اعلم حفظني الله وإياك من أمراض البدع الفتاكة وشرور المحدثات المضلة وحبب إلينا التمسك بالسنة الغراء والعض بالنواجذ عليها في السراء والضراء؛ أن للتجانيين أذكار وأورادا زعموا أن شيخهم أخذها عن النبي ﷺ يقظة لا مناما؛ وهو الذي أخبره بفضائلها وقد تقدم أن الشيخ التجاني أمر بعرض كل ما ينسب إليه أو يروى عنه على كتاب الله وسنة رسوله فما وفقهما فهو عنه وإن لم يقله وما خالفها فهو بريء منه وإن قاله وهذا فيصل التفرقة بين الحق والباطل والحالي والعاطل وهو سيف مسلول على رقاب المبتدعين وبراءة وتنزيه للشيخ التجاني من أقوال المتقولين؛ فأقول وبالله التوفيق وهو الهادي بمنه على أقوم طريق.
قال مؤلف جوهر المعاني في (الجزء الأول صفحة ٩٢) بعدما ذكر ما تقدم منقولا من كتاب الرماح أن كل من أحسن إلى الشيخ التجاني بمثقال ذرة أو أخذ طريقته يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب وأن النبي ﷺ ضمن للشيخ التجاني ذلك ضمانا لا يخلف حتى يكون الشيخ التجاني وأهل محبته في أعلى عليين في جوار النبي ﷺ. قال ما نصه اعلم أني بعدما كتبت هذا من سماعه وإملائه علينا رضي الله
[ ١٠١ ]
عنه من حفظه ولفظه اطلعت على ما رسمه بخطه ونصه وأسأل من فضل سيدنا رسول الله ﷺ أن يضمن لي دخول الجنة بلا حساب ولا عذاب في أول الزمرة الأولى أنا وكل أب وأم ولدوني من أبوي إلى أول أب لي في الإسلام من جهة أبي ومن جهة أمي وجميع آبائي وأمهاتي من أبوي إلى الجد الحادي عشر والجدة الحادية عشرة من جهة أبي ومن جهة أمي من كل ما تناسل منهم من وقتهم إلى أن يموت سيدنا عيسى بن مريم ﵇ من جميع الذكور والإناث والصغار والكبار؛ وكل من أحسن إلي بإحسان حسي أو معنوي من مثقال ذرة فأكثر؛ وكل من نفعني بنفع حسي أو معنوي من مثقال ذرة فاكثر؛ من خروجي من بطن أمي إلى موتي وكل من له علي مشيخة في علم أو قرآن أو ذكر أو سر من كل من لم يعاديني من جميع هؤلاء وأما من عاداني أو أبغضني فلا وكل من أحبني ولم يعاديني؛ وكل من والاني واتخذني شيخا؛ أو أخذ عني ذكرا وكل من زارني وكل من خدمني وقضى لي حاجة أو دعا لي؛ كل هؤلاء من خروجي من بطن أمي إلى موتي وآبائهم وأمهاتهم وأولادهم وبناتهم وأزواجهم وأولاد أزواجهم وكل من أرضعني وأولادهم وبناتهم ووالديهم ووالدي أزواجهم يضمن لي سيد الوجود رسول الله ﷺ ولجميع هؤلاء أن نموت أنا وكل حي منهم على الإيمان والإسلام وأن يؤمننا الله وجميعهم من جميع عذابه وعقابه وتهويله وتخويفه ورعبه وجميع الشرور من الموت إلى المستقر في الجنة؛ وأن تُغفر لي ولجميعهم جميع الذنوب ما
تقدم منها وما تأخر؛ وأن تُؤدي عني وعنهم جميع تبعاتهم وتبعاتي وجميع مظالمنا ومظالمهم من خزائن فضل الله لا من حسناتنا وأن يؤمننا الله ﷿ من جميع محاسبته ومناقشته وسؤاله عن القليل والكثير يوم القيامة؛ وأن يظلني وجميعهم في ظل عرشه يوم القيامة وأن يجيزني ربي وكل واحد من المذكورين على الصراط أسرع من طرفة عين على كواهل الملائكة؛ وأن يسقيني الله وجميعهم من حوض سيدنا محمد ﷺ يوم القيامة؛ وأن يدخلني ربي وجميعهم في جنته بلا حساب ولا عقاب في أول الزمرة؛ وأن يجعلني ربي وجميعهم مستقرين في الجنة في عليين من جنة الفردوس ومن جنة عدن؛ أسأل سيدنا رسول الله ﷺ بالله أن يضمن لي ولجميع الذين ذكرتهم في هذا الكتاب جميع ما طلبته من الله لي ولهم بكماله كله ضمانا يوصلني وجميع الذين ذكرتهم في هذا الكتاب إلى كل ما طلبته من الله لي ولهم؛ فأجاب ﷺ بقوله الشريف كل ما في هذا الكتاب ضمانة لا تتخلف عنك وعنكم أبدا إلى أن تكون أنت وجميع من ذكرت في جواري في أعلى عليين؛ وضمنت لك جميع ما طلبته منا ضمانة لا يخلف الوعد فيها والسلام.
قال ﵁ كل هذا وقع يقظة لا مناما وأنتم وجميع الأحباب لا تحتاجون
[ ١٠٢ ]
إلى رؤيتي وإنما من لم يكن حبيبي ولا أكلت طعامه وأما هؤلاء فقد ضمنهم لي بلا شرط رؤية مع زيادة أنهم في أعلى عليين اهـ.
قال محمد تقي الدين: المراد بالأحباب هنا كل من أخذ الورد وصار من أهل الطريقة التجانية؛ سواء رأى التجاني أم لم يراه؛ وأما الذي يحتاج إلى رؤيته من لم يكن تجانيا ولا أكل طعامه ولا أحسن إليه بمثقال ذرة فأكثر.
والتجانيون يطلقون على كل واحد منهم حبيب الشيخ؛ وأنشد محمد النظيفي المراكشي من نظمه:
نحن ضيوف الله لا نخاف ولا نضام بل ولا نخاف
نحن ضيوف المصطفى العدنان نحن ضيوف أحمد التجاني
يعني بذلك جميع التجانيين.
وأكثر ما ذكر تقدم الرد عنه؛ وبقي ضمان النبي ﷺ لأقارب الشيخ التجاني من جهة أبيه وأمه من الجد الحادي عشر والجدة الحادية عشرة إلى موت عيسى بن مريم ﵉ فينبغي أن نذكر ما يبطل ذلك ويقضي عليه قضاء تاما ويغسل من درنه قلب كل مسلم أراد الله به خيرًا وسبقت له السعادة؛ أما من كُتب عليه الشقاء فلا ينفعه ما نذكره من آيات الكتاب العزيز والسنة الصحيحة وما يذَّكر إلا أولوا الألباب.
أخرج ومسلم في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلا قال يا رسول الله أين أبي؟ قال: (في النار) قال فلما قفى الرجل دعاه فقال: (إن أبي وأباك في النار) .
وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية.
عن الإمام أحمد بسنده إلى سليمان بن بريدة عن أبيه قال كنا مع النبي ﷺ ونحن في سفر فنزل بنا ونحن قريب من ألف راكب فصلى ركعتين ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان فقام إليه عمر بن الخطاب وفداه بالأب والأم وقال يا رسول الله مالك؟ قال (إني استأذنت ربي ﷿ في الاستغفار لأمي فلم يأذن لي فدمعت عيناي رحمة لها من النار) ورواه ابن جبير من طريق علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة
[ ١٠٣ ]
عن أبيه أن النبي ﷺ لما قدم مكة أتى على قبر فجلس عليه فجعل يخاطب ثم قام مستعبرا فقلنا يا رسول الله إنا رأينا ما صنعت قال: (إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي) فما رئي باك أكثر من يومئذ.
وقد تقدم حديث وفاة أبي طالب وحرص النبي صلى اله عليه وسلم على نجاته فسبق القلم ومات أبو طالب كافرا، وحزن النبي ﷺ عليه إذ مات كافرا فأنزل الله تعالى عليه ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية؛ وتقدم أيضا إنذار النبي ﷺ لعشيرته الأقربين بأمر الله تعالى، وقوله لفاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت وأنقدي نفسك من النار لا أغني عنك من الله شيئا، فيا لله العجب يعجز النبي ﷺ أن يدخل والديه وعمه الجنة ويقول لابنته ما سمعتم ثم يضمن الجنة لكل جد للتجاني من الجد الحادي عشر والجدة الحادية عشرة من الأب والأم إلى موت عيسى بن مريم سبحانك هذا بهتان عظيم. ولا شك أنهم كذبوا على الشيخ التجاني وكذبوا على رسول الله ﷺ بدليل ما تقدم من الإفادة الأحمدية ولا يروج مثل هذا البهتان ألا على أجهل الجاهلين بدين الإسلام.
فصل في صلاة الفاتح لما أُغلق
قال مؤلف جواهر المعاني علي حرازم في الجزء الأول (٩٤) وأما فضل صلاة الفاتح لما أُغلق الخ فقد سمعت شيخنا يقول كنت مشتغلا بذكر صلاة الفاتح لما أُغلق حين رجعت من الحج إلى تلمسان لما رأيت من فضلها وهو أن المرة الواحدة بستمائة ألف صلاة كما هو في وردة الجيوب وقد ذكر صاحب الوردة أن سيدي محمد البكري الصديقي نزيل مصر وكان قطبا، قال إن من ذكرها ولم يدخل فليقبض صاحبها عند الله، وبقيت أذكرها إلى أن رحلت من تلمسان إلى بني سمغون فلما رأيت الصلاة التي فيها المرة الواحدة بسبعين ألف ختمة من دلائل الخيرات تركت الفاتح لما أُغلق واشتغلت بها وهي (اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آله صلاة تعدل جميع صلوات أهل محبتك وسلم على سيدنا محمد وعلى آله سلاما يعدل سلامهم) لما رأيت فيها من كثرة الفضل ثم أمرني بالرجوع صلى الله عليم وسلم إلى صلاة الفاتح لما أُغلق فلما أمرني بالرجوع إليها سألته ﷺ عن فضلها فأخبرني أولا بأن المرة الواحدة منها تعدل من القرآن ست مرات ثم أخبرني ثانيا أن المرة الواحدة تعدل من كل تسبيح وقع في الكون ومن كل ذكر ومن كل دعاء كبير أو صغير ومن القرآن ستة آلاف مرة لأنه من
[ ١٠٤ ]
الذكر اهـ.
قال محمد تقي الدين قال الله تعالى في سورة الزمر: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾ وقال تعالى في هذه السورة نفسها: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ قال ابن كثير واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم هو القرآن و؛ وقال في فضائل القرآن قال ﷺ: (إن فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه) رواه البزار من حديث أبي سعيد الخدري.
قال محمد تقي الدين: لما كان القرآن صفة من صفات الله كان أفضل من كلام المخلوقين كلهم لأن الكلام المخلوق لا يساوي كلام الله الذي هو غير مخلوق. وقد ذكر أئمة الحديث في فضائل القرآن شيئا كثيرا وعقدوا لذلك كتبا في مؤلفاتهم وهي مشهورة معروفة عند الخاص والعام، وأجمع المسلمون من أهل السنة ومن أهل البدعة على أن كلام الله تعالى أفضل من كلام الأنبياء فكيف بغيرهم حتى القائلون بخلق القرآن في هذا فمن جعل كلام الناس كصلاة الفاتح مثل كلام الله تعالى فقد ضل ضلالا بعيدا وخرق إجماع المسلمين واتبع غير سبيلهم فكيف بمن يجعل صلاة الفاتح أفضل من القرآن بستة آلاف مرة فيا عجبا ممن يؤمن بالله واليوم الآخر كيف يؤمن بهذه العقيد الفاسدة؟ وعلى هذا فالنبي ﷺ الذي كان يقرأه ويدارسه مع جبريل فاته التجانيون في الأجر والثواب وسبقوه بأضعاف مضاعفة تفوق الحصر وجميع أصحابه ﷺ الذي كانوا يعتقدون أن القرآن أفضل الأذكار كما أخبرهم ربهم سبحانه وأخبرهم نبيهم ﷺ ضاعت أعمارهم بالنسبة إلى أقل التجانيين ذكرا فإن كل تجاني يذكر صلاة الفاتح إذا اقتصر على ما يجب عليه منها كل يوم مائة وخمسين مرة فعلى قولهم يكون له أجر من قرأ القرآن تسع مائة ألف مرة (٩٠٠٠٠٠) ولا يستطيع أحد أن يختم القرآن بقراءة صحيحة مقبولة إلا في ثلاثة أيام وأي ضلال يساوي ضلال من يثبت لنفسه من الأجر والثواب أكثر من جميع الأنبياء والمرسلين وجميع عباد الله الصالحين فيا هادي الطريقة ضللت وأضللت.
قال محمد تقي الدين وصلاة الفاتح كما أشار إليها صاحب الجواهر أول من تكلم بها محمد البكري الصديقي وحكى التجانيون عنه أن زعم أنه نزلت عليه من السماء في ورقة مكتوبة بقلم القدرة قالوا فهي من كلام الله تعالى وليست من تأليف مخلوق وعلى زعمهم هذا لا بأس بتفضيلها عن القرآن إلا أنه يلزمهم أن صلاة الفاتح التي نزلت على
[ ١٠٥ ]
البكري وهي أربع وعشرون كلمة أفضل من القرآن الذي أنزل على سيد المرسلين محمد ﷺ وهو زهاء مائة ألف كلمة (١٠٠٠٠٠) وهل ينزل وحي بعد خاتم النبيين لم يقل بهذا إلا المتنبئون الزنادقة المحتالون وكيف يقول الله تعالى اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما اغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم لأن الله هو السيد ومحمد عبده ورسوله وهو أفضل عباد الله وفي كمال عبوديته لله تمكن سيادته وفضله على سائر الخلق فلا يليق بذي الجلال والإكرام أن يخاطب نفسه ويقول اللهم صل على سيدنا محمد فإن قالوا إن الله أنشأ هذه الصلاة لعباده لا لنفسه فلا يلزم ما ألزمتمونا به قلنا لو كان الأمر كذلك لقال الله تعالى فيما أوحينا به إلى البكري أو كتبه له بقلم القدرة، يا أيها البكري قل لعبادي يقولوا: اللهم صل على محمد الخ.
