اعلم نفعني الله وإياك بكتابه وبسنة رسوله ﷺ وعصمنا بها من الزيغ والزلل أن كتب الطريقة التجانية كثيرة أقتصر على ذكر بعضها:
الأول: "جواهر المعاني من فيض أبي العباس التجاني" لمؤلفه علي حرازم بن
[ ٢٢ ]
العربي برادة الفاسي أخبرني الشيخ أحمد سكيرج أنه قرأ بخط الشيخ أحمد التجاني على هامش النسخة المخطوطة التي كتبها علي حرازم العبارة التالية (كل ما في هذا الكتاب فهو من إملائنا على محبنا سيدي علي حرازم) وفضائل هذا الكتاب عندهم كثيرة، منها أن البيت الذي تكون فيه نسخة منه تكثر عليه الخيرات والبركات ويحفظ أهله من جميع الشرور ومما أحفظه من المنية أرجوزة في علوم الطريقة للتجاني ابن بابا الشنقيطي ما نصه:
وقال فيه المصطفى كتابي وأنا ذا ألفت للأحباب
الضمير في فيه يعود إلى جواهر المعاني يعني أن النبي ﷺ قال جواهر المعاني كتابي وأنا الفته للأحباب وهم التجانيون وسيأتي في ذكر فضائلهم أن النبي ﷺ يحبهم محبة خاصة وأنهم تلاميذه وفقراؤه وهم مربيهم.
الكتاب الثاني: " الجامع " للشيخ محمد بن المشري، وهو من قدماء أصحاب الشيخ أحمد التجاني ولكن التجانيين لا يعباؤن بهذا الكتاب ومن الشائع عندهم أن الشيخ التجاني لم يكن راضيا عن مؤلفه كل الرضا لأنه أظهر الولاية وادعاء المشيخة في حياة شيخه وأن الشيخ أمره ألا يُساكنه في بلد واحد، قال محمد تقي الدين ولعل هذا النهي ينطبق على المثل المصري بلغة أهل الصعيد (السفينة اللي فيها ريِّسين تغرق) ترجمته (السفينة التي فيها ربانان تغرق) .
الكتاب الثالث: " الإفادة الأحمدية "، إذا أردت أن تعرف تراجم علي حرازم مؤلف جوهر المعاني ومحمد بن المشري مؤلف الجامع، والطيب السفياني مؤلف الإفادة الأحمدية وعمر الفوتي مؤلف كتاب الرماح الآتي ذكره وغيرهم من رؤساء الطريقة التجانية، فعليك بمطالعة كتاب كشف الحجاب عمن تلاقى مع الشيخ التجاني من الأصحاب، لمؤلفه الشيخ أحمد سكيرج فإنه جمع فيه صحابة الشيخ التجاني ومناقبهم كما جمع الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب والحافظ بن حجر في الإصابة تراجم أصحاب النبي ﷺ.
الكتاب الرابع: " رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم " لمؤلفه عمر بن سعيد الفوتي السنيغالي.
[ ٢٣ ]
الكتاب الخامس: " كتاب البغية شرح المنية "، وهي الأرجوزة التي تقدم ذكرها تأليف الشيخ العربي بن السايح، وهناك كتب أخرى كثيرة لا أحب الإطالة بذكرها وسأقتصر في النقول التي أنقلها على ما في جوهر المعاني، وكتاب الرماح لأن مؤلفه أحسن ترتيبه ووضع له فهرسا وافيا يسهل الأخذ منه وهو عند جميع التجانيين ثقة فيما ينقل لا يتطرق الشك إليه وبالله التوفيق.
قال صاحب الرماح في الجزء الثاني صفحة (٤) الفصل السادس والثلاثون، في ذكر فضل شيخنا ﵁ وأرضاه وعنا به وبيان أنه خاتم الأولياء وسيد العارفين وإمام الصديقين وممد الأقطاب والأغواث، وأنه هو القطب المكتوم والبرزخ المحتوم الذي هو الواسطة بين الأنبياء والأولياء بحيث لا يتلقى واحد من الأولياء من كبر شأنه ومن صغر فيضا من حضرة نبي إلا بواسطته ﵁ من حيث لا يشعر بذلك الوالي وحيث كان الأمر هكذا فإياك أخي الإنكار على مثل هذا السيد العظيم والإمام الأعظم الكريم قد أجمع أئمة الإسلام وجميع الأولياء والعارفين على أن الاعتقاد ربح والإنكار خسران واعلم أنا إنما قدمنا لك الفصول التي قدمناها أول الكتاب المبارك وذكرنا فيها ما على المنكرين وأطنبنا فيها بعض الإطناب إلا نصيحة لك وتحذيرا من أن تكون مع السالكين بالانتقاد إن لم تكن مع الرابحين بالاعتقاد فأقول وبالله تعالى التوفيق، وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق، اعلم أنه ينبغي لنا أن نورد هنا كلاما قبل الشروع في هذا الفصل الذي نريد الشروع فيه لأن بعض من لم يكن له في العلم ولا في نفحات أهل العلم من خلاق قد يورد علينا إيرادين، أولهما أنه يقول الشيخ ﵁ وأرضاه مدح نفسه وزكاها وذلك مذموم: ثانيهما أنه يقول أن قول الشيخ ﵁ وأرضاه وعنا به أن الفيوض التي تفيض من ذات سيد الوجود ﷺ تتلقاها ذوات الأنبياء وكل ما فاض وبرز من ذوات الأنبياء تتلقاه ذاتي ومني يتفرق على جميع
الخلائق من نشأة العالم إلى النفخ في الصور ويدخل فيه جميع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم فيكون أفضل من جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وذلك باطل، وكذا قوله ﵁ وأرضاه وعنا به لا يشرب ولي ولا يسقى إلا من بحرنا من نشأة العالم إلى النفخ في الصور وكذا قوله رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به إذا جمع الله خلقه في الموقف ينادي مناد بأعلى صوته يسمعه كل من في الموقف يا
[ ٢٤ ]
أهل المحشر هذا أمامكم الذي كان مددكم منه، وكذا قوله ﵁ وأرضاه وعنا به روحه ﷺ وروحي هكذا مشيرا بإصبعيه السبابة والوسطى روحه ﷺ تمد الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وروحي تمد الأقطاب والعارفين والأولياء من الأزل إلى الأبد وكذا قوله ﵁ وأرضاه وعنا به قدماي هاتان على رقبة كل ولي لله تعالى من لدن آدم إلى النفخ في الصور وكذا قوله رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به أن مقامنا عند الله في الآخرة لا يصله أحد من الأولياء ولا يقاربه من كبر شأنه ولا من صغر وأن جميع الأولياء من عصر الصحابة إلى النفخ في الصور ليس فيهم من يصل مقامنا، وكذا قوله رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به أعمار الناس كلها ذهبت مجانا إلا أعمار أصحاب الفاتح لما أغلق فقد فازوا بالربح دنيا وآخرة ولا يُشغل بها عمره إلا السعيد فيقول المعترض هذه الأقوال تقتضي تفضيله هو وأهل طريقته على جميع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فالجواب والله تعالى الموفق للصواب.
أن الإيراد الأول غير وارد لأن هذا كما قال الحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي في الصواعق على النواعق ليس من باب الافتخار ولا تزكية النفس بل لهم في هذا وجهان أحدهما أن هذا من باب التعريف بحاله إذا جهل مقامه انتهى بلفظه.
وهاأنذا ألخص بقية جوابه عما توقع أن يورده عليه فأقول نقل عن النووي في الأذكار أنه يجوز للإنسان أن يذكر فضائل نفسه إذا كان غرضه صحيحا كأن يُعرِّف الناس بعلمه ليأخذوا عنه العلم أو بأمانته ليأتمنوه على الودائع والأموال ليقوم بحفظها أو حسن التصرف فيها لمصلحة أهلها واحتجَّ لذلك بقول النبي ﷺ: (أنا النبي لا كذب) وقوله ﵊: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) وقول يوسف ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ثم ذكر آثارا عن الصحابة مدحوا فيها أنفسهم لغرض صحيح، ونقل عن الزمخشري في الكشاف قوله أن العالم إذا جُهِلَت منزلته فوصف نفسه بما هو بصدده لم يكن ذلك من باب التزكية.
ثم قال في الوجه الثاني: أن يقال في جواب الإيراد الأول، أن هذا من باب التحدث بنعم الله قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ ثم نقل حديثا مرفوعا من المسند وشعب الإيمان للبيهقي ولفظه التحدث بنعم الله شكر وتركه كفر، ثم نقل آثارا عن
[ ٢٥ ]
الصحابة وغيرهم في التحدث بالنعم وأنه شكر لها، هذا ملخص جوابه عن الإيراد الأول، وأقول مستعينا بالله في جوابه:
كل ما أوردته في التحدث بالنعم المعنوية والحسية، فهو حق لا ننازعك فيه، ولكن الطوام التي نقلتها عن شيخك لم يسبقه إليها سابق من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين ولا دليل عليها من كتاب الله بل أدلة الكتاب والسنة تغبر في وجهها وتدحضها وتدمغها فقد أتعبت نفسك في غير طائل هذا نقوله على سبيل الإجمال ويأتي تفصيله إن شاء الله تعالى ثم أجاب عن الإيراد الثاني بما ملخصه أن ظاهر كلام شيخه هو تفضيله على أصحاب رسول الله ﷺ من العام المخصوص كقوله تعالى في ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فإنها لم تدمر الجبال ولم تدمر أحدا من البشر إلا عاد، وكذلك قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ فإن العرش لا يهلك وكذلك الجنة وما فيها ثم استدل بحديثين أحدهما قول النبي ﷺ (ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي در) وقال أنه علم مخصوص قطعا لأنه لا سبيل لدخوله ﷺ في هذا العموم.
قال محمد تقي الدين الهلالي: الجواب عن ذلك أنه لا حجة له فيه لأن كلام الله وكلام رسول الله ﷺ حق، لا يحتاجان إلى دليل ولا إقامة حجة لأنهما حجة والحجة العامة تخصص بالحجة الخاصة، أما كلام شيخه فليس بحجة فهو محتاج إلى حجة فيقال له من أين علمت أن روحك مقارنة لروح النبي صبى الله عليه وسلم، روحه ﵊ تمد الأنبياء وروحك تمد الأولياء هكذا يقال أولا ويقال ثانيا ماذا تعني بالمدد أهو حسي أم معنوي فالحسي هو بسطة الجسم والرزق وما أشبههما والمعنوي هو هداية القلوب وما يُفتح عليها به من العلوم والحكم والتوفيق على طاعة الله والحفظ من معصية الله وتزكية النفوس وترقيتها في مراتب الإحسان حتى تبلغ درجة الصدِّيقين فإن كان هذا مقصودك فإن الكتاب والسنة وأصول الدين وجميع الأدلة النقلية والعقلية تدل بأصرح العبارات أن الله وحده هو الذي يمد عباده بالرزقين سواءا أكانوا أنبياء أو شهداء أو صالحين أم من عامة المؤمنين وأن النبي ﷺ وهو أفضل خلق الله على الإطلاق لا يمد أحدا بشيء من ذلك لا الأنبياء ولا غيرهم بل هو نفسه ﵊ فقير إلى الله يتلقى المدد منه والذي يُمَد بفتح الميم لا يُمِد بضم الياء وكسر الميم والأدلة على هذا الأصل من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله
[ ٢٦ ]
عليه وسلم أكثر من أن تُحصى منها قوله تعالى في سورة القصص يخاطب خير خلقه محمدا ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ - ٥٦، قال الحافظ بن كثير في تفسير هذه الآية يقول الله تعالى لرسوله ﷺ إنك يا محمد ﴿لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ أي ليس إليك ذلك إنما عليك البلاغ والله يهدي من يشاء وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة كما قال تعالى في سورة البقرة رقم ٢٧٢: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ
هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ وقال تعالى في سورة يوسف ١٠٣: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وهذه الآية أخص من هذا كله فإنه قال: ﴿٧ ̈R خ) لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ أي هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية وقد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم النبي ﷺ، وقد كان يحوطه وينصره ويقوم في صفه ويحبه حبا شديدا طبيعيا لا شرعيا فلما حَضَرَته الوفاة وحان أجله دعاه رسول الله ﷺ إلى الإيمان والدخول في الإسلام، فسبق القدر فيه واختُطِف من يده فاستمر على ما كان عليه من الكفر ولله الحكمة التامة، قال الزهري: حدثني سعيد بن المسيب عن أبيه وهو المسيب ابن حزن المخزومي ﵁ قال لما حضرت أبو طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى اله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أمية بن المغيرة فقال رسول الله ﷺ: (يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله) فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية يا أبا طالب أترفب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعودان له بتلك المقالة حتى كان آخر ما قال هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله ﷺ: (والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنه) فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إنك لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أخرجاه من حديث الزهري انتهى.
فإن قلت أنا لا أقصد بنسبة إلى الرسول ﷺ أنه هو الممد الحقيقي وأنا مؤمن بقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وإنما أردت أن النبي ﷺ هو الواسطة في إيصال هذه النعم كما قال أحد المضلين:
ما أرسل الرحمن أو يرسل من رحمة تصعد أو تنزل
[ ٢٧ ]
إلا وطه المصطفى عبده حبيبه نبيه المرسل
واسطة فيها واصل لها يعرف كل من يعقل
وقد زاد هذا المضل على ادعاء الواسطة بين الله وبين خلقه في النعم كلها أن النبي ﷺ هو أصل هذه النعم على حد زعم من يزعم أن كل العالم بملائكته وجنته وناره وجنه وأنسه، مسلمهم وكافرهم وشياطينهم كل ذلك مخلوق من نور النبي ﷺ ويستدلون على ذلك بحديث باطل يرفعونه ولفظه (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر) وسيأتي بطلانه إن شاء الله عند الكلام على هذه الضلالة فالجواب، وما دليلك على أن الله لا يمد الناس ألا بواسطة النبي ﷺ فإن قلت قد أسند الله إليه الهداية في قوله تعالى في سورة الشورى ٥٢: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . فالجواب: أن الهداية في كتاب الله تجيء ويراد بها تارة الدلالة والإرشاد فالنبي ﷺ يهدي إلى صراط مستقيم، أي يدل الناس عليه ويدعوهم إليه بأقواله وأفعاله وأخلاقه الكريمة كما قال تعالى في - سورة المؤمنين ٧٣ -: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣)﴾ أما التصرف في القلوب بالهداية فهو خاص بذي الجلال وفي ما كان يقوله النبي ﷺ بعد رفع رأسه من الركوع وفي دبر الصلاة كما جاء في الصحيحين: (اللهم لا ما نع لما أعطيت ولا معطي لما منعت) وإذا ثبت أن المدد كله من الله وليس في قدرة المخلوق أن يمد مخلوقا برزق حسي أو معنوي بأن يخلق ذلك الرزق ويهبه له فقد تهدم ما بناه صاحب الرماح ولم تصب رماحه أحدا من أهل الحق
بأذى لأنه طعن بها أشياء تخيلها لا وجود لها وطاشت سهامه فلم تصب هدفا فأين المدد الذي يتلقاه أحمد التجاني ليوزعه على الناس من لدن آدم إلى النفخ في الصور ونحن نقول أن البحار والأنهار كلها لله تعالى لا يشاركه فيها أحد فهو الذي يسقي منها من شاء على المقدار الذي يريده ويمنع من شاء وتذكرت بهذا الكلام حكاية قد يَحسُن إيرادها هنا فإن كان فيها المدح للنفس فليحملها المخالف على المحمل الحسن وإن أبى فالله عليم بذات الصدور ولا يضر إلا نفسه، توجهت سنة ١٣٤١ هـ من القاهرة إلى مديرية (أسيوط) من صعيد مصر ونزلت في مدينة (ملوي) وبقربها قرية تسمى (الريمون) وكانة فيها فئة قليلة جدا من السلفيين الموحدين لله المتبعين لرسول الله ﷺ فدعوني إلى بلدهم، وشرعت أدعو إلى الله تعالى فأعانني الله سبحانه
[ ٢٨ ]
بفضله ورحمته فاستجاب أهل القرية كلهم لدعوتي ولم يشد منهم إلا شيخ الطريقة والعمدة - المرفوت - أي المعزول وخدمهما ولا يزيد عددهم على خمسة عشر وأقمت عندهم أكثر من شهرين ولتفصيل هذه القصة موضع آخر الذي أريد أن أقوله هنا أنني بعد مُضي زهاء أربع سنيين زرت هذه القرية للمرة الثانية فأخبروني أن شيخ الطريقة كان يأتيهم من بلد آخر في بعض الأحيان زاعما أنه يمدهم ويحفظهم والحقيقة أنه يبتز أموالهم ويزيدهم خضوعا إليه ويحافظ عليهم حتى لا يخرجوا من ربقته كما يحافظ الراعي على غنمه فبعد أن هداهم الله إلى توحيده واتباع رسوله الكريم وترك كل بدعة زارهم شيخ الطريقة المذكور وانتظر ما عهد منهم من التعظيم والخضوع من تقبيل اليد والخشوع أمامه والمبادرة إلى تقديم الهدايا النفائس التي تُرضي رغبته وتُشبع نهمته رآهم تلقوه كما يُتَلقَّى الضيف العادي فأنكر ذلك وقال ما أصابكم؟ فقالوا ما أصابنا شيء نحن مستعدون لتقديم كل ما تريده من الطعام والشراب وما يلزم لضيافتك فقال أراكم تبدلتم فقال قائل منهم أي شيء تريد أكثر من الضيافة
أتريد أن نعبدك من دون الله كما كنا نفعل في زمن الجهل والضلالة فقال (يا عكروط) وهو لفظ يُسبُّ به باللغة المصرية ومعناه اللئيم قال أنا قتلت نفسا للمحافظة على بطيخك الذي زرعته بشاطئ فرع النيل، لأن رجلا جاء يسرق بطيخك فوجهت أليه همتي وقتلته. فقال يا سيدنا الشيخ لقد أخطأت في حسابك لأمرين أحدهما أن البطيخ أتت عليه آفة فأهلكته قبل أن يُنتفع به والثاني أني لا أرضى بقتل نفس مسلمة أو كافرة لأجل بطيخة تسرق من مزرعتي فغضب الشيخ وسبهم وانصرف عنهم وكذلك المدد الذي يدَّعيه صاحب الرماح ليثبت به فضيلة لشيخه لا وجود لها في الحقيقة ومن اعتقد أن غير الله يمد القلوب بالهدى والأحوال السنية والمقامات السامية فقد عبد مع الله إلها آخر:
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة اعظم
يقولون أقوالا لا يعلمونها إذا قيل هاتوا حققوا لم يحققوا
إن المدد الذي ادعاه الشيخ التجاني وتبعه صاحب الرماح سراب بقيعة وخيال باطل وما بني على باطل فهو باطل.
