مدخل
الباب الأول: الشرق السامي وحدة حضارية ودينية
مفهوم الشرق وأهمية دراسته:
إن التصورات حول انقسام المعمورة إلى غرب وشرق، قد تشكلت -على ما يبدو- في غزو الإسكندر للشرق، ثم أخذت تظهر مع عصر الحروب اليونانية- الفارسية، وبدأ الصراع يزداد مع الصراع الثقافي، وسيطرت على العقل اليوناني فكرة تصارع الهلينية والبابرة: الغرب والشرق، ثم أخذ الصراع بينهما يزداد في الاهتمام بتغير الفروق الحضارية من خلال الاختلافات الجغرافية والظروف الاجتماعية والتاريخية والثقافية. ومع تطور البحوث عن الشرق القديم ازدادت الحاجة إلى تحديد مفهوم الشرق في صيغة دقيقة متعارف عليها جغرافيا ويكون مفهوما تاريخيا حضاريا، وذلك في إطار قضية أوسع، وهي قضشية العلاقات بين الشرق والغرب.
ولم يكن مفهوم الشرق في تصور العلماء المعاصرين قد تحدد جغرافيًّا ولا زمنيًّا بقدر ما هو مفهوم حضاري، ولم يكن بعدُ قد حصل على صيغة دقيقة متعارف عليها لدى المختصين بشئون الشرق القديم.
فمفهوم الشرق بالنسبة للرومان، يعني كل ما يقع شرق إيبريا ثم أصبحوا في عصر الإمبراطورية يقصدون: مصر والأقاليم الواقعة في آسيا الأمامية، وكذلك جزء من تراقيا، ثم انحصر المفهوم بسورية فقط، ثم بدأ يتحدد مع بداية القرن التاسع عشر والقرن العشرين حتى شمل المجتمعات القديمة كمصر، وبلاد ما بين النهرين، وفلسطين، وإيران، ثم توسعت نتيجة الاكتشافات الأثرية التي جرت، وأصبحت تضم هضبة الأناضول والجزيرة العربية، ثم مجتمعات الهند والصين؛ وذلك تبعا للظواهر الاجتماعية المتشابهة.
وإذا كانت عادة المؤرخين قد جرت على اعتبار أن التاريخ في المعنى الحقيقي للكلمة يبدأ بظهور النصوص الكتابية الأولى، أي في تخوم الألفين الرابع والثالث ق. م. وكل ما يسبق ذلك التاريخ قبل هذا الزمن فيطلق عليها ما قبل التاريخ، ولذلك فإن كل ما يتسنى معرفته حول هذه المرحلة يندرج اندراجا عضويا في نطاق تاريخ الشرق القديم.
[ ٢٩ ]
وفي بدايات اللقاءات بين الشرق والغرب في العصر الحديث اصطلحت أوربا على تسمية الشرق القديم بالشرق الأدنى، وبصورة غير محددة على الجزء الجنوبي الغربي من آسيا المتاخمة لأوربا، ثم اقتبسته الولايات المتحدة وأضافت إلى رقعته بلدانا هي أقرب إلى الشرق الأقصى منها إلى الشرق الأدنى، وقد ظل هذا المصطلح الجغرافي -الشرق الأدنى- شائع الاسعمال حتى الحرب العالمية الثانية، وذلك كما يقول فيليب حتى: عندما أنشأت الحكومة البريطانية منطقة عسكرية تمتد من إيران إلى ليبيا وأطلقت عليها اسم الشرق الأوسط، وهو مصطلح كان حتى ذلك الحين يضم عادة الهند والبلدان المجاورة لها، ثم أنشئ بعد ذلك في القاهرة مركز تموين الشرق الأوسط، الذي أصبح فيما بعد مشروعا إنجلو أمريككانيا، وهكذا أصبح هذا المصطلح الجغرافي: الشرق الأوسط مصطلحا شائع الاستعمال، وتبرز أهمية دراسة الشرق الأوسط من عدة وجوه؛ من حيث موقعه الجغرافي: فهو يقع في المنطقة الذي يجعل منها مركزا للمواصلات الدولية التي تربط القارة الإفريقية بأوربا وآسيا.
- إنه مهد أعرق حضارة توصل فيها الإنسان إلى أقدم الاكتشافات وأعظمها خطورة، وأبعدها أثرا في تقدم الحضارة الإنسانية.
- وفيه أيضا نشأت ثلاث ديانات سماوية موحدة.
- وأنه منطقة تضم أقدم الوثائق التاريخية حول حياة الإنسان القديم وأطولها بقاء في الزمن.
لذلك خلف الشرق القديم للأجيال التالية تراثا غنيا من العلم والفن والأدب والفلسفة، وليس هناك رقعة جغرافية أخرى تناظره في حضارته توفر لنا سجلا حضاريا حرص الإنسان القديم على تدوينه؛ ليكون سجلا مطردا مثله استمر أكثر من خمسة آلاف سنة.
لذلك تذهب الدراسات التاريخية الحديثة إلى أن تاريخ الشرق القديم هو: أول فصل من تاريخ البشرية الحضاري لما له من فضل السبق الحضاري الديني، والثقافي.
كما أظهرت الدراسات التاريخية الحديثة أيضا أن لحضارات الشرق القديم أعظم التأثير على الحضارة الإغريقية الرومانية والحضارات العربية الإسلامية.
[ ٣٠ ]
وليست دراسة الشرق القديم وليدة اليوم أو الأمس، فمنذ أن عرف الإنسان سبيله إلى كتابة التاريخ وظهر مؤرخون وحديثهم عن الشرق لا ينقطع، فقد تضمنت أعمال المؤرخين: اليونان والرومان القدماء معلومات قيمة حول تاريخ وحضارة وديانات المصريين القدماء والبابليين والفرس والهنود والعرب وشعوب أخرى، ولكن الدراسات العلمية الحديثة للشق القديم لم تبدأ في أوربا إلا عصر التنوير، وطوال القرن التاسع عشر بدأ العلماء يتجهون إلى أعمال البحث والتنقيب عن معالم الحضارات الدراسة فيما يظهر لهم من اللقى والآثار والنقود وما عليها من رموز كتابية، ويعكفون على فك ما يظهر لهم من كتابات حضارات الشرق القديم من الهيروغليفية، المصرية القديمة، والفارسية، والبابلية، والآرامية.
ولقد أحدثت البحوث، التي جرت في مصر وبلاد ما بين النهرين وإيران والجزيرة العربية، نجاحًا جديدًا في مجال دراسة حضارات الشرق القديم؛ إذ تطورت طرق وأساليب القيام بالحفريات الأثرية، وارتقى المستوى النظري للدراسات والبحوث المكتبية، وأصبح علماء الآثار والمؤرخون، وعلماء اللغة، يستعملون طرقا جديدة تماما لمعالجة المصادر الأثرية والتاريخية، ويستخدمون بصورة واسعة منجزات العلوم الطبيعية وغيرها مما أتاح لهم تناول المادة على نحو جديد، واستخلاص معلومات غزيرة من أدلة الماضي التي لم تؤخذ سابقا بعين الاعتبار إطلاقا؛ فإن علم النباتات القديمة -مثلا- يتيح استرجاع الظروف البيئية التي كانت تعيش فيا القبائل الزراعية الباكرة، كما أن استخدام الوسائل التكنيكية الحديث لدراسة الأدوات تطورت تبعا لدرجة رقة أطرافها القاطعة.
كذلك وتشكّل معطيات علم تاريخ اللغات أهمية فائقة بالنسبة لبحث بعض مراحل ما قبل التاريخ البشري، وهنا تجدر الإشارة بشكل خاص إلى بعض الفرضيات الهامة جدا التي طرحها العلماء السوفييت وإلى المشاريع التي يقومون بتحقيقها، وربما كانت أهم هذه الأعمال وأنجحها؛ البحوث المتعلقة بعلم اللغة التاريخي المقارن، وخاصة في مجال التشبيهات اللغوية البعيدة.
[ ٣١ ]
ومما تجدر الإشارة إليه: الإشارة إلى اكتشاف ما يسمى بمخطوطات البحر الميت في عداد أهم المكتشفات العلمية في القرن العشرين؛ ففي عام ١٩٤٧ عثر الفتى البدوي محمد الديب من عشيرة "تعامره" على لفائف جلدية مليئة بمختلف الكتابات في إحدى مغارات الشاطئ الشمالي الغربي للبحر الميت في منطقة مقفرة بوادي قمران "الأردن" التي أسفرت عن اكتشاف ٤٠ ألف قطعة من المخطوطات تمثل بقايا لحوالي ٦٠٠ من المؤلفات المختلفة التي تتضمن الكتب المقدسة والأسفار والمؤلفات الدينية التي وضعها أفراد طائفة دينية سكنت في هذه الأماكن المعزولة في أواخر القرن الثاني ق. م. واصطلح على تسميتها حاليا بجماعة قمران، إن مقتطفات كتب التوراة المكتشفة في وادي قمران تتيح تتبع تاريخ النصوص المقدسة، وهذه الكتب أقدم بخمسمائة سنة تقريبا من المخطوطات المعروفة، وتفتح فصلا جديدا في ميدان نقد التوراة، إن المؤلفات الهامة لجماعة قمران: الميثاق، والوثيقة الدمشقية، ملف الحرب، والأناشيد وغيرها، تعبر عن أيديولوجية هذه الطائفة الدينية المعارضة لليهودية الرسمية وعن نظرتها الاجتماعية، ومبادئها التنظيمية، وكان مؤسس هذه الجماعة وزعيمها الروحي شخص مجهول الاسم لقب بالمعلم الصالح، وكان القمرانيون يعتقدون أن الإله أودعه الأسرار المجهولة حتى للأنبياء.
إن النظرات الثنوية والمهدوية والأخوية لجماعة قمران ومبادئهم الاجتماعية والتنظيمية قد مارست على ما يبدو تأثيرا كبيرا على تشكل الجماعات المسيحية المبكرة في القرن الأول الميلادي، من هنا كان اختراع الكتابة من أعظم منجزات العصر القديم، ولا يمكن المبالغة في تقدير أهمية هذا الاختراع، وكان القدماء أنفسهم يدركون هذه الحقيقة تمام الإدراك، فليس عبثًا أنهم اعتبروا الكتابة هبة من الآلهة فقد كان الإله طوط عند المصريين خالقا لفن الكتابة وراعيا له، وعند البابليين الإله نايو، وعند الهيليين الإله هرميس.
ولم تصبح الكتابة مجرد وسيلة لحفظ وتخزين المعلومات وأداة لمساعدة الذاكرة البشرية المحدودة الإمكانيات فحسب، بل غدت كذلك قوة فعالة وعاملا من أهم العوامل لتحويل حياة المجتمع وثقافته، ومن المعروف أن ممارسة الكتابة والقراءة تغير طابع تفكير الإنسان المرتبط بها، ومع ظهور الدولة والكتابة يفصل العصر القديم
[ ٣٢ ]
عن العصور البدائية ويشير إلى فجر الحضارة وبداية تاريخ البشرية الحقيقي، وتعتبر كتابة ما بين النهرين أقدم كتابة في العالم، كما اكتشفت في مغارات الصحراء اليهودية بعض المخطوطات التي تعود إلى القرنين الأول والثاني الميلاديين والمدونة باللغات الآرامية والنبطية واليونانية، ونتيجة لأعمال التنقيب التي جرت خلال العامين ١٩٥٢، ١٩٥٣م في "ضربة مرد" وقعت في أيدي العلماء مخطوطات باللغتين السريانية واليونانية، وكذلك مخطوطات عربية تعود إلى القرون ٤-٨ الميلادية، ومقتطعات من المؤلفات الإنجيلية والأسفار الدينية والوثائق العملية، بل وحتى مقطع من مسرحية "يوريدبيدوس" اندروماخا -القرن السادس.
إن مخطوطات البحر الميت ذات أهمية عظيمة بالنسبة لفهم العمليات التاريخية المعقدة التي كانت تجري في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط في أواخر القرن الأول ق. م، ومطلع القرن الأول الميلادي، فهي تلقي ضوءًا ساطعا على الوضع والظروف الاجتماعية والمناخ الديني والأخلاقي والفكري، الذي كان يكتنف عملية تكون المسيحية ولقيام لجنة دولية من العلماء أنشئت خصيصا لهذا الغرض١.
ويبرز لنا من خلال نشاط علماء الآثار أن الشرق الأوسط يشكل وحدة حضارية ودينية يتسع مداها مع التاريخ، ويقوي تفاعلها الديني بين شعوبه، ويعتبر هذا الإرث الروحي يفوق هذه التقدمات المادية خطورة وأهمية وإن بدا ذا مظاهر وثنية فهو ينبئ عن عراقة الجانب الديني والعقدي في الإنسان وقوته في البناء الحضاري وتوجيهه.
_________________
(١) ١ الجديد حول الشرق القديم بإشراف العضو المراسل في أكاديمية العلوم للاتحاد السوفيتي السابق، بونجارد لينين، دار التقدم، موسكو
[ ٣٣ ]
الشرق وحدة حضارية ودينية:
نسوق بعضًا من نماذج كثيرة ليتبين أن أعرق شيء في الأساس الحضاري هو الدين؛ من حيث هو حقيقة موجهة إلى الله، وإن كانت الطفولة البشرية تدنسه بمظاهر الوثنية.
أ- حفائر البحرين:
- خلال الفترة الواقعة بين أواخر الخمسينيات وبداية السبعينيات عملت في البحرين والساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية بعثة أثرية إنجليزية وهولندية مشتركة بإشراف ج. بيبي، والمعروف لدى علماء الآثار أن البحرين "ديلمون أو تلمون" كانت تشغل مكانا خاصا في التصورات الميثولوجية والتاريخية لسكان ما بين النهرين القدماء، ففي النصوص السومرية القديمة كانت هذه الجزيرة تسمى أرض السعداء وتعتبر بمثابة الجنة السومرية، وقد تسنى للعلماء أن يبرهنوا على أن البحرين لم تكن عند السومريين مركزا هاما للعبادة فحسب بل كانت أيضًا منطقة عبور هامة للتجارة البحرية التي كان يمارسها التجار السومريون والبابليون في الألفين الثالث والثاني ق. م. وعن طريق البحري كانت تعقد الصلات مع "مالوه" حضارة حوض السند، وعثر علماء الآثار في البحرين على بعض المعابد الضخمة لشعوب ما بين النهرين التي شيدت في الآلاف ٣-١ ق. م كما اكتشفوا عند الشاطئ الشرقي لشبه الجزيرة العربية عدة حضارات أثرية شبيهة بحضارة ما بين النهرين يرجع عهدها إلى الألف الرابع ق. م. كما أن لقايا الأختام المنبسطة الطلاسم من طراز "حرابا" تسترعي اهتماما خاصًّا؛ لأنها تشهد على الصلات النشيطة القائمة بين الحضارات القديمة للهند وسومر.
٢- حفائر جورجيا:
- إن حفريات علماء الآثار الجورجيين في مدينة فاني -مدينة صغيرة تقع عند ثغر سولوري الرافد الأيسر لنهر فازيس القديم الذي يسمى حاليا ريوني- لا تزال مستمرة، ولا شك في أنها ستغني العلم بشواهد وأدلة جديدة وهامة حول الحضارة القديمة والفريدة لشعوب القوقاز، وقد أتاحت أعمال علماء التاريخ والآثار إعادة النظر في تقييم مساهمة منطقة ما وراء القوقاز في تطور حضارات الشرق القديم والحضارة اليونانية الكلاسيكية.
٣- حفائر تركستان:
- وفي عام ١٩٥٤ بدأت دراسة الحضارات القديمة لتركستان الجنوبية لمعهد الآثار التابع لأكاديمية العلوم التركمانية برئاسة ف. ساسون، منذ عام ١٩٦٥م تجري دراسة شاملة للمركز الضخم لحضارات آسيا الوسطى القديمة، وقد أدرجت الآثار
[ ٣٤ ]
المكتشفة في مدار المقارنات الحضارية الواسع مع معطيات الشرق الأوسط وهندستان التي تعكس الاحتكاكات والعلاقات الثقافية والاقتصادية القديمة، قد أتاحت إظهار عملية تطور الحضارة منذ المشاعة الزراعية المبكرة القديمة، وحتى المنظومة المعقدة ذات الطابع الديني، ففي ذلك الوقت كان هناك مركز عبادة ذو برج مدرج أقيم على غرار الزقورات السومرية، كما شهدت السنوات الأخيرة اكتشافات هامة في أراضي أوزبكستان أيضًا حيث إن بعثة معهد حمزة لتاريخ الفن طشقندة قد ساهمت بقسط كبير في دراسة تاريخ هذه المنطقة، وضمن الاكتشافات الجديدة يمكن الإشارة إلى المعبد البوذي الثاني الذي يقع داخل المدينة.
