عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ سَأَلَ بِاَللَّهِ، فَأَعْطُوهُ، وَمَنِ اسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ، فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» (^١) (^٢).
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب: أنّ من تعظيم الله وإجلاله أنَّ السائل إذا
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥١٠٩)، والطيالسي (١٨٩٥)، وأحمد (٢/ ١٢٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٢١٦)،، والنسائي في الكبرى (٢٣٥٩)، وابن حبان (٣٤٠٨)، والحديث مروي من طريق الأعمش وليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ مرفوعًا. وقد ذكر في بعض طرقه إبراهيم التيمي بين مجاهد والأعمش، لكن صوب الدارقطني-في علله (١٢/ ٣٧٤) - الحديث بإسقاط التيمي، والحديث صححه ابن حبان، والألباني في الصحيحة (٢٥٤).
(٢) فيه مسائل: الأولى: إعاذة من استعاذ بالله. الثانية: إعطاء من سأل بالله. الثالثة: إجابة الدعوة. الرابعة: المكافأة على الصنيعة. الخامسة: أنّ الدّعاء مكافأة لمن لم يقدر إلا عليه. السادسة: قوله: «حتى تُرَوا أنكم قد كافأتموه».
[ ٤٣٥ ]
سأل بالله أن يجاب إلى طلبه ولا يردّ؛ لأنَّ ردَّه -وقد سأل بالله- فيه منافاةٌ لكمال التوحيد، مِنْ جهة أنَّ هذا دليل على عدمِ تعظيم الله تعالى.
• ومن هنا نقول: بأنَّ من سأل بالله فإنَّه تجب إجابته، وإن لم يكن مستحقًا؛ لأنَّه سأل بعظيم، فإجابته من تعظيم الله، إلّا إذا سأل إثمًا أو ما في إجابته ضررٌ على المسؤول فلا يجاب.
وهذا الوجوب ليس على إطلاقه: وإنما قيّده ابن تيمية بما إذا سأل معينًا في معين، أي: توجه بالسؤال لإنسان معين، ولم يتجه لعموم الناس، وسأله أمرًا معينًا، وكان المسئول قادرًا، فتجب إجابته (^١).
فإن لم يُجب من سأل بالله فإنَّه ليس عليه كفارة؛ لأنَّ هذا الكلام سؤال، وليس بقسم، كما قرر ذلك ابن تيمية (^٢).
المسألة الثانية: ذكر في الحديث أمورًا أخرى غير داخلة في الباب، وهي:
١. قوله: «وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ» أي: من دعاكم إلى طعام فأجيبوه، والحديث أعمّ من الوليمة وغيرها، وهو يدل على الوجوب إلى وليمة العرس وغيرها، وإن كانت وليمة العرس آكد وأوجب، ومن أهل العلم من أوجب الإجابة في وليمة العرس دون غيرها.
٢. قوله: «وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ». المعروف: اسمٌ جامعٌ لأمور الخير، أي: من أحسن إليكم أيَّ إحسانٍ، فكافئوه على إحسانه بمثله أو خيرٍ منه، كي تكافئ المعروف، وتردَّ الإحسان بمثله، وتزيل عنك ذلّ الحاجة لغيرك،
_________________
(١) الفروع، لابن مفلح (٢/ ٥٩٢)، وتيسير العزيز الحميد (٥٦٢).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١/ ٢٠٦).
[ ٤٣٦ ]
وقد كان هديُ النبيِّ ﷺ أنَّه يَقبلُ الهديةَ ويثيبُ عليها.
٣. قوله: «فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ». أي بالغوا في الدعاء له جهدكم حتى تحصل المكافأة، ولعل ذلك لأنَّه لما عجز عن مباشرة مجازاته أحالها إلى الله، وهو نعم المجازي سبحانه، وقد ورد عن أسامة ابن زيد ﵁ مرفوعًا: «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» (^١).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٠٣٥)، والنسائي في الكبرى (٩٩٣٧)، والبزار في المسند (٢٦٠١)، وابن حبان في الصحيح (٣٤١٣)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٢٧٦)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٩٦٩).
[ ٤٣٧ ]