كما قال تعلى لخاتم النبيين ﷺ في سورة الإسراء: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ على أني أيها القراء الأعزاء أثبت لكم بالبرهان القاطع أن هذه الصلاة ليست من كلام الله تعالى ولا كتبها قلم القدرة ولا من كلام البكري بل قيلت قبله بنحو ألف سنة (١٠٠٠) ففي كتاب الشفا للقاضي عياض رواية بسند منقطع إلى بن أبي طالب، أنه قال كان يصلي النبي ﷺ بقوله: اللهم داحي المدحوات وبارئ المسموكات وجبار القلوب على فطرتها، شقيها وسعيدها اجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك ورأفة تحننك على محمد عبدك ورسولك الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق والمعلن الحق بالحق الخ.
ولما كان سند هذه الصلاة منقطعا لم تصح نسبتها إلى علي ومن الأدلة على بطلانها بطلان نسبتها إليه أنه لم يكن ليعدل عن الصلاة الإبراهيمية التي علَّمها رسول الله ﷺ أصحابه بعد ما سألوه قائلين، أن الله أمرنا أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك فقال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم الخ.
وأجمع أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون والأئمة المجتهدون ومن تبعهم بإحسان على تفصيل هذه الصلاة والإتيان بها في الصلوات المفروضة والنوافل وغيرها وإذا ثبت أن كلام الله تعالى أفضل من كلام الخلق كلهم فكلام سيد الخلق سيد الكلام، ومن سوء الفهم وسوء التقدير أن يبحث الإنسان عن صلاة تعدل هذه الصلاة فكيف بصلاة تكون أفضل منها وهي من لفظ من أُوتي جوامع الكَلِم واختُصِر له الكلام اختصارا وهو أفصح خلق الله، فأهم صلاة الفاتح مأخوذة من كتاب الشفا الذي ألفه
[ ١٠٦ ]
القاضي عياض وهو من علماء القرن الخامس الهجري، وقد روى هذه الصلاة عمن قبله فلا بد أن تكون من كلام التابعين أو من دونهم بقليل، فاثنتا عشرة كلمة وهي اللهم ﷺ على محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بإبدال ناصر مكان المعلن وأما الهادي إلى صراطك المستقيم فهو من القرآن قال تعالى في سورة الشورى يخاطب رسوله ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهذه أربع كلمات تضاف إلى اثنتي عشرة فيصير المجموع ست عشرة كلمة، ومعنى (صل) موجود في الصلاة التي رواها عياض فيصير المجموع سبع عشرة كلمة فلا يبقى إلا ثماني كلمات وهي سيدنا وعلى آله بل على آله مأخوذة من الصلوات العامة فلا يبقى إلا سيدنا وحق قدره ومقداره العظيم وهي خمس كلمات أما لفظ سيدنا فغير مشروع في الصلاة على النبي ﷺ لأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار أهل القرون المفضلة لم يستعملوا لفظ سيدنا في صلاتهم على النبي ﷺ وهي زائدة على ما علَّم رسول الله ﷺ أمته ولن يأتي آخر هذه الأمة بمثل ما كان عند سلفها فكيف بأفضل منه؟ وعلى ذلك لا يبقى إلا أربع كلمات وهي حق، قدره، ومقداره، العظيم، وبذلك تهدم كل ما بناه التجانيون من القصور الخالية.
أما زعمهم أن ذلك الفضل الذي ادعوه لصلاة الفاتح خاص بمن أخذها بالإذن من الشيخ التجاني مباشرة أو بوسائط فهو أعجب وأغرب، وليس في الشريعة الإسلامية، لأن الذكر والدعاء إما أن يكونا مشروعين بمعنى أن النبي ﷺ جاء بهما وهما من دينه الذي بعثه الله به فلا يحتاجون إلى إذن، لأن الإذن قد حصل من الله تعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ الأحزاب ٤١-٤٢، وقال تعالى في سورة الأعراف آية ٥٥: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾ وهذا إذن عام لكل مؤمن من الله ﷾ بلغه رسوله ﷺ البلاغ المبين، لجميع المؤمنين، وقال تعالى في سورة الأحزاب آية ٥٦: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ فكل من ذكر الله تعالى بذكر مشروع أو دعاه بدعاء مشروع أو صلى على النبي ﷺ وتقبل الله منه ذلك أثابه عليه ولا يشترط أن يأخذه من شيخ، بل أخذه من الشيخ مبطل لثوابه لأنه بدعة والعبادات إذا قارنتها البدعة ليس لها ثواب، بل يكون أهلها متعرضين لعذاب الله، لأن البدعة شر من المعاصي كما حققه الإمام أبو إسحاق الشاطبي في الاعتصام، وقد أكمل الله دينه وبلغه أفضل الخلق فكل من نصب نفسه لإعطاء الأوراد والأذكار فقد ابتدع في دين الله وعرض نفسه لعذاب الله، وكذلك من أخذ عنه تلك الأوراد
[ ١٠٧ ]
قال تعالى في سورة المائدة آية ٣: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فالأوراد والأذكار إن كان النبي ﷺ قد جاء بها فما شأن هذا الطُّفيلي الذي نصب نفسه واسطة بين الحق والخلق،
وأراد أن يجود بمال غيره الذي لا يملك منه شيئا فهو محتال كذاب يريد أن يستعبد الجاهلين وينهب أموالهم ويفسد عقولهم ويضلهم عن صراط الله المستقيم الذي ترك رسول الله ﷺ أمته عليه قال الله تعالى في سورة الأنعام آية ١٥٣: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ روى الإمام أحمد بسنده إلى عبد الله بن مسعود قال: خط رسول الله ﷺ خطا بيده ثم قال، هذا سبيل الله مستقيما، وخط عن يمينه وشماله ثم قال، هذه سُبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنْ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره أن هذا الحديث رواه النسائي وابن حبان والحاكم وقال على شرط الشيخين.
وقد توفي رسول الله ﷺ بعد أن اكمل الله الدين وترك أمته على أحسن ما يريده لها ولم تكن هناك أوراد، ولا شيوخ طرق، ولا زويا، ولا تكايا فيجب على كل مسلم أن يكون على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ولا يزيد على ذلك شيئا، لأن الزيادة في الكامل نقص وعيب، وبدعة ضلالة وبذلك يتبين لك بطلان ما جاء في فضل صلاة الفاتح مع اشتراط الإذن فيها كما يدعي التجانيون وقد تبين الصبح لذي عينين: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .
وهاهنا عبارة نسوقها، ليتعجب القراء منها ويحمدوا الله على العافية، وهي قول صاحب الجواهر في الصفحة ٩٦ من الجزء الأول في سياق فضل صلاة الفاتح، إنها لم تكن من تأليف البكري ولكنه توجه إلى الله مدة طويلة أن يمنحه صلاة على النبي ﷺ فيها ثواب جميع الصلوات وسر جميع الصلوات وطال طلبه مدة ثم أجاب الله دعوته فأتاه الملَك بهده الصلاة مكتوبة في صحيفة من النور ثم قال الشيخ فلما تأملت هذه الصلاة وجدتها لا تزنها عبادة جميع الجن والإنس والملائكة قال الشيخ وقد أخبرني ﷺ عن ثواب الإسم الأعظم فقلت: إنها أكثر منه فقال ﷺ بل هو أعظم منها ولا تقوم له عبادة.
وفي هذا الكلام دليل على أن هذا البكري الذي زعموا أنه توجه إلى الله تعالى وابتهل إليه مدة طويلة ليمنحه صلاة فيها ثواب جميع الصلوات وسر جميع الصلوات
[ ١٠٨ ]
كان أجهل من حمار أهله إن صح عنه هذا الخبر، لأن الله تعالى قد أعطى جميع المسلمين صلاة هي من أفضل الصلوات ولا تعدلها صلاة أصلا، إلا إذا كان هناك من يزعم أن محمد ﷺ الذي علمنا إياها يوجد من يعدله أو يكون أفضل منه وهذا كفر.
فالذي أمرنا بالصلاة هو الله سبحان وتعالى ولو سكت أصحاب رسول الله ﷺ ولم يسألوه عن صفة أداء هذا الواجب لكان لكل مصل أن يصوغ صلاة وحينئذ لا يجوز لأحد أن يدَّعي أن صلاته التي صاغها أفضل من صلاة غيره أو أكثر ثوابا، لأن ذلك لا يُعلم إلا من جهة النبي ﷺ، ولكن يمكن أن يقال إن عبارة هذه الصلاة أبلغ من عبارة صلاة أخرى ولكن ذلك لا يقتضي زيادة ثواب أو فضل.
أما وقد سأل الصحابة الكرام رسول الله ﷺ بقولهم كيف نصلي عليك؟ وعلمهم كيف يصلون عليه فالصلاة التي علمهم هي أفضل الصلوات كما أنه ﵊ أفضل المعلمين هذا لو كانوا يعقلون، ولكنهم يخبطون خبط عشواء في ليلة ظلماء، الحمد الله الذي عافانا مما أصيبوا به ونسأله ﷾ أن يفك أسرهم من هذه القيود والأغلال كما فك أسرنا ويردهم إلى توحيد الله واتباع النبي الكريم وترك التقول عليه.
قال محمد تقي الدين وقد أطال صاحب الجواهر وما أطاب فيما زعم أن شيخه حدَّثه به من فضل صلاة الفاتح لما أُغلق، فمن شاءه فلينظره.
فضل جوهرة الكمال
قال صاحب الرماح صفحة ٨٩ وأما فضل جوهرة الكمال فقد قال الشيخ أن رسول الله ﷺ ذكر لها خواص منها أن المرة الواحدة، تعدل تسبيح العالم ثلاث مرات ومنها أن من قرأها سبعًا فأكثر يحضره رسول الله ﷺ والخلفاء الأربعة ما دام يذكرها، ومنها أن من لازمها كل يوم أزيد من سبع مرات يحبه النبي ﷺ محبة خاصة ولا يموت حتى يكون من الأولياء، وقال الشيخ من داوم عليها سبعا عند النوم على طهارة كاملة وفراش طاهر يرى النبي ﷺ، وقال الشيخ التجاني: أعطاني رسول الله ﷺ صلاة تسمى جوهرة الكمال من ذكرها اثنتي عشرة مرة وقال هذه هدية مني إليك يا رسول
[ ١٠٩ ]
الله فكأنما زاره في قبره يعني في روضته الشريفة وكأنما زار أولياء الله والصالحين من أول الوجود إلى وقته ذلك اهـ.
ونص جوهرة الكمال كما في الرماح (ص٢٢٤ ج١) اللهم وسلم على عين الرحمة الربانية والياقوتة المتحققة الحائطة بمركز الفهوم والمعاني ونور الأكوان المتكونة الآدمي صاحب الحق الرباني البرق الأسطع بمزون الأرباح المالئة لكل متعرض من البحور والأواني ونورك اللامع الذي ملأت به كونك الحائط بأمكنة المكاني اللهم صل وسلم على عين الحق التي تتجلى منها عروش الحقائق عين المعارف الأقوم صراطك التام الأسقم صل وسلم على طلعة الحق بالحق الكنز العظم إفاضتك منك إليك إحاطة النور المطلسم صلى الله عليه وعلى آله صلاة تعرفنا بها إياه.
اعلم أيها القاري الذي حفظه الله من ظلمات البدع والشرك وأنار بصيرته بنور التوحيد والاتباع، أن هذه الصلاة التي زعم التجانيون أن شيخهم أخذها عن النبي ﷺ وذكروا لها ما تقدم من الفضل يستحيل أن تكون من كلام العرب الفصحاء وهي بعيدة منه بعد السماء من الأرض، وكل من يعرف كلام العرب معرفة حقيقية لا يكاد يصدق أن ذلك الكلام الركيك يقوله أحد من العرب وفيها كلمتان إحداهما سب لا يجوز أن يُطلق على النبي ﷺ ولا يتناسب مع ما قبله وهي كلمة (الأسقم) فإن الصراط لا يوصف بالسقم إذ لا يقال صراط مريض وهذا الصراط أمرض من ذلك وإنما يقال صراط مستقيم أو قويم وهذا الصراط أقوم من ذلك.