٤- حفائر: داريكا، أوزبكستان، طاجيكستان، أفغانستان:
- لقد أطلق المؤرخون الإغريق على بالكتريا التي كانت تضم شمال أفغانستان وجزءا من منطقة سرحان داريكا أوزبكستان، وكذلك جنوب طاجيكستان -اسم بلد الألف مدينة، وخلال عشرة مواسم حفرية تم بصورة كاملة الكشف عن المعبد الذي يمثل تصميمه مخططا كلاسيكيا متطورا لمعبد النار الشرقي، وتتصل بإيوان المعبد من الشمال والجنوب حجرات خزانات للنار المقدسة وكانت تملأ بالرماد والفحم، وقد ساعد اكتشافه على توضيح الجوانب المبهمة أو المفاهيم الخاطئة حول التراكيب الهندسية لبعض معابد النار، وإن الكتابات اليونانية القديمة المنقوشة على أحد مذابح المعبد العديدة لتشير إلى أن المعبد كان يحمل اسم إله وكسوس الذي كان يقع على ضفته، وعلى مذبح آخر بقيت في صورة واضحة حروف يونانية، واستنادا إلى كمية كبير من المعطيات الميدانية تسنى للعلماء أن يبرزوا على نحو واضح دور التقاليد المحلية في نشوء الحضارة الهلينية البالكترية وإبراز شتى جوانب العلاقات بين شعوب هذه المنطقة ومختلف مناطق الحضارات القديمة الممتدة من الهند إلى البحر الأبيض المتوسط.
وهكذا تبدو بوضوح تام العناصر المكونة للفن اليوناني البالكتري في ضوء المواد الأثرية المكتشفة في معبد أوكسوس التي تضم تقدمات الأهالي والسلاح والأدوات المستخدمة في الطقوس الدينية، وهي العنصر الشرقي الأصلي والعنصر الهليني.
[ ٣٥ ]
المستورد والعنصر الغانداري المنصهر في بوتقة واحدة ضمن التركيب اليوناني-الهندي، ومن السمات المميزة الهامة لهذا العصر انتشار البوذية في بالتيريا، وبعض مناطق آسيا الوسطى.
٥- معطيات حفائر آسيا:
- وتشير معطيات العلم المعاصر إلى أن آسيا كانت تضم ثلاثة مراكز أولية هامة للاقتصاد المنتج القديم كانت تقع في آسيا الأمامية وجنوب شرق آسيا وشرقها، وظهر في إفريقيا مركز واحد على الأقل "شمال شرق إفريقيا" كما نشأت مراكز ثانوية فريدة للزراعة القديمة ذات طابع خاص في أفغانستان وإيران وشبه الجزيرة الهندية وبعض المناطق الأخرى لقد كان مركز آسيا الأمامية من أقدم مراكز الزراعة المبكرة، وهو يمتد من آسيا الصغرى إلى الحدود العراقية الإيرانية. "جبال زجروس" ومن فلسطين حتى ما وراء القوقاز، وفي العديد من مناطق آسيا الأمامية كانت تنمو بعض أصناف الحبوب البرية والنباتات القرنية.
وفي الألف السابع ق. م. مارس مركز الساحل الشمالي للبحر الأبيض المتوسط "فلسطين وجنوب غرب سورية"، والمراكز الواقعة في شمال سورية وجنوب شرق الأناضول وجنوبها وزجروس من شمال العراق حتى جنوب غرب إيران ومركز ما وراء القوقاز، بعض التأثير على المنطقة الإفريقية المجاورة له، وقد تشكل في جنوب شرق الأناضول وشمال سورية مركز مبكر للزراعة القديمة فريد من نوعه، وينقسم هذا المركز من وجهة النظر التاريخية للحضارة إلى منطقتين: جنوب شرق الأناضول، وشمال سورية، وكان سكان شمال سورية في العصر الحجري الحديث يجرون تبادلا تجاريا نشيطًا مع أهالي الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، إن هذه المناطق كانت تقع ضمن منطقة انتشار الزراع السوريين الشماليين، وأنه تشكلت هنا بالذات في النصف الأول للألف السادس الوحدة البشرية التي أرست بداية سكن واستقرار الزراع في مختلف أرجاء بلاد ما وراء النهرين.
[ ٣٦ ]
أما المركز الصغير الثالث فقد كان يقع في جنوب الأناضول، وفي مطلع العصر الحجري الحديث تقاربت الجماعات القاطنة في هذه المنطقة حضاريا مع سكان جنوب شرق الأناضول وتأثيرهم.
٦- حفائر شبه الجزيرة العربية:
- لقد كان مناخ الجزيرة خلال الآلاف ٦-٣ ألطف بكثير مما هو عليه الآن، وتوفرت هنا في العديد من الأماكن الظروف الملائمة لتطور الزراعة والرعي، وللأسف لا يزال تاريخها المبكر جدا غير مدروس حتى الوقت الحاضر، ولكن من المعروف أن مستوى مجتمعات الجزء الشرقي من الجزيرة العربية لم يكن أدنى إلى حد ملحوظ من مستوى حضارات ما بين النهرين، وكانت تزرع هناك آنذاك أشجار النخيل، وبعض النباتات الأخرى، وفي المناطق الداخلية للجزيرة العربية كان السكان يمارسون الرعي، ومع مرور الزمن استطاعوا تدجين الجمل ذي السنام الواحد.
٧- حفائر مصر:
وفي مصر اكتسبت مراقبة الفيضانات وضبطها أهمية بالغة بالنسبة للزراع القدامى عندما بدأ المصريون بناء الأقنية وإقامة السدود والجسور والقناطر لمجابهة نزوات نهر النيل الهائج، وتنظيم منسوب مياه النهر، وأصبحت مصر العليا ضمن منطقة التأثير المباشر أو غير المباشر لمركز آسيا الأمامية، لكن أعمال الري الضخمة لم تبدأ إلا في عصر الفراعنة، وبفضل الانتقال إلى الزراعة والرعي أرسيت المقدمات المادية الثابتة لتشكيل الحضارة.
٨- دراسة تاريخ الكتابة:
- منذ زمن طويل يعكف العلماء على دراسة تاريخ الكتابة، وبالرغم من أنه لم تتضح بعد أشياء عديدة في هذا المجال قد تسنى تحقيق الكثير فيه، فقد استطاع العلماء أن يبينوا كيفية نشوء بعض الأبجديات، وأن يتقصّوا أصل العديد من الأنظمة اللغوية وطرق تطورها، وأن يظهروا الترابطات والتعاقبات القائمة بينها، وهم يفترضون أن
[ ٣٧ ]
أقدم الكتابات قد ظهرت بمعزل عن بعضها البعض، وذلك في عدة مراكز في مصر وبلاد ما بين النهرين "جنوب العراق" ثم في الصين خلال فترة لاحقة؛ ويبدو أنه كانت ثمة مراكز أخرى مبكرة لتشكل الكتابة في أوربا بشمال شبه جزيرة البلقان وفي شبه الجزيرة الهندية، بمنطقة وادي الهندوس.
٩- كتابة ما بين النهرين:
- وتعتبر كتابة ما بين النهرين أقدم كتابة في العالم، وأغلب الظن كما يذهب علماء الآثار أن الفضل في اختراع هذه الكتابة يعود إلى السومريين، وهم شعب كان يعيش في جنوب العراق خلال الألفين الرابع والثالث ق. م. وفي أوقات لاحقة استخدمت هذه المنظومة الكتابية أيضا شعوب آسيا الأمامية القديمة الأخرى كالأكاديين والعيلاميين والإييلائيين والحيثيين والأوغاريتيين والأورانيين والفرس، وذلك بعد تبسيطها وتكييفها مع حاجات لغاتها، وقد استمر استعمال الكتابة السومرية أكثر من ثلاثة آلاف سنة، وترجع آخر النصوص المعروفة المدونة بالخط السومري إلى منتصف القرن الأول الميلادي، أما أقدم هذه النصوص فتعود إلى حوالي عام ٣١٠٠ ق. م، وعلى هذا النحو فقد بدأ تاريخ الكتابة السومرية الأولية على تخوم الألفين الرابع والثالث ق. م، وبلغ خمسة آلاف سنة.
- ويرى بعض علماء الآثار والتاريخ أن اكتشاف أواني بلاد ما بين النهرين في منطقة بعيدة يتيح الحديث عن وجود تجار سومريين في المستوطنات السورية والعيلامية، وحتى فصائل عسكرية سومرية كانت تقوم بحراسة طرق القوافل.
- وعندما نقرأ الكتب نجد أنها تجسدت فيها روح العباقرة البشريين العظماء، ويجدر بنا أن نتوقف أحيانا ونذكر بالامتنان والعرفان رواد الكتابة الأوائل وأن نتصور ولو مرة واحدة يوما قائظا وبرجا مستديرا لعنبر يجلس تحت ظلاله نفر من الشيوخ شبه عراة يكومون الكرات الطينية بأصابعهم.
[ ٣٨ ]
١٠- ديانة مصر القديمة:
- وضع العالم السوفيتي كورستوفتسيف وهو عالم أثري تخصص في مجال المعربات كتابا عنوانه: "ديانة مصر القديمة"، ويتسم هذا العمل بالأصالة من حيث الاستنتاجات ويتميز بمستوى علمي رفيع وتحليل للنصوص، وقد أدخل الكثير من الأمور الجديدة على علم المصريات العالمي.
ويتناول الكتاب بالبحث مختلف أوجه المعتقدات الدينية عند المصريين القدماء مثل عبادة: الرقى والطوطمية، واللاهوت، والكونيات، والتصورات حول الحياة الآخرة، ويؤكد المؤلف على أن نشوء الأديان هو عملية تاريخية، وأن الدين ذاته، وفي مصر بالذات هو بناء فوقي إيديولوجي يرتفع فوق القاعدة المادية للمجتمع، إلا أنه يكتسب بعد ظهوره نوعا من الاستقلالية تجاه النباء التحتي، ويبين المؤلف أنه لم تكن في مصر أبدا عقائد دينية واحدة لكل بلد، فقد كانت الديانة المصرية تمثل ظاهرة معقدة جدا تتجلى في المجتمع بين معتقدات متناقضة غالبا، ومتعارضة أحيانا، وقائمة في أوقات مختلفة وفي شتى البلاد.
١١- حفائر تل مرديخ:
- في منتصف الطريق بين المدينتين السوريتين: حلب وحماة، تنتصب هضبة كبيرة تسمى "تل مديخ"، وفي مطلع القرن الحالي قامت بعثة أثرية فرنسية بحفريات اختيارية في موقع تل مرديخ، واتضح أن أهالي تلك المدينة الرئيسية لهذه الإمبراطورية التي قامت في آسيا الأمامية كانوا يتكلمون باللغة الكنعانية القديمة، التي تعتبر سلف اللغتين؛ الفينيقية والعبرية القديمة، وضمن الأديان التي كانوا يعبدونها كان الرب باوم يشغل مكانًا خاصًّا، كما تبين أن أحد ملوك المملكة المكتشفة حديثا كان يدعى إيبريوم، مما حدا ببعض العلماء إلى مقارنته بجد الساميين عبر، ونصادف في النصوص أسماء أعلام مثل: دل أو دو "داوود" وميكائيل وإسرائيل، وكذلك تسميات العديد من المدن الفلسطينية، وحتى مدينتي سدوم، وعمورية، ويبدو أن شعب إيبلا كان أول من استخدم الكتابة السومرية لتدوين لغته، ولقد
[ ٣٩ ]
برع الإييلاثيون في استخدام هذه الكتابة إلى حد لا يقل عن السومريين والأكاديين ذاتهم، وكان شعب إييلا يعبد آلهة متعددة، وكان مجمع الأرباب يضم الآلهة الكنعانية القديمة مثل بعل وكيموش، وتذكر لوحات الأرشيف في إييلا حوالي ٥٠٠ من مختلف الأرباب، ويبدو أن "دجن" كان أهم رب عندهم والذي ظل يتصدر لائحة مجمع الأرباب الكنعانية، ويعني اسم "دجن": الغيمة أو المطر، أما زييش إله الشمس فكان شأنه شأن إله الرعد حدد عدا، والإلهان كورا وكاكاب كانا يظهران بصفة شاهد وكفيل لدى توقيع المعاهدات وعقدها، والإله كاشارو، والإله الكنعاني المشترك بعل، وهناك إلهان: رب الأنهار، وكانوا يعتبرون الرب دابر حاميا لمدينتهم، وهو الرب الذي يرد ذكره في التوراة، ولكن ليس كإله وإنما بمعنى "وياء الإله عقابه" من هنا يظهر أن العديد من الظواهر الحضارية والتاريخية التي عرفتها سورة وفلسطين إلى حضارات النيل والفرات مما يشكل معنى التزاوج الحضاري، ولا سيما وحدته الدينية.
١٢- بابل:
- وإن السمة الأساسية لبابل كما يرى "دنداماييل" كانت تكمن في عدم غرس روح التعصب الديني تجاه معتقدات الشعوب الأخرى، وكان الغرباء المقيمون في بابل يتخذون أسماء بابلية مركبة تتضمن أسماء الآلهة مثل: ندنتو بعل هبة الرب بعل، وبعل ابن مخلوق الرب بعل، وقد كان البابليون يسمون أولادهم بأسماء مركبة من أسماء آلهة الشعوب مثل: متريدات عطية الرب مترا، نسبة إلى اسم الرب الإيراني، وإلى جانب ذلك فإن الشرق القديم لم يعرف الخلافات والصراعات القائمة على أساس ديني أو الحقد العرقي أو الشعور بتفوق شعب على شعوب أخرى، وكان الغرباء يندمجون بسهولة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية لوطنهم الجديد، وكان ذلك مثار إعجاب المؤرخ اليوناني هيرودت، فعلى سبيل المثال كان السورميون والأكاديون؛ وهما شعبان مختلفان من النواحي العرقية واللغوية والحضارية يعيشان جنبا إلى جنب في سلام في منطقة واحدة، وعلى قرون عديدة
[ ٤٠ ]
إلى أن خرجت اللغة السومرية من حيز الاستعمال الواسع إلى لغة العبادة، والأدب والعلوم.
أما السومريون أنفسهم فقد اندمجوا بالأكاديين في عملية تاريخية طبيعية، وكذلك عندما أنشأ الآشوريون إمبراطوريتهم الضخمة في القرون ٩-٧ ق. م أخذوا ينتقلون بالتدريج إلى استعمال لغة القبائل الآرامية، ثم اندمج الآشوريون بالآراميين، ويغدو تمازح وتفاعل عناصر الثقافات الشرقية واليونانية من أهم ملامح الحضارة الهلينية، ولكن بابل لم تقطع تقاليدها المحلية في عهد ملوك الفرس واستمرت الحضارة.
١٣- حفائر الشرق الأدنى:
البابلية القديمة في تطورها الذي لم يتوقف بعد احتلال المقدونيين. بعد الاكتشافات التاريخية الأثرية العظيمة التي جرت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين في بلدان الشرق الأدنى ومصر وإيران والهند والتي جعلت الآثار الرائعة للحضارات القديمة في هذه البلدان في متناول العلم العالمي والحضارة العالمية، وساعدت على إعادة رسم لوحة التاريخ البشري في مراكزه الرئيسية، وأصبحت دراسة الجزيرة العربية تكتسب أهمية أكبر فأكبر باعتبارها واحدة من أبرز قضايا العلوم التاريخية المعاصرة، مهد الإسلام وأحد مراكز الحضارة البشرية غير المدروسة وتحولا من بلاد غامضة إلى بلاد معروفة، وتحديد مكانتها الحقيقية في المسار العام وللتاريخ العالمي، وإن الفحص التاريخي الأثري للقسم الشمالي الشرقي -البحرين- والقسم الجنوبي الغربي -اليمن- والبحوث التي تجري في أواسط الجزيرة العربية؛ قد بينت وجود مراكز قديمة للحضارات البشرية هناك أسهمت منجزاتها بقسط كبير في تاريخ الحضارة العالمية، وقد لعبت هذه المناطق من الجزيرة العربية دورا هاما في إقامة الاتصالات البرية والبحرية بين دول الشرق القديم، وفي عملية تبادل المواد الطبيعية والمصنوعات الحرفية والإنجازات الحضارية والتكنولوجية بين شعوب حوض البحر
[ ٤١ ]
الأبيض المتوسط والشرق الأدنى والأوسط والهند وشمال شرق إفريقيا في العصور القديمة، وكذلك في القرون الوسطى جزئيا، مثل هذه الصلات كانت عاملا هامًّا من عوامل الحياة الاقتصادية والثقافية خلال العصور القديمة والوسطى التي أعطت زخما لعملية التقدم العام، وأخيرًا فإن الجزئين الشمالي الشرقي والجنوبي الغربي من الجزيرة العربية لم يقعا على مفترق الصلات التجارية الدولية فحسب بل كانا -ومنذ أوائل العصر الحجري- حلقة وصل تارة ونقطة انطلاق تارة أخرى لحركات النزوح الكبيرة التي حددت في نهاية المطاف الملامح العامة للخارطة الحضارية واللغوية للشرق الأدنى والبلدان المتاخمة له، ولقد أسفرت الكشوف البحرينية: معبد مكرس لإلهة الخصب عشترم، ومعبد آخر لإله الشمس، ومعبد لإلهة الأمومة والحب، وتشير بعض النقوش إلى أن التقرب للآلهة تجزى وفاء النذر أو توسلا لغفران الذنوب المقترفة، وهذه النقوش تسمى "المسند"، وتعتبر مصدرا هاما جدًّا لمن يشتغل في تاريخ ولغة وحضارة جنوب الجزيرة العربية، وهي المادة الأساسية اللازمة لإعادة السند التاريخي لهذه المنطقة، ويرى علماء الآثار أن هناك تقاربًا بين لغة أقدم نصوص الكتاب المقدس للفرس القدامى أفيستا، والكتاب المقدس للهنود القدامى الفيدا، وكذلك بين ديانتيهما من حيث: التصورات، الجنة والنار، ومصطلحات الطقوس، وتقديم النبيذ للآلهة، والمشعل، والمذبح، والخلود، وعبادة الآلهة، والالتزام يذهب فان وديل -وهو من أوائل الذين عملوا في فك الرموز- إلى أن السومريين والآراميين في عصر الفيدي هم شعب واحد على أساس أنه قرأ أسماء الآلهة السومرية وأبطال ملاحم هندية من خلال ما عثر عليه من أصول سومرية لكلمات من مختلف اللغات الهنداوريين اليونانية والسنسكريتية والهندوسية.
