وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران، الآية (١٥٤)]. وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران، الآية (١٦٨)].
في الصحيح عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجَزَنْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا، لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اَللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ اَلشَّيْطَانِ» (^١) (^٢).
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: أراد المصنّف بالباب: أن يبين ما جاء في قول: «لو» عند
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٦٤).
(٢) فيه مسائل: الأولى: تفسير الآيتين في آل عمران. الثانية: النهي الصريح عن قول: «لو» إذا أصابك شيء. الثالثة: تعليل المسألة بأن ذلك يفتح عمل الشيطان. الرابعة: الإرشاد إلى الكلام الحسن. الخامسة: الأمر بالحرص على ما ينفع مع الاستعانة بالله. السادسة: النهي عن ضد ذلك وهو العجز.
[ ٤٤٠ ]
الأمور المكروهة، والمصائب ونحوها من النهي.
ومناسبة الباب للتوحيد: من جهة أنَّ كمال التوحيد يكون باستسلام المؤمن لقضاء الله وقدره ورضاه به، ويقينه أنَّ ما أصابه فهو بقضاء الله وقدره، ولن يعجز على ردّ أمرٍ قدّره ربُّه.
وأيضًا: لأنَّه ربما فُهم من قوله: «لو» اعتراض على القدر، ومن اعترض على القدر، فهو لم يرض بالله ربًا، ولم يحقق توحيد الربوبية.
المسألة الثانية: ذكر بعض العلماء أنَّ استعمال «لو» له حالاتٌ ثلاث:
الأولى: مذمومٌ، وهذا له صور:
أ- أن تُستَعمل في الندم: وذلك كما لو عَرض له مصيبةٌ، أو وقع في بليةٍ، فقال: لو فعلتُ كذا لما وقع لي كذا، فهذا منهي عنه، وفيه محذوران:
١. أنَّها تفتح عليه باب الندم والسخط والحزن، الذي ينبغي إغلاقُه، وليس فيه نفع.
٢. أنَّ في ذلك سوء أدبٍ مع الله وعلى قدَره، فإنَّ الأمورَ والحوادث كلها بقضاء الله وقدره.
قال ابن القيم: «لأنَّ قوله: لو كنتُ فعلتُ كذا وكذا، لم يفتني ما فاتني، أو لم أقع فيما وقعت فيه كلام لا يجدي عليه فائدة البتة، فإنَّه غير مستقبل لما استدبر من أمره وغير مستقيل عثرته ب «لو»، وفي ضمن «لو» ادّعاء، أنَّ الأمر لو كان كما قدّره في نفسه، لكان غير ما قضاه الله وقدّره وشاءه، فإنَّ ما وقع مما يتمنى خلافه إنما وقع بقضاء الله وقدره ومشيئته، فإذا قال: لو أنّي فعلتُ كذا لكان خلاف ما وقع فهو محالٌ؛ إذ خلاف المقدَّرِ المقضي
[ ٤٤١ ]
محالٌ، فقد تضمّن كلامه كذبًا وجهلًا ومحالًا، وإن سلم من التكذيب بالقدر لم يسلم من معارضته بقوله: لو أني فعلت كذا، لدفعت ما قدَّر الله علي» (^١).
ب- أن يقولها متمنيًا الشر: كقوله: لو أنَّ لي مال فلان لفعلت به فِعْلَ فلان، فهو بنيته فهما في الوزر سواء، كما ورد هذا في حديث أبي كبشة الأنماري ﵁.
الثانية: محمود: وذلك بأن يقولها متمنيًا الخير، كما في حديث أبي كبشة الأنماري ﵁ مرفوعًا: «إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ … وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ …» (^٢)، وحديث: «لَوْ صَبَرَ مُوسَى لَقَصَّ اللهُ عَلَيْنَا مِنْ نَبَأِهِمَا (^٣)» (^٤).
الثالثة: جائز: وذلك:
١. إذا استعملها على سبيل الإخبار المحض، وليس في قصده تندم أو تحسّرٌ أو تمني أو غيره: فهذا جائز، ومنه قول الإنسان: لو أني وصلت قبلك لهيأت المكان، أو لو حضرت الدرس لاستفدت، وليس في قلبه ندمٌ وتحسرٌ ونحوه، فالفارقُ بين هذا وبين المذموم ما يقع في القلب من الندم والاعتراض على القدر ونحوه.
٢. قولها على أمر مستقبل، ومنه: «لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ
_________________
(١) زاد المعاد (٢/ ٣٢٥).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٣٢٥)، وأحمد (٤/ ٢٣١)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٤٥). وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٦).
