ولمسلم: «وَلْيُعَظِّمْ اَلرَّغْبَةَ؛ فَإِنَّ اَللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ» (^٢) (^٣).
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب: أنَّ المرء ينبغي له إذا أراد تحقيق التوحيد أن يتضرع لله بتمام الذلّ والخضوع والتعظيم لله، ومن ذلك أن لا يقول في دعائه: اغفر لي إن شئت، وعِلّةُ النهي مِنْ وجهين:
١. أنَّ العبد لا غنى له عن الله، وتعليقهُ الدعاءَ بالمشيئةِ فيه إيهامٌ بالاستغناءِ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣٣٩)، ومسلم (٢٦٧٩).
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٧٩).
(٣) فيه مسائل: الأولى: النهي عن الاستثناء في الدعاء. الثانية: بيان العلة في ذلك. الثالثة: قوله: «ليعزم المسألة». الرابعة: إعظام الرغبة. الخامسة: التعليل لهذا الأمر.
[ ٤٢٤ ]
عن ذلك، فكأنَّه يقول: إن شئت فافعل وإلّا فلا تفعل.
٢. وأنَّه يُشْعِرُ بأنَّ هناك من يُكرِهُ اللهَ على ذلك، فقال: «إِنْ شِئْتَ».
المسألة الثانية: علاقة الباب بالتوحيد من جهة:
١ - أنَّ تعليقَ الدعاءِ بالمشيئةِ سوءُ أدبٍ مع الله، حيث يوهم الاستغناءَ عن المغفرة، وهذا ينافي كمال التوحيد.
٢ - وأيضًا: فإنَّ من أتى بما يُشعِرُ بأنَّ الله له مكرهٌ لم يقم بتمام الربوبية؛ لأنَّ تمام الربوبيةِ أنَّه لا مكره له، بل لا يُسأل عما يفعل.
المسألة الثالثة: ورد في الحديث النهيُ عن هذه الكلمة، واختُلِفَ في الحُكمِ، فظاهر كلام ابن عبد البر: «أنَّه للتحريم» (^١)، وذهب النووي: «إلى أنَّه للتنزيه» (^٢)، والصارف من التحريم للكراهة ما ورد في حديث زيارة المقابر: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» (^٣)، قال ابن حجر: «وهو أولى» (^٤).
ولعل الأقرب أنَّه يحرم قولها؛ لصراحة الحديث، والأصلُ في النهي إذا تجرّد أنَّه للتحريم.
وأما ما ورد في حديث زيارة المقابر، فيحمل على أنَّه على وجه الإخبار، والمنهي عنه حال الدعاء، وفرق بينهما.
_________________
(١) التمهيد لابن عبد البر (١٩/ ٤٩).
(٢) شرح النووي على مسلم (٧/ ١٧).
(٣) أخرجه مسلم (٢٤٩) من حديث أبي هريرة.
(٤) فتح الباري (١١/ ١٤٤).
[ ٤٢٥ ]
وأما ما ورد في السنّة في زيارة المريض من قول: «طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (^١) فليست من تعليق الدعاء بالمشيئة، وإنما لها توجيهان:
١) أنَّها من باب مخاطبة العائد للعليل بما يُسلّيه من ألمه، ويذكّره بالكفارة لذنوبه والتطهير لآثامه (^٢).
٢) أنَّ هذا ليس من باب الدعاء، وإنّما من باب الخبر والرجاء. مال إليه ابن حجر، حيث قال حين تكلم عن قول: «يرحمك الله» للعاطس: «ويحتمل أن يكون إخبارًا على طريق البشارة، كما قال في الحديث الآخر «طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» أي: هي طهر لك» (^٣)، وكذا قاله ابن عثيمين (^٤).
فإن قيل: كيف يُجابُ عن بعض الأدعية التي لم يعزم فيها الداعي، كما في دعاء الاستخارة (^٥)، وكما في قوله: «فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي ..»؟ (^٦).
* أجاب السعدي ﵀ بما خلاصته: أن الأدعية نوعان:
١. أدعيةٌ فيها مطالب دينيةٌ كسؤال المغفرة، أو فيها مطالب دنيويةٌ معينة على الدين، كالعافية والرزق ونحوه، فهذه يَطلُبها العبدُ طلبًا مُلِحًّا جازمًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٦١٦) من حديث ابن عباس.
(٢) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، للقسطلاني (٨/ ٣٥٠).
(٣) فتح الباري (١٠/ ٦٠٨).
(٤) المجموع الثمين، لابن عثمين (١/ ١٢١).
(٥) أخرجه البخاري (٦٣٨٢) من حديث جابر.
(٦) أخرجه البخاري (٥٦٧١)، ومسلم (٢٦٨٠) من حديث أنس.
[ ٤٢٦ ]
٢. بعض المطالب المعيّنة التي لا يُتحقق مصلحتها ومنفعتها، ولا يجزم أنَّ حصولها خير للعبد، فالعبد يسأل ربَّه ويعلقه على اختيار ربه له أصلح الأمرين، كما ذكرنا من الأدعية.
ثم قال ﵀: «فافهم هذا الفرق اللطيف البديع بين طلب الأمور النافعة المعلوم نفعها وعدم ضررها، وأنَّ الداعي يجزم بطلبها ولا يعلقها، وبين طلب الأمور التي لا يدري العبدُ عن عواقبها، ولا رجحانِ نفعها على ضررها، فالداعي يعلّقها على اختيار ربه الذي أحاط بكل شيء علمًا وقدرةً ورحمةً ولطفًا» (^١).
المسألة الرابعة: أمر النبيُّ ﷺ الداعي أن يَعزِم المسألةَ، وأن يُعَظِّمَ الرغبة، والعزمُ في المسألة: الجزمُ فيها، مع الإلحاح، وتيقن الإجابة، وهذا دليل على اهتمامه بما يطلب، قال القرطبي: «نهى عن هذا القول؛ لأنَّه يدل على فتور الرغبة وقلة الاهتمام بالمطلوب» (^٢).
وأما تعظيم الرغبة: فهي الطِّلبَةُ والحاجةُ التي يريد في سؤاله ربه؛ لأن الله عنده خزائن السماوات والأرض، ولا يعجزه شيء، ولا مُكرِهَ له، وهذا من أدب الدعاء.
_________________
(١) القول السديد (ص: ٤١).
(٢) المفهم (٢٢/ ٨٧).
[ ٤٢٧ ]