[ ٤٢ ]
نظريات ومذاهب في تحديد موطن الساميين الأصلي:
اختلف المؤرخون حول موطن الساميين الأصل اختلافا كبيرا يدور على عدة مذاهب:
أولا: المذهب الإفريقي
يرى: أن الساميين نشأوا في بلاد أفريقية أول الأمر وأقاموا بها زمنا طويلا، ولما ضاقت بهم هاجروا إلى الأماكن التي استقروا فيها فيما بعد، ويبين أصحاب هذا الرأي رأيهم على أسس جسمانية فيقولون: إن هناك تشابها في الخلقة بين الحاميين، أو سكان أفريقيا، والساميين، وبخاصة من كانوا يسكنون جنوبي بلاد العرب.
وينقسم أصحاب هذا الرأي إلى طائفتين:
فطائفة تقول: إن الساميين كانوا مع الحاميين يسكنون شمالي أفريقيا في مصر وما حولها، وأن هجرتهم إلى آسيا كانت بطريق برزخ السويس.
وطائفة أخرى تقول: إنهم كانا معا في بلاد الحبشة وإن هجرتهم منها إلى بلاد العرب كانت بطريق بوغاز باب المندب، هذا رأي دلت الدلائل على أنه ضعيف مردود؛ لأن التاريخ يذكر لنا أن أول هجرة للساميين كانت من آسيا إلى أفريقيا لا العكس، وأما ما عرف من تشابه بين الحاميين وبعض الساميين في بعض الصفات الجسمانية؛ فسببه أن الساميين سكان جنوب الجزيرة العربية اختلطوا هناك بالكوشيين المنحدرين من أصل الحاميين، لأنكوش من أبناء حام وتصاهروا معهم١.
_________________
(١) ١ يراجع "الأمم السامية مصادر تاريخها وحضارتها": حامد عبد القادر عضو مجمع اللغة العربية، مراجعة د. عوني عبد الرءوف طبعة دار النهضة.
[ ٤٣ ]
ثانيا: المذهب الأرميني
يقول: إن المواطن السامي الأصلي هو قاطن ببعض جهات أرمينية، ويرى أصحاب هذا الرأي، وفي مقدمتهم -أرنست- صاحب كتاب تاريخ اللغات السامية، الذي كتبه بالفرنسية؛ يذهب فيه إلى أن الساميين هاجروا أولا من جهات في مقاطعات أرمينية الواقعة حول إقليم أرمينيا الجبلي في شمال الكردستان الحالية، الواقعة شمال العراق، ويستدلون على ذلك بأدلة مستقاة من روايات التوراة، ومما نقل عن بعض أحبار اليهود.
فهذا الرأي يوصف بأنه رأي نقلي؛ لأنه مأخوذ عن الغير، وليس له أي دليل، وهذا الرأي لا يمكن الأخذ به؛ لأنه أصبح من المؤكد الآن، أن مؤلف سفر التكوين، الذي هو مصدر تلك الروايات لم يستند فيما كتب إلى أدلة علمية يقنية، بل كان يأخذ المعلومات من أفواه الرواة والقصاصين، الذين ذهبوا في رواياتهم مذاهب شتى، غير يقينية فيما يتعلق بموطن الساميين الأصلي.
يقول نولدكه المستشرق الألماني: قل أن يوجد عالم محقق الآن يعتقد أن موطن الساميين الأصلي هو الشمال الأقصى من بلاد العراق١.
ثالثًا: الرأي التركستاني
يذهب إلى هذا الرأي طائفة كبيرة، من مستشرقي أوربا، وفي مقدمتهم "فون كريمر"، يقوم هذا الرأي على نتيجة هامة؛ وهي: أن الساميين قبل تفرقهم، وتفرق لغاتهم الأصلية إلى لهجات مختلفة، كانوا يستعملون اسما مشتركًا فيما بينهم، ولكن لم يكن لديهم اسم عام مشترك للنخيل، ولا للتمر، ولا كلمة واحدة تدل على النعامة؛ أي أن الكلمات التي تدل على نخل، وتمر، ونعامة لا
_________________
(١) ١ راجع مقالًا عن اللغات السامية في دائرة المعارف البريطانية.
[ ٤٤ ]
توجد بصورة واحدة، ولا بصورة متقاربة في جميع اللهجات السامية، أما الكلمات التي تدل على جمل، فهي كلمة واحدة تقريبا في جميع اللهجات، واستنبط فون كريمر من هذه الظاهرة حقيقة جغرافية هامة، وهي: أن موطن الساميين الأصلي، لا بد أن يكون بيئة قد استوطنها الجمل منذ أقدم العصور؛ وفي الوقت نفسه لا تعيش فيها النعامة، ولا يوجد فيها نخل.
ويوصف هذا الرأي بأنه رأى لغوي؛ لأنه يقوم على أساس لغوي بحت، ومن ثم يصعب على الباحث، المحقق أن يجعله القول الفصل في هذا البحث المشكل؛ فإن هناك أسبابا قوية تدعونا إلى الشك فيه، وتحول دون قبوله، وعده نهائيًّا في حل المشكلة.
ومن بين هذه الأسباب: ما ذكره نولدكه شيخ المستشرقين، وهو: أن من الممكن أن نجمع عدة ألفاظ، تعد من الألفاظ العامة المشتركة، التي ورثتها جميع اللهجات السامية، والتي لا تنطبق مدلولاتها على أشياء واحدة في البلاد، التي يقول أصحابها هذا الرأي، أنها كانت موطن الساميين الأول، ولا في بلاد بابل، والتي يقال إنها موطن الساميين الأول.
رابعا: الرأي العربي
يتلخص هذا الرأي: في أن جزيرة العرب هي الموطن الأصلي للساميين؛ أول من قال بهذا الرأي هو: سايك الإنجليزي Sayce فقد ذكر في كتاب ألفه في قواعد اللغة الآشورية، وظهر في سنة ١٨٦٢ العبارة التالية: "إن جميع التقاليد السامية تدل على أن جزيرة العرب هي موطن الساميين الأول؛ فإنها البلاد الوحيدة التي تدل على أن جزيرة العرب هي موطن الساميين الأول؛ فإنها البلاد الوحيدة التي بقيت؛ أي لم يؤثر فيها نفوذ أجنبي يخرجها عن طبيعتها، وأن مميزات الجنس السامي؛ التي منها: القوة في العقيدة الدينية، والشجاعة الخلقية، وقوة الخيال؛ لا بد أن يكون مصدرها الصحراء، وفي سنة ١٨٧٣ أعلن شريدر الألماني الرأي نفسه في مجلة "تاس أو سلاند" بحث فيه العلائق الدينية، والجغرافية، والتاريخية، واللغوية، التي كانت تربط الأمم السامية بعضها ببعض، ثم وصل إلى النتيجة نفسها، وهي: أن بلاد العرب كانت مهد هؤلاء جميعًا قبل أن يتفرقوا، وفي سنة ١٨٧٥ نشر
[ ٤٥ ]
سبرنجر الألماني Sprnger جغرافية بلاد العرب القديمة، يذهب إلى نفس الرأي.
ولقد أيد "رايتر" الرأي القائل: بأن الهجرات السامية خرجت من قلب الجزيرة العربية إلى ما جاورها؛ فقد هاجرت جموع من العرب إلى سوريا، وما بين النهرين، واستولوا عليها؛ وقد حدث في القرون المسيحية الأولى أن استولى فريق من تجار العرب على مملكة "تدمر" غرب بلاد العرب، وأخضعوها لسلطانهم؛ وكذلك اقتسمت سهول سوريا الجنوبية ثلاث دويلات عربية هي: دويلات الغسانيين، والحيريين؛ وفي إبان الصراع مع الفرس، والروم كان الأكاسرة، والقياصرة يعتمدون على العرب المناذرة، حكام الحيرة، والغساسنة حكام الشام.
ولهذه الهجرات يذهب المؤرخون إلى تمييز الساميين إلى:
- الساميين الجنوبيين: بلاد العرب وأثوبيا.
- الساميين الأواسط: يسكنون كنعان.
- الساميين الشماليين: الآراميين في سوريا.
- الساميين الشرقيين: في بابل وآشور.
ولكن كلهم على السواء كانوا أولاد بيت عربي واحد وأواصرهم المتبادلة تبرز في وضوح في اللغة والدين، والثقافة١.
وخرجت هذه الهجرات بسبب تصدع سد مأرب في الركن الجنوبي من الجزيرة العربية، الذي ترتب على تصدعه إغراق جميع الأراضي الجنوبية، وهجرة كثير من القبائل القحطانية إلى الشمال في العراق، والحجاز، والشام، وكان منهم المناذرة والغساسنة، والأوس، والخزرج. يقول فيليب حتى: والحجة الجغرافية بالنسبة للجزيرة العربية تقوم على أن البلاد صحراوية يحيط بها البحر من ثلاث جهات؛ ولذلك فإنه عندما يزيد السكان عن قدرة الأرض المأهولة الضيقة لإعاشتهم؛ فإنهم
_________________
(١) ١ تراث العالم القديم ص٤٥.
[ ٤٦ ]
يميلون إلى البحث عن مجال حيوي متيسر فقط في الأراضي الشمالية الخصبية التي تجاورهم؛ ويؤدي ذلك إلى الحجة الاقتصادية التي تقول: إن أهل الجزيرة الرحل كانوا دومًا يعيشون على ما يقرب من الجوع، وإن الهلال الخصيب كان أقرب مكان يزودهم بما يحتاجون إليه١.
خامسًا: الرأي الديني
يذهب المؤرخون القدماء إلى تقسيم الأجناس البشرية إلى ثلاثة أجناس:
١- الجنس السامي.
٢- الجنس الحامي.
٣- الجنس اليافثي.
وذلك نسبة في رأيهم إلى أبناء نوح -﵇- الثلاثة، سام، حام، يافث على حسب ما ورد في الفصل العاشر من سفر التكوين، وقد قرروا أن أي جنس آخر لا بد أن يكون متفرعا من أحد هذه الأجناس الثلاثة؛ يقصدون بذلك أن جميع سكان الكرة الأرضية هم من نسل نوح؛ وقد بنوا رأيهم هذا على ما يستفاد من التوراة، من أن الطوفان الذي حدث في عهد نوح كان طوفانا عاما، شمل الأرض جميعا.
وهذا الرأي الذي يستند إلى مصدر ديني؛ يتضمن حقيقتين؛ هما:
أولا: أن جميع لغات العالم انحدرت من لغة واحدة، هي اللغة التي كان يتكلم بها أبناء نوح بعد الطوفان.
ثانيا: أن جميع الشعوب البشرية، التي تسكن جميع أنحاء الأرض، قد انحدرت من أصل واحد، هو نوح -﵇- وقد ظل هذا الرأي سائدا حتى عصر النهضة الأوربية.
سادسا: الرأي المتطرف
وجاء عصر إحياء العلوم، والمعارف في مستهل العصور الحديثة، التي تقدمت فيها العلوم الطبيعية، وانتشرت المباحث البيولوجية، وتعددت المصادر التاريخية بالنقوش وغيرها من الآثار التي خلفها القدماء، فتغيرت وجهة الباحثين في هذا الموضوع، وكان من نتائج تلك البحوث أن أنكر فريق من العلماء هذه القصة من أولها إلى آخرها، وعدوها من الأساطير الموضوعة، والأحاديث المختلفة، التي وضعها قدماء
_________________
(١) ١ تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين ص٦٧.
[ ٤٧ ]
القصاص من الأمم السامية، وخاصة بني إسرائيل؛ ثم أخذوا يعلنون آراءهم، التي تخالف ما ورد في تلك القصة النقلية في جملتها وتفصيلها.
سابعا: يتوسط بينهما
غير أن فريقا من العلماء الذين يحرصون على القديم، هبوا يقولون: إن كل أسطورة لا بد أن يكون لها أصل تاريخي تستنند إليه، وإن قصة خلق العالم كما ذكرت في سفر التكوين، وفي بعض آثار بابل القديمة على فرض أنها غير مقبولة في تفصيلها، لا بد أن تنطوي على شيء من الحقيقة، وعلى هذا الأساس أخذوا يوفقون بين المذهبين: الديني والعلمي، وأقبلوا يؤولون ما يقبل التأويل من النصوص المدونة في الكتب المقدسة خاصة بهذا الموضوع؛ كان تفسيرهم لحادثة الطوفان، المروية في سفر التكوين أنها حصلت بالفعل؛ ولكنها كانت حادثة محلية، ويرجح أن منشأها هو فيضان دجلة والفرات، وما يتصل بهما من نهيرات فيضانا خارقا للعادة؛ وكانت حادثة مروعة لم يعهد لها التاريخ نظيرا من قبل.
نظريات حديثة في تقسيم الأجناس:
لقد ظهرت آراء كثيرة مستنبطة من العلوم، التي تبحث في شئون الإنسان، يستفاد منها أن النوع الإنساني ينقسم على أساس اختلاف بنيته؛ واختلاف ألوان بشرته إلى أربعة أقسام:
أولا: الجنس الأبيض: الذي يوصف أحيانا بأنه الجنس القوقازي؛ وقد انتشرت منذ آلاف السنين في أوربا؛ ثم في حوض البحر المتوسط الشمالي، والجنوبي، وغرب آسيا.
ثانيا: الجنس الأصفر: الذي يوصف بأنه الجنس المغولي أو الطوراني، وقد انتشر في شرق آسيا، وبعض جهات أمريكا١.
ثالثا: الجنس الأسود: الذي يوصف بأنه الجنس النوبي، وقد انتشر في أفريقيا، واستراليا.
_________________
(١) ١ الأمم السامية ص٦١.
[ ٤٨ ]
رابعا: جنس رابع: ليست له مميزات خاصة، بارزة، كان يسكن بعض جهات استراليا، وغينيا الجديدة.
وهذا التقسيم تقريبي؛ وليس معناه أن هذه الأجناس عاشت مستقلة بعضها عن بعض، بعيدة عن الاختلاط بغيرها.
ويرى العلماء أن الجنس الأبيض القوقازي ينقسم إلى ثلاثة أقسام فرعية:
١- الجنس الأصهب الشمالي.
٢- الجنس الأسمر الجنوبي.
٣- جنس بين هذين الجنسين.
ومن بين هذه الشعوب التي تنتمي إلى الجنس الأسمر الجنوبي، المنتشر حتى الآن في جنوب آسيا الغربي، وعلى سواحل البحر الأبيض المتوسط الجنوبية، شعوب خاصة اصطلح المؤرخون من القدم أن يسموها الشعوب السامية١.
كذلك نرى أن الجنس العربي أو السامي الأصلي قد فقد شخصيته، ومميزاته بالاختلاط بالأجناس والشعوب الأخرى؛ وذلك لأن الإسلام لم يمنع من اختلاط العرب بالعجم، والمصاهرة بين الجنسين، ومن ثم نرى أن القبائل العربية التي تركت الجزيرة العربية، وانتشرت في بقاع الأرض بانتشار الإسلام امتزجت بالشعوب المختلفة، وأصبح من الصعب في كثير من الأحيان تمييزهم من الأجانب٢.
