العلاقات التجارية والدبلوماسية:
لم يكن العرب قبل الإسلام في عزلة عما حولهم: فكريًّا او اجتماعيًّا، أو اقتصاديًّا، وليس ثمة داعٍ لها، فلم يؤثر تاريخي، أنه ضرب عليهم سور يعوق من حركات الدخول في الجزيرة العربية أو الخروج منها، وليست الجزيرة العربية بالأرض الخصبة، التي تكفل لقاطنيها وفرة في العيش، وخصوبة في الرزق حتى يكره العربي في حبها السعي عن تحصيل ضرورات عيشه، وإنما كانت طبيعتها قاسية جافة، وأرضها جرداء مقفرة، ترغم أهلها أن يضربوا بإبلهم في أفناء الأرض شهورًا؛ ليصيبوا منها أقواتهم، وضرورات عيشهم، ونرى في القرآن الكريم تسجيلًا لهذه الرحلات في سورة كاملة -سورة قريش- قال تعالى:
﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ .
هذا من ناحية حركات الخروج منها.
أما من ناحية حركات دخول الناس فيها -أي الجزيرة العربية- فله من الدواعي العدد الكثير:
ففيها الكعبة: وهي من البيوت السبعة القديمة مما يجذب إليها الرائي أو السائح للتعرف عليها، وهناك روايات تاريخية تذكر أن الفرس قصدوها كثيرا١.
كما دخلها جيش أبرهة الحبشي٢، ورحل إليها قديمًا نبي الله إبراهيم، وأقام ابنه إسماعيل فيها وجددا معا بناء الكعبة وأسسا حولها دين التوحيد.
_________________
(١) ١ يراجع المسعودي -مروج الذهب "١: ١٨٨" قال: وقد كانت أسلاف الفرس تقصد البيت الحرام، وتطوف به تعظيما له ولجدها إبراهيم. ٢ وكتب غير واحد من اليونانيين المؤرخين: أن أبرهة زحف على مكة في مركب يجرها أربعة من الفيلة وأن جيشه لم يعد منه إلا القليل لكثرة من مات منه بالوباء. "أبو الأنبياء: العقاد"، كما لجأ إليها النساطرة وأصحاب الطبيعة الواحدة وكلا المذهبين اضطهدا سياسيا، ودينيا.
[ ١٣٣ ]
يذكر القرآن ذلك فيقول: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وهي وإن كانت من حيث طبيعة جوها لا يطمع فيها طامع، تعد بمعزل عن أطماع السياسيين، وأصبحت بذلك كأنها منطقة حيادية، ولهذا السبب -وهو عزلتها- رغب فيها اللاجئون السياسيون الذين وقعوا فريسة للاضطهاد السياسي، أو الديني، فكانوا يفزعون إليها؛ لأنهم يجدون فيها الملجأ الآمن المطمئن، وكذلك جاليات اليهود، والنفر من النصارى، الذين ما دخلوا تلك البلاد إلا فرارا من حملات الاضطهاد الروماني التي وقعت عليهم.
لذلك لم يكن بعيدا علينا أن نجد فيها -كما ذكر القرآن- بعضا من اليهود والنصارى، والمجوس، والصابئين، والذين أشركوا، ونجد فيها: الأصنام، والأوثان، ومصطلحات دينية غير عربية مثل: الجبت، والطاغوت.
ومعلوم أن اليهودية لم تنشأ فيها، ولا النصرانية، ولا المجوسية، ولا الصابئة، ولكنها وفدت إليها تحت قسوة الاضطهاد السياسي أو الديني.
وسنعرض بالتفصيل لتلك الأديان والمذاهب فيما بعد.
كل هذا وغيره يعطينا أن العربي لم يكن في عزلة عما حوله، سواء من ناحيته؛ لأنه خرج منها متاجرا، أو من غيره فلم يكن في عزلة عنها؛ إذ وجدنا من يمم وجهه شطرها.
ومن العوامل الأساسية في التوسع ودعم النفوذ الروماني وتوطيده في الشرق أمور كان قوامها:
- الدبلوماسية.
- والتجارة.
ولكنها كانت مؤيدة بقوات حربية عظيمة، ونشاط حربي مضنٍ، وفي مصر وفي بلاد العرب وشمال إفريقية اتبعت هذه السياسة بعينها.
فالبلاد العربية جرى فيها حركات حربية وتجارية ودبلوماسية.
[ ١٣٤ ]
ويرى م -رستوفتزف: أن الدبلوماسية والتجارة هما من أسس التوسع الروماني في بلاد العرب. وهذا معناه -في نظرنا- أن العربي كان له اعتباره الفكري منذ القدم.
ويقول: ولم تكلل حملة إبليوس جالوس على بلاد العرب بالنجاح التام، ولكنها على أي حال ضمنت للتجار الرومان الحصول على مرافئ آمنة وهم في رحلتهم من مصر إلى موانئ الهند.
ويقول: وكان التجار من الأعراب يقومون بدور الوسيط بين التجار المصريين وزملائهم في الهند، وكانت هذه التجارة إلى حد كبير تقوم على الكماليات١.
وليس الأمر بحثا في دوافع الخروج، أو الدخول فيها فحسب، بل يرى علماء التاريخ: أن شبه الجزيرة العربية هي أصل الهجرات السامية لتلك المنطقة٢.
وحجتهم في ذلك أنها بلاد صحراوية، يحيط بها البحر من ثلاث جهات، لذلك كان السكان عندما يزيد عددهم عن قدرة الأرض المأهولة الضيقة عن إعالتهم يميلون إلى البحث عن مجال حيوي، فيجدونه فقط في الأراضي الشمالية الخصبة التي تجاورهم.
ويؤدي ذلك إلى الحجة الاقتصادية التي تقول: إن أهل الجزيرة الرحل كانوا دوما يعيشون على ما يقرب من الجوع، وإن الهلال الخصيب كان أقرب مكان يزودهم بما يحتاجون إليه.
يقول سبتينومو سكاني٣:
"فالساميون يظهرون في أقدم المصادر على أنهم بدو صحراء العرب يدفعون بأنفسهم دائما إلى الخارج، ويتغلغلون في المناطق المحيطة، ويوطدون أقدامهم فيها فهناك:
- الأكاديون الذين نراهم في أرض الرافدين في الألف الثالثة قبل الميلاد.
_________________
(١) ١ تاريخ الإمبراطورية الرومانية الاجتماعية والاقتصادية، صفحات ٩٢، ١٤٥. ٢ العرب واليهود والتاريخ "١: ١٨٩" د/ أحمد سوسه، وتاريخ سورية: فيليب حتى جـ١ وقصة الحضارة "٢: ٢٦٤". ٣ يراجع كتابه في الحضارة السامية ص٢٢٥.
[ ١٣٥ ]
- ثم الأموريون الذين أسسوا في بداية الألف الثانية سلسلة من الدول في فلسطين وسورية وأرض الرافدين.
- ثم العبريون والآراميون الذين جاءوا بعد ذلك بقرون قليلة؛ ليسدوا الفراغ التاريخي الذي خلفه انسحاب "شعوب البحر" في فلسطين وسورية.
ثم العرب الذين خرجوا من صحرائهم بعد ذلك بعدة قرون في حركة فتح عظيمة نقلتهم إلى أقصى البقاع، وهؤلاء جميعًا ليسوا سوى أسماء مختارة برزت في الحركة المستمرة التي كانت في كثير من الأحيان خفية مجهولة الأبطال، والتي وجهت ودفعت سير الأحداث في الشرق الأدنى.
ثم يقول: ولم يكن بد من أن يتنقل البدو ومعهم آثار أحوالهم الأولى، ومن هنا كان بحثنا في النظام الاجتماعي القديم لصحراء العرب عن الخطوط التقريبية.
وحاولنا أن نقوِّم على وجه التقريب أيضًا الصور السياسية للشعوب المختلفة في معتقداتها وطقوسها وفي قوانينها بل في فنها أيضًا، وليس التراث البدوي لتلك الشعوب كافيا وحده لتغيير ذلك الطور وهو العنصر الذي وصفناه بأنه سام.
ويضيف نتنج قوله١:
"المحاولات الناضجة في القرن التاسع عشر في فك رموز الكتابات التي تعود إلى العصر السابق على ظهور المسيحية كشفت عن تشابه بين لغات البابليين والأشوريين والآراميين والكلدانيين والفينيقيين والعموريين والعبرانيين والعرب والأحباش، وهو تشابه لافت للنظر بحيث يوحي بأن هؤلاء الناس جميعا لا بد أنهم ينبثقون من الأصول نفسها".
ومن هذا ثبت أن أسلافهم المشتركين كانوا العرب الأصليين -أو الساميين من قبيلة سام- إذ إن اسم "عربي" هو التعبير السامي عن ساكن الصحراء- وأن
_________________
(١) ١ ترجمة: دكتور السيد يعقوب بكر. مراجعة: دكتور محمد القصاص. ص٥ العرب نتنج ترجمة د. راشد البراوي. الأنجلو.
[ ١٣٦ ]
أول استيطان للعرب على نطاق شامل إنما كان في اليمن على عهد مملكة مأرب وهي الجيل الخامس من نسل سام.
وقد تأيدت الفروض بشواهد تاريخية منها:
- القرابة اللغوية بين الشعوب التي تتكلم اللغات السامية.
