ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس: «﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: يُشْرِكُونَ» (^١).
وَعَنْهُ: «سَمُّوا اَللَّاتَ مِنَ اَلْإِلَهِ، وَالْعُزَّى مِنَ اَلْعَزِيزِ» (^٢).
وعن الأعمش: «يُدخلون فيها ما ليس منها» (^٣).
(الشرح)
هذا الباب مرتبط بالأسماء والصفات لله تعالى، والكلام عليه في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب: بيان أنَّ المشروع هو التوسل بالله بأسمائه
_________________
(١) الذي أخرجه الطبري (١٣/ ٢٨٢)، وابن أبي حاتم (٨٥٨٣) عن ابن عباس أنه قال: الإلحاد: التكذيب، وأما الذي فسرها ب «يشركون» فهو قتادة، انظر: تفسير الطبري (١٣/ ٢٨٢)، وابن أبي حاتم (٨٥٨٦).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٢٨٢).
(٣) فيه مسائل: الأولى: إثبات الأسماء. الثانية: كونها حسنى. الثالثة: الأمر بدعائه بها. الرابعة: ترك مَنْ عارض من الجاهلين الملحدين. الخامسة: تفسير الإلحاد فيها. السادسة: وعيد من ألحد.
[ ٤١٩ ]
الحسنى وصفاته العليا، والردّ على من توسل بعباده أحياءً وأمواتًا، وبيان أنّ أسماء الله حسنى، أي: بالغة في الحسن كماله، فيجب تعظيمها والإيمان بها.
وعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة توحيد الأسماء والصفات، وكذا من جهة توحيد العبادة، فإنَّ من سمّى الأصنام بأسماءِه فقد أشرك بالله سبحانه.
المسألة الثانية: ذكر المصنّف في الباب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف، الآية (١٨٠)]. وفي الآية إشارة إلى أمور ثلاثة:
١. لله ﷿ الأسماء الحسنى: وهذا متفق عليه، وعبّر ب: (الحسنى) ولم يقل: الحسنة، وذلك لأنَّ الحُسن من صفات المعاني، فكل لفظ له معنيان: حَسَنٌ وأحسن، فالمراد: الأحسن منها، وهو الذي يجمع على (حسنى).
وضابط الأسماء الحسنى: «كل اسم دالّ على صفة كمال عظيمة».
٢. الأمر بدعاء الله بأسمائه الحسنى: وذكر ابن القيم أنَّ الدعاء بها على مرتبتين:
أ) دعاء ثناء وعبادة: فلا يثنى على الله إلّا بأسمائه وصفاته.
ب) دعاء طلب ومسألة: فلا يسأل الله إلّا بها، وينبغي أن يكون ما يثنى به على الله من أسماءٍ موافقٌ لما يدعو به ويطلبه، فلا يقل مثلًا: يا رحيمُ أهلك أعداء الدين، وهكذا (^١).
٣. النهي عن الإلحاد في أسماء الله: والإلحاد في أسماء الله هو العدول
_________________
(١) بدائع الفوائد (١/ ١٦٤) بتصرف.
[ ٤٢٠ ]
بها عن حقائقها إلى ما لا يليق بالله، وله صور:
١ - أن يسمِّيَ الأصنامَ بها كتسمية اللات من الإله، وقد نقل المصنف عن ابن عباس قوله عن المشركين: «سموا اللات من الإله، والعُزّى من العزيز».
٢ - تسميته بما لا يليق بجلاله، كتسمية النصارى له أبًا، والفلاسفة له موجبًا بذاته أو علّة فاعلة.
٣ - وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص، كقول اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران، الآية (١٨١)]. وقولهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة، الآية (٦٤)].
٤ - تعطيل الأسماء الحسنى عن معانيها، وجحد حقائقها، كقول الجهمية: إنَّها ألفاظٌ مجردة، لا تتضمن صفات ولا معاني، فيطلقون اسم السميع، ويقولون: لا سمع له، ونحو ذلك.
٥ - تشبيه صفاته بصفات خلقه، تعالى الله وتقدس عن قولهم علوًّا كبيرًا، فجمعهم الإلحاد، وتفرقت بهم طرقه (^١).
_________________
(١) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم (١/ ٥٣).
[ ٤٢١ ]