وقال ابن عمر ﵁: «وَاَلَّذِي نَفْسُ اِبْنِ عُمَرَ بِيَدِهِ، لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، ثُمَّ أَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ مَا قَبِلَهُ اَللَّهُ مِنْهُ، حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ».
ثم استدل بقول النبيّ ﷺ: «اَلْإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ اَلْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (^١).
وعن عبادة بن الصامت أنَّه قال لابنه: «يَا بُنَيَّ، إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ اَلْإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اَللَّهُ اَلْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ، فَقَالَ: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ اَلسَّاعَةُ" يَا بُنَيَّ سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي» (^٢).
وفي رواية لأحمد: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اَللَّهُ تَعَالَى اَلْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَجَرَى فِي تِلْكَ اَلسَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٧٠٠)، والترمذي (٢١٥٥ - ٣٣١٩، وابن أبي شيبة في المصنف (١٤/ ١١٤)، وأحمد (٥/ ٣١٧) والفريابي في القدر (٧٢)، وابن أبي عاصم في السنة (١٠٧)، والآجري في الشريعة (١٨٠)، والبيهقي في القضاء والقدر (٢٠٩).
(٣) مسند أحمد (٥/ ٣١٧).
[ ٤٥٥ ]
وفي رواية لابن وهب قال رسول الله ﷺ: «فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَحْرَقَهُ اَللَّهُ بِالنَّارِ» (^١).
وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي قال: «أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنِ كَعْبٍ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: شَيْءٌ مِنَ اَلْقَدَرِ، فَحَدِّثْنِي بِشَيْءٍ لَعَلَّ اَللَّهَ يُذْهِبُهُ مِنْ قَلْبِي، فَقَالَ: لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا قَبِلَهُ اَللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَكُنْتَ مِنْ أَهْلِ اَلنَّارِ، قَالَ: فَأَتَيْتُ عَبْدَ اَللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ بْنَ اَلْيَمَانِ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي بِمِثْلِ ذَلِكَ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ» (^٢) (^٣).
_________________
(١) القدر (٢٦).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٦٩٩)، وابن ماجه (٧٧)، وأحمد في المسند (٥/ ١٨٢)، وعبد بن حميد في مسنده (٢٤٧)، وعبد الله بن أحمد بن حنبل في السنة (٨٤٤)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٤٥)، وابن حبان (٧٢٧)، وصححه الألباني في ظلال الجنة.
(٣) فيه مسائل: الأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر. الثانية: بيان كيفية الإيمان به. الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به. الرابعة: الإخبار بأن أحدًا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به. الخامسة: ذِكْرُ أول ما خلق الله. السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى قيام الساعة. السابعة: براءته ﷺ ممن لم يؤمن به. الثامنة: عادة السلف في إزالة الشُّبْهة بسؤال العلماء. التاسعة: أن العلماء أجابوه بما يُزيل الشبهة، وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله ﷺ فقط.
[ ٤٥٦ ]
(الشرح)
عقد المصنّف الباب في الكلام على القدر، والكلام عليه في عدة مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب: بيان ما ورد في النصوص من الوعيد الشديد على من أنكر القدر الذي قدره الله، وحكم من أنكره.
وعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة أنَّ الإيمان بالقدر من أركان الإيمان، وإنكارُه منافٍ للتوحيد، ومِن جهة أنَّ تعظيم الله يكون بالتسليم له، والإيمان بربوبيته يقتضي عدم إنكار ما يقدِّرُه، ومن أنكرَ القدَر فقد تنقّص ربوبيته.
المسألة الثانية: القدَرُ لغة: له عدة معانٍ ترجع إلى التقدير.
وشرعًا: تقدير الله الأشياء في القدم، وعلمه سبحانه أنَّها ستقع في أوقات معلومة عنده وعلى صفات مخصوصة، وكتابته لذلك، ومشيئته له ووقوعها على حسب ما قدرها.