وقد رد العلماء على التجانيين وعابوا عليهم هذه الكلمة القبيحة فقال الشيخ الكمليلي الشنقيطي في أرجوزته التي انتقد بها الطريقة التجانية:
ولم يجز إطلاق لفظ موهم نقصا على النبي مثل الأسقم
كذا مطلسم وما يدريكا لعله كفر عنى الشريكا
ولم يتفطن أولئك العلماء إلى سبب هذا الخطأ ولو تفطنوا له لانحل الإشكال بلا كلفة فسببه أن مؤلف هذه الصلاة مغربي وأهل المغرب في لغتهم العامية يقولون (سر مسقم) يريدون امش مستقيما ويقولون كذلك (سر أسقم) بعضهم ينطق بها قافا وبعضهم ينطق بها كافا، ولما كان منشئ هذه الصلاة غير عالم بالعربية وقد ذكر الأقوم من قبل في قوله عين المعارف الأقوم وقال بعدها صراطك التام، أراد أن يصف الصراط بالاستقامة مع المحافظة على السجع لمقابلة الأقوم واستثقل أن يكرر الأقوم عبر بالأسقم
[ ١١٠ ]
ظنا منه أنهما في المعنى سواء كما يفهمه عامة المغاربة، وقد علمت من مصاحبتي للشيخ أحمد سكيرج وهو من كبار المقدمين في الطريقة التجانية وكنت في ذلك الوقت تجانيا لا يخفى علي سرا، أن هذه الصلاة وجدت لأول أمرها عند شخص يسمى محمد بن العربي التازي ويسميه التجانيون الواسطة المعظم لأنه بزعمهم كان واسطة بين النبي صلى الله عيه وسلم وبين الشيخ أحمد التجاني يحمل الرسائل من الشيخ إلى النبي ومن النبي إلى الشيخ وفي ذلك الوقت وقت الوساطة لم يكن النبي ﷺ يظهر للشيخ التجاني وإنما كان يظهر لمحمد بن العربي وزعموا أن النبي ﷺ قال للواسطة محمد بن العربي لولا محبتك لحبيبي التجاني ما رأيتني وكان الواسطة يُخبر الشيخ التجاني بأنه إذا جاء الوقت الموعود يظهر النبي ﷺ له بلا واسطة يُحدِّثه ويُكلِّمه وسنذكر شيئا من الرسائل التي أملاها النبي ﷺ على محمد بن العربي وأمره بكتابتها ليحملها إلى الشيخ التجاني ويقرأها عليه وحينئذ لا يبقى عندك شك بجهل هذا الرجل بالعربية وأنه السبب في ركاكة هذه الصلاة التي هي من إنشائه، وقد تكلف أحمد أمين مؤلف كتاب الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، فألف جزءا في دعوى صحة بناء أفعل التقضيل من المستقيم على أسقم بإثبات السين الزائدة وحذف عين الكلمة وهي الواو، وركِب في ذلك الصعب
والذلول ونقل عن علماء اللغة نقولا ظن أنها تؤيد ادعاءه وأخبرني الشيخ محمد بن أمين الحسني الشنقيطي أن صاحب الوسيط في آخر عمره تاب إلى الله من الطريقة التجانية وصار يخجل عندما يذكر له أحد أنه كان تجانيا وألف ذلك الجزء في الدفاع عن الأسقم، وهذا يزيدك أيضا أن الكلمة عامية مغربية وأنت إذا نظرت في كلمات هذه الصلاة من أولها إلى آخرها وجدتها في غاية البُعد عن الكلام الفصيح ولم تستبعد صدور الأسقم والمطلسم من مؤلفها وإذا ظهر السبب بطل العجب، وكل ما ذكروا في فضلها فهو كذب على الله ورسوله وحسب ما تقدم كذب على الشيخ التجاني أيضا، وما معنى قولهم لا يموت حتى يكون من الأولياء؟ فهل هو من أعداء الله الآن؟ وإذا داوم عليها يصير من أولياء الله وقد تقدم أن كل من لم يكن ولي الله وبلغته الدعوة فهو عدو الله، ومجيء النبي ﷺ والخلفاء الأربعة وجلوسهم أمام قارئها كذب نشأ عن بلادة، فإنْ كان مقصودهم بالأجساد فلا يرتاب أحد في أنه بهتان، ولا يصدقه عاقل، لأن الجسد لابد أن يرى بالعين ويلمس باليد، وأن كان مقصودهم أن أرواحهم تجيء فهو من بنات غيرهم لأنه لا دليل عليه وكيف تترك أرواحهم الطاهرة جنة الفردوس وتخرج منها ثم تجيء لتجلس أمام قوم جاهلين يشركون بالله ويستمدون من غيره ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩)﴾ . فسبحان الله كيف تمسخ عقول البشر، حتى تصل إلى هذه الدركة التي يتنزه عنها البقر، ومن يضل الله فما له من سبيل.
[ ١١١ ]
قال صاحب الرماح: ولا تُقرأ جوهرة الكمال إلا بالطهارة المائية من الحدث والخبث وطهارة الثوب والمكان، قال محمد تقي الدين:
ومعنى ذلك أن من كان فرضه التيمم لا يجوز له أن ينطق بجوهرة الكمال وإن كان يجوز له أن يقرأ القرآن كله وأن يُصل الصلوات الخمس فهذا تشريع جديد واستدراك على الله ورسوله فإن شريعة الله تجعل الطهارة الترابية كالمائية، فقد قال النبي ﷺ: (الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنيين فإن وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته) رواه البزَّار من حديث أبي هريرة وصححه القطان وأقره الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، ومفهومه أن من لم يكتفي بالصعيد في عبادته لله تعالى ولم يعتبره وضوء فليس بمسلم، فقد أراد هؤلاء أن يرفعوا قدر الصلاة ليرفعوا بذلك قدرهم بجهلهم فأخرجوا أنفسهم من الشريعة الإسلامية ثم من الإسلام نفسه.
ولما كانت جوهرة الكمال جزءا من الوظيفة المفروضة على كل تجاني، وكانت لا تقرأ إلا بالطهارة المائية لا الترابية وجب على من عجز عن استعمال الماء أولم يجد ماء أن يقرأ بدلها عشرين مرة من صلاة الفاتح، وفي ذلك تناقض لا يخفى وبيانه أن صلاة الفاتح هي أفصح لفظا وأحسن معنى من جوهرة الكمال لأنها من كلام المتقدمين كما سلف، وقد زعموا أنها أفضل من القرآن ومن جميع الأذكار بأضعاف مضاعفة فما بالها تُقرأ بالطهارة الترابية وجوهرة الكمال التي هي دونها في الفضل بمراحل لا ُتقرأ إلا بالطهارة المائية، وَيقرأ التجاني عوضا عن جوهرة الكمال اثنتي عشرة مرة، عشرين مرة من صلاة الفاتح، فأنت ترى أن المرة الواحدة من قراءة جوهرة الكمال، تعدل أكثر من مرة ونصف من الفاتح وذلك من نسبة عشرين إلى اثنتي عشر ة، فإن كنت أيها القارئ تجانبا فبادر بالخروج من الطريقة واغسل يديك منها بالزلال العذب من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وإن كنت معافا منها فاحمد الله على العافية وانبذ الطرق كلها واستقم على الطريقة المحمدية التي قال الله تعالى فيها في سورة الجن: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)﴾ .
قال مؤلف هذا الكتاب محمد تقي الدين: وللتجانيين أذكار خاصة بالخاصة منهم غير لازمة لعامتهم، أذكر شيئا منها، الصلاة الغيبية في الحقيقة الأحمدية، (اللهم صل وسلم على عين ذاتك العلية بأنواع كمالاتك البهية في حضرة ذاتك الأبدية على عبدك القائم بك منك إليك بأتم الصلوات الزكية المصلي في محراب الهوية التالي السبع المثاني إلى آخره.
[ ١١٢ ]
ومن هذه الألفاظ تعلم أن التجانيين من المعتقدين وحدة الوجود وبيان ذلك أن الوجود عندهم واحد، فالرب هو العبد والعبد هو الرب كما تقدم عن ابن عربي الحاتمي فإذا اعْتَبَرْتَ الصور والأشكال كالشمس والقمر والكواكب والإنسان وأنواع الحيوان والنبات والبُحور تسمِّي ذلك خلقا وإذا اعتبرت الهيولا وهي المادة التي منها أنشأت تلك الصور وإليها تعود بعد فنائها لتنشأ منها صور أخرى فتلك الهيولا عندهم هي الله، ومثَّل لِذلك ابن عربي بالخشب فهو مادة واحدة فإذا صَنَعتَ منه أشياء كسرير وخزانة وكرسي لم تخرج تلك الأشياء عن كونها خشبا بعد الصَّنْعَة وحُدوث الأشكال والصور صارت لها أسماء أخرى ولو لم يكن في الطريقة التجانية إلا هذا الاعتقاد لكان كافيًا في ضلال أهلها.
كنت في القاهرة والإسكندرية ولم أظهر خروجي من الطريقة التجانية في سنة ١٣٤١هـ وكان الشيخ محمد الدادسي الأزهري يكرمني لاعتقاده أني تجاني، فكان يغسل رأسي مرة فقال هنيئا لكم معشر أهل البيت، وكان قد سألني عن نسبي، فأخبرته أن نسبنا ينتهي إلى الحسين بن علي، فقلت له: ولم هذه التهنئة قال لأنكم تدخلون الجنة قطعا، وقد حرم الله على النار أن تمس أجساد أهل البيت، فقلت له: وما الدليل على ذلك؟ فقال قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ فقلت: وهل هذا يدل على أن أهل البيت لا تمسهم النار، قال نعم بذلك فسرها الشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي، فقلت له أن تفسيره غير صحيح لأنه يجعل أهل البيت خارجين عن الوعيد الوارد في كتاب الله وحديث رسول الله ﷺ فقال لي وسيدنا أحمد التجاني يوافقه على ذلك التفسير، فقلت له: فقلت وهل هو معصوم من الخطأ فتلوَّن وجهه وسكت، وأمسك عن غسل رأسي قبل أن يُتِمَّه، واعتبرني من ذلك الحين غير تجاني.
ومن الأحاديث التي يزعم التجانيون أن شيخهم نسبها إلى النبي ﷺ أن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار، وهذا الحديث باطل لما تقدم، لحديث الصحيحين الذي قال فيه ﷺ: (يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت وأنقذي نفسك من النار لا أُغني عنك من الله شيئا) وقال مثل ذلك في عمته صفية وعمه العباس، والأسانيد التي روى بها الحديث المتقدم الذكر واهية من رواية الروافض، وقد ضعفها الأئمة، ولو لم يضعفوها لما كان في استطاعتها أن تُعارض نصوص القرآن المفسرة بما في الصحيين وسيأتي تخريجه في نهاية الفصل إن شاء الله.
[ ١١٣ ]
قراءة فاتحة الكتاب بنية الإسم الأعظم
قال في الرماح (ج ٢ ص٩٠): قال في جواهر المعاني سألته يعني التجاني عمن احتلم في السفر ولم يقدر على الاغتسال بوجه من الوجوه، هل يذكر جمع ما عنده من الأوراد فأجاب: أنه يتيمم ويذكر جميع أذكاره كالسيفي وغيره إلا فاتحة الكتاب بنية الإسم فلا يقرأها ولو طال الحال إلى الأبد إلا بالطهارة مائية كاملة.
قال محمد تقي الدين: يا أيها المحدِّثون ويا أيها الأصوليون ويا أيها الفقهاء انظروا واعجبوا هل سمعتم في الشريعة الإسلامية مثل هذا فاتحة الكتاب إذا نوى بقراءتها الإسم الأعظم لا يجوز له أن يقرأها إلا بطهارة مائية، وإذا قرأها دون أن ينوي الاسم الأعظم جازت قراءتها بطهارة ترابية، وقد تقدم الدليل على أن لا فرق بين الطهارة المائية والطهارة الترابية لمن كان فرضه التيمم، والدليل هو الكتاب والسنة والإجماع. وليس اللوم على من اخترع هذه الأكاذيب على الله ورسوله ودينه، ولكن اللوم على شرار الدواب الصم البكم العمي الذين تجوز عليهم هذه الترهات، فنحمدك اللهم على العافية.
ثم قال التجاني وسألت رسول الله ﷺ هل أذكر الإسم الأعظم بالتيمم للمرض إذا أصابني ولم أقدر على الوضوء، قال لا إلا أن تذكر بالقلب دون اللسان. اهـ
الخاتمة نسأل الله حسنها في مسائل متفرقة
اعلم أيها القارئ الذي أنجاه الله من الوقوع في حبائل الطرق، وأنت أيها القارئ المسكين الأسير العاني المكبول بكبل الطريقة إذا وفقك الله لقراءة هذا الكتاب أنَّنِي وجدت في جوهر المعاني وغيره من كتب الطريقة ضلالات وموبقات كثيرة جدا يضيق الوقت عن وضعها في الميزان، فأردت أن أختار منها نبذة أرجو أن تكون كافية بتحذير الناس من الطريقة إن كانوا سالمين من الدخول فيها ولإنقاذ من أراد الله به خيرا ممن ابتلوا بها، وسأقتصر في هذه الخاتمة على جواهر المعاني الذي زعموا أن النبي ﷺ قال هو كتابي وأنا ألفته للأحباب يعني التجانيين، فأقول وبالله التوفيق وهو الهادي بمنه إلى أقوم طريق.
المسألة الأولى ما يسمى بقطب الأقطاب والغوث الجامع:
[ ١١٤ ]
تقدم بطلان وجود القطب وأنه من عقيدة الجهال وأريد هنا أن أذكر ما نسبه صاحب جوهر المعاني إلى شيخه التجاني في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ ليطلع القراء ويعلموا إلى أي حد بلغ الضلال ببعض الناس قال صاحب الجوهر (ج ٢ ص ١٨١) ما نصه: وسألته عن معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، فأجاب بما نصه قال الأمانة هي القيام بحقوق مرتبة الحق في كلية معانيها خلقية وإلاهية فلم تطق حمل هذه الأمانة السماوات والأرض، فأشفقن منها، وحملها الإنسان الكامل الذي يحفظ الله به نظام الوجود وبه يرحم جميع الوجود وبه صلاح جميع الوجود وهو حياة جميع الوجود، وبه قيام جميع الوجود، ولو زال عن الوجود طرفة عين واحد لصار الوجود كله عدما في أسرع من طرفة عين، وهو المعبر عنه بلسان العامة (بقطب الأقطاب والغوث الجامع) ومعنى قوله ظلوما جهولا يعني ظلوما بتخطيه حدود البشرية وحدود الخلقية وخروجه إلى القيام بحقوق مرتبة الحق حيث لا أين ولا كيف ولا صورة ولا حد، فإن هذا لا قدرة لأحد عليه إلا الله وحده فهذا معنى ظُلْمِه لكونه تخطى مرتبة البشرية من الخلقية وهو لا يقدر لأن الأمر الذي تخطى إليه لا غاية له ولا نهاية، لكون الإحاطة مستحيلة فيه قال سبحانه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ فهذا معنى الجهل والظلم الذي نسب إليه هو نفي الإحاطة بكنه جلاله، وذلك غاية المعرفة بالله فإن معرفته من وراء خطوط الدوائر كلها يعني دوائر الصديقية. اهـ
فانظر كيف خلع هؤلاء الضالون على الشخص الخيالي المسمى بالقطب صفة الحي القيوم، الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهن من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا ولولا حلمه سبحانه لخسفت الأرض تحت من يقول هذا القول ويعتقد هذه العقيدة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى.