ويرى فيليب حتى: أن هذه التسمية من وجهة علمية هي تسمية لغوية، وتطلق على الذين يتكلمون أو تكلموا لغة سامية، واللغات السامية كما هو معترف بها اليوم هي مجموعة لغوية خاصة تضم اللغة الآشورية، والبابلية، الأكادية، والكنعانية "الفينيقية"، والآرامية، والعبرية، والعربية، والحبشية، وأهم خواص التشابه ضمن هذه المجموعة اللغوية؛ هي وجود فعل ثلاثي كمصدر
_________________
(١) ١ الأمم السامية ص٦٣. ٢ الأمم السامية ص٦٣.
[ ٤٩ ]
أساسي، ووجود زمنين للفعل كما في الماضي، والمضارع؛ وتصريف الفعل يتبع نفس الأسلوب؛ وفي جميع لغات المجموعة السامية؛ نجد تشابهًا بين الكلمات الأساسية؛ كالضمائر الشخصية، والأسماء التي تدل على الغرابة، والأعداد، وأعضاء الجسم الرئيسية؛ هذه القرابة اللغوية بين الشعوب التي تتكلم اللغات السامية هي أهم رابطة تبرر ضمهم تحت اسم واحد، ولكنها ليست الرابطة الوحيدة؛ فإذا ما قارنَّا مؤسساتهم الاجتماعية، وعقائدهم الدينية، وصفاتهم النفسية، وأوصافهم الطبيعية؛ اتضحت لنا نواحٍ هامة للتشابه؛ وعندئذ لا بد من الاستنتاج بأن بعض أسلاف الذين تكلموا البابلية، الآشورية، والكنعانية، والعبرية، والآرامية، والعربية، والحبشية، كانوا غالبا يتكلمون جماعة واحدة، قبل أن تحصل بينهم هذه الاختلافات؛ وأن هذه الجماعة كانت تتكلم اللغة نفسها، وتعيش في المكان نفسه١.
_________________
(١) ١ تاريخ سورية ولبنان وفلسطين جـ١ ص٦٦، ٦٧.
[ ٥٠ ]
الأمة السامية بطونها، وتراثها الحضاري والديني:
أولا: السومريون
توحي العناصر المشتركة بين حضارات الشرق الأوسط بأن عوامل نشوئها متشابهة؛ وتتضمن كلمة الشرق الأوسط: مصر، الأناضول، سوريا، لبنان، فلسطين، العراق، إيران، الجزيرة العربية كلها، وكان وادي نهر الهند وأرض الرافدين ووادي النيل خلال ٣٢٠٠ ق. م. نهاية مطاف أولئك الرعاة من البدو الذين يتحركون في أعماق التاريخ إلى تلك الروافد الخصيبة في اندفاع كالموج الهادر يشق مجراه، ومع مصبه يكون ظعنهم وإقامتهم.
ومن هنا يرجع المؤرخون حضارة ما بين النهرين إلى السومريين، الذين عبروا بالعراق إلى خصائص العصور التاريخية بما تركوه من آثار عبرت عن حضارتهم التي بدأت في القرن الثلاثين ق. م، وتعدد مراكز التجمع والتحضر حينذاك في النصف الجنوبي من سهول النهرين؛ وبهم عرف التاريخ باسمهم السومريين؛ ثم استخدمه الساميون خلفاؤهم في قولهم: "مات شوميرين" بمعنى أراض شومير؛
[ ٥٠ ]
نزحوا من المناطق الجبلية للهند، التي تسمى بلوشيستان؛ واستولوا على مقاليد الحكم في أرض الرافدين؛ وسموا بالسومريين؛ وظلوا إلى أن نزحت الأمة السامية، أو العربية القاطنة في الجزيرة العربية العربية إلى أرض الرافدين وبلاد الشام.
ويرى علماء الأجناس أن وجود ملامح تشابه بين وجوه السومريين، وسكان وادي نهر الهند؛ دعا كثيرا من علماء الأحفار إلى القول بأن السومريين كانوا من الأصل الهندي، نزحوا من المناطق الجبلية التي تسمى ببلوشستان؛ واستولوا على مقاليد الحكم في أرض الرافدين.
ثانيا: الأمة السامية
يقول سفر التكوين: وسام أبو كل بني عابر، أخو يافث الكبير، وله أيضا بنون: يوسام، عيلام، آشور، أرفكشاد، آرام١.
ويعلق الفقيه اللغوي حامد عبد القادر على النص فيقول: قال النص: إن سام هو أبو كل بني عابر مع أنه أبٌ لجميع من تناسل من أبنائه المذكورين "عيلام، آشور، أرفكشاد، آرام"، وعبر هذا من أحفاد أرفكشد؛ لأنه ابن شلح بن أرفكشد؛ عبر أيضًا هو الجد الخامس لإبراهيم؛ وإلى عبر هذا ينسب إبراهيم، فيقال: إبراهيم العبري فالظاهر أن النص خص عبر بالذكر دون غيره من أحفاد سام لما يروى من أنه كان نابها ذا منزلة اجتماعية عظيمة عرفها التاريخ٢.
١- عيلام:
عيلام اسم مملكة كانت تقع في المناطق الجبلية لإيران، وعلى مقربة من أرض الرافدين، شرق بابل، وكانت عاصمتها "سوسة" الوارد ذكرها في التوراة "شوشان"، وهي بلاد مجدبة تكثر فيها المرتفعات، والمعروف تاريخيًّا أن سكانها لم يكونوا ساميين، بدليل أن لغتهم كانت من النوع الإلصاقي؛ وأدخلوا في الساميين؛ لما كان بينهم وبين الساميين من علاقات اجتماعية وسياسية.
_________________
(١) ١ سفر التكوين: إصحاح ١٠، آية٢١. ٢ الأمم السامية مصادر تاريخها وحضارتها ص٢٩.
[ ٥١ ]
اقتبس عيلام حضارته من الحضارة السومرية؛ وتعلم منها الكتابة بالخط المسماري، ووفق ماجاء في سفر التكوين "١٤-١٠" أن ملكا عيلاميا اسمه:كرد لعومر" استعبد البلاد الكنعانية فترة قصيرة١.
٢- الآشوريون:
أما الآشوريون؛ فكانوا ساميين لغة ونسبا، ولغتهم قريبة الشبه تماما بإخوتها اللغات السامية، وخصائص الآشوريين الخلقية، والعقلية هي نفسها الخصائص التي يذكرها المؤرخون على أنها خصائص الجنس السامي.
وينسب الآشوريون إلى بلادهم: آشور، وآشور أكبر مدنها، وعاصمة بلادهم مرتفع على مقربة من التقاء نهر دجلة ونهر الفرات الأسفل؛ ويمكن القول: بأن الآشوريين شعبة من البابليين، هاجروا من بابل، التي هي جنوب العراق بعد أن ضاقت بهم؛ وذلك للتشابه بين اللغتين: الآشورية والبابلية بشكل عظيم، ولم يكن الفرق بين اللغتين يجاوز كثيرًا الفرق بين لهجتين للغة واحدة؛ كذلك أخذ الآشوريون أبجديتهم المسمارية، وعلومهم، وتقاليدهم الاجتماعية؛ وكانت آلهة كل فريق: هي عينها آلهة الفريق الآخر؛ ما عدا إله آشور الأكبر، الذي اختص به الآشوريون، وهو إله الشمس "أشور"، ثم أطلق على المدينة.
يرى حامد عبد القادر أن السبب في إغفال ذكر البابليين في قائمة الأنساب، التي يتضمنها الفصل العاشر من سفر التكوين؛ هو أن هؤلاء البابليين لم يكن لهم نفوذ سياسي، ولا كيان اجتماعي يعتد به عند تدوين ذلك السفر، ولم يكن سكان بابل ساميين دائمًا؛ بل إن سكانها الأقدمين كانوا ينتمون إلى شعب آخر، ولم تكن لغة هؤلاء الأقدمين من الفصيلة السامية اللغوية، بل كانت لغة إلصاقية٢، ولكن حتى يرى أنهم الآشوريون بعد ما اندمجوا بالسكان الأصليين، وهؤلاء هم الآكديون بعدما اندمجوا بالحوريين، الوارد ذكرهم في التوراة، الذين ورثوا عنهم الملامح الآرمينية٣.
_________________
(١) ١ الأمم السامية ص٢٦. ٢ يراجع الأمم السامية ص٢٧، ص٢٨، حامد عبد القادر. ٣ خمسة آلاف سنة من تاريخ الشرق الأوسط جـ١ ص٦٧، فليب حتى.
[ ٥٢ ]
ولعل السبب الذي مال إليه حامد عبد القادر لا يتأيد تاريخيا؛ لأن خليفة آشور ناصر، وهو شلمناصر الثالث ٨٥٩-٨٢٤ ق. م. واجه تحالفا عسكريا في وادي نهر العاص، على رأس هذا التحالف العسكري "بن-هدد" ملك دمشق الآرامي، والتحالف يضم جيش آحاب ملك العبرانيين، وجيش جندب، وهو شيخ من شيوخ العرب، وفي هذه المعركة ذكر لأول زعيم عربي في التاريخ، يذكر اسمه بوضوح.
٣- البابليون الآشوريون:
ورد في سفر التكوين "وكان سفرهم إلى الشرق -أي أبناء نوح- أن وجدوا بقعة من الأرض، في أرض شنعار فأقاموا هناك"١ شنعار: هي بلاد بابل، وهي جزء من بلاد حوض دجلة والفرات يقع جنوب مدينة بابل القديمة، ويمتد إلى الخليج الفارسي، ولم يطلق اسم بابل على هذا الإقليم إلا بعد أن استولى عليه "سرجون الأول" في القرن الثامن والثلاثين ق. م. وأقام هناك معبدا جديدا للإله "صردوح"، ثم أطلق على المدينة التي أقام بها ذلك المعبد اسم "باب إيل" وأصبحت فيما بعد بابل؛ على أنه قد ورد في سفر التكوين "١١-٨٩" تعليلا آخر لهذه التسمية؛ فقد قيل هناك: إنها سميت كذلك؛ لأن قوما من الأقدمين بَنَوْا هناك هيكلا كانوا يجلسون عند بابه للفصل في قضاياهم، وفيما يحدث بينهم من خلافات، فسميت المدينة باسم "باب إيل" أي باب الله؛ لأن ذلك هو الاسم الذي أطلقه هؤلاء القدماء على باب الهيكل.
يقول أرسطو: إن بابل أمة أكثر منها مدينة٢.
يقول يردسوس: إن بلاد بابل كانت مقرا لجموع من الناس ينتمون إلى شعوب أجنبية، كانت قد أقامت في بلاد الكلدان فترات متعاقبة قبل أن يسكنها الساميون٣.
وكانت كلديا تنقسم إلى مقاطعتين؛ الأولى في الشمال وهي مقاطعة آكد.
_________________
(١) ١ "بابل": نجيب إبراهيم جـ٣ ص١٨٦، "الأمم السامية" ص٣١. ٢ "تراث العالم القديم" ص٤٥. ٣ "السياسة" جـ٣.
[ ٥٣ ]
والثانية في الجنوب؛ وهي مقاطعة شنعار، أو شومر، وكانت آكد أسبق المقاطعتين إلى الخروج من أيدي الشومريين إلى أيدي الساميين، الذين سموا فيما بعد بالبابليين، وهم الذين أسسوا أول إمبراطورية سامية، بلغ أوج عظمتها في عهد سرجون الأول في القرن الثامن والثلاثين قبل الميلاد؛ أما المقاطعة الجنوبية وهي شومر، أو شنعار، فلم تخضع للساميين إلا في عصر متأخر.
٤- الآكديون:
كان الآكديون فرعا من هجرات سامية متوالية، تكاثرت أعدادها بوادي العراق، والشام قبيل منتصف الألف الثالث قبل الميلاد؛ ثم تشعبت فروعًا كثيرة؛ فكان منها ما انتشر في نواحي الشام، واتجهت آمالها نحو المناطق الخصبة بالعراق؛ والشعبة الثانية عرفت باسم الأموريين، أطلق عليهم "السومريون" بمعنى أهل القرب؛ وإن كان هناك بعض نصوص بابلية تذكر أن إحدى آلهتهم الكبرى تسمى "باحور" مما يرجح نسبتهم إليها.
وكانت الجماعة الثانية تعرف "بالآكديين"، الذين اكتسبوا اسمهم بالانتساب مؤخرا فيما يحتمل إلى العاصمة "آكد" التي أصبحت مركزًا لنشاطهم السياسي والحربي، بعد فترة من استقرارهم بالعراق، وبعد أن انتظمت أمورهم وعز شأنهم فيه.
وحين استقر شأنها ونجحت في تكوين دولة كبيرة في العراق، دعت إلى نوع من تعظيم أولي الأمر الكبار فخطر لدى بعض أهل العراق فكرة تقديس الحكام، أو نعتهم بنعوت الربوبية، وإن جمعتهم هذه الفكرة على السواء، وأدخلت معها ألفاظ ومسميات سامية، وجدت سبيلها إلى لغة العقائد، والآداب، والأسماء؛ فأدخلت إلى الدين اسمي: سينن وشمس "القمر والشمس" إلى جانب اسميهما السومريين القديمين، "وأوتو" اسم المعبود الزهرة؛ وهي عشتار عند الساميين الأموريين التي شابهت "أنانا" السومرية، كما أدخلت معها بضع صفات ربانية مثل "بعل" بمعنى: سيد وإيل "أو إل" بمعنى إله، وذلك فضلا عن لقب "شارو" بمعنى ملك، وقد حل محل لقب "لوحال" السومري القديم؛ وألقاب كهنوتية مثل "شيبو" بمعنى كهنة الطقوس، وعدد كبير من أسماء الأفراد من أطرفها اسم يقرب من اسم "إسماعيل" أو "يشع ال" وله دلالة بالغة الأهمية؛ إذ إن ظهوره منذ أكثر من أربعة آلاف عام يدحض دعوى بعض غلاة اليهود ممن أرادوا أن يشككوا العرب الشماليين فيما تواتر
[ ٥٤ ]
عن نسبهم إلى إسماعيل -﵇- بدعوى أن اسم إسماعيل لم يعرف مثيل يسبق ظهور الإسلام١.
ويذهب حتى: إن أول شعب سامي هام بحثًا عن موطن له في البلاد السورية، وأقام فيها هو الشعب الذي سماه جيرانه السومريون في الشرق: بالأموريين.
يقول حتى: ولا ندري الاسم الذي كان يطلقه على نفسه، وهذه كلمة سومرية، وهي من جهة الاشتقاق شبيهة باسم البلاد "وماشوا" أي بلاد الغرب؛ وكان هذا أيضا إلههم القديم هو إله الحرب والصيد؛ والأموريون لم يقتصروا على تأسيس دولة في منطقة الفرات الأوسط، واجتياح سورية، وإنما اجتاحوا بلاد ما بين النهرين؛ وفي هذا السهل يبدأ التاريخ السوري المستمر، وأول ممثلي الساميين هم الأموريون.
ويقول: وتظهر أول إشارة إلى أرض الأموريين من عصر سرجون حوالي "٢٢٥ ق. م"، وقد أسسوا عدة سلالات من آشور في الشمال وأهم هذه السلالات كانت سلالة بابل؛ وهي أول سلالة ظهرت في هذه المدينة، وانتسب إليها حمورابي٢.
٥- الكنعانيون الفينيقيون:
كان الكنعانيون الذي سماهم اليونان بالفينيقيين ثاني جماعة سامية لعبت دورا هاما في التاريخ؛ والكنعانيون والآموريون ينتسبون إلى موجة الهجرة نفسها، والاختلاف الحضاري بينهما ناشئ عن أن مركز الآموريين الأصلي كان في شمال سورية فتعرضوا لتأثيرات سومرية بابلية، بينما كان مركز الكنعانيين الجغرافي في الساحل، ولذلك كانوا متجهين نحو مصر.
وقد أطلق اسم كنعان في أول الأمر على الساحل، وغرب فلسطين ثم أصبح الاسم الجغرافي المتعارف عليه لفلسطين، وقسم كبير من سورية؛ وكان هذا أول اسم لفلسطين؛ وفي وثائق العهد القديم الأول أطلق اسم كنعاني بمعناه الواسع على جميع سكان البلاد بدون أي مدلول عرقي، سادت الديانة واللغة الكنعانيتان بالظهور
_________________
(١) ١ "الشرق الأدنى القديم، مصر والعراق": دكتور عبد العزيز صالح طبعة الأنجلو المصرية طبعة ثانية ١٩٨٢. ٢ تاريخ سورية ص٧٤، ٧٥.
[ ٥٥ ]
من غياهب العصور السامية القديمة حوالي مطلع الألف الثاني ق. م. غير أن أسلاف الذين سمو كنعانيين كانوا غالبا يحتلون البلاد قبل ذلك بألف سنة أو أكثر.
