التأويل - المعية - القرب - النفس - الأصابع
الجسم والجهة - الصورة
حققه
د. عبد الرحمن بن عبد الكريم اليحيى
[ ٦ / ١ ]
فصل: في الوجه الثالث من الوجوه التي ادعى فيها الرازي أن القرآن ظواهر يجب تأويلها
فصل قال الرازي الوجه الثالث قال الله تعالى وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد ٢٥]
[ ٦ / ٣ ]
رد المؤلف على الرازي في معنى الإنزال
الوجه الأول: أن قول الرازي "معلوم" لم يذكر دليلا
ومعلومٌ أن الحديد ما نزل جرمه من السماء إلى الأرض وقال تعالى وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر ٦] ومعلوم أن الأنعام ما نزلت من السماء إلى الأرض والكلام على هذا من وجوه أحدها أن يقال قوله معلوم أن الحديد ما نزل وأن الأنعام ما نزلت لم يذكر ما به يعلم ذلك أبضرورة أم بدليل فلو نازعه منازع وقال هذا غير معلوم لنا إذ من الممكن نزول أصل هذا الحيوان كنزول أصل الإنسان والجن والحية وكما روي في نزول كبش الفداء ونزول حديد من السماء احتاج إلى ما يدفع به هذا
[ ٦ / ٤ ]
الوجه الثاني: أنه روى أنه ينزل من السماء حديد
الوجه الثالث: أن الله تعالى لم يقيد الإنزال أنه من السماء
الثاني أن من الناس من قد روى أنه قد ينزل من السماء حديد الوجه الثالث وهو الجواب أن يقال له إن الله تعالى لم يقل أنزلنا الحديد من السماء ولا قال أنزلنا لكم ثمانية أزواج من السماء فقول القائل معلوم أن الحديد ما نزل جرمه من السماء إلى الأرض وأن الأنعام ما نزلت من السماء إلى الأرض لا يعارض ظاهر القرآن حتى يقال إن ظاهر القرآن ليس بحق وأنه مؤول بل قال وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد ٢٥] والإنزال يقتضي أن يكون من محلٍّ عالٍ ولا ريب أن الحديد إنما يكون من المعادن التي في الجبال وهي عالية على الأرض وقد قيل إنه كلما كان المعدن أعلى كان حديده أجود والمستخرجون للحديد من المعادن يقولون نزل لنا من المعدن
[ ٦ / ٥ ]
كذا وكذا يبين ذلك أن الله ذكر الإنزال على ثلاث درجات قال في الحديد وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد ٢٥] فأطلق الإنزال ولم يذكر من أين نزل وقال في الغيث وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [البقرة ٢٢] وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ فذكر أنه أنزل المطر من السماء فإنه نزل مما يسمو على رؤوس بني آدم ويعلو عليهم بخلاف الجبال فإنها نفسها لا تسامت رؤوس بني آدم وقال في القرآن تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) وقال حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) [غافر ١-٢] وقال حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) [فصلت ١ -٢] وقال وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [الأنعام ١١٤] وقال وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) [النمل ٦] وقال الر كِتَابٌ
[ ٦ / ٦ ]
أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) [هود ١] فأخبر أن القرآن منزل منه وأن المطر نزل من السماء وأخبر أنه أنزل الحديد ولم يذكر من أين نزل وبهذا يظهر ما لبَّسته الجهمية من المعتزلة وغيرهم
[ ٦ / ٧ ]
الرد على من زعم بأن الإنزال يكون بمعنى الخلق
في دعواهم أن الإخبار بان القرآن مُنزَّل لا يمنع أن يكون مخلوقًا فإن المخلوق يوصف بالإنزال كالماء والحديد وزعم بعضهم أن الإنزال يكون بمعنى الخلق فإن الله أخبر أن القرآن منزل والإنزال هو من العلو حيث كان وهذا من المعلوم بالضرورة من اللغة وهو من اللغة العامة الشائعة يوضح ذلك أن الله تعالى قال لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد ٢٥] ثم قال وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد ٢٥] ففرق بين إنزال الكتاب والميزان وذكر أنه أنزل ذلك مع الرسل وبين إنزال الحديد فوصفه بإنزال مطلق لم يجعله مع الكتاب والميزان ولم يصفه بالإنزال الذي وصف به الكتاب والميزان وقد قال تعالى وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ [الأحزاب ٢٦] فإذا كان قد يسمى هذا نزولًا فما أنزله من الجبال أولى أن يكون منزلًا فإن الجبال أعلى من الصياصي التي هي
[ ٦ / ٨ ]
الحصون التي كانت بالحجاز وكذلك قال لنوح ﵇ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) [المؤمنون ٢٨-٢٩] وإنما هو نزوله من السفينة إلى الأرض يقرر ذلك أن الله تعالى قال لنوح يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ الآية [هود ٤٨] بعد قوله وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [هود ٤٤] فهذا هبوط من السفينة وقال لآدم ومن معه وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [البقرة ٣٦] فهذا هبوط من السماء وكذلك قال لإبليس فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) [الأعراف ١٣] فلفظ الهبوط من جنس لفظ النزول فبعضه من السماء أو الجنة وبعضه من الأرض مكان عال في الأرض كالسفينة كما أن العلو والظهور الذي في مقابلته
[ ٦ / ٩ ]
بيان معنى إنزال الأنعام والرد على الرازي
كذلك وأما قوله وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر ٦] فإنه ينزل الماء من أصلاب الذكور إلى بطون الإناث ثم ينزل الأجنة من بطون الإناث إلى الأرض فأنزل منها ثمانية أزواج ومن المشهور في اللغة أنه يقال عن ابن آدم أنزل الماء أو المني ولم ينزل كما في الحديث وذلك أنه سبحانه قال خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا [الزمر ٦] فحواء خلقت من نفس آدم من ضلعه
[ ٦ / ١٠ ]
القصراء لم تخلق من مني ولا في رحم كما قال يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء ١] وقال هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا [الأعراف ١٨٩] فلم تكن زوج آدم منزلًا منه بل مخلوقًا مجعولًا منه وزوجها هي حواء وأما الأنعام فإنه يعلو بعضها بعضًا وهي قائمة أو قاعدة وتلد وهي كذلك قائمة فينزل الله تعالى منها أولادها وتسمية ذلك إنزالًا ليس بدون تسمية إخراج المني إنزالًا بل أبلغ وفي الصحيحين عن أسامة أنه قال قلت للنبي ﷺ يا رسول الله أين ننزل غدًا قال بخيف بني
[ ٦ / ١١ ]
كنانة حيث تقاسموا على الكفر واستعمال لفظ النزول في النزول من ظهر الدابة أكثر وأشهر وأظهر مما يذكر وعلى هذا فـ من في قوله وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ
[ ٦ / ١٢ ]
[الزمر ٦] يحتمل وجهين أحدهما أن يكون لبيان الجنس كما هو الظاهر لكثير من الناس والمعنى أنزل ثمانية أزواج كما قال وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد ٢٥] وإنزالها كإنزال المني ومن هنا مثل من في قوله وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ [الأنعام ١٤١] إلى قوله وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا [الأنعام ١٤٢] إلى قوله ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الأنعام ١٤٣] أي أنشأ من الأنعام حمولة وفرشًا ثمانية أزواج ويحتمل أن تكون من لابتداء الغاية كقوله تعالى أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الرعد ١٧] وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء ١] والمعنى أنه أنزل ثمانية أزواج أنزلها من الأنعام فيكون قد ذكر المحل الذي أنزلت منه وهذان الوجهان يجيئان في قوله تعالى في السورة الأخرى جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) [الشورى ١١] فقوله جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا هل المراد جعل لكم
[ ٦ / ١٣ ]
من جنسكم أزواجًا يذرؤكم في ذلك أو المراد جعل أزواجكم من أنفسكم لكون حواء جعلت من نفس آدم وكذلك من الأنعام أزواجًا وقد يقال بيان الجنس أظهر لأنه لم يخلق من آدم إلا زوجه فقط كما قال خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء ١] وأما أزواج ولده فلم تخلق من ذواتهم فيكون المعنى جنسكم أزواجًا كما قال لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا [النور ١٢] وقال ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة ٨٥] وقال وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات ١١] وله نظائر في القرآن
[ ٦ / ١٤ ]
فصل: في الوجه الرابع من الوجوه التي ادعى فيها الرازي أن للقرآن ظواهر لا بد من تأويلها
فصل قال الرازي الرابع قوله تعالى وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد ٤] وقوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) [ق ١٦] وقال تعالى مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة ٧] وكل عاقل يعلم أن المراد منه القرب بالعلم والقدرة الإلهية قلت قد ذكر في هذا الوجه لفظ المعية ولفظ القرب ولم يذكر إلا تأويل لفظ القرب وذكر في الوجه السادس قوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) [ق ١٦] مع قوله فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة ١١٥] وتلك الآية هي نظير هذه لا نظير تلك ثم ذكر الوجه التاسع وهو آخر وجوه القرآن قال
[ ٦ / ١٥ ]
بحث المعية
تعالى لموسى وهارون إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) [طه ٤٦] وهذه المعية ليست إلا بالعلم والحفظ والرحمة فيكون ذكره لتلك المعية في تلك الآية لأنه جعل معناها معنى قربه فلابد من الكلام في لفظ المعية ولفظ القرب أما المعية فالكلام عليها من وجوه أحدها أن يقال لا يخلو إما أن يكون ظاهر قوله وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد ٤] أن ذاته نفسها مختلطة في المخلوقات أو لا يكون هذا ظاهر الخطاب فإن كان الأول فهذا قول طوائف من إخوانه الجهمية الذين ينكرون أنه فوق العرش ويقولون إنه في كل مكان أو إنه نفس وجود الأمكنة ولهم في ذلك مقالات تقدم حكايتها وبينَّا أنه عاجز عن مناظرتهم والرد عليهم إلا إذا وافق أهل
[ ٦ / ١٦ ]
الإثبات فهؤلاء إذا قالوا له نحن نتمسك بظاهر القرآن لم يمكنه الرد عليهم وقوله كل عاقل يعلم أن المراد منه القرب بالعلم والقدرة الإلهية هؤلاء إخوانه الجهمية ينازعونه في هذا ونحن وإن كنا نعلم بطلان قولهم لكن المقصود هنا أن ما ادعاه من الاتفاق على أن من ظواهر القرآن ما ليس بحق ليس كما ادعاه فليس في شيء مما ذكره وفاق ولا في صورة واحدة وإن لم يكن ظاهر الخطاب يدل على أن ذاته في المخلوقات لم تكن الآية مصروفة عن ظاهرها فعلى التقديرين لم يسلم ما ادعاه من الاتفاق على إحالة ظاهر القرآن الوجه الثاني أن أهل السنة والإيمان والإثبات لا ينازعونه في أن الله ليس في المخلوقات لكن ينازعونه في أن ظاهر هذه الآية يدل على ذلك فيقال لا يخلو إما أن يكون ظاهر الآية يدل على أن ذاته في نفس المخلوقات أم لا فإن كان الثاني بطل قوله وإن كان الأول فلا ريب أن الله قد فسر هذه الآيات وأزال
[ ٦ / ١٧ ]
الشبهة التي تعترض بما بينه في غير موضع من كتابه من أنه استوى على العرش وأنه إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح وانه رفع عيسى إليه وأنه تعرج الملائكة والروح إليه إلى غير ذلك من النصوص المفسرة المحكمة التي تبين أن الله فوق الخلق فكان ذلك بيانًا من الله بليغًا لعباده أن ذاته ليست في نفس المخلوقات وكان ذلك البيان مانعًا عن فهم هذا المعنى الباطل من القرآن وهم لاينازعون أن القرآن يفسر يعضه يعضًا ويكون بعضه مانعًا من حمل بعضه على معنى فاسد كما تقدم وإنما الممتنع أن يكون ظاهره ضلالًا ولم يبين الله ذلك الوجه الثالث أن هؤلاء يقولون إن الله تعالى قد بين في غير موضع أنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وبين أن له ملك السموات والأرض وما بينهما
[ ٦ / ١٨ ]
وبين أن الأرض قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه وأن كرسيه وسع السموات والأرض وأنه يمسك السموات والأرض أن تزولا إلى غير ذلك من الآيات التي فيها بيان أن جميع هذه المشهودات هي مخلوقة لله مملوكة لله مدبرة لله وهذه نصوص صريحة في أن الله تعالى ليس فيها لأن الخالق ليس هو المخلوق ولا بعض المخلوق ولا صفة للمخلوق وإذا كان كذلك فمثل هذه النصوص تهدي القلوب وتشفيها وتعصمها عن أن يفهم من قوله وَهُوَ مَعَكُمْ [الحديد ٤] أنه في المخلوق كما يزعم ذلك من يزعمه من الزنادقة
[ ٦ / ١٩ ]
والجهمية من الاتحادية والحلولية عمومًا وخصوصًا ومثل هذا لا يمتنع كما تقدم الوجه الرابع أن يقال إنه ليس ظاهر قوله وَهُوَ
[ ٦ / ٢٠ ]
مَعَكُمْ [الحديد ٤] أنه في المخلوقات ولا أنه مختلط ممتزج بها ونحو ذلك من المعاني الفاسدة ولا يدل لفظ على هذا بوجه من الوجوه فضلا عن أن يكون ذلك هو ظاهر ذلك اللفظ وذلك أن لفظ مع قد استعمل في القرآن في مواضع كثيرة وفي سائر الكلام ولا يوجب في عامة موارده أن يكون الأول في الثاني ولا مختلطًا به ومعنى اللفظ وظاهره وإنما يؤخذ من موارد استعمالاته قال تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا الآية [الفتح ٢٩] وقال فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) [الأعراف ١٥٧] وقال عن المنافقين يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ [الحديد ١٤] وقال تعالى فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣) [التوبة ٨٣] وقال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) [التوبة ١١٩] وقال وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) [البقرة ٤٣] وقال يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) [آل عمران ٤٣] وقال رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى
[ ٦ / ٢١ ]
قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧) [التوبة ٨٧] وقال عن نوح وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠) [هود ٤٠] وقال فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) [الشعراء ١١٩] وقال قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ [هود ٤٨] وقال هارون فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) [الأعراف ١٥٠] وقال لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [الأعراف ٨٨] وقال قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ [النمل ٤٧] وقال فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ [البقرة ٢٤٩] وقال إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) [النساء ١٤٦] وقال عن فرعون فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) [الإسراء ١٠٣] وقال وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) [البقرة ١٤] وقال وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ [البقرة ٤١] وقال وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة ٢١٣] وقال رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) [آل عمران ٥٣] وقال وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [آل عمران ١٤٦]
[ ٦ / ٢٢ ]
وقال وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) [آل عمران ١٩٣] وقال فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ إلى قوله وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ [النساء ١٠٢] وقال فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [النساء ١٤٠] وقال وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) [المائدة ٨٤] فهذه المواضع الكثيرة التي وصف الله بأن المخلوق مع المخلوق لم يوجب ذلك أن يكون الأول في الثاني ولا ذاته مختلطة ممتزجة بذاته أصلًا ولا أن يكون محايثًا له فكيف إذا وصف الرب نفسه بأنه مع عباده عمومًا وخصوصًا يقال إن ظاهر ذلك أن ذاته فيهم أو ممتزجة مختلطة بهم وذلك لأن مع ظرف مكان معناها المصاحبة والمقارنة والموافقة فإذا قيل هذا مع هذا كان التقدير أنه في مكان أو في مكانة لها اتصال بالثاني بحيث يكونان مقترنين
[ ٦ / ٢٣ ]
مصطحبين متفقين وهذا معنى قول من يقول من النحاة إن مع للمصاحبة ثم ذلك الاقتران يدل على أمور أخرى تكون من لوازم الاقتران فالله سبحانه إذا قيل إنه مع خلقه فمن لوازم ذلك علمه بهم وتدبيره لهم وقدرته عليهم وإذا كان مع بعضهم خصوصًا كان في السياق ما يبين أنه ناصر لهم معين لهم ولهذا جاءت المعية في كتاب الله عامة وخاصة لكن ذلك من خصوص التركيب والسياق وإلا فالقدر المشترك يبين مواردها هو ما تقدم قال تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) [التوبة ٣٦] وقال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) [آل عمران ٨١] وقال وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ [المائدة ١٢] وقال إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة ١٤٠] وقال إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) [النحل ١٢٨] وقال وَاصْبِرُوا إِنَّ
[ ٦ / ٢٤ ]
بحث القرب ومعنى قرب الرب من عباده
اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) [الأنفال ٤٦] وقال خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) [الحديد ٤] فأخبر أنه مستوٍ على عرشه وهو مع ذلك مع عباده وكلاهما حق فمن تدبر القرآن علم بالاضطرار أن كونه معهم ليس ذاته فيهم ولا أنه مختلط بهم كسائر موارد مع ومن ادعى ذلك أن هذا ظاهر القرآن فقد افترى على اللغة عمومًا وعلى القرآن خصوصًا وأما قوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) [ق ١٦] وقوله كل عاقل يعلم أن المراد منه القرب بالعلم والقدرة الإلهية فليس الأمر كما ادعاه من هذا العموم والإجماع وذلك أنه سبحانه قال وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) [ق ١٦] وهل المراد بذلك
[ ٦ / ٢٥ ]
الملائكة أو العلم أو كلاهما قال أبو عمر الطَّلَمَنْكي ومن سأل عن قوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ
[ ٦ / ٢٦ ]
إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) [ق ١٦] فاعلم أن ذلك كله على معنى العلم والقدرة عليه قال والدليل على ذلك صدر الآية قال الله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) [ق ١٦] لأن الله لما كان عالمًا بوسوسته كان أقرب إليه من حبل الوريد وحبل الوريد ما يَعْلَم ما توسوس به النفس ويلزم الملحد على اعتقاده أن يكون معبوده مخالطًا لدم الإنسان ولحمه وأن لا يُجَرد الإنسانُ تسميته المخلوق حتى يقول خالق ومخلوق لأن معبوده بزعمه داخلُ حبلِ الوريد من الإنسان وخارجه فهو على قوله ممتزج به غير مباين له قال وقد أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله على عرشه بائن من خلقه تعالى الله عن قول أهل الزيغ علوًّا
[ ٦ / ٢٧ ]
كبيرًا قال وكذلك الجواب في قوله فيمن يحضره الموت وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) [الواقعة ٨٥] أي بالعلم به والقدرة عليه إذ لا يقدرون له على حيلة ولا يدفعون عنه وقد قال الله تعالى تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) [الأنعام ٦١] وقال قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [السجدة ١١] انتهى كلامه وهكذا ذكر غير واحد من المفسرين مثل الثعلبي
[ ٦ / ٢٨ ]
وأبي الفرج ابن الجوزي وغيرهما في قوله تعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) [ق ١٦] وفي قوله تعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ [الواقعة ٨٥] فذكر أبو الفرج القولين إنهم الملائكة وذكره عن أبي صالح عن ابن عباس
[ ٦ / ٢٩ ]
وأنه القرب بالعلم وهؤلاء كلهم مقصودهم أنه ليس المراد أن ذات الباري جل وعلا قريبة من وريد العبد ومن الميت ولما ظنوا أن المراد قربه وحده دون الملائكة فسروا ذلك بالعلم والقدرة كما في لفظ المعية ولا حاجة إلى هذا فإن المراد بقوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ [الواقعة ٨٥] أي بملائكتنا في الآيتين وهذا بخلاف لفظ المعية فإنه لم يقل ونحن معه بل جعل نفسه هو الذي مع العباد وأخبر أنه ينبئهم بما عملوا يوم القيامة وهو نفسه الذي خلق السموات والأرض وهو نفسه الذي استوى على العرش وتفسير قربه سبحانه
[ ٦ / ٣٠ ]
القرب لا يكون خاصا وعاما كالمعية
بالعلم قاله جماعة من العلماء لظنهم أن القرب في الآية هو قربه وحده ففسروها بالعلم ولما رأوا ذلك عامًا قالوا هو قريب من كل موجود بمعنى العلم وهذا لا يحتاج إليه كما تقدم وقوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) [ق ١٦] لا يجوز أن يراد به مجرد العلم فإن من كان بالشيء أعلم من غيره لا يقال إنه أقرب إليه من
[ ٦ / ٣١ ]
غيره لمجرد علمه به ولا لمجرد قدرته عليه ثم إنه ﷾ عالم بما يسره من القول وبما يجهر به وعالم بأعماله فلا معنى لتخصيصه حبلَ الوريدِ بمعنى أنه اقرب إلى العبد منه فإن حبل الوريد قريب إلى القلب ليس قريبًا إلى قوله الظاهر وهو يعلم ظاهر الإنسان وباطنه قال تعالى وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) [الملك ١٣ - ١٤] وقال تعالى أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) [الزخرف ٨٠]
[ ٦ / ٣٢ ]
وسياق الآيتين يدل على أن المراد الملائكة فإنه قال وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) [ق ١٦-١٨] فَقَيّدَ القرب بهذا الزمان وهو زمان تلقي المتلقيين قعيد عن اليمين وقعيد عن الشمال وهما الملكان الحافظان اللذان يكتبان كما قال مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) [ق ١٨] ومعلوم أنه لو كان المراد قرب ذاته لم يختص ذلك بهذه الحال ولم يكن لذكر العتيد والرقيب معنى مناسب وكذلك قوله في الآية الأخرى فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)
[ ٦ / ٣٣ ]
[الواقعة ٨٣-٨٥] لو أراد قرب ذاته لم يخص ذلك بهذه الحال ولا قال وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) [الواقعة ٨٥] فإن هذا إنما يقال إذا كان هناك من يجوز أن يبصر في بعض الأحوال لكن لا نبصره والرب ﵎ لا يراه في هذه الحال أحد لا الملائكة ولا البشر وأيضًا فإنه قال وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ [الواقعة ٨٥] فأخبر عمن هو أقرب إلى المختصر من الناس الذين عنده في هذه الحال وذات الرب ﷾ إذا قيل هي في كل مكان أو قيل فريبة من كل موجودٍ لا تختص بهذا الزمان والمكان والأحوال فلا يكون أقرب من شيء إلى شيء ولا يجوز أن يراد به قرب الرب الخاص كما في قوله وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة ١٨٦] فإنما ذلك
[ ٦ / ٣٤ ]
إنما هو قربه إلى من دعاه أو عبده وهذا المحتضر قد يكون كافرًا أو فاجرًا أو مؤمنًا ومقربًا ولهذا قال تعالى فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) [الواقعة ٨٨-٩٤] ومعلوم أن مثل هذا المكذب لا يخصه الرب بقربه منه دون من حوله وقد يكون حوله قوم مؤمنون وإنما هم الملائكة الذين يحضرون عند المؤمن والكافر كما قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ [النساء ٩٧] وقال تعالى وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [الأنفال ٥٠] وقال وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) [الأنعام ٩٣] وقال تعالى حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) [الأنعام ٦١] وقال تعالى قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) [السجدة ١١] ومما يدل على ذلك أنه ذكره بصيغة الجمع فقال وَنَحْنُ
[ ٦ / ٣٥ ]
أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) [ق ١٦] وهذا كقوله سبحانه نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) [القصص ٣] وقال نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ [يوسف ٣] وقال إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩) [القيامة ١٧-١٩] فإن مثل هذا اللفظ ذكره الله تعالى في كتابه دلَّ على أنه المراد أنه سبحانه يفعل ذلك بجنوده وأعوانه من الملائكة فإن صيغة نحن يقولها المتبوع المطاع المعظم الذي له جنود يتبعون أمره وليس لأحد جنود يطيعونه كطاعة الملائكة لربهم وهو خالقهم وربّهم فهو سبحانه العالم بما توسوس به نفسه وملائكته تعلم فكان لفظ نحن هنا هو المناسب وكذلك قوله وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق ١٦] فإنه سبحانه يعلم ذلك وملائكته يعلمون ذلك كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال إذا هم العبد بحسنة كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر حسنات وإذا
[ ٦ / ٣٦ ]
هم بسيئة لم تكتب عليه فإن عملها كتبت سيئة واحدة وإن تركها لله كتبت له حسنة فالمَلَكُ يعلم ما يهم به العبد من حسنة وسيئة وليس ذلك من علمهم بالغيب الذي اختص الله به وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ من حديث صفية
[ ٦ / ٣٧ ]
﵂ إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم
[ ٦ / ٣٨ ]
وقرب الملائكة والشيطان من قلب ابن آدم مما تواترت به الآثار سواء كان العبد مؤمنًا أو كافرًا وبما ذكرنا تبين أن قول المؤسس لا وجه له وبالله
[ ٦ / ٣٩ ]
التوفيق
[ ٦ / ٤٠ ]
فصل: في الوجه الخامس للرازي في تأويل ظاهر القرآن
الرد على الرازي في تأويله في قول الله تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾
فصل قال الرازي الخامس قوله تعالى وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) [العلق ١٩] فإن هذا القرب ليس إلا بالطاعة والعبودية فأما القرب بالجهة فمعلوم بالضرورة أنه لا يحصل بسبب السجود والكلام على هذا من وجوه أحدها أن يقال له أنت مقصودك أنه لابد من مخالفة ظاهر القرآن وليس في ظاهر الآية ذكر القرب إلى مَن بل قال وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) [العلق ١٩] فلم يقل واقترب إلى كذا فيحتاج أن يقول ظاهر القرآن فيه واقترب إلى الله والاقتراب إلى الله محال وليس في ظاهر القرآن ذكر ذلك بل هو من باب المحذوف المضمر الوجه الثاني أن المقترَب إليه محذوف فلابد من إضماره فلا يخلو إما أن يكون الاقتراب من الله تعالى ممكنًا أو ممتنعًا فإن كان ممكنًا كان المعنى واقترب إلى الله كما أن
[ ٦ / ٤١ ]
المعنى واسجد لله وعلى هذا التقدير فلا يكون في ذلك مخالفة لظاهر القرآن ولا لمضمره أيضًا وإذا كان الاقتراب من الله غير ممكن بل من الممكن الاقتراب إلى ثوابه وكرامته أو غير ذلك كان هذا هو المضمر ابتداء وعلى هذا التقدير أيضًا فلا يكون قد خولف ظاهر القرآن فعلى التقديرين لم نترك ظاهر القرآن فدعواه ترك ظاهره دعوى باطلة وهذا بيِّنٌ لا مندوحة عنه الوجه الثالث قوله هذا القرب ليس إلا بالطاعة والعبودية لا يدل على أنه مخالف للظاهر كما لم يدل على المقترب إليه فمن المعلوم أن المُقْتَرِبَ إلى الله إنما يَقْتَرِبُ بطاعته وعبادته التي من جملتها السجود وهو أعظم العبادات البدنية الفعلية لكن إذا قال قائل التقرب بالطاعة والعبودية لم يكن قد بيَّن المتقرب إليه ولا بيَّن أن ظاهر
[ ٦ / ٤٢ ]
التقرب غير مراد فقوله القرب ليس إلا بالطاعة والعبودية كلام لا يليق بمورد النزاع ولا يتناول المقصود الوجه الرابع أن يقال التقرب سواء كان بالعبادة والطاعة أو بغير ذلك لابد له من متقرَّب إليه فإن القرب من الأمور المستلزمة للإضافة فلابد فيه من متقرب إليه وهو لم يذكر المتقرب إليه من هؤلاء في النص ولا في كلامه ليبين أن الظاهر من النص متروك وظهر أن كلامه كلام من لم يتصور ما يقول الوجه الخامس أن يقال إن هذا التقرب إذا لم يكن إلى الله تعالى فإلى من هو فإن قال إلى الطاعة والعبادة قيل له الطاعة والعبادة نفس فعل العبد الذي هو الاقتراب والمسئول عنه ما يتقرب إليه لا ما يتقرب به فما هذا
[ ٦ / ٤٣ ]
المتقرب منه وإن قال المتقرب إليه هو ثواب الله قيل له ثواب الله في الآخرة هو الجنة وفي الدنيا ما يجده من النعم ومن المعلوم أن الساجد لم يتقرب إلى الجنة إلا كما يتقرب إلى الله تعالى فإنه لم يقطع ببدنه مسافة بينه وبين الجنة وإذا كان كذلك كان المحذور الذي فرَّ إليه المتأول من جنس ما فر منه وأما ثواب الدنيا فيقال أولًا ليس ذلك بلازم فمن المتقربين من لا يثاب إلا بعد الموت ويقال ثانيًا ليس في مجرد السجود تقرب إلى نفس الأجسام التي ينعمه الله بها فإن تلك قد تكون غير معلومة للعبد ولو كانت معلومة لم يكن التقرب إليها مقدورًا له بل إثباتها بقدرة الله ومشيئته فكيف يكون العبد متقربًا إليها الوجه السادس أن قوله فأما القرب بالجهة فمعلوم بالضرورة أنه لا يحصل بسبب السجود يقال له يحتاج أن نُبَيِّن أن ظاهر الخطاب هو الاقتراب بنفس السجود والقرآن إنما فيه وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)
[ ٦ / ٤٤ ]
[العلق ١٩] وأنت لم تبين أن ظاهره الاقتراب بالسجود واعلم أنا نحن لا ننازع في السجود يكون بع اقتراب كما لا ننازع في أن الاقتراب إلى الله ولكن نحن كل ما نقوله لا ندعي أنه يخالف ظاهر القرآن بل إما أن يكون ظاهر القرآن دالًاّ عليه أو هو معلوم من ظاهر القرآن ومن دليل آخر أو معلوم من دليل لا يعارضه ظاهر القرآن الوجه السابع أن يقال له المعلوم بالضرورة أنه لا يكون اقتراب فعلي إلا الاقتراب بالجهة أي شيء كان المتقرب إليه فإذا أمر العبد أن يقرب إلى شيء أو يتباعد عنه أو يتقرب من شيء أو يتباعد عنه لم يعقل إلا الاقتراب والتباعد بالجهة وكذلك إذا قيل فلان قد تقرب إلى كذا أو تباعد منه فالمعلوم بالضرورة أن التقرب بالأفعال لا يكون إلا اقترابًا بالجهة
[ ٦ / ٤٥ ]
فإن قيل فقد يقال هذا قريب من هذا بمعنى أنه مشابه له قيل عنه جوابان أحدهما أن هذا قرب في الصفات ونحن قلنا التقرب بالأفعال الثاني أن القرب هاهنا بالجهة أي هذا مكانه ومكانته قريب من هذا كما بسطنا هذا الكلام في موضعه فإن قيل القرب والبعد لا يعقل إلا للأجسام قيل وجميع ما يوصف به الرب مثل العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والرحمة والغضب والرضا والسخط والإرادة والمحبة والفعل وغير ذلك لا يعقل إلا للأجسام سواء بسواء فنفي إحدى الصفات بمثل هذا الكلام كنفي سائر الصفات وذلك باطل بالاتفاق ويقال هنا جواب مركب وهو أن هذه الصفات إما أن
[ ٦ / ٤٦ ]
تكون في نفس الأمر لا تقوم إلا بما هو جسم أو لا تكون فإذا كان الأول لم يكن القول بالجسم باطلا على الإطلاق ولم يصح نفي الجسم مطلقًا بل يُنفى الباطل وإن كان الثاني كان قولهم هذه الصفات لا تكون إلا للأجسام قولًا باطلًا فهذا الكلام يبين بطلان إحدى المقدمتين لا بعينها وأيهما بطلت بطلت هذه المعارضة العقلية القياسية التي
[ ٦ / ٤٧ ]
تزعمون أنها توجب تأويل النصوص الوجه الثامن قوله فإن هذا القرب ليس إلا بالطاعة والعبودية فأما القرب بالجهة فمعلوم بالضرورة أنه لا يحصل بسبب السجود يقال هذا الكلام تضمن إثبات القرب الأول ونفي الثاني وأنهما متناقضان متضادان وليس فيما ذكرته بيان تناقضهما فإن كون القرب بالطاعة والعبودية لا ينافي كونه بالجهة إذ الطاعة هي فعل المقترب والجهة مكان فعله ولا منافاة بين الفعل والمكان فإن يُثْبِت قربًا ينافي قرب الجهة كان كلامه باطلًا وهذا ممتنع فليس في شيء من أنواع القرب ما ينافي قرب الجهة إذ القرب مستلزم الجهة الوجه التاسع قولك القرب بالجهة معلوم بالضرورة أنه
[ ٦ / ٤٨ ]
لا يحصل بسبب السجود يقال تدعي أنه لا يحصل إلى الله أو لا يحصل إلى الله ولا إلى غيره فإن كان المدعى هو الثاني فهذا تعطيل للنص لا تأويل فإنك إذا ادعيت أن القرب لا يتصور إلى شيء من الأشياء بالجهة امتنع أن يكون العبد متقربًا إلى شيء من الأشياء وتسمية العمل الذي ليس فيه قرب إلى شيء تقربًا لا يكون لا حقيقة ولا مجازًا فيكون باطلًا ويكون قلبًا للغة وتبديلًا لها وإن ادعى أن القرب يحصل إلى غير الله بالجهة كان قوله إن القرب بالجهة يعلم بالضرورة أنه لا يحصل بسبب السجود إطلاقًا باطلًا بل كان عليه أن يقول لا يحصل إلى غير الله وإذا قال ذلك قيل له لا فرق بين كون السجود مقربًا بالجهة إلى الله أو إلى غيره وهذا الوجه بيِّنٌ ظاهر فإنه بين أمرين إما أن يسمى ما ليس فيه تقرب بوجه من الوجوه تقربًا وإما أن يخالف ما ادعاه من العلم الضروري
[ ٦ / ٤٩ ]
وعلى التقديرين فهو يبطل بل مضمون قوله إنه زعم أن القرآن باطل بالضرورة الوجه العاشر أن يقال بل التقرب إلى الله بالسجود حق كما دلت عليه النصوص مثل قول النبي ﷺ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأخبر أن العبد يقرب من ربه وأنه أقرب ما يكون العبد في سجوده وقال في الحديث الآخر أقرب ما يكون الرب من عبده في جوف الليل الآخر فهذا قرب الرب من عبده وذاك قرب العبد من ربه وقوله تعالى وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) [العلق ١٩]
[ ٦ / ٥٠ ]
يدل على ذلك لأن قوله وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) ذكر بعد قوله اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) إلى قوله أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) إلى قوله كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) [العلق ١٩] ومعلوم أنه ذكر الصلاة لله وأمر بالسجود لله فقوله وَاقْتَرِبْ (١٩) [العلق ١٩] أيضًا أمر بالاقتراب إلى الله وحذف مثل هذا المفعول للاختصار كثير في كلام العرب لدلالة الكلام ودلالة الحال عليه فإنه إذا كان قد أمره أن يقرأ باسم ربه الذي خلق فَلأن يكون السجود له والاقتراب إليه أولى وأحرى وأمره بالاقتراب مطلق لا يتقيد بالسجود بل يكون الاقتراب بالسجود وبغير السجود وإن كان العبد أقرب ما يكون من ربه إذا كان ساجدًا ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ
[ ٦ / ٥١ ]
قال يقول الله تعالى من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولايزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه فإذا أحبَبْتُهُ كنت سمعه الذي يسمع به وبَصَرَه الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولأن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله تَرَددِي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه
[ ٦ / ٥٢ ]
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال يقول الله من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ومن تقرب إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا ومن تقرب إليَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة وذكر التقرب إلى الله بالأعمال الصالحة كثير في الأحاديث وقد قال تعالى في كتابه أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ
[ ٦ / ٥٣ ]
[الإسراء ٥٧] وابتغاء الوسيلة إلى ربهم أيهم اقرب هو طلب التقرب إليه وقال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة ٣٥] وقال تعالى وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧) [سبأ ٣٧] وقال تعالى وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) [الواقعة ١٠-١٢] وقال فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) [الواقعة ٨٨-٨٩] وقال وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) [المطففين ٢٧-٢٨] فوصف خير الأصناف الثلاثة من عباده بأنهم المقربون
[ ٦ / ٥٤ ]
وقال تعالى في موسى وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) [مريم ٥٢] وقال في داود وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) [ص ٢٥] والزلفى هو القرب وفي الأثر المحفوظ عن مجاهد عن عبيد بن عمير قال يدنيه حتى يَمَسَّ بعضه رواه حماد بن
[ ٦ / ٥٥ ]
سلمة والثوري وسفيان بن عيينة عن ابن أبي
[ ٦ / ٥٦ ]
نجيح عن مجاهد وقال في أم المسيح يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) [آل عمران ٤٥] وقال في الملائكة لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) [النساء ١٧٢] وهذا أمر مستقر في الفطر حتى المشركين الذين يعبدون الأوثان أخبر عنهم بقوله تعالى وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر ٣] والله لم ينكر على المشركين طلب التقرب إلى الله تعالى وإنما أنكر عليهم أنهم اتخذوا أولياء من دونه يتقربون
[ ٦ / ٥٧ ]
بعبادتهم إليه وهو تعالى لم يشرع ذلك ولم يأمر به بل إنما يُتَقَرَّبُ إليه بعبادته وحده لا شريك له فأما قوله فأما القرب بالجهة فمعلوم بالضرورة أنه لا يحصل بسبب السجود فيقال له المعلوم بالضرورة أن جسد الإنسان لا يرتفع في السجود إلى فوق وليس قربه مجرد قرب جسده كما أن تقارب بني آدم وتباعدهم ليس بمجرد قرب الجسد وبعده بل كما قال قائلهم وإن كانت الأجساد منا تباعدت فإن المدى بين القلوب قريب وذلك أن قلوب بني آدم وأرواحهم لها قرب وبعد وحركة وصعود وهبوط ومكانة كما أن الجسد له كذلك والناس يحس أحدهم بقرب قلب بعض الناس من قلبه وبعده منه فالساجد إذا سجد يتقرب قلبه وروحه إلى الله تعالى نفسه وكذلك الأعمال الصالحة جميعها التي يتقرب بها إلى
[ ٦ / ٥٨ ]
الله تقرب بها روحه وقلبه إلى الله نفسه فإذا كان في الدار الآخرة قرب جسده أيضَا مع قلبه ورفع بعضهم فوق بعض درجات وظهر في الدار الآخرة ما كان باطنًا في الدنيا وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ولو قال قائل إن السجود وغيره من الأعمال الصالحة هي تورث القرب إلى الله تعالى كما قال وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [آل عمران ١٣٣] والمغفرة والجنة ليست من أفعالهم لكن المسارعة إليها هو بالمسارعة إلى الأعمال الصالحة الموجبة لذلك فكذلك الأمر بالاقتراب إلى الله تعالى هو أمر بالأعمال الموجبة لذلك فكان في هذا الكلام ما يَرُد على المنازع ويمنع أن يكون ظاهر القرآن ضلالًا
[ ٦ / ٥٩ ]
يقرر ذلك أن الله تعالى قد أخبر في غير موضع من كتابه بانتهاء العباد إليه عمومًا وخصوصًا فقال يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) [الانشقاق ٦] فذكر أنه كادح إليه وأنه ملاقيه وقال تعالى وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) [الأنعام ٣٨] وقال تعالى وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) [المائدة ٤٨] وقال كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) [العلق ٦-٨] وقال تعالى إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦) [الغاشية ٢٥-٢٦] وقال تعالى وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢) [الأنعام ٦٠-٦٢] وقال تعالى وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ [الأنعام ٩٤] وقال وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦) [يونس ٤٦] وقال فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
[ ٦ / ٦٠ ]
فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧) [غافر ٧٧] وقال وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) إلى قوله تعالى وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا [الأنعام ٢٧-٣١] فأخبر أنهم يقفون على ربهم وأخبر أن الذين كذبوا بلقاء الله خاسرون وقال تعالى وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) [السجدة ١٠-١٢] فذكر كفرهم بلقاء ربهم وذكر أنهم يرجعون إلى ربهم بعد الموت وذكر أن المجرمين ينكسون رؤوسهم عند ربهم وقال وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦) [البقرة ٤٥-٤٦] وقال فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠) [الكهف ١١٠] وقال تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤) [الأحزاب ٤٤] وقال الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ
[ ٦ / ٦١ ]
مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧) [البقرة ١٥٦-١٥٧] وقال يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) [القيامة ١٠-١٣] وقال إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) [القيامة ٣٠] وقال يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) [الفجر ٢٧-٣٠] وقال إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إلى قوله إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا إلى قوله تعالى فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) إلى قوله وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس ١٣-١٥] وقال وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) [الأنعام ٥١] وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه سمعه
[ ٦ / ٦٢ ]
يقول يدنو المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع كَنَفَهُ عليه فيقول هل تعرف فيقول أعرف ربِّ فيقول هل تعرف فيقول أعرف رب فيبلغ من ذلك ما شاء الله فيقول الله إني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أسترها عليك اليوم قال وأما الكافر أو المنافق فينادى عليهم على رؤوس الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين
[ ٦ / ٦٣ ]
وقد ذكر ﷾ السعي إليه في الدنيا كقوله تعالى عن الخليل ﷺ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) [الصافات ٨٤] فقال الخليل ﷺ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) [الصافات ٩٩] وقال موسى ﷺ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) [طه ٨٤] وقول المسيح ﷺ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران ٥٢] وفي الصف قال تعالى فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) [الذاريات ٥٠] وقال تعالى وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزمر ٥٤] وقال وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) [النور ٣١] وقال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم ٨] وقال المؤمنون رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ
[ ٦ / ٦٤ ]
أَنَبْنَا [الممتحنة ٤] وقال وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) [الشورى ١٠] وقال تعالى اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) [الشورى ١٣] وقال وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠) [الرعد ٣٠] وقول نبينا ﷺ إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه
[ ٦ / ٦٥ ]
وفي الحديث الذي علمه البراء بن عازب اللهم إني أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وألجأت ظهري إليك وفوضت أمري إليك رغبة ورهبة إليك لاملجأ ولا منجا منك إلا إليك وفي حديث المباهاة يوم عرفة يقول الله تعالى انظروا
[ ٦ / ٦٦ ]
إلى عبادي أتوني شعثًَا غبرًا ما أراد هؤلاء والسجود هو نهاية خضوع العبد وتواضعه والعبد كلما تواضع رفعه الله كما في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله
[ ٦ / ٦٧ ]
فالمتواضع لله الذي ذلَّ واستكان لله تعالى لا لخلقه يكون قلبه قريبًا من الله فيرفعه الله بذلك فهو في الظاهر هابط نازل وفي الباطن وهو في الحقيقة صاعد عالٍ كما في مسند الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ وهو محفوظ عن عمر موقوفًا قال ما من أحد إلا وفي
[ ٦ / ٦٨ ]
رأسه حَكَمَة فإن رفعَ رأسه قيل له انتكس نَكَسَكَ الله وإن طأطأ رأسه قيل له انتعش نَعَشَكَ الله
[ ٦ / ٦٩ ]
فالمتكبر الذي يطلب الاستعلاء يعاقب بأن يخفضه الله وينكسه والمتواضع الذي يتواضع لله فيطأطئ رأسه لله يثيبه الله بأن ينعشه ويرفعه وكل هذه أمور حقيقية وسنبسط الكلام إن شاء الله على ذلك في الكلام على نصوص العلو وما يتبعه
[ ٦ / ٧٠ ]
فصل: في الرد على الرازي بزعمه الإجماع على تأويل صفة الوجه
الوجه الأول: السلف لم يتأولوا آيات الصفات
فصل قال الرازي السدس قوله تعالى فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة ١١٥] وقال تعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) [الواقعة ٨٥] قلت أما آية القرب فهي نظير قوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) [ق ١٦] وقد تقدمت وأما قوله فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة ١١٥] فلم يذكر من أي وجه يجب مخالفة ظاهر الآية وكأنه يقول ظاهرها أن نفس صفة الله ثَمَّ وصفة الله لا تكون ثَمَّ والكلام على هذه الآية من وجوه أحدها أن يقال نحو ما ذكرتُه في بعض المجالس فإن هذه الآية هي التي أوردها عليّ بعض أكابر
[ ٦ / ٧١ ]
الجهمية لما ذكرت أن السلف لم يتأولوا آيات الصفات وأخبارها وجرى في ذلك مناظرة مشهورة وكانوا أيامًا يكشفون الكتب ويطالعون ما قدروا عليه ويفتشون الخزائن حتى وجدوا ما زعموا أنهم يعارضون به فلما اجتمعنا في المجلس الثاني أو الثالث قال ذلك الشخص قد وجدنا عن السلف أنهم تأولوا فقلت لعلك قد وجدت قولهم في قوله تعالى فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة ١١٥] أي قبلة الله فقال نعم فقلت هذا معروف عن مجاهد والشافعي
[ ٦ / ٧٢ ]
وغيرهما وهذا حق ولكن ليس هو من باب التأويل فإن لفظ الوجه ظاهر هنا في الوجهة على قول هؤلاء وقد قال تعالى وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة ١٤٨] فأخبر أن الوجهة يوليها العبد أي يتولاها أي يستقبلها ويقولون أي وجه تقصد أَيْ أَيّ وجهة تقصد وفلان قد قصد هذا الوجه وجاء من هذا الوجه أي الوجهة والجهة وهو قد قال وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة ١١٥] وهذه هي الجهات ثم قال فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة ١١٥] أي تستقبلوا فإن ولى هنا فعل لازم بمعنى تولى واستقبل وإن كان يستعمل أيضًا متعديًا فقد قرئ هُوَ مُوَلِّيهَا وهو مُولَّاها
[ ٦ / ٧٣ ]
الوجه الثاني: قد يراد بالوجه الجهة
وهذا كما يقال وجه وتوجه وقدم وتقدم وبين وتبين فالمعنى أينما تستقبلوا فثم وجه الله أي مكان تستقبلوه فهنالك وجه الله والمقصود بهذا الكلام أن من قال من السلف والأئمة لم يقولوه لأنهم ينفون وجه الله الذي يراه المؤمنون في الآخرة ل قالوه لأن ذلك ظاهر الخطاب عندهم لأن لفظ الوجه مشهور أنه يقصد به الجهة والقبلة هي الجهة وقد اخبر أن وجهه ثم أي في ذلك المكان وهذا يناسب أن يكون قبلته في ذلك المكان لأن صفته ليست في مكان فهذا القول ليس عندنا من باب التأويل الذي هو مخالفة الظاهر أصلًا وليس المقصود نصر هذا القول بل بيان توجيهه وأن قائليه من السلف لم يكونوا من نفاة الصفة ولا ممن يقول ظاهر الآية ممتنع ثم يقال هنا جواب مطلق وهو أن الوجه يراد به الجهة ولا يكون ذلك خرفًا لظاهر الخطاب إذ كان ذلك
[ ٦ / ٧٤ ]
مبينًا في الكلام كقول أنس في حديث الاستسقاء فلم يقدم أحد من وجه من الوجوه إلا أخبر بالجود فهذه الآية إما أن يكون ظاهرها أن وجه الله الذي هو الصفة ثم أو يكون ظاهرها أن الذي ثم هو القبلة
[ ٦ / ٧٥ ]
المخلوقة فقط أو يكون ظاهرها أن كلاهما ثم أو تكون مجملة تحتمل الأمرين فإن كان ظاهرها هو الأول أقرت على ظاهرها ولا محذور في ذلك ومن يقول هذا لا يقول إن وجه الله هو نفسه في نفس الأجسام المستقبلة فإن هذا لا يقوله أحد من أهل السنة بل يقول فثم إشارة إلى البعيد وقوله فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا [البقرة ١١٥] أي أينما تستقبلوا والعبد إذا قام إلى الصلاة فإنه يستقبل ربه والله يقبل عليه بوجهه ما لم يصرف وجهه عنه كما تواترت بذلك الأحاديث الصحاح عن النبي ﷺ مثل قوله إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإنما يستقبل ربه وإذا
