وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية، الآية (٢٤)].
في الصحيح عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ» (^١).
وفي رواية: «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ؛ فِإنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» (^٢) (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦).
(٢) أخرجه مسلم (٢٢٤٦).
(٣) فيه مسائل: الأولى: النهي عن سب الدهر. الثانية: تسميته أذًى لله. الثالثة: التأمل في قوله: «فإن الله هو الدهر». الرابعة: أنه قد يكون سابًّا ولو لم يقصده بقلبه.
[ ٣٩٢ ]
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: بوب المصنّف للباب بمن سبّ الدهر فقد آذى الله، ومتقررٌ أنَّ العباد لا يملكون أن يضرّوا الله بشيء، وفي الصحيح: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّوني …» (^١).
ولفظ الأذى في اللغة: هو لِما خفَّ أَمْرُه وضَعُفَ أثرُه من الشرِّ والمكروه، وهو بخلاف الضُرّ، فقد أخبر سبحانه أنَّ العباد لا يضرّونه، لكن يؤذونه إذا سبوا مقلب الأمور.
والمراد بهذا الباب: النهي عن سبِّ الدهر، وهذا أمرٌ كان موجودًا عند أهل الجاهلية، يقول أحدهم: أصابتهُ قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، ويا خيبة الدهر، ويقع نحو هذا كثيرًا على ألسنة الشعراء.
والدهر: هو الزمنُ والوقت، وسَبُّهُ: بتنقّصه وشتمِه ولعنِه ونسبةِ الشرِّ إليه، وهو درجاتٌ، أعلاها لعنُ الدهر.
فإن قيل: ما هو السبُّ، وما حدّه؟
* فالجواب: أنَّه يرجع فيه إلى العرف، قال ابن تيمية: «يُرجع في الأذى والشتم إلى العرف، فما عدّه أهلُ العُرفِ سَبًّا أو انتقاصًا أو عيبًا أو طعنًا، ونحو ذلك، فهو من السبّ» (^٢).
المسألة الثانية: علاقة الباب بالتوحيد: أنَّ سبّ الدهر ينافي كمال التوحيد؛ لأنَّ فيه أذيّة لله، حيث أنَّه في الحقيقة سب للمتصرف في الدهر وهو الله.
المسألة الثالثة: سبُّ الدهرِ له ثلاث حالات:
١) أن يسبّ الدهر على أنَّه هو الفاعل: فهذا شرك أكبر؛ لأنَّه اعتقد أنَّ مع
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٥٧٧).
(٢) الصارم المسلول، لابن تيمية (٥٣١).
[ ٣٩٣ ]
الله متصرفًا، فنسب الحوادث لغير الله، وهذا مذهب من يسمون بالدهرية.
٢) أن يسبّ الدهر لا على أنَّه الفاعل، بل يعتقد أنَّ الله هو المدبّر المصرّف، لكنه سبّ الدهر لأنَّه كان محلًا وزمنًا للأمر المكروه عنده: فهذا حرام.
• والعلة: أنَّ هذا سفهٌ في العقل، فقد سبَّ ما ليس محلًا للسبِّ، وهو ضلال وتنقص لله؛ لأنّ السبَّ يعود إلى المتصرّف بالدهر وهو الله، فالدهرُ لا يُقَدِّرُ شيئًا بل الله هو الذي يُقَدِّر.
ونظير هذا لو أنَّ رجلًا حكم عليه القاضي بأمرٍ، أو أفتاه مُفْتٍ بفتوى، فجعل يسبّه، وهو إنّما قضى أو أفتى بكلام النبيّ ﷺ، فيكون كأنَّه سبَّ الرسول ﷺ.
ومن ذلك قول: الزمانُ غدّارٌ، يومٌ أسود، شهرٌ نحس، ونحوه.
* ولذلك ذكر ابن القيم أنَّ سبّ الدهر فيه ثلاث مفاسد:
١ - سبُّ من ليس أهلًا للسبّ، فإنَّ الدهرَ خَلْقٌ مُسَخَّر.
٢ - أنَّ سبّه متضمن للشرك، فإنّما سبّه لظنه أنَّه يضرّ وينفع، وأنَّه مع ذلك ظالم.