والآن دونك التفسير الصحيح للآية: ذكر الإمامان ابن جرير وابن كثير في تفسير هذه الآية أقوالا وأحاديث مروية بالأسانيد إلى الصحابة والتابعين، بعضها مرفوعا، وبعضها موقوف، وقد لخص الجمل في حاشيته على الجلالين الموقوف منها فأحببت أن أنقله مختصرا كراهية التطويل. ونص تفسير الجلالين: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الصلوات وغيرها مما في فعلها من الثواب وتركها من العقاب ﴿عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ بأن خلق فيها فهما ونطقا، ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ﴾ خِفن ﴿مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ آدم بعد
[ ١١٥ ]
عرضها عليه ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا﴾ لنفسه بما حمله جَهُولًا ﴿﴾ به ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ﴾ اللام متعلقة بعرضنا المترتب عليه حمل آدم ﴿الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ المضيعين الأمانة ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ المؤدين الأمانة ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ للمؤمنين ﴿رَحِيمًا﴾ بهم. اهـ قال الجمل في حاشيته على هذا الكلام قوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ قال ابن عباس: أراد بالأمانة الطاعة والفرائض التي فرضها الله تعالى، على عباده عرضها على السماوات والأرض والجبال على أنهم إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم، وقال ابن مسعود: الأمانة أداء الصلوات وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت وصدق الحديث وقضاء الدين والعدل في المكيال، وأشد من هذا كله الودائع، وقيل هي جميع ما أمروا
به ونهوا عنه وقيل هي الصوم وغسل الجنابة، وفي رواية ابن عباس هي أمانات الناس والوفاء بالعهود، فحق على كل مؤمن ألا يغش مؤمنا ولا معاهدا لا في قليل ولا في كثير، فعرض الله هذه الأمانة على أعيان السماوات والأرض والجبال، وهذا قول جماعة من التابعين وأكثر السلف فقال لهن أتحملن هذه الأمانة بما فيها فقلن: وما فيها قال: إن أحسنتن جوزيتن، وإن عصيتن عوقبتن، قلن: لا يا رب نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثوابا ولا عقابا، وقلن ذلك خوفا وخشية وتعظيما لدين الله تعالى لئلا يقوموا بها لا معصية ومخالفة لأمره، وكان العرض عليهن تخييرا لا إلزاما، ولو الزمهن لم يمتنعن من حملها، والجمادات كلها خاضعة لله تعالى مطيعة لأمره ساجدة له.
ثم قال: وفي القرطبي واللام متعلقة بحملها أي حملها ليعذب العاصي ويثيب المطيع، وقيل متعلقة بعرضنا أي عرضنا الأمانة على الجميع ثم قلدناها الإنسان ليظهر شرك المشرك ونفاق المنافق ليعذبهم الله وإيمان المؤمن ليثيبه الله. اهـ
قال محمد تقي الدين: ولم يزل يظهر لي أن المراد بالإنسان هنا الجنس، كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾ وكقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾، ولكني تهيَّبت أن أُحدث قولا لم ينقل عن السلف حتى وقفت على كلام القرطبي فرأيته يشير إلى ذلك كما ترى، واتصاف جنس الإنسان بكثرة الجهل والظلم أولى من قصره أحد أفراده، وإبعاد الأنبياء والصديقين واستثناؤهم من الظلم والجهل مستحسن عندي جدا، كما وقع في آية العصر وآية التين، ويا لله العجب كيف يستطيع رجل من بني آدم أن يمسك السماوات والأرض، ويدبر شؤونها بحيث لو غفل عنهما طرفة
[ ١١٦ ]
عين لصرنا عدما ولا تلاشينا ولم يبق لهن أثر، سبحانك هذا بهتان عظيم، أرأيت لو حبس هذا القطب في مكان لا يجد فيه سبيلا لقضاء الحاجة فهل يستطيع أن يخرج من ذلك الحبس الضيق إلى عالم من العوالم التي يدبر شؤونها ويقضي حاجته أم يبقى في (حيص بيص) حتى يتغوط على ثيابه ويبول عليها وحينئذ، يسخر منه الشيطان الذي أغواه وأمره بادعاء ذلك الأمر العظيم، الذي لا يقدر عليه إلا الله، ليس اللوم على هؤلاء الدجاجلة إذا ما ادعوا مثل هذه الدعوى ليسلبوا بها عقول الناس وأديانهم وأموالهم وأعراضهم، ولكن اللوم كل اللوم على شرار الدواب الذين يصدقونهم، وأذكر هنا والأسف يحز في نفسي أن في بلادنا سجلماسة، في الوقت الحاضر، دجالا يبتز أموال الناس ويهتك أعراضهم بدعوى أنه من آل البيت ومن الأولياء الذين رفع عنهم القلم يفعلون ما يشاءون من المحرمات ويتركون كل الفرائض ومنها الصلوات وهم محبوبون عند الله، وأخبرني أمير المنطقة محمد بن المهدي العلوي ﵀ وحاكم السدد السيد الكبير الذي كان بالريصاني ثم نقل أنهما وجدا عند هذا الدجال خمس عشرة امرأة، عقد عليهن كلهن عقد النكاح الفاسد، وجمعهن في بيت، فقبضا عليه وسجناه، حكم بسجنه حاكم السدد السيد الكبير
ونفذه الأمير السيد محمد بن المهدي. قال لي حاكم السدد أن الدجال عندما حُبس، وجئت أتفقده قال لي أبيت كل ليلة في بيتي، قال: فأخذت مفتاح السجن وجعلته في جيبي، وقلت للدجال إن كنت تستطيع الخروج فقد سمحت لك به فاخرج وابق في بيتك ولا ترجع فإنني لا أبعث أحدا في طلبك أبدا، ثم جاءنا الخبر بأن الدجال قد مات وأراح الله العباد من شره.
وأخبرني السلطان السابق مولاي عبد العزيز ﵀ قال في معرض شيوع الخرافات ورواج التدجيل، لا على العامة فقط بل على الخاصة من العلماء قال: جاءني فقيه مشهور اسمه الخصاصي فقال لي: يا سيدي قد ظهرت كرامة عظيمة في ضريح الوالي الصالح أبي العباس السبتي، بمدية مراكش، فنحب أن تشاهدها فقلت: وما هي فقال: إن التابوت المنصوب على ضريح هذا الوالي يرتفع كل ليلة بعد غروب الشمس إلى السقف ويبقى معلقا في الهواء، ويبقى القبر مكشوفا طول الليل، حتى إذا طلعت الشمس نزل التابوت، فانتصب على القبر كما كان.
قال فقلت له أيها الفقيه أنت شاهدت ذلك فقال: لا يا سيدي ولكنه خبر متواتر، حدثني به كثير من الناس الذين لا أشك في صدقهم، قال فقلت له: اذهب وأنا أجهزك بكل ما تحتاج إليه وامكث عند الضريح من قبل غروب الشمس إلى طلوعها ليلة أو أكثر، فإذا شاهدت ارتفاع التابوت فارجع إلي وخَبِّرْني به فإنني أصدقك ولا
[ ١١٧ ]
حاجة لي أن أشاهده بنفسي، وكان السفر في ذلك الزمن على الدواب فغاب نحو شهرين ثم رجع إلي، قال: فقلت ما وراءك يا عصام؟ فقال يا سيدي راقبته ليالي عديدة فلم أشاهد شيئا، فقلت له كنت أعلم هذا ولا أَشُك فيه حين حدثتني بهذه القصة المُختلقة، ولكني أحببت أن تشاهد الأمر بنفسك حتى لا تغتر بما يشيعه الجهال، وأنت فقيه يقتدي الناس بك، فإذا كنت تعتقد مثل هذه الضلالات فماذا نقول في الجهال؟ والحكايات في هذا كثيرة، وحكاية صاحب الجواهر في شان القطب، قطب الجهال كما سماه شيخ الإسلام أحمد بن تيميَّة ﵀ هي من جنس هذه الحكايات.
قال مؤلف جواهر المعاني، (ج١ ص ٢١٥ س ٩) فيما يتعلق بالقطب أيضا ناقلا عن شيخه التجاني في الكلام على الوحي وأقسامه ما نصه:
ثم لتعلم أن من تجلى الله له بالسر المصون والغيب المكنون، عصم من المعاصي بكل وجه وبكل اعتبار فلا تتأتى منه المعصية التي هي مخالفة أمر الله تعالى صريحا أو ضمنا، وليس له فيها إلا العصمة من مخالفة أمر الله تعالى، ولذا ثبتت العصمة للنبيين وفي ضمنهم الأقطاب، ولم يصرح بهم ﷺ في قوله حيث قال لا عصمة إلا لنبي فقد ستر الأقطاب هناك، من كونهم لا تعرف مراتبهم، وما أخبر الله الخلق بها، أعني بمرتبة الأقطاب، ولا وصل العلم إليهم بها فهي مكتومة لذلك لم يصرح بعصمة أهلها ﷺ، لكن السر المصون مانع لمن ذاقه أن يعصي الله حتى طرفة عين، وأما من عداهم من الصديقين الذين نزلوا عن رتبتهم فلا عصمة عندهم، وتجري عليهم الأقدار كما تجري على غيرهم، كما قال الجنيد حيث قيل له: أيزني العارف فأطرق ساعة ثم قال: وكان أمر الله قدرا مقدورا. اهـ
قال محمد تقي الدين: هذه طامة أخرى وهي ادعاء العصمة للأشخاص المتخيلين المتسمين بالأقطاب الذين شاركوا الأنبياء في العصمة، وكتم النبي ﷺ هذا العلم ولم يبح به لأحد حتى لأبي بكر الذي هو أفضل الصديقين، فلم يكفهم ادعاء العصمة للأقطاب المزعومين، حتى أضافوا إليه كتمان النبي ﷺ لذلك، وليث شعري كيف علمه التجاني، أمن طريق النبي ﷺ وقد وصفه بالكتمان، أم من الله بلا واسطة، وظاهر قوله فيما زعموا أن من ذاق السر المصون يستحيل أن تصدر منه معصية، أنه أدرك ذلك من غير طريق النبي ﷺ مما يسمونه بالذوق وقد قيل لأحمد بن حنبل عن بعض المتصوفة أنه إذا سئل عن شيء لا دليل عليه من الشرع زعم أنه أدركه بالدوق فقال ﵀: من أحالك على غائب
[ ١١٨ ]
المسألة الثانية: نعيم أهل النار في النار
فما أنصفك، وما أحسن قول العلامة الصنعاني في القصيدة الدالية التي مطلعها:
سلامي على نجد ومن حل في نجد وإن كان تسليمي من البعد لا يجدي
وذلك حيث يقول:
يقولون أدركناه بالدوق ليتهم يذوقون طعم الحق فالحق كالشهد
وقال صاحب الجواهر في الموضوع نفسه (ج ٢ص ٧٤): وسألته ﵁ عن حقيقة القطبانية فأجاب بقوله: اعلم أن حقيقة القطبانية هي الخلافة العظمى عن الحق مطلقا في جميع الوجود جملة وتفصيلا، حيثما كان الرب إلها كان هو خليفة في تصريف الحكم وتنفيذه في كل من عليه ألوهية الله تعالى، ثم قيامه بالبرزخية العظمى بين الحق والخلق فلا يصل إلى الخلق شيئا كائنا من كان من الحق إلا بحكم القطب وتوليته ونيابته عن الحق في ذلك، وتوصيله كل قسمة إلى محلها، ثم قيامه في الوجود بروحانيته في كل ذرة من ذرات الوجود جملة وتفصيلا، فترى الكون كله أشباحا لا حركة لها إنما هو الروح القائم فيها جملة وتفصيلا، وقيامه فيها في أرواحها وأشباحها، ثم تصرفه في مراتب الأولياء فيذوق مختلفات أذواقهم فلا تكون مرتبة في الوجود للعارفين والأولياء خارجة عن ذوقه، فهو المتصرف فيها جميعا، والمعد لأربابها، وله الاختصاص بالسر المكتوم الذي لا مطمع لأحد في دركه والسلام.
قال محمد تقي الدين: وهذا الكلام بلغ من الوضوح حدا لا يحتاج إلى شرح، فحكايته شرحه، ونترك الحكم عليه للقارئ والله المستعان.
المسألة الثانية: نعيم أهل النار في النار وفي جوهر المعاني مما نسب إلى الشيخ التجاني أنه قال في تفسير قوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾ ج ١ص١٤١ ما نصه:
وما ورد في قوله تعالى ما يناقض عموم الرحمة في قوله تعالى ﷾: ﴿والذين كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ ولقائه أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾ فالرحمة في هذه الآية التي يئسوا منها هي الجنة فقط، فإنها محرمة على كل كافر، وليست الجنة هي غاية رحمة الله تعالى فإن رحمة الله لا تحيط بها العقول يرحم الكفار حيث يشاء، وقد ذكر بعض أهل الحقائق أن بعض أحوال الرحمة في أهل النار من الكفار أنه يُغمى عليهم في بعض الأوقات فيكونون كالنائم لا يحسون بأليم العذاب، ثم تحضر بين أيديهم أنواع الثمار والمآكل، فيأكلون في غاية أغراضهم، ثم يفيقون من تلك السكرة فيرجعون
[ ١١٩ ]
المسالة الثالثة: شطحات الزنادقة الذين يسمون أنفسهم أولياء
إلى العذاب فهذا من جملة الرحمة التي تنال الكفار. اهـ
المسالة الثالثة: شطحات الزنادقة الذين يسمون أنفسهم أولياء، وفي جوهر المعاني (ج ٢ ص ٥٩) ما نصه، وذلك في الجواب عن قول أبي يزيد البسطامي: خضنا بحرا وقفت الأنبياء بساحله، فاعلم أن في الشطحات التي صدرت من أكابر العافين ما يوهم أو يقتضي أن لهم شفوفا وعلوا على المراتب النبيين والمرسلين، ومثل قول أبي يزيد البسطامي: خضنا بحرا وقفت الأنبياء بساحله، ومثل قول الشيخ عبد القادر الجيلي: معاشر الأنبياء أوتيتم اللقب وأوتينا ما لم تؤتوه، ومثل قول ابن الفارض:
ودونك بحرا خضته وقف الألي بساحله صونا لموْضع حرمتي
وأني وإن كنت ابن آدم صورة فلي فيه معنى شاهد بأبوتي
وفي المهدي حزبي الأنبياء وفي عنا صر لوحي المحفوظ والفتح سورتي
وقوله أيضا:
فحي على جمعي القديم الذي به وجدت كهول الحي أطفال صبوتي
ومن فضل ما أسأرت شرب معاصري ومن كان قبلي فالفضائل فضلتي
وكقوله في الكافية:
كل من قي حماك يهواك لكن أنا وحدي بكل من في حماك
وكقول بعض العارفين: نهاية أقدام النبيين بداية أقدام الأولياء.
