في الصحيح عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي» (^١) (^٢).
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: معلومٌ أنَّ الإنسان ينبغي أن يوحِّدَ الربوبية لله بقلبه، وأن يتحرز من الألفاظ التي توهم جعل شيء من الربوبية بلسانه.
فالمراد بالباب: النهي عن هذه الألفاظ، وبيانُ أنَّ تحقيق التوحيد وكمالَه يكون بالتحرز منها، وتركُ قولها هو أدبٌ مع الله، وحمايةٌ لجناب التوحيد.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩).
(٢) فيه مسائل: الأولى: النهي عن قول: «عبدي وأمتي». الثانية: لا يقول العبد لسيده: «ربي»، ولا يُقال له: «أطعم ربك». الثالثة: تعليم الأول قول: «فتاي وفتاتي وغلامي». الرابعة: تعليم الثاني قول: «سيدي ومولاي». الخامسة: التنبيه للمراد، وهو تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ.
[ ٤٢٨ ]
المسألة الثانية: نهى في الحديث عن قول: «أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ»؛ لما فيها من إضافة الربِّ لغير الله، والربُّ هو المالكُ المدبِّرُ القائمُ بأمور العباد، وهذا لا يكون حقيقةً إلّا في الله سبحانه، وهذه أمثلة، وإنّما ذُكِرَت دونَ غيرها لكثرة استعمالها في المخاطبات، وقد ذكر أهل العلم أنَّ لهذه الإضافة حالات:
١. إضافة الربِّ إلى ضمير المخاطب، كقول: أطعم ربك، ونحوها، فينهى عن ذلك؛ لأنَّ الإنسانَ -العبدَ أو الأمةَ- مربوبٌ له، وإطلاقُ هذا اللفظِ على المخلوقِ فيه مضاهاةٌ بالاسم لله.
* والنهي هنا: منهم من حمله على التحريم أخذًا من ظاهر اللفظ، ولكن الأكثر على أن النهي للتنزيه، ورجحه السعدي والعثيمين (^١).
وقيل: النهي في حقّ من استعمل هذه اللفظة واتخذها عادةً شائعةً، بخلاف من نطق بها نادرًا، وذلك جمعًا بين الحديث، وبين ما ورد في الصحيح أنه ﷺ قال في أشراط الساعة «أن تلد الأمةُ ربتها، أو ربها» (^٢).
فإن قيل: أليس هذا اللفظ صحيحًا لغةً، فهو ربُّهُ أي سيِّدُه؟
* الجواب: أنَّه وإن صحّ لغة، فالنبيُّ ﷺ نهى عنه تحقيقًا للتوحيد، وسدًّا لذرائع الشرك، أمّا لو قاله معتقدًا الربوبية، فهذا شرك أكبر.
٢. إضافة الربِّ إلى الاسم الظاهر: فإن كان لغير آدمي فيجوز، ك (ربّ الدار، ربّ السيارة، ربّ السفينة)، وإن كان لآدمي، كقول: هذا ربّ الغلام، فظاهر الحديث الجواز، مالم يوجد محذور، فيمنع، كما لو ظنّ السامعُ أنَّ السيدَ
_________________
(١) انظر: القول السديد، للسعدي (ص: ١٦٦)، القول المفيد، للعثيمين (٢/ ٣٣٩).
(٢) انظر: شرح النووي على مسلم (١٥/ ٦)، والآداب الشرعية، لابن مفلح (١/ ٣٦٣)
[ ٤٢٩ ]
ربّ حقيقيّ خالق، ونحو ذلك (^١).
المسألة الثالثة: حكم قول: «سيدي»؟
أولًا: قولها من قِبَلِ السيد لمملوكه، أو من المملوك لمالكه، تجوز، والدليل: حديث الباب: «وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ».
فإن قيل: كيف جاز أن يقول: «سيدي ومولاي»، ولم يجز قول: «ربك» ونحوها، مع أنَّه ورد في الحديث: «السَّيِّدُ اللهُ» (^٢)؟
أ- أنَّ المراد بقول: «السَّيِّدُ اللهُ» أي أنَّه الأحقُ بهذا الاسم، ولا يعني أنَّ غيره لا يطلق عليه ذلك.
ب- أننا إن قلنا: إن السيدّ ليس من أسماء الله فلا إشكال، وإن قلنا: إنَّه من أسماء الله فهو ليس في الشهرة والاستعمال كلفظ الربِّ، فيحصل الفرق.