وأما ما ادعاه من التخصيص فإنه إنما يكون ذلك عند أهل الأصول في نصوص كتاب
[ ٢٩ ]
الله ونصوص المعصوم لاستحالة التناقض في كلام الله وكلام رسوله ﷺ أما كلام غير المعصوم فليس له هذه المرتبة لأنه يجوز عليه التناقض والجهل والغفلة والكذب أيضا، فكل ما أتعب نفسه به صاحب الرماح ذهب أدراج الرياح على أن هذا التكلف الذي تكلفه لا يوافقه عليه غيره من التجانيين فقد قال عبد الكريم بنيس الفاسي وهو مقدم تجاني مشهور ما نصه شعرا:
يا رب أن اعتقادي تصديق كل ولي
لا سيما تاج رأسي وصلتي للعلي
كنزي ودخري التجاني أحمد حب النبي
شريف أصل ممد للكل من أولي
ولا تأول أصلا بل ذلك فضل الغني
لا تنكرن وسلم تحظى بحسن الطوي
وللمحبة بادر ودع كلام الغوي
بحبه يا إلهي وبالنبي الزكي
عفوا فإني مسيء وأنت تعلم غي
فأنت ترى أن هذا المقدم التجاني يطلق قضية الإمداد ولا يقول بالتأويل الذي استنبطه صاحب الرماح من كلام شيخه حتى خص بعضه ببعض على أن هذا البحث غير مهم لأن المدد باطل من أصله وقد قلت في معارضة عبد الكريم بنيس قصيدة ضاعت مني وسأثبت هنا ما بقي عالقا في ذهني:
يا رب أني محب لكل عبد تقي
يوحد الله ربا ويقتدي بالنبي
ولا يقلد شخصا في دينه كالغبي
فما له من ولي غير الإله العلي
وما له من إمام غير النبي الزكي
وليس يعبد ألا رب العباد الغني
[ ٣٠ ]
وكل خير فمنه يصيب كل ولي
ومن سواه فقير فلا يمد بشي
يا عصابة الشرك خافوا عقاب رب قوي
في يوم هول شديد يشيب رأس الصبي
يا صاحب الشرك أبشر دوما بعيش الشقي
غبنت غبن الخزاعي في بيعه مع قصي
باع المفاتيح منه بزق خمر ردي
شرى ظلاما بنور بدل رشدا بغي
فماله من نصير وما له من ولي
١) دعوى أن الشيخ التجاني خاتم الأولياء:
كما أن النبي ﷺ خاتم الأنباء
قال صاحب الرماح: اعلم أن أفراد الأحباب من الصديقين والأغواث وجواهر الأقطاب وبرازخ الأغواث يعلمون أن مقامه ختم المقامات يفوق جميع مقامات الولاية ولا يكون فوقه إلا مقامات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذلك الخاتم هوسيد الأولياء وهو ممدهم وإن لم يعلموا من أين هو، قال الشيخ محي الدين ابن عربي الحاتمي - رضي الله تعالى عنه فكل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي ما أحد منهم يأخذ النبوة إلا من مشكاة خاتم النبيين وإن تأخر وجود طينته فإنه بحقيقته موجود وهو قوله: (كنت نبيا وآدم بين الماء والطين) أي لم يكمل بدنه العنصري فكيف من دونه من أنبياء أولاده وبيان ذلك أن الله ﷾ لما خلق النور المحمدي كما أشار ﷺ بقوله (أول ما خلق الله تعالى نوري) جمع في هذا الروح المحمدي جميع أرواح الأنبياء والأولياء جمعا أحديا قبل التفصيل في الوجود العيني وذلك في مرتبة العقل الأول ثم تعينت الأرواح في مرتبة اللوح المحفوظ الذي هو النفس الكلية وتميزت بظاهرها النورية فبعث الله الحقيقة المحمدية النورية عليهم تنبئهم عن الحقيقة الأحدية الجمعية الكمالية فلما وجدت الصور الطبيعية العلوية من العرش والكرسي ووجدت مظاهر تلك الأرواح ظهرت تلك البعثة المحمدية إليهم ثانيا فآمن من الأرواح ما كان مؤهلا
[ ٣١ ]
للإيمان بتلك الأحدية الجمعية الكمالية ولما وجدت الصور الطبيعية العصرية ظهرت حكم ذلك الإيمان في كمل النفس البشرية فآمنوا بمحمد ﷺ فمعنى قوله كنت نبيا أنه كان نبيا بالفعل عالما بنبوته انظر شرحه - كذا - ثم قال الحاتمي أي وشارح كلامه وغيره من الأنبياء ما كان نبيا بالفعل ولا عالما بنبوته إلا حين يبعث بعد وجوده ببدنه العنصرية واستكمال شرائط النبوة فاندفع بذلك ما يقال من أن كل واحد بهذه المثابة من حيث أنه كان نبيا في علم الله تعالى السابق على وجوده العيني صورة وآدم بين الماء والطين وغيره من الأولياء
ما كان وليا بالفعل ولا عالما بولايته إلا بعد تحصيل شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية في الاتصاف بها من أجل كون الله تعالى تسمى بالولي الحميد وخاتم الأولياء هو الولي الوارث الأخذ عن الأصل المشاهد للمراتب العارف باستحقاق أصحابها ليعطي كل ذي حق حقه وهو حسنة من حسنات سيد المرسلين محمد ﷺ مقدم الجماعة، ثم نقل صاحب الرماح عن عبد الوهاب الشعراني وشيخه علي الخواص ما يؤيد ما نقله عن ابن عربي الحاتمي وقد أتعب نفسه هذا الإتعاب كله ليثبت لشيخه التجاني ما ادعاه من أنه خاتم الأولياء وممدهم.
ثم نقل صاحب الرماح عن الحاتمي أنه قال أنه رأى في المنام حائطا من ذهب وفضة كمل إلا موضع لبنتين أحدهما من ذهب والأخرى من فضة فانطبع في موضع تينك اللبنتين ففسرها بأنه خاتم الأولياء وقص رؤياه على أولياء زمنه فوافقوه على تأويله وأنه هو خاتم الأولياء فلم يشك أنه هو وقال في ذلك شعرا:
بنا ختم الله الولاية فانتهت إليها فلا ختم يكون لها بعدي
وما فاز بالختم الذي لمحمد من أمته والعلم إلا أنا وحدي
ثم نقل صاحب الرماح عن الحاتمي أنه تبين له بعد ذلك أنه ليس هو خاتم الأولياء وأن هذا الختم مدخر لولي يأتي في آخر الزمن فجهد نفسه واستعمل مكشافاته المزعومة ليطلع على هذا الولي الخاتم ويعرف اسمه وبلده وزمانه فرجع بخفي حنين، لكن صاحب الرماح لم يذكر الكتاب الذي نقل منه هذا الكلام من كتب ابن عربي الحاتمي وكتبه مشهورة موجودة بأيدي الناس وكذلك لم يذكر كلامه الأول من أين نقله؟ ولا يثبت شيء
[ ٣٢ ]
من النقول إلا بالعزو التفصيلي ولا سيما إذا كان النقل يراد به أمر مرغوب للناقل كما في هذه القضية فإنه نقل عن الحاتمي زعمه وجود خاتم الأولياء ثم نقل عنه ادعاؤه أنه هو هُو ثم نقل عنه رجوعه عن ذلك ليمهِّد السبيل لدعوى أن شيخه التجاني هو خاتم الأولياء يقينا ونقل أيضا عن الشيخ المختار الكنتي الجكاني الشنقيطي أنه قال أن القرن الثاني عشر يشبه قرن النبي ﷺ في أمور منها أن قرن النبي ﷺ وجد فيه خاتم الأنبياء والقرن الثاني عشر يوجد فيه خاتم الأولياء.
قال محمد تقي الدين الهلالي ومن المعلوم أن الشيخ التجاني ولد في أوائل النصف الثاني من القرن الثاني عشر وتوفي على ما أظن سنة ثلاثين ومائتين وألف ١٢٣٠ وظن صاحب الرماح أنه بهذه التلفيقات كلها تم له ما أراد من ثبوت وجود خاتم الأولياء وأنه هو شيخه التجاني وهو بناء فاسد على فاسد وباطل على باطل فقول ابن عربي الحاتمي ولو لم ينقل الفاسي في تاريخ مكة اتفاق العلماء على كفره لا يساوي بعرة في أصول الدين فأن أصول الدين لا يثبت منها شيء إلا بدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على اختلاف فيه وابن عربي الحاتمي سرق ما ادعاه من الرؤيا من حديث النبي ﷺ الذي أخرجه البخاري: أن رسول الله ﷺ قال: (إن مثلي ومثل الأنبياء قلبي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين) .
ثم قال صاحب الرماح ما نصه: وشيخنا التجاني ولد عام خمسين ومائة وألف ووقع له الأذن من النبي ﷺ يقظة لا مناما بتربية الخلق على العموم والإطلاق سنة ألف ومائة وست وتسعين، قال أخبرني سيدي محمد الغالي أن الشيخ عاش وهو في مرتبة الختمية ثلاثين سنة وإذا تأملت هذا علمت أن الختمية لم تثبت لأحد قبل شيخنا وأن أحدا ما ادعاها وثبت على ادعاها لنفسه وأما شيخنا وسيدنا ووسيلتنا إلى ربنا سيدي أحمد بن محمد الشريف الحسني التجاني قال: قد أخبرني سيد الوجود ﷺ بأني القطب المكتوم منه إلي مشافهة يقظة لا مناما فقيل له ما معنى المكتوم؟ فقال هو الذي كتمه الله تعالى عن جميع خلقه حتى الملائكة والنبيين إلا سيد الوجود
[ ٣٣ ]
ﷺ فإنه علم به وبحاله وهو الذي حاز كل ما عند الأولياء من الكمالات الإلهية واحتوى على جميعها وأكبر من هذا أن النبي ﷺ قال إن لله ثلاتمائة خُلق من تَخلَّق بواحد منها أدخله الله الجنة وما اجتمعت في نبي ولا ولي قبله ألا سيد الوجود ﷺ وأما الأقطاب الذين بعده حتى الحجة العظمى ابن عربي الحاتمي فإنما يعلمون ظواهرها فقط ويسمون المحمديين وبه خطب الله الأقطاب المجتمعة فيهم الأخلاق الإلهية وهذه الأخلاق لا يعرفها إلا من ذاقها ولا تدرك بالوصف ولا يعرف ما فيها إلى بالدوق وقال الفيوض التي تفيض من ذات سيد الوجود ﷺ تتلقاها ذات الأنبياء وكل ما فاض وبرز من ذوات الأنبياء تتلقاه ذاتي ومني يتفرق على جميع الخلائق من نشأة العالم إلى النفخ في الصور، وخصصت بعلوم ببيني وبينه منه إلي مشافهة لا يعلمها إلا الله ﷿ بلا واسطة وقال أنا سيد الأولياء كما كان النبي ﷺ سيد الأنبياء.
قال في جوهر المعاني: وسألته - يعني الشيخ أحمد التجاني- عن حقيقة الولاية فأجاب بما نصه: الولاية عامة وخاصة فالعامة هي من آدم ﵇ إلى عيسى ﵇ والخاصة هي من سيد الوجود ﷺ إلى الختم (يعني نفسه) والمراد بالخاصة هي من اتصف بأوصاف الحق الثلاثمائة على الكمال ولم ينقص منها واحد وهذا خاص بسيد الوجود ﷺ ومن وَرِثه من أقطاب هذه الأمة الشريفة إلى الختم هكذا قال ونسبه للحاتمي ثم قال ولا يلزم من هذه الخصوصية التي هي الاتصاف بالأخلاق على الكمال يكون كلهم أعلى من غيرهم من كل وجه بل قد يكون من لم يتصف بها أعلى من غيره في المقام وأظنه يشير إلى نفسه وبعض الأكابر من أصحابه لأنه أخبره سيد الوجود ﷺ بأن مقامه أعلى من جميع المقامات، ثم ذكر قضية أنه ممد الأولياء وإنهم لا يفاض عليهم ولا يسقون ألا منه وتقدم ذلك ثم قال ما نصه ومدده الخاص به (يعني الشيخ التجاني) إنما يتلقاه منه ﷺ ولا إطلاع لأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على فيضه الخاص به لأن له مشربا معهم منه ﷺ قال ﵁ وأرضاه وعنا به مشيرًا بإصبعيه السبابة والوسطى روحي وروحه ﷺ هكذا، روحه ﷺ تمد الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وروحي تمد الأقطاب والعارفين والأولياء من الأزل إلى
[ ٣٤ ]
الأبد وسبب ذلك أن بعض أصحابه تحاور مع بعض الناس في قوله ﵁ وأرضاه وعنا به كل الشيوخ أخذوا عني في الغيب فحكى له ذلك فأجاب ﵁ وأرضاه وعنا به بما ذكر.
وقال نسبة الأقطاب معي كنسبة العامة مع الأقطاب وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني قال قدمي هذا -كذا - على رقبة كل ولي لله يعني أهل عصره وأما أنا فقدماي هاتان جمعهما وكان متكئا فجلس وقال على رقبة كل ولي لله تعالى من لدن آدم إلى النفخ في الصور ثم نقل صاحب الرماح عن شيخه التجاني أنه قال ما معناه أن هناك سبع حضرات تمثلها سبع دوائر.
الحضرة الأولى: الحقيقة الأحمدية قال وهذه الحضرة غيب من غيوب الله تعالى لم يطلع عليها أحد ولا عرف شيئا من علومها وأسرارها وتجلياتها وأخلاقها ولو كان من الرسل الأنبياء لأنها خاصة بالنبي ﷺ.
والثانية سماها الحضرة المحمدية وتمثلها الدائرة الثانية قال ومن هذه الحقيقة المحمدية مدارك النبيين والمرسلين وجميع الملائكة المقربين وجميع الأقطاب والصديقين وجميع الأولياء والعارفين.
والثالثة حضرة الأنبياء وتمثلها الدائرة الثالثة وأهل هذه الدائرة يتلقون علومهم وأحوالهم وتجلياتهم من هذه الحقيقة المحمدية وخاتم الأولياء أعني الشيخ التجاني له مشرب من هذه الحضرة مع الأنبياء فهو يتلقى المدد رأسا من النبي ﷺ من حقيقته المحمدية بلا واسطة.
الحضرة الرابعة حضرة خاتم الأولياء وتمثلها الدائرة الرابعة وصاحب هذه الحضرة هو الشيخ أحمد التجاني فإنه يتلقى كل ما فاض من ذوات الأنبياء زيادة على ما يتلقاه بلا واسطة من الحقيقة المحمدية ولذلك سمى نفسه (برزخ البرازخ) وهنا قال الشيخ التجاني ما نصه وخصصت بعلومي بيني وبينه ﷺ سيد الأنبياء. قال صاحب الرماح ما نصه ولا اطلاع لأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على فيضه الخاص به لأن له مشربا معهم منه ﷺ.
الحضرة الخامسة حضرة المتبعين للطريقة التجانية المتمسكين بها قال الشيخ التجاني
[ ٣٥ ]
في حق أهل هذه الطريقة ما نصه: لو اطلع أكابر الأقطاب على ما أعد الله لهذه الطريقة لبكوا وقالوا يا ربنا ما أعطيتنا شيئا وقال الشيخ التجاني لا مطمع لأحد من الأولياء في مراتب أصحابنا حتى الأقطاب الكبار ما عدا أصحاب رسول الله ﷺ قال محمد تقي الدين ونظم هذا المعني صاحب المنية فقال:
لو علمت أكابر الأقطاب ما أعد خالق الورى تكرما
لهؤلاء لبكوا عليه واستنقصوا ما ركنوا إليه
وقال الشيخ التجاني: كل الطرائق تدخل عليه -كذا - طريقتنا فتبطلها وطابعنا يركب على كل طابع ولا يحمل طابعنا غيره وقال من ترك وِردا من أوراد المشايخ لأجل الدخول في طريقتنا هذه المحمدية التي شرفها الله على جميع الطرق آمَّنه الله تعالى في الدنيا والآخرة فلا يخاف من شيء يصيبه لا من الله ولا من رسوله ولا من شيخه أيا كان من الأحياء أو من الأموات وأما من دخل زُمرتنا وتأخر عنها ودخل غيرها تحل به المصائب دنيا وأخرى ولا يفلح أبدا ثم قال ناقلا عن شيخه التجاني كما هو في جواهر المعاني: وليس لأحد من الرجال أن يدخل كافة أصحابه الجنة بلا حساب ولا عقاب ولو عملوا من الذنوب ما عملوا وبلغوا من المعاصي ما بلغوا إلا أنا وحدي ووراء ذلك مما ذكر لي فيهم وضمنه أمر لا يحل لي ذكره ولا يُرى ولا يُعرف إلا في الدار الآخرة بشرى لكل معتقد رغم أنف المنتقد ثم قال صاحب الرماح قلت هنا صار جميع أهل طريقته أعلى مرتبة عند الله تعالى في الآخرة من أكابر الأقطاب وإن كان بعضهم في الظاهر من جملة العوام المحجوبين.
الحضرة السادسة حضرة الأولياء وتمثلها الدائرة السادسة وهي مستمدة من حضرة خاتمهم الأكبر جميع ما نالوا.