وقد حوى التعريفُ مراتبَ القدر الأربع: العلم، والكتابة، والخلق، والمشيئة، التي وردت في القرآن والسنة، وقد بيّنها العلماء، وهي:
١ - علمه السابق بما هم عاملوه قبل إيجادهم.
٢ - كتابة ذلك في اللوح المحفوظ عنده قبل خلق السموات والأرض.
٣ - مشيئته المتناولة لكل موجود، فلا خروج لكائن عن مشيئته كما لا خروج له عن علمه.
٤ - خلقه له وإيجاده وتكوينه، فإنه لا خالق إلا الله، والله خالق كل شيء (^١).
_________________
(١) انظر: طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم (ص: ٩٠).
[ ٤٥٧ ]
المسألة الثالثة: أقسام منكري القدر، وحكم من أنكر القدر.
* ذكر أهل العلم أن منكري القدر يدخل فيهم صنفان من الناس:
الأول: غلاة القدرية الذين ينكرون علم الله عن الأشياء قبل وقوعها، وينكرون كتابته سبحانه ما يقع على العباد، ويرون أنَّ الأمر لا يعلمه الله إلّا بعد وقوعه.
وهؤلاء الغلاة كفَّرهم العلماء كمالك والشافعي وأحمد (^١)، وهو الذي دلّ له كلام ابن عمر ﵁ في الحديث.
• والعلة: أنَّهم أنكروا علم الله سبحانه، ونسبوه إلى الجهل بالأشياء.
الثاني: من أثبت علم الله وكتابته، لكنّه أنكر مشيئة الله لما يقع من العبد، وخلقه له، وذلك لكي ينزهوا الله -كما يزعمون- من أن يعذب من فعل شيئًا قد شاء الله وقوعه، وهذا خطأ؛ لأنَّ ثمة فرقًا بين المشيئة الشرعية، وبين المشيئة الكونية القدرية، وتفصيل هذا يطول، فليراجع له شرح الطحاوية (^٢).
والقائلون بهذا هم القدرية المعتزلة، وقد حكم العلماء عليهم بالبدعة، ولم يكفروهم.
المسألة الرابعة: وردت عن السلف أقوالٌ عديدة في الكلام على القدر ووجوب إثباته.
قال زيد بن أسلم قال: «القدَرُ قُدرة الله تعالى، فمن كذّب بالقدر فقد جحد قدرة الله تعالى»، وقال أيضًا: «ما أعلمُ قومًا أبعد من الله تعالى من قوم يخرجونه
_________________
(١) انظر: الردّ على الجهمية، للدارمي (ص: ٢١٢)
(٢) شرح الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (١/ ٨٠).
[ ٤٥٨ ]
من مشيئته، وينكرونه من قدرته»، وقال مالك بن أنس: «ما أضل من كذب بالقدر، لو لم يكن عليهم فيه حجة، إلا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن، الآية (٢)] لكفى به حجة».
وقال البغوي: «القدر سرٌّ من أسرار الله لم يُطلِع عليه ملكًا مقربًا، ولا نبيًّا مرسلًا، لا يجوز الخوض فيه، والبحث عنه بطريق العقل، بل يُعتقد أنَّ الله ﷾ خلق الخلق، فجعلهم فريقين: أهلُ يمينٍ خلقهم للنعيم فضلًا، وأهلُ شمالٍ خلقهم للجحيم عدلًا (^١).
وقد ساق الآجري في الشريعة أقوالًا عديدة للسلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في ذم القدرية (^٢).
وأما ما ورد من الأحاديث في ذمِّ القدرية، كحديث: «القدرية مجوس هذه الأمة …» ونحوها؛ فكلها ضعيفة لا تثبت عن النبيّ ﷺ، والله أعلم، وقد تكلم عنها بتفاصيلها وبيّن ضعفَها ابنُ الجوزي ﵀ (^٣).
المسألة الخامسة: ذكر المصنّف في أول الباب كلام ابن عمر، وقد أخرجه مسلم عن يحيى بن يعمر قال: «كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ: مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ -أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ- فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ
_________________
(١) شرح السنة، للبغوي (١/ ١٤٤).
