إن أهل السنة يسيرون على أصول ثابتة وواضحة، في الاعتقادِ والعمل والسلوكِ، وهذه الأصول مُستمدَّةٌ من كتاب الله - ﷿ -، وسُنةِ رسوله - ﷺ -، وما كان عليه سلفُ هذه الأمةِ: من الصحابة، والتابعين، ومن تبعهم من القرون الثلاثة المفضلة، ومن سار على نهجهم بإحسان إلى يوم الدين، وهذه الأصول على النحو الآتي:
الأصل الأول: الإيمان بالله - ﷿ -:
الإيمانُ بالله تعالى: هو الاعتقاد الجازم الذي لا يتطرقُ إليه شك بأن الله - ﷿ - ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكه، وأنه المستحق للعبادة وحده دون ما سواه وأن يُفردَ بالعبادة مع كمال المحبة والذُّلِّ والخضوع، وأنه المتّصف بصفات الكمال فله الأسماءُ الحسنى والصِّفاتُ العُلا، وهو سبحانه منزَّهٌ عن كل عيب ونقص.
فظهر من ذلك أن الإيمان بالله - ﷿ - يتضمنُ أربعة أمور (١):
الأول: الإيمان بوجود الله - ﷿ -، وقد دلّ على ذلك الفطرة، والعقل، والشرع، والحس.
١ - أما دلالة الفطرة على وجوده، فإنَّ كلَّ مخلوقٍ قد فُطِر على الإيمان بخالقه من غير تفكير أو تعليم؛ لقوله - ﷺ -: «ما من مولود إلا يولد على
_________________
(١) انظر: شرح العقيدة الواسطيّة لشيخ الإسلام ابن تيمية، شرحه العلامة محمد بن صالح العثيمين، ١/ ٥٥ - ٥٩، ويرى سماحة العلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: أن الإيمان بوجود الله - ﷿ - يدخل في الإيمان بالربوبية، ذكر ذلك في تعليقه على هذه المحاضرة.
[ ١٢ ]
٢ - دلالة العقل
٣ - دلالة الشرع
الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو يُنَصِّرانه، أو يُمَجِّسانه» (١).
٢ - أما دلالة العقل على وجود الله - ﷿ -؛ فلأن هذه المخلوقات سابقها ولاحقها لابد لها من خالق أوجدها على هذا النظام البديع؛ ولهذا ذكر الله هذا الدليل العقلي والبرهان القطعي فقال - ﷿ -: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ*أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ (٢)، ولما سمع جُبير بنُ مُطعِم رسول الله - ﷺ - يقرأ هذه الآيات وكان مشركًا قال: «كاد قلبي أن يطير وذلك أولُ ما وقر الإيمان في قلبي» (٣).
٣ - أما دلالة الشرع على وجود الله - ﷿ -؛ فلأن الله أرسل الرسل وأنزل الكتب السماوية تنطق بذلك.
٤ - أما دلالة الحِسّ على وجود الله - ﷿ - فمن وجهين:
(أ) أننا نسمع ونشاهد من إجابة الداعين وغوث المكروبين ما يدل دلالة قاطعة على وجود الله - ﷿ -، قال - ﷾ -: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يُصلَّى عليه؟ وهل يُعرض على الصبي الإسلام؟ برقم ١٣٥٨، ومسلم في كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطر، وحكم أطفال الكفار وأطفال المسلمين، برقم ٢٦٥٨.
(٢) سورة الطور، الآيات: ٣٥ - ٣٧.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، سورة الطور، بابٌ: حدثنا عبد الله بن يوسف، برقم ٤٨٥٤، ومسلم بنحوه في كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح، برقم ٤٦٣.
[ ١٣ ]
* الثاني: الإيمان بالربوبية
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ (١)، وغير ذلك.