والحضرة السابعة حضرة أتباع الأولياء ثم رسم سبع دوائر في الرماح ناقلا لها من جواهر المعاني وهذه الدوائر متداخلة بعضها في بعض ولها أبواب مفتوحة لتلقي المدد والمعنى واضح بدون رسم ثم نظم صاحب الرماح قصيدة من بحر الكامل في الترغيب في الدخول في الطريقة التجانية والتمسك بها وهي طويلة مطلعها:
يا رائم الخيرات روم رجالها يا مبتغي الأنوار ثم ظلالها
[ ٣٦ ]
فلينظرها من شاء فيه ثم نقل صاحب الرماح عن شيخه التجاني قوله لو بحت بما علمني الله تعالى لأجمع أهل العرفان على قتلي ثم قال عنه ما نصه وأقول لكم إن مقامي عند الله تعالى في الآخرة لا يصله أحد من الأولياء، ولا يقاربه من كبر شانه أو صغر وأن جميع الأولياء من عصر الصحابة إلى النفخ في الصور ليس فيهم من يصل مقامنا ولا يقاربه لبعد مرامه عن جميع العقول وصعوبة مسلكه على أكابر الفحول ولم أقل لكم ذلك حتى سمعته منه ﷺ تحقيقا ثم قال عنه أيضا أن سيد الوجود ﷺ ضمن لنا أن من سبنا وداوم على ذك ولم يتب لا يموت إلا كافرا ونقل عنه أيضا قوله أن النبي ﷺ أخبره بقوله ﵊ بعزة ربي يوم الاثنين ويوم الجمعة لم أفارقك فيهما من الفجر إلى الغروب ومعي سبعة أملاك وكل من رآك في اليومين تَكتب الملائكة اسمه في ورقة من ذهب ويكتبونه من أهل الجنة ثم قال صاحب الرماح وقد أخبرني بعض من لقيه أنه ما تنزل إلى إفادة الخلق بعد ما أخبره ﷺ بذلك إلا بعد قوله للنبي ﷺ إن كنت بابا لنجاة كل عاص تعلق بي فنعم وإلا فأي فضل لي فقال ﷺ أنت باب لنجاة كل عاص تعلق بك وحينئذ طابت نفسه لذلك ثم ادعى صاحب الرماح وجود دائرة عند الله تعالى تسمى الدائرة الفضلية كل من كان من أهل هذه الدائرة يتفضل الله عليه بالرحمة والنعيم وينجيه من عذاب الجحيم ولا يتوقف ذلك على عمل صالح ولا يضر معه سيئة ولا
معصية وزعم أن شيخه وأتباعه كلهم من أهل هذه الطريقة ثم ادعى أن خلة الله ثابتة لشيخه وأن الله تعالى اتخذ محمد ﷺ حبيبا وإبراهيم خليلا وأن شيخه ورث المحبة والخلة من هذين النبيين ثم قال ومن بحر هذه الدائرة تفضل رسول الله ﷺ بدائرة الإحاطة وبالكنز المطلسم الذي هو خاص به ﷺ.
وبمقامه وبالخريدة الفريدة التي هي خاصة به ﷺ وبإطلاقه يعني الإذن له في إعطاء جميع أوراده من الإسم الأعظم الكبير وما دونه لمن شاء ومنعها ممن شاء وكذلك من قدَّمه الشيخ ومن قدمه هذا المقدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. انتهى ما أردنا الإشارة إليه من الفصل السادس والثلاثين ويلي ذلك وضع ما تضمَّنه من المسائل في الميزان وقد تقدم أن أول ما نقله مؤلف الإفادة الأحمدية عن شيخه التجاني أنه سأله سائل أيُكذبُ
[ ٣٧ ]
عليك؟ قال نعم ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله وسنة رسوله فما وافقهما فهو عني سواء أقلته أو لم أقله وما خالفهما فليس عني سواء أقلته أو لم أقله، فنحن حين نعرض هذه المسائل على الكتاب والسنة نكون عاملين بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وبوصية الشيخ التجاني نفسه فنقول وبالله التوفيق وهو الهادي بمنه إلى أقوم طريق.
[ ٣٨ ]
المسألة الأولى:
ما يعتقده خاصة التجانين وعامتهم من أن شيخهم أبا العباس أحمد بن محمد التجاني رأى النبي ﷺ في أواخر المائة الثانية بعد الألف يقظة لا مناما ومنه تلقى كل أوراده وأذكاره وفضله وفضل طريقته، وقد تقدم إبطال ذلك بالأدلة النظرية بإجماع خير القرون على أن ذلك لم يقع لحد من الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة المجتهدين مع شدة الحاجة إليه، أما النقل فليس لهم دليل ولا شبهة يتكئون عليها في هذه الدعوى.
المسالة الثانية:
وهي من أهم المسائل عند التجانيين اعتقادهم أن المدد كله من النبي ﷺ يفيض على ذوات الأنبياء والمرسلين نهرا جاريا إليهم وهناك نهر آخر يجر من النبي ﷺ بلا واسطة إلى الشيخ التجاني وكل ما فاض من ذوات الأنبياء تتلقاه ذات الشيخ التجاني ومنه يتفرق على جميع الخلائق من لدن آدم إلى النفخ في الصور وفي رواية من الأبد إلى الأزل وهذا تهور عظيم وقد كان الله تعالى ولا شيء معه هو الأول فالأزلية خاصة به سبحانه لا يشاركه فيها أحد وقد تقدم الكلام على إبطال المدد من الصفحة ٢٦ إلى الصفحة ٣٠ فانظره.
المسالة الثالثة:
ما يعتقده جميع التجانيين من أن شيخهم خاتم الأولياء وسيدهم كما أن النبي ﷺ خاتم الأنبياء وسيدهم وبالله التوفيق وبه أستعين ومنه أستمد العلم والتحقيق ما مرادك بالأولياء؟ .
قال ابن منظور في لسان العرب في أسماء الله تعالى: الولي الناصر وقيل المتولي لأمور العالم والخلائق القائم بها. ومن أسمائه ﷿ الولي هو مالك الأشياء جميعها المتصرف فيها ثم قال: الولاية على الإيمان واجبة، المؤمنون بعضهم أولياء بعض ولي بين الولاية ووال بين الولاية والوالي ولي اليتيم الذي يلي ويقوم بكفايته وولي امرأة الذي يلي عقد النكاح عليها ولا يدعها تستبد بعقد النكاح دونه ثم الولي والمولى واحد في كلام العرب. وروى ابن سلام عن يونس قال المولى له مواضع في كلام العرب منها المولى في الدين وهو الولي وذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ أي لا ولي لهم ومنه قول رسول الله ﷺ: (من كنت مولاه فعلي مولاه) أي:
[ ٣٩ ]
من كنت وليه قال وقوله ﵇ مزينة وجهينة وأسلم وغفار موالي الله ورسوله أي أولياء الله. اهـ
وقال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى في سورة يونس آية ٦٢ و٦٣: ﴿أَلَا إِن أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ يخبر تعالى أن أولياءه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، فكل من كان تقيا كان لله وليا، لَا ﴿خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي فيما يستقبلونه من أهوال الآخرة.
وَلَا ﴿هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما وراءهم في الدنيا وقال عبد الله بن مسعود وابن عباس وغير واحد من السلف: أولياء الله الذين إذا رؤوا ذُكر الله، وقد ورد هذا في حديث مرفوع كما قال البزار بسنده إلى ابن عباس قال قَال رجل يا رسول الله من أولياء الله؟ قال: (الذين إذا رؤوا ذُكر الله) ثم قال البزار وقد روي عن سعيد مرسلا.
وقال ابن جرير بسنده إلى أبي هريرة ﵁ قال قَال رسول الله ﷺ: (إن من عباد الله عبادا يغبطهم الأنبياء والشهداء) قيل من هم يا رسول الله لعنا نحبهم قال: (هم قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب وجوههم نور على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس) ثم قرأ: ﴿أَلَّا إِن أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ ورواه أبو داود أيضا بسنده عن عمر بن الخطاب بسند جيد إلا أنه منقطع اهـ.
وفي تفسير الجلالين ما نصه: ﴿أَلَّا إِن أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ في الآخرة هم ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ الله بامتثال أمره ونهيه اهـ.
وقال البيضاوي: أولياء الله الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة اهـ.
ونقل الجمل في حاشيته عن الشهاب ما نصه الولي ضد العدو فهو المحب ومحبة العباد لله طاعتهم له ومحبته لهم إكرامه إياهم كما في شرح الكشاف. اهـ.
قال محمد تقي الدين الهلالي محبة العباد لله تعالى ومحبة الله للعباد كلتاهما حقيقة ولا داعي لتأويل محبته العباد بالطاعة ولا تأويل محبة الله لعباده بإكرامهم، وإنما يؤول محبة الله بإكرامه نفاة الصفات لزعمهم أن الحب ميل وحرارة يجدها المحب في قلبه لما أحب قالوا وذلك محال على الله تعالى لأن فيه تشبيها لله بخلقه وأجاب المثبتون للصفات المتبعون للسلف الصالح والتابعين من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين أن محبة الله
[ ٤٠ ]
لعباده صفة من صفاته تقتضي إكرامه لهم بفضله ورحمته لأن الله وصف بها نفسه في كتابه في مواضع كثيرة منها قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ والسلف الصالح ومن اتبعهم بإحسان من العلماء يثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله ﷺ في حديثه بلا تشبيه ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل فكما أن الله عالم بعلم لا يشبه علمنا وقادر قدرة لا تشبه قدرتنا فكذلك هو سبحانه يحب عِباده بمحبةٍ لا تشبه محبتنا.
وفي تفسير الخازن ما نصه، قال أبو بكر الصم أولياء الله هم الذين تولى الله تعالى هدايتهم، وتولوا القيام بحق العبودية لله والدعوة إليه وأصل الوالي من الولاء وهو القرب والنصرة فولي الله هو الذي يتقرب إلى الله بكل ما افترض الله عليه ويكون مشتغلا بالله مستغرق القلب في نور معرفة جلال الله تعالى فإن رأى رأَى دلائل قدرة الله وإن سمع سمعَ آيات الله وإن نطق نطقَ بالثناء على الله وإن تحرك تحركَ في طاعة الله وإن اجتهد اجتهدَ فيما يرضي الله لا يفتر عن ذكر الله ولا يرى بقلبه غير الله فهذه صفة أولياء الله وإذا كان العبد كذلك كان الله وليه وناصره ومعينه قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ وقال المتكلمون ولي الله من كان أتيا بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل ويكون أتيا بالأعمال الصالحة على وفق ما وردت به الشريعة وإليه الإشارة بقوله ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ وهو أن الإيمان مبني على الاعتقاد والعمل ومقام التقوى هو أن يتقي العبد ما نهى الله عنه اهـ.
قال الجمل وفي الخطيب ما نصه ونقل النووي في مقدمة شرح المهذب عن الإمامين الشافعي وأبي حنيفة ﵄ أن كل منهما قال إذا لم تكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي، وذلك في العالم بعلمه،. وقال القشيري من شرط الولي أن يكون محفوظا كما أن من شرط النبي أن يكون معصوما فكل من كان للشرع عليه اعتراض فهو يكون مغرور مخادع فالولي هو الذي توالت أفعاله على الموافقة اهـ.
[ ٤١ ]
نظرة تمحيص في هذه النقول
في هذه النقول مسائل ينبغي التنبيه عليها:
الأولى: قول البيضاوي أولياء الله الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة إن كابن يريد بالكرامة أنه يكرمهم في الدنيا بتوفيقه وتأييده ولطفه وفضله وإحسانه وكثرة نعمه الحسية والمعنوية فهو صحيح وإن كان يريد بالكرامة ما اصطلح عليه المتكلمون أنه خرق العادة فهو غير صحيح لأن العادة تخرق للمحق والمبطل وللساحر والكاهن (والدجال الأصغر والأكبر) وللكفار، فإن قلت قوله تولوا الله بالطاعة يخرج من ذكرت أقواله لا يشترط في الوالي أن تجري على يديه خوارق العادة كما يريد المتأخرون أن يفهموه فإن اكثر أصحاب رسول الله ﷺ لم ترو عنهم خوارق مع أنهم أفضل أولياء الله وقد نقل غير واحد من المتصوفة عن الجنيد ﵀ أنه قال إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء أو يطير في الهواء فلا تعتبروا ذلك شيئا حتى تعرضوا أقواله وأعماله على الكتاب والسنة فإن كانت موافقة فظُنوا به خيرا، وإن كانت مخالفة فظُنوا به شرا، ونقلوا عنه أيضا أنه قال: الاستقامة أفضل من ألف كرامة فإن الله لم يجعل لأوليائه علامة إلا الأيمان والتقوى.
الثانية: قول أبى بكر الأصم: (إن ولي الله لا يرى بقلبه غير الله) إن كان يريد بذلك أنه لا يرى أن أحدا يستحق العبادة غير الله فلا يرى أن هناك ربا غير الله ولا معطيا ولا مانعا ولا خافظا ولا رافعا ولا محييا ولا مميتا ولا متصرفا على الحقيقة في الدنيا والآخرة إلا الله فكلامه حق، وإن كان يريد أن الولي لا يرى وجودا إلا الله كما يقول أصحاب وحدة الوجود فهو باطل وهؤلاء زنادقة أخذوا هذه العقيدة الفاسدة المناقضة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من فلاسفة الهند واليونانيين وذلك خلاف ما جاءت به أنبياء الله وكتب الله تعالى، ومن أقوالهم الباطلة، أعني أصحاب وحدة الوجود (من حد فقد ألحد) يعني من رأى هنالك ربا ومربوبا وعابدا ومعبودا وخالقا ومخلوقا فقد الحد وضل، لأن الوجود
[ ٤٢ ]
عندهم واحد، فتوحيده من تحصيل الحاصل وابن عربي الحاتمي الذي تقدم ذكره في كلام صاحب الرماح من مشاهير المعتقدين وحدة الوجود، وفي ذلك يقول في الفتوحات:
العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فذاك حق أو قلت رب أنَّ يكلف
ويقول في الفتوحات إن الذين عبدوا العجل ما عبدوا غير الله وكذلك عبد الكريم الجيلي في كتابه (الإنسان الكامل) وابن الفارض في ديوانه وهذه العقيدة مقدسة في كتب التجانيين فنعوذ بالله من الضلال، ولله در الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني إذ يقول في داليته:
وأكفر أهل الأرض من ظن أنه إله تعالى الله جل عن الند (١)
وعسى أبو بكر الأصم أن يكون لم يرد هذا المعنى.
الثالثة: قول المتكلمين ولي الله من كان آتيا بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل.
الظاهر أن المتكلمين يريدون بالدليل: الدليل الذي يسمونه عقليا كدلائل المعتزلة والمتأخرين من الأشعرية فإنهم يزعمون أن من عرف الله تعالى بالدليل النقلي من الكتاب والسنة هو مقلد وقد اختلفوا في إيمان المقلد على ثلاثة أقوال، الأول أنه كافر لا إيمان له والثاني مؤمن عاص، والثالث أنه مؤمن غير عاص بتقليد، وهذا من أعظم ضلالهم فإن الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح من التابعين والأئمة المجتهدين لم يقتصروا على طرح علم الكلام ونبذه، بل حرموه وجعلوه من أكبر الكبائر.
قال ابن عبد البر في كتاب "جامع بيان العلم وفضله" ما نصه: قال يونس بن عبد الأعلى سمعت الشافعي يوم ناظره حفص الفرد قال لي يا أبا موسى لأن يلقى الله ﷿ الفرد بكل ذنب ما خلا الشرك خير من أن يلقاه بشيء من الكلام لقد سمعت من حفص كلاما لا أقدر أن أحكيه وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إنه لا يفلح صاحب كلام أبدا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل وقال مالك أرأيت إن جاء من هو أجدل منه أيدع دينه كل يوم لدين جديد اهـ.
ونُقل مثل ذلك عن أبى حنيفة وسائر أئمة السلف قال
_________________
(١) رواية البيت في الدالية طبع المكتب الإسلامي بتحقيق الأستاذ زهير الشاويش الصفحة (١٨) كما يلي: وأكفر أهل الأرض من قال إنه إله فإن الله جل عن الند
[ ٤٣ ]
أبو عمر أجمع أهل العلم من الأمصار: أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ وضلال ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم. ثم روى أبو عمر بسنده إلى أبى خويز منداد البصري المالكي قال في كتاب الإجارات من كتابه الخلاف قال مالك لا تجوز الإجارات في شيء من كتب الأهواء والبدع عند أصحابنا هي كتب أصحاب الكلام من المعتزلة وغيرهم وتفسخ الإجارة في ذلك قال وكذلك كتب القضاء بالنجوم وعزايم الجن وما أشبه ذلك وقال في كتاب الشهادات في تأويل قول مالك لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء قال أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل كلام فكل متكلم من أهل الأهواء والبدع أشعريا كان أو غير أشعري ولا تقبل له شهادته في الإسلام أبدا ويهجر ويؤدب على بدعته فإن تمادى عليها استتيب منها. انتهى بلفظه.
الرابعة: قول القشيري: "من شرط الولي أن يكون محفوظا كما من شرط النبي أن يكون معصوما "أقول لقد أخطأ القشيري خطأ فاحشا في هذا ولا فرق في المعنى بين قولنا محفوظ وقولنا معصوم فقد أراد أن يثبت العصمة لمن يسميهم أولياء فأبدل لفظا بلفظ والعبرة ليست بالألفاظ وإنما هي بالمعاني ولو قال أن المؤمن في وقت ارتكابه للمعصية ينقص إيمانه وتنقص ولايته لله، لأن ولاية العبد لله تكون على قدر إيمانه وتقواه لأصاب، فماذا يقول في الصحابة الذين ارتكبوا كبائر كماعز والغامدية والصحابي الذي كان يسمى حمارا وكان يُضحك النبي - ﷺ - وقد شرب الخمر فأمر النبي ﷺ بإقامة الحد عليه فسبه أحد الحاضرين فنهاه النبيﷺ - عن ذلك وشهد له بأنه يحب الله ورسوله ألم يكن هؤلاء أولياء الله حين ارتكبوا تلك المعاصي ولم يصروا عليها وقد أخبر الله تعالى في كتابه العزيز أن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ سورة آل عمران آية ١٣٤، ١٣٥، ١٣٦، وخلاصة القول أن كل مؤمن ولي الله وكل كافر عدو لله ومن لم يكن ولي الله فهو عدو الله قال الله تعالى في أول سورة التغابن ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ وقال تعالى في أول سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ وقال تعالى في سورة البقرة: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ
[ ٤٤ ]
الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ .
فأنت ترى أن الله قسم الناس فجعلهم قسمين أحدهما: المؤمنون، الله وليهم، والقسم الثاني كفار وهم أعداء الله فولاية الله لا تزول عن المؤمن بوجه من الوجوه ولو ارتكب المعاصي إلا إذا كفر بالله كفرا حقيقيا يخرجه من الإسلام ولا يمكن أن يكون لأولياء الله خاتم أبدا ولو كان لهم خاتم لكان هو آخر مؤمن على وجه الأرض قبل قيام الساعة فإنها لا تقوم إلا على شرار الخلق وإلا على لكع بن لكع ولا تقوم حتى لا يقال على الأرض الله اللهُ كما جاء في الأخبار الصحيحة، هذا إذا كان يريد بقوله خاتم الأولياء الحقيقية كما هو مقتضى تشبيهه بخاتم الأنبياء فإن خاتم الأنبياء ﷺ ختمهم حقيقة فلا نبي بعده البتة ولكن التجانيين يتلطفون لينقدوا أنفسهم من المأزق فيقولون حين يشعرون بأن خصومهم يريدون أن يلزموهم بما ذكرناه فيقولون: إن شيخهم ليس خاتما للأولياء على الحقيقة كما أن النبي ﷺ خاتما للأنبياء ولكنه خاتم لمقاماتهم ومراتبهم العالية وهذه مغالطة وتمويه على الناس لأن هناك فرقا وبونا شاسعا بين خاتم الأولياء وخاتم مقامات الأولياء وإذا وصلنا معهم إلى أن يسلموا بأن شيخهم ليس خاتما للأولياء حقيقة وإنما هو خاتم لمقامتهم ومنازلهم عند الله ومراتبهم ولا بد أن يسلموا بذلك نقول لهم حجرتم واسعا وجئتم بطامة عظيمة لا دليل لكم عليها شرعي ولا عقلي ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ ومن أين لكم أنه لا يجيء بعد شيخكم من هو أعلى منه مقاما وأسمى منزلة عند الله فإن
قالوا إن النبي ﷺ أخبر بذلك شيخهم والنبي ﷺ لا ينطق عن الهواء نقول لهم: إن إجماع الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، أجمعوا على أن الأدلة الشرعية التي يثبت بها الحكم محدودة، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس عند الضرورة على خلاف فيه ما لم يخالف النص فإن خالفه فهو لغو وادعاؤكم أن شيخكم سمع ذلك من النبي ﷺ خارج عن الأدلة الشرعية، وقد قال الله تعال في سورة النساء آية ١١٥ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ وقال الله تعالى في سورة التوبة آية ١٠٠: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ قال أهل العلم واتِّباعهم بإحسان يقتضي ترك الزيادة والنقصان في دين الله فإن من زاد في الدين شيئا أو نقص منه شيئا لم يكن متبعا لهم بإحسان فهو متعرض لسخط الله وبرئ من نيل الرضوان ويقال لهم: ماذا تقولون في ادعائكم أن شيخكم خاتم الأولياء أهو من دين الإسلام أم خارج عنه؟ فإن قلتم: هو من دين الإسلام! قلنا لكم قال الله تعالى في سورة المائدة:
[ ٤٥ ]
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ آية ٣ قال الشاطبي في" الاعتصام" قال مالك: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمد خان الرسالة لأني سمعت الله يقول اليوم أكملت لكم دينكم وما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا انتهى. فاعتقادكم أن شيخكم خاتم الأولياء لم
يكن في زمن النبي ﷺ دينا فلن يكون دينا أبدا بل هو بدعة ضلالة وطريقتكم نفسها كسائر الطرائق بدعة ضلالة فتوبوا إلى الله وانبذوها نبذ النوى ولا تتبعوا الهوى فيضلكم عن سبيل الله.
ونهج سبيلي واضح لمن اهتدى ولكنها الأهواء عمت فأعمت
لعمري لقد نبهت من كان نائما وأسمعت من كانت له أذنان
ونراكم تحتجون دائما على من ينكر عليكم ما تدعونه من الفضائل لشيخكم ولأنفسكم بآيات فضل الله الواسع العظيم، حتى أنشأتم دائرة سميتموها: " الدائرة الفضلية " وزعمتم أن هذه الدائرة لا يعلمها أحد إلا الله ولم يُطلع عليها أحدًا إلا خليله ورسوله محمدا - ﷺ - وإلا شيخكم، وفضائلكم وفضائل شيخكم جاءت من هذه الدائرة، وقد سمعتم أدلة بطلان هذه الدعوى ولكننا نحتج عليكم بما احتججتم به على خصومكم ونأخذكم بإقراركم فنقول لما حجرتم فضل الله الواسع وقلتم كما قال الأعرابي الذي بال في المسجد اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا، فزعمتم أن المقامات العالية والمنازل السامية قد ختمها شيخكم وسد بابها فما بقي لأحد مطمع في الوصول إلى مقامه فكيف بالزيادة عليه فآيات فضل الله التي احتججتم بها على خصومكم حجة عليكم.
وقد ذكر صاحب الرماح أصنافا أربعة من الصديقين، والأغواث وجواهر الأقطاب وبرازخ الأغواث وذَكر الله تعالى في سورة النساء أصنافا أربعة (.. النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) ولم يذكر صاحب الرماح ممن ذكر الله تعالى إلا الصديقين وترك سائرهم وأبدلهم بأصناف ثلاثة لا وجود ولهم إلا في خياله وخيال المفتونين الذين التبس عليهم الأمر واستهوتهم الشياطين ما معنى جوهر الأقطاب وقد ذكر صاحب اللسان للقطب معاني أنه الحديدة التي تدور عليها الرحى أي يدور عليها شقها الأعلى.
والقطب أيضا كوكب بين الجدي والفرقدين يدور عليه الفلك صغير أبيض لا يبرح مكانه أبدا وقال: وقطب كل شي ملاكه وصاحب الجيش قطب رحى الحرب وقطب القوم سيدهم والقطب نصل السهم اهـ المراد منه
ولعل صاحب الرماح يريد بالأقطاب سادات الأقوام الذين بلغوا الدرجة العلياء في
[ ٤٦ ]
ولاية الله وطاعته وهذا مفهوم إلا أن الأقطاب بهذا المعنى لا جوهر لهم.
قال ابن منظور في" اللسان" الجوهر معروف، الواحدة جوهرة، والجوهر كل حجر يستخرج منه شيء ينتفع به، وجوهر كل شيء ما خلقت عليه جبلته. اهـ
وهذه المعاني لا يناسب شيء منها أن يكون مضاف إلى الأقطاب بمعنى السادة والرؤساء ولعل صاحب الرماح أراد أن يلقي الروعة والإجلال في قلوب جهلة القراء بذكر هذه الألفاظ ليسدوا ويغمدوا عيون بصائرهم وينجذبون إلى تصديق ما يدعيه لهم ودين الإسلام ليس فيه شيء اسمه القطب ولو كان موجودا لذكره الله في كتابه أو ذكره رسوله ﷺ في حديثه فإنه لم يترك شيئا من الخير إلا دل الأمة عليه وما ترك شيئا من الشر إلا حذر منه أمته ومن ذلك التنطع والتكلف، قال رسول الله ﷺ: (هلك المتنطعون) قالها ثلاثا وذِكر هذه الألفاظ من التنطع وخِداع الجهَّال وقد قلت سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة وألف ١٣٤١ وأنا مسافر بالقطار من القاهرة إلى الإسكندرية قصيدة طويلة مقصورة أنكرت فيها وجود القطب بالمعني الذي يريده المتصوفة فقلت:
ولا قطب نعرفه غير نجم يرى في السماء وقطب الرحى
ونحوهما لا الذي ذكروا يكون مقيما بغار حراء
يمد الأنام ويجري الشوؤ ن في الكون تالك أدهى الفرا
فهل من كتاب وهل سنة أتت من صحيح الحديث بذا
ثم ظهر لي أن اثبت هذه القصيدة برمتها هنا لما فيها من بيان التوحيد وذم البدع:
تركت الطريق طريق وأقبلت أتبع المصطفى
وسنته وكتاب الإله وأصحابه انجم الاهتدا
[ ٤٧ ]
واتباعهم أين ما وجدوا سواء نأى عصرهم أم دنا
سوء ذو الشرق أم غربنا وأهل الخيام والقرى
وليس يجوز بمدهبنا اتبـ ـاع لغير فدع من هذا
ولسنا نؤول لفظ الحديـ ـث والذكر إلا بما قد أتى
فما هلك الناس ألا بما تؤوله زمرة الاعتدا
فنحن على مذهب السـ ـابقين من ﵃ علا
ومن حاد عن نهجهم قد هوى سواء درى ذاك أم ما درى
فخير الهدى هدى خير الورى وشر الأمور اتباع الهوى
فلا تتصرف ولا تتكلف ولا تلج إلا لرب العلى
ولا تدع من دونه أحدا فليس ولي سواه يرى
أغير الإله أرى لي وليا إذن قد ضللت طريق الهدى
أأتخذ الأولياء وربي بمحكم ذكره عنهم نهى
[ ٤٨ ]
ولو مرسلين ولو صالحين ولو طائرين بأوج السما
ولا يعبد الله إلا بما أتى في شريعته وارتضى
ومن يزعم العلم غير الكتاب وغير الحديث الصحيح افترى
ولا فضل في ديننا لأرسطو ولا لابن رشد ومن قد قفا
فتوحيد ربي بمنزله غني عن المنطق المرتأى
فإن أرسطو وأتباعه عدو لدين إله الورى
وأن هم أتوا حكا أحكموها أخذنا بها في أمور الدنى
ومهما وجدنا الحديث الصحيح عبدنا به من له المنتهى
وليس له من وسيلة إلا علوم اصطلاح وعلوم اللغى
فعلم الكلام وبعض الأصول ظلام يجران كل العنا
ولا نستغيث بغير الإله ومن يستغيث بالعباد غوى
ونعتقد الإله سبحانه على عرشه ذي التعالي استوى
[ ٤٩ ]
ولسنا نؤول ذلك بقهر ولا غيره مثل من قد مضى
وإن البخاري في كتبه قد أحسن للناس دون امترا
عليها اعتكف ثم منها اقتطف تجد كل ما رمته من منى
ومسلم لا تنس تأليفه فنعم الكتاب الوثيق العرى
وإن خضت في غير ذينك فاسلك بعلم غزير وإلا فلا
ولا تعتبر كل كتب عليها فقد مزجوها بما يرتمى
فجد وخذ زبد ما سطروا ودع ما تراه معيبا سدى
وما قد يسمونه باطنا فباللام يقراه من درى
فإن الشريعة قد أكملت وقد بينت مثل شمس الضحى
فما مات خير الورى أحمد إلى أن جلاها بغير خفا
وما أحد من أهيل النفاق نجا فاصبر إن نلت منهم أذى
ولا تبن في تربة قبة ومهما تراها فهدم البناء
[ ٥٠ ]
فقد عبدوها وما فطنوا ووافقهم علماء الشقاء
وقد ألفوا في عبادتها بدون احتشام بدون حيا
لتدع الإله بما قد روى الثقـ ـات الهدات عن المجتبى
وأن البخاري روى في الصحيح دعاء وذكرا به الاكتفا
وحاذر الشرك فهو بذا الـ ـزمان بكل النواحي فشا
ولا قطب نعلمه غير نجم يرى في السماء وقطب الرحى
ونحوهما لا الذي ذكروا يكون مقيما بغار حراء
يمد الأنام ويجري الشؤو ن في الكون تالك أدهى الفرا
فهل من كتاب وهل سنة أتت من صحيح الحديث بذا
فخذ بالنصوص ولا تبتدع وفي عدم النص قس ما جلا
وليس لنا مذهب لازم سوى مذهب المصطفى المرتضى
عليه الصلاة وأزكى السلام سلاما يدوم بغير انتها
ويشمل آلا وصحبا كراما ومن قد قفاهم بنهج الصفا
[ ٥١ ]
ولعل صاحب الرماح يعني بقوله جواهر الأقطاب كبار القوم وأعاظم ساداتهم إلا أن اللفظ لا يساعد على ذلك إلا بتكلف وإذا تحقق أن القطب لا وجود له وان عقيدة القطب وتصرفه في العالم عقيدة فاسدة أحدثها الجهال فقد تهدم ما بناه التجانيون من المقامات لشيخهم.
قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية في رسالة القبور ثلاثة لا أصل لها (منتظر الشيعة، وقطب الصوفية، وباب النصيرية) وصدق ﵀، فكم بنوا على وجود القطب من ضلالات وجهالات يبرأ منها الإسلام، وأما الغوث فقد قال ابن منظور في (لسان العرب) إنه اسم مصدر بمعنى الإغاثة قال: وأغاثه الله غوثا وغياثا والأولى أعلى اهـ.
ولعل التجانيين ومن سار على دربهم يقصدون بالغوث المغيث من باب إطلاق المصدر على أسم الفاعل فإن قصدوا ذلك فقد أمعنوا في الضلال فإنه لا مغيث إلا الله قال تعالى في سورة الأنفال آية ٩: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ وكان ذلك في غزوة بدر والنبي ﷺ وهو أفضل خلق الله بين أظهرهم ولم يستغيثوا به بل هو نفسه ﵊ كان يستغيث بالله ويقول (اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد) وروى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس قال حدثني عمر بن الخطاب قال لما كان يوم بدر نظر رسل الله ﷺ إلى المشركين وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر فاستقبل النبي ﷺ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه (اللهم أنجز لي ما وعدتني) وفيه فما زال يهتف بربه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأخذ أبو بكر فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعد فأنزل الله تعالى:
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ فتبين لك أيها القارئ الموفق أن الاستغاثة دعاء والدعاء مخ العبادة ومن استغاث بغير الله فقد أشرك وعبد مع الله غيره ومن زعم أنه هو أو غيره من المخلوقين قادر أن يغيث من استغاث به ويجيب المضطر ويكشف السوء ويجعل الناس خلفاء في الأرض فقد اتخذ مع الله إلها آخر بنصوص القرآن والسنة أنظر آيات النمل من قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾ من آية ٥٨ - ٦٤ ذكر الله تعالى في هذه الآيات أمورا خاصة به لا يقدر عليها غيره، منها إجابة المضطر وكشف السوء وتولية المناصب والهداية في ظلمات البر والبحر وإرسال الرياح فمن نسب شيئا من هذه الأمور إلى مخلوق أانه هو الفاعل لها بغير طريق الأسباب فقد أشرك بالله وعبد معه غيره واعلم أنه يجب على كل
[ ٥٢ ]
مسلم أن يوحد الله في ربوبيته وفي عبادته وفي أسمائه وصفاته فهذه أنواع التوحيد الثلاثة من أخل بها أو بشيء منها فهو كافر. أما توحيد الربوبية فهو أن يوحد الله تعالى بأفعاله بأن تعتقد أنه الموجد الممد فهو الذي يخلق وهو الذي يرزق وهو الذي يحيي ويميت ويعطي ويمنع ويخفض ويرفع ويعز ويدل ويتصرف في الخلق ويحفظ على كل مخلوق وجوده وأما توحيد العبادة ويسمى أيضا توحيد الإلهية فهو أن توحد الله بأفعالك فلا تتوجه بقلبك ولسانك إلى غيره بدعائك واستغاثتك واستعادتك واستمدادك واستشفائك واستعانتك وغير ذلك من حاجاتك التي لا يقدر عليها إلا الله. وأما توحيد الأسماء والصفات فهو ألا تسمي الله إلا بما سمى به نفسه في كتابه، أو وصفه به رسوله ﷺ في حديثه، وكل اسم سميت الله به لا تسم به أحدا من خلقه، وكل صفة وصفت الله بها لا تصف بها أحدا من خلقه.
فإن قيل: قال الله تعالى في سورة القصص آية ١٥: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ فهذ١ رجل إسرائيلي استغاث بموسى فأغاثه موسى وذلك دليل على جواز الاستغاثة بالمخلوق.
فالجواب أن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه المخلوق إذا كان حاضرا جائزة أما الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق كهداية القلوب وشفاء المرض بلا علاج بل بالهمة والحال وإنقاذ الغريق وتسهيل الولادة على من اعتراها الطلق وتفريج الكروب ومغفرة الذنوب وإنجاح طالب العلم بدون تعليم وإدخال الجنة والنجاة من النار وغير ذلك من الأمور التي ليس للمستغاث به فيها عمل إلا أن يوجه همته ويقول كن فيكون فمن طلب من المخلوق شيئا من ذلك فهو كافر قال الله تعالى في سورة فاطر آية ١٣، ١٤: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ وقال تعالى في سورة الأحقاف ٥، ٦: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ َ O خ g ح! %t وكٹ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ والآيات في هذا كثيرة وفي الآيتين التصريح بأن من دعا غير الله لجلب نفع أو لدفع ضر وفي الآية الثانية أن من دعا غير الله ضال كافر.
[ ٥٣ ]
البرزخ
تكررت تسمية صاحب الرماح لشيخه بالبرزخ وجاء لفظ البرزخ في كلامه مفردا وجمعا فماذا يعني بالبرزخ ففي كتب اللغة البرزخ هو الحاجز بين شيئين، وبهذا المعنى جاء في كتاب الله ﷿ والبرزخ هو حياة الروح بعد الموت وقبل البعث فتسمى المدة التي بينهما برزخا ولعل صاحب الرماح يقصد بالبرزخ ما ادعاه لشيخه من أنه واسطة ببين الأنبياء والأولياء، فلا يصل إلى ولي مدد إلا بتوسطه، ويفهم من كلامه أن كل شيخ برزخ بين الشيخ التجاني وبين أتباعه المستمدين منه وقد تقدم أن المدد كله من الله وحده لجميع عباده من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين أما إبلاغ الرسالة إلى العباد فلا بد فيه من واسطة فالأنبياء والرسل يتلقون الوحي من الله تعالى ويبلغونه أممهم ولا يملك أحد من الرسل لأمته نفعا ولا ضرا وليس عليهم إلا البلاغ المبين والتبشير والإنذار فهم حجج الله على خلقه وهم الشهداء على أممهم يوم القيامة وأما المدد بجميع أنواعه الحسية والمعنوية فليس لهم منه شيء.
