أولًا: أهل السنة وسط في باب صفات الله - ﷿ - بين أهل التعطيل وأهل التمثيل: قال الله - ﷿ -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ فأهل الإسلام وسط بين الملل، وأهل السنة وسط بين الفرق المنتسبة إلى الإسلام، فهم وسط بين أهل التعطيل الذين ينفون صفات الله - ﷿ - وبين أهل التمثيل الذين أثبتوها وجعلوها مماثلة لصفات المخلوقين. فأهل السنة أثبتوا صفات الله إثباتًا بلا تمثيل، وينزِّهون الله - ﷿ - عن مشابهة المخلوقين تنزيهًا بلا تعطيل، فجمعوا بين التنزيه والإثبات وقد ردَّ الله على الطائفتين بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رَدٌّ على المشبهة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ردّ على المعطّلة (١).
ثانيًا: أهل السنة وسط في باب أفعال العباد بين الجبرية والقدرية: فالجبرية: الذين هم أتباع جهم بن صفوان يقولون: إن العبد مجبور على فعله كالرِّيشة في مهب الريح، والقدرية الذين هم المعتزلة أتباع معبد الجهني ومن وافقهم قالوا: إن العبد هو الخالق لأفعاله دون مشيئة الله وقدرته، وهدى الله أهلَ السنة والجماعة لأن يكونوا وسطًا بين هاتين الفرقتين فقالوا إن الله هو الخالق للعباد وأفعالِهِم، والعبادُ فاعلون حقيقة ولهم قدرة على أعمالهم، والله خالقهم وخالق أعمالهم وقدراتهم ﴿وَالله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢)،وأثبتوا للعبد مشيئة واختيارًا تابعين لمشيئة الله
_________________
(١) انظر: شرح العقيدة الواسطية للهراس، ص١٢٦،والكواشف الجلية عن معاني الواسطية، لعبد العزيز بن سلمان، ص٤٩٤، وشرح العقيدة الواسطية للكاتب، ص٤٩.
(٢) سورة الصافات، الآية: ٩٦.
[ ٣٠ ]
ثالثا: أهل السنة وسط في باب وعيد الله بين الوعيدية والمرجئة
رابعا: أهل السنة وسط في باب أسماء الدين والإيمان والأحكام بين الخوارج والمعتزلة
- ﷿ -: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاّ أَن يَشَاءَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) والله المستعان (٢).
ثالثًا: أهل السنة وسط في باب وعيد الله بين الوعيدية والمرجئة: فالمرجئة قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فعندهم أن الأعمال ليست داخلة في مُسمَّى الإيمان، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن مرتكب الكبيرة كامل الإيمان، وهذا باطل.
والوعيدية: هم الذين قالوا: إن الله يجب عليه عقلًا أن يُعذَّب العاصي كما يجب عليه أن يُثيب الطائع فمن مات على كبيرة ولم يتب منها فهو خالد مخلد في النار، وهذا أصل من أصول المعتزلة، وبه تقول الخوارج.
أما أهل السنة فقالوا: مرتكب الكبيرة إذا لم يستحلها، مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان، وإن ماتَ ولم يتب فهو تحت مشيئة الله، إن شاء عفا عنه برحمته، وإن شاء عذبه بعدله بقدر ذنوبه ثم يخرجه، قال الله سبحانه (٣): ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ (٤).
رابعًا: أهل السنة وسط في باب أسماء الدين والإيمان والأحكام بين الخوارج والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية: المراد بأسماء الدين هنا: مثل مؤمن، مسلم، كافر، فاسق، والمراد بالأحكام: أحكام أصحابها في
_________________
(١) سورة التكوير، الآية: ٢٩.
(٢) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، بقلم الكاتب، ص٥٠.
(٣) انظر: شرح العقيدة الواسطية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، بقلم الكاتب، ص٥١.
(٤) سورة النساء، الآية: ٤٨.
[ ٣١ ]
الدنيا والآخرة:
١ - الخوارج عندهم أنه لا يُسمَّى مؤمنًا إلا من أدَّى جميع الواجبات واجتنب الكبائر ويقولون: إن الدين والإيمان: قول، وعمل، واعتقاد، ولكنه لا يزيد ولا ينقص فمن أتى كبيرة كفر في الدنيا، وهو في الآخرة خالد مخلد في النار إن لم يتب قبل الموت.