[ ٦ / ٧٦ ]
كان كذلك فقد أخبر أنه أينما استقبل العبد فإنه يستقبل وجه الله فإن ثم وجه الله فإن الله فوق عرشه على سمواته وهو محيط بالعالم كله فأينما ولى العبد فإن الله يستقبله وعلى هذا فقوله ثم إشارة إلى ما دل عليه أينما وهو المستقبل وهذا مبسوط في غير هذا الموضع وإن كان ظاهرها أن الذي ثم هو القبلة المخلوقة فقط لم تكن مصروفة عن ظاهرها إذا فسرت بذلك وتوجيه ذلك أن يقال قوله فثم إشارة إلى مكان وجود والله تعالى فوق العالم ليس هو في جوف الأمكنة لكن يرد على هذا أن يقال لو أراد الله ذلك لقال فأينما تولوا فوجهوا الله لأنه إذا لم يرد بالوجه إلا الجهة المستقبلة فهي التي تولى كما قال وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة ١٤٨] فأخبر أن العباد يولون نفس الوجهة فإذا كان المراد بالوجه الوجهة قال فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة ١١٥]
[ ٦ / ٧٧ ]
أي فهو قبلة الله وقد يؤكد ذلك بأن يقال لفظ الوجه وإن كان مراده الجهة لكن الله إنما سمى القبلة في كتابه وجهه لم يسمها وجهًا فيفسر القرآن بعضه ببعض ويقال أيضًا إذا كان المراد ليس هو إلا أن هناك قبلة مخلوقة لله فهذا قد عرف بقوله وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة ١١٥] وأما إن قيل إن ظاهرها يتناول الأمرين وقول مجاهد وغيره لا ينافي ذلك فإن القبلة ما يستقبله المصلي وقد ثبت بالنصوص المتواترة أن المصلي يستقبل ربه وهو أيضًا يستقبل القبلة المخلوقة القريبة منه وهي السترة والبعيدة عنه وهي الكعبة مثلًا فإن كلاهما يسمى قبلة إذ القبلة ما يستقبل فيكون على هذا قوله فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة ١١٥] أي فثم جهته التي يصلي إليها وثم وجهه الذي يستقبله المصلي وكل ذلك موجود في توجه العبد وليس في ظاهر القرآن أن الله تعالى في جوف المخلوقات وإنما قال فثم وهذا إشارة إلى ما استقبل
[ ٦ / ٧٨ ]
الوجه الثالث: هذه الآية دالة على الصفة
فتناول العالم وما وراءه وما فوقه فإن ذلك كله يستقبله العبد ومن قال هذا قال إن الله ذكر هذا الموضع بلفظ الوجه لا بلفظ الجهة والكلام هو في استقبال القبلة في الصلاة فلا يجوز حمل الآية على أحد المعنيين دون الثاني وقد تقدم بيان أنه لا يجوز حمله على الوجهة فقط وكذلك لا يجوز حمله على صفة الله فقط لأن المقصود بالآية بيان جواز استقبال تلك الجهة في الصلاة فلابد من دلالتها على هذا الحكم يوضح ذلك أن المصلي إنما مقصوده التوجه إلى ربه وكان من المناسب أن يبين له أنه إلى أي الجهات صليت فأنت متوجه إلى ربك ليس في الجهات ما يمنع التوجه إلى ربك فجاءت الآية وافية بالمقصود فقال وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة ١١٥] فأخبر أن الجميع ملكه وهو خَلْقه وقد علم بالفطرة والشرعة أن الرب فوق خلقه ومحيط به فدل ذلك على أن من استقبل شيئًا من المشرق أو المغرب فإنه متوجه إلى ربه كسائر ما يستقبله والله قبل وجهه إلى أي جهة صلى لأنه فوق ذلك كله ومحيط بذلك كله الوجه الثالث أن يقال بل هذه الآية دلت على الصفة
[ ٦ / ٧٩ ]
الوجه الرابع: بيان بطلان ادعاء الرازي الإجماع على التأويل
كغيرها وذلك هو ظاهر الخطاب وليست مصروفة عن ظاهرها وإن كانت مع ذلك دالة على استقبال قبلة مخلوقة ويجزم بذلك فلا نسلم أنها مصروفة عن ظاهرها ولفظ الوجه هو صفة الله فما الدليل على وجوب تأويلها وقوله فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة ١١٥] فيه الإشارة إلى وجه الله بأنه ثم والله تعالى يشار إليه كما تقدم تقرير هذا الوجه الرابع أن يقال أنت ادعيت أن جميع فرق الإسلام يقرون بالتأويل وذكرت هذه الآية للاحتجاج بذلك فإن لم يكن تأويلها متفقًا عليه لم ينفعك ذكرها ومعلوم عدم الاتفاق
[ ٦ / ٨٠ ]
على ذلك فإن كثيرًا من أهل الإثبات بل أكثرهم جعلها من آيات الصفات مع قولهم إن الله فوق العرش خارج العالم كما تقدم بيانه وسواء كان قولهم حقًّا أو باطلًا لا إجماع معك وإن ادعيت وجوب التأويل بدليل آخر لم ينفعك في هذا المقام
[ ٦ / ٨١ ]
فصل: في الرد على الرازي في تأويله قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾
فصل قال الرازي السابع قال تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ولاشك أنه لابد فيه من التأويل والكلام عليه من وجوه أحدها أن يقال له هذا ممنوع ولم يذكر على ذلك حجة وغايته أن يقول الاقتراض لا يكون إلا من محتاج والله الغني فيقال له أين في لغة العرب أن مسمى القرض مطلقًا يستلزم حاجة المقترض الوجه الثاني إنه من المعلوم أن المقترض من الآدميين قد يكون مستغنيًا عن الاقتراض وإنما يقترض لحاجة المُقرِض كما كان الزبير بن العوام يفعل ففي
[ ٦ / ٨٢ ]
صحيح البخاري عن عبد الله بن الزبير أنه قال حسبت ما كان على الزبير من الدين فوجدتها ألفي ألف ومائتي ألف قال وإنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه فيقول الزبير لا ولكن هو سلف إني أخشى عليه الضيعة وهذا كثير في الناس يريدون حمل أموالهم إلى مكان فيقرضونه لمليء وإذا كان هذا موجودًا في المحتاجين من بني آدم فكيف
[ ٦ / ٨٣ ]
يقال إن لفظ القرض في حق الله تعالى ظاهره حاجة الله تعالى ومعلوم أن العبد محتاج إلى حسنات يثاب عليها فالله تعالى إذا اقترض منه ما يحفظ له حتى يؤديه إليه وقت حاجته إليه ألم يكن محسنًا باقتراضه ولايمنع ذلك أن يكون مقترضًا الوجه الثالث أن الإنسان يقترض لغيره بطريق الأمر بالمعروف والصلة والإحسان إلى الاثنين إلى المقترض لدفع حاجته وإلى المقرض ليحصل له الأجر ومع ذلك يضمن المقترض ماله ويقول لا تعرفه إلا مني فالله تعالى إذا اقترض من بعض عباده لبعض فرزق هذا المقترض وأثاب هذا المقرض وضمن له الوفاء الأكمل كيف يكون تسميته هذا قرضًا مخالفة للظاهر الوجه الرابع أن الإنسان يقترض من عبده ما أعطاه إياه ولو شاء أن ينتزعه منه بغير إقراض لساغ له في الشريعة لكن يأخذه اقتراضًا إحسانًا إليه ويعطيه لمن يحتاج إليه إما عبد آخر أو غيره والله سبحانه وهو المالك للخلق ولأموالهم وقد أعطاهم وأباح لهم فيها من التصرف ما أعطى
[ ٦ / ٨٤ ]
وأباح ولو شاء أن ينتزعها منهم وهو غير ظالم لفعل فإذا أحسن إليهم بأن أخذ ما يأخذه قرضًا ليعطيه عبدًا آخر وأحسن إلى هذا المقرض بما يثيبه عليه كيف يمتنع أن يكون هذا قرضًا الوجه الخامس إن هذا السؤال هو سؤال اليهود الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران ١٨١] فإن الله تعالى لما أنزل هذه الآية قال بعض اليهود إنما يقترض الفقير فالله فقير ونحن الأغنياء الوجه السادس أن يقال المعنى في قوله مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [البقرة ٢٤٥] هو ظاهر متفق عليه ليس فيه اشتباه ولا نزاع وكل من سمع هذا الخطاب علم المراد به هو التقرب إلى الله بإنفاق المال في سبيله غاية ما في هذا الباب أن يقول بعض الناس تسمية هذا
[ ٦ / ٨٥ ]
قرضًا مجاز وكون اللفظ مجازًا لا يمنع أن يكون هو ظاهر الخطاب فإن المجاز المقرون بالقرائن اللفظية المبينة نص في معناه ليس للخطاب ظاهر إلا ذلك المعنى وليس الكلام هنا في كون اللفظ حقيقة أو مجازًا أو كون القرآن مشتملا على المجاز فإن هذه مسألة أخرى وشواهدها أضعاف ما ذكره وإنما المقصود هنا أن قولك إن الطوائف متفقة على وجوب التأويل في بعض ظواهر القرآن والأخبار والتأويل صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره فهل ظاهر هذه
[ ٦ / ٨٦ ]
الآيات عند من يسمعها من المخاطبين خلاف ما أريد بها حتى يقال إنها متأولة وإنما تدخل الشبهة على هؤلاء بأن يقولوا القرض لايكون إلا لحاجة المقترض وانتفاعه هو به فيقال لهم هب أن الأمر كذلك في حق المخلوق فالقرض هنا مضاف إلى الله والمعنى ظاهر مفهوم وهو الصدقة على عباده والإنفاق في سبيله لم يظهر لأحد قط أن الله نفسه محتاج في نفسه إلى الانتفاع بالقرض فأكثر ما يقال إن تسمية هذا قرضًا مجاز لكن ليس هذا المجاز هو الظاهر من هذا اللفظ بعد التركيب والتأليف الذي يجعله نصًّا في معناه حيث أضيف القرض إلى الله ألا ترى أن قول النبي ﷺ في خالد إنه سيف من سيوف
[ ٦ / ٨٧ ]
الله وقوله في فرس أبي طلحة إن وجدناه لبحرًا
[ ٦ / ٨٨ ]
وقول أبي بكر عن أبي قتادة لا يعمد إلى أَسَدٍ من أُسْدٍ الله ونحو ذلك
[ ٦ / ٨٩ ]
فإن قيل إن هذا مجاز فلا يقول أحد إن ظاهر هذا اللفظ أن خالدًا حديد وأن الفرس ماء وأن أبا قتادة هو السبع الذي له ناب بل اللفظ نص في خلاف هذا وهو أن خالدًا شجاع متقدم بمنزلة السيف الذي يقتل الله به أعداءه وأن الفرس جواد جرى بمنزلة البحر وأن أبا قتادة رجل شجاع بمنزلة الأسد الذي سلطه الله على أعدائه وقد بسطنا هذه القاعدة في غير هذا الموضع
[ ٦ / ٩٠ ]
فصل: في الرد على الرازي في تأويله قوله تعالى: ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾
فصل قال الرازي الثامن قوله تعالى فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ [النحل ٢٦] ولابد فيه من التأويل والكلام على هذا أن يقال التأويل هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر لدليل وهذه الآية ليس ظاهرها والمعنى المفهوم منها أن الله سبحانه نفسه جاءت ذاته من أسفل الجدران كما تجيء الهوام والحشرات من أسفل البنيان وكما يخرج المحاصرون للحصون من أسفلها إذا نقبوا الأساس بل ظاهرها المراد هدم الله بنيانهم من أصله والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس وكان بعضهم يقول هذا مثل للاستئصال وإنما معناه أن الله استأصلهم والعرب تقول ذلك إذا استؤصل الشيء قاله ابن جرير وفي كتب اللغة يقال
[ ٦ / ٩١ ]
أُتي فلان إذا أطل عليه العدو وقد أتيت يا فلان إذا أنذر عدوًّا أشرف عليه قال الله ﷿ في النحل فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ [النحل ٢٦] أي هدم بنيانهم وقلع بنيانهم من قواعده وأساسه فهدمه عليهم حتى أهلكهم فأي حاجة حينئذ إلى التأويل
[ ٦ / ٩٢ ]
فصل: في الرد على الرازي في تأويله قوله تعالى: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾
فصل قال الرازي التاسع قال تعالى لموسى وهارون إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) [طه ٤٦] وهذه المعية ليست إلا بالعلم والحفظ والرحمة فهذه وأمثالها من الأمور التي لابد لكل عاقل من الاعتراف بحملها على التأويل يقال له أما لفظ المعية فقد تقدم الكلام عليه وأما قوله إن هذه الأمور لابد لكل عاقل من الاعتراف بحملها على التأويل فالكلام عليه من وجوه أحدها أنه ادعى أن جميع فرق الإسلام مقرون بالتأويل في بعض ظواهر القرآن والأخبار وهنا ادعى وجوب الاعتراف بالتأويل فأين ذكر إقرارهم بالتأويل من ذكر وجوب إقرارهم
[ ٦ / ٩٣ ]
بالتأويل فإن غايته تبين وجوب دخولهم في التأويل وهذا القدر قد ادعاه هذا المدعي في هذا الكتاب فليس في هذه المقدمة فائدة إلا إذا كان الخصم موافقًا على ما ذكر من التأويل وإلا فهو في الموضعين ملزم له بالتأويل فيكون غايته أن يقيس موضع النزاع على مورد النزاع لقيام الحجة في الموضعين الثاني أنا قد بينا أنه ليس في هذه المواضع موضع إلا ومن الناس من ينكر التأويل فيه فبطل ما ادعاه الثالث أنه قد تبين بما تقدم أنه ليس فيها موضع واحد يجب فيه التأويل ولم يذكر على عامة ذلك حجة الرابع أنه قد تبين بما تقدم من الوجوه الكثيرة أن هذه الآيات جميعها ليس فيها ما يجوز تأويله فضلًا عن وجوب تأويله الخامس أنه ادعى أنه لابد من التأويل في بعض ظواهر
[ ٦ / ٩٤ ]
القرآن والأخبا ر بمعنى مخالفة ذلك الظاهر وقد تبين أن عامة هذه النصوص لا يظهر منها معنى باطل بل لا يظهر منها إلا ما هو حق سواء كان الظهور باللفظ المفرد أو بالتركيب
[ ٦ / ٩٥ ]
فصل: في تأويل الرازي لحديث "مرضت ولم تعدني "
فصل قال الرازي أما الأخبار فهذا النوع فيها كثير فالأول قول ﷺ حكاية عن الله تعالى مرضت فلم تعدني استطعمتك فما أطعمتني استسقيتك فما سقيتني ولا يشك كل عاقل أن المراد بها التمثيل فقط والكلام على هذا أن يقال هذا فيه من قلة المعرفة بأحاديث الرسول ومعنى التأويل ما به يضل الجهول وذلك أن هذا الحديث الصحيح له تمام آخر ذكر فيه تفسيره وأظهر فيه معناه ففي صحيح مسلم عن أنس عن النبي ﷺ قال يقول الله تعالى يوم القيامة
[ ٦ / ٩٦ ]
يا ابن آدم مرضت فلم تعدني فيقول يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ويقول يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني فيقول أي رب وكيف أسقيك وأنت رب العالمين فيقول ﵎ أما علمت أن عبدي فلانًا استسقاك فلم تسقه أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي قال ويقول يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني فيقول أي رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانًا استطعمك فلم تطعمه أما إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي فإذا كان الرب لمَّا قال لعبده مرضت وجعت قال كيف أعودك وكيف أطعمك قال إن عبدي فلانًا مرض فلو عدته لوجدتني عنده وعبدي فلان جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي فهل يكون في إظهار المعنى وبيانه وكشفه وإيضاحه أبلغ
[ ٦ / ٩٧ ]
من هذا الخطاب وإذا كان المتكلم قد أظهر المعنى وبينه كيف يجوز أن يقول لابد من التأويل في الظاهر والتأويل صرف اللفظ عن المعنى الظاهر إلى غيره فهل يجوز صرف هذا الكلام بتمامه عن هذا المعنى الذي أظهره المتكلم بل لو قيل له تأويل هذا الحديث كفر وضلال لكان متوجهًا فإن التأويل هو صرفه عن المعنى الظاهر إلى غيره فالمعنى الذي أظهره الرسول ﷺ المتكلَّم به هو أن المراد بقول جعت جوع عبدي ومرضت مرض عبدي فإن جاز أن يُصرف عن هذا المعنى اقتضى ذلك أن يكون الله نفسه هو الجائع المريض وذلك كفر صريح ولكن هذا المؤسس لم يذكر إلا بعض الحديث وكأنه ما سمع إلا ذلك فلو كان الحديث ليس فيه إلا اللفظ الذي ذكره لكان لكلامه مساغ وقيل إنه يتأول ولكن ليس الأمر كذلك ودعواه كثرة احتياج الأخبار إلى التأويل هو لقلة معرفتهم بها فإنهم لا يميزون بين صدقها وكذبها فكثيرًا ما يسمعون الكذب ويعتقدونه من جنس الصدق مبدلًا مغيرًا إما مزيدًا فيه وإما منقوصًا منه وإما مغيرًا في إعرابه كما وجدنا ذلك لهم ثم يكون حاجته إلى التأويل بحسب ذلك وهذا لا يمكن
[ ٦ / ٩٨ ]
في القرآن لأن حروف القرآن محفوظة وأما قوله ولا يشك عاقل أن المراد منها التمثيل فقط فلفظ التمثيل مجمل فليس المقصود مجرد التمثيل بأن يكون قد جعل عائد العبد كأنه قد عاد الله إذا مرض في نفسه ومطعم العبد كأنه مطعم الله إذا جاع في نفسه فيكون قد مثَّل عيادة عبده وإطعامه عيادته وإطعامه بل حمل هذا الحديث على هذا المعنى ضلال وإشراك وتشبيه لله بخلقه ورد لمعناه الحق وذلك إنما التمثيل يكون إذا كان الحكم في الأصل صحيحًا ثم قدر وجوده في الفرع والله ﷾ لا يجوز أن يُطعَم ولا يجوز أن يمرض ويعاد حتى يقال جعل إطعام عبده وعيادته مثل إطعامه وعيادته وأيضًا فإنه قد فسر المراد فقال أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلو عدته لوجدتني عنده وعبدي فلان جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي فبين أني أنا عند عبدي فإذا عدته كنت عائدًا إلي بهذا المعنى وإذا أطعمته كنت أنا الذي أقبض الصدقة وآخذها فهي لك عندي وجعل نفسه مريضًا وجائعًا
[ ٦ / ٩٩ ]
لمرض العبد الذي يحبه وجوعه كما قال وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه ولو أريد مجرد التمثيل لقيل لو عدته لكنت كأنك قد عدتني ولو أطعمته لكنت كأنك أطعمتني وهذا باطل
[ ٦ / ١٠٠ ]
فصل: في تأويل الرازي لحديث "من أتاني يمشي أتيته هرولة"
فصل قال الرازي الثاني قوله ﷺ من أتاني يمشي أتيته هرولة ولا يشك كل عاقل أن المراد منه التمثيل والتصوير يقال له هذا الحديث لفظه في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ يقول الله تعالى من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ومن تقرَّب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ولا ريب أن الله تعالى جعل تقربه من عبده جزاء لتقرب عبده إليه لأن الثواب أبدًا من جنس العمل كما قال في أوله من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وكما قال ﷺ الراحمون يرحمهم الرحمن وارحموا من في
[ ٦ / ١٠١ ]
الأرض يرحمكم من في السماء وقال لا يرحم الله من لا يرحم الناس وقال تعالى إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [محمد ٧] وقال إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩) [النساء ١٤٩] وقال وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور ٢٢] وإذا كان كذلك فظاهر الخطاب أن أحد التقديرين من جنس الآخر وكلاهما مذكور بلفظ المساحة
[ ٦ / ١٠٢ ]
فيقال لا يخلو إما أن يكون ظاهر اللفظ في تقرب العبد إلى ربه وهو تقرب بالمساحة المذكورة أو لا يكون فإن كان ذلك هو ظاهر ذلك اللفظ فإما أن يكون ممكنًا أو لا يكون فإن كان ممكنًا فالآخر أيضًا ممكن ولا يكون في ذلك مخالفة للظاهر وإن لم يكن ممكنًا فمن أظهر الأشياء للإنسان علمه بنفسه وسعيه فيكون قد ظهر للمخاطب معنى قربه بنفسه وقد علم أن قرب ربه إليه من جنس ذلك فيكون الآخر أيضًا ظاهرًا في الخطاب فلا يكون ظاهر الخطاب هو المعنى الممتنع بل ظاهره هو المعنى الحق ومن المعلوم أنه ليس ظاهر الخطاب أن العبد يتقرب إلى الله بحركة بدنه شبرًا وذراعًا ومشيًا وهرولة لكن قد يقال عدم ظهور هذا هو للقرينة الحسية العقلية وهو أن العبد يعلم أن تقربه ليس على هذا الوجه وذلك لا يمنع أن يكون ظاهر اللفظ متروكًا يقال هذه القرينة الحسية الظاهرة لكل أحد هي أبلغ من القرينة اللفظية فيكون بمعنى الخطاب ما ظهر بها
[ ٦ / ١٠٣ ]
لا ما ظهر بدونها فقد تنازع الناس في مثل هذه القرينة المقترنة باللفظ العام هل هي من باب التخصيصات المتصلة أو المنفصلة وعلى التقديرين فالمتكلَّم الذي ظهر معناه بها لم يُضِل المخاطب ولم يلبس عليه المعنى بل هو مخاطب له بأحسن البيان ثم يقال الحجة لمن جعل ذلك مخصصًا متصلًا لا من منع ذلك أن يكون ذلك تخصيصًا
[ ٦ / ١٠٤ ]
فصل: في نقل الرازي عن الغزالي إقرار أحمد بن حنبل بالتأويل والرد على ذلك
فصل قال الرازي الوجه الثالث نقل الشيخ الغزالي عن أحمد بن حنبل أنه أقر بالتأويل في ثلاثة من الأحاديث أحدها قوله ﷺ الحجر الأسود يمين الله في الأرض
[ ٦ / ١٠٥ ]
وثانيها قوله ﷺ إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن
[ ٦ / ١٠٦ ]
بيان أن ما نقله الرازي عن الغزالي خلاف ما في "الإحياء"
وثالثها قوله ﷺ حاكيًا عن الله أنا جليس من ذكرني والكلام على هذا من وجوه أحدها أن الذي ذكره الغزالي في كتابه المسمى بإحياء علوم الدين أنه قال سمعت بعض أصحابه يقول
[ ٦ / ١٠٧ ]
إنه حسم الباب في التأويل إلا لثلاثة ألفاظ قوله ﷺ الحجر الأسود يمين الله في الأرض وقوله ﷺ قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن وقوله ﷺ إني
[ ٦ / ١٠٨ ]
أجد نفس الرحمن من قبل اليمين فقد نقل عن الغزالي خلاف ما ذكر في الإحياء فإما أن يكون هو غلط في النقل عن الغزالي أو الغزالي نقل في كتاب آخر خلاف ما نقل في الإحياء وعلى التقديرين فيعلم أن هذا النقل الذي ذكره غير مضبوط الثاني أنا قد تكلمنا على ما ذكره الغزالي في هذا الباب ونحوه وبينا أن في هؤلاء من القصور في معرفة الكتاب والسنة وحقائق الإيمان ومعرفة السلف وكلامهم ما أوجب ظهور ما يظهر منهم من التناقض والبدع وطريق الزنادقة
[ ٦ / ١٠٩ ]
المنافقين وفتح باب الإلحاد والتحريف فإنهم قليلو المعرفة بالأحاديث النبوية والآثار السلفية ومعاني الكتاب والسنة إلى الغاية وهم في المعقولات في غاية الاضطراب وللغزالي في ذم الكلام والمتكلمين والفلاسفة ما يطول
[ ٦ / ١١٠ ]
ذكره وهذه الأمور أكبر من عقول عامة الخلائق وغاية المتكلم فيها أن يتكلم بمبلغ علمه ومقدار علمه وسمعه ونهاية اجتهاده ووسعه كما يفعله أبو حامد ونحوه إذا اجتهدوا وقصدوا الحق مع سعة مرادهم وتفننهم في علوم كثيرة وهذا الكلام الذي نقله عن أبي حامد ذكره لما تكلم عن مراتب التأويلات واختلاف الناس فيها وقد تكلمنا على ما ذكره في ذلك في الأجوبة المصرية وغيرها وسنتكلم
[ ٦ / ١١١ ]
إن شاء الله تعالى على ما ذكره الغزالي وغيره إذا تكلمنا على ما ذكره الرازي في الفرق بين ما يؤول وما لا يؤول فإنهم جميعهم مضطربون في الأصل كما أنهم مقصرون في معرفة السلف والأئمة وما دل عليه الكتاب والسنة لكن المقصود هنا ذكر ما نقله عن أحمد فإنه قال في أثناء كلامه في التأويلات وفي هذا المقام لأرباب المقامات إسراف واقتصاد فمن مسرف في دفع الظواهر انتهى إلى تغيير جميع الظواهر أو أكثرها حتى حملوا قوله تعالى وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ [يس ٦٥]
[ ٦ / ١١٢ ]
وقوله وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت ٢١] وكذلك جميع المخاطبات التي تجري من منكر ونكير والميزان والحساب ومناظرات أهل النار وأهل الجنة وفي قولهم أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله زعموا أن كل ذلك لسان الحال قال وغلا آخرون منهم أحمد بن حنبل حتى منع تأويل قوله تعالى كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) وزعموا أن ذلك خطاب بحرف وصوت يوجد من الله تعالى في كل لحظة بعدد كل مكون حتى سمعت لبعض أصحابه أنه حسم الباب في التأويل إلا لثلاثة ألفاظ قوله ﷺ الحجر الأسود يمين الله
[ ٦ / ١١٣ ]
في الأرض وقوله ﷺ قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن وقوله ﷺ إني أجد نفس الرحمن من جانب اليمن ومال إلى حسم الباب أرباب الظواهر قال والظن بأحمد بن حنبل أنه علم أن الاستواء ليس هو الاستقرار والنزول ليس هو الانتقال ولكنه منع من التأويل حسمًا للباب ورعاية لصلاح الخلق فإنه إذا فتح الباب اتسع الخرق وخرج عن الضبط وجاوز الاقتصاد إذ حد الاقتصاد لا ينضبط ويشهد له سيرة السلف فإنهم كانوا يقولون أمروها كما جاءت حتى قال مالك لما سئل عن
[ ٦ / ١١٤ ]
الاستواء فقال الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة
[ ٦ / ١١٥ ]
قال وذهب طائفة إلى الاقتصاد ففتحوا باب التأويل في كل ما يتعلق بصفات الله تعالى وتركوا ما يتعلق بالآخرة على ظواهرها ومنعوا التأويل وهم الأشعرية وزاد المعتزلة عليهم حتى أولوا من صفات الله تعالى تعلق الرؤية به وأولوا كونه سميعًا بصيرًا وأولوا المعراج وزعموا أنه لم يكن بالجسد وأولوا عذاب القبر والميزان والصراط وجملة من أحكام الآخرة لكن أقروا بحشر
[ ٦ / ١١٦ ]
الأجساد بالجنة وباشتمالها على المأكولات والمشروبات والمنكوحات والملاذ المحسوسة وبالنار وباشتمالها على جسم محسوس محرق تحرق الجلود وتذيب الشحوم ومن ترقيهم على هذا الحد تدرجت الفلاسفة فأولوا كل ما ورد في الآخرة وردوها إلى آلام عقلية روحانية ولذات عقلية وأنكروا حشر الأجساد وقالوا ببقاء النفوس وأنها تكون إما معذبة وإما منعمة بعذاب ونعيم لا يدركه الحس وهؤلاء هم المسرفون وحد هذا الاقتصاد بين هذا الانحلال وبين جمود الحنابلة دقيق غامض لا يطلع عليه إلا الموفقون الذين يدركون الأمور بنور إلهي لا بالسماع ثم إذا انكشفت لهم أسرار الأمور على ما هي عليه نظروا إلى السمع والألفاظ الواردة فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين وقرروه وما خالف ما أولوه فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرد
[ ٦ / ١١٧ ]
فلا يستقر له فيه قدم ولا يتعين له موقف والأليق بالمقتصر على السمع المجرد مقام أحمد بن حنبل والآن فكشف الغطاء في حد الاقتصاد في هذه الأمور داخل في علم المكاشفة
[ ٦ / ١١٨ ]
والقول فيه يطول قلت وقد تكلمنا على هذا الكلام وما فيه من مردود مقبول وما فيه من عزل الرسول ﷺ عزلًا معنويًّا وإحالة الخلائق على الخيالات والمجهولات وفتح باب النفاق وبيناه في الأجوبة المصرية والمقصود هنا أن أبا حامد تكلم بمبلغ علمه وما وصل إليه من كلام السلف والأئمة ولهذا كلامه في ذلك في غاية التقصير فإن كلام الإمام أحمد بن حنبل في الأصول مع أنه ملء الدنيا وقد صنف في ذلك مصنفات وما من مسألة منها إلا وقد ذكر فيها من الدلائل وكلام الله ورسوله والصحابة والتابعين وما شاء الله وناظر الجهمية وغيرهم من الذين حرفوا باب الإيمان بالله واليوم الآخر ومع هذا فلم يكن
[ ٦ / ١١٩ ]
عنده منه شيء وكذلك غير كلام أحمد بن حنبل من كلام الصحابة والتابعين فيه أعظم مما في كلام أحمد بن حنبل ونحوه فإن أحمد بن حنبل لم يبتدع من عنده شيئًا ولكن كان أعلم أهل زمانه بما أنزل الله على رسوله وما كان عليه الصحابة والتابعون وكان أتبع الناس لذلك وابتلى بالمخالفين من أهل الأهواء ومناظرتهم بالخطاب والكتاب والرد عليهم فأظهر من علوم السلف ما هو متبع فيه كسائر الأئمة قبله وما من قول يقوله إلا وقد قاله بلفظه أو بمعناه ما شاء الله من الأئمة قبله وفي زمانه وعليه من الدلائل ما شاء الله فلهذا اتخذته الأمة إمامًا لأن الله تعالى يقول وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤) [السجدة ٢٤] وكان الإمام أحمد رحمه الله تعالى ممن آتاه الله من الصبر واليقين بآيات الله ما استحق به الإمامة حتى اشتهر ذلك عند الخاصة والعامة فصار لفظ الإمامة مقرونًا باسمه أكثر وأشهر مما يقترن باسم غيره
[ ٦ / ١٢٠ ]
قال أبو بكر الخلال في أثناء كتاب السنة قال أبو بكر المروذي قال وقال ابن
[ ٦ / ١٢١ ]
دريد في قوله تعالى وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) [الصافات ١٧٣] هم أهل السنة وقال عبد الوهاب الوراق إن لم يكونوا هذه العصابة
[ ٦ / ١٢٢ ]
فلا أدري أي عصابة هي قال أبو بكر الخلال فهي عصابة أحمد بن حنبل ﵁ الذابون عن السنة المحيون لما أماته الناس من السنن عن أهل الخلاف وإظهار ذلك وإحياء أمر المجانبة لأهل الزيغ والجدال والتمسك بما عليه إمام الناس في زمانه أحمد بن حنبل ﵁ وأبو حامد كانت مواده في العلوم الإلهية من المتكلمين والفلاسفة والصوفية الذين فهم كلامهم وقد
[ ٦ / ١٢٣ ]
ذكر في المنقذ من الضلال أن هؤلاء هم والباطنية هم الخائضون في هذا الفن وذكر بعض ما في طريق الباطنية
[ ٦ / ١٢٤ ]
من الضلال وهو كثيرًا يعيب طريقة المتكلمين والفلاسفة ويذكر أنها لا توصل إلى علم ويقين وكان يؤثر من طريق الصوفية مجملات لم يفصلها ولم تتفصل له بل يحيل على مكاشفات ومشاهدات لا وصل إليها ولا رأى من وصل إليها فأما الطريقة التي لخاصة المسلمين أهل الوراثة النبوية والخلافة الرسالية أهل السنة ظاهرًا وباطنًا المقتبسين من مشكاة الرسالة أهل العلم والإيمان الذين يرون أن ما أنزل إلى محمد ﷺ هو الحق من ربهم الذين قذف الله في قلوبهم من نوره ما أبصروا به وأيقنوا بحقائق ما جاء به الرسول ﷺ فهؤلاء لم يصل أبو حامد إلى معرفتهم ومعرفة طريقهم وإن كان يومئ إليهم جملة لا تفصيلًا ويشتاق إلى سبيلهم لكونه
[ ٦ / ١٢٥ ]
كان قليل المعرفة بالحديث والآثار والمعرفة لمعانيها وكان يقول بضاعتي من الحديث مزجاة كما نقل عنه أبوبكر بن العربي أنه سمعه منه ولهذا في كتبه من المنقولات المكذوبة الموضوعة ما شاء الله مع أن تلك الأبواب يكون فيها من الأحاديث الصحيحة ما فيه كفاية وشفاء ومن ذلك هذا النقل الذي نقله عن أحمد فإنه نقله عن مجهول لا يعرف وذلك المجهول أرسله إرسالًا عن أحمد ولا يتنازع من يعرف أحمد وكلامه أن هذا كذب مفترى عليه ونصوصه المنقول عنه بنقل الثقات الأثبات والمتواتر عنه يرد هذا الهذيان الذي نقله عنه بل إذا كان أبو حامد ينقل عن
[ ٦ / ١٢٦ ]
رسول الله ﷺ وعن الصحابة والتابعين من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله فكيف ما ينقله عن مثل أحمد ولم يكن ممن يتعمد الكذب فإنه كان أجل قدرًا من ذلك وكان من أعظم الناس ذكاء وطلبًا للعلم وبحثًا عن الأمور ولما قاله كان من أعظم الناس قصدًا للحق وله من الكلام الحسن المقبول أشياء عظيمة بليغة ومن حسن التقسيم والترتيب ما هو به من أحسن المصنفين لكن لكونه لم يصل إلى ما جاء به الرسول ﷺ من الطرق الصحيحة كان ينقل ذلك بحسب ما بلغه لاسيما مع هذا الأصل الفاسد إذ جعل النبوات فرعًا على غيرها وقد قيل عنه إن كثيرًا مما يذكر في كتبه مما كان يسمعه من بعض القصاص والوعاظ أو
[ ٦ / ١٢٧ ]
السؤال والشحاذين وبعض العباد والزهاد وقد قال الإمام أحمد أكذب الناس على رسول الله ﷺ القصاص والسؤال وكذلك أحاديث العباد الذين لا يضبطون مردوده حتى قال يحيى بن سعيد ما رأينا
[ ٦ / ١٢٨ ]
الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث وقال أيوب السختياني إن لي جيرانًا أرجو بركة دعائهم في السحر ولو شهد أحدهم عندي على جزرة بصل لما قبلت شهادته وقال ملك بن أنس أدركت بهذا المسجد كذا وكذا شيخًا كان يقول حدثني أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ ولهم فضل وصلاح فلم يكن يأخذ عن أحد منهم شيئًا وكان يقدم
[ ٦ / ١٢٩ ]
ابن شهاب وهو شاب فيردهم على بابه ولهذا لم يذكر أهل الصحيح عن زهاد البصرة وعبادها مثل مالك بن دينار وحبيب العجمي وفرقد
[ ٦ / ١٣٠ ]
السبخي وثابت البناني إلا لثابت وحده والباقون أبعد الناس عن تعمد الكذب لكن قد لا يحفظونه فأحاديثهم تصلح لأن يستشهد بها ويعتبر لا تصلح للاعتماد مع ما فيهم من الخير والدين والصلاح وما لهم من الكرامات والمقصود أن هذا المنقول عن أحمد كذب عليه ولم يقل أحمد قط إن قوله كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) خطاب بحرف وصوت يوجد من الله تعالى في كل لحظة بعدد كل مكون
[ ٦ / ١٣١ ]
ولا توجد هذه العبارة في شيء من كلامه ولا من كلام أصحابه وكذلك أحمد لم يحسم التأويل إلا في هذه الأحاديث الثلاثة وقد ذكرنا من كلامه في مسمى التأويل وتأويل الأحاديث في هذا الباب ما فيه كفاية وفي كتاب السنة للخلال وغيره من الكتب من كلام الإمام أحمد ما يعرف به مذهبه وسنبين أن استثناء هذه الأحاديث الثلاثة من التأويل لا يصلح أن يقوله أحد من المنتسبين إلى غلمان أحمد فضلًا عن أن يقول هو وإنما يصلح أن يثبت هذه الأحاديث ويجعلها مما يتأول مثل هؤلاء الذين لا يعرفون الأحاديث الصحيحة من الضعيفة ولا يعرفون دلالة الألفاظ حتى يميزوا ما هو تأويل مخالف للظاهر وما ليس تأويلًا مخالفًا للظاهر فلقلة معرفتهم بأعلام الهدى وهي ألفاظ الرسول ﷺ ووجه دلالتها يقعون في الحيرة والاضطراب حتى لا يميزوا بين ما يقبل من كلام الفلاسفة والمتكلمين وما يرد بل
[ ٦ / ١٣٢ ]
تارة يوافقونهم وتارة يخالفونهم وتارة يكفرونهم فهم دائمًا متناقضون في قول مختلف يؤفك عنه من أفك وأبو حامد من خيارهم وأعلمهم وأدينهم وهو مع هذا يكفر الفلاسفة فضلًا عن أن يضللهم تارة وتارة يجعل ما كفرهم به من العلم المضنون به على غير أهله ويضلل المتكلمين تارة ويجعل طريقهم ليس فيها بيان للحق وتارة يجعلها عمدته وأصله الذي يضلل من خالفه وكذلك تارة يقول في الصوفية الأقوال المتناقضة فتارة يجعلهم خاصة الأمة ويفضلهم على الفقهاء وتارة يمنع إعطاءهم الزكاة ويوجب عليهم الاكتساب
[ ٦ / ١٣٣ ]
مع إباحته إعطاء الزكاة للمتفقهة وإن كان في آخر عمره مال إلى طريقة أهل الحديث وكان كثير المطالعة لصحيح البخاري وبذلك ختم عمله وعليه مات وهو أفضل أحواله والله تعالى يغفر لنا ولسائر إخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا يجعل في قلوبنا غلًاّ للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ومع هذا فأبو حامد لم يعرف في كلامه خروج إلى الشرك وعبادة الأوثان بل غاية ما ينتهي إليه ضلال الصابئين من المتفلسفة ونحوهم
[ ٦ / ١٣٤ ]
فكيف بمن يخرج إلى الإشراك بالله الصريح والردة إلى الأمر بعبادة الكواكب والأوثان وإن كان قد تاب من ذلك وأسلم بعد ذلك فإنه يكون كالذين ارتدوا على
[ ٦ / ١٣٥ ]
عهد النبي ﷺ وخلفائه ثم عادوا مثل الأشعث بن قيس والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن ومن خيار من عاد إلى الإسلام من المرتدين عبد الله بن سعد ين أبي سرح فإنه
[ ٦ / ١٣٦ ]
حديث "الحجر الأسود" غير ثابت عن النبي ﷺ
كان كاتب الوحي للنبي ﷺ وارتد ثم أسلم عام فتح مكة الوجه الثالث أما قوله الحجر الأسود يمين الله في الأرض فإنه ليس بثابت عن النبي ﷺ بل قد رووه عن ابن عباس ولم يقل أحمد قط إن هذا الحديث عن النبي ﷺ وأنه يتأول بل هذا الحديث سواء كان عن ابن عباس أو كان مرفوعًا فلفظه نص صريح لا يحتاج إلى تأويل فإن لفظه الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن استلمه
[ ٦ / ١٣٧ ]
وقبّله فكأنما صافح الله وقبّل يده وتسمية هذا تأويلًا أبعد من تسمية الحديث الذي فيه جعت وذلك أنه يمين الله في الأرض فقوله في الأرض متصل بالكلام مظهر لمعناه فدل بطريق النص أنه ليس هو يمين الله الذي هو صفة له حيث قال في الأرض كما لو قال الأمير مخاطبًا للقوم في جاسوس له هذا عيني عندكم فإن هذا نص في أنه جاسوسه الذي هو بمنزلة عينه ليس هو نفس عينه التي هي صفة فكيف يجوز أن يقال إن هذا متأول مصروف عن ظاهره وهو نص في المعنى الصحيح لا يحتمل الباطل فضلًا عن أن يكون ظاهره باطلًا وأيضًا فإنه قال من استلمه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يده فجعل المستلم له كأنما صافح الله تعالى ولم يقل فقد صافح الله والمشبه ليس هو المشبه به بل ذلك نص في المغايرة بينهما فكيف يقال إنه مصروف عن ظاهره وهو نص في المعنى الصحيح
[ ٦ / ١٣٨ ]
بل تأويل هذا الحديث لو كان مما يقبل التأويل أن يجعل الحجر عين يمين الله وهو الكفر الصريح الذي فروا منه قال عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على
[ ٦ / ١٣٩ ]
المريسي ومتبعيه وروى المعارض أيضًا عن ابن عباس الركن يمين الله في الأرض يصافح به خلقه وروي عن الثلجي يعني محمد بن شجاع الثلجي أنه قال يمين
[ ٦ / ١٤٠ ]
الله نعمته وبركته وكرامته لا يمين الأيدي قال فيقال لهذا الثلجي الذي يريد أن ينفي عن الله تعالى يديه اللتين خلق يهما آدم ويلك أيها الثلجي إن تفسيره على خلاف ما ذهبت إليه وقد علمنا يقينًا أن الحجر الأسود ليس بيد الله نفسه فإن يمين الله معه على العرش غير باين منه ولكن تأويله عند أهل العلم أن الذي يصافح الحجر الأسود ويستلمه كأنما يصافح الله كقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح ١٠] فثبت له اليد التي هي اليد عند ذكر المبايعة إذ سمى اليد مع اليد واليد معه على العرش وكقول النبي ﷺ إن الصدقة تقع في يد الرحمن قبل يد السائل فثبت بهذا لله اليد التي
[ ٦ / ١٤١ ]
هي اليد وإن لم يضعها المتصدق في نفس يد الله وكذلك تأويل الحجر الأسود إنما هو إكرام للحجر الأسود وتعظيم له وتثبيت ليد الرحمن ويمينه لا النعمة كما ادعى الثلجي الجاهل في تأويله وكما يقدر أن يكون مع كل صاحب نجوى وفوق عرشه كذلك يقدر أن تكون يده فوق أيديهم من فوق عرشه وقد ذكر القاضي أبو يعلى هذا الأثر عن أحمد ولم
[ ٦ / ١٤٢ ]
يذكر عنه فيه كلامًا فرواه مرفوعًا بإسناد ضعيف قال حدثنا أبو القاسم يعني عبد العزيز بن علي الأزجي قال حدثنا القاضي عمر بن سَبَنْك حدثنا أحمد بن القاسم بن نصر ابن زياد حدثنا أبو سالم العلاء بن مسلمة
[ ٦ / ١٤٣ ]
الرواس قال حدثنا أبو حفص العبدي عن أبان عن أنس قال قال رسول الله ﷺ الحجر في الأرض يمين الله جل اسمه فمن مسح يده على الحجر فقد بايع الله ﷿ أن لا يعصيه وهذا إسناد ضعيف قال القاضي وروى ابن جريج عن محمد بن عباد
[ ٦ / ١٤٤ ]
ابن جعفر المخزومي قال سمعت عبد الله بن عباس يقول إن هذا الركن الأسود يمين الله في الأرض يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه وهذا هو المعروف ثم قال القاضي اعلم أن هذا الخبر ليس على ظاهره لأن إضافة الحجر إلى أنه صفة ذات هي يمين تحيل صفاته وتخرجها عما تستحقه لأن الحجر جسم مخلوق حالٌّ
[ ٦ / ١٤٥ ]
في مخلوق وفي الأرض والقديم سبحانه تستحيل عليه هذه الصفات ويفارق هذا ما تقدم من إثبات اليمين في الخبر الذي قبله وأن ذلك صفة ذات يعني قوله الذي في صحيح مسلم المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين لأنه لا يستحيل إضافة
[ ٦ / ١٤٦ ]
اليمين إليه لأنها غير مستحيلة عليه لأن إضافة اليمين إليه كإضافة اليد إليه وذلك جائز قال ومثل هذا غير موجود هاهنا يبين صحة هذا من كلام أحمد أنه فسر قوله وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام ٣] قال معناه هو إله من في السموات وإله من في الأرض وهو على العرش قلم يحمل قوله وَفِي الْأَرْضِ على ظاهره بل تأوله وبين أنه على العرش فوجب أيضًا أن يمتنع من إطلاق صفة ذات في الأرض
[ ٦ / ١٤٧ ]
تلمس في جهة من الجهات وقد قيل في تأويله أوجه أحدها أن هذا على طريق المثل وأصله أن الملك كان إذا صافح رجلًا قبَّل الرجل يده فكأن الحجر لله ﷿ بمنزلة اليمين للملك تستلم وتلثم وقد روي في الخبر أن الله ﷿ حين أخذ الميثاق من بني آدم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى جعل ذلك في الحجر الأسود وكذلك يقال إيمانًا بك ووفاء بعهدك قال وقد قيل فيه وجه آخر وهو أنه يحتمل أن يكون معنى قوله الحجر يمين الله في أرضه إنما إضافة اليد على طريق التعظيم للحجر وهو فعل من أفعال الله تعالى سماه يمينًا
[ ٦ / ١٤٨ ]
بنسبته إلى نفسه وأمر باستلامه ومصافحته ليظهر طاعتهم بالائتمار وتقربهم إلى الله تعالى فيحصل لهم بذلك البركة والسعادة قال وقيل وجه آخر وهو أن قوله يمين الله أمان الله لأن الحجر من جملة البيت وقد قال سبحانه وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران ٩٧] قال ولا بأس بهذه الوجوه للمعنى الذي بينا من امتناع إضافة ذلك إلى الله ﷾ ويبين صحة ذلك ما روي عن النبي ﷺ الحجر الأسود من ياقوت الجنة وإنما سودته خطايا بني آدم وأيضًا قول عمر إني لأعلم
[ ٦ / ١٤٩ ]
أنك حجر لا تضر ولا تنفع وهذا لا يقال في صفات
[ ٦ / ١٥٠ ]
القديم فالقاضي نفى عنه المعنى الفاسد الذي يقال إنه ظاهره وسمى ذلك ظاهره موافقة لمن جعل ذلك ظاهره وبين امتناع ذلك المعنى بالأدلة الشرعية والعقلية ولم يذكر عن أحمد في ذلك شيئًا وتسميته لذلك ظاهرًا هو موافقة منه لمن سماه ظاهرًا من المتأولين فإنه صنف كتابه على كتاب أبي بكر بن
[ ٦ / ١٥١ ]
فورك وكذلك في معناه الوجوه التي ذكرها هؤلاء وهي فاسدة إلا الوجه الأول الذي هو ظاهر الحديث وكذلك إن قوله ‘ن أحمد لم يحمل قوله وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام ٣] على ظاهره موافقة على تسمية ذلك ظاهر والذي ذكره أحمد في الآية هو ظاهرها كما بيناه في غير هذا الموضع وهذا الذي قاله القاضي من التسمية لا يلزم الإمام أحمد
[ ٦ / ١٥٢ ]
فإن القاضي واحد أصحابه وهو وغيره من أصحاب أحمد قد يوافقون المثبتة على أشياء من قولهم على أحاديث ضعيفة ودلالات ضعيفة ويوافقون النفاة على أشياء أيضًا من قولهم مثل نفي الأسماء التي يزعمون أن العقل نفاها كالجوهر والجسم ونحو ذلك وليس هذا ولا هذا من قول السلف والأئمة وأصحاب أحمد فيهم من النفي والإثبات ما يوجد في غيرهم لكنهم أقرب إلى الاعتدال في الطريقين وأقل غلوًّا فيهما من غيرهم لأن الإمام أحمد له من تقرير أصول السنة ما لايوجد لغيره فلا يمكن أتباعه أن يغلوا في الانحراف عن السنة والاعتدال كانحراف غيرهم وإن كان يوجد فيهم من قد ينحرف إلى النفي أو الإثبات أو كليهما جميعًا على وجه التناقض أو لاختلاف الاجتهاد ولعل هذا المنقول من أنه لم يتأول إلا كذا أصله عن
[ ٦ / ١٥٣ ]
القاضي فإن القاضي في كتاب إبطال التأويلات لأخبار الصفات قد يتأول أشياء مثل هذا لكنه مع ذلك يبين أن تأويلها وجب لأن الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة نفت ذلك كما ذكره هنا وكما يأتي كلامه في قوله إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمين ولا ريب أن صرف ظاهر النص ينص آخر ليس مما ينازع فيه الفقهاء والذي أنكرناه وهو كون ظاهر القرآن باطلًا وكفرًا من غير أن يبين الله تعالى ذلك فهذا مما ينكره علماء الإسلام وقد روى عثمان بن سعيد الدارمي هذا الخبر مرفوعًا في إثبات صفة اليد بلفظ آخر فقال حدثنا الهيثم بن خارجة قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن حميد بن أبي
[ ٦ / ١٥٤ ]
سويد عن عطاء عن أبي هريرة قال سمعت النبي ﷺ يقول من فاوض الحجر فإنما يفاوض كف الرحمن يعني استلام الحجر الأسود
[ ٦ / ١٥٥ ]
فهذا فيه إثبات وصف صفة الرحمن بمفاوضته كقوله إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح ١٠] الوجه الرابع أن قوله إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمين فلم أجد عن أحمد فيه كلامًا أيضًا ولا نقل ذلك عن أصحابه الذين تتبعوا نصوصه كالخلال وغيره ولكن تكلم فيه ابن حامد وابن بطة والقاضي وغيرهم
[ ٦ / ١٥٦ ]
فذكر القاضي ما حدثه به أبوالقاسم الأزجي بإسناده عن أبي بن كعب أنه قال لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن جل اسمه وفي رواية فإنها من نفس الله جل وعز فإذا رأيتموها فقولوا اللهم إنا نسألك من خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به
[ ٦ / ١٥٧ ]
قال وروى ابن بطة في بعض مكاتباته إلى بعض أصدقائه جواب مسائل سأله عنها بإسناده عن جابر قال قال رسول الله ﷺ إذا رأيتم الريح فلا تسبوها فإنها من نفس الرحمن تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فاسألوا الله من
[ ٦ / ١٥٨ ]
خيرها واستعيذوا بالله من شرها ثم قال القاضي اعلم أن شيخنا أبا عبد الله ذكر هذا الحديث في كتابه وامتنع أن يكون على ظاهره في أن الريح صفة ترجع إلى الذات والأمر على ما قاله ويكون معناه أن الريح مما يفرج الله تعالى بها عن المكروب والمغموم فيكون معنى النفس معنى التنفس وذلك معروف من قولهم نفست عن فلان أي فرجت عنه وكلمت فلانًا في التنفيس عن غريمه ويقال نفس الله عن فلان كربه أي فرج الله عنه وروي في الخبر من نفس عن مكروب كربة نفس الله عنه كربة يوم القيامة
[ ٦ / ١٥٩ ]
وروي في الخبر أن الله فرج عن نبيه بالريح يوم الأحزاب فقال فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا
[ ٦ / ١٦٠ ]
[الأحزاب ٩] قلت ثم رأيت أبا عبد الله بن حامد ذكر في كتابه في ذلك نزاعًا بين أصحابه فقال فصل وهل يجوز أن يقال بأن الريح من نفس الرحمن فقد ذكر ابن قتيبة في التفسير عن النبي ﷺ أنه قال لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن فقال فرأيت بعض أصحابنا يثبتون لله وصفًا في ذاته بأنه يتنفس وقد فصلوا بين الرياح فقالوا ما كان من هذه الرياح الهابة مثل رياح الرحمة والعذاب من الريح العقيم
[ ٦ / ١٦١ ]
والعاصف والجنوب والشمال والصبا والدبور وما دخل في ذلك وهي ثلاثون ريحًا كلها خاصة بالأفعال مخلوقة وريح أخرى من صفاته هي ذات نسيم
[ ٦ / ١٦٢ ]
صباي هو خارج عن الريح وهي من نفس الرحمن قال ابن حامد ولم أجد ذلك لأبي عبد الله نصًّا ولا أدخله الخلال في جامعه من كتاب السنة والأشبه عندي أنه ضعيف الإسناد فلا يجوز أن يثبت به صفات الله تعالى قلت فابن حامد قد طعن في نفس هذا الخبر من أصله فلم يحتج إلى تأويله وأما القاضي فقال وإنما وجب حمل هذا
[ ٦ / ١٦٣ ]
الخبر على هذا ولم يجب تأويل غيره من الأخبار لأنه قد روي في الخبر ما يدل على ذلك وذلك أنه قال فإذا رأيتموها فقولوا اللهم إنا نسألك من خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به وهذا يقتضي أن فيها شرًّا وأنها مرسلة وهذا من صفات المحدثات قال وحدثنا أبو القاسم بإسناده عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ إن الريح من روح الله يبعثها بالرحمة ويبعثها بالعذاب فلا تسبوها واسألوا الله خيرها وعوذوا بالله من شرها قال وقوله فإنها من روح الله يدل على صحة هذا التأوبل وأنه يروح بها عن المكروب وقوله يبعثها بالرحمة
[ ٦ / ١٦٤ ]
وبالعذاب صريح في أنها مخلوقة مأمورة بالرحمة تارة وبالعذاب أخرى وهذا دليل على صحة هذا التأويل ثم قال حديث آخر في هذا المعنى من حديث دعلج عن ابن خزيمة بإسناده عن النبي ﷺ قال وهو
[ ٦ / ١٦٥ ]
مولي ظهره إلى اليمين إني أجد نفس الرحمن من هاهنا وروى ابن بطة في مكاتبته إلى بعض أصدقائه بإسناده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال الإيمان يمان والحكمة يمانية وأجد نفس ربكم الكريم من قبل اليمن قال القاضي ومعناه ما تقدم من الحديث الذي قبله وهو أني أجد تفريج الله عني وتنفيسه عن كربي بنصرته إياي من قبل اليمن وذلك لما نصره المهاجرون والأنصار نفس الله عن نبيه ما كان فيه من أذى المشركين وقتلهم الله على أيدي المهاجرين من أهل اليمن والأنصار وكان ﷺ كثيرًا ما يمدح أهل اليمن فروي عنه أنه قال الإيمان يمان والحكمة يمانية وإنما وجب حمله على ذلك لما تقدم في الحديث الذي قبله وأن فيه ما دل على أن النفس مخلوق لأنه أضافه إلى الريح والريح مخلوقة من جهة أنها مأمورة بالرحمة والعذاب فوجب حمل هذا
[ ٦ / ١٦٦ ]
المطلق على ذلك قال ورأيت في بعض مكاتبات ابن بطة إلى بعض أصدقائه وقد ذكر هذين الخبرين حديث جابر إذا رأيتم الريح فلا تسبوها وحديث ابن هريرة أجد نفس ربكم وحكى كلام ابن قتيبة في ذلك فقال أنت في نفس من أمرك أي في سعة وقوله من نفس الرحمن معناه أن يفرج بها الكرب ويذهب بها الجدب يقال اللهم نفس عني أي فرج عني وذكر كلامًا طويلًا
[ ٦ / ١٦٧ ]
ثم قال ابن بطة بعده ومما يشهد لصحة هذا التأويل وأن الريح من نفس ربكم وإنما أراد بالنفس الفرج والروح ما سمعت أبا بكر بن الأنباري يقول إنما سميت الريح ريحًا لأن الغالب عليها في هبوبها المجيء بالروح والراحة وانقطاع هبوبها يكسب الكرب والغم والأذى فهي مأخوذة من الروح وأصلها روح فصارت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ثم قال ابن بطة فهذا ما قاله أهل العلم بتأويل الكتاب والسنة وكلام العرب في تأويل الريح ومعنى النفس بها وفي كتاب الله تعالى ما دل على أنها بمعنى الفرج من الغم والنفس من الكرب إذ الغم والضيق يكونان بركودها
[ ٦ / ١٦٨ ]
كما يدل عليه قوله ﷿ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا [يونس ٢٢] وقوله وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الأعراف ٥٧] وقوله إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ [الشورى ٣٣] قال القاضي أبو يعلى وفي معنى ذلك حديث رواه ابن فورك ولم يقع لي طريقه أنه قال هذا نفس ربي أجده بين كتفي أتتكم الساعة معناه هذا فرج الله عني صرف به همومي وغمومي وكشف عن قلبي وسرى عن فؤادي ما كان يجده ﷺ في مستقبل أوقاته من زوائد
[ ٦ / ١٦٩ ]
روح اليقين والألطاف فسمى ذلك نفس الرب لأنه هو الذي نفس به عنه والإضافة إلى طريق الملك والموجب لحمله على ذلك ما تقدم من الخبر الأول وقد بينا أن فيه ما دل عليه قلت فهذا كلام القاضي وما ذكره فيه من كلام غيره وقد بين أنه إنما تأول هذا الخبر لأن في الخبر نفسه ما دل على صحة التأويل ومثل هذا لا نزاع فيه فإنه إذا كان في الحديث الواحد متصلًا به ما يبين معناه فذلك مثل التخصيص المتصل ومثل هذا لا يقال فيه إنه خلاف الظاهر بل ذلك هو الظاهر بلا نزاع بين الناس ولهذا يقبل مثل ذلك في الإقرار والطلاق والعتاق والنذر واليمين وغير ذلك من المواضع التي ليس له أن يرفع الظاهر بعد تمام الكلام وله أن يصل بالكلام من
