزالي بين المسلمين والفلاسفة
ولهذا
_________________
(١) ١ في «خ» رسمت: (واصحار) كذا مهملة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ انظر: كتاب العلم، ضمن إحياء علوم الدين للغزالي. ٣ انظر: معراج السالكين - ضمن مجموعة القصور العوالي ٣١١٣-١١٤ -. وقال الغزالي في المضنون به على غير أهله - ضمن القصور العوالي ٢١٦٢: "وأمّا الكلام في أنّ بعض هذه اللّذّات ممّا لا يُرغَب فيها؛ مثل اللبن، والاستبرق، والطلح المنضود، والسدر المخضود، فهذا ممّا خوطب به جماعة يعظم ذلك في أعينهم، ويشتهونه غاية الشهوة". ٤ وقال شيخ الإسلام ﵀ عنه أيضًا: "ولهذا جعلوا كثيرًا من كلامه برزخًا بين المسلمين والفلاسفة المشائين؛ فالمسلم يتفلسف به على طريقة المشائين تفلسف مسلم، والفيلسوف يسلم به إسلام فيلسوف، فلا يكون مسلمًا محضًا، ولا فيلسوفًا محضًا على طريقة المشائين". منهاج السنة النبوية ١٣٥٧. وانظر: بغية المرتاد ص ١٩٣، ١٩٨، ١٩٩. وشرح الأصفهانية ٢٥٠٧.
[ ١ / ٣٨٢ ]
كان في كتبه؛ كالإحياء، وغيره يجعل المعلوم بالأعمال، والأعمال كلها إنّما غايتها هو العلم فقط١، وهذا حقيقة قول هؤلاء الفلاسفة٢، وكان يُعظِّم الزهد٣ جدًا، ويعتني به أعظم من اعتنائه بالتوحيد الذي جاءت به الرسل؛ وهو عبادة الله وحدَه لا شريك له، وترك عبادة ما سواه؛ فإنّ هذا التوحيد يتضمّن محبّة الله وحده، وترك محبّة المخلوق مطلقًا، إلا إذا أحبّه [لله] ٤، فيكون داخلًا في محبّة الله، بخلاف من يُحبّه مع الله؛ فإنّ هذا شرك.
وهؤلاء المتفلسفة إنّما يُعظّمون تجريد النفس عن الهيولي٥، وهي
_________________
(١) ١ انظر: إحياء علوم الدين ١٥٣. ٢ وقال عنهم شيخ الإسلام ﵀ أيضًا: "ثمّ إنّهم مع إقرارهم بأنّ جعل هذه المعاني الصابئية الفلسفية هي مسميات هذه الأسماء النبوية، أو التي يٌقال إنّها نبويّة، هو من كلام هؤلاء المتفلسفة، يقطعون بذلك في مواضع أُخر. بل فيما يجعلونه من أشرف العلوم والمعارف، حتى إنّهم يجعلونه من العلوم التي يُضنّ بها على غير أهلها، ومن العلم المكنون الذي يُنكره أهل الغرة بالله، ولا يعرفه إلا أهل العلم بالله. وهذا موجود في مواضع كثيرة؛ كما في كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة". بغية المرتاد ص ١٩٥-١٩٦. ٣ انظر: كتاب الزهد، ضمن إحياء علوم الدين ٤٢٠٣-٢٢٥. ٤ في «م»، و«ط»: الله. وما أثبت من «خ» . ٥ قال صاحب التعريفات: "الهيولي: لفظ يوناني، بمعنى الأصل والمادّة. وفي الاصطلاح: هي جواهر في الجسم قابلة لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال، والانفصال، محلّ للصورتين: الجسميّة، والنوعيّة". التعريفات ص ٣٢١. وقال عنه شيخ الإسلام ﵀: "الهيولي في لغتهم بمعنى المحلّ؛ يُقال الفضة هيولي الخاتم والدرهم، والخشب هيولي الكرسيّ؛ أي هذا المحلّ الذي تُصنع فيه هذه الصورة، وهذه الصورة الصناعية عرض من الأعراض. ويدّعون أنّ للجسم هيولي، محلّ الصورة الجسميّة، غير نفس الجسم القائم بنفسه". مجموع الفتاوى ١٧٣٢٨.
[ ١ / ٣٨٣ ]
المادّة، وهي البدن، وهو الزهد في أغراض البدن، و[هو] ١ الزهد في الدنيا. وهذا ليس فيه إلا تجريد النفس عن الاشتغال بهذا؛ فتبقى النفس فارغة؛ فيُلقي إليها الشيطان ما يُلقيه، ويوهمه أنّ ذلك من علوم المكاشفات والحقائق٢، وغايته وجود مطلق، هو في الأذهان، لا في الأعيان٣.
الغزالي جعل السلوك إلى الله ثلاثة منازل
ولهذا جعل أبو حامد السلوك إلى الله ثلاثة منازل، بمنزلة السلوك٤
_________________
(١) ١ في «خ»: هي. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ يقول الغزالي عن هذه المكاشفات والحقائق التي تحصل له: "وهذه هي العلوم التي لا تسطّر في الكتب، ولا يتحدّث بها من أنعم الله عليه بشيء منها إلا مع أهله، وهو المشارك فيه، على سبيل المذاكرة، وبطريق الإسرار، وهذا هو العلم الخفي". إحياء علوم الدين ١٢٠-٢١. وانظر: المنقذ من الضلال ص ٥١. ويقول أيضًا في «كيمياء السعادة» - ضمن الجواهر الغوالي ص ١٥-١٦: "إنّ صاحب الرياضة قد يسمع كلام الله، كما سمعه موسى بن عمران ﵇". وانظر: العواصم من القواصم ص ٢٢-٢٣. والرد على المنطقيّين ص٥٠٩-٥١٠. والصفدية ١٢٣٠. ودرء تعارض العقل والنقل ١٠٢٨١-٢٨٢. وسير أعلام النبلاء ١٩٣٣٣-٣٣٤. وجامع الرسائل ١١٦٣-١٦٤. ٣ وأوضح شيخ الإسلام ﵀ مرادهم من الوجود المطلق: "أنّ الحق هو الوجود المطلق، والفرق بينه وبين الخلق من جهة التعيين، فإذا عُيِّن كان خلقًا، وإذا أُطلق الوجود كان هو الحقّ". بغية المرتاد ص ٤١٠. وقال أيضًا - ﵀: "ومنتهاهم أن يُثبتوا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له إلا في الذهن، لا في الخارج. وهذا منتهى هؤلاء المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من المتصوّفة أهل الوحدة والحلول والاتحاد، ومن ضاهاهم من أصناف أهل الإلحاد". درء تعارض العقل والنقل١٠٢٨٢. وانظر: المصدر نفسه ١٢٩٠، ٣١٨، ٦٢٤٢. والرد على المنطقيّين ص ٣٠٩، ٥٢٢. وشرح حديث النزول ص ٩٧. ٤ في «خ»: تكرار: (ثلاثة منازل بمنزلة السلوك) . إلا أنّ الذي قابل النسخة تنبّه لهذا التكرار، فوضع (من) في أوله، و(إلى) في آخره؛ علامة على الحذف. والله أعلم.
[ ١ / ٣٨٤ ]
إلى مكة؛ فإنّ السالك إليها له ثلاثة أصناف من الشغل:
الأول: تهيئة الأسباب؛ كشراء الزاد، والراحلة، وخرز الراوية١.
والآخر: السلوك، ومفارقة الوطن، بالتوجّه إلى الكعبة، منزلًا بعد منزل.
والثالث: الاشتغال بأركان الحجّ، ركنًا بعد ركن، ثمّ بعد النزوع٢ عن لبسة الإحرام، وطواف الوداع، استحقّ التعرّض للملك، والسلطنة. قال: فالعلوم ثلاثة٣: قسمٌ يجري مجرى سلوك البوادي، وقطع العقبات؛ وهو تطهير الباطن عن كدورات الصفات، وطلوع تلك [العقبة] ٤ الشامخة التي عجز عنها الأوّلون والآخرون، إلا الموفّقون.
قال٥: فهذا سلوك للطريق، وتحصيل علمه٦؛ كتحصيل علم جهات الطريق، ومنازله. وكما لا يغني علم المنازل وطريق البوادي دون سلوكها، فكذا لا يغني علم تهذيب الأخلاق دون مباشرة التهذيب. لكن المباشرة دون العلم، غير ممكن.
قال: وقسم ثالث يجري مجرى نفس الحج وأركانه؛ وهو العلم بالله، وصفاته، وملائكته، وأفعاله، وجميع ما ذكرناه في تراجم علم المكاشفة.
_________________
(١) ١ خرز الرواية خياطة الأدم. لسان العرب ٥٣٤٤، والمصباح المنير ص ١٦٦ والمقصود خياطة القربة للماء. ٢ في إحياء علوم الدين: ثمّ بعد الفراغ والنزوع. ٣ ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالىهنا القسمين الثاني والثالث من العلوم التي ذكرها الغزالي في الإحياء، وترك الأول منها؛ وهو: "قسم يجري مجرى إعداد الزاد والراحلة، وشراء الناقة؛ وهو علم الطب، والفقه، وما يتعلّق بمصالح البدن في الدنيا". إحياء علوم الدين ١٥٤. ٤ في «خ»: العاقبة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ أي أبو حامد الغزالي. ٦ أي علم الطريق.
[ ١ / ٣٨٥ ]
قال: وها هنا نجاة وفوز بالسعادة. والنجاة حاصلة لكلّ سالك للطريق، إذا كان غرضه المقصد؛ وهو السلامة. وأمّا الفوز بالسعادة: فلا ينالها إلا العارِفون؛ فهم المقرّبون المنعّمون في جوار الله بالروح، والريحان، وجنّة نعيم١.
وأما الممنوعون دون ذروة الكمال، فلهم النجاة والسلامة؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّاْ إِنْ كَاْنَ مِنَ الْمُقَرَّبِيْن فَرَوْحٌ وَرَيْحَاْنٌ وَجَنَّةُ نَعِيْمٍ وَأَمَّاْ إِنْ كَاْنَ مِنْ أَصْحَاْبِ الْيَمِيْنِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَاْبِ الْيَمِيْن﴾ ٢.
وقال: وكل من لم يتوجّه إلى المقصد، أو انتهض إلى جهته لا على قصد الامتثال بالأمر والعبوديّة، بل لغرض عاجل، فهو من أصحاب الشمال، ومن الضالّين؛ فله نزلٌ من حميم وتصلية جحيم.
قال: واعلم أنّ هذا هو الحق اليقين عند العلماء الراسخين في العلم؛ أعني أنّهم أدركوه بمشاهدة من الباطن. ومشاهدة الباطن أقوى وأجلّ من مشاهدة الأبصار٣، وترقّوا فيه عن حدّ التقليد إلى الاستبصار٤.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: وجنّةٍ، ونعيم - بزيادة الواو. ٢ سورة الواقعة، الآيات ٨٨-٩١. ٣ والغزالي يمتدح الصوفية بأنها أفضل الطرق الموصلة للمكاشفات، فيقول: "ومن أول الطريقة تبتدي المكاشفات والمشاهدات، حتى إنّهم في يقظتهم يُشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتًا، ويقتبسون منهم فوائد. ثمّ يترقّى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق، فلا يحاول معبّر أن يُعبّر عنها، إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز منه". المنقذ من الضلال ص ٥٠. ٤ إحياء علوم الدين للغزالي ١٥٤-٥٥، مع اختلاف يسير جدًا في بعض الكلمات.
[ ١ / ٣٨٦ ]
تعليق شيخ الإسلام على كلام الغزالي
قلت: وكلامه من هذا الجنس كثير، ومن لم يعرف حقيقة مقصده [يهوله] ١ مثل هذا الكلام؛ لأنّ صاحبه يتكلّم بخبرة ومعرفة بما يقوله، لا بمجرد تقليدٍ لغيره. لكنّ الشأن فيما خبره، هل هو حقّ مطابق. ومن سلك مسلك المتكلمين؛ الجهميّة، والفلاسفة، ولم يكن عنده خبرة بحقائق ما بعث به رسله، وأنزل به كتبه، بل ولا بحقائق الأمور عقلًا وكشفًا، فإنّ هذا الكلام غايته.
[و] ٢ أمّا من عرف حقيقة ما جاءت به الرسل، أو عرف مع ذلك بالبراهين العقليّة والمكاشفات الشهوديّة صدقَهم فيما أخبروا؛ فإنّه يعلم غاية مثل هذا [الكلام] ٣، وأنّه إنّما ينتهي إلى التعطيل٤.
ولهذا ذاكرني مرة شيخ جليل له معرفة، وسلوك، وعلم في هذا، فقال: كلام أبي حامد يشوقك، فتسير خلفه، منزلًا بعد منزل، فإذا هو ينتهي إلى لا شيء٥.
_________________
(١) ١ في «ط»: فهو له. وما أثبت من «خ»، و«م» . ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» . ٣ في «ط»: كالكلام. ٤ قال شيخ الإسلام ﵀ عن الغزالي، وما تؤول إليه حاله: (وما يُشير إليه أحيانًا في الإحياء وغيره، فإنّه كثيرًا ما يقع في كلامه ما هو مأخوذ من كلام الفلاسفة، ويخلطه بكلام الصوفيّة، أو عباراتهم، فيقع فيه كثيرٌ من المتصوّفة الذين لا يُميّزون بين حقيقة دين الإسلام، وبين ما يخالفه من الفلسفة الفاسدة وغيرها، لا سيّما إذا بُني على ذلك، واتُّبِعت لوازمه، فإنّه يُفضي إلى قول ابن سبعين وابن عربي صاحب الفصوص وأمثالهما، ممّن يقول بمثل هذا الكلام، وحقيقة مذهبهم يؤول إلى التعطيل المحض، وأنّه ليس للعالَم ربّ مباين له، بل الخالق هو المخلوق، والمخلوق هو الخالق) . جامع الرسائل ١١٦٤. ٥ لم أعرف هذا الرجل الذي شافه شيخ الإسلام بشأن حال الغزالي. وللإمام الطرطوشي عبارة في حال الغزالي، مثل ما ذكر هذا الرجل. انظر: سير أعلام النبلاء ١٩٣٣٩، ٤٩٤.
[ ١ / ٣٨٧ ]
وهذا الذي جعله هنا الغايةَ، وهو: معرفة الله، وصفاته، وأفعاله، وملائكته، قد ذكره في «المضنون به على غير أهله» ١، وهو فلسفة محضة. قولُ المشركين من العرب خيرٌ منه، دع قول اليهود والنصارى. بل قوم نوح، وهود، وصالح، ونحوهم كانوا يُقرّون بالله، وبملائكته، وصفاته، وأفعاله، خيرًا من هؤلاء. [لكن] ٢ لم يُقرّوا بعبادته وحده لا شريك له، ولا بأنّه أرسل رسولًا من البشر.
حقيقة قول الفلاسفة في أصول الدين
[وهذا حقيقة قول] ٣ هؤلاء؛ فإنّهم لا يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له، ولا يُثبتون حقيقة الرسالة، بل النّبوّة عندهم فيضٌ من جنس المنامات٤.
وأولئك الكفّار ما كانوا يُنازعون في هذا الجنس؛ فإنّ هذا الجنس موجود لجميع بني آدم، ومع هذا فقد أخبر الله تعالى عنهم أنّهم كانوا يُقرّون بالملائكة؛ كما قال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوْا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاْعِقَةً مِثْلَ صَاْعِقَةِ عَاْدٍ وَثَمُوْدَ
_________________
(١) ١ المضنون به على غير أهله - ضمن القصور العوالي - ٢١٢٦-١٥٣. ٢ في «خ»: ثمّ من. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ ما بين المعقوفتين ساقطٌ من «ط»، وهو في «خ»، و«م» . ٤ انظر: المضنون به على غير أهله - ضمن القصور العوالي - ٢١٤٣، ١٤٩-١٥٠. وانظر: معارج القدس في مدارج معرفة النفس ص ١٥١؛ حيث سلك فيه طريقة الفلاسفة في النبوة، وأنّها ثلاث: قوة التخييل، وقوة العقل، وقوة النفس. ولاحظ كتاب الصفدية لشيخ الإسلام ١٢٣٠، وفيه ينقل عن الغزالي: (أنّه قد يسمع نفس الخطاب الذي سمعه موسى) . وانظر: سير أعلام النبلاء ١٩٣٣٣-٣٣٤.
[ ١ / ٣٨٨ ]
إِذْ جَاْءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيْهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوْا إِلاَّ اللهَ قَاْلُوا لَوْ شَاْءَ رَبُّنَاْ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ ١. وقال [قوم] ٢ نوح: ﴿مَاْ هَذَاْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيْدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاْءَ اللهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَاْ سَمِعْنَاْ بِهَذَاْ فِيْ آبَاْئِنَاْ الأَوَّلِيْنَ﴾ ٣. بل فرعون قال لموسى: ﴿أَمْ أَنَاْ خَيْرٌ مِنْ هَذَاْ [الَّذِيْ] ٤ هُوَ مَهِيْنٌ وَلا يَكَاْدُ يُبِيْنُ فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاْءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِيْنَ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاْعُوْهُ إِنَّهُمْ كَاْنُوْا قَوْمًَا فَاْسِقِيْنَ﴾ ٥.
والعبادات كلّها عندهم مقصودها تهذيب الأخلاق. والشريعة سياسة مدنيّة. والعلم الذي يدّعون الوصول إليه لا حقيقة لمعلومه في الخارج٦.
والله أرسل رسوله بالإسلام والإيمان بعبادة الله وحده، وتصديق الرّسول فيما أخبر؛ فالأعمال عبادة الله، والعلوم تصديق الرّسول. وكان النّبيّ ﷺ يقرأ في ركعتي الفجر تارةً بسورتي الإخلاص٧، وتارةً: ﴿قُوْلُوْا
_________________
(١) ١ سورة فصلت، الآية ١٣-١٤. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٣ سورة المؤمنون، الآية ٢٤. ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ» . ٥ سورة الزخرف، الآيات ٥٢-٥٥. ٦ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إنّ الموجودات العقلية التي يُثبتها هؤلاء من واجب الوجود؛ كالعقول العشرة التي هي عند التحقيق لا توجد إلا في الأذهان، لا في الأعيان. والواحد المجرّد الذي يقولون إنه صدر عنه العالم، لا يوجد إلا في الأذهان، لا في الأعيان. والوجود المطلق الذي يقولون إنه الوجود الواجب إنّما يُوجد في الأذهان لا في الأعيان". كتاب الصفدية ١٢٤٣. وانظر: مناظرات شيخ الإسلام لعلمائهم، وفضحه لأصولهم ومعتقداتهم، وبيانه - ﵀ - أنّ آخر أمرهم ينتهي إلى الوجود المطلق، وهو في الأذهان لا في الأعيان: في كتاب الصفدية ١٢٩٦، ٣٠٢، ٣٠٣. ٧ من حديث أبي هريرة ﵁: "أنّ النبيّ ﷺ قرأ في ركعتي الفجر: ﴿قُلْ يَاْ أَيُّهَاْ الْكَاْفِرُوْنَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ . أخرجه البخاري في كتاب التهجّد ٢٧٢، باب ما يُقرأ في ركعتي الفجر. ومسلم ١٥٠٢، كتاب صلاة المسافرين، باب في استحباب ركعتي سنة الفجر. وأخرج الترمذي في جامعه ٣٦٠٧، كتاب الحج، باب ما يُقرأ في ركعتي الطواف، من حديث جابر بن عبد الله الأنصاريّ أنّ رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الطواف بسورتي الإخلاص: ﴿قُلْ يَاْ أَيُّهَاْ الْكَاْفِرُوْنَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وانظر: التدمرية ص ٥. وكتاب الصفدية ٢٣١٢. وسمّيتا سورتي الإخلاص؛ لأنّ سورة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وصف الله سبحانه بالوحدانيّة، والصمديّة، ونفي الكُفُؤ عنه، والمِثل؛ فاسمه الأحد دلّ على أنّه مستحق لجميع صفات الكمال وحده. وسورة ﴿قُلْ يَاْ أَيُّهَاْ الْكَاْفِرُوْنَ﴾، فيها إيجاب عبادة الله وحده لا شريك له، والتبري من عبادة كلّ ما سواه. وأمّا من حيث الدلالة: ف ﴿قُلْ يَاْ أَيُّهَاْ الْكَاْفِرُوْنَ﴾: متضمّنة للتوحيد العمليّ الإراديّ؛ وهو إخلاص الدين لله بالقصد والإرادة. وأمّا سورة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾: فمتضمّنة للتوحيد القولي العلميّ؛ كما ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنّ رجلًا كان يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ في صلاته، فقال النبي ﷺ: سلوه لم يفعل ذلك؟ فقال: لأنّها صفة الرحمن، فأنا أُحبّ أن أقرأ بها. فقال: "أخبروه أنّ الله يُحبّه". انظر: التحفة المهدية ص ٢٨.
[ ١ / ٣٨٩ ]
آمَنَّاْ بِاللهِ وَمَاْ أُنْزِلَ إِلَيْنَاْ﴾ ١ الآية؛ فإنّها تتضمّن الإيمان، والإسلام. وبالآية من آل عمران: ﴿قُلْ يَاْ أَهْلَ الْكِتَاْبِ تَعَاْلَوْا إِلَىْ كَلِمَةٍ سَوَاْءٍ بَيْنَنَاْ وَبَيْنَكُمْ﴾ ٢٣.
فلاسفة الصوفية الذين تأثروا بكلام الغزالي
[والذين] ٤ سلكوا خلف أبي حامد، أو ضاهوه في السلوك؛ كابن سبعين، وابن عربي، صرّحوا بحقيقة ما وصلوا إليه، وهو أنّ الوجود
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية ١٣٦. ٢ سورة آل عمران، الآية ٦٤. ٣ قراءة الرسول ﷺ هذه أخرجها مسلم في صحيحه ١٥٠٤، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي سنة الفجر. ٤ في «ط»: والذي. وما أثبت من «خ»، و«م» .
[ ١ / ٣٩٠ ]
واحد١، وعلموا أنّ أبا حامد لا يُوافقهم على هذا، فاستضعفوه، و[نسبوه] ٢ إلى أنّه مقيّد بالشرع والعقل٣.
وأبو حامد بين علماء المسلمين، وبين علماء الفلاسفة. علماء المسلمين يذمّونه على ما شارك فيه الفلاسفة ممّا يُخالف دين الإسلام. والفلاسفة يعيبونه على ما بقي معه من الإسلام، وعلى كونه لم ينسلخ [منه] ٤ بالكليّة إلى قول الفلاسفة.
ذم ابن رشد للغزالي
ولهذا كان الحفيد ابن رشد٥ يُنشد فيه:
يومًا يمان إذا ما جئتَ ذا يمنٍ وإن لقيتَ معديًّا فعدناني٦
_________________
(١) ١ وشيخ الإسلام ﵀ يرى أنّ ابن عربيّ، وابن سبعين؛ من أئمة ملاحدة الصوفيّة تأثّروا بكلام الغزالي، وبنوا أفكارهم على أصله الفاسد. انظر: من كتبه: كتاب الصفدية ١٢٣٠-٢٤٤. وجامع الرسائل ١١٦٣-١٦٤. ودرء تعارض العقل والنقل ٦٢٤١، ١٠٢٨٣. ٢ في «خ»: نسبه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ انظر: ذمّ ابن سبعين للغزالي في: بد المعارف لابن سبعين ص ١٤٤. وكذا انظر: ذمّ ابن طفيل له - وهو من الفلاسفة - في فلسفة ابن طفيل، ورسالته «حي ابن يقظان» دراسة عبد الحليم محمود ص ٧٩، نقلًا عن تعليق محقق بغية المرتاد ص١١٠. ٤ في «ط»: عنه. ٥ وابن رشد معدود من الفلاسفة. وقد قال يذمّ الغزالي: (إنّه لم يلزم مذهبًا من المذاهب في كتبه، بل هو مع الأشاعرة أشعريّ، ومع الصوفية صوفي، ومع الفلاسفة فيلسوف، حتى أنّه كما قيل: يومًا يمان إذا لاقيتَ ذا يمنٍ وإن لقيتَ معديًّا فعدنانيّ) فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال ص ٣٠. ٦ من شعر عمران بن حطان الخارجي. انظر: الكامل للمبرد ٢١٧٠. والأغاني للأصفهاني ١٨١١٢. وانظر: منهاج السنة النبوية ١٣٥٧. ودرء تعارض العقل والنقل ١٠٢٨٣.
[ ١ / ٣٩١ ]
ذم القشيري للغزالي
وأبو نصر القشيريّ١، وغيره [ذمّوه] ٢ على الفلسفة، وأنشدوا فيه [أبياتًا] ٣ معروفة، يقولون فيها:
برئنا إلى الله من معشر
بهم مرضٌ من كتاب الشفا٤
وكم قلت يا قوم أنتم على
شفا حفرة ما لها من شَفا
فلما استهانوا بتعريفنا
رجعنا إلى الله حتى كفا
فماتوا على دين [رسطالس] ٥
وعشنا على سنة المصطفى٦ ذم العلماء له
ولهذا كانوا يقولون: أبو حامد قد أمرضه الشفاء٧.
_________________
(١) ١ هو أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوري. قال عنه الذهبي: "النحويّ المتكلّم، وهو الولد الرابع من أولاد الشيخ - أبو القاسم القشيريّ". دخل بغداد، فوعظ بها، فوقع بسببه فتنة بين الحنابلة والشافعيّة، وأُخرج من بغداد لاطفاء الفتنة، فعاد إلى بلده. توفي سنة ٥١٤؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٩٤٢٤. والبداية والنهاية ١٢٢٠٠. وطبقات الشافعيّة ٧١٥٩. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق من «خ» بين السطرين. ٣ في «خ»: أبيات. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ» ضبطها هكذا: الشِّفَا. وكتب في الحاشية: أي الشفا لابن سينا. ٥ نسب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذه الأبيات إلى أبي نصر القشيري في مواضع أخرى من كتبه. انظر: مجموع الفتاوى ٩٢٥٣. والرد على المنطقيين ص ٥٠١-٥١١. ٦ في «م» و«ط»: برسطالس. ويقصد به أرسطوطاليس، أحد الفلاسفة اليونان القدماء. انظر: ترجمته ص ٢٢٧. ٧ قال شيخ الإسلام ﵀ - في موضع آخر: "وقد أنكر أئمة الدين على أبي حامد هذا في كتبه، وقالوا: مرّضه الشفاء؛ يعني شفاء ابن سينا في الفلسفة". مجموع الفتاوى ١٠٥٥١. وقال شيخ الإسلام ﵀: "ومادّة أبي حامد في الفلسفة من كلام ابن سينا، ولهذا يُقال: أبو حامد أمرضه الشفاء، ومن كلام أصحاب رسائل إخوان الصفا، ورسائل أبي حيّان التوحيديّ، ونحو ذلك". بغية المرتاد ص ٤٤٩. وانظر: أيضًا: مجموع الفتاوى ٦٥٥. والرد على المنطقيّين ص ٥١١.
[ ١ / ٣٩٢ ]
وكذلك الطرطوشي١، والمازري٢، وابن عقيل٣، وأبو البيان٤،
_________________
(١) ١ هو محمد بن الوليد بن محمد بن خلف القرشي الفهري الأندلسي. قال عنه الذهبي: الإمام العلامة القدوة الزاهد شيخ المالكية عالم الاسكندرية. وطرطوشة هي آخر حدّ المسلمين من شمالي الأندلس. ولد فيها سنة ٤٥١؟ ورحل إلى المشرق، وأخذ عن العلماء، وحجّ، وسكن الاسكندرية، وتخرج على يديه نحو من مائتي فقيه مفت. توفي سنة ٥٢٠؟. ومن كتبه كتاب كبير عارض به إحياء علوم الدين للغزالي، وكتاب الحوادث والبدع، وسراج الملوك، وغيرها. انظر: سير أعلام النبلاء ١٩٤٩٠. والأعلام ٧١٣٣، ١٣٤. وشذرات الذهب ٤٦٠٢. وانظر: كلامه عن الغزالي في: سير أعلام النبلاء ١٩٣٣٤، ٣٣٩، ٤٩٤، ٤٩٥. وطبقات الشافعيّة للسبكي ٦٢٤٣. ٢ هو أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المازري، محدث من فقهاء المالكية. قال عنه الذهبي: "وكان بصيرًا بعلم الحديث. وقال عنه القاضي عياض: هو آخر المتكلمين، من شيوخ أفريقية بتحقيق الفقه ورتبة الاجتهاد ودقة النظر". ولد سنة ٤٥٣ هـ، وتوفي سنة ٥٣٦هـ. من مؤلفاته: الكشف والإنباء في الرد على الإحياء، والمعلم بفوائد مسلم. انظر: سير أعلام النبلاء ٢٠١٠٤. وشذرات الذهب ٤١١٤. والأعلام للزركلي ٦٢٧٧. وانظر: كلامه على الغزالي في سير أعلام النبلاء ١٩٣٣٠-٣٣٢، ٣٤٠-٣٤٢. وطبقات الشافعية للسبكي ٦٢٤٠-٢٤٢. ٣ ترجمة ابن عقيل سبقت. ٤ هو نبأ بن محمد بن محفوظ القرشي، أبو البيان الدمشقي الشافعي. قال عنه الذهبي: "اللغوي الأثري الزاهد، شيخ البيانيّة، وصاحب الأذكار المسجوعة وكان حسن الطريقة، صيِّنًا، ديِّنًا، تقيًا، محبًّا للسنة والعلم والأدب، له أتباع ومحبّون". توفي سنة ٥٥١؟. انظر: سير أعلام النبلاء ٢٠٣٢٦، ٣٢٧. وطبقات الشافعيّة للسبكي ٧٣١٨-٣٢٠. والبداية والنهاية ١٢٢٣٥. وشذرات الذهب ٤١٦٠.
[ ١ / ٣٩٣ ]
وابن حمدين١، ورفيق أبي حامد؛ أبو نصر المرغيناني٢، وأمثال
_________________
(١) ١ هو أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن عبد العزيز بن حمدين الأندلسي المالكي، قاضي الجماعة. قال الذهبي عنه: "صاحب فنون ومعارف وتصانيف. ولي القضاء ليوسف بن تاشفين في قرطبة. توفي سنة ٥٠٨؟، وكان ذكيًا بارعًا في العلم، متفننًا، أصوليًا، لغويًا، شاعرًا، حميد الأحكام وكان يحطّ على الإمام أبي حامد في طريقة التصوف، وألّف في الردّ عليه". سير أعلام النبلاء ١٩٤٢٢. وانظر: نفح الطيب ٣٥٣٧. وقد أفتى قاضي الجماعة ابن حمدين مع بعض العلماء في إتلاف كتاب «إحياء علوم الدين»، ورفعوا أمرهم إلى أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، فأصدر أمره إلى جميع الأقاليم بمصادرة الكتاب وإحراقه. وأحرق بحضور جماعة من أعيان قرطبة وعلمائها، يتقدمهم قاضي الجماعة ابن حمدين. وكان ذلك سنة ٥٠٣؟. انظر: الحلل الموشية في ذكر أخبار المراكشية ص ١٠٤. وسير أعلام النبلاء ١٩٣٢٧ - في ترجمة القاضي عياض - وكذلك عصر المرابطين والموحدين لمحمد عبد الله عنان ص ٧٩. ٢ وهو أبو الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني. من أكابر فقهاء الحنفية. كان حافظًا مفسّرًا محققًا أديبًا. من مؤلفاته: الهداية في شرح البداية، ومنتقى الفروع. ولد سنة ٥٣٠؟، وتوفي سنة ٥٩٣؟. انظر: الأعلام ٤٢٦٦. وقد كنّاه شيخ الإسلام هنا أبو نصر. والصحيح أبو الحسن؛ كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ﵀ في بعض مؤلفاته. انظر: بغية المرتاد ص ٢٨١. ودرء تعارض العقل والنقل ٦٢٣٩. وكتاب الصفدية ١٢١٠. ومجموع الفتاوى ٤٦٦. والأعلام ٤٢٦٦.
[ ١ / ٣٩٤ ]
هؤلاء١ لهم كلامٌ كثيرٌ في ذمّه على ما دخل فيه من الفلسفة. ولعلماء الأندلس في ذلك مجموع كبير.
مراتب الناس عند ابن سبعين
ولهذا لما سلك خلفه ابن عربي٢، وابن سبعين٣، كان ابن سبعين في كتاب [«البد»] ٤ وغيره، يجعل الغاية هو المقرّب؛ وهو نظير المقرّب
_________________
(١) ١ وممن ذمّ الغزالي من غير هؤلاء، وذكرهم شيخ الإسلام ﵀ في كتبه الأخرى: أبو بكر بن العربي، وأبو عبد الله الذكي، ومحمود الخوارزمي، ويوسف الدمشقي، وأبو الفرج بن الجوزي، وأبو محمد المقدسي، وأبو عمرو بن الصلاح، وأولاد القشيري، وغيرهم من الشافعيّة. وأبو الحسن بن شكر، وأبو زكريا النووي. كما تكلم فيه الكردري وغيره من أصحاب أبي حنيفة. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٦٢٣٩، ٢٤٠. وبغية المرتاد ص ٢٨٠-٢٨١. وكتاب الصفدية ٢١٠-٢١١. ومجموع الفتاوى ٤٦٦. ونقض المنطق ص٥٦. وكذلك القاضي عياض، نقل كلامه الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٩٣٢٧. وذكر الزبيدي في اتحاف السادة المتقين ١٤٠، الذين أنكروا على الغزالي، أنّهم: "طوائف شتى؛ ما بين مغاربة، ومشارقة، ومالكية، وشافعية، وحنابلة ". ٢ هو أبو بكر محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي. من أئمة فلاسفة الصوفية أهل الزندقة والإلحاد. قال عنه الذهبي: قدوة القائلين بوحدة الوجود. ولد بالأندلس عام ٥٦٠، وتوفي بدمشق عام ٦٣٨؟. انظر: البداية والنهاية ١٣١٦٧. وشذرات الذهب ٥١٩٠. والأعلام ٦٢٨١. ٣ هو عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن سبعين. يُعدّ من فلاسفة الصوفية ومن القائلين بوحدة الوجود. ولد سنة ٦١٣، ومات سنة ٦٦٨ بمكة. انظر: البداية والنهاية ١٣٢٧٥. وشذرات الذهب ٥٣٢٩. والأعلام ٣٢٨٠. وانظر: مقدمة تحقيق بغية المرتاد ص ١٣٥-١٤٤. ٤ في «م»، و«ط»: اليد. وكتاب «البد» هو: «بد العارف» لابن سبعين، وهو مطبوع. (نقلًا عن شرح الأصفهانية ٢٥٤٨) .
[ ١ / ٣٩٥ ]
في كلام أبي حامد، ويجعل المراتب خمسة: أدناها الفقيه، ثمّ المتكلّم، ثمّ الفيلسوف، ثمّ الصوفيّ الفيلسوف؛ وهو السالك، ثمّ المحقّق١.
عقائد ابن عربي
وابن عربي له أربع عقائد٢: الأولى: عقيدة أبي المعالي وأتباعه مجرّدة عن حُجّة. والثانية: تلك العقيدة مبرهنة بحججها الكلاميّة. والثالثة: عقيدة الفلاسفة؛ ابن سينا وأمثاله الذين يُفرّقون بين الواجب والممكن. والرابعة: التحقيق الذي وصل إليه؛ وهو [أنّ] ٣ الوجود واحدٌ٤. وهؤلاء يسلكون مسلك الفلاسفة الذي ذكره أبو حامد في ميزان
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ﵀: "وهم يُرتّبون الناس طبقات؛ أدناهم عندهم الفقيه، ثمّ المتكلّم، ثمّ الفيلسوف، ثمّ الصوفيّ؛ أي صوفيّ الفلاسفة، ثمّ المحقّق. ويجعلون ابن سينا وأمثاله من الفلاسفة في الثانية، وأبا حامد وأمثاله من الصوفيّة من العشرة، ويجعلون المحقّق هو الواحد". الردّ على المنطقيّين ص ٥٢٢. وانظر: كتاب الصفدية ١٢٦٨. وشرح الأصفهانية ٢٥٤٧-٥٤٨. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلامًا طويلًا - في موضع آخر - بيَّن فيه معنى المحقّق؛ فقال: "لهذا كان هؤلاء؛ كابن سبعين ونحوه يعكسون دين الإسلام؛ فيجعلون أفضل الخلق: المحقّق عندهم؛ وهو القائل بالوحدة. وإذا وصل إلى هذا فلا يضرّه عندهم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا، بل كان ابن سبعين، وابن هود، والتلمساني، وغيرهم يُسوّغون للرجل أن يتمسّك باليهوديّة والنصرانيّة؛ كما يتمسّك بالإسلام، ويجعلون هذه طرقًا إلى الله بمنزلة مذاهب المسلمين، ويقولون لمن يختصّ بهم من النصارى واليهود إذا عرفتم التحقيق لم يضرّكم بقاؤكم على ملّتكم، بل يقولون مثل هذا للمشركين عُبّاد الأوثان) . كتاب الصفدية ١٢٦٨-٢٦٩. ٢ قال ابن عربي في الفتوحات المكية: عقد البرية في الإله عقائدًا وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه نقلًا عن الفكر الصوفي ص ١٠٢. ٣ ما بين المعقوفتين ليست في «خ»، وهي في «م»، و«ط» . ٤ انظر: الفتوحات المكية ١٣١-٣٢، ٣٨. وقال شيخ الإسلام ﵀: "لهذا ذكر ابن عربي في الفتوحات له أربع عقائد؛ الأولى: عقيدة أبي المعالي وأمثاله مجرّدة عن الحجة. ثمّ هذه العقيدة بحجتها. ثمّ عقيدة الفلاسفة. ثمّ عقيدة المحققين؛ وذلك أنّ الفيلسوف يُفرّق بين الوجود والممكن والواجب. وهؤلاء يقولون: الوجود واحد. والصوفي الذي يُعظّمه هؤلاء هو الصوفي الذي عظّمه ابن سينا، وبعده المحقق" الرد على المنطقيين ص ٥٢٢. وانظر: بغية المرتاد ص ٤٤٦. وقال ﵀ أيضًا: "لهذا ذكر ابن عربي في أول الفتوحات ثلاث عقائد؛ عقيدة مختصرة من إرشاد أبي المعالي بحججها الكلامية. ثمّ عقيدة فلسفيّة؛ كأنّها مأخوذة من ابن سينا وأمثاله. ثمّ أشار إلى اعتقاده الباطن الذي أفصح به في فصوص الحكم؛ وهو وحدة الوجود، فقال: وأمّا عقيدة خلاص الخاصّ فتأتي مفرقة في الكتاب" كتاب الصفدية ١٢٦٧.
[ ١ / ٣٩٦ ]
العمل؛ وهو: أنّ الفاضل له ثلاث عقائد: عقيدة مع العوامّ يعيش بها في الدنيا؛ كالفقه مثلًا. وعقيدة مع الطلبة يدرّسها لهم؛ كالكلام. والثالثة: [سرٌ] ١ لا يطّلع عليه أحدٌ إلا الخواصّ٢.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» . ٢ انظر: ميزان العمل ص ٤٠٥-٤٠٨. بتحقيق سليمان دنيا. ولخّص د محمد رشاد سالم في تعليقه على كتاب الصفدية ١٢٦٨ كلام ابن عربي الذي ذكر فيه أنّ له ثلاث عقائد؛ فقال: "كر ابن عربي العقيدة الأولى في ج ١ ص ٣٤ من كتاب الفتوحات المكية، وذكر في آخرها ص ٣٨: "هذه عقيدة العوام من أهل الإسلام أهل التقليد وأهل النظر ملخّصة مختصرة" ثمّ قال بعد ذلك مباشرة: "م أتلوها إن شاء الله بعقيدة الناشئة الشادية ثمّ أتلوها بعقيدة خواصّ أهل الله من أهل طريق الله؛ من المحققين أهل الكشف والوجود. وجردتها أيضًا في جزء آخر سمّيته المعرفة، وبه انتهت مقدمة الكتاب. وأما التصريح بعقيدة الخلاصة فما أفردتها على التعيين لما فيها من الغموض، لكن جئتُ بها مبدّدة في أبواب هذا الكتاب مستوفاة مبيّنة، لكنّها كما ذكرنا متفرّقة إلخ. وتنتهي مقدمة الكتاب ص ٤٧" والطبعة التي أشار إليها دمحمد رشاد سالم هي طبعة دار الكتب العربية الكبرى، القاهرة، ١٣٢٩؟.
[ ١ / ٣٩٧ ]
المضنون به على غير أهله فلسفة محضة
ولهذا صنّف الكتب المضنون بها على غير أهلها، وهي فلسفة محضة، سلك فيها مسلك ابن سينا١. ولهذا يجعل اللوح المحفوظ هو النّفس الفلكيّة٢ إلى أمور أخرى قد بُسطت في غير هذا الموضع، ذكرنا ألفاظه بعينها في مواضع؛ منها: الردّ على ابن سبعين وأهل الوحدة، وغير ذلك٣؛ فإنّه لمّا انتشر الكلام في مذهب أهل الوحدة، وكنتُ لمّا دخلتُ إلى مصر بسببهم، ثمّ صرتُ في الإسكندرية، جاءني من فضلائهم من يعرف حقيقة أمرهم٤، وقال: إن كنتَ تشرح لنا كلام هؤلاء، وتُبيِّن مقصودهم، ثمّ تُبطله، وإلا فنحن لا نقبل منك كما لا نقبل من غيرك؛
سبب تأليف بغية المرتاد السبعينية
فإنّ هؤلاء لا يفهمون كلامهم. فقلتُ: نعم! أنا أشرح لك ما شئتَ من كلامهم؛
_________________
(١) ١ قال د محمد رشاد سالم بعد ذكر عقائد الغزالي الثلاث: "هذا هو السبب الذي جعل الغزالي يكتب كتبًا للعامّة، وكتبًا أخرى للخواصّ، سمّاها أحيانًا بالكتب المضنون بها على غير أهلها. وقد اختلف الباحثون في تعيين هذه الكتب الخاصّة (أو المضنون بها على غير أهلها)، ولكنّهم اتفقوا على أنّه ألّف كتبًا من هذا النوع أودعها أفكارًا لم يتمكّن من التصريح بها لعامّ الناس إشفاقا عليهم من الضلال. ولعلّ هذا التصريح في عناوين كتبه ورسائله مثل الاقتصاد في الاعتقاد، وإلجام العوام عن علم الكلام، والمضنون به على غير أهله" مقارنة بين الغزالي وابن تيمية ص ١٦-١٧. وانظر: الجواب الصحيح ٥٣٩. وشرح الأصفهانية ٢٥٤٧. ٢ انظر: المضنون الصغير - ضمن القصور العوالي ٢١٨٣-١٨٤. ومشارق الأنوار ص ١٩٨. ٣ انظر: بغية المرتاد (وهو الرد على ابن سبعين) ص ١٩٤، ١٩٨، ٢٢٨، ٣٢٦، ٣٢٧. والرد على المنطقيين ص ٤٧٤، ٤٨٠. ومجموع الفتاوى ١٢٤٤-٢٤٥، ١٠٤٠٢-٤٠٣. ٤ ذكر شيخ الإسلام ﵀ هذه القصة في كتابه الصفدية ١٣٠٢. وفي الرد على المنطقيين ص ٣.
[ ١ / ٣٩٨ ]
مثل كتاب [البُد] ١، والإحاطة٢ لابن سبعين، وغير ذلك. فقال لي: لا، ولكن «لوح الأصالة» ٣؛ فإنّ هذا يعرفون، وهو في رؤوسهم. فقلتُ له: هاته. فلمّا أحضره شرحتُه له شرحًا بيِّنًا، حتى تبيَّن له حقيقة الأمر، وأنّ هؤلاء ينتهي أمرهم إلى الوجود المطلق، فقال: هذا حقّ. وذَكَرَ لي أنّه تناظر اثنان؛ متفلسف سبعينيّ، ومتكلّم على مذهب ابن التومرت٤، فقال
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: اليد. وكتاب «البد» هو: بد العارف لابن سبعين، وقد طُبع بتحقيق د. جورج. ونشر في دار الأندلس ودار الكندي سنة ١٩٧٨ م. انظر: بغية المرتاد ص ٤٨، ح ١. ٢ الإحاطة: إحدى رسائل ابن سبعين، وقد طُبعت ضمن رسائل ابن سبعين، تحقيق د عبد الرحمن بدوي، دار الطباعة الحديثة بمصر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لهذا أمر ابن سبعين أن يُنقش على قبره صاحب نقش فص خاتم الإحاطة. والإحاطة عندهم: هي الوجود المطلق المجرّد الذي لا يتقيّد بقيد، وهو الكلّي الذي لا يتقيّد بإيجاب ولا إمكان" كتاب الصفدية ١٢٨٥. ٣ اسمها: رسالة الألواح؛ وهي ضمن رسائل ابن سبعين. تحقيق د عبد الرحمن بدوي ص ١٩٠-٢٠٠. وهي التي ردّ عليها شيخ الإسلام ﵀ في كتابه بغية المرتاد. ٤ هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت البربري المصمودي الهرغي الخارجي بالمغرب، المدّعي أنّه علويّ حسنيّ، وأنّه الإمام المعصوم المهدي. مؤسس دولة الموحدين التي قامت على أنقاض دولة المرابطين. توفي سنة ٥٢٤ هـ. قال عنه الذهبي: "افق المعتزلة في شيء، والأشعرية في شيء، وكان فيه تشيّع وسمّى أصحابه بالموحدين، ومن خالفه بالمجسّمين" انظر: سير أعلام النبلاء ١٩٥٣٩-٥٥٢. وطبقات الشافعيّة للسبكي ٦١٠٩-١١٧. والبداية والنهاية ١٢١٩٩-٢٠٠. وشذرات الذهب ٤٧٠-٧٢. قال عنه شيخ الإسلام ﵀: "أقبح من غلوّ هؤلاء: ما كان عليه المتسمّون بالموحدين في متبوعهم الملقّب بالمهدي محمد بن تومرت الذي أقام دولتهم بما أقامها به من الكذب والمحال، وقتل المسلمين، واستحلال الدماء والأموال؛ فعل الخوارج المارقين، ومن الابتداع في الدين، مع ما كان عليه من الزهد والفضيلة المتوسطة، ومع ما ألزمهم به من الشرائع الإسلاميّة، والسنن النبوية؛ فجمع بين خير وشرّ. لكن من أقبح ما انتحلوه فيه: خطبتهم له على المنابر، بقولهم: الإمام المعصوم، والمهدي المعلوم" بغية المرتاد ص ٤٩٤. وانظر: مجموع الفتاوى ١٣٣٨٦. ويُقال إنّهم قتلوا القاضي أبا بكر بن العربي، والقاضي عياض البستي. انظر: بغية المرتاد ص ٤٩٥. قال عبد الله بن الأشبيري: سمعت عبد المؤمن بن علي القيسيّ، سمعت أبا عبد الله ابن تومرت يقول: أبو حامد الغزالي قرع الباب، وفُتح لنا) . سير أعلام النبلاء ١٩٣٢٦.
[ ١ / ٣٩٩ ]
ذاك: نحن شيخنا يقول بالوجود المطلق١.
_________________
(١) ١ قال ابن سبعين: "يا هذا! الوجود المطلق هو الله، والمقيّد أنا وأنت، والقدر جميع ما يقع في المستقبل، والمطلق إذا ذكر نفسه ذكر كلّ شيء" الرسالة الرضوانيّة ضمن رسائل ابن سبعين ص ٣٢٨ - نقلًا عن مقدمة محقق بغية المرتاد ص ١٤٠. وقال شيخ الإسلام ﵀: "لهذا كان منتهى محققيهم الوجود المطلق؛ وهو الوجود المشترك بين الموجودات. وهذا إنمّا يكون مطلقًا في الأذهان لا في الأعيان. والمتفلسفة يجعلون الكلي المشترك موضوع العلم الإلهيّ" الرد على المنطقيين ص ٣٠٩. وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٦٢٤٢،، ١٠٢٩٨. وبغية المرتاد ص ٤١٠. والجواب الصحيح ٤٣٠٤. وقد أشار شيخ الإسلام ﵀ إلى هذه القصّة في منهاج السنة بتوسّع، فقال: "صاروا يتباهون في التعطيل الذي سمّوه توحيدًا أيّهم فيه أحذق، حتى فروعهم تباهوا بذلك كتباهيهم كابن سبعين وأمثاله من أتباع الفلاسفة، وابن التومرت، وأمثاله من أتباع الجهميّة؛ فهذا يقول بالوجود المطلق، وهذا يقول بالوجود المطلق، وأتباع كل منهما يباهون أتباع الآخرين في الحذق في هذا التعطيل. كما قد اجتمع بي طوائف من هؤلاء، وخاطبتهم في ذلك، وصنّفتُ لهم مصنّفات في كشف أسرارهم ومعرفة توحيدهم، وبيان فساده؛ فإنّهم يظنّون أنّ الناس لا يفهمون كلامهم، فقالوا لي: إن لم تُبيِّن وتكشف لنا حقيقة هذا الكلام الذي قالوه ثمّ تُبيِّن فساده، وإلا لم نقبل ما يُقال في ردّه، فكشف لهم حقائق مقاصدهم، فاعترفوا بأنّ ذلك مرادهم. ووافقهم على ذلك رؤوسهم، ثمّ بيّنت ما في ذلك من الفساد والإلحاد حتى رجعوا وصاروا يُصنّفون في كشف باطل سلفهم الملحدين الذين كانوا عندهم أئمة التحقيق والتوحيد والعرفان واليقين". منهاج السنة ٣٢٩٧-٢٩٨. وقال شيخ الإسلام ﵀: "ولهذا رأيت لابن تومرت كتابًا في التوحيد صرّح فيه بنفي الصفات، ولهذا لم يذكر في مرشدته شيئًا من إثبات الصفات، ولا أثبت الرؤية، ولا قال إنّ القرآن كلام الله غير مخلوق، ونحو ذلك من المسائل التي جرت عادة مثبتة الصفات بذكرها في عقائدهم المختصرة، ولهذا كان حقيقة قوله موافقًا لحقيقة قول ابن سبعين وأمثاله من القائلين بالوجود المطلق موافقة لابن سينا وأمثاله من أهل الإلحاد؛ كما يُقال: إنّ ابن تومرت ذكره في فوائده المشرقية أنّ الوجود مشترك بين الخالق والمخلوق، فوجود الخالق يكون مجرّدًا، ووجود المخلوق يكون مقيّدًا". درء تعارض العقل والنقل ٥٢٠. وكذلك انظر: المصدر نفسه: ٣٤٣٨-٤٣٩، ١٠٢٩٨-٣٠٠. وانظر: رد شيخ الإسلام على ابن تومرت في مجموع الفتاوى ١١٤٧٦-٤٨٧.
[ ١ / ٤٠٠ ]
وقال الآخر: ونحن كذلك إمامنا.
قلتُ له: والمطلق في الأذهان لا في الأعيان. فتبيّن له ذلك، وأخذ يُصنّف في الردّ عليهم١.
ابن تومرت يقول بالوجود المطلق
ولم أكن أظنّ ابنَ التومرت يقول بالوجود المطلق، حتى وقفتُ بعد هذا على كلامه المبسوط٢، فوجدتُه كذلك، وأنّه كان يقول: الحقّ
_________________
(١) ١ وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ بعض مناظراته لهؤلاء السبعينيّة، فقال ﵀: "وقلتُ لبعض حذّاقهم: هب أنّ هذا الوجود المطلق ثابتٌ في الخارج، وأنّه عين الموجودات المشهودة. فمن أين لك أنّ هذا هو ربّ العالمين الذي خلق السموات والأرض وكلّ شيء. فاعترف بذلك، وقال: هذا ما فيه حيلة". الجواب الصحيح ٤٣١٣. وانظر: مناظرات أخرى لهؤلاء في: المصدر نفسه ٤٣٠٩-٣١٢. وبغية المرتاد ص ٥٢٠-٥٢١. ومنهاج السنة النبوية ٨٢٨. وكتاب الصفدية ١٢٩٦. ٢ في كتاب ابن تومرت: «الدليل والعلم» . وقد نقل عنه شيخ الإسلام بعضَ كلامه، ثمّ ردّ عليه. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣٤٣٩-٤٤٠. وهناك رد لشيخ الإسلام على المرشدة لابن تومرت، مخطوط، في جامعة الملك سعود بالرياض. وانظر: كلام شيخ الإسلام ﵀ عن المرشدة لابن تومرت في مجموع الفتاوى ١١٤٧٦-٤٩٣.
[ ١ / ٤٠١ ]
حقّان؛ الحقّ المقيّد، والحقّ المطلق؛ وهو الربّ. وتبيَّنتُ أنّه لا يُثبتُ شيئًا من الصفات، ولا ما يتميّز به موجود عن موجود؛ فإنّ ذلك يُقيّد شيئًا من الإطلاق.
وسألني هذا١ عمّا يحتجّون به من الحديث؛ مثل الحديث المذكور في العقل، وأنّ أوّل ما خلق الله تعالى العقل٢، ومثل حديث: كنتُ كنزًا لا
_________________
(١) ١ يعني الرجل الذي في الاسكندرية، الذي طلب منه أن يشرح له كلام أصحاب وحدة الوجود. ٢ رواه أبو نعيم في الحلية ٧٣١٨ عن عائشة بلفظ: ":حدثني رسول الله ﷺ أنّ أوّل ما خلق الله ﷾ العقل، فقال: أقبِل، فأقبل. ثمّ قال: أدبِر، فأدبَر. ثمّ قال: ما خلقتُ شيئًا أحسن منك، بك آخذ، وبك أُعطي". قال أبو نعيم: غريب من حديث سفيان. ومنصور الزهري أحد رواة الحديث - لا أعلم له راويًا عن عبد الحميد إلا سهلًا، وأراه واهمًا فيه. وقد بيَّن العلماء أنّه حديث موضوع على رسول الله ﷺ. فقد قال أبو الفرج ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ. (الموضوعات لابن الجوزي ١١٧٤) . وقال شيخ الإسلام ﵀: "وهذا الحديث كذب موضوع على النبيّ ﷺ كما ذكر ذلك أهل العلم بالحديث؛ كأبي جعفر العقيليّ، وأبي حاتم البستي، وأبي الحسن الدارقطني، وأبي الفرج بن الجوزي، وغيرهم". الجواب الصحيح ٥٤٠-٤١. وانظر: بغية المرتاد ص ١٧١-١٧٨. ومجموع الفتاوى ١٢٤٤، ١٨١٢٢-١٢٣، ٣٣٦-٣٣٨. ودرء تعارض العقل والنقل ٥٢٢٤. ومنهاج السنة النبوية ٨١٥-١٦. وكتاب الصفدية ١٢٣٨-٢٣٩. والرد على المنطقيين ص ١٩٦-١٩٧. والفرقان بين أولياء الله وأولياء الشيطان ص ٢٠٦. قال ابن القيم: أحاديث العقل كلها كذب. انظر: المنار المنيف في الصحيح والضعيف ص ٦٦-٦٧. وانظر: اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي ١١٢٩-١٣٠.
[ ١ / ٤٠٢ ]
أُعرف، فأحببتُ أن أُعرف١، وغير ذلك؟ فكتبتُ له جوابًا مبسوطًا، وذكرتُ أنّ هذه الأحاديث موضوعة، وأبو حامد وهؤلاء لا يعتمدون على هذا، وقد نقلوه إمّا من رسائل إخوان الصفا٢، أو من كلام أبي حيان
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ﵀: "وما يروونه: كنتُ كنزًا لا أُعرف، فأحببتُ أن أُعرف، فخلقتُ خلقًا فعرّفتهم بي، فبي عرفوني. هذا ليس من كلام النبي ﷺ، ولا أعرف له إسنادًا صحيحًا ولا ضعيفًا". مجموع الفتاوى ١٨١٢٢. وانظر: المصدر نفسه ١٨٣٧٦. ودرء تعارض العقل والنقل ٨٥٠٧. وبغية المرتاد ص ١٦٩. وقد حكم عليه بالوضع: السخاوي. انظر: المقاصد الحسنة ص ٣٢٧. ٢ إخوان الصفا: هم جماعة من الإسماعيليّة الباطنيّة، لزموا التكتّم، وألفوا مقالات، وعددها إحدى وخمسون مقالة؛ خمسون منها في خمسين نوعًا من الحكمة، ومقالة حادية وخمسون جامعة لأنواع المقالات. ثمّ بثّوا مقالاتهم وكتموا أسماءهم، وبثوها في الوراقين، ولقّنوها الناس، وزعموا أنّه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال. انظر: الامتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي ٢٥. ومجموع الفتاوى ٤٧٩. وكتاب إخوان الصفا لعمر الدسوقي. وقال شيخ الإسلام ﵀ عن رسائل إخوان الصفا: "وضعت في أثناء المائة الرابعة لما ظهرت الدولة العبيدية بمصر، وبنوا القاهرة. فصنّفت على مذاهب أولئك الإسماعيليّة كما يدلّ على ذلك ما فيها. وقد ذكروا فيها ما جرى على المسلمين من استيلاء النصارى على سواحل الشام. وهذا إنّما كان بعد المائة الثالثة. وقد عُرف الذين صنّفوها؛ مثل زيد بن رفاعة، وأبي سليمان بن معشر البستي المعروف بالمقدسي، وأبي الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبي أحمد النهرجوري، والعوفي. ولأبي الفتوح المعافى بن زكرياء الجريري صاحب كتاب الجليس والأنيس مناظرة معهم، وقد ذكر ذلك أبو حيّان التوحيدي في كتاب الإمتاع والمؤانسة" منهاج السنة النبوية ٢٤٦٦. وقال ﵀ أيضًا: "صنّفه طائفة من الذين أرادوا أن يجمعوا بين الفلسفة والشريعة والتشيّع؛ كما كان سلكه هؤلاء العبيديّون". منهاج السنة ٨١١. وانظر: المصدر نفسه ٤٥٤-٥٥. ودرء تعارض العقل والنقل ٥١٠، ٢٦-٢٧. والرد على المنطقيين ص ٤٤٤. والجواب الصحيح ٥٣٧-٣٨. وبغية المرتاد ص ١٨٠-١٨١. والإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي ٢٣-١٢.
[ ١ / ٤٠٣ ]
التوحيدي١، أو من نحو ذلك٢.
وهؤلاء في الحقيقة من جنس الباطنيّة الإسماعيليّة٣، لكنّ أولئك
_________________
(١) ١ أبو حيان علي بن محمد بن العباس التوحيدي. فيلسوف متصوّف معتزلي. قال أبو الفرج ابن الجوزي: "زنادقة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي، وأبو حيان التوحيديّ، وأبو العلاء المعري. وأشدّهم على الإسلام أبو حيّان؛ لأنّهما صرّحا وهو محجم ولم يُصرّح". وقال الذهبي عنه: "نسب نفسه إلى التوحيد؛ كما سمّى ابن التومرت أتباعه بالموحدين، وكما يُسمي صوفية الفلاسفة نفوسهم بأهل الوحدة، وبالاتحاديّة". مات مستترًا فقيرًا عن نيف وثمانين عامًا، وأحرق كتبه، ولم يسلم منها غير ما نقل قبل الإحراق. من كتبه: المقايسات والصراحة، والصديق، والإمتاع والمؤانسة، وغيرها. مات سنة ٤٠٠؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٧١١٩-١٢٣. وطبقات الشافعية للسبكي ٥٢٨٦. والأعلام ٤٣٢٦. ٢ قال شيخ الإسلام ﵀: "والغزالي في كلامه مادة فلسفية كبيرة، بسبب كلام ابن سيناء في الشفاء، وغيره، ورسائل إخوان الصفا، وكلام أبي حيان التوحيدي وكلامه في الإحياء غالبه جيّد، لكن فيه موادّ فاسدة؛ مادة فلسفية، ومادة كلامية، ومادة من ترهات الصوفية، ومادة من الأحاديث الموضوعة". مجموع الفتاوى ٦٥٤-٥٥. وانظر: المصدر نفسه ٤٦٣-٦٤. وبغية المرتاد ص ٤٤٩. وسير أعلام النبلاء ١٩٣٤١. ودرء تعارض العقل والنقل ٦٢٤٢. ٣ الإسماعيليّة: نسبة إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق. وهم إحدى فرق الباطنية الذين جعلوا لكل ظاهر من الكتاب باطنًا، ولكلّ تنزيل تأويلًا، ويخلطون كلامهم ببعض كلام الفلسفة، ويدّعون من الإلهيّة في علي بن أبي طالب ﵁ وغيره كدعوى النصيريّة. قال شيخ الإسلام ﵀ عنهم: "الإسماعيليّة أخذوا من مذاهب الفرس، وقولهم بالأصلين: النور والظلمة وغير ذلك أمورًا، وأخذوا من مذاهب الروم من النصرانية، وما كانوا عليه قبل النصرانية من مذهب اليونان وقولهم بالنفس والعقل وغير ذلك. ومزجوا هذا بهذا، وسمّوا ذلك باصطلاحهم السابق والتالي، وجعلوه هو القلم واللوح، وأنّ القلم هو العقل". منهاج السنة النبوية ٨١٥. وانظر: الجواب الصحيح ٢٤٠٣-٤٠٤. ومجموع الفتاوى ٧٥٠٢، ٥٠٣. ودرء تعارض العقل والنقل ١٠-١١. وانظر: أيضًا: الملل والنحل للشهرستاني ١١٩١-١٩٨. والفرق بين الفرق للبغدادي ص ٦٢-٨٢.
[ ١ / ٤٠٤ ]
يتظاهرون بالتشيّع والرفض، وهؤلاء غالبهم يميلون إلى التشيّع، ويُفضّلون عليًا١. ومنهم من يُفضّله بالعلم الباطن، ويُفضّل أبا بكر٢ في العلم الظاهر؛ كأبي الحسن [الحرالّي] ٣، وفيه نوعٌ من مذهب الباطنيّة الإسماعيليّة، لكن لا يقول بوحدة الوجود مثل هؤلاء، ولا أظنّه يُفضّل غير الأنبياء عليهم؛ فهو أنبل من هؤلاء من وجه، لكنّه ضعيف المعرفة بالحديث، والسير، وكلام الصحابة والتابعين؛ فيبني له أصولًا على أحاديث موضوعة، ويخرج كلامه من تصوّف، وعقليّات، وحقائق. وهو
_________________
(١) ١ في «ط»: ﵁. ٢ في «ط»: ﵁. ٣ في «خ»، و«م»، و«ط»: الحرلي. وما أثبت من مصادر ترجمته. والحرالّي: هو أبو الحسن علي بن أحمد بن حسن التجيبي الأندلسي الحرالّي - وحرالّه: قرية من عمل مرسيه - ولد في مراكش، ورحل إلى الشرق، وسكن حماه، وتوفي فيها سنة ٦٣٧؟. مفسّر من علماء المغرب. قال عنه الذهبي: "كان فلسفيّ التصوف، ملأ تفسيره بحقائقه ونتائج فكره، وزعم أنّه يستخرج من علم الحروف وقتَ خروج الدجال، ووقتَ طلوع الشمس من مغربها". ميزان الاعتدال ٣١١٤. وانظر: سير أعلام النبلاء ٢٣٤٧. وشذرات الذهب ٥١٨٩. والأعلام ٤٢٥٦. ووقع في المخطوطة الحرلي، وكذلك في أصل درء تعارض العقل والنقل ١٠٢٨٦. ورجّح الدكتور محمد رشاد سالم ﵀ أنّه الحرالّي.
[ ١ / ٤٠٥ ]
خيرٌ من هؤلاء، وفي كلامه أشياء حسنة صحيحة، وأشياء كثيرة باطلة، والله سبحانه [وتعالى] ١ أعلم.
الوجه الثاني من أوجه الرد على الفلاسفة
الثاني: أنّ صلاح النفس في محبّة المعلوم المعبود؛ وهي عبادته، لا في مجرد علم ليس فيه ذلك، وهم جعلوا غاية النفس التشبّه بالله على حسب الطاقة٢، وكذلك جعلوا حركة الفَلَك للتشبّه به٣. وهذا ضلال عظيم؛ فإنّ جنس
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إنّ هؤلاء جعلوا غاية الإنسان وكماله في مجرّد أن يعلم الوجود، أو يعلم الحقّ؛ فيكون عالمًا معقولًا مطابقًا للعالم الموجود، وهو التشبّه بالإله على قدر الطاقة، وجعلوا ما يأتي به من العبادات والأخلاق إنّما هي شروط وأعوان على مثل ذلك، فلم يُثبتوا كون الربّ تعالى معبودًا مألوهًا يُحَبّ لذاته، ويكون كمال النفس أنها تُحبّه؛ فيكون كمالها في معرفته ومحبّته، بل جعلوا الكمال في مجرّد معرفة الوجود عند أئمتهم، أو في مجرّد معرفته عند من يقرب إلى الإسلام منهم". درء تعارض العقل والنقل ٦٥٧. وكذا قال ﵀ في موضع آخر - بعد أن ذكر محبة الله لعباده، ومحبتهم له: "ومن نفى الأولى من الجهميّة والمعتزلة ومن وافقهم، فقد أخطأ. ومن نفى الثانية من المتفلسفة والمتصوفة على طريقتهم فقد أخطأ. مع أنّ هؤلاء المتفلسفة لا يُثبتون حقيقة الأولى، فإنّهم لا يُثبتون أنّ الربّ تُحبّه الملائكة والمؤمنون، وإنّما يجعلون الغاية تشبّههم به، لا حبّهم إياه. وفرقٌ بين أن تكون كوَّن هذا مثل هذا، وبين أن تكون الغاية كون هذا يُحبّه هذا محبّة عبوديّة وذلّ. ولهذا قالوا: "الفلسفة هي التشبّه بالإله على قدر الطاقة". ولهذا كان مطلوب هؤلاء إنّما هو نوع من العلم والقدرة الذي يحصل لهم به شرف. فمطلوبهم من جنس مطلوب فرعون، بخلاف الحنفاء الذين يعبدون الله محبة له وذلًا له". درء تعارض العقل والنقل ٦٦٩-٧٠. وانظر: المصدر نفسه ٦٧٠، ٣٢٦٩. وانظر: شرح الطحاوية ١٨٨. ومجموع الفتاوى ٧٥٣٦، ١٧٣٢١. والجواب الصحيح ٦٣٢-٣٧. وجامع الرسائل ٢٢٥١-٢٥٢. ٣ انظر: مجموع الفتاوى ١٧٣٢٩.
[ ١ / ٤٠٦ ]
التشبّه يكون بين [اثنين] ١ مقصودهما واحد؛ كالإمام والمؤتمّ به.
وليس الأمر هنا كذلك. بل الربّ هو معبودٌ لذاته، وهو يعرف نفسه، ويُحبّ نفسه، ويُثني على نفسه، والعبد نجاتُه وسعادته في أن يعرف ربّه، ويُحبّه، ويُثني عليه. والتشبّه به: أن يكون هو [محبوبًا لنفسه] ٢، مثنيًا بنفسه على نفسه. وهذا فسادٌ في حقّه، وضارٌ به. والقوم أضلّ من اليهود والنصارى، بل ومن مشركي العرب؛ فإنّه ليس الربّ عندهم؛ لا رب العالمين وخالقهم؛ ولا إلههم ومعبودهم.
ومشركو العرب كانوا يُقرّون بأنّه خالق كلّ شيء، وما سواه مخلوقٌ له محدَث. وهؤلاء الضالّون لا يعترفون بذلك؛ كما قد بُسط في غير هذا الموضع٣.
الوجه الثالث من أوجه الرد على الفلاسفة
والوجه الثالث: أنّهم يظنّون أنّ ما عندهم هو علمٌ بالله. وليس كذلك، بل هو جهل.
والرازي لمّا شاركهم٤ في بعض أمورهم صار حائرًا معترفًا بذلك؛
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٢ ما بين المعقوفتين كتب في «خ» هكذا: (لنفسه محبوبًا) . وعليها علامة «م»؛ وهي علامة على التقديم والتأخير. ٣ انظر: حقيقة مذهب الاتحاديّين أو وحدة الوجود ضمن مجموعة الرسائل والمسائل ٤٣-١١٤. وقاعدة في المحبّة ضمن جامع الرسائل ٢١٩٣-٤٠١. ودرء تعارض العقل والنقل ٦٦٢-٧٠. والرد على المنطقيين ص ٢٨٢، ٣٩٤، ٥٢١-٥٢٦. وكتاب الصفدية ١٢٦٨-٢٧٣. والفتاوى ٧٥٠٤، ٥٨٦-٥٩٧، ٦٣١-٦٣٢، ١٧٢٩٥. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٢١٧-٢٣٠. ٤ أي شارك الفلاسفة. انظر: جامع الرسائل ٢٢٥٠.