- عقائدهم الدينية.
- مؤسساتهم الاجتماعية.
هذا فضلًا عن خصائص أخرى نضرب صفحًا عنها.
وهذا التشابه جعل من السهل استنتاج: أن الأسلاف الذين تكلموا البابلية والأشورية والأمورية، والكنعانية، والعبرية، والآرامية، والعربية والحبشية، كانوا غالبا يشكلون جماعة واحدة في الأصل. لعوامل: سياسية واقتصاديةن ومع التاريخ، حصل بينهم خلافات، وكان من آخر الهجرات القديمة حوالي ٥٠٠ق. م. هجرة الأنباط إلى شمال شرقي جزيرة سيناء؛ حيث كانت عاصمتهم البتراء. هذا عدا هجرات الفتح الإسلامي، وهذه الهجرات الأخيرة هي الحجة التاريخية التي يؤيد بها أصحابها نظريتهم التي تجعل من شبه جزيرة العرب المواطن الأصلي للساميين، ويضيفون إلى ذلك حجة لغوية مؤداها: أن اللغة العربية قد احتفظت في نواحٍ كثيرة بأشد تشابه باللغة السامية الأم التي كانت جميع اللغات السامية من لهجاتها.
وكذلك لديهم حجة سيكولوجية: ترى أن سكان شبه جزيرة العرب وبخاصة سكان البادية قد احتفظوا بأنقى الصفات السامية.
ومما نحب أن نشير إليه أن عقائدهم الدينية كانت تقوم على عبادة الطبيعة في شكلها البدائي، وكانت هذه العبادة شائعة بين الرحل من بادية الشام وبلاد العرب، وكان يوجد بجانب إله القبيلة إله أعظم يطلق عليه: هبل أو بعل أو اللات.
وكانت اللات أو هبل الآلهة الرئيسية في الجزيرة العربية.
فدعوى أن العرب حجزهم عن العالم القديم وثقافته عُزْلتهم عنه -غير واردة، ولا تثبت أمام التاريخ الحديث الذي أصبح يتكلم عن العرب ودورهم في التاريخ القديم، من خلال علوم الحفائر والنقوش التاريخية القديمة، ومما ينبغي أن يقال: إن
[ ١٣٧ ]
ما يستكشفونه من حفائر تاريخية في تلك المنطقة، يعطي ما أشار إليه القرآن الكريم، وهو عدم عزلتهم، وما تعاقب في المنطقة العربية على حقب متتالية في التاريخ من مراكز حضارية عربية يشهد بذلك فضلا عن المركز الديني الثابت وتلك المراكز هي:
- مكة: عاصمة دينية قديمة، تقع في وسط الحجاز.
- البتراء عاصمة دولة تجارية عربية، ورئيسها عربي، وكانت في الجنوب.
- تدمر عاصمة تجارية عربية، ورئيسها عربي في الشمال.
- بصرى: عاصمة دولة الغساسنة، وهي عاصمة تجارية عربية ورئيسها عربي، وتقع بين "البتراء" و"تدمر".
ويجمع بين هذه الدول الثلاث بعض المظاهر العامة وفق تاريخها المتعاقب من حيث:
- أصلها: الذي يرجع إلى تحضير القبائل البدوية أو المتنقلة.
- وازدهارها: الذي يرجع إلى تجارة المرور.
- وقد تحالفت كل منها مع إحدى الدولتين العظيمتين لبعض الوقت باعتبارها دولة حاجزة بين تينك الدولتين العالميتين وهما: فارس والروم، وتلقت المساعدات منهما.
- ونهاية كل منها كانت على يد إحدى الدولتين.
فرومة قضت على الدولتين: الدولة النبطية، والدولة التدمرية "الزباء"، وقضت فارس وبيزنطة على دولة الغساسنة.
وأنها جميعا كانت وسائل جيدة للتزاوج بين حضارات الغرب: رومة، واليونان، وبين حضارات الشرق: فارس والهند وبيزنطة، فنقلت من الهند إلى الغرب ونقلت من الهلينية، وكانت مع مرفئها التجاري عاملا مهما في ظهور التراث الهلينستي، وظهرت مدارس اشتغلت بالفكر الشرقي والهليني في ربوع تلك الدول منها:
- مدرسة أنطاكية.
- مدرسة نصيبين.
- مدرسة الرها.
- المدائن.
[ ١٣٨ ]
- جنديسابور.
فتلك المدارس: كانت روافد صالحة لنشر الهيلنستية في الشرق والغرب، ونشر تراث الشرق والغرب أيضا في المغرب الروماني، وسنعرض لتلك المدارس ووظائفها:
[ ١٣٩ ]
البتراء:
١- فالبتراء: من الدويلات المهمة التي قامت في العصر السلوقي وأهلها من الأنباط "من العرب المتكلمين باللغة الآرامية"، وازدهرت طوال ثلاثة قرون من القرن الثاني ق. م. إلى القرن الثاني الميلادي، وفي القرن نفسه ضمها الامبراطور الروماني تراجان١ إلى الامبراطورية، وظلت إلى أواخر القرن الرابع وهي المدينة الرئيسية على طريق القوافل تربط بين جنوب الجزيرة الذي ينتج التوابل ومراكز البيع في الشمال.
وكانت تسيطر على الطرق المؤدية إلى مرفأ غزة في الغرب وإلى بصرى ودمشق في الشمال وإلى آيلة "إيلات" على البحر الأحمر وإلى الخليج الفارسي عبر الصحراء.
وكانت تستبدل فيها الجمال النشطة بجمال القوافل.
واستطاع الحارث الثالث العربي النبطي٢: أن يدخل مملكته ضمن المحور التام للحضارة الهلينستية: وكسب بذلك لقب محب الهلينية.
وبدأت البتراء -وهي جزء من الولاية الغربية الرومانية- تتخذ مظاهر هلينستية نموذجية. يقول فيليب حتى: كانت حضارة الأنباط عربية في لغتها، آرامية في كتابتها، سامية في ديانتها، يونانية ورومانية في فنها وهندستها المعمارية، وهي لذلك
_________________
(١) ١ يراجع: مقدمة تاريخ الحضارات القديمة: طه باقرص ٥٩٨ منشورات دار البيان. ٢ كان المؤرخون القدامى يرون أن العرب غير الأنباط فترى المسعودي في كتابه مروج الذهب "١: ١٨٢" يقول: وقد تنازع الناس في ملوك الطوائف: أمن الفرس كانوا أم من النبط أم من العرب؟ غير أن هذا الخلاف يشير إلى أن هناك أصلا لهذا الاختلاف. يقول فيليب حتى: وقد أصاب "سترابو" و"بوسيفوس" و"ديوروس" بإطلاق اسم العرب على الأنباط؛ إذ إن أسماءهم الشخصية وأسماء آلهتهم وأثر التحريف العربي في كتاباتهم الآرامية لا تدع مجالا للشك بأن لغتهم الوطنية كانت لهجة عربية شمالية وظهر في الكتابات الأثرية أسماء مثل: علي، حبيب، سعيد إلخ. وبلغ من كثرة استعمال كلمات عربية صرفة في إحدى الكتابات الأثرية المتأخرة "٢٦٨م" أن النص كل يكاد يكون عربيًّا، راجع: تاريخ سورية ولبنان وفلسطين ص "١: ٤٢٦، ٣٢٧" ترجمة د/ جورج حدَّاد وعبد الكريم رافق، ومراجعة د/ جبرائيل جبور. دار الثقافة بيروت.
[ ١٣٩ ]
حضارة مركبة: سطحية في مظهرها الهليني ولكنها عربية في أساسها وبقيت كذلك.
[ ١٤٠ ]
٢- تدمر:
وأما تدمر "زنوبيا" فيرجع بناؤها إلى نبي الله سليمان، وكانت تقوم بين هاتين الإمبراطوريتين العالميتين، وساعدها موقعها هذا على عدة ميزات؛ منها:
- عدم تمكن الفرق الرومانية والفرق الفارسية من سهولة الاستيلاء عليها.
- استفاد تجارها من وضعها الفريد كمحطة رئيسية لنزول القوافل عند نقطة التقاء الطرق التي تعبر الصحراء من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب.
- استغل رجال السياسة بذكاء موقعها الاستراتيجي من حيث إنها بين دولتين كبيرتين متنافستين، فكانوا يقفون مرة بجانب رومة، ومرة بجانب الفرس، مما جعلهم يحافظون على ميزان القوة ويستفيدون من الحياد.
وحصل الزعماء التدمريون من شيوخ القبائل في الصحراء على إذن بمرور قوافلهم بسلامة، وكانت النتيجة أن أصبحت "تدمر" من أكثر المدن ثروة في الشرق القديم.
وأصبح رئيسها "أذينة زوج زنوبيا" يحوز لقب "زعيم الشرق" ونائبا للإمبراطور غالينوس الروماني؛ غالينوس في الشرق، وذلك بعد أن خاض معركة ضد الغرب؛ ليخلص "فاليران" الإمبراطور الروماني، الأسير لدى الفرس، فهزم الفرس، ولم يستطع تخليص الإمبراطور الأسير، ثم اغتيل في ظروف غامضة.
تولت زنوبيا أو الزباء من بعده، وكانت طَموحة، فوسعت من دولتها حتى أصبحت تشمل سورية، وجزءًا من أسيا الصغرى، وشمال الجزيرة العربية، ويقول المؤرخون: كادت تكون إمبراطورية، ورعت الثقافة اليونانية وجمعت تاريخا للشرق.