[ ٦ / ١٧٠ ]
الاستثناء والشرط والعطف والصفات والأحوال وغير ذلك مما يقيد أوله ويخصه ويصرفه عن موجب إطلاقه بل لا نزاع بين الناس إلا نزاعًا شاذًا في الطلاق أو فيه وفي العتق فإن في الناس من يقول إنه لا يقبل رفع مطلقه بشرط ملحق ولا باستثناء يروى ذلك عن شريح وهو قول في مذهب أحمد وهو رواية شاذة عنه والمتواتر عنه وعن سائر العلماء خلاف ذلك وهو الصواب وليس المقصود هنا الكلام على خصوص هذه الأحاديث وتفسيرها ولكن الغرض الكلام على ما احتج به المؤسس من
[ ٦ / ١٧١ ]
رد الإمام أحمد على تأويل الجهمية
أن صرف الظواهر متفق على الحاجة إليه ومقصوده بذلك صرفها بالأدلة القياسية كما قد قرره في أثناء الكتاب وبين أن اللفظ لا يجوز صرفه عن ظاهره إلا عند قيام الدليل القاطع على أن ظاهره محال وأن الدليل القاطع لا يجوز صرفه عن ظاهره إلا عند قيام دليل قاطع آخر وهذا محال وهذا الذي قاله خلاف ما اتفقت عليه الأمة وقد حكى هو في غير هذا الموضع اتفاق الأمة على خلافه كما سنذكره إن شاء الله تعالى في موضعه الوجه الخامس أن قوله قلوب العباد بين أصبعين من
[ ٦ / ١٧٢ ]
أصابع الرحمن قد نص أحمد على رد تأويل الجهمية فيه روى الخلال في كتاب السنة عن أبي طالب قال قلت لأبي عبد الله قال أبو إسحاق بن أبي الليث الذين يصفون ربهم يقول هو السميع البصير قال عافاه الله كأنه أعجبه قوله قلت ما تقول أنت قال أقول كما قال النبي ﷺ ووصف ولا يجوز الحديث قال بين أصبعين وقال خلق الله آدم وكما جاء في الحديث
[ ٦ / ١٧٣ ]
مثل هذا قلنا مثله قلت فنحن الذين يصفون قال نعم قال وصف النبي ﷺ لا نجوزه
[ ٦ / ١٧٤ ]
فصل: في ادعاء الرازي تأويل الإمام أحمد لحديث "إتيان سورة البقرة"
فصل قال الرازي الرابع حكي أن المعتزلة تمسكوا في خلق القرآن بما روي عنه ﷺ أنه قال تأتي سورة البقرة وآل عمران كذا وكذا يوم القيامة كأنهما غمامتان فأجاب أحمد ابن حنبل وقال يعني ثواب قارئيهما وهذا تصريح منه بالتأويل
[ ٦ / ١٧٥ ]
يقال هذه الحجة والجواب عنها مذكور فيما حفظ من مناظرة أحمد للجهمية من المعتزلة وغيرهم لما حبس وامتحن وهو أيضًا مذكور فيما خرجه في الرد على الجهمية فقال فيما خرجه وقد ذكره الخلال عنه في كتاب السنة باب ما ادعت الجهمية أن القرآن مخلوق من الأحاديث التي رويت أن القرآن يجيء في صورة الشاب الشاحب فيأتي صاحبه فيقول هل تعرفني فيقول له من أنت فيقول أنا القرآن الذي أظمأت نهارك وأسهرت
[ ٦ / ١٧٦ ]
ليلك قال فيأتي الله به فيقول يا رب فادَّعوا أن القرآن مخلوق من هذه الأحاديث فقلنا لهم إن القرآن لا يجيء إنه قد جاء من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فله كذا وكذا
[ ٦ / ١٧٧ ]
ألا ترون أن من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ لا تجيئه يجيء ثوابه لأنا نقرأ القرآن ويجيء ثواب القرآن فيقول يا رب كلام الله لا يجيء ولا يتغير من حال إلى حال وأما كلامه في المناظرة فروى الخلال في كتاب السنة أخبرني علي بن عيسى أن حنبلًا حدثهم أن
[ ٦ / ١٧٨ ]
أبا عبد الله قال احتجوا علي يومئذ فقالوا تجيء البقرة يوم القيامة وتجيء تبارك وقلت لهم إن هذا الثواب قال الله تعالى وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) [الفجر ٢٢] إنما تأتي قدرته إنما القرآن أمثال ومواعظ وكذا وكذا وأمر وقال حنبل في موضع آخر ومواعظ وأمر وزجر
[ ٦ / ١٧٩ ]
وهذا نظير ما روي عن مجيء سائر الأعمال الصالحة في الصور الحسنة ومثل ما في حديث البراء بن عازب الطويل المشهور الذي رواه أحمد من حديثه حدثنا
[ ٦ / ١٨٠ ]
أبو معاوية قال حدثنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن زاذان أبي عمر عن البراء بن عازب قال
[ ٦ / ١٨١ ]
خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله وكأن على رؤوسنا الطير في يده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال أستعيذ بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثًا ثم قال إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت إليه ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من كفن الجنة وحنوط من حنوط الجنة فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقا فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك
[ ٦ / ١٨٢ ]
الكفن وذلك الحنوط فيخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض قال فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيبة فيقولون فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه في الدنيا حتى ينتهون بها إلى السماء الدنيا ثم إلى التي تليها حتى ينتهون بها إلى السماء السابعة فيقول الله تعالى اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى قال فتعاد روحه إلى جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله فيقولان له وما علمك فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت
[ ٦ / ١٨٣ ]
قال فينادي منادٍ من السماء أن صدق عبدي أفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الجنة فيأتيه من ريحها وطيبها فيفسح له في قبره مد بصره ويأتيه رجل حسن الوجه طيب الريح فيقول له أبشر بالذي يَسُرُّك فهذا يومك الذي كنت توعد فيقول له من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير فيقول أنا عملك الصالح فيقول ربِّ أقم الساعة رب أقم الساعة ثلاثًا حتى أرجع إلى أهلي ومالي قال وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط الله وغضبه
[ ٦ / ١٨٤ ]
فتتفرق في أعضائه كلها فينتزعها نزع السفود من الصوف المبلول فتقطع معها العروق والعصب قال فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في تلك المسوح قال ويخرج منها كأنتن جيفة وجدت على الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة فيقولون فلان ابن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمي بها في الدنيا حتى ينتهون بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون لها فلا يُفتح
[ ٦ / ١٨٥ ]
لها ثم قرأ رسول الله ﷺ لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف ٤٠] ثم يقول الله تعالى اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى قال فيطرح روحه طرحًا ثم قرأ رسول الله ﷺ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) [الحج ٣١] قال فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له ما دينك فيقول هاه هاه لا أدري قال فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري فينادي منادٍ من السماء كذب عبدي فأفرشوه من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار فيدخل عليه من حرها وسمومها ويضيق عليه في قبره
[ ٦ / ١٨٦ ]
دلالة النصوص على حمل الأعمال ووزنها
حتى تختلف فيه أضلاعه قال ويأتيه رجل قبيح الوجه منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه يجيء بالشر فيقول أنا عملك السيئ فيقول رب لا تقم الساعة وكذلك ما جاء في الكتاب والسنة من حمل الأعمال ووزنها كقوله تعالى قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ
[ ٦ / ١٨٧ ]
أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) [الأنعام ٣١] وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وفي السنن لأبي داود وغيره عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال ما من شيء يوضع في الميزان يوم القيامة أثقل من خلق حسن
[ ٦ / ١٨٨ ]
والمعنى الظاهر الذي يظهر للمخاطب من قوله يجيء عمله في صورة رجل أن الله تعالى يخلق من عمله صورة يصورها ليس المعنى الظاهر أن نفس أقواله وأفعاله على صورة رجل فإن هذا لا يظهر من هذا الخطاب ولا يفهمه أحد منه وعلى هذا فلا يكون هذا الخطاب مصروفًا عن ظاهره ولكن أزيل عنه المعنى الفاسد الذي يتأوله عليه المبتدع حيث جعل نفس كلام الله الذي تكلم به هو الصورة المصورة كما جعلوا نفس المسيح ابن مريم هو كلمة الله التي تكلم بها وإنما المسيح تكوَّن بكلمة الله فسمي كلمة الله لذلك وليس ظاهر الخطاب أن نفس كلام الله هو نفس جسد المسيح فالمفعول بالكلمة والمفعول مما يقرؤه الإنسان ويعمله من الصالحات يسمى باسمها فلو قيل إن في هذا نوعًا من التوسع والتجوز حيث سمي
[ ٦ / ١٨٩ ]
ما يكون عن العمل باسم العمل لكان هذا سايغًا لكن ذلك لا يمنع أن يكون ذلك هو المعنى الظاهر كما تقدم نظيره هذا مع أن الناس قد تنازعوا في نفس الأعراض من العمال وغيرها هل يجوز قلبها أجسامًا قائمة بأنفسها وذكر النزاع في ذلك أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات فقال واختلف يعني أهل الكلام
[ ٦ / ١٩٠ ]
ونحوهم في قلب الأعراض أجسامًا والأجسام أعراضًا فقال قائلون منهم حفص الفرد وغيره جائز أن تقلب الأعراض أجسامًا والأجسام أعراضًا لأنه خلق الجسم جسمًا والعرض عرضًا وإنما كان العرض عرضًا بأن خلقه الله عرضًا وكان الجسم جسمًا بأن خلقه الله جسمًا فجائز أن يكون الذي خلقه الله عرضًا أن يخلقه جسمًا والذي خلقه جسمًا يخلقه عرضًا وكذلك زعم أن الله تعالى خلق اللون
[ ٦ / ١٩١ ]
لونًا والطعم طعمًا وكذلك قوله في سائر الأجناس وأن الأشياء إنما هي على ما هي عليه بأن خلقت كذلك وأن الإنسان لم يفعل الأشياء على ما هي عليه ولم تكن على ما هي عليه بأن فعلها كذلك قال وقال أكثر أهل النظر بإنكار قلب الأعراض أجسامًا والجسام أعراضًا وقالوا ذلك محال لأن القلب إنما هو رفع الأعراض وإحداث أعراض والأعراض لا تحتمل أعراضًا واعتلوا بعلل كثيرة قلت والقول الأول قول طوائف من العلماء منهم
[ ٦ / ١٩٢ ]
أبو الوفاء بن عقيل قال في كفايته في الجواب عن هذا الحديث لما احتجت به المعتزلة على خلق القرآن فقال والجواب أن هذا معنى ثوابها بدليل قوله اتقوا النار ولو بشق تمرة ومعلوم أن التمرة لا تقيه فضلًا عن شقها وإنما
[ ٦ / ١٩٣ ]
المراد به اتقوا النار ولو بثواب شق تمرة قالوا الثواب عرض فكيف تقول والكلام عندك عرض فكيف يجيء فرجع الكلام يردك فأنت احتججت وأنت أخذت بما به استدللت قال ولأن الله قادر على أن يقلب العرض جسمًا والجسم عرضًا ولأنه يحتمل أن يكون من بعض ثوابه شخص كولدان الجنة وحورها فيجيء ذلك الوليد في هذه الصورة قلت ثم إني وجدت هذا التمثيل الذي ذكرته من تمثيل
[ ٦ / ١٩٤ ]
مجيء القرآن في صورة مجيء عمله الصالح في صورة قد ذكروه أئمة السنة كما ذكر الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على المريسي ومتبعيه قال في كلامه عليه في النزول فكان من أعظم حجج المعارض لحديث رسول الله ﷺ في النزول حكاية حكاها عن أبي معاوية لعلها مكذوبة عليه أنه قال نزوله أمره وسلطانه وملائكته ورحمته وما أشبهها فتكلم على إبطال ذلك بما ليس هذا موضعه إلى أن قال ثم قلت ويحتمل ما قال أبو معاوية أن نزوله أمره وسلطانه
[ ٦ / ١٩٥ ]
كما يرون أن القرآن يجيء يوم القيامة شافعًا مشفعًا وماحلًا مصدقًا فقالوا معنى ذلك أنه ثوابه فإن جاز لهم هذا التأويل في القرآن جاز لنا أن نقول إنا نزوله أمره ورحمته قال فيقال لهذا المعارض لقد قست بغير أصل ولا مثال لأن العلماء قد علموا أن القرآن كلام والكلام لا يقوم بنفسه شيئًا قائمًا حتى تقيمه الألسن ويستبين عليها وأنه بنفسه لا يقدر على المجيء والتحرك والنزول بغير
[ ٦ / ١٩٦ ]
منزل ولا محرك إلا أن يؤتى به وينزل والله تعالى حي قيوم ملك عظيم قائم بنفسه في عزه وبهائه يفعل ما يشاء كما يشاء وينزل بلا منزل ويرتفع بلا رافع ويفعل ما يشاء بغير استعانة بأحد ولا حاجة فيما يفعل إلى أحد فلا يقاس الحي القيوم الفعال لما يشاء بالكلام الذي ليس له عين قائم حتى تقيمه الألسن ولا له أمر ولا قدرة ولا يستبين إلا بقراءة أرأيت إن كان نزوله أمره ورحمته لا تنزل إلا في ثلث الليل ثم إلى السماء الدنيا وما بال أمره ورحمته في دعواك لا ينزل إلى الأرض حيث مستقر العباد ممن يريد الله أن يرحم ويحب ويعطي فما بالها تنزل إلى
[ ٦ / ١٩٧ ]
السماء الدنيا لا تجوزها وما بال رحمته تبقى على عباده من ثلث الليل إلى انفجار الفجر ثم ترجع من حيث جاءت بزعمك وما باله إذ الله بزعمك في الأرض فإذا استرحمه عباده واستغفروه وتضرعوا إليه بَعَّدَ عنهم رحمته على السماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام ولا يغشيهم إياها وهو معهم في الأرض بزعمك إذ زعمت أن نزوله تقريب رحمته إياهم كقوله الآخر من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا فقلت هذا تقرب بالرحمة ففي دعواك في تفسير النزول من تقرب إليه شبرًا
[ ٦ / ١٩٨ ]
تباعد هو عنه مسيرة ما بين الأرض إلى السماء أو كلما ازداد العباد إلى الله اقترابًا تباعد هو برحمته عنهم بعد ما بين السماء والأرض بزعمك لقد علمت أيها الجاهل أن هذا تفسير محال يدعو إلى ضلال والحديث نفسه يبطل هذا التفسير ويكذبه غير أنه أغيظ حديث للجهمية وأنقض شيء لدعواهم لأنهم لا يقرون أن الله فوق عرشه فوق سمواته ولكنه في الأرض كما هو في السماء فكيف ينزل إلى سماء الدنيا من هو تحتها في الأرض وجميع الأماكن منها ولفظ الحديث ناقض لدعواهم وقاطع لحججهم قال وأخرى أنه قد عقل كل ذي عقل ورأي أن القول لا يتحول صورة له لسان وفم ينطق ويشفع فحين اتفقت المعرفة من المسلمين أن ذلك كذلك علموا أن ذلك
[ ٦ / ١٩٩ ]
ثواب يصوره الله تعالى بقدرته صورة رجل يبشر به المؤمنين لأنه لو كان للقرآن صورة كصورة الإنسان لم يتشعب أكثر من ألف ألف صورة فيأتي أكثر من ألف ألف شافعًا وماحلًا لأن الصورة الواحدة إذ هي أتت واحدًا زالت عن غيره فهذا معقول لا يجهله إلا كل جهول قال وهذا كحديث الأعمش عن المنهال عن زاذان عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ أن الرجل إذا مات تأتيه أعماله الصالحة في صورة رجل في أحسن هيئة وأحسن لباس وأطيب ريح فيقول له من أنت فيقول أنا عملك الصالح كان حسنًا فكذلك تراني
[ ٦ / ٢٠٠ ]
حسنًا وإن كان طيبًا تراه طيبًا وكذلك العمل السيئ بأتي صاحبه فيقول له مثل ذلك ويبشره بعذاب الله قال وإنما عملهما الصلاة والزكاة والصيام وما أشبهها من الأعمال الصالحة وعمل الآخر الزنا والربا وقتل النفس بغير حقها وما أشبهها من المعاصي وقد اضمحلت وذهبت في الدنيا فيصور الله بقدرته للمؤمن والفاجر ثوابها وعقابها ويبشرهما به إكرامًا للمؤمنين وحسرة على الكافرين وهذا المعنى أوضح من الشمس وقد علمتم ذلك إن شاء الله تعالى ولكن تغالطون وتدلسون وعليكم أوزاركم وأوزار من تضلون وقال
[ ٦ / ٢٠١ ]
الخلال في كتاب السنة أخبرني محمد بن عبد الله بن إبراهيم حدثني أبو جعفر قال كان رجل يأتي أبا عبيد قال فسأله عن الحديث الذي يروى فيه أن البقرة وآل عمران تأتي يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أليس ذلك يدل على أن هذا مخلوق فقال أبو عبيد إن إسماعيل بن إبراهيم حدثنا عن علي بن زيد بن جُدْعان عن سعيد بن
[ ٦ / ٢٠٢ ]
كعب قال لو رأى أحدكم ثواب ركعتين لرأى أعظم من الجبال الراسيات وقال النبي ﷺ ظل المؤمن صدقته يوم القيامة فيجيء ديناره ودرهمه يظله إنما هذا ثواب ذلك وقال الله تعالى مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام ١٦٠] ومن أكبر الحسنات أن يقول الرجل لا إله إلا الله فإذا قال لا إله إلا الله يقال له يوم القيامة لا إله إلا الله عشر مرات إنما هذا ثواب ذلك قال ولم نر العرب تدفع في طبعها أن يقول الرجل للرجل
[ ٦ / ٢٠٣ ]
لأوفينك ما عملت ليس أنه يريد نفس ما عمل إنما يعده على الطاعة الثواب ويتوعده على المعاصي العقاب وإنما معنى مجيء البقرة وآل عمران إنما يعني ثوابهما
[ ٦ / ٢٠٤ ]
فصل: في تأويل الرازي لقول النبي ﷺ: "إن الرحم تتعلق بحقوي الرحمن"
فصل قال الرازي الخامس قوله ﵇ إن الرحم تتعلق بحقوي الرحمن فيقول سبحانه صلي من وصلك وهذا
[ ٦ / ٢٠٥ ]
لابد فيه من التأويل يقال له بل هذا من الأخبار التي يقره من يقر نظيره والنزاع فيه كالنزاع في نظيره فدعواك أنه لابد فيه من التأويل بلا حجة تخصه لا يصح فإنك إن ذكرت الحجة التي تذكرها على وجوب تأويل خلقه بيديه ووضعه قدمه ونحو
[ ٦ / ٢٠٦ ]
ذلك فهذا يحتاج إلى أن يحتج له كما سيأتي وإن كنت هنا ادعيت وجوب التأويل بالإجماع فذكرت هذا وأمثاله فيما لا يشك احد في وجوب تأويله وليس الأمر كذلك قال القاضي أبو يعلى اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره وان الحقو والحُجْزَة صفة ذات لا على وجه الجارحة والبعض وأن الرحم آخذة بها لا على وجه الاتصال والمماسة بل يطلق تسمية ذلك كما أطلقها الشرع
[ ٦ / ٢٠٧ ]
ونظير هذا ما حملناه على ظاهره في وضع القدم في النار وفي أخذ داود بقدمه لا على وجه الجارحة ولا على وجه المماسة كما أثبتنا خلق آدم بيديه فاليدان صفة ذات والخلق بهما لا على وجه المماسة والملاقات وكذلك هاهنا قال وذكر شيخنا أبو عبد الله في كتابه هذا في الحديث وأخْذُه يظاهره وهو ظاهر كلام أحمد قال المروذي جاءني كتاب من دمشق فعرضته على أبي عبد الله فنظر فيه وكان فيه أن رجلًا ذكر حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت
[ ٦ / ٢٠٨ ]
الرحم فأخذت بحقو الرحمن وكان الرجل تلقاه يعني حديث أبي هريرة فرفع المحدث رأسه فقال أخاف أن تكون كفرت فقال أبو عبد الله هذا جهمي وقال أبو طالب سمعت أبا عبد الله سئل عن حديث هشام بن عمار أنه قرأ عليه حديث يجيء الرحم يوم القيامة فتتعلق بالرحمن فقال أخاف أن تكون قد
[ ٦ / ٢٠٩ ]
كفرت فقال هذا شامي ما له ولهذا قلت ما تقول قال يمضي الحديث على ما جاء قلت أما قول القاضي على غير وجه الاتصال والمماسة وغير ذلك ففيه نزاع يذكر في غير هذا الموضع وأما ما ذكره عن شيخه أبي عبد الله بن حامد فقد قال ابن حامد في كتابه فصل ومما يجب التصديق به أن لله حقوًا قال المروذي قرأت على أبي عبد الله كتابًا فنظر فيه فإذا فيه ذكر حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أن الله خلق الرحم حتى إذا فرغ منها أخذت بحقو الرحمن فرفع المحدث رأسه وقال أخاف أن تكون قد كفرت قال أبوعبد الله هذا جهمي وقال أبو طالب سمعت أبا عبد الله يسأل عن حديث هشام بن عمار أنه قرئ عليه حديث
[ ٦ / ٢١٠ ]
الرحم تجيء يوم القيامة فتتعلق بالرحمن تعالى فقال أخاف أن تكون قد كفرت فقال هذا شامي ما له ولهذا قلت ما تقول قال يمضي كل حديث على ما جاء وعن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ الرحم شجنة يعني لها تعلق تقرب من الرحمن تعالى تتعلق بحقو الرحمن تعالى تقول اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني قال فقال أحمد في الحديث في كنَفَه قيل له
[ ٦ / ٢١١ ]
قول النبي ﷺ يضع عليه كنفه قال هكذا يقول بيديه وهذه أحاديث مأثورة عن النبي ﷺ في الرحم والحقو وأنه يضع كنفه على عبده ومثل ذلك أيضًا ما رواه عنه أبو علي الصانع من أصحاب إدريس الحداد المقري قال سمعت عمران النجار يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول وسألته ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ [الروم ٢٥] فمن قال إن دعوة الله مخلوقة فقد كفر قال فجملة هذه المسائل مذهب إمامنا فيها الإيمان والتصديق بها والتسليم والرضا وأن الله يضع كنفه على عبده تقريبًا له إلى أن يضع كنفه عليه وذلك صفة ذاته لا يدري ما التكييف فيها ولا ماذا صفتها وكذلك في الرحم تأخذ بحقو
[ ٦ / ٢١٢ ]
الرحمن صفة ذاته لا يدري ما التكييف فيها ولا ماذا صفتها وكذلك دعوة الله لعباده وهم في الأرض أموات بالخروج منها فيخرجون كل ذلك صفات ذاته من غير تكييف ولا تشبيه قال فأما الحديث في الرحم والحقو فحديث صحيح ذكره البخاري وقد سئل إمامنا عنه فأثبته وقال يمضي الحديث كما جاء وأما الحديث في كنفه فهو حديث ثابت رواه الأئمة أحمد بن حنبل وابن معين وابن المديني
[ ٦ / ٢١٣ ]
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
ووكيع أن الله يدني عبده يوم القيامة يقول أُدْنُه أُدْنُه حتى يضع كنفه عليه فيقول أتذكر كذا أتذكر كذا ثم قال ابن حامد فصل ومما يجب الإيمان به والتصديق ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب من الحق سبحانه لنبيه ﵊ وقد اعتمد أصحابنا في ذلك على جواب أبي عبد الله في هذا في المقام المحمود فقال أبو بكر بن صدقة ذكر الحديث عند أبي عبد الله فقال فاتني عن ابن فضيل وجعل يتلهف
[ ٦ / ٢١٤ ]
وقال عبد الله قال أبي ما وقع لي بعلو وجعل كأنه يتلهف إذ لم يقع له بعلو وهو حديث أحمد بن حنبل عن ابن فضيل عن ليث عن
[ ٦ / ٢١٥ ]
مجاهد عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩) [الإسراء ٧٩] قال يقعده معه على العرش فيطلق ذلك كما جاء به النبي ﷺ ويجوز أن يكون مقامًا مخصوصًا لمقعد النبي ﷺ ويشهد لذلك ما رواه الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ إن الله كتب كتابًا بيده قبل أن يخلق
[ ٦ / ٢١٦ ]
السموات والأرض وهون معه على العرش إن رحمتي تغلب غضبي وأحمد بن حنبل قال حدثنا عبد الرزاق قال حدثنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا
[ ٦ / ٢١٧ ]
أبو هريرة عن رسول الله ﷺ لما قضى الله يعني الخلق كتب كتابًا هو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي قال ابن حامد وقد ذكر في كتاب السنة أخبارًا عن الصحابة في الدنو فروى عن محمد بن بشر قال حدثنا
[ ٦ / ٢١٨ ]
عبد الرحمن بن شريك عن أبيه حدثني عبد العزيز بن رفيع وسالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال إذا
[ ٦ / ٢١٩ ]
نظر داود إلى خطيئته ولى هاربًا فيناديه الله ﷿ يا داود اُدْنُ مني فلا يزال يدنيه حتى يمس بعضه ورواه وكيع عن سفيان عن منصور وعن مجاهد عن عبيد ابن عمير وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى [ص ٢٥] قال ذكر الدنو حتى يمس بعضه قال وقد روي أشد من هذا عن مجاهد فرووا منه
[ ٦ / ٢٢٠ ]
طريق الحديث الأول قال حدثني إبراهيم بن مهاجر وليث بن أبي سليم قالا حدثنا مجاهد قال إذا كان يوم القيامة ذكر داود ذنبه فيقول الله تعالى كن أمامي فيقول ذنبي ذنبي فيقول الله ﷿ كن خلفي فيقول ذنبي ذنبي فيقول الله ﷿ خذ بقدمي وبالإسناد حدثني أبو يحيى القتات وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي عن
[ ٦ / ٢٢١ ]
أبي مالك عن ابن عباس في قوله تعالى وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) [ص ٢٥] قال يدنو منه حتى يقول الله ﷿ خذ بقدمي قال ابن حامد وهذا كله يقطع به كما جاءت به الأخبار والمقصود هنا أن هذا الحديث في الجملة من أحاديث الصفات التي نص الأئمة على أنه يمر كما جاء وردوا على من نفى مُوجَبه والغرض أن هذا ليس مما اتفقت الأئمة على تأويله
[ ٦ / ٢٢٢ ]
فلا يكون حجة له فإن قيل فقد ذكر الخطابي وغيره أن هذا الحديث مما يتأول بالاتفاق فقال أبو سليمان الخطابي في كتاب شعار الدين القول في مراتب الصفات أن قومًا من المثبتين للصفات أفرطوا في تحقيقها حتى خرجوا إلى ضرب التشبيه والتمثيل كما أفرط قوم في نفيها حتى صاروا إلى نوع من الإبطال والتعطيل وكلا القولين خطأ وخطل وللحق
[ ٦ / ٢٢٣ ]
بينهما نهج واضح لا يخفى صوابه على من وفقه الله فأما النفاة من الجهمية فإنهم قصدوا إلى كل شيء يفهم ويدري أو يتوهم من أسماء الله وصفاته فسموه تشبيهًا بغير حجة وأما المشبهة فإنهم حملوا كل شيء من هذا على حقيقة اسمه بظاهر معناه من غير تأويل له أو يخرج على وجه يصح على معاني أصول العلم وتعسفوا أيضًا في جهات مأخذها حتى جعلوا شيئًا كثيرًا مما تلقفوه من أفواه الناس وحفظوه من ألسن القصاص وسمعوه رواية عن قراءة الكتب مثل كعب
[ ٦ / ٢٢٤ ]
ووهب وأمثالهما مثل نوف البكالي وعن بعض أهل التفسير كمقاتل بن سليمان وكأشياء تروى عن مجاهد ومن نحا نحوه من المقتحمين في هذا الباب أصلًا يعتقدونه دينًا ويتخذونه مذهبًا وهذا مما يجب التثبت فيه
[ ٦ / ٢٢٥ ]
والتوقف عنه فإن هذا الشأن أعظم من أن يدخله شيء من التساهل أو يكون فيه للظن مدخل أو للتأويل موضع أو للعقل والقياس متعلق إنما طريق العلم به السماع أو التوقيف من قبل الكتاب المنزل أو قول الرسول المرسل بالخبر الصحيح الذي يقطع العذر به وقد أخبر الله أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فقطع الشبه بينه وبين الأشياء كلها وأبطل القياس فيها وقال ﷾ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة ٢٥٥] وقال وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء ٣٦] وقال وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩) [البقرة ١٦٩] فأما ما ثبت من الصفات بكتاب الله وبما صح عن رسول الله ﷺ بالخبر الذي ينقطع العذر به فإن القول به واجب لأن الله ﷾ شهد لرسوله ﷺ بقوله الصدق ونزهه عن الكذب فقال وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) [النجم ٣-٤] وقال جل وعلا عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا
[ ٦ / ٢٢٦ ]
يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) [الجن ٢٦-٢٧] قال والكلام فيها ينقسم إلى ثلاثة أقسام قسم منها يحقق ولا يتأول كالعلم والقدرة ونحوهما وقسم يتأول ولا يجري على ظاهره وذلك كما روي عن النبي ﷺ حكاية عن الله تعالى من تقرب إلي شبرًا تقربت منه ذراعًا ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت منه باعًا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة وما أشبهه لا أعلم أحدًا من العلماء أجراه على ظاهره أو اقتضى منه أو احتج بمعناه بل كل منهم تأوله على القبول من الله تعالى لعبده وحسن الإقبال عليه والرضا بفعله ومضاعفة الجزاء له على صنيعه وكما روي عن النبي ﷺ أنه قال لما خلق الله الرحم تعلقت بحقو الرحمن فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة فقال سبحانه وعزتي لأقطعنّ من قطعك ولأصلن من وصلك
[ ٦ / ٢٢٧ ]
ولا أعلم أحدًا من العلماء حمل الحقو على ظاهر مقتضى الاسم له في موضع اللغة وإنما معناه اللياذ والاعتصام به تمثيلًا له بفعل من اعتصم بحبل ذي عزة واستجار بذي ملكة وقدرة كما روي الكبرياء رداء الله قال وليس هذا الضرب في الحقيقة من أقسام الصفات ولكن ألفاظه متشاكلة لها في موضع الاسم فوجب تخريجه ليقع بع الفصل بين ما له حقيقة منها وبين ما لا حقيقة له من جملتها ومن هذا الباب قوله تعالى أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر ٥٦] لا أعلم أحدًا من علماء المسلمين إلا تأول الجنب في هذه الآية ولم أسمع أحدًا منهم أجراه على ظاهره أو اقتضى منه معنى الجنب الذي هو الذات وإنما تأولوه على القرب والتمكين وقال الفراء معنى الجنب معظم الشيء كما يقول الرجل
[ ٦ / ٢٢٨ ]
لصاحبه هذا قليل في جنب ما أوجبه لك والقسم الثالث من الصفات يحمل على ظاهره ويجري بلفظه الذي جاء به من غير أن يقتضي له معرفة كيفية أو يشبه بمشبهات الجنس ومن غير أن يتأول فيعدل به عن الظاهر إلى ما يحتمله التأويل من وجه المجاز والاتساع وذلك كاليد والسمع والبصر والوجه ونحو ذلك فإنها ليست بجوارح ولا أعضاء ولا أجزاء ولكنها صفات الله ﷿ لا كيفية لها ولا تُتَأوَّل فيقال معنى اليد النعمة والقوة ومعنى السمع والبصر والعلم ومعنى الوجه الذات على ما ذهب إليه نفاة الصفات فإن قيل ما منعكم أن تجعلوا سبيل هذا الضرب من الصفات سبيل الضرب الأول في حملها على حقيقة مقتضى
[ ٦ / ٢٢٩ ]
الاسم أو سبيل الضرب الثاني في حملها على سعة المجاز والتأويل وما الذي أوجب التفريق بينه وبينها وتعليق القول فيها على الوجه الذي ذكرتموه قيل منعهم من إجرائها على حقيقة مقتضى أسبابها في العرف أن ذلك يفضي بنا إلى التشبيه والتمثيل وهو منفي عن الله وأما حملها على الوجه الآخر فإن الكتاب قد منع منه لأنك إذا تأملت لفظه في الكتاب وجدته ممتنعًا على تأويل القوم غير مطاوع له ألا تراه يقول مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص ٧٥] بتشديد الياء في الإضافة وذلك تحقيق التثنية والعرب إنما تستعمل ذلك في موضع لا يجوز أن يكون وراءه ثالث كما يقول الرجل رد علي درْهَمي إذا لم يكن عندي غيرهما وكما قال سبحانه مخبرًا عن شعيب أنه قال لموسى ﵇ أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ [القصص ٢٧] إذ لم يكن له غيرهما وإذا تحققت التثنية لم
[ ٦ / ٢٣٠ ]
يجز صرفها إلى النعمة ولا إلى القوة لأنه ليس تخصيص التثنية في نعم الله تعالى ولا في قوته معنى يصح لأن نعمه أكثر من أن تعد أو تحصى قال الله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم ٣٤] فدل ذلك على تحقق خلق الله آدم ﵇ بيديه اللتين هما صفتان له من صفات ذاته كما قال في تكذيب اليهود عند قولهم يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ [المائدة ٦٤] مستقصًا ذكر اللفظ الموضوع للتثنية فدل ذلك على تحقيق ما قلناه وأيضًا فإن معنى اليد لو كان النعمة والقوة لوجد إبليس متعلقًا من هذه الجهة لما امتنع من السجود لآدم ﵇ فيقول وما في خلقك إياه بنعمتيك أو قوتيك مما يوجب علي أن أسجد له لقد خلقتني بنعمتيك وقوتيك وأنا مساوٍ له في خلقك إيانا جميعًا بيديك اللتين هما النعمة والقوة لأنه لا يخفى على أحد من ذوي العقول أن الله سبحانه خلق
[ ٦ / ٢٣١ ]
الأشياء بقوته وقدرته فلما لم يتعلق إبليس بهذه الحجة وأعرض عنها إلى قوله أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) [ص ٧٦] كان فيه أوضح دليل على أنه علم تخصيص الله لآدم ﵇ في خلقه إياه بمعنى لم يشاركه إبليس ولا غيره من الملائكة فيه وليس لذلك التخصيص وجه غير ما بينه الله ﷿ في قوله تعالى لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص ٧٥] على ما نطق به التنزيل وشهد بصحته التأويل والله أعلم وأيضًا فإن نعم الله تعالى مخلوقة كآدم لا فرق بينهما في سمة الخلق فكيف يخبر عن خلق مخلوق بمخلوق وأي فائدة في ذلك إذا كان هكذا وأيضًا فإن الله ﷿ لا يوصف بالقوة عند نفاة الصفات فكيف يثبتون له في تأويل هذه الآية ومن مذهبهم أن القوة عن الله منتفية وقد زعم بعضهم أن معنى النعمتين هنا الماء والطين لأنه خلق آدم ﵇ منهما وهذا تأويل ساقط لا معنى له ولو أراد ذلك لقال لما خلقت من
[ ٦ / ٢٣٢ ]
يدي ولم يقل بيدي كما يقول القائل صنعت هذا الكوز من الفضة أو النحاس وطبعت هذا السيف من الحديد ونسجت هذا الثوب من الكتان ولا يقول في شيء من هذا بالباء لأن الباء حرف للإلصاق وحرف لتعدية الفعل قال وكذلك القول في الوجه والبصر وسائر الصفات التي تذكر في الباب وذلك أنه تعالى لما قال وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) [الرحمن ٢٧] فأضاف الوجه على الذات وفي حكم اللغة أن المضاف غير المضاف إليه وأن إعراب النعوت تابع لإعراب المنعوت فلو كان الوجه
[ ٦ / ٢٣٣ ]
ههنا صلة ولم يكن صفة للذات لقال ذي الجلال والإكرام فيكون نعتًا للذات فلما رَفَع فقال ذو الجلال والإكرام علم أنه نعت للوجه وصفة للذات ولو كان معنى البصر العلم كما تأوله هؤلاء القوم لذهب فائدة قوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام ١٠٣] لأنه قد نفى عن خلقه شيئًا أثبته لنفسه دونهم وقد احتج القوم بهذه الآية في أن الله تعالى لا يُرى بالأبصار في الدنيا والآخرة فلو كان معناه يعلم بالأبصار لم يكن بينه وبين خلقه في ذلك فرق لأنهم يعرفون الله ويعلمونه فما الذي أثبته لنفسه ونفاه عن خلقه إذًا إذا كانت الأبصار لا تراه ولا يراها نظرًا وقد روي عن النبي ﷺ في إثبات اليد والوجه والسمع والبصر مع ما جاء في الكتاب من ذكرها أحاديث كثيرة بأسانيد صحيحة والكتاب يطول باقتصاصها وهي مشهورة عند أهل العلم والعناية بهذا الشأن قال والأصل أن الخطاب في الكتاب والسنة وبيان الشريعة محمول على ما تعقله العرب وتستعمله في كلامها
[ ٦ / ٢٣٤ ]
فإن الله تعالى لم يخاطبنا بما لا نعقله ولا نفهمه إلا أنا لا ننكر التأويل في بعض ما تدعو إليه الحاجة من الكلام والعدول عن ظاهر اللفظ وموضوعه لقيام دليل يوجبه أو ضرورة تلجئ إليه فأما أن يكون الظاهر المفهوم وهو الحجة والبيان بلا حجة ولا بيان فلا يجوز ذلك وكفانا أن ننفي الكيفية عن صفات الله تعالى فأما أن نبطل الصفات مع ورود التوقيف بها فلا يجوز ذلك في حق دين ولا دلالة علم وهذا الباب من نوع العلم الذي يلزمنا الإيمان بظاهره لوقوع الحجة به وقيام الدليل عليه من جهة التوقيف ولا يجوز لنا البحث عن باطنه والكشف عن علته كما لا يجوز لنا ذلك في معرفة ذات الله ﷾ بل يصح الإيمان والعلم به وبأنِيَّنِه من غير علم بالمائية التي
[ ٦ / ٢٣٥ ]
هي سؤال عن التجنيس إذ لا جنس له سبحانه ولا بالكيفية التي هي سؤال عن الهيئة والصورة فإنه سبحانه واحد ليس بذي هيئة ولا صورة ولا بالكمية التي هي سؤال عن العدد فإنه سبحانه واحد ليس بذي عدد ولا كثرة ولا بالكمية التي هي سؤال عن برهان الشيء وعلته وتعالى الله ﷿ فإن الماهية والكيفية والكمية عن الله منفية ولهذا كان إعراض موسى ﵇ في الجواب لما سأله فرعون حين قال له وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قال موسى ﵇ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) وذلك أنه لما أحال في سؤاله فسأله عن جنس ما لا جنس له ولا تحديد استجهله موسى ﵇ فأضرب عن سؤاله فلم يجب عنه ثم أخبره عن قدرته وعظم ملكه وسلطانه بما يرد به من جهله فيما سأل عنه وانتظر الجواب فيه
[ ٦ / ٢٣٦ ]
كما يقول الرجل العاقل للجاهل إذا سأل عن الباطل والمحال ليس لك عندي جواب إلا أن الذي أعرف وأجيب به كذا وقد أمرنا بالإيمان بملائكة الله تعالى وهم مخلوقون لله تحيط بهم الحدود وتصفهم الكيفية ثم إنا لا نعلم خواصهم ولا نقف على حقائق صفاتهم ولم يكن ذلك قادحًا في صحة العلم بكونهم والإيمان بهم وقد حجب عنا علم الروح ومعرفة كيفية العقل مع علمنا بأنه آلة التمييز وبه تدرك المعارف وهذه كلها مخلوقات لله ﷿ فما ظنك بصفات رب العزة سبحانه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) [الشورى ١١] فإن قيل أما هذه الأمور فإنما جاز أن يطوى عنا علمها لأنك لم تجد عليها دلالة من حس ولا في كيفيتها بيانًا من نص ولا رأيتَ لها مثالًا من نظير وشكل واليد والسمع والبصر والوجه معلومة بأسمائها ونظائرها موجودة بخواص صفاتها قيل هذا ظلم في المعارضة وجور في حق المطالبة وذلك أن اليد والسمع والبصر إنما كانت جوارح لذات هو جسم عريض عميق فلما كان الذات الذي به قيام هذه الصفات معلوم الكيفية كانت صفاته كذلك فأما إذا كانت هذه
[ ٦ / ٢٣٧ ]
الأسماء صفة للذات المتحاشي عن هذه النعوت المنزهة عما جرى الأمر عن النزاهة والبعد عن التحديد والتكييف حصل العلم بظاهرها من طريق التوقيف حسب ولا حول ولا قوة إلا بالله قيل هذا الذي ذكره الخطابي ذكره بمبلغ علمه حيث لم يبلغه في حديث الرحم عن أحد من العلماء أنه جعله من أحاديث الصفات التي تمر كما جاءت والخطابي له مرتبة في العلم معروفة ومرتبة أئمة الدين المتبوعين فوق طبقة الخطابي ونحوه وهذه الطريقة التي سلكها في تقسيم الأحاديث إلى الأقسام الثلاثة وما ذكر في الصفات الخبرية هي تشبه طريقة أبي
[ ٦ / ٢٣٨ ]
محمد بن كُلاَّب وهي طريقة طوائف كثيرة ممن يقول بالكلام والحديث وغير ذلك وهي طريقة الشعري نَفسِه والبيهقي في آخر أمره وطريقة ابن عقيل في آخر
[ ٦ / ٢٣٩ ]
أمره وجمهور أئمة الحديث وأئمة الفقهاء وأئمة الصوفية طريقهم أكمل من ذلك وأتبع للسنة كما قد بين في مواضع وأما ما ذكره الخطابي من الحاجة إلى تأويل بعض النصوص وكذلك يقول القاضي أبو يعلى وأمثاله فهؤلاء وإن قالوا بذلك فالقاضي قد بين أن التأويل يكون لدلالة نص آخر على خلاف ظاهر النص المؤول والخطابي قد ذكر أن التأويل يكون لدلالة أو ضرورة ومعنى الضرورة أن العلم بالضرورة نفي الظاهر وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن العموم ونحوه من الظواهر إذا علم بالحس أو الضرورة أنه انتفاءُ ظاهرها ففي تسمية ذلك تخصيصًا وصرفًا ونزاع بين الناس لأن ذلك يجري مجرى القرائن المتصلة وهؤلاء المثبتون للصفات التي يسمونها الصفات الخبرية
[ ٦ / ٢٤٠ ]
كاليد والوجه بينهم نزاع في أصلين أحدهما فيما ثبت من ذلك هل هو ما جاء به القرآن أو ما يوافقه من الأخبار أو ما جاء به القرآن والأخبار المتواترة أو ما جاءت به الأخبار الصحيحة أيضًا أو ما جاءت به الأخبار الحسان أو ما جاءت به الآثار ويعنون بإثباتها أنه ليس القول بها ممتنعًا على نزاع لهم في ذلك والأصل الثاني هل إثبات معاني هذه النصوص على الوجه الذي ذكره الخطابي وهو الذي يقوله ابن كلاب والأشعري وكثير من طوائف أتباع الأئمة ويقوله القاضي أبو يعلى وغيره في كثير من الأحاديث أو أكثرها أو على وجوه أخرى لهم في ذلك أيضًا نزاع وليس هذا موضع تفصيل مقالاتهم ولكن نبهنا على أصله
[ ٦ / ٢٤١ ]
فصل: في تأويل الرازي لقوله ﷺ: "إن المسجد لينزوي من النخامة "
فصل قال الرازي السادس قال ﷺ إن المسجد لينزوي من النخامة كما ينزوي الجلد من النار
[ ٦ / ٢٤٢ ]
ولابد من التأويل
[ ٦ / ٢٤٣ ]
فصل: في تأويل الرازي لقوله ﷺ: "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن"
البينية في لغة العرب لا تقتضي المماسة
فصل قال الرازي السابع قال ﷺ قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن وهذا لابد فيه من التأويل لأنَّا نعلم بالضرورة أنه ليس في صدورنا إصبعان بينهما قلوبنا قلت هذا الحديث في الصحيح والكلام عليه من وجوه أحدها أنه ليس ظاهر هذا الحديث أن أصابع الرب في صدور العباد إنما أخبر أن قلوبهم بين أصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء لم يقل إن الأصابع في صدورهم ولا قال إن قلوبهم معلقة بالأصبع أو متصلة بها بل قال إنها بين أصبعين وكون أن الشيء بين شيئين ليس ظاهره أنه مماس لهما كما في قوله عن الجنة والنار وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ [الأعراف ٤٦] وكما في قوله تعالى يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ [الزخرف ٣٨]
[ ٦ / ٢٤٤ ]
الوجه الثاني أنه لو فرض أنه أخبر عن شيء من الغيب بأنه في قلوب العباد لم يكن ما ذكر من الضرورة مانعة من ذلك لأن الضرورة تمنع أن تكون الأشياء التي نشاهدها في قلوبنا ونحن لا نشاهد كذلك أما إذا أخبرنا بأن الملائكة تنزل على قلوبنا أو الشياطين تنزل أو أن على أفواهنا ملائكة تكتب كلامًا ونحو ذلك من الأمور الغائبة التي ليست من جنس المشاهدات لنا فإذا أخبرنا بوجودها لم نعلم بالضرورة انتفاء ذلك فقول القائل نعلم بالضرورة أنه ليس في صدورنا أصبعان بينهما قلوبنا يقال له المعلوم بالضرورة أن الأصابع التي شهدناها مثل أصابع الآدميين ليست في صدورنا أما لو أخْبِرنا أن أصابع الملائكة أو الجن في صدورنا لم نعلم انتفاء ذلك كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال ما من مولود إلاّ يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخًا من مس الشيطان إياه
[ ٦ / ٢٤٥ ]
إلا مريم وابنها ثم قرأ أبو هريرة وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) [آل عمران ٣٦] وكما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال إذا استيقظ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء فإن الشيطان يبيت على خياشيمه وفي الصحيحين أيضًا عنه أنه قال إن الشيطان يعقد على قافية رأس أحدكم إذا نام ثلاث عقد يضرب
[ ٦ / ٢٤٦ ]
مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد مع أنا لا نشهد هذا المس لجسم المولود ولا هذا المبيت على الخياشيم ولا العقد ولا نحو ذلك وظهر أن هذا الحديث لو كان ما ادعاه لم يكن ذلك معلوم الانتفاء بما ادعاه من الضرورة الوجه الثالث إنَّ سنبين فساد ما ذكروه من التأويل في
[ ٦ / ٢٤٧ ]
ذلك وإبطال السلف له
[ ٦ / ٢٤٨ ]
فصل: في تأويل الرازي للعندية بالرحمة
فصل قال الرازي الثامن قال ﷺ حكايةً عن الله أنا عند المنكسرة قلوبهم وليست هذه العندية إلا بالرحمة وأيضًا قال ﷺ حكاية عن الله تعالى في صفة الأولياء فإذا أحببتُهُ كنتُ سمعَهُ الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ومن المعلوم بالضرورة أن القوة الباصرة التي بها يرى الأشياء ليست هي الله تعالى
[ ٦ / ٢٤٩ ]
الكلام على قوله ﷺ حكاية عن الله "أنا عند المنكسرة قلوبهم"
والكلام على هذا من وجوه أما قوله أنا عند المنكسرة قلوبهم فهذا قد روي في كتاب الزهد للإمام أحمد عن عمران القصير أن موسى ﵇ قال يا رب أين أجدك قال عند المنكسرة قلوبهم من أجلي أقترب إليها كل يوم شبرًا ولولا ذلك لاحترقت وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال يقول الله تعالى عبدي مرضت فلم تعدني فيقول رب كيف أعودك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلو عدته لوجدتني عنده عبدي جعت فلم تطعمني قال يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين قال أما علمت أن عبدي
[ ٦ / ٢٥٠ ]
ظاهر الحديث لا يفهم منه نزول الله تعالى من فوق العرش
فلانًا جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي ففي هذا الحديث ثبت هذا القول وهو قوله فلو عدته لوجدتني عنده لكن لفظ المنقول أن الله يوجد عند بعض المرضى وعند المنكسرة قلوبهم لم يقل أنا عند المنكسرة قلوبهم بل قال لوجدتني هناك وأين أجدك قال هناك والكلام عليه من وجوه أحدها أنه ليس هذا ظاهر هذا الحديث أن الله نزل من فوق العرش وانتقل إلى عند هؤلاء ولا ظاهره أن جميع الوجود خال عن الله إلا هذا الظرف الخاص ولا يفهم من إطلاق هذا الحديث هذا المعنى بل هذا المعنى المعلوم فساده بالضرورة والحس يَعْلَمُ أنه ليس ظاهر الحديث كل من يعلم هذا فلو كان ظاهر اللفظ في اللغة لو تجرد هذا لدل على ذلك المعنى الفاسد لكان مع اقترانه بهذا العلم الظاهر الحسي الضروري تسمية ذلك المعنى الفاسد هو ظاهر اللفظ نزاعًا وكذلك في تسمية مثل ذلك لفظًا ومن منع ذلك قال هذه
[ ٦ / ٢٥١ ]
القرينة الظاهرة للمخاطبين المعلومة بالبديهة والحس العام هي من القرائن المتصلة بالخطاب وهي أبلغ من القرائن اللفظية المتصلة فإذا كانت القرائن اللفظية المتصلة تمنع أن يكون ظاهر الخطاب هم معناه لو عدمت الصلات اللفظية فهذا كذلك وأولى ومن المعلوم أن الخطاب الذي اتصل به استثناء أو شرط أو صفة ليس ظاهره ما يدل عليه بدون ذلك الاستثناء والشرط والصفة فكذلك هذه القرينة فإن دلالة الخطاب لابد فيها من علم المخاطَب بالمخاطِب وحاله وباللغة التي يخاطبه بها وإذا كان كذلك كان هذا العلم هو
[ ٦ / ٢٥٢ ]
الظروف يتنوع تعلقها بمعاني الأسماء والأفعال
الدال على مدلول الخطاب فظاهر الخطاب ما يظهر بهذا العلم الوجه الثاني أن الألفاظ التي يسميها النحاة ظروفًا يتنوع تعلقها بمعاني الأسماء والأفعال التي يسميها النحاة مظروفة بحسب حقائق تلك المظروفات وهذا الموضع من لم يهتد لهذا التنوع فيه وإلاَّ ضل كما ضل كثير من الناس حتى وجدوا ما يسميه أهل اللغة ظروفًا وأوعية من شأنه ألا يكون هو المظروف الموعى فيه كالمائعات في الآنية وكالجامدات فيما يحيط بها من الملابس والمساكن وغير ذلك ورأوا النحاةَ يسمون ألفاظًا ظروفًا فاعتقدوا أن معنى هذه في اللغة أن تكون محيطة بالمظروف حاوية له كما يحيط ظرف اللبن والخمر والماء بذلك ويقول أحدهم في للظرفية فالظرف يكون حاويًا للمظروف وهذا غلط فإن العرب لم يقولوا في للظرفية حتى يجعل معنى أحد اللفظين في كلامهم هو معنى الآخر لأن الأصل عدم الاشتراك بل نطقوا بهذه
[ ٦ / ٢٥٣ ]
الأدوات في مواضعها مستوفين لتعلقها بما تعلقت به بحسب تلك الحقائق وإن كان يكون بين تلك المعاني قدر مشترك لكن ذلك القدر المشترك مطلق لا وجود له في الخارج بل الذهن يجرده إذ هم لم يتكلموا بهذه الأدوات مطلقة قط ثم إن النحاة رأوا ذلك المعنى المشترك فيه نوع مشابهة لما تسميه العرب من الأجسام ظرفًا فسموه ظرفًا حقيقة عرفية خاصة اصطلاحية ليست هي اللغة التي تكلم بها العرب وجاء بها القرآن والحديث وهكذا سائر اصطلاحهم مثل الفاعل والمفعول والحال والصفة والتمييز والمعرب والمبني والمبتدأ والخبر ونحو ذلك فإن العرب لا تفرق بين الجملة الإسمية والفعلية في تسمية كل منهما خبرًا صادقًا أو كاذبًا ولا يسمى المفرد الذي لا يستقل بالإفادة خبرًا فتسمية المفرد الذي هو أحد ركني الجملة خبرًا وتخصيص ذلك بالجملة الإسمية دون الفعلية بل تخصيص ذلك بالجزء الثاني منها دون الأول هذا لفظ النحاة واصطلاحهم وإن كان بينه
[ ٦ / ٢٥٤ ]
وبين اللغة الأصلية نوع تعلق يجعله بالنسبة إليه مجازًا كما سمع بعض الأعراب قومًا من النحاة يتحدثون باصطلاحهم فقال قوم يتكلمون في كلامنا بغير كلامنا ليصلحوا به كلامنا وكذلك اسم الفاعل هو الاسم الذي اسند إليه الفعل ونحوه متقدمًا عليه مثل قام زيد وأقام زيد ونحو ذلك ولا يسمون الاسم الظاهر في قولك زيد قائم فاعلًا بل مبتدأ ومن المعلوم أن لفظ الفاعل ليس لمسماه في اللغة لفظ ولا يختص إذا جعل اسمًا لاسم الفاعل عن قديم أو آخر بل هذا اصطلاح احتاجوا إليه لبيان قوانين اللغة العربية في نحوها وتصريفها وهو من أنفع الأشياء في معرفة الأدلة السمعية واللغة العربية لكن ينبغي أن يعرف اصطلاح اللغات ليحمل كلام كل متكلم على لغته وعادته ومثال ذلك في الأدوات التي يسميها النحاة ظروفًا أنهم يقولون رأيت فلانًا في داره ويقولون رأيت فلانًا في المرآة أو الماء ويقولون رأيت فلانًا في المنام فلفظ في التي يسميها النحاة ظرف مكان موجود في المواضع الثلاثة مع العلم بأنه ليس المعنى الظاهر ولا حقيقة اللفظ في قولهم في البيت مثل قولهم في المرآة
[ ٦ / ٢٥٥ ]
ولا مثل قولهم في المنام وكل من الألفاظ الثلاثة حقيقة في معناه وقوله رأيته في المرآة حقيقة ومعنى ظاهر لا مجاز ولا خلاف الظاهر وكذلك قوله رأيته في المنام معناه ظاهر وهو أيضًا حقيقة هذا اللفظ مع العلم بأن ظاهر اللفظ الأول أن ذاته قد كانت في داره وليس ظاهر اللفظين الآخرين أن ذاته كانت في المرآة ولا في نفس الرائي ومع العلم بأن كونه مرئيًّا في المرآة ووجوده في المرآة ليس مساويًا لكونه مرئيًّا في المنام ولا لوجوده في نفس الرائي وذلك لاختلاف حقائق المَحَال وتعلق الحال بها التي هي معاني اللفظ لظرف فليس الدار كالمرآة ولا المرآة كنفس الرائي ولا وجود زيد في الدار كوجوده في المرآة أو في نفس الرائي إذا عرف هذا فلفظ عند هي من الألفاظ التي يسميها النحاة ظرف مكان فتتنوع دلالتها بتنوع معنى الاسم أو الفعل الذي يسمونه مظروفًا ويتنوع أيضًا بتنوع ما يضاف
[ ٦ / ٢٥٦ ]