الوجه الثقافي والديني للحضارة الفينيقية:
كان الفينيقيون أول أمة بحرية في التاريخ، وكان البحر لا يخيفهم والعالم المجهول يفتنهم بدلا من أن يلقي الرعب في قلوبهم، وكان الفينيقيون أول من قدم أربع موادٍّ هامة مفقودة في كثير من بلاد البحر المتوسط وهي "الأخشاب، والقمح، والزيت، السكر" وأصبح البحر المتوسط بحيرة فينيقية قبل أن يكون بحيرة يونانية أو رومانية بوقت كبير، وفي بلاد اليونان يشهد وجود أسماء سامية للمواقع، والآلهة إلى جانب وجود الأساطير الخرافية الكثيرة بنشاط فينيقي، ومن الجزر اليونانية التي لها صلة بالاسعمار الفينيقي ساموس، وكريت، وكانت لهما مكانة بارزة في هذه الناحية، إن السفن كالقوافل -فوق ما تحمل ن شحنات البضائع- تحمل أمورا غير ملموسة تساويها في أهميتها إن لم تفقها بالنسبة للتقدم البشري، وهذه الأمور غير المادية هي المؤثرات الحضارية المتنوعة، التي أتى بها التجار الفينيقيون، ونشروها بين الشعوب التي احتكوا بها، وبخاصة اليونان الذين أصبحوا تلامذتهم في شئون الملاحة؛ وأخذوا عنهم أشياء مختلفة في ميادين الأدب والدين، والفن الزخرفي، وكان الفينيقيون يلعبون دور الوسطاء من الناحيتين الفكرية، والروحية؛ كما كانوا من الناحية التجارية.
يبدو أن الفينيقيين الذين كانوا أول من استعمل نظامًا أبجديًّا راقيًا في الكتابة، ونشروه في العالم، قد أخذوا أساس أسلوبهم من مصادر مصرية هيروغليفية بطريق سيناء؛ والرموز الهيروغليفية كانت في الأصل صورا للأشياء التي أرادت الدلالة عنها، ولكنها أنشأت من وجهة صوتية أربعين إشارة كانت حروفا ساكنة؛ غير أن المصريين المحافظين لم يذهبوا إلى حد استخدام هذه العلامات الساكنة وحدها؛ ولذلك فإن العلامات ظلت بدون أهمية حتى حوالي نهاية القرن السابع عشر حين اتفق لأحد الأسر الكنعانية، أو لأحد العمال في مناجم الفيروز في سيناء -كما يظن- أن يتجاهل الرموز الهيروغليفية المصرية؛ لعدم تمكنه من حل ما فيها من تعقيد، وأن يستعمل العلامات الساكنة، وكان المكان الذي ربما حصل فيه ذلك -هو سرابيط الخادم؛ وقد أعطيت للعلامات الساكنة أسماء سامية، وقيم سامية؛ فقد اتخذ الساميون مثلًا علامة
[ ٥٦ ]
رأس الثور بدون أن يهتموا ماذا يعني رأس الثور في اللغة المصرية، سموا العلامة "ألف" باسمها السامي؛ ثم طبقوا المبدأ الذي بموجبه يعطى الحرف الصوت الأول في اسم الشيء الذي يمثله؛ وفي هذه الحالة استعملوا علامة الألف لأجل صوت "أ"، وعملوا الشيء نفسه بالنسبة للعلامة الدالة على "بيت" فسموها "بيت"، واستعملوها لأجل صوت "ب"، وعلى ذلك فإن العامل في سيناء استخدم فقط الفكرة الأبجدية، الموجودة في العلامات الساكنة المصرية، وشكل لنفسه مجموعة بسيطة من العلامات التي يمكن أن تتهجى بها الكلمات؛ والفينيقيون الذين كانت لهم علاقات تجارية مع سيناء اقتبسوا على الغالب هذه الإشارات وأضافوا إليها، وجعلوا منها نظاما أبجديا تاما مؤلفا من اثنتين وعشرين علامة، بدون حروف صوتية، بسبب تأثير الهيروغليفية المصرية؛ وهكذا حصل ما سموه بحق أعظم اختراع أتى به الإنسان، ونظام الكتابة الأبجدية الخطية بحروفها الاثنين والعشرين، والمكتوبة من اليمين إلى اليسار، كانت غالبا من عمل الفينيقيين في بيبلوس؛ وقد اخترع فينيقيون آخرون، وهم الذي عاشوا في أوغاريت نظاما أبجديا آخر على أساس مختلف فقد كتبوا الأبجدية بقلم على ألواح من الطين؛ ولذلك اتخذت شكل علامات مسمارية أو اسنينية١.
ومثل هذه الأبجدية، وتطور الكتابة على يدي الفينيقيين لا تترك مجالا للشك، بأن العصر كان عصر تنوع، وتلقيح حضارات تمازجت فيه بحرية الأفكار العلمية، والدينية من بلاد الرافدين، ومصر وسورية، وجرى التبادل فيما بينها؛ وظلت اللغة الفينيقية في شكلها المعروف بالبوني تستعمل حتى العصر الإسلامي.
ديانة الكنعانيين: ديانة الخصب
الأمر الأساسي في الديانة الكنعانية كما تظهره لنا المكتشفات الأثرية الحديثة هو عبارة عن قوى النمو، والتوالد التي يعتمد عليها كيان مجتمع زراعي يهتم بتربية الماشية في أرض أمطارها قليلة، وغير مؤكدة، ويصدق هذا إلى حد كبير على جميع الديانات السامية القديمة؛ والصفات البارزة في ديانة الخصب السامية هذه هي الحزن على موت إله النبات وإجراء طقوس للتمكين من الفوز على خصمه "إله الموت"، و"العالم الأسفل"، حتى يضمنوا كمية كافية من المطر الضروري لإنتاج موسم العام الجديد، والفرح عند عودة الإله الذي يموت، ثم يبعث تصبح جزءا هاما
_________________
(١) ١ تاريخ سورية ص١١٨، ص١١٩.
[ ٥٧ ]
من الأعراف المسيحية؛ ويتصل بفكرة جفاف النبات الدوري بسبب حرارة الصيف، وعودته إلى الحياة في الربيع عنصر القوة المتجددة للشمس المنتصرة، عندما تظهر في الشتاء؛ وسمى الكنعانيون هذا الإله "أدون" بمعنى سيد١، ثم اقتبس اليونان هذا الاسم، وجعلوا منه "أودنيس" وجعل فيما بعد معادلا للإله المصري "أوزيريس"، وأصبح "أودنيس" أشهر الآلهة السورية؛ وأقيمت عبادته في اليونان في القرن الخامس، وجعل الفينيقيون حادثته مع "عشتار"، أو سيدة "بيبلوس" عند منبع النهر الذي يسمى اليوم: نهر إبراهيم في لبنان٢.
وأما الختان الذي الذي كان عادة سامية قديمة، فقد كان بمثابة علامة قبلية، والديانة الكنعانية تؤكد على دورة الحياة أي تتابع الحياة، والموت؛ ونتج عن ذلك التأكيد على الناحية الجنسية من الحياة؛ وقد تجلى ذلك في البغاء المقدس، الذي كانوا يمارسونه، بمناسبة إقامة الطقوس في الأماكن المقدسة وبعض مظاهر هذه الطقوس، استعارها العبرانيون كما يظهر، وكان لديهم ما يسمى "بمومسات المعبد"٣.
الآلهة:
إن ديانة كنعان القديمة، وبقية العالم السامي، باعتبار أنها بالدرجة الأولى تقوم على عبادة الطبيعة، كانت تضم إلهتين رئيستين تعرفان بأسماء مختلفة؛ ولكنهما في جوهرهما الجو الأب الأرض الأم.
وفي أوغاريت، كان إله الجو يعرف باسم "إيل"؛ بينما الإله الأعلى للعالم الكنعاني العبراني؛ وبعده يأتي عليان الذي أصبح كبعل له مكان معين، واعتبر حاميا لإحدى المدن؛ وكانت الأمطار والغلال تحت مراقبته؛ والأعياد كانت تقام؛ لإرضائه، والتقدمات تعطي؛ لاستعطافه؛ والذبيحة، أو التقدمة كانت بجوهرها احتفالا يشترك فيه العابد، والمعبود، أو حفلة اشتراك، ولعدم وجود أية صورة محفورة؛ كانوا يرمزون إلى الإله بعمود أو
_________________
(١) ١ تاريخ سورية جـ١ ص١٢٣. ٢ سفر حرفيال ٨: ١٤. ٣ تاريخ سورية جـ١ ص١٢٧.
[ ٥٨ ]
حجر، والإله "ملخ" الذي تقدم له الأولاد كضحايا يعتبر أنه نفس "ملقارت" أي سيدة المدينة "مدينة صور" كانت رفيقة "إيل" تسمى "عاشرة" وكانت توجد الإلهة الأخرى اسمها "عشتارت"؛ وعند اليونان "أسنارت" ودمجها اليونان "بأفروديت" فأصبحت أشهر إلهات الخصب وصارت باعتبارها بعلة، أو سيدة متصلة بمكان معين، وأصبحت حامية المدينة؛ وكان اسم "عشتار" هو الذي تتسمى به الإلهات المحلية، المقرونة "بالبعليم" في الأماكن المرتفعة، الكنعانية التي كان لها تأثيرها، وجاذبيتها الخاصة بالنسبة للقوم العبرانيين؛ حتى إن الأنبياء اضطروا لمهاجمتها مرارًا١، وبالإضافة إلى لقب "بعلة" فقد كانت "عشتار" تلقب "ملكة" وتظهر "عشتار" كشقيقة "عليان بعل"، وتعطي لقب عذراء؛ وكانت لإلهة "عنات عشتار" تهب الحياة، وتبيدها، ومن أوصافها البارزة: الحب، الحرب.
الهياكل:
كانت الفكرة الأساسية في بناء الهيكل: تزويد الآلهة بمسكن لها؛ فهناك كان الإله يسكن كما يسكن أي كائن بشرى في بيته الخاص وبواسطة الهيكل كان يتاح مجال للاتصال بينه وبين البشر، بحيث يتمكن الكائن البشري من تأسيس علاقات شخصية مع الكائن الإلهي، وأقدم الهياكل الكنعانية، المكتشفة ترجع إلى مطلع الألف الثالث، وكانت في "أريحا، ومجدو" وكان هذا النموذج القديم يتألف من غرفة واحدة، لها باب على الجانب الطويل من البناء، ويصبح البناء متكاملا أكثر بعد منتصف الألف الثاني، وأهم صفات هذا الهيكل كما ظهرت في الأماكن المكتشفة كانت: المذبح الصخرى، والنصب المقدس، والعمود المقدس، والغرف تحت الأرض، وكان المذبح الذي تقدم عليه الذبيحة، أهم هؤلاء بدون شك٢.
_________________
(١) ١ سفر القضاء ٢: ١٣؛ أرميا ٣٢: ٣٥، الملوك الثاني ٢٣: ١٣. ٢ تاريخ سوريةجـ١ ص١٢٨.
[ ٥٩ ]
النصب أو الحجر المقدس:
كان يمثل الإله المذكر، وربما كان لأصله علاقة بعضو التناسل؛ وبجانبه كان العمود المقدس، أو الشجرة المقدسة، وكانت تمثل النبات الدائم الخضرة، الذي تسكنه إلهة الخصب، وفي بيت "شأن" كان هذا العمود يقوم في مدخل الحرم الداخلي؛ والغرف الكائنة تحت الأرض كانت غالبا تستخدم؛ لتلقي النبوءات؛ وكانت الأواني المستخدمة في إراقة السوائل، والمزخرفة بالحيات، وطاسات البخور والمباخر التي وجدت تشير إلى الأعمال التي استخدمت لأجلها هذه الأشياء؛ وتفيد بقايا المعابد، التي كانت لها مصاطب يغسل عليها العابدون أقدامهم قبل الصلاة؛ إن الوضوء الذي يشكل جانبا لا بد منه في الصلاة عند اليهود، والمسلمين لم يكن مجهولا عند الكنعانيين، والمباخر الكنعانية اقتبسها اليونان، وفي "بيت شأن" كان يقوم مكان مرتفع في مؤخرة المعبد؛ حيث كان يوضع غالبا تمثال الإله؛ ويدل على بدء المكان المعروف "بقدس الأقداس".
الأصنام:
اكتفى الكنعانيون عامة بالنصب، والعمود المقدس؛ واستغنوا بها عن صنع الأصنام، والصور، والتماثيل الصغيرة البرونزية التي تمثل بعل واقفا يلوح بالصاعقة بيده اليمني، المرفوعة؛ كانت شائعة، والآلهة كانت عارية، ويداها على جانبيها، أو تمسكان بثدييها، كما لو كانت تعطي الغذاء؛ وقد وجدت تماثيل صغيرة، متعددة من هذا النوع، مصنوعة من المعدن أو الطين؛ ولكنها كلها تبدو أنها كانت تستخدم في المنازل، وليس في الهياكل، وكانت تحترم بسبب قدرتها السحرية، وكان المتعبد المتعلم يعتبر التمثال مسكن الآلهة؛ أما العامي فربما اعتبر التمثال نفسه هو الإله، وكانوا يمثلون الإلهة السورية "أتارغاتس" عادة في أواخر الألف الثاني بشكل امرأة عارية أيضا، وترفع إحدى يديها ممسكة بساق نبات الزنبق، أو الحيات؛ وهناك إلهة سورية أخرى وهي: "قادش" تتخذ شكل امرأة عارية واقفة على أسد، وكان الأسد، أو الثور رمزا للحيوية والقوة، أما لماذا اتخذت الحية رمزا للخصب فإن ذلك غير واضح؛ كانت عبادة الحية شائعة في مصر القديمة، وكريت، وغيرهما من بلاد الشرق، "وبيت شأن" التي كان التأثير المصري ظاهرا في هياكلها الأربعة المكتشفة، كانت من مراكز عبادة الحية١.
_________________
(١) ١ تاريخ سورية جـ١ ص١٣٢.
[ ٦٠ ]
التأثيرات الدينية بين مصر وسوريا والرافدين:
كانت الدول الكبرى في غرب آسيا في الألفين الثالث والثاني ق. م. ثلاث دول هي: مصر، بابل، الحيثيون. وتبعها أربع دول أخرى؛ وهي: دولة الآشوريين، الدولة البابلية الحديثة، دولة الكلدانيين، دولة الفرس، قامت بينها علاقات متبادلة بدأت هذه العلاقات في بادئ الأمر تجارية؛ ثم تنوعت وكانت أول مدينة احتلت مكانة كبيرة ورئيسية في العلاقات المصرية السورية مدينة جبلة "جبيل"، وقد نقش خوفو "٢٦٠٠ق. م." باني الهرم الأكبر اسمه على آنية من الألباستر، وأرسلها كهدية إلى سيدة "جبيل"، واعتبرت هذه الإلهة من قبل المصريين مساوية لإلهتهم "هاتور" التي بذلك أصبحت بالنسبة لهم سيدة البلاد، وكان أبو الهول الذي يمثل إمنمحت الثالث "١٦٤٢-١٦٣٣" يقوم عند مدخل هيكل بعل في هذه المدينة، وتدل أسماء الأماكن على اللوائح المصرية، أنه في حوالي نهاية حكم إمنمحت كانت فلسطين، حتى حلفاد في الشرق، وفينيقية حتى وادي النهر الكبير في الشمال، وحوران، ودمشق ومعظم البقاع؛ جزءًا من الإمبراطورية المصرية١. وعندما وصل أمنحوتب الرابع إخناتون "١٣٧١-١٣٥٨" العرش، وكان من أكثر شخصيات التاريخ القديم جاذبية، ولم يكن اهتمام إمنحوتب موجها نحو قضايا الدولة؛ وإنما نحو القضايا اللاهوتية، متأثرا بزوجته السورية.
الديانة الحيثية:
تظهر أفكار هذه الديانة متعلقة بعبادة الأرواح، فالينابيع، والأنهار والأشجار والجبال كانت تعتبر مقدسة، وكان أشهر الآلهة "نيشوب" إله العاصفة، وإلهة المدن كانت مظاهر محلية لهذا الإله، وكان اسمه "تلبنش"، وهو يقابل الإله السوري "حدد" ورفيقته تسمى "عشتاروت" وعبادة "نيشوب" عشتاروت تقابل عبادة "تموز عشتاروت" عند السوريين، وأصبحت في الغرب عبادة "أدونيس" والزهرة "فينوس"، وفي آسيا الصغرى لدى الفريجيين أصبحت عبادة "أتيس"، "سبيل" وكان
_________________
(١) ١ تاريخ سورية جـ١ ص١٧٢.