(٣) أخرجه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠) من حديث ابن عباس.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ٣٤٧).
[ ٤٤٢ ]
حَتَّى أَزِيدَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ» (^١)، وحديث: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي …» (^٢).، فهذا أمرٌ مستقبلٌ لا اعتراض فيه على قدر؛ لأنَّه أخبر عما يعتقد ويريد، لولا المانع.
المسألة الثالثة: أنَّ الله ذمّ في النصوص من تحسّر على الماضي، أو اعترض على القدر، بقول: «لو»، وساق المصنف في الباب بعض النصوص:
١) قول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ فذمّ الله المنافقين على الاعتراض على القدر ب «لو» ورد الله عليهم بأنَّ هذا قدرٌ لا يمكن التخلف عنه.
٢) قوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ وهذه الآية قالها المنافقون ومن رجع من المؤمنين معهم من الجيش يوم أحد؛ تحسرًا على الماضي، فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾.
٣) حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجَزَنْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا، لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اَللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ اَلشَّيْطَانِ»:
فقوله: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ» أمر ﷺ بالحرص، مع الاستعانة بالله؛ لأنَّه لا يحصل له ذلك إلّا إذا كان مستعينا بالله، فإذا كان حريصًا على ما ينفعه، وكان مستعينًا بالله وحده، معتمدًا عليه، تم مراده بإذن الله.
وقوله: «وَلَا تَعْجَزَنْ» والعجز هنا هو التفريط والتضييع، وليس المراد به
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٥٨٣)، ومسلم (١٣٣٣) من حديث عائشة.
(٢) وردت هذه الصيغة في عدة أحاديث في الصحيحين، انظر: صحيح البخاري (٨٨٧)، وصحيح مسلم (٦٣٨).
[ ٤٤٣ ]
ضدّ القدرة. قاله ابن تيمية (^١).
وقوله: «وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ»: أي وإن غلبك أمر، ولم يحصل المقصود بعد بذل الجهد والاستطاعة، فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، فإنَّه لا يجدي عليك شيئًا.
وقوله: «وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اَللَّهُ»: لأنَّ ما قدّره لا بد أن يكون، والواجب: التسليم للمقدور.
وقوله: «وَمَا شَاءَ فَعَلَ»: لأنَّ أفعاله لا تصدر إلّا عن حكمة.
والحديث دلّ على تحريم الاعتراض على القدر، والنهي عن قول: «لو» والأمر بالاستسلام للقدر؛ لأنَّه من تمام التوحيد.
قال ابن القيم معلقًا على الحديث: «والعبد إذا فاته المقدور»، له حالتان:
* حالة عجز: وهي عمل الشيطان، فيلقيه العجز إلى «لو»، ولا فائدة فيها، بل هي مفتاح اللوم والعجز والسخط والحزن، وهذا من عمل الشيطان، فنهاه عن افتتاح عمله بهذا الافتتاح.
* وأمره بالحالة الثانية: وهي النظر إلى القدر وملاحظته، وأنَّه لو قدر لم يفته ولم يغلبه عليه أحد، فقال: «وإن أصابك … إلخ»، فأرشده إلى ما ينفعه حال حصول مطلوبة وحال فواته، ونهاه عن قول: «لو»، وأخبره أنَّها تفتح عمل الشيطان، لما فيها من التأسف على ما فات، والتحسر والحزن ولوم القدر، فيأثم بذلك، وذلك من عمل الشيطان.
وما ذاك لمجرد لفظ: «لو»، بل لِما قارنها من الأمور القائمة بقلبه، المنافية
_________________
(١) جامع الرسائل، لابن تيمية (٢/ ١٣٦).
[ ٤٤٤ ]
لكمال الإيمان، الفاتحةِ لعمل الشيطان، وأرشده إلى الإيمانِ بالقدر، والتفويضِ والتسليم للمشيئة، فهذا الحديثُ مما لا يستغني عنه العبد، وهو يتضمن إثبات القدر، وإثبات الكسب، والقيام بالعبودية» (^١).
* خلاصة الباب: أن «لو» تختلف بحسب مقصد قائلها، فإن قصد بقولها اعتراضًا على القدر وتسخطًا له وندمًا فإنَّها لا تجوز؛ لما فيه من السخط، ولأنَّها لا فائدة منها بعد الفوات إلّا الحسرة على ما فات.
_________________
(١) شفاء العليل (ص: ١٩).
[ ٤٤٥ ]