والجواب عن هذه الشطحات أن للعارف وقتا يطرأ عليه الفناء والاستغراق حتى يخرج بذلك عن دائرة حسه وشهوده ويخرج عن جميع مداركه ووجوده، لكن تارة يكون في الذات الحق ﷾ فيتدلى له من قدوس اللاهوت من بعض أسراره فيض يقتضي منه أن يشهد ذاته عين ذات الحق لمحقه فيها واستهلاكه فيها ويصرح في هذا الميدان بقوله: سبحاني لا إله إلا أنا وحدي الخ من التسبيحات، كقوله: جلت عظمتي وتقدس كبريائي، وهو في ذلك معذور لأن العقل الذي يميز به الشواهد والعوائد ويعطيه تفصيل المراتب كل بما يستحقه من الصفات غاب عنه وانمحق وتلاشى واضمحل، وعند فقد هذا العقل وذهابه وفيض ذلك السر القدسي عليه تكلم بما تكلم به، فالكلام الذي وقع فيه خلقه الحق فيه نيابة عنه فهو يتكلم بلسان الحق لا بلسانه، ومعربا عن ذات الحق لا عن ذاته، ومن هذا الميدان قول أبي يزيد البسطامي سبحاني ما أعظم شأني، وقل الحلاج: وأنا الحق، وما في الجبة إلا الله وكقوله بعضهم: فالأرض أرضي
[ ١٢٠ ]
والسماء سمائي وكقول التستري:
انظر شيء عجيب لمن يراني أنا المحب والحبيب ما ثم ثاني
وكقوله أيضا (أنا من أهوى ومن أهو أنا) البيت، وأقوال ابن الفارض كثيرة مثل هذه وهذا مما يعطيه الفناء والاستغراق في ذات الحق وهذا أمر خارج عن المقال يدرك بالذوق وصفاء الأحوال فلا يعلم حقيقته إلا من ذاقه. اهـ بلفظه
قال محمد تقي الدين: هذه الشطحات كل واحدة منا كفر صريح، وقد اعتذر التجانيون عن أصحابها بزعمهم حين قالوها كانوا قد فنوا في الله ولم يبق عقل ولا شعور، فسقط عنهم التكليف، فأما أن يكونوا مجانين فقدوا عقولهم أو ولدوا مجانين، فكيف يُدوِّنون هذيانهم، ولسيما ما هو كفر، ويُعظِّمُونهم ويمدحونهم على ذلك الهذيان الكفري والمجنون، كالبهيمة لا ُيحمد ولا يُذم، ولا يُقال أنه ولي الله ولا عدو الله إلا باعتبار ما كان قبل فقد عقله، وهم لا يسلمون أنهم مجانين بل يصفونهم بالعلم والولاية والصلاح وبلوغ أعلى المراتب، وذلك لا يكون إلا إذا كانوا عقلاء فإن كانوا عقلاء فقد كفروا بالله، وإن كانوا مجانين فلا فضل لهم، ومن دوَّن كفرياتهم وعظَّمهم بسببها من العقلاء فهو مثلهم في الكفر، والعادة جارية أن المجنون إذا كان قبل الجنون صالحا يذكر الله ويعظمه فإنه يبقى بعد الجنون كذلك في حكم العادة، ولا يكاد يتكلم بكفر أو فجور لأنه لم يتعود شيئا من ذلك، وأما إذا كان قبل إصابته بالجنون كافرا أو فاجرا فإن لسانه يبقى منطلقا لما كان عليه قبل الجنون، وقد رأيت في بلدة (عسلة) من بلاد الجزائر شيخا متصوفا يطعم كل من ورد عليه، وزرته في زمان الضلال مرارا فكان يقدمني لأصلي به ومن معه، فكنا إذا كبرنا للصلاة بدأ يسب الله ويصفه بالخداع والغدر، وما أشبه ذلك رافعا صوته، فإذا فرغنا من الصلاة أكب الناس عليه يقبلون يديه، ويلتمسون منه الدعاء والبركة، لاعتقادهم أنه كان في حضرة الله، وأنه بلغ من علو المقام عند الله إلى حد أنه كان يخاصمه على سبيل الدعابة والتذلل، أما أنا فبقيت حيران في أمره، ولم أجزم بشيء، وذلك لفرط جهلي وعدم معرفتي لتوحيد الله تعالى، وما يليق بجلاله سبحانه، هذا وكنت أُعد من فقهاء الشبان إلا أن الطريقة وبدعها أعمت بصيرتي، وأقبح من ذلك أنني كنت شديد الغلو في تعظيم شيخ الطريقة التجانية حتى أني مرة كنت في قرية (أبي سمغون) وهي
من البلدان المقدسة عند التجانيين يشدون الرحال إليها، لأن فيها بيتا يسمى خلوة الشيخ، وهو مفروش بالزرابي الفاخرة، ويعظم بالبخور وإيقاد
[ ١٢١ ]
الشموع، زعموا أن الشيخ التجاني لقي النبي ﷺ فيه، ورآه عيانا يقظة لا مناما لأول مرة، وفي ذات يوم جاء رجل من (عين ماضي) وهي البلدة التي ولد فيها الشيخ التجاني وفيها أولاده وأحفاده إلى يومنا هذا، فأخبر أن أولاد الشيخ يبعثون إلى مدينة الأغواط يشتري لهم الخمر بمقادير كبيرة، وتأتيهم البغايا من تلك المدينة، فتقيم عندهم الشهر والشهرين، فقلت له: كذبت، فقال لي والله لقد رأيت ذلك بعيني، ولم أقله عيبا لهم ولا إنكارا عليهم، ولا استخفافا بقدرهم العلي، معاذ الله من ذلك، وإنما أخبرتك بما رأته عيني، فقلت له: كذبت، فقال لي: وكيف عرفت أني كذبت؟ فقلت له: إما أن أُكذِّبك أو أُكذِّب الشيخ أحمد التجاني، وأنا لا أستطيع تكذيبه، فقال لي، وكيف ذلك؟ فقلت: قال الشيخ أن سيد الوجود ﷺ، ضمن لي أن كل من بلغ الحلم من ذريتي يصيرا وليا لله فبهت الرجل وسكت، فانظر إلى أي حد يبلغ الضلال بالطرقيين.
إبطال ما زعم التجانيون من نعيم أهل النار في النار
قال تعالى في سورة البقرة آية ١٦١-١٦٢: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾ قال الحافظ ابن كثير في تفسيره ما نصه: ثم أخبر تعالى عمن كفر به واستمر به الحال إلى مماته بأن ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾ أي في اللعنة التابعة لهم إلى يوم القيامة ثم المصاحبة لهم في نار جهنم التي ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ فيها أي لا ينقص عما هم فيه ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي لا يغير عنهم ساعة واحدة ولا يفتر بل هو متواصل دائم، فنعوذ بالله من ذلك، وقال تعالى في سورة فاطر آية ٣٦-٣٧: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ . قال ابن كثير في تفسيرها: لما ذكر الله حال السعداء شرع في بيان ما للأشقياء فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ كما قال تعالى: ﴿ںw يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ وثبت في صحيح مسلم، أن رسول الله ﷺ قال: أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، انتهى كلامه.
[ ١٢٢ ]
وفي تفسير الجلالين ما نصه: ﴿ûïد%©! $#ur كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ﴾ بالموت ﴿#qè؟q ك Juٹsù﴾ يستريحوا ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ
مِنْ عَذَابِهَا﴾ طرفة عين ﴿﴾ كَذَلِكَ كما جزيناهم ﴿نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ كافر بالياء والنون المفتوحة مع كسر الزاي ونصب "كل"، ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ يستغيثون بشدة وعويل يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾ منها ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ فيقال ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا﴾ وقتا ﴿يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ الرسول فما أجبتم ﴿فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ﴾ نَصِيرٍ يدفع العذاب عنهم. انتهى
قال تعالى في سورة الزخرف آية ٧٤-٧٥: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ قال الحافظ ابن كثير في تفسيره ما نصه: لما ذكر تعالى حال السعداء ثنى بذكر الأشقياء فقال (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ أي ساعة واحدة ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ أي آيسون من كل خير. اهـ
قال محمد تقي الدين: فماذا يقول التجانيون في هذه الآيات البينات، أيؤمنون بها أم يكفرون بها؟ فإما أن يؤمنوا بالقرآن ويكفروا بما في جواهر المعاني فيهتدوا، وأما أن يعكسوا فيكفروا بالله، فكيف يجمعون بين الإيمان بالله وكتابه، والإيمان بما في كتابهم من الضلال.
ومراده ببعض أهل الحقائق هو ابن عربي الحاتمي، وقال صاحب المعاني ناقلا بزعمه عن شيخه التجاني في الجواب عن شطحات الزنادقة فيتدلى له من قدوس اللاهوت الخ، عبارة نصرانية سرقها زنادقة المتصوفة من النصارى، فإن النصارى يزعمون أن عيسى ﵇ له طبيعتان، طبيعة الناسوت وهو الجسم المكتسب من أمه مريم وبهذه الطبيعة كان يأكل ويشرب، ويمرض ويتعب، وينام ويخاف، وطبيعة اللاهوت اكتسبها من أبيه، وهو الله، وبها كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
"وفعلوت" مصدر يستعمل كثيرا في السريانية كالجبروت (كبوروثا) جاءت من (جبر) وهو الرجل ومنه جبرائيل (كفرائيل) فمعناه بالسريانية رجل الله أي الرجل الذي يبعثه الله لتبليغ رسالته، فالجبروت هو الرجولة الكاملة (وكبور) جبار رجل عظيم، ومن ذلك جاء لفظ لاهوت من اسم الله تعالى وإنما استعملوا تلك الكلمة للتمويه على العوام والتشبع بما لم يعطوا.
[ ١٢٣ ]
المسألة الرابعة: محبة الكفار
قال صاحب الجواهر ج١ص١٣٢: وسألته عن قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فأجاب بما نصه: اعلم أن محبة الحق سبحانه تعالى لعبيده إما ما يعهده في محبة المخلوقات التي هي شدة الميل والشغف بالشيء حتى لا يجد عنه صبرا، وشدة الاشتياق إلى المحبوب عند فقده، والولوع به، حتى يذهب عن عقله هائما في حب المحبوب فهذه كلها مستحيلة في حق الله ﷾ لا يتأتى في ذاته العلية أن يطرأ فيها ميل أو شغف أو شوق، إذ هو في مرتبة ذاته جلا وعلا في العلو الذاتي والكبرياء الذاتي والعز الكامل، والجلال الذي لا يوصف، ولا يكيف، وكل هذه الصفات من حيث ما هي هِي في الذات اقتضت أنْ لا يوجد شيء معه من الأكوان، لأن الكبرياء الذاتي والعز الذاتي في العلو الذاتي والجلال الذاتي تقتضي كلها غيرة من وجود غيره ﷾ معه فضلا عن أن يلتفت إليه بمحبة أو شوق لما هو عليه من الصفات المذكورة، وفيها يقول سبحان هو تعالى (كنت كنزا لم أعرف) إذ هو في تلك الغيرة بوجود تلك الصفات يأنف من وجود غيره معه. اهـ
وقفة مع هذا الحديث
الذي يعتقده التجانيون أن شيخهم بلغ أعلى درجات القطبية ولم يبلغ أحد من الأقطاب منزلته كما تقدم، وقد تقدم مما نسبوه إلى شيخهم أنه قال: أن القطب الغوث الفرد هو الخليفة عن الله ﷾ في جميع مملكته وهو الحامل للعالم كله، ولو غفل عن الكون طرفة عين لاندك الكون وصار محض العدم، فيلزم على ذلك أن يكون القطب عالما بكل ما يجري في كل ذرة من العالم بل من العالمين، ولا يجوز أن يكون جاهلا بشيء منها فلا يجوز عليه أبدا أن يجهل شيئا من أحاديث الرسول ﷺ التي يعرفها صبيان أهل الحديث فضلا عن علمائهم، فإن صح هذا الكلام عن الشيخ لزم أن يكون جاهلا بعلم الحديث فإنه ذكر هذا الحديث في مواضع كثيرة، واحتج به، فاسمعوا الآن أيها القراء ما قاله الحفاظ النقاد فيه، قال العجلوني في كشف الخفاء ما نصه:
(١) حديث (كنت كنزا لم أعرف، فأحببت أن أعرف فخلقت خلقا فعرفتهم بي فعرفوني) (١)
_________________
(١) قال ونصه عند شيخ الإسلام ابن تيمية، كنت كنزا لا أعرف، فأحببت أن أعرف فخلقت خلقا، فعرفتهم بي، فبي عرفوني. انظر أحاديث القصاص لشيخ الإسلام ابن تيمية بتحقيق الأستاذ الفاضل محمد الصباغ.
[ ١٢٤ ]
وفي لفظ (فتعرفت إليهم فبي عرفوني) قال ابن تيمية ليس من كلام النبي ﷺ ولا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف، وتبعه الزركشي والحافظ ابن حجر في اللآلي والسيوطي، قال القاري: وهو (أي هذا الحديث) واقع كثيرا في كلام الصوفية واعتمدوه وبنوا عليه أصولهم.
عودة إلى الموضوع
قال محمد تقي الدين: فيا عجبا لهؤلاء المتصوفة يحيطون بكل شيء من علوم الغيب بزعمهم ويجهلون أحاديث النبي ﷺ فينسبون إليه الموضوعات التي يعرفها أقل الناس معرفة بالحديث (وكيف يكون النوك إلا كذلك) النوك هو الحماقة فكيف يكون التناقض والتهافت إلا كذلك فسبحان من طبع على قلوبهم. ومضى إلى أن قال وفي هذه المحبة جميع العوام، حتى الكفار، فإنهم محبوبون عنده، ثم مضى إلى أن قال جوابا عن سؤال اعترض به على نفسه، وهو قوله: إذا كانت نفوس الكفار عالمة بالله قبل اتصالها بالأجساد، وارتكبت الكفر والمعاصي، فما ذنب الأجساد حتى تحرم من محبة الله تعالى، فالجواب: أن أجسام الكفار ليس فيها جهل بالله تعالى وإنما لها إدراك وحدها خلاف إدراك الروح وبذلك الإدراك صارت عارفة بالله تعالى. اهـ
والحاصل: أن أرواح الكفار وأجسادهم تشملها محبة الله وهذا مناقض للقرآن أتم المناقضة، قال تعالى في نهاية هاتين الآيتين: فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين، ومثل ذلك في القرآن كثير فقبَّح الله علما يصل بصاحبه إلى تكذيب القرآن تكذيبا صريحا، فيا أيها القوم اتقوا الله وعودوا إلى الإسلام فهذه المراتب العالية بزعمكم لا يصل إليها أحد إلا إذا كذَّب القرآن وجهل السنة المحمدية وجهل عليها.