وفي صحيح البخاري عن أنس - ﵁ - أن رجلًا أعرابيًّا دخل يوم الجمعة والنبي - ﷺ - يخطب فقال: يا رسول الله هلك المال وجاع العيالُ فادعُ الله يغيثنا، فرفع رسول الله - ﷺ - يديه ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا» قال أنس - ﵁ -: فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحابُ أمثالَ الجبالِ، ثم لم ينزل من منبره حتى رأيتُ المطرَ يتحادرُ على لحيته، فمطرنا فوالله ما رأينا الشمس سبتًا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسولُ الله - ﷺ - قائم يخطب فقال: يا رسولَ الله، هلكت الأموال وانقطعت السُّبُلُ فادع الله يمسكها عنا، فرفع رسول الله - ﷺ - يديه ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا»، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت (٢).
(ب) أن آيات الأنبياء التي تُسمَّى المعجزات دليل قاطع على وجود الله - ﷿ -؛لأنها أمور خارجة عن نطاق البشر يجريها الله تأييدًا لرسله ونصرًا لهم.
الثاني: الإيمان بالربوبية، وأن الله - ﷿ - هو الرب الخالق، المالكُ المدبر، قال - ﷿ -: ﴿ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ (٣)، ولم يُعلم أن أحدًا من الخلق أنكر ربوبية الله - ﷾ - إلا أن
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية: ٧٦.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة، برقم ١٠١٤، ومسلم، في كتاب الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء، برقم ٨٩٧.
(٣) سورة فاطر، الآية: ١٣.
[ ١٤ ]
* الثالث: الإيمان بالألوهية
يكون مكابرًا، قال - ﷿ - عن آل فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (١)، وهذا توحيد الربوبية: هو إفراد الله تعالى بأفعاله.
الثالث: الإيمان بالألوهية، وأن الله - ﷿ - هو الإله الحق المستحق للعبادة دون ما سواه؛ لكونه خالق العباد والمحسن إليهم، والقائم بأرزاقهم، والعالم بسرهم وعلانيتهم، والقادر على إثابة مطيعهم، وعقاب عاصيهم؛ ولهذه العبادة خلق الله الثقلين، قال - ﷿ -: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٢)، وقال - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لله أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣)،وقد أرسل الله - ﷿ - الرسل وأنزل الكتب لبيان هذا التوحيد «توحيد العبادة» والدعوة إليه، قال - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ الله وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ (٤)،وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَاْ
_________________
(١) سورة النمل، الآية: ١٤.
(٢) سورة الذاريات، الآيات: ٥٦ - ٥٨.
(٣) سورة البقرة، الآيتان: ٢١ - ٢٢.
(٤) سورة النحل، الآية: ٣٦.
[ ١٥ ]
فَاعْبُدُونِ﴾ (١)،وقال - ﷿ -: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢)،وكل من اتخذ إلهًا من دونه فإلهيته باطلة، قال - ﷿ -: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ الله هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٣)، وقال - ﷿ -: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٤).
وقد أبطل الله - ﷿ - اتخاذ المشركين آلهة من دونه فبيّن ضَعفَها من كلِّ وجه، فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (٥)، فالعبادة حق الله - ﷿ -؛ ولهذا قال - ﷺ - لمعاذ - ﵁ -: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» (٦)، وهذا كله: توحيد الألوهية: وهو إفراد الله تعالى بالعبادة.
الرابع: الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا:
أهل السنّةِ والجماعة يُثبتون ما أثبتَهُ الله - ﷿ - لنفسه، وما أثبتَه له رسولُهُ - ﷺ -،
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية: ٢٥.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٨.
(٣) سورة الحج، الآية: ٦٢.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٦٣.
(٥) سورة سبأ، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.
(٦) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب من جاهد نفسه في طاعة الله، برقم ٦٥٠٠، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، برقم ٣٠.
