عن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: «اِنْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ، فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: اَلسَّيِّدُ اَللَّهُ ﵎، قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَولًا، فَقَالَ: قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمْ اَلشَّيْطَانُ» (^١).
وعن أنس ﵁: «أَنَّ نَاسًا قَالُوا يَا رَسُولَ اَللَّهِ! يَا خَيْرَنَا وَابْنَ خَيْرِنَا، وَسَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا! فَقَالَ يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ! قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ اَلشَّيْطَانُ، أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اَللَّهِ وَرَسُولُهُ، مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي اَلَّتِي أَنْزَلَنِي اَللَّهُ ﷿» (^٢) (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٨٠٦)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٥)، والبخاري في الأدب المفرد (٢١١)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٧٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٤٨٤)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٣٨٩)، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه عبد بن حميد (١٣٠٩)، والنسائي في الكبرى (١٠٠٠٦)، وابن حبان (٦٢٤٠)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٤٩٨)، والضياء (١٦٢٦)، وإسناده صحيح.
(٣) فيه مسائل: الأولى: تحذير الناس من الغلو. الثانية: ما ينبغي أن يقول من قيل له: «أنت سيدنا». الثالثة: قوله: «لا يستجرينكم الشيطان»، مع أنهم لم يقولوا إلا الحق. الرابعة: «ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي».
[ ٤٩٠ ]
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب: مَنْ تأمّل في سنة محمد ﷺ وجد من النصوص الشيء الكثير، التي تدل على حرصه ﷺ على حماية حمى التوحيد، والسعي لصدّ طرق الشرك وإغلاق منافذه، وأنَّه ربما منعَ من أشياء سدًّا لذريعة الوقوع في الشرك، وما ذاك إلّا لنصحه للأمة، ولعلمه أنَّ الشركَ إذا وقع فهو ذو أثرٍ شنيع، وفي هذا الباب ذكر المصنّف بعض النصوص الدالّة على حرصه على حماية حمى التوحيد، وهكذا ينبغي أن يكون عليه أتباع الأنبياء وورثتهم.
المسألة الثانية: ذكر المصنّف في الباب حديث عبد الله بن الشخير، والحديث مداره على مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه، وفيه قوله: «فقلنا: أَنْتَ سَيِّدُنَا فَقَالَ: اَلسَّيِّدُ اَللَّهُ ﵎، قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَولًا، فَقَالَ: قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمْ اَلشَّيْطَانُ». وفي هذا الحديث أمور:
١. إثبات أنَّ السيادة المطلقة الكاملة إنما هي لله سبحانه.
٢. حكم قول: «سيدنا» للنبي ﷺ؟
* منع من ذلك بعضُ أهل العلم، لظاهر الحديث.
* وأجازه بعضهم، وقد نُقِل الجوازُ عن السخاوي والقاسمي (^١).
فإن قيل: لماذا لم يقرهم النبيّ ﷺ على قولهم: «سيدنا «مع أنَّه ﷺ قال: «أَنَا
_________________
(١) القول البديع، للسخاوي (١٠٧)، والفضل المبين، للقاسمي (٧٠).
[ ٤٩١ ]
سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ» (^١)؟
* أجيب عن هذا بأجوبة:
١ - من باب التواضع.
٢ - خوفًا عليهم من الغلو، وتطور الأمر واستجراء الشيطان لهم حتى يقعوا فيما هو محرم، ولذا قال ﷺ: «قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ …».
قال الشيخ محمد بن إبراهيم: «المنع من أجلِ حماية حمى التوحيد، والثاني -أي: سيد ولد آدم-: قاله على وجه التحدث بنعمة الله تعالى» (^٢).
٣ - أنَّ الذي نبه إليه رسول الله ﷺ هو أنَّ السيادة بلفظ السيد لفظ مطلق، يدل على السيادة المطلقة العامة، وهي لا تكون إلّا لله، أمّا إذا أضيفت وخصصت، كسيد ولد آدم، أو سيد الخلق أو سيد بني فلان فهذا جائز، فنهاهم ﷺ؛ لئلا ينسبوا له السيادة المطلقة (^٣).
٣. وفي الحديث تحذير رسول الله ﷺ أمته من أن يستجرينهم الشيطان ويوقعهم في الضلال، عبر بوابة تعظيم الصالحين والمرسلين.
٤. أنَّه ينبغي لمن قيل له: «سيدنا» أن يقول: السيّدُ الله.
المسألة الثالثة: ذكر المصنف في الباب حديث أنس ﵁: «أَنَّ نَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! يَا خَيْرَنَا وَابْنَ خَيْرِنَا، وَسَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا! فَقَالَ: يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ! قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ اَلشَّيْطَانُ، أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اَللَّهِ وَرَسُولُهُ، مَا أُحِبُّ أَنْ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٢٧٨) من حديث أبي هريرة.
(٢) فتاوى ابن إبراهيم (١/ ١٩٦)، والتعليقات على فتح المجيد، للعبد اللطيف (٧٣).
(٣) مجموعة فتاوى العثيمين (٣/ ١١٠).
[ ٤٩٢ ]
تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي اَلَّتِي أَنْزَلَنِي اَللَّهُ ﷿».
وهذا الأمر الذي ذكره هؤلاء في رسول الله ﷺ هو به، ومستحق له، لكنه ﷺ خشي أن يتدرّج بهم الشيطان حتى يقعوا في الغلو، ولربما صُرِفَ مثلُ هذا المدح لأحدٍ فافتتن.
وبيّن لهم الميزان الذي يجب عند التعامل مع رسول الله ﷺ: أن لا يُرفع فوق ما جعل الله له من المنزلة، ولا يجفى فيه ﷺ، ويكون ذلك باعتقاد أنَّه عبد الله ورسوله ﷺ.
وإذا كانت هذه الأحاديثُ منه ﷺ لسدِّ ذريعةِ الشرك في الأقوال، فإن في الشريعة نهيًا عن أفعال عديدة؛ سدًا لذريعة الوقوع في الشرك، فنهى ﷺ عن الصلاة في المقابر، وعن تجصيص القبر وعن اتخاذ السرج على القبور، ونهى عن التصوير، وكل هذا ليسد على المسلم كل باب قد يلج فيه الشيطان إلى قلوب العباد بالشرك بالله سبحانه.
[ ٤٩٣ ]