عن أبي شريح ﵁ أنَّه كان يكنى أبا الحكم، فقال له النبيّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اِخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي، فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَرَضِي كِلَا الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ قُلْتُ: شُرَيْحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ قُلْتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» (^١) (^٢).
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بهذا الباب: بيان وجوب احترام أسماء الله والحذر من امتهانها أو احتقارها، أو تسمية غير الله بها، فهذه الأسماء مختصة بالله، ولذا شُرِع تغيير الاسم لاحترامها وتعظيمها.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٩٥٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٨١١)، والنسائي في الكبرى (٥٩٠٧)، وابن حبان في (٥٠٤)، والحاكم في المستدرك (٦٢)، وصححه الألباني في الإرواء (٢٦١٥).
(٢) فيه مسائل: الأولى: احترام صفات الله وأسماء الله ولو لم يقصد معناه. الثانية: تغيير الاسم لأجل ذلك. الثالثة: اختيار أكبر الأبناء للكنية.
[ ٤٠٢ ]
وأسماء الله نوعان:
١ - خاصة بالله لا يصحّ أن يسمى بها غيره: فهذه لا يجوز تسمّي غيرِه بها، ويجب تغييره لو وجد، مثاله: الله - الرحمن - رب العالمين.
٢ - ما يصحّ أن يسمى به غيرُ الله: وهي ما دلّت على صفةٍ للمخلوق فيها نصيب، فيصح التسمّي بها لكن بدون التعريف ب (ال)، وأن يقصد به التسمّي على أنَّه علم محض، مثاله: سميع- حكيم، ونحوها.
المسألة الثانية: في الباب النهيُ عن التسمّي بأبي الحكَم، وقد غيّر النبيُّ ﷺ اسم أبي شريح، وسببُ التغيير: أنّ الحَكَمَ هو اللهُ، وهذا من أسمائه، فإذا قيل: أبو الحكم كأنَّه قيل: أبو الله.
قال البغوي: الحَكَمُ: هو الحاكم الذي إذا حكم لا يُرَدُّ حكمه، وهذه الصفة لا تليق بغير الله ﷿، ومن أسماءه الحكم (^١).
فإن قيل: فهل يلزم تغيير اسم من تسمى بالحَكم؟ وكيف يجمع بينها وبين تغيير النبيّ ﷺ هذه الكنية؟
* الجواب: أنَّ هذا الاسم الذي كُنّي به الرجل لُحِظَتْ فيه الصفةُ وقُصدت، وهي الحُكْم، فصارت بذلك مطابقةً للاسم.
أما الاسم فإنَّه يراد به العلمية، من دون قصد للصفة، وحينها يجوز، ومِثلُه: كامل، وخالد، ونحوها، فإنَّها أريد بها العلمية، ولم يقصد بها أنَّه له صفة الكمال المطلق، أو الخلود، ونحو ذلك.
_________________
(١) شرح السنة، للبغوي (١٢/ ٣٤٣).
[ ٤٠٣ ]
المسألة الثالثة: ومن التسمّي المنهيّ عنه: التعبيدُ لغير الله تعالى، كعبد حسين، وهذا حرام؛ لأنَّ التعبيد لا يكون إلّا لله.
وكذا التسمي ب (بخش) وهي كلمة هندية معناها الهِبة والرزق، وكان هذا مشهورًا في بلاد الهند، يذكرون اسم مركبًا، فيقولون مثلًا: علي بخش، أو حسين بخش، ونحوه، ويقصدون بها أنَّه هبةٌ ورزق من علي أو من حسين، وهذا لا يجوز؛ لأنَّ الواهب هو الله (^١).
أما مناداة من تسمّى بذلك فهي جائزة، كما أخبر النبيّ ﷺ عن نفسه أنَّه ابن عبد المطلب.
_________________
(١) معجم المناهي اللفظية (ص: ١١٩)
[ ٤٠٤ ]