ج- أنَّ السيدَ يُطلَق على معانٍ، منها الزوجُ والشريفُ المطاع والمالكُ، والسيادةُ هنا ليست مطلقةً، بل مضافة لياء المتكلم فجاز.
ثانيًا: قولها في مخاطبات الناس فيما بينهم، وهذه فيها خلاف:
القول الأول: المنع من ذلك، والدليل: ما سبق أنَّ النبيّ ﷺ أنكر على من قال له: سيدنا.
_________________
(١) القول المفيد (٢/ ٣٤٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٨٠٦)، وأحمد (٤/ ٢٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٢١١)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٧٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٤٨٤)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٣٨٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٧٠٠).
[ ٤٣٠ ]
وقد سُئلت اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية، فقال السائل: هل يجوز أن أقول للضابط في الشرطة أو القوات المسلحة: حاضر يا سيدي؟
* فأجابت: يجوز أن تقول له: حاضر، ولا يجوز أن تقول له: يا سيدي؛ لقول النبيّ ﷺ لما قال له بعض الصحابة: «أنت سيدُنا، قال: السيّد الله ﵎» (^١) (^٢)، وبالحديث نفسه استدل الشيخ محمد بن إبراهيم على المنع من قول: «يا سيدي» (^٣).
القول الثاني: جواز ذلك، واستدلوا بقول النبيّ ﷺ للأنصار: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» (^٤)، وهذا أصح من حديث المنع منها (^٥).
وفي حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان عمر ﵁ يقول: «أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا، وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا، يَعْنِي: بِلَالًا» (^٦).
ثالثًا: قول الرجل للمرأة: «سيدتي»:
هذا من الخطأ الشائع، بل الرجالُ هم الأسياد لا النساء، وفي الآية قال تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾، وقال النبيّ ﷺ: «فإنَّهن عوان عندكم»
_________________
(١) أخرجه أبو داود بإسناد صحيح.
(٢) فتاوى اللجنة الدائمة (٢/ ١٥٧).
(٣) فتاوى ابن إبراهيم (١/ ١٩٦).
(٤) أخرجه البخاري (٣٠٤٣)، ومسلم (١٧٦٨) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٥) بدائع الفوائد، لابن القيم (٣/ ٧٢٩).
(٦) صحيح البخاري (٣٧٥٤).
[ ٤٣١ ]
(^١) أي: أسيرات.
وقد قال ابن عثيمين ﵀: «إطلاقُ السيدةِ على المرأة، والسيداتِ على النساء متلقاة فيما أظن من الغرب، حيث يسمّون كل امرأة سيدة وإن كانت من أوضع النساء؛ لأنَّهم يسوِّدون النساء، أي: يجعلونهن سيّدات مطلقًا، والحقيقة أنّ المرأة امرأة، وأنَّ الرجل رجلٌ، وتسميةُ المرأة بالسيدةِ على الإطلاق ليس بصحيح، نعم من كانت منهن سيدةً لشرفها في دينها أو جاهها أو غير ذلك من الأمور المقصودة فلنا أن نسميها سيدة، ولكن ليس مقتضى ذلك أننا نسمي كل امرأة سيدة.
ولا شك أنّ تسمية كل امرأة: سيدة، مسلمة كانت أم كافرة، صالحة أم فاسقة، هذا لا يجوز؛ لأنّ تسويد الفاسق والكافر مما نهى عنه الشرع المطهر.
وأما التعبير بالسيدة عائشة، والسيدة خديجة، والسيدة فاطمة، وما أشبه ذلك، فقال: لم يكن معروفًا عند السلف، بل كانوا يقولون: أم المؤمنين عائشة أم المؤمنين خديجة، فاطمة بنت رسول الله ﷺ، ونحو ذلك» (^٢).
رابعًا: إطلاق الأسياد، أو السادة؛ على آل البيت.
لم أجد لهذه التسمية أصلًا عن الصحابة، ولذا فالأولى أن لا تطلق، لأمرين:
١ - عدم وجود دليل عليها، بل إن النبيّ ﷺ لم يُقِرّ من سمّاه سيدًا.
٢ - أنَّ آل البيت ليس لهم سيادةٌ على الناس.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١١٦٣)، وابن أبي شيبة في المسند (٥٦٢)، والنسائي في الكبرى (٩١٢٤) من حديث عمرو ابن الأحوص، وأصله في مسلم (١٢١٨) من حديث جابر، وانظر: الإرواء (٢٠٣٠).