يقول فيليب حتى: وكانت حضارة تدمر: حضارة غريبة؛ فهي مزيج من عناصر سورية ويونانية وفارسية، ولا شك أن السكان الأصليين كانوا قبائل عربية وبقيت أكثرية اللسان عربية.
[ ١٤٠ ]
ويصف م. رستوفثزف قوة دولة تدمر فيقول١:
وكانت الحال في المشرق أسوأ منها في المغرب فقد غزا الفرس سورية وهددوا آسية الصغرى فسار فاليران لصدهم، وبالقرب من أديسا "الرها" هزمه هزيمة نكراء ووقع في أيدي أعدائه "٢٦٠م"، ونجت آسية الصغرى وسورية من قبضة فارس، وأنقذ الأولى "آسية الصغرى" كاليسنوس -أحد قواد الرومان- الذي طرد الفرس وأنقذ الأخرى: "سورية" أوديناثوس شيخ تدمر الذي أنزل الهزيمة بالغزاة عندما حاولوا عبور الفرات في عودتهم إلى فارس.
لذلك اعترف جالينوس بأوديناثوس الذي استمر يحكم سورية وجزاء من آسية الصغرى، وبقي يحمل لقب الإمبراطور حتى قتل ٢٢٦-٢٦٧م، فخلفه على العرش ابنه فابالاثوس وقد قامت أمه زنوبيا بأعباء الحكم نيابة عنه وكانت إمبراطورية تدمر في الشرق أكثر رخاء وأشد تماسكا تحت حكم زنوبيا وابنها ابلاثوس وقد لاحت بالتدرج لزنوبيا فكرة إنشاء إمبراطورية رومانية شرقية مستقلة يحكمها أغسطس مستقل.
ولكن أوريليانوس -الذي تولى زمام الأمور بعد كلوديوس- الذي لقي حتفه ضحية طاعون عصف مرة ثانية بصفوف الرومان سنة ٢٧٠م- وبعد أن هزم القوط سار إلى الملكة زنوبيا واستطاع بعد حملة اكتنفتها الصعاب من كل جانب أن يعيد سيادة رومة على الشرق وأن يفتح مصر مرة ثانية وأن يستولي على مدينة تدمر ويأسر حكام الإمبراطورية التدمرية على الرغم من المدد الذي جاءهم من الفرس.
_________________
(١) ١ تاريخ الإمبراطورية الرومانية الاجتماعي والاقتصادي "١: ٥٢٧".
[ ١٤١ ]
٣- دولة الغساسنة:
ودولة الغساسنة: "الحارث بن جبلة بن الأبهم" التي قامت في خلال القرن الرابع الميلاد إلى أن جاء الإسلام.
منح الحارث من قبل "بوستنيان" لقب "فيلارك" أي رئيس قبيلة، واستطاع أن يهزم المناذرة في معركة قنسرين التي تعرف بـ "يوم حليمة".
وقام الحارث في عام ٥٦٣ بزيارة بلاط يوستنيان حيث ترك تأثيرا عميقا على أفراد حاشيته كشيخ بدوي مهيب.
[ ١٤١ ]
ويقول المؤرخون: وكان موظفو البلاط بعد سنوات من هذا الحادث حين يريدون أن يهدئوا الأمير المعتوه "يوستين" وهو ابن أخ يوستنيان ووريثه يتفوهون بالقول:
اسكت: وإلا استدعينا الحارث.
وحصل الحارث أثناء وجود بالقسطنطينية على تعيين يعقوب البرادعي١ أسقفًا على الكنيسة فكان يعقوب من أتباع نسطور ومذهبه القائل بالطبيعة الواحدة للمسيح.
وأصبحت بصرى -التي بنيت كاتدرائيتها في عام ٥١٢- العاصمة الدينية في المنطقة، ووصلت المملكة حينذاك ذروة اتساعها؛ إذ كانت تمتد من قرب البتراء إلى الرصافة شمالي تدمر وتشتمل على البقاع، والصفا، وحران.
_________________
(١) ١ وكان الحارث مسيحيا يعقوبيا، وقد دافع عن مذهبه بحماسة وتوفيق عظيمين في وقت كان التعلق بأهداب هذا مجازفة خطيرة، كما كان لا يدخر وسعا في الدفاع عن أصحاب الطبيعة الواحدة وتحريرهم من الاضطهاد أن يقع عليهم، وبفضله توطدت دعائم الكنسية اليعقوبية بعد أن كانت مهددة بالخطر. نولدكه: أمراء غسان ص١٤ ترجمة دابندي جوزي ود قسطنطين زريق.
[ ١٤٢ ]
٤- دويلة المناذرة:
وقامت في بداية القرن الثلاث الميلادي في البادية المحاذية للفرات في منطقة الكوفة دويلة عربية مهمة هي مملكة الحيرة، وأصل أهلها وملوكها من عرب اليمن، عرفوا بالمناذرة واللخميين، وتقع الحيرة، عاصمتها على بعد نحو ٣ أميال جنوب الكوفة، وكان أهلها نصارى على المذهب النسطوري وكان ملوكها موالين أو محالفين لملوك الدولة الساسانية، ومن ملوكها الأوائل امرؤ القيس الأول "القرن الرابع الميلادي"، والنعمان الأول ابن امرئ القيس، والمنذر الأول "٤١٨-٤٦٢" ابن النعمان، وقد عظم في زمنه شأن الحيرة، والمنذر الثاني "٥٠٥-٥٥٤" وهو الذي سماه العرب "ابن ماء السماء"، وأعقبه ابنه المسمى: عمرو بن هند "٥٥٤-٥٦٩" الذي خلده شعراء العرب من الجاهلية مثل: طرفة بن العبد، والحارث بن حلزة، وعمرو بن كلثوم، وانتهى حكم السلالة في حكم النعمان الثالث الذي يكنى "أبو قابوس" "٥٨٠-٦٠٢"، صاحب النابغة الذبياني، حيث صار الملوك الساسانيون
[ ١٤٢ ]
يتدخلون في شئونها وأخيرا انحاز عرب الحيرة إلى خالد بن الوليد في فتحه العراق "٦٣٣"١.
وقد بذلت داخل الصحراء نفسها محاولات للتنظيم السياسي كدولة كندة التي وحدت تحت حكمها عدة قبائل من وسط الجزيرة.
ولكن ظل البدو في جملتهم أحرارا من مثل هذه التنظيمات السياسية فلم يطلبوا وحدة فوق قرابة الدم التي وحدت بينهم في قبائل، وإنما كانوا يجوبون بلادهم الرملية الشاسعة مستقلين بعضهم عن بعض، وقد حكت لنا الرواية الإسلامية ذكريات تنافسهم وتصارعهم، "فأيام العرب" مملوءة بحروب وثارات نشأت في الأصل عن نزاع على الماشية أو المراعي، أو عيون الماء، وهنا تبرز شخصية البدوي حية نابضة بصفات الشجاعة والكبرياء والإصرار والحيلة وهي صفات كان لها دور لا يستهان به في النظام العظيم الذي انبثقت عنه أحداث الجزيرة العربية فيما بعد، وقد قامت مدن في واحات الحجاز خاصة، وكان طريق القوافل المتجه إلى الشمال يسيطر عليه مركزان يغلب عليهما طابع التجارة هما: يثرب التي سميت المدينة فيما بعد، ومكة إلى الجنوب منها، وكانت تحكم مكة حكومة قلة قواما التجار.
وكانت تفد عليها في أيام الأسواق والمواسم الدينية أفواج العرب من جميع أنحاء الجزيرة، فلم يكن في وسط الجزيرة رقعة تضارع مكة مركزًا لاجتماع القبائل واختلافها بعضها ببعض٢.
من هنا يتبين لنا أن المنطقة العربية تعرضت لتيارات؛ من الرومان تارة، والفرس أخرى، وبيزنطة الثالثة الأخيرة، وفي هذا ما ينفي القول القائل: إن العرب كانوا في عزلة عن التاريخ، ويثبت لنا: أن المنطقة شهدت حضارات تعاقبت عليها، وشاركت في أحداثها السياسية، والاقتصادية ومظاهرها الاجتماعية، أيضا؛ غير أن هذه التأثيرات بتياراتها لم تستطع أن تلغي شخصيتها العربية، إنما كانت طلاء ظاهرا لم يلبث أن انجلى عنها؛ أما لماذا انجلى عنها؟ فسوف نعرض له.
_________________
(١) ١ مقدمة من تاريخ الحضارات القديمة، طه باقرص ٦١١ منشورات دار البيان. ٢ يراجع الحضارات السامية القديمة ص٢٠٤.
[ ١٤٣ ]
وبعدما كانوا يرون أن العرب حجزهم التاريخ عن حضارته، أصبحوا يرون من خلال ما استجد أمامهم من وثائق تاريخية وصلوا إليها عن طريق الحفائر والآثار أن المنطقة تعرضت للتيارات المختلفة: من غزو يوناني، إلى روماني، إلى فارسي، إلى بيزنطي، وبالتالي "أصبحت قادرة على العطاء، وأصبح الإسلام -في نظرهم- هو ثمرة هذا العطاء"، وتلك قصة سنعرض لها فيما بعد.