[ ١ / ٤٠٧ ]
لمّا ذكر أقسام اللّذّات١، وأنّ اللّذّة العقليّة هي الحقّ؛ وهي لذّة العلم، وأنّ شرف العلم بشرف المعلوم؛ وهو الربّ، وأنّ العلم به ثلاث مقامات: العلم بالذات، والصفات، والأفعال. قال: وعلى كلّ مقامٍ عقدة؛ فالعلم بالذات فيه أنّ وجود الذات: هل هو زائد عليها أم لا؟ وفي الصفات: هل الصفات زائدة على الذات أم لا؟ وفي الأفعال: هل الفعل مقارنٌ أم لا؟. ثمّ قال: ومن الذي وصل إلى هذا الباب؟ أو من الذي ذاق من هذا الشراب؟
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشةٍ من جسومنا وغاية دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
لقد تأمّلتُ الطرق الكلاميّة، والمناهج الفلسفيّة، فما رأيتُها تشفي عَليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيتُ أقرب الطرق طريقة القرآن؛ اقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَىْ الْعَرْشِ اسْتَوَىْ﴾ ٢، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ والْعَمَلُ الصَّاْلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٣، واقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٤، ﴿وَلا يُحِيْطُوْنَ بِهِ عِلْمًَا﴾ ٥. ومن جرَّب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي٦.
_________________
(١) ١ ذكر ذلك في كتابه: أقسام اللذات. وقد قال د محمد رشاد سالم عن هذا الكتاب: "وهذا الكتاب مخطوط بالهند، ولم يذكره بروكلمان ضمن مؤلفات الرازي". حاشية درء تعارض العقل والنقل ١١٦٠. ٢ سورة طه، الآية ٥. ٣ سورة فاطر، الآية ١٠. ٤ سورة الشورى، الآية ١١. ٥ سورة طه، الآية ١١٠. ٦ ذكر شيخ الإسلام ﵀ هذا النص عن الرازي في كثير من كتبه، وكذلك تلميذه ابن القيم، والذهبي، مع اختلاف يسير في ألفاظه. وقد سبق أن ذُكر في ص ٣٥٧-٣٥٨ من هذا الكتاب. وانظر: مجموع الفتاوى ٤٧٢-٧٣. ودرء تعارض العقل والنقل ١١٥٩-١٦٠. وبيان تلبيس الجهمية ١١٢٨-١٢٩. ومنهاج السنة النبوية ٥٢٧٠-٢٧٢. واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص ٣٠٥-٣٠٦. والمنار المنيف في الصحيح والضعيف ص ٨٥. والصواعق المنزلة - تحقيق د أحمد بن عطية الغامدي، ود علي ابن ناصر الفقيهي - ١٧٠. وسير أعلام النبلاء - عند ترجمة الرازي - ٢١٥٠١. والبداية والنهاية لابن كثير ١٣٥٤. وطبقات الشافعية للسبكي ٨٩٦. وشرح الطحاوية ١٢٤٤.
[ ١ / ٤٠٨ ]
السعادة العلم بالله وما يقرب إليه..
فالسعادة هو أن يكون العلم المطلوب هو العلم بالله وما يُقرّب إليه، ويعلم أنّ السعادة في أن يكون الله هو المحبوب المراد المقصود، ولا يحتجب بالعلم عن المعلوم؛ كما قال ذلك الشيخ العارف للغزالي لمّا قال له: أخلصتُ أربعين صباحًا، فلم يتفجّر لي شيء! فقال: يا بنيّ أنتَ أخلصتَ للحكمة، لم يكن الله هو مرادك، والإخلاص لله أن يكون الله هو مقصود المرء ومراده، فحينئذ تتفجّر ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه؛ كما في حديث مكحول عن النبيّ ﷺ: "من أخلص لله أربعين صباحًا تفجّرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"١٢.
_________________
(١) ١ رواه أبو نعيم بإسناده عن مكحول، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ وقال: كذا رواه يزيد الواسطي متصلًا، ورواه ابن هارون، ورواه أبو معاوية عن الحجاج، فأرسله. حلية الأولياء ٥١٨٩. وقال الألباني: حديث ضعيف انظر: السلسلة الضعيفة ١٥٥-٦٦. وانظر: المغني عن حمل الأسفار رقم ١٦٥٢. وانظر: تخريج أحاديث إحياء علوم الدين للحداد ٢١٠٥٢، ٦٢٤٠٦-٢٤٠٧. ٢ ذكر شيخ الإسلام ﵀ هذه الحكاية عن الغزالي في: درء تعارض العقل والنقل ٦٦٦.
[ ١ / ٤٠٩ ]
ولهذا تقول العامّة: قيمة كلّ امرئ ما يُحسن١، والعارفون يقولون: قيمة كلّ امرئ ما يطلب٢، وفي الإسرائيليّات: يقول الله تعالى: "إنّي لا أنظر إلى كلام الحكيم، وإنّما أنظر إلى همّته"٣.
فالنفس لها قوة الإرادة مع الشعور، وهما متلازمان. وهؤلاء لحظوا شعورها وأعرضوا عن إرادتها. وهي تتقوّم بمرادها، لا بمجرّد ما [تشعر] ٤ به؛ فإنّها تشعر بالخير والشرّ، والنافع والضارّ، ولكن لا يجوز أن يكون مرادها ومحبوبها إلا ما يُصلحها وينفعها؛ وهو الإله المعبود الذي لا يستحقّ العبادة غيره، وهو الله لا إله إلا هو، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
العلم الحق ما أخبرت به الرسل
ثمّ مع هذا يكون العلم حقًا، وهو ما أخبرت به الرّسل؛ فالعلم الحقّ هو ما أخبروا به، والإرادة النافعة إرادة ما أمروا به؛ وذلك عبادة الله وحده لا شريك له؛ فهذا هو السعادة، وهو الذي اتفقت عليه الأنبياء كلّهم؛ فكلّهم دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وذلك إنّما يكون بتصديق رسله [وطاعتهم] ٥.
السعادة متتضمنة للأصلين
فلهذا كانت السعادة متضمّنة لهذين الأصلين: الإسلام، والإيمان؛ عبادة الله وحده، وتصديق رسله؛ وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّ
_________________
(١) ١ هذه الحكمة منسوبة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁. انظر: نهج البلاغة ٤١٨. ٢ انظر: الجواب الصحيح ٦٣٥. ٣ انظر: الجواب الصحيح ٦٣٥. ٤ في «خ»: يشعر. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ في «ط»: وطاعته. وما أثبت من «خ»، و«م» .
[ ١ / ٤١٠ ]
محمدًا رسول الله، قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِيْنَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِيْنَ﴾ ١؛ قال أبو العالية٢: هما خصلتان يُسأل عنهما كلّ أحد؛ يُقال: لمن كنتَ تعبد، وبماذا أجبتَ المرسلين٣. وقد بُسط هذا في غير هذا الموضع٤. والله أعلم.
واتبع لها أسعد الناس في الدنيا والآخرة، وخير القرون القرن الذين شاهدوه مؤمنين به وبما يقول؛ إذ كانوا أعرف الناس بالفرق بين الحقّ الذي جاء به وبين ما يُخالفه، وأعظم محبّة لما جاء به وبُغضًا لما خالفه، وأعظم جهادًا عليه. فكانوا أفضل ممّن بعدهم في العلم، والدين، والجهاد؛ أكمل علمًا بالحقّ والباطل؛ وأعظم محبّة للحقّ وبُغضًا للباطل؛ وأصبر على متابعة الحقّ، واحتمال الأذى فيه، وموالاة أهله، ومعاداة أعدائه. واتّصل بهم ذلك [إلى] ٥ القرن الثاني، والثالث، فظهر ما بُعث به من الهدى ودين
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية ٦. ٢ هو رفيع بن مهران البصري، أبو العالية الرياحي. أدرك زمن النبيّ ﷺ وهو شابّ، وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، ودخل عليه. روى عن عليّ، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وأبيّ بن كعب، وغيرهم ﵃. وهو من ثقات التابعين المشهورين بالتفسير بالمدينة. انظر: سير أعلام النبلاء ٤٢٠٧. والتفسير والمفسرون لمحمد الذهبي ١١١٥. ٣ لم أجد هذا الأثر في المصادر التي اطّلعت عليها. ٤ انظر: درء تعارض العقل والنقل ٦٦٢-٧٠. وقاعدة في توحيد الإلهيّة وإخلاص العمل والوجه لله - ضمن مجموع الفتاوى ١٢٠-٣٢ - والتدمرية ص ١٦٥-١٧٨، ١٩٥-٢٠٦، ٢٣٢-٢٣٤. ومجموع الفتاوى ١١٨٩-٣١٠. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٨١-١٨٢. ٥ ما بين المعقوفتين مكانها بياض في «خ»، وهي في «م»، و«ط» .
[ ١ / ٤١١ ]
الحقّ على كلّ دين في مشارق الأرض ومغاربها؛ كما قال ﷺ: "زُوِيَت لي الأرضُ مشارقها ومغاربها، وسيبلغ مُلكُ أُمّتي ما زُوي لي منها"١.
وكان لا بُدّ أن يظهر في أمّته ما سبق به القدر، واقتضته نشأة البشر من نوعٍ من التفرّق والاختلاف، كما كان فيما غَبَر. لكن كانت أمّته ﷺ خيرَ الأمم، فكان الخير فيهم أكثرَ منه في غيرهم، والشرّ فيهم أقلَّ منه في غيرهم؛ كما يعرف ذلك من تأمّل حالهم وحال بني إسرائيل قبلهم.
وبنو إسرائيل هم الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاْ بَنِيْ إِسْرَاْئِيْلَ الْكِتَاْبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاْهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاْتِ وَفَضَّلْنَاْهُمْ عَلَىْ الْعَاْلَمِيْنَ وَآتَيْنَاْهُمْ بَيِّنَاْتٍ مِنَ الأَمْرِ فَمَاْ اخْتَلَفُوْا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَاْ جَاْءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًَا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِيْ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَاْمَةِ فِيْمَاْ كَاْنُوْا فِيْهِ يَخْتَلِفُوْنَ ثُمَّ جَعَلْنَاْكَ عَلَىْ شَرِيْعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَاْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاْءَ الَّذِيْنَ لا يَعْلَمُوْنَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوْا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًَا وَإِنَّ الظَّاْلِمِيْنَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاْءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِيْنَ﴾ ٢، وقال لهم موسى: ﴿يَاْ قَوْمِ اذْكُرُوْا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيْكُمْ أَنْبِيَاْءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوْكًَا وَآتَاْكُمْ مَاْ لَمْ يُؤْتِ أَحَدًَا مِنَ الْعَاْلَمِيْنَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه ٤٢٢١٥-٢٢١٦، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب في هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض. وأحمد في المسند ٥٢٧٨. وأبو داود في سننه ٤٤٥٠، ح (٤٢٥٢)، كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن. والترمذي في جامعه ٤٤٧٢، ح (٢١٧٦)، كتاب الفتن، باب ما جاء في سؤال النبي ﷺ ثلاثًا في أمّته. وابن ماجه في سننه ٢١٣٠٤، ح (٣٩٥٢)، كتاب الفتن، باب ما يكون من الفتن. وكلّهم أخرجوه من طريق أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان مرفوعًا. ٢ سورة الجاثية، الآيات ١٦-١٩. ٣ سورة المائدة، الآية ٢٠.
[ ١ / ٤١٢ ]
خصائص أمة محمد ﷺ
فإذا كان بنو إسرائيل الذين فضّلهم الله على العالَمين في تلك الأزمان، وكانت هذه الأمة خيرًا منهم، كانوا خيرًا من غيرهم بطريق الأولى. فكان ممّا خصّهم الله به أنّه لا يُعذّبهم بعذاب عامّ؛ لا من السماء، ولا بأيدي الخلق؛ فلا يُهلكهم بسنة عامة، ولا يُسلّط عليهم عدوًا من غيرهم فيجتاحهم؛ كما كان يُسلّط على بني إسرائيل عدوًّا يجتاحهم، حتى لا يبقى لهم دينٌ قائمٌ منصورٌ، ومن لا يقبل منهم يبقى مقهورًا تحت حكم غيرهم. بل لا تزال في هذه الأمّة طائفة ظاهرة على الحقّ إلى يوم القيامة١، ولا يجتمعون على ضلالة٢؛ فلا [تزال] ٣ فيهم أمّة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون٤.
وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "سألتُ ربّي
_________________
(١) ١ قال رسول الله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي يُقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة". رواه مسلم في صحيحه ٣١٥٢٤، رقم (١٧٣)، كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: "ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين "، و١١٣٧، رقم (٢٤٧)، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبيّنا محمد ﷺ. وأحمد في المسند ٣٣٤٥. وعند البخاري من حديث المغيرة بن شعبة ٦٢٦٦٧، كتاب الاعتصام، باب قوله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ" وهم أهل العلم. ٢ قال رسول الله ﷺ: "إنّ الله لا يجمع أمتي على ضلالة". أخرجه الترمذي في جامعه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ ٤٤٦٦، كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة. وللحديث شواهد أخرى عن أبي ذر وغيره أخرجها الدارمي في سننه ١٢٩. والحاكم في مستدركه ١١١٥. ٣ في «خ»: يزال. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ قال تعالى: ﴿ولتكن منكم أمّةٌ يدعونَ إلى الخيرِ وَيأمرونَ بالمعروفِ وينهونَ عنِ المُنْكَرِ وأولئك همُ المفلحون﴾ . سورة آل عمران، الآية ١٠٤.
[ ١ / ٤١٣ ]
ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنعني [عن] ١ واحدة؛ سألتُ ربّي أن لا يُسلّط عليهم عدوًّا من غيرهم فيجتاحهم، فأعطانيها؛ وسألتُه أن لا يُهلكهم بسنة عامّة، فأعطانيها؛ وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها" ٢.
معنى البأس
وهذا البأس نوعان؛ أحدهما: الفتن التي تجري عليهم. والفتنة تَرِدُ على القلوب، فلا [تعرف] ٣ الحقَّ، ولا [تقصده] ٤؛ فيؤذي بعضهم بعضًا بالأقوال والأعمال. والثاني: أن يعتدي أهل الباطل منهم على أهل الحقّ منهم، فيكون ذلك محنةً في حقّهم، يُكفّر الله بها سيِّئاتهم، ويرفع بالصبر عليها درجاتهم، وبصبرهم وتقواهم لا يضرّهم كيد الظالمين لهم، بل تكون العاقبة للتقوى، ويكونون من أولياء الله المتقين، وحزب الله المفلحين، وجند الله الغالبين؛ إذا كانوا من أهل الصبر واليقين؛ ف ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِر فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيْعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِيْنَ﴾ ٥. والمتعدّي منهم إمّا أن يتوبَ الله عليه كما تاب على إخوة يوسف بعد عدوانهم عليه، وآثره الله عليهم بصبره وتقواه؛ كما قال لمّا قالوا: ﴿أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوْسُفُ قَاْلَ أَنَاْ يُوْسُفُ وَهَذَاْ أَخِيْ قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَاْ إِنَّهُ مِنْ يَتَّقِ وَيَصْبِر فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيْعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِيْنَ قَاْلُوْا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَاْ وَإِنْ كُنَّاْ لَخَاْطِئِيْنَ قَاْلَ لا تَثْرِيْبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاْحِمِيْنَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ هو جزء من حديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ٤٢٢١٦، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض. ٣ في «خ»: يعرف. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: يقصده. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ سورة يوسف، الآية ٩٠. ٦ سورة يوسف، الآيات ٩٠-٩٢.
[ ١ / ٤١٤ ]
وكما فعل سبحانه بقادة الأحزاب الذين كانوا عدوًا لله وللمؤمنين، وقال فيهم: ﴿لا تَتَّخِذُوْا عَدُوِّيْ وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاْء﴾ ١، ثمّ قال: ﴿عَسَىْ اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِيْنَ عَاْدَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةٌ وَاللهُ قَدِيْرٌ وَاللهُ غَفُوْرٌ رَحِيْمٌ﴾ ٢؛ وفي هذا ما دلّ على أنّ الشخص قد يكون عدوًا لله، ثمّ يصير وليًّا لله، مواليًا لله ورسوله والمؤمنين؛ فهو سبحانه يتوب على من تاب، ومن لم يتب فإلى الله إيابه، وعليه حسابه. وعلى المؤمنين أن يفعلوا معه ومع غيره ما أمر الله به ورسوله؛ من قصد نصيحتهم، وإخراجهم من الظلمات إلى النّور، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر؛ كما أمر الله ورسوله، لا اتّباعًا للظنّ وما تهوى الأنفس، حتى [يكون] ٣ من خير أمة أخرجت للنّاس؛ يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله. وهؤلاء يعلمون الحقّ ويقصدونه، ويرحمون الخلق، وهم أهل صدقٍ وعدلٍ؛ أعمالهم خالصة لله، صوابٌ موافقة لأمر الله؛ كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ٤. قال [الفُضَيْل] ٥ بن عياض٦، وغيره: أخلصه، وأصوبه؛ والخالص أن يكون لله؛ والصواب أن يكون على السنّة٧.
_________________
(١) ١ سورة الممتحنة، الآية ١. ٢ سورة الممتحنة، الآية ٧. ٣ في «خ»: تكون. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ سورة الملك، الآية ٢. ٥ ما بين المعقوفتين لا توجد في «ط» . ٦ سبقت ترجمته. ٧ انظر: تفسير البغوي ٤٣٦٩. وقد أورده شيخ الإسلام ابن تيمية في عدة مواضع من كتبه، انظر: جامع الرسائل ١٢٥٧، ٢٢٢٦. والعبودية ص ٦٩-٧٠. ومجموع الفتاوى ١٣٣٣، ٧٤٩٥. والتدمرية ص ٢٣٣.
[ ١ / ٤١٥ ]
دين الإسلام
وهو كما قالوا؛ فإنّ هذين الأصلين هما دين الإسلام الذي ارتضاه الله؛ كما قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيْنًَا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاْهِيْمَ حَنِيْفًَا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاْهِيْمَ خَلِيْلًا﴾ ١؛ فالذي أسلم وجهه لله: هو الذي يُخلص نيّته لله، ويبتغي بعمله وجه الله. والمحسن: هو الذي يُحسن عمله؛ فيعمل الحسنات. والحسنات: هي العمل الصالح. والعمل الصالح: هو ما أمر الله به ورسوله؛ [من] ٢ واجبٍ ومستحبٍ. فما ليس من هذا ولاهذا، ليس من الحسنات، والعمل الصالح، فلا يكون فاعله محسنًا.
وكذلك قال لمن قال: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَاْنَ هُوْدًَا أَوْ نَصَاْرَىْ﴾ ٣، قال: ﴿تِلْكَ أَمَاْنِيُّهُمْ قُلْ هَاْتُوْا بُرْهَاْنَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَاْدِقِيْنَ بَلَىْ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُوْنَ﴾ ٤. وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيْنًَا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِيْ الآخِرَةِ مِنَ الْخَاْسِرِيْنَ﴾ ٥.
الإسلام دين جميع الأنبياء
والإسلام هو دين جميع الأنبياء والمرسلين ومن اتبعهم من الأمم؛ كما أخبر الله بنحو ذلك في غير موضع٦ من كتابه؛ فأخبر عن نوح٧،
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية ١٢٥. ٢ في «ط»: مزن. ٣ سورة البقرة، الآية ١١١. ٤ سورة البقرة، الآيتان ١١١-١١٢. ٥ سورة آل عمران، الآية ٨٥. ٦ قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ . سورة المائدة، الآية ٤٤. ٧ حكى الله تعالى عن نوح ﵇ أنه قال لقومه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ . سورة يونس، الآية ٧٢.
[ ١ / ٤١٦ ]
وإبراهيم، وإسرائيل١ [﵈] ٢ أنّهم كانوا مسلمين. وكذلك عن أتباع موسى٣، وعيسى٤ [﵉] ٥، وغيرهم٦.
معنى الإسلام
والإسلام هو أن يَستسلم لله، لا لغيره؛ فيعبد الله ولا يُشرك به شيئًا، ويتوَكَّل عليه وحده، ويرجوه، ويخافه وحده، ويُحبّ الله المحبّة التامّة، لا يُحبّ مخلوقًا كحبّه لله، بل يُحِبّ لله، ويُبغض لله، ويُوالي لله، ويُعادي لله. فمن استكبر عن عبادة الله لم يكن مسلمًا، ومن عبد مع الله غيره لم يكن مسلمًا. وإنّما تكون عبادتُه بطاعته؛ وهو طاعة رسله؛ [فَمَنْ] ٧ يُطع الرسول فقد أطاع الله٨؛ فكلّ رسول بُعث بشريعة، فالعمل بها في وقتها
_________________
(١) ١ وأخبر الله تعالى عن إبراهيم ويعقوب ﵉: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . سورة البقرة الآيات ١٣٠-١٣٢. ٢ ما بين المعقوفتين من «ط» فقط. ٣ حكى الله تعالى عن موسى ﵇ أنّه قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ . سورة يونس، الآية ٨٤. ٤ قال الله تعالى عن عيسى ﵇: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ . سورة آل عمران، الآية ٥٢. ٥ ما بين المعقوفتين من «ط» فقط. ٦ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فهذا دين الأولين والآخرين من الأنبياء وأتباعهم هو دين الإسلام؛ وهو عبادة الله وحده لا شريك له. وعبادته تعالى في كلّ زمان ومكان بطاعة رسله ﵈، فلا يكون عابدًا له من عبده بخلاف ما جاءت به رسله". الجواب الصحيح ١٨٣. وانظر: مجموع الفتاوى ٧٦٢٤. ٧ في «م»، و«ط»: من. ٨ انظر: معنى الإسلام كما أوضحه شيخ الإسلام ﵀ في كتاب الإيمان ص ٢٥٠-٢٥٢، ٣٤٦. ومجموع الفتاوى ٧٦٢٣، ٦٣٥. والفرقان ص ١٨٢. والتدمرية ص ١٦٩. والاستقامة ٢١٢٨.
[ ١ / ٤١٧ ]
هو دين الإسلام. وأمّا ما بُدِّل منها فليس من دين الإسلام. وإذا نُسخ منها ما نُسخ لم يبق من دين الإسلام؛ كاستقبال بيت المقدس في أول الهجرة بضعة عشر شهرًا، ثمّ الأمر باستقبال الكعبة١؛ وكلاهما في وقته دين الإسلام، فبعد النسخ لم يبق دين الإسلام إلا أن يُولّي المصلّي وجهه شطر المسجد الحرام٢.
فمن قصد أن يُصلّي إلى غير تلك الجهة، لم يكن على دين الإسلام؛ لأنّه يُريد أن يعبد الله بما لم يأمره. وهكذا كلّ بدعة تُخالف أمر الرسول؛ إمّا أن تكون من الدين المُبدّل الذي ما شرعه الله قطّ، أو من المنسوخ الذي نسخه الله بعد شرعه؛ كالتوجّه إلى بيت المقدس. فلهذا كانت السنّة في الإسلام كالإسلام في الدين؛ هو الوسط؛ كما قد شُرح هذا في غير موضع٣.
_________________
(١) ١ روى البخاري عند تفسير قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة البقرة، الآية ١٤٢]، عن البراء ﵁ أنّ رسول الله ﷺ صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت. وأنّه صلى - أو صلاها - صلاة العصر، وصلى معه قومٌ، فخرج رجل ممّن كان صلى معه، فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله لقد صليتُ مع النبي ﷺ قِبَل مكّة. فداروا كما هم قبل البيت. وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحوّل قبل البيت رجال قُتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . صحيح البخاري ٤١٦٣١، كتاب التفسير، باب: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ . ٢ ويُوضّح شيخ الإسلام ﵀ تفاوت الإيمان في حق العباد، وأنّ الأعمال إنّما تجب وتكون إيمانًا وإسلامًا إذا فُرضت عليهم. انظر: كتاب الإيمان ص ١٨٤-١٨٦. ٣ انظر: التدمرية ص ١٦٩-١٧٠. ومجموع الفتاوى ١٨٠، ١٨٩، ١٩٠، ٣١٠-٣١١. وقاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق ص ١٦-٢٧.
[ ١ / ٤١٨ ]
والمقصود هنا أنّه إذا ردّ ما تنازع فيه الناس إلى الله والرسول؛ سواء كان في الفروع أو [الأصول] ١، كان ذلك خيرًا وأحمدَ عاقبة؛ كما قال تعالى: ﴿يَاْ أَيُّهَاْ الَّذِيْنَ آمَنُوْا أَطِيْعُوْا اللهَ وَأَطِيْعُوْا الرَّسُوْلَ وَأُوْلِيْ الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَاْزَعْتُمْ فِيْ شَيْءٍ فَرُدُّوْهُ إِلَىْ اللهِ وَالرَّسُوْلِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُوْنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيْلًا﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿كَاْنَ النَّاْسُ أُمَّةً وَاْحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّيْنَ مُبَشِّرِيْنَ وَمُنْذِرِيْنَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَاْبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاْسِ فِيْمَاْ اخْتَلَفُوْا فِيْهِ وَمَاْ اخْتَلَفَ فِيْهِ إِلاَّ الَّذِيْنَ أُوْتُوْهُ مِنْ بَعْدِ مَاْ جَاْءَتْهُمُ الْبَيِّنَاْتُ بَغْيًَا بَيْنَهُمْ فَهَدَىْ اللهُ الَّذِيْنَ آمَنُوْا لِمَاْ اخْتَلَفُوْا فِيْهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِيْ مَنْ يَشَاْءُ إِلَىْ صِرَاْطٍ مُسْتَقِيْمٍ﴾ ٣.
وفي صحيح مسلم عن عائشة، [أنّ] ٤ النبيّ ﷺ كان إذا قام [يُصلّي] ٥ من اللّيْل يقول: "اللهمّ ربّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما [اختُلف] ٦ فيه من الحقّ بإذنك إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"٧.
_________________
(١) ١ في «خ»: الأصل. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ سورة النساء، الآية ٥٩. ٣ سورة البقرة، الآية ٢١٣. ٤ في «ط»: فأنّ. وما أثبت من «خ»، و«م» . ٥ ما بين المعقوفتين في «خ» . وليس في «م»، و«ط» . وفي صحيح مسلم، قالت عائشة ﵂: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: "اللهمّ رب " وذكرت الحديث. ٦ في «خ»: اختلفت. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ ١٥٣٤، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء.
[ ١ / ٤١٩ ]
أهل السنة
وهذه حال أهل العلم والحق والسنّة؛ يعرفون الحق الذي جاء به الرسول؛ وهو الذي اتفق عليه صريح المعقول وصحيح المنقول؛ ويدعون إليه؛ ويأمرون به نصحًا للعباد، وبيانًا للهدى والسداد. ومن خالف ذلك لم يكن لهم معه هوى، ولم يحكموا عليه بالجهل، بل [حكمه] ١ إلى الله والرسول؛ فمنهم من يُكفره الرسول، ومنهم من يجعله من أهل الفسق أو العصيان، ومنهم من يعذره ويجعله من أهل الخطأ المغفور. والمجتهد من هؤلاء المأمور بالاجتهاد، يجعل له أجرًا على فعل ما أمر به من الاجتهاد، وخطؤه مغفور له؛ كما دلّ الكتاب٢.
أهل البدع
وأمّا أهل البدع: فهم أهل أهواء وشبهات، يتّبعون أهواءهم فيما يُحبّونه ويُبغضونه، ويحكمون بالظنّ والشبه؛ فهم يتّبعون الظنّ وما تهوى
_________________
(١) ١ في «ط»: حكمة. وما أثبت من «خ»، و«م» . ٢ قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ . [سورة البقرة، الآيتان ٢٨٥-٢٨٦] . وثبت في صحيح مسلم أنّ الله سبحانه استجاب هذا الدعاء، وقال: قد فعلتُ. انظر: صحيح مسلم ١١١٦، كتاب الإيمان، باب بيان أنه ﷾ لا يُكلّف إلا ما يُطاق، رقم ٢٠٠. ومسند الإمام أحمد ١٢٣٣. وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ . [سورة الأحزاب، الآية ٥] . وانظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٤٤-١٤٦ - تحقيق د عبد الرحمن عبد الكريم اليحيى. وقال رسول الله ﷺ: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ، فله أجر". متفق عليه؛ أخرجه الإمام البخاري في صحيحه ٩١٣٣، كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب. والإمام مسلم في صحيحه ٣١٣٤٢، كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ.
[ ١ / ٤٢٠ ]
الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى. فكلّ فريقٍ منهم قد أصّل لنفسه أصلَ دينٍ [صنعه] ١؛ إمّا برأيه وقياسه الذي يُسمّيه عقليّات؛ وإمّا بذوقه وهواه الذي يُسمّيه ذوقيّات٢؛ وإمّا بما يتأوّله من القرآن، ويُحرّف فيه الكلم عن مواضعه، ويقول إنّه إنّما يتّبع القرآن كالخوارج٣؛ وإمّا بما يدّعيه في الحديث والسنّة ويكون كذبًا وضعيفًا كما يدّعيه الروافض٤؛ من
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: وضعه. ٢ قال صاحب التعريفات: "والذوق في معرفة الله عبارة عن نور عرفانيّ يقذفه الحقّ بتجلّيه في قلوب أوليائه، يُفرّقون به بين الحقّ والباطل من غير أن يتلقّوا ذلك من كتاب أو غيره". التعريفات ص ٤٤. وانظر: أيضًا تعريف الذوق في الرسالة القشيريّة ١٢٧١. وانظر: شرح الأصفهانية ٢٥١٦-٥١٧. ٣ المقصود أنّ الخوارج لا يأخذون بالسنة. وكل من خرج على الإمام الحقّ الذي اتفقت الجماعة عليه يُسمّى خارجًا. وأول من عرف بذلك، واشتهر به: الذين خرجوا على علي ﵁ في حروراء، وقاتلهم. وهم فرق كثيرة يقولون بتخليد صاحب الكبيرة، ويجمعهم القول بتكفير علي بن أبي طالب، وعثمان، والحكمين، وأصحاب الجمل، ومن رضي بالتحكيم وصوّب الحكمين أو أحدهما. ويجمعهم أيضًا القول بالخروج على الإمام إذا كان جائرًا. انظر: الملل والنحل ١١٤. والفرق بين الفرق ص ٧٢، ٧٣. والمقالات ١١٦٧. وانظر أيضًا: منهاج السنة النبوية ٣٤٦١. ٤ قال شيخ الإسلام ﵀: "وإنّما سُمّوا رافضة، وصاروا رافضة لمّا خرج زيد بن علي بن الحسين بالكوفة في خلافة هشام، فسألته الشيعة عن أبي بكر وعمر، فترحّم عليهما، فرفضه قومٌ، فقال: رفضتموني، رفضتموني. فسمّوا رافضة. وتولاّه قومٌ فسمّوا زيديّة؛ لانتسابهم إليه. ومن حينئذٍ انقسمت الشيعة إلى رافضة إماميّة، وزيديّة. وكلما ازدادوا في البدعة، ازدادوا في الشرّ. فالزيديّة خيرٌ من الرافضة، أعلم، وأصدق، وأزهد، وأشجع". منهاج السنة النبوية ٢٩٦. وانظر: المصدر نفسه ٣٤٧١. ومجموع الفتاوى ١٣٣٥-٣٦. وهم يغلون في علي بن أبي طالب ﵁، ويكفّرون أكثر الصحابة، إلا عددًا يسيرًا. وقد أخبر شيخ الإسلام ﵀ أنّ "أصل الرفض من المنافقين والزنادقة؛ فإنّه ابتدعه ابن سبأ الزنديق، وأظهر الغلوّ في عليّ بدعوى الإمامة والنصّ، وادّعى العصمة له". مجموع الفتاوى ٤٤٣٥، ٢٨٤٨٣. وانظر: في تعريف الرافضة: المقالات للأشعريّ ١٨٩. واعتقاد فرق المسلمين والمشركين للرازي ص ٥٢. والملل والنحل ١١٥٥. والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص ٣٦. وشرح حديث النزول لابن تيمية ص ٤٢٧. وبغية المرتاد ص ٣٤١.
[ ١ / ٤٢١ ]
النصّ والآيات. وكثيرٌ ممّن يكون قد وضع دينه برأيه أو ذوقه يحتجّ من القرآن بما يتأوّله على غير تأويله، ويجعل ذلك حجّة لا عمدة، وعمدته في الباطن على رأيه، كالجهميّة والمعتزلة في الصفات والأفعال، بخلاف مسائل الوعد والوعيد١؛ فإنّهم قد يقصدون متابعة النصّ.
_________________
(١) ١ يُراد بمسائل الوعد والوعيد عند الرافضة ما أُريد بها عند المعتزلة. ومسائل الوعد والوعيد بيّنها القاضي عبد الجبار المعتزلي بقوله: " وأما علوم الوعد والوعيد: فهو أنّ الله تعالى وعد المطيعين بالثواب، وتوعّد العصاة بالعقاب، وأنّه يفعل ما وعد به وتوعّد عليه لا محالة، ولا يجوز عليه التخلّف والكذب..". شرح الأصول الخمسة ص ١٣٥-١٣٦. والروافض في إثبات الوعيد فرقتان؛ إحداهما تُثبته لمخالفيهم خاصّة. والأخرى تُثبته للنّاس عامّة. يقول الأشعريّ في المقالات: "واختلفت الروافض في الوعيد، وهم فرقتان: فالفرقة الأولى منهم يُثبتون الوعيد على مخالفيهم، ويقولون: إنّهم يعذّبون، ولا يقولون بإثبات الوعيد فيمن قال بقولهم، ويزعمون أنّ الله سبحانه يدخلهم الجنّة، وإن أدخلهم النّار أخرجهم منها. ورووا في أئمتهم أنّ ما كان بين الشيعة وبين الناس من المظالم شفعوا لهم إليهم، حتى يصفحوا عنهم. والفرقة الثانية منهم يذهبون إلى إثبات الوعيد، وأنّ الله ﷿ يُعذّب كلّ مرتكب للكبائر من أهل مقالتهم كان، أو من غير أهل مقالتهم، ويُخلّدهم في النّار". المقالات للأشعريّ ١١٢٦. وانظر: منهاج السنة النبوية ٢٣٠٣.
[ ١ / ٤٢٢ ]
البدع نوعان
فالبدع نوعان: نوعٌ كان قصد أهلها متابعة النصّ والرّسول، لكن غلطوا في فهم النصوص، وكذّبوا بما يُخالف ظنّهم من الحديث ومعاني الآيات؛ كالخوارج، وكذلك الشيعة المسلمين، بخلاف من كان منافقًا زنديقًا١ يُظهر التشيّع، وهو في الباطن لا يعتقد الإسلام. وكذلك المرجئة قصدوا اتباع الأمر والنهي، وتصديق الوعيد مع الوعد.
ولهذا قال عبد الله بن المبارك٢، ويوسف بن أسباط٣، وغيرهما إنّ الثنتين وسبعين فرقة٤ أصولها أربعة: الشيعة، والخوارج، والمرجئة، والقدريّة.
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ﵀ عن لفظ الزندقة أنّه "لا يُوجد في كلام النبي ﷺ، كما لا يُوجد في القرآن. وهو لفظٌ أعجميّ معرّب، أُخذ من كلام الفرس بعد ظهور الإسلام وعُرِّب. وقد تكلّم به السلف والأئمة؛ في توبة الزنديق، ونحو ذلك. فأمّا الزنديق الذي تكلّم الفقهاء في قبول توبته في الظاهر، فالمراد به عندهم المنافق الذي يُظهر الإسلام، ويُبطن الكفر، وإن كان مع ذلك يُصلّي ويصوم ويحجّ ويقرأ القرآن، وسواء كان في باطنه يهوديًا أو نصرانيًا أو مشركًا أو وثنيًا، وسواء كان معطِّلًا للصانع وللنبوّة، أو للنبوّة فقط، أو لنبوّة نبيِّنا ﷺ فقط، فهذا زنديق، وهو منافق. وما في القرآن والسنّة من ذكر المنافقين يتناول مثل هذا بإجماع المسلمين". بغية المرتاد ص ٣٣٨. ٢ سبقت ترجمته. ٣ يوسف بن أسباط الزاهد، من سادات المشايخ. له مواعظ وحكم. وثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: لا يُحتجّ به. وقال البخاري: دفن كتبه، فكان حديثه لا يجيء كما ينبغي. انظر: سير أعلام النبلاء ٩١٦٩. وحلية الأولياء ٨٢٣٧. وشذرات الذهب ١٣٤٣. ٤ يُشير إلى حديث: "إنّ أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملّة، وإنّ هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملّة - يعني الأهواء - كلّها في النار إلا واحدة وهي الجماعة. ..". أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤١٠٢. وأبو داود في سننه ٥٥، كتاب السنّة، باب شرح السنّة. والحاكم في مستدركه ١١٢٨، وصحّحه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٤٢٣ ]
الجهمية أصل دينهم المعقول
وأمّا الجهميّة النافية للصفات، فلم يكن أصل دينهم اتباع الكتاب والرسول١؛ فإنّه ليس في الكتاب والسنّة نصّ واحدٌ يدلّ على قولهم، بل نصوص الكتاب والسنّة متظاهرة بخلاف قولهم، وإنّما يدّعون التمسّك بالرأي المعقول. وقد بُسط القول على بيان فساد حججهم العقليّة، وما يدّعيه بعضهم من السمعيّات، وبُيِّن أنّ المعقول الصريح موافق للمنقول الصحيح في بطلان قولهم، لا مخالف له٢.
الكلام في أفعال الرب تعالى
والمقصود هنا: الكلام في أفعال الربّ؛ فإنّ الجهميّة والمعتزلة ومن اتبعهم صاروا يسلكون فيه بأصلٍ أُصِّل بالمعقول، و[يجعلونه] ٣ العمدة، وخاضوا في لوازم القدر برأيهم المحض، فتفرّقوا فيه تفرّقًا عظيمًا، وظهر بذلك حكمة نهي النبيّ ﷺ لأمّته عن التنازع في القدر، مع أنّ المتنازعين كان كلّ منهما يُدلي بآية، لكن كان ذلك يُفضي إلى إيمان كلّ طائفة ببعض الكتاب دون البعض، فكيف إذا كان المتنازعون [عمدتهم] ٤ رأيهم.
_________________
(١) ١ وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٥٣٠٢، ٣٠٩،، ٧١١٠. وكتاب الصفدية ٢٢٣٩-٢٤٠. ومجموع الفتاوى ٣٣٥٠-٣٥٤. وشرح الطحاوية ٢٧٩٥. ورسالة السجزي إلى أهل زبيد ص ٢١٦. وشرح السنة للبربهاري ص ٥٧. ٢ وقد هدم شيخ الإسلام ﵀ قانون المتكلّمين العقليّ الذي جعلوه مقدّمًا على الأدلّة السمعيّة، والتزموا لأجله لوازمَ ردّوا بها كثيرًا من أمور العقيدة. وقد بسط ذلك - ﵀ - في كتابه الكبير: «درء تعارض العقل والنقل» . ٣ في «خ»، و«م»: يجعلون. وما أثبت من «ط» . ٤ في «خ»: عهدتهم. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٤٢٤ ]
أحاديث النهي عن التنازع في القدر
والحديث رواه أهل المسند والسنن [مفصّلًا] ١، ورواه مسلم٢ مجملًا عن عبد الله بن رباح الأنصاري أنّ عبد الله بن عمرو قال: هجَّرتُ٣ إلى رسول الله ﷺ يومًا، فسمع [أصوات] ٤ رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا ﷺ يُعرف في وجهه الغضب، فقال: "إنّما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب".
وقال الإمام أحمد في المسند: [ثنا] ٥ أبو معاوية، [حدثنا] ٦ داود ابن أبي هند، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه٧ قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم، والنّاس يتكلّمون في القدر. قال: فكأنّما يُفْقأ في وجهه حبّ الرمّان من الغضب. قال: فقال: "ما لكم تضربون كتاب الله بعضَه ببعض؟ بهذا هَلَكَ من كان قبلكم" قال٨: فما غبطتُ نفسي بمجلسٍ فيه رسول الله ﷺ لم أشهده، ما غبطتُ نفسي بذلك المجلس أنّي لم أشهده". وهذا حديث محفوظ من [رواية] ٩ عمرو بن شعيب. وقد رواه ابن ماجه
_________________
(١) ١ في «خ»: متصلًا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ صحيح مسلم ٤٢٠٥٣، كتاب العلم، باب النهي عن اتباع متشابه القرآن، والتحذير من متبعيه، والنهي عن الاختلاف في القرآن. ٣ قال ابن الأثير: "التهجير: التبكير إلى كلّ شيء، والمبادرة إليه؛ يُقال: هجّر يُهجّر تهجيرًا فهو مُهجِّر". النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥٢٤٦. ٤ في «خ»: أصواتًا. وفي «م»، و«ط»: صوت. وما أثبت من صحيح الإمام مسلم ﵀. ٥ في «م»، و«ط»: حدثنا. ٦ في «م»، و«ط»: ثنا. ٧ عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. ٨ أي عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. ٩ في «خ»: روايته. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٤٢٥ ]
من حديث أبي معاوية١.
وكتب أحمد في رسالته إلى المتوكّل٢ هذا الحديث. وجعل يقول في مناظرته لهم يوم الدار في المحنة: إنّا قد نُهينا عن أن نضرب كتاب الله بعضه ببعض٣.
وروى هذا المعنى: الترمذي من حديث أبي هريرة٤، وقال:
_________________
(١) ١ رواه أحمد في المسند ٢١٧٨، ١٩٦. وابن ماجه في السنن ١٣٣، في المقدمة، باب في القدر. وأخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١١١٥، ٣٦٢٧. والبغوي في شرح السنّة١٢٦٠. وقال محقّقاه: إسناده حسن. وأخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده - كما في زوائد ابن ماجه ١٥٣ - وقال الساعاتي عن رواية الإمام أحمد: وقال البوصيريّ: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات. وانظر: الفتح الرباني ١١٤٢. وقد حسّنه محقّق جامع الأصول ١٠١٣٥ عبد القادر الأرناؤوط. ورواه الآجري بسنده عن أبي أمامة في الشريعة ص ٦٨. وقال الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح ١٣٦: سنده حسن، وقال في تعليقه على شرح الطحاوية ص ٢١٨: صحيح. ٢ ذكر هذه الرسالة بنصها عبد الله بن الإمام أحمد رحمهما الله في كتاب السنّة ص ٢١-٢٦. وأبو نعيم في الحلية - عند ترجمة الإمام أحمد - ٩٢١٦-٢١٩. وهي رسالة أرسلها الإمام أحمد ﵀ جوابًا لرسالة وصلته من وزير المتوكل عبيد الله بن يحيى بن خاقان يُخبره أنّ أمير المؤمنين أمره أن يكتب إليه، يسأله عن أمر القرآن، لا مسألة امتحان، ولكن مسألة معرفة وبصيرة.. وقال الذهبي عن هذه الرسالة: "رواة هذه الرسالة عن أحمد أئمة أثبات، أشهد بالله أنّه أملاها على ولده". تاريخ الإسلام. ومقدمة المسند لأحمد شاكر ١١٢٤. ٣ كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ٤ أخرج الترمذي بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمرّ وجهه؛ حتى كأنّما فُقئ في وجنتيه حبُّ الرّمّان، فقال: أبهذا أُمرتم؟ أم بهذا أُرسلت إليكم؟! إنّما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر. عزمتُ عليكم ألاّ تنازعوا فيه" الحديث أخرجه الترمذي في جامعه ٤٤٤٣، كتاب القدر، باب ما جاء في التشديد في الخوض في القدر. وقال: وفي الباب عن عمر، وعائشة، وأنس. وهذا الحديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، من حديث صالح المرّيّ، وصالح المرّيّ له غرائب يتفرّد بها، لا يُتابع عليها. وانظر: درء تعارض العقل والنقل ١٤٩،، ٢١٠٤.
[ ١ / ٤٢٦ ]
حديث حسن غريب.
شبهة من ينكر صفات الله
قال١: وفي الباب الذي [فررت] ٢ منه؛ فإنّه لمّا قيل: إنّ له حياة، وعلمًا، وقدرة، وإرادة، وغضبًا، ورضي، ونحو ذلك، قلتَ: هذا يستلزم أن يكون موافقًا للمخلوق في مسمّى هذه الأسماء. وهذا تشبيه٣. فقيل لك٤: هذا يلزم مثله في الذات؛ فإن قيل بتعطيل الذات٥، فذلك يستلزم ما فررت منه؛ من ثبوت جسم قديم حامل للأعراض والحركات. وإذا كان هذا لازمًا لك على تقدير نفي الذات كما ثبت أنّه لازمٌ على تقدير إثباتها، كان لازمًا على تقدير النقيضين؛ النفي والإثبات. وما كان كذلك لم يمكن
_________________
(١) ١ لم يتبيَّن لي القائل، والكلام الذي سيأتي غير واضح. ولا أدري أهو من كلام الترمذيّ، أم من كلام شيخ الإسلام - فلعله رجع بعد الاستطراد انظر: ص ٤٩٩؛ فليس هذا الكلام في نسخ جامع الترمذي التي بين أيدينا. ٢ في «خ»: قررت. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ وهذا الكلام - كما يُفهم - من كلام مَن يُنكر صفات الله؛ كالجهميّة، والمعتزلة. وهذه حجّتهم؛ إذ أنّهم لم يفهموا من صفات الخالق إلا ما هو من صفات المخلوق؛ فشبّهوا، ثمّ عطّلوا. ٤ المقصود به الجهمي والمعتزلي الذي يُعطِّل الصفات ويُثبت الذات. فيُقال له: القول في الصفات كالقول في الذات. ٥ وهذا قول ملاحدة الصوفية، وغلاة الفلاسفة الذين يقولون بالوجود المطلق الذي لا حقيقة له في الأعيان.
[ ١ / ٤٢٧ ]
نفيه. و[أمّا] ١ نحن فقد بيَّنَّا أنّ اللازم على تقدير إثباتها لا محذور فيه، وإنّما المحذور لازم على تقدير نفيها. وهذا قد بُسط في غير هذا الموضع٢.
مناقشة من ينفي الحكمة
والمقصود هنا: أنه يُقال لهؤلاء٣ الذين ينفون الحكمة، ثمّ الإرادة،
_________________
(١) ١ في «خ»: انما. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ انظر: العقيدة التدمرية ص ١٥-٣٠، ٣٥-٤٦. وشرح الأصفهانية ٢٣٨٤-٣٨٨، ٤٤١-٤٤٥، ٤٥٠، ٤٥٧-٤٦٧. ودرء تعارض العقل والنقل ١١٢٨، ١٢٩، ٦١١٩-١٣٧. والرد على المنطقيين ص ٢٢٥-٢٣٢. ومنهاج السنة ٢١١٥-١٢٠، ١٦٠-١٧٢، ٥٩٥-٥٩٨. وكتاب الصفدية ١٨٨، ٢٣٤-٣٧. ٣ المقصود بهم الفلاسفة، والجهميّة. وانظر: ص ٥٣٣. فهم ينفون تعليل أفعال الله ﷾، وأن يكون مختارًا في أفعاله، ويقولون هو موجب بالذات، فلا يكون فعله لغاية. انظر: الإشارات والتنبيهات لابن سينا ٣١٥٠-١٥٥. وكذا انظر: بيان تلبيس الجهمية ١١٦١. وقال شيخ الإسلام عن الحكمة: "كل ما خلقه الله فله فيه حكمة؛ كما قال: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وقال: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ . وهو سبحانه غنيّ عن العالمين. فالحكمة تتضمّن شيئين؛ أحدهما حكمة تعود إليه يُحبّها ويرضاها. والثانية إلى عباده، هي نعمه عليهم يفرحون بها، ويلتذّون بها. وهذا في المأمورات، وفي المخلوقات". مجموع الفتاوى ٨٣٥-٣٦. وذكر شيخ الإسلام ﵀ أقوال النّاس في الحكمة، فقال عن الجهميّة: "ُنكرون التعليل جملة، ولا يُثبتون إلا محض المشيئة، ولا يجعلون في المخلوقات والمأمورات معاني لأجلها كان الخلق والأمر، إلى غير ذلك من لوازم قولهم. والمعتزلة يُثبتون تعليلًا متناقضًا في أصله وفرعه؛ فيُثبتون للفاعل تعليلًا لا تعود إليه حكمة" درء تعارض العقل والنقل ٨٥٤. أمّا الفلاسفة، فيقول عنهم شيخ الإسلام ﵀ إنّهم "ُثبتون علة غائيّة للفعل، وهي بعينها للفاعل. ولكنّهم متناقضون؛ فإنّهم يُثبتون له العلّة الغائيّة، ويُثبتون لفعله العلة الغائيّة، ويقولون مع هذا ليس له إرادة، بل هو موجب بالذات، لا فاعل بالاختيار. وقولهم باطل من وجوه " مجموعة الرسائل والمسائل ٤-٥٢٨٨. ويذكر شيخ الإسلام ﵀ تناقض الجهميّة والمتفلسفة في موضع آخر؛ فيقول: "لمتفلسفة متناقضون؛ فإنّهم يُثبتون غاية وحكمة غائيّة، ولا يُثبتون إرادة. والجهميّة تُثبت أنّه سبحانه مريد، ولا تُثبت له حكمة فعل لأجلها. وكلّ من القولين متناقض" شرح الأصفهانيّة ٢٣٧٨. وانظر: الكلام عن الحكمة وأقوال الناس فيها في كتب شيخ الإسلام: شرح الأصفهانية ١١٥٠-١٥٥، ٢٣٥٣-٣٧٨. ومنهاج السنة النبوية ١١٣٣-١٤٨، ٤٥٤، ٢٦١٢-٦١٥، ٣١٤، ٣٢، ١٨٠-١٩٨، ٢٠٧، ٢١٤-٢١٥. ودرء تعارض العقل والنقل ٨٥٤، ٩١١٠-١١١. ومجموع الرسائل ٤-٥٢٣٤-٢٣٥، ٢٤٠. وانظر: رسالة أقوم ما قيل في المشيئة والحكمة والقضاء والقدر والتعليل وبطلان الجبر - ضمن مجموع الرسائل والمسائل ٤-٥٢٨٣-٣٤٦ - وهي في مجموع الفتاوى ٨٨١-١٥٨. ومجموع الفتاوى ٦١٢٨-١٣٠،، ٨٣٥، ٥٧، ٣٧٧-٣٧٨، ٤٦٦-٤٦٨، ١٦١٢٩-١٣٣، ٢٩٦-٢٩٨، ١٧٩٥، ٩٦، ٩٩وبيان تلبيس الجهمية ١١٦٣-٢١٧. واقتضاء الصراط المستقيم ١٤٠٩. وانظر: الإرشاد للجويني ص ٢٦٨ وما بعدها. ونهاية الإقدام للشهرستاني ص ٢٩٧. ومحصل أفكار المتقدمين للرازي ص ٢٠٥. والفصل لابن حزم ٣١٧٤. والمغني في أبواب التوحيد والعدل لعبد الجبار الهمذاني ٦٤٨، ١١٩٢-٩٣. ولعل القول الذي قصده شيخ الإسلام ﵀ أنّه يُقال للفلاسفة نظير ما قيل لنفاة الصفات، هو ما صرّح به بقوله: "على هذا فكلّ ما فعله علمنا أنّ له فيه حكمة. وهذا يكفينا من حيث الجملة، وإن لم نعرف التفصيل. وعدم علمنا بتفصيل حكمته بمنزلة عدم علمنا بكيفيّة ذاته، وكما أنّ ثبوت صفات الكمال له معلوم لنا. وأما كنه ذاته فغير معلومة لنا، فلا نُكذّب بما علمناه ما لم نعلمه. وكذلك نحن نعلم أنّه حكيم فيما يفعله ويأمره، وعدم علمنا بالحكمة في بعض الجزئيّات لا يقدح فيما علمناه من أصل حكمته. فلا نُكذّب بما علمناه من حكمته ما لم نعلمه من تفصيلها" مجموعة الرسائل ٤-٥٢٣٣.
[ ١ / ٤٢٨ ]
ثمّ الفعل في الأفعال نظير ما قيل لأولئك١ في الصفات، ويجعل مبدأ الكلام من الإرادة في الموضعين٢. فيُقال لمن أثبتها، ونفى الحكمة من المنتسبين إلى إثبات القدر٣، والمنتسبين إلى أهل السنة والجماعة: لم نفيتم الحكمة؟ فإذا قالوا: لأنّا لا نعرف من يفعل [لحكمة] ٤ إلا من يفعل
_________________
(١) ١ والمقصود بهم المعتزلة والجهميّة. وقد مرّ إلزامات المؤلف ﵀ لهم قبل أسطر؛ وهو أن يُقال للجميع: يلزمكم التشبيه بالمقدار الذي تُثبتونه لخالقكم ومعبودكم، وإلا أثبتوا حكمته من غير تشبيه. ٢ وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنّ نفي الحكمة هو أصل حجة الفلاسفة على نفي الصانع، فقال: "هذه الحجة لما كان أصلها هو البحث عن حكمة الإرادة، ولم فعل ما فعل؛ وهي مسألة القدر، ظهر بها ما كان السلف يقولونه: إن الكلام في القدر هو أبو جاد الزندقة. وعلم بذلك حكمة نهيه ﷺ لما رآهم يتنازعون في القدر عن مثل ما هلك به الأمم، قال لهم: بهذا هلكت الأمم قبلكم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض. وعن هذا نشأ مذهب المجوس القدرية، مجوس هذه الأمة، حيث خاضوا في التعديل والتجويز بما هو من فروع هذه الحجة، كما أن التجهم من فروع تلك الحجة" بيان تلبيس الجهمية ١١٦٣. ٣ والمقصود بهم الأشاعرة؛ فهم قد أثبتوا الإرادة، ونفوا الحكمة. وانظر: كتاب الصفدية ١١٤٧-١٤٨،، ٢٣٣١. "قد ردّ ابن تيمية على نفاة الحكمة من الأشاعرة، وذلك لأنّ إثبات النبوة مبنيّ على إثبات صفة الحكمة لله تعالى، والمتكلمون ينفون أن تكون أفعال الربّ تعالى واقعة لسبب، أو لعلّة، أو لغرض، بمعنى آخر: ينفون أن يكون الله تعالى يفعل شيئًا لشيء آخر. ومثال ذلك: أن تكون المعجزة مفعولة للربّ لغرض إثبات نبوّة الأنبياء؛ فهم ينفون ذلك الغرض، وهو في الحقيقة نفيٌ لحكمته سبحانه. ومن نفى صفة الحكمة عن الله تعالى فقد انسدّ عليه طريق إثبات النبوّة. لذا وجدناه يُقرّر أنّه قد أجمع المسلمون على أنّ الله تعالى موصوفٌ بالحكمة، ولكنّهم تنازعوا في تفسير ذلك.." النبوة عند ابن تيمية لسعيد خليفة ص ٣٣٣-٣٣٤. رسالة ماجستير مكتوبة على الآلة. وانظر: النبوات ص ٨٢١. ٤ في «ط»: الحكمة. وما أثبت من «خ»، و«م» .
[ ١ / ٤٣٠ ]
لغرضٍ يعود إليه. وهذا لا يكون إلا فيمن يجوز عليه اللذّة، والألم، والانتفاع، والضرر، والله منزّهٌ عن ذلك١. فيُقال لهم ما قاله نفاة الإرادة٢، وأنتم لا تعقلون إرادة إلا فيمن يجوز عليه اللذّة والألم والانتفاع والضرر، وقد قلتم أنّ الله تعالى مريدٌ؛ فإمّا أن تطردوا أصلكم النافي، فتنفوا الإرادة؛ أو المثبت، فتُثبتوا اللذّة، وإلا، فما المفرق٣؟ فإذا قال نفاة الإرادة٤: فلهذا نفينا الإرادة؛ كما رجّحه الرازي في المطالب العالية٥، واحتجّ به الفلاسفة. قيل لهم: فانفوا أن يكون فاعلًا، فإنكم لا تعلمون فاعلًا غير مقهور إلا بإرادة، ولا يعقلون ما يفعل ابتداءً إلا بإرادة، أو فاعلًا حياءً إلا بإرادة، أو فاعلًا مطلقًا إلا بإرادة٦.
_________________
(١) ١ انظر: التمهيد للباقلاني ص ٥٠ - حيث ذكر هذا الكلام بنصّه. وكتاب الأربعين للرازي ص ٢٥٠. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٣١-٣٣٢. وقد ردّ شيخ الإسلام ﵀ على هذه الحجة بأربعة وجوه. انظر: شرح الأصفهانيّة ٢٣٦٩-٣٧١. ٢ من الجهميّة والمعتزلة. ٣ معنى ذلك: "إذا أردتم به أنّ حكمة الله هي ما ذكرتم، فهي دعوى بلا برهان؛ لأنّ حكمة الربّ تعالى فوق تحصيل اللذّة ودفع الألم، بل هو يتعالى عن ذلك؛ لأنّ ما ذكر غرض المخلوق. أمّا الخالق سبحانه فهو غنيّ بذاته عن كلّ ما سواه، حكمته سبحانه لا تُشابه حكمة المخلوقين، كما أنّ إرادته وسائر صفاته لا تُشابه صفات المخلوقين. فحكمته سبحانه أجلّ وأعلى من أن يُقال إنّها تحصيل لذّة، أو دفع ألم وحزن". الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى ص ٧٢. وانظر: التدمرية ص ٣٤. ٤ الجهميّة والمعتزلة. ٥ انظر: المطالب العالية للرازي ٣٢١٧. ٦ المقصود أنّ المعتزلة القدرية يُثبتون أنّ الله فاعل. وشيخ الإسلام ﵀ يلزمهم بإثبات الإرادة؛ لأنّه لا يعقل فاعل غير مقهور إلا بإرادة.
[ ١ / ٤٣١ ]
فإن قال أتباع أرسطو١:
_________________
(١) ١ أرسطو: هو أرسطو بن نيقوماخس (٣٨٤ - ٣٢٢ ق. م) . يُسمّونه المعلم الأول. ولد في مدينة أسطاغيرا اليونانيّة. وكان أفلاطون يُعلّم الفلسفة ماشيًا، وتابعه على ذلك أرسطو فسمّي هو وأصحابه المشائين. انتهت إليه فلسفة اليونان، وكان هو خاتمتهم. وكان مُشركًا يعبد الأصنام. وقد عنى فلاسفة المسلمين بفلسفة أرسطو، وسمّوه معلّمهم الأول) . انظر: الفهرست ص ٣٠٧-٣١٢. وطبقات الأطباء والحكماء ص ٢٥-٢٧. والملل والنحل للشهرستاني ٣٣٧-٦٣. مجموع الفتاوى ١١١٧١-١٧٢. والرد على المنطقيّين ص ١٨٦، ٢٨٣. والفرق بين الفرق ص ٣٠٧-٣٠٨. وقد ذكر شيخ الإسلام عن أرسطو أنّه "أوّل من صرّح بقدم الأفلاك، وأنّ المتقدمين قبله من الأساطين كانوا يقولون إنّ هذا العالم محدَث وأصحاب التعاليم كأرسطو وأتباعه كانوا مُشركين يعبدون المخلوقات، ولا يعرفون النبوات، ولا المعاد البدني، وإنّ اليهود والنصارى خيرٌ منهم في الإلهيّات، والنبوات، والمعاد". منهاج السنة النبوية ١٣٦٠، ٣٦٤. وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٢١٦٧. وشرح الأصفهانية ١٦٥. والجواب الصحيح ١٣٤٥. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٨٠-٨١. أمّا عن مجمل اعتقاد أرسطو وأتباعه، فإنّهم يقولون: أنّ الله تعالى ليس هو خالق هذا العالم، بل لم يخلق شيئًا، وإنّما العالم قديم، وإنّما صدر عن الله العقل الأول لا على سبيل الخلق والإيجاد، وإنّما عن طريق ما يُسمّونه بالفيض والصدور، وأنّ الله هو علّة موجبة بذاته، وهو واحد لا يصدر عنه إلا واحد، ولذلك صدر عنه العقل الأوّل، وعن هذا العقل صدر عقل ثان، ونفس، وفلك. وعن العقل الثاني صدر عقل ثالث، ونفس، وفلك، وهكذا إلى أن أصبح هناك عشرة عقول، وتسعة نفوس وأفلاك. والعقل عند الفلاسفة بمنزلة الذكر، والنفس بمنزلة الأنثى. وأراد بعضهم التوفيق بين الفلسفة والشريعة، فقالوا: إنّ العرش هو الفلك التاسع. وربّما جعل بعضهم النفس هي اللوح المحفوظ، كما جعل العقل هو القلم. وتارة يجعلون اللوح هو العقل الفعّال العاشر، أو النفس المتعلقة به وزعموا أنّ العقول والنفوس هي الملائكة، وأنّهم التسعة عشر الذين على سقر، وأنّ جبريل هو العقل الفعّال، وأنكروا وجود الملائكة. ثمّ يزعمون أنّ هذه النفوس الفلكيّة هي المؤثرة الفعالة في القوى الأرضيّة المنفعلة، وأنّ القوى السماوية هي أسباب لحدوث الكائنات العنصرية؛ فهم يُثبتون بذلك صدورًا للمخلوقات بعضها عن بعض دون إرادة الله تعالى وعلمه ومشيئته، ويُثبتون كذلك التأثير في عالم الأرض، هو من عالم السموات والأفلاك. وأمّا تدبير الأمور اليوميّة؛ أي الحوادث الجزئيّة، وأنّه تعالى ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فليس لله عندهم في ذلك تأثير، وأسقطوا عن الله تعالى رعايته لهذا الكون، وإمساكه عن الزوال والفناء. وقد أوجبوا وجود نبيّ يستقيم به نظام الكون، وهو عندهم بمثابة الرئيس المدنيّ. والفيلسوف أفضل منه؛ لأنّ النبيّ يتلقى وحيه وعلمه عن طريق القوة المتخيلة، والفيلسوف يتلقى علمه عن طريق القوة الناطقة المفكرة. والقوة المفكرة عندهم هي الرئيسيّة المتحكمة في المتخيلة. انظر: مقارنة بين الغزالي وابن تيمية ص ٧٩. والنبوة عند ابن تيمية ص ٣٧٠-٣٧١. ونقض المنطق ص ٩٩-١٠٦. وتفسير سورة الإخلاص ص ٤٩. وكتاب الصفدية ١٧-٩، ٢٨٠. والفارابي وآراء المدينة الفاضلة ص ٥٥، ٦١، ٨٩، ١١٢. والنجاة لابن سينا ص ٣١٠-٣١١.
[ ١ / ٤٣٢ ]
فلهذا قلنا إنّه لا يفعل شيئًا١، وليس بموجب بذاته شيئًا، لكن قلنا:
_________________
(١) ١ وقال شيخ الإسلام ﵀ موضّحًا هذا المعنى في كتابه الردّ على المنطقيّين: "فإنّ هؤلاء حقيقة قولهم أنّه لم يخلق شيئًا. ومتقدّموهم كأرسطو وأتباعه على أنّه يتحرّك الفلك للتشبّه بها. فليس هو عندهم لا موجبًا بالذات، ولا فاعلًا بالمشيئة. وأما ابن سينا وأمثاله ممّن يقول إنّه موجب بذاته، فهم يقولون ما يعلم جماهير العقلاء أنّه مخالف لضرورة العقل؛ إذ يُثبتون مفعولًا ممكنًا يمكن وجوده، ويمكن عدمه، وهو مع هذا قديمٌ أزليّ لم يزل ولا يزال، وهو مفعول معلول لعلّة فاعلة لم يزل مقارنًا لها في الزمان. فكل من هذين القولين ممّا خالفوا فيه جماهير العقلاء من الأولين والآخرين ". الرد على المنطقيين ص ٥٢٤-٥٢٥. وانظر: المصدر نفسه ص ٢٢٠. ودرء تعارض العقل والنقل ١١٢٦، ١٢٧، ٦٦٩-٧٠، ٨٢١٦-٢٢٤، ٢٩٠. ومنهاج السنة ١١٤٩-١٥٠، ٤٠٢، ٤٠٥، ٣٢٧١-٢٨٩. وشرح الأصفهانية ١٩٣. وكتاب الصفدية ٢٣٣٤-٣٣٥.
[ ١ / ٤٣٣ ]
إنّ الفلك يتشبّه به، أو قال من هو أعظم تعطيلًا منهم: فلهذا نفينا الأول بالكليّة، ولم [نُثبت] ١ علّة تفعل، ولا علّة يُتشبّه بها. قيل لهم٢: فهذه الحوادث مشهودة، وحركة الكواكب، والشمس، والقمر مشهودة، فهذه الحركات الحادثة، وغيرها من الحوادث؛ مثل السحاب، والمطر، والنبات، والحيوان، والمعدن، وغير ذلك ممّا يُشهد حدوثه؛ أحدث بنفسه من غير أن يُحدثه محدِث قديم، أو لا بُدّ للحوادث من محدِث قديم؟
فإن قالوا: بل حَدَثَ كلّ حادث بنفسه، من غير أن يُحدثه أحد٣: كان هذا ظاهر الفساد، يُعلم بضرورة العقل أنّه في غاية المكابرة، ونهاية السفسطة، مع لزوم ما فرّوا منه؛ فإنّهم فرّوا من أن يكون ثَمَّ فاعلٌ محدِث، وقد أثبتوا فاعلًا محدِثًا، لكن جعلوا كلّ حادِث هو يحدث بنفسه ويفعلها؛ فجعلوا ما ليس بشيء يجعل الشيء، وجعلوا المعدوم يُحدث الموجود؛ فلزمهم ما فرّوا منه من إثبات فاعل، مع ما لزمهم من الكفر العظيم، وغاية الجهل، وغاية فساد العقل.
_________________
(١) ١ في «خ»: يثبت. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ أي لهؤلاء الذين ينكرون وجود الله. وقد ردّ عليهم شيخ الإسلام ﵀ بهذا الطريق العقليّ المذكور في القرآن الكريم في كتابه شرح الأصفهانيّة ١٤١، ٢٣٥٣. وكتاب الصفدية ١٩-١٠. وفي رسالة أقوم ما قيل في المشيئة والحكمة - ضمن جامع الرسائل والمسائل ٤٢٩٠. ٣ انظر: شرح الأصفهانية ١٣٩. وقد قال لهم شيخ الإسلام ﵀: "هذا السؤال ليس مختصًا بحدوث العالم، بل هو وارد في كلّ ما يحدث في الوجود من الحوادث. والحدوث مشهود، محسوس، متفق عليه بين العقلاء، فكلّ ما يُورده على حدوث خلق السموات والأرض يورد عليه نظيره في الحوادث المشهودة". مجموعة الرسائل والمسائل ٤٣٤٥.