(٢) الشريعة، للآجري (٢/ ٨٩٥).
(٣) انظر: العلل المتناهية (١/ ١٤٧).
[ ٤٥٩ ]
الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ، وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ، قَالَ: «فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي»، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ «لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ».
ثم ذكر ابن عمر حديث عمر ﵁ في قدوم جبريل المشهور، وفيه قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ …».
والشاهد منه: أنَّه ذكر أنَّ الإيمان بالقدر خيره وشره من أصول الإيمان الستة، فمن أنكره وجحد به لم يكن مؤمنًا؛ لأنَّ الكافر بالبعض كافر بالكل.
المسألة السادسة: ذكر المصنف حديث عبادة بن الصامت، وقد بيّن فيه عُبادة ﵁ لابنه: أنَّ الإيمان له طعمٌ حلوٌ لا يناله كل أحد، بل يناله من حققوا الإيمان الحق، وذلك بخصالٍ، من أعظمها: الإيمان والتسليم لقضاء الله وقدره، ولازِمُ ذلكَ: أن تعلم أنّ ما أصابك فلا يمكن أن يخطئك، بل لابد أن تجري المقادير ليقع عليك، وما أخطأك ولم يتحصل لك فلا يمكن مهما فعلت من أسباب أن يقع لك، وهذا الإيمان يريح المرء ويجعله راضيًا بتقدير الله، ويغلق عليه باب «لو» وتسويل الشيطان وتأسيفه.
ولذا ورد عن العباس بن عبد المطلب ﵁ مرفوعًا: «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضى بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» (^١).
المسألة السابعة: ورد في حديث عبادة ﵁ أنَّ الله لما خلق القلم، وكان
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٤).
[ ٤٦٠ ]
ذلك قبل خلق الناس جرى بتقدير الله، وأمره بكتابة كل ما سيكون، فالقدر متقدم على خلق الناس، وقد اختلف أيهما خُلِقَ أولًا العرش أم القلم؟
* والجمهور: أنَّ العرش خُلِق أولًا، ويدل له حديث عبد الله بن عمرو ﵁ مرفوعًا: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» (^١)، فهذا صريح أن التقدير وقع بعد خلق العرش والتقدير وقع عند أول خلق القلم.
وأما حديث: «أول ما خلق الله القلم» فإما أن يقال بأن المراد أن أول ما خلق الله القلم قال الله له: اكتب، ولا يلزم من ذلك أنَّه أول المخلوقات، فتكون كلمة (القلم) منصوبة، لا مرفوعة.
وإما أن يحمل على أنَّه أول المخلوقات من هذا العالَم، قال ابن القيم:
والناس مختلفون في القلم الذي … كتب القضاء به من الديان
هل كان قبل العرش أو هو بعده … قولان عند أبى العلا الهمداني
والحق أن العرش قبل لأنَّه … عند الكتابة كان ذا أركان (^٢)
المسألة الثامنة: أفاد حديث عبادة ﵁ أنَّ في القدر خيرًا وشرًا، وهذا بالنسبة للعبد، أما الربّ سبحانه، فأفعاله خير محض لا شرّ فيه، ولا يقدِّر على عباده إلا خيرًا إما عاجلًا وإما آجلًا، ولذا ورد في الآية: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ …﴾ فظهور الفساد شرّ لكنه بالنسبة لتقدير الله خير؛ لأنَّه يترتب عليه تكفير الذنوب، ولعل الناس يرجعون، قال ابن القيم: «فالشر راجع
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٥٣).
(٢) النونية (ص: ٦٥).
[ ٤٦١ ]
إلى مفعولاته، لا إلى ذاته وصفاته» (^١).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: «ويتبيّن ذلك بمثال -ولله المثل الأعلى-، لو أنَّ ملكًا من ملوك العدل كان معروفًا بقمع المخالفين وأهل الفساد، مقيمًا للحدود والتعزيرات الشرعية على أرباب أصحابها، لعدّوا ذلك خيرًا يحمده عليه الملوك، ويمدحه الناس ويشكرونه على ذلك، فهو خيرٌ بالنسبة إلى الملوك، يمدح ويثنى به ويشكر عليه، وإن كان شرًّا بالنسبة إلى من أقيم عليه، فرب العالمين أولى بذلك، لأنَّ له الكمال المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات» (^٢).