المسالة الرابعة
وهي تابعة للمسالة الثانية ومتفرعة منها، قال صاحب الرماح نقلا عن شيخه التجاني إنه ينادي مناد يوم القيامة في المحشر من قبل الله تعالى مشيرا إلى الشيخ أحمد التجاني ومخاطبا لأهل المحشر كلهم هذا إمامكم الذي كان يمدكم وأنتم لا تشعرون.
قال محمد تقي الدين الهلالي هذا من القول على بلا علم قال الله تعالى في سورة الأعراف آية ٣٣: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ وقد أجمع السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين أن من أخبر عن الله أو عن رسول الله ﷺ بخبر ليس في كتاب الله ولا روى بسند صحيح إلى رسول الله ﷺ فقد قال على الله بلا علم وخبره مردود ولا سبيل لأحد أن يروي عن النبي ﷺ إلا من الطريق الذي روى عنه أصحابه والتابعين لهم بإحسان وهو السماع منه ﵊ في حال حياته أو السماع ممن سمع منه ومثل ذلك القراءة على الشيخ مع إقراره فهذا الخبر باطل بإجماع المسلمين هذا لو كان المدد صحيحا فكيف والمدد نفسه باطل لا وجود له إلا في خيال المدعين له وهم التجانيون.
[ ٥٤ ]
المسألة الخامسة
ما نقله صاحب الرماح عن شيخه التجاني أنه قال إن الشيخ عبد القادر الجيلاني قال قدمي هذه على رقبة كل ولي لله وذلك خاص بأولياء زمانه أما أنا فأقول لكم: قدماي هاتان على رقبة كل ولي لله من لدن آدم إلى النفخ في الصور اهـ.
قال محمد تقي الدين هذه مقالة تقشعر منها الجلود قال الله تعالى في سورة القصص آية ٧٣: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ قال ابن كثير في تفسيره: يخبر تعالى إن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين الذين لا يريدون علوا في الأرض أي ترفعا على خلق الله وتعاظما عليهم اهـ.
وقال البخاري ﵀ في كتاب الإيمان من صحيحه قال ابن مليكة أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه قال الحافظ في الفتح هذا التعليق وصله ابن خيثمة في تاريخه لكن أبهم العدد وكذا أخرجه ابن نمر المروزي مطولا في كتاب الإيمان له والصحابة الذين أدركهم ابن أبي مليكة من أجلهم عائشة وأختها أسماء وأم سلمة والعبادلة الأربعة وأبو هريرة وعقبة بن الحارث والمسور بن مخزمة فهؤلاء ممن سمع منهم وقد أدرك جماعة أجل من هؤلاء كعلي بن أبى طالب وسعد بن أبي وقاص وفيه قال إبراهيم التيمي ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا وقال البخاري ويذكر عن الحسن البصري ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق قال في الفتح هذا التعليق وصله جعفر الفريابي في كتاب صفة المنافق له من طرق متعددة بألفاظ مختلفة وقد يستشكل ترك البخاري الجزم به مع صحته عنه وذلك محمول على قاعدة ذكرها لي شيخنا أبو الفضل الحسين الحافظ رحمه لله وهي أن البخاري لا يخص صيغة التمريض بضعف الإسناد بل إذا ذكر المتن بالمعنى أو اختصره أتى بها أيضا لما علم من الخلاف في ذلك فهنا كذلك وقد أوقع اختصاره له لبعضهم الاضطراب في فهمه فقال النووي (ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق) يعني الله تعالى قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ وقال: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ وكذا شرحه ابن التين وجماعة من المتأخرين، وقرره الكرماني هكذا، فقال: ما خافه أي خاف من الله فحذف الجار وأوصل الفعل إليه ثم ساق الحافظ سند الفريابي إلى المعلى ابن زياد فقال سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق ولا مضى منافق ولا بقي إلا وهو من النفاق
[ ٥٥ ]
آمن. وكان يقول من لم يخف النفاق فهو منافق. ثم ذكر الحافظ عن أحمد بن حنبل
بسنده مثله، ثم قال: وهذا موافق لأثر ابن مليكة قبله، وهو قوله: يخاف النفاق على نفسه.
وقفة لتوضيح ما تقدم
في هذا الكلام فوائد:
الأولى: أن البخاري ﵀ علق خبر إبراهيم التيمي بصيغة الجزم ومن المعلوم عند أهل الحديث أن الأخبار المعلقة في صحيح البخاري أعني التي يحذف سندها كله أو بعضه مروية بأسانيد صحيحة أو حسنة وهذا الخبر يدل على أن السلف الصالح كانوا يتهمون أنفسهم ويخافون عليها من الكفر وحبوط العمل فهم أبعد الناس عن سلوك طريقة التجانيين الذين يجزمون بأنهم أولياء الله وأنهم يدخلون الجنة بغير حساب وأن شيخهم خاتم الأولياء وسيدهم وممدهم فما أبعد هذه الدعاوى عما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين وهم لعمري أولى بالاتباع من التجانيين ومن يرغب عن اتباعهم ويتمسك بطريقة التجانيين إلا من سفه نفسه.
الثانية: خبر ابن مليكة عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم كانوا يخافون النفاق على أنفسهم فما أبعد حالهم من حال هؤلاء التجانيين الذين ملؤوا الدنيا افتخارا واستعلاء!! وتألوا على الله وأراحوا أنفسهم من جميع التكاليف، ومن تألى على الله أكذبه، قال تعالى في سورة النساء آية ١٢٣، ١٢٤ ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ هذا كتاب الله ينطق عليهم بالحق فكيف نبذوه وراء ظهورهم وتمسكوا بوساوس وتخيلات مَا ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ لا معطي ولا مانع ولا خافض ولا رافع إلا الله، وعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني) رواه أحمد والترمذي والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.
ولعمر الله أن التجانيين لم يدينوا أنفسهم بل أتبعوها أهواءها وتمنوا على الله الأماني.
[ ٥٦ ]
الفائدة الثالثة: قول البخاري ويذكر عن الحسن هذه الصيغة تسمى صيغة التمريض وكثير من العلماء يظن أن البخاري إذا علق حديثا بصيغة الجزم مثل قال وذكر فالحديث عنده صحيح أو حسن إلا أنه ليس على شرطه وإذا قال يقال أو يذكر فالحديث عنده غير صحيح بل ضعيف وقد بين الحافظ بالبرهان القاطع أن هذا الفهم لا يلزم أن يكون كل حديث وقع في صحيح البخاري بهذه الصيغة ضعيفا لأن البخاري يستعمل هذه الصيغة في الخبر إذا اختصره أو رواه بالمعنى ولو كان صحيحا ومن الأحاديث الصحيحة التي استعمل فيها البخاري صيغة التمريض مع صحتها هذا الحديث هذا معنى ما تقدم من كلام الحافظ.
الفائدة الرابعة: أن اختصار البخاري لخبر الحسن البصري أوقع بعض شراح البخاري ومسلم في وهم عظيم منهم النووي والكرماني وقبله ابن التين.
الفائدة الخامسة: أن الكرماني بعد ما نقل كلام ابن التين الذي يدل على أن الضميرين في أمنَّه وخافه يعودان على الله تعالى وأقره قال ما خافه أي خاف الله فحذف الجار وأوصل الفعل إليه.
قال محمد تقي الدين الهلالي: وهذه زلة نحوية عظيمة، لأن خاف يتعدى بنفسه فلا حاجة إلى تقدير الحذف قال تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ومن ذلك تعلم أن العالم وإن عظم شأنه في العلم يقع في أخطاء فإياك والتقليد فالكمال لله تعالى.
وهناك زلة أعظم منها وهي ادعائهم أن الضمير في أمنه وخافه يعود على الله والحق أنه يعود على النفاق. وليث شعري ما فائدة قول التجاني (قدماي هاتان على رقبة كل ولي لله من لدن آدم إلى النفخ في الصور) فإن أقل المؤمنين تواضعا وتأدبا مع الله ومع عباده المؤمنين لا تحدثه نفسه أن يضع قدمه منعولة أو حافية على قدم مؤمن آخر فكيف يضعها على رقبته أليس هذا غاية التحقير والإهانة وكيف يليق بمتصوف هذب نفسه وجاهدها حتى وصلت إلى الله بزعمه وطهرت من جميع الرعونات والرين والدرن أن يطأ رقاب الناس بقدميه وعهدنا بالمتصوفة كالشادلية مثلا أن يسموا أنفسهم تراب أقدام أهل الله فجاء التجانيون بعكس ذلك ألم يكفهم أنهم زعموا أن شيخهم خاتم الأولياء وسيد العارفين وممدهم وإمامهم حتى أرادوا أن يفرشوا له جميع أولياء الله الصالحين ليمشي على رقابهم بقدميه فلا إله إلا الله ماذا يبلغ الغرور بأصحابه. ولا نظن أبدا أن الشيخ
[ ٥٧ ]
عبد القادر الجيلاني قال ما نسبوه إليه وهو (قدمي هذه
على رقبة كل ولي لله) فإنه كان إماما حنبليا صافي العقيدة، محدثا فقيها، من خيار عباد الله الصالحين، وهذه ترجمته في طبقات الحنابلة ليس فيها ما ذكر، ولا تشم منها رائحة لطلب الغلو والكبرياء، ولكن من قال على الله وعلى رسوله بلا علم فكيف يتورع أن يقول على الشيخ عبد القادر ما لم يقله. وإذا فرضنا أنه قال ذلك كان ماذا، فهو ليس بمعصوم وكل واحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله ﷺ.
المسألة السادسة
ما نقله صاحب الجواهر وصاحب الرماح عن شيخهما أنه قال: إن مقامنا عند الله في الآخرة لا يصله أحد من الأولياء ولا يقاربه من كبر شأنه ولا من صغر وأن جميع الأولياء من عصر الصحابة إلى النفخ في الصور ليس فيهم من يصل مقامنا، يقال أن أمور الآخرة لا يجوز لأحد أن يخبر عنها إلا بدليل من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ ومن أخبر بشيء منها بدون دليل فهو مردود بإجماع المسلمين ولا يساوي عند أهل العلم قلامة ظفر بل يعدونه من الكذب على الله وقد تقدم في المسائل الخمس ما يبطل هذه الدعوى بالأدلة القاطعة وأنوار الساطعة.
المسألة السابعة
في جوهر المعاني وسألته (يعني أحمد التجاني) عن تفضيل الصحابي الذي لم يفتح عليه وعن القطب من غير الصحابة، فأجاب بقوله اختلف الناس في تفضيل الصحابي الذي لم يفتح عليه على القطب من غير الصحابة فذهبت طائفة على تفضيل الصحابي الذي لم يفتح عليه على القطب من غير الصحابة وذهبت طائفة إلى تفضيل القطب والراجح تفضيل الصحابي على القطب بشاهد قوله ﷺ: (إن الله اصطفى أصحابي على سائر العالمين سوى النبيين والمرسلين، وقوله ﷺ: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهب ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) وكذلك قوله ﷺ (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم الحديث) انتهى باختصار.
قال محمد تقي الدين الهلالي هذا السؤال وجوابه من أعجب العجب والله المستعان على ما يصفون السؤال فاسد وجوابه أفسد منه فما معنى هذا الفتح الذي يحرم منه
[ ٥٨ ]
الصحابة ويناله
غيرهم؟ والحديث الذي جاء في الجواب حجة على فساد السؤال والجواب، أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري قال النبي صلى الله علية وسلم: (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) وقال تعالى بعد ذكر السابقين منهم واللاحقين ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ وأن القول بأن الصحابي كيفما كانت مرتبته من السابقين الأولين أو اللاحقين وكلا وعد الله الحسنى يجوز أن لا يفتح عليه والقطب الذي يأتي بعد زمن الصحابة وبعد القرون المفضلة يأتي في الأزمنة المذمومة على لسان النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى يُفتح عليه تنقص ومسبَّة للصحابة وما هو هذا الفتح يا ترى؟ فإن كان معرفة الله تعالى ونيل مراتب الإحسان العالية ومقامات المراقبة السامية فكيف يتفق هذا القول مع تعظيم الصحابة فكل فتح يُحرم منه الصحابيُّ ويناله شخص وُجد بعد القرون المفضلة فهو فتح شيطاني ووساوس وضلالات نعوذ بالله منها وقد تقدم الكلام في القطب وهو أنه لا وجود له كل الغول والعنقاء، كما قال الشاعر:
ولقد خبرت بني الزمان فلم أجد
فيهم جميع من أود وأصطفي
فعلمت أن المستحيل ثلاثة
الغول والعنقاء والخل الوفي
ومن ترك الكتاب والسنة وابتغى الهدى في غير كتاب الله أضله الله تعالى فلا غرابة إذا رأينا التجانيين يتناقضون فيما نقلوه عن شيخهم واعتقدوه من تفضيل الصحابة على غيرهم وعدم دخولهم في تلقي المدد الذي اخترعوه ونسبوه إلى دين الله تعالى وهو تخيلات وأوهام.
أمور يضحك السفهاء منها
ويبكي من عواقبها اللبيب
فالحمد لله الذي عافانا من هذا الهوس وأخرجنا من الظلمات إلى النور نسأله أن يديم علينا نعمة الإسلام واتباع كتابه ورسوله ﵊.
[ ٥٩ ]
المسالة الثامنة
قال صاحب الرماح ناقلا عن شيخه التجاني أنه قال: (وخصصت بعلوم بيني وبينه منه إلي مشافهة لا يعلمها إلا الله ﷿ بلا واسطة اهـ.
أقول هذا الكلام لا يصح من وجوه:
أولها: أنه يلزم منه أن النبي ﷺ كتم هذه العلوم عن الخلفاء الراشدين من كبار الصحابة في حياته وكتمها عن خيار أمته بعد ذلك وخبأها إلى أواخر القرن الثاني عشر وخص بها الشيخ التجاني والله تعالى يقول في سورة المائدة آية ٦٧: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ قال جلال الدين في تفسيره ما نصه، يا أيها الرسول بلغ: (جميع) ما أنزل إليك من ربك، ولا تكتم منه شيئا خوفا أن تُنال بمكروه وأن لم تفعل، أي لم تبلغ جميع ما أنزل إليك فما بلغت رسالته بالإفراد والجمع لأن كتمان بعضها ككتمان كلها اهـ.
قال الجمل في حاشيته قال ابن عطية أي وإن تركت شيئا فقد تركت الكل وصار ما بلغته غير معتد به فصار المعنى وإن لم تستوفي ما أمرت بتبليغه فحكمك في العصيان وعدم الامتثال حكم من لم يبلغ شيئا أصلا قال الكرخي قوله (جميع ما أنزل إليك) أشار به إلى أن ما موصولة بمعنى الذي لا نكرة ما موصوفة لأنه مأمور بتبليغ الجميع كما قرره والنكرة لا تفي إذ تقديرها بلغ شيئا مما أنزل إليك ومن تم قالوا الدعوة مثل الصلاة إذا نقص منها ركن بطلت اهـ.
ثانيا: أن يقال إما أن تكون هذه العلوم المكتومة فيها خير للأمة أو لا خير فيها فإن كان فيها خير فكيف يحرم النبي ﷺ أصحابه ومن بعدهم إلى أواخر القرن الثاني عشر من هذا الخير وهو الرؤوف الرحيم الذي ما ترك شيئا ينفع أمته إلا بينه لهم ورغبهم فيه ولا ترك شيئا يضرهم إلا حذرهم منه كما دلت على ذلك الأخبار الصحاح وأجمع عليه السلف الصالح قال تعالى في سورة النحل آية ٤٤: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وقد فعل رسول الله ﷺ ما أمره ربه به على أكمل وجه قال البخاري ﵀ في تفسير آية المائدة التي تقدم ذكرها بسنده إلى عائشة ﵂ (من حدثك أن محمدا كتما شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب) وهو يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ وقد ذكر ابن كثير في تفسير سورة المائدة أحاديث في هذا المعنى لم أرى حاجة لذكرها.
[ ٦٠ ]
ثالثها: إن يقال هذه العلوم التي اختص بها رسول الله ﷺ الشيخ التجاني ما هي؟ وهل علَّمها الشيخ تلامذته ومُريديه أم كتمها عنهم؟ فإن علمهم إياها فأبرزوها لنا وإن لم يعلمهم إياها فما فائدتها وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع ودعاء لا يسمع ونفس لا تشبع وعلم لا ينفع) .
وفي صحيح البخاري عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قيل له: هل خصكم رسول الله ﷺ معشر أهل البيت بشيء فقال: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء إلا فهما يُعطاه رجل في كتاب الله وإلَّا ما في هذه الصحيفة فقرأت فإذا فيها العقل وفكاك الأسير وألا يُقتل مسلم بكافر) فإن قيل قد صح عن حذيفة وأبي هريرة أن النبي ﷺ أخبرهما بأمور كان يكتمانها فالجواب أن الذي أخبر به حذيفة أسماء المنافقين ولم يكن يكتمها عن جميع الناس إنما كان يكتمها عن عامة الناس بدليل قوله لعمر بن الخطاب ﵁ حين سأله فقال أنشدك الله هل ذكر لك رسول الله ﷺ اسمي في أسماء المنافقين فقال لا ولا أزكي بعدك أحد وإنما كتم حذيفة أسماء المنافقين لأن المفسدة التي في ذكرها تفوق المصلحة التي في كتمنها، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح وأما أبو هريرة فقد أخبره النبي ﷺ بالفتن التي تقع بعد وفاته ﷺ فكان أبو هريرة يقول كما في صحيح البخاري (حملت عن النبي ﷺ وعاءين أما أحدها فبثثته لكم وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم) ومع ذلك باح به للخاصة فقال أعوذ بالله من حدود الستين وإمارة الصبيان وقد روى الأئمة الشيء الكثير من أخبار الفتن التي وقعت في زمن بني أمية عموما وخصوصا فثبت بذلك أن أبا هريرة لم يكن يكتمها عن الخاصة.