[ ١ / ٤٣٤ ]
وإن قالوا: بل كُلّ محدَثٍ يُحدِثه مُحدِث، وللمُحدِث مُحدِث١. قيل لهم: هذا أيضًا ممتنع في صريح العقل؛ فإنّ التسلسل في الفاعل ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء٢؛ فإنّه كلما كثر ما يُقدَّر أنّه حادث، كان
_________________
(١) ١ من نفى الحكمة عن الله من الفلاسفة والأشعريّة استدلّ على ذلك بلزوم التسلسل، وقال هو محال على الله. انظر: التمهيد للباقلاني ص ٥١-٥٢. والأربعين في أصول الدين للرازي ص ٢٥٠. وقد ردّ شيخ الإسلام ﵀ على شبهتهم هذه بأربعة وجوه في شرح الأصفهانية ٢٣٦٣-٣٦٨. وانظر: كتاب الصفدية ٢٢٧. ومنهاج السنة النبوية ١١٤٥-١٤٧. وممّا قاله ﵀ في ردّه على هذه الشبهة: (هذا التسلسل في الحوادث المستقبليّة، لا في الحوادث الماضية؛ فإنّه إذا فعل فعلًا لحكمة، كانت الحكمة حاصلة بعد الفعل. فإذا كانت تلك الحكمة يُطلب منها حكمة أخرى بعدها، كان تسلسلًا في المستقبل. وتلك الحكمة الحاصلة محبوبة له، وسبب لحكمة ثانية؛ فهو لا يزال سبحانه يُحدِث من الحكم ما يُحبّه ويجعله سببًا لما يُحبّه) . منهاج السنة النبوية ١١٤٩. ٢ قال شيخ الإسلام ﵀ في موضع آخر: "التسلسل الممتنع إنّما هو التسلسل في المؤثرات؛ وهو أن يكون للفاعل فاعل، وهلم جرا إلى غير نهاية؛ سواء عبّر عن ذلك بأنّ للعلّة علّة وللمؤثّر مؤثّر، أو عبّر عنه بأنّ للفاعل فاعلًا. فهذا هو التسلسل الممتنع في صريح العقل. ولهذا كان هذا ممتنعًا باتفاق العقلاء؛ كما أنّ الدور الممتنع هو الدور القبلي. فأما التسلسل في الآثار: وهو أن لا يكون الشيء حتى يكون قبله غيره، أو لا يكون إلاّ ويكون بعد غيره. فهذا للناس فيه ثلاثة أقوال: قيل: هو ممتنع في الماضي والمستقبل. وقيل: هو جائزٌ في الماضي والمستقبل. وقيل: ممتنع في الماضي، جائز في المستقبل. والقول بجوازه مطلقًا هو معنى قول السلف، وأئمة الحديث، وقول جماهير الفلاسفة القائلين بحدوث العالم والقائلين بقدمه". منهاج السنة النبوية ٢٣٩٣. وقال ﵀: "لفظ التسلسل يُراد به التسلسل في المؤثرات؛ وهو أن يكون للحادث فاعل، وللفاعل فاعل. وهذا باطلٌ بصريح العقل واتفاق العقلاء. وهذا هو التسلسل الذي أمر النبي ﷺ بأن يُستعاذ بالله منه، وأمر بالانتهاء عنه، وأن يقول القائل: «آمنت بالله ورسله») . درء تعارض العقل والنقل ١٣٦٣. وانظر: المصدر نفسه ٣١٤٤، ١٦١، ٢٤٣، ٤٢٩٢-٢٩٣، ٩١٨٠-١٨٥، ٢٣٨-٢٤١. ومنهاج السنة النبوية ١١٤٦، ١٧٦، ٢١٢٨، ١٢٩، ٣٩٢، ٤٢٦. ومجموع الفتاوى ١٢٤٥. وكتاب الصفدية ١١٠-١١، ٢٣، ٢٧، ٣٠. وشرح الأصفهانيّة ١٤٦.
[ ١ / ٤٣٥ ]
أحوج إلى القديم. فليس في تقدير حوادث لا [تتناهى] ١ ما يُوجب استغناءها عن القديم، بل إذا كان المحدَث الواحد لا بُدّ له [من] ٢ محدِث غيره، فمجموع الحوادث أولى بالافتقار إلى محدِثٍ لها خارج عنها كلّها؛ فإنّ المحدِث لمجموعها يمتنع أن يكون واحدًا منها؛ فإنّه يلزم أن يُحدِث نفسه، ويمتنع أن يكون المجموع أحدث المجموع؛ فإنّ الشيء لا يُحدِث نفسه.
والمجموع هي الآحاد الحادثة وهيئتها الاجتماعيّة، وتلك الهيئة محتاجة إلى [المجموع الذي] ٣ هو كلّ واحد، واحد. والمجموع ليس إلا الآحاد واجتماعها، وكلّ ذلك مفتقر إلى محدِث مباين لها؛ فلا بُدّ للحوادث من قديم ليس بحادث٤
ثمّ يُقال لهم: إذا قُدّر تسلسل الفاعلين، وأنّ ما كان محدِثًا له محدَث، وهلم جرا. فهذا فيه إثبات ما فررتم منه؛ وهو أنّ هذا المحدَث فعل هذا، وهذا فعل هذا. لكن أثبتم ما لا يتناهى من ذلك في آنٍ واحد، فركبتم ما فررتم منه، مع لزوم هذه الجهالات التي تقتضي غاية فساد العقل،
_________________
(١) ١ في «خ»: يتناهى. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٣ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٤ انظر: رد المؤلف ﵀ على هذه الشبهة في مجموعة الرسائل والمسائل ٤٣٤٣.
[ ١ / ٤٣٦ ]
والكفر [بالسمع] ١. وإذا كان المحذور يلزمهم على تقدير أن يكون الحادث أحدث نفسه، أو أحدث كلُّ حادِثٍ [حادثًا] ٢ آخر، مع فساد هذين، تبيّن أنّه لا ينفعه إنكار القديم. وإن قال٣: بل أُقرّ بالمحدث القديم. قيل: فقد أقررت بفعل القديم للمحدَث، وإذا ثبت أنّ القديم فعل المحدَث، وأنت لا تعلم فاعلًا [إلا لجلب] ٤ منفعة، أو دفع مضرّة٥. قيل له: [فما] ٦ كان جوابك عن هذا، كان جوابًا عن كونه يفعل بإرادته٧.
_________________
(١) ١ في «ط»: بالمسع. ٢ في «خ»: حادث. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ أي الفيلسوف الذي يقول بقدم العالم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "المشهور من مقالة أساطين الفلاسفة قبل أرسطو، هو القول بحدوث العالم. وإنّما اشتهر القول بقدمه عنه، وعن متبعيه؛ كالفارابي، وابن سينا، والحفيد، وأمثالهم". كتاب الصفدية ١١٣٠. وانظر: المصدر نفسه ١١٤٨-١٥١. ومنهاج السنة النبوية ٣٣٨٦. ٤ في «ط»: إل لجلب. ٥ قال شيخ الإسلام: " فإنّ الواحد منّا إنّما يُحسن إلى غيره لجلب منفعة، أو لدفع مضرّة. وإنّما يضرّ غيره لجلب منفعة أو دفع مضرة. فإذا كان الذي يُثبت صفة وينفي أخرى يلزمه فيما أثبته نظير ما يلزمه فيما نفاه، لم يكن إثبات إحداهما ونفي الأخرى أولى من العكس. ولو عكس عاكس فنفى ما أثبته من الإرادة، وأثبت ما نفاه من المحبة لما ذكره، لم يكن بينهما فرق. وحينئذ: فالواجب إمّا نفي الجميع، ولا سبيل إليه للعلم الضروريّ بوجود نفع الخلق والإحسان إليهم، وأنّ ذلك يستلزم الإرادة. وإمّا إثبات الجميع؛ كما جاءت به النصوص. وحينئذٍ فمن توهّم أنّه يلزم من ذلك محذور، فأحد الأمرين لازم؛ إمّا أنّ ذلك المحذور لا يلزم، أو أنه إن لزم فليس بمحذور". قاعدة في الكرامات والمعجزات ص ٥٨. ٦ في «خ»: فينما. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ يُوضّح شيخ الإسلام ﵀ هذا الجواب الإلزاميّ في موضع آخر فقال: "إذا قال لهم الناس: إذا أثبتم حكمة حدثت بعد أن لم تكن، لزمكم التسلسل. قالوا: القول في حدوث الحكمة، كالقول في سائر ما أحدثه من المفعولات. ونحن نُخاطب من يُسلّم لنا أنّه إذا أحدث المحدثات بعد أن لم تكن؛ فإذا قلنا: إنّه أحدثها بحكمة حادثة، لم يكن له أن يقول: هذا يستلزم التسلسل. بل نقول له: القول في حدوث الحكمة، كالقول في حدوث المفعول الذي ترتّبت عليه الحكمة. فما كان جوابك عن هذا، كان جوابنا عن هذا". مجموعة الرسائل والمسائل ٤٣٤١.
[ ١ / ٤٣٧ ]
وقيل لمثبت الإرادة١: ما كان جوابك عن هذا، كان جوابًا عن حكمته؛ فقد بيّن أنّ من نفى الحكمة، فلا بُدّ أن ينقض قوله، ويلزمه مع التناقض نفي الصانع، وهو مع نفي الصانع تناقضه أشدّ.
والمحذور الذي فرّ منه ألزم، فلم يُغن عنه فراره من إثبات الحكمة إلا زيادة الجهل والشرّ. وهكذا يُقال لمن نفى حبّه، ورضاه، وبغضه، وسخطه٢.
وهذا مقامٌ شريفٌ من تدبّره وتصوّره تبيّن له أنّه لا بُدّ من الإقرار بما جاء به الرسول، وأنّه هو الذي يُوافق صريح المعقول، وأنّ من خالفه، فهو ممّن لا يسمع، ولا [يعقل، وهو] ٣ أسوأ حالًا ممّن فرّ من الملك العادل الذي يلزمه [بطعام] ٤ امرأته وأولاده، والزكاة الشرعيّة، إلى بلادٍ ملكها ظالم ألزمه بإخراج أضعاف ذلك لخنازيره وكلابه، مع قلّة الكسب في بلاده. و[بمنزلة] ٥ من فرّ من معاشرة أقوام أهل صلاح وعدلٍ ألزموه ما يلزم
_________________
(١) ١ وهو الأشعري. وجوابه في إثبات الإرادة؛ فيُقال له: القول في الحكمة، كالقول في الإرادة التي تُثبتها. ٢ وهم الأشاعرة الذين نفوا تلك الصفات مع الحكمة. انظر: التمهيد للباقلاني ص ٤٧-٤٨، ٥٠-٥١. ٣ في «ط»: يعق لو هو. ٤ في «خ»: بالطعام. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ في «ط»: بمنزل.
[ ١ / ٤٣٨ ]
واحدًا منهم من الأمور المشتركة إذ كانوا مقيمين، أو مسافرين؛ ان يُخرج مثلما يُخرجه الواحد منهم. فكره هذا، وفرّ إلى بلدٍ، فألزمه أهلها بأن يُنفق عليهم ويخدمهم، وإلا قتلوه وما أمكنه الهرب منهم.
فمن فرّ من حكم الله ورسوله أمرًا وخبرًا، [أو] ١ ارتدّ عن الإسلام، أو بعض شرائعه خوفًا من محذور في عقله، أو عمله، أو دينه، أو دنياه، كان ما يُصيبه من الشرّ أضعاف ما ظنّه شرًّا في اتباع الرسول. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىْ الَّذِيْنَ يَزْعُمُوْنَ أَنَّهُمْ آمَنُوْا بِمَاْ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَاْ اُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيْدُوْنَ أَنْ يَتَحَاْكَمُوْا إِلَىْ الطَّاْغُوْتِ وَقَدْ أُمِرُوْا أَنْ يَكْفُرُوْا بِهِ وَيُرِيْدُ الشَّيْطَاْنُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيْدًَا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًَا فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيْهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ باللهِ إِنْ أَرَدْنَا إلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًَا أُوْلَئِكَ الَّذِيْنَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِم فَأَعْرِض عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيْغًَا وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاْءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًَا رَحِيْمًَا فَلاَ وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيْمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًَا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيْمًَا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ في «خ»: و. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ سورة النساء، الآيات ٥٩-٦٥.
[ ١ / ٤٣٩ ]
فصل١ مناقشة من ينفي المحبة والحكمة والإرادة
ويقال لهم: لِمَ فررتم من إثبات المحبّة، والحكمة، والإرادة، والفعل؟ فإن قالوا: لأنّ ذلك لا يعقل إلا في حق من يلتذّ، ويتألم، وينتفع، ويتضرّر. والله منزّهٌ عن ذلك٢. قيل للفلاسفة: فأنتم تُثبتون أنّه مستلذّ،
_________________
(١) ١ مسألة الحكمة وتعليل الأفعال وتداخلها بالقدر من أعظم المسائل التي اضطرب فيها المبتدعة. وقد ألّف شيخ الإسلام ﵀ في هذا الموضوع رسالة مستقلة، أسماها: "أقوم ما قيل في المشيئة والحكمة والقضاء والقدر والتعليل وبطلان الجبر والتعطيل". انظرها في جامع الرسائل والمسائل ٤-٥٢٨٣-٣٤٦. وذلك على إثر سؤال ورد إليه وهو في الديار المصرية سنة أربع عشرة وسبعمائة في حسن إرادة الله تعالى لخلق الخلق، وإنشاء الأنام، وهل يخلق لعلة أم لغير علة؟ فأجاب ﵀ بقوله: "هذه المسألة من أجل المسائل الكبار التي تكلّم فيها الناس، وأعظمها شعبًا وفروعًا، وأكثرها شبهًا ومحارات؛ فإنّ لها تعلقًا بصفات الله تعالى، وبأسمائه، وأفعاله، وأحكامه؛ من الأمر، والنهي، والوعد، والوعيد. وهي داخلة في خلقه وأمره، فكلّ ما في الوجود متعلق بهذه المسألة؛ فإنّ المخلوقات جميعها متعلقة بها، وهي متعلقة بالخالق سبحانه. وكذلك الشرائع كلها؛ الأمر، والنهي، والوعد، والوعيد متعلقة بها، وهي متعلقة بمسائل القدر، والأمر، ومسائل الصفات والأفعال. وهذه جوامع علوم الناس ". جامع الرسائل والمسائل ٤-٥٢٨٥. ٢ هذه الشبه يحتجّ بها أكثر الفرق؛ كالجهميّة الذين ينفون بها المحبة، والإرادة، والحكمة، والفعل؛ والأشاعرة ينفون بها المحبة، والحكمة، والتحسين، والتقبيح "ذكر الرازي هذه الشبهة ضمن أدلّة الأشاعرة في نفي الحكمة انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي ص ٢٤٩-٢٥١. وانظر: نهاية الإقدام للشهرستاني ص ٣٩٧. ولأبي الحسن الأشعريّ كلام في إنكار الحكمة، انظره في رسالة إلى أهل الثغر ص ٢٤٠، ٤٤٢"؛ والمعتزلة ينفون بها الصفات. وانظر: ص ٧، ٩، ٢٧. وشيخ الإسلام ﵀ أورد هذه الشبهة ضمن أدلة الأشاعرة، وردّ عليها من وجهين بكلام طويل، انظره في قاعدة في المعجزات والكرامات ص ٥٧-٦٠. وأوردها في موضع آخر من قول الرازي في الأربعين ص ٢٥٠ يحتجّ بها على نفي الحكمة، وردّ عليها بخمسة أوجه في شرح الأصفهانية ٢٣٦٩-٣٧١. وقد يتمسّك الفلاسفة بهذه الشبهة في نفي المحبّة، والحكمة، والإرادة، والفعل. ولكنّ واقع الحال لا يُساعدهم على الأخذ بها، إذ عمدتهم في نفي الصفات هو دليل التركيب، وليس دليل الأعراض. وهذه الشبهة متفرعة عن دليل الأعراض كما سيأتي.
[ ١ / ٤٤٠ ]
مبتهج، فهذا غير محذور عندكم١. وإن قلتم: لأنّ ذلك٢ يستلزم لذّةَ
_________________
(١) ١ وهذا من الأجوبة الملزمة؛ لأنّ الفلاسفة كما قال شيخ الإسلام: "يُعبّرون بلفظ البهجة، واللذة، والعشق، ونحو ذلك عن الفرح، والمحبّة، وما يتبع ذلك". منهاج السنّة النبويّة ٣١٨٣. وانظر: من كتب الفلاسفة النجاة لابن سينا ص ٢٢٧-٢٥١. فشيخ الإسلام ﵀ يقول لهم: لِمَ لَمْ تُثبتوا المحبة، والحكمة، إلخ، وأثبتم البهجة، واللذة، والعشق، مع أنّكم تُعبّرون بها عن المحبة، والفرح إلخ. وانظر: ردود شيخ الإسلام ﵀ على الفلاسفة في هذه الجُزئيّة في: منهاج السنة النبوية ٥٣٨٨-٤٠٠. والعقيدة التدمرية ص ٤٠-٤١. ودرء تعارض العقل والنقل ١١٠٠،، ٨٢١٦-٢٢٤، ٢٩٠ والرد على المنطقيين ص ٢١٤. وشرح الأصفهانية ص ٢٣٦. وكتاب الصفدية ٢٢٦٣-٢٦٤، ٢٦٨-٢٦٩. وقد عاب شيخ الإسلام ﵀ على الفلاسفة إثباتهم اللذة، والبهجة، ونحو ذلك ممّا أثبتوه ويقتضي نقصًا، وتركهم صفات الكمال التي أتى بها النصّ، فقال: "ويقولون أيضًا إنه يلتذّ ويبتهج. ولفظ اللذة فيها من التشبيه واحتمال النقص ما لا يخفى على عاقل. ويقولون إنّه مدرك، وأنّ اللذّة أفضل إدراك لأفضل مدرَك؛ فيُسمّونه مدرِكًا، ومدرَكًا". درء تعارض العقل والنقل ٥٨٢. ٢ أي إثبات المحبة، والحكمة، والإرادة.
[ ١ / ٤٤١ ]
حادثة. قيل لكم: في حلول الحوادث قولان، وليس معكم في النفي إلا ما يدلّ على نفي الصفات مطلقًا؛ كدليل التركيب١. وقد عُرف فساده من وجوه٢.
وقيل للجهميّة٣ والمعتزلة: إن أردتم أنّ ذلك يقتضي حاجته إلى
_________________
(١) ١ فهؤلاء الفلاسفة كما قال شيخ الإسلام يأخذون بدليل التركيب في نفي الصفات عمومًا، ولا يأخذون بدليل الأعراض في نفي حلول الحوادث. بل هم يقولون: "الجسم مركّب إما من المادة والصورة، أو من الجواهر المنفردة. وكلّ مركب ممكن. فبهذه الحجة نفوا الصفات، وكانوا من أشدّ الناس تجهمًا؛ لأنّهم زعموا أنّ إثبات الصفات يُنافي هذا التوحيد..". شرح الأصفهانية ١٥١. وانظر: العقيدة التدمرية ص ٤٠-٤١. وانظر: كلام شيخ الإسلام ﵀ عن مراد المتكلمين والفلاسفة ب (المركب) في درء تعارض العقل والنقل ٣٤٠٣-٤٠٤. ٢ فدليل التركيب من الأدلة الفاسدة الباطلة. يقول شيخ الإسلام ﵀ في بطلانه: "قالوا: والعالم حامل الصفات مركّب، فلا يكون واجبًا. وإذا كان إثباتهم لصانع العالم على طريقتهم لا تتمّ إلا بنفي الصفات، ونفي الصفات باطل، كان طريقهم في إثبات الصانع باطلًا. ولهذا كان الصانع الذي يُثبتونه لا حقيقة له إلا في الأذهان، لا في الأعيان. فقولهم يستلزم التعطيل". كتاب الصفدية ١٢٤٤. وانظر: نقد شيخ الإسلام ﵀ لدليل التركيب، وبيانه لفساده من أوجه عديدة في: شرح الأصفهانية ص ٥٠-٨٩. ودرء تعارض العقل والنقل ٥٢٤٦-٢٤٧. وكتاب الصفدية ١٨٧، ١٠٤-١٠٦. وشرح حديث النزول ص ٨٣-٨٨. ٣ وانظر: قول الجهمية، وشبهتهم في نفي الحكمة، وردّ شيخ الإسلام ﵀ عليهم في جامع الرسائل والمسائل ٤٢٨٦-٢٨٧. وقال شيخ الإسلام أيضًا: "ونفوا الحكمة لظنهم أنها تستلزم الحاجة. وهذا قول الأشعري، وأصحابه، ومن وافقهم وهذا القول في الأصل قول جهم بن صفوان، ومن اتبعه من الجهمية". مجموع الفتاوى ٨٣٧-٣٨.
[ ١ / ٤٤٢ ]
العباد، وأنّهم يضرّونه أو ينفعونه١، فهذا ليس بلازم. ولهذا كان الله منزّهًا عن ذلك، كما قال النبيّ ﷺ في الحديث الصحيح الإلهيّ: "يا عبادي! إنّكم لن تبلغوا ضرّي فتضرّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني"٢.
فالله أجلّ من أن يحتاج إلى عباده لينفعوه، أو يخاف منهم أن يضرّوه. وإذا كان المخلوق العزيز لا يتمكّن غيره من قهره، فمن له العزّة جميعًا، وكلّ عزة فمن عزّته أبعد عن ذلك. وكذلك الحكيم المخلوق إذا كان
_________________
(١) ١ ذكر هذه الحجة في نفي الحكمة عن الله: الشهرستاني في نهاية الإقدام ص ٣٩٧-٣٩٨. والرازي في الأربعين ص ٢٤٩-٢٥٠. والإيجي في المواقف في علم الكلام ص ٣٣١-٣٣٢. وقد ردّ على هذه الشبهة شيخ الإسلام ﵀ بعشرة أوجه في شرح الأصفهانية ٢٣٥٨-٣٦٣. وقال ﵀ في معرض ردّه على المعتزلة في قولهم في الحكمة: "أنتم متناقضون في هذا القول؛ لأنّ الإحسان إلى الغير محمود لكونه يعود منه على فاعله حكم يُحمد لأجله؛ إما لتكميل نفسه بذلك؛ وإما لقصده الحمد والثواب بذلك؛ وإما لرقة وألم يجده في نفسه، يدفع بذلك الإحسان لألم؛ وإما لالتذاذه، وسروره، وفرحه بالإحسان؛ فإنّ النفس الكريمة تفرح، وتسرّ، وتلتذ بالخير الذي يحصل منها إلى غيرها؛ فالإحسان إلى الغير محمود لكون المحسن يعود إليه من فعله هذه الأمور حكم يحمد لأجله. أما إذا قُدِّر أنّ وجود الإحسان وعدمه بالنسبة إلى الفاعل سواء، لم يعلم أنّ مثل هذا الفعل يحسن منه، بل مثل هذا يُعدّ عبثًا في عقول العقلاء، وكل من فعل فعلًا ليس فيه لنفسه لذة، ولا مصلحة، ولا منفعة بوجه من الوجوه لا عاجلة، ولا آجلة، كان عبثًا، ولم يكن محمودًا على هذا. وأنتم عللتم أفعاله فرارًا من العبث، فوقعتم في العبث؛ فإنّ العبث هو الفعل الذي ليس فيه مصلحة، ولا منفعة، ولا فائدة تعود على الفاعل". جامع الرسائل والمسائل ٤٢٩١. ٢ جزء من حديث قدسيّ طويل، أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ٤١٩٩٤-١٩٩٥، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم.
[ ١ / ٤٤٣ ]
لا يفعل بنفسه ما يضرّها، فالخالق ﷻ أولى أن لا يفعل ذلك لو كان ممكنًا. فكيف إذا كان ممتنعًا.
قال تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِيْنَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًَا [يُرِيْدُ اللهُ أَنْ لا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًَّا فِي الآخِرَةِ] ١ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىْ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاْتِ مَا رَزَقْنَاْكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ [كَانُوا] ٣ أَنْفُسَهُم يَظْلِمُون﴾ ٤.
فقد بيَّن أنّ العصاة لا يضرّونه، ولا يظلمونه، كعصاة المخلوقين؛ فإنّ مماليك السيّد، وجند الملك، وأعوان الرجل، وشركاءه إذا عصوه فيما يأمرهم ويطلبه منهم، فقد يحصل له بذلك ضرر في نفسه، أو ماله، أو عرضه، أو غير ذلك. وقد يكون ذلك ظلمًا له.
والله تعالى لا يقدر أحدٌ على أن يضرّه ولا يظلمه. وإن كان الكافر على ربه ظهيرًا، فمظاهرته على ربه، ومعاداته له، ومشاقّته، ومحاربته، عادت عليه بضرره، وظلمه لنفسه، وعقوبته في الدنيا والآخرة.
وأما النفع فهو سبحانه غنيٌ عن الخلق، لا يستطيعون نفعه [فينفعوه] ٥؛ فما أمرهم به إذا لم يفعلوه، لم يضرّوه٦ بذلك؛ كما قال تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ساقطٌ من «خ» . ٢ سورة آل عمران، الآية ١٧٦. ٣ ما بين المعقوفتين ساقطٌ من «خ» . ٤ سورة الأعراف، الآية رقم ٦٠. ٥ في «خ»: فيتفعونه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ يقول شيخ الإسلام ﵀ في معرض ردّه على منكري الحكمة، مبيِّنًا أنّ قيام الصفات بالله لا يلزم منه افتقاره جلّ وعلا إليها، بل هو الغني عن العالمين: "فإنّ الله غني واجب بنفسه. وقد عُرف أن قيام الصفات به لا يلزم حدوثه، ولا إمكانه، ولا حاجته، وأنّ قول القائل بلزوم افتقاره إلى صفاته اللازمة بمنزلة قوله: مفتقر إلى ذاته. ومعلومٌ أنّه غنيّ بنفسه، وأنه واجب الوجود بنفسه، وأنه موجود بنفسه. فتوهّم حاجة نفسه إلى نفسه؛ إن عنى به أنّ ذاته لا تقوم إلا بذاته. فهذا حقّ؛ فإنّ الله غني عن العالمين، وعن خلقه، وهو غني بنفسه. وأما إطلاق القول بأنّه غني عن نفسه، فهو باطل؛ فإنّه محتاج إلى نفسه. وفي إطلاق كل منهما إيهام معنى فاسد. ولا خالق إلا الله تعالى". قاعدة في المعجزات والكرامات ص ٥٨.
[ ١ / ٤٤٤ ]
النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سبِيلًا وَمَنْ كفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ١، وقال: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّيْ غَنِيٌ كَرِيْمٌ﴾ ٢، وقال: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُم وَلا تَزِرُ وَاْزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٣.
وإن أردتم أنّه [هو] ٤ سبحانه لا يُريد، و[لا] ٥ يفعل ما يفرح به، ويُسَرُّ به، ويجعل عباده المؤمنين يفعلون ما يفرح به، فمن أين لكم هذا٦؟
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية ٩٧. ٢ سورة النمل، الآية ٤٠. ٣ سورة الزمر، الآية ٧. ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» . ٥ ما بين المعقوفتين ليس في «خ» . ٦ قال شيخ الإسلام ﵀: "ولهذا لم يأمر الله تعالى، ولا رسوله ﷺ، ولا أحد من العقلاء أحدًا بالإحسان إلى غيره ونفعه ونحو ذلك، إلا لما له في ذلك من المنفعة والمصلحة. وإلا فأمر الفاعل بفعل لا يعود إليه منه لذة، ولا سرور، ولا منفعة، ولا فرح بوجه من الوجوه؛ لا في العاجل، ولا في الآجل، لا يُستحسن من الآمر". جامع الرسائل والمسائل ٤٢٩١. وانظر: النصوص الكثيرة التي ساقها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لإثبات محبة الله، وفرحه، وأفعاله جل وعلا في منهاج السنة النبوية ٣١٦٠-١٦٢. وقاعدة في الكرامات والمعجزات ص ٥٨-٥٩.
[ ١ / ٤٤٥ ]
وإن سمى هذا لذة، فالألفاظ المجملة التي قد يُفهم منها معنى فاسد إذا لم ترد في كلام الشارع لم [نكن] ١ محتاجين إلى إطلاقها؛ كلفظ (العشق) . وإن أُريد به المحبة التامّة، وقد أطلق بعضهم٢ على الله أنّه يعشق، ويُعشق، وأراد به أنه يُحِبّ، ويُحَبّ محبة تامة، فالمعنى صحيح، واللفظ فيه نزاع. واللذة يُفهم منها لذة الأكل، والشرب، والجماع؛ كما يُفهم من العشق المحبة الفاسدة، والتصور الفاسد، ونحو ذلك ممّا يجب تنزيه الله عنه؛ فإنّ الذين قالوا لا يجوز وصفه بأنّه يعشق؛ منهم من قال: لأنّ العشق هو الإفراط في المحبة، والله تعالى لا إفراط في حبّه. ومنهم من قال: لأنّ العشق لا يكون إلا مع فساد التصوّر للمعشوق، وإلا فمع صحة التصور لا يحصل إفراط في الحبّ. وهذا المعنى لا يُمدح فاعله؛ فإنّ من تصوّر في الله ما هو منزّه عنه، فهو مذموم على تصوّره، ولوازم تصوّره. ومنهم من قال: لأنّ الشرع لم يرد بهذا اللفظ، وفيه إبهام، وإيهام، فلا يُطلق. وهذا أقرب. وآخرون يُنكرون محبة الله، وأن يُحِب ويُحَب؛ كالمعتزلة، والجهميّة، ومن وافقهم من الأشعرية٣، وغيرهم، فهؤلاء يكون الكلام
_________________
(١) ١ في «خ»: يكن. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ قال شيخ الإسلام ﵀ عن الفلاسفة: "ويقولون إنه عاشق، ومعشوق، وعشق. مع أنّ لفظ العشق فيه من التشبيه واحتمال النقص ما لا يخفى على عاقل. وليس في الكتب الإلهية تسميته بعقل، ولا عاشق، ولا معقول، ولا معشوق". درء تعارض العقل والنقل ٥٨٢. وانظر: المصدر نفسه ٥٢٤٧،، ٩٣٠٤-٣١٠، ١٠٢٢٤ والصفدية ١٣٦. ومنهاج السنة النبوية ٣١٨٣. ٣ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن إنكار هؤلاء لمحبة الله تعالى: "وكان الجعد أول من ظهر عنه التعطيل بإنكار صفات الله تعالى، وبإنكار محبته، وتكليمه؛ كما يقول هؤلاء المتفلسفة، والجهمية، والباطنية، ونحوهم من المعطلة، والجهمية، والمعتزلة، ومن اتبعهم؛ فيُنكرون أن يكون الله يُحِب، أو يُحَب حقيقةً، ويُنكرون التمتع برؤيته، ويُنكرون أن يكون هو سبحانه موصوفًا بالفرح، ونحوه؛ لزعمهم أنّ هذا من نوع اللذة، والبهجة. والله لا يُوصف بذلك عندهم ". كتاب الصفدية ٢٢٦٣.
[ ١ / ٤٤٦ ]
معهم في كونه يُحِبّ، ويُحَبّ؛ كما نطق به الكتاب والسنّة في مثل [قوله] ١: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيْ اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّوْنَهُ﴾ ٢، لا في لفظ العشق.
لفظ اللذة فيه إبهام وإيهام
كذلك لفظ اللذة فيه إبهام، وإيهام، والشرع لم يرد بإطلاقه، ولكن استفاض عن النبيّ ﷺ أنّ الله يفرح بتوبة التائب أعظم من فرح من وجد راحلته بعد أن فقدها، وأيس منها في مفازةٍ مهلكة، [يائس] ٣ من الحياة والنجاة من تلك الأرض، ومن وجود مركبه، ومطعمه، ومشربه، ثمّ وجد ذلك بعد اليأس؛ قال النبيّ ﷺ: "فكيف تجدون فرحه بدابّته"؟ . قالوا: عظيمًا يا رسول الله. قال: " [لله] ٤ أشدّ فرحًا بتوبة عبده من هذا براحلته"٥.
وقد نطق الكتاب والسنّة بأنّه يُحِبّ المتقين٦، والمحسنين٧، والصابرين٨، والتوابين والمتطهرين٩، والذين يُقاتلون في سبيله صفًّا
_________________
(١) ١ في «خ»: قولهم. ٢ سورة المائدة، الآية ٥٤. ٣ في «م»، و«ط»: ويئس من. ٤ في «ط»: الله. ٥ أخرجه الإمام البخاري في صحيحه ٥٢٣٢٤-٢٣٢٥، كتاب الدعوات، باب التوبة. والإمام مسلم في صحيحه ٤٢١٠٢-٢١٠٤، كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة، والفرح بها. ٦ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ . سورة التوبة، الآية ٤. ٧ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . سورة البقرة، الآية ١٩٥. ٨ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ .سورة آل عمران، الآية ١٤٦. ٩ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ . سورة البقرة، الآية ٢٢٢.
[ ١ / ٤٤٧ ]
كأنّهم بنيانٌ مرصوصٌ١، وأنّه يرضى عن المؤمنين٢. فإذا كنتم نفيتم حقيقة الحب والرضى لأنّ ذلك يستلزم اللذة بحصول المحبوب. قيل لكم٣: إن كان هذا لازمًا، فلازم الحق حقّ. وإن لم يكن لازمًا بطل نفيكم٤. والفرح في الإنسان هو لذّة تحصل في قلبه بحصول محبوبه.
وقد جاء أيضًا وصفه تعالى بأنّه يُسَرّ في الأثر، والكتب المتقدّمة٥؛ وهو مثل لفظ الفرح٦.
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ .سورة الصف، الآية ٤. ٢ قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ سورة الفتح، الآية ١٨. ٣ المقصود بهم الفلاسفة، وغيرهم من الجهمية، والمعتزلة، والأشعريّة ممّن ينفي صفة المحبّة والرضى. وانظر: جواب شيخ الإسلام ﵀ المطوّل على هذه الشبهة في قاعدة في المعجزات والكرامات ص ٥٨؛ فقد أجابهم بجوابين؛ أحدهما بالإلزام. وانظر: كتاب الصفدية ٢٢٦٠-٢٦٤. ٤ انظر: لشيخ الإسلام كلامًا مماثلًا لهذا في منهاج السنة النبوية ٣١٨٢-١٨٣. وقاعدة في المعجزات والكرامات ص ٥٥-٥٦، ٥٨-٥٩. ٥ قال ابن القيم ﵀: "وفي صفة النبيّ ﷺ في بعض الكتب المتقدمة: "عبدي الذي سُرّت به نفسي"، وهذا من كمال محبته له؛ جعله مما تُسرّ به نفسه سبحانه". مدارج السالكين ١٢١٦. وانظر: كلامه ﵀ في السرور، وهل يوصف الله تعالى به، أم لا؟ في مدارج السالكين ٣١٦١. وسيأتي نقل ذلك مفصّلًا مما يُسمّى بالعهد القديم، في آخر هذا الكتاب، عند ذكر صفته ﷺ في الكتب السابقة. انظر: ص ١٢٨٤ من هذا الكتاب؛ حيث يرد في النصّ ما يُثبت سرور الربّ ﵎ بنبيّه محمدٍ ﷺ. وقد نقل الشيخ ﵀ هذا النص في الجواب الصحيح ٥١٧٥ في نبوة أشعيا: "عبدي الذي سُرّت به نفسي، أنزل عليه وحيي، فيظهر في الأمم عدلي، ويوصيهم بالوصايا". ٦ الفرح في اللغة: السرور. انظر: مشكل الحديث لابن فورك ص ٦٧. والأسماء والصفات للبيهقي ٢٤٢١. وفتح الباري لابن حجر ١١١٨.
[ ١ / ٤٤٨ ]
صفة الضحك والبشبشة
وأمّا الضحك: فكثيرٌ في الأحاديث١. ولفظ البشبشة جاء أيضًا أنّه يتبشبش للداخل إلى المسجد؛ كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم٢.
_________________
(١) ١ مثل قوله ﷺ: "يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنّة". الحديث رواه البخاري في صحيحه ٣١٠٤٠، كتاب الجهاد والسير، باب الكافر يقتل المسلم، ثمّ يُسلم. ومسلم في صحيحه ٣١٥٠٤، كتاب الإمارة، باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة. ٢ الحديث رواه أبو هريرة ﵁ عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم". الحديث أخرجه ابن ماجه واللفظ له (صحيح سنن ابن ماجه، حديث رقم ٦٥٢) . وأحمد في المسند ٢٣٠٧، ٣٢٨، ٣٤٠، ٤٥٣. وابن خزيمة في صحيحه ٢٣٧٩، وصحح إسناده أحمد شاكر ٨٥٠١. ورواه الدارمي في رده على بشر المريسي ص ٢٠٣. وصححه الألباني انظر: صحيح ابن ماجه ٦٥٢. وصحيح الترغيب والترهيب٣٢٥. والحديث فيه إثبات البشبشة، وهي بمعنى الفرح. قال ابن الأثير: "البش: فرح الصديق بالصديق، واللطف في المسألة، والإقبال عليه. وقد بششت به أبش". فمعنى البشّ: الفرح. ويُضرب إذا تلقّى الصديق صديقه بالبرّ، وقرّبه، وأكرمه. انظر: النهاية في غريب الحديث ١١٣٠. وقال أبو يعلى الفراء بعد الكلام على صفة الفرح لله تعالى: " وكذلك القول في البشبشة؛ لأنّ معناه يُقارب معنى الفرح. والعرب تقول: رأيتُ لفلان بشاشة، وهشاشة، وفرحًا. ويقولون: فلانٌ هشٌ بشٌ فرحٌ؛ إذا كان منطلقًا؛ فيجوز إطلاق ذلك كما جاز إطلاق الفرح. وقد ذكر ابن قتيبة هذا الحديث في كتاب الغريب، وقال قوله: (يُبشبش) من البشاشة، وهو يتفعَّل؛ فحمل الخبر على ظاهره، ولم يتأوّله". انتهى كلام أبي يعلى في إبطال التأويلات لأخبار الصفات ١٢٤٣. وانظر: غريب الحديث لابن قتيبة ١١٦٠. ومشكل الحديث وبيانه لابن فورك ص ٦٨، ٢٥٦. والأسماء والصفات للبيهقي ٢٤٢١-٤٢٢.
[ ١ / ٤٤٩ ]
وجاء في الكتاب والسنة ما يُلائم ذلك ويُناسبه شيءٌ كثير١.
فيُقال لمن نفى ذلك: لم نفيتَه؟ ولم نفيتَ هذا المعنى؛ وهو وصف كمال لا نقص فيه؟ ومن يتصف به أكمل ممّن لا يتصف به؟ وإنّما النقص فيه أن يحتاج فيه إلى غيره، والله تعالى لا يحتاج إلى أحد في شيء، بل هو فعّال لما يُريد. لكن القدرية قد يُشكل هذا على قولهم؛ فإنّ العباد عندهم مستقلّون بإحداث فعلهم، ولكن هذا مثل إجابة دعائهم، وإثابتهم على أفعالهم، ونحو ذلك ممّا فيه أنّ أفعالهم تقتضي أمورًا يفعلها هو. وهم لا [يفرّون] ٢ من كونه [يجب] ٣ عليه أشياء، وأنّه يفعل ما يجب عليه؛ فيكون العبد قد جعله مريدًا لما لم يكن مريدًا له. وحينئذٍ فإذا كان العباد يجعلونه مريدًا عندهم، فالقول في لوازم الإرادة، كالقول فيها. وهذا إمّا أن يدلّ على [فساد] ٤ قولهم في القدر، وهو الصواب. وإمّا أن يقولوا: إنّ مثل ذلك جائزٌ على الله، وجائزٌ أن يجعله العبد مريدًا بدون مشيئته لذلك، وبدون أن يكون هو الذي شاء ذلك من العبد، فيلزمهم في لوازمها ما يلزمهم فيها.
وأمّا على قول المثبتة٥: فكلّ ما يحدث، فهو بمشيئته، وقدرته، فما
_________________
(١) ١ يُريد ﵀ الأدلة السمعية التي دلّت على إثبات صفات الله الفعليّة. وقد جمع ﵀ أدلة كثيرة من الكتاب والسنة على مسألة أفعال الله تعالى في درء تعارض العقل والنقل ٣١١٥-١٤٦. ٢ في «خ»: يقرون. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «ط»: يحب. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٥ المثبتة للقدر.
[ ١ / ٤٥٠ ]
جعله أحدٌ مريدًا فاعلًا، بل هو الذي يُحدِث كلَّ شيء، ويجعل بعضَ الأشياء سببًا لبعض.
فإن قال نافي المحبة، والفرح، والحكمة، ونحو ذلك١: هذا يستلزم حاجته إلى المخلوق. ظهر فساد قوله.
وإن قيل: إنّ ذلك إن كان وصف كمال، فقد كان فاقدًا له، وإن كان نقصًا، فهو منزّه عن النقص. قيل له: هو كمال حين اقتضت الحكمة حدوثه، وحدوثه [قبل] ٢ ذلك قد يكون نقصًا في الحكمة، أو يكون ممتنعًا غير ممكن؛ كما يُقال في نظائر ذلك٣.
_________________
(١) ١ أي الجهمية، والمعتزلة، والفلاسفة، والأشعرية، وغيرهم من نفاة هذه الصفات. ٢ في «خ»: قبل. ٣ وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ هذه الحجّة، وأنّها قول من يقول: "خلق المخلوقات، وأمر بالمأمورات، لا لعلّة، ولا لداع، ولا باعث. وهو قول الأشعرية، والظاهرية". وقد ردّ عليها ﵀. انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٤٢٨٦. وقال ﵀ أيضًا في حصر الأقوال في التعليل وعدمه فذكر قول أهل السنة والجماعة: "والخامس قول من يُعلّل ذلك بأمور متعلقة بمشيئته وقدرته. فإن كان الفعل المفضي للحكمة حادث النوع، كانت الحكمة كذلك، وإن قُدّر أنّه قام به كلام أو فعل متعلّق بمشيئته وأنّه لم يزل كذلك، كانت الحكمة كذلك؛ فيكون النوع قديمًا، وإن كانت آحاده حادثة". مجموعة الرسائل والمسائل ٤٣٤٢. وانظر: قاعدة في المعجزات والكرامات ص ٥٧-٥٨. وقد ذكر هذه الحجة الرازي في الأربعين ص ٢٤٩-٢٥٠. وردّ عليها شيخ الإسلام ﵀ من عشرة أوجه. انظر: شرح الأصفهانية ٢٣٥٧-٣٦٣. وذكر شيخ الإسلام ﵀ هذه الحجة أيضًا عن الفلاسفة، وغيرهم من نفاة الأفعال الاختيارية وردّ عليهم ﵀ من خمسة أوجه. انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٤٢١٩-٢٢٠. وكذلك هذه الحجة هي شبهة لمنكري تعليل أفعال الله تعالى. وقد ردّ عليهم شيخ الإسلام ﵀ من خمسة أوجه. انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٤٣٣٧-٣٣٩ ومنهاج السنة النبوية ١١٤٥) . وانظر: هذه الشبهة في: المواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٣١-٣٣٢. وشرح المقاصد للتفتازاني ٤٣٠١.
[ ١ / ٤٥١ ]
وتمام البسط في هذا الأصل مذكور في غير هذا الموضع١.
والمقصود هنا التنبيه على لوازم ذلك؛ فإنّ نفاة ذلك٢ نفوا أن يكون في الممكن فعل ينزّه عنه، فليس عندهم فعل يحسن منه، وفعل يُنزّه عنه.
الحسن والقبح عند الأشاعرة
بل [عندهم] ٣ تقسيم الأفعال؛ أفعال الربّ والعبد إلى حسن وقبيح، لا يكون عندهم إلا بالشرع. وذلك لا يرجع إلى صفة في الفعل، بل الشارع عندهم يُرجّح مثلًا على مثل٤. والحسن والقبيح إنّما يعقل إذا كان الحسن ملائمًا
_________________
(١) ١ انظر: مجموعة الرسائل والمسائل ٤٢٨٣-٣٤٦ رسالة أقوم ما قيل في المشيئة والحكمة..؛ فإنّها في صميم الموضوع، وهي عبارة عن سؤال ورد للمؤلف ﵀ من الديار المصرية، مضمونه: هل يفعل الله تعالى لحكمة أم لا؟ وهل هذه الحكمة لم تزل، أو محدثة؟ ثمّ أورد السائل على تفرعات السؤال إشكالات. فأجاب عنها شيخ الإسلام ﵀ بهذه الرسالة القيمة. وانظر: أيضًا منهاج السنة النبوية ١١٣٣-١٤٧. ٢ المقصود بهم الأشاعرة الذين ينفون التحسين والتقبيح العقليّين. ٣ في «م»، و«ط»: عنده. ٤ يقول الجرجاني في شرح المواقف: "فلا حسن ولا قبح للأفعال قبل ورود الشرع. ولو عكس الشارع القضيّةَ فحسّن ما قبّحه، وقبّح ما حسّنه، لم يكن ممتنعًا، وانقلب الأمر، فصار القبيح حسنًا، والحسن قبيحًا". شرح المواقف للجرجاني ٨١٨١-١٨٢. وانظر: رسالة إلى أهل الثغر للأشعري ص ٢٤٣. واللمع له ص٧١. والإنصاف للباقلاني ص ٤٨، ٧٤-٧٧. والإرشاد للجويني ص ٢٥٨. والاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص ١٥٧. والمحصل للرازي ص ٢٠٢. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٢٣-٣٣٠. وشرح المقاصد للتفتازاني ٤٢٨٢-٢٨٩.
[ ١ / ٤٥٢ ]
للفاعل؛ وهو الذي يلتذ به، والقبيح يُنافيه؛ وهو الذي يُتألّم به. والحسن، والقبح في أفعال العباد بهذا الاعتبار متفق على جوازه. وإنّما النزاع في كونه يتعلّق به المدح والثواب. وهذا في الحقيقة يرجع إلى الألم واللذة.
فلهذا سلّم الرازي في آخر عمره ما ذكره في كتاب١ [أقسام اللذّات] ٢ إنّ الحسن والقبح العقليّين [ثابتان] ٣ في أفعال العباد دون الرب٤،
_________________
(١) ١ كتاب أقسام اللذات؛ كما صرّح به شيخ الإسلام ﵀ في بعض كتبه. انظر على سبيل المثال: جامع الرسائل ٢٢٥٠-٢٥١. وبيان تلبيس الجهمية ١١٢٧، وكذلك هذا الكتاب النبوات، كما سبق ص ٤٧٨؛ حيث صرح بذكر هذا الاسم. وانظر: اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ﵀ ص ٣٠٤-٣٠٥؛ إذ أورد نماذج من هذا الكتاب، تبيَّن من خلالها تسليم الرازي، وحيرته في آخر عمره. وشيخ الإسلام نقل هذا أيضًا. يقول ﵀: "ومن الناس من أثبت قسمًا ثالثًا للحسن والقبح، وادّعى الاتفاق عليه، وهو كون الفعل صفة كمال، أو صفة نقص. وهذا القسم لم يذكره عامّة المتقدمين المتكلمين في هذه المسألة، ولكن ذكره بعض المتأخرين؛ كالرازي، وأخذه عن الفلاسفة. والتحقيق: أنّ هذا القسم لا يُخالف الأول؛ فإنّ الكمال الذي يحصل للإنسان ببعض الأفعال، هو يعود إلى الموافقة والمخالفة؛ فالنفس تلتذ بما هو كمال لها، وتتألّم بالنقص، فيعود الكمال والنقص إلى الملائم والمنافي". مجموعة الرسائل الكبرى ٢١٠٤. ٢ بياض بمقدار ثلاث كلمات في جميع النسخ. ولعلّ ما أثبتّ هو المقصود؛ لأنّه ألّفه في آخر حياته. ٣ في «خ» رسمت هكذا: ياتيان. ٤ قال شيخ الإسلام ﵀ في تعريف الحسن والقبح، وعلاقتهما بالحكمة والقدر، وكيف وقع الاشتباه والاختلاف في ذلك: "إنّ الحسن هو: الحق، والصدق، والنافع، والمصلحة، والحكمة، والصواب. وإنّ الشيء القبيح هو: الباطل، والكذب، والضارّ، والمفسدة، والسفه، والخطأ". ثم ذكر ﵀ قول القدرية، والجبرية في أفعال العباد، وارتباط ذلك بالحسن، والقبح؛ فقال: "والمعتزلة ومن اتبعها من الشيعة تزعم أنّ الأعمال ليست من خلقه ولا كونها شيء، وأنّ الآلام لا يجوز أن يفعلها إلا جزاء على عمل سابق، أو تعويض بنفع لاحق. وكثير من أهل الإثبات ومن اتبعهم من الجبرية يقولون: بل الجميع خلقه، وهو يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولا فرق بين خلق المضارّ والمنافع، والخير والشرّ بالنسبة إليه. ويقول هؤلاء: إنّه لا يُتصوّر أن يفعل ظلمًا، ولا سفهًا أصلًا. بل لو فرض أنّه فعل أي شيء، كان فعله حكمة وعدلًا وحسنًا، إذ لا قبيح إلا ما نهى عنه، وهو لم ينه أحدًا. ويُسوّون بين تنعيم الخلائق وتعذيبهم، وعقوبة المحسن، ورفع درجات الكفار والمنافقين. والفريقان متفقان على أنه لا ينتفع بطاعات العباد، ولا يتضرّر بمعصيتهم. لكنِ الأولون يقولون: الإحسان إلى الغير حسن لذاته، وإن لم يعد إلى المحسن منه فائدة. والآخرون يقولون: ما حسن منّا حسن منه، وما قبح منا قبح منه". وقد أطال شيخ الإسلام ﵀ النفس في توضيح موقف المعتزلة والأشاعرة من الحسن والقبح. انظر: قاعدة في المعجزات والكرامات ص ٥٣. وأما التحسين والتقبيح عند أهل السنة والجماعة، فقد فصّل فيه شيخ الإسلام القول. وممّا قاله: "..وقد ثبت بالخطاب والحكمة الحاصلة من الشرائع، ثلاثة أنواع: أحدها: أن يكون الفعل مشتملًا على مصلحة، أو مفسدة، ولو لم يرد الشرع بذلك؛ كما يُعلم أنّ العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم يشتمل على فسادهم. فهذا النوع هو حسن وقبيح. وقد يُعلم بالعقل والشرع قبح ذلك، لا أنّه أثبت للفعل صفة لم تكن. لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقبًا في الآخرة إذا لم يرد شرع بذلك. وهذا مما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح؛ فإنّهم قالوا: إنّ العباد يُعاقبون على أفعالهم القبيحة، ولو لم يبعث إليهم رسولًا. وهذا خلاف النصّ؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ النوع الثاني: إنّ الشارع إذا أمر بشيء صار حسنًا، وإذا نهى عن شيء صار قبيحًا، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع. والنوع الثالث: أن يأمر الشارع بشيء ليمتحن العبد، هل يطيعه أم يعصيه، ولا يكون المراد فعل المأمور به؛ كما أُمر إبراهيم بذبح ابنه، فلمّا أسلما وتلّه للجبين حصل المقصود، ففداه بالذبح. وكذلك حديث أبرص، وأقرع، وأعمى لما بعث الله إليهم من سألهم الصدقة؟ فلمّا أجاب الأعمى، قال المَلَك: أمسك عليك مالك، فإنّما ابتُليتم، فرضي عنك، وسخط على صاحبيك. فالحكمة منشؤها من نفس الأمر، لا من نفس المأمور به. وهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة، وزعمت أنّ الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك بدون أمر الشارع. والأشعريّة ادّعوا أنّ جميع الشريعة من قسم الامتحان، وأنّ الأفعال ليست لها صفة، لا قبل الشرع، ولا بالشرع. وأما الحكماء والجمهور، فأثبتوا الأقسام الثلاثة. وهو الصواب". مجموع الفتاوى ٨٤٣٤-٤٣٦. وانظر: المصدر نفسه ١٦٤٩٨. ومجموعة الرسائل والمسائل ٤٢٩٢. ومنهاج السنة النبوية ١٣١٦، ٢٢٩٤-٣٠٢، ٣١٧٧. ودرء تعارض العقل والنقل ٨٢٢، ٤٩٢، ٩٤٩-٦٢. وقاعدة في المعجزات والكرامات ص ٥٣-٥٤. والرد على المنطقيين ص ٤٢٠-٤٣٧. ومجموعة الرسائل الكبرى ٢١٠٣-١٠٥. وشرح الأصفهانية ٢٣٤٢، ٣٩٣، ٦١٧. وقال شيخ الإسلام ﵀ عن موقف الناس من التحسين والتقبيح: "وقد تنازع الناس في حسن الأفعال وقبحها؛ كحسن العدل والتوحيد والصدق، وقبح الظلم والشرك والكذب: هل يُعلم بالعقل، أم لا يُعلم إلا بالسمع. وإذا قيل: إنّه يُعلم بالعقل، فهل يُعاقب من فعل ذلك قبل أن يأتيه رسول؟ على ثلاثة أقوال معروفة في أصحاب الأئمة وغيرهم؛ وهي ثلاثة أقوال لأصحاب الإمام أحمد وغيرهم ". الجواب الصحيح ٢٣٠٧-٣٠٨.
[ ١ / ٤٥٣ ]
إذا كان معناهما يؤول إلى اللذة والألم.
الحسن والقبح عند المعتزلة
والمعتزلة أثبتوا حسنًا وقبحًا عقليّين في فعل القادر مطلقًا، سواء كان قديمًا، أو محدَثًا. وقال١: الحُسْن: ما للقادر فعله. و[القبيح ما] ٢ ليس له فعله. وقالوا: إنّ ذلك ثابتٌ بدون كونه مستلزمًا للّذة والألم. كما ادّعوا ثبوت حكمته للفاعل القادر، ولا تعود إليه، ولا يستلزم اللذة؛ فادّعوا ما هو
_________________
(١) ١ لعلها: قالوا. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق في هامش «خ» .
[ ١ / ٤٥٥ ]
خلاف الموجود والمعقول١. ولهذا تسلّط عليهم النفاة٢، فكان حجّتهم عليهم أن يُثبتوا أنّ هذا أمر لا يُعقل إلا مع اللذة والألم. ثمّ يقولون: وذلك في حقّ الله مُحال. فحجّتهم مبنيّة على مقدّمتين: أنّ الحسن والقبح والحكمة مستلزم للذة والألم، وذلك في حق الله مُحال.
_________________
(١) ١ وانظر: تعريف عبد الجبار الهمذاني وهو من رؤوس المعتزلة للقبيح والحسن في كتابه: المغني في أبواب التوحيد والعدل ج ٦، القسم الأول ص ٢٦-٣٠، ٥٩-٦٠. والأصول الخمسة له ص ٣٢٦-٣٣٢، ٥٦٤-٥٦٦. والمعتمد في أصول الفقه لأبي الحسين البصري المعتزلي ١٣٦٣. وقال شيخ الإسلام ﵀ في ذكر موقف كل من المعتزلة والأشاعرة من الحسن والقبح والحكمة: "وتفصيل حكمة الله في خلقه وأمره يعجز عن معرفتها عقول البشر. والقدرية دخلوا في التعليل على طريقة فاسدة مثّلوا الله فيها بخلقه، ولم يُثبتوا حكمة تعود إليه، فسلبوه قدرته، وحكمته، ومحبته، وغير ذلك من صفات كماله. فقابلهم خصومهم الجهمية المجبرة ببطلان التعليل في نفس الأمر. كما تنازعوا في مسألة التحسين والتقبيح؛ فأولئك أثبتوا على طريقة سووا فيها بين الله وخلقه، وأثبتوا حسنًا وقبحًا لا يتضمّن محبوبًا ولا مكروهًا، وهذا لا حقيقة له. كما أثبتوا تعليلًا لا يعود إلى الفاعل حكمه. وخصومهم سووا بين جميع الأفعال، ولم يُثبتوا لله محبوبًا، ولا مكروهًا، وزعموا أنّ الحسن لو كان صفة ذاتية للفعل، لم يختلف حاله. وغلطوا؛ فإنّ الصفة الذاتية للموصوف قد يُراد بها اللازمة له". منهاج السنة النبوية ٣١٧٧. ٢ الأشاعرة نفاة الحسن والقبح. انظر: الأربعين في أصول الدين للرازي ص ٢٤٩-٢٥٠. ويُقال لهم: "حكمة الرب فوق تحصيل اللذة ودفع الألم، بل هو يتعالى عن ذلك؛ لأنّ ما ذكر غرض المخلوق. أمّا الخالق سبحانه فهو غنيٌ بذاته عن كلّ ما سواه؛ حكمته سبحانه لا تُشابه حكمة المخلوقين؛ كما أنّ إرادته، وسائر صفاته لا تُشابه صفات المخلوقين". الحكمة والتعليل في أفعال الله ص ٧٢.
[ ١ / ٤٥٦ ]
والمعتزلة منعوا المقدمة الأولى، فغلبوا معهم. والمقدمة الثانية جعلوها محلّ وفاق١، وهي مناسبة لأصول المعتزلة؛ لكونهم ينفون الصفات؛ فنفي الفعل القائم به أولى على أصلهم، ونفي مقتضى ذلك أولى على أصلهم. وهذه المقدمة التي اشتركوا فيها [تقتضي] ٢ نفي كونه مريدًا، ونفي كونه فاعلًا، ونفي حدوث شيء من الحوادث؛ كما أنّ نفي الصفات يقتضي نفي [شيء] ٣ قائمٍ بنفسه موصوفٍ بالصفات.
فنفي اتصافه بالصفات يستلزم أن لا يكون في الوجود شيء يتصف بصفة، ونفي فعله، وإحداثه يقتضي أن لا يكون في الوجود شيء حادِث؛ فكان ما نفوه مستلزمًا نهاية السفسطة٤، وجحد الحقائق. ولهذا كان من
_________________
(١) ١ المعتزلة جعلوها محلّ وفاق مع الأشاعرة؛ لأنّها موافقة لأصولهم. ٢ في «خ»: يقتضي. ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» . ٤ المقصود بالسفسطة: الحكمة المموّهة. ويُراد بها التمويه، والخداع، والمغالطة في الكلام، وجحد الحقائق. وهي كلمة معربة من اليونانية، مركبة من سوفيا؛ وهي الحكمة، ومن اسطس؛ وهو المموّه؛ فمعناه: حكمة مموّهة. يقول الجرجاني في التعريفات ص ١٥٨: "السفسطة: قياس مركب من الوهميات. والغرض منه تغليط الخصم، وإسكاته؛ كقولنا: الجوهر موجود في الذهن، وكل موجود في الذهن قائم بالذهن عرضٌ؛ لينتج أنّ الجوهر عرض". يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فإنّ هذه الكلمة هي كلمة معربة، وأصلها باليونانية (سوفسقيا)؛ أي حكمة مموهة؛ فإنّ (سوفيا) باليونانية هي الحكمة، ولهذا يقولون: (فيلسوف)؛ أي محبّ الحكمة وأما هذه المموهة فهي تشبه الحق البرهاني ونحوه مما ينبغي قبوله، وهي في الحقيقة باطلة يجب ردها، ولكن موهت كما يموه الحق بالباطل، فسمّوها (سوفسقيا)؛ أي حكمة مموهة". بيان تلبيس الجهمية ١٣٢٢-٣٢٤. وانظر: التسعينيّة ص ٣٦-٣٧. وتاريخ الفلسفة اليونانية ليوسف كرم ص ٤٥. وانظر: تقسيم شيخ الإسلام للسفسطة إلى ثلاثة أقسام في منهاج السنة ١٤١٩. وفي كتاب الصفدية ١٩٧ قسمها إلى أربعة أقسام.
[ ١ / ٤٥٧ ]
وافق هؤلاء على نفي محبة الله لما أمر به من الصوفية، يلزمهم تعطيل الأمر والنهي، وأن لا [ينفى] ١ إلا القدر [العامّ] ٢.
وقد التزم ذلك طائفة من محققيهم٣، وكان نفي الصفات يستلزم نفي [الذات] ٤، وأن لا يكون [موجودان] ٥، أحدهما واجب قديم خالق، والآخر ممكن، أو محدَث، أو مخلوق. وهكذا التزمه طائفة من محققيهم؛ وهم القائلون بوحدة الوجود، و[هؤلاء] ٦ يقولون [بكون] ٧ العبد أولًا يشهد الرفق بين الطاعة والمعصية، ثمّ يشهد طاعة بلا معصية، ثمّ لا طاعة ولا معصية، بل الوجود واحد٨، فالذين أثبتوا الحسن والقبح في الأفعال،
_________________
(١) ١ في «خ»: يبقى. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «ط»: العلم. ٣ انظر: كتاب الصفدية ١٢٤٣-٢٤٥، ٢٦٤-٢٦٥. ٤ في «م»، و«ط»: الصفات. ٥ في «خ»: موجودا ان. ٦ في «م»، و«ط»: هم. ٧ في «خ»: يكون. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٨ وقد سوّى غلاة الصوفية بين الإيمان والكفر، والخير والشرّ بكونه منه ﷾. انظر: جامع الرسائل والمسائل ٤٣٠٠-٣٠١. وجامع الرسائل ١١٢٥. ومجموع الفتاوى ٨٣٣١، ٣٣٩، ٣٤٣-٣٥٠. وقد قال عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولهذا يجوز عندهم أن يأمر الله بكل شيء، حتى الكفر والفسوق والعصيان، وينهى عن كل شيء، حتى عن الإيمان والتوحيد، ويجوز نسخ كل ما أمر به بكلّ ما نهى عنه. ولم يبق عندهم في الوجود خير ولا شرّ، ولا حسن ولا قبح إلا بهذا الاعتبار. فما في الوجود ضر ولا نفع. والنفع والضرّ أمران إضافيان، فربما نفع هذا ما ضرّ هذا؛ كما يُقال مصائب قوم عند قوم فوائد". مجموع الفتاوى ٨٣٤٣. وانظر: بيان تلبيس الجهمية ١١٦٢.
[ ١ / ٤٥٨ ]
وأنّ لها صفات تقتضي ذلك، قالوا بما قاله جمهور العقلاء من المسلمين وغيرهم.
قال أبو الخطاب١: "هذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين٢، لكن تناقضوا، فلم يُثبتوا لازم ذلك، فتسلّط عليهم النفاة. والنفاة لمّا نفوا الحسن والقبح في نفس الأمر٣، قالوا٤: لا فرق في ما يخلقه الله، [وبما يأمر] ٥ به بين فعل وفعل، وليس في نفس الأمر حسن، ولا قبيح، ولا صفات توجب ذلك. واستثنوا ما يوجب اللذة والألم، لكن اعتقدوا ما اعتقدته المعتزلة أنّ هذا لا يجوز إثباته في حق الربّ. وأما في حق العبد: فظنّوا أنّ الأفعال لا [تقتضي] ٦ إلا لذة وألمًا في الدنيا. وأمّا كونها مشتملة
_________________
(١) ١ أبو الخطاب هو محفوظ بن أحمد بن الحسن بن أحمد الكلوذاني البغدادي، أحد أعيان المذهب الحنبلي. ولد سنة ٤٣٢؟. وتفقه على القاضي أبي يعلى، وسمع الكثير، ودرّس، وأفتى، وناظر، وصنّف في الأصول والفروع. توفي في بغداد سنة ٥١٠؟. قال السلفي: "هو ثقة رضيّ من أئمة أصحاب أحمد". انظر: البداية والنهاية ١٢١٨٠. والذيل على طبقات الحنابلة ١١١٦-١٢٧. والأعلام للزركلي ٥٢٩١. وسير أعلام النبلاء ١٩٣٤٩. ٢ انظر: التمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب ٤٢٩٤. وقد نقل شيخ الإسلام ﵀ هذا النص عن أبي الخطاب في كتابه الجواب الصحيح ٢٣٠٩. ٣ وهم الأشاعرة، نفاة الحسن والقبح العقليّين، والحكمة والمحبة. ولأبي الخطاب كتاب مطبوع اسمه التمهيد في أصول الفقه، يقع في أربع مجلدات، من مطبوعات المجلس العلمي في جامعة أم القرى. ٤ المقصود بهم الأشاعرة. وهذه حجتهم. وانظر: ص ٥٤٧-٥٥٢. وانظر: شرح الأصفهانية ٢٦١٦-٦٢٠. ٥ في «م»، و«ط»: وما يأمره. ٦ في «خ»: يقتضي.
[ ١ / ٤٥٩ ]
على صفات تقتضي لذة وألمًا في الآخرة، [فذاك] ١ عندهم باطلٌ، ولم يمكنهم أن يقولوا إنّ الشارع يأمر بما فيه لذة مطلقًا، و[ينهى] ٢ عمّا فيه ألم مطلقًا.
وكون الفعل يقتضي ما يوجب اللذة، هو عندهم من باب التولّد٣.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: فذلك. ٢ في «خ»: نهي. ٣ المقصود به هنا: التوليد؛ وهو " أن يحصل الفعل عن فاعله بتوسّط فعلٍ آخر؛ كحركة المفتاح في حركة اليد". التعريفات للجرجاني ص ٩٨. وقال شيخ الإسلام ﵀ عن مسألة التوليد، وموقف كل من المعتزلة والأشاعرة منها: "فإنّ أفعال الإنسان، وغيره من الحيوان على نوعين: أحدهما المباشر، والثاني المتولّد. فالمباشر ما كان في محلّ القدرة؛ كالقيام، والقعود، والأكل، والشرب. وأما المتولّد فهو ما خرج عن محلّ القدرة؛ كخروج السهم من القوس، وقطع السكين للعنق، والألم الحاصل من الضرب، ونحو ذلك. فهؤلاء المعتزلة يقولون: هذه المتولّدات فعل العبد؛ كالأفعال المباشرة. وأولئك المبالغون في مناقضتهم في مسائل القدر من الأشعرية وغيرهم يقولون: بل هذه الحوادث فعل الله تعالى، ليس للعبد فيها فعل أصلًا". كتاب الصفدية ١١٥٠. وقال ﵀ في موضع آخر عن أقوال الناس في التولّد: "فأما الأمور المنفصلة عنه التي يُقال إنها متولّدة عن فعله. فمن الناس من يقول: ليست مفعولة له بحال، بل هي مفعولة لله تعالى؛ كما يقول ذلك كثيرٌ من متكلمي المثبتين للقدر. ومنهم من يقول: بل هو مفعول له على طريق التولد؛ كما يقوله من يقوله من المعتزلة. ويُحكى عن بعضهم أنه قال: لا فاعل لها بحال. وحقيقة الأمر: أنّ تلك قد اشترك فيها الإنسان، والسبب المنفصل عنه؛ فإنّه إذا ضَرَبَ بحجر فقد فعل الحَذْف، ووصول الحجر إلى منتهاه حصل بهذا السبب، وبسببٍ آخر من الحجر والهواء. وكذلك الشبع، والرّيّ حصل بسبب أكله وشربه الذي هو فعله، وبسبب ما في الطعام والشراب من قوة التغذية، وما في بدنه من قوة القبول لذلك. والله خالق هذا كلّه". درء تعارض العقل والنقل ٩٣٤٠-٣٤١. وانظر: عن التولّد عند المعتزلة والأشعرية: الأصول الخمسة لعبد الجبار ص ٣٨٧-٣٩٠، ٤٢٤. والتمهيد للباقلاني ص ٦٣-٦٤، ٣٣٤-٣٤١. والإرشاد للجويني ص ٢٣٠. وأصول الدين للبغدادي ص ١٣٧. والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ٣٥٩. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣١٦-٣١٩. وشرح المقاصد للتفتازاني ٤٢٧١.
[ ١ / ٤٦٠ ]
معنى الكسب عند االأشاعرة
وهم لا يقولون به، بل قدرة العبد عندهم لا [تتعلّق] ١ إلا بفعل في محلّها، مع أنّها عند شيخهم٢ غير مؤثرة في المقدور، ولا يقول أنّ العبد فاعلٌ في الحقيقة، بل كاسب٣.