وأصبح الإسلام يتكون -في نظره- من عدة تراثات:
- التراث الهلنيسني: أي التراث الشرقي الغربي الذي ألفت بينه مدرسة الإسكندرية حاضرة البحر المتوسط.
- التراث الديني: العبري: اليهودي والمسيحي.
نبدأ بالتراث الهليني وموقف الشرق منه.
مراكز الثقافة الهللينسية:
لقد عرضنا للأحداث السياسية التي تعرض لها المنطقة العربية والدويلات التي قامت بها على أزمان متعاقبة من التاريخ وكيف كانت تحتويها إحدى الدولتين العالميتين حينذاك؛ إما الفرس أو الروم.
وكان الهدف الذي كانت ترمي إليه الإمبراطوريتان الرومانية والفارسية هو العمل على الحيلولة دون قيام أي نظام سياسي قوي في الشرق يخشى أن يكون خطرا على إحدى الدولتين، وكلما زادت القلاقل والمتاعب في الشرق كان هذا أفضل لصالحها، وكلما تضاعف عدد الدول المستقلة كان هذا أجدى وأنفع لرومة، وكلما زادت الابتكارات وتعقدت الأمور في الشئون الداخلية لكل دولة من دول الشرق تضاعف أمل كل من الإمبراطوريتين في أن تصبح سيدة الموقف والقوة المتحكمة في مصير الشرق بأسره١.
وإن أهم ما يقال عن هذه الدويلات من حيث مظهرها السياسي: أنها كانت دويلات تزدهر بازدهار مرفئها التجاري، وتندثر باندثاره، وكانت ترى تبعيتها لإحدى
_________________
(١) ١ تاريخ الدولة الرومانية الاجتماعي والاقتصادي "١: ٢٤" تأليف م رستوفتزف ترجمة: زكي علي، محمد سليم سالم. مكتبة: النهضة المصرية.
[ ١٤٤ ]
الدولتين ولاء سياسيًّا واجبًا، وكان هذا الولاء يتغير من حين لآخر، وعامل التغير الأساسي في ذلك: هو الظروف الدولية للدولتين الكبيرتين، وأما هذه الدويلات فعليها أن تشكل ظروفها تبعا لهذا التغير دون إعلان رغبتها في شكل التبعية.
وترتب على ذلك -من وجهة نظرنا- أن أصبحت ميول هذه الدويلات العربية مرتبطة يميول الإمبراطور الشرقي، أو الروماني، وبدلا من أن يكون الولاء للوطن أصبح الولاء للإمبراطور، وفي هذا ما جعل الأسر الحاكمة لهذه الدويلات تسعى -نفاقًا سياسيا منها- إلى التشبث بمظاهر حضارية ذات غشاء رقيق، لم يلبث أن تكشف عن بداوة وسعي إلى حياة الترف بشتى أشكاله وألوانه وصنوفه.
وفي هذا ما صرفها عن دراسة مكوناتها الحضارية، وعن إبراز عوامل شخصيتها الإنسانية، وعن الدعوة إلى توظيف لغتها، ورفع أدبها، ومناقشة قضايا وطنها والبحث عن حرياتها الإنسانية، وحريتها في العلاقات السياسية.
لذلك كنا نراها دويلات متعاقبة في سلسلة التاريخ الإنساني، تظهر "دولة البتراء" ثم تغيب مع غياب الأسرة التي حكمت، فإذا ما أخطأت سبيل ترضية الإمبراطور، كان عليه أن يغطي عليها، دون أن يغيب نجم الإمبراطور السياسي، ولأول مرة رأينا دويلات تنتحر انتحارا سياسيا نتيجة القلق السياسي الذي انتابها.
ثم تظهر دولة "تدمر"؛ لتعيد التاريخ نفسه والأسلوب نفسه ويقضَى عليها بالوسيلة السابقة نفسها.
إلى أن جاء الإسلام فاحتوى الدولتين العالميتين: سياسيا، وفكريا، ودينيا، وشفى ما بهما من علل القلق السياسي، وكان الإسلام بما أحدثه من تغيرات، على المستوى العالمي قد أظهر بمبادئه الرفيعة حقيقة الإنسان عندما ضل عن فهمها من خلال ما حوله من أفكار دينية ماجت بها منطقته، فنلاحظ أنه كان في المنطقة تغييرات سياسية، ولكن غير محددة من الوجهة السياسية. فتارة إلى الشرق وتارة أخرى إلى الغرب، فإذا نادت دولة الشرق الكبرى فارس بثقلها على هذه الدويلات تغير
[ ١٤٥ ]
مجرى علاقاتها إلى الرومان وهكذا، فهناك حقيقة تغييرات سياسية طرأت على المنطقة غير ثابتة الهدف السياسي، والوجهة الحضارية، ويضاعف ذلك عدم وعي الأسرات التي حكمت فيها بهدفيها السياسي، والحضاري، وذلك مما عجل بانتحارها السياسي.
وحال العرب اليوم مثله بالأمس، دويلات ظهرت في المنطقة العربية وازدهرت لعامل اقتصادي لا دخل للعبقرية العربية فيه، وسيطرت عليه، إحدى الدولتين العالميتين، فظهرت المنطقة بمظهر حضاري غربي، ورجع العربي من غير أن يدري إلى بداوته، فكره العمل، وبات على ذلك منعم البال بثرائه المادي، فشلَّ بذلك من عبقريته، ومن تفهمه لمستوى حضارته، وكذلك أسرات حاكمة يرى فيها أنها مسئولة عن توجيهه لما تحب وترضى، فمفهوم التعاون العربي نراه لا يخرج عن معناه القبلي: وهو الأسرة لا الوطن وهو الأحق بالرعاية والتقديس.
وفي ذلك ما يشير إلى مستقبلها إن ظلت على هذا الحال كلقمة طيبة المذاق يعفها الذوق عندما يتغير مذاقها أو يتغير مذاقه على حد سواء، لذلك كان على العربي أن يبحث عن شخصيته وأصالته، وأن يرصد أموال البترول لصالح رعاية السلوك الحضاري النابع حقيقة من الإسلام، وعليه يتحدد مظهرنا الحضاري اللائق بعبقريتنا ومنهجنا الإسلامي.
وإن وضعنا -عربا ومسلمين- في حضارتنا الحديثة لمؤسف؛ إذ ما زلنا بعيدين عن المشاركة في بناء الحضارة، وإن ما يبدو علينا من مظاهر هو مظهر استهلاكي لا بنائي، وفي ذلك تدهور وتدلٍّ، والعربي -تاريخيا- محسود حينما حباه الله برسالة الإسلام -وحْيًا مقدسًا- لا مظهر لعبقرية العربية في تأليفه، وهو العامل الجوهري للحضارة الإنسانية، وحينما منحته أرضه -وستمنحه- بترولها وهو عامل جوهري في قوة الحضارة المادية -لم يكن فيه مظهر للعبقرية العربية إنما هو منحة إلهية أيضا.
وفي كلتا الحالتين: استحق العربي دوره التاريخي والحضاري لكن هل قام بعبء هذا الدور، إنه ما زال يتسول التكنولوجيا من الغرب!!
[ ١٤٦ ]
ولنرجع إلى حديثنا عن المدارس الهلينستية التي انتشرت في المنطقة فنقول:
ما عرضناه كان مقصورًا على الجانب السياسي فقط، ترى هل يكون ثمة تغيير من الناحية الثقافية؟ أو بمعنى آخر: هل اطردت الحياة الثقافية غير متأثرة بالتغيير السياسي؟
ولكي نجيب عن هذا السؤال: نقدم بين يديه شيئا عن المراكز الثقافة الهلينية في المنطقة العربية، ولون الثقافة التي غزت هذه المنطقة، ونلاحظ من مقتضى الأحداث السياسية أن الشرق أصبح -والمنطقة العربية فيه- خاضعًا إلى حد كبير للنفوذ الثقافي الإغريقيين، وكما نشأت عواصم سياسية نشأت أيضا بجانبها عواصم ثقافية.
يقول م. رستوفتزف:
ويمكن أن نصف المظهر الذي كان عليه العالم القديم قبل نشوب الحروب الأهلية في رومة وإيطالية على الوجه الآتي: ففي أثناء المدة التي يطلق عليها اسم العصر الهلينستي أخذ مركز الحضارة في التحول تدريجيًّا من الغرب إلى الشرق، فحلت الإسكندرية في وادي النيل وأنطاكية على نهر العاصي وفرغانة على نهر كيكوس Caicus محل أثينا في الصدارة والأسبقية في المدنية"١، وكان من أولى العواصم الثقافية مدرسة الشرق الكبرى.
مدرسة الإسكندرية -حاضرة البحر- نظام فلسفي جديد:
وكما هو واضح من اسمها، أنها تحمل اسم ذلك الفتى الإغريقي بانيها ومؤسسها، الذي خضعت لنفوذ الدنيا، وهو لما يزل في عقده الثالث ذلك هو: الإسكندر الأكبر، الذي أسسها سنة ٣٢٣ق. م وقد ظل اسمه عليها إلى الآن.
وقد أنشأ خلفاؤه من بعده -فيها: أكاديمية يونانية تناظر بزهوها العلمي المدارس الأثينية، بل وتتفوق عليها؛ لما احتوت عليه من تراث يوناني،
_________________
(١) ١ يراجع تاريخ الإمبراطورية الرومانية الاجتماعي والاقتصادي "١: ١٦"م ستوفتزف. ترجمة ومراجعة: زكي علي، محمد سليم سالم. مكتبة النهضة العربية.
