٥٩ - باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران، الآية (١٥٤)].
وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح، الآية (٦)].
قال ابن القيم في الآية الأولى: «فُسِّر هذا الظنُّ بأنَّه سبحانه لا ينصر رسوله، وأنَّ أمره سيضمحل، وفُسِّرَ بأنَّ ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتمّ أمرُ رسوله، وأن يُظهِره الله على الدين كله، وهذا هو ظنّ السوء الذي ظنّ المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا الظنّ السوء؛ لأنَّه ظنّ غير ما يليق به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق.
فمن ظنّ أنَّه يُدِيلُ الباطل على الحق إدالةً مستقرةً يضمحل معها الحقُّ، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، فذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار.
وأكثرُ الناسِ يظنّون بالله ظنّ السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم،
[ ٤٥٠ ]
ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته، وموجب حكمته وحمده.
فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا وليتب إلى الله، وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء، ولو فتّشت من فتّشت لرأيت عنده تعنتًا على القدر وملامةً له، وأنَّه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا؛ فمستقلٌ ومستكثرٌ، وفتِّش نفسك، هل أنت سالم.
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة … وإلا فإني لا إخالك ناجيًا» (^١) (^٢).
(الشرح)
عقد المصنّف هذا الباب في الكلام على الظنّ الحسن والظنّ السيء بالله تعالى، والكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب: تنبيه المؤمنين إلى وجوب حسن الظن بالله، وأنَّ ذلك من واجبات التوحيد، فالموحِّدُ هو الذي يعتقدُ أنَّ الله كاملٌ في أسمائه، وفي أفعاله، ولازِمُ ذلك أن يحسن الظنَّ بالله سبحانه، ويعتقد أنَّ أفعاله تامّة الحسن.
وعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة أنَّ ظنّ السوء بالله ينافي كمال التوحيد له والتسليم له، وينافي الإيمانَ بأسمائِه وصفاته.
_________________
(١) زاد المعاد (٣/ ٢٠٥) بتصرف.
(٢) فيه مسائل: الأولى: تفسير آية آل عمران. الثانية: تفسير آية الفتح. الثالثة: الإخبار بأن ذلك أنواع لا تُحصر. الرابعة: أنه لا يَسْلَم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات وعرف نفسه.
[ ٤٥١ ]
المسألة الثانية: ساق المصنفُ قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران، الآية (١٥٤)].
وظنُّ الجاهلية: هو الظنُّ المنسوبُ إلى أهلِ الجهل، الذين يعترضون على القدر ويسيئون الظنّ به، ويزعمون أنَّ الأمر لو كان إليهم لما نفذ القضاء، ولما قُتِلوا.
وسبب نزول الآية: ما نقل عن ابن عباس قال: «إن معتّب قال يوم أحدٍ لو كان لنا من الأمر شيء ما قُتِلنا هنا، فأنزل الله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران، الآية (١٥٤)]» (^١).
المسألة الثالثة: ساق المصنّف كلام ابن القيم، وقد اختصره، وهو مذكور بأطول من هذا في زاد المعاد.
والشاهد: أنَّه ﵀ ذكر في ظنِّ السوء وظنِّ الجاهليةِ ثلاث تفسيراتٍ وصور:
١. أن يظن أن الله يُديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحِلّ معها الحق، وهذا ظنُّ المشركين والمنافقين: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح، الآية (١٢)].
٢. إنكارُ القدر: بأن ينكر أنَّ ما وقع هو بقضاء الله، وهذا يتضمن أن يكون في ملكه مالا يريد.
٣. إنكار الحكمة: بأن ينكر أنَّ يكون ما قدّره، قدّره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد؛ لأنَّ هذا يقتضي أن يكون تقديره عبثًا بلا حكمة، وقد قال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣٦٦).
[ ٤٥٢ ]
الْحَقُّ﴾ [المؤمنون، الآية (١١٥ - ١١٦)]. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨)﴾ [الدخان، الآية (٣٨)].
وقد ذكر ابن القيم صورًا عديدة من سوء الظنّ بالله تقع عند بعض الناس، ثم قال: «وبالجملة فمن ظنّ به خلاف ما وصف به نفسه ووصفه به رسله، أو عطّل حقائق ما وصف به نفسه ووصفه به رسله، فقد ظنّ به ظنّ السوء».
ثم ذكر البيت من كلام الفرزدق:
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة … وإلا فإني لا إخالك ناجيًا (^١).
أي: لا أظنك ناجيًا من الاعتراض على القدر، بل أكثرُ الخلق إلا من شاء الله يظنون بالله غير الحقّ ظنّ السوء، بلسان الحال أو المقال.
المسألة الرابعة: وردت آيتان توعد الله بهما من أساء الظنّ به بأعظم وعيد.
١. قوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح، الآية (٦)].
٢. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ (٢٣)﴾ [فصلت، الآية (٢٢ - ٢٣)].
قال ابن القيم: «ولم يجئ في القرآن وعيدٌ أعظم من وعيدِ من ظنَّ به ظنّ السوء» (^٢).
_________________
(١) زاد المعاد (٣/ ٢٠٩) وهو كلام نفيس لابن القيم، وذكر فيه صور الظن السيء بالله، فراجعه لزامًا.
(٢) الصواعق المرسلة (٤/ ١٣٥٦).
[ ٤٥٣ ]
المسألة الخامسة: الطريقُ للسلامةِ من الظنِّ السيء بالله تعالى يكون بمعرفة الله بأسمائه وصفاته، فإنَّ هذا يقوي القلب، ومن عرف الله سبحانه لم يظنَّ به إلّا الخير، ومن لم يتعرف على الله فقد يسيئ به الظن، قال ابن القيم: «ولا يَسلم عن ذلك -أي: الظنّ السيء بالله- إلّا من عرف الله، وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته» (^١).
* خلاصة الباب: أنَّه يجب على المؤمن الموحد أمور:
١ - حسن الظنّ بالله: وفي الخبر: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» (^٢).
٢ - عدم الاعتراض على قدرٍ يقدره الله، وأن يرضى ويسلم، وأن لا يسخط شيئًا قدره الله عليه.
٣ - أن يعتقد أنَّ جميع ما يفعله الله، يفعله لحكمة ربما علمناها وربما لم تبلغها عقولنا.
٤ - أن يتعاهد المرء نفسه وقلبه فكم من صالح وقع في سوء ظن بالله، فإذا وقع في شيء فعليه بالاستغفار والتوبة إليه سبحانه مما وقع في قلبه.
_________________
(١) زاد المعاد (٣/ ٢٢٩).
(٢) أخرجه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة.
[ ٤٥٤ ]