عن جبير بن مطعم ﵁ قال: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! نُهِكَتِ اَلْأَنْفُسُ وَجَاعَ اَلْعِيَالُ، وَهَلَكَتِ اَلْأَمْوَالُ، فَاسْتَسْقِ لَنَا رَبَّكَ، فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِاَللَّهِ عَلَيْكَ، وَبِكَ عَلَى اَللَّهِ، فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ: سُبْحَانَ اَللَّهِ! سُبْحَانَ اَللَّهِ! فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ! أَتَدْرِي مَا اَللَّهُ؟ إِنَّ شَأْنَ اَللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاَللَّهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ»، وذكر الحديث (^١) (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٧٢٦)، وابن خزيمة في التوحيد (١٠٣)، والبزار (٣٤٣٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٧٦)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٢٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٤١٧)، والآجري في الشريعة (٦٦٧) من طريق محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده، وإسناده ضعيف. قال البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ من وجه من الوجوه إلا من هذا الوجه، ولم يقل فيه محمد بن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة.
(٢) فيه مسائل: الأولى: إنكاره على من قال: نستشفع بالله عليك. الثانية: تَغَيُّره تغيرًا عرف في وجوه أصحابه من هذه الكلمة. الثالثة: أنه لم يُنْكِر عليه قوله: «نستشفع بك على الله». الرابعة: التنبيه على تفسير سبحان الله. الخامسة: أنَّ المسلمين يسألونه الاستسقاء.
[ ٤٨٦ ]
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب:
الاستشفاع: طلبُ الشفاعةِ، والأصلُ أنَّ الشفاعةَ تكون من الأسفلِ للأعلى، فالإنسانُ قد يتمكن مثلًا من الوصول إلى الوزير، لكنه لا يملك أن يصل إلى الملك، فيطلب من الوزير أن يشفع له عند الملك، وملوكُ الدنيا يُشَفِّعونَ من له عليهم حقٌ، أو من يحتاجون له.
ومَن عرف ربّه وقَدَره حقّ قدرِه علم أنَّ شأن الله عظيم، فالخلق كلهم بيده، وكلهم محتاجون له، وليس لأحدٍ عليه حق.
فالمراد بهذا الباب: بيان أنَّه لا يجوز أن يَجْعل أحدٌ اللهَ شفيعًا على الخلق، يشفع له عندهم؛ لأنَّ شأن الله أعظم وأجل من أن يستشفع به على أحد من خلقه.
وعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة أن هذا الفعل فيه تنقص لله، وسوء أدب معه سبحانه وهذا ينافي كمال التوحيد.
المسألة الثانية: ذكر المصنّف في الباب حديث جبير بن مطعم ﵁، وقد أخرجه أبو داود وغيره من طريق مُحَمَّد بن إِسْحَاق عن يَعْقُوب بن عُتْبَة، عن جُبَيْر بن مُحَمَّد بن جُبَيْر بن مُطْعِم، عن أبيه، عن جبير ﵁، وقد أُعل الحديث بأن مداره على ابن إسحاق، وهو مشهور بالتدليس، وقد عنعن.
وفيه جبير بن محمد بن جبير؛ لم يُذكَر بجرحٍ ولا تعديلٍ، فهو مجهول الحال، وقد أورده ابن حبان في الثقات على قاعدته في إيراد المجاهيل
[ ٤٨٧ ]
في ثقاته (^١).
لكن مع ضعف الحديث إلّا أن معناه صحيح، فالعلماء يمنعون من الاستشفاع بالله على خلقه؛ لما يأتي:
المسألة الثالثة: حديث جبيرٍ ﵁ فيه: فقال النبيّ ﷺ: «سُبْحَانَ اَللَّهِ! سُبْحَانَ اَللَّهِ! فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ وَيْحَكَ! أَتَدْرِي مَا اَللَّهُ؟ إِنَّ شَأْنَ اَللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاَللَّهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ».
حيث أنكر النبيّ ﷺ على هذا الرجلِ قولَه: «نَسْتَشْفِعُ بِاَللَّهِ عَلَيْكَ»، وعاتبه في ذلك، وسبّح حتى عُرِفَ كراهةُ ذلك في وجوه أصحابه، وذلك لشناعة الكلمة، ثم قال: «إِنَّ شَأْنَ اَللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ …» فالمراد:
أ- أنّ كون الإنسان يجعلُ اللهَ شفيعًا له على أحدٍ من الناس: لا يجوز، لأمرين:
١. أنَّه سوء أدبٍ مع الله وتنقّص له، فالله أعظم شأنًا من أن يتوسل به إلى خلقه؛ إذ رتبة المتوسل به غالبًا دون رتبة المتوسل إليه، والمخلوق داعٍ وسائل.
٢. أنَّ الشافع لا تجب طاعته، والله منزّه عن ذلك، فالأمر كلّه بيده، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن (^٢).
ب- أما التوسل برسول الله ﷺ أو الاستشفاع به عند الله: ففي حياته يجوز ذلك، وتكون شفاعته بطلب الدعاء منه.
_________________
(١) والحديث ضعفه الألباني كما في السلسة الضعيفة (٦/ ١٤٥).
(٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (١/ ٣١٦)، والتعليقات على فتح المجيد، للدكتور عبد العزيز العبد اللطيف (٧٢).
[ ٤٨٨ ]
وأما بعد حياته فلا يجوز، ولو كان جائزًا لفعله الصحابة حين اشتدت بهم الأمور، وعمر ﵁ حين أراد الاستسقاء توسل بدعاء العباس ﵁ لا بذات العباس، ولو كان الاستشفاع بالرسول ﷺ جائزًا بعد وفاته لفعلوه، وهم في تلك الحالة الشديدة، ولذا فما يقع من بعض الناس اليوم من الاستشفاع بالنبيّ ﷺ، والطلبِ منه أن يشفع لهم عند ربهم كل هذا من الخطأ الفادح التي انحرف فيه فئام من المسلمين اليوم، والله المستعان.
[ ٤٨٩ ]