_________________
(١) ١ في «خ»: يتعلق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ المقصود به أبو الحسن الأشعري. قال في مقالات الإسلاميين ٢٢٢١: (والحق عندي أنّ معنى الاكتساب هو أن يقع الشيء بقدرة محدثة، فيكون كسبًا لمن وقع بقدرته) . وقال الشهرستاني في الملل والنحل ١٩١: (قال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري: إذا كان الخالق على الحقيقة هو الباري تعالى لا يُشاركه في الخلق غيره، فأخص وصفه تعالى هو القدرة على الاختراع) . وقال الشهرستاني عن الكسب، وتأثير القدرة عند الأشعريّ: "ثمّ على أصل أبي الحسن: لا تأثير للقدرة الحادثة في الإحداث؛ لأنّ جهة الحدوث قضيّة واحدة لا تختلف بالنسبة إلى الجوهر والعرض أنّ الله تعالى أجرى سنّته بأن يحقق عقيب القدرة الحادثة، أو تحتها، أو معها الفعل الحاصل إذا أراده العبد وتجرّد له. ويُسمّى هذا الفعل كسبًا، فيكون خلقًا من الله تعالى إبداعًا وإحداثًا، وكسبًا من العبد، حصولًا تحت قدرته". الملل والنحل للشهرستاني ١٩٧. وانظر: اللمع للأشعري ص٩٣-٩٥. والإنصاف للباقلاني ص٧٠-٧١. والإرشاد للجويني ص ٢٠٨-٢١٠. وأصول الدين للبغدادي ص ١٣٣-١٣٧. ٣ الكسب عند الأشعريّ: قال الأشعري عن الكسب: (فكل من وقع منه الفعل بقدرة قديمة، فهو فاعل خالق، ومن وقع منه بقدرة محدثة فهو مكتسب. وهذا قول أهل الحق) . مقالات الإسلاميين ١٥٣٩. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن الكسب عند الأشعرية: "وهم وإن كانوا لا يُثبتون لقدرة العبد أثرًا في حصول المقدور، فإنّهم يُفرّقون بين ما كان في محل القدرة فيجعلونه مقدورًا للعبد، وما كان خارجًا عن محل القدرة فلا يجعلونه مقدورًا للعبد. وأكثر من نازعهم يقول: إنّ هذا كلام لا يُعقل؛ فإنّه إذا لم يثبت للقدرة أثر، لم يكن الفرق بين ما كان في محلّ القدرة، وبين ما كان في غير محل القدرة إلا فرقًا في محلّ الحادث، من غير أن يكون للقدرة في ذلك تأثير. وتسمية هذا مقدورًا دون هذا تحكّم محض، وتفريق بين المتماثلين. ولهذا قال بعض الناس: عجائب الكلام التي لا حقيقة لها ثلاثة: طفرة النظام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعري. وإذا قيل لهؤلاء: الكسب الذي أثبتموه لا تُعقل حقيقته. فإذا قالوا: الكسب ما وُجد في محل القدرة المحدثة مقارنًا لها من غير أن يكون للقدرة تأثير فيه. قيل لهم: فلا فرق بين هذا الكسب، وبين سائر ما يحدث في غير محلها وغير مقارن لها؛ إذ اشتراك الشيئين في زمانهما ومحلهما لا يُوجب كون أحدهما له قدرة على الآخر؛ كاشتراك العرضين الحادثين في محل واحد، في زمان واحد. بل قد يُقال: ليس جعل الكسب قدرة والقدرة كسبًا بأولى من العكس إذا لم يكن إلا مجرد المقارنة في الزمان والمحل". كتاب الصفدية ١١٤٨، ١٥٠-١٥٢. وانظر: المصدر نفسه ٢٣٣١. ومنهاج السنة النبوية ٣١٣، ١٠٩. ودرء تعارض العقل والنقل ٨٣٢٠. وشرح الأصفهانية ١١٥٠، ٢٣٥٠. ومجموع الفتاوى ٣٠١٣٩. وانظر: أيضًا: أصول الدين للبغدادي ص١٣٣-١٣٤. وشرح الجوهرة للبيجوري ص ١٠٤. والعقيدة الإسلامية لعبد الرحمن حبنكة ص ٧٥٧-٧٥٨.
[ ١ / ٤٦١ ]
ولم يذكروا بين الكسب والفعل فرقًا معقولًا، بل حقيقة قولهم قول جهم: إنّ العبد لا قدرة له، ولا فعل، ولا كسب١.
والله عندهم فاعل فعل العبد، وفعله هو نفس مفعوله؛ فصار الربّ عندهم فاعلًا لكلّ ما يُوجد من أفعال العباد. ويلزمهم أن يكون هو الفاعل للقبائح، وأن يتّصف بها على قولهم إنّه يُوصف بالصفات الفعليّة القائمة بغيره.
_________________
(١) ١ لاحظ الحاشية السابقة.
[ ١ / ٤٦٢ ]
وقد تناقضوا في هذا الموضع١ [فجعلوه] ٢ متكلمًا بكلام يقوم بغيره، وجعلوه عادلًا ومحسنًا بعدلٍ وإحسانٍ يقوم بغيره؛ كما قد بُسط في غير هذا الموضع٣.
وحينئذٍ فما بقي يمكنهم أن يُفرّقوا بين ممكن وممكن من جميع الأجناس؛ أي يقولوا: هذا يحسن من الرب فعله، وهذا يُنزّه عنه. بل يجوز عندهم أن يفعل كلّ ممكن مقدور.
معنى الظلم عند الأشاعرة
والظلم عندهم هو فعل ما نهى المرء عنه، أو التصرّف في ملك الغير٤. وكلاهما ممتنعٌ في حقّ الله. فأما أن
_________________
(١) ١ أي وصفه بالصفات الفعليّة القائمة بغيره. ٢ في «خ»: فلم يجعلوه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ انظر: كتاب الصفدية ١١٥٣-١٥٤. وشرح الأصفهانية ١٢٥-٢٨. ومنهاج السنة النبوية ٢١٠٧-١٢٠. ودرء تعارض العقل والنقل ٥٢٤٢-٢٥٠. ٤ انظر: التمهيد للباقلاني ص٣٨٤-٣٨٥. وأصول الدين للبغدادي ص١٣١-١٣٣. وشرح المقاصد للتفتازاني ٤٢٧٤-٢٨١. وشرح العقائد العضدية لجلال الدواني ٢١٨٦-١٨٩. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذه الطائفة إنهم يقولون: (الظلم ليس بممكن الوجود، بل كل ممكن إذا قُدّر وجوده منه فإنّه عدلٌ. والظلم هو الممتنع؛ مثل الجمع بين الضدّين، وكون الشيء موجودًا معدومًا؛ فإنّ الظلم إمّا التصرف في ملك الغير، وكل ما سواه ملكه؛ وإمّا مخالفة الآمر الذي تجب طاعته. وليس فوق الله تعالى آمرٌ تجب عليه طاعته. وهؤلاء يقولون: مهما تصور وجوده، وقُدّر وجوده فهو عدل. وإذا قالوا كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، فهذا أمر أُوهم. وهذا قول المجبرة؛ مثل جهم ومن اتبعه. وهو قول الأشعري ومن اتبعه، وأمثاله من أهل الكلام، وقول من وافقهم من الفقهاء، وأهل الحديث، والصوفية) . جامع الرسائل ١١٢١-١٢٢. قال الأشعري: "وهو المالك في خلقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو أدخل الخلائق بأجمعهم الجنة، لم يكن حيفًا، ولو أدخلهم النار لم يكن جورًا؛ إذ الظلم هوالتصرف فيما لا يملكه المتصرف، أو وضع الشيء في غير موضعه. وهو المالك المطلق فلا يتصور منه ظلم، ولا ينسب إليه جور". الملل والنحل ١١٠٠.
[ ١ / ٤٦٣ ]
يكون هناك أمر ممكن مقدور، وهو منزّه عنه، فهذا عندهم لا يجوز.
من أصول الأشاعرة
فلهذا جوّزوا عليه كلّ ما يُمكن، ولا ينزهونه عن فعل لكونه قبيحًا، أو نقصًا، أو مذمومًا، ونحو ذلك١. بل يعلم ما يقع وما لا يقع بالخبر؛ أي بخبر الرسول كما علم بخبره المأمور والمحظور، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب، أو بالعادة مع أنّ العادة يجوز انتقاضها عندهم. لكن قالوا: قد يُعلم بالضرورة عدم ما يجوز وقوعه، من غير فرق؛ لا في الوجود، ولا في العلم بين ما علموا انتفاءه، وما لم يعلموه؛ إذ كان أصل قولهم هو جواز التفريق بين المتماثلين بلا سبب. فالإرادة القديمة عندهم تُرجّح مثلًا على مثل بلا سبب في خلق الرب وفي أمره. وكذلك عندهم قد يُحدث في قلب العبد علمًا ضروريًا بالفرق بين المتماثلين بلا سبب. فلهذا قالوا: إنّ الشرع لا يأمر وينهى لحكمة٢.
ولم يعتمدوا على المناسبة، وقالوا: علل الشرع أمارات٣؛ كما قالوا: إنّ أفعال العباد أمارة على السعادة والشقاء فقط٤، من غير أن يكون
_________________
(١) ١ انظر: المواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٢٣، ٣٢٨، ٣٣٠، ٣٣١. ٢ المقصود بهم الأشاعرة. انظر: التمهيد للباقلاني ص ٥٠-٦٦. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٣١-٣٣٢. ٣ انظر: المواقف للإيجي ص ٣١٤-٣١٥، ٣٢٣. ٤ قال شيخ الإسلام ﵀: "وملخص ذلك أنّ الله إذا أمر بأمرٍ فإنّه حسنٌ بالاتفاق، وإذا نهى عن شيء فإنّه قبيحٌ بالاتفاق. لكن حسن الفعل وقبحه إما أن ينشأ من نفس الفعل، والأمر والنهي كاشفان؛ أو ينشأ من نفس تعلق الأمر والنهي به؛ أو من المجموع. فالأول هو قول المعتزلة. ولهذا لا يجوّزون نسخ العبادة قبل دخول وقتها؛ لأته يستلزم أن يكون الفعل الواحد حسنًا قبيحًا. وهذا قول أبي الحسين التميمي من أصحاب أحمد، وغيره من الفقهاء. والثاني قول الأشعرية ومن وافقهم من الظاهرية، وفقهاء الطوائف. وهؤلاء يجعلون علل الشرع مجرّد أمارات، ولا يُثبتون بين العلل والأفعال مناسبة. لكن هؤلاء الفقهاء متناقضون في هذا الباب". شرح الأصفهانية ٢٦١٨. وانظر: الإنصاف للباقلاني ص ٧٤-٧٥. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٢٣. وقال شيخ الإسلام ﵀ عن الأشعرية: "وقالوا: إن الطاعات والمعاصي مع الثواب والعقاب كذلك، ليس في الطاعة معنى يُناسب الثواب، ولا في المعصية معنى يُناسب العقاب، ولا كان في الأمر والنهي حكمة لأجلها أمر ونهى. ولا أراد بإرسال الرسل رحمة العباد ومصلحتهم، بل أراد أن يُنعّم طائفة، ويُعذّب طائفة لا لحكمة. والسبب هو جعل الأمر، والنهي، والطاعة، والمعصية علامة على ذلك، لا لسبب، ولا لحكمة. وأنه يجوز أن يأمر بكل شيء، حتى بالشرك، وتكذيب الرسل، والظلم، والفواحش، وينهى عن كل شيء، حتى التوحيد، والإيمان بالرسل، وطاعتهم". مجموع الفتاوى ٨٤٦٨. ونحو هذا الكلام الذي حكاه شيخ الإسلام عن الأشعرية، ذكره البيجوري من الأشعرية في كتابه شرح جوهرة التوحيد، فقال: "وبالجملة: فهو ﷾ لا تنفعه طاعة، ولا تضرّه معصية، والكلّ بخلقه. فليست الطاعة مستلزمة للثواب، وليست المعصية مستلزمة للعقاب، وإنما هما أمارتان تدلان على الثواب لمن أطاع، والعقاب لمن عصى، حتى لو عكس دلالتهما بأن قال: من أطاعني عذّبته، ومن عصاني أثبته، لكان ذلك منه حسنًا". شرح الجوهرة ص ١٠٨.
[ ١ / ٤٦٤ ]
في أحد الفعلين معنى يُناسب الثواب أو العقاب١.
ومن أثبت المناسبة من متأخّريهم؛ كأبي حامد٢ ومن تبعه. قالوا: عرفنا بالاستقراء أنّ المأمور به تقترن به مصلحة العباد؛ وهو حصول ما ينفعهم، والمنهي عنه تقترن به المفسدة، فإذا وُجد الأمر والنهي عُلم وجود
_________________
(١) ١ انظر: الكلام على المناسبة، وما يُراد بها، وتفصيل شيخ الإسلام لها في مجموعة الرسائل والمسائل ٤٢٢٤-٢٢٥. وانظر: الإنصاف للباقلاني ص ٧٤-٧٧. ٢ الغزالي.
[ ١ / ٤٦٥ ]
قرينه الذي علم بعادة الشرع من غير أن يكون الربّ أمر به لتلك المصلحة، ولا نهى عنه لتلك المفسدة.
وجمهورهم وأئمتهم على أنّه يمتنع أن يفعل لحكمة.
لكن الآمديّ قال: إنّ ذلك جائز غير واجب؛ فلم يجعله واجبًا، ولا ممتنعًا١.
_________________
(١) ١ ولشيخ الإسلام ﵀ كلام جميل مختصر في توضيح قول أهل السنة والجماعة في مسألة أفعال العباد، وإثبات ما لله في خلقه وأمره من الأسباب، والحكمة، نختم به هذا الفصل الذي أفاض فيه المؤلف ﵀ في الحديث عن أقوال الفلاسفة والمتكلمين في هذه القضيّة. يقول رحمه الله تعالى: "جمهور المسلمين يقولون بالحق الذي دلّ عليه المنقول والمعقول؛ فيقولون: إنّ أفعال العباد مخلوقة لله، مفعولة له، وهي فعلٌ للعباد حقيقة لا مجازًا. وهم يُثبتون ما لله في خلقه وأمره من الأسباب، والحكم، وما جعله الله في الأجسام من القوى والطبائع في الحيوان وفي الجماد. لكنهم مع إثباتهم للأسباب والحكم لا يقولون بقول الطبائعيّة من الفلاسفة وغيرهم، بل يقولون: إنّ الله خالق كلّ شيء، وربّه، ومليكه، وأنّه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا حول ولا قوة إلا به. ويعلمون أنّ الأسباب هي مخلوقة لله بمشيئته وقدرته، ولا تزال مفتقرة إلى الله. لا يقولون إنها معلولة له، أو متولدة عنه؛ كما يقوله الفلاسفة، ولا أنها مستغنية عنه بعد الإحداث؛ كما يقوله من يقوله من أهل الكلام. بل كل ما سوى الله تعالى دائم الفقر والاحتياج إليه، لا يحدث ولا يبقى إلا بمشيئته القديمة. فما كان بالأسباب، فالله خالقه، وخالق سببه جميعًا. ويقولون مع هذا: إنّ الأسباب التي خلقها ليس فيها ما يستقلّ بالتأثير في شيء من الأشياء، بل لا بُدّ له من أسباب أُخر تعاونه وتشاركه، وهو مع ذلك له معارضات وموانع تعارضه وتدافعه؛ كما في الشعاع الحادث عن الشمس، والاحتراق الحادث عن النار، ونحو ذلك؛ فإنّه لا بُدّ مع الشمس من محلّ قابل لانعكاس الشعاع عليه. وهو مع ذلك يمتنع بحصول الحائل؛ كالسحاب، والسقف، وغير ذلك من الموانع، وبكل حائل".كتاب الصفدية ١١٥٤-١٥٥.
[ ١ / ٤٦٦ ]
فصل عدل الله وحكمته وتعليل أفعاله
وهذا الأصل١ دخل في جميع أبواب الدين؛ أصوله، وفروعه؛ في
_________________
(١) ١ المقصود به عدل الله وحكمته والتعليل في أفعاله؛ كما مرّ في الفصل السابق. وقد ألّف شيخ الإسلام ﵀ في هذا الأصل رسائل قيّمة؛ مثل رسالة في معنى كون الربّ عادلًا وفي تنزّهه عن الظلم. وهي ممّا ألّفه ﵀ في محبسه الأخير بالقلعة بدمشق. (انظر جامع الرسائل ١١١٩-١٤٢) . وكذلك رسالة في شرح حديث أبي ذر: "يا عبادي إني حرّمتُ الظلم على نفسي"؛ ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ٢٢٠٥-٢٤٦. وانظر منهاج السنة النبوية ١١٣٣-١٤٦. وممّا قاله ﵀ عن هذا الأصل: "وهذا الأصل؛ وهو عدل الربّ، يتعلّق بجميع أنواع العلم والدين؛ فإنّ جميع أفعال الرب ومخلوقاته داخلة في ذلك، وكذلك أقواله وشرائعه وكتبه المنزلة، وما يدخل في ذلك من مسائل المبدأ والمعاد، ومسائل النبوات، وآياتهم، والثواب والعقاب، ومسائل التعديل والتجوير، وغير ذلك. وهذه الأمور ممّا خاض فيه جميع الأمم". جامع الرسائل ١١٢٥. وشيخ الإسلام ﵀ يردّ على المبتدعة في أصولهم التي بنوا عليها معتقداتهم، فلذلك ربط ﵀ بين المعجزات وثبوت النبوة، مع مسائل العدل والحكمة. وقد ذكر أحد أئمة الأشاعرة أنّ النبوّات والمعجزات مبنيّة على أصول، ومرتبة على قواعد. وأصل هذه الأصول كما ذكر هو القول بالتعديل والتجوير. يقول الجويني في الإرشاد ص ٢٥٧ عن القول في التعديل والتجوير: (إنّ مضمون هذا الأصل العظيم، والخطب الجسيم تحصره مقدّمتان، وثلاث مسائل: إحدى المقدمتين في الردّ على من قال بتحسين العقل وتقبيحه. والأخرى: أنه لا واجب على الله تعالى يدلّ عليه العقل. وأما المسائل الثلاث؛ فإحداها في بيان مذاهب أهل الملل في إيلام الله تعالى من يؤلمه من عباده وخليقته. وهذه المسألة تتشعب القول في التناسخ والأعراض. والمسألة الثانية في الصلاح والأصلح. والثالثة في اللطف ومعناه. وإذا نجزت هذه الأصول افتتحنا بعده المعجزات، ورتبنا على ثبوت النبوات السمعيات) . فالتعديل والتجوير هو أصل الأصول التي بنى عليها هؤلاء إثبات النبوة. لذلك كان اهتمام شيخ الإسلام ﵀ في الردّ على أصحابها، ونقض ما عندهم من الباطل، وإظهار الحقّ وإعزازه بالدليل والبرهان.
[ ١ / ٤٦٧ ]
خلق الربّ لما يخلقه، ورزقه، وإعطائه، ومنعه، وسائر ما يفعله ﵎، ودخل في أمره، ونهيه، وجميع ما يأمر به، وينهى عنه. ودخل في المعاد؛ فعندهم١ يجوز أن يُعذّب الله جميع أهل العدل والصلاح والدين، والأنبياء والمرسلين بالعذاب الأبديّ، وأن يُنعّم جميع أهل الكذب والظلم والفواحش بالنّعيم الأبديّ. لكنْ بمجرّد الخبر عرفنا أنّه لا يفعل هذا٢. ويجوز عندهم أن يُعذّب من لا له ذنب أصلًا بالعذاب الأبديّ٣.
حكم أطفال المشركين
بل هذا واقعٌ عند من يقول بأنّ أطفال الكفّار يُعذّبون في النّار مع آبائهم٤؛ فإنّهم كلّهم يُجوّزون تعذيبهم؛ إذ كان عندهم يجوز تعذيب كلّ
_________________
(١) ١ المقصود بهم الأشاعرة. (انظر منهاج السنة النبوية ١١٣٥) . ٢ قال الأشعريّ: "فلا يقبح منه أن يُعذّب المؤمنين، ويدخل الكافرين الجنان، وإنّما نقول إنه لا يفعل ذلك لأنّه أخبرنا أنّه يُعاقب الكافرين. وهو لا يجوز عليه الكذب في خبره". ثمّ قال: "والدليل على أنّ كل ما فعله فله فعله: أنّه المالك القاهر الذي ليس بمملوك، ولا فوقه فإن قال: فإنّما يقبح الكذب لأنّه قبّحه؟ قيل له: أجل، ولو حسَّنه لكان حسنًا، ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض". اللمع ص ٧١. ٣ انظر التمهيد للباقلاني ص ٣٨٢-٣٨٦. ٤ مسألة هل أطفال المشركين يُعذّبون، أم لا، فيها اختلاف بين الفرق: فقد ذهبت المعتزلة إلى أنّه لا يجوز أن يُعذّب الله أطفال المشركين. وذهبت الجبريّة والأشاعرة إلى جواز ذلك، وقالوا: لا يقبح ذلك من الله تعالى؛ لأنّه مالك الرقاب، ويتصرّف في ملكه كيف يشاء. أمّا قول أهل السنة والجماعة، فيقول في بيانه شيخ الإسلام ﵀: "وأما ثبوت حكم الكفرة في الآخرة للأطفال، فكان أحمد يقف فيه؛ تارة يقف عن الجواب، وتارة يردّهم إلى العلم؛ لقوله: "الله أعلم بما كانوا عاملين". وهذا أحسن جوابيه، كما نقل محمد بن الحكم عنه، وسأله عن أولاد المشركين، فقال: أذهب إلى قول النبي ﷺ: "الله أعلم بما كانوا عاملين" ". رواه البخاري ومسلم في كتاب القدر. ثم قال ﵀: "وهذا التفصيل يُذهب الخصومات التي كره الخوض فيه لأجلها من كرهه؛ فإنّ من قطع لهم بالنّار كلهم، جاءت نصوص تدفع قوله، ومن قطع لهم بالجنّة كلّهم، جاءت نصوص تدفع قوله. ثمّ إذا قيل هم مع آبائهم لزم تعذيب من لم يُذنب، وانفتح باب الخوض في الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والقدر، والشرع، والمحبة، والحكمة، والرحمة. فلهذا كان أحمد يقول هو أصل كل خصومة. أما جواب النبي ﷺ الذي أجاب به أحمد آخرًا، وهو قوله: "الله أعلم بما كانوا عاملين": فإنّه فصل الخطاب في هذا الباب. وهذا العلم يُظهر حكمه في الآخرة. والله تعالى أعلم". درء تعارض العقل والنقل ٨٣٩٧، ٤٠٢. وذكر ابن حجر في الفتح (٣٢٩٠-٢٩١) عشرة أقوال للعلماء في أطفال المشركين. وانظر: منهاج السنة النبوية ٢٣٠٦-٣٠٩. والجواب الصحيح ٢٢٩٦-٣٠٠. ومجموع الفتاوى ٤٢٧٧-٢٨١، ٣٠٣، ٢٤٣٧٢. وطريق الهجرتين لابن القيم ص ٦٧٧-٦٨٩. وانظر أيضًا: شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص ٤٧٧-٤٧٩. ورسائل العدل والتوحيد ص ٢٢٢. وأصول الدين للبغدادي ص ٢٥٦.
[ ١ / ٤٦٨ ]
حيّ العذاب المؤبّد بلا ذنب، ولا غرض، ولا حكمة١.
لكن: هل يقع هذا في أطفال المشركين؟ منهم من جزم بوقوعه؛ كالقاضي أبي يعلى ومن وافقه٢. ومنهم من توقّف لعدم الدليل السمعيّ
_________________
(١) ١ يقول شيخ الإسلام ﵀ أيضًا في موضع آخر: "وهؤلاء يُجوّزون أن يُعذّب الله العبدَ في الدنيا والآخرة بلا ذنب؛ كما يُجوّزون تعذيب أطفال الكفار ومجانينهم بلا ذنب. ثمّ من هؤلاء من يقطع بدخول أطفال الكفار النّار، ومنهم من يُجوّزه ويتوقّف فيه". منهاج السنة النبوية ٢٣٠٦. ٢ انظر: درء تعارض العقل والنقل ٨٣٩٨. والجواب الصحيح ٢٢٩٦-٢٩٧.
[ ١ / ٤٦٩ ]
عنده، لا لمانع عقليّ؛ كالقاضي أبي بكر١، ونحوه٢. وليس عندهم من أفعال الله ما يُنزّهونه عنه، أو ما [تقتضي] ٣ الحكمة وجوده، بل يجوز عندهم أن يفعل كلّ ممكن، ويجوز أن لا يفعل شيئًا من الخير٤.
لكن إذا أخبر أنّه يفعل شيئًا، أو أنّه لا يفعله، علم أنّه واقعٌ، أو غير واقعٍ بالخبر. ويجوز عندهم أن يُعذّب من لا ذنب له، ومن هو أبرّ الناس وأعدلهم وأفضلهم عذابًا مؤبّدًا لا يُعذّبه أحدًا من العالمين. ويجوز أن يُنعّم شرّ الخلق من شياطين الإنس والجنّ نعيمًا في أعلى درجات الجنّة، لا يُنعّم مثله [لمخلوق] ٥، لكن لمّا أخبر بأنّ المؤمنين يدخلون الجنّة، والكفّار يدخلون النّار، علم ما يقع٦، مع أنّه لو وقع ضدّه لم يكن بينهما فرقٌ عندهم، ثمّ مع مجيء [الخبر] ٧ فكثيرٌ منهم وافقه. أمّا في جنس الفسّاق مطلقًا، [فيُجوّزون] ٨ أن يدخل جميعهم الجنّة، ويُجوّزون أن يدخل جميعهم النّار، ويُجوّزون أن يدخل بعضهم؛ كما يقوله من يقوله [من واقفة] ٩ الشيعة، والأشعريّة؛
_________________
(١) ١ الباقلاني. يقول الباقلاني: "فإن قال قائل: فهل يصحّ على قولكم هذا أن يؤلم الله سبحانه سائر النبيّين، ويُنعّم سائر الكفرة والعاصين من جهة العقل قبل ورود السمع؟ قيل له: أجل، له ذلك. ولو فعله لكان جائزًا منه غير مستنكر من فعله". التمهيد ص ٣٨٥. ٢ كالجويني. انظر الإرشاد ص ٢٧٣. ٣ في «خ»: يقتضي. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ انظر: التمهيد للباقلاني ص ٣٨٢-٣٨٦. والإرشاد للجويني ص ٢٧٣. ٥ في «ط»: المخلوق. ٦ انظر: التمهيد للباقلاني ص ٣٨٢-٣٨٣. ٧ في «خ»: الخير. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٨ في «خ»: يجوزون، وما أثبت من «م»، و«ط» . ٩ في «م»، و«ط»: ممن وافق.
[ ١ / ٤٧٠ ]
كالقاضي أبي بكر١؛ لأنّ القرآن عنده لم يدلّ على شيء، والأخبار أخبار آحاد [بزعمه] ٢، فلا يحتجّ بها في ذلك.
وأمّا جمهور المنتسبين إلى السنّة من أصحاب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبي حنيفة، وغيرهم: فيقطعون بأنّ الله يُعذّب بعض أهل الذنوب بالنّار، ويعفو عن بعضهم٣؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَاْ دُوْنَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاْء﴾ ٤، فهذا فيه الإخبار بأنّه يغفر٥ ما دون الشرك، وأنّه يغفره لمن يشاء، لا لكلّ أحد.
لكن: هل الجزاء، والثواب، والعقاب مبنيٌ على الموازنة بالحكمة والعدل؛ كما أخبر الله بوزن الأعمال٦، أو يغفر ويُعذّب بلا سبب، ولا حكمة، ولا اعتبار الموازنة فيه؟
_________________
(١) ١ الباقلاني. انظر التمهيد له ص ٣٨٥-٣٨٦. ٢ في «خ»: يزعمه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ انظر: جامع الرسائل ١١٢٣-١٢٤، ١٢٦. ٤ سورة النساء، الآية، ٤٨، ١١٦. ٥ في «ط»: يغفقر. ٦ قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ . [سورة الأعراف، الآيتان ٨-٩] . وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ . [سورة الأنبياء، الآية ٤٧] . وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ . [سورة القارعة، الآيات ٦-٩] . وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٤٣٠٢. وللشيخ مرعي الحنبلي المقدسي رسالة مطبوعة باسم كتاب تحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان.
[ ١ / ٤٧١ ]
لهؤلاء قولان: فمن جوّز ذلك فإنّه يجوز عندهم أن يُعذّب الله من هو أبرّ النّاس وأكثرهم طاعات وحسنات على سيئة صغيرة عذابًا أعظم من عذاب أفسق الفاسقين. ويجوز عندهم أن يغفر لأفسق الفاسقين من المسلمين وأعظمهم كبائر كلّ ذنب، ويُدخله الجنّة ابتداءً، مع تعذيب ذلك في النّار على صغيرة١.
ولهذا قال جمهور النّاس٢ [عن هؤلاء] ٣: إنّهم لا يُنزّهون الربّ [عن] ٤ السّفه والظلم، بل يصفونه بالأفعال التي يُوصف بها المجانين
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ﵀ عن هؤلاء المجبرة أنّهم: "لايجعلون العدل قسيمًا لظلم ممكن لا يفعله، بل يقولون: الظلم ممتنع. ويُجوّزون تعذيب الأطفال، وغير الأطفال بلا ذنبٍ أصلًا، وأن يخلق خلقًا يُعذّبهم بالنّار أبدًا، لا لحكمة أصلًا، ويرى أحدهم أنه خلق فيه الذنوب وعذب بالنار لا لحكمة، ولا لرعاية عدل، فتفيض نفوسهم إذا وقعت منهم الذنوب فأصيبوا بعقوباتها بأقوال يكونون فيها خصماء لله تعالى". جامع الرسائل ١١٢٥. ٢ قال شيخ الإسلام ﵀: "وأما المثبتون للقدر فهؤلاء تنازعوا في تفسير عدل الله وحكمته، والظلم الذي يجب تنزيهه عنه، وفي تعليل أفعاله وأحكامه، ونحو ذلك. فقالت طائفة: إنّ الظلم ممتنع منه غير مقدور، وهو محال لذاته؛ كالجمع بين النقيضين، وأنّ كل ممكن مقدور، فليس هو ظلمًا، وهؤلاء هم الذين قصدوا الردّ عليهم، وهؤلاء يقولون: إنّه لو عذّب المطيعين، ونعّم العصاة، لم يكن ظالمًا. وقالوا: الظلم: التصرّف فيما ليس له. والله تعالى له كلّ شيء. أو هو مخالفة الأمر، والله لا آمر له. وهذا قول كثير من أهل الكلام المثبتين للقدر وقالت طائفة: بل الظلم مقدور ممكن، والله تعالى منزّه لا يفعله، لعدله. ولهذا مدح الله نفسه، حيث أخبر أنّه لا يظلم الناس شيئًا. والمدح إنّما يكون بترك المقدور عليه، لا بترك الممتنع". منهاج السنة النبوية ١١٣٤-١٣٥. وقالوا: "والظلم وضع الشيء في غير موضعه؛ فهو لا يضع العقوبة إلا في المحلّ الذي يستحقها، لا يضعها على محسن أبدًا". المصدر نفسه ١١٣٩. ٣ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٤ في «خ»: على. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٤٧٢ ]
والسفهاء؛ فإنّ المجنون والسفيه قد [يُعطي] ١ مالًا عظيمًا لمن ليس هو له بأهل. وقد يُعاقب عقوبة عظيمة [لمن] ٢ هو أهل للإكرام والإحسان.
تنازع الناس في معنى الظلم
والربّ تعالى أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، وخير الراحمين. والحكمة وضع الأشياء مواضعها، والظلم وضع الشيء في غير موضعه٣.
ومن تدبّر حكمته في مخلوقاته، ومشروعاته٤ رأى ما يُبهر العقول؛ فإنّه
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: يعطى. ٢ في «م»، و«ط»: من. ٣ وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ تنازع الناس في معنى الظلم على ثلاثة أقوال. القول الأول: قول المجبرة والأشعريّة: "أنّه هو التصرّف في ملك الغير بغير إذنه، أو مخالفة الآمر الذي تجب طاعته. وكلاهما منتفٍ في حق الله تعالى". جامع الرسائل ١١٢٧. وانظر معنى الظلم عند الأشعري في: الملل والنحل ١١٠١. وقد نقلت هذا القول بتوسّع من قول شيخ الإسلام ﵀ في ص ٥٦٠-٥٦١، ٥٦٤-٥٧١ من هذا الكتاب. وانظر جامع الرسائل ١١٢١. الثاني: قول المعتزلة: "أنّه عدل لا يظلم، لأنه لم يُرد وجود شيء من الذنوب؛ لا الكفر، ولا الفسوق، ولا العصيان. بل العباد فعلوا ذلك بغير مشيئته؛ كما فعلوه عاصين لأمره. وهو لم يخلق شيئًا من أفعال العباد؛ لا خيرًا، ولا شرًا، بل هم أحدثوا أفعالهم. فلمّا أحدثوا معاصيهم استحقوا العقوبة عليها؛ فعاقبهم بأفعالهم، لم يظلمهم". جامع الرسائل ١١٢٣. الثالث: قول أهل السنة: "أنّ الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والعدل وضع كل شيء في موضعه. وهو سبحانه حكم عدل يضع الأشياء مواضعها، ولا يضع شيئًا إلا في موضعه الذي يُناسبه، وتقتضيه الحكمة والعدل، ولا يُفرّق بين متماثلين، ولا يُسوّي بين مختلفين، ولا يُعاقب إلا من يستحقّ العقوبة؛ فيضعها موضعها، لما في ذلك من الحكمة والعدل". جامع الرسائل ١١٢٣-١٢٤. وانظر منهاج السنة ١١٣٤، ٢٣٠٤، ٣٠٩، ٣١٢. ٤ وقد تكلّم شيخ الإسلام ﵀ عن الحكمة من بعض مخلوقات الله في الجواب الصحيح ٦٣٩٦. وتكلّم تلميذه الإمام العلامة ابن القيم ﵀ عن بعض هذه الحكمة في مخلوقات الله. انظر مفتاح دارالسعادة ١١٨٨، ٢١٠، ٢٥٦، ٢٥٧. وانظر الحكمة في شرع الله في كتاب «حجة الله البالغة» للشاه ولي الله الدهلوي ١١٥٢.
[ ١ / ٤٧٣ ]
مثلًا خلق العين، واللسان، ونحوهما من الأعضاء لمنفعة، وخلق الرِّجل، والظفر، ونحو ذلك لمنفعة، فلا تقتضي الحكمة أن يستعمل العين واللسان حيث يستعمل اليد والرجل والظفر، ولا أن يستعمل الرجل واليد حيث يستعمل العين واللسان. وهذا من حكمته موجود في أعضاء الإنسان، وسائر الحيوان، والنبات، وسائر المخلوقات. فكيف يجوز في حكمته، وعدله، ورحمته في مَنْ هو دائمًا يفعل ما يُرضيه من الطاعات، والعبادات، والحسنات، وقد نظر نظرة منهيًّا عنها، أن يُعاقبه على هذه النظرة بما يُعاقب به أفجر الفُسّاق، [وأن يكون أفجر الفُسّاق] ١ في أعلى عليّين، وهو سبحانه يفعل ما يشاء، ويحكم ما [يُريد] ٢.
لكن لا يشاء إلا ما يُناسب حكمته، ورحمته، وعدله، كما لا يشاء ويُريد إلا ما علم أنّه سيكون.
فلو قيل: هل يجوز أن يشاء ما علم أنّه لا يكون؟ لم [يجز] ٣ ذلك باتفاقهم٤، لمناقضة علمه. والعلم يُطابق المعلوم. فكيف يشاء ما يُناقض حكمته، ورحمته، وعدله. وبسط هذه الأمور له مواضع متعدّدة٥.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في هامش «خ» . ٢ في «ط»: يريده. ٣ في «ط»: يجر. ٤ انظر: الإنصاف للباقلاني ص ٧٥. ٥ انظر: جامع الرسائل ١١٢٠-١٤٢. والمجموعة المنيريّة ٢٢٠٥-٢٤٦. ومنهاج السنة ١١٣٤-١٤٥. ومجموعة الرسائل والمسائل ٤٢٣٤-٢٣٥، ٢٨٣-٣٤٦.
[ ١ / ٤٧٤ ]
اضطراب الأشاعرة في النبوات
والمقصود أنّ هؤلاء١ لمّا احتاجوا إلى إثبات النبوات اضطربوا في صفة النبيّ، وما يجوز عليه، وفي الآيات التي بها يُعلم صدقه؛ فجوّزوا أن يُرسل الله من يشاء بما يشاء، لا يشترطون في النبيّ إلا أن يُعلم ما أُرسل به٢؛ لأنّ تبليغ الرسالة بدون العلم ممتنع. ومن جوّز منهم تكليف ما لا يُطاق مُطلقًا٣، يلزمه جواز أن يأمره الله بتبليغ رسالة لا يعلم ما هي.
_________________
(١) ١ أي الأشاعرة. ٢ المقصود بهم الأشاعرة. وانظر كلام الباقلاني الذي سيأتي نقل شيخ الإسلام ﵀ له قريبًا ص ٧٣٢. وقال شيخ الإسلام ﵀ عن النبوة عند الأشاعرة: "فهؤلاء يجوّزون بعثة كلّ مكلّف، والنبوة عندهم مجرّد إعلامه بما أوحاه إليه. والرسالة مجرّد أمره بتبليغ ما أوحاه إليه. وليست النبوة عندهم صفة ثبوتية، ولا مستلزمة لصفة يختصّ بها، بل هي من الصفات الإضافيّة؛ كما يقولون مثل ذلك في الأحكام الشرعيّة". منهاج السنة ٢٤١٤. وسيأتي نحو هذا الكلام في هذا الكتاب، ص ٧٣١. ٣ يذكر شيخ الإسلام ﵀ أنّ إطلاق "القول بتكليف ما لا يُطاق من البدع الحادثة في الإسلام؛ كإطلاق القول بأنّ العباد مجبورون على أفعالهم. وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على إنكار ذلك، وذم من يُطلقه، وإن قصد به الردّ على القدرية الذين لا يُقرّون بأنّ الله خالق أفعال العباد، ولا بأنّه شاء الكائنات. وقالوا: هذا ردّ بدعة ببدعة، وقابل الفاسد بالفاسد، والباطل بالباطل". درء تعارض العقل والنقل ١٦٥. أمّا عن موقف السلف ﵏ من ذلك: فقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أنّه "ليس في السلف والأئمة من أطلق القول بتكليف ما لا يُطاق، كما أنّه ليس فيهم من أطلق القول بالجبر ولهذا كان المقتصدون يفصّلون في القول بتكليف ما لا يطاق، كما تقدم القول في تفصيل الجبر؛ فيقولون: تكليف ما لا يُطاق لعجز العبد عنه لا يجوز، وأمّا ما يُقال إنّه لا يُطاق للاشتغال بضدّه، فيجوز تكليفه". مجموع الفتاوى ٨٤٦٩. وذهبت المعتزلة إلى أنّ تكليف ما لا يُطاق غير ممكن. انظر: شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص ١٣٣، ٣٩٦) . وذهبت طائفة، منهم الرازي إلى جواز تكليف ما لا يُطاق مطلقًا. وانظر كلام شيخ الإسلام ﵀ في هذه المسألة، وذكره ﵀ لمن منعها، أو أجازها، أو فصّل فيها القول في: مجموع الفتاوى ٨٢٩٤-٣٠٢، ٤٣٧-٤٤٠، ٤٦٩-٤٧٤. ودرء تعارض العقل والنقل ١٦٠-٦٥.
[ ١ / ٤٧٥ ]
القول بتكليف ما لا يطاق.
وجوّزوا من جهة العقل ما ذكره القاضي أبو بكر: أن يكون الرسول فاعلًا للكبائر١، إلا أنّه لا بُدّ أن يكون عالمًا بمرسله. لكن ما عُلم بالخبر أنّ الرسول لا يتصف به، علم من جهة الخبر فقط، لا لأنّ الله منزّه عن
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام ﵀ عن القاضي أبي بكر وغيره إنّه يقول: "إنّ العقل لا يُوجب عصمة النبيّ إلا في التبليغ خاصّة؛ فإنّ هذا هو مدلول المعجزة. وما سوى ذلك إن دلّ السمع عليه، وإلا لم تجب عصمته منه. وقال محققوا هؤلاء؛ كأبي المعالي وغيره: إنّه ليس في السمع قاطع يُوجب العصمة. والظواهر تدلّ على وقوع الذنوب منهم. وكذلك كالقاضي أبي بكر إنّما يُثبت ما يُثبته من العصمة في غير التبليغ إذا كان من موارد الإجماع؛ لأنّ الإجماع حجة. وما سوى ذلك فيقول لم يدلّ عليه عقل ولا سمع. وإذا احتجّ المعتزلة وموافقوهم من الشيعة عليهم بأنّ هذا يُوجب التنفير ونحو ذلك، فيجب من حكمة الله منعهم منه؛ قالوا: هذا مبني على مسألة التحسين والتقبيح العقليين. قالوا: لا يجب على الله شيء، ويحسن منه كل شيء، وإنما ننفي ما ننفيه بالخبر السمعي، ونوجب وقوع ما يقع بالخبر السمعي أيضًا؛ كما أوجبنا ثواب المطيعين، وعقوبة الكافرين؛ لإخباره أنه يفعل ذلك، ونفينا أن يغفر لمشرك؛ لإخباره أنه لا يفعل ذلك، ونحو ذلك". منهاج السنة ٢٤١٤-٤١٥. وانظر: الإرشاد للجويني ص ٣٥٦-٣٥٧ فصل في عصمة الأنبياء. وأصول الدين للبغدادي ص ١٦٧-١٦٩ فصل عن عصمة الأنبياء ﵈. والمواقف للإيجي ص ٣٥٨-٣٥٩. وشرح المقاصد للتفازاني ٥٥٠-٥١. وقال شيخ الإسلام ﵀ أيضًا: "وطوائف أهل الكلام الذين يُجوّزون بعثة كل مكلف؛ من الجهمية، والأشعرية، ومن وافقهم متفقون أيضًا على أنّ الأنبياء أفضل الخلق، وأنّ النبي لا يكون فاجرًا. لكن يقولون: هذا لم يعلم بالعقل، بل بالسمع؛ بناءً على ما تقدم من أصلهم من أنّ الله يجوز أن يفعل كل ممكن". منهاج السنة النبوية ٢٤١٩.
[ ١ / ٤٧٦ ]
إرسال ظالم، أو مرتكب للفواحش، أو مكاس، أو مخنّث، أو غير ذلك؛ فإنّه لا يُعلم نفي شيء من ذلك بالعقل، لكن بالخبر.
وهم في السمعيات عمدتهم الإجماع١.
عمدة الأشاعرة في السمعيات
وأما الاحتجاج بالكتاب والسنّة، فأكثر ما يذكرونه تبعًا للعقل أو الإجماع. والعقل والإجماع مقدّمان عندهم على الكتاب والسنّة٢.
لم يعتمد الباقلاني في تنزيه الأنبياء على دليل عقلي ولا سمعي
فلم يعتمد القاضي أبو بكر٣ وأمثاله في تنزيه الأنبياء [لا] ٤ على دليل عقليّ، ولا سمعيّ من الكتاب والسنّة؛ فإنّ العقل عنده لا يمنع أن يرسل الله من شاء؛ إذ كان يجوز عنده على الله فعلُ كلّ ما يقدر عليه. وإنّما اعتمد على الإجماع؛ فما أجمع المسلمون عليه أنه لا يكون في النبيّ نَزّه عنه، ثمّ ذكر ما ظنّه إجماعًا؛ كعاداته، وعادات أمثاله في نقل إجماعات٥ لا يُمكن
_________________
(١) ١ الإجماع في اللغة: العزم والاتفاق. وفي الاصطلاح: اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﷺ في عصرٍ على أمر دينيّ". التعريفات للجرجاني ص ١٥. وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أنّ "معنى الإجماع: أن يجتمع علماء المسلمين على حكم من الأحكام. وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام، لم يكن لأحد أن يخرج عن إجماعهم؛ فإنّ الأمة لا تجتمع على ضلالة. ولكنْ كثير من المسائل يظنّ بعض الناس فيها إجماعًا، ولا يكون الأمر كذلك، بل يكون القول الآخر أرجح في الكتاب والسنة". مجموع الفتاوى ٢٠١٠. وانظر رد شيخ الإسلام ﵀ على الأشاعرة، وادعائهم الإجماع في درء تعارض العقل والنقل ٨٩٥-٩٦. ٢ وانظر على سبيل المثال رسالة إلى أهل الثغر للأشعريّ؛ فإنّه ذكر فيها واحدًا وخمسين إجماعًا، مع أنّ جلّها، أو أكثرها دلّ عليه الكتاب والسنّة. ٣ الباقلاني. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٥ والأمثلة كثيرة في ذلك؛ سيما في كتاب البيان للباقلاني، والإرشاد للجويني؛ انظر مثلًا قوله عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أنّ دليله الإجماع (في الإرشاد ص ٣٦٨)، وغير ذلك. يقول الباقلاني: "ويجب في الجملة أن لا نستثني في السحر شيئًا لا يفعل عنده إلا ما ورد الإجماع والتوقيف على أنه لا يكون بضرب من السحر، وما يفعل عنده ونحو ما ذكرناه، ونحو فلق البحر، وإخراج اليد بيضاء، والآيات التسع، وإخراج ناقة من صخرة، وأمثال هذا مما قد أجمعت الأمة ووقفت على أنه لا يكون عند سحر ساحر". البيان للباقلاني ص ٩٢. وقال أيضًا عن الملائكة: "ولا يمتنع عندنا أن يدعي منهم مدع الربوبية من جهة العقل، لولا الإجماع على منع ذلك، ووصف الباري سبحانه لهم بالنهاية في الطاعة والمعرفة فقد ورد الإجماع واستقر بأن ذلك لا يكون منهم، ولا ما دونه من المعاصي". البيان ص ١٠٣. وقال الجويني: "واتفق الفقهاء على وجود السحر، واختلفوا في حكمه، وهم أهل الحل والعقد وبهم ينعقد الإجماع ثم اعلموا أن السحر لا يظهر إلا على فاسق، والكرامة لا تظهر على فاسق. وليس ذلك من مقتضى العقل، ولكنه متلقى من إجماع الأمة". الإرشاد للجويني ص ٣٢٣. وانظر المصدر نفسه ص ٣٣٢. وقال الجويني أيضًا: "إنه ما من أمر يخرق العوائد، إلا وهو مقدور للرب تعالى ابتداء، ولا يمتنع وقوع شيء لتقبيح عقل". الإرشاد ص ٣١٩. وقال الإمام القرطبي: "أجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل الله عنده إنزال الجراد، والقمل، والضفادع، وفلق البحر، وقلب العصا، وإحياء الموتى، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل ﵈. فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون ولا يفعله الله عند إرادة الساحر. قال القاضي أبو بكر بن الطيب: وإنما منعنا ذلك بالإجماع، ولولاه لأجزناه". الجامع لأحكام القرآن ٢٤٧.
[ ١ / ٤٧٧ ]
نقلها عن واحد من الصحابة، ولا ثلاثة من التابعين، ولا أربعة من الفقهاء المشهورين؛ كدعواه الإجماع على أنّ الصلاة في الدار المغصوبة مجزئة١، مع قوله أنّ العقل يُحيل أن يكون مأمورًا به؛ فيدّعي الإجماع على براءة المأمور من فعل ما أُمر به، لكونه فعل ما نُهي عنه.
_________________
(١) ١ انظر: الإرشاد للجويني ص.
[ ١ / ٤٧٨ ]
ولأهل الكلام والرأي من دعوى [الإجماعات] ١ التي ليست صحيحة، بل قد يكون فيها نزاعٌ معروفٌ، وقد يكون إجماع السلف على خلاف ما ادّعوا فيه الإجماع ما يطول ذكره هنا.
وقد ذكرنا قطعة من الإجماعات الفروعيّة التي حكاها طائفة من أعيان العلماء العالمين بالاختلاف٢، مع أنّها منتقضة، وفيها نزاع ثابت لم يعرفوه. وقد يكون غيرهم حكى الإجماع على نقيض قولهم. وربّما كان من السلف؛ كقول الشافعيّ: ما أعلم أحدًا قَبِل شهادة العبد٣.
وقبله من الصحابة: أنس بن مالك؛ يقول: ما أعلم أحدًا ردّ شهادة العبد٤.
وكدعوى ابن حزم الإجماع [على إبطال] ٥ القياس٦.
وأكثر الأصوليّين يذكرون الإجماع على إثبات القياس.
وبسط هذا له موضع آخر٧.
_________________
(١) ١ في «خ»: الإجمات. وهو تصحيف. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ ولشيخ الإسلام ﵀ تعليق على مراتب الإجماع لابن حزم، باسم نقد مراتب الإجماع. نشر وتوزيع دار الباز بمكة المكرمة. ٣ هذه العبارة عن الشافعي ﵀ لم أجدها. ولكنه ﵀ ذكر في كتاب الأمّ عدم قبول شهادة العبد. انظر: الأم للشافعي ٧٤٣ طبعة الشعب. وانظر: الحاوي الكبير للماوردي ١٧٢١٣-٢١٤. والمجموع شرح المهذب للنووي ٢٣٢١-٢٤) . ٤ انظر: المغني لابن قدامه ١٤١٨٥. ٥ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٦ انظر كلام ابن حزم ﵀ عن إبطال القياس في كتابه: الإحكام في أصول الأحكام ٧١٢٠٨-١٢٠٩، ضمن الأجزاء من ٥ إلى ٨. ٧ انظر: مجموع الفتاوى؛ الجزء التاسع عشر، والجزء العشرين. وكتاب أصول الفقه عند ابن تيمية ﵀ إعداد الدكتور صالح المنصور. ومختارات شيخ الإسلام للّحام.
[ ١ / ٤٧٩ ]
فصل طريقة الأشاعرة في إثبات المعجزات
ولمّا أرادوا١ إثبات معجزات الأنبياء ﵈، وأنّ الله سبحانه لا يُظهرها على يد كاذب، مع تجويزهم عليه فعل كلّ شيء٢، [فتقوا فتقًا] ٣، فقالوا: لو جاز ذلك، لزم أن لا يقدر على تصديق من ادعى النبوة. وما لزم منه نفي القدرة كان ممتنعا. فهذا هو المشهور عن الأشعري، وعليه اعتمد القاضي أبو بكر، [وابن فورك] ٤، والقاضي أبو يعلى، [وغيرهم] ٥٦.
_________________
(١) ١ أي الأشاعرة. وانظر: الإرشاد للجويني؛ فقد ذكر أنّ المعتزلة "قالوا: إذا جوّزتم أن يُضلّ الربّ عباده، ويُغويهم، ويُرديهم، فما يؤمنكم من إظهار المعجزات على أيدي الكذّابين". الإرشاد للجويني ص ٣٢٦. ٢ انظر: المواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٣١. وانظر: شرح الأصفهانية لشيخ الإسلام ٢٦١٦-٦٢٤. ٣ رسمت في «خ»: فبقوا مما. وفي «م»، و«ط»: فعوا معا. وقد ذكر شيخ الإسلام كلمة مماثلة في موضع آخر من هذا الكتاب ص ٤٨٨، هي: فتقوا فتقًا. فترجح لديّ أنّها المرادة، والله أعلم. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق في هامش «خ» . ٥ في «خ»: (وغيرهم وغيرهم) مكررة. ٦ فعندهم أنّ الخوارق لا تظهر على يد مدعي النبوة إذا كان كاذبًا، حتى يتميز المتنبي من غير النبيّ. أمّا إذا لم يدّع النبوة، فلا مانع من ظهور الخوارق. انظر: البيان للباقلاني ص ٤٨، ٩٤، ٩٥، ١٠٥. والإرشاد للجويني ص ٣١٩، ٣٢٦، ٣٢٧. ونهاية الإقدام للشهرستاني ص ٤٣٤. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص٢٤١-٢٤٢. وتفسير الرازي ٣٢١٤-٢١٥. وشرح المقاصد للتفتازاني ٥١٨. وانظر من كتب ابن تيمية: الجواب الصحيح ٦٣٩٤، ٣٩٨. ودرء تعارض العقل والنقل ٩٤٠.
[ ١ / ٤٨٠ ]
وهو مبني على مقدمات.:
أحدها: أن النبوة لا تثبت إلا بما ذكروه من المعجزات١، وأن الرب لا يقدر على إعلام الخلق بأن هذا نبيّ إلا بهذا الطريق، وأنه لا يجوز أن يعلموا ذلك ضرورة، وأن إعلام الخلق بأن هذا نبيّ بهذا الطريق ممكنٌ.
فلو قيل لهم: لا نُسلِّم أنّ هذا ممكنٌ على قولكم، فإنّكم إذا جوّزتم عليه فعلَ كلّ شيء، وإرادة كلّ شيء، لم يكن فرقٌ بين أن يُظهرها على يد صادق، أو كاذب، ولم يكن إرسال رسول [يصدقه] ٢ بالمعجزات ممكنًا على أصلكم، ولم يكن لكم حجة على جواز إرسال الرسول وتصديقه بالمعجزات؛ إذ كان لا طريق عندهم إلا خلق المعجز. وهذا إنّما يكون دليلًا إذا علم أنّه إنّما خلقه لتصديق الرسول. وأنتم عندكم لا يفعل شيئًا لشيء، ويجوز عليه فعل كل شيء.٣.
_________________
(١) ١ انظر: كتاب البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانة والسحر للباقلاني ص ٣٧-٣٨. والإنصاف له ص ٩٣. والإرشاد للجويني ص ٣٣١. وأعلام النبوة للماوردي ص ٦٢. وشرح المقاصد للتفتازاني ٥١٩؛ فقد ذكروا أنّ الدلالة على ثبوت النبوة لا تكون إلا بالمعجزة الخارقة للعادة فقط. وانظر ردّ شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه المقولة في: شرح الأصفهانية ٢٤٧١، ٤٩١. والجواب الصحيح ٦٥٠٤. ودرء تعارض العقل والنقل ٩٤٠. ٢ في «خ»: بصدقه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ أي أنّكم أيها الأشاعرة عندكم أنّ الله لا يفعل لحكمة. فكيف يستقيم مع أصلكم، أن يخلق الله المعجزة لتصديق الرسول؟ أليس هذا فعلًا لحكمة؟!. وانظر: الجواب الصحيح ٦٣٩٣-٤٠٠. وشرح الأصفهانية ٢٦١٦.
[ ١ / ٤٨١ ]
وسلك طائفة منهم طريقًا آخر؛ وهي طريقة أبي المعالي١، وأتباعه؛ وهو أنّ العلم بتصديقه لمن أظهر على يديه المعجز علمٌ ضروريٌ.
وضربوا له مثلًا بالملك٢.
وهذا صحيح إذا مُنعت أصولهم؛ فإنّ هذه تُعلِم إذا كان المعلم بصدق رسوله ممّن يفعل شيئًا لحكمةٍ. فأمّا من لا يفعل شيئًا لشيءٍ، فكيف يُعلم أنّه خلق هذه المعجزة لتدلّ على صدقه لا لشيءٍ آخر؟ ولم لا يجوز أن يخلقها لا لشيءٍ على أصلهم٣.
وقالوا أيضًا ما ذكره الأشعري: المعجز: علم الصدق، ودليله؛ فيستحيل وجوده بدون الصدق، فيمتنع وجوده على يد الكاذب٤.
_________________
(١) ١ الجويني. ٢ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣١٣، ٣٢٥-٣٣٠. ولمع الاعتقاد له ص ٧١. وشرح الأصول الخمسة لعبد الجبار المعتزلي ص ٥٧١. والمواقف للإيجي ص ٣٤١. وشرح المقاصد للتفتازاني ٥١٤. وتفسير القرطبي ١٥١. وانظر كلام شيخ الإسلام ﵀ على هذا المثل، وتعليقه عليه في: شرح الأصفهانية ٢٦٢٣-٦٢٤. والجواب الصحيح ٦٣٩٧-٣٩٩. ودرء تعارض العقل والنقل ٩٤٤. ٣ وشيخ الإسلام ﵀ يُبيّن أنّ هذا من تناقضات أبي المعالي الجويني؛ حيث إنّه أثبت أنّ المعجزة معلومة بالاضطرار، وضرب مثال الملك الذي يفعل لحكمة. وأبو المعالي ممن يُنكر الحكمة في أفعال الله، فلا يستقيم له هذا المثال؛ لأنّه مناقضٌ لأصولهم التي أصّلوها. ولذلك قال شيخ الإسلام ﵀: "لكن يُقال لهم: الملك يفعل فعلًا لمقصود، فأمكن أن يُقال إنّه قام ليُصدّق رسوله. وأنتم عندكم أنّ الله لا يفعل شيئًا لشيء، فلم يبق المثل مطابقًا. ولهذا صاروا مضطربين في هذا الموضع". الجواب الصحيح ٦٣٩٧. ٤ انظر: رسالة إلى أهل الثغر للأشعري ص ١٤١، ١٨٣-١٨٤. وانظر كذلك: كتاب البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانة والسحر للباقلاني ص ٣٧-٣٨. وقال الجويني: "وقد قال شيخنا ﵀: المعجزة فعلٌ لله تعالى، يقصد بمثله التصديق". الإرشاد له ص ٣٠٩، ٣٢٧. وانظر: شرح المقاصد ٥١٢. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٨. وانظر كلام شيخ الإسلام عن هذا القول في: الجواب الصحيح ٦٣٩٩.
[ ١ / ٤٨٢ ]
وهذا كلامٌ صحيحٌ، لكن كونه: علم الصدق، مناقضٌ لأصولهم؛ فإنّه إنّما يكون علم الصادق إذا كان الربّ منزّهًا عن أن يفعله على يد الكاذب، أو علم بالاضطرار أنّه إنّما فعله لتصديق الصادق، أو أنّه لا يفعله على يد الكاذب.
وإذا عُلم بالاضطرار تنزّهه عن بعض الأفعال بطل أصلهم١.
_________________
(١) ١ وكذلك يُوضّح شيخ الإسلام ﵀ تناقضهم في قولهم: إنّ المعجزة دليلٌ على صدق النبيّ، ولا يُمكن أن يخلقها الله على يد كاذب؛ لأنّ من أصولهم أنّ الله لا يقبح منه شيء؛ فكلّ فعل ممكن لا يُنزّه عنه. انظر مذهبهم في ذلك في: البيان للباقلاني ص ٤٧-٤٨، ٩١، ٩٤، ٩٦. والتمهيد له ص ٣٨٥. والإنصاف له ص ٦٢، ٦٧. والإرشاد للجويني ص ٢٣٨، ٢٧٣. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٠، ١٧٤. وانظر أيضًا منهاج السنة النبوية لابن تيمية ٢٤١٩. وهذا القول الله لا يقبح منه شيء من أصول الأشاعرة: يقول الجويني: "إنه ما من أمر يخرق العوائد إلا وهو مقدور للرب تعالى ابتداء، ولا يمتنع وقوع شيء لتقبيح عقل". الإرشاد للجويني ص ٣١٩. ويقول أيضًا: "ولا يمتنع عقلًا أن يفعل الربّ تعالى عند ارتياد الساحر ما سيستأثر بالاقتدار عليه؛ فإنّ كلّ ما هو مقدور للعبد، فهو واقع بقدرة الله تعالى". الإرشاد ص ٣٢٢. ويقول المازري: "ومذهب الأشعريّ أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك يقصد خوارق السحرة، وهو الصحيح عقلًا لأنه لا فاعل إلا الله". نقل عنه النووي في شرحه على صحيح مسلم ١٤٧٥. ويقول القرطبي: "قال علماؤنا: وينكر أن يظهر على يد الساحر خرق العادات مما ليس في مقدور البشر ولا يكون الساحر مستقلًا به، وإنما يخلق الشبع عند الأكل، والريّ عند شرب الماء..". الجامع لأحكام القرآن ٢٤٦-٤٧. ويظهر تناقض الأشاعرة جليًّا في دعواهم أنّ جنس المعجز يقع على يد الكاذب، وأنّه يمتنع وقوعه على يديه إذا ادّعى النبوّة. انظر: الإرشاد للجويني ص ٣٢٢، ٣٢٨. وشرح المقاصد للتفتازاني ٥١٨.
[ ١ / ٤٨٣ ]
فصل تعريف المعجزة عند الأشاعرة
والمعتزلة قبلهم١ ظنّوا أنّ مجرّد كون الفعل [خارقًا] ٢ للعادة، هو الآية على صدق الرسول، فلا يجوز ظهور خارقٍ إلاّ لنبيٍّ. والتزموا طردًا لهذا: إنكار أن يكون للسحر تأثيرٌ خارجٌ عن العادة؛ مثل أن يموت ويمرض بلا مباشرة شيءٍ. وأنكروا الكهانة، وأن تكون الجن تُخبر ببعض المغيبات، وأنكروا كرامات الأولياء٣.
_________________
(١) ١ أي قبل الأشاعرة. ٢ في «ط»: خلافًا. ٣ وذلك لأنّ من مذهبهم عدم تجويز وقوع الخوارق على يد غير الأنبياء. يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي: "إنّ العادة لا تُخرق إلا عند إرسال الرسل، ولا تخرق لغير هذا الوجه؛ لأنّ خرقها لغير هذا الوجه يكون بمنزلة العبث". المغني في أبواب التوحيد والعدل١٥/١٨٩. وانظر: المصدر نفسه١٥/٢٤١. وشرح الأصول الخمسة ص ٥٦٨-٥٧٢. ورسائل العدل والتوحيد ص ٢٣٧. وقال عبد القاهر البغدادي عنهم: "وأنكرت القدرية كرامات الأولياء؛ لأنّهم لم يجدوا في أهل بدعتهم ذا كرامة". أصول الدين ص ١٧٥. وانظر أول هذا الكتاب «النبوات» ص ١٤٨، وما سيأتي لاحقًا ص ١٢٦٠-١٢٦١؛ إذ ذكر المؤلف ﵀ أنّ الذين أنكروا الكرامات هم المعتزلة، وابن حزم. انظر: المحلى ١/٣٦، وأبو إسحاق الاسفراييني، وأبو محمد بن زيد. وقد ردّ عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في ص ١٤٨-١٥١. وانظر: شرح الأصفهانية ٢/٦٠٩ وقد أورد السبكي شبه المعتزلة في نفي الكرامات، وردّ عليها. انظر: طبقات الشافعية الكبرى ٢/٣٣٤.
[ ١ / ٤٨٤ ]
فأتى هؤلاء١، فأثبتوا ما أثبته الفقهاء، وأهل الحديث من السحر، والكهانة، والكرامات.
تعريف المعجزة عند الأشاعرة
لكنْ: قيل لهم: فميزوا بين هذا، وبين المعجزات؟. فقالوا: لا فرق في نفس الجنس. وليس في جنس مقدورات الربّ ما يختصّ بالأنبياء. لكن جنس خرق العادة واحد، فهذا إذا اقترن بدعوى النبوة، وسَلِمَ عن المعارضة عند تحدي الرسول بالمثل، فهو دليلٌ٢.
فهي عندهم لم تدلّ؛ [لكونها] ٣ في نفسها وجنسها دليلًا٤. بل إذا
_________________
(١) ١ الأشاعرة. ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٥، ٩٦. والإرشاد للجويني ص ٣١٩، ٣٢٨. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٤، ١٧٥. والمواقف للإيجي ص ٣٧٠. وشرح المقاصد للتفتازاني ٥/١١-١٢. وانظر كلام شيخ الإسلام ﵀، وردّه عليهم في الجواب الصحيح ٦/٤٠٠، ٥٠٠. وفي هذا الكتاب النبوات ص ١٣٠١-١٣٠٢. ٣ في «ط»: لكونهم. ٤ قال الباقلاني في البيان ص٤٨: "إنّ المعجز ليس بمعجز لجنسه ونفسه، ولا لحدوثها، وإنّما يصير معجزًا للوجوه التي ذكرناها، ومنها التحدي، والاحتجاج) .
[ ١ / ٤٨٥ ]
استدلّ بها المدّعي للنبوة كانت دليلا١، [وإلاّ٢ لم تكن دليلًا] ٣. ومن شرط الدليل سلامته عن المعارضة؛ وهي عندهم غاية الفرق. فإذا قال المدعي للنبوة: ائتوا بمثل هذه الآية، فعجزوا؛ كان هذا هو المعجز المختص بالنبيّ، وإلا فيجوز عندهم أن تكون معجزات الرسول من جنس ما للسحرة والكهان٤ من الخوارق، إذا استدلّ بها الرسول٥.
فالحجة عنده: مجموع الدعوى والخارق، لا الخارق وحده. والاعتبار بالسلامة عن المعارض٦.
بل قد لا يشترطون أن يكون خارقًا للعادة، لكن يشترطون أن لا يعارض. وعجز الناس عن المعارضة مع أنه معتاد [لا] ٧ خارق للعادة. فالاعتبار عندهم بشيئين: باقترانه بالدعوى، وتحديه لمن دعاهم أن يأتوا [بمثله] ٨، فلا يقدرون٩.
_________________
(١) ١ قال الجويني في الإرشاد ص ٣١٩: "فإنّ المعجزة لا تدلّ بعينها، وإنّما لتعلّقها بدعوى النبيّ الرسالة) . ٢ في «ط»: وإلى. ٣ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٤ قال الجويني في الإرشاد ص ٣٢٨: "جنس المعجزة يقع من غير دعوى، وإنما الممتنع وقوعه على حسب دعوى الكاذب". وانظر: المصدر نفسه ص ٣٢٢. والبيان للباقلاني ص ٩٤، ٩٨. ٥ تقدّم لشيخ الإسلام ﵀ في أوّل هذا الكتاب كلامٌ أوضح من هذا الكلام. راجع ص ١٥٢-١٥٥. وانظر كلامه أيضًا عن الموضوع نفسه في الجواب الصحيح ٦/٤٠٠. ٦ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣١٢. ٧ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ» . وهو في «م»، و«ط» . ٨ في «خ»: بمثلثه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٩ لاحظ قول السبكي في طبقات الشافعية الكبرى ٢/٣١٦، ٣٣٧. وانظر: البيان للباقلاني ص ١٦-١٧، ١٩، ٩٤. والإرشاد للجويني ص ٣٠٩، ٣١٢-٣١٣.
[ ١ / ٤٨٦ ]
قالوا: وخوارق الأنبياء يظهر مثلها على يد الساحر، والكاهن، والصالح، ولا يدل على النبوة؛ لأنه لم يدّعها. قالوا: ولو ادعى النبوة أحدٌ من أهل هذه الخوارق، مع كذبه، لم يكن بُدٌ من أنّ الله يعجزه عنها؛ فلا يخلقها على يده، أو يُقيّض له من يعارضه، فتبطل حجّته١.
مناقشة شيخ الإسلام للأشاعرة في تعريف المعجزة
وإذا قيل لهم: لم قلتم: إنّ الله لا بدّ أن يفعل هذا [أو] ٢ هذا؛ وعندكم يجوز عليه كل شيء؟ ولا يجب عليه فعل شيء؟ ولا يجب منه فعل شيء؟
قالوا: لأنّه لو لم يمنعه من ذلك، أو يعارضه بآخر، [لكان] ٣ قد أتى بمثل ما يأتي به النبيّ الصادق؛ فتبطل دلالة آيات الأنبياء٤.
فإذا قيل لهم: وعلى أصلكم يجوز أنه [يبطل] ٥ دلالتها، وعندكم يجوز عليه فعل كل شيء؟ أجابوا بالوجهين المتقدمين: إما لزوم أنه ليس بقادر، أو أنّ الدلالة [معلومة] ٦ بالاضطرار، وقد عرف ضعفهما.
_________________
(١) ١ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٥، ١٠٠. وقد توسّع شيخ الإسلام ﵀ في هذه القضيّة، وناقشها في أوّل هذا الكتاب. راجع ص ٢٦٧-٢٧١. ٢ في «م»، و«ط»: و. ٣ في «خ»: لكن. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٨، ١٠٥-١٠٦. والإرشاد للجويني ص ٣٢٦-٣٢٧. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٣. وشرح المقاصد للتفتازاني ٥/١٨٢. وأعلام النبوة للماوردي ص ٦٢. ٥ في «خ»: تبطل. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» .
[ ١ / ٤٨٧ ]
ثم هنا يلزمهم شيء آخر؛ وهو أنه: لِمَ قلتم أنّ المعجز الذي يُدَلّ به على صدق الأنبياء، ما ذكرتموه؛ من مجرد كونه خارقًا مع الدعوى وعدم المعارضة١؛ فإن هذا يُقال: إنه باطل من وجوه:
أحدها: أنه إذا كان ما يأتي به النبي يأتي به الساحر والكاهن، لكان أولئك٢ يعارَضون، وهذا٣ لا يعارَض؛ فالاعتبار إذن بعدم المعارضة. فقولوا: كلّ من ادّعى النبوة، [وقال] ٤: معجزتي أن لا يدعيها غيري، فهو صادق. أو: لا يقدر غيري على دعواها، فهو صادق، أو: أفعل أمرًا معتادًا؛ من الأكل، والشرب، واللباس، ومعجزتي: أن لا يفعله غيري، أو: لا يقدر غيري على فعله، فهو صادق.
فالتزموا هذا، وقالوا: المنع من المعتاد كإحداث غير المعتاد٥. وعلى هذا: فلو قال الرسول: [معجزتي] ٦ [أن] ٧ أركب الحمار، أو الفرس، أو آكل هذا الطعام، أو ألبس هذا الثوب، أو أعدوَ٨ إلى ذلك المكان، وأمثال ذلك. وغيره لا يقدر على ذلك؛ كان هذا آية [دعواه] ٩.