[ ١٦ ]
من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ويُمِرّونها كما جاءت مع الإيمان بما دلّت عليه من المعاني العظيمة، فكل ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسولُهُ من جميع الأسماء والصفات أثبتوه على الوجه اللاَّئق به تعالى، إثباتًا مفصلًا على حدِّ قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وينفون عنه ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله - ﷺ - نفيًا إجماليًّا غالبًا على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ والنفي يقتضي إثباتَ ما يُضادُّه من الكمال، فكل ما نفى الله عن نفسه من النقائص فإن ذلك يدل على ضِدِّهِ من أنواع الكمال، وقد جمع الله النفي والإثبات في آية واحدة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فهذه الآية تضمنّتْ تنزيه الله من مُشابَهةِ خلقه: لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وفي أولها ردٌّ على المشبِّهَةِ وهو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وفي آخرها ردّ على المعطلة وهو قوله تعالى:
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وفي أولها نفي مُجمل، وفي آخرها إثبات مفصل. وقال الله - ﷿ -: ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لله الأَمْثَالَ إِنَّ الله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١)،وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله - ﷺ - وأتباعهم بإحسان. نَقَلَها عنهم أئمةُ أهل السُّنّةِ (٢)،قال الوليد بن مسلم ﵀: سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية فقالوا: «أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف» (٣)،وقد ذكر أهل السنة كلام الأئمة على قوله - ﷿ -: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ٧٤.
(٢) انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للالكائي، ٣/ ٥٨٢، برقم ٨٧٥، و٩٣٠.
(٣) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ٣/ ٥٨٢.
[ ١٧ ]
الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وأن ذلك يدل على علوِّ الله على خلقه كما قال - ﷾ -: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١)،وقال - ﷿ -: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً﴾ (٢)،قال أبو القاسم اللالكائي ﵀: «فدلت هذه الآية أنَّهُ تعالى في السماء وعلمه مُحيطٌ بكلِّ مكان من أرضه وسمائه، وقال: وروى ذلك من الصحابة: عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأمُّ سلمة - ﵃ -، ومن التابعين ربيعةُ بن أبي عبد الرحمن، وسليمان التيمي، ومقاتل بن حيان، وبه قال من الفقهاء مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل (٣).
وسئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ قال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول ومِنَ الله الرِّسالة، وعلى الرَّسول البلاغ، وعلينا التَّصديق» (٤)، وقال رجل للإمام مالك ﵀: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فقال: «الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فإني أخاف أن تكون ضالًاّ وأَمَر به فَأُخرِج» (٥).
_________________
(١) سورة فاطر، الآية: ١٠.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٦١.
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، ٣/ ٤٣٠.
(٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، ٣/ ٤٤٢، برقم ٦٦٥.
(٥) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، ٣/ ٤٤١ برقم ٦٦٤، وجوّد إسناده ابن حجر في فتح الباري، ١٣/ ٤٠٦.
[ ١٨ ]
٣ - الإيمان بما علمنا به من صفاتهم
٤ - الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله - ﷿ -
وقيل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل ﵀: الله - ﷿ - فوق السماء السابعة على عرشه بائنٌ من خلقه، وقدرتُه وعلمه في كل مكان؟ قال: «نعم على العرش وعلمه لا يخلو منه مكان» (١)، وفي رواية: «أنه سئل عن قوله:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ فقال الكلام السابق.
وهذه النقولات تدل على أن أهل السنة يثبتون الأسماء والصفات وما دلَّت عليه من المعاني العظيمة مع إمرارها كما جاءت بلا كيف. والمعيَّة معيتان: معيَّة عامة لجميع الناس، ومعيَّة خاصة تقتضي التوفيق (٢).
الأصل الثاني: الإيمان بالملائكة:
الإيمان بالملائكة يتضمَّن أربعة أمور (٣):
١ - الإيمان بوجودهم.
٢ - الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه، ومن لم نعلم اسمه نؤمن به إجمالًا.
٣ - الإيمان بما علمنا به من صفاتهم، كصفة جبريل فقد أخبرنا النبي - ﷺ - أنه رآه على صفته التي خُلِقَ عليها وله ستمائة جناح كل جناح قد سدَّ الأُفق.
٤ - الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله - ﷿ -. كتسبيحه تعالى كما قال - ﷿ -: ﴿وَمَنْ عِندَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، ٣/ ٤٤٦، برقم ٦٧٤.