٢ - المعتزلة قالوا بقول الخوارج، إلا أنه وقع الاتفاق بينهم في موضعين:
* نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة، وخلوده في النار مع الكافرين.
ووقع الخلاف بينهم في موضعين:
* الخوارج سموه في الدنيا كافرًا، والمعتزلة قالوا في منزلة بين المنزلتين: فهو خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر.
والخوارج استحلوا دمه وماله والمعتزلة لم يستحلوا ذلك.
٣ - المرجئة قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فهم يقولون: إن الإيمان مُجَرَّد التَّصديق بالقلب فمرتكب الكبيرة عندهم كامل الإيمان ولا يستحق دخول النار، وهذا يُبيّن أن إيمان أفسق الناس عندهم كإيمان أكمل الناس.
٤ - الجهمية وافقوا المرجئة في ذلك تمامًا، فالجهم قد ابتدع التعطيل، والجبر، والإرجاء كما قال ابن القيم ﵀.
٥ - أما أهل السنة فوفقهم الله للوسطية بين هذين المذهبين الباطلين
[ ٣٢ ]
خامسا: أهل السنة وسط في أصحاب رسول الله - ﷺ - بين الروافض والخوارج
فقالوا: الإيمان قول وعمل: قول القلب واللِّسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فقول القلب تصديقه وإيقانه، وقول اللسان النطق بالشهادتين والإقرار بلوزامها، وعمل القلب: النِّيّة، والإخلاص، والمحبة، والانقياد، والإقبال على الله - ﷿ -، والتوكل عليه، ولوازم ذلك وتوابعه، وكل ما هو من أعمال القلوب، وعمل اللسان، ما لا يُؤدَّى إلا به: كتلاوة القرآن، وسائر الأذكار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله - ﷿ -، وغير ذلك، وعمل الجوارح: القيام بالمأمورات، واجتناب المنهيات، ومن ذلك الركوع والسجود وغير ذلك.
فمرتكب الكبيرة عند أهل السنة مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا ينفون عنه الإيمان أصلًا كالخوارج والمعتزلة، ولا يقولون: بأنه كامل الإيمان كالمرجئة والجهمية، أما حُكْمُهُ في الآخرة فهو تحت مشيئة الله - ﷿ - إن شاء أدخله الجنة من أول وهلةٍ رحمةً منه وفضلًا وإن شاء عذبه بقدر معصيته عدلًا منه سبحانه ثم يخرجه بعد التطهير ويدخله الجنة. هذا إن لم يأتِ بناقض من نواقض الإسلام (١).
خامسًا: أهل السُّنّة وسط في أصحاب رسول الله - ﷺ - بين الروافض والخوارج: الرافضة غلوا في علي - ﵁ - وأهل البيت، ونصبوا العداوة لجمهور الصحابة كالثلاثة، وكفَّروهم ومن والاهم، وكفَّروا من قاتل
_________________
(١) انظر: شرح العقيدة الواسطية، للهراس، ص١٣١، والكواشف الجلية عن معاني الواسطية، ص٥٠٢، وشرح العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، بقلم الكاتب، ص٥٣ - ٥٦.
[ ٣٣ ]
عليًّا، والخوارج قابلوا هؤلاء فَكَفَّرُوا عليًّا ومعاوية ومن معهما من الصحابة. والنواصب نصبوا العداوة لأهل البيت وطعنوا فيهم.
أما أهل السنة فهداهم الله للحق فلم يغلوا في عليٍّ وأهل البيت، ولم ينصبوا العداوة للصحابة - ﵃ -، ولم يكفروهم، ولم يفعلوا كما فعل النواصب من عداوة أهل البيت، بل يعترفون بحق الجميع وفضلهم، ويدعون لهم، ويوالونهم، ويَكُفُّون عن الخوض فيما جرى بينهم، ويترحَّمون على جميع الصحابة فكانوا وسطًا بين غلوِّ الرافضة وجفاء الخوارج، ويقول أهل السنة أفضل الصحابة: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة، ثم يُرتِّبون الصحابة على حسب مراتبهم ومنازلهم - ﵃ - (١).