إليه من الظرف وهي في نفسها اسم ليست حرفًا بخلاف في فإنها حرف وإذا كان كذلك فهم يقولون ويستعملون ذلك في بعض الأعيان القائمة بنفسها كقولهم فلان أو المال عند فلان كما في مثل قوله تعالى وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) [الصافات ٤٨] وقوله أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) [الطور ٣٧] ومن هذا قوله تعالى إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥) [القمر ٥٤-٥٥] وقوله إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦) [الأعراف ٢٠٦] وقوله وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) [الأنبياء ١٩] وقوله فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨) [فصلت ٣٨] وقوله اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [يوسف ٤٢] أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ [النجم ٣٥] ويستعملون ذلك أيضًا فيما يقوم بغيره من الصفات والأفعال كقوله اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ [يوسف ٤٢] وقوله أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) [النجم ٣٥] وقوله أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) [الطور ٤١] ومعلوم أن الذي عنده هو قائم بنفسه وكذلك الذكر
[ ٦ / ٢٥٧ ]
الذي عند الملك قائم بالذاكر وهذه الألفاظ على ظاهرها وهي حقيقة كالأولى بل النحاة يقولون إن الظرف لا يتعلق في نفس الأمر إلا بفعل مذكور أو محذوف فإذا علق بالأعيان أو الصفات في خبر المبتدأ أو الصفة أو الحال كان العامل فيه فعلًا عامًا أو اسم فاعل عام فإذا قيل زيد في البيت كان التقدير استقر أو مستقر في البيت أو كان أو حصل أو وجد أو كائن أو حاصل ونحو ذلك ويقولون إن ذكر عامل الظرف في خبر المبتدأ شريعة منسوخة ومحققوهم يقولون لم يكن هذا شريعة قط فإن الناطقين باللغة لم ينطقوا بهذا قط وإنما هو موجب بالقياس لكن عدل عن ذكره لوضوح المعنى بدونه وعدم الحاجة إليه فإن مقصودهم بذلك طرد القياس في أن الظرف إنما ينتصب بفعل مذكور أو مقدر ومن الناس من تنازع في ذلك وفي هذا من البحوث ما ليس هذا موضعه ويقولون أيضًا فلان عند فلان عالم أو عدل أو مسلم وهذا عنده جائز أو محرم وهذا عنده محبوب أو مكروه وعظيم أو حقير ونحو ذلك ومنه قوله تعالى عن
[ ٦ / ٢٥٨ ]
جبريل إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) [التكوير ١٩-٢١] وقوله وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) [ص ٤٧] وهذا نظير كون العلم عند العالم فإن الذي عنده من قبل ما في نفسه من الاعتقاد والإرادة وما يتبع ذلك فإذا اعتقد أنه عالم أو عدل كان عند محبته وتعظيمه وكذلك بالعكس ومعلوم أن ذلك إنما صار ظرفًا لفظيًّا لأن المعلوم المحبوب والمعظم لابد أن ترتسم صورته في النفس فيقال فلان عالم عندي فيجعل الظرف ظرفًا للجملة وهي الاسمان والمعنى ظاهر معروف أن المظروف إنما هو اعتقاد علمه لا نفس ذاته ولا نفس علمه وذلك
[ ٦ / ٢٥٩ ]
لأن الخبر بقوله عالم أفاد ثبوت علمه بذكر الظرف بعد ذلك أي هذا الثبوت وهذه النسبة التي دل عليها اللفظ هي عندي في نفسي وأما كونها في الخارج فذلك مقام آخر وكذلك إذا قيل إنه محبوب أو معظم عندي فإن التقييد بالظرف دل على أن هذه المحبة وهذه العظمة في نفسه فإذا كان معنى الجملة يقوم بالنفس وذلك مسبوق بقيام مفرديها فمعنى المفرد أيضًا يقوم بالنفس فيقال فلان لا يزال عندي أي في نفسي فهو مثاله وصورته العلمية ويحصل الفرق بين كون المظروف ذاته في الخارج أو المظروف صورته علمًا وحبًّا ونحو ذلك في النفس بحسب الظرف والمظروف فإذا كان الخطاب عن ميت أو غائب مثل أن يقول القائل إذا اجتمع بمن كان غائبًا عنه والله ما زلت عندنا كان ظاهر هذا اللفظ ما زلنا نستحضرك بقلوبنا ونذكرك بألسنتنا ونحو ذلك وقد يقال في مثل ذلك ما زلت معنا إذا كانوا
[ ٦ / ٢٦٠ ]
مستحضرين له ذاكرين له وإن لم يشعر هو بذلك ويقال فلان ما عنده إلا الله ورسوله ثم من المعلوم أن العلم والذكر والمحبة والتعظيم قد يكون من الطرفين فمن كان زيد عنده معلومًا مذكورًا محبوبًا معظمًا فإنه قد يكون عند زيد كذلك وهذا ثابت في حق الله تعالى كما جاء في الأثر إذا أحب أحدكم أن يعلم كيف منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله في قلبه فإن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من قلبه وقد قال تعالى فيما روى عنه رسوله ﷺ من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ومن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة وقال لايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه لأن النوافل
[ ٦ / ٢٦١ ]
القرب من الله تعالى على ثلاث درجات
محاب الحق تعالى فإذا كان الله تعالى محبوبًا معظمًا مذكورًا عند عبده وكان العبد متقربًا إليه كان العبد محبوبًا معظمًا مذكورًا عند الرب متقربًا إليه وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن من أعظم ما يكون العبد متقربًا إلى ربه إذا ذل له كما قال النبي ﷺ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وربه في هذه الحال عنده في قلبه في غاية الإجلال والإكرام وقد تقرب إلى ربه بنهاية تقربه فربه أيضًا يتقرب إليه ويجله ويكرمه فمن انكسر قلبه لله فإنه متواضع خاشع لله سواء كان هو قد شهد من عظمة الحق ما أوجب انكسار قلبه أو كان أعداء الله قد آذوه وكسروا قلبه لأجل عبادته وطاعته لله فالأول كالمصلي والثاني كالمجاهد فهذا يكون متقربًا إلى الله تعالى بغاية التقرب فيتقرب الله إليه أيضًا كذلك فيكون الله عنده في قلبه وهذا على ثلاث درجات
[ ٦ / ٢٦٢ ]
أما الدرجة الأولى فهو وجود الرب عنده في قلبه معلومًا معبودًا محبوبًا معظمًا وهذا مما لا ينازع فيه الثانية صعود قلبه إلى الله وعروجه إليه ودنوه منه بحيث يقرب نفس الظرف إلى المظروف حتى يحصل من كون الله نفسه عنده ما ليس لغيره وهذا متفق عليه بين أهل الإثبات والجهمية تنازع فيه ويلزم من قربه هو من الله ودنوه منه قرب الرب منه ودنوه منه فإن ما قربت إليه فقد قرب إليك بالضرورة الثالثة أن يكون الرب نفسه تقرب إليه تقرب من نفسه ودنو من نفسه غير ما جعله فيه من التقرب فهذا أيضًا ثابت عند كثير من أهل الإثبات أو أكثرهم ومنهم من
[ ٦ / ٢٦٣ ]
ينازع فيه وهذا مبسوط في مسألة القرب وعلى هذا التقدير فإن الرب نفسه يكون عند عبده خارجًا عما في نفس العبد وقد قال من تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة وقال أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي أقرب إليها كل يوم شبرًا ولولا ذلك لاحترقت وهو يخرج على القولين فالأولون يقولون إن الرب يتقرب إلى عبده بنفسه غير ما يوفق العبد له من تقربه إلى ربه وهؤلاء يقولون بل هو إذا تقرب إلى ربه أثابه بما يوفقه له
[ ٦ / ٢٦٤ ]
من تقرب آخر يكون الرب متقربًا إليه أكثر مما يقرب إليه وهؤلاء يمنعون أن يكون الله موصوفًا بذاته بحركة أو تقرب أو نحو ذلك والأولون لا يمنعون ذلك وقد بسطنا الكلام على هذا في الأجوبة المصرية وغير ذلك والمقصود هنا أن قوله لو عدته لوجدتني عنده وقوله أين أجدك قال عند المنكسرة قلوبهم من أجلي أقرب إليها كل يوم شبرًا ولولا ذلك لاحترقت ليس ظاهره أن ذات الله تكون موجودة في المكان الذي يكون ذلك فيه بل يكون الله موجودًا عنده أي في نفسه إذ هذه العندية أقرب إليه من تلك العندية فإن الظرف المتصل بالإنسان أقرب إليه من الظرف المنفصل عنه فحمل الكلام عليه أولى وإذا كان الظرف هو نفسه فقوله وجدتني عنده كقوله وجدتني في قلبه ووجدتني في نفسه ووجدتني حاضرًا في قلبه ووجدتني ثابتًا في قلبه ونحو ذلك من العبارات
[ ٦ / ٢٦٥ ]
جواب المؤلف عن تأويل الرازي لحديث "كنت سمعه الذي يسمع به"
ومعلوم أن هذا الخطاب حق على ظاهره كما تقدم من ثبوت تعلقات الظرف بالمظروف وإن ذلك ليس بمنزلة قوله كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) [النور ٣٩] بل باقتران ما أضيف إليه الظرف في الموضعين اقترن تعلقه بالمظروف كما لو قيل لبعض الصحابة وجدت رسول الله ﷺ عند أحد وقال الآخر وجدت رسول الله عند المتبعين لسنته لاسيما وقد علم المخاطب أنه يمتنع أن يشاهد الموجود عند غيره فقد علم المخاطب بقوله لو عدته لوجدتني عنده وعلم موسى بن عمران أنهم لا يشهدون الله عيانًا في الدنيا فلا يظهر لهم من قوله لوجدتني عند عبدي المريض وعند المنكسرة قلوبهم من أجلي إلاَّ ما هو المناسب اللائق بهذا المضاف إليه دون المضاف إلى غيره وأما قوله ﷺ كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به فلو ذكر الحديث بألفاظه لعلم أن معناه ظاهر لا يحتاج
[ ٦ / ٢٦٦ ]
إلى تأويل فإنه قال من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبس يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة فقوله من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة تصريح منه بالفرق والجمع حيث جعل معاداة وليه معاداة له ولم يجعل نفسه ذات وليه ثم قال وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه فقد بين وأظهر أن المتقرب إليه عبده والمتقرب ليس المتقرب إليه
[ ٦ / ٢٦٧ ]
وقال لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه وهذا كله إظهار وبيان لأن الله تعالى ليس هو عين العبد وأعضائه وقواه ثم قال فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله كترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه فقد بين واظهر بعد قوله كنت سمعه وبصره وقوله فبي يسمع وبي يبصر أنه لئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ومن المعلوم أن هذا صريه في أن السائل المستعيذ ليس هو المستعاذ به ثم قال وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نقس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته وهذا تصريح بأنه عبده ليس الرب جزءًا منه ولا صفة له وأنه يقبض ويموت ومعلوم أن الله حي لا يموت فضلًا عن أن يكون بعضًا أو صفة لمن يموت فإنه لو كان ظاهره أن الله نفسه هو عين العبد وسمعه ويده ورجله لكانت هذه الأعضاء تموت بموت الجملة
[ ٦ / ٢٦٨ ]
وهذا كله يبين أنه ليس ظاهر الحديث أن الله هو القوة الباصرة بل ظاهره ما ظهر منه وما بينه الرسول الذي هو من أحسن الألفاظ وأحسنها بيانًا وإظهارًا إذ لا يكون أحد غير الرسول أحسن بيانًا وإظهارًا لما يخبره به عن ربه من الرسول وقد نزهه الله أن يكون ظاهر كلامه كفرًا وضلالًا وإفكًا ومحالًا ولا يكون هو قد جعل هذا الظاهر غير ظاهر وقذف بالحق على الباطل حتى يظهر الحق ويخفى الباطل كيف وقد تكفل الرب بإظهار دينه على الدين كله بظهور العلم والحجة وظهور القدرة والنصرة وأخبر أنه أرسله بالهدى ودين الحق فكيف يكون كلامه مضلًاّ إذا كان ظاهره الضلال ولم يبين ذلك
[ ٦ / ٢٦٩ ]
فصل: في الرد على الرازي نفيه وإنكاره صفتي العظمة والكبرياء
فصل قال الرازي الوجه التاسع قال ﷺ الكبرياء ردائي والعظمة إزاري والعاقل لا يثبت لله تعالى إزارًا ورداء فيقال هذا الحديث في الصحيح رواه مسلم أن النبي ﷺ قال يقول الله ﷿ العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدًا منهما عذبته وقد ورد أيضًا سبحان من تقمص بالعز ولاق
[ ٦ / ٢٧٠ ]
به وليس ظاهر هذا الحديث أن لله إزارًا ورداء من جنس الأزر والأردية التي يلبسها الناس مما يصنع من جلود الأنعام والثياب كالقطن والكتان بل الحديث نص في نفي هذا المعنى الفاسد فإنه لو قال عن بعض العباد إن العظمة إزاره والكبرياء رداؤه لكان إخباره بذلك عن العظمة والكبرياء اللذين ليسا من جنس ما على ظهور الأنعام ولا من جنس الثياب ما يبين ويظهر أنه ليس المعنى أن العظمة والكبرياء هما إزار ورداء بهذا المعنى فإذا كان المعنى الفاسد لا يظهر من وصف المخلوق بذلك لأن تركيب اللفظ يمنع ذلك ويبين المعنى الحق فكيف يدعي أن هذا المعنى ظاهر اللفظ في حق الله تعالى الذي يعلم كل مخاطب أن الرسول ﷺ لم يخبر عنه بلبس الأكسية وثياب القطن والكتان التي يحتاج إليها لدفع الحر وابرد وستر العورة وهذا أقبح ممن يزعم أن قوله إن خالدًا
[ ٦ / ٢٧١ ]
سيق من سيوف الله سلًَّه الله على المشركين أن ظاهره أن خالدًا من حديد وأقبح ممن يزعم أن قوله عن الفرس إن وجدناه لبحرًا ظاهره أن الفرس ماء كثير ونظائر هذا كثيرة وإذا كان هذا المعنى الفاسد ليس ظاهر الحديث بل نص الحديث الذي هو أبلغ من مجرد الظاهر ينافيه كان ما ذكره باطلًا يبقى أن يقال فالتعبير عن هاتين الصفتين بإضافة الرداء والإزار إليه فهذا لا يحتاج إليه في رد ما قال لكن فيه زيادة الفائدة وقد قال الخطابي وغيره إن المعنى أني مختص بهاتين الصفتين كاختصاص المؤتزر المرتدي بإزاره وردائه فلا يصلح أن أنازع فيهما وهذا كلام مجمل وبسط ذلك يحتاج إلى أن يعرف أن جنس اللباس في كل ما يضاف بحبسه فبنو آدم يذكر لهم
[ ٦ / ٢٧٢ ]
اللباس الذي على أبدانهم الذي يقيهم الحر والبرد والسلاح ويستر عوراتهم وهو المذكور في قوله تعالى قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ [الأعراف ٢٦] ثم الصفات التي تقوم بالإنسان التي هي لباس له بها يكون من المتقين كما قال وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف ٢٦] وليس قوله وَلِبَاسُ التَّقْوَى مما يقال فيه أنه خلاف الظاهر فيحتاج إلى تأويل فإنه لم يجرد لفظ اللباس بل أضافه إلى التقوى وهذا قد يعم اللباس الظاهر الذي يتقى به والأخلاق والأعمال الصالحة ولهذا تجعل هذه الصفات ظرفًا للموصوف كما قد يجعل هو محلا لها فيقال فلان في علمه وحكمه وصدقه وعدله من خيار الناس ولباس الإنسان منه ما لا يصلح مشاركة غيره فيه كالإزار والرداء والسراويل ونحو ذلك بل مشاركة الإنسان فيه
[ ٦ / ٢٧٣ ]
يوجب له من النقص والضرر ما يدعوه على أن يمنع طالب الشركة في ذلك والكبرياء والعظمة لا تصلح إلا لله رب العالمين الرب الخالق الباري الغني الصمد القيوم دون العبد المخلوق الفقير المحتاج والكبرياء فوق العظمة كما جعل ذلك رداء وهذا إزارًا ولهذا كان المشروع في العبادات الله أكبر دون الله أعظم وذلك في الصلاة والأذان والأعياد والمناسك وعلى الأشراف حتى لو قال المؤذن الله أعظم أو الله الكبير أو الله الأكبر لكان قد بدل شريعة الإسلام عند جميع المسلمين وكان ذلك مما ينكره المسلمون كلهم وكذلك إمام الصلاة لو جعل يقول الله أعظم بدل الله أكبر أو قال الله الكبير أو قال الله الأكبر لكان المسلمون يتبادرون إلى إنكار ذلك ومن جوز من الفقهاء ذلك فهو قول يقوله فلو ظهر ذلك إلى
[ ٦ / ٢٧٤ ]
العمل وشاع بين المسلمين كان هو من أعظم الناس إنكارًا لذلك لكن بين تقدير العمل وبين وقوعه في الخارج فروق عظيمة وهما مع أنهما لا يصلحان إلا لله فيمتنع وجود ذاته بدونهما بحيث لو قدر عدم ذلك للزم تقدير المحذور الممتنع من النقص والعيب في ذات الله فكان وجودهما من لوازم ذاته وكمالها التي لا ينبغي أن تعرى الذات وتجرد عنها كما أن العبد لو تجرد عن اللباس لحصل له من النقص والعيب بحسب حاله ما يوجب أن يحصل له لباسًا وأيضًا فاللباس يحجب الغير عن المشاهدة لبواطن اللابس وملامستها وكبرياء الله وعظمته تمنع العباد من إدراك البصر له ونحو ذلك كما في الحديث الصحيح الذي في صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال جنات الفردوس أربع
[ ٦ / ٢٧٥ ]
ثنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما وثنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلاَّ رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن فهذا الرداء الحاجب الذي قد يكشفه لهم فينظرون إليه سماه
[ ٦ / ٢٧٦ ]
رداء الكبرياء فكيف ما يمنع من إدراكه وإحاطته أليس هو أحق بأن يكون من صفة الكبرياء
[ ٦ / ٢٧٧ ]
فصل: في رد المؤلف على الرازي تأويله قوله ﷺ: "إن لها لسانا يقدس الله عند العرش"
فصل قال الرازي العاشر قال ﷺ لأبي ابن كعب يا أبا المنذر أية آية في كتاب الله تعالى أعظم قال فتردد فيه مرتين ثم قال في الثالثة آية الكرسي فضرب بيده ﷺ على صدره قال أصبت والذي نفسي بيده إن لها لسانًا يقدس الله عند العرش ولابد فيه من التأويل قال فثبت بكل ما ذكرناه أن المصير إلى التأويل أمر
[ ٦ / ٢٧٨ ]
الوجه الأول: بيان لفظ الحديث ورواياته
لابد منه لكل عاقل وعند هذا قال المتكلمون لما ثبت بالدليل أن الله منزه عن الجهة والجسمية وجب علينا أن نضع لهذه الألفاظ الواردة في القرآن والأخبار محملًا صحيحًا لئلا يكون ذلك سببًا للطعن فيها فهذا تمام القول في المقدمة وبالله التوفيق والكلام على هذا من وجوه أحدها أن لفظ الحديث الذي ذكر عن أبي ﵁ على ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن رباح عن أبي بن كعب قال قال رسول الله ﷺ يا أبا المنذر أتدري أي آية في كتاب الله أعظم قال قلت اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ قال فضرب في صدري وقال ليهنك العلم
[ ٦ / ٢٧٩ ]
يا أبا المنذر وهكذا رواه أبو داود في سننه والإمام أحمد في مسنده زاد أبو مسعود الدمشقي صاحب أطراف البخاري ومسلم والذي نفسي بيده إن لهذه الآية لسانًا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش لكن هذه الزيادة ليست موجودة فيما بأيدي الناس من صحيح مسلم
[ ٦ / ٢٨٠ ]
لكن رواها الإمام أحمد عن أبي بكر بن أبي شيبة ورواها ابن أبي شيبة في مصنفه ذكر هذا عبد الحق في الجمع بين الصحيحين
[ ٦ / ٢٨١ ]
والقول في ذلك كالقول فيما تقدم من مجيء القرآن والأعمال الصالحة كما تقدم بيانه ونظير ذلك ما ورد من أن للكلم الطيب حول العرش دويًّا كما ورد سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إن لها دويًّا حول العرش تذكر بصاحبها وما يشبه هذا ما روي عن عبد الله بن مسعود قال قال النبي ﷺ لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال يا محمد
[ ٦ / ٢٨٢ ]
أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر قال الترمذي حديث حسن فمعلوم أنه ليس المعنى الظاهر من هذا الباب أن نفس العمل أو القول الذي يقوم بالقائل والقائل هو نفس شجر الجنة ولكن يظهر منه أن هذا الكلام يصير منه شجر في الجنة فيغرسه الله غراسًا في الجنة كلما تكلم العبد بهذه الكلمات غرس له غراس هذا هو المعنى الذي يظهر منه سواء كان الله تعالى يصور نفس هذا العمل ذلك الغراس كما يصور
[ ٦ / ٢٨٣ ]
الوجه الثاني: بطلان ادعاء الرازي وجوب التأويل
الوجه الثالث: لم يذكر الرازي حجته لتأويله بالدليل العقلي
من الحب ونوى شجرًا ومن المني حيوانًا أو كان بذلك العمل يخلق شجرًا وإن لم يكن من نفسه الوجه الثاني قوله فثبت بكل ما ذكرنا أن المصير إلى التأويل أمر لابد منه لكل عاقل يقال قد ذكر تسعة عشر وجهًا على عدد خزنة جهنم وليس فيها ما يوجب التأويل الذي يدعي نظيره وهو وجوب صرف الخطاب عن معناه الذي يظهر للمستمعين إلى ما ينافي ذلك الوجه الثالث أن التأويل الذي هو صرف الخطاب عن ظاهره الذي يظهر للمخاطبين إلى خلاف ظاهره لدليل شرعي يبين ذلك قد لا ينازعونه فيه فإن كلام الله وكلام رسوله
[ ٦ / ٢٨٤ ]
الوجه الرابع: اعتماد الرازي لتأويله على النظريات العقلية
يبين بعضه بعضًا وإنما ينازعونه في وجوب هذا الصرف لما يعتقد الإنسان من معقوله وهذا لم يذكر له حجة وما يعرف معناه ببديهة العقل والحس أن المتكلم لم يقصده ليس هو من هذا الباب في أحد القولين كما تقدم وهذا المؤسس قد قرر ضد ذلك فإنه قرر كما سيأتي حكايته وجوب صرف الكتاب والسنة لما سماه أدلة عقلية وقرر أنه لا يجب صرف ذلك لدليل من الكتاب والسنة فكان الذي قرره نقيض ما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها وهو مخالف أيضًا لما عليه أكثر المتكلمين وأكثر الجهمية فإنهم يوجبون التأويل لمعارضة الدليل الشرعي الواضح أيضًا وسنتكلم إن شاء الله على ما قاله الوجه الرابع أن يقال سلَّمنا أنه يجب التأويل عند مخالفة الحس والعقليات الضرورية كما يخص العموم بذلك عند من يسمي ذلك تخصيصًا في مثل قوله تعالى وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل ٢٣] وتُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ [الأحقاف ٢٥] ونحو
[ ٦ / ٢٨٥ ]
ذلك فلٍمَ قلت إنه يجوز أو يجب التأويل عند مخالفة النظريات العقلية والفرق بينهما من وجوه أحدها أن ما يعلم بالحس والبديهة يكون علمه حاصلًا عند المستمعين وبيانه مقارنًا لخطاب المتكلم أو سابقًا عليه أو لاحقًا له قريبًا ومعلوم أن الخطاب لا يكون إلاَّ لمن معه من العلم ما يدله على معنى الخطاب بحيث يكون عالمًا بالمتكلم ولغته وغير ذلك وإذا كان كذلك كان وجود العلوم الضرورية والحسية عند المخاطبين مما لابد منه في صحة كونهم مخاطبين فيكون ذلك من أسباب معرفتهم بمعنى الخطاب ويكون الخطاب على هذا الوجه هدى وبيانًا وشفاء ولا يكون إضلالًا ولا تلبيسًا أما النظريات التي لا تعرف إلا بدقيق النظر وطويله ويقع فيها النزاع فإذا خوطبوا بما ظاهره الكفر والضلال ولم يتبين لهم المعنى المراد ولا يعرفونه إلا بمثل هذه الوجوه إن عرفوه كان هذا إضلالًا وتلبيسًا بل كان عدم الخطاب أنفع وأهدى لهم إذ كانوا بدون الخطاب يعرفون الحق بهذه النظريات من غير معارض وإذا خوطبوا بما يعارض هذه العلوم
[ ٦ / ٢٨٦ ]
الوجه الخامس: التأويل السائغ
كان قد أظهر لهم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف والأمر باعتقاد الباطل من غير بيان الوجه الثاني أن العلوم الحسية والبديهية تكون مقارنة للخطاب فتمنع عن فهم الباطل ابتداء بخلاف هذه النظريات الوجه الثالث أن مثل هذه العلوم لا يقع فيها نزاع واختلاف فلا يفضي ذلك إلى ما نهوا عنه من التفرق والاختلاف بخلاف النظريات الدقيقة المشتبهة الوجه الخامس أن يقال لا خلاف بين المسلمين بل بين العقلاء أن التأويل حيث ساغ سواء كان في كلام الله أو كلام رسوله ﷺ أو كلام غير الله ورسوله إنما فائدته الاستدلال على مراد المتكلم ومقصوده ليس التأويل السائغ أن ينشئ الإنسان معاني لذلك اللفظ أو يحمله على معاني سائغة
[ ٦ / ٢٨٧ ]
لم يقصدها المتكلم بل هذا من أبطل الباطل وأعظمه امتناعًا وقبحًا باتفاق العقلاء وهو الذي يقع فيه هؤلاء المتأولون المحرفون كثيرًا وبذلك أشعر لفظه حيث قال فعند ذلك قال المتكلمون لما ثبت بالدليل أنه تعالى منزه عن الجهة والجسمية وجب علينا أن نضع لهذه الألفاظ الواردة في القرآن والأخبار محملًا صحيحًا فإن قوله نضع ظاهره أنهم يضعون لها ما يمكن من المعاني الصحيحة من غير نظر منهم في أن المتكلم قصد تلك المعاني أو لم يقصدها وعلى هذا فيكون التأويل كذبًا وافتراء على المتكلم إذا قيل معنى هذا الكلام هذا فإن معنى التأويل أنه قصد وأراد به كذا وليس عند المتأول إلا أن هذا المعنى يصلح في الجملة أن يراد بهذا الكلام ولكن قد يصلح أن يريد غيره ولا يصلح أن يريد هو فمن فسر كلام الفقهاء كالشافعي وأحمد ومالك وأبي حنيفة
[ ٦ / ٢٨٨ ]
بدقائق الأطباء التي يقصدها بقراط وجالينوس أو فسر كلام الأطباء بما يختص بدين المسلمين من معاني الحج والصلاة وغير ذلك لكون ذلك المعنى يصلح لذلك اللفظ في الجملة كان مع كونه من أكذب الناس وأعظمهم افتراء من أبعد الناس عن العقل والدين وأشدهم إفسادًا للعلوم والمخاطبات فهكذا من نظر إلى ما يحتمله اللفظ من المعاني مما يصلح
[ ٦ / ٢٨٩ ]
أن يريده من ينشئ الخطاب بذلك اللفظ ففسر كلام الله وكلام رسوله به كان في إفكه وضلاله بل في كفره ونفاقه أعظم من أولئك لأن الفرق بين كلام الله ورسوله وما يقصده الله ورسوله بالخطاب من معاني أسمائه وصفاته وبين الأعراب ونحوهم وما يقصدونه في خطابهم من وصف الإبل والشاء والمنازل والمياه والقبائل أعظم من الفرق بين كلام الفقهاء وكلام الأطباء وبهذا تبين أن ما يذكره طائفة من الناس مثل هذا المؤسس وأمثاله في أصول الفقه أن الأمة إذا اختلفت في تأويل الآية على قولين كان لمن بعدهم إحداث تأويل آخر بخلاف الأحكام قول باطل فإن تأويل الأمة للقرآن والحديث هو إخبارهم بأن هذا هو مراد الله تعالى منه قطعًا أو ظاهرًا فاتفاقهم في ذلك على قول أو قولين هو كاتفاقهم في الأحكام على قول أو قولين ولو قدر أنه أريد بالتأويل تجويز الإرادة مثل أن تقول طائفة يجوز أن يكون هذا هو المراد وتقول طائفة أخرى يجوز أن يكون هذا هو المراد كانوا متفقين على
[ ٦ / ٢٩٠ ]
الوجه السادس: أهل التأويل يرد بعضهم على بعض
أنهم لم يعلموا لله مرادًا غير ذينك الوجهين فلا يجوز أن يكون من بعدهم هو العالم بمراد الله تعالى دونهم ولهذا كانت هذه المعاني التي يفسرون بها كملام الله تعالى ورسوله ﷺ ويتأولونها عليها يعلم في كثير منها أو أكثرها بالضرورة أن الله تعالى ورسوله ﷺ لم يريدا تلك المعاني أكثر مما يعلم بالضرورة انتفاء ما ذكره من خلاف بعض الظواهر وحينئذ فينقلب ما ذكره من الدليل عليه أعظم انقلاب بأن يقال في الوجه السادس أنه لا خلاف بين جميع الطوائف أن كثيرًا من هذه التأويلات أو أكثرها باطل بل كثير من التأويلات يعلم فسادها بضرورة العقل وذلك أنه ما من طائفة من الطوائف الذين يحرفون الكلام عن مواضعه ويلحدون في أسماء الله وآياته ويسمون ذلك تأويلًا من أصناف المتجهمة ونحوهم إلاَّ وهي ترد كثيرًا من تأويلات الطائفة الأخرى وتقول إنها باطلة كما أن المؤسس وأمثاله يردون تأويلات المعتزلة للآيات والأخبار التي فيها وصف الله تعالى بأن له علمًا وقدرة وحياة
[ ٦ / ٢٩١ ]
وسمعًا وبصرًا وأن له كلامًا قائمًا بنفسه وأنه يرى ونحو ذلك ويردون تأويل الجهمية من المعتزلة وغيرهم لعذاب القبر والصراط والميزان وغير ذلك وهم والمعتزلة يردون تأويلات الفلاسفة الصابئين للجنة والنار وما فيهما من نعيم وعذاب والفلاسفة العقلاء مع سائر المتكلمين يردون تأويل القرامطة والباطنية للصلاة والزكاة والحج وغير ذلك والباطنية ترد كل طائفة منهم تأويل الآخرين فإن بينهم نزاعًا طويلًا والمعتزلة أيضًا ترد تأويل الأشعرية ونحوهم للآيات التي فيها تنزيه الله نفسه عن الظلم وفيها إثبات فعل العباد لأفعالهم فيها وإخراج الأعمال الصالحة من الإيمان ونحو ذلك
[ ٦ / ٢٩٢ ]
وهذا المؤسس قد اعترف بذلك في هذا الكتاب وغيره فقال في الفصل الثالث من القسم الثالث من هذا الكتاب في الطريق الذي يعرف كون الآية محكمة أو متشابهة ثم قال اعلم أن هذا موضع عظيم وذلك لأن كل واحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والآيات الموافقة لمذهب خصمه متشابهة فالمعتزلي يقول إن قوله تعالى فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف ٢٩] محكم وقوله وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان ٣٠] متشابه والسني يقلب القضية في هذا الباب والأمثلة كثيرة فلابد ههنا من قانون أصلي يرجع إليه في هذا الباب وسنتكلم إن شاء الله تعالى على ما ذكره من القانون وإذا كان العقلاء من جميع الطوائف مقرين بأنه لابد من إبطال جنس التأويل وأن فيه ما هو باطل محرم فمعلوم أن هذا ليس هو مثل ما ذكره من اتفاق الطوائف على الإقرار بأنه لابد من
[ ٦ / ٢٩٣ ]
التأويل في بعض ظواهر القرآن والأخبار فإنه لم يذكر نقلًا للإجماع في شيء مما ذكره وأما هذا فهو منقول بالاتفاق لا ينكره أحد بل ما من أحد إلا وهو ينكر كثيرًا من تأويل ظواهر القرآن والأخبار التي قد يتأولها بعض الناس ويقول إنها باطلة إما بالضرورة وإما بالنظر وكل من هؤلاء المختلفين يقول إن العقل يوجب عليه التأويل الذي يزعم الآخر أنه تأويل باطل وعند هذا فيقول نفاة هذه التحريفات الحق الذي هو أحسن تفسيرًا من قول أولئك المتكلمين يقولون إذا ثبت أن هذه التأويلات منها باطل كثير باتفاق الطوائف وثبت أن الحق الذي يدعيه مدع فيها لم يتفق على أنه حق بل النزاع واقع فيه هل هو حق أو باطل وهم يقولون لا يفصل بينهم إلا العقل وكل منهم يدعي أن العقل معه وليس العقل متكلمًا ظاهرًا يفصل بينهم كان الفصل بينهم متعذرًا وكذلك النزاع بينهم واقعًا لازمًا ضرورة عدم الفصل بينهم وكان معهم باطل قطعًا ولم يعلم أن معهم حقًّا أو الحق الذي معه لا يمكن تمييزه كانت مذاهبهم من جنس مذاهب اليهود والنصارى بعد التبديل بل أولئك أجود مما يقوله هؤلاء من التأويلات وإن لم
[ ٦ / ٢٩٤ ]
يكونوا أجود في الجملة مما هو عليه كل طائفة من طوائف المسلمين إذ مع كل طائفة من المسلمين الذين هم مسلمون حقيقة من الحق الذي لا ريب فيه أعظم مما مع اليهود والنصارى لكن الكلام هنا في تأويلاتهم التي ينازعهم فيها أهل الإثبات فإن أهل الكتابين معهم حق مأثور عن الأنبياء بلا ريب ومعهم باطل ابتدعوه وباطل حرفوه كما مع هؤلاء الجهمية ونحوهم من المتكلمين ومع هذا فلا نزاع بين المسلمين أنه لا يجوز اتباعهم في علومهم وأنهم ضلال وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه وإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه
[ ٦ / ٢٩٥ ]
الوجه السابع: التأويل محرم لأنه قول بلا علم
كان هؤلاء المتكلمون بهذه التأويلات أولى أن ترد عليهم كلها ولا يقبل منها شيء إذ لم يعلم أن فيها ما هو حق فإذا كان الكلام الذي علم أن فيه حقًّا وباطلًا قد أمرنا أن لا نقبله فمثل هذا الكلام أولى أن لا نقبله وهذا بينٌ ظاهر لمن قصده إسكات هؤلاء عن التأويلات ومنعهم من التكلم بها ومنع قبولها وأما من يقصد إبطالها وبيان فسادها فإنه يقول في الوجه السابع قد أجمعت هذه الطوائف وسائر المسلمين وسائر أهل الأرض على أن في التأويلات ما هو باطل ولم يتفقوا على أن ما فيها ما هو حق كما تقدم وأن الحق الذي اتفقوا عليه قليل معروف وكل منهم يدعي أن العقل يوجب تأويله يدعي الآخر أنه باطل وأن العقل الذي يدعي أنه أوجب باطل يعلم بطلانه بالعقل أيضًا كانوا مختلفين فيما يقولون إنه العقل الذي يجب اتباعه وحينئذ فلابد من عقل يميز بين العقل الصحيح والعقل الفاسد لكن هذا العقل هو من جنس عقولهم فيكون معرفة صحيح ذلك من باطله
[ ٦ / ٢٩٦ ]
بما يسمونه العقل متعذرًا وإذا كان كذلك ثبت أنه لا يمكن معرفة الصحيح من الفاسد فيما يسمونه عقليات مما يسمونه عقلًا وإذا لم يمكن معرفة ذلك امتنع اعتقاد موجبه أو القول به وإذا كان كذلك وهذا هو مستندهم الذي أوجبوا به تأويل النصوص فيكون هذا برهانًا قاطعًا على أن مستندهم الموجب للتأويل باطل وإذا بطل مستند التأويل بطل التأويل لأنه لولا معارضة المعقول لهذه النصوص لما كان تأويلها باطلًا بالاتفاق فثبت أن تأويلها باطل وهذا يدل على شيئين يدل على أن التأويل محرم إذ هو قول بلا علم ويدل على أنه باطل بمعنى أنه غير مطابق للحق لأن المتكلم الذي تكلم بكلام له ظاهر وله باطن يخالف الظاهر
[ ٦ / ٢٩٧ ]
الوجه الثامن: أن الله تعالى قد أقام الحجة على عباده
يمتنع أن يريد به إفهام المخاطبين خلاف الظاهر بلا دليل فإذا ثبت أنه لا دليل يعلم به ما يخالف الظاهر وهذا بشرط أن يكون المتكلم مقصوده البيان والإفهام وهو حكيم فأما إن كان مقصوده التدليس والتلبيس أو كان جاهلًا فلا يمتنع أن يخاطب الناس بما يفهمون منه خلاف مقصوده أو أن يدلهم بغير دليل لكن هذا متفق على انتفائه في حق الله ورسوله الوجه الثامن إذا ثبت أن ما تسمونه معقولًا يمتنع أن يفصل بينهم النزاع أو يبين لهم الحق من الباطل من هذه التأويلات والله سبحانه قد أقام الحجة على عباده وبين أنه ما كان ليضلهم حتى يبين لهم ما يتقون علم أنه لابد أن يكون ما يفصل النزاع ويبين الحق من الباطل غير هذه المستندات التي يسمونها المعقولات ولا يجوز أن يكون ذلك هو التخيلات التي يدعي بعض الناس الاختصاص بها ويسميها مكاشفات أو اتباع الأهواء التي يسمونها الذوقيات
[ ٦ / ٢٩٨ ]
كما يذكره طائفة من المتصوفة لأن الاختلاف والنزاع في ذلك عظيم كثير والضلال به أعظم وأكثر فتعين أن يكون الفاصل بين النزاع والحاكم بين الناس الهادي لهم إلى الرشاد هو كتاب الله كما أخبر بذلك في كتابه حيث قال كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة ٢١٣] وقال فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء ٥٩] وقال كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) [إبراهيم ١] وقال إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء ٩] وقال وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [الشورى ٥٢-٥٣] وقال تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [الزمر ١-٢] وقال تعالى وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) [الأنعام ١٥٥] وذلك كثير في كتاب الله تعالى فإذا ثبت أنه لا هادي للعباد ولا فاصل بينهم في موارد
[ ٦ / ٢٩٩ ]
النزاع والعناد إلا كتاب الله امتنع حينئذ أن يكون له معارض يعارضه يتقدم عليه لأنه حينئذ يكون ذلك المعارض حاكمًا عليه وهاديًا دونه عند التعارض وذلك خلاف ما ثبت باتفاق العباد كما بيناه وإذا امتنع المعارض الذي يقدم عليه ثبت بطلان جميع التأويلات لأنه لبد فيها من أن يقال عارض هذه النصوص معارض يجب تقديمه عليها كما يقرره هذا المؤسس ونحوه ممن يلحد في أسماء الله وآياته ويحرف الكلم عن مواضعه وهذا الكلام له شعب ودعائم كثيرة يطول تعريفها في هذا الموضع وهو حجة قاطعة عليهم كما قال تعالى لنبيه وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣) [الفرقان ٣٣] فإن هؤلاء جاؤوا بأمثال وهي مقاييسهم العقلية التي يعارضون بها كتاب الله وقد تكفل الله أنه يأتي بالحق وأحسن تفسيرًا وهو فيما ينزله على رسول الله ﷺ ويجعله ميزانًا لأهل العلم والإيمان إلى يوم القيامة وما زال السلف والأئمة ينبهون على هذا الأصل وهو اضطراب الناس فيما يختلفون فيه ويدعي كل فريق أنه قال ذلك بالمعقول
[ ٦ / ٣٠٠ ]
كما قال عثمان بن سعيد الدارمي في رده على الجهمية قال في مسألة الرؤية وقال بعضهم إنا لا نقبل هذه الآثار ولا نحتج بها قلت أجل ولا كتاب الله تقبلون أرأيتم إن لم تقبلوها أتشكون أنها مروية عن السلف مأثورة عنهم مستفيضة فهم يتوارثونها عن أعلام الناس وثقاتهم قرنًا بعد قرن قالوا نعم قلنا فحسينا بإقراركم بها عليكم حجة لدعوانا أنها مشهورة تداولتها العلماء والفقهاء فهاتوا عنهم مثلها حجة لدعواكم التي كذبتها الآثار كلها فلا يقدرون أن يأتوا فيها بخبر ولا أثر وقد علمتم إن شاء الله أنه لا تدرك سنن رسول الله ﷺ وأصحابه وأحكامهم وقضاياهم إلا بهذه الآثار
[ ٦ / ٣٠١ ]
والأسانيد على ما فيها من الاختلاف هي السبب إلى ذلك والمنهج الذي درج عليه المسلمون وكانت إمامهم في دينهم بعد كتاب الله منها يقتبسون العلم وبها يقضون وبها يفتون وعليها يعتمدون وبها يتزينون يورثها الأول منهم الآخر ويبلغها الشاهد منهم للغائب احتجاجًا واحتسابًا في أدائها إلى من لم يسمعها يسمونها السنن والآثار والفقه والعلم ويضربون في طلبها شرق الأرض وغربها يحلون بها حلال الله ويحرمون بها حرامه ويميزون بها بين الحق والباطل والسنن والبدع ويستدلون بها على تفسير القرآن ومعانيه وأحكامه ويعرفون بها ضلالة من ضل عن الهدى فمن رغب عنها فإنما يرغب عن آثار السلف وهديهم ويريد مخالفتهم ليتخذ دينه هواه وليتأول كتاب الله برأيه خلاف ما عنى الله به فإن كنتم من المؤمنين وعلى منهاج أسلافهم فاقتبسوا العلم من آثارهم واقتبسوا الهدي من سبيلهم
[ ٦ / ٣٠٢ ]
وارضوا بهذه الآثار إمامًا كما رضي القوم بها لأنفسهم إمامًا فلعمري ما أنتم بأعلم بكتاب الله منهم ولا مثلهم بل أضل وأجهل ولا يمكن الاقتداء بهم إلاَّ باتباع هذه الآثار على ما تروى فمن لم يقبلها فإنما يريد أن يتبع غير سبيل المؤمنين قال تعالى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) [النساء ١١٥] فإن قال قائل منهم لا بل نقول بالمعقول قلنا ها هنا ضللتم سواء السبيل ووقعتم في تيه لا مخرج لكم منه لأن المعقول ليس بشيء واحد موصوف محدود عند جميع الناس فيقتصر عليه ولو كان كذلك لكان راحة للناس ولقلنا به ولم نعد ولكن الله تعالى قال كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) [المؤمنون ٥٣] فوجدنا المعقول عند كل حزب ما هم عليه
[ ٦ / ٣٠٣ ]
والمجهول عندهم ما خالفهم فوجدنا فرقكم معشر الجهمية في المعقول مختلفة كل فرقة منكم تدعي أن المعقول عندها ما تدعوا إليه والمجهول ما خالفها فحين رأينا المعقول اختلف منا ومنكم ومن جميع أهل الأهواء ولم نقف له على حد بين في كل شيء رأينا أرشد الوجوه وأهداها أن ترد المعقولات كلها إلى أمر رسول الله ﷺ وإلى المعقول عند أصحابه المستفيض بين أظهرهم لأن الوحي كان ينزل بين أظهرهم فكانوا أعلم بتأويله منا ومنكم وكانوا مؤتلفين في أصول الدين لم يتفرقوا فيه ولم تظهر فيهم البدع والأهواء الحائدة عن الطريق فالمعقول عندنا ما وافق هديهم والمجهول ما خالفهم ولا سبيل إلى معرفة هديهم وطريقهم إلا بهذه الآثار وقد انسلختم منها وانتفيتم عنها بزعمكم فأنَّى تهدون وقال الإمام أحمد ﵀ الحمد لله الذي جعل في
[ ٦ / ٣٠٤ ]
الوجه التاسع: أن كثيرا من التأويلات من أظهر الأمور فسادا
كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من ضال تائه قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مخالفون للكتاب مختلفون في الكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتن المضلين الوجه التاسع أن يقال هب أنهم لم يتفقوا على اشتمال
[ ٦ / ٣٠٥ ]
التأويلات على أصناف الضلالات فذلك معلوم بالضرورة العقلية فيما ذكره هذا المؤسس وأمثاله من التأويلات وهذا مما يتعذر عده وإحصاؤه فإنه ما زال أهل العقل والعلم إذا سمعوا كثيرًا من هذه التأويلات ورأوها في المصنفات يعلمون أنها من أظهر الأمور فسادًا في البديهي من المعقولات ولا ينقضي تعجبهم من قوم يذهبون إلى تلك التأويلات ممن له في العلم صيت مشهور وقد رأيت وسمعت من ذلك بعجائب ولكن ننبه ببعض ما ذكره هذا المؤسس وذلك بأمثلة أحدها قوله في تأويل قوله تعالى وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) [الفجر ٢٢] الوجه الثاني إن الرب هو المربي فلعل ملكًا عظيمًا هو أعظم الملائكة كان مربيًا لمحمد ﷺ وكان هو المراد من قوله وَجَاءَ رَبُّكَ فهل يشك من له أدنى مسكة من عقل إيمان أنه من المعلوم بالاضطرار في دين الإسلام أن هذا من أعظم الافتراء على الله وعلى رسوله وعلى كلامه وأن الله لم يجعل لمحمد
[ ٦ / ٣٠٦ ]
قط ربًّا غير الله وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام ١٦٤] وقد قال تعالى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ [الأنعام ١١٢-١١٥] وأيضًا فقال هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [الأنعام ١٥٨] وقال وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) [الفجر ٢٢] والملك اسم جنس ففصل بين ربه وبين الملائكة والملائكة تعم جميع الملائكة كما قال في الآية التالية هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ [البقرة ٢١٠] ففصل بين اسم الله وبين الملائكة وهناك سمى نفسه الله وهنا سمى نفسه ربك فإذا جعل الجاعل رب محمد بعض الملائكة فهذا مع أنه من أعظم الإلحاد في أسماء الله وآياته أليس يعلم كل مسلم بل كل عاقل أنه معلوم الفساد بالضرورة وأن الله ورسوله لم يرد
[ ٦ / ٣٠٧ ]
بهذا الخطاب ذلك وهل هذا التأويل إلاَّ من جنس تأويل غلاة القرامطة في قوله وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) أنه علي ابن أبي طالب بل ذلك التأويل أقرب لأن غايته أن يجعل علي بن أبي طالب من جنس المسيح ابن مريم وهذا مذهب مع كونه من أعظم الكفر والضلال فعليه أمة عظيمة من بني آدم وهم النصارى ومن اتبعهم على الحلول والاتحاد ودلالة لفظ العلي على علي بن أبي طالب أظهر من دلالة قوله وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) [الفجر ٢٢] على أن ربه ملك من الملائكة وإذا جاز تسمية بعض الملائكة رب محمد لأنه رباه مع العلم بأن أحدًا من الملائكة لم يرب محمدًا فتسمية علي العلي العظيم لماله من علو القدر والعظمة أقرب المثال الثاني قوله في تأويل قوله هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ
[ ٦ / ٣٠٨ ]
يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠) [البقرة ٢١٠] الوجه الخامس وهو أقوى من كل ما سبق أنا ذكرنا في التفسير الكبير قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة ٢٠٨] إنما نزل في حق اليهود وعلى هذا التقدير يكون قوله تعالى فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ [البقرة ٢٠٩] خطابًا مع اليهود فيكون قوله هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة ٢١٠] حكاية عنهم والمعنى أنهم لا يقبلون دينكم إلا لأنهم
[ ٦ / ٣٠٩ ]
ينتظرون أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ومما يدل على أن المراد ذلك أنهم فعلوا ذلك مع موسى ﵇ فقالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة ٥٥] وإذا ثبت أن هذه الآية حكاية عن حال اليهود وعن اعتقادهم لم يمتنع إجراء الآية على ظاهرها وذلك لأن اليهود كانوا على دين التشبيه وكانوا يجوزون المجيء والذهاب على الله تعالى وكانوا يقولون إنه تعالى تجلى لموسى على الطور في ظلل من الغمام فظنوا مثل ذلاك في زمان محمد ﷺ ومعلوم أن مذهبهم ليس بحجة وبالجملة فإنه يدل على أن قومًا ينتظرون أن يأتيهم الله وليس في الآية دلالة على أن أولئك الأقوام محقون أو مبطلون وعلى هذا التقدير زال الإشكال وهذا هو الجواب المعتمد عن تمسكهم بالآية المذكورة في سورة الأنعام فإن قيل هذا التأويل كيف يتعلق
[ ٦ / ٣١٠ ]
بهذه الآية لأنه قال في آخرها وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠) [البقرة ٢١٠] هذا لفظه فمن تدبر هذا الكلام أليس يعلم بالضرورة أن هذا من أعظم الافتراء على الله وعلى كتابه حيث جعل خطابه مع المؤمنين خطابًا مع اليهود مع أن الله سبحانه دائمًا في كتابه يفصل بين الخطابين فيقول لأولئك يا بني إسرائيل أو يا أهل الكتاب ويقول لهؤلاء يا أيها الذين آمنوا والخطاب لبني إسرائيل للمؤمنين فيه اعتبار لأن القرآن كله هدى للمؤمنين فإذا جعل خطاب المؤمنين الصريح خطابًا لليهود فقط أليس هذا من أعظم تبديل القرآن وقد قال بعد هذه الآية سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ [البقرة ٢١١] فلم سماهم بني إسرائيل وإنما أمر المؤمنين بالدخول في السلم كافة أي في جميع الإسلام لا في بعضه دون بعض وأن
[ ٦ / ٣١١ ]
يدخلوا كلهم لا يدخله بعض دون بعض ولهذا قال لهم فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) [البقرة ٢٠٩] ولا يقال لهم إن زللتم لمن هم مقيمون على الكفر والضلال والزلل كاليهود ثم جعل قوله هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة ٢١٠] هو من اعتقاد اليهود الفاسد لا من كلام الله الذي توعد به عباده وجعل هذا هو الجواب المعتمد أليس يعلم ببديهة العقل والدين كل من قرأ القرآن من المؤمنين أن هذا من أعظم الكذب والافتراء على رب العالمين وأن رد هذا لا يحتاج إلى دليل وهو كذب على اليهود أيضًا فإن القوم لم ينقل أحد عنهم أنهم كانوا ينتظرون في زمن محمد ﷺ أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ليخاطبهم وقد ذكر أهل التفسير والسير والحديث والمغازي مخاطبات اليهود الذين كانوا بالحجاز للنبي ﷺ مع كثرة من كان من اليهود بالحجاز ومع كثرة ما نزل بسببهم من القرآن ومع هذا فما نقل هذا أحد وكذلك ما نقله عنهم من أنهم كانوا يقولون إنه تجلى لموسى على الطور في ظلل من الغمام أمر لم يذكره الله تعالى عنهم على هذا الوجه فإن كان هذا حقًّا عنهم وكانوا
[ ٦ / ٣١٢ ]
ينتظرون مثل ذلك فيكونون قد جوزوا أن يكون الله تجلى لرسول آخر في الغمام كما تجلى لموسى ومعلوم أن اليهود لا تقول ذلك وما ذكر الله تعالى عنهم في طلبهم رؤية الله جهرةً فهذا حق لكن أخبر أنهم طلبوا الرؤية لم يخبر أنهم انتظروها والمتطلب للشيء معتقد لأنه يكون لا طالب من غيره أن يكونه وهذا كما قال تعالى أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ [البقرة ١٠٨] وأما قوله إن اليهود كانوا على دين الشبيه وكانوا يجوزون المجيء والذهاب على الله فيقال إنه لا ريب أن التوراة مشتملة على صفات الله تعالى التي يسميها الجهمية تشبيهًا وهي إلى الآن كذلك مثل ما ذكره فلا يخلو إما أن يكون ذلك من التوراة المنزلة أو مما بدلوه فإن كان الأول كان ما سماه تشبيهًا هم الحق المنزل من عند الله تعالى وإن كان الثاني كان إنكاره ذلك عليهم وذمهم عليه أولى
[ ٦ / ٣١٣ ]
بالإنكار والذم على أمور دون ذلك كأخذ الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل ومعلوم أن الكتاب والسنة لم تنكر على اليهود قط ما عندهم من هذه الصفات ولا ما يقولونه من ذلك وإنما ذمهم على وصفهم الله بالعجز والكلال والفقر والبخل كما ذكر في قوله تعالى لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) [آل عمران ١٨١] وفي قوله تعالى وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة ٦٤] وفي قوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) [ق ٣٨] وهو ﷾ قد ذكر ذنوبهم في مثل قوله قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠) [المائدة ٦٠] وفي قوله فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ [النساء ١٦٠-١٦١] وفي قوله تعالى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢) [آل عمران ١١٢] ونحو ذلك
[ ٦ / ٣١٤ ]
ولم يعبهم قط بإثبات الصفات التي يسميها الجهمية تشبيهًا ولا ذكر ذلك من ذنوبهم وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) [مريم ٦٤] وهذا دليل قاطع على أن هذه الصفات في الجملة منزلة من عند الله وأنها حق ليست مما افتراه اليهود وابتدعوه بل ذمهم على كتمان ذلك وغيره وعلى تحريف الكلم عن مواضعه فإن كثيرًا منهم يحرفون ذلك ويكتمونه أكثر من تحريف الجهمية المنتسبين إلى الإسلام وأكثر من كتمانهم وقد روي أن الجهم بن صفوان أخذ هذا المذهب الذي يتأول فيه الصفات عن الجعد بن درهم والجعد أخذه عن
[ ٦ / ٣١٥ ]
بيان بن سمعان وأخذه بيان من طالوت بن أخت لبيد بن أعصم وأخذه طالوت من لبيد بن أعصم الساحر الذي سحر النبي ﷺ وهون من أعظم من نزل فيه قوله تعالى وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
[ ٦ / ٣١٦ ]
كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ الآية [البقرة ١٠١-١٠٢] وهذا مذكور في غير هذا الموضع فيكون قول المؤسس ونحوه من الجهمية هو قول المبدلين من اليهود الذين ذمهم الله عليه وأنكره عليهم وهم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان من السحر وحيث حرفوا كتاب الله بالتأويل الذي يحرفون فيه الكلم عن مواضعه وللمؤسس وأمثاله من ذلك أعظم شبه باليهود حيث صنف كتب السحر وعبادة الأوثان وأمر باتباع ذلك وتعظيمه وحرف كتاب الله تعالى فهذا من أحوال اليهود التي ذمها الله تعالى في القرآن يبين ذلك أن الله ذم اليهود على كتمان ما عندهم من الكتاب وأخبر أن الرسول بين لهم بعض ما كتموه وعفا عن بعضه فقال قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ
[ ٦ / ٣١٧ ]
[المائدة ١٥] وقال وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ [البقرة ١٤٠] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [آل عمران ١٨٧] فهذا النبذ وراء ظهورهم هو ضد بيان ما فيه وهو الحال التي وصفهم الله في قوله نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [البقرة ١٠١-١٠٢] فلو كان ما عندهم من الصفات وهي كثيرة جدًّا في التوراة باطلًا وكفرًا وضلالًا لم يكونوا مذمومين على نبذ ذلك وراء ظهورهم وعلى كتمانه بل كان الواجب ذمهم على وجود ذلك في كتابهم وإقرار ذلك بينهم كما ذم الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله وأيضًا فإن قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة ٢٠٨] إذا كان خطابًا لليهود وهم المنتظرون للأمر الممتنع فوجه الكلام أن يخاطبوا بما يوبخهم ويقرعهم فيقول ما تنظرون بصيغة المخاطبة لا بصيغة الغيبة كما في نظائر ذلك من القرآن حيث يقول إذا خاطبهم فعلتم وفعلتم