(٢) والإلهام، والنُّصرة.
(٣) انظر: شرح أصول الإيمان، للعلامة محمد بن صالح العثيمين، ص٢٧.
[ ١٩ ]
يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ (١)، وعن أبي ذرٍّ - ﵁ - يرفعه: «إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطَّتِ السماء وحُقَّ لها أن تئِطَّ ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله ..» (٢)، وهذا يدل على كثرتهم وقد ثبت أن النبي - ﷺ - رُفع له البيت المعمور في السماء يطوف به كل يوم سبعون ألف ملك بلا رجعة (٣).
ومن أعمالهم: أن جبريل أمين الوحي، وإسرافيل الموكّل بالنفخ في الصور، وملك الموت الموكّل بقبض الأرواح وغير ذلك.
الأصل الثالث: الإيمان بالكتب:
يجب الإيمان بالكتب إجمالًا وأن الله - ﷿ - أنزلها على أنبيائه ورسله لبيان حقيقة التوحيد والدعوة إليه، قال - ﷿ -: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٤).
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآيتان: ١٩ - ٢٠.
(٢) أخرجه الترمذي في كتاب الزهد، باب قول النبي - ﷺ -: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا»، برقم ٢٣١٢، وحسنه، وابن ماجه في كتاب الزهد، باب الحزن والبكاء، برقم ٤١٩٠،وحسنه العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي،٢/ ٢٦٨، وصحيح سنن ابن ماجه، ٢/ ٤٠٧.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، برقم ٣٢٠٧، ولفظه: «فسألت جبريل فقال: هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم»، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السموات وفرض الصلوات، برقم ١٦٤، ولفظه: «فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور، يدخله كُلَّ يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخرُ ما عليهم».
(٤) سورة الحديد، الآية: ٢٥.
[ ٢٠ ]
ونؤمن على سبيل التفصيل بما سَمَّى الله منها: كالتوراة، والإنجيل، والزَّبور، والقرآن العظيم، والقرآن أفضلُها وخاتَمها والمُهَيمِنُ عليها، والمصدِّقُ لها، وهو الذي يجب على جميع العباد اتباعه وتحكيمه، مع ما صحَّت به السُّنّة (١).
الأصل الرابع: الإيمان بالرسل:
الإيمان بالرسل، فيُصدّق المُسلم تَصدِيقًا جازمًا بأن الله - ﷿ - أرسل الرسل؛ لإخراج الناس من الظُّلمات إلى النُّور، فيجب الإيمان بهم إجمالًا وتفصيلًا، فيجب الإيمان بهم على وجه الإجمال، ويجب الإيمان بمن سَمَّى الله منهم على وجه التفصيل، قال الله - ﷿ -: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ الله عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٢)، فيؤمن العبد أن من أجاب الرسل فاز بالسعادة ومن خالفهم باء بالخيبة والندامة، وخاتمهم وأفضلهم هو نبينا محمد - ﷺ - (٣).
_________________
(١) فظهر أن الإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور:
(٢) الإيمان بأنها من عند الله - ﷿ -.
(٣) الإيمان بما علمنا اسمه منها باسمه.
(٤) تصديق ما صحّ من أخبارها.
(٥) العمل بأحكام ما لم يُنسخ منها والرضا والتسليم به، وجميع الكتب منسوخة بالقرآن الكريم، فهو الذي يجب العمل بما فيه. انظر: شرح أصول الإيمان، للعلامة العثيمين، ص٣٢.
(٦) سورة النساء، الآية: ١٦٥.
(٧) والإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور:
(٨) الإيمان بأن رسالتهم حق من عند الله - ﷿ -.
(٩) الإيمان بمن علمنا اسمه منه باسمه.
(١٠) تصديق ما صح عنهم من أخبارهم.
(١١) العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم وهو خاتمهم محمد - ﷺ -، فقد نَسَخَت شريعته جميع الشرائع السابقة. انظر: شرح أصول الإيمان، للعلامة محمد العثيمين، ص٣٦.
