عن أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تَسُبُّوا اَلرِّيحَ؛ فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ، فَقُولُوا: اَللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ اَلرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ اَلرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ» (^١) (^٢).
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب: بيان ما ورد من النهي عن سبِّ الريح، ويدخل فيها سبّ غيرها مما يقدّره الله، ومن جنود الله.
ومناسبة الباب للتوحيد: من جهة أنَّ سبّ الريح وغيرها من المخلوقات نقصٌ
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٢٥٢)، والنسائي في الكبرى (١٠٧٠٤)، والطحاوي في شرح المشكل (٩١٨)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٢٩٨) وقال الترمذي: «حسن صحيح»، وصححه الألباني في الصحيحة (٢٧٥٦).
(٢) فيه مسائل: الأولى: النهي عن سب الريح. الثانية: الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره. الثالثة: الإرشاد إلى أنها مأمورة. الرابعة: أنها قد تؤمر بخير وقد تؤمر بشر.
[ ٤٤٦ ]
في الإيمان، وقدحٌ في التوحيد، فسبُّها اعتراضٌ على الله، إذ هي مُدَبَّرةٌ من الله سبحانه، فهو الفاعل.
المسألة الثانية: الأصل في حكم سبِّ الريح: التحريمُ؛ لأنَّه سبٌّ للفاعل وهو الله، ويدخل في سَبِّها لعنُها كذلك.
وهو كذلك نقصٌ في التوحيد وفي العقل، فهي مأمورة، ولهذا ورد في الحديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَجُلًا لَعَنَ الرِّيحَ حين نَازَعَتْهُ رِدَاءَهُ عَلَى عهد النبيّ ﷺ فلعنها، فَقَالَ النبيّ ﷺ: لَا تَلْعَنْهَا فَإنَّها مَأْمُورَةٌ، وَأنَّه مَنْ لَعَنَ شيئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ» (^١).
قال الشافعي: «لا ينبغي شتمُ الريحِ، فإنَّها خلقٌ مطيعٌ لله، وجندٌ من أجناده، يجعلها الله رحمةً إذا شاء، ونقمةً إذا شاء» (^٢).
• واعلم أنَّ سبَّ الريحِ يأتي على وجهين:
أ. أن يسبّها باعتقاد أنَّها مأمورةٌ مخلوقة، فهذا حرامٌ، وعليه يحمل النهي في حديث الباب: «لَا تَسُبُّوا اَلرِّيحَ»، والأصل في النهي إذا تجرد عن القرائن التحريم.
ب. أن يسبّها باعتقاد أنَّها هي الفاعلةُ، فهذا شركٌ في الربوبية؛ لأنَّه اعتقد لمخلوقٍ من مخلوقات الله -وهي الريح- تصريفٌ وتدبيرٌ في الكون.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٩٠٨)، والترمذي (٢٠٩٣)، وابن حبان في الصحيح (٥٧٤٥)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ١٦٠)، وفي الصغير (٩٥٧)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٨٠٠).
(٢) الأم (١/ ٢٥٣).
[ ٤٤٧ ]
المسألة الثالثة: ساق المصنّف في الباب قوله ﷺ: «لَا تَسُبُّوا اَلرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ، فَقُولُوا: اَللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ اَلرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ اَلرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ».
وفي الحديث النهي عن سبِّ الريح؛ لما سبق من أنَّها مأمورةٌ لا تدبير لها إلّا بأمر الله، فسبُّها سبٌّ للمدبّر وهو الله.
[ ٤٤٨ ]
ثانيًا: ماذا يفعل عند هبوبها؟
١) الدعاء الوارد في حديث الباب: «اَللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ اَلرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ اَلرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ» وفيه من الحكمة: أمر النبيّ ﷺ بالرجوع إلى خالق الريح، فهو الذي بيده كل شيء.
وفي حديث أبي هريرة: «الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا، فَلَا تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا» (^١).
٢) التعوذ بالمعوذتين وغيرها: لحديث عقبة بن عامر ﵁: «أنَّهم غشيتهم رِيحٌ، وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يتعوذ بهما، وَيَقُولُ: «يَا عُقْبَةُ، تَعَوَّذْ بِهِمَا فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا» (^٢).
المسألة الرابعة: الريح لا تأتي بالشرِّ فقط، بل فيها من المصالح للعباد والأرض ما لا يحيط به إلّا الله، ولو ركد الجوُ لَلَحِقَ العبادَ من المشقةِ والبلاءِ ما لا يعلمه إلا الله، فسبحانَ مَنْ جعل هبوب الرياح تأتي بِرَوحِه ورحمته ونعمته.
ومع هذا فينبغي على المرءِ عند تغيير الأجواء والحوادث أن يخاف، كما كان النبيّ ﷺ إذا تخيلت السماء، فربما أتت الريح بأمر الله بعذابٍ من الله للعباد، وقد قال الله عن قوم ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ …﴾ [الأحقاف، الآية (٢٤)].
* خلاصة الباب: أنَّ الريح من عند الله، وما هو من عند الله لا يجوز سبه، بل تدعو الله عند حلوله، وكم في الرياح من خير وأرباح.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥٠٩٧)، وأحمد (٢/ ٢٦٨)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٢٠)، والنسائي في الكبري (١٠٦٩٩)، وابن ماجه (٣٧٢٧)، وابن حبان (١٠٠٧)، والطبراني في الدعاء (٩٧١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٥٦٤).
(٢) أخرجه أبو داود (١٤٦٣)، والطحاوي في شرح المشكل (١٢٧)، والطبراني في الدعاء (٩٧٨)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٩٤٩).
[ ٤٤٩ ]