[ ١٤٧ ]
وأصبحت موئلا للعلماء والمفكرين الذين وقع عليهم الاضطهاد، ولا سيما بعد ما أغلقت أثينا فانتقلت إلى الإسكندرية بتراثها وفلاسفتها، مع اهتمام حكماء مصر بها أيضًا، فانتقلوا من معابدهم إليها لما لقيته من حفاوة وتقدير، استطاعت بهما أن تكون وريثة عين شمس ووريثة أثينا الحضاري بين الحضارتين: الإغريقية والسامية الذي بدأه الإسكندر المقدوني بفتوحاته، عن نشوء حضارة جديدة تعرف بالحضارة الهلينستية تقابلها الحضارة الهلينية والإغريقية الخالصة، وأصبحت الهلينستية الحضارة التي تميزت بها بلدان الشرق الأدنى في القرون الثلاثة التي سبقت المسيحية وبعدها، ومن هنا جمعت بين خصائص الثقافة الشرقية، وخصائص الثقافة الإغريقية، وأصبح من الصعب أن يحتفظ الفكر اليوناني بخصائصه، أو أصالته، كذلك أصبح الفكر الشرقي يميل إلى الاندماج في الطابع الهليني، والهليني في الشرقي، وبذلك أصبح فكرها عالميًّا، ومع ذلك فالمحيط اليوناني في الإسكندري فقد الأصالة التي كان يتميز بها الفكر الأثيني، واتخذ طابعًا عالميًّا وظهر فيه ميل ظاهر نحو الفكر الشرقي، وعلى الرغم مما كانت تدعيه الثقافة اليونانية القديمة من الأصالة لم تكن خالية تمامًا من المؤثرات الشرقية، ويمكن أن نرجع الكثير من مظاهر الحياة والفكر اليونانيين إلى أصول مصرية وبابلية، هذا وينبغي أن نلاحظ أنه: على الرغم من أن الإسكندرية كانت ذات أثر بارز جدًّا في تحول الفكر اليوناني في العصر المتأخر، لم يكن مثل هذا التحول وقفا عليها، ولم يكن محليا، بل لم يكن قوميًّا أيضًا، وإنما كان تحولًا عالميًّا.
وقال أوليري: إن الحياة اليونانية العالمية الجديدة التي ازدهرت بعد عهد الإسكندر كانت جوانب متعددة أنتجت نوعًا من الأدب خاصًّا بها، وأخرجت نقدا أدبيا، وسارت قدما بالفلسفة منتهجة في أكثر الأحيان سبلا جديدة، كما أنتجت بحوثا جديدة في الطب، والفلك، والرياضيات والفروع الأخرى من العلم، فكل هذه متداخل بعضها في بعض؛ لأنها كلها ذات منزع متماثل، وكلها تتحول تحولًا طبيعيًّا من ثقافة اليونان القديمة.
وفي النهاية يكفي القول: أنها ألفت بين التراثين، وأصبح ما يعرف في تاريخ الفكر الفلسفي: بالهلينستية يرجع إلى نشاطها العلمي تاريخا واصطلاحا.
[ ١٤٨ ]
الأفلاطونية المحدثة:
وفي القرن الثالث الميلادي انتقل المركز الفكري العالمي من أثينا وروما إلى الشرق، كما انتزع زعامة الفكر الفلسفي جماعة من أصحاب الثقافة الهلينية في الأناضول وسوريا ومصر وغيرها من بلدان الشرق الأدنى، وهكذا شهد القرن الثالث انحلال الأنظمة الفلسفية القديمة وتقهرها بمثابة تمهيد السبيل؛ لبروز أنظمة جديدة توفق بين الفلسفة الإغريقية والفكر الشرقي كما مهدت السبيل أيضا أمام انتصار المسيحية الحاسم.
كانت الأفلاطونية المحدثة نظامًا من هذا النوع، وكانت محاولة للتوفيق بين نظريات أفلاطون، وأرسطو من جهة، وبين بعض الآراء الدينية الشرقية، وفي ذلك الجو الفكري الذي كان شائعا في منطقة الشرق الأدنى استطاعت الأفلاطونية المحدثة أن تكون من ثنائية أفلاطون التي تنطوي على "المثال" "والمادة" الفكرة القائلة بأن الله والطبيعة شيء واحد، وأن الإنسان والكون المادي ليسا يسوى مظهر من مظاهر الذات الإلهية، وهو المذهب المعروف بمذهب "وحدة الوجود"
.وكان من أنصار الأفلاطونية المحدثة: أربعة من سكان الشرق الأدنى:
١- ساكاس "أمونيوس".
يقول عن نفسه: إنه من أهل الإسكندرية، ونشأ مسيحيا، وتفقه في الدين على يد والديه، ولكنه عندما بدأ يدرس الفلسفة تحول عن دينه وصار وثنيًّا.
٢- أفلوطين: وأفلوطين من أسيوط، ولد حوالي ٢٠٠-٢٧٠م، ولأفلوطين عدة مؤلفات كتبها على حقب:
الحقبة الأولى: كتب واحدا وعشرين كتابا من تاسوعاته.
الحقبة الثانية في روما: كتب في أثنائها أربعة وعشرين كتابا.
الحقبة الثالثة والأخيرة: كتب تسعة من الكتب.
وانتهت أعمال أفلوطين المصري بتلمذة "فورفوريس" الصوري له.
[ ١٤٩ ]
٣- فرفوريوس: توفي ٣٠٥، وهو الذي شرح نظريات أفلوطين وأشاعها، فيكون بذلك المؤسس الأول لنظام فلسفي ظل قرونا يستأثر بالفكر الأوروبي الفلسفي.
٤- يمبلنجوس توفي: سنة ٣٣٣، تلميذ بارز لفرفريوس سوري المولد، ولم يسر "يمبلنجوس" على خطى الفلاسفة من قبله الذين كانوا يشدون الرحال سعيا وراء العلم، بل بقي يعلِّم في موطنه أتباعه الفلسفة الفيثاغوريسية، أخذ "يمبلنجوس" يعزو إلى الأعداد معنى أسمى من المعنى الذي لها في علم الرياضيات، كما أنه عدَّل كثيرا في آراء معلمه بالنسبة للصوفية، هذه الأفكار والأراء المجموعة بعضها مهلهل لقيت في مدينة الإسكندرية من يأخذ بها وينظمها كي تصبح نظاما فلسفيا تبعا لميول هذه المدرسة في جعل الفكر الإغريقي على أنواعه فكرا شرقيا، لقد اصطحبت هذه المدرسة في هذه الفلسفة كثيرا من الآراء التي تعزى إلى "فيثاغورس" وإلى أتباعه، وأضفت عليها تفسيرا صوفيا، وإلى "فيثاغورس" يعزى مذهب التقمص، والمذهب القائل بأن الحياة الأرضية ليست سوى وسيلة لتطهير النفس.
[ ١٥٠ ]
"فيلو الإسكندري" ونشأة الفلسفة الدينية والأصول العرفانية:
إن تفاعل الهودية مع الفلسفة الإغريقية يجسدها "فيلو" اليهودي الإسكندراني حوالي ٢٠ ق. م إلى ٤٠ بعد الميلاد، الذي كان من أوائل وأعظم الفلاسفة اللاهوتية اليهود، كان يضع نصب عينيه الدفاع أمام فلاسفة الإغريق عن الوحي الإلهي، وأن كتب التوراة الخمسة كتب موحى بها من الله؛ وكان هذا المبدأ مجهولا لدى فلاسفة الإغريق، كذلك كان "فيلو" يقول بثنائية الإنسان أي "أنه مادة وروح" التي نادى بها أفلاطون؛ وأن الجسد هو سجن الروح، التي تتوق أبدا إلى الخلاص منه والرجوع إلى الله؛ والله في نظر "فيلو": لا يحده عقل، وهو أسمى من كل معرفة؛ أما المادة فلها حدود ولها نهاية؛ ولذا وجب أن يكون هناك وسيط بين المحدود واللامتناهي، وهذا الوسيط بين الله وبين العالم هو: "الكلمة" التي وصفها بأنها أول مولود لله: إنها الإله الثاني، لقد كان "لفيلو" أثر عميق في "اللاهوت" المسيحي والفكر المسيحي. وعلى منهج "فيلو" الإسكندري هيأت مدرسة الإسكندرية الذهن البشري لتقبل النظام الفلسفي الجديد وانصرافه عن نظام الفلسفة الإغريقية
[ ١٥٠ ]
القديم، الذي كان يعتمد على العقل وحده، وكان سببا من أسباب خذلانه؛ وعلمت المدرسة الإنسان بأنه: لا يستطيع أن يعيش بالعقل وحده، ومن هنا أقبل الإنسان على النظام الفلسفي الجديد الذي كان يعتمد على احتضان الديانات الشرقية التي تكتنفها الأسرار والروحانيات؛ ومن أهم هذه الديانات الشرقية:
- عبادة سبيل؛ وهي أصلا: الإلهة الأم لفريجيا.
- وعبادة إيزيس في مصر.
- ومترا في فارس.