المسألة التاسعة: في حديث عبادة ﵁ قوله: «لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا قَبِلَهُ اَللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ»، وهذا فيه تمثيل على سبيل الافتراض، أي: لو فرض أنّك أنفقت مثل أحد فلن يقبل منك، ففيه مبالغة في البيان، وإنما لا يقبل الله منه؛ لأنَّ من أنكر القدر فهو كافر، والله لا يقبل من الكفار: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة، الآية (٥٤)].
المسألة العاشرة: لفظ الحديث عند ابن ماجه فيه زيادة: «لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ».
وقد توارد على هذا المعنى رأي ثلاثة من الصحابة، فقد أخرج ابن ماجه الحديث عن ابن الديلمي بلفظ «وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ، خَشِيتُ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيَّ دِينِي وَأَمْرِي، فَأَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقُلْتُ: أَبَا الْمُنْذِرِ، إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ، فَخَشِيتُ عَلَى دِينِي وَأَمْرِي، فَحَدِّثْنِي مِنْ
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (٢/ ١١٢).
(٢) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد (ص: ٦٠٢).
[ ٤٦٢ ]
ذَلِكَ بِشَيْءٍ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ، فَقَالَ: «لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ كَانَ لَكَ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا، أَوْ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ تُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا قُبِلَ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، فَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَأَنَّكَ إِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ» وَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ أَخِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، فَتَسْأَلَهُ، فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ، فَسَأَلْتُهُ، فَذَكَرَ مِثْلَ مَا قَالَ أُبَيٌّ، وَقَالَ لِي: وَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ حُذَيْفَةَ، فَأَتَيْتُ حُذَيْفَةَ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَا، وَقَالَ: ائْتِ زيْدَ بْنَ ثابتٍ، فَاسْأَلْهُ، فَأَتَيْتُ زيْدَ بْنَ ثابتٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لوْ أَنَّ اللَّهَ عذَّبَ أهْلَ سَمَاوَاتِهِ وأهْلَ أرْضِهِ … الحديث».
ولابن القيم كلامٌ نفيس على هذه الجملة، حيث قال: «وليس المراد به لو عذبهم لتصرف في ملكه، والمتصرف في ملكه غير ظالم، كما يظنه كثير من الناس، فإن هذا يتضمن مدحًا، والحديث إنما سيق للمدح بغير استحقاق، فإن حقه سبحانه عليهم أضعاف اضعاف ما أتوا، ولهذا قال بعده: «وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ» يعني: أنّ رحمته لهم ليست على قدر أعمالهم إذ أعمالهم لا تستقبل باقتضاء الرحمة وحقوق عبوديته وشكره التي يستحقها عليهم لم يقوموا بها، فلو عذبهم والحالة هذه لكان تعذيبًا لحقه وهو غير ظالم لهم فيه، ولا سيما فإنَّ أعمالهم لا توازي القليل من نعمه عليهم، فتبقى نعمه الكثيرة لا مقابل لها من شكرهم، فإذا عذبهم على ترك شكرهم وأداء حقه الذي ينبغي له سبحانه عذبهم ولم يكن ظالمًا لهم» (^١).
_________________
(١) طريق الهجرتين، لابن القيم (٤٢٨).
[ ٤٦٣ ]
* خلاصة الباب: أنَّ الإيمان بالقدر من أركان الإيمان، وإنكارُه منافٍ لتوحيد الله، وتنقصٌ لله، إذ نفى عنه ما أثبته لنفسه من العلم والمشيئة والخلق والكتابة، فلزامٌ على المسلم أن يؤمن بالقدر، وأنَّه ما يقع في الكون شيء إلّا والله يعلمه وكتبه وقد خلقه وشاءه كونًا وقدرًا.
[ ٤٦٤ ]