(٢) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (٣/ ١١٢)، ومعجم المناهي اللفظية، للشيخ بكر أبو زيد (ص: ٢٩٥).
[ ٤٣٢ ]
وقد نص ابن تيمية، وابن حجر أن هذه التسمية حادثةٌ لا أصل لها، ولم تكن في الزمن الأول (^١).
فإن قيل: قوله ﷺ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ ..» (^٢) يقصد الحسن، ألا تكون دليلًا؟
* أثبت النبيّ ﷺ ذلك للحسن ﵁، ولا يلزم أن تثبت لأبنائه، ولذا لم يكن السلف يُلَقِّبون أبناء الحسن ﵁ بالسادة.
ثم أنَّه ليس الحديث عن النهي عن إطلاقها مطلقًا، وإنّما الكلام أن تكون شعارًا تُذكَر مع أسمائهم مطلقًا، فهذا الذي ليس له أصل فيما أعلم، والله أعلم.
خامسًا: إطلاقها على النبيّ ﷺ، وهذه يأتي حكمها في الباب قبل الأخير، عند ذكر حديث: «أنت سيدنا …».
المسألة الرابعة: في الحديث النهي عن قول: «عَبْدِي وَأَمَتِي»، والاستغناء عنها بقول: «فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي»، والنهي هو للتنزيه بإجماع العلماء (^٣).
وقد ورد في القرآن: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ وقد بوّب البخاري على الحديث: (باب كراهة التطاول على الرقيق، وقولِه عبدي وأمتي) (^٤)، فلا يُخاطب الرقيق بهذا، ولا ينادى؛ والعلة:
١. أنَّ هذه الألفاظ فيها إشعارٌ بالعبودية لغير الله، والأصلُ أنَّ العبودية
_________________
(١) نقل ذلك عنهما الشيخ بكر أبو زيد في معجم المناهي اللفظية (٣٠٩ - ٣١٠).
(٢) أخرجه البخاري (٣٦٢٩) من حديث أبي بكرة ﵁.
(٣) حكاه ابن حجر في الفتح (٥/ ١٧٨).
(٤) صحيح البخاري (٣/ ١٤٩).
[ ٤٣٣ ]
يستحقها الله، ولأنَّ فيها تعظيمًا لا يليق بالمخلوق، ولأنَّ فيها تشبّهًا بالله، فهو سبحانه يقول: «اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ …» (^١) فسدًّا لذريعة التشبّه، ولكي يبعد السيدُ عن التعاظم نُهي عنها، قال الخطابي: «المعنى في ذلك كلِّه راجعٌ إلى البراءة من الكبر، والتزام الذلّ والخضوع لله، وهو الذي يليق بالمربوب» (^٢).
٢. مراعاةً لنفس الرقيق، وبُعدًا عن كسر خاطره.
* وله أن يقول: «فتاي، وغلامي، وجاريتي»؛ لأنَّها ليست دالةً على الملك كدلالة (عبدي وأمتي)، وإن كان قد ملكه امتحانًا وابتلاءً من الله لخلقه.
المسألة الخامسة: ما سبق هو في نهي الإنسان أن يقول مثل هذه الألفاظ، فما حكم قول الغير: «هذا عبد فلان»؟
* قال صاحب مصابيح الجامع: «قول الله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وقول النبي ﷺ: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ»؛ تنبيهٌ على أن النهيَ إنما جاء متوجِّهًا على السيد؛ إذ هو في مَظِنة الاستطالة، وأن قول الغير: هذا عبدُ زيد، وهذه أَمَةُ خالدٍ جائزٌ؛ لأنه يقوله إخبارًا وتعريفًا، وليس في مظنة الاستطالة، والآيةُ والحديثُ مما يؤيد هذا الفرقَ» (^٣)، قال صاحب التيسير: «وهو حسن» (^٤).
* خلاصة الباب: أنَّه يجب على المسلم أن يتحرّز في ألفاظه، ويصون لسانه عن كل لفظ يشعر بانتقاص ربوبية الله، أو تعظيم المخلوق فوق منزلته.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٥٦٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) انظر: فتح الباري، لابن حجر (٥/ ١٨٠).
(٣) مصابيح الجامع (٥/ ٤٣٥) للدماميني.
(٤) تيسير العزيز الحميد (ص: ٥٩٠).
[ ٤٣٤ ]