مثل هذه الديانات تنطوي على أسرار لا يمكن تفسيرها ولا تعليلها، فقد اقتضى الأمر أن يكون أتباع هذه الديانات من الخلص الذين كرسوا أنفسهم لدخول حظيرة الأسرار؛ والمبدأ الأساسي الذي ترتكز عليه الديانات الروحية هي: أن التوصل إلى معرفة الله لا يتم عن طريق العقل ولا عن طريق الحواس العادية بل عن طريق الإيحاء والتأمل والإحساس؛ والغاية القصوى التي تسعى إليها هذه الديانات هي: الاتحاد بالله المخلص.
وتعد جميع الأديان الروحية الغيبية أتباعها بنيل السعادة على الأرض، كما تضمن لهم دخول الجنة في الحياة الأخرى.
وتختلف المسيحية عن الأديان الروحانية في أن تلك الديانات كانت وقفا على فئة خاصة مؤهلة للاطلاع على أسرارها؛ لكنها غير مأذونة بالبوح بأسرارها، وكان دخول التابع إلى حظيرة الأسرار يقتضي إعداده إعدادا دينيا خاصا؛ لأن الممارسة الدينية كانت سرًّا، فمن العسير أن تعرف شيئا عن الطقوس والشعائر التي كانوا يتبعونها عندما يدخلون عضوا جديدا إلى حظيرة الأسرار، فقد كان الكهنة يحتفظون بتلك الأسرار ويغالون في الحفاظ عليها. ونذكر على سبيل المثال: كان الدخول في ديانة "مترا" يتم على سبع مراحل: فكان على طالب الدخول إلى دين الجماعة: أن يمر في دور تطهير، إما بالماء أو الدم، وهذا له ما يقابله بالمسيحية وهو: العمادة، ثم يتلو هذا الاتحاد بالإله في إشراك المريد في حفلة طعام دينية، يتبع ذلك
[ ١٥١ ]
تزويد المريد ببعض أسرار المعرفة، التي كانت تقوده إلى الرؤيا؛ كانت "إيزيس" تظهر للعباد وتتكلم معهم، وكان الإغريق يقومون بطقوس العربدة التي كانوا يمارسونها على شرف الإلهة الأم "سبيل" وعشيقها. كما أخذوا عن الفينيقيين أعباءهم الصافية التي كانوا بها؛ تكريما "لعشتروت" وعشيقها "أدونيس"، ثم أصبحت هذه الإلهات وعشاقها إلهات إغريقية رومانية؛ فحنان الأمومة الذي كان يتجسد في "إيزيس" جعل من هذه الإلهة إلهة محببة إلى نفوس الناس رجالا ونساء على السواء.
وقد انتشرت عبادة "إيزيس" و"أوزيريس" في العهد الروماني، وراقت للناس أكثر مما انتشرت في العصر الهليني ففي أثناء القرنين الأولين للميلاد كان للإلهة "إيزيس" مزارات وهياكل منتشرة في صقلية وسردينيا وإيطاليا؛ ومنذ القرن الثاني للميلاد وما بعده كانت ملة "إيزيس وأوزيريس" من ألد خصام المسيحية، وفي الفترة القصيرة التي انتعشت فيها الوثنية في روما ٣٩٤، كانت "إيزيس" أم الآلهة، و"ميترا" يحتلان المرتبة الأولى.
يقول حتى: وفي النهاية أصبحت "إيزيس" بمثابة "مريم العذراء" كما صار "هورس" قرين "المسيح"، فكانت عملية دمج أكثر منها عملية تنحية وإزاحة، وفي القرن الثالث كان الناس يتأرجحون في إيمانهم بين الإلهة "ميترا" والسيد "المسيح".
ولكن المسيحية ما فتئت أن انتصرت في القرن الرابع انتصارا حاسما على دين "ميترا"، ونجمل فيما يلي خصائص الفكر الإسكندري ما دام هو الذي كان يغذي المراكز الثقافية، وهو فيما يلي:
أولا: تتميز هذه الخصائص بالاتساع الفكري، واتساعها الفكري وإن كان ميزة أبعدت عنها تهمة التعصب لثقافة دون أخرى جعلها لا تتعمق في القضايا بقدر ما حملت عبء التوفيق بين القضايا المتنازعة.
ثانيا: ركزت على المنهج التوفيقي أو التلفيقي: فربط أولا: بين المدارس الفلسفية القديمة، ثم ثانيا: بين أفكار الفلفسة القديمة وفكرها الحديث، هذا من جانب موقفها الفلسفي، ثم من ناحية موقفها من الدين حاول بعضهم -مثل فيلون الإسكندري- أن يوفق بين توحيده الديني، واتجاه الفلسفة، ثم غالى في اتجاهه عندما
[ ١٥٢ ]
أخذ يؤكد اتجاه الفلسفة اللاهوتي وحملها على تأكيد قضايا الدين الذي كان يعتنقه وهو الدين اليهودي١.
ثالثا: أبرزت ثنائية الوجود إبرازا منطقيا، وجهتها إليه الروحية الشرقية من جانب، والمادية الهلينية من جانب آخر، فعندما كانت تحاول المزاوجة بين تراث يتميز بالروحية، وتراث يتميز بالمادية صادفتها هذه الثنائية فأبرزتها.
رابعا: التأكيد على الحقيقة المطلقة التي وافقت ميلها إلى الطابع اللاهوتي، فحولت الفكر إلى تلك الغاية.
خامسا: الملاءمة بين اليهودية والفلسفة التي حمل عبئها فيلون.
سادسا: الملاءمة بين المسيحية والفلسفة وقد حمل عبئها أفلوطين ورجال الكنيسة، وكانت تلك المحاولة بدء الانشقاقات الحقيقية في المسيحية.
هذه الخصائص -وإن كانت تبين المسئولية الجديدة التي حملتها مدرسة الإسكندرية- كانت تتسم بسعة الأفق، غير أن منهجها هذا -وهو المنهج التوفيقي- شغلها بقضايا عسيرة الحل، وحقيقة الأمر: أنها شاركت وأعطت الكثير من الحلول التي تتسم بالطرافة والمتعة العقلية، غير أنها لم تكن على درجة عقلية مقبولة، لا من جهة الدين ولا من جهة الفلسفة.
وعلى الرغم من هذه المهمات نراها بدت عاجزة مقعدة عن نواحٍ أخرى: وذلك عندما صرفتها تلك القضايا عن مشاكل واقعها، وعن تحمل مسئولية وطنها، وقضايا تاريخها، وأصبحت مع هذا الازدهار التاريخي: توصم بالعزلة وهي حاضرة الفكر والثقافة.
وما انتهت مدرسة الإسكندرية إلا بعد أن خطت منهج خلط الدين بالفلسفة، أي المقدس بغيره، وكانت المسيحية باستسلامها لهذه الخطة نموذج هذا الخلط، وتقبلها الرومان على أنها أقرب الصور لوجهة نظر "أنطيوخوس" عندما أراد أن يحكم الشرق بسياسة واحدة، ودين واحد، ودين واحد؛ حيث تبنت مدرسة الإسكندرية وجهة نظره هذه
_________________
(١) ١ تدهور الإمبراطورية الرومانية وسقوطها في الفصل الثالث عشر من الأفلاطونية المحدثة وللاستزادة راجع: "الفكر العربي ومكانته في التاريخ": دالاس أولير في ترجمة تمام حسان، و"الفكر العربي": للأستاذ إسماعيل مظهر وهو يعتبر ترجمة لديلاس أوليري ترجمة فيها تصرف أدبي كذلك، "الآراء الدينية والفلسفية": لفيلون الإسكندري تأليف إميل برتبة ترجمة د. محمد يوسف، ود. عبد الحليم النجار.
[ ١٥٣ ]
وراحت تنسج بخيوطها تلك الصورة، بيد أن صورة المحاولة باتت على شاكلة "أبي الهول": صورة إنسان على جسم حيوان رابض، إنها تصورات مدرسة عين شمس عن الوجود نفسه، وعن دين "إخناتون" أصبحت المسيحية تحمل اسم الدين من غير جوهره، وتحمل اسم الفلسفة من غير منهجها، وكان ذلك من أخطر نتائج مدرسة الإسكندرية ومن أشيع مناهجها.
يقول جيبون:
لقد أهمل الأفلاطونيون المحدثون المعرفةَ التي تتناسب مع وضعها وقدرتها، كما أهملوا حقل علم الأخلاق، والطبيعة، والرياضة، وذلك في الوقت الذي أجهدوا فيه قوتهم في المناقشات اللفظية في الميتافيزيقا، وحاولوا: أن يكشفوا عن أسرار عالم الغيب، ودرسوا أرسطو، وأفلاطون؛ ليوفقوا بين آرائهما في موضوعات لم يكن أحد هذين الفيلسوفين أقل جهلا بها من بقية بني آدم.
هذه هي الصورة العامة لنوع الثقافة التي تسلمتها المراكز الثقافية العربية، فما الصفة العامة لمراكز الثقافة التي انتشرت في المنطقة العربية.