الولي الكبير يرتكب الكبائر كالزنا وشرب الخمر والكذب وقتل النفس وغير ذلك من الدواهي.
قال صاحب الجوهر في (ج١ص١١٥) ناقلا عن شيخه ما نصه: اعلم أن سيدنا
[ ١٢٥ ]
﵁ سئل عن حقيقة الشيخ الواصل ما هو؟ فأجاب ﵁ بقوله: أما ما هو حقيقة الشيخ الواصل فهو الذي رُفعت له جميع الحجب عن كمال النظر إلى الحضرة الإلهية نظرا عينيا وتحقيقا يقينيا، فأول الأمر هو محاضرة وهو مطالعة الحقائق من وراء ستر كثيف، ثم مكاشفة، وهو مطالعة الحقائق من وراء ستر رقيق، ثم مشاهدة وهو تجلي الحقائق بلا حجاب لكن مع خصوصية، ثم معاينة وهو مطالعة الحقائق بلا حجاب ولا خصوصية، ولا يبقى للغير والغيرية عينا وأثرا، وهو مقام الحق والمحق والدك، وفناء الفناء، فليس في هذا إلا معاينة الحق للحق بالحق.
فلم يبق إلا الله لا شيء غيره ثم موصول ولا ثم واصل
ثم حياة وهي تمييز المراتب بمعرفة جميع خصوصياتها ومقتضياتها ولوازمها وما يؤول إليه أمرها وهو مقام إحاطة العبد بعينه ومعرفته بجميع أسراره وخصوصياته ومعرفة ما هي الحضرة الإلهية وما هي عليه من العظمة والجلال والنعوت العلية والكمال، معرفة ذوقية، ومعاينة يقينية، وصاحب هذه المرتبة هو الذي تشق المهامة في طلبه، لكن مع هذه الصفة فيه كمال أذن الحق له ﷾ إذنا خاصا في هداية عبيده، وتوليته عليهم بإرشادهم إلى الحضرة الإلهية فهذا هو الشيخ الذي يستحق أن يُطلب، وهو المراد بقوله ﷺ لأبي جحيفة: (سل العلماء وخالط الحكماء واصحب الكبراء) وصاحب هذه المرتبة هو المعبر عنه بالكبير ومتى عثر المريد على من هذه صفته فاللازم في حقه أن يلقي نفسه بين يديه كالميت بين يدي غاسله لا اختيار له ولا إرادة ولا عطاء له ولا إفادة، وليجعل همته منه تخليصه من البلية التي أُغرق فيها، إلى كمال الصفاء بمطالعة الحضرة الإلهية بالإعراض عن كل ما سواها، ولينزه نفسه عن جميع الاختيارات والمرادات مما سوى هذا، ومتى أشار عليه بفعل أو بأمر فليحذر من سؤاله بلم؟ وكيف؟ وعلام؟ ولأي شيء؟ فإنه باب المقت والطرد وليعتقد أن الشيخ أعرف بمصالحه منه. وأي مدرجة أدرجه فيها فإنه يجري به في ذلك كله على ما هو لله بالله بإخراجه عن ظلمة نفسه وهواها، وأما الشيخ الذي هذه صفته كيف يتصل به وبماذا يعرف؟ فالجواب أن الشيوخ المتصفون بهذا الأمر كثيرون، وأغلبهم في المدن الكبار فإنها مقرهم وأما معرفتهم والاتصال بهم فإنه عسير أغرب وجودا من الكبريت الأحمر، لأنهم اختلطوا بصور العامة وأحوالهم، من سألهم عن هذه الحال نَفَّروه وطردوه، وحلفوا له ما عندهم من هذا الأمر شيء، والعلة الموجبة لهم لهذا أنه قد فسد نظام الوجود بمشيئة الحق
[ ١٢٦ ]
﷾ التي لا مُنازع لها، ليس لكل آدمي إلا السعي في أغراضه وشهواته بالإعراض عن الحضرة الإلهية، وما
تستحقه من توفية الحقوق والآداب وليس للعامة في هذا الوقت من السعي للأولياء إلا لأغراض فاسدة يريدونها من التمتع بالدنيا ولذاتها وشهواتها والنجاة من المصائب والعطب في هذا الدار، مع إقامتهم وإصرارهم على الدواهي والمهلكات العظام، من الكبائر الفاحشة التي لا عقبى لصاحبها إلا دار البوار، وليس لهم عن هذا الميدان خروج ولا لهم فيه الرجوع إلى الحضرة الإلهية ولوج، فلما عرف العارف ما في العامة، من هذا الأمر احتجبوا عن العامة وطردوهم بكل وجه وبكل حال، وكان اقتضاء ذلك أن يسكنوا في البراري والقفار، وكانة مراد الحق منهم أن يبقوا في وسط العامة ويسكنوا في وسطهم لأمور أرادها الحق منهم سبحان وتعالى، وحكم بها عليهم فلا منازع له في حكمه، ولم يجدوا مساغا في الخروج عن العامة في البراري والقفار لما عليهم من حكم الله الذي لا خروج لهم عنه ولا يجدون سبيلا إلى إصلاح العامة، وردهم إلى الحضرة الإلهية، فهم بمنزلة من أقيم بين جماعة الحمقى، يرمونه بالحجر، وكلف بالصبر، والإقامة بينهم، فهم في عذاب، فلهذا احتجبوا عن العامة وطردوهم بكل حال، وربما شم العامة روائح وصولهم من وراء الحجب، فنهضوا للتعلق بهم فيما يريدونه من أغراضهم فخلَّط العارفون عليهم بوجوه من التَّخليط، استِتَارا عن العامة بإظهار أمور من الزنا والكذب الفاحش والخمر وقتل النفس وغير ذلك من الدواهي التي حُكم على صاحبها أنه في سخط الله وغضبه، والأمور التي يقتحمها العارفون في هذا الميدان إنما يُظهرون صورا من الغيب لا وجود لها في الخارج إنما تصورات خيالية يراها غيرهم حقيقة فيفعلون في تلك الصور أمورا منكرة في الشرع، وهم في الحقيقة لم يفعلوا شيئا فاستتروا بذلك عن العامة حفظا لمقامهم وتحريرا لآدابهم، وإذا عرفت هذا فقد اختلط الصادقون والكاذبون في هذا الميدان ولا يعرف هذا من هذا ولا حيلة لأحد في معرفة العارف الواصل أصلا رأسا إلا في مسالة نادرة في غاية الندور،
وهو أن بعض الكمل ظهورا في مظهر الصور الشرعية الكاملة فمن ظهر بهذا المظهر وادعى المشيخة بالمعرفة فيه أنه يعرف بدلالته على الله تعالى والرجوع إليه والتزهيد في الدنيا وأهلها وعدم المبالاة بها وبوجودها مع ظهور صفة الفتح في غيره على يديه الخ اهـ.
في هذا الكلام ضلالات وأباطيل قوله الشيخ الواصل هو الذي رفعت الحجب له عن كمال النظر إلى الحضرة الإلهية إلى قوله فلم يبقى إلا الله البيت يعني أن الشيخ الواصل إلى الله تعالى العارف به حق المعرفة تنكشف له كل الحجب حتى يشاهد حقيقة
[ ١٢٧ ]
الذات الإلهية ثم يرتقي بعد ذلك إلى مقام الفناء فيفنى عن نفسه وعن فنائه ويمتزج بالله فتتم الوحدة ولا يبقى هنالك غير (وإنما حق في حق)، وهذه عقيدة وحدة الوجود، واعتقادها كفر كما تقدم، وهيهات أن يمتزج الحق بالباطل، والخالق بالمخلوق، والسيد بعبده، بل العبودية لازمة لغير الله تعالى لا تنفك عنه طرفة عين، وفي الحديث الصحيح: (أصدق كلمة قالها الشاعر؛ ألا كل شي ماخلا الله باطل) أي يلزمه الفقر والعجز، فإذا خيل للمتصوف المتكلف، أنه أمتزج بالله تعالى وصار شيئا واحدا كما استشهد بالبيت فلا واصل ولا موصول ولا خالق ولا مخلوق ولا كامل ولا ناقص بل هما شيء واحد، فقد كَذَبته نفسه، وأضله شيطانه، وسلك غير سبيل المؤمنين، وصار من الزنادقة المضلين، فإن هذا الأمر الذي ادعاه لم يجئ به رسول الله ﷺ ولا التابعين ولا الأئمة المجتهدين، وكانوا أفضل هذه الأمة وأعلمها بالله وأتقاها له، فعلى قول هذا القائل يكون الصحابة لم يبلغوا درجة الشيخ الواصل، لأنهم كانوا يفرقون بين الحق والخلق وهذا كما ترى واضح، والله المستعان.
الثانية: أن هذا الشيخ الواصل بل الدجال الخائض في الباطل لا يجوز له أن يدعو الناس إلى ضلالته التي سموها هداية إلا بإذن خاص من الله تعالى بزعمهم فهذه الهداية المزعومة إما تكون من دين الله الذي جاء به رسول الله ﷺ، وإما أن لا تكون منه، فإن كانت منه فقد أمر الله رسوله وجميع العلماء أن يبينوا العلم لجميع الناس، ولا يكتموه، وأخذ عليهم العهد والميثاق على ذلك، كما في آية البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ والأدلة على هذا كثيرة معلومة من الكتاب والسنة، وإما أن لا تكون هذه الهداية المزعومة من الدين فلا يجوز لمسلم فضلا من عالم أن ينطق بها ولا أن يبثها في الناس فبطل كل ذلك الهذيان وبالله التوفيق.
الثالثة: وهو قوله ﷺ لأبي جحيفة: سل العلماء الخ، لم أجد هذا الحديث فيما عندي من الكتب ولعلي أجده وأذكره فيما بعد وعلى فرض ثبوته فالدجال الذي يبيح الكذب الفاحش وقتل النفس والزنا وشرب الخمر لغرض خيالي سخيف باطل، ليس من العلماء، بل هو من أجهل الجاهلين وأكفر الكافرين، فكيف يكون مرادا بقوله ﷺ إن ثبت: سل العلماء الخ..، ولعمر الله ما هو
[ ١٢٨ ]
المسألة الخامسة:
بكبير، بل هو صغير حقير ومردود بقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ وهذا من الكاذبين الفاسقين.
الرابعة: قوله ومتى ما عثر المريد على من هذه صفته فاللازم في حقه أن يلقي نفسه بين يديه كالميت بين يدي غاسله الخ هذا من أصول دجاجلة المتصوفة فإنهم يقولون من قال لشيخه: لم؟ لا يفلح أبدا، وينشدون:
وكن عنده كالميت عند مغسل يقلبه ما شاء وهو مطاوع
ويقولون: إذا رأيت امرأة حسناء دخلت على شيخك وخلا بها فقم سَخِّن الماء له ليغتسل.
وأقوالهم في هذا كثيرة موجودة في كتاب (الإبريز) الذي ألفه أحمد بن مبارك اللمطي في مناقب شيخه عبد العزيز الدباغ وحَشاه بالأكاذيب، وهو مُضاد لما جاء به رسول الله صلى الله عيه وسلم من تقييد الطاعة بالمعروف، قال الله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ مع أن النبي ﷺ معصوم فلا يأمر إلا بالمعروف والمراد تنبيه أمته أن لا يطيعوا أحدا غيره وإن علت رتبته إذا أمرهم بمنكر، وقد لعن الله الذين كفروا على لسان داود وعيسى بن مريم لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، وفي صحيح البخاري في قصة أمير السرية الذي أمر أصحابه أن يجعلوا حطبا ثم أمرهم أن يوقدوا نارا ثم أمرهم أن يقتحموها، فلما أخبروا النبي ﷺ بذلك قال، لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا إنما الطاعة في المعروف، فهذا أمير أمَّره النبي ﷺ على جماعة وأوجب عليهم طاعته بقوله ﵊: (من أطاع أميري فقد أطاعني) الحديث وهو في الصحيح، ومع ذلك حين أمرهم بمعصية الله بإحراق أنفسهم كانت معصيته واجبة عليهم، وماذا عسى أن يكونَ هذا الشيخ؟ الواصل إلى الدَّرك الأسفل من ولاية الشيطان وعداوة الرحمن حتى يُطاع طاعة مطلقة ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩)﴾ .
المسألة الخامسة: وفي الجواهر (ج١ص١٣١) قيل أن أبا يزيد البسطامي باسطه الحق في بعض مباسطته قال له يا عبد السُّوء لو أخبرت الناس بمساويك لرجموك بالحجارة فقال وعزَّتك لو أخبرت الناس بما كُشف لي من سعة رحمتك لما عبدك أحد فقال له لا تفعل فسكت، انتهى ما أملاه علينا شيخنا أبو العباس التجاني ﵁ وأرضاه.
قال محمد تقي الدين: هذه الضلالة أقل شئنا مما سبقها ومع ذلك نطرحها على
[ ١٢٩ ]
المسألة السادسة: أمور نذكرها بالمعنى
بساط البحث فنقول كيف وقعت هذه المحادثة بين أبي زيد وبين الله تعالى، وعهدنا بالوحي قد انقطع بوفاة النبي ﷺ ومقتضى هذه الحكاية أن أبا يزيد كان الوحي ينزل عليه ثم يقال بأي وجه من الوجوه اطلع أبو زيد على سعة رحمة الله التي لا يعرفها رسول الله ولا أصحابه والتابعون ولا من اتبعهم بإحسان، أطلع عليها بواسطة الوحيين أم بطريق أخر ولا يمكن أن يكون اطلاعه على ذلك بطريقة الوحيين أبدا، إذا كان الأمر كذلك لما اختصه هو بهذا الإطلاع فلا بد أن يكون بوحي أُوحي إليه ليس في القرآن، ولا في السنة، وهذه فرية بلا مرية بإجماع المسلمين، ثم يقال ثالثا كيف يتجرأ رجل يخاف الله أن يحاج ربه بهذه المحاجة المغمورة بالوقاحة، ثم يدعي أنه حاجَّ ربه، أي غلبت حُجته حُجة الله تعالى، هذه غاية معرفة الله والوصول إلى حضرته بزعمكم، فماذا تركتم للجهال.