[ ٦ / ٣١٨ ]
فأما الانتقال في مثل هذا من المخاطبة إلى الغيبة ففيه تعظيم للمخاطب كما في قوله وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) [الحجرات ٧] وفي قوله حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا [يونس ٢٢] فإن قوله كنتم يتناول المؤمن والكافر فعدل إلى صيغة الغيبة التي تتناول من فعل ذلك الفعل المذموم خاصة وأيضًا فالفرق ظاهر بينٌ معلوم بالاضطرار من اللغة بين الاستفهام الذي يقصد به نفي وجود ما يظنه الإنسان وينتظره ويرجوه ويخبر به وبين ما لا يقصد به ذلك بل يقصد به تهديده وتخويفه من الأمور الكائنة الموجودة وتحذيره منها فالأول كقوله أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) [القيامة ٣٦] أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ [المؤمنون ٥٥-٥٦] أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) [الطور ٣٠-٣٣] وقوله أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) [المعارج ٣٨] فنظيره أن يقال أينتظرون أن يأتيهم الله أو أيطمعون أن يأتيهم الله في ظل من الغمام ونحو ذلك
[ ٦ / ٣١٩ ]
وأما الثاني فكقوله وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) [ص ١٥] وقوله قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا [التوبة ٥٢] فمن المعلوم أن هذا الاستفهام يتضمن معنى النفي كالأول وأن ذلك تهديد لهم وتخويف مما ينتظرونه ويتربصونه فقوله هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ [البقرة ٢١٠] صيغة مثل هذه الصيغ فإن هل متضمنة معنى النفي بلا نزاع ومنه قول النبي ﷺ هل ينظر أحدكم إلا غنى مطغيًا أو فقرًا منسيًا أو الدجال فالدجال شر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر
[ ٦ / ٣٢٠ ]
وأيضًا فقوله وَقُضِيَ الْأَمْرُ [البقرة ٢١٠] وإخبار بأن الله تعالى يقضي الأمر كما في قوله تعالى وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) [هود ٤٤] وفي قوله وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) [الزمر ٦٩] وأيضًا فإنه في سورة الأنعام إنما ذكر قبل هذه المشركين قال تعالى أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨) [الأنعام ١٥٦-١٥٨] فقوله وهذا هو الجواب المعتمد عن تمسكهم بالآية المذكورة في سورة الأنعام من أظهر الأمور فسادًا بالضرورة عند أدنى تدبر للقرآن فإن اليهود لم يجر لهم ذكر بل جرى
[ ٦ / ٣٢١ ]
ذكر المشركين المكذبين بهذا كله وهو أشبه بالجهمية الذين يقولون إن الله لا يأتي ولهذا قال انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨) [الأنعام ١٥٨] فهو يهددهم ويتوعدهم بمجيء هذا الأمر الذي يكذبون به كما في قوله تعالى وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) [ص ١٥] وأيضًا فالانتظار إما أن يقصده المرء كما زعمه هذا المؤسس أن اليهود قصدوا انتظار إتيان الله في ظلل من الغمام في الدنيا أو لا يقصده كما لم يقصد المشركون انتظار ما وعد الله به يوم القيامة وإتيان الله والملائكة وغير ذلك فإن كان الأول كانت صيغة الإنكار بلفظ ينتظر هذا أو كيف ينتظر هذا أو نظن وجود هذا لا يكون بصيغة الحصر الذي مضمونها ما ينتظر إلا هذا لأن ذلك يقصد أشياء كثيرة ينتظرها غير هذا فلا يصلح أن يقال ما ينتظر إلا هذا وهو ينتظر أشياء غيره وإن كان الثاني حسن خطابه بصيغة الحصر لأنه ينتظر أشياء لا حقيقة لها مثل الذي قيل فيه ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا [المدثر ١٥-١٦] والذي قال أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)
[ ٦ / ٣٢٢ ]
[مريم ٧٧-٧٨] فإن الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم أشياء كثيرة كما قال يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) [النساء ١٢٠] فيقال لمثل هذا ما ينتظر إلا العذاب لا النعيم أو ما ينتظر إلا الحق والعدل أو ما ينتظر إلا الجزاء على الأعمال ونحو ذلك والآية جاءت بصيغة النوع الثاني دون الأول ودلائل هذا كثيرة المثال الثالث قوله تأويل أحاديث الضحك واعلم أن حقيقة الضحك على الله ﷿ محال ويدل على ذلك وجوه الأول قوله تعالى وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) [النجم ٤٣] فبين أن اللائق به أن يضحك ويبكي فأما الضحك والبكاء فلا يليقان به وقال لو جاز الضحك عليه لجاز البكاء عليه ونقد
[ ٦ / ٣٢٣ ]
التزمه بعض الحمقى قال والضحك إنما يتولد من التعجب والتعجب حالة تحصل للإنسان عند الجهل بالسبب وذلك في حق عالم الغيب والشهادة محال إلى أن قال إذا ثبت هذا فنقول وجه التأويل فيه من وجوه أحدها أن المصدر كما يحسن إضافته إلى المفعول فكذلك يحسن إضافته إلى الفاعل فقوله ضحكت من ضحك الرب أي من الضحك الحاصل في ذاتي بسبب أن الرب خلق ذلك الضحك الثاني أن يكون المراد أنه تعالى لو كان ممن يضحك كالملوك كان هذا القول مضحكًا له ذكر هذا التأويل بعد أن ذكر لفظ الحديث الذي في
[ ٦ / ٣٢٤ ]
الصحيح وعزاه إلى شرح السنة عن ابن مسعود عن النبي ﷺ في صفة من أخرجه الله تعالى بفضله من النار قال فيسمع أصوات أهل الجنة فيقول أي رب أدخلنيها فيقول الله تعالى يا ابن آدم أيرضيك أن أعطيك الدنيا قال فيقول أي رب أتهزأ بي وأنت رب العالمين فضحك ابن مسعود وقال ألا تسألوني مما أضحك فقالوا لم تضحك فقال هكذا ضحك رسول الله ﷺ فقالوا ولم تضحك يا رسول الله قال من ضحك رب العالمين حين قال أتهزأ
[ ٦ / ٣٢٥ ]
بي وأنت رب العالمين فيقول الله تعالى إني لا أستهزئ بك وأنا على ما أشاء قدير وذكر من شرح السنة حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين عن النبي ﷺ وه طويل قال فيه ثم قال يا رب أدخلني الجنة فيقول الله تعالى أَوَلَست قد زعمت أن لا تسألني غيره ويلك يا ابن آدم ما أغدرك فيقول يا رب لا تجعلني أشقى خلقك فلا يزال يدعو حتى ضحك فإذا ضحك الله منه أذن له بدخول الجنة
[ ٦ / ٣٢٦ ]
وفي الضحك أحاديث أخر صحيحة لم يذكرها مثل ما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة يقتل أحدهما في سبيل الله ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد في سبيل الله
[ ٦ / ٣٢٧ ]
والمقصود أن هذا التأويل الذي ذكره مما يعلم بالضرورة من له أدنى عقل وعلم باللغة أنه باطل فإن قول المصدر كما تحسن إضافته إلى المفعول فكذلك تحسن إضافته إلى الفاعل إنما يصح في مصدر الفعل المتعدي مثل ضرب وقتل وأكل وأضحك وأبكى وأمات وأحيا فإنه يقال أكل زيد فأعجبني أكل الطعام كما تقول أعجبني إبكاء هذا الفاجر وأعجبني إضحاك هذا المؤمن أو إضحاك الله فأما ضحك ففعل لازم لا يتصور أن يضاف مصدره إلى مفعول فضحك مثل فرح وعجب وحزن وطرب فإذا قيل أعجبني ضحك زيد أو بكاؤه أو فرحه أو حزنه أو طربه أو عجبه لم يتصور أن يكون في هذا الكلام مفعول هو المضحَك المبكى والمفرَح والمحزَن وهذا واضح لا خفاء به ثم إن هذا التأويل مع ظهور فساده بالضرورة فهو متناقض في نفسه تناقضًا معلومًا بالضرورة أيضًا
[ ٦ / ٣٢٨ ]
وفيه إثبات ما يعلم بطلانه بالحس فإنه قال فقوله ضحكت من ضحك الرب أي من الضحك الحاصل في ذاتي بسبب أن الرب تعالى خلق ذلك الضحك فالكلام يقتضي ضحكين ضحكه والضحك الذي ضحك منه وجعل نفسه ضاحكًا من ضحك نفسه حيث قال ضحكت من الضحك الحاصل في ذاتي فجعل في ذاته ضحكين أحدهما ضحك والثاني مضحوك منه وهذا خلاف المحسوس ثم لو كان كذلك فمن أي وجه يكون أحدهما مضحوكًا منه دون الآخر وكلاهما خلق الله تعالى ولكن من استدل على أن الله لا يضحك بأنه أضحك وأبكى كانت تلك الحجة في رد معنى النص من جنس هذا التأويل للنص فإن طرد هذا الدليل الذي ذكره أنه إذا علم غيره وجهله لم يكن عالمًا وإذا أنطق غيره وأسكته لم يكن ناطقًا وإذا أسمع غيره وأصمه لم يكن سميعًا وإذا أرى غيره وأعماه لم يكن بصيرًا وإذا أحيا غيره وأماته لم يكن حيًّا وإذا أرضى غيره وأسخطه لم يكن
[ ٦ / ٣٢٩ ]
راضيًا ونظائر كثيرة وكذلك نظير هذه الحجة احتجاجه بأنه إذا جاز عليه الضحك جاز عليه البكاء حيث جعل صفات الكمال مستلزمة لثبوت نقائضها من صفات النقص فيلزم إذا جاز وصفه بالعلم أن يجوز وصفه بالجهل وإذا جاز وصفه بالقدرة والسمع والبصر أن يجوز وصفه بالعجز والعمى والصمم وإذا جاز وصفه بالفرح أن يجوز وصفه بالغم والحزن وإذا جاز وصفه بالحياة أن يجوز وصفه بالموت إلى نظائر ذلك وكذلك من جنس هذا التأويل قوله لو كان ممن يضحك لكان هذا القول مضحكًا فهل يسوغ في عقل عاقل أن يكون الرسول قد أخبر غير مرة أن الله يضحك مما ذكره ويقول ضحكت من ضحك رب العالمين ومع هذا لا يكون لهذا الضحك وجود إنما هو معدوم متعذر فإن جاز أن يخبر الرسول بوجود شيء ويكون معدومًا زال الإيمان من عامة أخباره وهذا اللفظ لا يحتمل هذا بوجه من الوجوه
[ ٦ / ٣٣٠ ]
ثم إنه استدل على بطلان اتصافه بالضحك أن الضحك يستلزم التعجب والتعجب يستلزم الجهل بالسبب وقد ذكر عقب هذا وصفه بالفرح وأوله بالرضا قال ومن هذا الباب قوله ﷺ عجب ربكم من شاب ليست له صبوة وفي حديث آخر عجب ربكم من ثلاثة وذكرهم قال وقرئ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) [الصافات ١٢]
[ ٦ / ٣٣١ ]
بضم التاء قال وذلك يدل على ثبوت هذا المعنى في حق الله تعالى قال واعلم أن التأويل هو أن العجب حالة تحصل عند استعظام الأمر فإذا عظم الله أمرًا أو فعلًا إما في كثرة ثوابه أو في كثرة عقابه جاز إطلاق لفظ التعجب عليه فقوله في هذا الموضع التعجب حالة تحصل عند استعظام الأمر ينافي قوله قبل هذا بوجه التعجب حالة تحصل للإنسان عند الجهل بالسبب وذلك في حق عالم الغيب والشهادة محال فهل يوجد من يصف الله بالعجب ويبين أنه لا يستلزم الجهل ويمنع من وصفه بصفة
[ ٦ / ٣٣٢ ]
أخرى قال لأنها تستلزم العجب وهو ممتنع لاستلزام الجهل المثال الرابع في الحجاب قال تعالى كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) [المطففين ١٥] وذكر أخبارًا منها ما رواه صاحب شرح السنة في باب الرد على الجهمية عن أبي موسى قال قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشقه لأحرقت سُبُحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه
[ ٦ / ٣٣٣ ]
قال وروي في تفسير قوله تعالى لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس ٢٦] أنه تعالى يرفع الحجاب فينظرون إلى وجهه قلت وهذا الحديث في صحيح مسلم عن صهيب عن النبي ﷺ قال إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى منادٍ يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض الله وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة
[ ٦ / ٣٣٤ ]
ومما لم يذكر من الأحاديث ما في الصحيح عن أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن ثم قال وحقيقة الحجاب بالنسبة إلى الله تعالى محال لأنه عبارة عن الجسم المتوسط بين جسمين آخرين بل هذا محمول عندنا على أن لا يخلق الله في العين رؤية متعلقة به وعند منكر الرؤية على أنه تعالى يمنع وصول آثار إحسانه وفضله إلى الإنسان قلت ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر النصوص فساد هذين التأويلين فإن عدم خلق الرؤية أمر عدمي محض فقوله حجابه
[ ٦ / ٣٣٥ ]
النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه كيف يتصور أن يكون هذا العدم المحض نورًا وأن ذلك النور لو كُشِفَ لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه البصر وكيف يتصور أن يقال فيكشف الحجاب فينظرون إليه والأمر العدمي المحض هل يكشف وكيف يتصور أن يقال وما بين القوم وبين لأن ينظروا إلى ربهم إلا أمر عدمي على وجهه في جنة عدن ثم في أي لغة يوجد تسمية العدم المحض حجابًا ومعلوم أن نقيض الحجاب لا حجاب والعدم يصح وصفه بأنه ليس بحجاب فلو كان الحجاب عدميًّا لكان عدمه وجوديًّا فكلن الموجود صفة للمعدوم وهذا ممتنع بالضرورة ومما ينبغي أن يعلم أن هذا المؤسس وأمثاله كثيرًا ما يدخلون في جنس التأويل الذي يدخل فيها الفلاسفة من القرامطة الباطنية ونحوهم الذين هم أعظم الناس جهلًا ونفاقًا وكانت هذه مشهورة عند غالية الرافضة ولهذا يتصل
[ ٦ / ٣٣٦ ]
هؤلاء بهم لما بين هؤلاء من الجهل والنفاق ومحادة الله ورسوله ومشاقة الله ورسوله وهم من أعظم الناس كذبًا وتصديقًا للكذب فإنهم يروون من المكذوبات على الرسل وغيرهم وما الله به عليم ويتأولونها بما لا يخفى على أدنى عاقل أنه معلوم الفساد بالضرورة مثل ما صنع هذا المؤسس في كتاب صنفه في تفسير المعراج
[ ٦ / ٣٣٧ ]
النبوي فرواه بسياق عجيب لا يوجد في شيء من كتب
[ ٦ / ٣٣٨ ]
الأحاديث والتفسير والسير ثم فسره تفسير المشركين والصابئين من المتفلسفة ونحوهم كما صنع ذلك ابن سينا وعين القضاة الهمذاني ونحو هؤلاء
[ ٦ / ٣٣٩ ]
فجعل أنبياء الله مثل آدم وعيسى ويحيى ويوسف وإدريس وموسى وإبراهيم هم الكواكب التي هي القمر والزهرة وعطارد والشمس والمريخ والمشترى وزحل إلى أمثال ذلك مما يعلم كل مسلم أن الرسول لم يقصد ذلك ولم يرده وأنه من أعظم الافتراء على الله ورسوله وهذا من جنس تأويلات الرافضة للؤلؤ والمرجان الذي في البحر بالحسن والحسين والإمام المبين والنبأ
[ ٦ / ٣٤٠ ]
العظيم بعلي بن أبي طالب والشجرة الملعونة في القرآن ببني أمية وأمثال هذه الخرافات التي هي من أقبح الكذب والافتراء وأفحش القول ومن هذا تأويل الملاحدة الزنادقة المنافقين من المشركين والصابئين والمتفلسفة ونحوهم ولما أخبر الله به من أمر اليوم الآخر فلا يجعلون لذلك حقيقة غير موت الإنسان كما يقولون في قوله تعالى إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) [التكوير ١] المراد شمسه التي هي قلبه إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) [الانفطار ١] سماؤه التي هي / رأسه وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) [التكوير ٢] هي حواسه وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) [التكوير ٤] رجليه وإِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) [الزلزلة ١] يديه وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) [التكوير ٥] قواه لاسيما العصبية ودكت الجبال هي عظامه ونحو ذلك وهذا كثير في كلام هذه الملاحدة من الباطنية والقرامطة وطائفة من الاتحادية وأصحاب رسائل إخوان
[ ٦ / ٣٤١ ]
الصفا وأصحاب السهروردي الحلبي المقتول على الزندقة ونحو هؤلاء وإن كان كثيرًا مما يثبتونه أو أكثره حق فإنه كما
[ ٦ / ٣٤٢ ]
روي عن المغيرة بن شعبة أنه من مات فقد قامت قيامته والقيامة يراد بها انخرام القرن وما يثبتونه من معاد النفوس حق وما يثبتونه من حيث
[ ٦ / ٣٤٣ ]
الجملة من النعيم والعذاب الروحاني حق وما يثبتونه مما يدخل فيما أمرت به الرسل من الأخلاق الفاضلة والسياسات العادلة ونحو ذلك حق فما من أمة إلا ومعها حق ومعلوم أن الحق الذي بأيدي اليهود والنصارى أكثر من الحق الذي مع هؤلاء فإن جنس أهل الكتاب خير من جنس الصابئين كما أن جنس الصابئين خير من جنس المشركين لكن المقصود أنهم فيما كذبوا أو ارتابوا فيه من الحق الذي أخبرت به الرسل يسلكون مثل هذه التأويلات التي يعلم بالاضطرار أن الرسل لم ترد ذلك فقد سلك الرازي هذا المسلك في مناظرتهم في المعاد وقال إنا نعلم بالاضطرار أن إجماع الأنبياء من أولهم إلى آخرهم على إثبات المعاد البدني فوجب القطع بوجود هذا المعاد وبهذا أجاب من أخذ يورد على إثبات ذلك بظواهر الآيات والأحاديث وأظنه اتبع في ذلك أبا الحسين البصري هذا مع
[ ٦ / ٣٤٤ ]
قوله في السؤال المتشابهات من القرآن الدالة على التشبيه والقدر ليست أقل ولا أضعف دلالة من الآيات الدالة على المعاد البدني ثم إنكم تجوزون تأويل تلك الآيات فلم لا تجوزون أيضًا تأويل الآيات الواردة هنا وهذا الذي قاله في ذلك يقوله أهل الإثبات في نصوص الصفات فإن من علم ما جاء به من ذلك في الكتاب والسنة وتدبر ذلك علم بالاضطرار وبطلان التأويل وأن الرسل وصفت الرب بما ينافي بمذهب النفاة وقد قال هو في جواب الفلاسفة لما قالوا له إن في كتاب الله تعالى آيات كثيرة دالة على التشبيه والقدر وقد تأولتموها فقال إنا لم نتمسك بظواهر الآيات والأخبار حتى يلزمنا الجواب عن هذه المعارضة بل بالأمر المعلوم بالضرورة من دين الأنبياء لم يقل أحد أنه علم دينهم
[ ٦ / ٣٤٥ ]
بظواهر التشبيه والقدر فظهر الفرق وليس الأمر كما نفاه بل عامة أهل الحديث والسنة بل والعامة يعلمون من دينهم بالضرورة إثبات الصفات والقدر أيضلً وإذا كان من هذه التأويلات مما يعلم فساده بالضرورة ما لا يحصيه إلا الله وهي أضعاف مضاعفة لما يدعي المدعي أنه لابد من تأويله فعند هذا يقول ذوو التأويل ومبطلوه قد ثبت بالدليل أن الله أنزل كتابه شفاء وهدى للناس وقال فيه هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) [آل عمران ١٣٨] وقال إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) [يوسف ٢] وثبت أن الرسول ﷺ بلغ البلاغ المبين كما أمر به فإن الله أخبر أن عليه البلاغ المبين وقال عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ [الجن ٢٦-٢٨] وقال يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة ٦٧] قالت عائشة من زعم أن محمدًا كتم الوحي فقد
[ ٦ / ٣٤٦ ]
كذب وثبت أن رسولنا كان أعلم الناس بالله وبما يخبر به عن الله تعالى وكان أنصح الناس لأمته وكان أفصح الناس وأكملهم بيانًا وإيضاحًا وإذا كان كذلك فمن المعلوم بالضرورة أنه إذا كان بهذه الحال لم يكن الكلام الذي أنزله الله إليه فيما يخبر به عن نفسه وعن خلقه والكلام الذي يخبر به الرسول عن ربه وعن خلقه مما ظاهر باطل وضلال وإفك ولم يكن ذلك الكلام معارضًا لما هو معلوم بالمعقول ولم يكن ذلك الكلام مسلوب الدلالة والبيان ولم يكن غير مستحق لإبلاغ العباد وإفهام المراد ولا يكون المتبع لمعناه المتمسك بفحواه في
[ ٦ / ٣٤٧ ]
الوجه العاشر: أن المتكلمين من أعظم الناس نزاعا
ضلال وفساد ولا في كذب على الرسول في المراد ولا يجوز أن يكون الرسول قد أحال المخاطبين في معرفة ما جاء به من الكتاب المبين على ما يحدثه بعض المظاهرين لمتابعته بعد انقراض الخلفاء الراشدين وذهاب خير القرون الوجه العاشر قوله قال المتكلمون لما ثبت بالدليل أن الله تعالى منزه عن الجهة والجسمية وجب علينا أن نضع لهذه الألفاظ الواردة في القرآن والأخبار محملًا صحيحًا يقال له ليس هذا قول جميع المتكلمين بل المتكلمون من أعظم الناس نزاعًا في كونه موصوفًا بالجهة والجسمية أم لا وأكثرهم من أهل الإثبات وطوائف من متقدميهم ومتأخريهم يصرحون بلفظ الجسم والجهة وغير ذلك وجمهورهم يثبتون أنه فوق العرش ومنهم طوائف يصرحون بنفى ذلك وكتب المقالات تتضمن من هذا وهذا شيئًا كثيرًا مع أن أكثرها إنما صنفها نفاة الجسم ومع هذا فقد حكوا فيها من مقالات المثبتين شيئًا كثيرًا فكيف يكون ما صنفه المثبتون وما زال في كل عصر من أعصار المسلمين التي يكون فيها من ينفي هذه الأشياء أن يكون فيها من يقابله من أهل الإثبات
[ ٦ / ٣٤٨ ]
الوجه الحادي عشر: أن هذه التأويلات قد اتفق على إنكارها سلف الأمة
وإن كان من كلام هؤلاء وهؤلاء من أهل البدع والضلال ما أنكر سلف الأمة وأئمة السنة ولكن المقصود هنا أن الطرق التي سلكوها وسموها العقليات وما يسمونه علم الكلام يتضمن من كلام المثبتة أعظم مما يتضمن من كلام النفاة وقد ذكرنا ما ذكره هذا المؤسس من جهة موافقيه مع استيعابه لذلك من جميع الجهات وما ذكره لمخالفيه مع تقصيره في ذلك ومع هذا فقد ظهر رجحان جانب منازعيه ظهورًا لا يرتاب فيه لبيب فكيف لو ذكر ما يقولونه هم بأنفسهم بغير توسط نقل خصومهم الوجه الحادي عشر أن هذه التأويلات كما اتفق على إنكارها سلف الأمة وأئمة السنة فما زال في الإسلام من أهل الكلام والفقه والحديث والتصوف من ينكرها ويبطلها ويقرر ضدها والكتب المصنفة في ذم التأويل وإبطاله كثيرة
[ ٦ / ٣٤٩ ]
الوجه الثاني عشر: وضوح فساد أدلتهم على التأويل
الوجه الثالث عشر: لم يسلم لأحد من المتكلمين قانون في الإثبات والنفي لم يتناقض فيه
موجودة الوجه الثاني عشر أن يقال له بأي دليل ثبت ما ادعاه هؤلاء من النفي ومعلوم أنك قد استوعبت أدلتهم وقد تقدم من التنبيه على فسادها ما يوجب العلم اليقيني بإبطالها لكل من تدبر ذلك ونظر فيه الوجه الثالث عشر، يقال أي المتكلمين سلم له في هذا الباب قانون واحد لم يتناقض فيه وأيهم الذي ما قيل عنه أو ثبت عنه أنه متناقض في النفي والإثبات أعني إثبات الجسم أو بعض ملازمه ومن المعلوم أن إثبات الملزوم بدون اللازم أو نفي اللازم بدون الملزوم متناقض ممتنع وما من
[ ٦ / ٣٥٠ ]
هؤلاء إلا من يلزم بهذا التناقض فهؤلاء أوسط المتكلمين وهم المتكلمة الصفاتية الموافقون لأهل السنة والجماعة في الأصول الكبار من الكلابية والكرامية والأشعرية ومن دخل في شيء
[ ٦ / ٣٥١ ]
من ذلك من الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية وأهل الحديث والصوفية يقول عنهم نظراؤهم وأشكالهم أنهم متناقضون كما يقول ذلك مخالفوهم من المعتزلة والرافضة والجهمية المحضة وغيرهم وأما تناقض هؤلاء وتهافتهم فأضعاف ذلك دع تناقض المتفلسفة وتهافتهم فإن ذلك لا يحصيه إلا الله فمتأخرو الأشعرية يقولون إن قدماءهم متناقضون في قولهم إن الله تعالى فوق العرش مع نفي كونه جسمًا ويقولون إنهم متناقضون في إثبات الصفات الخبرية مع نفي الجسم أيضًا ومتقدموهم مع سائر الطوائف من النفاة يقولون إن ما يقوله متأخروهم إن من أقر بالرؤية ونفى أن يكون فوق
[ ٦ / ٣٥٢ ]
العرش فهم متناقض ويقول عامة الناس إن الإقرار برؤية مرئي لا يواجه البصر متناقض ويقول طوائف من المثبتة والنفاة إن الإقرار بوجود جسم فوق العالم ليس بممتد في الجهات كما يقوله من يقوله من الكرامية وموافقيهم متناقض ويقول طوائف من النفاة والمثبتة إن الإقرار بذي علم وقدرة وسمع وبصر وإرادة لا يكون بقائم بنفسه متميزًا عن غيره بالجهة متناقض معلوم الفساد بالضرورة ويقول طوائف من النفاة والمثبتة بل جمهور الخلق إن الإقرار بمن هو عالم سميع بصير قدير لا يكون قائمًا بنفسه متميزًا بالجهة عن غيره متناقض ممتنع ويقول هؤلاء وأكثر منهم إن الإقرار بموجود قائم بنفسه مباين له وليس في جهة متناقض ممتنع ويقول جماهير بني آدم إن الإقرار بحي عالم قادر سميع بصير لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر متناقض متهافت
[ ٦ / ٣٥٣ ]
ويقول عامة بني آدم إن الإقرار بموجود واجب بنفسه موجود في الخارج يكون موجودًا مطلقًا محضًا مجردًا عن المعينات والمخصصات من أظهر الأمور فسادًا في بديهة العقل لمن فهم ذلك وأمثال هذا كثيرة لا يحصيها إلا الله تعالى
[ ٦ / ٣٥٤ ]
فصل: في تأويل الرازي لحديث الصورة والرد عليه
فصل قال الرازي الفصل الأول في إثبات الصورة اعلم أن هذه اللفظة ما وردت في القرآن لكنها واردة في الأخبار فالخبر الأول ما روي عن النبي ﷺ أنه قال إن الله خلق آدم على صورته
[ ٦ / ٣٥٥ ]
وروى ابن خزيمة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال لا يقولن أحدكم لعبده قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته والجواب اعلم أن الهاء في قوله ﷺ على صورته يحتمل أن تكون عائدة على شيء غير صورة آدم وير الله تعالى ويحتمل أن يكون عائدًا إلى آدم ﵇
[ ٦ / ٣٥٧ ]
ويحتمل أن يكون عائدًا إلى الله تعالى فهذه طرق ثلاثة الطريق الأول أن يكون هذا الضمير عائدًا إلى غير آدم وإلى غير الله تعالى وعلى هذا التقدير ففي تأويل الخبر وجهان الأول هو أن من قال للإنسان قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فهذا يكون شتمًا لآدم ﵇ فإنه لما كان صورة الإنسان مساوية لصورة آدم كان قوله قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك شتمًا لآدم ﵇ ولجميع الأنبياء ﵈ وذلك غير جائز فلا جرم نهى النبي ﷺ عن ذلك وإنما خص آدم بالذكر لأنه ﵇ هو الذي ابتدئت خلقته على هذه الصورة الثاني أن المراد منه إبطال قول من يقول إن آدم كان على صورة أخرى مثل ما يقال إنه كان عظيم الجثة طويل القامة بحيث يكون رأسه قريبًا من السماء فالنبي ﷺ أشار إلى
[ ٦ / ٣٥٨ ]
إنسان معين وقال إن الله تعالى خلق آدم على صورته أي كان شكل آدم مثل شكل هذا الإنسان من غير تفاوت ألبتة فأبطل بهذا البيان وَهْمَ من توَّهم أن آدم ﵇ كان على صورة أخرى غير هذه الصورة الطريق الثاني أن يكون الضمير عائدًا إلى آدم ﵇ وهذا أولى الوجوه الثلاثة لأن عود الضمير إلى أقرب مذكور واجب وفي هذا الحديث أقرب الأشياء المذكورة هو آدم ﵇ فكان عود الضمير إليه أولى ثم على هذا الطريق ففي تأويل الخبر وجوه الأول أنه تعالى لما عظم أمر آدم فجعله مسجود الملائكة ثم إنه أتى بتلك الزلة فالله تعالى لم يعاقبه
[ ٦ / ٣٥٩ ]
بمثل ما عاقب به غيره فإنه نقل أن الله تعالى أخرجه من الجنة وأخرج معه الحية والطاووس وغيَّر تعالى خلقهما مع، هـ لم يغير خلقة آدم ﵇ بل تركه على الخلقة الأولى إكرامًا له وصونًا له من عذاب المسخ فقوله ﷺ عن الله خلق آدم على صورته معناه خلق آدم على هذه الصورة التي هي الآن باقية من غير وقوع التبديل فيها والفرق بين هذا الجواب وبين الذي قبله أن المقصود من هذا بيان أنه ﷺ كان مصونًا عن المسخ والجواب الأول ليس فيه إلا بيان أن هذه الصورة الموجودة ليس هي إلا التي كانت موجودة قبل من غير تعرض لبيان أنه
[ ٦ / ٣٦٠ ]
جعله مصونًا عن المسخ بسبب زلته من أن غيره صار ممسوخًا الثاني أن المراد منه إبطال قول الدهرية الذين يقولون إن الإنسان لا يتولد إلا بواسطة النطفة ودم الطمث فقال ﷺ إن الله خلق آدم على صورته ابتداء من غير تقدم نطفة وعلقة ومضغة الثالث أن الإنسان لا يكون إلا في مدة طويلة وزمان مديد وبواسطة الأفلاك والعناصر فقال ﷺ إن الله خلق
[ ٦ / ٣٦١ ]
آدم على صورته أي من غير هذه الوسائط والمقصود منه الرد على الفلاسفة الرابع المقصود منه بيان أن هذه الصورة الإنسانية إنما حصلت بتخليق الله تعالى وإيجاده لا بتخليق القوة المصورة والمولدة على ما يذكره الأطباء والفلاسفة ولهذا قال الله تعالى هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ [الحشر ٢٤] فهو الخالق أي هو العالم بأحوال الممكنات والمحدثات والبارئ هو المحدث للأجسام والذوات يعد عدمها والمصور أي هو الذي ركَّب تلك الذوات على صورها المخصوصة وتركيباتها المخصوصة الخامس قد تذكر الصورة ويراد بها الصفة يقال شرحت له صورة هذه الواقعة وذكرت له صورة هذه المسألة والمراد من الصورة في كل هذه المواضع الصفة فقوله إن الله خلق آدم على صورته أي على جملة صفاته وأحواله و ذلك لأن الإنسان حين يحدث يكون في غاية الجهل والعجز ثم لا يزال
[ ٦ / ٣٦٢ ]
يزداد علمه وقدرته إلى أن يصل إلى حد الكمال فبين النبي ﷺ أن آدم خلق من أول الأمر كاملًا تامًّا في علمه وقدرته وقوله خلق الله آدم على صورته معناه أنه خلقه في أول الأمر على صفته التي كانت حاصلة له في آخر الأمر وأيضًا فلا يبعد أن يدخل في لفظ الصورة كونه سعيدًا أو شقيًّا كما قال ﷺ السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه فقوله ﷺ
[ ٦ / ٣٦٣ ]
إن الله خلق آدم على صورته أي على جميع صفاته من كونه سعيدًا أو عارفًا أو تائبًا أو مقبولًا من عند الله تعالى الطريق الثالث أن يكون ذلك الضمير عائدًا إلى الله تعالى وفيه وجوه الأول المراد من الصورة الصفة كما بيناه فيكون المعنى أنه آدم ﵇ امتاز عن سائر الأشخاص والأجسام بكونه عالمًا بالمعقولات قادرًا على استنباط الحرف والصناعات وهذه صفات شريفة مناسبة لصفات الله تعالى من بعض الوجوه فصح قوله ﷺ إن الله خلق آدم على صورته بناء على هذا التأويل فإن قيل المشاركة في صفات الكمال تقتضي المشاركة في الإلهية قلنا المشاركة في بعض اللوازم البعيدة مع حصول المخالفة في الأمور الكثيرة لا تقتضي المساواة في الإلهية ولهذا المعنى قال الله تعالى وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [الروم ٢٧] وقال ﷺ تخلقوا بأخلاق الله
[ ٦ / ٣٦٤ ]
الثاني أنه كما يصح إضافة الصفة إلى الموصوف فقد يصح إضافتها إلى الخالق والموجد فيكون الغرض من هذه الإضافة الدلالة على أن هذه الصورة ممتازة عن سائر الصور بمزيد من الكرامة والجلالة الثالث قال الشيخ الغزالي ليس الإنسان عبارة عن هذه البنية بل هو موجود ليس بجسم ولا جسماني ولا تعلق له بهذا البدن إلا على سبيل التدبير والتصرف
[ ٦ / ٣٦٥ ]
فقوله ﷺ إن الله خلق آدم على صورته أي نسبة ذات آدم ﵇ إلى هذا البدن كنسبة الباري تعالى إلى العالم من حيث أن كل واحد منهما غير حال هذا الجسم وإن كان مؤثرًا فيه بالتصرف والتدبير قال الخبر الثاني ما رواه ابن خزيمة في كتابه الذي سماه التوحيد بإسناده عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال
[ ٦ / ٣٦٦ ]
لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن
[ ٦ / ٣٦٧ ]
إيراد المؤلف لحديث الصورة كما هو في الصحيحين
قال واعلم أن ابن خزيمة ضعَّف هذه الرواية ويقول إن صحت هذه الراوية فلها تأويلان الأول أن يكون المراد من الصورة الصفة على ما بيناه الثاني أن يكون المراد من هذه الإضافة بيانُ شرف هذه الصورة كما في قوله بيت الله وناقة الله قلت هذا الحديث أخرجوه في الصحيحين من وجوه ففي الصحيحين عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعًا ثم قال اذهب فسلم على أولئك الملائكة فاسمع ما يحيون كبه فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة
[ ٦ / ٣٦٨ ]
على صورة آدم قال في رواية يحيى بن جعفر ومحمد ابن رافع على صورته
[ ٦ / ٣٦٩ ]
وروى البخاري من حديث أبي سعيد المقبري وهمام أيضًا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه ورواه مسلم من حديث المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن
[ ٦ / ٣٧٠ ]
الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه ومن حديث سفيان بن عيينة عن أبي الزناد بهذا الإسناد وقال إذا ضرب أحدكم ومن حديث سهيل بن أبي صالح عن
[ ٦ / ٣٧١ ]
أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه ومن حديث أبي أيوب يحيى بن مالك المراغي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا قاتل أحدكم أخاه فلا يلطمن الوجه وفي رواية محمد بن حاتم فيه قال إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه فإن الله
[ ٦ / ٣٧٢ ]
نقل المؤلف اتفاق السلف على أن الضمير يعود إلى الله تعالى
خلق آدم على صورته وليس ليحيى بن مالك عن أبي هريرة في الصحيحين غيره والكلام على ذلك أن يقال هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك وهو أيضًا مذكور فيما عند أهل الكتابين من الكتب
[ ٦ / ٣٧٣ ]
كالتوراة وغيرها ولكن كان من العلماء في القرن الثالث من يكره روايته ويروي بعضه كما يكره رواية لعض الأحاديث لمن يخاف أن نفسه ويفسد عقله أو دينه كما قال عبد الله بن مسعود ما من رجل يحدث قومًا حديثًا لم تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم وفي البخاري عن علي بن أبي طالب أنه قال حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله وإن كان مع ذلك لا يرون كتمان ما جاء به الرسول مطلقًا بل لابد أن يبلغوه حيث يصلح ذلك ولهذا اتفقت
[ ٦ / ٣٧٤ ]
الأمة على تبليغه وتصديقه وإنما دخلت الشبهة في الحديث لتفريق ألفاظه فإن من ألفاظه المشهورة إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته ولا يقل أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته وهذا فيه حكم عملي يحتاج إليه الفقهاء وفيه الجملة الثانية الخبرية المتعلقة بلا وكثير من الفقهاء روى الجملة الأولى فقط وهي قوله فإذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه ولم يذكر الثانية وعامة أهل الأصول والكلام إنما يروون الجملة الثانية وهي قوله خلق الله آدم على صورته ولا يذكرون الجملة الطلبية
[ ٦ / ٣٧٥ ]
فصار الحديث متواترًا بين الطائفتين وصاروا متفقين على تصديقه لكن مع تفريق بعضه عن بعض وإن كان محفوظًا عند آخرين من علماء الحديث وغيرهم وقد ذكره النبي ﷺ ابتداء في إخباره بخلق آدم في ضمن حديث طويل إذا ذكر على وجهه زال كثير من الأمور المحتملة ولكن ظهر لما انتشرت الجهمية في المائة الثالثة جعل طائفة الضمير فيه عائدًا إلى غير الله تعالى حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة في عامة أمورهم كأبي ثور
[ ٦ / ٣٧٦ ]
وابن خزيمة وأبي الشيخ الأصبهاني وغيرهم ولذلك لأنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة وذلك مثل ما ذكره أبو بكر بن خزيمة في كتاب التوحيد فإنه ذكر الاحتمالات الثلاثة ذكر عود الضمير إلى المضروب وذكر عوده إلى آدم وتأول عوده إلى الله على إضافة الخلق فقال باب ذكر أخبار رويت عن النبي ﷺ تأولها بعض من لم يتبحر العلم على غير تأويلها ففتن عالمًا من أهل الجهل والعناد حملهم الجهل بمعنى الخبر على القول بالتشبيه جل وعز عن أن يكون وجه خلق من خلقه مثل
[ ٦ / ٣٧٧ ]
وجهه الذي وصفه بالجلال والإكرام ونفى الهلاك عنه حدثنا الربيع بن سليمان المرادي قال حدثنا شعيب يعني ابن الليث حدثنا الليث عن محمد بن عجلان عن
[ ٦ / ٣٧٨ ]
سعيد بن لأبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال لا يقولن أحدكم لأحد قبح الله وجهك ووجهًا أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى حدثنا يحيى بن
[ ٦ / ٣٧٩ ]
سعيد عن ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال إذا ضرب أحدكم فليتجنب الوجه ولا يقل قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته وحدثنا بندار حدثنا يحيى بن سعيد حدثني ابن عجلان قال حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا ضرب أحدكم فليتجنب الوجه ولا يقل قبح الله وجهك بمثل حديث أبي
[ ٦ / ٣٨٠ ]
موسى حدثنا أبو موسى قال حدثنا يحيى عن أبي عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال إذا ضرب أحدكم فليتجنب الوجه قال أبو بكر بن خزيمة ليس في خبر ابن عجلان أكثر من هذا ومعنى هذا أن يحيى بن سعيد القطان الإمام رواه عن ابن عجلان عن المقبري كما رواه الليث وغيره ورواه أيضًا عنه عن أبيه عن أبي هريرة لكن يذكر إحدى الجملتين فقط وكان عند ابن عجلان الحديث عن المقبري وعن أبيه وقد رواه البخاري في صحيحه من طريق
[ ٦ / ٣٨١ ]
مالك عنه مختصرًا فقال البخاري باب إذا ضرب العبد فليتجنب الوجه حدثنا محمد بن عبيد الله قال حدثنا ابن وهب حدثني مالك بن أنس قال وأخبرني ابن فلان عن
[ ٦ / ٣٨٢ ]
سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال البخاري وحدثني عبد الله بن محمد قال حدثنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه
[ ٦ / ٣٨٣ ]
وقد روى البخاري ومسلم الحديث في خلق آدم بطوله ثم قال ابن خزيمة توهم بعض من لم يتبحر العلم أن قوله على صورته يريد صورة الرحمن ﷿ عن أن يكون هذا معنى الخبر بل معنى قوله خلق آدم على صورته الهاء في هذا الموضع كناية عن اسم المضروب والمشتوم أراد أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب الذي أمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب والذي قبح وجهه فزجر ﷺ أن يقول ووجه من أشبه وجهك لأن وجه آدم شبيه وجوه بنيه فإذا قال الشاتم لبعض بني آدم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك كان مقيحًا وجه آدم صلوات الله عليه الذي وجوه بنية شبيهة بوجه أبيهم فتفهموا رحمكم الله معنى الخبر لا تغلطوا ولا تغالطوا فتضلوا عن سواء السبيل وتحملوا على القول بالتشبيه
[ ٦ / ٣٨٤ ]
الذي هو ضلال قال وقد رويت في نحو هذا لفظة أغمض من اللفظة التي ذكرناها في خبر أبي هريرة وهو ما حدثنا يوسف بن موسى حدثنا جرير عن الأعمش عن
[ ٦ / ٣٨٥ ]
حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن قال وروى الثوري هذا الخبر مرسلًا غير مسند حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدى
[ ٦ / ٣٨٦ ]
قال حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء قال قال رسول الله ﷺ لا يقبح الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن قال أبو بكر وقد افتتن بهذه اللفظة التي في خبر عطاء عالم ممن لم يتبحر العلم وتوهموا أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر من إضافة صفات الذات فغلطوا في ذلك غلطًا بينًا وقالوا مقالة شنيعة مضاهية لقول المشبهة أعاذنا الله وكل المسلمين من قولهم قال والذي عندي في تأويل هذا الخبر إن صح من
[ ٦ / ٣٨٧ ]
جهة النقل موصولًا فإن للخبر عللًا ثلاثًا إحداهن أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده فأرسل الثوري ولم يقل عن ابن عمر والثانية أن الأعمش مدلس لم يذكر أنه سمعه من حبيب ابن أبي ثابت والثالثة أن حبيب بن أبي ثابت أيضًا مدلس لم يعلم أنه سمعه من عطاء سمعت إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد يقول حدثنا أبو بكر بن عياش عن
[ ٦ / ٣٨٨ ]
الأعمش قال قال حبيب بن أبي ثابت لو حدثني رجل عنك بحديث لم أبال أن أرويه عنك يريد لم أبال أن أدلسه قال أبو بكر ومثل هذا الخبر لا يكاد يحتج به علماؤنا من أهل الأثر لاسيما إذا كان الخبر في مثل هذا الجنس فيما يوجب العلم لو ثبت لا فيما يوجب العمل لما قد يستدل على صحته وثبوته بدلائل من نظر وتشبيه وتمثيل معين من سنن
[ ٦ / ٣٨٩ ]
النبي ﷺ قال فإن صح هذا الخبر مسندًا بأن يكون الأعمش قد سمعه من حبيب بن أبي ثابت قد سمعه من عطاء بن أبي رباح وصح أنه عن ابن عمر على ما رواه الأعمش فمعنى هذا الخبر عندنا أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر إنما هو من إضافة الخلق إليه لأن الخلق يضاف إلى الرحمن إذ الله خلقه وكذلك الصورة تضاف إلى الرحمن لأن الله صورها ألم تسمع قوله ﷿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [لقمان ١١] فأضاف الله الخلق إلى نفسه إذ الله تولى خلقه وكذلك قوله تعالى هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فأضاف الله الناقة إلى نفسه وقال تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وقال أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً
[ ٦ / ٣٩٠ ]
فَتُهَاجِرُوا فِيهَا [النساء ٩٧] وقال إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [الأعراف ١٢٨] فأضاف الأرض إلى نفسه إذ الله تولى خلقها وبسطها وقال فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم ٣٠] فما أضاف الله على نفسه على معنيين أحدهما إضافة الذات والآخر إضافة الخلق فتفهموا هذين المعنيين لا تغالطوا قال فمعنى الخبر إن صح من طريق النقل مسندًا فإن ابن آدم خلق على الصورة التي خلقها الرحمن حين صور آدم ثم نفخ فيه الروح قال الله جل وعلا وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف ١١] والدليل على صحة هذا التأويل أن أبا موسى محمد بن المثنى حدثنا قال حدثنا أبو عامر عبد الملك بن
[ ٦ / ٣٩١ ]
عمرو قال حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن
[ ٦ / ٣٩٢ ]
أبي هريرة عن النبي ﷺ قال خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعًا حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم حدثنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما أنبأنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ فذكر أحاديث كثيرة وقال قال رسول الله ﷺ خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا فلما خلقه قال له اذهب فسلم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك
[ ٦ / ٣٩٣ ]
فإنها تحيتك وتحية ذريتك قال فذهب فقال السلام عليكم فقالوا وعليك السلام ورحمة الله فزادوه ورحمة الله قال فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعًا فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن قال أبو بكر فصورة آدم هي ستون ذراعًا التي أخبر النبي ﷺ أن آدم خلق عليها لا على ما توهم بعض من لم يتبحر العلم فظن أن قوله على صورته على صورة الرحمن صفة من صفات ذاته ﷿ عن أن يوصف بالذرعان والأشبار قد نزه الله
[ ٦ / ٣٩٤ ]
نفسه وتقدس عن صفات المخلوقين وقال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى ١١] وهو كما وصف نفسه في كتابه على لسان نبيه لا كصفات المخلوقين من الحيوان ولا من الموتان كما شبه الجهمية معبودهم بالموتان لا ولا كما شبه الغالية من الرافضة معبودهم ببني آدم قبح الله هذين القولين وقائلهما حدثنا أحمد بن منيع
[ ٦ / ٣٩٥ ]
ومحمود بن خداش قالا حدثنا أبو سعد الصاغاني قال حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن
[ ٦ / ٣٩٦ ]
أبي العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله ﷺ انسب لنا ربك فأنزل الله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) [الإخلاص ١-٤] قال ولم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء وقال ابن خداش في حديثه فالصمد الذي لم يلد ولم يولد لأنه ليس شيء يولد
[ ٦ / ٣٩٧ ]
إلا سيموت وليس شيء يموت إلا سيورث وأن الله لا يموت ولا يورث والباقي مثل لفظ ابن منيع هذا مجموع ما ذكره ابن خزيمة قال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي في كتابه الذي سماه الفصول في الأصول عن
[ ٦ / ٣٩٨ ]
الأئمة الفحول إلزامًا لذوي البدع والفضول ذكر فيه الأئمة الاثنى عشر المتبوعين في العلم وهم الشافعي ومالك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل والبخاري وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك والأوزاعي والليث بن
[ ٦ / ٣٩٩ ]
سعد وإسحاق بن راهوية وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان
[ ٦ / ٤٠٠ ]
وقد ذكر في ترجمة سفيان بن سعيد الثوري أنه سئل عن قوله تعالى وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد ٤] قال علمه ثم ذكر في أثناء الترجمة فإن قيل فقد منعتم من التأويل وعددتموه من الأباطيل فما قولكم في تأويل السلف وما وجهه نحو ما يروى عن ابن عباس في معنى اسْتَوَى أي استقر وما رويتم عن سفيان في قوله تعالى وَهُوَ مَعَكُمْ قال علمه الجواب قلنا لعلتين لا ثالث لهما على أن الجواب عن السؤال أن يقال إن كان السلف صحابيًّا فتأويله مقبول
[ ٦ / ٤٠١ ]
متبع لأنه شاهد الوحي والتنزيل وعرف التفسير والتأويل وابن عباس من علماء الصحابة وكانوا يرجعون إليه في علم التأويل وكان يقول أنا من الراسخين في العلم إذ كان بين يدي رسول الله ﷺ وبين ظهراني الأئمة الأربعة وسائر المشايخ من الصحابة ﵃ أجمعين يدأب ليلًا ونهارًا في البحث والتسآل عن النساء والرجال الذين عرفوا تأويل ما لم يعرفه في صغره وشاهدوا تنزيل ما لم يشاهده في حاله من كبره وقد دعا رسول الله ﷺ بمعرفة التأويل وكان رديفًا له فقال اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين
[ ٦ / ٤٠٢ ]
وكان لعمر مجلسان في كل يوم مجلس لكبار الصحابة ومشايخهم ومجلس لشبانهم وكان يأمر ابن عباس أن يحضر مع كبار الصحابة مجلسه فكانت إذا ألقيت عليهم مسألة يجيبون فيها قال لابن عباس غص يا غواص دس يا دواس إذا أجاب ابن عباس بجواب صوبه وقرره وإذا تقرر أن تأويل الصحابة مقبول فتأويل ابن عباس أولى بالاتباع والقبول فإنه البحر العباب وبالتأويل أعلم الأصحاب فإذا صح عنه تأويل الاستواء بالاستقرار وضعنا له الحد بالإيمان والتصديق وعرفنا من الاستقرار ما عرفناه من الاستواء وقلنا إنه ليس باستقرار يتعقب تعبًا واضطرابًا بل هو كيف شاء وكما يشاء والكيف فيه مجهول والإيمان به
[ ٦ / ٤٠٣ ]
واجب كما نقول في الاستواء سواء فأما إذا لم يكن السلف صحابيًّا نظرنا في تأويله فإن تابعه عليه الأئمة المشهورون من نقله الحديث والسنة ووافقه الثقاة الأثبات تابعناه وقبلناه ووافقناه فإنه وإن لم يكن إجماعًا حقيقة إلا أن فيه مشابهة الإجماع إذ هو سبيل المؤمنين وتوافق المتفقين الذين لا يجتمعون على الضلالة ولأن الأئمة لو لم يعلموا أن ذلك عن الرسول والصحابة لم يتابعوه عليه فأما تأويل من لم يتابعه عليه الأئمة فغير مقبول وإن صدر ذلك التأويل عن إمام معروف غير مجهول نحو ما ينسب إلى أبي بكر محمد بن خزيمة تأويل الحديث خلق الله آدم على صورته فإنه يفسر ذلك بذلك التأويل ولم يتابعه عليه من قبله من أهل الحديث لما روينا عن أحمد رحمه الله تعالى ولم يتابعه أيضًا من بعده حتى رأيت في كتاب الفقهاء
[ ٦ / ٤٠٤ ]
للعبادي الفقيه أنه ذكر الفقهاء وذكر عن كل واحد منهم مسألة تفرد بها فذكر الإمام ابن خزيمة وأنه تفرد بتأويل هذا الحديث خلق الله آدم على صورته على أني سمعت عدة من المشايخ رووا أن ذلك التأويل مزور مربوط على ابن خزيمة وإفك افتُرى عليه فهذا وأمثال ذلك من التأويل لا نقيله ولا يُلتفت إليه بل نوافق ونتابع ما اتفق الجمهور عليه
[ ٦ / ٤٠٥ ]
وكذلك في تأويل الشيخ أبي أحمد محمد بن علي الفقيه الكرجي الإمام المعروف بالقصاب للآيات والأخبار الواردة في إحساس الميت بالعذاب وإطنابه في كتابه المعروف بـ نكت القرآن وذهابه إلى أن الميت بعد السؤال لا يحس طول لبثه في البرزخ ولا بالعذاب فنقول هذا تأويل تفرد به ولم يتابعه الأئمة عليه والقول ما ذهب إليه الجمهور وتفرده بالمسائل لا يؤثر ولا يقدح في درجاتهم وعذر كل من تفرد بمسألة من أئمتنا من عصر الصحابة والتابعين إلى زماننا هذا أن يقال لكل عالم هفوة ولكل صارم نبوة ولكل جواد كبوة وكذلك عذر كل إمام ينفرد بمسألة على ممر الأعصار والدهور غير أن المشهور ما ذهب إليه الجمهور
[ ٦ / ٤٠٦ ]
وأما قول سفيان في قوله تعالى وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد ٤] وقوله إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة ٧] أنه علمه وكذلك قوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) [ق ١٦] أنه علمه فاعلم أن هذا في الحقيقة ليس بتأويل بل هو المفهوم من خطاب الأعلى مع الأدنى فإن في وضع اللغة إذا صدر مثل هذه اللفظة من السادة مع العبيد لا يفهم إلا التقريب والهداية والإعانة والرعاية كما قال تعالى لموسى وهارون اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) [طه ٤٣-٤٤] فقال موسى لهارون رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) [طه ٤٥] فقال لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) [طه ٤٦] ومعلوم أن هذا الخطاب لا يفهم منه إلا الإعانة والرعاية والهداية كما قال ﷺ لسعد إرم وأنا معك
[ ٦ / ٤٠٧ ]