_________________
(١) ١ انظر قولهم في: الإرشاد ص ٣١٢-٣١٣. وفي شرح المقاصد ٥/١١؛ عند تعريف المعجزة. ٢ يعني السحرة، والكهنة. ٣ النبيّ. ٤ في «خ»: وقالوا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ انظر: البيان للباقلاني ص ١٦-١٧، ١٩-٢٠. والإرشاد للجويني ص ٣٠٨-٣٠٩. ٦ في «خ»: معجزة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ في «م»، و«ط»: أني. ٨ في «خ» أعدوا بزيادة الألف. ٩ في «خ»: ادعوه. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٤٨٨ ]
وهذا لا ضابط له؛ فإنّ ما يعجز عنه قوم دون قوم لا ينضبط. ولكنّ هذا يُفسد قول مَنْ فسّرها بخرق العادة١؛ فإن العادات تختلف.
وقد ذكروا٢ هذا، وقالوا: المعجزة عند كل قوم ما كان خرقًا لعادتهم٣. وقالوا: يُشترط أن تكون [خارقة] ٤ لعادة من دعاهم، وإن كان معتادًا لغيرهم. [وقالوا: إذا] ٥ كان المدّعي كذّابًا؛ فإن الله [يُقيّض] ٦ له من يعارضه من أهل تلك الصناعة، أو يمنعه من القدرة عليها٧.
وهذا وجه ثان يدل على فساد ما أصّلوه٨؛ هم، والمعتزلة٩.
_________________
(١) ١ وهم الأشاعرة. انظر من كتبهم: الإرشاد للجويني ص ٣٠٩. وأصول الدين لعبد القاهر البغدادي ص ١٧٠. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٣٩. ٢ يقصد المعتزلة والأشاعرة. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص٤٥. والإرشاد للجويني ص٣٠٩. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٠. والمواقف في علم الكلام للإيجي ص ٣٣٩. وشرح الأصول الخمسة ص ٥٧١. ٤ في «خ» رسمت على شكل: خانقة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ ما بين المعقوفتين ملحق في هامش «خ» . ٦ في «خ»: يقتض. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٥، ١٠٥. وشرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص ٥٧٠-٥٧٢. ٨ يقصد الأشاعرة. ٩ يوضّح ﵀ أنّ كلًا من الأشاعرة والمعتزلة أصّلوا أصلًا في إثبات النبوة؛ وهو المعجزة؛ فقالوا: "إنّ النبوة لا تثبت إلا بالمعجزة. ثمّ إنّ المعتزلة التزموا لأجل ذلك نفي الكرامات، وحقيقة السحر والكهانة لأجل أن لا يحصل التباس بينها وبين المعجزات. والأشاعرة التزموا لأجل ذلك أنّه لا فرق بين المعجزة والكرامة والسحر إلا دعوى النبوة وعدم المعارضة.
[ ١ / ٤٨٩ ]
المعجزة عند الأشاعرة دعوى النبوة وعدم المعارضة وليست الآية بجنسها معجزة
الوجه الثالث: أنّ المعارضة بالمثل: أن يأتي بحجةٍ مثلَ حجّة النبيّ. وحجّته عندهم: مجموع دعوى النبوة، والإثبات بالخارق. فيلزم على هذا أن تكون المعارضة بأن يدعي غيره١ النبوة، ويأتي بالخارق.
وعلى هذا فليست معارضة الرسول بأن يأتوا بالقرآن، أو عشر سور، أو سورة. [بل] ٢ أن يدعي أحدهم النبوة، ويفعل ذلك٣. وهذا خلاف العقل والنقل. ولو قال الرسول لقريش: لا يقدر أحدٌ منكم أن يدّعي النبوة، ويأتي بمثل القرآن وهذا هو الآية. وإلا فمجرّد تلاوة القرآن ليس آية. بل قد يقرأه المتعلّم له، فلا تكون آية؛ لأنّه لم يدّع النبوّة. ولو ادّعاها، لكان الله [ينسيه] ٤ إياه، أو يُقيّض له من يعارضه٥؛ كما ذكرتم٦ لكانت قريش، وسائر [العقلاء] ٧ يعلمون أنّ هذا باطلٌ.
الكاذب لابد أن يتناقض
الرابع: أنه إذا كان اعتمادكم على عدم المعارضة، فقولوا ما قاله غيركم؛ وهو: أنّ آية سلامة ما يقوله من التناقض وأنّ كلّ من ادّعى النبوة، وكان كاذبًا، فلا بُدّ أن يتناقض، أو يُقيّض الله له من يقول مثل ما قال. وأما السلامة من التناقض من غير دعوى النبوة فليست دليلًا. فهذا خيرٌ من قولكم؛ فإنه قد علم أنّ كلّ ما جاء من عند غير الله، فإنه لا بد أن يختلف
_________________
(١) ١ في «ط»: غيرة. ٢ في «ط»: مثل. ٣ يعني: يأتي بالقرآن، أو عشر سور، أو سورة. ٤ في «خ»: ينشيه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٩. ٦ الكلام من قوله: "وهذا هو الآية ) إلى هنا جملة اعتراضية. وما سيأتي هو جواب الشرط المتقدّم. ٧ في «م»، و«ط»: العلماء.
[ ١ / ٤٩٠ ]
ويتناقض، وما جاء من عِند الله لا يتناقض؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوْا فِيْهِ اخْتِلافًا كَثِيْرًَا﴾ ١.
وأما دعوى الضرورة٢: فمن ادّعى الضرورة في شيءٍ دون شيءٍ مع تماثلهما٣، وعدم الفرق بينهما في نفس الأمر، كانت دعواه مردودةً، بل كَذِبًا؛ فإنّ وجود العلم الضروري بشيء دون شيء، لا بُدّ أن يكون لفرقٍ؛ إمّا في المعلوم، وإمّا في العالم. وإلاّ فإذا قدر تساوي المعلومات، وتساوي حال العالِم [بها، لم] ٤ يعلم بالضرورة أحد المتماثلين دون الآخر.
آيات النبي مختصة بالأنبياء
الخامس: أنه لا بد أن تكون الآية التي للنبيّ أمرًا مختصًّا بالأنبياء؛ فإنّ الدليل مستلزمٌ للمدلول عليه. فآية النبي هي دليل صدقه، وعلامة صدقه، وبرهان صدقه، فلا توجد قطّ إلا مستلزمة لصدقه. وقد ادّعوا٥ أن آيات صدقهم تكون منفكة عن صدقهم تكون لساحر، وكاهن، ورجل صالح، ولمدعي الإلهية، لكن لا تكون لمن يكذب في دعوى النبوة؛ فجوزوا وجود الدليل مع عدم المدلول عليه٦، إلا إذا ادّعى المدلول عليه كاذبٌ.
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية ٨٢. ٢ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣٢٦. ودرء تعارض العقل والنقل ١/٩٠-٩٢، ٩/٥٢-٥٣. وشرح الأصفهانية ٢/٦٢٢. والجواب الصحيح ٦/٣٩٨. ٣ في «ط»: تمثالهما. ٤ في «خ»: بها، ما لم. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ أي الأشاعرة. وانظر دعواهم هذه في: البيان للباقلاني ص ٤٧-٤٨. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٠. ٦ يعني ﵀ وجود الخارق مع عدم دعوى النبوة، فصار المعجز عندهم هو الدعوى، والخارق مدلول عليه.
[ ١ / ٤٩١ ]
واستدلوا على ذلك بأنّ الساعة تُخرق عندها خوارق، ولا تدلّ على صدق أحدٍ. ولو ادّعى [مدّعٍ] ١ النبوّة مع تلك الخوارق لدلّت٢. قالوا: فعُلم أنّ جنس ما هو معجز يوجد بدون صدق النبي. لكن مع دعوى النبوة لا يوجد إلا مع الصدق٣.
والآية عندهم: الدعوى، والخارق. والصدق هو: المدلول عليه فلا يكون ذلك كذلك إلا مع هذا٤.
وأما وجود الخارق مجرّدًا عن الدعوى، فليس بدليل. ولا فرق عندهم بين خارق وخارق، وخارق معتاد عند قوم دون قوم. وليس لهم ضابط في العادات.
ما يفعله الله من الآيات دليل على صدق الرسل..
ولسائل أن يقول: جميع ما يفعله الله من الآيات في العالم، فهو دليل على صدق الأنبياء، ومستلزم له. وإن كانت [الآيات] ٥ معتادة لجنس الأنبياء، أو لجنس الصالحين [الذين] ٦ يتبعون الأنبياء، فهي مستلزمةٌ لصدق مدّعي النبوة؛ فإنها إذا لم تكن إلا لنبيّ، أو من يتّبعه، لزم أن يكون من أحد القِسْمَيْن. والكاذب في دعوى النبوة ليس واحدًا منهما؛ فالتابع للأنبياء الصالح لا يكذب في دعوى النبوة قط، ولا يدّعيها إلا وهو صادق؛ كالأنبياء المتبعين لشرع موسى. فإذا كان آية نبيّ: إحياء الله الموتى، لم
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: مدعي. ٢ أي على صدقه. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٥. والإرشاد للجويني ص ٣٢٨. ٤ أي لا تكون الدعوى صادقة إلا مع وجود الخارق. ٥ في «خ»: الأنبياء. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ في «خ»: الذي. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٤٩٢ ]
يمتنع أن يحيي الله الموتى لنبيّ آخرَ، أو لمن يتبع الأنبياء؛ كما قد أحيى الميت لغير واحد من الأنبياء ومن [اتبعهم] ١، وكان ذلك آيةً على نبوّة محمد ﷺ، ونبوّة من قبله، إذ كان إحياء الموتى مختصًا بالأنبياء، وأتباعهم٢.
_________________
(١) ١ في «خ»: قبلهم. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ ومن الأمثلة: إحياء الله الموتى لعيسى ﵇؛ كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ . ِالآية ٤٩ من سورة آل عمران. قال القرطبي ﵀: " قيل: أحيا أربعة أنفس؛ العازر، وكان صديقًا له، وابن العجوز، وابنة العازر، وسام بن نوح. فالله أعلم) . تفسير القرطبي ٤/٦١. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . [البقرة، الآية ٢٦٠] . وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . [البقرة، ٧٢، ٧٣] . وكذلك آية ٢٤٣ من السورة نفسها، وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة البقرة، الآيتان ٥٥-٥٦] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الجواب الصحيح: "أعظم آيات المسيح ﵇ إحياء الموتى. وهذه الآية قد شاركه فيها غيره من الأنبياء؛ كإلياس، وغيره". الجواب الصحيح ٤/١٧. وقال أيضًا: "ولا يمتنع أن يأتي نبي بنظير آية نبيّ؛ كما أتى المسيح بإحياء الموتى. وقد وقع إحياء الموتى على يد غيره". الجواب الصحيح ٥/٤٣٤. وقال الماوردي: "حزقيل وهو الذي أصاب قومه الطاعون، فخرجوا من ديارهم حذر الموت، فأماتهم الله ثمّ أحياهم) . أعلام النبوة للماوردي ص ٨٨. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنّ " صلة بن أشيم مات فرسه وهو في الغزو، فقال: اللهم لا تجعل لمخلوق عليّ منّة. ودعا الله ﷿، فأحياه له. فلمّا وصل إلى بيته، قال: يا بني خذ سرج الفرس فإنّه عارية. فأخذ سرجه، فمات الفرس". الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٣١٥. وهذه القصة أخرجها ابن المبارك في الزهد ص ٢٩٥، وابن الجوزي في صفة الصفوة ٣/٢١٧، إلا أنهما ذكرا ذهاب بغلته، وليس موتها. وثمة قصص أخرى في إحياء الله الموتى لبعض الناس أوردها شيخ الإسلام في درء تعارض العقل والنقل ٧/٣٧٧. والجواب الصحيح ٤/١٧-١٨.
[ ١ / ٤٩٣ ]
إهلاك أعداء الرسل دليل على صدقهم
وكذلك ما يفعله الله من الآيات، والعقوبات بمكذّبي الرسل؛ كتغريق فرعون١، وإهلاك قوم عاد بالريح الصرصر٢ العاتية٣، وإهلاك قوم صالح بالصيحة٤، وأمثال ذلك٥؛ فإنّ هذا جنس لم يُعذّب به إلاّ من كذّب الرسل. فهو دليلٌ على صدق الرسل.
وقد يميت الله بعض الناس بأنواع معتادة من البأس؛ كالطواعين٦، ونحوها. لكن هذا معتاد لغير مكذبي الرسل. أمّا ما عذب الله به مكذّبي الرسل، فمختصٌ بهم.
_________________
(١) ١ والآيات على ذلك كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [الأنفال، الآية ٥٤] . ٢ الريح الصرصر: هي الريح الباردة المحرقة كما تحرق النار، ولها صوت شديد. (انظر البحر المحيط ٧/٤٨١، ٤٩٠) . ٣ والآيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وأمّا عادٌ فأُهلكوا بريحٍ صرصرٍ عاتية﴾ . [الحاقة، الآية ٦] . ٤ والآيات كثيرة، منها قوله تعالى يحكي عن قوم صالح ﵇: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ . [هود، الآية ٩٤] . ٥ انظر سورة العنكبوت، الآيات ٣٠-٤٠؛ حيث أخبر الله تعالى فيها عن عقابه لمن كذبوا رسله؛ فقد عذّب الله قوم شعيب بالظلّة، وقوم لوط بالحاصب، وقوم نوح بالغرق. ٦ الطاعون: مرض من أنواع الحمى الخبيثة، سريع العدوى، يتولد من الجراثيم المضرّة المتسببة من البقايا الحيوانية المتعفنة. انظر: دائرة معارف القرن العشرين لوجدي ٥/٧٣٧.
[ ١ / ٤٩٤ ]
ولهذا كان [مختصًّا بهم، وكان] ١ من آيات الله كما قال: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُوْدَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيْفًَا﴾ ٢.
أشراط الساعة من آيات الأنبياء ودليل على صدقهم
وكذلك ما يحدثه من أشراط الساعة٣؛ كظهور الدجال، ويأجوج ومأجوج، وظهور الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، بل والنفخ في الصور، وغير ذلك؛ هو من آيات الأنبياء؛ [فإنّهم] ٤ أخبروا به قبل أن يكون، فكذّبهم المكذّبون، فإذا ظهر بعد [مئين] ٥، أو ألوف من السنين، كما أخبروا به كان هذا من آيات صدقهم، ولم يكن هذا [إلا] ٦ لنبيّ، أو لمن يخبر عن نبيّ. والخبر عن النبيّ: هو خبر النبيّ. ولهذا كان وجود ما أخبر به الرسول من المستقبلات من آيات نبوّته إذا ظهر المخبَر به كما كان أخبر. [وخبره عمّا مضى آية لمن عرف صدقه] ٧ فيما أخبر به إذ كان هذا٨. وهذا لا يمكن أن يُخبر به إلا نبيّ، أو من أخذ عن نبيّ.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين لا يوجد في «م»، و«ط» . ٢ سورة الإسراء، الآية ٥٩. ٣ قال رسول الله ﷺ عن الساعة: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات.."، فذكر الدخان، والدجّال، والدابّة، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف.. الحديث رواه مسلم في صحيحه في كتاب الفتن، باب ما يكون من فتوحات المسلمين قبل الدجّال، رقم ٢٩٠١. ٤ في «ط»: فإنها. ٥ في «خ»: مايين. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ في «خ»: لا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ ما بين المعقوفتين في «م»، و«ط» هكذا: أخبر فيما مضى عرف صدقه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٨ وقد عقد شيخ الإسلام ﵀ في كتابه الجواب الصحيح فصلًا عن أخباره ﷺ بكثيرٍ من الغيوب في الماضي، والحاضر، والمستقبل، ودلالتها على نبوته. انظر الجواب الصحيح ٦/٨٠-١٥٨.
[ ١ / ٤٩٥ ]
وهو١ لم يأخذ عن أحدٍ من الأنبياء شيئًا؛ فدلّ على نبوّته. ولهذا يحتج الله له في القرآن بذلك؛ كما قد بسط في غير هذا الموضع٢.
الكاهن والفرق بينه وبين النبي
وأخبار الكهان فيها كذبٌ كثيرٌ، والكاهن قد عُرف أنه يكذب كثيرًا، مع فجوره؛ قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُوْنَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاْذِبُوْنَ﴾ ٣. والكهانة جنسٌ معروف، ومعروفٌ أنّ الكاهن يتلقّى عن الشيطان، ولا بد من كذبهم، وفجورهم. والنبيّ لا يكذب قطّ، ولا يكون [إلا] ٤ برًّا تَقِيًَّا. فالفرق بينهما ثابت في نفس صفاتهما، وأفعالهما، وآياتهما؛ لا يقول عاقل إنّ مجرّد ما يفعله الكاهن هو دليلٌ إن اقترن بصادق، وليس بدليلٍ إذا لم يقترن بصادق، وأنّه متى ادّعاه كاذبٌ لم يظهر على يده. وهذا أيضًا باطلٌ.
كثير من الكذابين أتوا بخوارق وادعوا النبوة ولم يعارضوا
ويظهر بالوجه السادس: وهو أنّه قد ادّعى جماعةٌ من الكذّابينَ النبوّة، وأتوا بخوارق من جنس خوراق الكُهّان والسحرة، ولم يعارضهم أحدٌ في ذلك المكان والزمان، وكانوا [كاذبين] ٥؛ فبطل قولهم إنّ الكذّاب إذا أتى بمثل خوارق السحرة والكهان، فلا بد أن يمنعه الله ذلك الخارق، أو يُقَيِّض له من يعارضه٦.
_________________
(١) ١ أي النبيّ. ٢ تقدّم كلام شيخ الإسلام ﵀ عن ذلك في أوّل هذا الكتاب. راجع ص ١٦٦-١٧١. ٣ سورة الشعراء، الآيات ٢٢١-٢٢٣. ٤ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ» . وهو في «م»، و«ط» . ٥ في «ط»: كذابين. ٦ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٥.
[ ١ / ٤٩٦ ]
وهذا كالأسود العنسيّ١ الذي ادّعى النبوّة باليمن في حياة النبيّ ﷺ، واستولى على اليمن، وكان معه [شيطانان] ٢؛ سُحَيْق، ومُحَيْق. وكان يخبر بأشياء غائبة من جنس أخبار الكهان، وما عارضه أحدٌ. وعُرف كذبه بوجوه متعدّدة، وظهر من كذبه، وفجوره؛ ما ذكره الله بقوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ٣.
وكذلك مسيلمة الكذاب٤.
وكذلك الحارث الدمشقي٥، ومكحول الحلبي٦، وبابا الرومي٧،
_________________
(١) ١ سبق التعريف به، وذكر بعض أخباره ص ١٩٢. وانظر بعض أخباره الأخرى في: البداية والنهاية لابن كثير ٦/٣٤٧. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . وهي في «م»، و«ط»: شيطان بالإفراد. ٣ سورة الشعراء، الآيتان ٢٢١-٢٢٢. ٤ سبق التعريف به ص ١٩٢. ٥ هو الحارث بن سعيد. من أهل دمشق. متنبئ كذّاب، وله أتباع يُعرفون بالحارثية. كان مولى لأحد القرشيّين. يُحكى أنّه كان في أول أمره متعبّدًا زاهدًا، فأغواه إبليس، فادعى النبوة، فلبّس على الناس بما يُظهر لهم من الأوهام والضلالات. من ذلك أنه كان يأتي إلى رخامة في المسجد، فينقرها بيده، فتسبّح. وكان يُري الناس رجالًا على خيل، ويقول: هذه الملائكة. وكان يُطعم الناس فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف إلى غير ذلك من تلبيساته. فتبعه خلقٌ كثير فُتنوا به. وقد طلبه عبد الملك بن مروان، فاختفى في بيت المقدس، فلم يزل يطلبه، حتى قبض عليه، فقتله، وصلبه، وذلك سنة ٦٩؟. انظر: ميزان الاعتدال للذهبي ١/٤٣٤. ولسان الميزان لابن حجر ٢/١٥١. وتلبيس إبليس لابن الجوزي ص ٣٧٩. والأعلام للزركلي ٢ /١٥٤. ٦ مكحول الحلبي لم أقف على ترجمته. وشيخ الإسلام ﵀ يذكر في بعض كتبه جماعة من المتنبئين، ويذكر منهم السهروردي الحلبي المقتول. انظر مثلًا شرح الأصفهانية ١/٢٨٦، لكن هذا الحلبي ليس اسمه مكحول. ٧ ذكر شيخ الإسلام ﵀ هذا المتنبئ الكذّاب في كثير من كتبه؛ مثل: الجواب الصحيح ٢/٣٤. وشرح الأصفهانية ١/٢٨٧. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٧٩-١٨٠؛ حيث ذكره فيه باسم باباه الرومي. وقد تقدّم تفصيل القول فيه سابقًا، انظر ص ١٩٢ من هذا الكتاب.
[ ١ / ٤٩٧ ]
لعنة الله عليهم، وغير هؤلاء؛ كانت معهم شياطين كما هي مع السحرة والكهان.
آيات الأنبياء ليس من شرطها التحدي بها
السابع: أن آيات الأنبياء ليس من شرطها استدلال النبيّ بها، ولا تحدّيه بالإتيان بمثلها، بل هي دليلٌ على نبوته، وإن خلت عن هذين القَيْدَيْن.
وهذا كإخبار من تقدّم بنبوة محمد ﷺ؛ فإنّه دليلٌ على صدقه، وإن كان هو لم يعلم بما أخبروا به، ولا يستدلّ به.
آيات الأنبياء قد تكون لحاجة المسلمين
وأيضًا: فما كان يُظهره الله على يديه من الآيات؛ مثل تكثير الطعام والشراب مرّات؛ كنبع الماء من بين أصابعه غير مرة، وتكثير الطعام القليل حتى كفى أضعافَ أضعافِ من كان محتاجًا إليه، وغير ذلك؛ [كلها] ١ من دلائل النبوة٢، ولم يكن يُظهرها للاستدلال بها، ولا يتحدى بمثلها، بل لحاجة المسلمين إليها٣.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: كله. ٢ وانظر هذه المعجزات في صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام ٣/١٣٠٨-١٣٣٠.وفي صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي ﷺ ٤/١٧٨٣-١٧٨٦. وقد جمع ابن كثير ﵀ كثيرًا من آيات الرسول ﷺ. ومن ذلك آيات تكثير الطعام والشراب. انظر البداية والنهاية ٧/٩٦-١٣١. ٣ وقال شيخ الإسلام ﵀ في موضع آخر: "وتكثير الطعام والشراب مرات كثيرة؛ كما أشبع في الخندق العسكر من قدر الطعام وهو لم ينقص؛ في حديث أم سليم المشهور. وروى العسكر في غزوة خيبر من مزادة ماء، ولم تنقص. وملأ أوعية العسكر عام تبوك من طعام قليل، ولم ينقص، وهم نحو ثلاثين ألفًا. ونبع الماء من بين أصابعه مرات متعددة حتى كفى الناس الذين كانوا معه؛ كما كانوا في غزوة الحديبية نحو ألف وأربعمائة، أو خمسمائة". الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٢٩٥-٢٩٧. وقال ﵀ في موضع آخر: "وتكثير الماء في عين تبوك، وعين الحديبية، ونبع الماء من بين أصابعه غير مرة، ومزادة المرأة. وأما المركبات: فتكثيره للطعام غير مرة في قصة الخندق؛ من حديث جابر، وحديث أبي طلحة. وفي أسفاره. وجراب أبي هريرة. ونخل جابر بن عبد الله. وحديث جابر وابن الزبير في انقلاع النخل له، وعوده إلى مكانه، وسقياه لغير واحد من الأرض؛ كعين أبي قتادة " قاعدة في المعجزات والكرامات ص ١٦-١٧. وقال ﵀ أيضًا: "وأما هذه الآيات: فنقلها أكثر ممن نقل مواقيت الصلاة من جهة الأخبار المعينة، وذلك أنّ آيات الرسول كان كثير منها يكون بمشهد من الخلق عظيم، فيُشاهدون تلك الآيات كما شاهد أهل الحديبية وهم ألف وخمسمائة نبعَ الماء من بين أصابعه، وظهور الماء الكثير من بئر الحديبية لما نزحوها ولم يتركوا فيها قطرة، فكثر حتى روى العسكر. وكما شاهد العسكر في غزوة ذات الرقاع الماء اليسير لما صبه جابر في الجفنة، وامتلأت، وملأ منها جميع العسكر. وكما شاهد الجيش في رجوعهم من غزوة خيبر المزادتين مع المرأة، وقد ملؤوا كل وعاء معهم، وشربوا، وهي ملأى كما هي. وكما شاهد أهل خيبر وهم ألف وخمسمائة الطعام الذي كان كربضة الشاة، فأشبع الجيش كلهم. وكما شاهد الجيش العظيم، وهو نحو ثلاثين ألفًا في تبوك العين لما كانت قليلة الماء، فكثر ماؤها حتى كفاهم، وشاهدوا الطعام الذي جمعوه على نطع، فأخذوا منه حتى كفاهم. وكما شاهد أهل الخندق وهم أكثر من ألف كثرة الطعام في بيت جابر بعد أن كان صاعًا من شعير، وعناقًا، فأكلوا كلهم بعد الجوع حتى شبعوا وفضلت فضلة. وكما شاهد الثمانون نفسًا كثرة الطعام لما أكلوا في بيت أبي طلحة. وكما شاهد الثلاثمائة كثرة الماء لما توضؤوا من قدح، والماء ينبع من بين أصابعه، حتى كفاهم للوضوء. وكذلك وليمة زينب، كانوا ثلاثمائة، فأكلوا من طعام في تور من حجارة وهو باق، فظنّ أنس أنه أزيد مما كان، وكانوا يتداولون قصعة من غدوة إلى الليل، يقوم عشرة، ويقعد عشرة؛ كما في حديث سمرة بن جندب. وأهل الصفة لما شربوا كلهم من اللبن القليل، وكفاهم، وفضل، وكانوا ينقلون ذلك بينهم، وهو مشهور ينقله بعض من شاهده إلى من غاب عنه". الجواب الصحيح ٦/٣٢٤-٣٢٦.
[ ١ / ٤٩٨ ]
آية إبراهيم كانت بعد نبوته
وكذلك إلقاء الخليل في النار، إنّما كان بعد نبوته، ودعائه لهم إلى التوحيد١.
آيات الأنبياء أدلة وبراهين سواء استدلوا بها أو لم
الثامن: إنّ الدليل الدالّ على المدلول عليه، ليس من شرط دلالته استدلال أحدٍ به، بل ما كان النظر الصحيح فيه موصلًا إلى علمٍ، فهو دليل، وإن لم يستدلّ به أحدٌ؛ فالآيات أدلةٌ وبراهين تدلّ سواءٌ استدلّ به النبيّ، أو لم يستدلّ. وما لا يدلّ إذا لم يُستدلّ به لا يدلّ إذا استدلّ به، ولا ينقلب ما ليس بدليلٍ دليلًا إذا استدلّ به [مدّعٍ] ٢ لدلالته.
آيات الأنبياء لا تكون إلا خارقة للعادة ولا يقدر أحد على معارضتها
التاسع: أن يُقال: آياتُ الأنبياء لا تكون إلا خارقة للعادة، ولا تكون مما يقدر [أحدٌ] ٣ على معارضتها. فاختصاصها بالنبيّ، وسلامتها عن المعارضة شرطٌ فيها، بل وفي كلّ [دليل] ٤؛ فإنه لا يكون دليلًا حتى يكون مختصًّا [بالمدلول] ٥ عليه، ولا يكون مختصًّا إلا إذا سلم عن
_________________
(١) ١ يدلّ على ذلك قول الله تعالى يحكي عن الخليل ﵇: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ . سورة الأنبياء، الآيات ٦٦-٦٩. ٢ في «خ»: مدعي. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: أحدا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٥ في «خ»: مدل. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٥٠٠ ]
المعارضة١، فلم يُوجد مع عدم المدلول عليه مثله. وإلا إذا وُجد [هو أو مثله] ٢ بدون المدلول، لم يكن مختصًّا؛ فلا يكون دليلًا. لكن كما أنّه لا يكفي مجرّد كونه خارقًا لعادة أولئك القوم دون غيرهم، فلا يكفي أيضًا عدم معارضة أولئك القوم، بل لا بدّ أن يكون ممّا لم يعتده غير الأنبياء؛ فيكون خارقًا لعادة غير الأنبياء. فمتى عُرف أنّه يُوجد لغير الأنبياء بطلت دلالته، ومتى عارض غير النبيِّ النبيَّ بمثل ما أتى به، بطل الاختصاص.
كرامات الأولياء من دلائل النبوة
وما ذكره المعتزلة، وغيرهم؛ كابن حزم: من أنّ آيات الأنبياء مختصةٌ بهم كلامٌ صحيحٌ٣. لكنّ كرامات الأولياء هي من دلائل النبوة؛ فإنّها لا تُوجد إلا لمن اتّبع النبيَّ الصادقَ٤، فصار وجودها كوجود ما أخبر به
_________________
(١) ١ أي أنّ استلزام الدليل بالمدلول عليه، والسلامة من المعارضة شرط في كل دليل. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٣ قال القاضي عبد الجبار في شروط المعجزة عند المعتزلة: "واعلم أنّ من حق المعجز أن يكون واقعًا من الله تعالى حقيقة، أو تقديرًا، وأن يكون مما تنتقض به العادة المختصة بمن أظهر المعجز فيه، وأن يتعذر على العباد فعل مثله في جنسه، أو صفته، وأن يكون مختصًا بمن يدعي النبوة على طريقة التصديق له. فما اختص بعده بالصفات وصفناه بأنّه معجز من جهة الاصطلاح". المغني في أبواب العدل والتوحيد للقاضي عبد الجبار ١٥/١٩٩. أما ابن حزم فقال: ".. وأنّ المعجزات لا يأتي بها أحد إلا الأنبياء ﵈..". المحلى لابن حزم ١/٣٦. وانظر أعلام النبوة للماوردي ص ٦٢. ٤ وقد أوضح شيخ الإسلام ﵀ أنّ كرامات الأولياء لا تصل إلى آيات الأنبياء الكبرى، ولا يأتون بمثلها؛ كالناقة، والعصا، وخلق الطير من الطين، والقرآن، ونصر الأنبياء، وإهلاك المكذبين؛ فإنه لا تحصل لهم هذه الآيات.. يقول ﵀ في هذا الكتاب: "وأما آيات الأنبياء التي بها تثبت نبوتهم، وبها وجب على الناس الإيمان بهم: فهي أمرٌ يخصّ الأنبياء، لا يكون للأولياء، ولا لغيرهم". النبوات ص ١٠٣٥. ويقول ﵀ أيضًا: "وأما كرامات الصالحين فهي من آيات الأنبياء كما تقدم. ولكن ليست من آياتهم الكبرى، ولا يتوقف إثبات النبوة عليها". النبوات ص ١٠٣٥.
[ ١ / ٥٠١ ]
النبيُّ من الغيب. وأمّا ما يأتي به السحرة، والكهّان من العجائب؛ فتلك جنسٌ معتادٌ لغير الأنبياء وأتباعهم، بل [لجنسٍ معروفين] ١ بالكذب، والفجور؛ فهو خارقٌ بالنسبة إلى غير أهله. وكلّ صناعةٍ فهي خارقةٌ عند غير أهلها، ولا تكون آية.
وآيات الأنبياء هي خارقةٌ لغير الأنبياء، وإن كانت [معتادة للأنبياء] ٢.
آيات الأنبياء خارجة عن مقدور الثقلين
العاشر: إنّ آيات الأنبياء خارجةٌ عن مقدور من أُرسل الأنبياء إليه؛ وهم الجنّ والإنس؛ فلا تقدر الإنس٣ والجن أن يأتوا بمثل معجز الأنبياء؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِن اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لا يَأْتُوْنَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَاْنَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيْرًَا﴾ ٤. وأما الملائكة فلا تضر قدرتهم على مثل ذلك؛ فإنّ الملائكة إنما تنزل على الأنبياء لا تنزل على السحرة، والكُهّان؛ كما أن الشياطين لا [تتنزل] ٥ على الأنبياء.
الملائكة تنزل على الأنبياء والشياطين تنزل على الكذابين
والملائكة لا تكذب على الله، فإذا كانت الآيات من أفعال الملائكة؛ مثل إخبارهم للنبي عن الله بالغيب، ومثل نصرهم له على عدوه، وإهلاكهم له٦ نصرًا وهلاكًا خارجين عن العادة؛ كما فعلته الملائكة يوم بدر وغيره٧، وكما فعلت
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: الجنس معروف. ٢ في «خ»: معتادة لغير الأنبياء. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «ط»: لإنس. ٤ سورة الإسراء، الآية ٨٨. ٥ في «م»، و«ط»: تنزّل. ٦ أي لعدوّه. ٧ قال شيخ الإسلام ﵀ عن يوم بدر، يوم حنين: "أنهما غزاتان بينهما نحو ست سنين؛ كانت بدر في السنة الثانية من الهجرة، وكانت حنين في السنة الثامنة بعد فتح مكة، وأنّ بدرًا مكان بين مكة والمدينة؛ شامي مكة، ويماني المدينة. وحنين واد قريب من الطائف شرقي مكة. وإنما قرن بينهما في الاسم لأنّ الله أنزل فيهما الملائكة، وأيّد بهما نبيّه والمؤمنين، حتى غلبوا عدوّهم، مع قوة العدو في بدر، ومع هزيمة أكثر المسلمين أولًا بحنين. وامتنّ الله بذلك في كتابه في قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة آل عمران، الآية ١٢٣] . وفي قوله: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا..﴾ . [سورة التوبة، الآيتان ٢٥-٢٦] .) . الجواب الصحيح ٦/٣٣٦.
[ ١ / ٥٠٢ ]
بقوم لوط١، وكما فعلت بمريم والمسيح٢، ونحو ذلك؛ وكإتيانهم لسليمان بعرش بلقيس؛ فقد روي أنّ الملائكة جاءته به وهي أقدر من الجنّ٣،لم يكن هذا خارجًا عمّا اعتاده الأنبياء، بل هذا ليس لغير الأنبياء، فلا يقول إن غير الأنبياء اعتادوه فنُقضت عادتهم، بل هذا لم يعتده إلا
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ..﴾ الآيات. [سورة هود، الآيات ٧٧-٨١] . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ . [سورة القمر، الآية ٣٧] . ٢ قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ . سورة مريم، الآيات ١٦-١٩. ٣ قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ..﴾ . سورة النمل، الآية ٤٠. والأقوال في الذي عنده علم من الكتاب، وأحضر عرش بلقيس كثيرة، تصل إلى ثمانية أقوال. ومن أشهرها أنه سليمان ﵇. وقيل ملك من الملائكة أيّد الله به نبيّه سليمان. وقيل هو جبريل ﵇؛ قاله النخعي، وروي عن ابن عباس. وعلم الكتاب على هذا: علمه بكتب الله المنزلة، أو بما في اللوح المحفوظ. وقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا ابن خالة سليمان، وكان صدّيقًا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى) . انظر: تفسير البغوي ٣/٤٢٠. وتفسير القرطبي ١٣/١٣٦.
[ ١ / ٥٠٣ ]
الأنبياء، وهو مناقض لجنس عادات الآدميين؛ بمعنى أنه لا يوجد فيما اعتاده بنو آدم في جميع الأصناف غير الأنبياء؛ كما اعتادوا العجائب من السحر، والكهانة، والصناعات العجيبة، وما يستعينون عليه بالجن والإنس والقوى الطبيعية؛ مثل الطلاسم١ [وغيرها؛ فكل هذا معتاد معروف لغير الأنبياء. وهؤلاء جعلوا الطلاسم] ٢ من جنس المعجزات، وقالوا٣: لو أتى بها نبي لكانت [آية له] ٤، وإذا أتى بها من لم يدّع النبوة جاز، وإن ادّعاها كاذب سلبه الله علمها، أو قيّض له من يعارضه. وهذا قول قبيح؛ فإنّه لو جعل شيء من معجزات الأنبياء وآياتهم من جنس ما يأتي به ساحر، أو كاهن، أو مطلسم، أو٥ مخدوم من الجن لاستوى الجنسان، ولم يكن فرق بين الأنبياء وبين هؤلاء، ولم يتميّز بذلك النبيّ من غيره. وهذا مما عظم غلط هؤلاء فيه فلم يعرفوا خصائص النبيّ، وخصائص آياته.
الفلاسفة جعلوا للنبوة ثلاث خصائص
كما أنّ المتفلسفة أبعد [منهم] ٦ عن الإيمان؛ فجعلوا للنبوة ثلاث
_________________
(١) ١ الطلسم: لفظ يوناني. وقد سبق معناه في ص ٣٨٨. وقد اشتغل المصريون القدماء، والبابليون، والكلدانيون، والسريانيون بعلم الطلاسم، واشتغل به في المشرق جابر بن حيان، وبعده مسلمة بن أحمد المجريطي في الأندلس. انظر: دائرة المعارف لوجدي ٥/٧٧٠. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٣ المقصود بهم الأشاعرة. انظر كلام الباقلاني في هذه المسألة في كتابه: البيان ص ٩٨-١٠٠. ٤ في «خ»: له آية. إلا أنّ الناسخ جعل فوق الكلمتين حرف «م» للدلالة على التقديم والتأخير، فصار الصواب ما هو مثبت في «م»، و«ط» . ٥ في «ط»: احو. ٦ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين.
[ ١ / ٥٠٤ ]
خصائص: حصول [العلم] ١ بلا تعلّم٢، وقوّة نفسه المؤثرة في هيولي العالم، وتخيّل السمع والبصر٣. وهذه الثلاثة توجد لكثير من عوام الناس.
_________________
(١) ١ في «خ»: التعلم. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ قال ابن سينا في كتاب النجاة فصل في طرق اكتساب النفس الناطقة للعلوم: "واعلم أنّ التعلّم سواء حصل من غير المتعلم، أو حصل من نفس المتعلم؛ فإنّ من المتعلمين من يكون أقرب إلى التصوّر؛ لأنّ استعداده الذي قبل الاستعداد الذي ذكرناه أقوى. فإن كان ذلك الإنسان مستعدًا للاستكمال فيما بينه وبين نفسه سُمّي هذا الاستعداد القوي حدسًا. وهذا الاستعداد قد يشتدّ في بعض الناس، حتى لا يحتاج في أن يتصل بالعقل الفعّال إلى كبير شيء، وإلى تخريج وتعليم، بل يكون شديد الاستعداد لذلك، كأن الاستعداد الثاني حاصل له، بل كأنه يعرف كل شيء من نفسه. وهذه الدرجة أعلى درجات هذا الاستعداد، ويجب أن تُسمّى هذه الحال من الفعل الهيولاني عقلًا قدسيًا، وهو من جنس العقل بالملكة، إلا أنه رفيع جدًا، ليس مما يشترك فيه الناس كلهم. ولا يبعد أن تفيض هذه الأفعال المنسوبة إلى الروح القدسي لقوتها واستعلائها فيضانًا على المتخيلة أيضًا، فتحاكيها المتخيلة أيضًا بأمثلة محسوسة ومسموعة من الكلام على النحو الذي سلفت الإشارة إليه إلى أن قال: وهذا ضرب من النبوة، بل أعلى قوى النبوة. والأولى أن تُسمّى هذه القوة قوة قدسية. وهي أعلى مراتب القوى الإنسانية". النجاة لابن سينا ص ١٦٦-١٦٨. ٣ انظر: كتاب الشفاء لابن سينا في قسم النفس منه ص ٢٤٤-٢٤٦. والإشارات والتنبيهات له ٢/٣٦٨-٣٧٠، ٤١٣، ٨٥٣-٩٠٣ تحقيق سليمان دنيا. وآراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي ص ٨٩. ولقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ خصائص النبوة عند الفلاسفة في مواضع شتى من كتبه؛ انظر مثلًا: درء تعارض العقل والنقل ١/١٧٩، و٥/٣٥٥، و٩/٤٤، و١٠/٢٠٤-٢٠٥. ومنهاج السنة النبوية ٢/٤١٣، و٨/٢٤. وكتاب الصفدية ١/٥-٧. والرد على المنطقيين. وشرح الأصفهانية ٢/٥٠٣. والرسالة العرشية ص ١١. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص٢٠٤. ومجموع الفتاوى ١١/٢٢٩. وبغية المرتاد ص ٣٨٤. والجواب الصحيح ٦/٢٤، ٤٧.
[ ١ / ٥٠٥ ]
ولم يفرقوا١ بين النبيّ والساحر إلا بأنّ هذا برّ، وهذا فاجر. والقاضي أبو بكر٢ وأمثاله يجعلون هذا الفرق سمعيا٣.
والفرق الذي لا بُدّ منه عندهم: الاستدلال بها، والتحدي بالمثل٤.
وكلّ من هؤلاء٥، وهؤلاء٦ أدخلوا مع الأنبياء من ليس [بنبيّ] ٧، ولم يعرفوا خصائص الأنبياء، ولا خصائص آياتهم؛ فلزمهم جعل من ليس
_________________
(١) ١ أي المتفلسفة. وانظر ردّ شيخ الإسلام على مقولتهم هذه في: كتاب الصفدية ١/١٣٥، ١٤٧. والجواب الصحيح ٦/٤٠٠-٤٠١، ٤٩٦، ٥٠٠؛ حيث ردّ عليهم شيخ الإسلام ﵀ من وجهين. وقد قال عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وجعلوا ما للأنبياء وغير الأنبياء من المعجزات والكرامات وما للسحرة من العجائب، هو من قوى النفس. لكن الفرق بينهما أنّ ذلك قصده الخير، وهذا قصده الشرّ. وهذا المذهب من أفسد مذاهب العقلاء فإنه مبنيّ على إنكار الملائكة، وإنكار الجنّ، وعلى أنّ الله لا يعلم الجزئيات، ولا يخلق بمشيئته وقدرته، ولا يقدر على تغيير العالم. ثمّ إنّ هؤلاء لا يقرّون من المعجزات إلا بما جرى على هذا الأصل وأمكن أن يُقال فيه هذا؛ مثل نزول المطر، وتسخير السباع، وإمراض الغير، وقتله، ونحو ذلك. وأما قلب العصا حية، وإحياء الموتى، وإخراج الناقة من الهضبة، وانشقاق القمر، وأمثال ذلك، فلا يقرّون به ". الجواب الصحيح ٦/٢٤-٢٥. ٢ الباقلاني. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ٣٨-٤١. وانظر: منهاج السنة النبوية ٢/٤١٥. والجواب الصحيح ٦/٤٠٠-٤٠١. ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٦-٤٧، ٩٤. ٥ الأشاعرة. ٦ المتفلسفة. ٧ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» .
[ ١ / ٥٠٦ ]
بنبي نبيًّا، أو جعل النبيّ ليس بنبيّ؛ إذ كان ما ذكروه في النبوة مشتركا بين الأنبياء وغيرهم.
فمن [ظنّ] ١ أنه يكون لغير الأنبياء، قدح في الأنبياء أن [يكون] ٢ هذا هو دليلهم بوجود مثل ما جاءوا به لغير النبي. ومن ظنّ أنّه لا يكون إلا لنبيّ، إذا رأى من فعله من متنبئ كاذب، وساحر، وكاهن ظنّ أنّه نبيّ.
والإيمان بالنبوة أصل [النجاة] ٣ والسعادة. فمن لم يحقق هذا الباب اضطرب عليه باب الهدى والضلال، والإيمان والكفر، ولم يميّز بين الخطأ والصواب.
ولما كان الذين اتبعوا هؤلاء وهؤلاء من المتأخرين٤؛ مثل أبي حامد٥، والرازي، والآمدي، وأمثالهم: هذا، ونحوه مبلغ علمهم بالنبوّة، لم يكن لها في قلوبهم من العظمة ما يجب لها؛ فلا يستدلّون بها على الأمور العلمية الخبرية؛ وهي خاصّة النبيّ؛ وهو الإخبار عن الغيب، والإنباء به؛ فلا يستدلّون بكلام الله ورسوله على الإنباء بالغيب التي يُقطع بها، بل عمدتهم ما يدعونه من العقليات المتناقضة.
_________________
(١) ١ في «خ»: علم ظنّ. ولعلّ الصواب حذف كلمة (علم) بدليل السياق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: التجارة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ أي خلطوا بين الفلسفة والأشعرية، أو ما يُسميهم شيخ الإسلام ﵀ متفلسفة الأشعرية. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣/٣٣٩. وانظر كلام شيخ الإسلام ﵀ عن الغزالي، والرازي، والشهرستاني، والآمدي، وتأثرهم بالفلاسفة، وكتب ابن سينا سيما في النبوات في: مجموع الفتاوى ٤/٩٩، ٥/٥٦٠. وشرح الأصفهانية ١/٢٧٢. ٥ الغزالي.
[ ١ / ٥٠٧ ]
ولهذا يقرون بالحيرة في آخر عمرهم؛ كما قال الرازي:
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقال
لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي [عليلا] ١، ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ٢، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣. وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٤، ﴿وَلا يُحِيْطُونَ بِهِ عِلْمًَا﴾ ٥. ومن جرّب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي٦.
آيات الأنبياء مختصة بهم..
الوجه الحادي عشر: إنّ آيات الأنبياء مما يعلم العقلاء أنها مختصة بهم، ليست مما تكون لغيرهم؛ فيعلمون أنّ الله لم يخلق مثلها لغير الأنبياء. وسواء في آياتهم التي كانت في حياة قومهم، وآياتهم التي فرّق الله بها بين أتباعهم وبين مكذّبيهم؛ بنجاة هؤلاء، وهلاك هؤلاء، ليست من جنس ما يوجد في العادات المختلفة لغيرهم٧؛
_________________
(١) ١ في «ط»: غليلًا. ٢ سورة فاطر، الآية ١٠. ٣ سورة طه، الآية ٥. ٤ سورة الشورى، الآية ١١. ٥ سورة طه، الآية ١١٠. ٦ تقدّم إيراده مرارًا في هذا الكتاب. انظر على سبيل المثال ص ٣٣٢. ٧ وقد عقد المؤلف ﵀ فصلًا في كتابه «الجواب الصحيح» ٦/٣٨٧، وذكر فيه كثيرًا من الشواهد والآيات للأنبياء الدالّة على إهلاك الله لمكذّبيهم، ونصره للمؤمنين بهم، وأنها من أعلام نبوتهم، ودلائل صدقهم.
[ ١ / ٥٠٨ ]
وذلك: مثل تغريق الله لجميع أهل [الأرض] ١ إلا لنوح، ومن ركب معه في السفينة؛ فهذا لم يكن قط في العالم نظيره٢.
إنجاء الله الرسل ومن معهم وإهلاك مكذبيهم من آياتهم
وكذلك: إهلاك قوم عاد إِرَمَ٣ ذات العماد التي لم يُخلق مثلها في البلاد، مع كثرتهم، وقوتهم، وعظم عماراتهم التي لم يُخلق مثلها في البلاد، ثم أهلكوا بريح صرصر عاتية مسخرة سبع ليال وثمانية أيام حسومًا؛ حتى صاروا كلّهم كأنّهم أعجاز نخل خاوية٤. ونجا هود ومن اتّبعه؛ فهذا لم يوجد نظيره في العالم.
وكذلك: قوم صالح؛ أصحاب مدائن، ومساكن في السهل والجبل، وبساتين؛ أُهلكوا كلّهم بصيحةٍ واحدةٍ٥؛ فهذا لم يوجد نظيره في العالم.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٢ قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ . [سورة الفرقان، الآية ٣٧] . وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ..﴾ . [سورة هود، الآية ٤٠-٤٣] . ٣ قال قتادة، والسدي: إنّ إرم بيت مملكة عاد. قال ابن كثير: وهذا قول حسن جيد. تفسير ابن كثير ٨/٤١٧. ٤ قال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ . [سورة الحاقة، الآيات ٦-٨] . ٥ قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ . [سورة الأعراف، الآية ٧٤] . وقال تعالى عنهم: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ . [سورة النمل، الآية ٥٢] .
[ ١ / ٥٠٩ ]
وكذلك: قوم لوط؛ أصحاب مدائن متعددة، رُفعت إلى السماء، ثُمّ قُلبت بهم، وأُتْبعوا بحجارة من السماء، تتّبع شاذهم١، ونجا لوط وأهله، إلا امرأته أصابها ما أصابهم؛ فهذا لم يوجد نظيره في العالم.
وكذلك: قوم فرعون وموسى جمعان عظيمان، ينفرق لهم البحر كل فِرق كالطّود العظيم؛ فيسلك هؤلاء، ويخرجون سالمين؛ فإذا سلك الآخرون انطبق عليهم الماء٢؛ فهذا لم يوجد نظيره في العالم.
فهذه آيات تعرف العقلاء عمومًا أنّها ليست من جنس ما يموت به بنو آدم. وقد يحصل لبعض الناس طاعون، ولبعضهم جدب، ونحو ذلك. وهذا مما اعتاده الناس؛ وهو من آيات الله من وجه آخر، بل كل حادث من آيات [الله] ٣ تعالى.
ولكنّ هذه الآيات ليست من جنس ما اعتيد.
الكعبة لها خاصية ليست لغيرها
وكذلك الكعبة فإنّها بيتٌ من حجارةٍ بوادٍ غيِر ذي زرع٤، ليس عندها أحدٌ يحفظها من عدو، ولا عندها بساتين وأمور يرغب الناس فيها؛ فليس عندها رغبة ولا رهبة. ومع هذا فقد حفظها بالهيبة والعظمة؛ فكل من يأتيها يأتيها خاضعًا، ذليلًا، متواضعًا في غاية التواضع. وجعل فيها من الرغبة ما
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ . [الحجر، ٧٥] . ٢ قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الشعراء، الآيات ٦٢-٦٧] . ٣ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٤ قال تعالى يحكي قول إبراهيم الخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ . [سورة إبراهيم، الآية ٣٧] .
[ ١ / ٥١٠ ]
يأتيها الناس من أقطار الأرض محبةً، وشوقًا، من غير باعثٍ دنيوي. وهي على هذه الحال من ألوف من السنين؛ وهذا مما لا يُعرف في العالم لبُنيةٍ غيرها. والملوك يبنون القصور العظيمة فتبقى مدة، ثم تهدم، لا يرغب أحدٌ في [بنائها] ١، ولا يرهبون من خرابها.
وكذلك ما بني للعبادات قد [يتغيّر] ٢ حاله على طول الزمان، وقد يستولي العدو عليه؛ كما استولى [على] ٣ بيت المقدس.
والكعبة لها خاصية ليست لغيرها.
وهذا مما حيّر الفلاسفة ونحوهم؛ فإنهم يظنون أنّ المؤثر في هذا العالم هو حركات الفلك، وأنّ ما بُني وبقي فقد بُني بطالع [سعيد] ٤؛ فحاروا في طالع الكعبة، إذ لم يجدوا في الأشكال الفلكيّة ما يوجب مثل هذه السعادة، [والعزة] ٥، والعظمة، والدوام، والقهر، والغلبة٦.
وكذلك ما [فعله] ٧ الله بأصحاب الفيل لما قصدوا تخريبها٨؛ قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيْل وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًَا أَبَابِيل تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيل فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ
_________________
(١) ١ في «خ»: ابنائها. ٢ في «م»، و«ط»: تتغيّر. ٣ في «ط»: عليه. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٥ في «م»، و«ط»: الفرح. ٦ انظر: كتاب الصفدية ١/٢٢٠. والرد على المنطقيين ص ٥٠٢. والجواب الصحيح ٥/٢٦٤-٢٦٥. ٧ في «م»، و«ط»: فعل. ٨ أي الكعبة المشرفة.
[ ١ / ٥١١ ]
مَأْكُول﴾ ١؛ قصدها جيشٌ عظيمٌ، ومعهم الفيل، فهرب أهلها منهم، فبرك الفيل، وامتنع من المسير إلى جهتها، وإذا وجّهوه إلى غير جهتها توجّه. ثم جاءهم من البحر طيرٌ أبابيل؛ أي جماعات في تفرقة؛ فوجًا بعد فوج، رموا عليهم حصى هلكوا به كلهم. فهذا [ممّا] ٢ لم يوجد نظيره في العالم٣.
الدليل يستلزم المدلول
فآيات الأنبياء هي أدلة وبراهين على صدقهم. والدليل يجب أن يكون مختصًا بالمدلول عليه، لا يوجد مع عدمه، لا [يتحقق] ٤ الدليل إلا مع تحقق المدلول؛ كما أنّ الحادث لا بد له من محدِث؛ فيمتنع وجود حادث بلا محدِث، ولا يكون المحدِث إلاّ قادرًا؛ فيمتنع وجود الأحداث من غير قادر، والفعل لا يكون إلا من عالمٍ ونحو ذلك؛ فكذلك ما دل على صدق النبيّ، يمتنع وجوده إلا مع كون النبيّ صادقًا.
الأشاعرة لم يجعلوا المعجزة تدل دلالة عقلية ولا تدل بجنسها
ولم يجعلوا آيات الأنبياء تدلّ دلالةً عقليةً مستلزمةً للمدلول٥، ولا [تدل] ٦ [بجنسها] ٧ ونفسها٨، بل قال بعضهم٩: قد تدلّ، وقد
_________________
(١) ١ سورة الفيل كلها (١-٥) . ٢ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٣ انظر كلام شيخ الإسلام حول هذا الموضوع بالتفصيل في: الجواب الصحيح ٦/٥٥-٥٧؛ حيث عدّ ذلك آية من آيات النبوة. ٤ في «خ»: بتحقيق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣٢٤. والعقيدة النظامية له ص ٦٨. وشرح المواقف للجرجاني ٣/١٨١-١٨٢. ٦ في «خ»: يدلّ. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ في «خ»: لجنسها. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٨ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٨. والإرشاد للجويني ص ٣٢٨. ٩ ومنهم القاضي عبد الجبار من المعتزلة. انظر: المغني في أبواب التوحيد والعدل ١٥/١٦١، ١٦٨، ١٧٢-١٧٣.
[ ١ / ٥١٢ ]
لا تدلّ. وقال آخرون: تدلّ مع الدعوى، ولا تدلّ مع عدم الدعوى١. وهذا يبطل كونها دليلًا٢.
وآخرون٣ أرادوا تحقيق ذلك، فقالوا: تدل [دلالة] ٤ وضعيّة من جنس دلالة اللفظ على مراد المتكلم؛ تدل أن قصد الدلالة، ولا تدلّ بدون ذلك؛ فهي تدلّ مع الوضع دون غيره٥.
رد شيخ الإسلام عليهم
فيقال لهم: وما يدلّ على قصد المتكلّم، هو أيضًا دليلٌ مطّرد، يمتنع وجوده بدون المدلول، ودلالته تعلم بالعقل؛ فجميع الأدلة تعلم بالعقل دلالتها على المدلول؛ فإنّ ذلك اللفظ إنّما يدلّ إذا عُلم أنّ المتكلّم أراد به هذا المعنى. وهذا قد يُعلم ضرورة، وقد يُعلم نظرًا؛ فقد يُعلم قصد المتكلم بالضرورة؛ كما يُعلم أحوال الإنسان بالضرورة؛ فيفرّق بين حمرة الخجل، وصفرة الوجل، وبين حمرة المحموم، وصفرة المريض بالضرورة٦. وقد يُعلم نظرًا واستدلالًا؛ كما يُعلم أنّ عادته إذا قال كذا: أن يريد كذا، وأنّه لا ينقض عادته إلاّ إذا بيّن ما يدلّ على انتقاضها؛ فيُعلم هذا، كما يُعلم سائر العاديات؛ مثل طلوع الشمس كلّ يوم، والهلال كل شهر، وارتفاع الشمس في الصيف، وانخفاضها في الشتاء.
_________________
(١) ١ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤. والإرشاد للجويني ص ٣١٩، ٣٢٤. ٢ انظر ردّ شيخ الإسلام ﵀ على هذه المقولة في الجواب الصحيح ٦/٣٨٠. ٣ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣٢٤، ٣٢٥. والاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص ١٧٠. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٥ وهذه مقولة الأشعرية. وقد سبق ردّ شيخ الإسلام ﵀ عليها من عدة وجوه في هذا الكتاب. وقد عقد ﵀ فصلًا عن هذا الموضوع، وحقق الكلام فيه، وسيأتي ص ٢٦٨-٢٧١. ٦ انظر: شرح الأصفهانية ٢/٦٢٢.
[ ١ / ٥١٣ ]
سنة الله في الفرق بين الأنبياء وبين مكذبيهم
ومن هذا سنة الله في الفرق بين الأنبياء وأتباعهم، وبين مكذّبهم؛ قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَان عَاقِبَةُ المُكَذِّبِين﴾ ١، وقال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّةَ الأوَّلِيْنَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيْلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيْلًا﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيْرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِيْ في الصُّدُور﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًَا فَنَقَّبُوا في الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيْص إِنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد﴾ ٤.
فإنّ هذه العجائب والآيات التي للأنبياء، تارةً تُعلم بمجرّد الأخبار المتواترة، وإن لم نشاهد شيئًا من آثارها، وتارةً نُشَاهد بالعيان آثارها الدالّة على ما حدث؛ كما قال تعالى: ﴿وَعَادًَا [وَثَمُودَ] ٥ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَة بِمَا ظَلَمُوا﴾ ٧، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ [مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ] ٨﴾ ٩، وقال تعالى: ﴿إِنَّ في ذَلِكَ لآيَاتٍ للمُتَوَسِّمِينَ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيم إِنَّ في ذَلِكَ
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية ١٣٧. ٢ سورة فاطر، الآية ٤٣. ٣ سورة الحج، الآية ٤٦. ٤ سورة ق، الآيتان ٣٦، ٣٧. ٥ في «خ»: وثمودا. ٦ سورة العنكبوت، الآية ٣٨. ٧ سورة النمل، الآية ٥٢. ٨ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٩ سورة الصافات، الآيتان ١٣٧-١٣٨.
[ ١ / ٥١٤ ]
لآيَة للمُؤْمِنِينَ وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ [وَإِنَّهُمَا] ١ لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ ٢؛ أي لبطريق موضح، [متبيِّن] ٣ لمن مرّ به آثارَهم.
وهذه الأخبار كانت منتشرة متواترة في العالم، وقد علم النّاس أنّها آيات للأنبياء، وعقوبة لمكذبيهم، ولهذا كانوا يذكرونها عند نظائرها للاعتبار؛ كما قال مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ [عَلَيْكُمْ] ٤ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قوْمِ نوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًَا لِلْعِبَادِ﴾ ٥، وقال شعيب: ﴿وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلَ مَا أَصَاب قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ ٦.
القرآن الكريم معجزة الرسول ﷺ الخالدة.
والقرآن [آيته] ٧ باقية على طول الزمان، من حين جاء به الرسول تُتْلى آيات التحدّي به. ويُتلى قوله: ﴿فَليَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ٨، و﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ ٩، و﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ [اللهِ] ١٠﴾ ١١، ويُتلى قوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًَا﴾ ١٢.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ سورة الحجر، الآيات ٧٥-٧٩. ٣ في «خ»: وتبين. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ» . ٥ سورة غافر، الآيتان ٣٠-٣١. ٦ سورة هود، الآية ٨٩. ٧ في «خ»: آية. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٨ سورة الطور، الآية ٣٤. ٩ سورة هود، الآية ١٣. ١٠ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ١١ سورة يونس، الآية ٣٨. ١٢ سورة الإسراء، الآية ٨٨.
[ ١ / ٥١٥ ]
فنفس إخبار الرسول بهذا في أول الأمر، وقطعه بذلك، مع علمه بكثرة الخلق، دليلٌ على أنّه كان خارقًا يعجز الثقلين عن [معارضته] ١. وهذا لا يكون لغير الأنبياء.
ثمّ مع طول الزمان، قد سمعه الموافق، والمخالف، والعرب، والعجم. وليس في الأمم [من] ٢ أظهر كتابًا يقرأه الناس، وقال إنّه مثله. وهذا يعرفه كلّ أحدٍ.
وما من كلام تكلم به الناس وإن كان في أعلى طبقات الكلام لفظًا ومعنىً، إلا وقد قال الناس نظيره، وما يشبهه ويقاربه؛ سواء كان شعرًا، أو خطابةً، أو كلامًا في العلوم، [والحِكَمِ] ٣ والاستدلال، والوعظ، والرسائل، وغير ذلك. وما وجد من ذلك شيء، إلاَّ ووجد ما يشبهه ويقاربه.
والقرآن ممّا يعلم الناس؛ عربهم، وعجمهم أنّه لم يُوجد له نظيرٌ، مع حرص العرب، وغير العرب على معارضته؛ فلفظه آية، ونظمه آية، وإخباره بالغيوب آية، وأمره ونهيه آية، ووعده ووعيده آية، وجلالته وعظمته وسلطانه على القلوب آية٤. وإذا ترجم بغير العربي٥ كانت
_________________
(١) ١ في «خ»: معارضة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «خ»: ممن. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «م»، و«ط»: الحكمة. ٤ انظر: أعلام النبوة للماوردي ص ٩٩-١٢١. وإعجاز القرآن للباقلاني ص ٨٣-١٠٢؛ فقد ذكر وجوهًا عدّة لإعجاز القرآن. ٥ قال شيخ الإسلام ﵀: "القرآن يجوز ترجمة معانيه لمن لا يعرف العربية باتفاق العلماء". الجواب الصحيح ٢/٥٥. وقال أيضًا عن ألفاظ القرآن: "ولكن يجوز تفسيرها باللسان العربي، وترجمتها بغير العربيّ) . الجواب الصحيح ٣/٢٠. والشيخ ﵀ يقصد ترجمة معاني وتفسير القرآن إلى لغة أخرى. ولا يُراد بالترجمة ها هنا الترجمة الحرفية لألفاظ القرآن، فهذه لا خلاف في أنّها محرّمة، تؤدّي إلى تحريف القرآن. انظر: مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني ٢/٢٧. والبرهان في علوم القرآن للزركشي ١/٤٦٤.
[ ١ / ٥١٦ ]
معانيه آية. كلّ ذلك لا يوجد له نظيرٌ في العالم١.
وإذا قيل إنّ التوراة، والإنجيل، والزبور، لم يُوجد لها نظيرٌ أيضًا٢، لم يضرّنا ذلك؛ فإنّا قلنا: إنّ آيات الأنبياء لا تكون لغيرهم، وإن كانت لجنس الأنبياء؛ كالإخبار بغيب الله؛ فهذه آية يشتركون فيها، وكذلك إحياء الموتى قد كان آية [لغير] ٣ واحدٍ من الأنبياء غير المسيح؛ كما كان ذلك لموسى٤، وغيره٥.
_________________
(١) ١ انظر: الجواب الصحيح ٥/٤٠٥-٤١١؛ إذ عقد الشيخ ﵀ فيه فصلًا في بيان إعجاز القرآن الكريم. وكذا المصدر نفسه ٥/٤٣٣-٤٣٤؛ وهو شرح وتوضيح لما أجمله الشيخ ﵀ هنا. وانظر أيضًا: البيان للباقلاني ص ٣١. والتمهيد له ص ١٦٧، ١٥٨. وإعجاز القرآن له ص ٨٣-٩٩. والإرشاد للجويني ص ٣٤٩-٣٥٣. وتفسير القرطبي ١/٥٢-٥٤؛ فقد ذكر عشرة أوجه لإعجاز القرآن الكريم. وأعلام النبوة للماوردي ص ٩٩-١٢٢. ٢ يرى الباقلاني أنّ الإعجاز خاص بالقرآن الكريم دون الكتب الأخرى، ولذلك نجده يقول: "إنّا لم نجد أهل التوراة والإنجيل ادّعوا الإعجاز لكتابهم، ولا ادّعى لهم المسلمون. فعُلِم أنّ الإعجاز ممّا يختصّ به القرآن..". إعجاز القرآن للباقلاني ص ٨١. ٣ في «ط»: فغير. ٤ ووجه إحياء الموتى لموسى ﵇ ما قاله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة، الآية ٧٣] . وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ تفصيلًا لإحياء الله الموتى على يد موسى ﵇ في الجواب الصحيح ٤/١٧-١٨. ٥ قال شيخ الإسلام ﵀: "فإنّ أعظم آيات المسيح ﵇ إحياء الموتى. وهذه الآية قد شاركه فيها غيره من الأنبياء؛ كإلياس وغيره". الجواب الصحيح ٤/١٧. وانظر: الجواب الصحيح ٥/٤٣٤-٤٣٥؛ فهو كالشرح لهذا الكلام.
[ ١ / ٥١٧ ]
جنس الأنبياء مميزون عن غيرهم بالآيات
وليس المقصود هنا ذكر تفضيل بعض الأنبياء على بعض، بل المقصود أنّ جنس الأنبياء متميزون عن غيرهم بالآيات، والدلائل [الدالّة] ١ على صدقهم، التي يعلم العقلاء إنّها لم توجد لغيرهم؛ [فيعلمون أنّها ليست لغيرهم] ٢؛ لا عادةً، ولا خرق عادة، بل إذا عبّر عنها بأنّها خرق عادة، وبأنّها من العجائب، فالأمر العجيب هو الخارج عن نظائره. وخارق العادة ما خرج عن الأمر المعتاد؛ [فالمراد بذلك أنّها خارجة عن الأمر المعتاد لغير الأنبياء] ٣، وأنّها من العجائب الخارجة عن النظائر، فلا يُوجد نظيرها [لغير الأنبياء. وإذا وجد نظيرها] ٤؛ سواء كان أعظم منها، أو دونها لنبيّ؛ فذلك توكيد لها أنّها من خصائص الأنبياء؛ [فإنّ الأنبياء يصدق٥ بعضهم بعضًا، فآية كلّ نبيّ آية لجميع٦ الأنبياء] ٧؛ كما أنّ آيات أتباعهم آيات لهم أيضًا. وهذا أيضًا من آيات الأنبياء، وهو تصديق بعضهم لبعض؛ فلا يُوجد من أصحاب الخوارق العجيبة التي تكون لغير الأنبياء؛ كالسحرة، والكهنة، وأهل الطبائع، والصناعات إلاّ من يخالف بعضهم بعضًا [فيما يدعو] ٨ إليه ويأمر به، ويُعادي بعضهم بعضًا. وكذلك أتباعهم إذا كانوا من أهل الاستقامة؛ فما أتى به الأول من الآيات، فهو دليلٌ على نبوّته،
_________________
(١) ١ في «خ»: الدلالة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٣ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٤ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٥ في «خ»: تصدق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ في «خ»: الجميع. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٧ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٨ في «خ»: في ما يدعوا. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٥١٨ ]
ونبوّة من يُبشّر به١، وما أتى به الثاني فهو دليلٌ على نبوّته ونبوة من يُصدّقه ممّن تقدّم٢؛ فما أتى به موسى، والمسيح، وغيرهما من الآيات، فهي آيات لنبوّة محمدٍ لإخبارهم بنبوّته، فكان هذا الخبر ممّا دلّت آياتهم على صدقه.
وما أتى به محمد من الآيات، فهو دليلٌ على إثبات جنس الأنبياء مطلقًا، وعلى نبوّة كلّ من سُمِّيَ في القرآن، خصوصًا [إذا] ٣ كان هذا ممّا أخبر به محمد ﷺ عن الله، ودلّت آياته على صدقه فيما يخبر به عن الله. وحينئذٍ فإذا قُدِّر أنّ التوراة، أو الإنجيل، أو الزبور معجزٌ لما فيه من العلوم والإخبار عن الغيوب، والأمر والنهي، ونحو ذلك، لم يُنازع في ذلك، بل هذا دليل على نبوّتهم صلوات الله عليهم، وعلى نبوّة من أخبروا بنبوّته.
ومن قال: إنها ليست بمعجزة٤. فإن أراد ليست معجزة من جهة اللفظ والنظم؛ كالقرآن، فهذا ممكن. وهذا يرجع إلى أهل اللغة العبرانية.
هل الكتب السابقة معجزة، أم لا؟
وأما كون التوراة معجزة من حيث المعاني لما فيها من الإخبار عن الغيوب، أو الأمر والنهي. فهذا لا ريب فيه. وممّا يدلّ على أنّ كتب الأنبياء معجزة: أنّ فيها الإخبار بنبوّة محمدصلى الله عليه وسلم قبل أن يُبعث بمدة طويلة. وهذا لا يُمكن علمه بدون إعلام الله لهم. وهذا بخلاف من أخبر
_________________
(١) ١ كما قال المسيح ﵇: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ . [الصف،٦] . ٢ ومن أمثلة ذلك تصديق المسيح ﵇ بموسى ﵇؛ كما حكى الله ذلك عنه بقوله: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ . [آل عمران، ٥٠] . ٣ في «خ»: إذ. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ قد أورد هذه المسألة الباقلاني بصيغة السؤال والجواب. انظر: إعجاز القرآن للباقلاني ص ٧٩. والتمهيد له ص١٨٠. وتفسير القرطبي ١/ ٥٢. وإعلام النبوة للماوردي ص ١١١-١١٢. والشفا للقاضي عياض ١/٣٩٠.