المسألة التاسعة
قال صاحب الرماح نقلا عن من سأل شيخه: وسألته عن حقيقة الولاية فأجاب ما نصه: الولاية عامة وخاصة، فالعامة من آدم ﵇ إلى عيسى ﵇ والخاصة هي من سيد الوجود ﷺ إلى الختم والمراد بالخاصة هي من اتصف صاحبها بأوصاف الحق الثلاثمائة على الكمال ولم ينقص منها واحدًا إن لله ثلاثمائة خلق من اتصف بواحدٍ منها دخل الجنة وهذا خاص بسيد الوجود صلى
[ ٦١ ]
الله عليه وسلم، ومن ورثه من أقطاب هذه الأمة الشريفة إلى الختم هكذا قال ونسبه إلى الحاتمي ثم قال سيدنا ولا يلزم من هذه الخصوصية التي هي الاتصاف بالأخلاق على الكمال أن يكونوا كلهم أعلى من غيرهم في كل وجه بل قد يكونوا من لم يتصف بها أعلى من غيره في المقام وأظنه يشير إلى نفسه وبعض الأكابر من أصحابه لأنه أخبره سيد الوجود ﷺ بأن مقامه أعلى من جميع المقامات اهـ.
فأقول في هذا الكلام ضلالات:
الأولى: القول على الله بلا علم فإنه لم يذكر دليلا على ما قال لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ وهذا من علم الغيب الذي لا يجوز القول فيه بالرأي.
الثانية: أن مقتضى هذا الكلام أن الختم هو ابن عربي الحاتمي، وقد تقدم نقلهم عن ابن عربي الحاتمي أنه ادعى أنه خاتم الأولياء ثم تبين له أنه ليس كذلك وأن الختم سيأتي في أخر الزمان وقد اجتهد أن يعرف اسمه وبلده وفلم يستطع. والتجانيون يعتقدون أن شيخهم هو خاتم الأولياء وذلك تناقض.
الثالثة: ما هذه الأخلاق الثلاثمائة التي هي من أخلاق الله ومن تخلق بواحد منها دخل الجنة لماذا لم يبينها شيخهم لهم ليتخلقوا بها أم هي أيضا مكتومة فأي فائدة في ذكر عددها لهم؟ .
الرابعة: أن مقتضى هذا الكلام أن التجانيين وشيخهم خارجون عن الولاية العامة والخاصة إلا أنه قال راقعا للفتق لا يلزم أن يكن أهل الولاية الخاصة التي تنتهي عند ابن عربي الحاتمي أفضل من غيرهم لأن النبي ﷺ أخبر شيخهم أن مقامه أعلى من جميع المقامات وليث شعري كيف يكون لمن خرج عن ولاية الله العامة والخاصة مقام عال فضلا عن أن يكون أعلى من غيره. فهذا الكلام في غاية التناقض والاضطراب والله المستعان.
المسألة العاشرة
قوله في الرماح وهو موجود في الجواهر وفي سائر كتبهم كل الطرائق تدخل عليه - كذا - طريقتنا فتطبلها وطابعنا يركب على كل طابع ولا يحمل طابعنا غيره من ترك من
[ ٦٢ ]
أوراد المشايخ وردا لأجل الدخول في طريقتنا هذه المحمدية التي شرفها الله تعالى على جميع الطرق أمَّنه الله في الدنيا والآخرة فلا يخاف من شيء يصيبه لا من الله ولا من رسوله ولا من شيخه أيا كان من الأحياء أو من الأموات وأما من دخل زمرتنا وتأخر عنها ودخل غيرها تحل به المصائب دنيا وأخرى ولا يفلح أبدا قلت وهذا لأنه قد ثبت أول الفصل أن صاحبها (يعني الشيخ التجاني) هو الختم الممد الذي يستمد منه من سواه من الأولياء والعارفين والصديقين والأغواث ومن ترك المستمد ورجع إلى الممد فلا لوم عليه ولا خوف بخلاف من ترك الممد ورجع إلى المستمد. اهـ
قال محمد تقي الذين في هذا الكلام طوام عظيمة:
الأولى: أن الطرائق كلها بدعة وضلالة، ولا يجوز أخذ شيء منها لقول النبي ﷺ: (كل بدعة ضلالة) ولما تقدم في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وغير ذلك من الأدلة.
الثانية: أن تلك قسمة ضيزى قسمها التجانيون بينهم وبين سائر الطرائق فجعلوا طريقتهم تدخل على جميع الطرائق فتبطلها، ولا تدخل طريقة من الطريقة على طريقتهم فكأنها نسخت الطرائق، وإن لم تنسخها فقد جعلتها في أسفل المنازل التي لا يرضى بها من له همة عالية وذلك على قول السموأل بن عاديا اليهودي:
وننكر أن شئنا على الناس قولهم ولا ينكرون القول حين نقول
وهذا حيف وجور على الطرائق.
الثالثة: أن تلك قسمة ضيزى قسمها التجانيون بينهم وبين سائر الطرائق فجعلوا تعالى لقوله. فلا يخاف من شيء يصيبه لا من الله ولا من رسوله ولا من شيخه أيا كان من الأحياء أو من الأموات والذي يجب على كل مسلم أن يعتقده أنه لا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له وأن النبي ﷺ لا ينفع ولا يضر مع أنه أفضل خلق الله قال الله تعالى في سورة الأعراف آية ١٨٨: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ فأنت ترى أن الله أمر نبيه أن يقول لجميع الناس أنه لا يملك لنفسه فضلا عن غيره نفعا ولا ضرا، بل المالك لذلك هو الله وحده لا شريك الله وأمره أيضا أن يقول لهم أنه لا يعلم الغيب فكيف أن يخاف أحد العقاب من المخلوق نبيا كان أو غير نبي.
الرابعة: كيف يتصور أن يعاقب الله الإنسان على ترك طريقة مبتدعة التزامُها شر
[ ٦٣ ]
من المعاصي لأن البدعة شر من المعاصي، لأن المعاصي يرتكبها صاحبها وهو يعلم أنها معصية، ولا ينوي أبدا التقرب إلى الله بها بل يرتكبها وهو خائف من الله إن كان مؤمنا إلا أن الغفلة والجهالة واتباع الهوى غلب خوفه من الله، ولذلك تراه يعترف بذنبه ويرجوا أن يتوب منه فترك الطريقة بالتوبة منها لا يدعو إلى الخوف بل يدعو إلى الأمل لأن الله تعالى يقبل التائبين من المعاصي والبدع ويغفر ذنوبهم.
أما الخوف من النبي ﷺ فلا معنى له. أما أولا فإن النبي ﷺ لم يعطه تلك الطريقة ولا أخذ عليه فيها عهدا، بل أعطاه سنته وكتاب الله فنبذهما ظهريا وابتدع فأخذ الطريقة. وأما ثانيا: فلأن النبي ﷺ لا يقدر على ضر ولا نفع كما تقدم وأما شيخ الطريقة الذي أخذ عنه ذلك المريد الطريقة بواسطة أو بغير واسطة فكيف يستطيع أن يضر من ترك طريقته وهو فقير عاجز إذا كان حيا وإذا كان ميتا فهو أعجز، ومن خاف شيخا غائبا أو ميتا فقد عبده من دون الله وأشرك بالله لأن خوف الله بالغيب عبادة، قال الله تعالى في سورة فاطر: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ وكلما اشتد خوف العبد من الله علا مقامه ولذلك كان النبي صلى اله عليه وسلم أشد الناس خوفا من الله تعالى.
الخامسة أن الشيخ الذي يدعو الناس إلى طريقة مبتدعة ويضلهم بها لا ينبغي له إذا خرجوا من طريقته إن ينتقم منهم لأنهم تابوا إلى الله من البدعة، هذا لو كان قادرا على الانتقام، فكيف وهو عاجز، فإن حبه للانتقام ممن ترك طريقته جريمة يضيفها إلى جريمته الأولى، وهي اختراعه للطريقة ودعوته الناس إليها.
السادسة: ادعائهم أن أخذ الطريقة التجانية ثم تركها تحل به المصائب دنيا وأخرى جرأة عظيمة على الله تعالى فمن أين علموا ذلك أمن الكتاب أم من السنة أم هو من وحي الشيطان ولو قال لهم قائل. إن من أخذ الطريقة التجانية تحل به المصائب دنيا وأخرى ولم يأتهم بدليل كما لم يأتوا بدليل لتصارع القولان وتساقطا ويفضل عند خصمهم البرهان القاطع على أن التمسك بالطريقة التجانية وتصديق ما جاء فيها بدع وضلالات بعضها يفضي إلى الكفر وكلها فيه إثم.
المسألة الحادية عشر
اعتقاد أن القرن الثاني عشر للهجرة يشبه القرن الأول الذي كان فيه النبي صلى
[ ٦٤ ]
الله عليه وسلم، فقد قال إن القرن الذي فيه القطب المكتوم والبرزخ المحتوم والختم المحمدي المعلوم شيخنا أحمد بن محمد التجاني وذلك القرن هو القرن الثاني عشر من الهجرة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام يشاكل قرنه ﷺ من وجوه:
الأول: أن فيه خاتم الأولياء كما في قرنه خاتم الأنبياء.
الثاني: أن أتباع هذا الولي المجدد الخاتم يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله وحده ويجاهدون الأمم الضالة كما يجاهدون النفس والهوى والشيطان الجهاد الأكبر، قال الرسول ﷺ رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قالوا وما الجهاد الأكبر قال جهاد النفس والهوى.
الثالث: الإشارة إلى أن هذا القرن أفضل من جميع ما تقدم من القرون السالفة سوى القرون الثلاثة الوارد النص بأفضليتها، قال رسول الله ﷺ: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم) الحديث. ثم فسر ذلك ﷺ بقوله (خير هذه الأمة أولها وآخرها) ج ٢ ص ٢٠، قال محمد تقي الدين الهلالي في هذا الكلام نظر من وجوه:
أولها لم يظهر لنا ولا نظن أنه يظهر لغيرنا أن القرن الثاني عشر الهجري يشبه القرن الذي كان فيه النبي ﷺ بوجه من الوجوه، إلا أنْ يقال أنّ بداية الدعوة المحمدية كان الإسلام فيها غريبا، وكان أهله ضعفاء قليلا عددهم، إلا أنهم في زيادة مستمرة وكان الإسلام يزداد قوة يوما بعد يوم حتى بلغ القمة في آخر حياة النبي ﷺ وأما القرن الثاني عشر فقد كان الإسلام فيه غريبا، وكان أهله ضعفاء وإن كان عددهم كثيرا وكانوا يزدادون ضعفا يوما بعد يوم ويمتاز القرن الثاني عشر بأن المنتسبين فيه إلى الإسلام كان أكثرهم لا يعرف من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه وكان الشرك والبدع في غاية الظهور والانتشار، وكذلك الفجور والفسوق والمعاصي شائعة بدون تغيير، وأعداء الإسلام يزدادون قوة واستيلاء على بلاد المسلمين وبالخصوص في المغرب، الذي كان فيه الشيخ التجاني فقد بلغت فيه الدولة المغربية أسفل سافلي، تكالب أعداء الإسلام من الخارج والفتن والثورات في الداخل فما أقل الشبه، بين زمان النور وزمان الظلام، وكان المغرب قد بدأ في الضعف والانحطاط من القرن الثامن الهجري حين بدأت الطرائق يكثر انتشارها، ويستولي شيوخها الجهال على عقول العامة، وقد كان المغرب قبل ذلك قاهرا لأعدائه، يغزوهم في عقر دارهم، وراياته منصورة، وأيامه في أعدائه مشهورة، فكان مستوليا على أكثر البلاد الإسبانية، فما زال يفقد أقاليمها واحدا
[ ٦٥ ]
بعد واحد. حتى بلغ في القرن الثاني عشر إلى هوة سحيقة، فأخذ يفقد ثغوره ويستولي عليها أعداؤه، أما الفتن الداخلية وكثرة القتل والنهب وسبي الذرية والنساء وإحراق القرى في أواخر القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر وهو الوقت الذي استقر فيه الشيخ أحمد التجاني في فاس وبنى زاويته، وانتشرت طريقته، فإنه دخل فاسا بنية الاستيطان والاستقرار، سنة ألف ومائتين وثلاث عشرة (١٢١٣ هـ) كما في جواهر
المعاني الجزء الأول صفحة ٣٧، والمدة التي أقامها الشيخ التجاني في فاس هي من ألف ومائتين وثلاث عشرة (١٢١٣) إلى ألف ومائتين وثلاثين (١٢٣٠ هـ) إذ فيها توفي ودفن في وسط زاويته، وإذا أردت أن تعرف مقدار الشقاء الديني والدنيوي الذي كان مخيما على المغرب الأقصى وسائر المغارب، فاقرأ كتب التاريخ ومن أيسرها أسهلها كتاب "الاستقصاء في أخبار المغرب الأقصى" للناصري، ولولا كراهية الإطناب وضيق الوقت لنقلت هنا ما تقشعر منه الجلود، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك قله، فلذلك أنقل لك من الكتاب المذكور، شيئا قليلا، على لسان ملك المغرب في ذلك الزمان، السلطان أبى الربيع سليمان بن محمد العلوي، ﵀، وكان من أحسن ملوك الدولة المغربية دينا وعقلا وحكمة وحسن سياسة، ولكن اتسع الخرق، قال صاحب الاستقصاء في الجزء الثامن صفحة ١٦٤:
كان أمير المؤمنين المولى سليمان ﵀ في هذه المدة قد سئم الحياة ومل العيش وأراد أن يترك أمر الناس لابن أخيه المولى عبد الرحمن بن هشام ويتخلى هو لعبادة ربه إلى أن يأتيه اليقين، قال ذلك غير مرة، وتعددت فيه رسائله ومكاتيبه فمما كتب في ذلك هذه الوصية التي يقول فيها:
الحمد لله، لما رأيت ما وقع من الإلحاد في الدين واستيلاء الفسقة والجهلة على أمر المسلمين وقال عمر: إن تابعناهم تابعناهُم على ما لا نرضى وإلا وقع الخلاف، وأولئك عدول، وهؤلاء فساق، وقال عمر: فبايعنا أبا بكر فكان والله خير، وقال رسول الله ﷺ في حق أبي بكر: يأبى الله ويدفع المسلمون، ورشحه بتقديمه للصلاة إذ هي عماد الدين.
وقال أبو بكر للمسلمين: بايعوا عمر وأخذ له البيعة في حياته، فلزمت وصحت بعد موته وقال عمر هؤلاء الستة أفضل المسلمين وقال رسول الله ﷺ نِعم العبد صهيب، وقال أبو عبيدة أمين هذه الأمة، وقال ما أضلت الخضراء ولا أقلت الغبراء
[ ٦٦ ]
أصدق لهجة من أبي ذر، وقال في أبي بكر وعمر أكثر من هذا فصار المدح للتعريف واجبا ولإظهار حال الرجل لينتفع به، فأقول جعله الله خالصا لوجهه الكريم ما أظن في أولاد مولانا الجد عبد الله، ولا في أولاد سيدي محمد والدي ﵀، ولا أولاد أولاده أفضل من مولاي عبد الرحمن بن هشام ولا أصلح لهذا الأمر منه لأنه إن شاء الله حفظه الله لا يشرب الخمر ولا يزني ولا يكذب ولا يخون ولا يقدم على الدماء والأموال بلا موجب ولو ملك مُلك المشرقين لأنها عبادة صهيبية ويصوم الفرض والنفل، ويصلي الفرد والنفل.
وإنما أتيت به من (الصويرة) ليراه الناس ويعرفوه وأخرجته من (تافيلالت) لأُظهره لهم، لأن الدين النصيحة، فإن اتبعه أهل الحق صلح أمرهم كما صلح سيدي محمد جده وأبوه حي، ولا يحتاجون إليَّ أبدا، ويغبطه أهل المغرب ويتبعونه إن شاء الله اهـ بلفظه.
ومنه تعلم أن القرن الثاني عشر الهجري، كان من شر القرون.
فالعجب من صاحب الرماح كيف يشبهه بقرن النبي ﷺ، وفي الحديث الصحيح (كل يوم ترذلون) وفيه (لا يأتي يوم إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم) سمعته من نبيكم ﷺ. أما دعوى ختم الأولياء فقد تقدم بطلانها فالأولياء بالمعنى الذي أراد صاحب الرماح لا وجود لهم في الحقيقة، وإذا لم يوجدوا فلا خاتم لهم.
أما الأولياء المؤمنون المتقون فليس لهم خاتم.
أما حديث (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) وحديث (خير أمتي أولها وآخرها) فلا يصح منهما شيء، وسيأتي تحقيق الكلام عليهما في الفصل الذي نعقده لتخريج الأحاديث التي ذكرها صاحب الرماح في ما ننقله عنه إن شاء الله تعالى.
استدراك
فاتني الكلام على مسألة رتبها صاحب الرماح على حديث لا يصح وذلك قوله فيما نقله عن ابن عربي الحاتمي (فكل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي ما منهم أحد يأخذ النبوة إلا من مشكاة خاتم النبيين وإن تأخر وجود طينته فإنه بحقيقته موجود وهو قوله كنت نبيا وآدم بين الماء والطين) . ص ١١ ج ٢
[ ٦٧ ]
أي لم يكمل بدنه العنصري بعد فكيف من دونه من أنبياء أولاده، وبيان ذلك أن الله تعالى لما خلق النور المحمدي كما أشار ﷺ بقوله: (أول ما خلق الله تعالى نوري) جمع في هذا النور المحمدي جميع أرواح (الأنبياء والأولياء، جمعا أحديا قبل التفضيل في الوجود العيني وذلك في مرتبة العقل الأول إلى آخر ما قال مما تقدم ص ١١ ج ٢.