[ ٦١ ]
يمثل "نيشوب" عادة بشكل رجل يقف على ثور، ويمسك الصاعقة؛ وأقوى إلهة أنثى كانت إلهة الشمس، والتي أصبحت إلهة الحرب، واتخذت بعض صفات الأرض الأم، ولباس الإله كان رداء قصيرًا، وقبعة مخروطية الشكل، وأما لباس الإلهة فكان ثوبا طويلا، وقبعة أسطوانية مرتفعة١.
التأثيرات الدينية بين مصر وغرب آسيا:
وكما كان تأثير الحضارة المصرية على سورية بارزًا، فإن هنالك دلائل تستلفت النظر بصورة أوسع عن التأثير السوري في مصر، ويتضح التأثير السوري في أقدس قصة مصرية، وهي: قصة آلام أوزيريس، الذي قطع جسمه إربا، ووضع تحت شجرة الأثل في جبيل، وقد تكون عبادة "أوزيريس" برمتها مأخوذة من الساحل السوري في تاريخ قديم جدًّا، وقد أدخل الإله "حورون" وهو الإله الرئيسي في بينة إلى معابد مصر أيام أمنحوتب الثاني، ويمكن الاستدلال على عبادة "عشتاروت" في منتصف القرن الثالث عشر؛ من أن اسم أحد أبناء "رعمسيس" الثاني كان يدعى "استروت" أي محبوب "عشتاروت"٢.
دامت فترة السيطرة المصرية السياسية على سورية مدة أطول من فترة سيطرة بلاد الرافدين، غير أن تأثير بلاد الرافدين الحضاري كان أعظم بكثير من تأثير مصر، وكان السوريون أقرب إلى الآشوريين البابليين منهم إلى المصريين، من وجهة عرقية، ولغوية وجغرافية.
كان السومريون -وهم الشعب غير السامي الذي أبدع حضارة وادي الفرات- يمثلون طيلة الألف الثالث ق. م. أهم جماعة حضارية في غرب آسيا كلها، وأصبحت الكتابة المسمارية التي اخترعوها، والأفكار الدينية، والروحية التي طوروها، والآداب التي أنشأوها جزءا من تراث سورية، بما فيها إسرائيل٣.
_________________
(١) ١ سفر أخبار الأيام الثاني: ٢٦: ٦. ٢ تاريخ سورية جـ١ ص١٤٦. ٣ تاريخ سورية جـ١ ص١٤٦.
[ ٦٢ ]
التأثيرات الدينية المتبادلة بين مصر والكلدان، وسورية، والفرس:
ادعى الكلدانيون أصحاب دولة بابل الجديدة، السيطرة على سورية كورثة الإمبراطورية الآشورية، وفي عام ٥٨٧-ظهر "نبوخذ نصر" بنفسه في شمال سورية، وأقام معسكره في "ربلة" في وادي العاصي، ومن هناك أرسل قسما من جيشه إلى الجنوب للتغلب على المدن الفينيقية، وفتح بلاد اليهودية نهائيا، وكانت المستعمرات اليونانية في هذه الفترة قد حلت محل المستعمرات الفينيقية الأصلية وبذلك انتهى العالم الفينيقي، الذي اشتهر بنشاطه وعلمه؛ ولكن الشعب الفينيقي حافظ على شخصيته حتى فتوحات الإسكندر.
كتاب الموتى:
يقول فيليب حتى: ومن المصادر الأولية الفريدة للاطلاع على الفكر الديني القديم في مصر وصف الدينونة أو الحساب الذي يؤديه الميت في العالم الثاني، فقد خلف لنا المصريون في -كتاب الموتى- تفاصيل دقيقة عما يجري يوم الحساب مما لا نجد له مثيلا في حضارات أخرى في هذا الكتاب، وهو أفضل كتاب أدبي يعني بناحية الدين في مصر القديمة، وصف لطقوس الدفن بلغة رمزية خفية المعنى؛ ووصف للمغامرات الخطرة التي سيمر بها الميت؛ وأفضل نسخة من هذا الكتاب هي نسخة مزينة بالرسوم على ورق البردي يملكها المتحف البريطاني الذي يعرضها في غرفة تعرف "بالغرفة المصرية"، وقد وضعت هذه النسخة من كتاب الموتى في منتصف القرن الخامس عشر قبل الميلاد لأحد الكتاب وزوجته في ثيبة، واسمه آني؛ وأروع ما في المشاهد المصورة في هذه النسخة تلك المشاهد التي تمثل يوم الدينونة.
يدخل الميت قاعة الدينونة بخشوع تتبعه زوجته توتو، وعندما يتقدم نحو الديان يتلو صلاة ندامة على اثنين وأربعين خطيئة أمام اثنين وأربعين قاضيا يحق لكل قاض منهم أن يحاسبه على خطيئة تقع ضمن دائرة اختصاصه، يبدأ الرجل بسلسلة من الاعترافات السلبية، كأن يقول: لم أسرق ولم أكذب، ولم أتآمر ولم أُبك أحدا ولم أغتصب أرضا، ولم أزْن ولست بقاتل، ولم أتلاعب بالموازين ولم أخدع، ثم يلي هذه الاعترافات السلبية اعترافات إيجابية فيبدأ قائلا: إني طاهر نقي، أطعمت الجائع
[ ٦٣ ]
وسقيت العطشان، وكسوت العريان، ونقلت الرجل الذي لم يكن عنده مركب ينقله١.
وبعد أن تغفر خطايا آني وزوجته -وهو وزوجته واحد- يحضرونه؛ ليقف أمام الإله أوزيريس الجالس على عرشه في محراب تحيط به زوجته إيزيس وأختها نفتيس كما كانا في الحياة الدنيا.
مما لا شك فيه أن فكرة الخلود بعد الحياة الدنيا التي يتوقف الفوز بها على تصرف المرء وسلوكه في المجتمع قللت من أهمية الطقوس والشرائع ورفعت من شأن الحياة العملية الفاضلة التي يحياها الإنسان على الأرض، كما أنها قللت من شأن العبادة والقيام بشعائرها ورفعت من شأن السلوك والتصرف الاجتماعي، ولكن النظرة إلى الخطيئة أنها تخلف المرء عن المحافظة على الشعائر والطقوس الدينية ظلت النظرة الشائعة التي كان أهل العراق القديم ومصر وإيران يأخذون بها.
وقد تحدرت إلينا من عصر بناة الأهرام أقوال حكمية تتضمن تعاليم اجتماعية عن طريق الاعترافات التي كان الميت يعترف بها يوم الدينونة، وعن طريق النقوش الكتابية على القبور والتوابيت والمراسيم المتعارف عليها في أمور الدفن؛ هذه الأقوال الحكمية وهذه المبادئ الاجتماعية تشير كما يقول المؤرخ برستد٢ عنها "إلى انبلاج فجر الضمير الإنساني" وإلى نشوء نظام أخلاقي، ففي سياق إسداء النصح إلى ولده سيزوز ستريس الأول يقول الملك الطاعن في السن أمينمحات الأول "حكم في حدود ٢٠٠٠ ق. م: "تصدقت على السائل وأطعمت اليتيم وأذنت للوضيع أن يدخل إلى مجلسي كما كنت أُدخل النبيل"٣.
_________________
(١) ١ خمسة آلاف سنة من تاريخ الشرق الأدني جـ١ ص٩٢ ص٩٣ تأليف فيليب حتى طبعة الدار المتحدة للطبع والنشر والتوزيع ١٩٨٢م. E. A Wallis Budge، The Bood of the Dead The: papyrus of ani london ١٩١٣. pp. ٥٣٧. ٢ خمسة آلاف سنة جـ١ ص٩٣. James H. Brearted the Daum of conscince pp. ١٨٣. seg p.p ٢٠٣. ٣ خمسة آلاف سنة جـ١ ص٩٤. ونفس المرجع السابق.
[ ٦٤ ]
ولم يكن للآراميين، الذين أتوا حديثا، ولا الإسرائيليين، والفلسطينيين تأثير كبير على هذه الشخصية؛ لقد أفادت الحضارة الآشورية البابلية شعوب الشرق الأدني إفادات كثيرة مثل: المحراث، الذي كان؛ لاستنتاج الأرض نسبيا عما كانت عليه قبل، وتقسيم السنة إلى اثني عشر شهرًا، وإلى أسبوع مؤلف من سبعة أيام، وأول يوم في الأسبوع اكتسب اسمه من زحل، واليوم الثاني كرسي لإله القمر، والثالث لعبادة الشمس؛ وتاريخ الاحتفال بعيد "الفصح" لا يزال متصلا بالتقويم الغربي، والساعات الشمسية ونظام التنبؤ بالخسوف والكسوف، وعلامات الأبراج الاثني عشر، وكثيرًا من أنظمة المقاييس والموازين١.
٦- الآراميون:
ينسب سفر التكوين الآراميين إلى آرام بن سام بن نوح، وقيل: هم المقصودون في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ٢، إلخ، والآراميون قبيلة من قبائل السامية، تتنقل في البادية، في الشمال الشرقي من جزيرة العرب على حدود بلاد العراق الجنوبية، إلى أن انتهى أمرهم إلى الاستقرار بعض الوقت في بعض جهات سورية؛ حيث أسسوا دولة قوية، وعاشوا عيشة حضارية٤.
يقول حامد عبد القادر: وكان من أشهر تلك الدويلات:
١- دويلة آرام دمشق، في منطقة "دمشق".
٢- دويلة آرام صوبة في منطقة "حران"، وكانت حران على الطرق التجارية الهامة، التي تصل الشام بالجزيرة، وشمال الشام ببلاد العرب.
٣- مملكة آرام راحوب، في منطقة اليرموك.
_________________
(١) ١ تاريخ سورية جـ١ ص١٥٦. ٢ سورة الفجر آية ٧. ٣ الأمم السامية ص١٠٤.
[ ٦٥ ]
٤- مملكة آرام -قفخا في منطقة جبل حرمون.
٧- الآراميون-حران:
وقد احتل الآراميون مدينة حران غالبًا، وهي أحد مراكزهم في ما بين النهرين، قبل احتلالهم دمشق، واقتبس القادمون الجدد بالتدريج حضارة الآموريين، والكنعانيين، الذين أقاموا بينهم غير أنهم احتفظوا بمظهر واحد من حضارتهم، وهو اللغة، وبخلاف الإسرائيليين والفلسطينيين؛ الذي أقاموا في أ، اخر القرن الثالث عشر في جنوب مناطقهم؛ فإن الآراميين احتفظوا بلهجتهم الأصلية، التي قدر لها أن تلعب دورا بالغ الأهمية في حياة غرب آسيا؛ وقد انقسمت إلى أقسام:
١- آرام النهري، وهم الذين سكنوا ما بين الفرات، ورافدة الخابور.
٢- فدان آرام؛ وهم الذين سكنوا ما بين دجلة، والفرات، ومركزها حران، وتقع حران على طريق تجاري عظيم، وأصبحت من أعظم مراكز الحضارة الآرامية.
٣- آرام دمشق؛ وقد تأسست مملكة دمشق في أواخر القرن الحادي عشر؛ وأصبحت مملكة كبرى تمتد إلى الفرات من جهة، وإلى اليرموك من جهة أخرى.
الوجه الثقافي والديني للحضارة الآرامية:
كان التجار الآراميون هم الذين نشروا لغتهم؛ منذ أول عهدهم في مختلف البلدان؛ وهي فرع من مجموعة اللغات السامية الشمالية الغربي؛ وكان فوزها على شقيقاتها اللغات السامية الأخرى، بما فيها العبرية؛ وأصبحت لغة المسيح وشعبه، والإشارة الثانية إن لم تكن الأولى للمسيحيين وجدت مكتوبة بالآرامية بحروف لاتينية مشوهة على جدار مسكن؛ وربما كنيسة في بومبي، مما يجعل تاريخها قبل ٧٩م؛ وهناك صلاة آرامية تسمى "مديش المقدس" تشبه الصلاة المسيحية، المعروفة بالصلاة الربانية في بعض عباراتها؛ وهي أقدم منها، وتبدأ بعبارة "ليتمجد ويتقدس اسمه العظيم" وأسطورة أحيناء الواسعة الانتشار تحوي بعض حكم آشورية، أو بابلية، ولكنها بالآرامية؛ وقد كتبت في القرن السابع أو ما بعده؛ ولم يقتصر انتشار الآرامية
[ ٦٦ ]
على المناطق السامية؛ ففي عهد "داربوس" الكبير ٥٢-٨٦ جعلت الآرامية اللغة الرسمية بين مقاطعات الإمبراطورية الفارسية، وهكذا أصبحت حتى فتوحات الإسكندر اللغة المتداولة في إمبراطورية تمتد من الهند حتى الحبشة، وإن مثل هذا الفوز الذي حققته لغة لا تدعمها سلطة إمبراطورية من أهلها ليس له مثيل في التاريخ، ومع انتشار اللغة الآرامية انتشرت الأبجدية الفينيقية، التي كان الآراميون أول من اقتبسها، واستعملت في لغات أخرى في القارة الآسيوية؛ وحصل العبرانيون على أبجديتهم من الآراميين بين القرنين السادس، والرابع، وكانوا قبل يستعملون الأجدية الفينيقية القديمة مدة من الزمن، والحروف المربعة التي تطبع اليوم بها كتب التوراة العبرانية نشأت من الكتابة الآرامية وأخذ عرب الشمال أبجديتهم التي كتب بها القرآن الكريم من الآرامية التي استعملها الأنباط؛ وكذلك حصل الأرمن، والفرس، والهنود على أبجديتهم من مصادر آرامية، وحروف البهلوية، والسنسيكريتية إلى قلب الصين، وكوريا، وهكذا وصلت الحروف الفينيقية شرقًا بطريقة الآرامية إلى الشرق الأقصى، وغربًا بطريق اليونان إلى الأمريكتين مطوفة العالم كله١.
وقد تفرعت اللغة الآرامية مع الزمن إلى مجموعتين هما:
١- المجموعة الشرقية، في وادي الفرات، وتمثلها المندعية والسريانية.
ب- المجموعة الغربية، وتمثلها الآرامية التوراتية، والترجوم، ولهجات الشمال، وحماة، والتدمرية والنبطية؛ ثم أصبحت السريانية وهي لغة "أوديسا" لغة الكنائس في سورية، ولبنان وبلاد الرافدين مع بعض الاختلافات المحلية، حتى حلت العربية محلها؛ عندما اتخذ المسيحيون الآراميون لهجة أديسا، وجعلوها لغة الكنيسة، والأدب، والتعامل الثقافي، وصاروا يعرفون باسم سوريين.
الديانة الآرامية "حدد الراعد":
والإله الذي كان يوجه الآراميون أعظم اهتمام لعبادته كان "حدد" إله الزوابع والرعد، ويسمى أيضًا "أدو أو: أدو" وكان مفيدا حين يرسل المطر الذي يخصب
_________________
(١) ١ تاريخ سورية جـ١ ص١٨٢، ص١٨٣.
[ ٦٧ ]
الأرض، وكان مفيدا حين يرسل السيول، وكان من ألقابه "ريمون" الراعد؛ وقد يطلق عليه الاسمان معا "حدد ريمون" وكان أهم معبد للإله "حدد" في هيرابولس "منبج" أي المدينة المقدسة. ولكن له معابد في مدن سورية أخرى كثيرة، وفي لبنان، وكان محبوبا بصورة خاصة بين المزارعين في سورية، وامتزجت عبادته فيما بعد بعبادة الشمس وزخرف راسه عند ذلك بالأشعبة كما في بعلبك، وفي الغالب يعتبر "جوبتر" هليوبولينانس، الذي عبد في بعلبك معادلا للإله "حدد" الذي تبدل فيما بعد، فأصبح "جوبيتر الدمشقي" وعرف الآراميون عادة تسمية أبنائهم "بار حدد" أي "ابن حدد" أو ابن آلهة أخرى، وعبدت رفيقة "حدد" أو زوجته في هيرابولس وفي مراكز سامية أخرى باسم "أتارغاتس"، ويتألف رمزها من الهلال مع قرص الشمس؛ كان لها معبد في كرنيون في جلفاد، وكانت عسقلان في فلسطين مركزا لعبادتها، حيث اعتبرت غالبا معادلة لأفروديت. كذلك انتشرت عبادة "أتارغاتس" بين اليونان، وكان كهنتها عموما من الخصيان الذين اعتادوا القيام برحلات اليونان وإيطاليا؛ لنشر عبادتها بواسطة التنبؤات، والرقص الروحاني، ولجمع تبرعات الأتقياء لأجل معبدها، وكان التشريع الآشوري يطلب من نساء الرجال الأحرار، وبناتهم أن يغطين رءوسهن حين يخرجن إلى الشارع، وكانت مجموعة الآلهة الآرامية تضم فيما سوى الزوج الإلهي "حدد وأتارغاتس" عددا من الآلهة الأخرى، ذات المكانة الثانوية، بعضها محلي والبعض الآخر مستعار من الأمم المجاورة، وكانت الآلهة: حدد، وإيل، وركاب، وشمس؛ وهي التي أعطت الملك بناموا الأول الصولجان في الكتابة الأثرية التي تركها، ومنحته الأشياء التي صلى لأجلها ركاب، أو سائق المركبات هو إله مستورد إلى سورة مع إله الشمس الآشوري؛ وشمس الأشوري هو اسم إله الشمس، الذي كان يعبد في العالم السامي كله؛ ورشوف هو الإله الفينيقي "رشف" الذي كان كثيرا ما يمثل بشكل جندي مسلح، وفي كتابة ذاكر ملك حماة يرفع هذا الملك يديه لبعل شمين "سيد السموات" ورد فيها: فإن بعل شمين وإيلن وبرو شمشن وسهر، وإله السماء وإله الأرض مستهلكة، ويتضح أن بعل شمين هو "حدد" وهو "غيل وير" في الغاب وسهر هو إله القمر؛ وكانت حران مركزا الإله القمر الذي يسمى "سين" عند الأشوريين.