[ ١٥٤ ]
مدرسة إنطاكية
مدخل
مدرسة إنطاكية:
كانت إنطاكية بمثابة حلقة الاتصال بين العالم القديم والعالم الحديث، لذلك كانت مركز التقاء الحضارتين؛ الإغريقية، والشرقية، وكانت تزخر بالإغريق والمستشرقين، والشرقيين المتأغرقين من جميع الطبقات، وعلى مختلف درجات التعليم، فقد أصبحت تشتمل ليس على مجرد المذاهب الدينية الإغريقية القديمة الراسخة لعبادة "زيوس"، "أبولو" وباقي جمهرة هذه الآلهة، بل كانت تشتمل كذلك على المذاهب السورية لعبادة "بعل" Baal والإله الأم، فضلا عن الديانات ذوات الأسرار بعقائدها عن الخلاص وعن الموت والبعث وعودها لما بعد الحياة.
كذلك شهدت التغييرات التي عرفت بها الحقبة الأخيرة من العصر الهلينستي حينما كانت المذاهب الدينية والفلسفية القديمة آخذة في التحول إلى معتقدات فردية تبعًا لانصراف الناس إلى التماس العزاء الديني عن مشاكلهم ومطامعهم
[ ١٥٤ ]
الشخصية وأصبح مثلها مثل المراكز الأخرى التي كانت قد ازدهرت فيها الديانة والفلسفة الهلينستيتان وكان من دعاتها الأُوَل القديسان: نيقولاوس، وبرنابا.
[ ١٥٥ ]
نيقولاس وظهور الهرطقة في أنطاكية
نيقولاوس وظهور الهرطقة في أنطاكية:
وطبقا لعبض المصادر كان نيقولاوس الأنطاكي وهو الذي كان من أوائل المهتدين وأحد الشمامسة السبعة في القدس "أعمال الرسل ٦: ٥" ابتدع هرطقة باكرة عرفت باسمه.
والظاهر أن هذه الحركة المنسوبة إلى نيقولاوس كانت ترمي إلى إيجاد حل وسط بين المسيحية والعادات الاجتماعية السائدة، وذلك بالتوفيق بين ممارسة عادات وثنية معينة والانخراط في سلك الطائفة المسيحية.
والهرطقة المنسوبة إلى نيقولاوس كانت -من بعض الوجوه- الطليعة لمذهب الغنوسطية الذي كان يفوقها إلى حد بالغ من حيث بعد الأثر وخطورة الشأن وهو مذهب القائلين: بأن الخلاص يتم بالمعرةف دون الإيمان.
ازدهر هذا المذهب في جو ديني وفكري في أنطاكية، حيث كان الاختلاط بين جماعات أفريقية وشرقية متباينة الجنس والدين يهيئ مجالا واسعًا لدراسة ونشر مذاهب جديدة دينية، وفلسفية ولما كان مذهب الغنوسطية مذهبا يتوسط بين الفلسفة الوثنية والدين، وكانت أصول إغريقية، إلا أنه اقتبس بعض الآراء المسيحية، وبعض الآراء اليهودية، وكان ذلك المذهب في وضع يهيئ له منافسة العقيدة المسيحية، فقد كان يَعِدُ بمعرفة التدبير الإلهي للكون وبالخلاص، بما في ذلك الأمان من قوى الشر على الأرض وضمان حياة سعيدة في العالم الآخر. وقد بدأ ظهور هذا المذهب في الشرق، ثم انتشر في جميع أنحاء الإمبراطورية وتعددت صوره المتباينة إلى ما لا سبيل إلى حصره، وتفاوتت تعاليم كل قطب من أقطابه، ما بين أنظمة غير مسيحية قطعا، وأنظمة كيِّفت على نحو بدت معه على هيئة هرطقات مسيحية.
[ ١٥٥ ]
ومذهب الغنوسطية الذي وصل إلى أنطاكية كان سليل تعاليم "سيمون بمبلخوس" من سماريا، وهو الذي كان في عهد الحواريين يدعو بين الناس بأن ثمة ربًّا أعلى يوزع القوى ذو الفيوض التي كان سيمون نفسه من بينها.
وقد ادعى سيمون أنه صِنو المسيح وعرض على الأنظار ضروبا من السحر جذبت إليه كثيرا من الأتباع١.
_________________
(١) ١ أنطاكية القديمة. جلانقيل داوني. ترجمة د. إبراهيم نصحي ص١٦٧. النهضة المصرية.
[ ١٥٦ ]
برنابا في أنطاكية:
أرسل شيوخ القدس: برنابا إلى أنطاكية -وكان من القبارصة مثل بعض أوائل المبشرين في أنطاكية؛ لكي يتفقد ما كان جاريا فيها وينهي إليهم مدى نجاحه وما ينتظر له مستقبلا، وكان خليقا ببرنابا بوصفه من القبارصة أن يشعر وهو في أنطاكية بأنه في موطنه تمامًا، كما أن أهل المدينة كانوا خليقين بأن يروا فيه فردا من أبناء طائفة مجاورة تربطهم بها روابط الألفة، ولقد تم على يديه المزيد من حالات الهداية، ولما رأى أن النجاح كان حليف الدعوة ذهب إلى طرسوس حيث كان بولص يقيم إذ ذاك، ودعاه إلى المجيء إلى أنطاكية؛ للمعاونة في بث الدعوة.
وقد مكث برنابا وبولص في أنطاكية لمدة سنة وهما يقومان بالوعظ فآمن عدد كبير من الناس وذلك حوالي سنة ٤٠م.
وكانت النتيجة التي أسفر عنها هذا العمل هي ظهور طائفة تختلف عن الزمرة الأصلية من أتباع السيد المسيح في القدس، وقد تمثل التغيير في ظهور التعبير الجديد، تعبير "المسيحيين" الذي ظهر في مستقل الأربعينيات من القرن الأول للميلاد.
وليست لدينا أية بينة عن حجم الطائفة المسيحية في أنطاكية عندئذ، وأما عن نظامها فإنه يروى لنا أنه كان ثمة "رسل" "ومعلمون" ذكرت أسماؤهم على وجه التحديد بأنهم كانوا: برنابا وسيمون نيجر، "ولوكيوس القوريني" و"ماناين" و"بولس"
[ ١٥٦ ]
ولقد كان هؤلاء الرجال ورفاقهم في رابطة الإخاء بأنطاكية هم الذين وضعوا الخطة لحملات التبشير المنظمة التي قام بها بولس وزملاؤه وتولَّت الطائفة تدبير الوسائل التي بدأت بفضلها رحلات التبشير١.
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص١٠٦.
[ ١٥٧ ]
من أهم جهود برنابا:
جدت مشكلة "تطبيق ما تقضي به طقوس الشريعة اليهودية على المهتدين غير اليهود، وذلك أنه في الأصل عندما كان كل المهتدين من اليهود لم يكن ثمة مجال للبحث في مراعاتهم لمقتضيات تلك الشريعة؛ إذ لم يكن هناك مشكلة إلا بعد ما بدأت العقيدة الجديدة "المسيحية" تتخذ وضعا واضحًا متميزًا؛ حيث ظهر نزاع من اليهود المتأغريقين مؤداه: أنه ليس من الضروري المحافظة على تلك الشريعة اليهودية.
وعندما بدأ غير اليهود في الإقبال على اعتناق المسيحية، دخلت المشكلة مرحلة دقيقة بصدد الختان والأحكام الخاصة بالأطعمة والمشاركة في الواجبات بين المسيحيين من اليهود وغير اليهود.
كان بولص يرى أنه لم يكن أمرًا عمليًّا تطبيق الشريعة على غير اليهود، وأن من يعتنقون المسيحية منهم يجب إعفاؤهم من طقوس الختان، فقد كان من شأنها أن تعني في نظر المهتدين منهم أن يصبح أحد أفراد الأمة اليهودي مسيحيا، وأنه نزل عن تراثه الإغريقي الروماني، وقد توصل برنابا وبولص إلى الاتفاق مع أقطاب القدس -جيمس وبطرس ويوحنا- على أن تكون الدعوة إلى الهداية الموجهة إلى غير اليهود طالقة غير مقيدة بأحكام الشريعة اليهودية١.
أنطاكية تحت حكم تدمر:
بعدما هزم الفرسان الرومان ٢٦٠ ووقع فالريانوس نفسه أسيرا في يد الفرس، وفي صيف ذلك العام بعينه اجتاحت سورية قوات الملك سابور من جديد واستولت على أنطاكية مرة أخرى. وقد هبطت سطوة الرومان ومكانتهم إلى الحضيض، واغتنم
_________________
(١) ١ نفس المرجع السابق ص١٦٢.
[ ١٥٧ ]
حكام تدمر هذه الفرصة؛ لتحرير مملكتهم من سيطرة الرومان وسرعان ما وجدت أنطاكية نفسها في داخل نطاق نفوذ تدمر الآخذ في الاتساع.
في ذلك الحين كانت أبرز شخصية في أنطاكية هي شخصية أسقفها بولص من سميساط، وكان بولص ينتمي إلى الشطر السامي من أهل سورية ويمثل مصالح العنصر السامي أكثر من مصالح العنصر الإغريقي الروماني من السكان، وقد أسند إليه الاضطلاع بمهام دينية ومهام معاشية، وكان يتمتع بتأييد "تدمر" ويؤدي مهام المندوب المفوض عنها في حكم أنطاكية، وأصبح بولص السميساطي شخصية لها أهميتها أيضا من الناحية اللاهوتية؛ فإن تعاليمه التي كانت تدعو بإصرار إلى أن الله واحد والمسيح بشر مهدت هذه الأفكار السبيل للمذهب الأريوسي وأنشأت فيما بعد عرفا تقليديًّا في مذهب المدرسة اللاهوتية بأنطاكية.