قال محمد تقي الدين الهلالي هذه الأسطورة التي اخترعها ابن العربي الحاتمي، واستغلها صاحب الرماح وأهل طريقته مبنية على حديثين لو كانا صحيحين لم تكن فيهما دلالة على ما زعم، لإن النبوة فضل من الله تعالى يؤتيها من يشاء من عباده وليست بيد مخلوق فلا تتوقف نبوة نبي على نبي آخر، والنبي ﷺ هو أفضل الأنبياء وخاتمهم لا يعرف جميع الأنبياء ولا جميع الرسل، قال الله تعالى في سورة المؤمنون آية ٧٨: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ والأحاديث الواردة في عدد الأنبياء والرسل حكم على المشهور منها ابن الجوزي بالوضع، وقد رويت من طرق ضعيفة ومتونها مضطربة ففي بعضها أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا منهم ثلاثمائة وخمسة عشرة رسولا وفي بعض الروايات ثلاثة بدل خمسة عشر وفي بعضها بعث الله ثمانية ألف نبي، أربعة آلف إلى بني إسرائيل، وأربعة آلف إلى سائر الناس وفي بعضها أن عددهم ألف نبي، وفي بعضها ألف ألف نبي، وقد ذكر هذه الروايات وغيرها الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى من سورة النساء آية ١٦٤: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ وإذا لم بثبت أن النبي ﷺ كان يعرف جميع الأنبياء فكيف يكون واسطة في نبوتهم ولا يعرفهم، أما زعمهم أن النبي ﷺ كان نبيا وآدم بين الماء والطين، فقد قال السخاوي في المقاصد الحسنة، وما اشتهر على الألسنة بلفظ (كنت نبيا وآدم بين الماء والطين) لم أقف عليه اهـ وقد جاءت أحاديث بمعناه، منها ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد) رواه الترمذي والحاكم وصححاه من حديث أبي هريرة، ومعناه أنه كان مكتوبا عند الله نبيا وهذا التفسير هو من تفسير الحديث بالحديث فقد روى
ابن حبان والحاكم في صحيحيهما عن العرباض بن سارية مرفوعا (إني عند الله لمكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمجندل في طينته) ويزيدك وضوحا قوله تعالى في آخر سورة الشورى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ وفي تفسير الجلالين ما نصه، ﴿٧د٩؛x
[ ٦٨ ]
معلق للفعل عن العمل، أو ما بعد سد مسد المفعولين، وقال الإمام بن جرير الطبري أفضل المفسرين بعد الصحابة في تفسير هذه الآية ما نصه:
وقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ ما كنت تدري يا محمد، أي شيء الكتاب ولا الإيمان، اللذين أعطيناكهما، ولكن جعلناه نورا، هذا القرآن وهو الكتاب نورا يعني ضياءا للناس، يستضيئون بضوئه الذي بين الله فيه، وهو بيانه الذي فيه مما لهم فيه من العمل به الرشاد، ومن النار النجاة ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ يقول نهدي به من نشاء هدايته إلى الطريق المستقيم من عبادنا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك، ثم روى بسنده إلى السدي، قال ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ يعني محمدا ﷺ، ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ يعني القرآن، وقال جل ثناؤه: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ﴾ فوحد الهاء، وقد ذكر قبل الكتاب والإيمان، لأنه قصد به الخبر عن الكتاب. وقال بعضهم عنى به الإيمان والكتاب، ولكن وحد الهاء لأن الأسماء الأفعال يجمع جميعها الفعل كما يقال؛ إقبالك وإدبارك يعجبني، فيوحد وهما اثنان انتهى بلفظه.
وقال الإمام البغوي في تفسيره لهذه الآية ما نصه: ﴿٧د٩؛x
[ ٦٩ ]
قال السيوطي في الحاوي ج ١ ص ٣٢٥: ليس له إسناد يعتمد عليه، قال الغماري في المغير على الجامع الصغير وهو حديث موضوع، لو ذكر بتمامه لما شك الواقف عليه في وضعه وبقيته تقع في نحو ورقتين كبيرتين مشتملتين على ألفاظ ركيكة ومعان منكرة. وبذلك يتهدم كل ما بناه الحاتمي على هذا الحديث الموضوع، وانتهبه التجانيون من الحاتمي وفرحوا به وبنوا عليه قصر ختم الأولياء وأمدادهم وتفضيل أنفسهم على الأمة كلها، ما عدا الصحابة ولم يشعروا أنهم بنوا قصرهم على جرف هار فانهار بهم. وقول الحاتمي بناء على ما استنبطه من الحديث الموضوع، جمع الله في هذا النور المحمدي جميع أرواح الأنبياء جمعا أحديا قبل التفضيل في الوجود العيني. قال محمد تقي الدين: أقول له وبالله التوفيق؛ الحديث الذي بنيت عليه هذا التقول موضوع ولو صح ما دل على ما زعمت فمن أين لك أن جميع أرواح الأنبياء والمؤمنين الذين تسميهم أولياء كانت في أول خلقها مجموعة جمعا أحديا لا تفضيل فيه ولا تعيي، فقولك هذا رجم بالغيب وكذب على الله، وظواهر الكتاب والسنة تدل على خلافه قال تعالى في سورة آل عمران آية ٥٩: ﴿إِن مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ (٦٠) وقال تعالى في سورة ص آية ٧١، ٧٢: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ . وفي تفسير الجلالين عند هذه الآية ما نصه: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١)
﴾ هو آدم ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ أتممته ﴿M÷‚xےtRur﴾ أجريت ﴿فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ فصار حيا وإضافة الروح إليه تشريف لآدم والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ سجود تحية بالانحناء اهـ.
وفي حديث الشفاعة الذي أخرجه البخاري وغيره، أن الناس يذهبون إلى آدم فيقولون أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته اشفع لنا عند ربنا. الحديث، وهذا خلاف ما زعم ابن عربي الحاتمي وأخذه منه التجانيون كأنه تنزيل من حكيم حميد. وقوله: (وذلك في مرتبة العقل الأول ثم تعينت الأرواح في مرتبة في اللوح المحفوظ الذي هو النفس الكلية الخ) اهـ.
تعبيره بالعقل الأول والنفس الكلية من عبارات الفلاسفة اليونانيين وهم أجهل الناس بالله تعالى وبرسوله وبكتبه، وقد كانوا وثنيين، فالعقل الأول لا وجود له في الحقيقة كما لا وجود لمسماه وهو الأرواح المجموعة جمعا أحديا قبل التفضيل والتفضيل العين، أما اللوح المحفوظ فالذي يجب على كل مسلم أن يعتقده، هو ما فسره به رسول الله صلى
[ ٧٠ ]
الله عليه وسلم والمفسرون الأولون من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وقد ذكر المفسرون فيه أقوالا نقتصر منها على ما ذكره الحافظ ابن كثير نقلا عن الطبراني بسنده إلى ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: إن الله تعالى خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء صفحاتها من ياقوتة حمراء قلمه من نور وكتابه نور، لله فيه كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة، يخلق ويرزق ويميت ويحيي ويعز ويدل ويفعل ما يشاء.
أما تفسيره بكلام الفلاسفة الكفرة الجاهلين بدين الله فهو من الإلحاد في كلام الله والنفس الكلية لاوجود لها في الأعيان، وإنما توجد في الأذهان فهي من التخيلات التي لا حقيقة لها، وهذا الهوس وأمثاله يسمونه علوم العارفين، فما هي علوم الجاهلين إذا؟ والذي جرأ هؤلاء على اختراع هذه الوساوس وإيهام الناس أنها من الدين خُلو الأوطان التي كانوا يبثُّون فيها ضلالهم من علماء الكتاب والسنة الذين ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين وفي مثل ذلك ينشد:
خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري
لا بد من أخذك يوما فاحذري
وبقية كلامه يُعرف بطلانها مما سبق، أما زعمه أن خاتم الأولياء كان بالفعل عالما بولايته وآدم بين الماء والطين الخ (١)
تقدم بطلان المقيس عليه، وهو أن النبي ﷺ لم يكن يعرف أنه نبي إلا بعد أن أنزل الله عليه القرآن، وإذا بطل المقيس عليه فالمقيس أولى بالبطلان، يضاف إلى ذلك أن الشيخ أحمد التجاني حسبما في كتب التجانيين، وخصوصا جواهر المعاني كان ينتقل من طريقة إلى أخرى وهو في بلاد المغرب، وكذلك فعل حين سافر إلى المشرق ولم يُفتح له في أي طريقة، فلو كان يعلم أنه خاتم الأولياء من الوقت الذي كان فيه آدم بين الماء والطي، ما أخذ تلك الطرائق كلها واستمر في كل واحدة منها برهة من الزمان حتى يئس أن يُفتح عليه فيها ثم انتقل إلى غيرها وهكذا دواليك بل كان يمكث بدون طريقة يعبد الله حتى يصل إلى مرتبته التي هو على يقين أنه يصل إليها وهي الختمية التي تدَّعونها له، ولا يعلم إلا الله هل ادعاها لنفسه كما تزعمون أم هو برئ
_________________
(١) وانظر تفصيل حكم الأولياء في كتاب: " الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان " وقد طبعه المكتب الإسلامي طبعة محققة.
[ ٧١ ]
من هذه الدعوى كما يقتضيه قوله، ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله وسنة رسوله، فما وافق فهو عني سواء قلته أم لم أقله، وما خالف فليس عني سواء قلته أم لم أقله، ومن كان معظما له محسنا للظن به لابد أن ينفي عنه تلك الأباطيل والله المستعان.
وليكن هذا الاستدراك (المسألة الثانية عشرة)
المسألة الثالثة عشرة
قال صاحب الرماح في صفحة (٣٠) نقلا عن شيخه أنه قال: (أعطاني الله في السبع المثاني ما لم يعطه إلا للأنبياء) قال محمد تقي الدين، ماذا أعطاه الله في السبع المثاني فالسبع المثاني هي الفاتحة على الراجح من أقوال المفسرين، بل على ما فسره النبي ﷺ نفسه، كما في البخاري ومسلم فهل هذا الذي أعطاه الله بزعمكم من العلوم النافعة أو من العلوم الضارة أو من العلوم التي لا نفع فيها ولا ضرر، فإن كان من العلوم النافعة فهو علمكم إياه أو كتمه عنكم فإن علمكم إياه فما هو؟ وإن لم يعلمكم إياه بل كتمه عنكم فإنكم جعلتموه داخلا في من كتم العلم النافع وفي ذلك وعيد شديد، وهو لعن الله تعالى للكاتم والملائكة والناس أجمعين كما في سورة البقرة رقم ١٥٩: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ وروى أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعا (من كتم علما ألجمه الله بلجام من نار) أو كما قال ﵊، وإن كان من القسمين الآخرين فلا ينبغي أن يُتَبجح به لأن الجهل به خير من معرفته.
المسالة الرابعة عشرة
ونقل صاحب الرماح عن شيخه التجاني أنه قال في صفحة ٣٠ ما نصه (أعطاني الله تعالى الشفاعة في أهل عصري من حين ولادتي إلى حين مماتي) ثم نقل ذلك عن مؤلف "جواهر المعاني" علي حرازم وفيه: وزيادة عشرين سنة بعد وفاته اهـ.
قال محمد تقي الدين، تقدم أن الشيخ أحمد التجاني ولد سنة (١١٥٠) وتوفي سنة (١٢٣٠) للهجرة وبزيادة عشرين سنة يكون الحاصل أن جميع بني آدم الموجودين
[ ٧٢ ]
في الدنيا من سنة ألف ومائة وخمسين إلى سنة ألف ومائتين وخمسين كلهم يدخلون الجنة بلا عذاب بشفاعة الشيخ التجاني ومدة هذه الشفاعة مائة سنة، ولم يشترط صاحب الرماح ولا من نقل عنه أن يكونوا مسلمين، فلا ندري هل الشرط معتبر عندهم أو غير معتبر، وأظن أنه يبعد أن يراد جميع الناس مسلمهم وكافرهم، لما يلزم عليه من تعطيل الشريعة ومن الشناعة العظيمة، وإذا فرضنا أن المراد بهم المسلمون فقط، يكون ذلك في غاية البطلان لأن هذا الفضل لم يحصل للنبي ﷺ، الذي هو سيد الشفعاء على الإطلاق وبيان ذلك ما أخرجه البخاري في كتاب الوضوء من صحيحه، عن ابن عباس قال: مر النبي ﷺ بحائط من حيطان المدينة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال النبي ﷺ: (يعدبان وما يعدبان في كبير، ثم قال بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة) ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كل قبر منها كسرة، فقيل له يا رسول الله لم فعلت هذا قال: (لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا)، ومن ذلك تعلم أن النبي ﷺ لم يُشفِّعه الله تعالى في أهل عصره لا في كافرهم ولا في مسلمهم، وعمره الشريف (٦٣) سنة، وعمر الشيخ التجاني كان نحو (٨٠) سنة، وزعموا أن الله زاد عشرين سنة فبلغت مائة سنة، لا نعلم أن الله أعطى هذه المزية خير خلقه محمدا ﷺ، وهي الشفاعة في جميع الناس على التفصيل المتقدم ولو ليوم واحد فكيف بشهر؟ فكيف بسنة؟ فكيف بمائة سنة؟ إن هذه الدعوة مناقضة لقواعد الإسلام، وفيها جرأة عظيمة على الله، وبعد عن خشيته، ولم يسبق إليها أحد من خلق الله، وسيجيء إن شاء الله حديث: (يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت وأنقذي نفسك من
النار لا أغني عنك من الله شيئا)؛ يأتي ذلك أن شاء الله تعالى في الفصل الذي نعقده في فضل المتعلقين بالشيخ التجاني.
لا يقال أن الإنسانين الذين سمع النبي ﷺ صوتهما كانا كافرين، لأن نقول قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ما نصه (وأما حديث الباب فالظاهر من مجموع طرقه أنهما كانا مسلمين)، ففي رواية ابن ماجة (مر بقبرين جديدين) فانتفى كونهما في الجاهلية وفي حديث أبي أمامة عند أحمد أنه ﷺ مر بالبقيع قال: (من دفنتم اليوم ههنا)، فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين، لأن البقيع مقبرة المسلمين والخطاب للمسلمي، مع جريان العادة بأن كل فريق يتولاه من هو منهم، ويقوي كونهما مسلمين رواية أبي بكرة عند أحمد والطبراني بإسناد صحيح (يعذبان وما
[ ٧٣ ]
يعدبان في كبير) (١) وبلى وما يعدبان إلا في الغيبة والبول، فهذا الحصر ينفي كونهما كانا كافرين،
لأن الكافر وإن عذب على ترك أحكام الإسلام فإنه يعذب على الكفر بلا خلاف اهـ.
المسألة الخامسة عشرة
قال صاحب الرماح صفحة (٣٢ ج ٢) ما نصه عن شيخ التجاني أن النبي أخبره بقوله ﵊ بعزة ربي يوم الاثنين ويوم الجمعة لم أفارقك فيهما من الفجر إلى الغروب ومعي سبعة أملاك وكل من رآك في اليومين تكتب الملائكة اسمه في ورقة من ذهب ويكتبونه من أهل الجنة اهـ.
قال محمد تقي الدين: لا يستطيع أحد أن يعتقد هذا الخبر إلا إذا تجرد من العقل والدين والمروءة، لأن الله ﷾ يقول في سورة الزخرف آية (٧٢): ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ ورؤية الشيخ ليست من العمل في شيء؛ ولم يثبت هذا للنبي ﷺ بقرآن ولا حديث صحيح أو ضعيف؛ فإن الكفار والمنافقين كانوا يرونه كل يوم ولم ينفعهم ذلك فلا أنجاهم من عذاب اله؛ ولا جعلهم من أهل الجنة؛ بل دعاؤه لهم أخبر الله تعالى أنه لا ينفعهم قال الله تعالى في سورة التوبة آية (٨٠): ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾ .
_________________
(١) وتمام الحديث في جـ / ٥ صفحة ٢٦٦ من مسند الإمام أحمد بن حنبل، طبع المكتب الإسلامي هو: «..عن أبي أمامة قال: مر النبي ﷺ في يوم شديد الحر نحو بقيع الغرقد، قال: فكان الناس يمشون خلفه، قال: فلما سمع صوت النعال وقر ذلك في نفسه، فجلس حتى قدَّمهم أمامه لئلا يقع في نفسه من الكبر؛ فلما مر ببقيع الغرقد إذا بقبرين قد دفنوا فيهما رجلين؛ قال: فوقف النبي ﷺ فقال: من دفنتم هنا اليوم؟ قالوا يا نبي الله فلان وفلان. قال: إنهما ليعذبان الآن ويفتنان في قبريهما. قالوا: يا رسول الله فيم ذاك؟ قال أما أحدهما فكان لا بتنزه من البول؛ وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة. وأخذ جريدة رطبة؛ فشقها؛ ثم جعلها على القبرين. قالوا: يا نبي الله؛ ولم فعلت؟ قال ليخففن عنهما. قالوا يا نبي الله؛ وحتى متى يعذبهما الله؟ قال: غيب لا يعلمه إلا الله؛ قال ولولا تمريغ قلوبكم أو تزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع» .
[ ٧٤ ]
المسألة السادسة عشرة
روى صاحب الرماح عن شيخه التجاني أنه قال للنبي ﷺ حين أعطاه الطريقة وأمره أن يلقنها الناس ما نصه: أنه ما تنزل إلى إفادة الخلق بعد ما خبره ﷺ بذلك إلا بعد قوله للنبي ﷺ، إن كنت بابا لنجاة كل عاص مسرف على نفسه تعلق بي فنعم وإلا فأي فضل لي، فقال ﷺ أنت باب لنجاة كل عاص تعلق بك وحينئذ طابت نفسه لذلك. قال محمد تقي الدين: في هذا الكلام أمور تدل على بطلانه.
أولهما: أن الله ﷾ جعل لكل عاص مسرف على نفسه بابا ليس عليه بواب ولا حرس ولا يتوقف على أحد من البشر وهو باب التوبة؛ وفي الحديث الصحيح أنه مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها؛ وفي ذلك يقول الله سبحانه في سورة الزمر؛ آيات: (٥٣، ٥٤ ٥٥): ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾ ففي هذه الآيات إرشاد من الله تعالى لجميع العصاة المسرفين على ما يجب عليهم أن يفعلوه لتغفر ذنوبهم.