[ ١ / ٥١٩ ]
بنبوّته من الكهّان والهواتف؛ فإنّ هذا إنّما كان عند قرب مبعثه لمّا ظهرت دلائل ذلك، واستَرَقَتْه الجنّ من الملائكة، فتحدثت به، وسمعته الجنّ من أتباع الأنبياء.
فالنبيّ الثاني إذا كان قد أخبر بما هو موجود في كتاب النبيّ الأول، وقد وصل إليه من جهته، لم يكن آية له؛ فإنّ العلماء يشاركونه في هذا.
وأما إذا أخبر بقدرٍ زائدٍ لم يوجد في خبر الأول، أو كان ممّن لم يصل إليه خبر نبيّ غيره، كان ذلك آية له؛ كما يوجد في نبوّة أشعيا، وداود، وغيرهما من صفات النبيّ ما لا يوجد مثله في توراة موسى١.
فهذه الكتب معجزة لما فيها من أخبار الغيب الذي لا يعلمه إلا نبيّ، وكذلك فيها من الأمر والنهي، والوعد والوعيد، ما لا يأتي به إلا نبيّ، أو تابع نبيّ. وما أتى أتباع الأنبياء من جهة كونهم أتباعًا لهم، مثل أمرهم بما أمروا به، ونهيهم عما نهوا عنه، ووعدهم بما وعدوا به، ووعيدهم بما [يُوعدون] ٢ به؛ فإنه من خصائص الأنبياء.
_________________
(١) ١ لفظ التوراة. يُوضّح شيخ الإسلام ﵀ أنّ له معنيين يُراد به جنس الكتب التي يُقرّ بها أهل الكتاب، فيدخل في ذلك الزبور، ونبوّة أشعيا، وسائر النبوات غير الإنجيل. وقد يُراد بها نفس الكتب المتقدمة كلّها. فكلّها تُسمّى توراة. انظر الجواب الصحيح ٥/١٥٧-١٥٨. أما إذا قُيّدت بلفظ توراة موسى. فالمقصود التوراة المكتوبة التي أُنزلت على موسى؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْء..﴾ . [الأعراف، ١٤٥] . يقول شيخ الإسلام ﵀: "والزبور تابعٌ لشرع التوراة، وكذلك الإنجيل فرعٌ على التوراة، لم ينزل كتاب مستقلّ إلا التوراة والقرآن..". الجواب الصحيح ٥/٣٥١. ٢ في «خ»: يوعدوا. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٥٢٠ ]
مدعي النبوة لا يأمر بما تأمر به الأنبياء ولا ينهى عما نهوا عنه
والكذّاب المدّعي للنبوة لا يأمر بجميع ما أمرت به الأنبياء، وينهى عن كلّ ما نهوا عنه؛ فإنّ ذلك يُفسد مقصوده، وهو كاذبٌ، فاجرٌ، شيطانٌ من أعظم شياطين الإنس، والذي يُعينه على ذلك من أعظم [شياطين] ١ الجنّ.
وهؤلاء لا يُتصوّر أن يأمروا بما أمرت به الأنبياء، وينهوا عمّا نهوا عنه؛ لأنّ ذلك يناقض مقصودهم، بل وإن أمروا بالبعض في ابتداء الأمر، [مَنْ] ٢ يخدعونه، ويربطونه، فلا بُدَّ أن يناقضوا، [فيأمروا] ٣ [بما] ٤ نهت عنه الأنبياء، ولا يُوجبوا ما أمرت به الأنبياء؛ كما جرى مثل ذلك لمن ادعى النبوّة من الكذّابين، ولمن أظهر موافقة الأنبياء، وهو في الباطن من المنافقين؛ كالملاحدة الباطنية٥ الذين يُظهرون الإسلام والتشيّع ابتداءً، ثمّ إنّهم يستحلّون الشرك، والفواحش، والظلم، ويُسقطون الصلاة، والصيام، وغير ذلك ممّا جاءت به الشريعة. فمن أظهر خلاف ما أبطن، وكان مطاعًا في النّاس، فلا بُدّ أن يظهر من باطنه ما يُناقض ما أظهره.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ في «خ»: ولمن. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: فيأمرا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٥ قال عنهم شيخ الإسلام ﵀: "لا يعتقدون وجوب الصلوات الخمس، ولا الزكاة، ولا صيام شهر رمضان، ولا حجّ البيت العتيق، ولا تحريم ما حرّم الله ورسوله من الخمر، والميسر، والزنا، وغير ذلك. ويزعمون أنّ هذه النصوص لها تأويل وباطن غير الظاهر المعلوم للمسلمين. فالصلاة عندهم معرفة أسرارهم، والصيام كتمان أسرارهم، والحج زيارة شيوخهم، وأمثال ذلك. وقد يقولون: إنّ هذه الفرائض تسقط عن الخاصّة دون العامّة. وأما النصوص التي في المعاد، وفي أسماء الله وصفاته، وملائكته، فدعواهم فيها أوسع وأكثر". كتاب الصفدية ١/٥.
[ ١ / ٥٢١ ]
فكيف بمن ادّعى النبوّة، وأظهر أنّه صادق على الله، وهو في الباطن كاذب على الله. بل من أظهر خلاف ما أبطن من آحاد الناس، يظهر حاله لمن خبره في مدّة؛ فإنّ الجسد مطيعٌ للقلب، والقلب هو الملك المدبّر له؛ كما قال [النبيّ] ١ ﷺ: "ألا إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت، [صلح] ٢ لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب "٣.
فإذا كان القلب كاذبًا على الله، فاجرًا، كان ذلك أعظم الفساد، فلا بد أن يظهر الفساد على الجوارح، وذلك الفساد يُناقض حال الصادق على الله. وقد [بسط] ٤ هذا في غير هذا الموضع٥.
آيات الأنبياء كثيرة ومتنوعة
[وذلك] ٦ أنّ آيات الأنبياء الدالّة على صدقهم كثيرةٌ متنوعةٌ٧، وأنّ النبيّ الصادق خير الناس، والكاذب على الله شرّ النّاس٨، وبينهما من
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «م»، و«ط» . ٢ في «ط»: صاح. ٣ رواه البخاري في صحيحه١/٢٨-٢٩، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه. ومسلم في صحيحه ٣/١٢١٩-١٢٢٠، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال، وترك الشبهات. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٥ بسط الشيخ ﵀ الكلام على هذا في كتابَيْه الإيمان الكبير، والأوسط، وهما ضمن مجموع الفتاوى، الجزء السابع. وانظر منه على سبيل المثال لا الحصر الصفحات التالية: ٧/٥٠، ٣٦٢-٣٦٥، ٥٥٥. وانظر الجواب الصحيح ٦/٤٨٧. ٦ في «م»: وذكر. وفي «ط»: ذكر. ٧ ذكر شيخ الإسلام ﵀ أنّ معجزات الرسول ﷺ تزيد على ألف معجزة. انظر: الجواب الصحيح ١/٣٩٩. ٨ انظر: الجواب الصحيح ٥/٣٥٦-٣٥٧.
[ ١ / ٥٢٢ ]
الفروق ما لا يُحصيه إلا الله، فكيف يشتبه هذا بهذا. بل لهذا من دلائل صدقه، ولهذا من دلائل كذبه ما لا يمكن إحصاؤه. وكلّ من خصّ دليل الصدق بشيء معين فقط، غلط. بل آيات الأنبياء هي من آيات الله الدالّة على أمره ونهيه، ووعده ووعيده.
وآيات الله كثيرة متنوعة؛ كآيات وجوده، ووحدانيته، وعلمه، وقدرته، وحكمته، ورحمته ﷾. والقرآن مملوءٌ من تفصيل آياته، وتصريفها، وضرب الأمثال في ذلك، وهو يسميها آيات وبراهين١. وقد ذكرنا الفرق بين الآيات، والمقاييس الكلية التي لا تدلّ [إلا] ٢ على أمرٍ كليّ في غير هذا الموضع٣.
ما يأتي به السحرة والكهان فهو من مقدور الإنس والجن
الوجه الثاني عشر: إنّ ما يأتي به الساحر، والكاهن، وأهل الطبائع، والصناعات، والحيل، وكل من ليس من أتباع الأنبياء، لا يكون إلا من مقدور الإنس والجن؛ فما يقدر عليه الإنس من ذلك هو وأنواعه، والحيل فيه كثير. وما يقدر عليه الجن هو من جنس مقدور الإنس، وإنّما يختلفون في الطريق؛ فإن الساحر قد يقدر على أن يقتل إنسانًا بالسّحر، أو يمرضه، أو يُفسد عقله، أو حسّه، وحركته، وكلامه؛ بحيث لا يُجامع، أو لا يمشي، أو لا يتكلم ونحو ذلك. وهذا كلّه ممّا يقدر الإنس على مثله، لكن بطرق أخرى. والجنّ يطيرون في الهواء، وعلى الماء، ويحملون الأجسام
_________________
(١) ١ انظر: الجواب الصحيح ٥/٤١٢-٤١٧. وقاعدة في المعجزات والكرامات. ٢ في «ط»: إلاى. ٣ انظر: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ٥/١٣٩-١٤١، ٤٧٧-٤٨٣. ومجموع الفتاوى ١/٤٧-٥٠.
[ ١ / ٥٢٣ ]
الثقيلة؛ كما قال العفريت١ لسليمان: ﴿أَنَا آتِيْكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ ٢.
جنس مقدور الجن
وهذا الجنس يكون لمن هو دون الإنس والجنّ من الحيوان؛ كالطيور، والحيتان. والإنس يقدر على جنسه، ولهذا لم يكن هذا الجنس آية لنبيّ لوجوده لغير الأنبياء. فكثيرٌ من الناس تحمله الجنّ، بل شياطين الجنّ، وتطير به في الهواء، وتذهب به إلى مكان بعيد؛ كما كان العفريت يحمل عرش بلقيس من اليمن، إلى مكان بعيد.
خوارق أولياء الشيطان
ونحن نعرف من هؤلاء عددًا كثيرًا، وليسوا صالحين، بل فيهم كفّارٌ، ومنافقون، وفُسّاق، وجُهّال، لا يعرفون الشريعة٣، والشياطين تحملهم، وتطير بهم من مكان إلى مكان، وتحملهم إلى عرفات؛ فيشهدون عرفات من غير إحرام، ولا تلبية، ولا طواف بالبيت. وهذا الفعل حرام. والجُهّال يحسبون أنّه من كرامات الصالحين، فتفعله الجن بمن يحب ذلك مكرًا به، وخديعةً، أو خدمةً لمن يستخدمهم من هؤلاء الجهّال بالشريعة، وإن كان له زهد وعبادة. وكذلك الجنّ كثيرًا ما يأتون الناس بما يأخذونه من أموال الناس؛ من طعام، وشراب، ونفقة، وماء، وغير ذلك؛ وهو من جنس ما يسرقه الإنسي ويأتي به إلى الإنسي، لكنّ الجنّ تأتي بالطعام والشراب في مكان العدم.
_________________
(١) ١ العفريت من الجنّ: القوي المارد. انظر: تفسير القرطبي ١٣/١٣٥. ٢ سورة النمل، الآية ٣٩. ٣ ذكر شيخ الإسلام ﵀ بعض القصص والوقائع عن أحوال مدّعي الولاية. انظر: الجواب الصحيح ٢/٣١٨-٣٢٧، ٣٣١-٣٣٢، ٣٣٨-٣٤٣،، ٣/٣٤٧-٣٥١. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٦٨، ١٦٩، ١٧٥، ٣٢٦-٣٣١، ٣٣٨، ٣٤١، ٣٥١-٣٥٦، ٣٦٥-٣٦٩. وجامع الرسائل ١/١٩٢-١٩٦. ومجموع الفتاوى ١٧/٤٥٦-٤٦٠.
[ ١ / ٥٢٤ ]
آيات الأنبياء لا يقدر على مثلها الجن والإنس
ولهذا لم يكن مثل هذا آية لنبيّ، وإنما كان النبي ﷺ يضع يده في الماء، فينبع الماء من بين أصابعه١. وهذا لا يقدر عليه؛ لا إنس، ولا جنّ. وكذلك الطعام القليل يصير كثيرًا٢، وهذا لا يقدر عليه؛ لا الجنّ، ولا الإنس. ولم يأت [النبيّ] ٣ [ﷺ] ٤ قطّ بطعامٍ من الغيب، ولا شرابٍ٥، وإنما كان هذا قد يحصل لبعض أصحابه؛ كما أتى خبيب بن عدي٦ وهو أسير بمكة بقطف من عنب٧. وهذا الجنس ليس من خصائص الأنبياء. ومريم ﵍ لم تكن نبيّة، وكانت تؤتى [بطعام٨. فإنّ هذا قد يكون
_________________
(١) ١ سبقت الإشارة إلى ذلك ص ١٦٥. ٢ سبقت الإشارة إلى ذلك ص ١٦٥، ٦٠١-٦٠٣. ٣ ما بين المعقوفتين كتب في «خ» مرتين. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٥ ولشيخ الإسلام ﵀ زيادة إيضاح لهذا الموضوع. انظر: الجواب الصحيح ٦/٤٠٣-٤٠٤. ٦ خبيب بن عدي بن مالك بن عامر الأوسيّ الأنصاري. شهد بدرًا، واستشهد في عهد النبيّ ﷺ حين أخذه المشركون أسيرًا في مكة، فقتله بنو الحارث. وكان خبيب قد قتل الحارث بن عامر في بدر. وقصة أسره وقتله في الصحيحين عن أبي هريرة. وفيه أنه عند مقتله صلى ركعتين. انظر: صحيح البخاري ٤ /١٤٩٩، كتاب المغازي، باب غزوة الرجيع. ومسند الإمام أحمد ٢/٣١٠، ٤/١٣٩، ٥/٢٨٧. وقال أبياتًا، منها: ولست أُبالي حين أُقتل مسلمًا على أيّ جنبٍ كان في الله مصرعي انظر: أسد الغابة لابن الأثير ٢/١٠٣. والإصابة لابن حجر ٢/٢٦٢. ٧ انظر: صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب هل يستأسر الرجل. رقم الحديث ٢٨٨٠. ٨ قال تعالى يحكي عن مريم ﵍: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ . [سورة آل عمران، الآية ٣٧] .
[ ١ / ٥٢٥ ]
من حلالٍ، فيكون كرامة؛ يأتي] ١ به إمّا مَلَك، وإمّا جنّي مسلم. وقد يكون حرامًا. فليس كلّ ما كان من آيات الأنبياء يكون كرامةً للصالحين.
ليس كل ما كان من آيات الأنبياء يكون كرامة للصالحين
وهؤلاء٢ يُسوّون بين هذا وهذا، ويقولون: الفرق هو دعوى النبوة والتحدي بالمثل٣. وهذا غلط فإن آيات الأنبياء [﵈] ٤ التي دلّت على نبوّتهم، هي أعلى ممّا يشتركون فيه، هم وأتباعهم؛ مثل الإتيان بالقرآن؛ ومثل الإخبار بأحوال الأنبياء المتقدمين، وأممهم، والإخبار بما يكون يوم القيامة، وأشراط الساعة؛ ومثل إخراج الناقة من الأرض٥؛ ومثل قلب العصا حية٦، وشقّ البحر٧؛ ومثل أن [يخلق] ٨ من الطين
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ أي الأشاعرة. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٧، ٤٨. والإرشاد للجويني ص ٣١٢، ٣٢٤. ٤ زيادة من «ط» . ٥ قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . [سورة الأعراف، الآية ٧٣] . وانظر تفسير ابن كثير ٢/٢١٨؛ حيث تكلّم عن معجزة صالح ﵇؛ وهي إخراج هذه الناقة من صخرة ملساء صمّاء، انفلقت، وخرجت منها ناقة عشراء. ٦ وهذه من معجزات موسى ﵇. قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ . [سورة طه، الآيات ١٧-٢٠] . ٧ وهذه من معجزات موسى ﵇. قال تعالى يمتنّ على قوم موسى ﵇: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ . [سورة البقرة، الآية ٥٠] . ٨ في «خ»: خلق. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٥٢٦ ]
كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله١. وتسخير الجنّ لسليمان٢ لم يكن مثله لغيره.
لكن من الجن المؤمنين من يعاون المؤمنين، ومن الجن الفساق، والكفار من يعاون الفساق؛ كما يُعاون الإنس بعضهم بعضًا٣. فأمّا طاعة مثل طاعة سليمان، فهذا لم يكن لغير سليمان [﵇] ٤.
رسولنا ﷺ أعطي أفضل مما أعطي سليمان ﷺ
ومحمد ﷺ أُعطي أفضل ممّا أُعطي سليمان [﵇] ٥؛ فإنّه أُرسل إلى الجنّ، وأُمروا أن يؤمنوا به، ويطيعوه٦؛ فهو يدعوهم إلى عبادة الله، وطاعته، لا يأمرهم بخدمته، وقضاء حوائجه؛ كما كان سليمان يأمرهم، ولا يقهرهم باليد؛ كما كان سليمان يقهرهم، بل [يفعل] ٧ فيهم كما [يفعل] ٨ في الإنس، فيجاهدهم الجن والمؤمنون، ويقيمون الحدود على منافقيهم، فيتصرف فيهم تصرّف العبد الرسول، لا تصرّف النبي
_________________
(١) ١ وهذه من معجزات عيسى ﵇. قال الله تعالى حاكيًا عن المسيح ﵇: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . [سورة آل عمران، الآية ٤٩] . ٢ قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ إلى قوله ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ . [سورة الأنبياء، الآيتان ٨١-٨٢] . ٣ وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ أحوال الجنّ مع الإنس. انظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٣٦٤) . ٤ زيادة من «ط» . ٥ زيادة من «ط» . ٦ قال تعالى حكاية عن الجنّ: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . [سورة الأحقاف: ٣١-٣٢] . ٧ في «خ»: يفعله. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٨ في «خ»: يفعله. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٥٢٧ ]
الملِك١؛ كما كان سليمان يتصرف فيهم.
أنواع استخدام الجن.
والصالحون من أمته، المتّبعون له يتّبعونه فيما كان يأمر به الإنس والجنّ. وآخرون دون هؤلاء قد يستخدمون بعض الجنّ في مباحات؛ كما قد يستخدمون بعض الإنس. وقد يكون ذلك مما ينقص دينهم، لا سيما إن كان بسببٍ غير مباح. وآخرون شرّ من هؤلاء يستخدمون الجنّ في أمور محرمة؛ من الظلم، والفواحش، فيقتلون نفوسًا بغير حق، ويُعينونهم على ما يطلبونه من الفاحشة، كما يُحضرون لهم امرأة أو صبيًا، أو يجذبونه إليه. وآخرون يستخدمونهم في الكفر. فهذه الأمور ليست من كرامات الصالحين٢.
سبب كرامات الأولياء..
فإنّ كرامات الصالحين هو ما كان سببه الإيمان، والتقوى، لا ما كان سببه الكفر، والفسوق، والعصيان.
وأيضًا فالصالحون سابقوهم، لا يستخدمونهم إلا في طاعة الله ورسوله. ومن هو دون هؤلاء لا يستخدمهم إلا في مباح. وأمّا استخدامهم في المحرمات فهو حرام، وإن كانوا إنّما خدموه لطاعته لله؛ كما لو خدم الإنس رجلًا صالحًا لطاعته لله، ثم استخدمهم فيما لا يجوز. فهذا بمنزلة من أنعم عليه بطاعته نعمة، [فصرفها] ٣ إلى معصية الله، فهو آثمٌ بذلك.
_________________
(١) ١ وانظر كلام شيخ الإسلام ﵀ في: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٠٤-١٠٥، في أنّ العبد الرسول أفضل من النبي الملك. وانظر ما سبق في هذا الكتاب ص ١٦١. ٢ وقد أفاض شيخ الإسلام ﵀ في كتبه في الكلام حول هذا الموضوع، وبيَّن أن كثيرًا من الناس يعتقد الولاية في هؤلاء، ويعتقد في خوارقهم أنها كرامات، مع أنهم من أولياء الشيطان. انظر: مجموع الفتاوى ١/٨٢-٨٥، ١٦٨-١٧٨،، ١٧/٤٥٦-٤٦٠. والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ٨٣، ١٢٤، ١٦٨-١٦٩، ٢٢٦، ٣٢١-٣٦٩. والجواب الصحيح ٢/٣١٥-٣٢٥،، ٣/٣٤٧-٣٤٩. ٣ في «خ»: صرفها. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٥٢٨ ]
وكثيرٌ من هؤلاء يسلب تلك النعمة، ثم قد يسلب الطاعة؛ فيصير فاسقًا. ومنهم من يرتدّ عن دين الإسلام.
فطاعة الجنّ للإنسان ليست أعظم من طاعة الإنس، بل الإنس أجلّ، وأعظم، وأفضل، وطاعتهم أنفع.
وإذا كان المطاع من الإنس قد يطاع في طاعة الله، فيكون محمودًا مثابًا، وقد يُطاع في معصية الله، فيكون مذمومًا آثمًا١. فكذلك المطاع من الجنّ الذي يُطيعه الناس.
والمطاع من الإنس قد يكون مطاعًا لصلاحه، ودينه. وقد يكون مطاعًا لملكه، وقوته. وقد يكون مطاعًا [لنفعه] ٢ لمن يخدمه بالمعاوضة. فكذلك المطاع من الجن؛ قد يُطاع لصلاحه ودينه، وقد يُطاع لقوّة وملكٍ محمودٍ أو مذمومٍ. ثمّ المَلِك إذا سار بالعدل حُمِد، وإن سار بالظلم، فعاقبته مذمومة، وقد يهلكه أعوانه؛ فكذلك المطاع من الجن، إذا ظلمهم، أو ظلم الإنس بهم، أو بغيرهم، كانت عاقبته مذمومة. وقد [تقتله] ٣ الجنّ، أو تُسلّط عليه من الإنس من يقتله. وكلّ هذا واقعٌ نعرف من ذلك من الوقائع ما يطول وصفه، كما [نعرف] ٤ من ذلك من وقائع الإنس ما يطول وصفه٥. وليس آيات الأنبياء في شيءٍ من هذا الجنس.
_________________
(١) ١ سوف يفصل الشيخ ﵀ في أقسام طاعة الجن للإنس في ص ١٢٢٨ من هذا الكتاب. ٢ في «خ»: بنفعه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: يقتله. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: يعرف. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ تقدمت الإشارة إلى بعض كتب شيخ الإسلام ﵀ التي أشار فيها إلى بعض هذه الوقائع. انظر: ص ٦٣٢ من هذا الكتاب. وسيأتي مزيد بيان لهذا الموضوع في آخر الكتاب ص ١٢٢٢-١٢٢٤، ١٢٤٢، ١٢٩٠-١٢٩٢.
[ ١ / ٥٢٩ ]
سبب الإسراء والمقصد منه
ونبيّنا ﷺ لمّا أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، إنما أُسري به ليرى من آيات ربه الكبرى. وهذا هو الذي كان من خصائصه: أنّ مسراه كان هذا؛ كما قال تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّة المَأْوَى﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ٢؛ قال ابن عباس: هي رؤيا عين٣ أُريها رسول الله
_________________
(١) ١ سورة النجم، الآيات ١١-١٥. ٢ سورة الإسراء، الآية ٦٠. ٣ قال شيخ الإسلام ﵀: "وفي الصحيحين عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ قال: هي رؤيا عين، أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به، وهذه رؤيا الآيات لأنه أخبر النسا بما رآه بعينه ليلة المعراج، فكان ذلك فتنة لهم حيث صدقه قوم وكذبه قوم، ولم يخبرهم بأنه رآى ربه بعينه في شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك، ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه) . الفتاوى ٦/٥١٠. وأما مسألة رؤية الله جل وعلا فقال القاضي عياض ﵀: "وأما وجوبه لنبينا ﷺ والقول بأنه رآه بعينه، فليس فيه قاطع أيضًا، ولا نصّ؛ إذ المعوّل فيه على آيتي (النجم)، والتنازع فيهما مأثور، والاحتمال لهما ممكن، ولا أثر قاطع متواتر عن النبيّ ﷺ بذلك". الشفاء للقاضي عياض ١/٢٦٥. ولشيخ الإسلام ﵀ جمع بين الأقوال في رؤية الرسول ﷺ لربه: قال ﵀: "وأما الرؤية: فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنّه قال: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين" وعائشة أنكرت الرؤية. فمن الناس من جمع بينهما، فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد. والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هي مطلقة، ومقيدة بالفؤاد؛ تارة يقول: رأى محمد ربّه. وتارة يقول: رآه محمد. ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه. وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول رآه بفؤاده. ولم يقل أحدٌ إنه سمع أحمد يقول رآه بعينه. لكنّ طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق، ففهموا منه رؤية العين؛ كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس، ففهم منه رؤية العين. وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدلّ على ذلك. بل النصوص الصحيحة على نفيه أدلّ؛ كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ: هل رأيتَ ربَّك؟ فقال: "نور أنى أراه ". مجموع الفتاوى ٦/٥٠٩-٥١٠. وانظر أيضًا: زاد المعاد ٣/٣٧. وشرح الطحاوية ١/٣٢٣.
[ ١ / ٥٣٠ ]
ﷺ ليلة أُسري به١. فهذا الذي كان من خصائصه، ومن أعلام نبوّته.
وأمّا مجرّد قطع تلك المسافة، فهذا يكون لمن [يحمله] ٢ الجنّ. وقد قال العفريت لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ ٣. وحمل [العرش من] ٤ القصر من اليمن إلى الشام أبلغ من ذلك٥. و﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ ٦؛ فهذا أبلغ من قطع المسافة التي بين المسجدين في ليلة.
ومحمد ﷺ أفضل من الذي عنده علمٌ من الكتاب، ومن سليمان؛ فكان الذي خصّه الله به أفضل من ذلك؛ وهو أنه أسرى به في ليلةٍ ليُرِيَه من آياته؛ فالخاصّة أن الإسراء كان ليريه من آياته الكبرى؛ كما ﴿رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّة المَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ ٧
_________________
(١) ١ رواه البخاري في صحيحه ٤/١٧٤٨، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ . ٢ في «م»، و«ط»: تحمله. ٣ سورة النمل، الآية ٣٩. ٤ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٥ تفسير ابن كثير ٣/٣٦٤. ٦ سورة النمل، الآية ٤٠. ٧ سورة النجم، الآيات ١٣-١٧.
[ ١ / ٥٣١ ]
فهذا ما حصل مثله؛ لا لسليمان، ولا لغيره. والجنّ وإن قدروا على حمل بعض الناس في الهواء، فلا يقدرون على إصعاده إلى السماء، و[إراءته] ١ آيات ربه الكبرى؛ فكان ما آتاه الله [محمدًا] ٢ خارجًا عن قدرة الجنّ والإنس، وإنّما كان الذي صحبه في معراجه جبريل الذي اصطفاه الله لرسالته، و﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النّاسِ﴾ ٣.
وكان المقصود من الإسراء أن يريه ما رآه من آياته الكبرى، ثم يخبر به النّاس، فلمّا أخبر به كذَّب به من كذّب من المشركين، وصدّق به الصدّيقُ وأمثاله٤ من المؤمنين، فكان ذلك ابتلاءً ومحنةً للنّاس؛ كما قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ٥؛ أي محنة وابتلاء للناس؛ ليتميّز المؤمن عن الكافر، وكان فيما أخبرهم به أنّه رأى الجنَّة والنَّار، وهذا ممّا يُخوّفهم به؛ قال تعالى: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًَا كَبِيرًَا﴾ ٦.
والرسول لما أخبرهم بما رآه كذّبوه في نفس الإسراء، وأنكروا أن يكون أُسري به إلى المسجد الأقصى، فلما سألوه عن صفته، فوصفه لهم، وقد
علموا أنّه لم يره قبل ذلك، وصدّقه من رآه منهم، كان ذلك دليلًا
_________________
(١) ١ في «خ» رسمت: اراه. ولعلها إراءه، والله أعلم. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «خ»: محمد. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ سورة الحج، الآية ٧٥. ٤ انظر: صحيح البخاري ٤/١٧٤٣-١٧٤٤، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ . وصحيح مسلم ١/١٥٦، كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح بن مريم والمسيح الدجّال. ومسند الإمام أحمد ١/٣٠٩. ٥ سورة الإسراء، الآية ٦٠. ٦ سورة الإسراء، الآية ٦٠.
[ ١ / ٥٣٢ ]
على صدقه في المسرى، فلم يُمكنهم مع ذلك تكذيبه فيما لم يروه، وأخبر الله تعالى بالمسرى إلى المسجد الأقصى؛ لأنهم قد علموا صدقه في ذلك، بما أخبرهم به من علاماته، فلا يمكنهم تكذيبه في ذلك.
وذكر أنّه رأى من آيات ربه الكبرى، ولم يُعيّن [ما] ١ رآه؛ [وهو] ٢ جبريل الذي رآه في صورته التي خُلِق عليها مرتين٣؛ لأنّ رؤية جبريل هي من تمام نبوته، وممّا يُبيّن أنّ الذي أتاه بالقرآن مَلَكٌ، لا شيطان؛
كما قال في سورة: "إذا الشمس كورت": ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين﴾، [ثم قال] ٤: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُون وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِين وَمَا هُوَ عَلَى الغَيْبِ [بِضَنِين] ٥ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ في «خ»: مما. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٣ انظر: صحيح البخاري ٤/١٨٤٠-١٨٤١، كتاب التفسير، باب في تفسير سورة "النجم". وصحيح مسلم ١/١٥٨-١٥٩، كتاب الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى. وفي باب معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ . ٤ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٥ في «خ» رسمت: بطنين. ٦ سورة التكوير، الآيات ١٩-٢٧.
[ ١ / ٥٣٣ ]
فصل قول الأشاعرة في المعجزات
وممّا يُبيِّن ضعف طريقة هؤلاء١ أنّهم قالوا: المعجزات لا تدلّ بجنسها على النبوّة، بل يُوجِد مثل المعجز من كلّ وجه، ولا يدلّ على النبوّة؛ كأشراط الساعة؛ وكما يوجد للسحرة، والكهّان، والصالحين من الخوارق التي تماثل آيات الأنبياء فيما زعمه هؤلاء. قالوا: لكنّ الفرق أنّ هذا يدّعي النبوّة، ويحتجّ بها، ويتحدّاهم بالمثل، فلا يقدر أحدٌ على معارضته. وأولئك لو ادّعوا النبوّة، لمنعهم الله منها، وإن كانوا قبل ذلك غير ممنوعين منها، أو لقيّض [لهم] ٢ من يعارضهم. ولو عارضوا بها نبيًّا لمنعهم الله إياها، ليسلم دليل النبوة. قالوا: والمعجز إنّما يدلّ دلالةً وضعيّةً بالجعل، والقصد؛ كدلالة الألفاظ، [والعقود] ٣، والخط، والعلامات التي يجعلها الناس بينهم٤.
_________________
(١) ١ أي الأشاعرة. انظر: البيان للباقلاني ص ٤٧-٤٩. والإرشاد للجويني ص ٣١٩، ٣٢٨. ٢ في «خ»: له. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «م»، و«ط»: العقد. ٤ ممن ذكر ذلك من الأشاعرة: القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه البيان ص ٤٧، ٤٨، ٧٢-٧٣، ٩٤، ٩٥، ٩٦، ١٠٥. والجويني في الإرشاد ص ٣١٩، ٣٢٠، ٣٢٤، ٣٢٥، ٣٢٨. والبغدادي في أصول الدين ص ١٧١. والإيجي في المواقف ص ٣٤٢. والتفتازاني في شرح المقاصد ٥ ١٣، ١٨.
[ ١ / ٥٣٤ ]
تعليق ابن تيمية على قولهم
فيقال لهم: هذه الأمور كلّها إنّما تدلّ إذا تقدم علم المدلول بها أنّ الدالّ جعلها علامةً؛ كما يوكل الرجل وكيلًا، ويجعل بينه وبينه علامة؛ إما وضع يده على ترقوته١، وإما وضع خنصره٢، وإما وضع يده على رأسه. فمن جاء بهذه العلامة، علم أنّ موكّله أرسله.
[فأمّا إذا] ٣ لم يتقدّم ذلك، لم تكن دلالة [جعليّة] ٤ وضعية اصطلاحية.
وآيات الأنبياء لم [يتقدّم] ٥ قبلها من الرب مواضعة بينه وبين العباد. قالوا: هي تشبه ما إذا قال الرجل لموكله، والرسول لمرسله: إنّك أرسلتني إلى هؤلاء القوم، فإن كنت أرسلتني، فقم، واقعد ليعلموا أنّك أرسلتني. فإذا قام وقعد عقب طلب الرسول، علم الحاضرون أنّه قام وقعد ليُعلمهم أنّه رسوله٦. وإن كان بدون طلبه قد يقوم ويقعد لأمور أخرى.
فيقال لهم: هنا لمّا علم الحاضرون انتفاء [داع] ٧ يدعوه، إلاَّ قصد التصديق، علموا أنّه قصد تصديقه. ولهذا: لو جوّزوا قيامه لحاجة عرضت، أو لحيّة، أو عقرب، وقعت في ثيابه، أو لغير ذلك، لم يجعلوا ذلك دليلًا.
_________________
(١) ١ الترقوة على تقدير فعلوة. وهو: وصل عظم بين ثغرة النحر والعاتق في الجانبين. والترقوتان: العظمان المشرفان بين ثغرة النحر والعاتق، تكون للناس وغيرهم. انظر: تهذيب اللغة للأزهري ٩ ٥٤. ولسان العرب لابن منظور ١٠ ٣٢. ٢ الخنصر: صغرى الأصابع. انظر: تهذيب اللغة ٧ ٦٦٠. ولسان العرب ٤ ٢٦١. ٣ في «خ»: فأما اما إذا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «ط»: جملية. ٥ في «م»، و«ط»: تتقدم. ٦ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣٢٥. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٨. والمواقف للإيجي ص ٣٤١. وشرح المقاصد للتفتازاني ٥ ١٤. ٧ في «خ»: داعي. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٥٣٥ ]
السبر والتقسيم يعلم به الدليل
و[السبر] ١ والتقسيم٢ مما يعلم به الدليل، وإن لم يقصده الدليل؛ حتى إنّ الرجل المشهور إذا خرج في غير وقت خروجه المعتاد، فقد يعرف كثيرٌ من الناس لأي شيء خرج؛ لعلمهم بانتفاء غيره، وأن خروجه له مناسب، وإنْ لم يكن هنا أحدٌ طلب الاستدلال؛ فخروج الإنسان عن عادته قد [يكون لأسباب] ٣؛ فإذا اقترن بسببٍ صالح، وعلم انتفاء غيره، عُلم أنّه لذاك السبب. وهذا إنّما يكون ممن يفعل [لداعٍ] ٤ يدعوه. والربّ تعالى عندهم٥ لا يفعل لداعٍ يدعوه، فلزمهم؛ إمّا إبطال أصلهم٦، وإمّا إبطال هذه الدلالة٧.
_________________
(١) ١ في «ط»: السير بالياء. ٢ قال صاحب التعريفات: "السبر والتقسيم كلاهما واحد. وهو إيراد أوصاف الأصل؛ أي المقيس عليه، وإبطال بعضها، ليتعيّن الباقي للعليّة؛ كما يُقال: علّة الحدوث في البيت؛ إما التأليف، أو الإمكان. والثاني باطل بالتخلّف؛ لأنّ صفات الواجب ممكنة بالذات، وليست حادثة، فتعيّن الأول؛ وهو حصر الأوصاف في الأصل، وإلغاء البعض لتعين الباقي للعلة؛ كما يُقال: علّة حرمة الخمر؛ إما الإسكار، أو كونه ماء العنب. والمجموع غير الماء وغير الإسكار لا يكون علة بالطريق الذي يُفيد إبطال علة الوصف؛ فيتعيّن الإسكار للعلّة". التعريفات للجرجاني ص ١٥٥. ٣ في «خ»: تكون الأسباب. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: داعي. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ أي عند الأشاعرة. ٦ المراد: أصل الأشاعرة: الله لا يفعل شيئًا لأجل شيء. فهم يستندون إلى هذا الأصل في نفي حكمة الله، وتعليل أفعاله جلّ وعلا؛ فيجوّزون عليه سبحانه كلّ فعل. ٧ وهي المثال الذي ضُرب عن الملك الذي أظهر ما يُناقض عادته، لتصديق رسوله، فيجعلونه دليلًا على تصديق الرسول. وقد مرّ هذا الموضوع فيما سبق، وعلّقتُ عليه. انظر ص ٥٨١-٥٨٣. ولشيخ الإسلام ﵀ شرح لهذا الموضوع في كتابه العظيم «الجواب الصحيح» ٦ ٣٩٣-٤٠٨.
[ ١ / ٥٣٦ ]
وأيضًا: فيُقال لهم: بل الدليل دلّ لجنسه؛ وهو هذا الفعل الذي لم يفعل إلا لهذا الطلب. ومتى وجد هذا كان جنسه دليلًا. وليست الدعوى جزءًا من الدليل، بل طلب الإعلام بهذا الفعل مع الفعل، هو الدليل. ولهذا لو قال: فافعل ما يدلّ على صدقي، وقام، وقعد، لم يدلّ على صدقه، بخلاف ما إذا قال: فقم واقعد.
ولو قال: فأظهر ما يدلّ على صدقي، فلا بد أن يُظهر ما يدلّ جنسه أنّه دليلٌ؛ كقولٍ، أو خطٍّ، أو غير ذلك، أو خلعة تختصّ بمثل ذلك. ففرقٌ بين أن يطلب فعلًا معينًا، أو دليلًا مطلقًا. وهو إذا طلب فعلًا معينًا؛ كقيامٍ، أو وضع يدٍ على الرأس، أو صلاة ركعتين، أو غير ذلك من الأفعال، دلّ على صدقه، وإن كان ذلك معتادا له أن يفعله، فليس من شرط دلالته أن يخرج عن عادته، لكن شرط دلالته أن يعلم أنه فعله لأجل الإعلام؛ بحيث لا يكون هناك سبب داعٍ غير الإعلام. وحينئذٍ فهو دالّ لجنسه.
وكذلك يُقال: الربّ إذا خرق العادة لمدّعي الرسالة عقب مطالبته بآية، عُلِم أنّ الله لم يخلق تلك [الأدلة] ١ على صدقه. فهذا يدلّ، [وهذا] ٢ [إنّما يتم] ٣ مع كون الرب يفعل شيئًا لأجل شيءٍ آخر. وحينئذٍ فقد يكون من شرط الدليل: مطالبة الطالب بدليلٍ، لا أنّ نفس الدعوى هي جزء الدليل. وفرقٌ بين طلبه من الرب آية، [أو] ٤ طلبهم منه آية، وبين الدعوى؛ فإظهار ما يظهره الربّ عقب طلبهم، أو طلبه، قد يُقال فيه: إنّ
_________________
(١) ١ في «خ»: الادالة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «خ»: فهذا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: و. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٥٣٧ ]
الطلب جزء الدليل، وإنّه لو أظهره بدون الطلب، لم يدلّ. وأمّا نفس دعوى النبوّة، فليست جزءًا. وعلى هذا: فإذا قُدِّر أنّه يفعل ذلك عند [طلبه، أو] ١ طلب غيره آية، [دلّ] ٢ على [صدقه] ٣. لكنّ هذا يكون إذا علم أنّه لم يفعله إلاَّ لإعلام أولئك بصدقه. وهذا لا يكون إلاَّ بأن يتميّز جنس ما دلّ به عن غيره. ولا يجوز أن يدلّ مع وجود مثله من غير دلالة، بل متى قُدِّر وجود مثله من غير دلالة، بطل كونه دليلًا. ولو كانت الدعوى [جزءًا من الدليل] ٤، لكانت المعارضة لا تكون إلاَّ مع دعوى النبوة؛ فلو أتوا بمثل القرآن، من غير دعوى النبوة، لم يكونوا عارضوه.
الأشاعرة يقسمون الأدلة قسمين:
وهذا خلاف ما في القرآن، وخلاف ما أجمع المسلمون، بل العقلاء، والله أعلم.
وهم يسمون ما يكون بقصد الدالّ؛ كالكلام دليلًا وضعيًا. فالأقوال والأفعال التي يقصد بها الدلالة؛ كالعقد، وما يجعله الرجل علامةً، ونحو ذلك، يسمونه دليلًا وضعيًا، ويسمون ما يدلّ مطلقًا دليلًا عقليًا٥.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: صدقهم. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: جزء الدليل. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ الأشاعرة يجعلون دلالة المعجزة على صدق النبيّ دلالة عادية وضعية، ولا يجعلونها دلالة عقلية؛ لأنّ الدلالة العقلية لا تتخلّف، فإذا وُجدت المعجزة التي هي الدليل، لا بُدّ أن يوجد الرسول الذي هو المدلول. أما الدلالة العادية، أو الوضعية، فيجوز عقلًا تخلف المدلول عن الدليل؛ أي الرسول عن معجزته. انظر: الإرشاد للجويني ص ٣٢٤. والعقيدة النظامية له ص ٦٨. ونهاية الإقدام للشهرستاني ص ٤٣٨ والمستصفى للغزالي ١ ٦. وشرح المواقف للجرجاني ٣ ١٨١-١٨٢. وشرح العقائد النسفية للتفتازاني ص ١٦٦. وشرح المقاصد له ٢ ١٣٢.
[ ١ / ٥٣٨ ]
جميع الأدلة عقلية والرد على تقسيم الأشاعرة
والأجود أن يُقال: جميع الأدلة عقلية؛ بمعنى أنّ العقل إذا تصوّرها، علم أنّها تدلّ؛ فإنّ الدليل هو ما يكون النظر الصحيح فيه مفضيًا إلى العلم بالمدلول عليه، وإنّما يكون النظر الصحيح، لمن يعقل دلالة الدليل. فمن لم يعقل كون الدليل مستلزمًا للمدلول، لم يستدلّ به.
معنى الدليل
ومن عقل ذلك، استدلّ به؛ فهو يدلّ بصفةٍ هو في نفسه عليها، لا بصفة هي في المستدلّ. لكن [كونه] ١ عقليًا يرجع إلى أنّ المستدل عَلِمَهُ بعقله. وهذا صفةٌ في المستدلّ لا فيه.
الدليل يدل بمجرده وقد يدل بقصد الدال على دلالته
[و] ٢ الأجود أن يقال: الدليل قد يدل بمجرده، وقد يدل بقصد الدالّ على دلالته. فالأول لا يحتاج إلى قصد الدلالة؛ كما [يقول] ٣ النحاة: إنّ الأصوات تدلّ بالطبع، وتدلّ بالوضع. فالذي يدلّ بالطبع؛ كالنحنحة، والسعال، والبكاء، ونحو ذلك من الأصوات. وهذا ليس كلامًا. وحينئذٍ فما يدلّ بقصد الدالّ، أحق بالدلالة، ودلالته أكمل. ولهذا كانت [دلالة] ٤ الكلام على مقصود المتكلم، وهي دلالة سمعية، أكمل من جميع أنواع الأدلة على مراده؛ وهو البيان الذي علمه الله الإنسان، وامتّن بذلك على عباده؛ فمنها ما يدلّ بمجرده، ومنها ما يدلّ بقصد الدالّ. فإذا انضمّ إليه ما يعرف أنّه قصد الدلالة، دلّ؛ فالدليل هنا في الحقيقة: قَصْدُ الدالّ للدلالةِ؛
_________________
(١) ١ في «خ»: فكونه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «م»، و«ط»: أو. ٣ في «م»، و«ط»: تقول. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» .
[ ١ / ٥٣٩ ]
وهي دلالة [لا] ١ تنتقض إذا لم يجوز عليه الكذب، وإنّما الذي دلّ به على قصده، هو دلّ بجعله دليلًا، لم يدلّ بمجرّده؛ فهو دليل بالاختيار، لا بمجرده. فالأقوال، والأفعال التي يُقصد بها الدلالة تدلّ باختيار الدالّ بها، لا بمجرّدها، ودلالتها تُعلم بالعقل، وقد يفتقر من العقل إلى أكثر مما يفتقر إليه العقليّ المجّرد؛ لأنّها تحتاج إلى أن يُعلم قصد الدالّ. ولكنّ ما يحصل بها من الدلالة أوضح وأكثر؛ كالكلام. وعلى هذا فإذا أريد تقسيمها إلى عقلي ووضعيّ؛ [أي] ٢ إلى عقليّ مجرّد، وإلى وضعيّ، يحتاج مع العقل إلى قصد من الدالّ؛ فهو تقسيم صحيح. فدالّ يُعلم بمجرد العقل، وهذا لا يحتاج مع العقل إلى السمع، أو غيره.
وحينئذٍ: فإذا قيل في السمعيات: إنّها ليست عقلية؛ أي لا [يكفي] ٣ فيها مجرّد العقل، [بل لا بُدّ] ٤ من انضمام السمع إليه. [وعلى هذا قوله: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ ٥] ٦.
وكذلك ذكر الرازي وغيره أنّ السمع المحض لا يدلّ، [بل لابُدّ] ٧ من العقل.٣
وهذا صحيحٌ؛ فإنّ العقل شرطٌ في جميع العلوم التي تختص بالعقلاء. والله أعلم.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ساقط من «ط» . ٢ ما بين المعقوفتين ساقط من «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: تكفي. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «خ»: بلابد. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ سورة الحج، الآية ٤٦. ٦ ما بين المعقوفتين ساقطٌ من «م»، و«ط» . ٧ في «خ»: بلابد. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٥٤٠ ]
لم ينقل عن النبي ﷺ التحدي إلا في القرآن
ومما يلزم [أولئك أنّ] ١ ما كان يظهر على يد النبيّ ﷺ في كل وقت من الأوقات ليست دليلًا على نبوّته؛ [لأنّه] ٢ لم يكن كلما ظهر شيءٌ من ذلك احتجّ به، وتحدّى الناس بالإتيان بمثله، بل لم ينقل عنه التحدي إلا في القرآن خاصّة٣، ولا نُقل التحدي عن غيره من الأنبياء؛ مثل موسى، والمسيح، وصالح٤. ولكنّ السحرة لمّا عارضوا موسى، أبطل معارضتهم.
وهذا الذي قالوه يُوجب أن لا [تكون] ٥ كرامات الأولياء من جملة المعجزات.
كرامات الأولياء معجزات لنبيهم
وقد ذكر غير واحد من العلماء أنّ كرامات الأولياء معجزات لنبيّهم٦، وهي من آيات نبوته. وهذا [هو] ٧ الصواب؛ كقصة أبي مسلم الخولاني٨،
_________________
(١) ١ في «ط»: أنّ أولئك. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٣ وقد أوضح شيخ الإسلام ﵀ هذا الأمر في آخر كتابه هذا النبوات. انظر ص ٩٤٦-٩٥١. ومما قاله ﵀ في كتابه الجواب الصحيح: "وآيات النبوة وبراهينها تكون في حياة الرسول، وقبل مولده، وبعد مماته، لا تختصّ بحياته، فضلًا عن أن تختصّ بحال دعوى النبوة، أو حال التحدّي؛ كما ظنّه بعض أهل الكلام". الجواب الصحيح ٦ ٣٨٠. ٤ ولابن حزم كلام طيب في رده على الأشاعرة في قولهم: إنه لا تكون المعجزة معجزةً حتى يُتحدّى بها. انظر المحلى لابن حزم ١ ٣٦. ٥ في «خ»: يكون. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ انظر: تفسير القرطبي ١٣ ١٣٧. وقد ذكر ذلك ابن كثير في كتابه دلائل النبوة - ضمن البداية والنهاية ٦ ١٦١. وكذا البيهقي في دلائل النبوة. ٧ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٨ تقدمت قصته ص ١٥٨.
[ ١ / ٥٤١ ]
وغيره [ممّا] ١ جرى لهذه الأمة من الآيات؛ ومثل ما كان يظهر على أيدي الحواريين، وعلى يد موسى وأتباعه٢. [لا أنه] ٣ جعل التحدي بالمثل جزءًا من دليله وآيته، فلا يكون دليلًا حتى يتحداهم بالمثل! بل قد عُلم أنّ [نفس] ٤ استدلال المستدل بالدليل، يوجب اختصاصه بالمدلول عليه، وكلّ من أتى بآية هي دليل وبرهان وحجة، فقد عُلم أنه يقول إنّها مستلزمة للمدلول عليه، لا يوجد مع عدمه، فلا يمكن أحدًا أن يعارضها، فيأتي بمثلها مع عدم المدلول عليه.
أجزاء الدليل على صدق النبي عند الأشاعرة
وهؤلاء٥ جعلوا من جملة الدليل: دعوى النبوة، والاحتجاج به، والتحدّي بالمثل؛ ثلاثة أشياء٦.
وهذه الثلاثة هي أجزاء الدليل. ودعوى النبوة هو الذي تقام عليه البيّنة، والذي [يقام] ٧ عليه الحجة ليس هو جزءًا من الحجة. والدعوى تسمى مدلولا عليها، «ونفس المدعى [يُسمى] ٨ مدلولًا عليه، وثبوت المدعى يسمى مدلولًا [عليه] ٩» ١٠، والعلم بثبوته يُسمّى مدلولًا عليه.
_________________
(١) ١ في «ط»: ما. ٢ انظر: الجواب الصحيح ٢ ٤٠٠. ٣ في «م»، و«ط»: لأنه. ٤ في «ط»: النفس. ٥ أي الأشاعرة. ٦ انظر: الإرشاد للجويني ص ٣١٢-٣١٣. وشرح المقاصد للتفتازاني ٥ ١١. ٧ في «م»، و«ط»: تقام. ٨ في «خ»: تسمى. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٩ في «خ»: عليها. وما أثبت من «م»، و«ط» . ١٠ تكرّرت الجملة التي بين الهلالين في «خ» بلفظ: "ونفس المدعى تسمى مدلولًا عليه. وثبوت المدعى يسمى مدلولًا عليه". ولم تكرّر في «م»، و«ط» .
[ ١ / ٥٤٢ ]
فهنا دعوى النبوة، وهنا النبوة، وهنا النبوة المدعاة قبل أن يُعلم ثبوتها، وهنا ثبوتها في نفس الأمر، وهنا علم الناس بثبوتها. وكذلك سائر الدعاوي.
فمن ادّعى تحريم النبيذ المتنازع فيه؛ فهنا: دعواه التحريم، ونفس التحريم هل هو ثابت أم منتف؟ وثبوت التحريم في نفس الأمر، والعلم بالتحريم. وكذلك من ادعى حقًا عند الحاكم؛ فهنا: دعواه الحق، وهنا نفس المدعى؛ وهو استحقاقه ذلك الحق، وهنا ثبوت هذا الاستحقاق في نفس الأمر، وهنا العلم باستحقاقه. فالبينة والحجة [يجب] ١ أن يقارن المدلول عليه؛ الذي هو المدعى، وثبوته في نفس الأمر؛ سواء ادعاه [مدع] ٢، أو لم يدّعه؛ وسواء علمه عالم، أو لم يعلمه؛ فإنّ الدليل مستلزم للمدلول عليه؛ مستلزم لحرمة النبيذ، واستحقاق الحق. وثبوت الحرمة في نفس الأمر، مستلزم للحرمة. وأمّا مجرّد الحرمة المتصورة: فليست مستلزمة لوجودها في نفس الأمر، بل قد يتصور في الأذهان ما لا [يوجد] ٣ في الأعيان. والله أعلم.
_________________
(١) ١ في «خ» تجب. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «خ»: مدعي. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «خ»: يتصور يوجد بزيادة: يتصور. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٥٤٣ ]
فصل كلام الباقلاني في المعجزات ومناقشة شيخ الإسلام له
وقد ذكر القاضي أبو بكر أنّ من المثبتة المجيزين للكرامات من أجاب عن حجة النفاة، بأن قال: الأدلّة على ضربين: عقلية، ووضعية؛ فالعقليّ يدلّ لنفسه وجنسه، والوضعيّ يدلّ مع المواطأة، ولا يدلّ مثله مع عدمها؛ كعقد العشرة.
وضعف أبو بكر هذا، بأن قال لهم أن يقولوا: إذا كانت المعجزات تجري مجرى القول، فحيث قصدت دلّت. وعنده أنّ الأمر ليس كذلك١.
قلت: بل هذا القائل أحسن؛ لأنّها تدلّ إذا قصدت بها الدلالة؛ مثل قيام الأمر، وقعوده إذا طلب ذلك منه؛ ومثل العلامة التي تكون للشخص إذا جعلها علامة؛ فحيث قصد الدلالة به دلّ. لكن لازم هذا أن لا يكون إلا إذا طلب الاستدلال بها، [لا نفس] ٢ الدعوى.
ثم إنّه٣ ذكر أنّ الخارق للعادة لا بُدّ أن يكون خارقًا لعادة جميع المرسَل إليهم٤.
_________________
(١) ١ لعلّ ما نقله شيخ الإسلام ﵀ هنا عن القاضي أبي بكر الباقلاني هو من القسم المفقود من كتاب البيان؛ إذ المطبوع منه ناقصٌ من آخره. ٢ في «ط»: لأنفس. ٣ أي القاضي أبو بكر الباقلاني. ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٥٠، ٥٥.
[ ١ / ٥٤٤ ]
ثمّ جوَّز أن يكون ممّا اعتاده كثيٌر منهم، بشرط أن يمنعهم عن المعارضة، فيكون ذلك خرق عادة١.
ثم قال في الكرامات: لا يجوز أن تكثر حتى تصير عادة؛ لأنّ من حق المعجز على قولنا وقولهم أن يكون خارقًا للعادة، فلا تجوز إدامة ظهوره فيصير عادة، بل يقع نادرًا٢. وقد [جوَّزوا] ٣ في السحر والكهانة أن يكون عادة، لكن عند دعوى النبوة يمنعهم من المعارضة، فكانت الكرامات أولى بذلك هي عادة للصالحين، وإذا ادّعى النبوّة صادقٌ منع من المعارضة٤. فهذا اضطرابٌ آخر.
قول الباقلاني الخوارق لاتظهر إلا على يد نبي أو ولي. والرد عليه
وادّعى إجماع الأمة على أنّها لا تظهر على فاسق. ولولا الإجماع لجوّز ذلك؛ لأنّه لا ينقض دليل النبوة، فصارت تدلّ على الولاية بالإجماع. على أنّها لا تظهر إلا على يد نبيّ أو وليّ. فبهذا الإجماع يعلم أن من ظهرت [على] ٥ يده وليّ٦.
وهذا تناقضٌ من وجهين:
أحدهما: أنّهم قد قالوا: إنّها لا تدلّ على الولاية؛ لأن الولي من مات على الإيمان. وهذا غير معلوم.
_________________
(١) ١ انظر: البيان للباقلاني ص ١٦-٢٠، ٢٣، ٧٢. ٢ هذا الكلام غير موجود في المطبوع من كتاب البيان للباقلاني. وقد تقدمت الإشارة إلى أنّ الكتاب ناقص من آخره. ٣ في «خ»: جوّز. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٥، ٩٦-٩٧، ١٠٠. ٥ في «ط»: عغى. وهو خطأ مطبعي. ٦ انظر: البيان للباقلاني ص ٩١، ١٠٣-١٠٤، ١٠٥.
[ ١ / ٥٤٥ ]
الفرق بين المعجزات والسحر عند الأشاعرة
الثاني: أنّه يقال: إذا جوَّزتَ أن يظهر على يد الساحر، والكاهن، ونحوهما من الكفار ما هو من جنس المعجزات والكرامات، وقلتَ١: يجب أن لا يستثنى من السحر شيء لا يفعل عنده، إلا ما ورد الإجماع والتوقيف على أنه لا يكون بضرب من السحر، ولا يفعل عنده؛ كفلق البحر ونحوه؛ فيكون الفرق بين السحر وغيره [إنّما] ٢ يُعلم بهذا الإجماع، إن ثبت. وإلا فعندك يجوز أن يظهر على يد الساحر كل ما يظهر على يد النبيّ إذا لم يدع النبوة، [ويحتجّ] ٣ بذلك إذا ادّعى النبوة، وعارضه معارضٌ بالمثل. فكيف [تقول] ٤ مع هذا: إنّ الخوارق تدلّ على الولاية بالإجماع، وأنت تجوّز ظهورها على أيدي الكفار؛ من السحرة، والكهان.
فإن قال: السحر والكهانة كانا قبل الرسول، فلما جاء بطلا.
قيل: أنت قد أثبتَّ أنّ نفسه سُحِر بعد النبوة٥، وأنّ السحر كان على عهد الصحابة، وقتلوا الساحر، وذكرتَ إجماع الفقهاء على أنَّ السحر يكون من المسلمين، وأهل الكتاب٦، والساحر ليس [بوليٍّ لله] ٧. والسحر عندك هو من جنس الكرامات. الجميع خارق للعادة، لم يستدل به على النبوّة٨.
_________________
(١) ١ انظر: قول الباقلاني في كتابه البيان ص ٩١-٩٨. ٢ في «ط»: تأنما. ٣ في «م»، و«ط»: ولا يحتجّ. ٤ في «خ»: يقول. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ انظر: البيان للباقلاني ص ٨٢-٨٣. ٦ انظر: البيان للباقلاني ص ٧٨-٨٧. ٧ في «ط»: بولي الله. ٨ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٣-٩٧. فالباقلاني يجعل عمل الساحر من الخوارق، وأنه مما يفعله الله عند سحر الساحر، ولا يستثني من عمل الساحر للخوارق إلا ما ورد الإجماع والتوقيف على أنّه لا يكون بضربٍ من السحر؛ كالآيات الكبرى للأنبياء. أما الفرق بين السحر والمعجزات: فإنه إن ادّعى الساحر بسحره النبوة أبطله الله تعالى بوجهين: أحدهما: أنه إذا علم ذلك في حال الساحر، وأنه سيدعي به النبوة، أنساه عمل السحر جملة. والثاني: أن يهيئ الله خلقًا من السحرة يفعلون مثل فعله، ويعارضونه، فينتقض بذلك ما ادعاه، ويبطل. انظر: البيان للباقلاني ص ٩١، ٩٤-٩٥. أما الفرق بين المعجزة والكرامة: فليس موجودًا في المطبوعة الناقصة من البيان. ولكن الباقلاني ذكر ذلك في رسالته إلى أحد العلماء؛ إذ ذكر فيها أنّ الفرق هو أنّ الأمر الخارق للنبيّ مقرونٌ بالتحدي والاحتجاج، وأنّ صاحب الكرامة لا يدّعي النبوة بكرامته، ولو علم الله أنه يدعي بها، لما أجراها على يديه. انظر المعيار المعرب ١١ ٢٥٠-٢٥١، ضمنه رسالة كتبها الباقلاني إلى محمد بن أحمد بن المعتمر المرقي. وقد نقلت النصّ من كتاب موقف ابن تيمية من الأشاعرة ٢ ٥٤٩. وهذا يؤكد ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عنهم أنهم يجعلون الكرامات من جنس السحر. وقد صرّح الجويني بهذا في كتابه الإرشاد. انظر: الإرشاد ص ٣٢٢، ٣٢٨.
[ ١ / ٥٤٦ ]
فكيف تقول مع هذا: إنّ الخوارق [لا تكون] ١ إلاَّ لنبيّ، أو وليّ، وأنت [تُثبتها] ٢ للكفار٣.
وهذا كلّه من جهة أنّه أخذ جنس [الخارق] ٤ مشتركًا؛ فجوّز أن يكون للنبيّ، وغير النبيّ، مع قوله: إنّ الخارق لا بُدّ أن يكون خارقًا لعادة جميع
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ في «م»، و«ط»: أثبتها. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٨-٤٩، ٩١-٩٨. وانظر: أيضًا أصول الدين للبغدادي ص ١٧٠. ٤ في «م»، و«ط»: الخوارق.
[ ١ / ٥٤٧ ]
المرسَل إليهم. ولكن عنده هذا يحصل بعدم المعارضة. وحينئذٍ فاشتراط كونه خارقًا، ومختصًا بمقدور [الربّ] ١ باطلٌ.
وهو قد حكى أنّ الاجماع على أن المعجز لا بُدّ أن يكون خارقًا للعادة، فقال: اعلموا رحمكم الله أنّ الكلّ من سائر الأمم قد شرطوا في صفة المعجز أن يكون خارقًا للعادة٢.
[ثم قال٣ في فصول الكرامات] ٤:
_________________
(١) ١ في «خ»: للربّ. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ البيان للباقلاني ص ٥٠. ٣ أي الباقلاني. ٤ قال في «ط»: "فصل. ثمّ قال في فصول الكرامات ". ولا يُسلّم له صنيعه؛ لأنّ الكلام متعلّق بما سبق؛ من ذكر أقوال القاضي أبي بكر الباقلاني في الكرامات.
[ ١ / ٥٤٨ ]
[ثم قال١ في فصول الكرامات] ٢
فصلٌ٣ قول الباقلاني: لايدل على صدق النبي إلا المعجزات ولو لم تدل للزم عجز القديم..
ويقال لهم: إنّ من النّاس من لا يشترط في الآية المعجزة أن تكون خارقًا للعادة. وهذا كما ذكر إجماع الناس على أنّه لا يدلّ على صدق النبيّ إلا المعجزات٤، فقال في الاستدلال على أنّها لو لم تدلّ، لزم عجز القديم؛ إذ لا دليل [لقول] ٥ كلّ أحدٍ أثبت النبوّة على نبوة الرّسل وصدقهم، إلا ظهور المعجزة. فهذا إجماعٌ لا خلاف فيه. فلو ظهرت على يد المتنبي، لبطلت دلالة النبوّة، ولوجب عجز القديم عن دليل يدلّ على نبوتهم. وهو نفسه قد ذكر في ذلك عدّة أقوال في غير هذا الكتاب٦.
_________________
(١) ١ أي: الباقلاني. ٢ قال في (ط): "فصل. ثم قال في فصول الكرامات ". ولا يُسلم له صنيعه؛ لأنَّ الكلام متعلق بما سبق؛ من ذكر أقوال القاضي أبي بكر الباقلاني في الكرامات. ٣ هذا الفصل في الكرامات لا يُوجد في القسم المطبوع من كتاب «البيان» للباقلاني، وإلاَّ فالمؤلف ذكر في خطبة الكتاب أنّه سيتحدّث عن هذا الفصل في آخر الكتاب. وهذا ممّا يدلّ على أنّ الكتاب ناقص في آخره. ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٣٧-٣٨. والإرشاد للجويني ص ٣٣١. ٥ في «خ»: يقول. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ أي في غير كتاب البيان الذي يعتمد عليه شيخ الإسلام في سوق أقوال الباقلاني، والردّ عليها ببيان تناقضاته. انظر: التمهيد ص ١٥٦-١٥٧. والإنصاف ص ٩٣. وكلاهما للباقلاني. وانظر كتاب: البيان له ص ٤٥-٤٨.
[ ١ / ٥٤٩ ]
وأيضًا: فالاستدلال بالإجماع إنّما يكون [بعد] ١ ثبوت النبوة، فلا يحتجّ على مقدّمات دليل النبوة بمجرد الإجماع.
سبب عدم ظهور المعجزات على يد الكاذب عند الأشاعرة
وهؤلاء إنما أوقعهم في هذه المناقضات أنّ القدرية٢ يجعلون لربّهم شريعة بالقياس على خلقه، ويقولون: لا يجوز أن يفعل كذا، ولا أن يفعل كذا؛ كقولهم: لا يجوز أن يضلّ هذا، فإنّا لو جوّزنا عليه الإضلال لجاز أن يظهر المعجزات على أيدي الكذابين؛ فإنّ غاية ذلك أنّه إضلال. وإذا جاز ذلك لم يبق دليلٌ على صدق الأنبياء، ولم يفرّق بين الصادق والكاذب. فعارضهم هؤلاء٣ بأن قالوا: يجوز أن يفعل كلّ ممكن مقدور، ليس يجب أن ينزّه عن فعلٍ من الأفعال، وليس في الممكنات ما هو قبيح، أو ظلم، أو سيئ، بل كلّ ذلك حسنٌ وعدل، فله أن يفعله. فقيل لهم: فجوّزوا إظهار المعجزات على [أيدي] ٤ الكذابين. ففتقوا لهم فتقا، فقالوا٥: هذا يلزم
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٢ المقصود بهم المعتزلة. وانظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص ١٣٣، ٥٦٤. والمختصر في أصول الدين له ص ٢٣٧ - ضمن رسائل العدل والتوحيد. ٣ أي الأشاعرة. انظر: البيان للباقلاني ص ٤٠-٤١. والتمهيد له ص ٣٨٢-٣٨٦. والإرشاد للجويني ص ٢٥٨ وما بعدها. والمواقف للإيجي ص ٣٢٨. وشرح الجوهرة للبيجوري ص ١٠٨. ٤ في «خ»: يدي. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ أي الأشاعرة. انظر من كتب أئمتهم: البيان للباقلاني ص ٤٥-٤٨. والإرشاد للجويني ص ٣٢٧- ٣٢٨. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٠، ١٧٣. والمواقف للإيجي ص ٣٤٢.
[ ١ / ٥٥٠ ]
منه عجز الرب عن أن ينصب دليلًا يدل على صدق النبيّ، وإن كان يمكنه أن يعرف صدقهم بالضرورة، فذلك يوجب أن يعرفوا نفسه بالضرورة، وهو يرفع التكليف.
قول شيخ الإسلام في عدم ظهور المعجزات على يد الكاذب..
والتحقيق: أن إظهار المعجزات الدالّة على صدق الأنبياء على يد الكاذب لا يجوز، لكن قيل لامتناع ذلك في نفسه؛ كما قاله الأشعري١. وقيل: لأنّ ذلك يمتنع في حكمة الرب وعدله. وهذا أصحّ؛ فإنّه قادر على ذلك، لو فعله بطلت دلالة المعجز على الصدق٢.
وهذا كما أنه قادر على سلب العقول، ولو فعل ذلك لبطلت العلوم. وهو سبحانه لو فعل ذلك قادرٌ على تعريف الصدق بالضرورة، وقادرٌ على أن لا يعرف بذلك، ولا يميز للناس بين الصادق والكاذب، لكنه لا يفعل هذا المقدور. ونحن نعلم بالاضطرار أنه لا يفعل ذلك، وأنّه لا يبعث أنبياء
_________________
(١) ١ انظر: المواقف للإيجي؛ فقد نقل ذلك عن الأشعري ص ٣٤٢. وانظر ما قاله شيخ الإسلام ﵀ عن هذه المسألة بتوسّع في كتبه التالية: شرح الأصفهانية تحقيق السعوي ٢ ٦١٢-٦٢٤. ودرء تعارض العقل والنقل ١ ٨٩-٩٠. والجواب الصحيح ٦ ٣٩٣-٤٠١. وذكر شيخ الإسلام ﵀ عن مذهب الأشاعرة في إثبات النبوة أنّهم يسلكون أحد طريقين: "إما طريق القدرة؛ كما سلكها الأشعري في أحد قوليه، والقاضيان أبو بكر وأبو يعلى، وغيرهما؛ وهو أنه لا طريق إلى تصديق النبيّ غير المعجزة، فلو لم تكن دالّة على التصديق، للزم عجز الباري عن تصديق الرسل. وإما طريق الضرورة؛ كما سلكها الأشعري في قوله الآخر، وأبو المعالي، وطوائف أُخَر". درء تعارض العقل والنقل ٩ ٥٢-٥٣. ٢ سبق أن أورد الشيخ ﵀ هذه المسألة في ص ٢٧٢، ٢٧٨، ٢٨٠-٢٨٢، ٥٨٠-٥٨٣، من هذا الكتاب. وسوف يأتي زيادة إيضاح منه ﵀ لهذه المسألة في ص ١١٣٤-١١٥٠، ١١٦١-١١٦٣ منه.