المسألة السادسة: أمور نذكرها بالمعنى مجملة تبتدئ من (ص ١٣٤ من ج١) من الجواهر، الأمر الأول: ادعاؤهم أن الكفار محبوبون عند الله تعالى محبة عامة ولم يخرجوا عن محبته ﷾، واستدلوا لذلك فيما نقلوه عن شيخهم: أن النبي ﷺ حين أسر سُهيْل بن عمرو قيل له انزع ثنيتي سيهيل حتى لا يقوم خطيبا عليك بعدها، فقال النبي ﷺ: لا أُمثِّل به فيُمثِّل الله بي وإن كنت نبيا، فعُلم أنه ما خرج عن محبة الحق ولو كان كافرا إذ لو لم يكن محبوبا عنده ما صحت عُقوبة نبيه لأجله.
قال محمد تقي الدين، وهذا الاستدلال لا يخفى فساده وفي عبارته تهور وطيش لأن النبي ﷺ معصوم من الكبائر والصغائر التي توجب العقاب فعقاب الله لنبيه الذي أطلقوه زور وباطل، لأن الله لم يعاقب نبيه ولن يعاقبه أبدا، ومعنى هذا الخبر أن غير النبي المعصوم إذا مَثَّل بقتيل أو بشخص حي يُعاقبه الله تعالى، وهذا كقوله تعالى في سورة الزُّمر: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ فإحباط العمل مشروط بشيء مستحيل وجوده وإذا استحال وجود الشرط استحال وجود المشروط.
الأمر الثاني: حاصله أن اليهود والمشركين يحبون الله تعالى إلا أن اليهود يحبونه مع معرفتهم بألوهيته والمشركين غلطوا في نسبة الألوهية إلى غيره تعالى، لأنه تجلى لهم في تلك الالباس لكمال ألوهيته فأحبوه وعبدوه من حيث لا يشعرون، فلولا أنه تحلى لهم في تلك الالباس بذلك التجلي إلى محبة ألوهيته ما كانوا يلتفتون إلى تلك الأوثان ولا أن
[ ١٣٠ ]
يلموا بها فضلا عن أن يعبدوها فهم محبوبون لله عابدون له من حيث لا يشعرون اهـ.
هذا لا يحتاج إلى تعليق ولا شرح وفي (ص ١٣٦ من ج ١) بعد ذكر ما تقدم وهو كالاستدلال له قال ﷾ لكليمه موسى ﵊، إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني، والإله في اللغة هو المعبود بالحق وقوله لا إله إلا أنا يعني لا معبود غيري وإن عبد الأوثان من عبدها فما عبدوا غيري ولا توجهوا بالخضوع والتدلل لغيري بل أنا الإله المعبود اهـ.
وهذا الكلام مأخوذ من كلام ابن عربي الحاتمي في فتوحاته فإنه قال: عن الذين عبدوا العجل ما عبدوا غير الله تعالى ثم قال التجاني كما في الجواهر بعدما تقدم مباشرة يريد يعني الله تعالى إياك أن تعتقد ما يعتقده الجهال من أنهم يعبدون غيري، أو أنهم يتوجهون لغيري، فالمحبة لهؤلاء حافظة لهم لأنهم محبوبون عنده، وتوجهوا إليه بهمهم، وما توجهوا لغيره ﷾. اهـ
قال مؤلف هذا الكتاب: وماذا يقول التجانيون الذين يعتقدون أن الله يحب الكافرين وان المشركين ما عبدوا إلا الله، في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات التي بلغت في التوكيد والوضوح إلى حد أنه لا يقرأها لا مسلم ولا يهودي ولا نصراني ولا مشرك إلا أيقن أنها تدل أن الله لا يحب الكافرين، والذين عبدوا غير الله من النبيين والصالحين والأوثان قد عبدوا غير الله، وحبطت أعمالهم، ولم يعبدوا الله قط، حتى فيما يفردونه به من العبادات، قال الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا $oY ح! %x.uژà٣د٩ فَمَا كَانَ ِ N خ g ح! %ں٢uژà٣د٩ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى َ O خ g ح! %ں٢uژà° سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾ وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)، وقال تعالى في سورة الأنعام بعد ذكر إبراهيم ومن بعده من الرسل: ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ
َ O خ g ح! $t/#u ن وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ فإذا كان المشرك في عبادته لله خاسرا لا يَقبل الله منه شيئا من تلك العبادة، لأنه عَبَد معه غيره، فكيف يكون في عبادته للصَّنم عابدا لله تعالى، ومحبوبا عنده، سبحانك هذا بهتان عظيم. اهـ
[ ١٣١ ]
المسألة السابعة: قصة قارون مع موسى ﵇:
قال في (ص ١٣٩ ج ١) ما معناه أن الله قال لموسى: (إني أمرت الأرض أن تطيعك فافعل بقارون ما تشاء) فدخل موسى دار الذهب على قارون وحوله عظماء بني إسرائيل فقال موسى لبني إسرائيل من كان مواليا لي فليخرج ومن كان مواليا لقارون فليبقى فخرجوا ولم يبق مع قارون إلا قليل وقال موسى يا أرض خذيهم وكان قارون جالسا على كرسي من ذهب، فأخذت الأرض تبتلع الكرسي، قال وكان الملعون عالما بالأمر فتاب، فلم يجد للتوبة سبيلا فقال له: يا موسى ناشدتك الله والرحم فلم يلتفت له، وموسى يقول: يا أرض خذيهم حتى أكمل قارون سبعين مرة يناشد موسى وموسى مستمر على قوله يا أرض خذيهم، فلما أتم السبعين ابتلعته الأرض، وغاب فيها بكرسيه، فهو يتجلجل فيها إلى قيام الساعة لا يبلغ قعرها إلى النفخ في الصور، فعاتب الله موسى ﵇ عتابا شديدا قال له ﷾: هل تدري لما لم ترحمه، لأنك لم تخلقه ولو خلقته لرحمته، ثم قال له وعزتي وجلالي لا جعلت الأرض بعدك طوعا لأحد فوجه الشاهد قول الحق لموسى ﵇: لأنك لم تخلقه ولو خلقته لرحمته، فدل هذا على أن الخلق محبوبون لله تعالى مؤمنهم وكافرهم.
قال محمد تقي الدين: قبل أن أورد ما قاله أئمة التفسير في الآية أهمس في أذن التجانيين همستين:
إحداهما: زعمتم أن شيخكم قال أن الكفار محبوبون عند الله، ومرحومون برحمته، فكيف قال شيخكم (وكان الملعون عالما بالأمر) ومن أحبه الله ورحمه لا يكون ملعونا أبدا لأن اللعن طرد من رحمة الله ولا يجتمع مع المحبة والرحمة أبدا.
الثانية: رويتم عن شيخكم أنه قال إن الكرسي الذي كان عليه قارون ابتلعته الأرض والله تعالى يقول فخسفنا به وبداره الأرض، ولم يقل فخسفنا به وبكرسيه الأرض.
فما جوابكم عن هاتين الهمستين؟ هذه القصة ذكرها غير واحد من المفسرين كالخازن والقرطبي وابن كثير وغيرهم وعزيت إلى ابن عباس.
ولم نر أحدا منهم ذكر لها سندا إلى النبي ﷺ، فالظاهر أنها
[ ١٣٢ ]
مما نقل عن بني إسرائيل فلا حجة فيها والأمر الذي سيقت له وهو ثبوت محبة الله تعالى لقارون وغيره من الكفار دونه خرط القتاد، فلو كان قارون محبوبا عند الله ومرحوما برحمته، ما أهلكه في الدنيا وجعله في الآخرة مع فرعون وهامان وأُبي بن خلف كما جاء في الحديث.
المسألة الثامنة: تفسير التجانيين لقوله تعالى فأولئك يئسوا من رحمتي
قال صاحب الجواهر (ج ١ص ١٤١) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ ولقائه أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾ وما ورد في قوله تعالى مما يناقض عموم الرحمة في قوله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ ولقائه أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾ فالرحمة في هذه الآية التي يئسوا منها هي الجنة فقط، فإنها محرمة على كل كافر وليست الجنة غاية رحمة الله تعالى ثم أحتج على إثبات الرحمة للكفار بما نقله عن ابن عربي الحاتمي من أن أهل النار يتنعمون فيها أحيانا، وهذا كلام زنادقة وقد تقدم إبطاله وآيات القرآن التي تدل على اختصاص رحمة الله بالمؤمنين كثيرة جدا منها قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقوله تعالى فيها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ وهذه نصوص من كلام الله ﷾ لا تحتمل تأويل، وأجمع المسلمون على أن رحمة الله في الآخرة خاصة بالمؤمنين، وحجتهم في ذلك الكتاب والسنة والإجماع، والتجانيون يريدون أن يخرقوا إجماع المسلمين ويشاقوا
الرسول، فيجعلوا رحمة الله شاملة لمن كفر به وكذبه وحارب رسوله، فنعوذ بالله من عمى البصائر. وفي ص ١٤٢ ما نصه (تنبيه وبيان) في الاستدلال على أن الكفار محبوبون ومرحومون كما سبق في شرح قوله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله الآية إلى أن قال شيخنا ﵁ وفي هذه المحبة جميع العوالم حتى الكفار، فإنهم محبوبون عنده إلى أخر ما ذكر في حقهم.
[ ١٣٣ ]
المسألة التاسعة: ادعاؤهم أن آباء النبي ﷺ إلى آدم كلهم مؤمنون
وفي (ص ١٥٣ ج ١) ما نصه: وسألته ﵁ هل في أجداده ﵊ من ليس بمؤمن كما يفهم من جهال أهل السير، فأجاب ﵁ بقوله اعلم أن أجداده ﷺ كلهم مؤمنون من أبيه ﵇ إلى سيدنا آدم ﵇، فقال له السائل: ما معنى قوه تعالى: وإذا قال إبراهيم لأبيه آزر؟ فأجاب ﵁ بقوله أن آزر هو عمه، ولو كان أباه أصليا ما ذكر آزر بعد أبيه، يكفيه الأب ويدل على هذا استغفاره لوالديه في آخر عمره اهـ. قال محمد تقي الدين تقدم حديث مسلم أن أبي وأباك في النار، وحديث استئذان النبي ﷺ ربه في زيارة قبر أمه فأذن له واستئذانه في الاستغفار لها فلم يأذن له فبكى.
أما ادعاؤهم أن آزر إنما هو عم إبراهيم فهي دعوى باطلة لا تقبل إلا بدليل عن المعصوم، وما استدلوا به من ذكر آزر بعد الأب ساقط لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ y٧ح! $t/#u ن إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ فقد ذكر الله تعالى اسم إبراهيم بعد ذكر أبوته ليعقوب وقال تعالى في سورة يوسف حكاية عنه ﵇: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ فذكر سبحانه يعقوب بعد ذكر أبوته ليوسف، والأصل في دلالات الألفاظ أن تدل على ما وضعت له ولا تصرف عنه إلا بقرينة، وفي تفسير الجلالين مع حاشيته ما نصه واذكر ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ﴾ هو لقبه واسمه تارح ﴿
[ ١٣٤ ]
المسألة العاشرة:
ويحتمل أن يكون أحدهما لقبا، ولا يجوز القول بأنه عمه، إلا إذا صح ذلك عن النبي ﷺ، وإلا كان تكذيبا للقرآن، فبطل كل ما زعموه من أن أباء النبي ﷺ إلى آدم كانوا مؤمنين، وزعمهم أن إبراهيم استغفر لأبيه منقوض بقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ .
والدعاوى ما لم يقيموا عليها بينات أبنائها أدعياء
المسألة العاشرة: في (ص ١٥٤ ج ١) ما نصه: قال شيخنا رضي الله في فضل سيدنا علي كرم الله وجهه قال: وفي الحديث عنه ﷺ كنت أنا وعلي نورين بين يدي الله تعالى ثم أودعنا في صلب آدم فلم يزل ينقلنا من صلب إلى صلب إلى عبد المطلب فخرجت في عبد الله وخرج علي في أبي طالب، ثم اجتمع نورنا في الحسن والحسين فهما نوران من نور رب العالمين، وقال سيدنا ﵁ ما يصل شيء في الوجود من العلم مطلقا إلا من صهريج علي ﵁، لأنه باب مدينة علمه ﷺ لا من الخلفاء الأربعة ولا الصحابة بأجمعهم.
قال محمد تقي الدين: في هذا الكلام مآخذ:
الأول: هذا الحديث من رواه ومن صححه، قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ في منهاج السنة في هذا الحديث: (إنه كذب مفتري من وضع الشيعة) ورواه الخطيب في المؤتلف والمختلف بمعناه، قال الحافظ في تلخيص مسند الفردوس لوائح الوضع واضحة فيه اهـ.
تنزيه الشريعة (ج ١ص ٣٩٧) وفي الفوائد المجموعة للشوكاني ص ٣٤٢ حديث آخر لمعناه قال الشوكاني: هو موضوع وضعه جعفر بن أحمد بن علي بن بيان وكان رافضيا وضاعا. والظاهر أنه مسروق من غلاة الشيعة سرقه التجانيون ونسبوه إلى شيخهم فأساءوا إليه من حيث أرادوا رفع ذكره وإثبات فضله بجهلهم وفي مثل هذا يُقال عدو عاقل خير من صديق جاهل.