فأول ذلك: أن يتوبوا إلى الله تعالى توبة نصوحا بشروطها وقد تقدم ذلك.
ثانيها: أن ينيبوا إلى الله تعالى ويسلموا له أنفسهم ويعملوا بطاعته ويتبعوا رضوانه وإلا جاءهم العذاب ولم يجدوا من ينصرهم أو يدفعه عنهم.
ثالثها: أن يتبعوا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ؛ وإلا جاءهم العذاب بغتة وهم لا يشعرون؛ ولا يصح لهم الإتباع إلا بترك البدع؛ والطرائق كلها؛ ومنها الطريقة التجانية من أقبح البدع؛ وادعاء أن بعض البشر باب لنجاة كل عاص مسرف على نفسه بدعة وتكذيب للقرآن؛ والنبي ﷺ وهو أفضل خلق الله ليس بابا لنجاة كل عاص مسرف على نفسه إلا إذا وحد الله تعالى واتبع الرسول. وبيان ذلك أن أبا طالب عم النبي ﷺ كان يحب النبي ﷺ حبا عظيما أكثر من محبته لأولاده؛ وقاسى الشدائد في الدفاع عنه؛ وكان النبي ﷺ حريصا على نجاته؛ ولكنه لما أبى أن يقول «لا إله إلا الله» لم يستطيع النبي صلى الله عبيه وسلم أن ينجيه من عذاب الله وقد أخبر أنه يكون في ضحضاح
[ ٧٥ ]
من النار يصل إلى كعبيه يغلي منه دماغه؛ وفي صحيح البخاري قصة وفاة أبى طالب على الكفر واستغفار النبي ﷺ له إلى نهاه الله عن ذلك بقوله ﷿ في سورة التوبة آية (١١٣): ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ ولما مات أبو طالب على الكفر حزن عليه النبي ﷺ حزنا شديدا فأنزل الله تعالى عليه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ وقد تقدم الكلام في ذلك.
الأمر الثاني: أن الله تعالى قد أكمل الدين وبلغه رسوله البلاغ المبين ولم يبق شيء منه خافيا ولا مكتوما، فكيف يقول له النبي ﷺ أرشد الناس، وقد قال الله ذلك في كتابه؛ وقاله ولغيره رسول الله ﷺ في حديثه. فمن ذلك قوله تعالى في سورة يوسف في آخرها: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ وقال النبي ﷺ في خطبته في حجة الوداع: (ليبلغ الشاهد الغائب) وقد فعلوا ما أُمروا به فلم تبق حاجة إلى أمر جديد لأنه يكون من تحصيل الحاصل وهو محال.
الأمر الثالث: كيف يتصور أن يأمر النبي ﷺ مسلما صادقا في إسلامه محبا للرسول ﷺ معظما له بأمر فيقول له أنا لا أفعل هذا الأمر إلا بشرط. هذا لو كان ذلك الشرط صحيحا؛ فكيف وهو شرط باطل يهدم قواعد الدين. وفي ذلك من سوء الأدب ما ينزه عنه أقل المؤمنين إيمانا؛ فكيف بسيد الأولياء على زعمكم.
الأمر الرابع: أن النجاة التي اشترطها الشيخ التجاني بزعمهم على النبي ﷺ هي بيد الله وحده وليست في يد النبي ﷺ حتى يهبها للتجاني أو يمنعه منها؛ وقد تبين بطلان هذه الحكاية من أساسها والحمد لله رب العالمين.
المسالة السابعة عشرة
زعم صاحب الرماح؛ أن النبي ﷺ تفضل على شيخه التجاني بدائرة الإحاطة؛ التي هي خاصة بالنبي ﷺ وبمقامه، ومن بحرها تفضل عليه مولانا رسول الله ﷺ بالكنز المطلسم الذي هو خاص به ﷺ وبمقامه. ومن بحرها تفضل عليه مولانا رسول الله ﷺ بالخريدة
[ ٧٦ ]
الفريدة؛ التي هي خاصة به ﷺ؛ ومن بحرها تفضل عليه مولانا رسول الله ﷺ بإطلاقه رضي الله تعالى عنه في إعطاء جميع أوراده من الإسم الأعظم الكبير وما دونه لمن شاء؛ ومنعها ممن شاء؛ ومضى إلى أن قال: (إنه لما كان دائرة الإحاطة الذي هو الساري في جميع أسماء الله تعالى الظاهرة والباطنة والاسم الذي لا يُلقَّنه إلا القطب وهو الكنز المطلسم الذي ما أُنزل في القرآن ولا في جميع الكتب الإلهية مثله) انتهى بلفظه صفحة ٣٣.
أقول تقدم أن النبي ﷺ لا يعطي ولا يمنع؛ وإنما هو مبلِّغ عن الله تعالى؛ وقد بلغ أمته البلاغ المبين وما ترك شيئا يقربهم من الله تعالى إلا بينه لهم قبل وفاته؛ ولا ترك شيئا يبعدهم عن الله إلا حذرهم منه؛ وهذه الأسماء المذكورة هنا ليس لها مسميات؛ وإنما اخترعت وذكرت تهويلا على الجاهلي؛ وإرهابا لهم وتخديرا لأعصابهم ليزدادوا خضوعا وطاعة ويعبدوا شيخهم بغاية الإخلاص فهي كالغول والعنقاء؛ وأسماء الله تعالى توقيفية؛ ولا يجوز أن يسمى الله إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله ﷺ؛ ومن سمى الله باسم لم يرو ويصح عن النبي ﷺ فهو من الذين يلحدون في أسماء الله سيجزون ما كانوا يعملون؛ وقد اطلعت على كلمتين خنفشاريتين في كتاب مخطوط للشيخ المختار الكنتي؛ زعم أنها اسم الله الأعظم ثم بعد ذلك أعطاني الشيخ أحمد سكيرج هاتين الكلمتين وأخبرني أنهما اسم الله الأعظم؛ فعلمت أن تلك الكلمتين تدوران عند جميع أصحاب الطرائق؛ ويتشددون في إعطائهما ويهولون أمرهما حتى أنني حين خرجت من الطريقة التجانية زعم بعض التجانيين أن الشيخ سكيرج حين أعطاني الإسم الأعظم اشترط علي ألا أذكره في كل يوم إلا مرات معدودة فلم أف له بشرطه وذكرته أكثر مما حدد لي فسلبت. إلى هذا الحد بلغ بهم الجهل؛ وقد صدقوا؛ فإني سلبت الشرك والبدعة والضلالة؛ ورزقت التوحيد واتباع السنة والعلم المستند إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ؛ ولا يجوز إطلاق ذلك الإسم على الله تعالى؛ ومن أطلقه عليه فهو ضال ملحد في أسماء الله تعالى؛ فإن قلت أيها القارئ ما معنى قولك خنفشاريتين؟ فالجواب: أن جماعة من الأدباء زارهم رجل كذاب محتال إلا أنه كان فصيح اللسان؛ وادعى لهم أنه من أهل العلم فما سألوه عن مسألة إلا أفاض في جوابها ارتجالا بما حير ألبابهم. فقال أحدهم: تعالوا نمتحنه لنعلم صدقه من كذبه؛ وكانوا ستة؛
فقالوا: ليكتب كل واحد منا حرفا ثم نجمعها فتصير كلمة ونسأله عن معناها. فكتب كل واحد منهم حرفا ثم جمعوا الأحرف فتألفت منها كلمة هي (خنفشار) فقالوا أيها الأديب هل تعرف الخنفشار؟ فقال نعم هو نبات يطول إلى مقدار ذراع وله أوراق
[ ٧٧ ]
مستديرة؛ وفيه لبن وهو صالح يوضع في اللبن الحليب فيحسن طعمه؛ وتطيب رائحته قال الشاعر:
لقد حلت محبتكم بقلبي كما نفع الحليب الخنفشار
وله خواص طبية ونقل عن الأطباء اليونانيين منافع كثيرة لهذا النبات؛ ثم قال: وقال رسول الله ﷺ، فوضع أحدهم يده على فمه؛ وقال أيها الرجل حسبك بهتانا؛ كذبت على علماء اللغة وعلى الشعراء وعلى الأطباء والآن تريد أن تكذب على النبي ﷺ؛ فصاروا يسمون كل كلمة مهملة؛ مثلوا لذلك؛ بديز؛ مقلوب زيد؛ وهذه الألفاظ التي ذكرها صاحب الرماح ليست مهملة ولكنها وضعت لمعان غير المعاني التي يريد أن يحملها إياها صاحب الرماح؛ أما ما يزعمون أنه الإسم الأعظم فهو كاخنفشار تماما؛ وكيف يمكن أن يتفضل النبي ﷺ على الشيخ التجاني بما هو خاص به؛ فحينئذ لا يكون خاصا به؛ فإن خصائصه ﵊ لا يجوز أن تكون لغيره أبدا لأن الله خصه بها؛ ولو أعطاها غيره لزالت الخصوصية ولكن هؤلاء القوم يزعمون أن علومهم خارجة عن دائرة العقل؛ فمن شاء أن يعرف كلامهم فليترك عقله؛ ومن أراد أن يصدقهم فلينبذ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فنعوذ بالله من الخذلان.
كلام شيخ الإسلام إمام المحققين أحمد بن تيمية في القطب والغوث قال ﵀ في كتابه: (رسالة زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور) ما نصه: يقال ثلاثة أشياء ما لها من أصل باب النصيرية ومنتظر الرافضة وغوث الجهال فإن النصيرية تدعي في الباب الذي لهم أنه الذي يقيم العالم فذاك شخصه موجود ولكن دعوى النصيرية فيه باطلة وأما محمد بن الحسن المنتظر والغوث المقيم بمكة ونحو هذا فإنه باطل ليس له وجود وكذلك ما يزعمه بعضهم من أن القطب الغوث الجامع يمد أولياء الله ويعرفهم كلهم ونحو هذا فهذا باطل فأبو بكر وعمر ﵄ لم يكونا يعرفان جميع أولياء الله ولا يمدانهم فكيف بهؤلاء الضالين المغترين الكذابين ورسول الله ﵌ سيد ولد آدم إنما عرف الذين لم يكن رآهم من أمته بسيماء الوضوء وهو الغرة والتحجيل ومن هؤلاء من أولياء الله من لا يحصيه إلا الله ﷿ وأنبياء الله الذين هو إمامهم وخطيبهم لم يكن يعرف أكثرهم بل قال الله تعالى: ﴿x كصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَâ'ur قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ وموسى لم يكن يعرف الخضر والخضر لم يكن يعرف موسى بل لما سلم عليه موسى
[ ٧٨ ]
قال له الخضر وأنى بأرضك السلام فقال له أنا موسى قال موسى بني إسرائيل قال نعم وقد كان بلغه اسمه وخبره ولم يكن يعرف عينه ومن قال إنه نقيب الأولياء أو أنه يعلمهم كلهم فقد قال الباطل.
والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت وأنه لم يدرك الإسلام ولو كان موجودا في زمن النبي ﵌ لوجب عليه أن يؤمن به ويجاهد معه كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره ولكان يكون في مكة والمدينة ولكان يكون حضوره مع الصحابة للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره عند قوم كفار ليرقع لهم سفينتهم ولم يكن مختفيا عن خير أمة أخرجت للناس وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم ثم ليس للمسلمين به وأمثاله حاجة لا في دينهم ولا في دنياهم فإن دينهم أخذوه عن الرسول النبي الأمي ﵌ الذي علمهم الكتاب والحكمة وقال لهم نبيهم: (لو كان موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم)، وعيسى بن مريم ﵇ إذا نزل من السماء إنما يحكم فيهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم فأي حاجة لهم مع هذا إلى الخضر وغيره والنبي ﵌ قد أخبرهم بنزول عيسى من السماء وحضوره مع المسلمين، وقال: (كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها)، فإذا كان النبيان الكريمان اللذان هما مع إبراهيم وموسى ونوح أفضل الرسل ومحمد ﵌ سيد ولد آدم ولم يحتجبوا عن هذه الأمة لا عوامهم ولا خواصهم فكيف يحتجب عنهم من ليس مثلهم وإذا كان الخضر حيا دائما فكيف لم يذكر النبي ﵌ ذلك قط ولا أخبر به أمته ولا خلفاءه الراشدين (١) .
وقول القائل إنه نقيب الأولياء فيقال له من ولاه النقابة وأفضل الأولياء أصحاب محمد ﵌ وليس فيهم الخضر وعامة ما يحكى في هذا الباب من الحكايات بعضها كذب وبعضها مبني على ظن رجل مثل شخص رأى رجلا ظن أنه الخضر وقال إنه الخضر كما أن الرافضة ترى شخصا تظن أنه الإمام المنتظر المعصوم أو تدعي ذلك وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: وقد ذكر له الخضر من أحالك على غائب فما أنصفك وما ألقى هذا على ألسنة الناس إلا الشيطان انتهى المراد منه.
قال محمد تقي الدين الهلالي: قول الإمام احمد من أحالك على غائب فما أنصفك لما ذكر له وجود الخضر في زمانه؛ ومعناه من أخبرك بوجود شخص لا تراه ولا تسمعه ولا تدركه بشيء من الحواس ولا جاء خبر عن الله ورسوله بوجوده كالملائكة والجن؛ فقد كلفك مالا تطيق
_________________
(١) ومما لاشك فيه أن عيسى ﵇ سيحكم بالكتاب والسنة؛ لا كما يزعم الضالون من أنه سيحكم بالإنجيل؛ ولا ما بما زعمه بعض الجهال من أنه سيحكم بالمذهب الحنفي بعد أن يتعلمه من صندوق أودعه الخضر في نهر جيحون؛ كما ذكر ذلك الحصكفي في مقدمة كتبه «الدر المختار» .
[ ٧٩ ]
وظلمك حين أراد منك أن تصدقه فيما ادعاه بلا دليل؛ وقد أحسن الإمام أحمد في إنكاره وجود الخضر في زمانه وقد بين شيخ الإسلام عدم وجوده بالأدلة القاطعة وكذلك يقال في القطب وما ادعاه التجانيون لشيخهم من كونه سيد الأولياء وخاتمهم وممدهم؛ وأن قدميه على رقابهم كل ذلك باطل وتضليل فقد تهدم كل ما بنوه من الأباطيل بحكم الله ورسوله ﷺ ثم بحكم شيخهم عليهم: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ (١)
فصل في تخريج الأحاديث التي وردت في هذا الفصل وبيان حالها.
أولها حديث (أول ما خلق الله نوري؛ وفي رواية أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر) تقدم أنه موضوع؛ لا يحل أن ينسبه أحد للنبي ﷺ إلا مقرونا ببيان وضعه
ثانيها: حديث (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) قال الحافظ ابن حجر في: (تسديد القوس في تخريج مسند الفردوس) هذا حديث مشهور على الألسنة وهو من كلام إبراهيم بن عبلة؛ فقال العجلوني في كشف الخفاء؛ قال العراقي في تخريج الإحياء رواه البيهقي بسند ضعيف عن جابر؛ ورواه الخطيب في تاريخه بلفظ: قدم النبي ﷺ من غزاة فقال ﵊ (قدمتم خير مقدم وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر؛ قالوا وما الجهاد الأكبر قال مجاهدة العبد هواه) والمشهور على الألسنة رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر؛ دون بقيه وفيه اختصار. الجزء الأول ٤٢٤ من كشف الخفاء.
ثالثها: حديث (لولاك ما خلقت الأفلاك) وأليه أشار البوصيري بقوله:
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
قال الصنعاني موضوع. انتهى من كشف الخفاء (٢) .
رابعها: (خير هذه الأمة أولها وأخرها) (٣) قال السيوطي أنه ضعيف أخرجه
_________________
(١) الإسراء آية ٨١.
(٢) قال الألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» الحديث رقم ٢٨٢: موضوع والقول بأن معناه صحيح: لا يليق.
(٣) قال المناوي في «التيسير بشرح الجامع الصغير» ص ١ / ٥٣٢ طبع المكتب الإسلامي: عن عروة بن رويم مرسلا.
[ ٨٠ ]
أبو نعيم في الحلية عن عروة بن الزبير مرسلا. اهـ الفيض ج ٣ ص ٤٩٣.
عود إلى حديث (أول ما خلق الله نوري) قال محمد تقي الدين بطلان هذا الحديث يظهر بأدنى تأمل فقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وتكرر مثل هذا في القرآن في مواضع لا تحصى إلا بتعب؛ فالنبي ﷺ بشر من بني آدم؛ وآدم من تراب لا من نور فما هو هذا النور الذي ينسبونه إلى النبي ﷺ؛ أهو روحه الشريفة أم جسمه؛ أم شيء آخر فالجسم كما تقدم من تراب؛ والروح جسم لطيف لا يعلم حقيقته إلا الله وقد جاء في كتاب الله تعالى تسمية النبي ﷺ سراجا منيرا؛ وقال الله تعالى في سورة المائدة آية ١٥: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ قال بعض المفسرين إن المذكور في أول الآية هو الرسول ﷺ؛ وقال بعضهم هو القرآن؛ عطف الكتاب عطف تفسير كقول الشاعر:
ألا حبذا هند وأرض بها هند وهند أتى من دونها النأي والبعد
وتسمية النبي ﷺ سراجا منيرا ونورا لا تقتضي أن يكون خارجا عن النوع البشري مخلوقا من النور لأن ذلك خلاف الواقع؛ وخلاف نص القرآن؛ إنما سماه الله سراجا منيرا؛ تشبيها لما أتاه من العلم والهدى بالنور؛ وتشبيها لظلمات الكفر والجهل بالظلمة الحسية فكما أن السراج يبين للناس الطريق المستقيم الذي يسلكونه آمنين مستبصرين لا يخافون ويوصلهم إلى غايتهم المرغوبة فكذلك الرسول ﷺ بتعليمه وإرشاده وتزكيته لمن اتبعه شُبِّه بالسراج وبالنور الذي يحفظ متبعه من مهاوي الهلاك ولا معنى للنور إلا هذا.