٣ - أنَّ السبّ إنّما يقع على من فعل هذه الأفعال، وربُّ الدهر هو المعطي المانع الخافض الرافع، والدهرُ ليس له من الأمر شيء، فمسبّته مسبّة لله ﷿.
٣) أن يقصدَ الخبر المحض دون اللوم والسبِّ: فهذا جائز، كما ورد عن قوم لوط: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود، الآية (٧٧)]. ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت، الآية (١٦)]. فالمراد هنا: أنَّ الأيام التي أوقع الله فيها العقوبة بأعدائه وأعداء رسله كانت أيامًا نحسات عليهم؛ لأنَّ النحس أصابهم فيها، فأرادوا وصف ما وقع لهم، وإن كانت أيامَ
[ ٣٩٤ ]
خيرٍ لأوليائه المؤمنين، فهي نحسٌ على المكذبين، سعدٌ للمؤمنين، وهذا كيوم القيامة، فإنَّه عسيرٌ على الكافرين، يوم نحسٍ عليهم، يسيرٌ على المؤمنين، فالمتكلم قَصَد الإخبار، لا السبَّ والتسخّط.
ونظير هذا قول: تعبنا من شدة البرد أو الحرّ ونحوه، وقول يوسف ﷺ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ [يوسف، الآية (٤٨)].
وكذا قول: هذه سنة جوع، أو قحط، ومنه تسمية الناس لبعض السنين بسنة المجاعة.
المسألة الرابعة: أتى المصنف بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية، الآية (٢٤)].
ووجه الشاهد فيها: أنَّ الله أخبر عن المشركين أنَّهم قالوا: ليس هلاكنا إلّا بمرور الزمن، وما يهلكنا إلّا الدهر، فنسبوا الإهلاك إلى الدهر، فمن سبَّ الدهر أو نسب التصرف إليه، فقد شابههم أو شاركهم في هذا السبّ.
المسألة الخامسة: ورد في الحديث: «وَأَنَا الدَّهْرُ» والمقرر عند أكثر أهل العلم أنَّ الدهر ليس من أسماء الله، لأمرين:
١. أنَّ سياق الحديث يأبى ذلك؛ لأنَّه قال: «أُقَلِّبُ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ»، والليل والنهار هما الدهر، فكيف يمكن أن يكون المقلَّبُ، هو المقلِّب؟!
٢. أنَّ أسماءه ﷾ حسنى، أي: بالغة في الحسن أكمله، والدهر اسم جامد لا يحمل معنى إلّا أنَّه اسم للأوقات، فلا يحوي صفة من صفات الكمال.
فإن قيل: فما معنى ما ورد في الحديث «وَأَنَا الدَّهْرُ؟».
* قال ابن تيمية: «أكثر العلماء أنَّ هذا الحديث خرج الكلام فيه؛ لردّ ما يقوله
[ ٣٩٥ ]
أهلُ الجاهلية ومن أشبههم، فإنَّهم إذا أصابتهم مصيبةٌ أو مُنِعوا أغراضهم أخذوا يسبونَ الدهر والزمان، يقول أحدهم: قبّحَ اللهُ الدهرَ الذي شتّت شملنا، ولعنَ اللهُ الزمانَ الذي جرى فيه كذا وكذا، وكثيرًا ما جرى من كلام الشعراء وأمثالهم نحو هذا، كقولهم: يا دهرُ فعلتَ كذا، وهم يقصدون سبَّ من فعل تلك الأمور ويضيفونها إلى الدهر، فيقع السبّ على الله تعالى؛ لأنَّه هو فاعل تلك الأمور ومحدثها، والدهر مخلوق له هو الذي يقلّبه ويصرّفه، والتقدير: أنَّ ابن آدم يسبّ من فعل هذه الأمور وأنا فعلتها، فإذا سبّ الدهر فمقصوده سبّ الفاعل، وإن أضاف الفعل إلى الدهر، فالدهرُ لا فعلَ له، وإنّما الفاعلُ هو الله وحده» (^١).
* خلاصة الباب: أنَّ الزمان والدهر وقتٌ لحلولِ قدر الله، فلا يجوز أن يسبّه ابن آدم؛ لأنَّه لا تأثير له، وإنّما سبّه يؤول إلى سبّ الله الذي قدّره.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢/ ٤٩٣).
[ ٣٩٦ ]