[ ١ / ٥٥١ ]
صادقين يبلغون رسالته ويأمر الناس باتباعهم ويتوعّد من كذّبهم، فيقوم آخرون كذّابون يدّعون مثل ذلك، وهو يسوي بين هؤلاء وهؤلاء في جميع ما يفرق به بين الصادق والكاذب. بل قد علمنا من سنّته أنه لا يُسوّي في دلائل الصدق والكذب بين المحدث الصادق، والكاذب، والشاهد الصادق، والكاذب، وبين الذي يعامل الناس بالصدق، والكذب، وبين الذي يظهر الإسلام صادقًا، والذي يظهره نفاقًا وكذبًا، بل يُميّز هذا من هذا بالدلائل [الكثيرة] ١؛ كما يُميّز بين العادل وبين الظالم، وبين الأمين وبين الخائن؛ فإنّ هذا مقتضى سنّته التي لا تتبدّل، وحكمته التي هو منزّه عن نقيضها، وعدله سبحانه بتسويته بين المتماثلات، وتفريقه [بين] ٢ المختلفات. فكيف يُسوي بين أفضل الناس وأكملهم صدقًا، وبين أكذب الناس وشرّهم كذبًا فيما يعود إلى فساد العالم في العقول، والأديان، والأبضاع، والأموال، والدنيا، والآخرة.
الرد على القدرية في قولهم: لو جوزنا عليه الإضلال لجاز أن يظهر المعجزات على يد الكاذب
وقول [القدريّ] ٣: إذا جاز عليه إضلال من أضلّه، جاز عليه إضلال بعض الناس. يقال له:
أولًا: ليس إظهار المعجزة على أيدي الكذابين من باب الإضلال. بل لو ظهرت على يده لكانت لا تدلّ على الصدق، فلم يكن دليلًا يُفرّق به بين الصدق والكذب. وعدم الدليل يوجب عدم العلم بذلك الدليل، لا يوجب اعتقاد نقيضه. ولو كان لا يظهرها إلا على يد كاذب، لكانت إنّما تدل على
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٣ في «م»، و«ط»: القدر.
[ ١ / ٥٥٢ ]
الكذب؛ فالاشتراك بين الصنفين يرفع دلالتها، واختصاص أحدهما بها يوجب دلالتها على المختصّ.
ويقال ثانيًا: تجويز إضلال طائفة معينة؛ بمعنى أنه حصل لهم الضلال لعدم نظرهم، واستدلالهم، وقصدهم الحق، وجعل قلوبهم معرضة عن طلب الحق وقصده، وأنّها تكذب الصادق: ليس هو مثل إضلال العالم كلّه، ورفع ما يعرف به الحق من الباطل. بل مثال هذا: مثل من قال: إذا جاز أن [يعمي] ١ طائفة من الناس، جاز أن [يعمي] ٢ جميع النّاس، فلا يرى أحدٌ شيئًا. وإذا جاز أن [يُصِمّ] ٣ بعض النّاس، جاز أن يصم جميعهم، فلا يسمع أحدٌ شيئًا. وإذا جاز أن يُزمن٤ بعض النّاس، أو يُشلّ يديه، جاز إزمان جميع الناس، وإشلال أيديهم؛ حتى لا يقدر أحدٌ في العالم على شيء، ولا بطش بيده. وإذا جاز أن يُجنّن بعض الناس، جاز أن يُجنّن جميعَهم؛ حتى لا يبقى في الأرض إلا مجنونٌ، لا عاقل. وإذا جاز أن يُميت بعض الناس، جاز أن يُميتهم كلّهم في ساعةٍ واحدة، مع بقاء العالم على ما هو عليه. وأن يقال: إذا جاز أن يُضِلّ بعض الناس عن قبول بعض الحق، جاز أن يضله عن قبول كلّ حق؛ حتى لا يصدق أحدًا في شيء، ولا يقبل شيئًا مما يُقال له؛ فلا يأكل، ولا يشرب، ولا يلبس، ولا ينام. وأنّ كلّ من أضلّ جاز أن يفعل به هذا كلّه.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: يعمى. ٢ في «م»، و«ط»: يعمى. ٣ في «ط»: يضم. ٤ قال ابن منظور: (الزَّمِن: ذو الزمانة. والزمانة آفة في الحيوانات. ورجلٌ زَمِن: أي مبتلى بيِّن الزمانة. والزمانة: العاهة..) . لسان العرب ١٣ ١٩٩.
[ ١ / ٥٥٣ ]
وهذا كلّه ممّا يُعرف بضرورة العقل الفرق بينهما. ومن سوى بين هذا وهذا١، كان مصابًا في عقله.
وآيات الأنبياء هي من هذا الباب؛ فلو لم يميّز بين الصادق والكاذب، لكان قد بعث أنبياء يبلّغون رسالته، ويأمرون بما أمر به؛ من أطاعهم سعد في الدنيا والآخرة، ومن كذّبهم شقي في الدنيا والآخرة، وآخرين كذّابين يبلّغون عنه ما لم يقله، ويأمرون بما نهى عنه، وينهون عمّا أمر به، ومن اتبعهم شقي في الدنيا والآخرة، ولم يجعل لأحدٍ سبيلًا إلى التمييز بين هؤلاء وهؤلاء. [وهذا] ٢ أعظم من أن يقال إنّه خلق أطعمة نافعة، وسمومًا قاتلة، ولم يميّز بينهما، بل كلّ ما أكله الناس، جاز أن يكون من هذا وهذا. ومعلومٌ أنّ من جوّز مثل هذا على الله، فهو مصابٌ في عقله.
الله جعل الأشياء متلازمة وكل ملزوم دليل على لازمه..
ثمّ إنّ الله جعل الأشياء متلازمة، وكلّ ملزوم هو دليل على لازمه؛ فالصدق له لوازم كثيرة؛ فإنّ من كان يصدق، ويتحرى الصدق، كان من لوازمه أنّه لا يتعمّد الكذب، ولا يخبر بخبرين متناقضين عمدًا، ولا يُبطن خلاف ما يظهر، ولا يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، ولا يخون أمانته، ولا يجحد حقًا هو عليه، إلى أمثال هذه الأمور التي يمتنع أن [تكون] ٣ لازمةً إلا لصادق؛ فإذا انتفت انتفى الصدق، وإذا وجدت كانت مستلزمة لصدقه. والكاذب بالعكس؛ لوازمه بخلاف ذلك؛ وهذا لأنّ الإنسان حيّ ناطق، والنطق من لوازمه الظاهرة لبني جنسه. ومن لوازم النطق: الخبر؛ فإنه ألزم له من الأمر، والطلب؛ حتى قد قيل: إنّ جميع أنواع الكلام
_________________
(١) ١ أي بين النبيّ، والمتنبّئ. ٢ في «ط»: وه. وهو خطأ مطبعي. ٣ في «خ»: يكون. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٥٥٤ ]
[تعود] ١ إلى الخبر؛ فلزم أن يكون من لوازم الإنسان إخباره، [وظهور] ٢ إخباره، وكثرته، وأنّ هذا لا بُدّ من وجوده حيث كان. وحينئذ: فإذا كان كذّابًا عَرَفَ النّاس كذبه؛ لكثرة ما يظهر منه من [الخبر] ٣ عن الشيء بخلاف ما هو عليه، من أحوال نفسه وغيره، وممّا رآه، وسمعه، وقيل له في الشهادة والغيب. ولهذا كلّ من كان كاذبًا ظهر عليه كذبه بعد مدة؛ سواء كان مدّعيًا للنبوّة، أو كان كاذبًا في العلم ونقله، أو في الشهادة، أو في غير ذلك٤. وإن [كان] ٥ مطاعًا، كان ظهور كذبه أكثر لما فيه من الفساد.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: يعود. ٢ في «ط»: وظهورًا. ٣ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٤ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو يشرح حديث أبي سفيان مع هرقل: "فسألهم عن زيادة أتباعه ودوامهم على اتّباعه، فأخبروه أنهم يزيدون، ويدومون. وهذا من علامات الصدق والحق؛ فإنّ الكذب والباطل لا بُدّ أن ينكشف في آخر الأمر، فيرجع عنه أصحابه، ويمتنع عنه من لم يدخل فيه. ولهذا أخبرت الأنبياء المتقدمون أنّ المتنبئ الكذاب لا يدوم إلا مدة يسيرة. وهذه من بعض حجج ملوك النصارى الذين يُقال إنهم من ولد قيصر هذا، أو غيرهم حيث رأى رجلًا يسبّ النبيّ ﷺ من رؤوس النصارى، ويرميه بالكذب. فجمع علماء النصارى، وسألهم عن المتنبئ الكاذب، كم تبقى نبوته؟ فأخبروه بما عندهم من النقل عن الأنبياء؛ أنّ الكذّاب المفتري لا يبقى إلا كذا وكذا سنة؛ مدة قريبة؛ إما ثلاثين سنة، أو نحوها. فقال لهم: هذا دين محمد له أكثر من خمسمائة سنة أو ستمائة سنة وهو ظاهر مقبول متبوع. فكيف يكون هذا كذابًا. ثمّ ضرب عنق ذلك الرجل". شرح الأصفهانية تحقيق السعوي ٢ ٤٨٥. ٥ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين.
[ ١ / ٥٥٥ ]
[و] ١ في الصحيح عن النبي ﷺ أنّه قال: «ثلاثةٌ لا يُكلّمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكّيهم، ولهم عذاب أليم: ملكٌ كذّاب، وشيخ زان، وعائل مستكبر - ويُروى - وفقيرٌ محتال» ٢.
ولهذا كثيرٌ من أهل الدول كانوا يتواصون بالكذب، وكتمان أمورهم، ثم يظهر؛ كالقرامطة٣. ولهذا امتنع اتفاق الناس على الكذب، والكتمان،
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ١ ١٠٢-١٠٣، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار. مع تقديم، وتأخير في الألفاظ، وليس فيه: وفقير محتال. ٣ القرمطة نسبة إلى مذهب القرامطة. ووجه قرمطتهم: أنّهم جعلوا للنص معنى باطنًا يُخالف معناه الظاهر. والقرامطة: نسبة إلى حمدان قرمط، ولُقّب بذلك لقرمطة في خطه، أو في خطوه. كان أحد دعاتهم في الابتداء، فاستجاب له جماعة، فسموا قرامطة، وقرمطية. وكان هذا الرجل من أهل الكوفة، وكان يميل إلى الزهد، فصادف أحد دعاة الباطنية، وأثّر عليه؛ فاعتنق مذهبهم. ثمّ لم يزل بنوه وأهله يتوارثون مكانه. وكان أشدّهم بأسًا: رجل يُقال له أبو سعيد. ظهر في سنة ست وثمانين ومائتين، وقوي أمره، وقتل ما لا يحصى من المسلمين، وخرب المساجد، وأحرق المصاحف، وفتك بالحاج، وسنّ لأهله وأصحابه سننًا، وأخبرهم بمحالات. ثم مات، وخلف بعده ابنه أبا طاهر؛ ففعل مثل فعله، وهجم على الكعبة، فأخذ ما فيها من الذخائر، وقلع الحجر الأسود، وحمله إلى بلده، وأوهم الناس أنه الله تعالى الله عن قوله علوًا كبيرًا. انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص ٢٨٩. وفضائح الباطنية للغزالي ص ١٢. وتلبيس إبليس لابن الجوزي ص ١٤٤-١٤٦. وانظر تعريف شيخ الإسلام ﵀ للقرمطة في السمعيات في كتابه: نقض تأسيس الجهمية ١ ١٥٠. والرسالة التدمرية ص ١٩. وشرح حديث النزول ص ٤٢٨. وبغية المرتاد ص ١٨٣-١٨٤. وشرح الأصفهانية ٢ ٤٥١-٤٥٧. ودرء تعارض العقل والنقل ٢ ١٥. ومجموع الفتاوى ١٢ ٢١٣، ١٣ ١٦٨.
[ ١ / ٥٥٦ ]
من غير تواطؤ؛ لما جعل الله في النفوس من الداعي إلى الصدق والبيان، وجعل الله في القلوب هدايةً ومعرفةً بين هذا وهذا. ولم يُعرف قطّ في بني آدم أنّه اشتبه صادقٌ بكاذبٍ إلاَّ مدة قليلة، ثم يظهر الأمر. وليس هذا كالضلال في أمور خفية ومشتبهة على أكثر الناس؛ فإنّ التمييز بين الصادق والكاذب يظهر لجمهور الناس وعامتهم بعد مدّة، ولا يطول اشتباه ذلك عليهم، وإنما يشتبه الأمر عليهم فيما لم يتعمّد فيه الكذب، بل أخطأ أصحابه؛ فأخذ عنهم تقليدًا لهم. وأما مع كون أصحابه يتعمّدون الكذب، [فهو] ١ لا يخفى على عامة الناس.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: فهذا.
[ ١ / ٥٥٧ ]
فصل الفروق بين آيات الأنبياء وغيرها
وقد تقدم١ ذكر بعض الفروق بين آيات الأنبياء وغيرهم. وبينها وبين غيرها من الفروق ما لا يكاد يحصى.
الأول: أنّ النبيّ صادقٌ فيما يخبر به عن الكتب، لا يكذب قط. ومن خالفهم من السحرة، والكهّان، لا بُدّ أن يكذب؛ كما قال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين * تَنَزَّلُ عَلَى كُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ٢.
الثاني: من جهة ما يأمر به هذا ويفعله، ومن جهة ما يأمر به هذا ويفعله؛ فإنّ الأنبياء لا يأمرون [إلاَّ] ٣ بالعدل، وطلب الآخرة، وعبادة الله وحده، وأعمالهم البر والتقوى. ومخالفوهم يأمرون بالشرك، والظلم، ويعظّمون الدنيا، وفي أعمالهم الإثم والعدوان.
الثالث: أنَّ السحر، والكهانة، ونحوهما أمور معتادة معروفة لأصحابها، ليست خارقة لعادتهم. وآيات الأنبياء لا تكون إلا لهم ولمن اتّبعهم.
الرابع: أنَّ الكهانة والسحر يناله الإنسان بتعلّمه، وسعيه، واكتسابه. وهذا مجرّبٌ عند الناس. بخلاف النبوة؛ فإنّه لا ينالها أحدٌ باكتسابه.
_________________
(١) ١ انظر: ص ٢٢٧، ٥٨٨-٦٣١ من هذا الكتاب. وسيأتي أيضًا بعض الفروق في ص ٧٢٨-٧٢٩، ٧٩٤-٧٩٧، ١٣١٤-١٣٣٤ منه. ٢ سورة الشعراء، الآيتان ٢٢١-٢٢٢. ٣ في «ط»: إلى.
[ ١ / ٥٥٨ ]
الخامس: أنَّ النبوّة لو قُدِّر أنها تنال بالكسب، فإنّما تُنال بالأعمال الصالحة، والصدق، والعدل، والتوحيد. لا تحصل مع الكذب على من دون الله، فضلًا عن أن تحصل مع الكذب على الله. فالطريق الذي تحصل به لو حصلت بالكسب مستلزمٌ للصدق على الله فيما يُخبر به.
السادس: أنَّ ما يأتي [به] ١ الكهّان، والسحرة، لا يخرج عن كونه مقدورًا للجنّ والإنس، وهم مأمورون بطاعة الرسل. وآيات الرسل لا يقدر عليها؛ لا جنّ، ولا إنس، بل هي خارقة لعادة كلّ [من] ٢ أُرسل النبيّ إليه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًَا﴾ ٣.
السابع: أنَّ هذه يمكن أن تُعارض بمثلها. وآيات الأنبياء لا يمكن أحدًا أن يعارضها بمثلها.
الثامن: أنَّ تلك ليست خارقة لعادات بني آدم، بل كلّ ضربٍ منها معتادٌ لطائفة غير الأنبياء. وأما آيات الأنبياء: فليست معتادة لغير الصادقين على الله، ولمن صدّقهم.
التاسع: أنَّ هذه قد لا يقدر عليها مخلوق؛ لا الملائكة، ولا غيرهم؛ كإنزال القرآن، وتكليم موسى. وتلك تقدر عليها الجنّ والشياطين.
العاشر: أنَّه إذا كان من الآيات ما يقدر عليه الملائكة؛ فإنّ الملائكة لا تكذب على الله، ولا تقول لبشر إنَّ الله أرسلك، ولم يرسله. وإنما يفعل ذلك الشياطين. والكرامات معتادة في الصالحين منّا، ومَنْ قبلنا، ليست
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٢ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٣ سورة الإسراء، الآية ٨٨.
[ ١ / ٥٥٩ ]
خارقة لعادة الصالحين. وآيات الأنبياء خارقة لعادة الصالحين. وهذه١ تُنال بالصلاح؛ بدعائهم، وعبادتهم. ومعجزات الأنبياء لا تُنال بذلك. ولو طلبها النّاس؛ حتى يأذن الله فيها. ﴿قُلْ إِنَّما الآياتُ عِنْدَ الله﴾ ٢، ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ ٣.
الحادي عشر: أنَّ النبيّ قد تقدّمه [أنبياء] ٤؛ فهو لا يأمر إلا بجنس ما أمرت به الرسل قبله؛ فله نظراء يعتبر بهم. وكذلك الساحر، والكاهن له نظراء يعتبر بهم.
الثاني عشر: أنَّ النبي لا يأمر إلا بمصالح العباد في المعاش والمعاد؛ فيأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر؛ فيأمر بالتوحيد، والإخلاص، والصدق؛ وينهى عن الشرك، والكذب، والظلم. فالعقول، والفطر توافقه؛ كما توافقه الأنبياء قبله؛ فيصدقه صريح المعقول وصحيح المنقول الخارج عمّا جاء به. والله أعلم.
_________________
(١) ١ أي الكرامات. ٢ سورة الأنعام، الآية ١٠٩. ٣ سورة الأنعام، الآية ٣٧. ٤ في «ط»: الأنبياء.
[ ١ / ٥٦٠ ]
فصل ما يخالف الكتاب والسنة فهو باطل
ومن تدبّر هذا١، وغيره، تبيَّن له أنَّ جميع ما ابتدعه المتكلمون، وغيرهم؛ مما يخالف الكتاب والسنة، فإنّه باطل.
المبتدعون المخالفون للكتاب والسنة
ولا ريب أن المؤمن يعلم من حيث الجملة أنّ ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل. لكنْ كثيرٌ من الناس لا يعلم ذلك في المسائل المفصلة؛ لا يعرف ما الذي يوافق الكتاب والسنة، وما الذي يخالفه؛ كما قد أصاب [كثيرًا] ٢ من النّاس في الكتب المصنفة في الكلام؛ في أصول الدين، وفي الرأي والتصوف، وغير ذلك؛ فكثيرٌ منهم قد اتّبع طائفة يظنّ أنّ ما يقولونه هو الحق، وكلّهم على خطأ وضلال.
خطبة الإمام أحمد
ولقد أحسن الإمام أحمد في قوله في خطبته، وإن كانت مأثورة عمن تقدم٣: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل
_________________
(١) ١ أي هذه الفروق بين آيات الأنبياء وغيرهم، والتي ذكرها آنفًا في الفصل السابق. ٢ في «م»، و«ط»: كثير. ٣ أخرجه ابن عدي في الكامل ١١٥٣، والخطيب البغدادي في كتاب أصحاب الحديث ص ٢٨. وقال الهيثمي: يتقوى الحديث بتعدد طرقه، فيكون جسنًا. انظر: إرشاد الساري ١٤. وذكر ابن القيم لهذا الحديث عدة طرق، في مفتاح دار السعادة ١٢٠٦-٢٠٧. وأورده التبريزي في مشكاة المصابيح رقم ٢٤٨، وفيه: عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال: قال رسول الله ﷺ: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين". رواه البيهقي. وقد علق الشيخ الألباني على هذا الحديث بأنه مرسل؛ لأن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري هذا تابعي مقلّ كما قال الذهبي، وراويه عنه معاذ بن رفاعة ليس بعمدة. لكن الحديث قد روي موصولًا من طريق جماعة من الصحابة، وصحح بعض طرقه الحافظ العلائي في بغية الملتمس (٣-٤) . وروى الخطيب في شرف أصحاب الحديث (٢٣٥) عن مهنا بن يحيى قال: سألت أحمد يعني ابن حنبل عن حديث معاذ بن رفاعة عن إبراهيم هذا، فقلت لأحمد: كأنه كلام موضوع؟ فقال: لا، هو صحيح. فقلتُ له: ممن سمعته أنت؟ قال: من غير واحد. قلت: من هم؟ قال: حدثني به مسكين، إلا أنه يقول: معاذ، عن القاسم بن عبد الرحمن. قال أحمد: معاذ بن رفاعة لا بأس به انظر: مشكاة المصابيح ١٨٢-٨٣. وقال الذهبي عن العذري في الميزان: "ما علمته واهيًا، أرسل حديث: "يحمل هذا العلم من كلّ خلفٍ عدوله"
[ ١ / ٥٦١ ]
العلم، يدعون من ضلّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويُبصّرون بنور الله أهل العمى. فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه. فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم. ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة؛ فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب. يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم. يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشّبهون عليهم. فنعوذ بالله من فتن المضلين"١.
فهؤلاء أهل البدع من أهل الكلام وغيرهم، كما قال: مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مفارقة الكتاب.
_________________
(١) ١ انظر: الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد ص ٨٥ تحقيق عبد الرحمن عميرة.
[ ١ / ٥٦٢ ]
أهل البدع مخالفون للكتاب والسنة
وتصديق ما ذكره: أنّك لا تجد طائفة منهم توافق الكتاب والسنة فيما جعلوه أصول دينهم. بل [لكلّ] ١ طائفة أصول دين لهم؛ فهي أصول دينهم الذي هم عليه، ليس هي أصول الدين الذي بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه.
وما هم عليه من الدين، ليس كله موافقًا للرسول، ولا كله مخالفًا له؛ بل بعضه موافق، وبعضه مخالف؛ بمنزلة أهل الكتاب الذين لبسوا الحق بالباطل؛ كما قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعمَتِيَ التِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهدِكُمْ وَإِيّاي فَارْهَبُون وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًَا لِمَا مَعَكُم وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًَا قَلِيلًا وَإِيَّاي فَاتَّقُون وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون﴾ ٣.
لكنّ بعض الطوائف أكثر مخالفةً للرسول من بعض، وبعضها أظهر مخالفة. ولكنّ الظهور أمرٌ نسبيّ؛ فمن عرف السنّة ظهرت له مخالفة من خالفها؛ فقد [تظهر] ٤ مخالفة بعضهم للسنة لبعض الناس؛ لعلمه بالسنة دون من لا يعلم منها ما يعلمه هو؛ وقد تكون السنة في ذلك معلومة عند جمهور الأمة؛ فتظهر مخالفة من خالفها؛ كما [تظهر] ٥ للجمهور مخالفة الرافضة للسنة. وعند الجمهور هم المخالفون للسنة، فيقولون: أنت سني، أو رافضي؟.
_________________
(١) ١ في «ط»: بكل. ٢ سورة البقرة، الآيات ٤٠-٤٢. ٣ سورة آل عمران، الآية ٧١. ٤ في «خ»: يظهر. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ في «خ»: يظهر. وما أثبت من «م»، و«ط» .
[ ١ / ٥٦٣ ]
وكذلك الخوارج: لمّا كانوا أهل سيف وقتال، ظهرت مخالفتهم للجماعة؛ حين كانوا يقاتلون الناس. وأما اليوم فلا يعرفهم أكثر الناس.
وبدع القدرية، والمرجئة، ونحوهم: لا تظهر مخالفتها بظهور هذين.
ظهور الخوارج
ظهور القدرية والمرجئة
وهاتان البدعتان ظهرتا١ لما قتل عثمان [﵁] ٢؛ في الفتنة؛ في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [﵁] ٣. وظهرت [الخوارج] ٤ بمفارقة أهل الجماعة، واستحلال دمائهم وأموالهم؛ حتى قاتلهم٥ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [﵁] ٦ في ذلك لأمر النبي ﷺ ٧.
_________________
(١) ١ وانظر: عرضًا لظهور الفتن، وانتشار البدع، والمذاهب في الإسلام في مجموع الفتاوى لابن تيمية ٨٢٢٨-٢٢٩،، ٢٨٤٩٠-٤٩١. وفي منهاج السنة النبوية له ١٣٠٦-٣٠٩. ٢ زيادة من «ط» . ٣ زيادة من «ط» . ٤ في «م»، و«ط»: الخوارق. ٥ انظر: سبب خروج الخوارج، وقتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ لهم في موقعة النهروان، في البداية والنهاية لابن كثير ٧٢٨٩-٣٢١. ٦ زيادة من «ط» . ٧ يُشير ﵀ إلى قول عليّ بن أبي طالب ﵁: "إذا حدّثتكم عن رسول الله ﷺ، فلأن أخر من السماء أحب إليّ من أن أقول عليه ما لم يقل. وإذا حدّثتكم فيما بيني وبينكم؛ فإنّ الحرب خدعة؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: " سيخرج في آخر الزمان قومٌ أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. فإذا لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإنّ في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة"..". صحيح البخاري ٣١٣٢١-١٣٢٢، كتاب المناقب، باب علامة النبوة. وصحيح مسلم ٢٧٤٦-٧٤٧، كتاب الزكاة، باب التحريض على قتل الخوارج.
[ ١ / ٥٦٤ ]
الأحاديث في الخوارج
قال الإمام أحمد بن حنبل: صحّ الحديث في الخوارج من عشرة أوجه١.
وهذه٢ قد رواها صاحبه مسلم بن الحجاج في صحيحه٣، وروى البخاري قطعة منها٤.
اتفاق الصحابة على قتال الخوارج
واتفقت الصحابة على قتال الخوارج، حتى إنّ ابن عمر مع امتناعه عن الدخول في فرقة؛ كسعد٥، وغيره من السابقين٦. ولهذا لم يبايعوا
_________________
(١) ١ انظر: السنة للخلال ١١٤٥. وقال المحقق: إسناده صحيح. وقال شيخ الإسلام ﵀ في غير هذا الكتاب: "قال الإمام أحمد: صحّ الحديث في الخوارج من عشرة أوجه. وقد رواها مسلم في صحيحه، وروى البخاري منها ثلاثة أوجه؛ حديث عليّ، وأبي سعيد، وسهل بن حنيف. وفي السنن والمسانيد طرق أُخَر متعددة ". مجموع الفتاوى ٢٨٥١٢. ٢ الأوجه. ٣ انظر: صحيح مسلم ٢٧٤٠-٧٤٦، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم، و٢٧٤٦-٧٤٩ كتاب الزكاة، باب التحريض على قتل الخوارج، و٢٧٥٠، كتاب الزكاة، باب الخوارج شر الخلق والخليقة. ٤ انظر: صحيح البخاري ٣١١٤٨، كتاب الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يُعطي المؤلفة قلوبهم، ٣١٢١٩، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾، ٤١٥٨٣، كتاب المغازي، باب بعث علي وخالد ﵄ إلى اليمن قبل حجة الوداع،، ٤١٩٢٧-١٩٢٨، كتاب فضائل القرآن، باب من راءى بقراءة القرآن، ٣١٣٢١-١٣٢٢، كتاب المناقب، باب علامات النبوة، ٦٢٥٣٩، كتاب استتابة المرتدين، باب قتل الخوارج، ٦٢٥٤٠، كتاب استتابة المرتدين، باب من ترك قتال الخوارج للتألف. ٥ ابن أبي وقاص ﵁. ٦ اعتزل كثير من الصحابة الفتنة التي وقعت بعد مقتل عثمان ﵁، فلم يُقاتلوا لا مع علي، ولا مع معاوية. ومن هؤلاء: سعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأبو بكرة، وعمران بن حصين، وأكثر السابقين الأولين. انظر: منهاج السنة النبوية ١٥٤١-٥٤٢.
[ ١ / ٥٦٥ ]
لأحدٍ إلا في الجماعة١قال٢ عند الموت: ما آسى على شيء إلا على أني لم أقاتل الطائفة الباغية مع علي رضي الله عنه٣؛ يريد بذلك قتال الخوارج، وإلا فهو لم يبايع؛ لا لعلي، ولا غيره، ولم يبايع معاوية إلا بعد أن اجتمع الناس عليه. فكيف يقاتل إحدى الطائفتين؟ وإنّما أراد المارقة التي قال فيها النبيّ ﷺ: "تمرُق مارقة على حين فرقةٍ من الناس، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق"٤. وهذا حدَّث به أبو سعيد٥، فلما بلغ ابن عمر قول النبي ﷺ في الخوارج، وأمره بقتالهم، تحسّر على ترك قتالهم.
الصحابة على ثلاثة أقوال في فتنة الجمل وصفين
فكان قتالهم ثابتًا بالسنة الصحيحة الصريحة، وباتفاق الصحابة؛ بخلاف فتنة الجمل وصفّين٦؛ فإنّ أكثر السابقين الأولين كرهوا القتال في هذا، وهذا.
السنة دلت على أن عليا أولى الطائفتين
وكثيرٌ من الصحابة قاتلوا إما من هذا [الجانب] ٧، وإما من هذا الجانب؛ فكانت الصحابة في ذلك على ثلاثة أقوال٨.
_________________
(١) ١ انظر: عن الذين اعتزلوا الفتنة؛ كسعد، وابن عمر، فلم يبايعوا لأحدٍ إلا في جماعة: منهاج السنة النبوية ٤٣٩٢-٣٩٣، و٨٥٢٥-٥٢٦. والبداية والنهاية ٧٢٣٧. ٢ القائل هو عبد الله بن عمر ﵁. ٣ انظر: سير أعلام النبلاء ٣٢٣١-٢٣٢. ٤ الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ٢٧٤٥-٧٤٦، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم. والإمام أحمد في مسنده ٣٣٢، ٤٨. ٥ الخدري ﵁. ٦ انظر: خبرهما في البداية والنهاية ٧٢٤١، وما بعدها،، و٢٦٤ وما بعدها. وانظر: كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في المنهاج ٨٥٢٢-٥٢٨؛ فهو مشابه للكلام الذي ذكره هنا. ٧ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٨ انظر: منهاج السنة النبوية ١٥٣٥، ٥٤١-٥٤٢،،٤٥٠١-٥٠٢،، ٧٤٧٣. ومجموع الفتاوى ٢٧٧٣.
[ ١ / ٥٦٦ ]
\لكن الذي دلت عليه السنة الصحيحة أنّ عليًا بن أبي طالب [﵁] ١ كان أولى بالحق٢، وأنّ ترك القتال بالكلية كان خيرًا وأولى؛ ففي الصحيحين عن أبي سعيد أنّ النبيّ ﷺ قال: "تمرق مارقة على حين فرقة من الإسلام يقتلهم أولى الطائفتين بالحق"٣. وقد ثبت عنه أنّه جعل القاعد فيها خيرًا من القائم، والقائم خيرًا من الماشي، والماشي خيرًا من الساعي٤، وأنّه أثنى على من صالح، ولم يُثن على من قاتل؛ ففي البخاري وغيره عن أبي بكرة أنّ النبيّ ﷺ قال عن الحسن: "إن ابني هذا سيِّدٌ، وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين"٥؛ فأثنى على الحسن في إصلاح الله به بين الفئتين. وفي صحيح مسلم، وبعض نسخ البخاري: أنّ النبيّ ﷺ [قال] ٦ لعمّار: "تقتلك الفئة الباغية" ٧.
_________________
(١) ١ زيادة من «ط» . ٢ انظر: منهاج السنة النبوية ٤٣٥٨. ومجموع الفتاوى ٢٧٥١. ٣ تقدم تخريجه آنفًا. ٤ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. ومن تشرّف لها تستشرفه، ومن وجد فيها ملجأ فليعذ به". الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٣١٣١٨، كتاب المناقب، باب علامات النبوة. ومسلم في صحيحه ٤٢٢١١-٢٢١٢، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب نزول الفتن كمواقع القطر. ٥ رواه البخاري في صحيحه ٢٩٦٢-٩٦٣، كتاب الصلح، باب قول النبيّ ﷺ: "إنّ ابني هذا لسيد"، و٣١٣٢٨، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام. ٦ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٧ رواه الإمام البخاري في صحيحه ٣١٠٣٥، كتاب الجهاد، باب مسح الغبار عن الرأس في سبيل الله. والإمام مسلم في صحيحه ٤٢٢٣٥-٢٢٣٦، كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل.
[ ١ / ٥٦٧ ]
بقاء الطائفة المنصورة إلى يوم القيامة
وفي الصحيحين أيضًا أنّه قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة"١؛ قال معاذ: وهم بالشام.
وفي صحيح مسلم عنه أنّه قال: "لا يزال أهل المغرب ظاهرين لا يضرهم من خذلهم" ٢.
أهل المغرب هم أهل الشام
قال أحمد بن حنبل، وغيره: أهل المغرب: أهل الشام٣؛ أي أنّها أول المغرب؛ فإن التغريب [والتشريق] ٤ أمر نسبيّ؛ فلكل بلد غرب وشرق، وهو ﷺ تكلّم بمدينته؛ فما تغرب عنها فهو غرب، وما تشرق عنها فهو شرق، وهي٥ مسامتة أول الشام من ناحية الفرات؛ كما أنّ مكة مسامتة لحرّان٦،
_________________
(١) ١ انظر: صحيح البخاري ٣١٣٢٩، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، و٦٢٦٦٧، كتاب الاعتصام، باب قول النبي ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، وهم أهل العلم"، و٦٢٧١٤، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه﴾ . وانظر: صحيح مسلم ٣١٥٢٣-١٥٢٤، كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم". ٢ انظر: صحيح مسلم ٣١٥٢٥، كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم"، ولفظ مسلم: "لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة". ٣ انظر: مجموع الفتاوى ٢٧٤١، ٥٠٧. وانظر أقوال العلماء في معنى أهل الغرب، في: شرح النووي على مسلم ١٣٦٨. ومنهاج السنة النبوية ٤٤٦١-٤٦٢. وفتح الباري ١٣٣٠٨. والمغني لابن قدامة ١٣٢٠. ٤ في «ط»: والتشريف. ٥ أي المدينة النبوية. ٦ قال ياقوت في معجم البلدان: (هي مدينة عظيمة مشهورة من جزيرة أقور، وهي قصبة ديار مضر. بينها وبين الرّها يوم، وبين الرقة يومان) . معجم البلدان ٢٢٧١.
[ ١ / ٥٦٨ ]
و[سميساط] ١، ونحوهما٢.
قتال صفين من أي الأنواع كان
[وتصويب قتالهم] ٣ إن كان بعد الإصلاح، فلم يقع الإصلاح وإن كان عند بغيهم في الاقتتال. وإن لم يكن إصلاح فهؤلاء البغاة لم [يكن] ٤ في أصحاب عليّ من يقاتلهم، بل تركوا قتالهم؛ إما عجزًا، وإما تفريطًا؛ فتُرِكَ الإصلاحُ المأمور به.
وعلى هذا قوتلوا ابتداءً قتالًا غير مأمور به، ولما صار قتالهم مأمورًا به لم يقاتلوا القتال المأمور به، بل نكل أصحاب علي [﵁] ٥ عن القتال؛ إمّا عجزًا، وإمّا تفريطًا.
_________________
(١) ١ في «خ»: سميشاط. وما أثبت من «م»، و«ط» . وسُمَيْسَاط: قال ياقوت في معجم البلدان: (سُمَيْسَاط بضم أوله، وفتح ثانيه، ثم ياء من تحت ساكنة، وسين أخرى، ثم بعد الألف طاء مهملة: مدينة على شاطئ الفرات، في طرف بلاد الروم، على غربي الفرات) . معجم البلدان ٣٢٩٣. ٢ وقد قال شيخ الإسلام ﵀ معلّقًا على حديث: "لا يزال أهل المغرب.. ": (وهذا كما ذكروه؛ فإنّ كلّ بلد له غرب وشرق، والاعتبار في لفظ النبي ﷺ بغرب مدينته، ومن الفرات هو غرب المدينة؛ فالبيرة ونحوها على سمت المدينة؛ كما أنّ حران والرقة وسميساط ونحوها على سمت مكة. ولهذا يُقال إنّ قبلة هؤلاء أعدل القبل؛ بمعنى أنك تجعل القطب الشمالي خلف ظهرك، فتكون مستقبل الكعبة. فما كان غربي الفرات فهو غربي المدينة إلى آخر الأرض. وأهل الشام أول هؤلاء". منهاج السنة النبوية ٧٥٧. وانظر مزيد بيان لهذه المسألة في: مجموع الفتاوى ٢٧٤١-٤٢، ٥٠٧-٥٠٨،، ٢٨٥٣٢. ٣ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٤ في «م»، و«ط»: تكن. ٥ زيادة من «ط» .
[ ١ / ٥٦٩ ]
قتال البغاة
والبغاة المأمور بقتالهم: هم الذين بغوا بعد الاقتتال، وامتنعوا من الإصلاح المأمور به؛ فصاروا بغاة مقاتلين.
والبغاة إذا ابتدءوا [بالقتال] ١ جاز قتالهم بالاتفاق؛ كما يجوز قتال [الغواة] ٢ قطّاع الطريق إذا قاتلوا باتفاق الناس. فأمّا الباغي من غير قتال، فليس في النص أنّ الله أمر بقتاله، بل الكفار إنما يُقاتلون بشرط [الحراب] ٣؛ كما ذهب إليه جمهور العلماء، وكما دل عليه الكتاب والسنة؛ كما هو مبسوط في موضعه٤.
أنواع المرتدين الذين قاتلهم الصديق
والصدّيق قاتل المرتدين الذين ارتدوا عمّا كانوا فيه على عهد الرسول من دينه، وهم أنواع: منهم من آمن بمتنبىء [كذّاب] ٥، ومنهم من لم يقرّ ببعض فرائض الإسلام التي أقرّ بها مع الرسول، ومنهم من ترك الإسلام بالكليّة٦.
ولهذا تُسمّى هذه وأمثالها من الحروب بين المسلمين فتنًا؛ كما سمّاها
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: القتال. ٢ في «خ»: الغداة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ في «م»، و«ط»: الجراب. أما في «خ» فقد كتب الحراب، ووضع تحت حاء الحراب علامة (ح) إشارة إلى أنها مهملة. ٤ انظر: المغني لابن قدامة ١٢٤٧٤-٤٨٣. ومنهاج السنة النبوية ٤٤٦٣، ٥٠٢. ومجموع الفتاوى ٤٤٤٥، ٤٥٠، ١٠٣٧٤-٣٧٥، ٢٧٤١-٤٢، ٥٠٧-٥٠٨، ٢٨٣٠٠-٣٠١، ٥٣٢، ٣٥٧٨-٧٩. ٥ في «خ»: الكذاب. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٦ انظر: منهاج السنة النبوية ٤٤٩٤، ٥٠١؛ حيث بيّن شيخ الإسلام ﵀ أنواع المرتدين الذين قاتلهم أبو بكر الصديق ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ. والجواب الصحيح ٦٤٧٤-٤٧٥.
[ ١ / ٥٧٠ ]
النبيّ ﷺ ١. والملاحم: ما كان بين المسلمين والكفار.
وبسط هذا له موضع آخر٢.
الكلام في الخوارج
والمقصود هنا: أنّ الخوارج ظهروا في الفتنة، وكفّروا عثمان وعليًا [﵄] ٣، ومن والاهما، وباينوا المسلمين في الدار، وسمّوا دارهم دار الهجرة٤، وكانوا كما وصفهم النبيّ ﷺ: يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، وكانوا أعظم الناس صلاةً وصيامًا وقراءةً؛ كما قال النبيّ ﷺ: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم؛ يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية"٥.
معنى مروقهم من الدين
ومروقهم منه: خروجهم؛ باستحلالهم دماء المسلمين، وأموالهم؛ فإنّه قد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"٦. وهم بسطوا في المسلمين أيديهم وألسنتهم؛ فخرجوا منه.
_________________
(١) ١ فعن أسامة بن زيد ﵁ أنّ النبيّ ﷺ أشرف على أطم من آطام المدينة، ثم قال: "هل ترون ما أرى. إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع المطر". صحيح مسلم ٤٢٢١١، كتاب الفتن، باب الفتن كمواقع المطر. وانظر: منهاج السنة النبوية ٤٤٥٠-٤٥٢؛ فقد ذكر الشيخ ﵀ عدة أحاديث، فيها إخبار النبيّ ﷺ بما سيكون من الفتن. ٢ انظر: منهاج السنة النبوية ٦٣٢٨-٣٤٤،، ٨٢٣٢-٢٣٣. ٣ زيادة من «ط» . ٤ انظر: منهاج السنة النبوية ٥٢٤٣. ٥ سبق تخريج هذا الحديث ص ٦٨٠. ٦ رواه البخاري في صحيحه ١١٣، كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.
[ ١ / ٥٧١ ]
لا يكفر الخوارج
ولم يحكم علي [﵁] ١، وأئمة الصحابة فيهم بحكمهم في المرتدين، بل جعلوهم مسلمين.
قول سعد في الخوارج
وسعد بن أبي وقاص، وهو أفضل من كان قد بقي بعد علي [﵁] ٢، وهو من أهل الشورى، واعتزل في الفتنة؛ فلم يقاتل، لا مع علي، ولا مع معاوية. ولكنّه ممن تكلم في الخوارج، وتأوّل فيهم قوله٣: ﴿وَمَا يُضِلّ بِهِ إِلاّ الفَاسِقِين الّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ في الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ ٤.
إحراق علي لمن ادعى فيه الألوهية
وحدث أيضًا طوائف الشيعة الإلهية الغلاة، فرُفع إلى عليّ [﵁] ٥ منهم طائفة ادّعوا فيه الإلهية، فأمرهم بالرجوع، فأصروا، فأمهلهم ثلاثًا، ثم أمر بأخاديد من نار فخُدّت، وألقاهم فيها؛ فرأى قتلهم بالنار٦.
اختلاف ابن عباس مع علي في تحريق الزنادقة
وأما ابن عباس: فقال٧: لو كنت أنا لم أحرّقهم بالنار؛ لنهي [رسول
_________________
(١) ١ زيادة من «ط» . ٢ زيادة من «ط» . ٣ انظر: منهاج السنة النبوية ٥٢٥٠. وتفسير ابن كثير ١٦٥. ٤ سورة البقرة، الآيتان ٢٦-٢٧. ٥ زيادة من «ط» . ٦ انظر: منهاج السنة النبوية ١٣٠٦-٣٠٧،، ٢٦١-٦٥،، ٣٤٥٩. وقد قال وقتها: لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا أججت ناري ودعوت قنبرا انظر: مجموع الفتاوى ١٣٣٢-٣٤. وانظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ٥٤٧. وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٨١٦٩. ٧ انظر قوله في: صحيح البخاري ٣١٠٩٨،، ٦٢٥٣٧. ومنهاج السنة النبوية ١٣٠٧. وسير أعلام النبلاء ٣٣٤٦.
[ ١ / ٥٧٢ ]
الله] ١ ﷺ أن يُعذّب بعذاب الله، ولضربت أعناقهم؛ لقوله ﷺ: "من بدّل دينه فاقتلوه". رواه البخاري٢. وأكثر الفقهاء على قول ابن عباس.
ابن السوداء وإفساده في الدين
وروي أنّه بلغه أنّ ابن السوداء٣ يسبّ أبا بكر وعمر [﵄] ٤، فطلب قتله، فهرب منه٥. فإما قتله على السب، أو لأنّه كان متهمًا بالزندقة.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ الحديث رواه البخاري ٣١٠٩٨، كتاب الجهاد، باب لا يعذب بعذاب الله، ٦٢٥٣٧، كتاب استتابة المرتدين، باب حكم المرتد والمرتدة. ٣ هو عبد الله بن سبأ، رأس الطائفة السبئية، كانت تقول بألوهية علي. أصله من اليمن، وكان يهوديًا من يهود صنعاء، أظهر الإسلام، ورحل إلى الحجاز، فالبصرة، فالكوفة، ودخل دمشق في أيام عثمان بن عفان، فأخرجه أهلها، فانصرف إلى مصر، وجهر ببدعته. ومن مذهبه: رجعة النبي ﷺ إلى الدنيا، فكان يقول: العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب برجوع محمد. ولما بويع علي قام إليه ابن سبأ، فقال له: أنت خلقت الأرض، وبسطت الرزق، فنفاه إلى ساباط المدائن، حيث القرامطة وغلاة الشيعة. عُرف بابن السوداء لسواد أمه. قال ابن حجر: ابن سبأ من غلاة الزنادقة، أحسب أن عليًا حرقه بالنار. وقال شيخ الإسلام: إن عليًا لما بلغه قول السبئية طلب ابن السوداء الذي بلغه ذلك عنه، وقيل: إنه أراد قتله، فهرب منه إلى أرض قرقيسيا. والسبئية يزعمون أن عليًا لم يمت، وأنه يرجع إلى الدنيا، وكذلك الأموات يرجعون إلى الدنيا بزعمهم انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري ١٨٦. والفرق بين الفرق ص ٢٣٣-٢٣٦. والملل والنحل ١١٧٤. ومنهاج السنة النبوية ١٢٣، ٣٠، ٣٠٨،، ٨٤٧٩. والبداية والنهاية ٤١٧٤. ولسان الميزان ٣٢٨٩. ٤ زيادة من «ط» . ٥ انظر: منهاج السنة النبوية ١١١، ٣٠٨.
[ ١ / ٥٧٣ ]
وقيل: إنه هو الذي ابتدع بدعة الرافضة، وأنّه كان قصده إفساد دين الإسلام١. وهذا يستحق القتل باتفاق المسلمين.
حكم من سبّ أبابكر وعمر
والذين يسبون أبا بكر وعمر [﵄] ٢، فيهم [تزندق] ٣؛ كالإسماعيلية، والنصيرية؛ فهؤلاء يستحقون القتل بالإتفاق. وفيهم من يعتقد [نبوّة] ٤ النبيّ ﷺ؛ كالإمامية؛ فهؤلاء في قتلهم نزاعٌ، وتفصيلٌ مذكورٌ في غير هذا الموضع٥.
وتواتر عن علي بن أبي طالب [﵁] ٦ أنّه قال: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر"٧.
قدماء الشيعة يفضلون أبا بكر وعمر
وهذا متفقٌ عليه بين قدماء الشيعة، وكلّهم كانوا يفضلون أبا بكر وعمر [﵄] ٨، وإنّما كان النزاع في علي وعثمان [﵄] ٩ حين صار لهذا شيعة، ولهذا شيعة. وأمّا أبو بكر وعمر [﵄] ١٠: فلم يكن أحدٌ يتشيّع لهما، بل جميع الأمة كانت متفقة عليهما؛ حتى الخوارج فإنّهم يتولونهما، وإنما يتبرءون من علي وعثمان١١ [﵄] ١٢.
_________________
(١) ١ انظر: الملل والنحل للشهرستاني ١١٧٤. ومنهاج السنة النبوية ١٢٣، ٣٠، ٣٠٨، ٦٣٦١، ٧٥١١، ٨٢٥١، ٤٧٩. ٢ زيادة من «ط» . ٣ في «خ»: تزنديق. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ في «م»، و«ط»: بنبوة. ٥ انظر هذه المسألة بالتفصيل، مع أدلتها، وأقوال العلماء فيها في: الصارم المسلول على شاتم الرسول ص ٥٦٦-٥٨٧. ٦ زيادة من «ط» . ٧ انظر: منهاج السنة النبوية ١٣٠٨،، ٢١٣٨. ٨ من «ط» . ٩ من «ط» . ١٠ من «ط» . ١١ انظر: منهاج السنة النبوية ١١٣،، ٧٣٦٩، ٤٧٢. ١٢ من «ط» .
[ ١ / ٥٧٤ ]
وروي١ أنّ معاوية قال: لابن عباس: أنتَ على ملة علي، أم عثمان؟ قال: لا على ملة علي، ولا عثمان، أنا على ملّة رسول الله ﷺ.
اتفاق شيعة علي وشيعة عثمان على تقديم الشيخين
وكان كل من الشيعيتن يذمّ الآخر بما برأه الله منه؛ فكان بعض شيعة عثمان يتكلمون في عليّ بالباطل، وبعض شيعة عليّ يتكلمون في عثمان بالباطل. والشيعتان مع سائر الأمة متفقة على تقديم أبي بكر وعمر.
قيل لشريك بن عبد الله القاضي٢: أنت من شيعة علي، وأنت تفضّل أبا بكر وعمر؟! فقال: كلّ شيعة علي على هذا؛ هو يقول على أعواد هذا المنبر: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر. أفكنّا نكذّبه! والله ما كان كذّابًا٣.
وقد روى البخاري في صحيحه٤ من حديث محمد بن الحنفية، أنّه قال له٥: يا أبت من خير الناس بعد رسول الله؟ فقال: يا بني أوما تعرف؟
_________________
(١) ١ انظر: حلية الأولياء ١٣٢٩. وسير أعلام النبلاء ٣٣٤٢. ٢ هو شريك بن عبد الله بن أبي نمر المدني المحدّث. مات قبل الأربعين ومائة. انظر: سير أعلام النبلاء ٦١٥٩. وتهذيب التهذيب ٤٣٣٧. ٣ انظر: منهاج السنة ١١٣-١٤؛ حيث ذكر شيخ الإسلام ﵀ أنه نقل قول شريك عن عبد الجبار المعتزلي في كتابه تثبيت النبوة. انظر: تثبيت النبوة لعبد الجبار ١٥٤٩. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد روي عن علي من نحو ثمانين وجهًا وأكثر أنه قال على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر". مجموع الفتاوى ٤٤٠٧. ٤ صحيح البخاري ٣١٣٤٢، كتاب فضائل أصحاب النبيّ ﷺ، باب قول النبيّ ﷺ: "لو كنتُ متخذًا خليلًا.. ". ٥ أي لعلي ﵁.
[ ١ / ٥٧٥ ]
قال: لا. قال: أبو بكر. قال: ثمّ مَنْ؟ قال: ثمّ عمر. وهو مروي من حديث الهمدانيين؛ شيعة علي، عن أبيه.
وروي عن علي أنه قال:
ولو كنتُ بوّابًا على باب جنّة لقلت لهمدان ادخلي بسلام١.
وقد روي عنه٢ أنه قال: "لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري".
قتل علي لمن اعتقد إلهيته
وقد ثبت عن علي ﵁ بالأحاديث الثابتة، بل المتواترة أنه قتل الغالية؛ كالذين يعتقدون إلهيته، بعد أن استتابهم ثلاثًا كسائر المرتدين، وأنّه كان يبالغ في عقوبة من يسبّ أبا بكر وعمر، وأنّه كان يقول إنّهما خير هذه الأمة بعد نبيها. وهذا مبسوط في مواضع٣.
والمقصود هنا: أن هاتين٤ حدثتا في ذلك الوقت٥.
_________________
(١) ١ انظر: منهاج السنة النبوية ٦١٣٧،، ٧٥١١. ومجموع الفتاوى ٤٤٠٧. ٢ فضائل الصحابة للإمام أحمد ١٨٣. قال المحقق: إسناده ضعيف. وانظر: منهاج السنة ١٣٠٨،، ٦١٣٨،، ٧٥١١. ومجموع الفتاوى ٤٤٠٧. ٣ انظر: منهاج السنة النبوية ١٣٠٦-٣٠٨. ومجموع الفتاوى ٤٤٠٦-٤٠٧. ٤ بدعة الخوارج، وبدعة الروافض. ٥ انظر: منهاج السنة النبوية ١٣٠٦-٣١٠؛ فقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ فيه موضوعًا مشابهًا لما ذكر هنا حول نشأة الفرق وتطورها في الإسلام. وانظر: مجموع الفتاوى ١٣٣١-٤٠، ٤٨-٥٠.
[ ١ / ٥٧٦ ]
بدعة القدرية حدثت في آخر عهد الصحابة
ثمّ في آخر عصر الصحابة: حدثت القدرية، وتكلم فيها من بقي من الصحابة؛ كابن عمر١، وابن عباس٢ [وواثلة] ٣ بن الأسقع، وغيرهم٤.
بدعة الإرجاء
وحدثت أيضًا بدعة المرجئة في الإيمان.
والآثار عن الصحابة ثابتةٌ بمخالفتهم، وأنّهم٥ قالوا: الإيمان يزيد وينقص٦؛ كما ثبت ذلك عن الصحابة؛ كما هو مذكور في موضعه٧.
أصول البدع أربعة
بدعة الجهمية حدثت في أواخر الدولة الأموية
وأما الجهمية نفاة الأسماء والصفات: فإنّما حدثوا في أواخر الدولة الأموية٨. وكثيٌر من السلف لم يدخلهم في الثنتين وسبعين فرقة؛ منهم: يوسف بن أسباط، وعبد الله بن المبارك؛ قالوا: أصول البدع أربعة: الخوارج، والشيعة، والقدرية، والمرجئة. فقيل لهم: الجهمية؟ فقالوا: ليس هؤلاء من أمة محمد٩.
_________________
(١) ١ وقول ابن عمر ﵄ مخرّج في صحيح مسلم ١٣٦، كتاب الإيمان، باب الإيمان، والإسلام، والإحسان. وفيه قوله ﵁ لمن نقل له مقولة القدرية، وأنهم يقولون إنّ الأمر أنف: "فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني. والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أنّ لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ثمّ ذكر ﵁ حديث جبريل المشهور في بيان الإسلام، والإيمان، والإحسان. ٢ انظر قول ابن عباس في كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ٢١٢٥-١٢٦. ٣ في «م»، و«ط»: ووائلة. ٤ انظر: مجموع الفتاوى ٧٣٨٤-٣٨٥. ومنهاج السنة النبوية ١٣٠٩. ٥ أي الصحابة ﵃. ٦ انظر: كتاب الإيمان لابن أبي شيبة ١-٤٦. وكتاب الإيمان لأبي عبيد. وكتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد. ٧ انظر: مجموع الفتاوى ٧٢٢٣-٢٢٧، ٥٠٧،، ٨٤٥٠. ٨ انظر: منهاج السنة النبوية ١٣٠٩. ٩ سبق تخريجه ص ٤٩٨. وانظر: رسالة السجزي ص ٢١٦. ورسالة إلى أهل الثغر للأشعري ص ٣٠٨. والإيمان لابن بطة ١٣٨٠. ودرء تعارض العقل والنقل ٧١١٠. والرد على المنطقيين ص ١٤٣.
[ ١ / ٥٧٧ ]
الجهمية ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة
ولهذا تنازع من بعدهم من أصحاب أحمد، وغيرهم: هل هم من الثنتين وسبعين؟ على قولين؛ ذكرهما عن أصحاب أحمد: أبو عبد الله بن حامد١ في كتابه في الأصول٢.
الجهمية ينفون الأسماء والصفات
والتحقيق: أنّ التجهّم المحض؛ وهو نفي الأسماء والصفات؛ كما يُحكى عن جهم، والغالية من الملاحدة، ونحوهم ممّن نفى أسماء الله الحسنى كفرٌ، بيِّنٌ، مخالفٌ لما علم بالإضطرار من دين الرسول٣.
المعتزلة ينفون الصفات
وأما نفي الصفات، مع إثبات الأسماء؛ كقول المعتزلة٤: فهو دون [هذا] ٥. لكنّه عظيمٌ أيضًا.
_________________
(١) ١ هو أبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي بن مروان البغدادي. قال عنه ابن أبي يعلى: إمام الحنبلية في زمانه، ومدرسهم، ومفتيهم. له المصنفات في العلوم المختلفات، له الجامع في المذهب نحو من أربعمائة جزء، وله شرح الخرقي، وشرح أصول الدين، وأصول الفقه. توفي سنة ٤٠٣. انظر: طبقات الحنابلة ٢١٧١-١٧٧. والبداية والنهاية ١١٣٤٩. ٢ لم أقف على هذا الكتاب. وشيخ الإسلام ينقل عنه كثيرًا، ويسميه أصول الدين. انظر: درء تعارض العقل والنقل ٢٧٥. ومجموع الفتاوى ٦١٦٢، ١٦٣) . ٣ انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص٢١١. ومنهاج السنة النبوية ١٣٠٩-٣١٢. والبداية والنهاية ٩٣٦٤. والخطط للمقريزي ٢٣٤٩. وقد تكلم الشيخ ﵀ عن تنازع الناس في الجهمية: هل هم من الثنتين والسبعين فرقة، أم لا؟. وقد سبق ذكر هذا النص ص ٤٩٧. انظر: شرح الأصفهانية ٢٢٣٩-٢٤٠. ومجموع الفتاوى ٣٣٥٠، ٣٥٤. ٤ انظر: الفرق بين الفرق ص ٢٠، ١١٤. والملل والنحل ١٤٣. والخطط للمقريزي ٢٣٤٥. والبرهان في عقائد أهل الأديان ص ٤٩. ٥ في «ط»: ذها.
[ ١ / ٥٧٨ ]
الأشاعرة يثبتون الصفات العقلية
وأما من أثبت الصفات المعلومة بالعقل والسمع، وإنّما نازع في قيام الأمور الاختيارية [به] ١؛ كابن كلاب، ومن اتّبعه٢. فهؤلاء ليسوا جهمية، بل وافقوا جهمًا في بعض قوله، وإن كانوا خالفوه في بعضه. وهؤلاء من أقرب الطوائف إلى السلف وأهل السنة والحديث.
معتقد السالمية والكرامية
وكذلك السالمية٣، والكرامية، ونحو هؤلاء يوافقون في جملة أقوالهم المشهورة؛ فيثبتون الأسماء والصفات، والقضاء والقدر في الجملة ليسوا من الجهمية، والمعتزلة النفاة للصفات. وهم أيضًا يُخالفون الخوارج،
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنّ نفاة قيام الأفعال الاختيارية بالله نوعان، فقال ﵀: "أحدهما وهم الأصل: المعتزلة ونحوهم من الجهمية. فهؤلاء ينفون الصفات مطلقًا، وحجتهم على نفي قيام الأفعال به من جنس حجتهم على نفي قيام الصفات به. وهم يُسوّون في النفي بين هذا وهذا؛ كما صرّحوا بذلك. وليس لهم حجة تختص بنفس قيام الحوادث وأما مثبتة الصفات الذين ينفون الأفعال الاختيارية القائمة به؛ كابن كلاب، والأشعري؛ فإنهم فرقوا بين هذين؛ بأنه لو جاز قيام الحوادث به لم يخل منها؛ لأنّ القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضدّه، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. وبهذا استدلوا على حدوث الأجسام؛ لأنها لا تخلو من الأعراض الحادثة؛ كالحركة، والسكون، والاجتماع، والافتراق ". ثمّ أجابهم ﵀ بثلاثة أجوبة. انظر: شرح الأصفهانية - ت السعوي - ٢٤٤١. وانظر: رسالة السجزي ص ١٧٣. ودرء تعارض العقل والنقل ٢١٦-١٨. وجامع الرسائل ٢٧. ومنهاج السنة النبوية ٢٢٢٧-٢٢٩. ٣ السالمية: فرقة من أهل الكلام فيها تصوّف، تنتسب إلى محمد بن سالم، المتوفى سنة ٢٩٧؟، وابنه أحمد المتوفى سنة ٣٥٠؟. ومن أشهر رجالها: أبو طالب المكي صاحب كتاب قوت القلوب. انظر: المعتمد في أصول الدين ص٣٩٠. والفرق بين الفرق ص١٥٧-٢٠٢. ودائرة المعارف الإسلامية ١١٦٩. وشذرات الذهب ٣٣٦.
[ ١ / ٥٧٩ ]
والشيعة؛ فيقولون بإثبات خلافة الأربعة، وتقديم أبي بكر وعمر، ولا يقولون بخلود أحدٍ من أهل القبلة في النّار.
الكرامية والكلابية وأكثر الأشعرية: مرجئة
لكن الكرامية، والكلابية، وأكثر الأشعرية: مرجئة١، وأقربهم الكلابية؛ يقولون: الإيمان: هو التصديق بالقلب، والقول باللسان، والأعمال ليست منه؛ كما يُحكى هذا عن كثيرٍ من فقهاء الكوفة؛ مثل أبي حنيفة، [وأصحابه] ٢٣.
الأشعري وأصحابه يوافقون جهمًا في بعض قوله في الإيمان
وأما الأشعريّ٤: فالمعروف عنه، وعن أصحابه: أنّهم يُوافقون جهمًا في قوله في الإيمان، وأنّه مجرّد تصديق القلب، أو معرفة القلب. لكن قد يظهرون مع ذلك قول أهل الحديث، ويتأولونه، ويقولون بالاستثناء على الموافاة؛ فليسوا موافقين لجهم من كلّ وجه، وإن كانوا أقرب الطوائف إليه في الإيمان، وفي القدر أيضًا٥؛ فإنه٦ رأس الجبرية؛ يقول: ليس للعبد فعل البتة٧.
_________________
(١) ١ انظر: رسالة السجزي ص٢١٧. والخطط للمقريزي ٢٣٥٧. وشرح الأصفهانية - ت السعوي - ٢٥٨٧-٥٨٨. ومجموع الفتاوى ٧٥٠٩، ٥٤٣، ٥٥٠. ٢ في «خ»: أصعا. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٣ انظر: الفقه الأكبر بشرح ملا علي القاري ص ١٢٦. ومجموع الفتاوى ٧١٩٥، ٢٩٧، ٥٠٧. وشرح الأصفهانية ت السعوي ٢٥٨٥-٥٨٦. ٤ انظر: التمهيد للباقلاني ص ٣٨٨، ٣٨٩. وأصول الدين للبغدادي ص ٢٥٢. والمواقف للإيجي ص ٣٨٨. ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ٧١٢٠، ١٥٤. ٥ انظر: مجموع الفتاوى ٨٢٢٩، ٣٣٩-٣٤٠. والتسعينية ص ٢٥٥-٢٥٦. ٦ أي الجهم. ٧ انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري ١٣٣٨. والفرق بين الفرق للبغدادي ص ٢١١. والملل والنحل للشهرستاني ١٨٧-٨٨.
[ ١ / ٥٨٠ ]
كسب الأشعري
والأشعريّ يوافقه١ على أنّ العبد ليس بفاعل، ولا له قدرة مؤثرة في الفعل، ولكن يقول: هو كاسب٢.
جهم يقول بالجبر
وجهم لا يثبت له شيئًا، لكن هذا الكسب؛ يقول أكثر الناس: إنّه لا يعقل فرقٌ بين الفعل الذي نفاه، والكسب الذي أثبته. وقالوا: عجائب الكلام ثلاثة: [طفرة] ٣ النظّام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعري. وأنشدوا٤:
عجائب الكلام
ممّا يُقال ولا حقيقة عنده معقولة تدنو إلى الأفهام
الكسب٥ عند الأشعري والحال٦ عنـ د [البهشمي] ٧ و[طفرة] ٨ النظام
_________________
(١) ١ أي يوافق جهمًا. ٢ سبق أن أوضحت معنى الكسب ص ٥٥٨-٥٥٩. ٣ في «خ»: ظفرة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ انظر: منهاج السنة ١٤٥٩، ٢٢٩٧. وشرح الأصفهانية - ت السعوي - ١١٤٩-١٥٠. ودرء تعارض العقل والنقل ٣٤٤٤، ٨٣٢٠. وكتاب الصفدية ١١٥١-١٥٤. ٥ سبق التعريف بالكسب: ص ٤٦١-٤٦٢. ٦ الحال في اللغة: نهاية الماضي، وبداية المستقبل. التعريفات للجرجاني ص ١١٠. والأحوال عند من يثبتها: لا موجودة، ولا معدومة، ولا هي أشياء، ولا هي مخلوقة، ولا غير مخلوقة. واشتهر بها أبو هاشم بن الجبائي، وأتباعه البهشمية. انظر: الإرشاد للجويني ص ٨٠. والفرق بين الفرق ص ١٨٤، ١٩٥-١٩٦. والفصل في الملل والأهواء والنحل ٥٤٩. ونهاية الإقدام ص ١٣١-١٣٢. ٧ في «خ»: النهشمي. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٨ في «خ»: ظفرة. وما أثبت من «م»، و«ط» . والطفرة اشتهر بها النظام من المعتزلة. ومعناها عنده: أنّ الجسم قد يكون في مكان، ثم يصير منه إلى المكان الثالث، أو العاشر من غير مرور بالأمكنة المتوسطة بينه وبين العاشر، ومن غير أن يصير معدومًا في الأول، ومعادًا في العاشر. انظر: مقالات الإسلاميين ٢١٩. والفرق بين الفرق ص ١٤٠. والفصل لابن حزم ٥٦٤-٦٥. والملل والنحل للشهرستاني ١٧٠-٧١.
[ ١ / ٥٨١ ]
قول الكرامية في الإيمان لم يسبقوا إليه
وأمّا الكرامية: فلهم في الإيمان قولٌ ما سبقهم إليه أحدٌ؛ قالوا: هو الإقرار باللسان، وإن لم يعتقد بقلبه. وقالوا: المنافق هو مؤمن، ولكنّه مخلّدٌ في النّار. وبعض الناس [يحكي] ١ عنهم: أن المنافق في الجنّة. وهذا غلطٌ عليهم، بل هم يجعلونه مؤمنًا، مع كونه مخلّدًا في النّار؛ فينازَعون في الاسم، لا في الحكم.
منشأ الغلط في أقوال أهل البدع في الإيمان
وقد بسط القول٢ على منشأ الغلط؛ حيث ظنّوا [أنّ الإيمان] ٣ لا يكون إلا شيئًا متماثلًا عند جميع الناس؛ إذا ذهب بعضه، ذهب سائره.
قول الخوارج والمعتزلة في الإيمان
ثم قالت الخوارج والمعتزلة٤: وهو أداء الواجبات، واجتناب المحرمات؛ فاسم المؤمن مثل اسم البرّ، والتقي؛ وهو المستحق للثواب، فإذا ترك بعض [ذلك] ٥ زال عنه اسم الإيمان والإسلام.
ثم قالت الخوارج: ومن لم يستحق هذا ولا هذا فهو كافرٌ. وقالت المعتزلة: بل ينزل منزلة بين المنزلتين؛ فنسمّيه فاسقًا، لا مسلمًا، ولا كافرًا، ونقول: إنّه مخلّد في النار. وهذا هو الذي امتازت به المعتزلة، وإلا فسائر بدعهم قد قالها غيرهم؛ فهم وافقوا الخوارج في حكمه، ونازعوهم، ونازعوا غيرهم في الاسم.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: يحكى. ٢ انظر: منهاج السنة النبوية ٣٤٦٢. ومجموع الفتاوى ٧١٤٠-١٤١، ٤٠٤، ٥٠٩، ٥١١، ٥١٤-٥١٧. وشرح الأصفهانية - ت السعوي - ٢٥٨٦-٥٨٧. ٣ ما بين المعقوفتين مكرّر في «خ» . ٤ انظر: مجموع الفتاوى ٧٢٢٢-٢٢٣، ٢٤٢، ٢٥٧، ٥١٠، و١٣٤٨. وشرح الأصفهانية - ت السعوي - ٢٥٧٤، ٥٨٦-٥٨٧. ٥ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» .
[ ١ / ٥٨٢ ]
قول الجهمية والمرجئة في الإيمان
وقالت الجهمية والمرجئة١: بل الأعمال ليست من الإيمان، لكنّه شيئان، أو ثلاثة يتفق فيها جميع الناس: التصديق بالقلب، والقول باللسان، أو المحبة، والخضوع مع ذلك.
وقالت الجهمية والأشعرية والكرامية٢: بل ليس إلا شيئًا واحدًا يتماثل فيه الناس.
أصل غلط أهل البدع في الإيمان ظنهم أن الناس يتماثلون فيه
وهؤلاء الطوائف أصل غلطهم٣: ظنّهم أن الإيمان يتماثل فيه الناس، وأنّه إذا ذهب بعضه، ذهب كلّه. وكلا الأمرين غلطٌ؛ فإن الناس لا يتماثلون؛ لا فيما وجب منه، ولا فيما يقع منهم، بل الإيمان الذي وجب على بعض الناس قد لا يكون مثل الذي يجب على غيره؛ كما كان [الإيمان بمكة لم يكن الواجب منه كالواجب بالمدينة، ولا كان في آخر الأمر كما كان] ٤ في أوله.
ولا يجب على أهل الضعف والعجز من الإيمان، ما يجب على أهل القوة والقدرة في العقول والأبدان٥.