[ ٦٨ ]
ويرد ذكر هذا الإله "سين" القمر على حجر تيماء، وهي واحة في شمال الحجاز، التي ترجع كتابتها إلى القرن الخامس ق. م. والإلهان المذكوران على هذا الحجر هما: سلم، ويشير إلى بعل المحلي، والثاني عاشرة.
تشريعات حمورابي:
استولى "ساموابي" أولا على شمال بابل نحو سنة ٢٤٦٠ ق. م. وكان جنوبها يومئذ في حوزة ملك عيلامي، وخلف ساموابي ابنه "ساموليلا" وانتقل إلى بابل فاتخذها كرسيًّا لمملكته، وهو أول من فعل ذلك؛ وتوالي بعده خلفاؤه من أسرته كما سيأتي حتى أفضى الملك إلى حمواربي؛ وهو سادسهم، فناهض العلاميين في الجنوب وعليهم ملك اسمه في آثار بابل "كرد لا قمر" وهو "كرد لا عومر" التوراة، وكانت بابل عاصمة غربي آسيا لا يثبت أمير علي إمارته إلا بعد أن يشخص إليها وينال التصديق من أنه "ابن بعل".
وفي أواسط الألف الثالث قبل الميلاد دخل الآراميون في دور جديد؛ فتدرجوا في الرقي بما امتازوا به من النشاط، فحازوا الأرضين وملكوا الإقطاع، وفي جملة المالكين "سموا أبي" جد عائلة حمورابي فاستعان بأبناء قبيلته في توسيع دائرة سلطته وفي أثناء هذه الدولة ظهر إبراهيم الخليل، وهاجر من أور الكلدانيين١.
تمدن دولة حمورابي:
كان السومريون قبل هذه الدولة قد اتخذوا دينا ووضعوا شريعة واخترعوا كتابة، ولهم لغة خاصة، فلما غلبهم الحمواربيون اقتبسوا تمدنهم، ونظمهم، وكان الحمورابيون في أول دولتهم يستخدمون اللغة السومرية في المكاتبات، ثم أهملوها بالتدريج حتى ذهبت وذهب معها العنصر السومري، وبقى العنصر السامي.
ولكن الحمورابين استبقوا الخط السومري، وهو القلم المسماري؛ لأنهم استخدموه في تدوين لسانهم، وزادوا فيه أحرفا لم تكن في السومرية.
_________________
(١) ١ العرب قبل الإسلام جـ١ ص٤٠، ص٤١، ص٤٢.
[ ٦٩ ]
أما تمدن السومريين فاقتبسه الحمورابيون ورقوه وزادوا فيه كما فعل المسلمون بتمدن الروم والفرس وأكثرهم عناية في ذلك حمورابي؛ فإنه جمع الشرائع ونظمها وبوَّبها فعرفت باسمه، وقد رتبها في ٢٨٢ مادة، وجدوا نسخة منها ١٩٠١ في بلاد السوس منقوشة بالحرف المسماري على مسلة من الحجر الأسود الصلب طولها سبع أقدام وتدل تلك الشريعة على تقدم تلك الأمة في سلم الاجتماع إلى أرقي ما بلغت إليه تلك العصور ولا سيما في شروط الزواج والتنبي والإرث وإليك خلاصة ذلك.
نظام الاجتماع، طبقات الناس:
كان الناس في ذلك العصر ثلاث طبقات: الأحرار، العبيد، طبقة متوسطة بينهما، عبرنا عنها بالموالي على نحو ما كان عليه العرب في صدر الإسلام؛ فإن الموالي عندهم أرقى من العبد وأدنى من الحر، فإذا صح أن هذه الدولة عربية كان العرب أسبق أمم الأرض إلى سن الشرائع، وتنشيط العلم وأهم بلغوا في نظام الاجتماع ما لم يبلغ إليه معاصروهم، وما زالت الدولة البابلية الأولى -الحمورابية- قائمة حتى غلبت على أمرها، فخرج بعض أهل الدولة فرارًا من ذلك الغالب إلى إخوانهم في جزيرة العرب وأنشأوا في اليمن دولة عربية عرفت بدولة المعينيين، كان لها شأن كبير في تاريخ اليمن قبل دولة سبأ وحمير١.
هل دولة حمورابي عربية؟:
لا خلاف في أن دولة حمورابي سامية الأصل، ولكنهم اختلفوا في نسبتها إلى فرقة من الفرق السامية؛ وعندنا أنها من بدو الآراميين، وهم عرب ذلك العصر أو العمالقة، والأدلة على ذلك:
١- أن بروسوس مؤرخ الكلدان ذكر بين الدول التي حكمت بابل دولة سماها: عربية، وذكر عدد ملوكها وسنى حكمها ودولة حمورابي أقرب دول بابل عهدا من الزمن الذي عينه بروسوس للدولة العربية.
_________________
(١) ١ تاريخ العرب جـ١ ص٤٩ ص٥١.
[ ٧٠ ]
٢- أن سكان بادية العراق كانوا يعرفون عند أهل بابل باسم عمورو -أي أبناء المغرب- وهذا الاسم يشمل كل من سكن غرب الفرات من الأمم السامية، وفيهم الآراميون في الشام، وبدوهم في باديتها، وفي التاريخ القديم أن الكنعانيين اكتسحوا فلسطين في القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد، وأخرجوا أهلها الأصليين، ويوافق ذلك نزول بدو الآراميين بابل وأنشأ تلك الدولة فيها واسمهم عمورو كما تقدم، ثم سموهم عريبي ومعناها أهل المغرب أيضا، والطبري يسمي جدَّ العمالقة عريب١.
٣- أن معبودات البابليين كثيرة الشبه في أسمائها وأسماء الذين ينتسبون إليها بأقدم آلهة العرب في اليمن وغيرها مثل "إيل، ويل، وشمس وأشتار، وسين، وسمدان، ونسر".
٤- أن الحمورايين اتخذوا بابل قصبة لمملكتهم على حدود البادية قرب المكان الذي اختاره اللخميون كرسيا لدولتهم الحيرة بعد ذلك بنحو ثلاثين قرنًا، والمكان الذي اختاره العرب المسلمون في أيام بداوتهم "الكوفة" عملا برأي عمر حتى لا يكون بينه وبين المسلمين ماء، فإذا أحب أن يركب راحلته إليهم ركبها٢.
٨- العبرانيون:
كان دخول العبرانيين إلى كنعان نتيجة ثلاث هجرات:
الأولى: هجرة إبراهيم من بلاد الرافدين، تتصل بالهكسوس.
الثانية: هجرة إسرائيل، وتتصل بالآراميين.
الثالثة: قد أتت من مصر، والجنوب الشرقي، بقيادة موسى في أوخر القرن الثالث عشر.
من خلال تلك الهجرات أتى الشعب الذي عرف فيما بعد، بالعبرانيين متجولين، ومغامرين ومرتزقة، وجنودا لا ارتباط بينهم، ثم استقروا بالتدريج بين السكان الذين سبقوهم، وفاقوهم في مدنيتهم، وتعلموا منهم حرث الأرض، وبناء المنازل،
_________________
(١) ١ تاريخ العرب جـ١ ص٤٩. ٢ تاريخ العرب جـ١ ص٥١.
[ ٧١ ]
وممارسة فنون السلم، وأهم من ذلك القراءة، والكتابة، ويضاف إلى هذا كله، أن العبرانيين تركوا لهجتهم السامية القديمة، واتخذوا اللغة الكنعانية لغة لهم، واللغة الفينيقية، واللغة العبرانية القديمة، كما هي مدونة في العهد القديم، لا تختلفان إلا من ناحية اللهجة، وأصبح العبرانيون القدماء بوجه الإجمال، ورثة المظاهر الأساسية للحضارة، الكنعانية المادية؛ وأتباع كثير من العبادات والعادات، والصفات الدينية الكنعانية.
هجرة إبراهيم وإسرائيل:
تقول المرويات العبرانية: إن إبراهيم١ جدهم الأكبر، أو قبيلتهم الأصلية أتى "أور" في بلاد الرافدين، بطريق حران؛ وقام مؤقتا قرب حبرون "الخليل"، وترك وريثه إسحق٢ ابنا اسمه يعقوب٣، وبعد أن قام يعقوب في فدان آرام عدة سنوات، وقع عليه الاختيار ليكون صاحب الشأن؛ تفضيلا له على أخيه "عيسو"٤ وتغير اسمه، فأصبح "إسرائيل"٥ وحصل عيسو على اسم آخر وهو: "آروم" أي أحمر؛ وحل ورثته فيما بعد محل كل سكان منطقة جبل سعير، وعرفوا باسم الأروميين؛ وهكذا أزيل عيسو من حياة العبرانيين وتفكيرهم؛ كما أزيل قبلا إسماعيل بن إبراهيم من جاريته المصرية هاجر، وفضل عليه إسحق، وبين أولاد يعقوب الاثني عشر كان يوسف٦ الحادي عشر وهو الابن الأكبر لراحيل؛ وقد باعه إخوته لجماعة في مصر، وارتفع شأنه في الدولة المصرية، وبعد أن أقام ورثة يوسف وإخوته أجيالا عديدة في مصر عادوا إلى فلسطين.
الخروج من مصر؛ هجرة موسى:
يبدأ تاريخ بني إسرائيل الحقيقي كشعب بالخروج من مصر، وفي حدين وهو القسم الجنوبي من شبه جزيرة سيناء وضع العهد القديم، وتزوج زعيم الإسرائيليين موسى، الذي يبدو اسمه ككلمة مصرية، من ابنة كاهن مدين الذي يعبد يهوة٧.
_________________
(١) ١ بالعبرية إبرام أي الأب. ٢ بالعبرية ليتسم إبل. ٣ بالعبرية ليحفظ إبل. ٤ سفر التكوين ٢٠: ٢٣. ٥ بالعبرية ليحكم إبل. ٦ بالعبرية باسف ليضيف إبل. ٧ سفر الخروج ٣: ١، ١٨، ١٠.
[ ٧٢ ]
والذي علم موسى هذه العبادة الجديدة قبل أن يوحى إليه، وكان هذا الإله العربي الشمالي إله الصحراء؛ والأصل إله القمر، ومقره كان خيمة، وطقوسه تشمل بعض الأعياد والتضحيات من بين القطيع١؛ وتزواج آخرون غالبا مع المدينيين، والفينيقيين وسائر سكان بادية من شمالي الجزيرة العربية؛ وفي حوالي "١٢٥٠" ظهر هؤلاء البدو المنحدرون من أطلال العشار في الجهة الجنوبية الشرقية من سورية، أي من بادية شرقي الأردن؛ وكان أول فوز عبراني في شرق الأردن على "سيمون" ملك الأموريين؛ وتبعه فوز آخر على "عوج" الملك الجبار، ملك باشان، وعندما سيطر العبرانيون على البلاد كانوا يقسمونما بين القبائل الإحدى عشرة، وتركوا قبيلة "لاوي" الكهنوتية موزعة بين سائر القبائل؛ لتهتم بشئونها الدينية؛ وهكذا أسكنت قبيلتا "يهوذا، وبنيامين" في الأراضي المرتفعة حول أورشليم، بينما استقرت القبائل الأخرى في السهول الكثر خصبا في الشمال.
وكان العبرانيون الشعب الوحيد بين الشعوب السامية القديمة الذي أنشأ شعورا قوميا متطرفا، كما أن العبرانيين وحدهم من بين الساميين القدماء الذين احتفظوا بصفاتهم القومية وبفرديتهم، وقد ساعدت الديانة مساعدة كبرى في توحيدهم، وتعاونهم؛ وفي عهد نبي الله "داود ١٠٠٤-٩٦٣ ق. م" تمت له بنتيجة فتح "أدوم" السيطرة على طريق التجارة العظيم بين سورية والجزيرة العربية؛ وفي عهده أيضا بدأ الأدب العبري، وهو من أغنى وأرفع ما تركه الشرق القديم من مظاهر حضارية؛ وقد استعاروا الكتابة من الفينقيين، ويظن أن الكهان بدوا فيما بعد بإعداد كتب مشابهة للوثائق الرسمية وأدخل جانب منها في العهد القديم؛ وأول فصلين من سفر الملوك الأول هما: أول قطع من النثر العربي، وكتابة عن ترجمة حياة داود في الفصول "٩ إلى ٢٠" من سفر صموئيل الثاني هي قطعة رائعة من الإنشاء التاريخي؛ كذلك بدأت مجموعات من المؤلفات الشرعية في عصر داود؛ وكان هو نفسه شاعرا، وله مكانته؛ وفي الواقع فإن الأثر الذي تركته مواهبه الشرعية، والموسيقية
_________________
(١) ١ نفس المرجع ٣، ١٨، ١٠٥.
[ ٧٣ ]
كان عظيما، حتى إن الأجيال نسبت له، وضع عدد من المزامير التي بلغ من قيمتها الإنسانية العامة، وأهميتها الدائمة، أنها لا تزال تستخدم كمصدر روحي، وكوسيلة لرفع القوى الروحية١.
إسرائيل:
كان داود وسليمان قد وحدا بصورة مؤقتة شعبي إسرائيل، ويهوذا المنفصلين، كانت قبيلة "إفرايم" وغيرها من القبائل الشمالية التي تسكن الشمال أكثر تعرضا للتأثير الكنعاني، وكانت تفضل الزراعة، وفي مسائل العبادة الألوهية "جمع إبل" وتعبدها بطقوس شمسية مأخوذة من الطقوس الكنعانية القديمة؛ وكان أشهر ملوك إسرائيل الأوائل "عبري ٨٨٥-٨٧٤" ويدل "اسمه على أصل عربي أو بالأحرى نبطي؛ وكان الأثر المهم الذي تركه مدينة السامر٢ التي أسسها وحصنها، ونقل إليها مركز الحكم من ترزن٣ وبنى في عاصمته الجديدة قصران وسَّعه وزخرفه ابنه ووريثه "أخاب".
ويذكر الرواة أن الملك "أخاب" تزوج "إيزابل" ابنة "اتبعل" ملك صور، وكانت ذات شخصية، وسيطرت على زوجها، وحاولت فرض عبادة "بعل صور" على إسرائيل؛ وأدى ذلك إلى نزاع مرير وطويل للسيادة على حياة إسرائيل الدينية بين عبادة البعل، وعبادة "يهوه"، وظل النزاع إلى أن استولى "باهو" على العرش في "٨٤٢ ق. م" وأعاد عبادة يهوه كعبادة وحيدة في إسرائيل٤.
السامريون:
وفي عهد "سلمناصر الخامس" وعلى يديه تلاشت مملكة إسرائيل إلى الأبد، ولم يشكل المسبيون سوى قسم صغير من سكان المملكة الشمالية غرب الأردن،
_________________
(١) ١ تاريخ سورية جـ١ ص٢٠٤، ص٢٠٥. ٢ سفر الملوك الأول ١٦: ٢٤. ٣ ترزن لم يعرف موقعها بعد. ٤ سفر الملوك الأول ١٦: ٣١.
[ ٧٤ ]
وهكذا فإن الأسباط العشرة المفقودة؛ إنما المسببون منهم اندمجوا بغيرهم؛ ثم أضاف "سرجون" وخلفاؤه إلى سياسة السبي، ونقل الذين كانوا شوكة في جانب دولة "آشور" شيئا آخر، وهو: فقد أتوا بقبائل من بلاد بابل، وعيلام، وسورية، وبلاد العرب لتحل محل الإسرائيليين المسببين، وأسكنوها في السامرة.