نعم إذا صدر الخطاب من الأدنى مع الأعلى نحو العبد إذا قال لسيده إني معك يُفهم الصحبة والخدمة ولا يفهم الإعانة والرعاية قال ثم إن قلنا إن قول سفيان في الآية تأويل فهو تأويل يروى عن ابن عباس وتأويل الصحابة مقبول لما ذكرناه وإن كان تأويل سفيان إلا أنه تابعه عليه الأئمة على ما رويناه عن مالك وسفيان بن عيينة وكذلك عن الشافعي وأحمد وغيرهم فإن قولهم إن الله على عرشه بائن من
[ ٦ / ٤٠٨ ]
خلقه وعلمه محيط بكل مكان موافقة منهم لما قاله سفيان وقد ذكرنا أن التأويل إذا تابع عليه الأئمة فهو مقبول فإن قيل فهلا جوزتم التأويل على الإطلاق اعتبارًا بتأويل السلف قلنا معاذ الله أن يجوز ذلك إذ ليس الأصول تتلقى من الرأي حتى يقاس عليه ويقال لما جاز للسلف التأويل جاز للخلف فإنا قد بينا أن تأويل السلف إن صدر من الصحابة فهو مقبول لأنهم سمعوه من الرسول وإن صدر من غيرهم وتابعهم عليه الأئمة قبلناه وإن تفرد نبذناه وأعرضنا عنه إعراضنا عن تأويل الخلف قلت فقد ذكر الحافظ أبو موسى المديني فيما جمعه من مناقب الإمام الملقب بقوام السنة أبي القاسم إسماعيل
[ ٦ / ٤٠٩ ]
ابن محمد التيمي صاحب كتاب الترغيب والترهيب قال سمعته يقول أخطأ محمد بن خزيمة في حديث
[ ٦ / ٤١٠ ]
الصورة ولا يطعن عليه بذلك بل لا يؤخذ عنه هذا فحسب قال أبو موسى أشار بذلك أنه قل من إمام وإلا وله زلة فإذا تثرك ذلك الإمام لأجل زلته ترك كثير من الأئمة وهذا لا ينبغي أن يفعل قال وقد كان في شدة تمسكه بالسنة وتعظيمه للحديث وتحرزه من العدول عنه ما تكلم فيه من حديث نعيم بن حماد الذي رواه بإسناده في النزول
[ ٦ / ٤١١ ]
بالذات وكان من اعتقاد الإمام إسماعيل أن نزول الله بالذات وهو مشهور من مذهبه قد كتبه في فتاوى عدة وأملى فيه أمالي جمة إلا أنه كان يقول هذا الإسناد الذي رواه نعيم إسناد مدخول وفيه مقال وعلى بعض رواته مطعن لا تقوم به الحجة ولا يجوز نسبته إلى رسول الله ﷺ وإن كنا نعتقد ذلك إلا بعد أن يرد بإسناد صحيح
[ ٦ / ٤١٢ ]
قال وسألت الإمام أبا القاسم إسماعيل بن محمد يومًا وقلت له أليس قد روي عن عبد الله بن عباس ﵄ في تفسير قوله اسْتَوَى قعد قال نعم قلت له يقول إسحاق بن راهوية إنما يوصف بالقعود من يمثل القيام فقال لا أدري أيش يقول إسحاق قال وهذا من تمسكه بالسنة وتركه الالتفات مع ثبوت الحديث عن رسول الله ﷺ وقول الصحابة إلى غير ذلك وقد ذكر أبو بكر الخلال في كتاب السنة ما ذكره إسحاق بن منصور الكوسج في مسائله
[ ٦ / ٤١٣ ]
المشهورة عن أحمد وإسحاق أنه قال لأحمد لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورته أليس تقول بهذه الأحاديث قال أحمد صحيح وقال إسحاق صحيح ولا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي وذكر أيضًا عن يعقوب ابن بختان أن أبا عبد الله أحمد بن حنبل سئل عن حديث النبي ﷺ خلق الله آدم على صورته فقال لا تفسره ما لنا أن نفسره كما جاء الحديث
[ ٦ / ٤١٤ ]
قال الخلال وأخبرنا أبو بكر المروذي قال قلت لأبي عبد الله كيف تقول في حديث النبي ﷺ خلق الله آدم على صورته قال الأعمش يقول عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر قال وقد رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ على صورته فنقول كما جاء في الحديث قال وسمعت أبا عبد الله يقول لقد سمعت الحميدي يحضره سفيان بن
[ ٦ / ٤١٥ ]
عيينة فذكر هذا الحديث خلق الله آدم على صورته فقال من لا يقول بهذا فهو كذا وكذا يعني من الشتم وسفيان ساكت لا يرد عليه شيئًا قال المروذي أظن، ي ذكرت لأبي عبد الله عن بعض المحدثين بالبصرة أنه قال قول النبي ﷺ خلق الله آدم على صورته قال صورة الطين قال هذا جهمي وقال نسلم الخبر كما جاء وروى الخلال عن أبي طالب من وجهين قال سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل يقول من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي وأي صورة كانت لآدم قبل أن
[ ٦ / ٤١٦ ]
يخلقه قال الخلال وأخبرنا أبو بكر المروذي قال سمعت أبا عبد الله قيل له أي شيء أنكر على بشر بن السري وأي شيء كانت قصته بمكة قال تكلم بشيء من كلام الجهمية فقال إن قومًا يجدون قيل له التشبيه فأومأ برأسه نعم فقال فقام به مؤمل حتى جلس فتكلم ابن
[ ٦ / ٤١٧ ]
عيينة في أمره حتى أخرج وأراه كان صاحب كلام وقال الخلال أخبرني حرب بن إسماعيل الكرماني قال سمعت إسحاق بن راهوية يقول قد صح عن النبي ﷺ قال إن الله خلق آدم على صورة الرحمن إنما عليه أن ينطق بما صح عن النبي ﷺ أنه نطق به
[ ٦ / ٤١٨ ]
قال إسحاق حدثنا جرير عن الأعمش عن حبيب ابن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن فقد صحح إسحاق حديث ابن عمر مسندًا خلاف ما ذكره ابن خزيمة قال الخلال أنا يعقوب بن سفيان الفارسي قال حدثنا محمد بن حميد حدثنا الفرات
[ ٦ / ٤١٩ ]
ابن خالد عن سفيان الثوري عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال إن الله خلق آدم على صورته وقال الخلال أن علي بن حرب الطائي حدثنا زيد ابن أبي الزرقاء عن ابن
[ ٦ / ٤٢٠ ]
لهيعة عن أبي يونس والأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه فإن صورة الإنسان على صورة الرحمن ﷿
[ ٦ / ٤٢١ ]
وما كان من العلم الموروث عن نبينا محمد ﷺ فلنا أن نستشهد عليه بما عند أهل الكتاب كما قال تعالى قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣) [الرعد ٤٣] وقال تعالى فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥) [يونس ٩٤-٩٥] وقال تعالى قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ [الأحقاف ١٠] وقال تعالى وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) [الشعراء ١٩٦-١٩٧] وقال تعالى أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) [الأنعام ١١٤] وقال تعالى الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) [الأنعام ٢٠] وقال تعالى وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ [الرعد ٣٦] وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ لما أخبره تميم
[ ٦ / ٤٢٢ ]
بطلان عود الضمير في حديث الصورة إلى غير الله تعالى
بخبر الدجال والجساسة فرح بذلك وقال حدثني حديثًا يوافق ما كنت حدثتكموه إذا عرف ذلك فيقال أما عود الضمير إلى غير الله فهذا باطل من وجوه أحدها أن في الصحيحين ابتداء إن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعًا وفي أحاديث أخر إن الله خلق آدم على صورته ولم يتقدم ذكر أحد يعود الضمير إليه
[ ٦ / ٤٢٣ ]
وما ذكر بعضهم من أن النبي ﷺ رأى رجلًا يضرب رجلًا ويقول قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فقال خلق الله آدم على صورته أي على صورة هذا المضروب فهذا شيء لا أصل له ولا يعرف في شيء من كتب الحديث الثاني أن الحديث الآخر لفظه إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته وليس في هذا ذكر أحد يعود الضمير إليه الثالث أن اللفظ الذي ذكره ابن خزيمة وتأويله وهو قوله لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجهًا أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته ليس فيه ذكر أحد يصلح عود الضمير إليه وقوله في التأويل أراد ﷺ أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب الذي أمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب والذي
[ ٦ / ٤٢٤ ]
قبح وجهه فزجر ﷺ أن يقول ووجه من أسبه وجهك يقال له لم يتقدم ذكر مضروب فيما رويته عن النبي ﷺ ولا في لفظه ذكر ذلك بل قال إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته ولم يقل إذا قاتل أحدكم أحدًا وإذا ضرب أحدًا والحديث الآخر ذكرته من رواية الليث بن سعد ولفظه ولا يقل أحدكم قبح الله وجهك ووجهًا أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته وليس في هذا ذكر مر حتى يصلح عود الضمير إليه فإن قيل قد يعود الضمير إلى ما دل عليه الكلام وإن لم يكن مذكورًا كما في قوله تعالى وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ [آل عمران ١٨٠] أي البخل لأن لفظ يبخلون يدل على المصدر الذي هو البخل ومنه قول الشاعر
[ ٦ / ٤٢٥ ]
إذا نهي السفيه جرى إليه وخالف والسفيه إلى خلاف أي إلى السفه قيل هذا إنما يكون فيما لا لبس فيه حيث لم يتقدم ما يصلح لعود الضمير إليه إلاَّ ما دل عليه الخطاب فيكون العلم بأنه لابد للظاهر من مضمر يدل على ذلك أما إذا تقدم اسم صريح قريب إلى الضمير فلا يصلح أن يترك عوده إليه ويعود إلى شيء متقدم لا ذكر له في الخطاب وهذا مما يعلم بالضرورة فساده في اللغات الرابع أنه في مثل هذا لا يصلح إفراد الضمير فإن الله خلق آدم على صورة بنيه كلهم فتخصيص واحد لم يتقدم له ذكر بأن الله خلق آدم على صورته في غاية البعد لاسيما وقوله وإذا قاتل أحدكم وإذا ضرب أحدكم عام في كل مضروب والله خلق آدم على صورهم جميعهم فلا معنى لإفراد الضمير وكذلك قوله لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك عام في كل مخاطب والله قد خلقهم كلهم على صورة آدم
[ ٦ / ٤٢٦ ]
الخامس أن ذرية آدم خلقوا على صورة آدم لم يخلق آدم على صورهم فإن مثل هذا الخطاب إنما يقال فيه خلق الثاني المتأخر في الوجود على صورة الأول المتقدم وجوده لا يقال إنه خلق الأول على صورة الثاني المتأخر في الوجود كما يقال خلق الخلق على غير مثال أو نسج هذا على مثال هذا ونحو ذلك فإنه في جميع هذا إنما يكون المصنوع المقيس متأخرًا في الذكر عن المقيس عليه وإذا قيل خلق الولد على صورة أبيه أو على خلق أبيه كان كلامًا سديدًا وإذا قيل خلق الوالد على صورة ولده أو على خلقه كان كلامًا فاسدًا بخلاف ما إذا ذكر التشبيه بغير لفظ الخلق وما يقوم مقامه مثل أن يقال الوالد يشبه ولده فإن هذا سائغ لأن قوله خلق
[ ٦ / ٤٢٧ ]
إخبار عن تكوينه وإبداعه على مثال غيره ومن الممتنع أن الأول كون على مثال ما لم يكن بعد وإنما يكون على مثال ما قد كان السادس أنه إذا كان المقصود أن هذا المضروب والمشتوم يشبه آدم فمن المعلوم أن هذا من الأمور الظاهرة المعلومة للخاص والعام فلو أريد التعليل بذلك لقيل فإن هذا يدخل فيه الأنبياء أو فإن هذا يدخل فيه آدم ونحو ذلك من العبارات التي تبين قبح كلامه وهو اشتمال لفظه على ما يعلم هو وجوده أما مجرد إخباره بما يعلم وجوده كل أحد فلا يستعمل في مثل هذا الخطاب السابع أنه إذا أريد جرد المشابهة لآدم وذريته لم يحتج إلى لفظ خلق على كذا فإن هذه العبارة إنما تستعمل فيما فعل على مثال غيره بل يقال فإن وجهه يشبه وجه آدم أو فإن صورته تشبه صورة آدم الثامن أن يقال هب أن هذه العلة تصلح لقوله لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فكيف
[ ٦ / ٤٢٨ ]
يصلح لقوله إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه ومعلوم أن كون صورته تشبه صورة آدم لا توجب سقوط العقوبة عنه فإن الإنسان لو كان يشبه نبيًّا من الأنبياء أعظم من مشابهة الذرية لأبيهم في مطلق الصورة والوجه ثم وجبت على ذلك الشبيه بالنبي عقوبة لم تسقط عقوبته بهذا الشبه باتفاق المسلمين فكيف يجوز تعليل تحريم العقوبة بمجرد المشابهة المطلقة لآدم التاسع أن في ذرية آدم من هو أفضل من آدم وتناول الفظ لجميعهم واحد فلو كان المقصود بالخطاب ليس ما يختص به آدم من ابتداء خلقه على صورة بل المفصود مجرد مشابهة المضروب المشتوم له لكان ذكر سائر الأنبياء والمرسلين بالعموم هو الوجه وكان تخصيص غير آدم بالذكر أولى كإبراهيم وموسى وعيسى وإن كان آدم أبوهم فليس هذا المقام مقامًا له به اختصاص على زعم هؤلاء العاشر وهو قاطع أيضًا أن يقال كون الوجه يشبه وجه
[ ٦ / ٤٢٩ ]
آدم هو مثل كون سائر الأعضاء تشبه أعضاء آدم فإن رأس الإنسان يشبه رأس آدم ويده تشبه يده ورجله تشبه رجله وبطنه وظهره وفخذه وساقه يشبه بطن آدم وظهره وفخذه وساقه فليس للوجه بمشابهة آدم اختصاص بل جميع أعضاء البدن بمنزلته في ذلك فلو صلح أن يكون هذا علة لمنع الضرب لوجب أن لا يجوز ضرب شيء من أعضاء بني آدم لأن ذلك جميعه على صورة أبيهم آدم وفي إجماع المسلمين على وجوب ضرب هذه الأعضاء في الجهاد للكفار والمنافقين وإقامة الحدود مع كونها مشابهة لأعضاء آدم وسائر النبيين دليلٌ على أنه لا يجوز المنع من ضرب الوجه ولا غيره لأجل هذه المشابهة الوجه الحادي عشر أنه لو كان علة النهي عن شتم الوجه وتقبيحه أنه يشبه وجه آدم لنهي أيضلً عن الشتم والتقبيح لسائر الأعضاء لا يقولن أحدكم قطع الله يدك ويد من أشبه يدك الوجه الثاني عشر أن ما ذكره من تأويل ذلك فإنه إبطال لقول من يقول إن آدم كان على صورة أخرى مثل ما يقال إنه
[ ٦ / ٤٣٠ ]
كان عظيم الجثة طويل القامة وأن النبي ﷺ أشار إلى إنسان معين وقال إن الله خلق آدم على صورته أي كان شكل آدم مثل شكل هذا الإنسان من غير تفاوت البتة يقال لهم الحديث المتفق عليه في الصحيحين مناقض لهذا التأويل مصرح فيه بأن خلق آدم أعظم من صور بنيه بشيء كثير و، هـ لم يكن على شكل أحد من أبناء الزمان كما في الصحيحين عن همام بن منيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال خلق اله آدم على صورته وطوله ستون ذراعًا ثم قال اذهب فسلم على أولئك الملائكة فاسمه ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالو السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم قال فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن قال في رواية يحيى بن جعفر ومحمد بن رافع على صورته فهذا الحديث الذي هو أشهر الأحاديث التي فيها أن الله خلق
[ ٦ / ٤٣١ ]
آدم على صورته ذكر فيه أن طوله ستين ذراعًا وأن الخلق لم يزل ينقص حتى الآن وأن أهل الجنة يدخلون على صورة آدم ولم يقل إن آدم على صورتهم بل قال هم على صورة آدم وقد روي أن عرض أحدهم سبعة أذرع فهل في تبديل كلام الله ورسوله أبلغ من هذا أن يجعل ما أثبته النبي ﷺ وأخبر به وأوجب التصديق به قد نفاه وأبطله وأوجب تكذيبه وإبطاله الوجه الثالث عشر أنه قد روي من غير وجه على صورة الرحمن
[ ٦ / ٤٣٢ ]
إبطال المؤلف لقول من يقول: إن الضمير عائد على آدم
فصل وأما قول من قال الضمير عائد إلى آدم كما ذكر ذلك للإمام أحمد عن بعض محدثي البصرة ويذكر ذلك عن أبي ثور فهو كما قال الإمام أحمد هذا تأويل الجهمية وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه وقد زعم المؤسس أنه أولى الوجوه الثلاثة وليس كما ذكره بل هو أفسد الوجوه الثلاثة ولهذا لم يعدل إليه ابن خزيمة إلا عند الضرورة لرواية من روى على صورة
[ ٦ / ٤٣٣ ]
الرحمن ولقوله ابتداء إن الله خلق آدم على صورته فأما حيث ظن أن التأويل الأول ممكن فلم يقل هذا وبيان فساده من وجوه أحدها أنه إذا قيل إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورة آدم أو لا تقبحوا الوجه ولا يقل أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورة آدم كان هذا من أفسد الكلام فإنه لا يكون بين العلة والحكم مناسبة أصلًا فإن كون آدم مخلوقًا على صورة آدم فأي تفسير فسر ليس في ذلك مناسبة للنهي عن ضرب وجوه بنيه ولا عن تقبيحها وتقبيح ما يشبهها وإنما دخل التلبيس بهذا التأويل حيث فرق الحديث فروي قوله إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه مفردًا وروي قوله
[ ٦ / ٤٣٤ ]
الله خلق آدم على صورته مفردًا أما مع أداء الحديث على وجهه فإن عود الضمير إلى آدم يمتنع فيه وذلك أن خلق آدم على صورة آدم سواء كان فيه تشريف لآدم أو كان فيه إخبار مجرد بالواقع فلا يناسب هذا الحكم الوجه الثاني أن الله خلق سائر أعضاء آدم على صورة آدم بأي وجه فسر ذلك فلا فرق بين الوجه وسائر الأعضاء في هذا الحكم فلو كان خلق آدم على صورة آدم مانعًا من ضرب الوجه أو تقبيحه لوجب أن يكون مانعًا من ضرب سائر الأعضاء وتقبيح سائر الصور وهذا معلوم الفساد في العقل والدين وتعليل الحكم الخاص بالعلة المشتركة من أقبح الكلام وإضافة ذلك إلى النبي ﷺ لا صدر إلا عن جهل عظيم أو نفاق شديد إذ لا خلاف في علمه وحكمته وحسن كلامه وبيانه كما يذكر أن بعض الزنادقة سمع قارئًا يقرأ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل ١١٢] فقال وهل يذاق
[ ٦ / ٤٣٥ ]
اللباس فقالت له امرأة هبك تشك في بداية العقول أو يعلل حكم المحل بعلة لا تعلق لها به فإن هذا مثل أن يقال لا تضربوه وجوه بني آدم فإن أباهم له صفات يختص هو بها دونهم مثل كونه خلق من عير أبوين أو يقال لا تضربوا وجوه بني آدم فإن أباهم خلق من غير أبوين الوجه الثالث أن هذا تعليل للحكم بنا يوجب نفيه وهذا من أعظم التناقض وذلك أنهم تأولوا الحديث على أن آدم لم يخلق من نطفة وعلقة ومضغة وعلى أنه لم يتكون في مدة طويلة بواسطة العناصر وبنوه قد خلقوا من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة وخلقوا في مدة من عناصر الأرض فإن كانت العلة المانعة من ضرب الوجه وتقبيحه كونه خلق على ذلك الوجه وهذه العلة منتفية في بنيه فينبغي أن يجوز ضرب وجوه بنيه وتقبيحها لانتفاء العلة فيها فإن آدم
[ ٦ / ٤٣٦ ]
هو الذي خلق على صورته دونهم إذ هم لم يخلقوا كما خلق آدم على صورهم التي هم عليها بل نقلوا من نطفة إلى علقة إلى مضغة الوجه الرابع ما أبطل به الإمام أحمد هذا التأويل حيث قال من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه وهذا الوجه الذي ذكره الإمام أحمد يعم الأحاديث يعم قوله ابتداء إن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعًا ويعم قوله لا تقبحوا الوجه وإذا ضرب أحدكم فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته وذلك أن قوله خلق الله آدم على صورته يقتضي أنه كان له صورة قبل الخلق خلقه عليه فإن هذه العبارة لا تستعمل إلا في مثل ذلك وبمثل هذا أبطلنا من يقول إن الضمير عائد إلى المضروب فإن المضروب متأخر عن آدم ولا يجوز في مثل هذا الكلام أن
[ ٦ / ٤٣٧ ]
تكون الصورة التي خلق عليها آدم متأخرة عن حين خلقه سواء كانت هي صورته أو صورة غيره فإذا قيل عملت هذا على صورة هذا أو على مثال هذا أو لم يعمل هذا على صورة غيره أو لم يعمل على مثال أو لم ينسج على منوال غيره كما يقال في تمجيد الله تعالى خلق الله العالم على غير مثال والإبداع خلق الشيء على غير مثال ونحو ذلك من العبارات كان معناها المعلوم بالاضطرار من اللغة عند العامة والخاصة أن ذلك على صورة ومثال متقدم عليه أو لم يعمل على صورة ومثال متقدم عليه وذلك أن هذا اللفظ تضمن معنى القياس فقوله خلق أو عمل أو صنع على صورة كذا أو مثاله أو منواله تضمن معنى قيس عليه وقدر عليه وإذا كان كذلك فجميع ما يذكر من التأويلات مضمونه أو صورته تأخرت عنه فتكون باطلة
[ ٦ / ٤٣٨ ]
وأيضًا فمن المعلوم بالضرورة أنه لم تكن لآدم صورة خلق عليها قبل صورته التي خلقها الله تعالى الوجه الخامس أن جميع ما يذكر من التأويل كقول القائل خلق آدم على صورة آدم موجود نظيره في جميع المخلوقات فإنه إن أريد بذلك على صورتها الثابتة في القدر في علم الله وكتابه أي على صفتها التي هي عليها أو غير ذلك فهذا موجود نظيره في سائر المخلوقات من السموات والأرض وما بينهما ومن الملائكة والجن والبهائم بل وذرية آدم كذلك فإنهم خلقوا على صورهم كما يذكرونه في معنى قولهم خلق الله آدم على صورة آدم فإن كون آدم على صورته يعني شبحًا موجود في صور
[ ٦ / ٤٣٩ ]
هذه الأمور وأما كونه خلق على هذه الصورة ابتداء أو فيغير مدة فإنه لم يخلق إلا من حال إلى حال من التراب ثم من الطين ثم من الصلصال كما خلق بنوه من النطفة ثم العلقة ثم المضغة فلا منافاة في الحقيقة بين الأمرين فإذا جاز أن يقال في أحدهما إنه خلق على صورته رغم تنقله في هذه الأطوار جاز أن يقال في الآخر خلق على صورته مع تنقله في هذه الأطوار وإذا كان كذلك فمن المعلوم بالاتفاق أن قوله خلق آدم على صورته هي من خصائص آدم وإن كان بنوه تبعًا له في ذلك كما خلقه الله تعالى بيديه وأسجد له ملائكته علم بطلان ما يوجب الاشتراك ويزيل الاختصاص الوجه السادس أن المعنى الذي تدل عليه هذه العبارة التي ذكروها هو من الأمور المعلوم ببديهة العقل التي لا يحسن بيانها والخطاب بها لتعريفها بل لأمر آخر فإن قول القائل إن الشيء الفلاني خلق على صورة نفسه لا يدل لفظه على غير ما هو معلوم بالعقل أن كل مخلوق فإنه خلق على
[ ٦ / ٤٤٠ ]
الصورة التي خلق عليها وهذا المعنى مثل أن يقال أوجد الله الشيء كما أوجده وخلق الله الأشياء على ما هي عليه وعلى الصورة التي هي عليها ونحو ذلك مما هو معلوم ببديهة العقل ومعلوم أن بيان هذا وإيضاحه قبيح جدًّا الوجه السابع أن دلالة قول القائل خلق آدم على صورة آدم على ما يدعونه من معان أخر مثل كونه غير مخلوق من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة أو كونه لم يخلق في مدة ومن مادة أو لم يخلق بواسطة القوى والعناصر مما لا جليل عليه بحال فإن هذا اللفظ لا يفهم منه هذه المعاني بوجه من الوجوه فلابد أن يبين وجه دلالة اللفظ على المعنى من جهة اللغة ويذكر له نظير في الاستعمال الوجه الثامن أن رواية الحديث من وجوه فسائر الألفاظ تبطل عود الضمير إلى آدم مثل قوله لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن وقوله في الطريق الآخر من حديث أبي هريرة إذا ضرب أحدكم فليتجنب الوجه فإن صورة الإنسان على صورة الرحمن وقول ابن عباس فيما يذكره عن الله تعالى تعمد إلى خلق من خلقي
[ ٦ / ٤٤١ ]
خلقتهم على صورتي فتقول لهم اشربوا يا حمير فأما قوله إن حديث ابن عمر قد ضعفه ابن خزيمة فإن الثوري أرسله فخالف فيه الأعمش وأن الأعمش وحبيبًا
[ ٦ / ٤٤٢ ]
مدلسان فيقال قد صححه إسحاق بن راهوية وأحمد ابن حنبل وهما أجل من ابن خزيمة باتفاق الناس وأيضًا فمن المعلوم أن عطاء ابن أبي رباح إذا أرسل هذا الحديث عن النبي ﷺ فلابد أن يكون قد سمعه من أحد وإذا كان في إحدى الطريقين قد بين أنه أخذه عن ابن عمر كان هذا بيانًا وتفسيرًا لما تركه وحذفه من الطريق الأخرى ولم يكن هذا اختلافًا أصلًا وأيضًا فلو قدر لأن عطاء لم يذكره إلا مرسلًا عن النبي ﷺ فمن المعلوم أن عطاء من أجلِّ التابعين قدرًا فإنه هو وسعيد بن المسيب
[ ٦ / ٤٤٣ ]
وإبراهيم النخعي والحسن البصري أئمة التابعين في زمانهم وقد ذكر المصنف لهذا الحديث كابن خزيمة أن الأخبار في مثل هذا الجنس الذي توجب العلم هي أعظم من الأخبار التي توجب العمل ومعلوم أن مثل عطاء لو أفتى في مسألة فقه بموجب خبر أرسله لكان ذلك يقتضي ثبوته عنده ولهذا يجعل الفقهاء احتجاج المرسل بالخبر الذي أرسله دليلًا على ثبوته عنده فإذا كان عطاء قد جزم بهذا الخبر العلي عن
[ ٦ / ٤٤٤ ]
النبي ﷺ في مثل هذا الباب العظيم أيستجيز ذلك من غير أن يكون ثابتًا عنده أن يكون قد سمعه من مجهول لا يعرف أو كذاب أو سيئ الحفظ وأيضًا فاتفاق السلف على رواية هذا الخبر ونحوه مثل عطاء بن أبي رباح وحبيب بن أبي ثابت والأعمش والثوري وأصحابهم من غير نكير سمع من أحد لمثل ذلك في ذلك العصر مع أن هذه الروايات المتنوعة في مظنة الاشتهار دليل على أن علماء الأمة لم تنكر إطلاق القول بأن الله خلق آدم على صورة الرحمن بل كانوا متفقين على إطلاق مثل هذا وكراهة بعضهم لرواية ذلك في بعض الأوقات له نظائر فإن الشيء قد يمنع سماعه لبعض الجهال وإن كان متفقًا عليه بين علماء المسلمين وأيضًا فإن الله قد وصف هذه الأمة بأنها خير أمة أخرجت للناس وأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فمن الممتنع
[ ٦ / ٤٤٥ ]
أن يكون في عصر التابعين يتكلم أئمة ذلك العصر بما هو كفر وضلال ولا ينكر عليهم أحد فلو كان قوله خلق آدم على صورة الرحمن باطلًا لكانوا كذلك وأيضًا فقد روي بهذا اللفظ من طريق أبي هريرة والحديث المروي من طريقين مختلفين لم يتواطأ رواتهما يؤيد أحدهما الآخر ويستشهد له ويعتبر به بل قد يفيد ذلك العلم إذ الخوف في الرواية من تعمد الكذب أو من سوء الحفظ فإذا كان الرواة ممن يعلم أنهم لا يتعمدون الكذب أو كان الحديث ممن لا يتواطأ في العادة على اتفاق الكذب على لفظه لم يبق إلا سوء الحفظ فإذا كان قد حفظ كل منهما مثل ما حفظ الآخر كان ذلك دليلًا على أنه محفوظ لاسيما إذا كان ممن جرب بأنه لا ينسى لما فيه من تحرِّيه اللفظ والمعنى ولهذا يحتج من منع المرسل به إذا روي من وجه
[ ٦ / ٤٤٦ ]
آخر ولهذا يجعل الترمذي وغيره الحديث الحسن ما روي من وجهين ولم يكن في طريقه متهم بالكذب ولا كان مخالفًا للأخبار المشهورة
[ ٦ / ٤٤٧ ]
وأدنى أحوال هذا اللفظ أن يكون بهذه المنزلة وأيضًا فقد ثبت عن الصحابة أنهم تكلموا بمعناه كما في قول ابن عباس تعمد إلى خلق من خلقي على صورتي والمرسل إذا اعتضد به قول الصاحب احتج به من لا يحتج بالمرسل كالشافعي وغيره وأيضًا ثبت بقول الصحابة ذلك ورواية التابعين كذلك عنهم أن هذا كان مطلقًا بين الأئمة ولم يكن منكورًا بينهم وأيضًا فعلم ذلك لا يؤخذ بالرأي وإنما يقال توقيفًا ولا يجوز أن يكون مستند ابن عباس أخبار أهل الكتاب الذي هو أحد الناهين لنا عن سؤالهم ومع نهي النبي ﷺ عن تصديقهم أو تكذيبهم فعلم أن ابن عباس إنما قاله توقيفًا من النبي ﷺ ففي صحيح
[ ٦ / ٤٤٨ ]
البخاري عن ابن شهاب عن عبيد الله عن عبد الله أن ابن عباس قال كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسولكم أحدث الكتب عهدًا بالرحمن تقرؤونه محضًا لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب الله وغيروا فكتبوا بأيديهم الكتب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم فلا والله ما رأينا رجلًا منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم
[ ٦ / ٤٤٩ ]
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله ﷺ لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم الآية فمعلوم مع هذا أن ابن عباس لا يكون مستندًا فيما يذكره من صفات الرب أنه يأخذ ذلك عن أهل الكتاب فلم يبق إلا أن يكون أخذ من الصحابة الذين أخذوه من النبي ﷺ وهذه الوجوه كلها مع أنها مبطلة لقول من يعيد الضمير في قوله على آدم فهي أدلة مستقلة في الإخبار بأن الله تعالى خلق آدم على صورة نفسه وبهذا حصل الجواب عما يذكر من كون الأعمش مدلسًا حيث يقدم على رواية مثل هذا الحديث ويتلقاه عنه العلماء ويوافقه الثوري والعلماء على روايته عن ذلك الشيخ بعينه
[ ٦ / ٤٥٠ ]
وكذلك قوله حبيب مدلس فقد أخذه عنه هؤلاء الأئمة وأيضًا فهذا المعنى عند أهل الكتاب من الكتب المأثورة عن الأنبياء كالتوراة فإن في السفر الأول منها سنخلق بشرًا على صورتنا يشبهها وقد قدمنا أنه يجوز الاستشهاد بما عند أهل الكتاب إذا وافق ما يؤثر عن نبينا بخلاف ما لم نعلمه إلا من جهتهم فإن هذا لا نصدقهم فيه ولا نكذبهم ثم إن هذا مما لا غرض لأهل الكتاب في افترائه على الأنبياء بل المعروف من حالهم كراهة وجود ذلك في كتبهم وكتمانه وتأويله كما قد رأيت ذلك مما شاء الله من علمائهم ومع هذا الحال يمتنع أن يكذبوا كلامًا يثبتونه في ضمن التوراة
[ ٦ / ٤٥١ ]
وغيرها وهم يكرهون وجوده عندهم وإن قيل الكاره لذلك غير الكاتب له فيقال هو موجود في جميع النسخ الموجودة في الزمان القديم في جميع الأعصار والأمصار من عهد النبي ﷺ وأيضًا فمن المعلوم أن هذه النسخ الموجودة اليوم بالتوراة ونحوها قد كانت موجودة على عهد النبي ﷺ فلو كان ما فيها من الصفات كذبًا وافتراءً ووصفًا لله بما يجب تنزيهه عنه كالشركاء والأولاد لكان إنكار ذلك عليهم موجودًا في كلام النبي ﷺ أو الصحابة أو التابعين كما أنكروا عليهم مادون ذلك وقد عابهم الله في القرآن بما دون ذلك مما هو دون ذلك فلو كان هذا عيبًا لكان عيب الله لهم أعظم وذمهم عليه أشد
[ ٦ / ٤٥٢ ]
الوجه التاسع إبطال أعيان التأويلات التي ذكرها فأما قوله في الوجه الأول أنه لم يغير خلقة آدم ولم يمسخها كما مسخ غيره كالحية والطاووس قيل خلق آدم على صورة آدم فيقال له العبارة المعروفة عن هذا المعنى أن يقال أبقى آدم على صورته أو تركه على صورته أو لم يغير صورة آدم لا يقال خلقه على صورة نفسه فإن هذا اللفظ لا يستعمل في مثل ذلك المعنى ألا ترى أن الله لما مسخ بعض بني إسرائيل كالذين قال لهم كونوا قردة خاسئين كما قال وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ [المائدة ٦٠] وأنجى الذين كانوا ينهون عن المنكر فإنه
[ ٦ / ٤٥٣ ]
لا يقال خلق هؤلاء على صورهم بل يقال أبقاهم على صورهم أو أبقى صورهم أو لم يمسخهم وهذا لما تقدم من أن هذا اللفظ لا يقال إلا فيما تقدمت الصورة على خلقه لا فيما تأخرت وأيضًا فهذا من الأمر المعروف الظاهر لكل أحد أن مضمونه أن صورة آدم كانت كهذه الصور لم تمسخ وما من الناس إلا من يعرف هذا كما يعرف آدم فقول القائل لهذا كقوله إن آدم كان له وجه وعينان وأذنان ويدان وساقان وهذا من الكلام السمج وأيضًا فالإخبار بما ذكره من مسخ غير آدم غير معلوم ولا مذكور
[ ٦ / ٤٥٤ ]
وأيضًا فإن الله تعالى قد أخبر أنه تاب على آدم واجتباه وهو في الجنة قبل إهباطه إلى الأرض فزال عنه العقاب قبل هبوطه وأما التأويل الثاني وقوله إن فيه إبطال قول الدهرية الذين يقولون إن الإنسان لا يتولد إلا من نطفة ودم الطمث فيقال له قد أخبر الله في كتابه أنه خلق آدم من الماء والتراب ومن الطين ومن الحمأ المسنون وهذه نصوص ظاهرات متواترات بسمعها العام والخاص تبين أنه لم يخلق من نطفة ودم طمث وتبطل هذا القول إبطالًا بينًا معلومًا بالاضطرار فأما قول القائل إن آدم خلق على صورة آدم فليس في هذا القول دلالة على نفي كونه مخلوقًا من غيره أصلًا
[ ٦ / ٤٥٥ ]
وقوله خلق آدم على صورته ابتداء من غير تقدم نطفة ثم علقة ومضغة يقال له خلق بعد تقدم تراب وطين وصلصال ودلالة اللفظ على نفي هذا المتقدم كدلالته على نفي ذلك المتقدم فإن كان قوله خلق آدم على صورة آدم يقتضي خلقه ابتداء من غير تنقل أحوال فهو ينفي الأمرين وإلا فهو ينفي لا هذا ولا هذا وهذا التخليط إنما وقع لكون الصورة التي خلق عليها جعلوها متأخرة عن الخلق وهو خلاف مدلول اللفظ وأما التأويل الثالث وقوله إن الإنسان لا يتكون في مدة أطول من مدد بنيه وبواسطة الأفلاك والعناصر فقوله خلق آدم على صورة آدم أي من غير هذه الوسائط والمقصود منه الرد على الفلاسفة فيقال هذا أظهر بطلانًا من الأول فإن آدم ﵇ لم يتكون إلا في مدة أطول من مدد بنيه ومن مادة أعظم من مواد بنيه فإن الله خلقه من التراب والماء وجعله صلصالًا وهذه
[ ٦ / ٤٥٦ ]
هي العناصر وأيضًا فإنه أبقي أربعين عامًا قبل نفخ الروح فيه وولده إنما يبقون أربعة أشهر قال تعالى هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) [الإنسان ١] وأيضًا فاللفظ لا يدل على نفي ذلك بوجه من الوجوه لا حقيقة ولا مجازًا بل هذه الدلالة من جنس ما تدعيه غالية الرافضة ونحوهم من جهال الزنادقة أن قول إِمَامٍ مُبِينٍ هو علي بن أبي طالب بل ربما هذا أقوى فإن لفظ الإمام فيه
[ ٦ / ٤٥٧ ]
اشتراك وإلا فكون الشيء خلق على صورة نفسه المتقدمة أو المتأخرة أي شيء فيه مما ينفي كونه في مدة وخلق من مادة ثم إن هذا المؤسس مع كونه يحمل كلام النبي ﷺ على رفع تأثير الأفلاك والعناصر ردًّا على الفلاسفة يقرر في كتب له أخرى دلالة القرآن على تأثير الأفلاك والكواكب تارة عملًا بما يأمر به المنجمون من الأخبار وتارة أمرًا بما يأمر به السحرة المشركون من عبادتهم فقد جعل كلام الله ورسوله متناقضًا حيث أثبت ذلك ونفاه ثم إنه في جانب الإثبات يغلو حتى يأمر بما هو محرم بل كفر بإجماع المسلمين وفي جانب النفي يغلو حتى يمنع كونها أسبابًا كسائر الأسباب وهذا من أعظم التناقض في ما جاء به الرسول ومن جهة المعقول وأما التأويل الرابع فقوله المقصود منه بيان أن هذه الصورة الإنسانية إنما حصلت بتخليق الله لا بتأثير القوة المصورة يقال له إن كان اللفظ دالًاّ على ذلك
[ ٦ / ٤٥٨ ]
فإنما يدل عليه قوله خلق الله آدم كما ذكر ذلك في القرآن في غير موضع إذ قوله على صورته لا يتعرض لذلك وإن لم يكن دالًاّ عليه فهو باطل وعلى التقديرين فدعوى أن قوله على صورته بغير القوى الطبيعية دعوى باطلة ويقال له ثانيًا إخبار الله تعالى بأنه خلق آدم وهو الخالق أظهر وأشهر في القرآن وعند العامة والخاصة من أن يكون المستفاد منه يحتاج إلى قوله على صورته ويقال له ثالثًا أي شيء في قوله على صورته ما يمنع هذه القوى ويقال له رابعًا ومن الذي يمنع وجود هذه القوى والطبائع وأن الله هو خلقها وخلق بها كما أخبر في غير موضع من كتابه أنه يحدث الأشياء بعضها ببعض كما في قوله تعالى فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ [الأعراف ٥٧] ومن أعظم الضلال جحود ما يوجد في المخلوقات
[ ٦ / ٤٥٩ ]
وما أخبر الله به في كتابه وجعل ذلك تأويل الأحاديث مع دعوى المدعي أنه يرد بذلك على الدهرية والفلاسفة والأطباء والمشبهة وهو قد أضحك العقلاء على عقله بما جحده من الحسيات والمعقولات وألحد في آيات الله بما افتراه من التأويلات وأخبر عن الرسول أنه أخبر بجحد الموجودات مع أن لفظه ﷺ من أبعد شيء عن هذه الترهات وأما التأويل الخامس فقوله إن الصورة تذكر ويراد بها الصفة يقال شرحت له صورة هذه الواقعة وذكرت له صورة هذه المسألة والمراد أن الله تعالى خلق آدم من أول الأمر كاملًا تامًّا في علمه وقدرته أو كونه سعيدًا عارفًا تائبًا فيقال له الصورة هي الصورة الموجودة في الخارج
[ ٦ / ٤٦٠ ]
ولفظ ص ور يدل على ذلك وما من موجود م الموجودات إلا له صورة في الخارج وما يكون من الوقائع يشتمل على أمور كثيرة لها صورة موجودة وكذلك المسؤول عنه من الحوادث وغيرها له صورة موجودة في الخارج ثم تكون الصورة الموجودة ترتسم في النفس وقد تسمى صورة ذهنية فقوله شرحت له صورة الواقعة وأخبرني بصورة المسألة إما أن يكون المراد به الصورة الخارجية أو الصورة الذهنية وأما الصفة فهي في الأصل مصدر وصفت الشيء أصفه وصفًا وصفة ثم يسمون المفعول باسم المصدر سنة جارية لهم فيقولون لما يوصف به من المعاني صفة ثم قد يغلب أحد اللفظين في بعض الاصطلاحات كما اصطلح طائفة من الناس على أن جعلوا الوصف اسمًا للقول والصفة اسمًا للمعنى كما أن طائفة أخرى جعلوا الجميع اسمًا للقول والتحقيق أن كلا منهما يدل على هذا والواصف للشيء لا يصفه حتى يعلمه فيرتسم مثاله في نفسه ومن هنا يقام
[ ٦ / ٤٦١ ]
الدليل مقام الصفة كما قد قيل في قوله تعالى مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ [الرعد ٣٥] قال بعضهم أي صفة الجنة التي وعد المتقون وإذا كان ما في النفس من العلم بالشيء يسمى مثلًا له وصفة فالصورة الذهنية هي المثل الذي يسمى أيضًا صفة ومثلًا ولهذا يقال تصورت الشيء وتمثلت الشيء وتخيلته إذا صار في نفسك صورته ومثاله وخياله كما يسمى مثاله الخارج صورة كما قال النبي ﷺ لعن الله المصورين وقال من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ وقال لا تدخل الملائكة بيتًا فيه
[ ٦ / ٤٦٢ ]
صورة كما يسمى ذلك تمثالًا في مثل قول علي بعثني رسول الله ﷺ فأمرني ألا أدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرًا
[ ٦ / ٤٦٣ ]
مشرفًا إلا سويته وقال العلماء كابن عباس وعكرمة واحمد وغيرهم الصورة هي الرأس فإذا قطع الرأس لم تبق صورة ولهذا قال ابن عباس لمن استفتاه إن كنت مصورًا فصور الشجر وما لا روح فيه
[ ٦ / ٤٦٤ ]
وسيأتي في الصحيحين من حديث القيامة قال فيه ويحرم الله صورهم على النار هذا في حديث أبي سعيد وفي حديث أبي هريرة حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود وقال تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ
[ ٦ / ٤٦٥ ]
اسْجُدُوا لِآدَمَ [الأعراق ١١] وقال تعالى اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [غافر ٦٤] وقال يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) [الانفطار ٦-٨] وقوله إن لفظ الصورة يذكر ويراد به الصفة إن أراد له أن الصورة توصف بالقول وأن لفظ الصورة يراد به ما يوصف بالقول من الصورة الخارجية أو ما يطابقه من الصور الذهنية فهذا قريب ولكن هذا يوجب أن لفظ الصورة لابد له من صورة خارجية وإن طابقها الصورة الذهنية وإن أراد به أن لفظ الصفة قد لا يراد به إلا ما يقوم بالأعيان من المعاني كالعلم والقدرة فهذا باطل لا يوجد في الكلام أن قول القائل صورة فلان يراد بها مجرد الصفات القائمة به من العلم والقدرة ونحو ذلك بل هذا من
[ ٦ / ٤٦٦ ]
البهتان على اللغة وأهلها وأيضًا فقول القائل خلق آدم على صورة آدم بمعنى على صفة آدم لا يدل على أنه خلق على صفات الكمال ابتداء ولو أريد بالصورة ما يتأخر عن وجوده فإن المخلوق على صفة من الصفات يخلق عليها في مدة وفي غير مدة يبين ذلك أنه جعل أحد المحملين كونه خلق عارفًا تائبًا مقبولًا عند الله ومعلوم أن هذه الصفة تأخر وجودها عن ابتداء خلقه فإن التوبة كانت بعد الذنب فإذا كان لا ينافي كونه مخلوقًا عليها فكذلك لا ينافي كونه مخلوقًا على صفة العلم والقدرة وإن تأخر ذلك عن وجوده وإذا كان كذلك فلا فرق بينه وبين غيره أيضًا فهذا الذي ذكره من معنى الخبر باطل فإن آدم لم يُجعل ابتداء على صفة الكمال بل بعد أن خلقه الله تعالى علَّمه الأسماء التي لم يكن بها عالمًا كما علم بنيه البيان بعد أن خلقهم
[ ٦ / ٤٦٧ ]
فهذه التأويلات التي هي ذكر دلالة اللفظ على معنى من المعاني تارة يكون المعنى باطلًا وتارة يكون اللفظ غير دال عليه وتارة يكون اللفظ دالًاّ على نقيضه وضده وتارة يجتمع من ذلك ما يجتمع وهذا شأن أهل التحريف والإلحاد نعوذ بالله من الغي والزيغ ونسأله الهدى والسداد وهذه التأويلات وإن كان المؤسس مسبوقًا بها وهو إن كان قد نقل منها ما نقله من كتاب أبي بكر بن فورك ونحوه وهم أيضًا مسبوقون بأمثالها فقد كان من هو أقدم منهم يذكر من التأويلات ما هو أمثل من ذلك إذ كل ما تقدم الزمان كان الناس أقرب إلى السداد في الثبوتات والقياسات الشرعيات والعقليات وكان قدماء الجهمية أعلم بما جاء به الرسول وأحسن تأويلًا من هؤلاء كما تقدم فيما ذكره عن المروذي عن أحمد أنه ذكر له عن بعض المحدثين بالبصرة أنه
[ ٦ / ٤٦٨ ]
قال قول النبي ﷺ خلق الله آدم على صورته قال صورة الطين قال هذا جهمي وقال نسلم الخبر كما جاء فأخبر أحمد أن هذا جهمي كما أن من قال على صورة الأرحام فهو جهمي لأن الجهمية هم الذين ينكرون الصفات ويتأولون ما ورد في ذلك من الأخبار والآيات وهذا التأويل أجود مما تقدم فإن قوله على صورة آدم يقتضي أن يكون لآدم صورة خلق عليها وتلك هي صورة الطين فإن الله صور آدم طينًا حتى يبس فصار صلصالًا ثم نفخ فيه الروح ومراد هؤلاء أنه خلقه على تلك الصورة المصنوعة من الطين لكن هذا أيضًا فاسد فإن قول القائل خلق على تلك الصورة يقتضي أن تكون له صورة أخرى خلقت على تلك الصورة وآدم هو بعينه تلك الصورة التي خلق فيها الروح بل تصويره هو خلقه من تراب ثم من طين كما قال تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف ١١] فقدم الخلق على التصوير فكيف تكون الصورة التي لآدم
[ ٦ / ٤٦٩ ]
سابقة على الخلق حتى يقال خلق آدم على تلك الصورة وأيضًا لو أريد أنه خلق من صورة الطين بعينها لا من أبوين ولا يجوز ذلك لقيل كما قال الله تعالى مِنْ تُرَابٍ وقال إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) [ص ٧١] وقال إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) [الحجر ٢٨] وكذلك إذا تأوله متأول على الصورة المقدرة له وهي ما سبق له في علم الله وكلامه وكتابه أي خلق آدم على الصورة التي قدرها له فإن الله وإن كان خلق كل شيء على ما سبق من تقديره فلا يصح تأويل الحديث على هذا لأن جميع الأشياء خلقها الله تعالى على ما قدره فلا اختصاص لآدم بذلك وأيضًا فإنه لا يصلح أن يقول لا تقبحوا الوجه ولا يقل أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على ما قدره فإن الوجه وسائر الأعضاء بل وسائر المخلوقات خلقها على ذلك فينبغي أن لا يصلح تقبيح شيء من الأشياء ألبتة لعموم العلة وأيضًا فإن قوله ووجه من أشبه وجهك يمنع أن
[ ٦ / ٤٧٠ ]
يكون المراد التقدير وأيضًا فإن هذه العلة لا تصلح أن تكون مانعة من التقبيح وأيضًا فإن قوله إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته يمنع أن يكون المراد به التقدير فإن ذلك لا يختص بالوجه ولا بآدم ولا يصلح أن يعلل به منع ضرب الوجه ولو علل به وجب أن لا يضرب شيء من الأشياء وأيضًا فقوله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعًا إلى قوله فكل من يدخل الجنة يدخلها على صورة آدم صريح في أنه أراد صورة آدم المخلوقة لا المقدرة وأيضًا فتسمية ما قدر صورة ليس له أصل في كلام الله وكلام رسوله فليس في هذا الخطاب أن صور الأشياء ثابتة في علم الله أو تقديره وإن كان من المتأخرين من يقول لفلان عند فلان صورة عظيمة وهذا الأمر مصور في نفسي لكن مثل هذا الخطاب لا يجوز أن يحمل عليه كلام الرسول ﷺ إلا أن يكون ذلك من لغته التي خاطب بها أمته
[ ٦ / ٤٧١ ]
فصل وأما التأويلات الثلاثة التي ذكرها في الطريق الثالث فالكلام في إبطالها فقط إذ لفظ الحديث مع سائر الأحاديث موافقة لهذه الطريق كما جاء على صورته وعلى صورة الرحمن وعلى صورتي أما التأويل الأول وهو وقوله المراد من الصورة الصفة كما بيناه فيكون المعنى أن آدم امتاز عن سائر الأشخاص
[ ٦ / ٤٧٢ ]
والأجسام بكونه عالمًا بالمعقولات قادرًا على استنباط الحرف والصناعات وهذه صفات شريفة مناسبة لصفات الله تعالى من بعض الوجوه فصح قوله إن الله خلق آدم على صورته على هذا التأويل فالكلام عليه من وجوه أحدها أنه تقدم أن لفظ الصفة سواء عني به القول الذي يوصف به الشيء وما يدخل في ذلك من المثال العلمي الذهني أو أريد به المعاني القائمة بالموصوف فإن لفظ الصورة لا يجوز أن يقتصر به على ذلك بل لا يكون لفظ الصورة إلا لصورة موجودة في الخارج أو لما يطابقها من العلم والقول وذلك المطابق يسمى صفة ويسمى صورة وأما الحقيقة الخارجية فلا تسمى صفة كما أن المعاني القائمة بالموصوف لا تسمى وحدها صورة وإذا كان كذلك فقوله على صورته لابد أن يدل على الصورة الموجودة في
[ ٦ / ٤٧٣ ]
الخارج والقائمة بنفسها التي ليست مجرد المعاني القائمة بها من العلم والقدرة وإن كان لتلك صورة وصفة ذهنية إذ وجود هذه الصور الذهنية مستلزمة لوجود تلك وإلا كان جهلًا لا علمًا فسواء عنى بالصورة الصورة الخارجة أو العلمية لا يجوز أن يراد به مجرد المعنى القائم بالذات والمثال العلمي المطابق لذلك الوجه الثاني أن قوله إن آدم امتاز عن سائر الأشخاص والأجسام بالعلم والقدرة إن أراد به امتياز عن بنيه فليس كذلك وإن أراد به امتيازه عن الملائكة والجن فهو لم يتميز بنفس العلم والقدرة فإن الملائكة قد تعلم ما لا يعلمه آدم كما أنها تقدر على ما لا يقدر عليه وإن كان هو أيضًا علمه الله ما لم تكن الملائكة تعلمه لاسيما عند جمهور الجهمية من المعتزلة والمتفلسفة ونحوهم الذين يزعمون أن الملائكة أفضل من الأنبياء ونهو أحد أقوال هذا المؤسس وسواء كان الأنبياء أفضل أو الملائكة فلا ريب
[ ٦ / ٤٧٤ ]
أنه لم يتميز أحدهمَا عن الآخر بجنس العلم والقدرة لكن بعلم خاص وقدرة خاصة وأيضًا فأهل السنة الذين يقولون الأنبياء والأولياء أفضل من الملائكة لا يقولون إنهم خلقوا على صفة الكمال التي هم بها أفضل من الملائكة بل يقولون إن الله ينقلهم من حال إلى حال حتى يكونوا في نهايتهم أفضل من الملائكة في نهايتهم فقد ثبت باتفاق الطوائف أن آدم لم يخلق على صفة من العلم والقدرة امتاز بها عن سائر الأشخاص والأجسام بل في الأشخاص والأجسام من كان امتيازه عن آدم بالعلم والقدرة أكثر الوجه الثالث أن يقال المشاركة في بعض الصفات واللوازم البعيدة إما أن تصحح قول القائل إن الله خلق ذلك الموصوف على صورة الله أو لا تصحح ذلك فإن لم تصحح ذلك بطل قولك إن خلق آدم على هذه الصفات التي جعلتها بعض اللوازم يصحح قوله إن الله خلق آدم على
[ ٦ / ٤٧٥ ]
صورة الرحمن وإن كانت تلك المشاركة تصحح هذا الإطلاق صح أن يقال إن الله خلق كل ملك من الملائكة على صورته بل خلق كل حي على صورته بل ما من شيء من الأشياء إلا وهو يشاركه في بعض اللوازم البعيدة ولو أنه القيام بالنفس وحمل الصفات فيصح أن يقال في كل جسم وجوهر إن الله خلقه على صورته على هذا التقدير الوجه الرابع أن لفظ الحديث إذا قاتل أحدكم أو ضرب أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته فنهى عن ضرب الوجه لأن الله خلق آدم على صورته فلو كان المراد مجرد خلقه عالمًا قادرًا ونحو ذلك لم يكن للوجه بذلك اختصاص بل لابد أن يريد الصورة التي يدخل فيها الوجه الوجه الخامس الحديث الآخر لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته فنهى عن تقبيح الوجه المشبه لوجه آدم لأن الله خلق آدم على صورته وهذا يقتضي أنه نهى عن ذلك لتناوله لله وأن أدخل وجه ابن آدم فيما خلقه الله على صورته فإن قيل هذا تصريح بأن وجه الله يشبه وجه الإنسان كما
[ ٦ / ٤٧٦ ]
ورد صورة الإنسان على صورة الرحمن فالجواب أن هذا أيضًا لازم للمنازع ولهذا أورده وأجاب عنه فقال فإن قيل المشاركة في صفات الكمال تقتضي المشاركة في الإلهية قلنا المشاركة في بعض اللوازم البعيدة مع حصول المخالفة في الأمور الكثيرة لا تقتضي المشاركة في الإلهية قال ولهذا المعنى قال الله تعالى وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [الروم ٢٧] وقال ﷺ تخلقوا بأخلاق الله ومن المعلوم أن المشابهة هي المشاركة في صفات الكمال التي هي العلم والقدرة أعظم من المشابهة والمشاركة في مجرد مسمى الوجه وأيضًا فهذا المؤسس قد ذكر في أجلِّ كتبه الذي سماه نهاية العقول في دراية الأصول في مسألة تكفير المخالفين
[ ٦ / ٤٧٧ ]
من أهل القبلة في حجة من كفر المشبهة قال ورابعها أن الأمة مجمعة على أن المشبه كافر ثم المشبه لا يخلو إما أن يكون هو الذي يذهب إلى كون الله مشبهًا بخلقه من الوجوه أو ليس كذلك والأول باطل لأن أحدًا من العقلاء لم يذهب إلى ذلك ولا يجوز أن يجمعوا على تكفير من لا وجود له بل المشبه هو الذي يثبت الإله تعالى على صفة يشبهه معها بخلقه والمجسم كذلك لأنه إذا أثبته جسمًا مخصوصًا لحيز معين فإنه يشبهه بالأجسام المحدثة فثبت أن المجسم مشبه وكل مشبه كافر بالإجماع
[ ٦ / ٤٧٨ ]
فالمجسم كافر ثم قال في الجواب عن ذلك لأنه نصر عدم تكفير أهل القبلة قوله المجسم مشبه والمشبه كافر قلنا إن عنيتم بالمشبه من يكون قائلًا بكون الله شبيهًا بخلقه من كل الوجوه فلا شك في كفره لكن المجسمة لا يقولون بذلك فلا يلزم قولهم بالتجسيم قولهم بذلك ألا ترى أن الشمس والقمر والنمل والبق أجسام ولا يلزم من اعترافنا باشتراكهما في الجسمية كوننا مشبهين للشمس والقمر بالنمل والبق وإن عنيتم بالمشبهة من يقول بكون الله شبيهًا بخلقه من بعض الوجوه فهذا لا يقتضي الكفر لأن المسلمين اتفقوا على أنه موجود شيء وعالم وقادر والحيوانات أيضًا كذلك وذلك لا يوجب الكفر وإن عنيتم بالمشبه من يقول الإله جسم مختص بالمكان فلا نسلم انعقاد الإجماع
[ ٦ / ٤٧٩ ]