[ ٢١ ]
١ - عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم
٢ - الإيمان بفتنة القبر
الأصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر:
الإيمان باليوم الآخر يدخل فيه الإيمان بكل ما أخبر الله به وأخبر به رسوله - ﷺ - مما يكون بعد الموت ومن ذلك ما يأتي:
١ - عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت: قدِّموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتَها كلُّ شيءٍ إلاَّ الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق» (١)، ولهذا قال - ﷺ -: «أسرعوا بالجنازة فإن تكُ صالحةً فخير تقدمونها إليه وإن تَكُنْ غير ذلك فشرٌّ تضعونَهُ عن رقابكم» (٢).
٢ - الإيمان بفتنة القبر وأن الناس يمتحنون في قبورهم بعد الموت فيقال للإنسان: مَن ربُّك وما دينك ومن نبيُّك؟ فالمؤمن يقول: رَبِّي الله وديني الإسلام، ونبيي محمد - ﷺ -، والفاجر يقول: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، فيقال له: لا دريت ولا تليت،
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب حمل الرجال الجنازة دون النساء، برقم ١٣١٤، وباب قول الميت على الجنازة: «قدموني»، برقم ١٣١٦).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب السرعة بالجنازة، برقم ١٣١٥، ومسلم، كتاب الجنائز، باب الإسراع بالجنازة، برقم ٩٤٤.
[ ٢٢ ]
٣ - الإيمان بنعيم القبر وعذابه
٤ - القيامة الكبرى
٥ - الميزان الذي توزن به الأعمال
فيُضرب بمطرقةٍ من حديد فيصيح صيحةً يسمعها كلَّ شيء إلاَّ الإنسان، وفي رواية: «يسمعها من يليه إلا الثَّقلين».
قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ﴾ (١).
٣ - الإيمان بنعيم القبر وعذابه: فقد ثبت بالكتاب والسنة وهو حق يجب الإيمان به، والعذاب يجري على الروح والجسد تبع له ويوم القيامة على الروح والبدن جميعًا. فعذاب القبر ونعيمه حق دلّ عليه كتاب الله وسنةُ رسوله - ﷺ - (٢).
٤ - القيامة الكبرى: حين ينفخ إسرافيل في الصور النفخة الأولى ثم ينفخ نفخة البعث والنشور فتعاد الأرواح إلى أجسادها فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلًا ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٣).
٥ - الميزان الذي توزن به الأعمال، ويوزن العاملُ وعملُه ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، برقم ١٣٦٩، ١٣٧٤، ومسند الإمام أحمد، ٤/ ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٦، ومستدرك الحاكم ١/ ٣٧ - ٤٠، والآية من سورة إبراهيم: ٢٧.
(٢) انظر: الروح لابن القيم، ١/ ٢٦٣، ٣١١.
(٣) سورة عبس، الآيات: ٢٤ - ٢٧.
[ ٢٣ ]
٦ - الدواوين وتطاير الصحف
٧ - الحساب
٨ - الحوض
خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (١).
٦ - الدَّواوين وتطاير الصُّحف، فآخذ كتابه وصحائِفَ أعماله بيمينه، وآخذ كتابه بشماله من وراءِ ظهره: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَة * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ (٣).
٧ - الحساب؛ فإن الله يوقف عباده على أعمالهم قبل الانصراف من المحشر فيرى كلُّ إنسان عمله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (٤)،
﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٥).
٨ - الحوض؛ فيجب التصديق الجازم بأنَّ حوض النبي - ﷺ - في عرصات القيامة ماءُهُ أشدُّ بياضًا من اللَّبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد
_________________
(١) سورة المؤمنون، الآيتان: ١٠٢ - ١٠٣.
(٢) سورة الحاقة، الآيات: ١٩ - ٢٩.
(٣) سورة الانشقاق، الآيات: ١٠ - ١٢.
(٤) سورة آل عمران، الآية: ٣٠.