الثاني وقوله ما يصل شيء من العلم مطلقا إلا من صهريج علي واحتج لذلك
[ ١٣٥ ]
بالحديث الضعيف: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، رواه جماعة من أهل الحديث بألفاظ مختلفة والمعنى متقارب، قال العجلوني في كشف الخفاء: هذا الحديث مضطرب غير ثابت كما قاله الدارقطني في العلل، وقال الترمذي منكر، وقال البخاري: ليس له وجه صحيح. ونقل الخطيب البغدادي عن يحيى بن معين أنه قال: أنه كذب لا أصل له اهـ.
قال محمد تقي الدين: وقد حسن الحديث بعض المتأخرين لكثرة طرقه، إلا أن الذين ضعفوه أو قالوا أنه موضوع أعلم وأجل وأكثر، وعلى فرض ثبوته نقول في المأخذ الثالث لم يقل أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين بمثل ما قاله به التجانيون، أنه لا يصل شيء من العلم إلى أحد إلا من صهريج علي لأن الله تعالى يقول في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ وحذف المعمول يدل على العموم أي بلغ ما أنزل إليك من ربك جميع الناس لا عليا وحده الذي هو باب المدينة، وسائر الناس يجب أن يأخذوا العلم من علي، وغلاة الشيعة يوافقون التجانيين، أو يوافقهم التجانيون في أنه لا يصل شيء من العلم إلى أحد إلا من علي، وقد صرح لي بذلك الشيخ عبد المحسن الكاظمي في المحمرة، التي تسمى اليوم بالفارسية، خرم شهر أي مدينة التمر حين ناظرته في الحسينية وهي دار يجتمعون فيها للبكاء على الحسين بن علي ﵄ فإنه احتج عليَّ بالحديث المتقدم، وقال إنه متواتر عندنا وعندكم قلت له أما عندنا فهو ضعيف أو موضوع، وقلت له أما معناه: فإن أريد به علي أحد أبواب هذه المدينة فهو صحيح، وإن أريد به أنه لا باب لهذه المدينة إلا علي فهو باطل، فإن أبوبها كثيرة، فقد أمر الله نبيه أن يبلغ الرسالة جميع الناس وذكرت له آية المائدة، فقال بلغ ما أنزل إليك إلى علي، فقلت هذه زيادة في القرآن فقال أن قريشا حذفت من القرآن كثيرا، فقلت إن كانوا قد حذفوا منه كثيرا فلا بد أن يكونوا قد زادوا فيه كثيرا، فقال أما الزيادة فلا، فقلت له: إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ فكيف يحفظه من الزيادة ولا يحفظه من النقصان، فقال إن الإمام المعصوم أخبر بذلك، فقلت: ليس عندنا معصوم إلا النبي ﷺ، ثم قلت له: لو أن قائلا قال
لك بلغه لأبي بكر بدل علي فماذا تقول؟ فسب أبا بكر بكلمة لا أريد ذكرها، وزعم أنه جاهل لا يعرف معنى الأب في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ فكيف يقارن بأمير المؤمنين علي ﵇، فقلت إن الشتم سلاح العاجز وأن أبا بكر لم يجهل معنى الأب الذي تعرفه العرب وإنما خاف أن يكون له معنى خاص فتوقف ورعا وهذه المناظرة طويلة نقتصر على هذا القدر الذي سقناه للمناسبة، وقد كان النبي ﷺ يجيب كل سائل، ويعلم الصغير والكبير، والرجال والنساء، وأهل الحضر وأهل البادية، ولو كان الأمر كما
[ ١٣٦ ]
المسالة الحادية عشرة:
قول غلاة الشيعة والتجانيون لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ آلاف الأحاديث بلا واسطة وكذلك غيره من الصحابة، منهم المُكثر والمقِّل وقد أخذوا القرآن والحديث عن النبي ﷺ بلا واسطة علي، ولا غيره، ولو كان الأمر كما زعموا ما جاز ولا صح أن يجيب النبي ﷺ سائلا، ولا أن يعلم أحدا شيئا، بل كان ينبغي أن يحيل كل من سأله على الباب وهو علي، وهذا باطل بإجماع المسلمين.
المسالة الحادية عشرة: ادعاؤهم أن غير الله تعالى من الأنبياء وغيرهم يعلم مفاتيح الغيب.
قال (ص ١٧٠ ج ١) يعني شيخه التجاني المراد بالعلم الذي نفاه الله عن الخمسة وغيرها من المغيبات هو العلم المكتسب الذي يتوصل إليه الخلق بأحد أمور ثلاث - كذا - أما من أخبار سمعية، أو بأدلة فكرية، أو بمعاينة حسية، فهذه الطرق هي التي حجر الله عن صاحبها أن يعلم الغيب، وأما من وهبه الله العلم اللدني فإنه يعلم بعض الغيب كهذه المذكورات أو غيرها، كما في قصة الخَضر وموسى عليهما الصلاة والسلام اهـ.
قال مؤلف هذا الكتاب هكذا قال التجانيون عن شيخهم والآن نسمع ما يقوله أهل الحق قال الحافظ ابن كثير، في تفسير هذه الآية: وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ قال البخاري: (حدثنا عبد العزيز بن بعبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سالم ابن عبد الله عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: (مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، أن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري بأي أرض تموت)، وفي القسطلاني على صحيح البخاري قال الزجاجي من زعم أن أحدا غير الله يعلم شيئا من هذه الخمس فقد كفر بالقرآن العظيم، وقال الله تعالى في سورة النمل: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ وأجمع علماء المسلمين على مضمون الآية والحديث، فويل لمن خرق إجماعهم، وأما احتجاجهم بقصة الخَضر فلا يجديهم نفعا، لأن الخَضر نبي أَوحى الله إليه بما ذُكِر في الكتاب العزيز وأُمِر بذلك لقوله: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي)، ولِمَا جاء في الحديث الصحيح من قول الخضر:
[ ١٣٧ ]
(يا موسى إنك على علم علمكه الله لا أعلمه وأنا على علم علمنيه الله لا تعلمه) ولا نزاع في تعليم الله بعض عباده شيئا من الغيب.
المسألة الثانية عشرة: زعمهم أن النبي ﷺ نظم شعرا بعد وفاته
قال في الجواهر (ص ١٣٢ ج ٢) وهذه الأبيات التي نذكرها بعد، علمها سيد الوجود ﷺ في المنام للولي الصالح ذي السعي الرابح صاحب المشهد الكريم الواضح أبي عبد الله سيدي محمد بن العربي التازي فلما استيقظ وجدها في فيه يذكرها فحفظها فبعد ذلك لقي مولانا رسول الله ﷺ يقظة، وكان يلاقيه في اليقظة كثيرا. فسأله عن هذه الأبيات وطلب منه شرح الأبيات فأجابه لذلك مولانا رسول الله ﷺ لمحبته في شيخنا، وأستاذنا مولانا أحمد بن محمد التجاني وهو تلميذ له وصرح له سيد الوجود ﷺ بأن قال له: لولا محبتك في التجاني ما رأيتني قط وقال شرح هذه الأبيات للتجاني وهذا نص الأبيات:
فالمجد والتحميد تنجلي ذاته وبالقصد كان المنع لي وحدي
وبحق الحق بالحق ترى حقيقة وبالحق لا بالحق احتجب عني زندي
وفي تدبير أمره أحاطت قدرته وبالقصد لا بالقصد احتجب عنهم اخذي
فاغرق في بحر الوحدة ترى وحدته ترتفع عنك الحجب حتى ترى الأسود بالضد
ونص شرح سيد الوجود ولفظه ﷺ: اسمع ما أقول لك واحتفظ على كل ما تسمعه مني في هذه الأبيات التي أمرتك بحفظها في المنام فاكتب معناها بالتحقيق، واعطه للتجاني وقل له باب هذه الأبيات هو أعظم البيان، وقل له لا يدخلون على الباب إلا أهل التوحيد المحققين، وأهل التجريد الصابرين، وأهل الوفاء المخلصين، وأهل التحقيق الموقنين، وأهل الصبر الكاتمين، الخ.
قال محمد تقي الدين: ليس من مقصدي أن أستقصي كل ما في كتاب الجواهر والرماح من الأباطيل، لأن ذلك كثير ومن ألهمه الله رشده، وكشف عن بصيرته غطاء الجهل والضلال، يكفيه بعض ما تقدم، ليعرف بطلان هذه الطريقة من أساسها، أما من طبع الله على قلبه وجعل على بصره غشاوة فلو كتبت له مجلدات، وذكرت له آلاف الحجج
[ ١٣٨ ]
القاطعات والبراهين الساطعات، لما رجع عن غيه ولا تاب إلى رشده، ومن يضلل الله فما له من هاد، وإنما اخترت من الجزء الثاني ذكر هذه الأبيات لأنها كانت تُنغص علي عيشي وتكدر صفوي حين كنت مؤمنا بالطريقة، لأن روائح الكذب كانت تفوح منها لأمور كثيرة لا تخفى على من له أدنى علم فمن ذلك ركاكة ألفاظها، فإن كل من يعرف شيئا يعتد به من اللغة العربية يجزم أن هذه الأبيات وشرحها يستحيل أن يتكلم به أحد من المعاصرين للنبي ﷺ أو من بعدهم من القرون التي كانت اللغة العربية فيها صحيحة فصيحة، ثانيها: أن هذا الإنشاء لا يصدر عن أحد له نصيب من اللغة العربية ولا في هذا الزمان، ثالثها: تفاهة معانيها، رابعها: تسميتها شعرا وليست من الشعر في شيء فإنها لا توفق أي بحر من البحور التي نظم عليها العرب، أو المولدون الذين جاءوا من بعدهم، كما لا توافق أي وزن يمكن أن يحدث، خامسها: أنها مناسبة لإنشاء راويها لأنه من العوام الذين يعرفون القراءة والكتابة ولا علم لهم بالكلام الفصيح السالم من الخطأ، وإنما نقلتُ من الشرح نموذجا ليطلع عليه القراء فمن شاء أن يقف عليه فليقرأه في الكتاب المذكور.
وقد بدأ ظل الطريقة التجانية يتقلص في البلاد العربية فقد نبذها خلق كثير ممن كانوا متمسكين بها، أما في إفريقيا غير العربية فلا تزال منتشرة فقد سمعت أن عدد المتمسكين بها في نيجيريا اثنا عشر مليونا، وفي سينكال مليونان وقس على ذلك؟ واليوم أخبرني طالب من تشاد أن ثلث المسلمين في تلك البلاد أو أكثر تجانيون، فنسأل الله جلت عظمته أن يخرج أهل هذه الطريقة وغيرها من الطرق الضالة من ظلمات الشرك والبدعة إلى نور التوحيد والسنة، ويهدينا جميعا صراطه المستقيم.
تفشي الشرك الأكبر عند التجانيين
لا أقول إن الشرك خاص بالتجانيين بل هو عام في جميع الطرقيين وغيرهم من الجهال الذين يأكلون خير الله، ويعبدون غير الله، ولم يقدروا الله حق قدره؛ إذ اتخذوا من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم فضلا عن غيرهم نفعا ولا ضرا يدعونهم لقضاء الحاجات ويستغيثون بهم لتفريج الكربات وأكثرهم غلب عليهم الجهل بتوحيد الله تعالى وإفراده بالربوبية والعبادة، لكني لما كنت تجانيا وعرفت أهل هذه الطريقة أكثر من غيرهم خصصتهم بالذكر ومن المصائب أن الشرك فاش في خاصتهم وعامتهم، عالمهم وجاهلهم، وهذه القصيدة نظمها أجل علماء القرويين في زمانه كما حدثني بذلك شيخنا أبو مصطفى محمد
[ ١٣٩ ]
ابن العربي العلوي ألا وهو محمد كَنُّون تشهد بصحة ما ذكرته، قال محمد كنون من بحر الكامل:
إن شئت أن تحظى بكل مؤمل وتفوز بالإسعاد والإيناس
وتجار من ضيم الزمان وضيقه ومن المضرة والبلاء والباس
فعليك بالحبر الهمام المنتقى غوث الورى أعني أبا العباس
ذاك التجاني حاز كل فضيلة بالختم ميزه إله الناس
أصحابه مغفورة زلاتهم سيان في ذا عامد والناسي
ومقامهم أعلى وأعظم مفخرا من رتبة الأقطاب والأجراس
خير الورى المختار يحضر ذكرهم ووضيفة مع حضرة الأكياس
وأجور طاعة غيرهم تكتب لهم أضعافا وهم بحال نعاس
قد بشر الهادي النبي المصطفى بجميع ذا الشيخ الهمام الآسي
فاعلق به لا تعد عن أعتابه تظفر بفضل لم يقاس بقياس
وإذا تصبك خصاصة فبه استغث متضرعا ينجيك من إفلاس
واهتف به مستعطفا ومناديا إني ببابك يا أبا العباس
أنقذ غريقا في بحار ذنوبه وامنن عليه بعطفك يا آسي
يا سيد السادات يا غوث الورى عالج بفضل منك قلبي القاسي
وأنل عبيدك نفحة تجلو الصدا لا تتركنه عرضة الأدناس
ثم الصلاة على النبي وآله وصحابه أهل التقى والباس
فانظر إلى أي حد بلغ الإغراق في الشرك والضلال بعلمائهم، فكيف بعامتهم، وهذه أبيات من بحر الرجز، كنا ننشدها جماعة بلسان واحد عند ختم الوظيفة وهي:
يا أحمد التجاني يا نور القلوب أما ترى ما نحن فيه من كروب
أما ترى الضيم الذي أصابنا وأنت غوث لم تزل مجابا
العجل العجل بالإغاثة يا من له كل العلا وراثة
قال محمد تقي الدين بن عبد القادر الهلالي الحسيني السجلماسي: هذا آخر ما يسر
[ ١٤٠ ]
الله إملاءه نصيحة للمسلمين، وحرصا على إنقاذ المتورطين وفكاك الأسارى المكبولين، أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن ينفع به كل من قرأه، ويجعله خالصا لوجهه الكريم، وموجبا لرضوانه الأكبر في جنات النعيم، ربنا اغفر لنا ذنوبنا ولا تجعل في قلوبنا غِلًاّ للذين أمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.
وكان الفراغ منه بين العشاءين لليلة بقيت من شهر
شعبان سنة تسع وثلاثمائة وألف بالمدينة
النبوية على من شرفها الله به أفضل
الصلاة والسلام وأزكى التحية.
[ ١٤١ ]