بل أهل العلم بالقرآن، والسنّة، ومعاني ذلك يجب عليهم من تفصيل الإيمان ما لا يجب على من لم يعرف ما عرفوا. وأهل الجهاد يجب عليهم من الإيمان في تفصيل الجهاد ما لا يجب على غيرهم. وكذلك ولاة الأمر،
_________________
(١) ١ انظر: مجموع الفتاوى ٧١٤١، ١٤٣، ١٥٤، ٥٠٨، ٥٠٩. وشرح الأصفهانية - ت السعوي - ٢٥٧٤-٥٧٥. ٢ انظر: مجموع الفتاوى ٧٥٠٨-٥٠٩، ٥٨٢. ٣ وقد استوفى الشيخ ﵀ الردّ عليهم، وتبيين غلطهم. انظر: مجموع الفتاوى ٧٥١١-٥١٣. ٤ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٥ انظر: مجموع الفتاوى ٧٥١٩. وشرح الأصفهانية - ت السعوي - ٢٥٧٧-٥٧٨.
[ ١ / ٥٨٣ ]
وأهل الأموال يجب على كلٍّ؛ من معرفة ما أمر الله به، ونهى عنه، وأخبر به ما لا يجب على غيره. والإقرار بذلك من الإيمان.
ومعلوم أنه وإن كان الناس كلّهم يشتركون في الإقرار بالخالق، وتصديق الرسول جملة، فالتفصيل لا يحصل بالجملة. ومن عرف ذلك مفصلًا، لم يكن ما أُمر به ووجب عليه، مثل من لم يعرف ذلك.
الناس غير متماثلين في فعل المأمور
وأيضًا: فليس الناس متماثلين في فعل ما أُمروا به؛ من اليقين، والمعرفة، والتوحيد، وحب الله، وخشية الله، والتوكل على الله، والصبر لحكم الله، وغير ذلك مما هو من إيمان القلوب، ولا [من] ١ لوازم ذلك [التي] ٢ تظهر على الأبدان. وإذا قُدِّر أنَّ بعض ذلك زال، لم يزل سائره. بل يزيد الإيمان تارة وينقص تارة؛ كما ثبت ذلك عن أصحاب رسول الله ﷺ؛ مثل عمر بن حبيب الخطمي، وغيره؛ أنهم قالوا: الإيمان يزيد وينقص٣؛ كما قد بسط في غير هذا الموضع٤.
مخالفة أهل البدع لأصول دين الرسول ﷺ
إذ المقصود هنا: أنّ طوائف أهل البدع من أهل الكلام وغيرهم ليس فيهم من يوافق الرسول في أصول دينه لا فيما اشتركوا فيه ولا فيما انفرد به بعضهم. فإنهم وإن اشتركوا في مقالات فليس إجماعهم حجة، ولا هم معصومون من الاجتماع على خطأ.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: في. ٢ في «ط»: الشيء. ٣ انظر: طبقات ابن سعد ٤٣٨١. والمصنف لابن أبي شيبة ١١١٣. والإيمان له ص ٧. والسنة لعبد الله بن الإمام أحمد ١٣١٥. والشريعة للآجريّ ص ١١٢. وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ١٣٠٧. وشرح اعتقاد أهل السنّة للالكائي ٥٧٧، ٧٢١. ٤ انظر: مجموع الفتاوى ٧٢٢٣-٢٢٧.
[ ١ / ٥٨٤ ]
وقد زعم طائفة١ أنّ إجماع المتكلمين في المسائل الكلامية كإجماع الفقهاء. وهذا غلط، بل السلف قد استفاض عنهم ذم المتكلمين، وذمّ أهل الكلام مطلقًا٢.
اشتراك أهل البدع في دليل الأعراض
ونفس ما اشتركوا فيه؛ من إثبات الصانع بطريقة الأعراض، وأنها لازمة للجسم أو متعاقبة عليه، فلا يخلو منها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها، وأن الله يمتنع أن يقال إنه لم يزل متكلما بمشيئته بعد أن لم يكن بلا حدوث حادث، وما يتبع هذا هو أصل مبتدع في الإسلام؛ أول ما عرف أنه قاله الجهم بن صفوان مقدّم
_________________
(١) ١ من هؤلاء الرازي. ٢ تقدمت الإشارة إلى ذلك ص ٣٢٠-٣٢٤. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن طرق أهل الكلام المبتدعة المذمومة: (ولم تكن هذه الطرق شرعية بل بدعية؛ لأن معرفة الله ورسوله لا تتوقف على هذه المسائل، ولأن كثيرًا من النظار اعتقدوا أن هذا من أصول الدين وقواعد الإيمان، فتكلموا في ذلك بالكلام الذي ذمه السلف والأئمة. وهؤلاء هم الجهمية من المعتزلة ومن اتبعهم، وأصل كلامهم أنهم قالوا: لا يعرف صدق الرسول حتى يعرف إثبات الصانع، ولا يعرف إثبات الصانع حتى يعرف حدوث العالم، ولا يعلم حدوث العالم إلا بما به يعلم حدوث الأجسام، ثم استدلوا على حدوث الأجسام بطرق، أحدها: أنه لا يخلو عن الحوادث، وما لم يخل عن الحوادث فهو حادث ) . شرح الأصفهانية ١٢٦٤. وانظر: المصدر نفسه ٢٣٢٨-٣٣١. وقال الإمام البربهاري: (واعلم أنها لم تكن زندقة ولا كفر ولا شكوك ولا بدعة ولا ضلالة ولا حيرة في الدين إلا من الكلام وأهل الكلام والجدل والمراء والخصومة والعجب) . شرح السنة ص ٤٨. وانظر: ذم السلف لأهل الكلام في: شرح الأصفهانية ٢٣١٨. ودرء تعارض العقل والنقل ١٢٣٢.
[ ١ / ٥٨٥ ]
الجهمية١، وأبو الهذيل العلاف مقدّم المعتزلة٢.
اللوازم التي التزمها أصحاب الدليل
ولهذا طرداه٣؛ فقالا بامتناع الحوادث في المستقبل، وقال الجهم بفناء الجنة والنار. وقال أبو الهذيل بانقطاع حركاتهما؛ كما قد بسط فروع هذا الأصل الذي اشتركوا فيه٤.
الجهمية والمعتزلة نفوا لأجله الصفات وقالوا بخلق القرآن
ثم افترقوا بعد ذلك في فروعه؛ فأئمتهم كانوا يقولون كلام الله؛ القرآن وغيره مخلوقٌ، وكذلك سائر ما يوصف به الرب ليس له صفة قامت به؛ لأن ذلك عرض عندهم لا يقوم إلا بجسم، والجسم حادث٥؛ فقالوا: القرآن وغيره من كلام الله مخلوقٌ، وكذلك سائر ما يوصف به الربّ٦.
_________________
(١) ١ انظر: رسالة إلى أهل الثغر لأبي الحسن الأشعريّ ص ١٨٥. والفرقان بين الحق والباطل لابن تيمية ص ٩٦. ومجموع الفتاوى له ١٣١٤٧. وشرح الأصفهانية ٢٣٢٨-٣٣٠، ٣٤٠. ٢ انظر: شرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص ٩٥. وأبو الهذيل العلاف لعلي مصطفى الغرابي ص ٥٢. وعلم الكلام للدكتور أحمد محمود صبحي ١٣٣٩ القسم الخاصّ بالمعتزلة. ومذاهب الإسلاميين لعبد الرحمن بدوي الجزء الأول الخاص بالمعتزلة والأشاعرة ص ٣٩٧. ٣ أي طردا أصلهما: امتناع حوادث لا أول لها. ٤ انظر: من كتب ابن تيمية: شرح حديث النزول ص ١٦٢. ومجموع الفتاوى ٣٣٠٤-٣٠٥. ودرء تعارض العقل والنقل ١٣٩. والفتاوى المصرية ١١٣٥. ومنهاج السنة النبوية ١١٥٧. ٥ انظر: الانتصار والردّ على ابن الراوندي للخياط ص ١١١، ١٧٠-١٧١. وشرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ص ٢٠٠-٢٠١. ومنهاج السنة النبوية لابن تيمية ٣٣٦١. ودرء تعارض العقل والنقل له ٢١١. والإرادة والأمر له - ضمن مجموعة الرسائل الكبرى - ١٣٨٣-٣٨٤. ٦ انظر: الكشّاف للزمخشري ٢٨٨،، ٣٤١١. والمغني في أبواب العدل والتوحيد لعبد الجبار ٧٨٤، ٩٤. وشرح الأصول الخمسة له ص ٥٢٨. والمحيط بالتكليف له ص ٣٢، ١٠٧، ١٥٥، ٣١٦، ٣٣١، ٣٣٣. ومتشابه القرآن له ١٥٤٥. ومقالات الإسلاميين للأشعري ١٢٤٤-٢٤٥. والفرق بين الفرق للبغدادي ص ١١٤. والتبصير في الدين للاسفراييني ص ٦٤. والمنية والأمل لابن المرتضى المعتزلي ص ٦. والملل والنحل للشهرستاني ص ٤٤. واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي ص ٣٣. وانظر: من كتب ابن تيمية: تفسير سورة الإخلاص ص ١٥١-١٥٢. ومنهاج السنة النبوية ٢١٠٧. ومجموع الفتاوى ١٢٣١٥-٣١٦.
[ ١ / ٥٨٦ ]
فجاء بعدهم؛ مثل ابن كلاب، وابن كرّام، والأشعريّ، وغيرهم مَنْ شاركهم في أصل قولهم١، لكن قالوا بثبوت الصفات لله، وأنّها قديمة٢.
قول الأشعري الصفات لا تسمى أعراضًا
لكن منهم٣ من قال: لا تُسمّى أعراضًا؛ لأنّ العرض لا يبقى زمانين، وصفات الرب باقية؛ كما يقوله الأشعري وغيره٤.
_________________
(١) ١ في امتناع حوادث لا أول لها. ٢ انظر: الفتاوى المصرية لابن تيمية ٦٤٤٢-٤٤٣. ومجموع الفتاوى ٦٣٦. ودرء تعارض العقل والنقل ٢٦-١٢،، ٥٢٤٥-٢٤٦،، ٧١٤٧-١٤٨. ومنهاج السنة النبوية ١٣١٢. والفرقان بين الحق والباطل ص ٨٦، ١٠٠. ٣ وهم الأشاعرة. وقد نقل الإيجي والرازي اتفاقهم على ذلك. انظر: المواقف في علم الكلام للإيجي ص ١٠١. ومحصّل أفكار المتقدمين والمتأخرين للرازي ص ٢٦٥. ٤ وانظر: من كتب الأشاعرة: اللمع لأبي الحسن الأشعريّ ص ٢٢-٢٣. والتمهيد للباقلاني ص ٣٨. والإنصاف له ص ٢٧-٢٨. وأصول الدين للبغدادي ص ٥٠-٥٢. والشامل في أصول الدين للجويني ص ١٦٧.
[ ١ / ٥٨٧ ]
ومنهم١ من قال: تُسمّى أعراضًا، وهي قديمة، وليس كلّ عرضٍ حادثًا؛ كابن كرّام، وغيره٢.
قول ابن كلاب في كلام الله
ثمّ افترقوا في القرآن٣، وغيره من كلام الله؛ فقال ابن كلاب ومن اتبعه: [هو] ٤ صفة من الصفات، قديمةٌ كسائر الصفات٥. ثم قال: ولا يجوز أن يكون صوتًا؛ لأنه لا يبقى، ولا معاني متعددة؛ فإنها إن كان لها عدد مقدّر فليس قدر بأولى من قدر، وإن كانت غير متناهية، لزم ثبوت معان في آن واحد لا نهاية لها. وهذا ممتنع٦. فقال: إنّه معنى واحد، هو معنى آية الكرسي، وآية الدَّيْن، والتوارة، والإنجيل٧.
وقال جمهور العقلاء: إنّ تصوّر هذا القول تصورًا تامًا يُوجب العلم بفساده.
_________________
(١) ١ وهم المشبّهة؛ كالكرامية، ونحوهم. ٢ انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٦٣٦. والفرقان بين الحق والباطل له ص ١٠٠. ٣ وأقوالهم الفاسدة في القرآن الكريم ناجمة عن أصلهم الجهميّ الفاسد: (ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث)، وقولهم بامتناع حوادث لا أول لها. وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ﵀ في درء تعارض العقل والنقل ١٣٠٦؛ فقال بعد أن ذكر مذاهب المبتدعة؛ من معطلة ومشبهة في صفات الله تعالى، واستنادهم فيها إلى دليل الأعراض وحدوث الأجسام: "وعن هذه الحجة ونحوها نشأ القول بأنّ القرآن مخلوق، وأنّ الله تعالى لا يُرى في الآخرة، وأنّه ليس فوق العرش، ونحو ذلك من مقالات الجهميّة النفاة؛ لأنّ القرآن كلام، وهو صفة من الصفات، والصفات عندهم لا تقوم به. وأيضًا فالكلام يستلزم فعل المتكلّم، وعندهم لا يجوز قيام فعل به". ٤ في «ط»: فهو. ٥ انظر: شرح حديث النزول لابن تيمية ص ١٦٩-١٧٠. ودرء تعارض العقل والنقل له ٢١٨. ٦ انظر: ما نقله عنه أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين ٢٢٥٧-٢٥٨. ٧ وانظر: الكيلانية لابن تيمية ضمن مجموع الفتاوى ١٢٣٧٦. والفتاوى المصرية له ٥١٥.
[ ١ / ٥٨٨ ]
قول السالمية في كلام الله
وقال طائفة١: بل كلامه قديم العين، وهو حروفٌ، أو حروفٌ وأصواتٌ قديمةٌ أزليّةٌ، مع أنّها مترتّبة في نفسها، وأنّ تلك الحروف والأصوات باقيةٌ أزلًا وأبدًا٢.
وجمهور العقلاء يقولون إنّ فساد هذا معلومٌ بالضرورة.
وهاتان الطائفتان٣ [تقولان] ٤ إنّه لا يتكلم بمشيئته وقدرته.
قول الهشامية والكرامية في كلام الله
وقال آخرون؛ كالهشاميّة والكراميّة: بل هو متكلم بمشيئته وقدرته، وكلامه قائم بذاته، ولا يمتنع قيام الحوادث به، لكن يمتنع أن يكون لم يزل متكلمًا؛ فإنّ ذلك يستلزم وجود حوادث لا أوّل لها وهو ممتنع٥.
فهذه الأربعة في القرآن وكلام الله هي أقوال المشركين في امتناع دوام كون الرب فعّالًا بمشيئته، أو متكلّمًا بمشيئته.
_________________
(١) ١ وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ (في مجموع الفتاوى ١٢١٦٦) أنّ هذا القول: "قول طوائف من أهل الكلام والحديث؛ من السالمية، وغيرهم؛ يقولون: إنّ كلام الله حروف وأصوات قديمة أزليّة، ولها مع ذلك معان تقوم بذات المتكلّم. وهؤلاء يوافقون الأشعرية والكلابية في أنّ تكليم الله لعباده ليس إلا مجرّد خلق إدراك للمتكلم، ليس هو أمرًا منفصلًا عن المستمع". وانظر: زيادة إيضاح من كلام شيخ الإسلام لهذا القول في شرح الأصفهانية ٢٣٣١، ٣٣٣، ٣٣٨، ٣٤١. وانظر: ما سبق ص ٣١٧. ٢ انظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العزّ ١١٧٣. وقد ذكر شارح الطحاوية تسعة أقوال للناس في صفة الكلام؛ فراجعها في ١١٧٢ وما بعدها. ٣ الكلابيّة الذين يُنكرون أن يكون حرفًا وصوتًا. والسالمية التي تزعم أنّ كلام الله حروف وأصوات باقية أزلًا وأبدًا. ٤ في «خ»: يقولان. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٦٥٢٤. والفرقان بين الحق والباطل له ص ١٠٠. وقاعدة نافعة في صفة الكلام له - ضمن مجموعة الرسائل المنيرية - ٢٧٥. ورسالة في العقل والروح له - ضمن مجموعة الرسائل المنيرية - ٢٣٢-٣٣.
[ ١ / ٥٨٩ ]
قول أئمة السنة والحديث في كلام الله تعالى
وأمّا أئمة السنة والحديث؛ كعبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل١، وغيرهما٢؛ فقالوا: لم يزل الربّ متكلمًا إذا شاء وكيف شاء؛ [فذكروا] ٣ أنّه يتكلم بمشيئته وقدرته، وأنّه لم يزل كذلك٤.
المتكلمون مخالفون للكتاب والسنة
وهذا يناقض الأصل٥ الذي اشترك فيه المتكلمون؛ من الجهميّة، والمعتزلة، ومن تلقى عنهم؛ فلا هم موافقون للكتاب والسنة وكلام السلف؛ لا فيما اتفقوا عليه، ولا فيما تنازعوا فيه، ولهذا يوجد في عامّة أصول الدين لكل منهم قول، وليس في أقوالهم ما يوافق الكتاب والسنة؛ كأقوالهم في كلام الله، وأقوالهم في إرادته ومشيئته، وفي علمه، وفي قدرته، وفي غير ذلك من صفاته٦. وإن كان بعضهم أقرب إلى السنة والسلف من بعض.
_________________
(١) ١ انظر: كلام الإمام أحمد بن حنبل في الرد على الجهمية والزنادقة له ص١٣١. ونقله عنه العلامة ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٢١٣. وانظر: أيضًا: كتاب المحنة لحنبل بن إسحاق ص ٤٥، ٦٨. ٢ وانظر كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل ص ٢١-٤٢؛ حيث ذكر نقولًا كثيرة عن أئمة أهل السنّة والحديث في كلام الله ﷿. ٣ في «ط» فقط: فكذروا. ٤ انظر تفصيل معتقدهم في صفة الكلام في كتب ابن تيمية الآتية: الإيمان ص ١٦٢. ودرء تعارض العقل والنقل ٢٣٢٩،، ١٠٢٢٢. والاستقامة ١٣١١. ومجموع الفتاوى٦٥٣٣. والتسعينيّة ص١٣١-١٣٨، ١٧٦-١٨٨. ٢٣٦-٢٣٨. وشرح الأصفهانية ١٢٠٠-٢٠١، ٢٣٤١. ٥ وهو امتناع حوادث لا أول لها. وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. ٦ ومن يُقلّب كتب المعتزلة، والأشاعرة، والماتريدية، يجد البون الشاسع والفرق الكبير بين أقوال متبعي هذه المذاهب في قضيّة استندوا فيها جميعًا إلى أصل جهميّ واحد، وانطلقوا من منطلق واحد؛ فبنوا عليه أقوالهم التي ينطح بعضها بعضًا، وينقض أوّلها آخرها.
[ ١ / ٥٩٠ ]
المتكلمون في مسألة القرآن لا يعرفون قول أهل السنة
ولكن قد شاع ذلك بين أهل العلم والدين منهم؛ فكثيرٌ من أهل العلم والدين المنتسبين إلى السنّة والجماعة من قد يوافقهم على بعض أقوالهم في مسألة القرآن، أو غيرها؛ إذ كان لا يعرف إلا ذلك القول، أو ما هو أبعد عن السنة منه؛ إذ كانوا في كتبهم لا يحكون غير ذلك؛ إذ كانوا لا يعرفون السنّة، وأقوال الصحابة، وما دلّ عليه الكتاب والسنة. لا يعرفون [إلاّ قولهم] ١، وقول من يخالفهم من أهل الكلام، ويظنّون أنّه ليس للأمة إلا هذان القولان، أو الثلاثة.
المتكلمون يعتمدون على القياس العقلي وعلى الإجماع
وهم يعتمدون في السمعيات على ما يظنّونه من الإجماع، وليس لهم معرفة بالكتاب والسنّة، بل يعتمدون على القياس العقلي٢؛ الذي هو أصل كلامهم، وعلى الإجماع.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ وهو القياس الذي يستعمله أهل الكلام في حقّ الله تعالى. وهو نوعان: "قياس شمول منطقيّ تستوي أفراده في الحكم، وقياس تمثيل يستوي فيه الأصل والفرع. وكلا النوعين لا يُستعملان في حقّ الله تعالى؛ فإنّه سبحانه لا مِثل له، وإنّما يُستعمل في حقّه من هذا وهذا قياس الأولى؛ مثل أن يُقال: كلّ نقصٍ يُنزّه عنه مخلوق من المخلوقات، فالخالق تعالى أولى بتنزيهه عنه، وكلّ كمال مطلق ثبت لموجود من الموجودات، فالخالق تعالى أولى بثبوت الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه..". درء تعارض العقل والنقل ٧٣٦٢. وانظر: من كتب ابن تيمية: المصدر نفسه ١٢٩-٣٠، ٦١٨١، ٧١٥٤، ٣٢٢-٣٢٧، ٣٦٢-٣٦٤. ومجموع الفتاوى ٣٢٩٧، ٣٠٢، ٣٢١،، ٥٢٠١، ٢٥٠، ٩١٩-٢٠، ١٢٣٤٤، ٣٤٧-٣٥٠، ٣٥٦، ١٦٣٥٧، ٣٥٨، ٣٦٠، ٤٤٦. ومنهاج السنة النبوية ١٣٧١، ٤١٧. والرسالة التدمرية ص ٥٠، ١٥١. وكتاب الصفدية ٢٢٥، ٢٧. والرد على المنطقيين ص ١١٥-١١٦، ١١٨، ١١٩، ١٢٠-١٢٣. ونقض تلبيس الجهمية - مخطوط - ق ٢٢٥. وشرح الأصفهانية ٢٣٤٢، ٣٤٤.
[ ١ / ٥٩١ ]
إجماع المتكلمين إنما هو على ما ابتدعه رأس من رؤوسهم
وأصل كلامهم العقلي باطل، والإجماع الذي يظنونه إنما هو إجماعهم، وإجماع نظرائهم من أهل الكلام، ليس هو إجماع أمة محمد، ولا علمائها.
والله تعالى إنّما جعل العصمة للمؤمنين [من] ١ أمة محمد؛ فهم الذين لا يجتمعون على ضلالة ولا خطأ؛ كما ذكر على ذلك الدلائل الكثيرة٢. وكلّ ما اجتمعوا عليه فهو مأثور عن الرسول؛ فإنّ الرسول بيَّن الدين كلّه، وهم [معصومون] ٣ أن يُخطئوا كلّهم، ويضلّوا عمّا جاء به محمد. بل هم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر؛ فلا يبقى معروفٌ إلا أمروا به، ولا منكر إلا نهوا عنه.
وهم أمّة وسط، عدل، خيار، شهداء الله في الأرض؛ فلا يشهدون إلا بحقّ؛ فإجماعهم هو على علم موروث عن الرسول، جاء من عند الله، وذلك لا يكون إلا حقًّا.
وأمّا من كان إجماعهم على ما ابتدعه رأس من رؤوسهم٤؛ فيجوز أن يكون إجماعهم خطأ؛ إذ ليسوا هم المؤمنين، ولا أمة محمد، وإنما هم فرقة منهم.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ليس في «خ»، وهو في «م»، و«ط» . ٢ من الأدلة على الإجماع من القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ . [النساء ١١٥] . وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ . [البقرة ١٤٣] . وانظر: كلام شيخ الإسلام ﵀ عن الإجماع في: مجموع الفتاوى ١٩١٧٣-٢٠٢، ٢٠١٠-١١، ٢٤٧-٢٤٨. ٣ في «ط»: معصومن. ٤ وهم فرق المبتدعة يُجمعون على ما ابتدعه جهم بن صفوان الراسبي.
[ ١ / ٥٩٢ ]
وإذا قيل: المعتبر من أمة محمد بعلمائها. قيل: إذا اتفقت علماؤها على شيء، فالباقون يُسلمون لهم ما اتفقوا عليه، لا يُنازعونهم فيه؛ فصار هذا إجماعًا من المؤمنين. ومن نازعهم بعلم فهذا لا يثبت الإجماع دونه كائنًا من كان. أمّا من ليس من أهل العلم فيما تكلموا فيه، فذاك وجوده كعدمه.
المجتهدون الذين يعتبر بقولهم
وقول من قال: الاعتبار بالمجتهدين دون غيرهم، وأنّه لا يُعتبر بخلاف أهل الحديث، أو أهل الأصول، ونحوهم: كلامٌ لا حقيقة له؛ فإنّ المجتهدين إنْ أُريد بهم من له قدرة على معرفة جميع الأحكام بأدلّتها، فليس في الأمة من هو كذلك، بل أفضل الأمة كان يتعلم ممن هو دونه شيئًا من السنّة ليس عنده. وإن عنى به من يقدر على معرفة الاستدلال على الأحكام في الجملة، فهذا موجودٌ في كثيرٍ من أهل الحديث، والأصول، والكلام. وإن كان بعض الفقهاء أمهر منهم بكثير من الفروع، أو بأدلتها الخاصّة، أو بنقل الأقوال فيها؛ فقد يكون أمهر منه في معرفة أعيان الأدلة؛ كالأحاديث، والفرق بين صحيحها وضعيفها، ودلالات الألفاظ عليها، والتمييز بين ما هو دليل شرعيّ، وما ليس بدليل.
وبالجملة: العصمة إنّما هي للمؤمنين لأمة محمد، لا لبعضهم. لكن إذا اتفق علماؤهم على شيء، فسائرهم موافقون للعلماء. وإذا تنازعوا ولو كان المنازع واحدًا، وجب ردّ ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول.
وما أحد شذّ بقول فاسد عن الجمهور، إلا وفي الكتاب والسنة ما يُبيِّن فساد قوله، وإن كان القائل كثيرًا؛ كقول [سعيد] ١ في أن المطلقة ثلاثًا تباح بالعقد٢.
_________________
(١) ١ في «خ»: سعد. وما أثبت من «م»، و«ط» . وهو سعيد بن المسيب ﵀. ٢ انظر: قوله في المغني لابن قدامة ١٠٥٤٨-٥٤٩.
[ ١ / ٥٩٣ ]
من شذ بقول فاسد عن الجمهور ففي الكتاب والسنة ما يبين فساد قولهم
فحديث عائشة في الصحيحين يدل على خلافه١، مع دلالة القرآن أيضًا٢. وكذلك غيره.
القول الذي يدل عليه الكتاب والسنة غير شاذ وإن كان القائل به واحدًا
وأما القول الذي يدلّ عليه الكتاب والسنة، فلا يكون شاذًّا وإن كان القائل به أقل من القائل بذاك القول، فلا عبرة بكثرة القائل باتفاق الناس.
ولهذا كان السلف؛ من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان يردّون على من أخطأ بالكتاب والسنة، لا يحتجون بالإجماع إلا علامة.
العلامات والدلائل التي يبين بها المرسل الرسول
وقد يبعث معه نشّابه٣، أو سيفه، أو شيئًا من السلاح المختص به، أو يُركِبَه دابّته المختصة به، ونحو ذلك مما يعلم الناس أنّه قصد به تخصيصه، وإن
كانت تلك الأفعال [تفعل] ٤ مع أمثاله، وقد يُفعل لغير الرسول ممن
_________________
(١) ١ فعن عروة بن الزبير أنّ عائشة أخبرته أنّ امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله! إنّ رفاعة طلقني فبتّ طلاقي. وإنّي نكحت بعده إلى عبد الرحمن بن الزبير القرظي، وإنما معه مثل الهدبة. قال رسول الله ﷺ: "لعلّك تُريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته" الحديث. رواه البخاري في صحيحه ٥٢٠١٤، كتاب الطلاق، باب من أجاز طلاق الثلاث. ومسلم في صحيحه ٢١٠٥٥، كتاب النكاح، باب لا تحلّ المطلقة ثلاثًا لمطلقها، حتى تنكح زوجًا غيره، ويطأها، ثم يفارقها وتنقضي عدتها. وموضع الشاهد: قول امرأة رفاعة: فبتّ طلاقي: أي طلّقها ثلاثًا. وقد أجاز النبيّ ﷺ هذا الطلاق، ولكنّه لم يردّها إلى زوجها الأوّل الذي طلقها ثلاثًا بمجرّد العقد على زوجٍ غيره، بل اشترط أن يطأها زوجها الجديد، فتذوق عسيلته، ويذوق عسيلتها. ٢ قال تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ إلى قوله ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا..﴾ . [البقرة، ٢٢٩-٢٣١] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ..﴾ . [الطلاق، ١] . ٣ النُّشَّاب: النَّبل. واحدته نُشّابة. ويُطلق كذلك على السهام. انظر: لسان العرب ١٧٥٧. وتهذيب اللغة ١١٣٧٩-٣٨٠. ٤ في «خ»، و«م»، و«ط»: يفعل. ولعل الصواب ما أثبته.
[ ١ / ٥٩٤ ]
يقصد إكرامه وتشريفه، لكن هي خارقة لعادته؛ بمعنى أنه لم يعتد أن يفعل ذلك مع عموم الناس، ولا يفعله إلا مع من ميّزه بولاية، أو رسالة، أو وكالة. والولاية والوكالة [تتضمن] ١ الرسالة. فكلّ من هؤلاء هو في معنى رسوله إلى من ولاّه؛ إني قد ولّيته، وإلى من أرسله بأني أرسلته. فهذه عادة معروفة في العلامات، والدلائل التي يبيِّن بها المرسِل أنّ هذا رسولي
وجنس خرق العادة لا يستلزم الإكرام، بل [يَخْرِق] ٢ عادته بالإهانة تارة، وبالإكرام أخرى؛ فقد يخرج ويركب في وقت لم تجر عادته به، بل لعقوبة قومٍ.
وآيات الربّ - تعالى - قد [تكون] ٣ تخويفًا لعباده؛ كما قال: ﴿وَمَا نُرْسِلُ [بِالآيَاتِ] ٤ إِلاَّ تَخْوِيفَا﴾ ٥، وقد يُهلك بها؛ كما أهلك أممًا مكذبين، وإذا قصّ قصصهم قال: ﴿إنّ في ذلك لآيات﴾ ٦، وكان إهلاكهم خرقًا للعادة
_________________
(١) ١ في «خ»: يتضمن. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ في «م»، و«ط»: تُخرق. ٣ في «خ»: يكون. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٥ سورة الإسراء، الآية ٥٩. ٦ وهذا كثيرٌ في القرآن الكريم. ومن أمثلة ذلك:
(٢) قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ . [سورة يونس، الآية ٦٧]، [سورة الروم، الآية ٢٣] .
(٣) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . [سورة الرعد، الآية ٣]، [سورة الروم، الآية ١٠]، [سورة الزمر، الآية ٤٢] .
(٤) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . [سورة الرعد، الآية ٤]، [سورة الروم، الآية ٢٤] .
(٥) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ . [سورة إبراهيم، الآية ٥]، [سورة سبأ، الآية ١٩] .
(٦) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ . [سورة طه، الآية ٥٤، ١٢٨] .
(٧) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيات وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ . [سورة المؤمنون، الآية ٣٠] .
(٨) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ . [سورة الزمر، الآية ٥٢]، [سورة الروم، الآية ٣٧] .
(٩) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ . [سورة الروم، الآية ٢٢] .
(١٠) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ . [سورة السجدة، الآية ٢٦] .
[ ١ / ٥٩٥ ]
دلّ بها على أنّه عاقبهم بذنوبهم، وتكذيبهم للرسل، وأنّ ما فعلوه من الذنوب مما يُنهى عنه، ويُعاقب فاعله بمثل تلك العقوبة.
فهذه خرق عادات لإهانة قوم وعقوبتهم لما فعلوه من الذنوب [تجري] ١ مجرى قوله: عاقبتهم لأنّهم كذبوا رسولي وعصوه.
ولهذا يقول سبحانه كلّما قصّ قصة من كذّب رسله، وعقوبته إياهم؛ يقول: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُر وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ للذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر﴾ ٢؛ كما يقول في موضع آخر: ﴿إِنَّ في ذَلكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ ٣، و﴿إِنَّ في ذَلك لآيَة وَمَا كَان أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٤، و﴿تَرَكْنَا فِيهَا آيَة للَّذِينَ يَخَافُونَ العَذَابَ الألِيم﴾ ٥.
وإذا كانت تلك العلامات مما جرت عادته أنه يفعلها مع من أرسله، ويُهلك بها من كذّب رسله، كانت أبلغ في الدلالة، وكانت معتادة في هذا النوع.
_________________
(١) ١ في «خ»: يجري. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ سورة القمر، الآيات ١٦-١٧، ٢١-٢٢. ٣ سورة المؤمنون، الآية ٣٠. ٤ سورة الشعراء، الآية ٨. ٥ سورة الذاريات، الآية ٢٧.
[ ١ / ٥٩٦ ]
تقسيم الباقلاني للعادات إلى عامة وخاصة
وهؤلاء١ تكلّموا بلفظ لم يحققوا معناه؛ وهو لفظة خرق العادة، وقالوا: العادات تنقسم إلى عامّة، وخاصّة؛ فمنها ما يشترك فيه جميع الناس، في جميع الأعصار؛ كالأكل، والشرب، واتقاء الحر والبرد. والخاصّ منها ما يكون كعادة للملائكة فقط، أو للجنّ فقط، أو للإنس دون غيرهم٢.
قالوا: ولهذا صحّ أن يكون لكلّ قبيلٍ منهم ضرب من التحدّي، وخرق لما هو عادة لهم دون غيرهم، وحجّة عليهم دون ما سواهم٣.
ومنها ما يكون عادة لبعض البشر؛ نحو اعتياد بعضهم صناعة، أو تجارة، أو رياضة في ركوب الخيل، والعمل بالسلاح٤. لكن هذه كلّها مقدورات للبشر.
قالوا: وآية الرسل لا تكون مقدورة لمخلوق، بل لا تكون إلا مما ينفرد الله بالقدرة عليه٥.
فإذا قالوا هذا، ظنّ الظانّ أنّهم اشترطوا أمرًا عظيمًا.
قول الأشاعرة: المعجز: الإقدار على الفعل لا نفس الفعل
ولم يشترطوا شيئا؛ فإنهم قالوا٦ في جنس الأفعال التي لا [يقدر] ٧ النّاس إلاَّ على اليسير منها؛ كحمل الجبال، ونقلها: إنّ المعجزة هنا إقدارهم على الفعل، لا نفس الفعل. ورجّحوا هذا على قول من يقول: نفس الفعل آية؛ لأنّ جنس الفعل مقدورٌ.
_________________
(١) ١ يعني الأشاعرة. ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٥٢-٥٣. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ٥٣. ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٥٤. ٥ انظر: البيان للباقلاني ص ٥٤. ٦ انظر: البيان للباقلاني ص ٦١، ٧٢. ٧ في «م»، و«ط»: تقدر.
[ ١ / ٥٩٧ ]
نقد شرطهم
وليس هذا بفرق طائل؛ فإنّه لا فرق بين تخصيصهم بالفعل، أو بالقدرة عليه. فإذا كان إقدارهم على الكثير الذي لم تجر به العادة معجزة، كان نفس الكثير الذي لم تجر به العادة معجزة.
الأشاعرة أثبتوا للعبد قدرة غير مؤثرة
وهؤلاء عندهم أنّ قدرة العباد لا تؤثّر في وجود شيء، ولا يكون مقدورها إلا في محلها١؛ فهم في الحقيقة لم يثبتوا قدرة؛ فكل ما في الوجود هو مقدور لله عندهم.
الجويني والرازي تركا هذا الشرط في المعجزة
ولهذا عدل أبو المعالي، ومن اتبعه؛ كالرازي عن هذا الفرق٢، فلم يشترطوا أن يكون ممّا ينفرد الرب بالقدرة عليه؛ إذ كانت جميع الحوادث عندهم كذلك. وقالوا٣: إنّ ما يحصل على يد الساحر، والكاهن، وعامل الطلسمات، وعند الطبيعة الغريبة، هو ممّا ينفرد الرب بالقدرة عليه، ويكون آية للنبيّ.
وهذا معتاد لغير الأنبياء، فلم يبق لقولهم خرقٌ [للعادة] ٤ معنى معقول.
قول الباقلاني: خرق العادة يكون لجميع الذين تحداهم الرسول
بل قالوا - واللفظ للقاضي أبي بكر٥: الواجب على هذا الأصل أن يكون خرق العادة الذي يفعله الله مما يخرق جميع القبيل الذين تحدّاهم الرسول بمثله، ويحتجّ به على نبوته؛ فإن أرسل ملكًا إلى الملائكة، أظهر
_________________
(١) ١ انظر: الملل والنحل للشهرستاني ١٩٧. ويُشير بذلك إلى ما عُرف ب (كسب الأشعري) . وقد تقدم بيان معناه ص ٥٥٨، ٦٩٧. ٢ يقصد ما تقدم ص ٢٥١-٢٥٤ من هذا الكتاب. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ٩١. والإرشاد ص ٣١٩. ٤ في «خ»: العادة. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٥ الباقلاني.
[ ١ / ٥٩٨ ]
على يده ما هو خرق لعادتهم؛ وإن أرسل بشرًا، أرسله بما يخرق عادة البشر؛ وإن أرسل جنيًّا، أظهر على يديه ما هو خارق لعادة الجن١.
مناقشة الأشاعرة في شروطهم التي اشترطوها للمعجزة
فيُقال: السّحر، والكهانة معتادٌ للبشر. وأنتم تقولون٢: يجوز أن يكون ما يأتي به الساحر، والكاهن [آية] ٣، بشرط أن لا يمكن معارضته. فلم يبق لكونه خارقًا للعادة معنى يعقل عندكم.
لهذا قال محققوهم٤: [إنّه] ٥ لا يُشترط في الآيات أن تكون خارقة للعادة؛ كما قد حكينا لفظهم في غير هذا الموضع؛ كما تقدم٦، وإنّما الشرط: أنها لا تعارض، وأن تقترن بدعوى النبوة٧؛ هذان الشرطان هما المعتبران. وقد بيّنا في غير موضع أنّ كلًا من الشرطين باطلٌ.
والأول: يقتضي أن يكون المدلول عليه جزءًا من الدليل.
وآيات النبوة أنواع متعددة؛ منها ما يكون قبل وجوده؛ ومنها ما يكون بعد موته؛ ومنها ما يكون في غيبته٨.
والمقصود هنا كان: هو الكلام على المثال الذي ذكروه، وأنّ ما ضرب من الأمثلة على الوجه الصحيح، فإنّه - ولله الحمد - يدلّ على صدق الرسول، وعلى فساد أصولهم.
_________________
(١) ١ انظر: البيان للباقلاني ص ٥٥. ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤، ٩٥. والإرشاد للجويني ص ٣٢٧-٣٢٨. ٣ رسمت في «خ»: انه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٧-٤٨. والإرشاد للجويني ص ٣٠٩. ٥ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٦ تقدم هذا في ص ٦٥٩-٦٦٠ من هذا الكتاب. ٧ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٧-٤٨، ١٩٤. والإرشاد للجويني ص ٣٢٠-٣٢١. ٨ انظر: الجواب الصحيح ٦٣٨٠.
[ ١ / ٥٩٩ ]
طريق الضرورة لإثبات النبوة
ولكن هم ضربوا مثالًا، إذا اعتبر على الوجه الصحيح كان حجةً - ولله الحمد - على صدق النبيّ، وعلى فساد ما ذكروه في المعجزات حيث قالوا١: هي الفعل الخارق للعادة، المقترن بدعوى النبوة والاستدلال به، وتحدّي النبيّ من دعاهم أن يأتوا بمثله. وشَرَطَ بعضهم٢ أن يكون مما ينفرد الرب بالقدرة عليه.
تعريف المعجزة عند الأشاعرة وشروطها
وهذه الأربعة هي التي شَرَطَ القاضي أبو بكر٣، ومن سلك مسلكه؛ كابن اللبان٤، وابن شاذان٥، والقاضي أبي يعلى٦، وغيرهم٧: أن يكون ممّا ينفرد الرب بالقدرة عليه على أحد القولين، أو منه ومن الجنس الآخر، إذا وقع على وجه يخرق العادة، وطريق متعذر على غيرهم مثله - على القول الآخر. قالوا وهذا لفظ [القاضي] ٨ أبي بكر.
_________________
(١) ١ انظر: البيان للباقلاني ص ١٦، ٩٤. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٠-١٧١. والمواقف للإيجي ص ٣٣٩-٣٤٠. والمقاصد مع شرحها للتفتازاني ٥١١. وانظر: الجواب الصحيح ٦٤٩٧. ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٥. ٣ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٥. ٤ هو عليّ بن محمد بن نصر الدينوري، أبو الحسن، ابن اللبّان. إمام، محدّث، حافظ. توفي سنة ثمانٍ وستين وأربع مائة. انظر: سير أعلام النبلاء ١٨٣٦٩-٣٧٠. ٥ هو الحسن بن أبي بكر؛ أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان. أبو علي البغدادي البزّاز الأصوليّ. إمام، فاضل، مسند العراق. توفي في آخر يوم من سنة ٤٢٥؟، ودفن في أول يوم من سنة ٤٢٦؟. انظر: سير أعلام النبلاء ١٧٤١٥-٤١٨. وشذرات الذهب ٣٢٢٨-٢٢٩. ٦ سبقت ترجمته. ٧ وانظر: أيضًا في أقوال هؤلاء في إثبات النبوة: الجواب الصحيح ٦٣٩٧-٣٩٨. ٨ ما بين المعقوفتين مكرّر في «خ» .
[ ١ / ٦٠٠ ]
والثاني: أن يكون ذلك الشيء الذي يظهر على أيديهم مما يخرق العادة، وينقضها. ومتى لم يكن كذلك، لم يكن معجزًا.
والثالث: أن يكون غير النبي ممنوعًا من إظهار ذلك على يده، على الوجه الذي ظهر عليه، ودعا إلى معارضته، مع كونه خارقًا للعادة.
والرابع: أن يكون واقعًا مفعولًا عند تحدي الرسول بمثله، وادعائه آيةً لنبوّته، وتقريعه بالعجز عنه من خالفه وكذّبه.
قالوا: فهذه هي الشرائط، والأوصاف التي تختص بها المعجزات١.
مناقشة شيخ الإسلام للأشاعرة في الشروط التي اشترطوها في المعجزة
فيقال لهم:
الشرط الأول قد عرف أنّه لا حقيقة له، ولهذا [أعرض] ٢ عنه أكثرهم٣.
والثاني أيضًا لا حقيقة له؛ فإنهم لم يميزوا ما يخرق العادة ممّا لا يخرقها. ولهذا ذهب من ذهب من محققيهم إلى إلغاء هذا الشرط؛ فهم لا يعتبرون خرق عادة جميع البشر، بل ما اعتاده السحرة، والكهان، وأهل الطلاسم عندهم، يجوز أن يكون آية إذا لم يُعارض٤. وما اعتاده أهل صناعة، أو علم، أو شجاعة ليس هو عندهم آية، وإن لم يعارض.
فالأمور العجيبة التي خص الله بالإقدار عليها بعض الناس، لم يجعلوها خرق عادة. والأمور المحرمة، أو هي كفرٌ؛ كالسحر، والكهانة، والطلسمات: جعلوها خرق عادة، وجعلوها آية، بشرط أن لا يعارض. وهو الشرط الثالث، وهو في الحقيقة خاصة المعجزة عندهم.
_________________
(١) ١ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٥-٤٦. ٢ في «ط»: أعراض. ٣ كما مرّ معنا في ص ٢٢٦-٢٢٧، ٦٤٠-٦٤١ من هذا الكتاب؛ من أمثال الجويني، والرازي. ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤-٩٦. والإرشاد للجويني ص ٣٢٧-٣٢٨.
[ ١ / ٦٠١ ]
لكن كون غير الرسول ممنوعًا منه: إن اعتبروا [أنه] ١ ممنوع مطلقا؛ فهذا لا يعلم. وإن اعتبروا أنه ممنوع من المرسل اليهم؛ فهذا لا يكفي، بل يمكن كلّ ساحر، وكاهن أن يدّعي النبوّة، ويقول إنني كذا.
قالوا٢: لو فعل هذا، لكان الله يمنعه فِعْلَ ذلك، أو يقيّض له من يعارضه.
قلنا: من أين لكم ذلك؟ ومن أين يعلم الناس ذلك؟ ويعلمون أن كل كاذب فلا بُدّ أن يُمنع من فعل الأمر الذي اعتاده هو وغيره قبل ذلك؟ أو أن يعارض؟
والواقع خلاف ذلك؛ فما أكثر من ادّعى النبوّة، أو الاستغناء عن الأنبياء، وأنّ طريقه فوق طريق الأنبياء، وأنّ الربّ يُخاطبه بلا رسالة، وأتى بخوارق من جنس ما تأتي السحرة، والكهّان، ولم يكن في من دعاه من يعارضه٣.
وأما الرابع: وهو أن يكون عند تحدي الرسول فيه، يحترزون عن الكرامات٤. وهو شرطٌ باطلٌ.
_________________
(١) ١ في «خ»: لأنّه. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤، ٩٥، ١٠٠. ٣ كمسيلمة الكذّاب، والأسود العنسيّ، والحارث الكذّاب، والحلاّج، وغيرهم. لم يكن عندهم مَنْ يُعارضهم. وسيتناول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذا الموضوع بشيءٍ من الإيضاح والشرح. انظر: ص ٩٥٠-٩٥٤ من هذا الكتاب. وانظر: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص ١٦٨-١٦٩، ٣٢١-٣٣٢. والجواب الصحيح ٦٥٠٠. ٤ وانظر الفرق بين المعجزات والكرامات عند الأشاعرة، في: البيان للباقلاني ص٤٨. والإرشاد للجويني ص٣١٧، ٣١٩-٣٢٠، ٣٢٢-٣٢٣. وأصول الدين للبغدادي ص ١٧٤.
[ ١ / ٦٠٢ ]
تعريف الدليل
آيات الأنبياء وإن لم يتحدوا بها فهي دلائل على النبوة
بل آيات الأنبياء آيات، وإن لم ينطقوا بالتحدي بالمثل. وهي دلائل على النبوّة، وصدق المخبِر بها. والدليل مغايرٌ للمدلول عليه، ليس المدلول عليه جزءًا من الدليل. لكن إذا قالوا: الدليل هو دعاء الرسول، لزمه أن يريهم آية، وخلق تلك الآية عقب سؤاله. وإن كان ذلك قد يخلقه بغير سؤاله لحكمة أخرى. فهذا متوجّه؛ فالدليل هو مجموع طلب العلامة، مع فعل ما جعله علامة؛ كما أنّ العباد إذا دعوا الله فأجابهم، كان ما فعله إجابةً لدعائهم، ودليلًا على أنّ الله سمع دعاءهم، وأجابهم؛ كما أنّهم إذا استسقوه فسقاهم، واستنصروه فنصرهم، وإن كان قد يفعل ذلك بلا دعاء، [فلا يكون هناك دليلٌ على إجابة دعاء. فهو دليلٌ على إجابة الدعاء] ١ إذا وقع عقب الدعاء، ولا يكون دليلًا إذا وقع على غير هذا الوجه.
وكذلك الرسول: إذا قال لمرسله: أعطني علامة. فأعطاه ما شرّفه به، كان دليلًا على رسالته، وإن كان قد يفعل ذلك لحكمة أخرى. لكن فعل ذلك عقب سؤاله، آية لنبوته هو الذي يختص به.
وكذلك إذا علم أنه فعله إكرامًا له، مع دعواه النبوة، علم أنّه قد أكرمه بما يكرم به الصادقين عليه، فعلم أنّه صادق؛ لأنّ ما فعله به مختص بالصادقين الأبرار، دون الكاذبين عليه الفجّار.
كرامات الأولياء من آيات الأنبياء
وعلى هذا فكرامات الأولياء هي من آيات الأنبياء٢؛ فإنها مختصة بمن شهد لهم بالرسالة، وكلّ ما استلزم صدق الشهادة بنبوتهم، فهو دليلٌ على صدق هذه الشهادة؛ سواءٌ كان الشاهد بنبوّتهم المخبِر بها هم، أو
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ساقطٌ من «ط» . ٢ انظر: دقائق التفسير لشيخ الإسلام ﵀ ١١٥٩. وانظر: تفسير القرطبي ١٣١٣٧. ودلائل النبوة لابن كثير ضمن البداية والنهاية ٦١٦١.
[ ١ / ٦٠٣ ]
غيرهم. بل غيرهم إذا أخبر بنبوتهم، وأظهر الله على يديه ما يدلّ على صدق هذا الخبر، كان أبلغ في الدلالة على صدقهم من أن يظهر على أيديهم.
ليس من شرط دلائل النبوة اقترانها بدعوى النبوة أو التحدي بها
فقد تبيّن أنّه ليس من شرط دلائل النبوة؛ [لا اقترانه] ١ بدعوى النبوة، ولا الاحتجاج به، ولا التحدي بالمثل٢، ولا تقريع من يخالفه. بل كلّ هذه الأمور قد تقع في بعض الآيات، لكن لا يجب أنّ ما لا يقع معه لا يكون آية، بل هذا إبطالٌ لأكثر آيات الأنبياء؛ [لخلوها] ٣ عن هذا الشرط٤.
_________________
(١) ١ في «م»، و«ط»: لاقترانه. ٢ كما يقوله أهل الكلام من المعتزلة والأشاعرة. انظر: المغني لعبد الجبار الهمداني ١٥١٩٩، ٢١٥. وشرح الأصول الخمسة له ص ٥٦٩-٥٧١. والبيان للباقلاني ص ٤٥-٤٦. والمواقف للإيجي ص ٣٣٩-٣٤٠. ٣ في «خ»: خلوها. وما أثبت من «م»، و«ط» . ٤ المتكلّمون جعلوا التحدّي شرطًا من شروط المعجزة. وقد ردّ عليهم شيخ الإسلام ﵀ اشتراطهم لهذا الشرط؛ فقال: "وآيات النبوة وبراهينها تكون في حياة الرسول، وقبل مولده، وبعد مماته، لا تختصّ بحياته، فضلًا عن أن تختصّ بحال دعوى النبوة، أو حال التحدّي؛ كما ظنّه بعض أهل الكلام". انظر: الجواب الصحيح ٦٣٨٠، ٤٠٨، ٤٩٦. وقد ردّ ابن حزم أيضًا على من اشترط هذا الشرط؛ فقال: "ومن ادّعى أنّ إحالة الطبيعة لا تكون آية إلا حتى يتحدى فيها النبيّ ﷺ النّاس، فقد كذب، وادّعى ما لا دليل عليه أصلًا؛ لا من عقل، ولا من نص قرآن ولا سنّة. وما كان هكذا، فهو باطلٌ، ويجب من هذا أنّ حنين الجذع، وإطعام النفر الكثير من الطعام اليسير حتى شبعوا، وهم مئون من صاع شعير، ونبعان الماء من بين أصابع رسول الله ﷺ، وإرواء ألف وأربعمائة من قدح صغير تضيق سعته عن الشبر، ليس شيء من ذلك آية له ﵇؛ لأنّه ﵇ لم يتحدّ بشيء من ذلك أحدًا". المحلى لابن حزم ١٣٦. وانظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل له ٥٢، ٦.
[ ١ / ٦٠٤ ]
الدليل ما يستلزم وجود المدلول
ثمّ هو شرطٌ بلا حجة؛ فإنّ الدليل على المدلول عليه، هو ما استلزم وجوده. وهذا لا يكون إلا عند عدم المعارض المساوي، أو الراجح. وما كان كذلك، فهو دليلٌ؛ سواءٌ قال المستدلّ به: ائتوا بمثله، وأنتم لا تقدرون على الإتيان بمثله، وقرعهم وعجزهم. أو لم يقل ذلك.
فهو إذا كان في نفسه مما لا يقدرون على الإتيان بمثله؛ سواءٌ ذكر المستدلّ [هذا] ١، أو لم يذكره؛ لا بذكره يصير دليلًا، ولا بعدم ذكره تنتفي دلالته.
وهؤلاء قالوا: لا يكون دليلا [إلا] ٢ [إذا] ٣ ذكره المستدل. وهذا باطلٌ.
وكذلك الدليل، هو دليلٌ؛ سواءٌ استدلّ به مستدلّ، أو لم يستدلّ. وهؤلاء قالوا: لا يكون دليل النبوة دليلًا، إلا إذا استدلّ به النبيّ حين ادّعى النبوة؛ فجعل نفس دعواه، واستدلاله، والمطالبة بالمعارضة، وتقريعهم بالعجز عنها؛ كلها جزءًا من الدليل.
وهذا غلطٌ عظيمٌ. بل السكوت عن هذه الأمور أبلغ في الدلالة، والنطق بها لا يُقوِّي الدليل. والله تعالى لم يقُل: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ [مِثْلِهِ] ٤﴾ ٥، إلاَّ حين قالوا: افتراه؛ لم يجعل هذا القول شرطًا في الدليل، بل نفس عجزهم عن المعارضة هو من تمام الدليل.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين، ٢ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٣ ما بين المعقوفتين مكرّر في «خ» . ٤ في «خ»: بمثله. ٥ سورة الطور، الآية ٣٤.
[ ١ / ٦٠٥ ]
الأشاعرة يجعلون الفرق بين جنس المعجزات والكرامات وخوارق السحرة: ادعاء النبوة وإلا فالجنس واحد
[وهم] ١ إنّما شرطوا ذلك؛ لأنّ كرامات الأولياء عندهم؛ متى اقترن بها دعوى النبوّة، كانت آية للنبوة٢؛ وجنس السحر، والكهانة؛ متى اقترن به دعوى النبوة، كان دليلًا على النبوّة عندهم، لكن قالوا: الساحر، والكاهن لو ادّعى النبوّة، لكان [يُمنع] ٣ من ذلك، أو يُعارض بمثله٤. وأمّا الصالح: فلا يدّعي.
فكان أصلهم: أنّ ما يأتي به النبيّ، والساحر، والكاهن، والولي: من جنسٍ واحد، لا يتميّز بعضه عن بعضٍ بوصف٥، لكن خاصّة النبيّ: اقتران الدعوى، والاستدلال، والتحدي بالمثل بما يأتي به.
فلم يجعلوا لآيات الأنبياء خاصّة تتميّز بها عن السحر، والكهانة، وعمّا يكون لآحاد المؤمنين، ولم يجعلوا للنبيّ مزيّة على عموم المؤمنين، ولا على السحرة، والكهّان من جهة الآيات التي يدل [الله] ٦ بها العباد على صدقه.
رد شيخ الإسلام عليهم
وهذا افتراءٌ عظيمٌ؛ على الأنبياء، وعلى آياتهم، وتسويةٌ بين أفضل الخلق، وشرار الخلق.
الساحر والكاهن لا يأتي إلا بالفجور
بل تسويةٌ بين [ما يدلّ] ٧ على النبوّة، وما يدلّ على نقيضها؛ فإنّ ما يأتي به السحرة، والكهّان، لا يكون إلاَّ لكذّابٍ، فاجرٍ، عدوٍّ لله؛ فهو مناقض للنبوة.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٢ انظر: البيان للباقلاني ص ٤٨. والإرشاد للجويني ص ٣١٩-٣٢١. ٣ في «م»، و«ط»: يمتنع. ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤، ٩٥، ١٠٠. ٥ انظر: البيان للباقلاني ص ٩١، ٩٦. والإرشاد للجويني ص ٣٢٧-٣٢٨. ٦ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٧ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين.
[ ١ / ٦٠٦ ]
من الفروق بين آيات الأنبياء وبين خوارق السحرة والكهان
فلم يفرقوا بين ما يدلّ على النبوّة وعلى نقيضها، وبين ما لا يدلّ عليها، ولا على نقيضها؛ فإنّ آيات الأنبياء تدلّ على النبوة، وعجائب السحرة، والكهّان تدلّ على نقيض النبوّة؛ وإنّ صاحبها ليس ببرّ، ولا عدلٍ، ولا وليٍّ لله، فضلًا عن أن يكون نبيًّا.
بل يمتنع أن يكون الساحر، والكاهن نبيًّا، بل هو من أعداء الله.
والأنبياء أفضل خلق الله، وإيمان المؤمنين، وصلاحهم لا يناقض النبوة، ولا يستلزمها.
الأشاعرة سووا بين الأجناس الثلاثة
فهؤلاء١ سوّوا بين الأجناس الثلاثة؛ فكانوا بمنزلة من سوّى بين عبادة [الرحمن] ٢، وعبادة الشيطان والأوثان؛ فإنّ الكهّان، والسحرة يأمرون بالشرك، وعبادة الأوثان، وما فيه طاعة للشيطان. [والأنبياء] ٣ لا يأمرون إلا بعبادة الله وحده، وينهون عن عبادة ما سوى الله وطاعة الشياطين.
النبي عند الأشاعرة
فسوّى هؤلاء بين هذا وهذا، ولم يبق الفرق إلا مجرّد تلفّظ المدّعي بأني نبيّ. فإن تلفّظ به، كان نبيًّا، وإن لم يتلفّظ به، لم يكن نبيا.
فالكذّاب المتنبي إذا أتى بما يأتي الساحر، والكاهن، وقال: أنا نبيّ، كان نبيًّا.
وقولهم: إنّه إذا فعل ذلك مُنِع منه، وعورض٤: دعوى مجردة؛ فهي لا تُقبل لو لم يعلم بطلانها. فكيف، وقد علم بطلانها، وأنّ كثيرًا ادّعوا ذلك، ولم يعارضهم ممّن دعوه أحد، ولا مُنعوا من ذلك.
_________________
(١) ١ يعني الأشاعرة. انظر: الجواب الصحيح ٦٤٠٠، ٥٠٠. ٢ في «ط»: احرحمن. ٣ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» . ٤ انظر: البيان للباقلاني ص ٩٤، ٩٥، ١٠٠.
[ ١ / ٦٠٧ ]
فلزم على قول هؤلاء: التسوية بين النبيّ الصادق، والمتنبي الكاذب.
وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ في جَهَنّمَ مَثْوَىً لِلْكَافِرِينَ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ١.
ولم يُفرّق هؤلاء٢ بين هؤلاء٣ وهؤلاء٤، ولا بين آيات هؤلاء، وآيات هؤلاء.
وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًَا وَهُدَىً للنَّاسِ [تَجْعَلُونَهُ] ٥ قَرَاطِيسَ [تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ] ٦ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِطُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًَا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ الله وَلَوْ تَرَى [إذ] ٧ الظَّالِمُونَ في غَمَرَاتِ المَوْتِ وَالمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ بِمَا كُنْتُم تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الآيتان ٣٢-٣٣. ٢ الأشاعرة. ٣ الأنبياء ﵈. ٤ السحرة والكهان. ٥ في «خ»: يجعلونه. ٦ في «خ»: يبدونها ويخفونها. ٧ ما بين المعقوفتين ساقطٌ من «ط» .
[ ١ / ٦٠٨ ]
ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمْ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ [أنّهم] ١ فِيكُمْ شُرَكَاءَ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ٢.
فنسأل الله العظيم: أن يهدينا إلى [صراطه] ٣ المستقيم؛ صراط الذين أنعم عليهم؛ من [النبيين] ٤، والصديقين، والشهداء، والصالحين؛ الذين عبدوه وحده، لا شريك له، وآمنوا بما أرسل به رسله، وبما جاءوا به من الآيات، وفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغيّ والرشاد، وطريق أولياء الله المتقين، وأعداء الله الضالّين، والمغضوب [عليهم] ٥؛ فكان ممّن صدَّق الرسل فيما أخبروا به، وأطاعهم فيما أمروا به. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
من أصول الأشاعرة
وهؤلاء٦ يُجوّزون أن يأمر الله بكلّ شيء، وأن ينهى عن كلّ شيء؛ فلا يبقى عندهم فرق بين النبيّ الصادق، والمتنبي الكاذب؛ لا من جهة نفسه؛ فإنهم لا يشترطون فيه إلاَّ مجرّد كونه في الباطن مقرًّا بالصانع٧. وهذا موجودٌ في عامّة الخلق؛ ولا من جهة [آياته؛ ولا من جهة] ٨
_________________
(١) ١ في «ط»: إنهم. ٢ سورة الأنعام، الآيات ٩١-٩٤. ٣ في «م»، و«ط»: صراط. ٤ في «ط»: افنبين. ٥ ما بين المعقوفتين ملحق في «خ» بين السطرين. ٦ يعني الأشاعرة. ٧ بل لا مانع عند الجهمية أن يكون النبيّ من أجهل الخلق، يقول شيخ الإسلام ﵀: "الجهمية تثبت نبوة لا تستلزم فضل صاحبها ولا كماله ولا اختصاصه قط بشيء من صفات الكمال، بل يجوز أن يُجعل من هو من أجهل الناس نبيًّا..". منهاج السنة النبوية ٥٤٣٦. ٨ ما بين المعقوفتين ملحق بهامش «خ» .
[ ١ / ٦٠٩ ]
ما يأمر به١.
والفلاسفة من هذا الوجه أجود قولًا في الأنبياء؛ فإنّهم يشترطون في النبيّ اختصاصه بالعلم من غير تعلم، وبالقدرة على التأثير الغريب، والتخييل. ويُفرّق بين الساحر، والنبيّ: بأنّ النبيّ يقصد العدل، ويأمر به؛ بخلاف الساحر٢.
الغزالي عدل إلى طريق الفلاسفة في النبوة
ولهذا عدل الغزالي في النبوة عن طريق أولئك المتكلمين، إلى طريق الفلاسفة؛ فاستدلّ بما يفعله، ويأمر به، على نبوته٣.
وهي طريق صحيحة، لكن إنّما أثبتَ بها نبوةّ مثل نبوةّ الفلاسفة٤.
_________________
(١) ١ ولشيخ الإسلام ﵀ كلام طيّب عن النبوّة عند الأشاعرة. فمن ذلك قوله ﵀ عنهم: "فهؤلاء يُجوّزون بعثة كلّ مكلّف، والنبوة عندهم مجرد إعلامه بما أوحاه إليه، والرسالة مجرّد أمره بتبليغ ما أوحاه إليه. وليست النبوة عندهم صفة ثبوتية، ولا مستلزمة لصفة يختصّ بها، بل هي من الصفات الإضافية؛ كما يقولون مثل ذلك في الأحكام الشرعية إلخ". منهاج السنة النبوية ٢٤١٤. وانظر: الجواب الصحيح ٦٤٩٦، ٥٠٠-٥٠٤. وكتاب الصفدية ١١٤٨-١٤٩، ٢٢٥. وانظر: موقفهم من عصمة الأنبياء في المصدر نفسه ٢٤١٤-٤١٥. ٢ انظر: كتاب الصفدية ١١٤٣. ٣ انظر: المنقذ من الضلال للغزالي ص ١٤٥-١٥٠. ومعارج القدس له ص ١٥١، ١٦٤؛ فإنه يجعل للنبوة ثلاثة خواص. وتهافت الفلاسفة له ص ١٩٢-١٩٤. وانظر: ما نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح الأصفهانية - ت السعوي - ٢٥١٩-٥٢٢، ٥٣٣. وما نقله - شيخ الإسلام - أيضًا عن المازري من أن كلام الغزالي يؤثر في الإيمان بالنبوة فينقص قدرها، انظر: الصفدية ١٢١١. ٤ وقد علّق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على كلام الغزالي، وبيَّن مشابهة قوله لقول الفلاسفة في حقيقة النبوّة. انظر: شرح الأصفهانية - ت السعوي - ٢٥٤٢- ٥٤٣ والصفدية ١٦ ودرء تعارض العقل والنقل ١٣٢. والرد على المنطقيين ص٥١٠. وانظر: كلام الغزالي في النبوة في طبقات الشافعية للسبكي ٤١١٠-١١٤.
[ ١ / ٦١٠ ]
مقارنة بين الأشاعرة والفلاسفة في النبوات
وأولئك١ خيرٌ من الفلاسفة؛ من جهة أنّهم لما أقرّوا بنبوّة محمدٍ، صدّقوه فيما أخبر به من أمور الأنبياء، وغيرهم، وكان عندهم معصومًا من الكذب فيما يبلغه عن الله؛ فانتفعوا بالشرع، والسمعيات. وبها صار فيهم من الإسلام ما تميّزوا به على أولئك٢؛ فإن أولئك لا ينتفعون بأخبار الأنبياء؛ إذ كانوا عندهم يُخاطبون الجمهور بالتخييل؛ فهم يكذبون عندهم للمصلحة٣.
_________________
(١) ١ يعني الأشاعرة. ٢ يعني الفلاسفة. ٣ ولشيخ الإسلام ﵀ كلام طيّب يشرح فيه النبوة عند الفلاسفة، يقول فيه: "وأما المتفلسفة القائلون بقدم العالم، وصدوره عن علة موجبة - مع إنكارهم أنّ الله تعالى يفعل بقدرته ومشيئته، وأنّه يعلم الجزئيات - فالنبوة عندهم فيضٌ يفيض على الإنسان بحسب استعداده، وهي مكتسبة عندهم. ومن كان متميزًا - في قوته العلمية؛ بحيث يستغني عن التعليم، وشُكّل في نفسه خطاب يسمعه كما يسمع النائم، وشخص يخاطبه كما يُخاطَب النائم؛ وفي العملية بحيث يؤثر في العنصريات تأثيرًا غريبًا - كان نبيًّا عندهم. وهم لا يُثبتون مَلَكًَا مُفضَّلًا يأتي بالوحي من الله تعالى، ولا ملائكة، بل ولا جِنًّا يخرق الله بهم العادات للأنبياء، إلا قوى النفس. وقول هؤلاء وإن كان شرًا من أقوال اليهود والنصارى، وهو أبعد الأقوال عمّا جاءت به الرسل، فقد وقع فيه كثيرٌ من المتأخرين الذين لم يُشرق عليهم نور النبوة؛ من المدّعين للنظر العقليّ، والكشف الخيالي الصوفي. وإن كان غاية هؤلاء الأقيسة الفاسدة، والشكّ، وغاية هؤلاء الخيالات الفاسدة والشطح". منهاج السنة النبوية ٢٤١٥-٤١٦. وانظر: كلامًا مشابهًا لهذا الكلام لشيخ الإسلام في شرح الأصفهانية - ت السعوي - ٢٥٠٢-٥٠٧. وكتاب الصفدية ٢٥-٧.
[ ١ / ٦١١ ]
ولكنْ آخرون١ سلكوا مسلك التأويل، وقالوا: إنّهم لا يكذبون. ولكن أسرفوا فيه.
من أسباب ظهور الفلاسفة على المتكلمين
ففي الجملة: ظهور الفلاسفة، والملاحدة، والباطنية على هؤلاء تارةً، ومقاومتهم لهم تارةً: لا بُدّ له من أسباب في حكمة الرب، وعدله.
ومن أعظم أسبابه: تفريط أولئك٢ وجهلهم بما جاء به الأنبياء؛ فالنبوّة التي ينتسبون إلى نصرها، لم يعرفوها، ولم يعرفوا دليلها، ولا قدروها قدرها.
وهذا يظهر من جهات متعددة. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
_________________
(١) ١ استوفى شيخ الإسلام ﵀ ذكر مذاهب هؤلاء والرد عليهم، وذكر أن المبتدعة لهم طريقتان في نصوص الأنبياء: أولًا طريقة التبديل، وأهلها صنفان: ١- أهل الوهم والتخييل؛ كابن سينا، وابن عربي، والفارابي، والسهروردي، وابن رشد الحفيد، وابن سبعين، وهو قول المتفلسفة والباطنية كالملاحدة الإسماعيلية، وإخوان الصفا، وملاحدة الصوفية. ٢- أهل التحريف والتأويل، وهم المقصودون هنا، وهي طريقة المتكلمين من المعتزلة والكلابية والسالمية والكرامية والشيعة وغيرهم. أما الطريقة الثانية: فهي طريقة التجهيل. انظر: درء تعارض العقل والنقل ١٨-٢٠. وكتاب الصفدية ١٢٠٢، ٢٠٣، ٢٠٩، ٢٣٧، ٢٤٤، ٢٦٥، ٢٧٦، ٢٨٨، ٢٨٩. وشرح الأصفهانية ٢٥٠٢-٥٠٨. والرد على المنطقيين ص ٤٦٩. ومجموع الفتاوى ٤٦٧. ٢ يعني الأشاعرة، ومن نحا منحاهم من أصحاب دليل الأعراض وحدوث الأجسام. وقد فصّل شيخ الإسلام ﵀ هذا الموضع، وزاده بسطًا وإيضاحًا في كتابه القيم شرح الأصفهانية ٢٣٢٩-٣٣٥. وانظر: في الكلام على النبوة عند الأشاعرة: منهاج السنة النبوية ٢٤١٤، ٥٤٣٦-٤٣٧. وكتاب الصفدية١٢٢٥-٢٢٦، ٢٢٨-٢٢٩. والكلام عن عصمة الأنبياء عندهم في منهاج السنة ٢٤١٤-٤١٥. وقد مرت معنا مقارنة بين موقف الأشاعرة من النبوة، وموقف الفلاسفة منها في ص ٦٠٩-٦١٢ من هذا الكتاب.
[ ١ / ٦١٢ ]