(٥) سورة الكهف، الآية: ٤٩.
[ ٢٤ ]
٩ - الصراط
١٠ - الشفاعة
نجوم السماء، وطوله شهر وعرضه شهر، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا (١)، وهذا مختصّ بمحمد - ﷺ - ولكل نبي حوض ولكن أعظمها حوض النبي - ﷺ -.
٩ - الصِّراط؛ وبعده القنطرة بين الجنة والنار يجب الإيمان بذلك وهو منصوب على متن جهنم، يمر عليه الأولون والآخِرون، وهو أحدُّ من السيف وأدقُّ من الشعر، يمرّ عليه الناس على حسب أعمالهم: فمنهم من يتجاوزه كلمح البصر، وكالبرق، وكالريح، وكالفرس الجواد، وكركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوًا، ومنهم من يمشي، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يسقط في جهنم، وعلى حافة الجسر كلاليب تخطف من أمرت بخطفه، فإذا تجاوز المؤمنون وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض فإذا نُقُّوا أُذِنَ لهم في دخول الجنة (٢).
١٠ - الشفاعة وهي سؤال الخير للغير، وهي أنواع (٣)، منها: الشفاعة
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، بابٌ في الحوض، وقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، من حديث عبد الله بن عمرو قال النبي - ﷺ -: «حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه شربة فلا يظمأ أبدًا»، برقم ٦٥٧٩، ومسلم، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا - ﷺ -، برقم ٢٢٩٢.
(٢) انظر: صحيح البخاري، كتاب المظالم، باب قصاص المظالم، برقم ٢٤٤٠، وكتاب الرقاق، باب القصاص يوم القيامة، برقم ٦٥٣٣ - ٦٣٣٥،وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، برقم ١٨٢ - ١٩٥.
(٣) وقد أوصلها ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية إلى ثمانية أقسام:
(٤) شفاعة النبي - ﷺ - العظمى لفصل القضاء.
(٥) الشفاعة في أقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم.
(٦) الشفاعة في أقوام أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها.
(٧) الشفاعة في رفع درجات من دخل الجنة.
(٨) الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب.
(٩) شفاعة النبي - ﷺ - في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب.
(١٠) شفاعة النبي - ﷺ - لأن يؤذن لجميع المؤمنين بدخول الجنة.
(١١) الشفاعة في أهل الكبائر من أمة محمد - ﷺ -. انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص:٢٥٢ - ٢٦٢.
[ ٢٥ ]
العظمى لأهل الموقف، والشفاعة في أهل الجنة أن يدخلوها والشفاعة في تخفيف العذاب عن أبي طالب، وهذه الثلاثة خاصة بمحمد - ﷺ -. والشفاعة فيمن استحق النار أن لا يدخلها، وفيمن دخلها أن يخرج منها، وهذه الشفاعة يشترك فيها النَّبيُّون، والصِّدّيقون، والشُّهداء، والصَّالحون، وهي تتكرر من النبي - ﷺ - أربع مرات:
١ - يشفع فيمن كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان.
٢ - يشفع فيمن كان في قلبه مثقال ذرة أو خردل من إيمان.
٣ - ثم فيمن كان في قلبه أدنى حبة من خردل من إيمان.
٤ - ثم فيمن قال: لا إله إلاّ الله.
ثم يخرج الله - ﷿ - من النار أقوامًا بغير شفاعة، بل برحمته، وفضله، وإحسانه، فيقول الله تعالى: «شفعت الملائكة وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط» (١).
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، برقم ٧٤٣٩، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، برقم ١٨٣، واللفظ لمسلم.