على تكفير من يقول بذلك بل هو دعوى للإجماع في محل النزاع فلا يلتفت إليه وهذا تصريح منه بأن القول بكون الله شبيهًا بخلقه من بعض الوجوه داخل في قول كل المسلمين ور ريب أن كل موجودين فلابد أن يتفقا في شيء يشتركان فيه وإن كان أحدهما أكمل فيه وأولى به من الآخر وإلا فإذا قدر أنهما لا يتفقان في شيء أصلًا ولا يشتركان فيه لم يكونا موجودين وهذا معلوم بالفطرة البديهية التي لا يتنازع فيها العقلاء الذين يفهمونها وهذا الكلام قد نبهنا عليه غير مرة في هذا وفي الأجوبة المصرية وفي جواب المسألة الصرخدية وغير ذلك في بيان شبهة التركيب والتجسيم وشبهة التشبيه والاتفاق والاشتراك بين الموجودين يكون في مراتب الوجود الأربعة
[ ٦ / ٤٨٠ ]
الحقيقي الخارجي العيني إذا كان هذا موجودًا ثابتًا وهذا موجود ثابت وهذا قائم بنفسه وهذا موصوف بالصفات وهذا موصوف بالصفات وهذا متميز من غيره باين منه وهذا متميز عن غيره باين منه وهذا حي وهذا حي وهذا عليم وهذا عليم وهذا قدير وهذا قدير وهذا سميع وهذا سميع وهذا بصير وهذا بصير وهذا رؤوف رحيم وهذا رؤوف رحيم وهذا عظيم كبير وهذا عظيم كبير وهذا صمد وهذا صمد وهذا واحد وهذا واحد وبينا أن الموجودين في الخارج لا يشارك أحدهما الآخر في نفسه ووجوده وماهيته بل كل منهما مختص بذلك بائن بذاته لكن يشبه أحدهما الآخر شبهًا قليلًا أو كثيرًا صغيرًا أو كبيرًا بعيدًا أو قريبًا وإنما يشتبهان في شيء وذلك الشيء الذي
[ ٦ / ٤٨١ ]
يشتبهان فيه هو الذي يشتركان فيه وهو المعنى الكلي وهو بعينه لا يوجد في الخارج مجردًا عنهما وإنما يوجد في هذا حصة منه وفي هذا حصة منه فهو بوصف العموم لا يوجد في الخارج وبوصف الخصوص يوجد في الخارج أما بوصف الإطلاق المقابل للتقييد فلا يوجد في الخارج فليس في الخارج مطلق غير مقيد وأما بوصف الإطلاق حتى عن التقييد وهو المطلق الذي يمنع كونه مقيدًا فقد يقال في ذلك إنه موجود في الخارج لكن هو موجود مع كونه مقيدًا لا موجودًا مطلقًا غير مقيد وكذلك في الحي والحي والعالم والعالم لابد من نوع اشتباه هو الاشتراك في المرتبة الثانية وهي المرتبة العلمية يقوم في نفس العالم معنى عام كلي يعم هذا وهذا كما يقوم في نفسه المعنى المطلق والمعنى الخاص فذلك المعنى العام يقال له المعنى المشترك وهو الذي اشتبها
[ ٦ / ٤٨٢ ]
فيه ثم في المرتبة الثالثة والرابعة يكون اللفظ بالاسم والخط مطابقًا لهذا المعنى العلمي فيقال في الاسم العام الذي يجب الاشتراك فيه الموجود ينقسم إلى واجب وممكن والحي ينقسم إلى واجب وممكن ونحو ذلك إذ مورد التقسيم مشترك بين الأقسام ويقال في المطلق الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وإن لم يوجب الاشتراك الموجود قد يكون واجبًا وقد يكون ممكنًا والموجود يقال للواجب والممكن وكذلك الحي والعليم والقدير ويقال في الخاص هذا الموجود وهذا الحي وأسماء الله كلها خاصة به ولكن إذا جردت عن أداة التخصيص لفظًا أو قصدًا أمكن في بعضها أن تجعل مطلقة وعامة كالعليم والسميع والبصير والحي ونحو ذلك ولم يكن ذلك في بعضها ولهذا جعلها الفقهاء في باب الأيمان ثلاثة أقسام قسمًا مختصًّا بالله لا يجوز أن يسمى به غيره كاسم الله ورب العالمين فهذا نص وقسمًا هو ظاهر في حق الله لكن يجوز أن يسمى به غيره مع القرينة فهذا أيضًا يمين عند الإطلاق وبالنية
[ ٦ / ٤٨٣ ]
نفي التشبيه من كل وجه هو الجحود والتعطيل لرب العالمين
وقد لا يكون يمينًا كالحي والصمد وقسمًا ليس هو ظاهرًا في حق الله بل هو مجمل مشترك ويقال له وللمخلوق مثل اسم الموجود ونحوه فهذا القسم لا يكون يمينًا عند الإطلاق وإن قصد به الله فهل يكون يمينًا على قولين مشهورين أحدهما يكون يمينًا وهو ظاهر مذهب أحمد فتنعقد اليمين عندهم بالصريح والكناية والثاني لا يكون يمينًا وهو ظاهر مذهب الشافعي وقول في مذهب أحمد لأن اليمين لا تنعقد عند هؤلاء بالكناية وإذا كان الأمر كذلك علم أن نفي التشبيه من كل وجه هو التعطيل والجحود لرب العالمين كما عليه المسلمون متفقون كما أن إثباته مطلقًا هو جعل الأنداد لرب العالمين لكن من الناس من لا يفهم هذا ولا يعتقد أن لفظ التشبيه يدل على التمثيل المنفي عن الله إذ لفظ التشبيه فيه عموم وخصوص كما سنبينه ومن هنا ضل فيه أكثر الناس إذ ليس له حد محدود وما هو منتفٍ بالاتفاق بين المسلمين بل بين أهلل الملل كلهم بل بين جميع العقلاء المقرين بالله معلوم بالضرورة
[ ٦ / ٤٨٤ ]
لفظ التشبيه لم يرد في الكتاب والسنة
العقل ومنه ما هو ثابت بالاتفاق بين المسلمين بل بين أهل الملل كلهم بل بين جميع العقلاء للتقرير بالصانع فلما كان لفظ التشبيه يقال على ما يجب انتفاؤه وعلى ما يجب إثباته لم يرد الكتاب والسنة به مطلقًا لا في نفي ولا إثبات ولكن جاءت النصوص في النفي بلفظ المثل والكفو والند والسمي وجاء لفظ الشبه في الإثبات مقيدًا في كلام أصحاب النبي ﷺ وتابعيهم كما روى عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا أبو الهلال الراسبي أن عبيد الله بن رواحة قال
[ ٦ / ٤٨٥ ]
للحسن هل تصف ربك قال نعم بغير مثال قال وحدثنا سلمان بن سليمان قال حدثنا
[ ٦ / ٤٨٦ ]
شعبة عن أبي جمرة عن ابن عباس قال ليس لله مثل وقد بسطنا الكلام على هذا في الأجوبة المصرية وبينا أن الله ليس كمثله شيء بوجه من الوجوه فيجب أن ينفى عنه المثل مطلقًا ومقيدًا وكذلك الند والكفو والشريك ونحو ذلك من الأسماء التي جاء القرآن بنفيها وذكرنا من أدلة ذلك أن الله تعالى لما نفى المثل عن نفسه بقوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ
[ ٦ / ٤٨٧ ]
شَيْءٌ [الشورى ١١] والسمي بقوله هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) [مريم ٦٥] والند بقوله فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا [البقرة ٢٢] والكفو بقوله وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) [الإخلاص ٤] والشريك والعديل والمساوي بقوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) [يونس ١٨] ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) [الأنعام ١] إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) [الشعراء ٩٧-٩٨] فلا يخلو إما أن يكون النفي من ذلك مختصًّا بالمماثل له من كل وجه وهو المكافئ له من كل وجه فقط والمساوي والمعادل له والمكافئ له من كل وجه أو يكون النفي عامًا في المماثل ولو من بعض الوجوه والمكافئ ولو من بعض الوجوه ولا يجوز أن يكون النفي مختصًّا بالقسم الأول لأن هذا لم يعتقده أحد من البشر وهو سبحانه ذم ونهى عما هو موجود في البشر ولأن النبي ﷺ قال له رجل ما شاء الله وشئت قال أجعلتني لله ندًّا بل ما شاء الله
[ ٦ / ٤٨٨ ]
وحده فثبت أن هذه الأسماء المنفية تعم المثل والكفو والند والشريك والعديل ولو من بعض الوجوه وهذا هو الحق وذلك لأن المخلوقات وإن كان فيها شبه من بعض الوجوه في مثل معنى الموجود والحي والعليم والقدير فليس مماثلة بوجه من الوجوه ولا مكافأة له بل هو سبحانه له المثل الأعلى في كل ما يثبت له ولغيره ولما ينفى عنه وعن غيره لا يماثله غيره في إثبات شيء ولا في نفيه بل المثبت له من الصفات الوجودية المختصة بالله التي تعجز عقول البشر عن معرفتها وألسنتهم عن صفتها ما لا يعلمه إلا الله مما لا نسبة إلى
[ ٦ / ٤٨٩ ]
ما علموه من المر المشتبه المشترك إليه والمنفي عنه لابد أن يستلزم وصفًا ثبوتيًّا كما قررنا هذا في غير هذا الموضع ومنافاته لذلك المنفي وبعده عنه ومنافاة صفاته الوجودية له فيه من الاختصاص الذي لا يشركه فيه أحد ما لا يعلمه أيضًا إلا هو بخلاف لفظ التشبيه فإنه يقال على ما يشبه غيره ولو من بعض الوجوه البعيدة وهذا مما يجب القول به شرعًا وعقلًا بالاتفاق ولهذا لما عرف الأئمة ذلك وعرفوا حقيقة قول الجهمية وأن نفيهم لذلك من كل وجه مستلزم لتعطيل الصانع ووجوده كانوا يبينون ما في كلامهم من النفاق
[ ٦ / ٤٩٠ ]
والتعطيل ويمنعون عن إطلاق لفظهم العليل لما فهموه من مقصودهم وإن لم يفهمه أهل الجهل والتضليل مثل ما ذكره الإمام أحمد فيما خرجه في الرد على الجهمية وقد ذكرناه فيما تقدم قال فيه في وصف قول الجهم ووجد ثلاث آيات في القرآن من المتشابه قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى ١١] وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام ٣] ولَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ فبنى أصل كلامه على هؤلاء الآيات وتأول القرآن على غير تأويله وكذب بأحاديث رسول الله ﷺ وزعم أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله ﷺ كان كافرًا وكان من المشبهة
[ ٦ / ٤٩١ ]
وأضل بشرًا كثيرًا وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة ووضع دين الجهمية فإذا سأله الناس عن قول الله ﷿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى ١١] ما تفسيره يقول ليس كمثله شيء من الأشياء هو تحت الأرضين السبع كما هو على العرش لا يخلو منه مكان ولا يكون في مكان دون مكان ولا يتكلم ولا ينظر إليه أحد في الدنيا ولا ينظر إليه أحد في الآخرة ولا يوصف ولا يعرف بصفة ولا بفعل
[ ٦ / ٤٩٢ ]
ولا له غاية ولا منتهى ولا يدرك بعقل وهو وجه كله وهو علم كله وهو سمع كله وهو بصر كله وهو نور كله وهو قدرة كله ولا يكون فيه شيئان مختلفان ولا يوصف بوصفين مختلفين وليس له أعلى ولا أسفل ولا نواحي ولا جوانب ولا يمين ولا شمال ولا هو خفيف ولا ثقيل ولا له لون ولا له جسم وليس هو معلومًا وكل ما خطر على قلبك أنه شيء تعرفه فهو على خلافه فقلنا هو شيء فقالوا هو شيء لا كالأشياء فقلنا إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يثبتون شيئًا ولكن يدفعون عن أنفسهم الشنعة
[ ٦ / ٤٩٣ ]
بما يقرون في العلانية فإذا قيل لهم فمن تعبدون قالوا نعبد من يدبر أمر هذا الخلق فقلنا فهذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة قالوا نعم قلنا قد عرف المسلمون أنكم لا تثبتون شيئًا إنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون وقلنا لهم هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى قالوا لم يكلم ولا يتكلم لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة والجوارح عن الله منفية فإذا سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من أشد الناس تعظيمًا لله تعالى ولا يعلم أنهم إنما يقودون قومهم إلى الضلالة والكفر
[ ٦ / ٤٩٤ ]
وقد نقل أهل المقالات عن جهم أنه كان يقول إن الله شيء وهذا معنى ما ذكره أحمد فإنهم وإن أطلقوا أنه شيء لا كالأشياء فلم يريدوا أنه ليس بمثل لها فإن ذلك حق ولهذا لم ينكر أحمد قولهم ليس كمثله شيء من الأشياء لكن أرادوا نفي الشبه من كل وجه ومعناه شيء لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه ولهذا قال الإمام أحمد فقلنا إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يثبتون شيئًا فبين الإمام أحمد أنه يعلم بالمعقول الصريح الذي يشترك فيه العقلاء أن ما لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه لا شيء كما نقل الناس أن جهمًا يقوله ولهذا قال فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يثبتون شيئًا أي لجميع العقلاء فإن هذا لا يختص أهل السمع والكتاب بل يشترك فيه العقلاء كلهم فهذا سؤال عن كونه موجودًا ثم سألهم عن كونه معبودًا فإن هذا يختص به من يوجب عبادة الله وهم المسلمون قديمًا وحديثًا
[ ٦ / ٤٩٥ ]
قال فإذا قيل لهم من تعبدون قالوا نعبد من يدبر أمر هذا الخلق فقلنا هذا الذي يدبر أمر الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة قالوا نعم قلنا قد عرف المسلمون أنكم لا تثبتون شيئًا إنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون فهنا جعل الكلام مع المسلمين الذين يعبدون الله تعالى والعبادة متضمنة لقصد المعبود وإرادته والقصد والإرادة مستلزم لمعرفته والعلم به فلما قالوا نعبد من يدبر أمر هذا الخلق ثم قالوا هو مجهول لا يعرف بصفة فحينئذ تبين للمسلمين الذين يعبدون الله أنهم لا يثبتون شيئًا يعبدونه وإنما هم منافقون في ذلك لأن ما لا يعرف بصفة يمتنع أن يقصد فيعبد فعرف المسلمون بطلان قولهم أنهم يعبدون الله ويثبتونه كما عرف أهل العقل بطلان كونهم يقرون بوجوده ويثبتونه وهم الذين أنكروا أن يعرف بصفة فأنكروا صفاته مطلقًا وأنكروا أنه يشبه الأشياء بوجه من الوجوه فأنكروا بذلك وجوده
[ ٦ / ٤٩٦ ]
وكذلك ذكر محمد بن جرير الطبري في تاريخه لكن أرسل ذلك والله أعلم بحقيقته أنه لما قرئ على علماء بعداد من المحنة كتاب المأمون الذي دعا الناس فيه إلى التجهم فيه لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه أقر بذلك من أقر ب هواما أحمد فقال لا أقول لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه وهذا يبين كمال علمه ومعرفته بالأقوال المنافية لدين الإسلام واحترازه منها مع أن كثيرًا من الناس يطلق هذه العبارة ويريد بذلك نفي المماثلة ومقصوده صحيح وقد يريد به مل يجمع الحق والباطل أو يريد تنزيهًا مطلقًا لا يحصل معناه وهؤلاء لا يريدون حقيقة قول الجهمية ومما يبين ذلك أنه
[ ٦ / ٤٩٧ ]
ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين ولا الأكابر من أتباع التابعين ذم المشبهة وذم التشبيه أو نفي مذهب التشبيه ونحو ذلك وإنما اشتهر ذم هذا من جهة الجهمية كما ذكره الإمام أحمد ثم قابلهم قوم من أهل الإثبات والرافضة وغلاة أهل الحديث فزادوا في الإثبات حتى دخلوا في التمثيل المنفي في الكتاب والسنة وذلك تشبيه مذموم فذم بقايا تابعي التابعين ومن بعدهم من أئمة السنة هذا التشبيه وذموا المشبهة بهذا التفسير فصار لفظ المشبهة مذمومًا في كلام هؤلاء كما هو مذموم في كلام الجهمية لكن بين المعنيين فرق عظيم ولهذا كانوا يفسرون مرادهم ويقولون من أغرق في نفي التشبيه وذم المشبهة كان جهميًّا كما ذكره عبد الرحمن بن أبي حاتم وأبو القاسم اللالكائي عن عبد الرحمن بن عمر
[ ٦ / ٤٩٨ ]
الأصبهاني قال سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول لفتى من ولد جعفر بن سليمان مكانك فقعد حتى تفرق الناس ثم قال يا بني تعرف في هذه الكورة من الأهواء والاختلاف وكل ذلك يجري مني على بال وحتى
[ ٦ / ٤٩٩ ]
لا أمرك وما بلغني فإن الأمر لا يزال هينًا ما لم يصر إليكم يعني السلطان فإذا صار إليكم جل وعظم قال يا أبا سعيد وما ذاك قال بلغني أنك تتكلم في الرب تعالى وتصف وتشبه فقال الغلام نعم فأخذ ليتكلم في الصفة فقال رويدك يا بني حتى نتكلم أول شيء في المخلوق فإن عجزنا عن المخلوق فنحن عن الخالق أعجز وأعجز أخبرني عن حديث حدثنيه شعبة عن البناني قال سمعت زرًّا قال قال عبد الله في قوله لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨) قال رأى جبريل له ستمائة جناح قال نعم فعرف الحديث فقال عبد الرحمن صف لي خلقًا من خلق الله له ستمائة جناح فبقي الغلام ينظر إليه فقال عبد الرحمن
[ ٦ / ٥٠٠ ]
يا بني فإني أهوِّن عليك المسألة وأضع عنك خمسمائة وسبعًا وتسعين صف لي خلق ثلاثة أجنحة ركب الجناح الثلث منه موضعًا غير الموضعين اللذين ركبهما حتى أعلم فقال يا أبا سعيد نحن قد عجزنا عن صفة المخلوق ونحن عن صفة الخالق أعجز وأعجز فأشهدك أني قد رجعت عن ذلك وأستغفر الله وذكر أيضًا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث قال حدثنا سويد بن سعيد
[ ٦ / ٥٠١ ]
قال حدثنا علي بن عاصم قال تكلم داود الجواربي فضل في التشبيه فاجتمع فقهاء واسط منهم محمد بن زيد وخالد الطحان
[ ٦ / ٥٠٢ ]
وهشيم وغيرهم فأتوا الأمير وأخبروه بمقالته فأجمعوا على سفك دمه فمات في أيامه فلم يصلِّ عليه علماء واسط وذكر عبد الرحمن قال حدثنا أحمد بن سنان قال
[ ٦ / ٥٠٣ ]
سمعت شاذ بن يحيى الواسطي يقول كنت قاعدًا عند يزيد بن هارون فجاء رجل فقال يا أبا خالد ما تقول في الجهمية قال يُستتابون لأن الجهمية غلت فتفرعت في غلوها إلى أن نفت والمشبهة غلت فتفرعت في غلوها حتى مثلت فالجهمية يستتابون والمشبهة كذا رماهم بأمر عظيم وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة حدثني أبو بكر ابن صدقة قال سمعت أبا بكر بن أبي
[ ٦ / ٥٠٤ ]
عون يقول سمعت يزيد بن هارون يقول الجواربي والمريسي كافران وسمعت يزيد بن هارون وقد ذكر الجواربي فضربه مثلًا فقال أما داود الجواربي عبر جسر واسط يريد العيد فانقطع الجسر فغرق من كان عليه فخرج شيطان فقال أنا داود الجواربي وذكر عبد الرحمن حدثنا يوسف بن إسحاق حدثنا أحمد بن الوليد عن محمد بن عمرو بن بكيت قال سمعت وكيعًا
[ ٦ / ٥٠٥ ]
يقول وصف داود الجواربي الرب فكفر في صفته فرد عليه المريسي فكفر في رده عليه إذ قال هو في كل شيء وقال عبد الرحمن حدثنا عبد الله بن محمد بن الفضل الصدائى قال قال نعيم بن حماد من شبه الله بخلقه فقد كفر ومن انك ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه قال عبد الرحمن حدثنا أحمد بن سلمة قال سمعت إسحاق بن إبراهيم بن
[ ٦ / ٥٠٦ ]
راهوية يقول من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلقه فهو كافر بالله العظيم لأنه وصف لصفاته إنما هو استسلام لأمر الله ولما سن الرسول ﷺ قال وسمعت إسحاق يقول علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل الجماعة ما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة بل هم المعطلة ولو جاز أن يقال هم المشبهة لاحتمل ذلك وذلك أنهم يقولون إن الرب ﵎ في كل مكان بكماله في أسفل الأرضين وأعلى السموات على معنى واحد وكذبوا في ذلك ولزمهم الكفر قال عبد الرحمن سمعت أبي يقول علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة وعلامة القدرية
[ ٦ / ٥٠٧ ]
تسميتهم أهل السنة مجبرة وعلامة المعتزلة تسميتهم أهل السنة حشوية وعلامة الرافضة تسميتهم أهل السنة
[ ٦ / ٥٠٨ ]
ناصبة وقال أبو بكر الخلال في كتاب السنة أخبرني يوسف ابن موسى أن أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل قيل له ولا يشبه ربنا ﵎ شيئًا من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه قال نعم وليس كمثله شيء
[ ٦ / ٥٠٩ ]
قال الخلال وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلًا حدثه قال سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى أن الله ﵎ ينزل إلى سماء الدنيا وأن الله يرى وأن الله يضع قدمه وما أشبه هذه الأحاديث فقال أبو عبد الله نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى ولا نرد منها شيئًا ونعلم أن ما جاء به الرسول ﷺ حق إذا كانت بأسانيد
[ ٦ / ٥١٠ ]
صحاحا ولا يرد على الله تعالى قوله ولا يوصف الله تعالى بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية وليس كمثله شيء
[ ٦ / ٥١١ ]
وقال حنبل في موضع آخر قال ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف به نفسه فقد أجمل ﵎ بالصفة لنفسه فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء فعبد الله يصف الله غير محدود ولا معلوم إلا بما وصف به نفسه قال الله ﵎ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) [الشورى ١١] وقال حنبل في موضع آخر فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير ولا يبلغ الواصفون صفاته منه له ولا نتعدى القرآن والحديث فنقول كما قال ونصفه كما وصف نفسه ولا نتعدى ذلك ولا تبلغه صفة الواصفين نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه هذا كله يدل على أن الله ﵎ يرى في الآخرة والتحديد في هذا بدعة والتسليم لله
[ ٦ / ٥١٢ ]
بأمره بغير صفة ولا حد إلا ما وصف به نفسه سميع بصير لم يزل متكلمًا عالمًا غفورًا عالم الغيب والشهادة علام الغيوب فهذه صفات وصف بها نفسه لا تدفع ولا ترد وهو على العرش بلا حد كما قال ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ كيف شاء المشيئة إليه ﷿ والاستطاعة له لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) [الشورى ١١] وهو خالق كل شيء وهو كما وصف نفسه سميع بصير بلا حد ولا تقدير قول إبراهيم لأبيه يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ [مريم ٤٢] فثبت أن الله سميع بصير صفاته منه لا نتعدى القرآن والحديث والخبر يضحك الله ولا يعلم كيف ذلك إلاّ بتصديق الرسول ﵇ وتثبيت القرآن لا يصفه الواصفون ولا يحده أحد تعالى الله عما يقول الجهمية والمشبهة وقال لي أبو عبد الله قال لي إسحاق بن إبراهيم لما قرأ
[ ٦ / ٥١٣ ]
الكتاب بالمحنة تقول ليس كمثله شيء فقلت لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) [الشورى ١١] قال ما أردت بهذا قلت القرآن صفة من صفات الله تعالى وصف بها نفسه لا ننكر ذلك ولا نرده قلت له والمشبهة ما يقولون قال من قال بصر كبصري ويد كيدي قال حنبل في موضع آخر وقدم كقدمي فقد شبه الله تعالى بخلقه وهذا يحد وهو كلام سوء وهو محدود
[ ٦ / ٥١٤ ]
والكلام في هذا لا أحبه قال عبد الله جردوا القرآن وقال النبي ﷺ يضع قدمه نؤمن به ولا نحده ولا نرده على رسول الله ﷺ بل نؤمن به قال الله تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر ٧] فقد أمر الله ﷿ بالأخذ بما جاء والنهي عما نهى وأسماؤه وصفاته غير مخلوقة ونعوذ بالله من الزلل والارتياب والشك إنه على كل شيء قدير قال وزاد أبو القاسم الجبلي عن حنبل في هذا الكلام
[ ٦ / ٥١٥ ]
الفرق بين العلو والاستواء
وقال ﵎ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ - هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الحشر ٢٣] هذه صفات الله ﷿ وأسماؤه ﵎ والذي جاء به الشرع في هذا النص من قوله خلق آدم على صورته ونحوه فإنه أخص مما يعلم بمجرد العقل من ثبوت القدر المشترك بينه وبين كل موجود أو كل حي فإن هذا المدلول عليه بالنص لا يعلم بالعقل والقياس وإنما يعلم أصل ذلك مجملًا وهذا كما ذكر في مسألة العلو أن العقول يعرف بها أن الله تعالى فوق خلقه وأما استواؤه على العرش بعد خلق السموات والأرض في ستة أيام فهذا إنما يعلم بالسمع هذا مما
[ ٦ / ٥١٦ ]
اتفق عليه أئمة المسلمين وسائر أهل السنة والجماعة أن العلم بكونه فوق العالم فطري عقلي وأما العلم باستوائه على العرش فسمعي شرعي وكذلك أئمة متكلمة الصفاتية مثل أبي محمد بن عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبي العباس القلانسي وغيرهما وكلام الأشعري الذي رأيناه يدل على ذلك أيضًا وإن كان ابن فورك جعل ذلك خلافًا بينه وبين ابن كلاب فقد بينا غلطه في ذلك والمقصود أن العلو عقلي والاستواء سمعي فإن الرسل صلوات الله عليهم وسلامه أخبر الله على ألسنتهم بما تقصر العقول عن دركه وإن كان ذلك من المعروف الذي يعرف
[ ٦ / ٥١٧ ]
بالمعقول أصله ويعرف على سبيل الإجمال كما أن ما أمروا به كذلك هو معروف في العقول في الجملة لكن تفاصيل المأمور به لا تعرف إلا بالشرع المسموع ومعلوم أن هذا الذي جاءت به السنة من ثبوت هذا الشبه من بعض الوجوه والله هو الذي خلق آدم على صورته هو خير مما ذكره المؤسس واستشهد عليه بما ذكره أن النبي ﷺ قاله وهو قوله تخلقوا بأخلاق الله فإن هذا من جنس ما يقوله المتفلسفة الصابئون ومن سلك مسلكهم من الإسلاميين من قولهم إن الفلسفة هي التشبه بحسب الطاقة فيثبتون أن العبد يصير شبيهًا بالله تعالى بفعل نفسه ويحتج من اتبعهم على ذلك كأبي حامد وغيره بقوله تخلقوا بأخلاق الله وهذا اللفظ لا يعرف عن النبي ﷺ في شيء من كتب الحديث ولا هو معروف عن أحد من أهل العلم بل هو
[ ٦ / ٥١٨ ]
من باب الموضوعات عندهم وإن كان قد يفسر بمعنى صحيح يوافق الكتاب والسنة فإن الشارع قد ذكر أنه يحب اتصاف العبد بمعاني أسماء الله تعالى كقول النبي ﷺ إن الله جميل يحب الجمال إنه وتر يحب الوتر إنه طيب لا يقبل إلا طيبًا
[ ٦ / ٥١٩ ]
الراحمون يرحمهم الرحمن إنك عفو تحب العفو فاعف عني إن الله نظيف يحب النظافة لكن المقصود أن هؤلاء مع كونهم أظهر الناس تبرُّءًا من التشبيه يزعمون أن كمال الفلسفة عندهم أن يفعل الإنسان ما يصير به مشابهًا لله في الجملة وقد وافقهم عليه بعض المتكلمين وإن كان كثير من المتكلمين يخالفونهم في ذلك
[ ٦ / ٥٢٠ ]
يلزمهم من تأويل حديث الصورة نظير ما فروا منه
ويقول أخبرهم كالمأزري ليس لله خلق يتخلق به العبد فلأن يكون الله هو القادر على أن يخلق ما يشبهه من بعض الوجوه أولى وأحرى فيكون هذا ثابتًا بخلق الله تعالى وأما الأخلاق والأفعال المناسبة المشابهة لمعاني أسمائه التي يحبها فهي مما أمر به وهو سبحانه له الخلق والأمر الوجه السادس أن يقال المحذور الذي فروا منه لتأويل الحديث على أن الصورة بمعنى الصفة أو الصورة المعنوية أو الروحانية ونحو ذلك يلزمهم فيما أثبتوه نظير ما فروا منه وإن كان مثل هذا لازمًا على التقديرين لم يجز ترك مقتضى الحديث ومفهومه لأجله ولم يكن أيضًا
[ ٦ / ٥٢١ ]
محذورًا بالاتفاق وذلك أن كون الإنسان على صورة الله التي هي صفته أو صورته المعنوية أو الروحانية فيه نوع من المشابهة كما أنه إذا أُقِرَّ الحديث كما جاء فيه نوع من المشابهة غايته أن يقال المشابهة هنا أكثر لكن مسمى نوع من التشبيه لازم على التقديرين والتشبيه المنفي بالنص والإجماع والأدلة العقلية الصحيحة مُنتفٍ على التقديرين وإذا ادعى المنازع أن هذا فيه نوع من التجسيم المقتضي للتركيب فقد تقدم أن ما يسمونه تركيبًا لازم على القول بثبوت الصفات بل على القول بنفس الوجود بل هو لازم لمطلق الوجود وقد تقدم بيان ذلك وبينا أن جميع ما يدعى من الأدلة العقلية المانعة من ذلك فإنه فاسد متناقض ومعنى فساده ظاهر ومعنى تناقضه أن ما يدعيه يلزمه من الإثبات نظير ما نفاه فيكون جامعًا بين النفي وإثباته أو إثبات نظيره الوجه السابع أن يقال إذا كان مخلوقًا على صورة الله تعالى المعنوية فلا يخلو إما أن يكون ذلك مقتضيًا لكون
[ ٦ / ٥٢٢ ]
صفات العبد المعنوية من جنس صفات الله بحيث تكون حقيقتها من جنس حقيقتها أو لا يقتضي ذلك بل يقتضي المشابهة فيها مع تباين الحقيقتين فإن كان مقتضى الحديث الأول فهو تصريح بأن الله له مثل وهذا باطل وأيضًا فإنه ممتنع في العقل فإن المتماثلين في الحقيقة يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه والمخلوق يجب أن يكون معدومًا محدثًا مفتقرًا ممكنًا والخالق يجب أن يكون قديمًا واجب الوجود غنيًّا فيجب أن يكون الشيء الواحد واجبًا ممكنًا غنيًّا فقيرًا موجودًا معدومًا وهذا جمع بين النقيضين فثبت أن الحديث لا يجوز حمله على هذا
[ ٦ / ٥٢٣ ]
وأيضًا فإنه على هذا التقدير لا يكون في جمله على الصورة الظاهرة محذور وإن لم يكن ذلك مقتضيًا لكون صفات العبد من جنس صفات الرب بحيث تكون الحقيقة من جنس الحقيقة مع كون هذا عالمًا وهذا عالمًا وهذا حيًّا وهذا حيًّا وهذا قادرًا وهذا قادرًا وهذا سميعًا بصيرًا وهذا سميعًا بصيرًا بل هذا موجود وهذا موجود مع كون الحقيقتين والعلم والقدرة متشابهات وكذلك لا يجب إذا كان لهذا وجه وصورة ولهذا وجه وصورة أن تكون الحقيقة من جنس الحقيقة مع تشابه الحقيقتين يوضح ذلك أنه على التقديرين لابد أن يكون بين الذات والذات مشابهة إذا كان على
[ ٦ / ٥٢٤ ]
الصفة المعنوية فإن كون هذا عالمًا قادرًا وهذا موجودًا وهذا موجودًا وهذا ذاتًا وهذا ذاتًا لها صفات وهذا ذاتًا لها صفات لابد أن يثبت التشابه كما تقدم الوجه الثامن أن الأدلة الشرعية والعقلية التي تثبت بها تلك الصفات تثبت بنظيرها هذه الصورة فإن وجود ذات ليس لها صفات ممتنع في العقل وثبوت الصفات الكمالية معلوم بالشرع والعقل كذلك ثبوت ذات لا تشبه الموجودات بوجه من الوجوه ممتنع في العقل وثبوت المشابهة من بعض الوجوه في الأمور الكمالية معلوم بالشرع والعقل وكما أنه لابد لكل موجود من صفات تقوم به فلابد لكل موجود قائم بنفسه من صورة يكون عليها ويمتنع أن يكون في الوجود قائم بنفسه ليس له صورة يقوم عليها
[ ٦ / ٥٢٥ ]
قصر الحديث على تأويله بالصورة المعنوية باطل
ثبوت الوجه والصورة في الكتاب والسنة
الوجه التاسع أن هذا المعنى الذي ذكروه وإن كان ثابتًا في نفسه ويمكن أن يكون الحديث دالًاّ عليه باللزوم والتضمن لكن قصر الحديث عليه باطل قطعًا كما تقدم الوجه العاشر ثبوت الوجه والصورة لله قد جاء في نصوص كثيرة من الكتاب والسنة المتواترة واتفق على ذلك سلف الأمة وسيأتي إن شاء الله تعالى طائفة من النصوص التي فيها إثبات صورة الله تعالى كقوله فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون ونحو ذلك مما هو من الأحاديث التي اتفق العلماء على صحتها وثبوتها فأما لفظ الوجه فلا يمكن استقصاء النصوص المثبتة له فإن قيل قوله ﷺ خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعًا فلما خلقه قال له اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة
[ ٦ / ٥٢٦ ]
فسلم عليهم واسمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك قال فذهب فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله قال وكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعًا فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن وهذا الحديث إذا حمل على صورة الله تعالى كان ظاهره أن الله طوله ستون ذراعًا والله تعالى كما قال ابن خزيمة جل أن يوصف بالذرعان والأشبار ومعلوم أن هذا التقدير في حق الله باطل على قول من يثبت له حدًّا ومقدارًا من أهل الإثبات وعلى قول نفاة ذلك أما النفاة فظاهر وأما المثبتة فعندهم قدر الله تعالى أعظم وحده لا يعلمه إلا هو وكرسيه قد وسع السموات والأرض والكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة
[ ٦ / ٥٢٧ ]
والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى وقد قال الله تعالى وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر ٦٧] وقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة وابن عمر
[ ٦ / ٥٢٨ ]
وابن مسعود وابن عباس أن الله يقبض السموات والأرض بيديه قال ابن عباس ما السموات السبع والأرضون السبع وما بينهما وما فيهما في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم وإذا كان الأمر كذلك كان أكبر
[ ٦ / ٥٢٩ ]
وأعظم من أن يقدر بهذا القدر وهذا من المعلوم بالضرورة من العقل والدين قيل ليس هذا ظاهر الحديث ومن زعم أن الله طوله ستون ذراعًا وزعم أن هذا ظاهره أو حمله عليه فهو مفترٍ كذاب ملحد فإن فساد هذا معلوم بالضرورة من العقل والدين كما تقدم ومعلوم أيضًا عدم ظهوره من الحديث فإن الضمير في قوله طوله عائد إلى آدم الذي قيل فيه خلق آدم على صورته ثم قال طول آدم ستون ذراعًا فلما خلقه قال له اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة فهذه الضمائر كلها عائدة إلى آدم وهذا منها أيضًا فلفظ الطول وقدره ليس داخلًا في مسمى الصورة حتى يقال إذا قيل خلق الله آدم على صورته وجب أن يكون على قدره وطوله بل من المعلوم أن الشيئين المخلوقين قد يكون
[ ٦ / ٥٣٠ ]
أحدهما على صورة الآخر مع التفاوت العظيم في جنس ذواتهما وقدر ذواتهما وقد تظهر السموات والقمر في صورة ماء أو مرآة في غاية الصغر ويقال هذه صورتها مع العلم بأن حقيقة السموات والأرض أعظم منذ لك بما لا نسبة لأحدهما إلى الآخر وكذلك المصور الذي يصور السموات والكواكب والشمس والقمر والجبال والبحار يصور ذلك مع أن الذي يصوره وإن شابه ذلك فإنه أبعد شيء عن حقيقته وعن قدره والإضافة تتنوع دلالتها بحسب المضاف إليه فلما قال في آخر الحديث فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعًا هذا يقتضي المشابهة في الجنس والقدر لأن صورة المضاف من جنس صورة المضاف إليه وحقيقتهما واحدة وأما قوله خلق آدم على صورته فإنها تقتضي
[ ٦ / ٥٣١ ]
نوعًا من المشابهة فقط لا تقتضي تماثلًا لا في حقيقة ولا قدر وأما الذين ظنوا أن الضمير في قوله طوله ستون ذراعًا لما كان عائدًا إلى آدم فكذلك الضمير في صورته وان المعنى خلق أدم على صورة آدم فقد تقدم الكلام عليهم وأن آدم لم يكن له صورة قبل ذلك يخلق عليها وذكرنا الوجوه المتعددة الدالة على فساد ذلك ولهذا كان بعض المحدثين الذين يريدون أن لا يحدثوا بعض الناس بهذا المعنى يقولون خلق آدم طوله ستون ذراعًا فإذا كان هذا في بيان مقدار صورة آدم التي خلقه عليها لا يقال في مثل ذلك خلق آدم على صورة آدم بل قد يقال خلق على هذه الصورة وعلى هذه الصفة فإن هذا اللفظ ليس فيه إضافة تقتضي تقدم الصورة التي خلق عليها بل فيه تخصيص وبيان للصورة التي كان عليها بعد الخلق مع أن
[ ٦ / ٥٣٢ ]
هذا لا يصلح أن يقال في هذا اللفظ لن قول القائل خلق آدم على صورة آدم أو على الصورة التي كانت لآدم إذا أراد به التقدير وهو كونها ستين ذراعًا فإنه يقتضي كون المخاطبين يعرفون ذلك من تأويل هذا الخطاب فإن الخطاب المعرف بالإضافة أو اللام يقتضي تقدم معرفة المخاطبين بذلك المعرَّف ومعلوم أن المخاطبين لم يكونوا يعلمون طول آدم وهكذا لا يصلح أن يقال في القدر ما ذكر في صورة آدم من كونه لم يمسخ أو كونه خلق ابتداء ونحو ذلك إذ هذا معلوم بخلاف القدر فعلم أن الحديث أخبر فيه بجملتين أنه خلق آدم على صورته وأن طوله ستون ذراعًا ليس هذا التقدير هو تقدير الصورة التي خلق عليها حتى يقال هي صورة آدم
[ ٦ / ٥٣٣ ]
وأما التأويل الثاني وهو تأويل ابن خزيمة أنه إضافة خلق كما في ناقة الله وبيت الله وأرض الله وفطرة الله فالكلام عليه من وجوه أحدها انه لم يكن قبل خلق آدم صورة مخلوقة خلق آدم عليها فقول القائل على صورة مخلوقة لله وليس هناك إلا صورة آدم بمنزلة قوله على صورة آدم وقد تقدم إبطال هذا من وجوه كثيرة الثاني أن إضافة المخلوق جاءت في الأعيان القائمة بنفسها كالناقة والبيت والأرض والفطرة التي هي المفطورة فأما الصفات القائمة بغيرها مثل العلم والقدرة والكلام والمشيئة إذا أضيفت كانت إضافة صفة
[ ٦ / ٥٣٤ ]
إلى موصوف وهذا هو الفرق بين الأمرين وإلا التبست الإضافة التي هي إضافة صفة إلى موصوف والتي هي إضافة مملوك ومخلوق إلى المالك والخالق وذلك هو ظاهر الخطاب في الموضعين لأن الأعيان القائمة بنفسها قد علم المخاطبون أنها لا تكون قائمة بذات الله فيعلمون أنها ليست إضافة صفة وأما الصفات القائمة بغيرها فيعلمون أنه لابد له من موصوف تقوم به وتضاف إليه فإذا أضيفت علم أنها أضيفت إلى الموصوف التي هي قائمة به وإذا كان كذلك فالصورة قائمة بالشيء المصور فصورة الله كوجه الله ويد الله وعلم الله وقدرة الله ومشيئة الله وكلام الله يمتنع أن تقوم بغيره الوجه الثالث أن العيان المضافة إلى الله لا تضاف إليه لعموم كونها مخلوقة ومملوكة له إذ ذلك يوجب إضافة جميع الأعيان إلى الله تعالى لاشتراكها في الخلق والملك فلو
[ ٦ / ٥٣٥ ]
كان قوله في ناقة صالح نَاقَةَ اللَّهِ بمعنى أن الله خلقها وهي ملكه لوجب أن تضاف سائر النوق إلى الله تعالى بهذا المعنى فلا يكون حينئذ لها اختصاص بالإضافة وكذلك قوله وَطَهِّرْ بَيْتِيَ [الحج ٢٦] لو كان المراد به أنه خلقي وملكي لوجب إضافة سائر البيوت إلى الله لمشاركتها في هذا المعنى فلابد أن يكون في العين المضافة معنى يختص بها يستحق بها الإضافة فبيت الله هو البيت الذي اتخذ لذكر الله تعالى وعبادته وهذه إضافة من جهة كونه معبودًا فيه فهو إضافة إلى إلهيته لا إلى عموم ربوبيته وخلقه كما في لفظ العبد فإن قوله لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [الجن ١٩] وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان ٦٣] هو إضافة إليهم لأنهم عبدوه لا لعموم كونه عبَّدهم بخلقه لهم فإن هذا يشركهم فيه جميع الناس وهو قد خصهم بقوله إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وقوله عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ
[ ٦ / ٥٣٦ ]
[الإنسان ٦] ونحو ذلك كذلك الناقة فيها اختصاص بكون الله جعلها آية ففيها معنى الإضافة إلى إلهيته وأما قوله يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) [العنكبوت ٥٦] وقوله أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا [النساء ٩٧] ففي الإضافة تخصيص للأرض التي هي باقية على ما خلقها الله تعالى فلم يستول عليها الكفار والفجار من عباده ومنعوا باستيلائهم عليها من عبادة الله عليها ولهذا لم تدخل أرض الحرب في هذا العموم وقد يقال الإضافة لعموم الخلق لأن الأرض واحدة لم تتعدد كما تعددت النوق والبيوت والعبيد وقوله فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم ٣٠] تضاف إلى الله من الوجهين من جهة انه خلقها فتكون إضافة إلى جهة ربوبيته ومن جهة أنه فطرها على الإسلام الذي هو عبادة الله فيكون في الإضافة معنى الإضافة إلى ألوهيته وإذا كان كذلك فالصورة المخلوقة هي مشاركة لجميع الصور في كون الله خلقها من جميع الوجوه فما الموجب لتخصيصها بالإضافة إلى الله وأيضًا فسائر الأعضاء مشاركة للصورة التي هي الوجه في كون الله خلق ذلك جميعه فينبغي أن يضاف سائر الأعضاء إلى الله بهذا الاعتبار حتى
[ ٦ / ٥٣٧ ]
يقال يد الله ووجه الله وقدمه ونحو ذلك لكون أن الله خلقه الوجه الرابع أن قوله إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته لو كانت الإضافة إضافة خلق وملك لوجب ألا يضرب شيء من الأعضاء لأن إضافته إلى خلق الله وملكه كإضافة الوجه سواء الوجه الخامس أن هذا الوجه المضروب هو في كونه مخلوقًا مملوكًا لله بمنزلة الصورة المملوكة لله فلو كان قد نهى عن ضرب هذا لكونه ذلك لكان هذا التشبيه من باب العبث لأن العلة في المشبه به مثل من يقول لأحد ابنيه إنما أكرمتك لأنك مثل ابني الآخر في معنى البنوة أو يقول لعبده إنما أعطيتك لأنك مثل عبدي الآخر في معنى العبودية وهما مشتركان في هذا الوجه السادس أنه من المعلوم أن جميع ما يضرب من الموجودات ويشتم هو من مخلوق الله مملوك وهذا يوجب ألا يضرب مخلوق ولا يشتم مخلوق
[ ٦ / ٥٣٨ ]
الوجه السابع أن قوله لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته يدل على أن المانع هو مشابهة وجهه لصورة الله فلو أريد صورة يخلقها الله لكان كونه هو في نفسه مخلوقًا لله أبلغ من كونه مشبهًا لما خلقه الله فيكون عدولًا عن التعليل بالعلة الكاملة إلى ما يشبهها الوجه الثامن أنه لو قال لا تضرب وجه هذا فإن الله خلقه على صورته لكان قد يقال فإن الله خلق هذا على صورة مشرفة مكرمة بل قال إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته ولا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته فخلق المخلوق على صورته وهذا من بنيه فمعلوم أن صورته كصورة آدم فذكر ثلاثة أشياء
[ ٦ / ٥٣٩ ]
الصورة المضروبة المشتومة المنهي عن ضربها وشتمها وهي وجوه الآدميين وآدم الذي خلقه الله والصورة التي خلق عليها آدم فلابد من إثبات هذه الثلاثة ولو أريد الصورة المخلوقة لم يكن إلا صورة فقط فيقال خلق هؤلاء أو هذا أو الذرية على صورته الوجه التاسع أن العلم بأن الله خلق آدم هو من أظهر العلوم عند الخاصة والعامة فإذا لم يكن في قوله على صورته معنى إلا أنها الصورة التي خلقها وهي ملكه لكان قوله خلق آدم كافيًا إذ خلق آدم وخلق آدم على صورته سواء على هذا التقدير وإن ادعى أن في الإضافة بمعنى الخلق تخصيص فكذلك يكون في لفظ خلق لا فرق بين قول القائل هذا مخلوق الله وبين قوله إن الله هو الذي خلق هذا ومعلوم أن حمل الحديث على هذا يوجب سقوط فائدته كما لو صرح بذلك فقال خلق آدم على الصورة التي خلقها الله أو خلق آدم على الصورة التي خلقها الرحمن ومثل هذا الكلام لا يضاف إلى أدنى الناس فضلًا عن أن يضاف إلى النبي ﷺ
[ ٦ / ٥٤٠ ]
الوجه العاشر أن قوله خلق آدم على صورته أو على صورة الرحمن يقتضي أنه براه وصوره على تلك الصورة فلو أريد الصورة المخلوقة المملوكة التي هي صورة آدم المضافة إليه تشريفًا لكان قال صورة آدم صورة الله أو صورة الإنسان صورة الله ونحو ذلك من الألفاظ الدالة على الإضافة المجردة وإن كان في ذلك ما فيه أما إذا قيل خلقه على صورته ولم يرد إلا أن صورته المخلوقة هي الصورة المضافة إلى الله لكونها مخلوقة له فهذا تناقض ظاهر لا يحتمله اللفظ أما التأويل الثالث المذكور عن الغزالي من أن معنى قوله خلق آدم على صورته أن الإنسان ليس بجسم ولا جسماني ولا تعلق له بهذا البدن إلا على سبيل التدبير
[ ٦ / ٥٤١ ]
والتصرف ونسبة ذات آدم إلى هذا البدن كنسبة الباري إلى العالم من حيث أن كلًاّ منهما غير حال في هذا الجسم وإن كان مؤثرًا فيه بالتصرف والتدبير فهذا يشبه ما ذكره الإمام أحمد عن الجهم في مناظرته للمشركين السُّمَنية قال وكان الجهم وشيعته كذلك دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث فضلوا وأضلوا بكلامهم بشرًا كثيرًا وكان مما بلغنا من أمر الجهم أنه كان من أهل خراسان من أهل الترمذ وكان صاحب خصومات وكلام وكان أكثر كلامه في
[ ٦ / ٥٤٢ ]
الله ﵎ فلقي أناسًا من المشركين يقال لهم السمنية فعرفوا الجهم فقالوا له نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا وإن ظهرت حجتنا عليك دخلنا في دينك فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا له ألست تزعم أن لك إلهًا قال الجهم نعم فقالوا له فهل رأيت إلهك فقال لا قالوا فهل سمعت كلامه قال لا قالوا فشممت له رائحة قالا لا قالوا فوجدت له حسًّا قال لا قالوا
[ ٦ / ٥٤٣ ]
فوجدت له محسًّا قال لا قالوا فما يدريك أنه إله قال فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يومًا ثم إنه استدرك حجة مثل حجة الزنادقة من النصارى وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون، الروح التي في عيسى ﷺ وعلى نبينا هي من روح الله ومن ذات الله فإذا أراد الله أن يحدث أمرًا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه فيأمر بما شاء وينهى عما شاء وهو روح غائب عن الأبصار فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة فقال للسمنى ألست تزعم أن فيك روحًا فقال نعه فقال هل رأيت روحك قال لا قال
[ ٦ / ٥٤٤ ]
فسمعت كلامه قال لا قال فوجدت له حسًّا أو محسًّا قال لا قال فكذلك الله تعالى لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا يشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان ووجد ثلاث آيات من المتشابه كما تقدم ذلك فقد شبه الجهم الله بالروح التي في الإنسان من جهة أن كلاهما لا يشبه بشيء من الحواس الخمس مع تدبيره لذلك الجسم وهذا يشبه قول الصابئة المتفلسفة الذين اتبعهم أبو حامد
[ ٦ / ٥٤٥ ]
حيث ادعوا أن الروح هي كذلك ليست جسمًا ولا يشار إليها ولا تختص بمكان دون مكان ولكنها مدبرة للجسد كما أن الرب مدبر للعالم مع أن في كلام أبي حامد من التناقض في هذه الأمور ما ليس هذا موضع استقصائه وبهذا يتبين ما نبهنا عليه في غير موضع أن مذهب الجهمية هو من جنس دين الصابئة المبدلين وذكر أن أستاذه الجهد بن درهم كان من أتباعهم وعلماء هؤلاء هم المتفلسفة ولهذا لما دخلت المعتزلة في دين الجهمية واتبعوا هؤلاء الصابئة الفلاسفة في مواضع كثيرة كما قيل المعتزلة مخانيث الفلاسفة وقد ذكر ذلك غير واحد من المطلعين على المقالات ولما كان هؤلاء المتفلسفة الصابئون لا يجمعهم قول في باب العلوم الإلهية بل بينهم فيها من التفرق الاضطراب
[ ٦ / ٥٤٦ ]
ما لا يحصيه إلا رب الأرباب كان للجهمية من المعتزلة ونحوهم من ميراث هؤلاء أوفر حظ ونصيب ور ريب أنهم لابد أن يخالفوا أهل النفي العظيم والتعطيل المطلق منهم فيكون بينهم منازعات ومجادلات عظيمة وأيضًا كذلك هم مع المجوس في باب القدر والأفعال فإنهم شركوا المجوس في تشبيه أفعال الله تعالى بأفعال الواحد من الآدميين ووضعوا له شريعة بالقياس على أنفسهم فيوجبون عليه ويحرمون عليه من جنس ما يوجب عليهم ويحرم وهم مع هذا يخالفونه المجوس في الأصلين النور والظلمة ويردون عليهم لكن هم مع مخالفتهم المجوس
[ ٦ / ٥٤٧ ]
والصابئين في كثير من الأصول فقد شركوهم في كثير من الأصول وخرجوا من دين الإسلام بقدر ما شركوا فيه هؤلاء من الضلال ومعهم من دين الإسلام بقدر ما شركوا فيه المسلمين من الحق وإن كان بعضه مع هؤلاء وبعضه هو من الحق الذي خالفوا فيه هؤلاء والمعتزلة الذين جمعوا التجهم والقدر كان مبدأ انتشارهم وظهورهم في أثناء المائة الثانية وإن كان ابتداع مذهب القدرية حدث في أثناء المائة الأولى ثم بعد ذلك تغلظ ذلك وظهر في كثير من الناس من مذهب الصابئة والمجوس ما
[ ٦ / ٥٤٨ ]
هو من أعظم الكفر وازداد ذلك حتى ظهرت حقائقه في القرامطة والباطنية ونحوهم من الملاحدة وحتى ظهر الشرك الصريح بعبادة غير الله تعالى وصار بعض هذه البدع المضلة يَتَلَوَّنُ بها كثير من المنتسبين في أكثر أحوالهم إلى ما عليه أهل السنة والجماعة لظهور أصحابها وانتشارها لأنهم وفيها من نصر ذلك بالحجج والجدال والسيف والقتال كما وقع في الإسلام من ذلك وقائع كثيرة يعلم بعضها من له اطلاع على ما ورخ من الحوادث في أيام الإسلام والإمام أحمد ذكر أن الجهم فر إلى نظير قول زنادقة النصارى فإن أولئك يقولون بالحلول الخاص في المسيح والجهمية يقولون بالحلول العام المطلق وهو أنه في كل
[ ٦ / ٥٤٩ ]
مكان لا يستقرون على قدم في ذلك فتارة يقولون هو في كل مكان وتارة يقولون ليس في مكان أصلًا ولا هو داخل العالم ولا خارجه وقد يطلقون الأول لفظًا ويريدون الثاني من جهة المعنى لنفور القلوب عن إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه فإن فساد هذا معلوم في بداية العقول فيطلقون للعامة انه بكل مكان لأن هذا إقرار بشيء من الجملة ولكن مقصود نظارهم هو النفي العام والجهم وأئمتهم كانوا يأتون بألفاظ مجملة ومقصوده بالجميع انه ليس على العرش كقوله هو على العرش كما تحت الثرى لا يختص بمكان دون مكان فإن هذا يقال لمن هو موجود في هذه الأمكنة كلها ويقال لمن ليس في شيء منها وكثير منهم من الاتحادية وغيرهم يصرحون بنقيض النفي حقيقة ويقولون إن ذاته موجودة في كل مكان بل يقولون
[ ٦ / ٥٥٠ ]
الرد على تأويل الغزالي الصورة بمعنى الروح من أربعة وعشرين وجها
من يقول منهم إنه عين الموجودات وأن وجودها نفس وجوده وقد يقولون إنه روح العالم والعالم صورته فإنهم في الحلول العام بمنزلة النصارى في الحلول الخاص وقد بسطنا الكلام علة أقوال هؤلاء الاتحادية منهم في غير هذا الموضع والكلام على هذا التأويل من وجوه أحدها أن من ألفاظ الحديث إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته فنهى عن ضرب الوجه لكون آدم مخلوقًا لأم الله خلق آدم على صورة الرحمن فلو كان المراد إبداع روحه مدبرًا لجسده من غير حلول فيه
[ ٦ / ٥٥١ ]
كما أن الله تعالى مدبر للعالم من غير حلول فيه لم يكن هذا متناولًا للوجه فإن الوجه من الجسد الذي تدبره الروح فيكون مشابهًا لبعض العالم الذي يدبره الله تعالى ولا يكون داخلًا في الروح التي خلقها الله تعالى على صورته وإذا كان كذلك لم يصلح أن يعلل النهي عن ضربه بعلة لا تتناوله الوجه الثاني أنه لو أريد هذا لقيل لا تغموا الآدمي أو لا تحزنوه أو لا تضيقوا صدره فإن الله خلقه على صورته فيكون النهي عن تعذيب الروح المشابهة للرب من الوجه الذي ذكره إن كان ما قاله حقًّا الوجه الثالث أن كون حقيقة الآدمي هي الروح وأنها مخلوقة على صورة الله أمر لا يختص الوجه بل يشترك فيه سائر البدن فإن الروح مدبرة لجميع البدن فتخصيص الوجه بالنهي عن ضربه وشتمه لأجل ذلك لا وجه له بل يقال إما أن يكون كون الروح مخلوقة على صورة الله موجبًا للنهي عن الضرب والتقبيح لما هي مدبرة له أو لا يكون فإن كان ذلك وجب أن ينهى عن ضرب جميع أجزاء بدن الإنسان