وقد امتزج المستوطنون الجدد بين إسرائيل؛ ليشكلوا السامريين، واتخذت معتقداتهم الدينية أيضا مع عبادة "يهوه" وبعد عودة "عزرا" و"نحميا" من السبي حيث دافعا عن فكرة النقاوة العنصرية وطردوا من أورشليم حفيد الكاهن الأعلى؛ لزواجه من ابنة الحاكم السامري، ويبدو أن ذلك الكاهن المطرود أصبح كاهن السامريين، وبنى هيكل "لاجل" على جبل "جريزيم"؛ لينافس هيكل أورشليم"؛ وكان كتاب اليهود المقدس حينذاك يتألف من الكتب الخمسة فقط؛ ولذا فإن هذا القسم من العهد القديم، ظل منذ ذلك الحين الكتاب المقدس الوحيد للسامريين، وقد نقلوه في نوع قديم من الحروف العبرية "وجريزيم" وليس "صهيون" هو المكان المقدس بالنسبة لهم؛ وازداد العداء بين اليهود والسامريين مع الزمن، ولم يكن التزاوج بينهم مسموحًا في أي وقت؛ ومن أطراف أحاديث المسيح حديثه مع امرأة سامرية تعجبت كيف يطلب منها أن تعطيه؛ ليشرب مع أنه يهودي١؛ واختار المسيح في مثل من أبدع أمثاله رجلا سامريا؛ ليكون بطل قصة، ويلعب فيها دورا نبيلا٢، وفي أثناء اضطهاد أنطيوقس تألم السامريون، كما تألم اليهود٣، بالرغم من موافقتهم بالظاهر على التساهل وتكريس هيكلهم على جبل "جريزيم" للإله "زفس٤" ولغة السامريين هي العبرية٥.
_________________
(١) ١ إنجيل يوحنا ٤: ٩. ٢ إنجيل لوقا ١٠: ٣٠، ٣٧. ٣ سفر المكابيين الثاني ٥: ٢٣. ٤ المرجع السابق ٦: ٢. ٥ تاريخ سورية جـ١ ص٢١٤.
[ ٧٥ ]
يهوذا:
وكانت قبيلتا يهوذا، وبنيامين في الجنوب تفضلان "يهوه" الذي مسكنه هيكل "أورشليم"، والذي كانت عبادته أكثر بساطة، وشهد عرش "يهوذا" عددا من الملوك يشبه عدد ملوك إسرائيل؛ وهو تسعة عشر ملكا، غير أن هذه المملكة الجنوبية
دامت نحو قرن وثلث، أكثر من مملكة إسرائيل في الشمال.
وفي عهد "بوشيا" توسعت المملكة في أيامه نحو الشمال، وحاولت إعادة توحيد إسرائيل مع "يهوذا" ثم اكتسب "بوشيا" شهرة خالدة كمصلح ديني حين تعاهد مع شعبه على عبادة "يهوه" وحده، وأحرقوا أواني بعل، والأجرام السماوية المؤلهة، التي كانت في الهيكل، وهدموا بيوت المابونين المجاورة، وخربوا المرتفعات في بلاد "يهوذا" في بلاد إسرائيل١.
الوجه الثقافي والديني للعبرانيين:
اتبع العبرانيون في مراحل حياتهم الأولى في فلسطين النموذج الحضاري للشرق الأدنى، الذي كان يمثله الكنعانيون، وقد أعطت كنعان لإسرائيل لغتها وأبجديتها.
ويعني ذلك: أنهم اقتبسوا دفعة واحدة تقريبا مجموعة من الطقوس، والمشاهد، والمراسيم القديمة، التي تضم الأعمدة الخشبية، والأماكن المرتفعة، وعبادة الحية٢، والعجل الذهبي٣ والتحريمات المتصلة بالطقوس في الأسفار الخمسة تفيد ضمنا أن هذه العادة كانت قبل تحريمها قد اقتبسها العبرانيون من جيرانهم، ثم اعتبرها الرؤساء غير متفقة مع اتجاهات الديانة العبرانية، والاعتراف بـ"يهوه" كالإله الرئيسي -بحق الفتح- لم يمنع اعتبار الآلهة المحلية مسيطرة على
_________________
(١) ١ الملوك الثاني ٢٣: ١-٢٥. ٢ سفر الملوك الثاني ١٨: ٤. ٣ السابق جزءا وصفحة.
[ ٧٦ ]
خصب البلاد؛ وكانت سلطة "يهوه" على الدولة؛ بينما شئون الحياة العادية من زراعة وتجارة لم تكن من صلاحياته الرئيسية، وكان "يهوه" يكتسب كثيرا من صفات "بعل" مما جعله سيد السماء وباعث المطر، والمسيطر على العواصف، وكان الأهل كثيرًا ما يسمون ابنهم البكر بالنسبة ليهوه؛ بينما يسمون صغارهم بالنسبة "لبعل"، وتزداد نسبة الأسماء العبرانية المؤلفة من اسم "بعل" باطراد في الفترة الأولى، "وشاول" يسمى ابنه "إيش بعل ورجل بعل"، و"يوناثان" يسمى ابنه "مريد بعل- بعل ينازع"، ولقد سبق أن بعل فرضته "إيزابيل"١. يقول فيليب حتى: لم يصلنا مؤلف يشبه العهد القديم في أهميته من العصور التي سبقت المسيحية، والعهد خلال العصور قوة فعالة في حياة الرجال والنساء، ومرت مادته نفسه بأطوار كثيرة من الانتقاء والحذف، والتحقيق والضبط قبل أن تتخذ شكلها النهائي، وهناك نوع من الوحدة تتخلل العهد القديم٢.
الكهنة:
كان الكهنة يشكلون طبقة خاصة بين الأمم القديمة. أما الكهنة عند العبرانيين، فكانت تنحصر في أسرة هارون بصورة وراثية، والكاهن هو الذي كان يعلم الشريعة، ويعمل أكثر مما يعلم، ويقوم بالمراسم عند المذبح، ويجري سائر الطقوس، ويعمل كوسيط بين الإنسان والله، وتفسيرات الكهنة يطلق عليها الحكمة، والحكمة بخلاف الشريعة، فالأولى مصدرها الإنسان نتيجة اجتهاده واختياره وتعاليمه، وكتب الحكمة العبرانية الكبرى هي:
أسفار أيوب، والأمثال، والجامعة، وأعظم كتب الحكمة بدون شك سفر أيوب، وكان الحكيم العبراني يخاطب الفرد وليس المجموع، ورسالته كانت إدراك النجاح أكثر منها الحصول على رضى الله٣.
_________________
(١) ١ تاريخ سورية جـ١ ص٢٢٢. ٢ سفر الخروج ٢٨: ١. ٣ تاريخ سورية جـ١ ص٢٣١.
[ ٧٧ ]
النبوة الإلهية عربية لفظا ومعنى:
ويؤكد المرحوم الأستاذ العقاد أن الإسرائيليين "اليهود" تعلموا النبوة الإلهية بلفظها ومعناها من شعوب العرب، ولم تكن لهذه الكلمة عند الإسرائيليين "اليهود" لفظة تؤديها قبل وفودهم على أرض كنعان ومحاورتهم للعرب المقيمين في أرض مدين. فيقول: "إن كلمة نبي عربية لفظا ومعنى؛ لأن المعنى الذي يؤديه لا تجمعه كلمة واحدة في اللغات الأخرى، والعبريون قد استعاروها من العرب في شمال الجزيرة بعد اتصالهم بها؛ لأنهم كانوا يسمون الأنبياء القدماء بالآباء، ولم يفهموا من كلمة النبوة في مبدأ الأمر إلا معنى الإنذار فكانوا يسمّون النبي بالرائي١ أو الناظر أو رجل الله، ولم يطلقوا عليه اسم نبي إلا بعد معرفتهم بأربعة من أنبياء العرب المذكورين في التوراة، وهم: ملكي صادق، وأيوب، وبلعام، وشعيب الذي يسمونه يثروب، وهو معلم موسى الكليم"٢، وقد سمى إبراهيم الخليل برئيس الآباء٣، ويستشهد العقاد ببعض علماء الأديان الغربيين الذين ذهبوا إلى تأييد اقتباس أتباع موسى كلمة النبوة من العرب مثل الأستاذ هولشر والأستاذ شميدت اللذين يرجحان أن الكلمة دخلت اللغة العبرية بعد وفود القوم على فلسطين، فتشير التوراة إلى أن عاموس اغتاظ وغضب لما أطلق عليه اسم نبي، وقال: "لست أنا نبيًّا ولا أنا ابن نبي بل أنا راعٍ وجاني جميز"٤.
فأخذني الرب من وراء الضأن، وقال الرب: اذهب تنبأ لشعبي، ويعطي نص عاموس دلالتين؛ على خلاف ما يذهب بعض المستشرقين في تأويله في أنه اغتاظ أو غضب إنما أراد من إطلاقه عليه دلالتين:
الدلالة الأولى: أنه تنبأ من الله.
الدلالة الثانية: أن النبوة كانت تورث.
_________________
(١) ١ عا ٧: ١٢. ٢ العقاد، "الثقافة العربية" ص٧١. ٣ عب: ٧: ٤. ٤ عا ٧: ١٤-١٥.
[ ٧٨ ]
ولما كانت النبوة لها إطلاقات شتى فهي تطلق في التراث العبراني على الكهنة والعرافين والسحرة وعلى الأنبياء الكذبة إلخ، فإن عاموس حددها على أن الله نبأه من عنده وليست نبوته من قبيل تلك المعاني ولا من قبيل الإرث.
تعقيب:
من هنا نلاحظ أن: معظم الدوات التي تعبر عن العقائد يتشابه بعضها مع البعض، والديانات تضم:
١- الآلهة الأنثى أكثر من الذكور.
٢- الآلهات الأنثى مزينة بالحلى الجميلة، وفي بعض الأحيان تحمل أطفالا في بطنها.
٣- وهناك تماثيل للآلهة تعبر عن تقديم الناس النذور والطلبات والحاجات.
٤- وللثور مكانة بارزة بين تلك الآلهة، شأنه في ذلك شأن أرض الرافدين، وسوريا ومصر.
٥- كما وجدت بين تلك الآلهة والتماثيل: أصنام وصخر طويل عريض.
وكذلك تشير إلى لوحات عديدة إلى آلهة كثيرين، وهناك لوحات تصف تدفق النهرين من رحم الآلهة، ولوحات أخرى رسمت آلهة الأشجار، وهذه الآلهة كلها رسمها الهنود بكل براعة، ودون غموض؛ وهي تختلف بطبيعتها وصفاتها وملامحها عن آلهة أرض الرافدين كل الاختلاف؛ وكذلك عن آلهة مصر.
وكذلك نرى من بين آلهتهم بطلين عظيمين؛ واحد منهما يصارع الأسود بكل شجاعة؛ والآخر نصف جسمه يشبه إنسانا والنصف الآخر يشبه حيوانا متوحشا بشعا، ممسكا بيديه ثورا وأسدا؛ وهو يشبه أنكير، والبطل السومري في أرض الرافدين من بعض الوجوه، كما تصفه أسطورة الطوفان السومرية، وهناك رموز دينية وسحرية كثيرة مثل الصليب، والنقاد.
الكتفان نقشت على الطوابع، والأدوات المعدنية شأنها في ذلك شأن رموز بابل، وعيلم، وهناك صورة تصوره جالسا رسم بقرن وثلاثة وجوه، وهذا الإله: هو
[ ٧٩ ]
الذي سمي لدى الآراميين "سيفا" وهو إله عظيم جليل القدر ملك الغابات والوحوش له عدة وجوه، ومما لا شك فيه أنه أقدم الآلهة الهندية، وقد وجد في وادي نهر الهند منذ القدم، وهو يملك السلطات الواسعة في الكونفإنه يشبه "براهما" إله الخلق في الشكل، وكذلك الإله "فشنوا" الحارس المحافظ؛ وقد اجتمعت فيه صفات في مصر ومع أنه كان يتخلق بصفات هامة مثل الهدم والتخريب، فقد تحلى أيضا بصفات بناءة، مثل منح الحياة، وجلب الخصوبة وفق عقيدتهم، ولقد أدخله الآراميون في عقائدهم.
ومن شيدت له المعابد، ووضعت له التماثيل، ولم تزل هذه الظاهرة معروفة وموجودة في عابد الهندوس، وكانت العبادة تؤدي لكل من الإله "سيفا" ورمزه الفروج جنبا إلى جنب؛ وبهذا تكون الآلهة الثلاثة، أي الآلهة: "الأمن والإله سيفا، وإله الفروج" من أهم آلهة سكان وادي نهر الهند.
تكاد تتشابه العقائد الوثنية في كل عصر وزمان من حيث صفاتها: كل صفة من صفات الله صورة إنسانية أو حياونية وهذه هي الآلهة. وإن قدرة الله وجبروته قد تجسدت في صورة إله في كل أمة من الأمم مثل:
بعل عند الساميين.
أندرا عند الآراميين.
جوبتر عند اليونانيين.
أما "فشنوا" عند الدراوديين؛ فهو شخصية بطل تاريخي أضفوا عليه صفات الألوهية، وهذه الشخصيات "كراما، كرشنا" وهذا أساس نظرية التفحص أو التجسد، وأخذ بهذه النظرية المسيحيون في: تجسد المسيح، وبعض الفرق الإسلامية كالإسماعيلية والبهائية، والقديانية.
كذلك عقيدة سيطرة الجن، والعفاريت على الإنسان وتغلغلهما فيه، وتعذيبهما إياه، أو إخضاعه ليتحدثوا على لسانه مظهر من مظاهر التجسد للقوى الخفية الشريرة، ولطردها ألفت التمائم والتعاوبذ، والكلمات السحرية في أرض الرافدين في حضارة
[ ٨٠ ]
بابل والهند الآرية، وإذا استطاع الجن السيطرة على الأشرار من الناس، فإن الآلهة أقدر منهم على التجسد في الناس الطيبين، فمن الصعب أن يتبين علماء الآثار والتاريخ أين تكمن بداية تلك الشعوب في مجراها ومرساها، وما هو موطنها الأصلي.
فلم يقع أي انقطاع في تيار الحضارة في البلاد القديمة في الشرق إيران سورية بلاد ما بين النهرين مصر، بل اتصلت وشائج الحضارة البيزنطية الساسانية: الإطارات الذهنية، طرق التفكير، والطرق التقنية والأفكار السائدة والأشكال الفنية.
[ ٨١ ]
مراجع هذا الباب:
١- القرآن الكريم.
٢- الكتاب المقدس.
٣- الأمم السامية.
مصادر تاريخها وحضارتها تأليف حامد عبد القادر -عضو مجمع اللغة العربية.
مراجع د. عوني عبد الرءوف. طبعة دار النهضة للطبع والنشر.
٤- تراث العالم القديم: تأليف: د. ح. دي بورج، ترجمة زكي سوس مراجعة دريحي الخشاب د. صقر خفاجة. طبعة دار الكرنك.
٥- تاريخ سوريا: تأليف فيليب حتى، ترجمة جورج حداد، عبد الكريم رامق. طبعة دار الثقافة. بيروت.
٦- الشرق الأدنى القديم، مصر والعراق: تأليف د. عبد العزيز صالح. طبعة مكتبة الأنجلو المصرية.
٧- العرب قبل الإسلام: تأليف جورجي زيدان. مطبعة الهلال ١٩٠٥.
٨- خمسة آلاف سنة من تاريخ الشرق الأدنى: تأليف فيليب حتى، طبعة الدار المتحدة.
٩- الجديد حول الشرق القديم: تأليف نخبة من المستشرقين وهم:
أ- المقدمة: كلوتشوف. بونفارد. ليفين.
[ ٨٢ ]
أ- الفصل الأول: بدايات الزراعة والرعي: كاوتشوف
ج- الفصل الثاني: الجديد حول أصل الكتابة: بيلوفا
د- الثالث: منجزات علم المصرويات. بونفارد. ليفين
هـ- الرابع: تل مرديخ: إيبلا القرعة.
والخامس: الجديد حول المجتمع البابلي الألف الأول ق. م.
ز- السادس: تاريخ حضرموت وحضارتها؛ قضايا دراستها والبحوث الأخيرة: سافروتوف.
ح- الفصل السابع: الفرضيات القديمة والجديدة عن موطن الأجداد الهندأوربي.
ط- الفصل الثامن: الردافيديون: موطن أجدادهم وزمان ومراحل انتشارهم.
ي- الفصل التاسع: الألفوئيون: اكتشافات جديدة ومسائل جديدة.
ك- الفصل العاشر: مرغوش أومرو. كوشيلينكو.
ل- الفصل الحادي عشر: موطن البارتيين تاريخه وحضارته. غامكر يليرزه.
م- الفصل الثاني عشر: كنوز طلابته. كوشيلينكو.
ن- الفصل الثالث عشر: المخطوطات تتكلم. غريازنيفكي.
س- الفصل الرابع عشر: مواد جديدة عن التاريخ القديم والحضارات العريقة فيما وراء القوقاز. كوسيليتكو.
[ ٨٣ ]