سادسًا: أهل السنة وسط في التعامل مع العلماء:
أهل السنة يُحِبُّون علماءَهم، ويتأدبون معهم، ويذبُّون عن أعراضهم، وينشرون محامدَهم، ويأخذون عنهم العلمَ بالأدلة، ويرون أن العلماء من البشر غير معصومين، إلا أنه إذا حصل شيء من الخطأ والنسيان والهوى لا ينقص ذلك من قدرهم؛ لأنهم ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورِّثُوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر، فلا يجوز سبَّهم ولا التشهير بهم، ولا تَتَبُّع عَثَراتِهم ونشرها بين الناس؛ لأن في
_________________
(١) انظر: الكواشف الجلية عن معاني الواسطية، للسلمان، ص٥٠٥، وشرح العقيدة الواسطية، بقلم الكاتب، ص٥٧ - ٥٨.
[ ٣٤ ]
سابعا: أهل السنة وسط في التعامل مع ولاة الأمور
ذلك فسادًا كبيرًا (١)، وقد أحسن ابن عساكر ﵀ فيما نُقل عنه أنه قال: «اعلم يا أخي - وفقني الله وإياك لمرضاتِهِ وجعلني وإياك ممن يتقيه حق تقاته - أن لحومَ العلماءِ مسمومة، وعادةُ الله في هتكِ أستار منتقصيهم معلومة) (٢) وأنَّ من أطال لسانَه في العلماءِ بالثَّلبِ بلاه الله قبل موته بموت القلب ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣).
سابعًا: أهل السنة وسط في التعامُلِ مع ولاة الأمور: فهم وسط بين المُفْرِطِين والمفرِّطين، فأهل السنة يُحرِّمون الخروج على أئمة المسلمين، ويوجبون طاعتهم والسمع لهم في غير معصية الله، ويدعون لِوُلاتهم بالتوفيق والسداد؛ لأن الله أمر بطاعتهم فقال - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٤).
وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «على المرء المسلم السمعُ والطاعةُ فيما أحب وكره إلا أن يُؤمَر بمعصية فلا سمعَ ولا
_________________
(١) انظر: رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ضمن الفتاوى، جمع عبد الرحمن القاسم، ٢٠/ ٢٣١ - ٢٩٣، وقواعد في التعامل مع العلماء، للدكتور عبد الرحمن اللويحق، ص١٩ - ١٨٤.
(٢) تبيين كذب المفتري، ص٢٩ - ٣٠.
(٣) سورة النور، الآية: ٦٣
(٤) سورة النساء، الآية: ٥٩.
[ ٣٥ ]
طاعة» (١).
وعن حذيفة - ﵁ - يرفعه: «يكون بعدي أئمةٌ لا يهتدون بِهُداي ولا يستنُّون بسنَّتِي، وسيقوم فيهم رجال قلوبُهم قُلوبُ الشياطين في جُثماِن إنس»، قال قلت: كيف أصنعُ يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: «تسمَعُ وتطيعُ للأمير وإن ضرب ظهرَك وأخذ مالَك فاسمع وأطع» (٢)، وقد حثَّ أهل السنة والجماعة على ذلك. قال الإمام أبو الحسن علي بن خلف البَربَهاري ﵀ في كتابه شرح السنة: «إذا رأيتَ الرجلَ يَدعُو على السلطان فَاعْلَمْ أَنَّهُ صَاحِبُ هَوَىً، وَإِذَا رأيتَ الرجلَ يدعو للسُّلطان بالصَّلاح فاعلم أنه صاحِبُ سُنَّةٍ إن شاء الله» (٣).
وساق بسنده عن الفضيل بن عياض أنه قال: «لو أن لي دعوةً مستجابة ما جعلتُها إلا في السلطان»، قيل له: «يا أبا علي فسّر لنا هذا؟» قال: «إذا جعلتُها في نفسي لم تَعْدُني، وإذا جعلتُها في السلطان صلح فصلح بصلاحه العباد والبلاد» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، برقم ٧١٤٤، ومسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، برقم ١٨٣٩.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، برقم ١٨٤٧.
(٣) شرح السنة، للبربهاري، ص١١٦.
(٤) شرح السنة، للبربهاري، ص١١٧.
[ ٣٦ ]