[ ٦ / ٥٥٢ ]
حتى لا يجوز الضرب والتقبيح لشيء من بدن الآدمي مطلقًا وإن كان كافرًا أو فاسقًا ومعلوم أن هذا في نهاية الفساد المعلوم بالاضطرار من العقل والدين وإن لم يكن ذلك موجبًا للنهي لم ينه عن ضرب الوجه وهو خلاف النص والإجماع الوجه الرابع أن الحديث لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته نهى عن تقبيح الوجه وتقبيح ما يشبهه لأن الله خلق آدم على صورته فلو كلن المخلوق على الصورة إنما هو الروح لم يصح هذا التشبيه فإن الله لا يشبه وجه الإنسان وإنما يشبه روحه الوجه الخامس أن هذا التقبيح المنهي عنه لا يصلح أن يكون للوجه لعدم تناول العلة له الوجه السادس أنه لو أريد ذلك لقيل لا تقبحوا الروح أو لا تسبوها ونحو ذلك الوجه السابع أنه لا اختصاص للوجه بالنهي عن تقبيحه على هذا التقدير بل كان الواجب أن ينهى عن تقبيح جميع
[ ٦ / ٥٥٣ ]
أعضاء البدن أو لا ينهى عن تقبيح شيء منها لأن تعلق الروح بذلك تعلق واحد الوجه الثامن أن قوله في الحديث الآخر المتفق عليه إن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعًا صريح في أن المخلوق على صورته طوله ستون ذراعًا وهذا نص في البدن فكيف يجوز أن يقال إن البدن ليس داخلًا في الحديث وإنما المراد الروح فقط الوجه التاسع أن اسم آدم يتناول البدن كتناوبه الروح وهذا معلوم بالاضطرار من كلام الله وكلام رسوله والعلماء كما في قوله تعالى وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ وقوله وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة ٣٥] وقوله تعالى فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [البقرة ٣٧] وقوله يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ [الأعراف ٢٧] وأمثال ذلك فمن زعم أن اسم آدم لا يتناول إلا الروح فقط في مثل خلق آدم ونحوه من الكلام فإن بطلان قوله معلوم بالاضطرار المنزل بين العباد وإنما يقال هذا في مثل قوله في حديث
[ ٦ / ٥٥٤ ]
المعراج أنه رأى في السماء آدم وإبراهيم وموسى ونحوهم فإنه في مثله يقال المذكور هي الأرواح للعلم بأن أجسادهم في قبورهم الوجه العاشر أنه لو قال قائل لفظ خلق آدم إنما يتناول البدن وأن الروح نفخت فيه بعد ذلك لكان أقرب من هذا التبديل فإنه ﷾ قال إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ
[ ٦ / ٥٥٥ ]
طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) [ص ٧١-٧٢] وقال إبليس لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) [الحجر ٣٣] وقال خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) [الرحمن ١٤-١٥] وقال النبي ﷺ إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنوه على قدر تلك القبضة فيهم الأسود والأبيض وبين ذلك والخبيث والطيب وبين ذلك والسهل والحَزْن وبين ذلك
[ ٦ / ٥٥٦ ]
وهذه النصوص وأمثالها مصرحة بأنه خلق آدم من التراب ومن الطين ومعلوم أن البدن هو المخلوق من ذلك فكيف يدعي المدعي أن قوله خلق آدم إنما يتناول الروح فقط الوجه الحادي عشر أن أبا حامد يدعي في مواضع أن لفظ الخلق إنما يتناول بالروح مسألة التقدير والمساحة وهو عندهم عالم الجسام التي يسميها عالم الملك فأما الأرواح المفارقة أو المدبرة التي يسميها عالم الجبروت
[ ٦ / ٥٥٧ ]
والملكوت فتلك عنده عالم الأمر ليست من عالم الخلق فإذا ادعى مع ذلك أن لفظ الخلق إنما يتناول ما هو من عالم الأمر دون عالم الخلق كان هذا من أعظم التناقض ودل ذلك على فساد كلامه في هذا الباب الوجه الثاني عشر أن هذا غايته أن يكون خلقه على بعض صفاته وهي صفة التدبير للخلق من غير حلول فيه وهذا دون قول من يقول على صفة الحياة والعلم والقدرة وقد تقدم بطلان قول من حمل لفظ الصورة على هذه الصفات بما فيه كفاية وذلك كله دليل على بطلان هذا بطريق الأولى وهذه الوجوه المذكورة في الصفة كلها الوجه الثالث عشر أن إطلاق لفظ صورة الله على مجرد
[ ٦ / ٥٥٨ ]
كونه مدبرًا للعالم من غير حلول فيه أمر لا يدل عليه اللفظ بوجه من الوجوه بل هو من جنس دعاوي القرامطة الباطنية ولا ريب أن كلام المتفلسفة في الروح مما تميل إليه القرامطة الباطنية الوجه الرابع عشر أن عند أبي حامد ومتبعيه من المتفلسفة أن الملائكة بهذه المثابة وهي التي يسمونها
[ ٦ / ٥٥٩ ]
العقول والنفوس فإنها عندهم مدبرة لعالم الأفلاك من غير حلول فيها فلا اختصاص لآدم بكونه مخلوقًا على صورة الله تعالى على هذا التقدير بل جميع الملائكة وما يسمونه العقول والنفوس مخلوق على صورة الله تعالى
[ ٦ / ٥٦٠ ]
على هذا التقدير ومن أثبت من هؤلاء ووافق على أن لهم معادًا فإنه يقول فيهم كذلك فيكون إبليس أيضًا مخلوقًا على صورة الله تعالى عندهم وينبغي أن ينهى عن تقبيح الجن والشياطين لأنهم مخلوقون على صورة الله تعالى الوجه الخامس عشر أن هذا الكلام خرج مخرج المدح والتعظيم لآدم والمدح إنما يكون بالصفات الثبوتية وبالسلبية التي تتضمن صفات ثبوتية وليس فيما ذكروه إلا مجرد كونه مدبرًا للبدن وكونه غير حال فيه وهذه الصفة الثانية صفة سلبية ومجرد التدبير مشترك بين جميع الحيوانات الوجه السادس عشر أن يقال إن تشبيه الرب بالعبد إما أن يكون سائغًا أو لا يكون فإن لم يكن سائغًا بطل تشبيه الله بالروح المدبرة للبدن وإن كان سائغًا فلا حاجة إلى تحريف الحديث والمقصود أنهم في تأويلهم مثبتون لنظير ما فروا منه فإنهم فروا من التشبيه ولم يتأولوه إلا على التشبيه وإن قالوا بثبوت التشبيه من وجه دون وجه كان كلام منازعيهم في النفي والإثبات أقوى من كلامهم كما تقدم لاسيما على هذا القول
[ ٦ / ٥٦١ ]
الوجه السابع عشر هذا التشبيه تشبيه باطل فإن الروح محتاجة إلى البدن في تحصيل كمالاتها كما أن البدن محتاج إليها كل منهما محتاج إلى الآخر وباتفاقهما كانت الأعمال كما رواه الحافظ أبو عبد الله بن منده في كتاب النفس والروح وغيره عن ابن عباس قال لا تزال الخصومة يوم القيامة حتى يختصم الروح والبدن فتقول الروح أنا لم أعمل شيئًا وإنما أنت عملت فأنت المستحق للعذاب ويقول البدن أنا لم أتحرك من تلقاء نفسي ولكن أنت حركتني وأمرتني فيبعث الله ملكًا يحكم بينهما فيقول مثلكما مثل مقعد وأعمى دخلا بستانًا فرأى المقعد فيه ثمرًا معلقًا فقال للأعمى إني أرى ثمرًا ولكن لا أستطيع المشي إليه
[ ٦ / ٥٦٢ ]
فقال الأعمى أنا أستطيع المشي لكني لا أراه فقال تعال فاحملني فحمل الأعمى المقعد وجعل يقول له تعال إلى هنا تعال إلى هنا فيأمر المقعد العمى فيفعل فعلى من يكون العقاب فقال على الاثنين فقال الملك فهذه حالكما أو نحو هذا المعنى وهذا أمر محسوس متفق عليه بين العقلاء وهؤلاء الذين يسمونها النفس الناطقة متفقون على أنها تعلقت بالبدن
[ ٦ / ٥٦٣ ]
لتحصيل كمالاتها وإذا كان كذلك فيلزم من هذا التشبيه أن يكون الله محتاجًا إلى العالم كما أن العالم محتاج إليه وهذا من أقبح الكفر والتمثيل فإن التشبيه إذا ساغ إنما يسوغ في صفات الكمال وهذا تشبيه لله بخلقه في صفات النقص وأيضًا فإن الروح تفارق البدن ما شاء الله من الزمان وعلى زعم المتفلسفة مفارقتها له أكثر من مقارنتها فإنها عندهم لا تقارنه بعد المفارقة أبدًا فيلزم أن يكون تخلى الله عن تدبير العالم أعظم من تدبير العالم أضعاف أضعاف تدبيره له على تقدير صحة هذا التشبيه الوجه الثامن عشر أن الله رب العالم كله خالقه وبارِئُه
[ ٦ / ٥٦٤ ]
ومصوره وأما الروح والبدن فبمنزلة المتشاركين المتعاونين فكيف يجوز أن يقال نسبة ذات آدم التي هي روحه إلى هذا البدن كنسبة الباري إلى العالم مع أن هذا من ابعد الأمور عن المشابهة فإن كون أحدهما غير حال مع كونه مؤثرًا فيه بالتدبير والتصرف ينعكس في جانب الإنسان فإن البدن على رأيهم ليس بمحل للروح وهو أيضًا مؤثر في الروح إذ كل منهما يؤثر في الآخر فما يحسه البدن ويباشره ببدنه يؤثر في الروح كنا يذكره أبو حامد في غير موضع وهو محسوس فهل العالم يؤثر في الله كتأثير البدن في الروح الوجه التاسع عشر أن كون الإنسان ليس بجسم ولا جسماني أمر ليس من المعارف الظاهرة ولا أخبر به الرسول أمته حتى يصير معروفًا عندهم بل كون الله ليس بجسم هو أيضاَ كذلك ليس من المعارف الظاهرة ولا أخبر به الرسول أمته فقوله خلق آدم على صورته إذا أراد به أن كلًاّ
[ ٦ / ٥٦٥ ]
منهما ليس بجسم ولا جسماني بل كل منهما غير حال فيما يدبره مع تأثيره فيه أمر لا يدل عليه اللفظ في اللغة التي خوطب بها ولا كان عند المخاطبين من المعارف ما يفهم ذلك فيكون بيان هذا المعنى بهذا اللفظ خارجًا عن قانون الخطاب ليس بحقيقة عندهم ولا مجاز إذ من شرط المجاز ظهور القرائن المثبتة للمراد وليس عند المخاطبين قرينة تبين ذلك الوجه العشرون أن هذا المعنى الذي ادعوه من كون الروح ليس بجسم ولا جسماني وأنها ليست في البدن وأن تعلقها بالبدن إنما هو تعلق التدبير فقط وأن الباري أيضًا ليس بجسم وأن تعلقه بالعالم تعلق التدبير فيقال لا يفهم إلا بعبارات مبسوطة أما أن يكون مجرد قوله خلق آدم على صورته مفهمًا لهذه المعاني مبينًا لها من الرسول الذي عليه البلاغ المبين معلوم الفساد بالاضطرار الوجه الحادي والعشرون أن دعواهم أن الروح ليست في البدن خلاف ما نطقت به نصوص الكتاب والسنة وهو خلاف المحسوس الذي يحسه بنو آدم لاسيما حين الموت إذا
[ ٦ / ٥٦٦ ]
أحسوا بنزع الروح من جسد أحدهم وأنها تخرج من كل عضو من أعضائه وكذلك وصف النبي ﷺ كما في حديث البراء بن عازب الطويل المشهور عن النبي ﷺ قال ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط يعني الذي جاء مع الملائكة من الجنة إلى آخر الحديث كما تقدم لفظه وقال في الكافر يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط الله وغضبه فتتفرق في أعضاءه كلها فينزعها نزع السفود من الصوف المبلول فتتقطع بها العروق والعصب وتمام الحديث قد تقدم كلما فيه وهو صريح بدخول الروح وخروجها وصعودها وهبوطها وقبضها
[ ٦ / ٥٦٧ ]
وإرسالها وما يشبه ذلك من الصفات التي هي عندهم لا تكون إلا لما يسمونه في اصطلاحهم جسمًا فقول القائل ليست بجسم وليست في البدن مضادة لقول الرسول فكيف يجوز أن يحمل عليه ألفاظ الرسول حتى يجعل متشابه كلامه مناقضًا لمنصوصه ومحكمه الوجه الثاني والعشرون أن الله قال فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) في موضعين من القرآن وقال وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ [السجدة ٧-٩] فأخبر أنه نفخ فيه من روحه فكيف يجوز أن يقال إن الروح ليست فيه فإن قيل إنما قال ذلك لأنها مدبرة له كما يقال إن الله في السماء فيقال فينبغي على قياس ذلك أن يقال إن الله في السماء والأرض وكل مكان لأنه مدبر لذلك لا يخص الإطلاق بأنه في السماء ومعلوم انه ليس في الكتاب والسنة
[ ٦ / ٥٦٨ ]
إطلاق القول بأن الله تعالى في العالم أو في الخلق أو في كل مكان كما فيهما إطلاق أن الروح في البدن فتمثيل أحدهما بالآخر من أعظم الفرية والكذب على الله وعلى رسوله وهي فرية جهم وأمثاله وأيضًا فأبو حامد مع متبوعيه من هؤلاء المتفلسفة الصابئين عندهم أن الله تعالى ليس في شيء من العالم أصلًا كما أنه قول أهل السنة كما أنه عند المتفلسفة وعندهم أيضًا أنه ليس فوق العالم فيمتنع عندهم أن يكون الروح في الجسد أو فوق الجسد وحينئذ فلا يصح إطلاق القول بأنها في الجسد لأن ذلك إما أن يراد به أنه حال فيه أو أنه عليه كما في قوله تعالى وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه ٧١] الوجه الثالث والعشرون أن الله تعالى قال يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) [الفجر ٢٧-٣٠] فأمرها بالرجوع إلى ربها الله وفي ذلك إثبات حركتها وإثبات الانتهاء إلى الله وكلاهما
[ ٦ / ٥٦٩ ]
خلاف ما يزعمه هؤلاء فيها وكذلك قوله فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) [الفجر ٢٩-٣٠] أمرها بالدخول في عباده ودخول الجنة وهذا يناقض قولهم إن النفس لا داخلة العالم ولا خارجه ولا تكون في مكان كما يزعمون ذلك في الباري تعالى وقال تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر ٤٢] فأخبر أنه يتوفاها وهو قبضها وأخذها واستيفاؤها وأخبر أن ذلك التوفي يكون حال الموت ويكون في المنام وأن المتوفاة في المنام منها ما يمسك وهي التي يقضى عليها بالموت في المنام ومنها ما يرسل فالإمساك لها والإرسال لها وتوفيها كل ذلك يتضمن نقيض ما يذكرونه من عدم اتصافها بجنس هذه الصفات الوجه الرابع والعشرون أن من جعل نسبة الروح وهو آدم عنده إلى البدن كنسبة الباري إلى العالم لزمه أن يجعل الباري
[ ٦ / ٥٧٠ ]
روح العالم كما قال بعضهم عن الحق تعالى أنا روح الأشياء إن تحل مني اتخذوها كدارسات الرسوم وهذا وإن كان قد يقوله يعض الحلولية والاتحادية القائلين بأنه في كل مكان فهؤلاء المتفلسفة وأبو حامد ونحوه لا يقولون هذا بل عندهم قائل هذا من أكفر الناس وهو في ذلك مصيب موافق لجماعة المسلمين وإن كان هذا القول هو شبيه بما ذكر عن الجهمية أولًا حيث قالوا إنه في كل مكان كما تقدم ذكر ذلك عن أحمد فإن فساد هذا القول من أظهر الأمور وقد قدمنا من فساده ما فيه كفاية وذلك يقتضي أن بكون الرب نفسه هو الروح التي في الجن والشياطين وفي جهنم وغيرها التي في البدن وأن يكون الرب متنعمًا متعذبًا راضيًا ساخطًا فرحًا مغتمًّا مسرورًا حزينًا بكل ما يوجد من ذلك في أجسام العالم كما أن الروح يكون فيها
[ ٦ / ٥٧١ ]
كذلك بكل ما يوجد في جسدها والاتحادية الذين يقولون هو الوجود يصفونه بذلك كله ويقولون هو موصوف بكل مدح وكل ذم وكل نعيم وكل عذاب كما قد ذكرنا افتراءهم في غير هذا الموضع ومعلوم ما في هذا القول من الكفر والضلال والسب لله والجحود له
[ ٦ / ٥٧٢ ]
فصل: في تأويلات أخرى للصورة كلها باطلة
الرد على من أوله بمعنى "الملك والتدبير"
فصل وللناس تأويلات أخر وكلها باطلة مثل تأويل ابن عقيل ومن وافقه أن المراد صورة الملك والتدبير بل ومن الاستيلاء على جنس الحيوان حتى طائره وسابحه ما يشبه به استيلاء الرب على العالم بالتدبير والتصريف بل وعلى سائر الأجسام الجامدة وهذا وإن كان ابن عقيل يذكره في موضع فإنه في موضع آخر يتأوله على الصورة المخلوقة كما تقدم ذلك فإن هؤلاء لا يثبت أحدهم على مقام بل هم كثيرو الاضطراب وما من شيء يقوله المؤسس وأمثاله إلا وقد يقوله ابن عقيل ونحوه في بعض الأوقات والمصنفات وإن كان قد يرجع عن ذلك كما يرجع عن غيره
[ ٦ / ٥٧٣ ]
قال في كفايته فصل في إضافة الصورة إليه تجوزًا وأنه مصور لكل صورة فأما ذاتًا فلا يطلق عليه إلا وتحتها معنى هو عين التخطيط والأشكال ولعله يقتضيها الحال مثل قولهم حدثني صورة أمرك يريد به حالك والذي ينفي حقيقة الصورة عنه هو الذي نفاه المشبهة عنه كما روي عن النبي ﷺ أنه قال خلق الله آدم على صورته ورأيت ربي في أحسن صورة لا ينطبق على المثال والشكل لنص
[ ٦ / ٥٧٤ ]
الكتاب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى ١١] فمتى جاء خبر واحد وتواتر يثبت له صورة تعارض الكتاب والسنة وتناقض الدين والله قد حماه عن المناقضة وحرسه عن التقابل والتعارض والاختلاف فلابد من الجمع بين قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) [الشورى ١١] وبين قول النبي ﷺ خلق الله آدم على صورته فيكون نفي المثال نافيًا للصورة التي هي التخطيط والشكل وإضافة الصورة إلى الله نفى شكل آدم إلى الله على سبيل الملك كما قال وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ولم يرد به الروح الذات وكانت الفائدة في ذلك تشريفها بالإضافة إليه كتشريف بنية الكعبة بتسميته بيتًا له وإن كان لا يسكنه كذلك تشريف صورة آدم
[ ٦ / ٥٧٥ ]
بالإضافة إليه وإن كانت لا تشبهه قال وقوله رأيت ربي في أحسن صورة يحتمل أن يكون رآه في أحسن صورة ويحتمل أن يكون في أحسن حال من الإكرام والتبجيل قال إنما دعانا إلى ذلك لأن إطلاق الصورة عليه سبحانه تصريح بتكذيب القرآن وكفى بذلك محوجًا إلى التأويل وليس هذا مما يمكنا أن نقول فيه صورة لا كالصور لأنه عزاها إلى صورة محسوسة هي صورة آدم فلو كان على صورة الله في نفسه لكان كل آدمي على صورة الله والله ﷾ على صورته وقد أكذب الله من قال ذلك وأطلقه عليه بقوله سبحانه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى ١١] وآدم شيء فلا يكون مثلًا لله تعالى وهذا لفظ ابن عقيل وهو مثل كلام المؤسس ونحوهم من الجهمية وقد تقدم الكلام على هذا
[ ٦ / ٥٧٦ ]
وإنما المقصود هنا الكلام على تأويله بصورة الملك والتدبير وزاد على هذا طائفة من الاتحادية وغيرهم فقالوا هو خليفة الله استخلفه بأن جعل فيه من أسمائه وصفاته ما ضاهى به الحضرة الإلهية وهؤلاء طائفتان طائفة تثبت الرب وراء العالم وتجعل الإنسان خليفة لله وطائفة أخرى لا تثبت للرب وجودًا غير العالم بل يجعلونه هو وجود العالم ويجعلون الإنسان نسخة ذلك الوجود ومختصره فهو الخليفة الجامع فيه وهم في هذا يوافقون من يقول من الفلاسفة وغيرهم أن الإنسان هو العالم الصغير كما أن العالم هو الإنسان الكبير إذ الإنسان قد اجتمع فيه ما تفرق وهذه المعاني لا يقصد النزاع فيها ولكن المردود من ذلك قول أحدهم أن قوله خلق آدم على صورته أي على صورة العالم فإن الإنسان على صورة العالم وهي صورة الله إما الصورة المخلوقة المملوكة كما يقوله من يقر بالرب المتميز
[ ٦ / ٥٧٧ ]
عن العالم وإما أن يجعلوا نفس العالم هو صورة الله ووجوده لا حقيقة له وراء ذلك كما يزعمه الاتحادية مثل صاحب الفصوص ومتبعيه فهذه ثلاثة تأويلات
[ ٦ / ٥٧٨ ]
أحدها أن يكون مدبرًا مالكًا لجنسه وغير جنسه كما أن الرب مدبر للعالم فهو على صورة الملائكة الثاني أن يكون على صورة العالم لأنه نسخته ومختصره والعالم هو صورة الله المخلوقة أو المملوكة أو هو صورته الذاتية النفسية وقد قدمنا في تأويل من حمل ذلك على الصفة والصورة المعنوية أننا لا ننازع في ثبوت المعاني الصحيحة مثل كون الإنسان له من الأسماء والصفات والأفعال ما قد حملوا الحديث عليه وجعلوه بذلك فيه شبه لأسماء الحق وصفاته وأفعاله ولا لنا حاجة بالمنازعة في دلالة الحديث على ذلك إما بطريق التضمن وإما بطريق الاستلزام
[ ٦ / ٥٧٩ ]
بحيث يقال إنه إذا ثبت أنه على الصورة الذاتية فهو على الصورة الوصفية والاسمية والفعلية أولى وأحرى أو يقال غير ذلك وإنما المقصود هنا إبطال كل تأويل فيه تحريف الكلم عن مواضعه وإلحاد فيه ورد لما قصد بالنص فيرد ما كذبوا به من الحق لا ما قصدوا به من الحق فإن هذا شأن المحرفين لنصوص الصفات إذا حملوا الحديث على ما هو ثابت في نفس الأمر لم ننازع في ذلك المعنى الصحيح ولا في دلالة الحديث عليه إذا احتمل ذلك وقد لا نكون في هذا المقام ناظرين في دلالة الحديث عليه نفيًا وإثباتًا ولكن ننازعهم في
[ ٦ / ٥٨٠ ]
تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته وهو ما أبطلوه وعطلوه وكذبوا به من الحق فإن خطأ النظار فيما كذبوا به ونفوه أكثر من خطئهم فيما صدقوا به وعلموه أما التأويل الأول وهو قولهم على صورة الملك فهو وإن كان فيه نوع شبهة من هذا الوجه فالكلام عليه من وجوه أحدها أن قوله إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته لو أريد أنه جعل ملكًا مطاعًا مدبرًا كما أن الله ملك مطاع مدبر لم يناسب هذا الأمر باجتناب الوجه إذ لا اختصاص له ولأن صفة الملك لا تنافي استحقاق العقوبة الوجه الثاني قوله لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجهًا أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته ذكر خلق آدم على صورته لقوله وجهًا أشبه وجهك وليس في كونه ملكًا ما يقتضي ذلك كما قال فإن الله خلق آدم ملكًا من الملوك
[ ٦ / ٥٨١ ]
الوجه الثالث أنه لو أريد ذلك لم يكن فرق بين الوجه وسائر الأعضاء في النهي عن الضرب والنهي عن التقبيح إذ كون آدم مخلوقًا على صفة الملك التي يتميز بها لا يخص عضوًا دون عضو الوجه الرابع أن كونه ملكًا لا يوجب رفع العقوبة عنه إذا أذنب إذ لو جاز ذلك لكان ملوك بني آدم ترفه عنهم عقوبة السيئات الوجه الخامس أن كونه مخلوقًا على صورة الملك ليس هذا عامًّا في جميع بني آدم إذ منهم من يصلح للملك ومن لا يصلح أن لا يكون إلا مملوكًا بل منهم من هو أضل من البهائم كما قال تعالى وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩) [الأعراف ١٧٩] وإذا كان كذلك مع أن النهي عن ضرب الوجه وتقبيحه عام في جميع الآدميين وصفة الملك والسؤدد ليست عامة علم أنها ليست هي المراد بقوله على صورته الوجه السادس أن الملك ليس مختصًّا بالآدميين بل في أصناف البهائم الرئيس والمطاع والمرؤوس المطيع فما من
[ ٦ / ٥٨٢ ]
طائفة من البهائم والطير تجتمع كالنحل وغيرها إلا وفيها الرؤساء المطاعون وأيضًا فالملائكة كذلك كما قال تعالى في جبريل إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) [التكوير ١٩-٢١] وإذا كان الأمر كذلك لم يكن لآدم اختصاص بالرئاسة والملك وإن كان لبني آدم من الاختصاص ما ليس لغيرهم فالملائكة أيضًا ليست كبني آدم وأهل السنة وإن قالوا إن الأنبياء والأولياء أفضل من الملائكة فلا يقولون إن جنس الآدميين مطلقًا أفضل من جنس الملائكة بل في بني آدم من هو شر من البهائم الوجه السابع أن الملك صفة من صفات الله وهو يعود إلى القدرة أو القدرة والعلم والحكمة فيكون ذلك داخلًا في تأويل من تأوله على الصورة المعنوية وهي صفة العلم والقدرة وقد تقدمت الوجوه المتعددة في إبطال حمله على ذلك وتلك الوجوه كلها تبطل هذا بطريق الأولى
[ ٦ / ٥٨٣ ]
الوجه الثامن أن تسمية ملك الله صورة الله أو تسمية تدبيره وقدرته صورته مما لا يعرف في اللغة أصلًا فحمل الحديث عليه تحريف وتبديل محض الوجه التاسع أن قوله خلق آدم على صورته يقتضي أنه كان مخلوقًا على صورته ومعلوم انه لم يخلق حينئذ ملكًا وإنما الملك حادث بعد ذلك الوجه العاشر أن آدم نفسه لم يكن بعد أن خلق ملكًا ولا مطاعًا وبعد أن حدثت له الذرية الوجه الحادي عشر قوله إن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعًا إلى قوله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم صريح في أنه أراد صورة نفسه لا قدرته وملكه وأما قول القائل على صورته التي هي العالم فإن الإنسان مختصر العالم فلا حاجة على المنازعة في كون
[ ٦ / ٥٨٤ ]
الإنسان مختصر العالم ونسخة للعالم ولا في كون هذا المعنى قد يكون من لوازم خلقه على صورة الرحمن كما لا ينازع في كونه عالمًا وقادرًا وحيًّا وعالمًا لكن هذا لا يجوز أن يكون هو مقصود الحديث لوجوه أحدها أن قوله إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته يقتضي أن خلقه على صورة الرحمن هي المانع من ضربه وكونه على صورة العالم لا يمنع ضربه وقتاله فإن العالم نفس مشتمل على النعيم والعذاب وعلى ما يُنعم ويُعذَّب وعلى البر والفاجر الثاني أن قوله لا يقل أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته يقتضي أن شبه الوجه بالصورة هو المانع من تقبيح من أشبه الوجه ومعلوم أن العالم نفسه ليس فيه ما يشبه وجه الآدمي مخصوصًا يمنع ذمه وهو وجه يشبه وجهه الثالث أن خلقه على نسخة العالم ليس له اختصاص
[ ٦ / ٥٨٥ ]
بالوجه بل هو شامل لروحه كما يبين ذلك من يقوله وحينئذ فينبغي أن يكون النهي عن الضرب لسائر أعضائه ونفسه أو لا ينهى عن الضرب لشيء وكلاهما باطل الرابع أنه على هذا التقدير كان النهي عن التقبيح يقتضي أن يكون شاملًا لجميع الأعضاء والنفس الخامس أن تسمية العالم صورة الله أمر باطل لا أصل له في اللغة بل العالم مخلوق الله ومملوكه السادس أن هذا الوجه يتضمن أن إضافة الصورة إليه إضافة خلق وملك لا إضافة ذاتية وقد تقدمت الوجوه المبطلة لهذا فهي تبطل هذا التأويل السابع أن كون الإنسان مشابهًا للعالم ليس بأعظم من مشابهة بعض الناس لبعض كمشابهة الرجل لأبيه ومعلوم أن مشابهة بعض الآدميين لبعض ليس مقتضيًا لذم ولا مدح ولا مانعًا من العقوبات بل هو سبحانه يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي الثامن أن كون الإنسان مختصرًا من العالم أن فيه المحمود
[ ٦ / ٥٨٦ ]
والمذموم كما قال النبي ﷺ إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنوه على قدر تلك القبضة منهم الخبيث والطيب وبين ذلك والسهل والحزن وبين ذلك والأسود والأبيض وبين ذلك وإذا كان كذلك فكونه مختصرًا من العالم ومشبهًا له لا يوجب منع تقبيح شيء منه ولا منع ضرب شيء منه التاسع أنه من المعلوم أن أرواح بني آدم أشرف من أجسادهم ثم إن هذه الأرواح التي يسمونها النفوس الناطقة تنقسم إلى محمود ومذموم كما يقول الملك للنفس المؤمنة اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب اخرجي راضية مرضية فإذا خرجت صلى عليها كل ملك في السماء وكل ملك في الأرض وكل ملك بين السماء والأرض ويقول للكافرة اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث اخرجي ساخطة مسخوطًا عليك
[ ٦ / ٥٨٧ ]
وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج فإذا خرجت لعنها كل ملك في السماء وكل ملك في الأرض وكل ملك بين السماء والأرض وإذا كانت الروح قد تقبح وتشتم وتلعن وتوصف بالخبيث فالجسد أحق بذلك فلو كان مشابهة أشرف
[ ٦ / ٥٨٨ ]
الرد على من أوله بمعنى "خليفة الله"
ما في العالم يمنع التقبيح لوجب ألا تقبح النفس الناطقة قط فلما جاز تقبيحها ومنع الشارع من تقبيح الوجه لأن الله خلق آدم على صورته ولا فرق في ذلك بين وجه البر والفاجر علم أن المانع ليس مشابهة العالم العاشر أن قوله صورة الإنسان على صورة الرحمن يخص الصورة كما خص الوجه في تلك الأحاديث وهذا يمنع أن يكون المراد جميع أعضاء الإنسان وروحه وأما قول طائفة من هؤلاء وغيرهم أن الآدمي خليفة الله استخلفه عن نفسه فجعله يخلفه في تدبير المملكة فهو على صورته من هذا الوجه فهذا يدخل فيه معنى الملك ومعنى كونه نسخة العالم لكن فيه من الباطل ما يخصه وهو زعمهم أن الإنسان خليفة عن الله تعالى فإن هذا باطل والله تعالى لا يخلفه شيء أصلًا وإنما معنى كون آدم وداود والآدميين خلائف أنهم
[ ٦ / ٥٨٩ ]
يخلفون غيرهم من المخلوقات لا أنهم يخلفون الخالق كما قال تعالى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ [النور ٥٥] وقال تعالى وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ [يونس ١٣-١٤] وقال تعالى وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ [الأنعام ١٦٥] وقال تعالى في قصة نوح فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ [يونس ٧٣] وقال تعالى وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) [الأنعام ١٣٣] وقال تعالى في خطاب هود لقومه وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً [الأعراف ٦٩] وفي خطاب صالح لقومه وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ [الأعراف ٧٤] وقال في خطاب موسى لقومه عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) [الأعراف ١٢٩] وقال النبي ﷺ من جهز غازيًا فقد غزا ومن خلفه في
[ ٦ / ٥٩٠ ]
أهله بخير فقد غزا وقال أو كلما نفرنا في سبيل الله خلف أحدهم وقال تعالى فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا
[ ٦ / ٥٩١ ]
الْكِتَابَ [الأعراف ١٦٩] وقال تعالى هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩) [فاطر ٣٩] وقال تعالى إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ [التوبة ٩٣] وقال فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ [التوبة ٨٣] ولهذا قيل للصديق يا خليفة الله فقال لست بخليفة الله ولكن خليفة رسول الله ﷺ وحسبي ذلك ولكن الله سبحانه يوصف بأنه خليفة وبأنه خلف من غيره كما ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يقول اللهم أنت الصاحب في السفر وأنت الخليفة في الأهل اللهم اصحبنا في
[ ٦ / ٥٩٢ ]
سفرنا هذا خيرًا واخلفنا في أهلنا ويقال في الوداع خليفتي عليك الله وفي التعزية الذي ذكر الشافعي في مسنده أن أهل بيت رسول الله ﷺ سمعوا صوت معز عزاهم بها يا أهل بيت رسول الله ﷺ إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفًا من كل هالك ودركًا من كل فائت
[ ٦ / ٥٩٣ ]
وذلك لأن الخليفة لا يكون إلا مع تغيب المستخلف لا مع شهوده والله شهيد على عباده لا يغيب عنه شيء مدبر للجميع فلا يستخلف من يقوم مقامه في ذلك كما يستخلف المخلوق للمخلوق بل هو الخالق لكل شيء المدبر لكل شيء فالآدميون يموتون ويغيبون فيكون من يخلفهم والله حي قيوم لا يغيب فلا يكون له من يخلفه بل هو سبحانه يخلف من يغيب أو يموت كما يكون خليفة المؤمن في أهله إذا سافر ويكون خليفة له إذا مات فيكون أولئك الذين كان المؤمن يكفيهم في هدايتهم ورزقهم ونصرهم
[ ٦ / ٥٩٤ ]
يبين ذلك أن الإنسان إذا آتاه الله ملكًا أو لم يؤته إما أن يكون عند الله عاملًا بطاعته وطاعة رسوله أو لا يكون فإن كان من القسم الأول كان من عباد الله كالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وقال إبليس فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) [ص ٨٢-٨٣] ونحو ذلك والعبد العامل بأمر الله هو عابد لربه متوكل عليه لم يخالف ربه في أمر من الأمور كما أن الملائكة الذين لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ليس خالفين لله في أمر من الأمور وإن كانوا عاملين بأمره عابدين له مطيعين وهم المدبرات أمرًا والمقسمات أمرًا وإن كان الإنسان غير عامل بطاعة الله ورسوله بل هو عاصٍ لله ورسوله فهذا أبعد أن يكون عمله ذلك خلافة عن ربه وهو يعمل ما يبغضه الله ويكرهه وينهى عنه
[ ٦ / ٥٩٥ ]
فقد ظهر أنه لا وجه أن يجعل واحد من هذين خليفة عن الله لا من يعبده ولا من يطيعه ولا من يشرك به ويعصيه هذا من جهة القضاء والقدر والأمر الكوني فإن الله خالق كل شيء فهو خالق كل حي من الملائكة والإنس والجن والبهائم وخالق قدرهم وإراداتهم وأفعالهم كما أنه خالق غير الأحياء وهو وإن كان يخلق الأشياء بعضها ببعض كما يخلق النبات بالمطر ويخلق المطر بالسحاب فليس شيء من ذلك خليفته إذ هو الخالق له ولما يخلقه به فهو رب كل شيء ومليكه ولو جاز ذلك لكان كل مخلوق خليفة عن الله بل جميع ذلك مسخر بأمره مصروف بمشيئته مدبر بقدرته منظوم بحكمته والله غني عن جميع ذلك وكل ذلك فقير إليه وليس الصغير أفقر إليه من
[ ٦ / ٥٩٦ ]
الكبير ولا المسبب بأفقر إليه من السبب بل الجميع فقراء إليه وهو رب الجميع ومليكه وهو سبحانه ليس كمثله شيء في شيء من تدبيره كما قال سبحانه أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) [الشورى ٩-١١] يبين ذلك أن كل من خلف غيره في شيء فإنه يكون معينًا له فيما يعجز عنه المخلوف إما لعدم علمه به وإما لعدم قدرته فالخالف شريك للمخلوف ولقوله كالأمير الذي يستخلف في الأمصار خلفاء عنه فهم كلهم فاعلون ما لا يقدر هو وحده أن يفعله وهم مشاركون له مكافئون له وهو وهم متعاونون على جملة التدبير وكل منهم ينتفع بما يعاونه الآخر عليه والله تعالى ليس كذلك بل هو الغني
[ ٦ / ٥٩٧ ]
مطلقًا بنفسه عن الخلق وهو الخالق لكل شيء ثم إن من رحمته أنه يأمر العبيد بما يصلحهم وينهاهم عما يفسدهم وهو الذي يعينهم على فعل المأمور وترك المحظور ولا يقدرون على فعل ذلك إلا بإعانته بل يخلق ذلك كله قال تعالى قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ ٢٢-٢٣] وقال تعالى وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١) [الإسراء ١١١] وإنما يتخيل أنه خليفة عن الله ونائب عنه بمنزلة ما يعهد عن الخلفاء والنواب عن المخلوقين منهم من يكون جبارًا منازعًا لله في كبريائه وعظمته كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال يقول الله تعالى العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدًا منهما عذبته فيكون مختالًا يتخيل في نفسه أنه عظيم كبير وأن أمره ونهيه وفعله بالنسبة إلى الله تعالى من جنس أمر الخليفة النائب عن غيره ومن جنس نهيه
[ ٦ / ٥٩٨ ]
وفعله وهذا شرك وكذب وضلال وكبرياء واختيال وذلك أن الخليفة عن غيره يأمر وينهى ويفعل أمورًا لم يدر بها المستخلف ولم يقدر عليها ولا يكون أمر بها ونهى بل يكون أمر هذا من جنس الأمر الأول كالوكيل مع موكله وكالوصي مع الموصي وهؤلاء بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر ولهذا جاءت الشريعة بذلك فجعل الفقهاء الشركة في التصرف مبنية على الوكالة وأن الشريك يتصرف لنفسه بحكم الملك ولشريكه بحكم الوكالة والنيابة وأما الوصي فهو ابلغ من هذا لأنه يتصرف بعد انقطاع أمر الموصي بالموت فهذا يكون له من الاستقلال ما ليس للوكيل والشريك حتى تنازع الفقهاء في جواز توصيته فأجاز ذلك من منع توكيل الوكيل وحتى أجازوا له من التصرفات
[ ٦ / ٥٩٩ ]
ما لا يجوز للوكيل وهكذا خلفاء ولاة الأمور مثل خليفة الإمام الكبير ذي الإمامة الكبرى وخليفة الحاكم وخليفة إمام الصلاة وغير ذلك كل من هؤلاء يفعل من جنس ما يفعله مستخلفه وكل هذا في حق الله ممتنع واعتقاد ذلك في حق أحد هو من أعظم الشرك ومن باب اتخاذ البشر أربابًا قال تعالى اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) [النوبة ٣١] وقال تعالى مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) [آل عمران ٧٩-٨٠] يبين ذلك أن أعظم الخلق منزلة عند الله هم رسله والرسل إنما هم مبلغون أمره ونهيه لا يأمرون إلا بما أمر ولهذا كان رأس الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله
[ ٦ / ٦٠٠ ]
فطاعتهم طاعة الله كما قال تعالى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء ٨٠] لأنهم بلغوا أمر الله إلى عباده فالمطيع لهم مطيع لأمر الله لأنه فاعل ما أمره الله به وأين الرسول المبلغ أمر غيره من النائب له الخليفة عنه الذي يتصرف كما يتصرف المستخلف بينهم فرقان عظيم قال ﷺ فيما رواه البخاري إني والله لا أعطي أحدًا ولا أمنع أحدًا وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت فأما من يتصرف في عباد الله بمشيئته وهواه فيعطي من أحب ويمنع من أحب ويوالي من أحب ويعادي من أحب
[ ٦ / ٦٠١ ]
بغير أمر الله ولا إذنه فهذا عدو لله جبار مختال من جنس فرعون الذي علا في الأرض واتخذ١ أهلها شيعًا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين فهل يكون هؤلاء نوابًا عن الله أو خلفاء عنه وهم أعداؤه وعصاته كإبليس وإن كان الله هو الخالق لكل شيء فليس كل ما خلقه الله من الأعيان والأفعال يكون محبًّا له راضيًا به وإن كان بمشيئته فإنه سبحانه خالق إبليس وذويه وهو يبغضهم ويلعنهم ويعاقبهم ومن قال عن نفسه أو غيره إني نائب الله أو خليفة عن الله ولم يكن أمر بما أمر الله به على ألسن رسله فقد كذب على الله واستكبر في الأرض بغير الحق كما يذكر ذلك عن طائفة من الملوك الجاهلين الظالمين بل المنافقين المشركين وإن كان إنما أمر بما أمر الله به فهو مصيب في إيجاب
[ ٦ / ٦٠٢ ]
طاعته إذا أمر بما أمر الله به ومصيب في معاقبة من عصى الله وإكرام من أطاعه وقوله نائب إن كان بمعنى المبلغ والرسول والمنفذ فصحيح وإن كان بمعنى أني أنوب عنه في ما لا يفعله هو ولا يقدر عليه فهذا كذب وهذا قد يقوله القدري الذي يظن أنه مستقل بفعله وأن الله لم يخلق فعله وهو مبطل في ذلك نغم لو قال نائب رسول الله ﷺ أو خليفة رسول الله لكان هذا صحيحًا ولهذا لما قالوا للصديق يا خليفة الله قال لست خليفة الله ولكني خليفة رسول الله وحسبي ذلك فلا يطلق على أحد أنه نائب عن الله ولا خليفة عنه أصلًا بخلاف الرسول فإنه قد روي في وصف خلفاء الرسل أنهم الذين يحيون سنتهم ويعلمونها للناس ولهذا تجب طاعتهم كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله
[ ٦ / ٦٠٣ ]
ومن عصى أميري فقد عصاني وذلك لأنه ﷺ لا يأمر إلا بما أمر الله به فالمطيع له مطيع لله وكذلك أميره الذي استخلفه على بعض أمته كأمراء السرايا الذي أوجب طاعته إنما أوجبها إذا كان يأمر بما أمر الرسول به كما قال ﷺ إنما الطاعة في المعروف وكما
[ ٦ / ٦٠٤ ]
قال لا طاعة في معصية الله فقوله من أطاع أميري قد بين أن معناه إطاعته في الطاعة وهو ما كان من الفعال التي يأمر الله ورسوله بها فيكون هذا الأمير منفذًا لذلك الأمر كما كان عمر ابن عبد العزيز يقول يا أيها الناس لا كتاب بعد كتابكم ولا نبي بعد نبيكم كتابكم آخر الكتب ونبيكم آخر الأنبياء
[ ٦ / ٦٠٥ ]
وإنما أنا متبع ولست بمبتدع وإنما أنا منفذ ولست بقاض فقد تبين أن هذه الدعاوي في الخلافة عن الله ونحو ذلك إنما هي من دعاوي المتكبرين الجبارين المشركين الذين يريدون العلو في الأرض كفرعون وهؤلاء الاتحادية والموافقين لفرعون المدعين أنهم مضاهون لله تعالى وأنه يحتاج إلى عباده كما يحتاج عباده إليه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا يبين هذا أن إيتاء الله للعبد الملكَ والسلطان والمال لا يقتضي أن ذلك إكرام منه له ومحبة بل هو ابتلاء وفتنة له وامتحان قال تعالى فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ
[ ٦ / ٦٠٦ ]
رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) [الفجر ١٥-١٧] وقال تعالى وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤) [يونس ١٣-١٤] وقال تعالى وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥) [الأنعام ١٦٥] فبين أنه جعلهم خلائف ورفع بعضهم فوق بعض درجات كما يرقع درجة ذي الملك والسلطان ليبلوهم فيما آتاهم وإذا كان كذلك فمن كان منهم عاملًا بطاعة الله غير عامل بمعصيته كان من أولياء الله وعباده الصالحين ومن كان منهم عاملًا بمعصية الله مريدًا للعلو في الأرض والفساد متخيلًا متكبرًا جبارًا كان من أعداء الله وممن سخط الله عليه ولعنه قال بعض السلف أظنه مجاهدًا في قوله تعالى وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) [الشعراء ١٣٠] قال هو السوط والسيف والعصا في غير طاعة الله فمن كان يضرب
[ ٦ / ٦٠٧ ]
ويقتل لغير طاعة الله ورسوله فإنما هو جبار من الجبارين فإن لم يتب وإلا جاءه بأس الله الذي لا يرد عن القوم المجرمين سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلًا فكيف يستجيز مسلم أن يقول في مثل هذا أنه خليفة عن الله ونائب عنه وهذا يقتضي أن فرعون والنمرود ونحوهما كانوا خلفاء عن الله نوابًا عنه ثم إن هؤلاء يجعلون هذا المعنى ثابتًا لكل إنسان أنه خليفة عن الله لأنه من الجنس المسلطين على غيرهم من أجناس الحيوان وعلى أنواع من التدبير ولا يفرقون بين من أطاع الله ومن عصاه بل يجعلون الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ويجعلون المتقين كالفجار وهذا كله
[ ٦ / ٦٠٨ ]
من الإشراك والجمع لما فرق الله بينه ولهذا شرع الاتحادية كل شرك في العالم ونظير هذا الإشراك الذي يجعل فيه العباد خلفاء عن الله ونوابًا عنه تشبيهًا لذلك بالخلافة والنيابة عن الملوك ما يوجد في كثير من الناس المشركين من تشبيههم لمسألة الله ودعائه وعبادته بمسألة الملوك فيقول الناس لأ حدهم إذا أردت أن تأتي السلطان وتسأله فابدأ بالوسائط التي بينك وبينه كالحجاب والنواب والأعوان فإن قصدك السلطان من الباب قِلَّةِ مَعْرُوفِه وقلة تعظيم وإكرام وذلك لا يصلح لك فيأمرونه بالتواضع والإشراك بالمخلوقين وهذا من الأسباب الذي به عبدت الكواكب والملائكة والأنبياء والصالحون وقبورهم وهذا كله
[ ٦ / ٦٠٩ ]
من أعظم الشرك والضلال والقياس الفاسد فإن الله بكل شيء عليم وهو سميع بصير بكل شيء ليس بمنزلة الملك الذي لا يعلم إلا ما أنهي إليه ولا يسمع ولا يبصر أكثر أمور رعيته وأيضًا فإن الله على كل شيء قدير لا يحتاج أن يستعين بالأعوان على إجابة الداعي كما يحتاج الملك وأيضًا فإن الله قريب إلى عباده كما قال وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة ١٨٦] وهو رحيم بعباده رؤوف بهم مع أنه هو الجبار المتكبر المتعالي بالحق ليس كالملوك الجبارين المتكبرين بالباطل على بني جنسهم ومن هو مثلهم حتى لا يسمعوا كلامه ولا يرحموه وحتى يزدروا الضعيف والفقير فهذا الإشراك في ربوبية الله وإلهيته والاستكبار والاختيال الموجود في العباد كله منافٍ لدين الإسلام الذي بعث الله به رسوله وأنزل به كتبه وكلا النوعين يتضمن من تعظيم الخلق وجعلهم أندادًا لله ومن التفريط في جنب الله وتضييع حقوقه ما هو من أعظم الجهل والظلم
[ ٦ / ٦١٠ ]
وأصل هذه المقالات توجد في مقالات المشركين ومن دخل في الشرك من الصابئين وأهل الكتاب وهو في الغالية من هذه الأمة كغالية الرافضة وغالية المتصوفة ونحو هؤلاء وأما الدقيق منه فهو كثير كما قال تعالى وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) [يوسف ١٠٦] لاسيما شرك العمل والحال وإن لم يكن العبد مشركًا في مقاله وما يقترن بذلك من الخيلاء والكبر وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع وأما قول من يقول إن العالم نفسه هو وجود الله وأن الإنسان هو مظهر ذات الله الأكمل ففيما تقدم كفاية في بطلان قول من حمل الحديث على مجرد كون الإنسان
[ ٦ / ٦١١ ]
مخلوقًا على صورة الله التي هي العالم وبطلان كونه خليفة عن الله وأما ما يختص به هؤلاء من الرد عليهم وبيان كفرهم وضلالهم فهو مذكور في غير هذا الموضع بل على أصلهم يمتنع أن يكون آدم مخلوقًا على صورة الله إذ على أصلهم ليس في الوجود شيئان أحدهما خالق والآخر مخلوق بل الخالق هو المخلوق عندهم وأيضًا فإنه قال لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورته فنهى عن تقبيح الوجه لكون آدم مخلوقًا على صورة الله وعندهم أن وجود كل موجود هو عين وجود الرب وكل تقبيح ولعن وشتم وذم في العالم فهو واقع على الرب عندهم كما يقع عليه كل مدح ودعاء وهو عندهم الداعي والمدعو له واللاعن والملعون والشاتم والمشتوم والقاتل والمقتول والناكح والمنكوح فلا يتصور عندهم أن يختص شيء بعينه بالنهي عن التقبيح لكونه على صورة الله إذ ليس في الوجود مقبح وغير مقبح إلا ما هو من صورة الله عندهم وكذلك قوله لا يقل أحدكم قبح الله وجهك ووجه من
[ ٦ / ٦١٢ ]
أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته جعل مجرد المشابهة لوجه الله مانعًا من الضرب وعندهم أن كل ضرب في العالم أو قتل واقع على نفس الرب وهو ضارب لنفسه بنفسه وأن العالم كله هو صورة الله الذاتية لا يعنون بها الصورة المخلوقة المملوكة بل عين وجود العالم هو عين وجود الحق ثم إن صاحب الفصوص وهو مع كونه إمامهم فهو أبعدهم عن محض الإلحاد لما يوجد في كلامه من لبس الحق بالباطل يفرق بين الوجود والثبوت فيقول إن الأشياء ثابتة بأعيانها في القدم ونفس الوجود الفائض عليها هو
[ ٦ / ٦١٣ ]
وجود الحق فيوافق من يقول إن المعدوم شيء في الخارج لكن يجعل وجود الكائنات عين وجود الحق ولا يجعل وجودًا متميزًا عن المخلوقين ولهذا يضطرب فيجعله هو هو من وجه وهو غيره من وجه لأن الفرق بين الوجود والثبوت فرق باطل فجاء بعده من أتباعه مثل القُونوي ونحوه من لم يسلك هذا المسلك بل فرق بين الوجود المطلق والمعين فجعل الحق الوجود المطلق الساري في
[ ٦ / ٦١٤ ]
تصريح ابن سبعين والتلمساني بالقول بوحدة الوجود
الموجودات وأما المعين فهو الخلق ومن المعلوم أنه ليس في الخارج وجود مطلق سوى الموجود المعين فهو أراد أن يفرق بين الحق والخلق فلم يفرق في الحقيقة بل اضطرب كما اضطرب أستاذه فجاء بعد هذا من أصحابه وغير أصحابه كابن سبعين وخادمهم التلمساني فعلموا فساد الفرق بين الرب والعبد فصرحوا بأنه هو الموجودات وليس ثم غير ولا سوى بوجه من
[ ٦ / ٦١٥ ]
الوجوه كما قد بسطنا قولهم في غير هذا الموضع وحقيقة قولهم هو قول فرعون الجاحد لرب العالمين كما يقوله من يقوله من طواغيتهم إن قولنا هو قول فرعون لكن فرعون كان ينكر وجود الحق بالكلية وهؤلاء أقروا به قالوا هو الوجود الذي اعترف به فرعون وهو وجود المخلوقات فخالفوا فرعون في اعتقادهم وقصدهم حيث اعتقدوا أنهم مقرون بالله عابدون له من بعض الوجوه وإن كان العابد والمعبود والمقر بالله هو الله عندهم لا غيره والمقصود هنا ما يتعلق يقولهم في صورة الله كما قال صاحب الفصوص ابن عربي في فص حكمة أحدية في
[ ٦ / ٦١٦ ]
كلمة هودية فهو محدود بحد كل محدود فيما يحد شيء إلا وهو حد للحق فهو الساري في مسمى المخلوقات والمبدعات ولو لم يكن الأمر كذلك ما صح الوجود فهو عين الوجود فهو على كل شيء حفيظ بذاته ولا يؤوده حفظ شيء فحفظه تعالى للأشياء كلها حفظه لصورته أن يكون الشيء غير صورته ولا يصح إلا هذا فهو الشاهد من الشاهد والمشهود من المشهود فالعالم صورته وهو روح العالم المدبر له فهو الإنسان الكبير فهو الكون كله وهو الواحد الذي قام كوني بكونه ولذا قلت يغتذي فوجودي غذاؤه وبه نحن نحتذي فيه منه إن نظر ت بوجه تعوذي
[ ٦ / ٦١٧ ]
وقال أيضًا في التوجيه فإن للحق في كل نطق ظهورًا فهو الظاهر في كل مفهوم وهو الباطن عن كل فهم إلا فهم من قال إن العالم صورته وهو منه وهو الاسم الظاهر كما أنه بالمعنى روح ما ظهر فهو الباطن فنسبته لما ظهر من صورة العالم نسبة الروح المدبر للصورة فيوجد في حد الإنسان مثلًا باطنه وظاهره وكذلك كل محدود فالحق محدود بكل حد وصورة العالم لا تنضبط ولا يحاط بها ولا يعلم حدود كل صورة منها إلا على قدر ما حصل لكل عالم من صوره فلذلك
[ ٦ / ٦١٨ ]
يجهل حد الحق فإنه لا يعلم حده إلا بعلم حد كل صورة وهذا محال حصوله فحد الحق محال وقال ابن عربي أيضًا في فصوصه في فص حكمة علوية في كلمة موسوية كذلك تدبير الحق العالم ما دبره إلا به أو بصورته فما دبره إلا به كتوقف الولد على إيجاد الوالد والمسببات على أسبابها والمشروطات على شروطها والمعلولات على عللها والمدلولات على أدلتها والمحققات على حقائقها وكل ذلك من العالم وهو تدبير الحق فيه فما دبره إلا به وأما قولنا أو بصورته أعني صورة العالم فأعني به الأسماء الحسنى والصفات العلا التي تسمى الحق بها واتصف بها فما وصل إلينا من اسم تسمى به إلا وجدنا معنى ذلك الاسم وروحه في
[ ٦ / ٦١٩ ]
العالم فما دبر العالم أيضًا إلا بصورة العالم ولذلك قال في خلق آدم الذي هو البرنامج الجامع لنعوت الحضرة الإلهية التي هي الذات والصفات والأفعال إن الله خلق آدم
[ ٦ / ٦٢٠ ]
على صورته وليست صورته سوى الحضرة الإلهية فأوجد في هذا المختصر الشريف الذي هو الإنسان الكامل جميع الأسماء الإلهية وحقائق ما خرج عنه في العالم الكبير المنفصل وجعله روحًا للعالم فسخر له العلو والسفل لكمال الصورة فكما أنه ليس شيء من العالم إلا وهو يسبح بحمده وكذلك ليس شيء من العالم إلا وهو مسخر لهذا الإنسان لما تعطيه حقيقة صورته فقال تعالى وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية ١٣] فكل ما في العالم تحت تسخير الإنسان علم ذلك من علمه وهو الإنسان الكامل وجهل ذلك من جهله وهو الإنسان الحيوان
[ ٦ / ٦٢١ ]
المملكة العربية السعودية
وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الأمانة العامة
بيان
تلبيس الجهمية
في تأسيس بدعهم الكلامية
تأليف شيخ الإسلام
أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني
(ت ٧٢٨هـ)