[ ٢٦ ]
١١ - الجنة والنار
١ - الإيمان بأن الله تعالى علم أحوال عباده
١ - التقدير الشامل
٢ - كتابة الميثاق
٣ - التقدير العمري
٤ - التقدير السنوي
٥ - التقدير اليومي
١١ - الجنة والنار، يجب الاعتقاد بأن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، والجنة دار أوليائه، والنار دار أعدائه، وأهل الجنة فيها مخلدون وأهل النَّار من الكفار مخلدون، والجنة والنار موجودتان الآن، وقد رآهما رسول الله - ﷺ - في صلاة الكسوف، وليلة المعراج، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الموت يُجاء به في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار ويُذبح ويُقال: «يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت ويا أهل النار خلودٌ فلا موت» (١).
الأصل السادس: الإيمان بالقدر خيره وشره:
ويتضمن الإيمان بأمور أربعة:
١ - الإيمان بأنَّ الله تعالى علم أحوالَ عباده، وأرزاقَهم، وآجالهم، وأعمالهم، وما كان ويكون، لا يخفى عليه شيء: ﴿إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ
عَلِيمٌ) (٢)، ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٣).
٢ - كتابتهُ - ﷿ - لكل المقادير (٤)، قال - ﷿ -: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، برقم ٦٥٤٨، وصحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، برقم ٢٨٤٩، ٢٨٥٠.
(٢) سورة العنكبوت، الآية: ٦٢.
(٣) سورة الطلاق، الآية: ١٢.
(٤) الإيمان بكتابة المقادير يدخل فيه خمسة تقادير:
(٥) التقدير الشامل لجميع المخلوقات، بمعنى أن الله - ﷿ -: علمها، وكتبها، وشاءها، وخلقها، وهذه مراتب القدر الأربع.
(٦) كتابة الميثاق، لقوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا﴾.
(٧) التقدير العُمُري: تقدير رزق العبد، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد في بطن أمه بنهاية الشهر الرابع.
(٨) التقدير السنوي؛ فإنه يكتب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة: من الخير، والشر، والأرزاق.
(٩) التقدير اليومي، لقوله - ﷿ -: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فيغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويرفع قومًا، ويضع آخرين. وهذا التقدير اليومي تفصيل من التقدير الحولي، والحولي تفصيل من التقدير العُمري عند نفخ الروح في الجنين في بطن أمه، والعُمري تفصيل من التقدير العُمري الأول يوم الميثاق، وهو تفصيل من التقدير الذي خطه القلم في الإمام المبين. انظر: معارج القبول، لحافظ ابن أحمد الحكمي، ٣/ ٩٢٨ - ٩٤٠.
[ ٢٧ ]
٣ - الإيمان بمشيئة الله النافذة
٤ - الإيمان بأن الله هو الخالق لكل شيء وما سواه مخلوق له
مُّبِينٍ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ (٢)، وفي صحيح مسلم: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» (٣).
٣ - الإيمان بمشيئة الله النافذة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، قال - ﷿ -: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاّ أَن يَشَاءَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤)، وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٥).
٤ - الإيمان بأن الله هو الخالق لكل شيء وما سواه مخلوق له، قال - ﷿ -: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٦).
_________________
(١) سورة يس، الآية: ١٢.
(٢) سورة الحج، الآية: ٧٠.
(٣) صحيح مسلم، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى، برقم ٢٦٥٣، من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
(٤) سورة التكوير، الآية: ٢٩.
(٥) سورة يس، الآية: ٨٢.
(٦) سورة الزمر، الآية: ٦٢.
[ ٢٨ ]
١ - الإيمان الصادق بجميع ما أوجبه الله على عباده وفرضه عليهم
٢ - الاعتقاد بأن الإيمان قول وعمل
أمور تدخل في الإيمان بالله - ﷿ -:
١ - يدخل في الإيمان بالله الإيمان الصادق بجميع ما أوجبه الله على عباده وفرضه عليهم، كأركان الإسلام الخمسة، وغيرها مما أوجب الله على عباده.
٢ - ومن الإيمان بالله: الاعتقاد بأن الإِيمان قول وعمل، [يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية].
٣ - ومن الإيمان الحبُّ في الله والبغض في الله (١).
_________________
(١) انظر: العقيدة الصحيحة وما يُضادُّها، للعلامة عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀، ص٢٠.
[ ٢٩ ]