يرى جلانفيل أن هذه التعاليم المبسطة قد أعدت إرضاء لزنوبيا ملكة تدمر التي كان يظن أن لها ميولا يهودية، ومن المحتمل أن تكون وجهة نظر بولص فيما بعد تتعلق بوحدانية الله وقدرته تأثرت باعتقاد اليهود اعتقادًا جازمًا في التوحيد وأما إنكار ألوهية المسيح أو متبوعيتها فإن ذلك كان فكرة نبتت في عهد مبكر جدًّا حالما أصبحت طبيعة المسيح موضوعًا للدراسة والمناقشة المفصلة، وكانت إنطاكية -عندما حل عهد بولص- مكانًا خليقًا بأن تلقى فيه مثل هذه الفكرة تأييدًا ولا سيما بعدما أصبحت معقلا من معاقل المذهب الأريوسي الذي كان في جوهره يشايع هذا التفسير، وارتبط تاريخ الطائفة المسيحية في أنطاكية بمجرى النزاع الأريوسي حول طبيعة ألوهية المسيح، وهو ذلك النزاع الذي أحدث انشقاق الكنيسة إلى معسكرين في الجزء الشرقي من الإمبراطورية، وظل هذا الانشقاق إلى سنة ٣٢٥م موعد مجلس نيقية، وفيه تمت الموافقة على حل أدمج بموجبه في العقيدة النص على وحدة الأب والابن مادة وجورها وتسوية وضع جماعة المنشقين.
ولا نرى في أنفسنا ميلًا نحو تحليل "جلانفيل"؛ لدعوة بولص إلى التوحيد بأنها كانت ترضية لملكة تدمر، وفي نظرنا أن الأمر ليس كذلك؛ لأن التوحيد ظاهرة تغلب على الديانات السامية ولنذكر خاصة "ال" وهو إله سامي مشترك:
[ ١٥٨ ]
ال: لدى الأكاديين.
وال: لدى الكنعانيين.
والوهيم: عند العبريين.
والله: عند العرب.
وقد عرف اليمنيون أيضا هذا الاسم واستعملوه في الغالب اسما عاما بمعنى إله وهو مدلوله الأصلي حقا، ولكنهم استعملوه أحيانا علما على إله خاص ويكثر وردوده في أعلام الأشخاص.
وفي هذا الجو الفكري ذي الطابع المسيحي أنشأ بسطاثيوس Bustathius أسقف أنطاكية مدرسة بها، على نمط مدرسة الإسكندرية ولم يسر تاريخها على وتيرة واحدة، ففي أوائل عهدها نُفي بوسطاثيوس سنة ٣٣١م، وترك المدرسة في رعاية فلافيان Flavain وقد أشرك معه الناسك ديودروس Diodorus.
وهؤلاء الثلاثة جميعا وهم: الأسقف بوسطاثيوس، وفلافيان وديودوروس كانوا من زعماء الخصومة١ من أتباع أريوس، وهذه الزعامة: هي السبب فيما تعرضت له مدرسة أنطاكية من عنت، فقد كان لأتباع أريوس في هذا الوقت قوة سياسية كبيرة، وزادت قوتهم بعد موت قسطنطين سنة ٣٣٧م ومع ذلك استمرت المدرسة إلى سنة ٣٧٩ عندما صار دودوروس أسقفا لطرسوس.
وقد كان في سنة ٣٨١م أحد الأساقفة الذين رسموا فلافيان على كرسي أنطاكية، ولما ارتقى ديودوروس غلى كرسي الأسقفية: شتت المدرسة.
وكان بين أنطاكية ومدرسة الإسكندرية تنافس لم يكن كله وديا وذلك عندما اتهمت مدرسة الإسكندرية الأسقفين: ديودوروس أسقف طرسوس، وثيودور أسقف مصيصة، بأنهما بذرا -دون قصد منهما: بذور المذهب النسطوري.
_________________
(١) ١ الحضارة السامية القديمة ص١٩٥.
[ ١٥٩ ]
مدرسة نصيبين، مدرس الرها، المدائن-المانوية٢١٦
مدرسة نصيبين، مدرسة الرها، المدائن-المانوية٢١٦:
تقع نصيبين: في الرقعة التي تخلت عنها فارس لروما سنة ٢٩٨م، ولما كانت حينذاك مدينة من مدن الحدود تشرف على الطريق الرئيسي بين شمال ما بين النهرين وبين دمشق، فإن الرومان حصنوها أحسن تحصين، ولعله كان فيها بعض مسيحيي ما بين النهرين.
وفي حوالي سنة ٣٠٠-٣٠١ عدت نصيبين كرسي أسقفي وكان أول أسقف لها هو بابوا ثم خلفه الأسقف يعقوب الذي أنشأ بها مدرسة على غرار مدرسة أنطاكية وكان فيها قبل أن تقع في أيدي الرومان، مدرسة يهودية، أنشأها الحبر يهوذا ابن بنثيا، هو راوية، وقد ورد باسمه سبعة عشر فصلا في "المشنه"، والمرجح أن استيلاء الرومان على المدينة قضى على مدرستهم فيها، وعلى أية حال فلا ذكر للمدرسة بعد هذا التاريخ، وبعد يعقوب أقيم شيخ اسمه إبراهيم على رأس هذه المدرسة.
عندما وقعت نصيبين مرة ثانية في يد الفرس ٣٤٣م فر إبراهيم رئيس مدرسة نصيبين فهرب إلى الرها، ولا شك أنه كان هناك لاجئون كثيرون مثله، فالتفوا حوله.
وهكذا أنشئت مدرسة مسيحية في الرها، ويمكن أن تعد مدرسة الرها بعثا لمدرسة نصيبين، وكما هو واضح كانت مدرسة الرها في أول أمرها جماعة ليس لها صفة رسمية، وكذلك ليس لها سند قانوني أو رسمي مثل: مدرسة نصيبين وأنطاكية.
كان ماني يعلم في مدينة كتسيفون "المدائن" دينا يجمع بين "الزرادشتية" و"المسيحية" كما أعلن نفسه رسول السيد المسيح، وكان يفسر الأناجيل بحسب عقيدة العرفان التي كانت تنطوي على تحرير الأعضاء الذين اعتنقوا مذهبه من تسلط المادة بواسطة المعرفة؛ ونظرا لتطرفه وخروجه على عقيدة "زرادشت" حكم عليه الكهنة المؤدبون بالموت؛ إلا أن أتباعه وتلامذته حملوا الرسالة، وانتشرت انتشارا واسعا
[ ١٦٠ ]
حتى بلغت شمال إفريقيا واعتنق القديس "أوغسطين" قبل تنصره المانوية مدة تسع سنوات.
[ ١٦١ ]
جنديسابور:
كان دين الدولة الساسانية الرسمي طوال حكمها: الدين الزرداشتي إلا أن التركيز على سيادة "أهورا مزدا" إله النور والخير، كان أكثر من التركيز على النظام الثنائي، وحين أنشأ كسرى الأول في ٥٥٥ مدرسة جنديسابور في الطب والفلسفة، دعا أساتذة مسيحيين؛ ليتولو أمر التعليم فيها، وكانت لغة التدريس اللغة السريانية، وقاموا بترجمة المؤلفات اليونانية إلى لغتهم السريانية، وترجمت أساطير "بيدبا"، ثم وجدت طريقها إلى "أسبانيا" عبر ترجمة عربية قديمة من أسبانيا انتشرت في سائر الأقطار الأوروبية، كما قامت في أحيان كثيرة بالتوفيق بين الأديان وتوحيد العقيدة، وكانت تميل للنسطورية كمل كان "الساسانيون" يعطفون على "النسطوريين" ويتسامحون معهم، ولعل ذلك يرجع -من وجهة نظرنا- إلى اتجاه الأساتذة المسيحيين الذين انتدبوا للعمل في المدرسة ومعاداة الفرس للروم، ولما كانت النسطورية وقعت تحت الاضطهاد الروماني فقد تعاطف معها الساسانيون، ثم هم نظروا إليها من حيث دعوتها للتوحيد.
هذه صورة عامة عن المدارس التي قيل عنها: إنها حملت تراث مدرسة الإسكندرية إلى المنطقة العربية على الرغم من أن تاريخها ما زال مجهولا نرى أن ما علم منه يفيدنا؛ إذ إن هدفها الأول هو: نشر أصول الدين الوثني بين المسيحيين الذين كانوا يتكلمون بالسريانية.
يقول ديالاسي: "فقد كانت عقائدهم اللاهوتية ونظام كنائسهم، كما بين "أسترزيجوفسكي" غير مطابقين للأصول المعتمدة في الكنيسة الكاثوليكية".
وكما نلاحظ أن رؤساءها أساقفة مسيحيون؛ أي رجال دين، لكنهم لم يكونوا رجال دين فقط، لكنهم رجال دين منشقون بعضهم على بعض فحملت هذه المدارس طابع هذا الانشقاق. فالمدارس كانت ذات طابع ديني، وكانت القضية
[ ١٦١ ]
المسيطرة عليها: قضية طبيعة "المسيح"، والرأي، ومنهجه حول طبيعة "المسيح" لم يكن واحدا، إنما كان يتغير تبعا للولاء السياسي، كما كانت غالبية هذه المارس يرجع الفضل في إنشائها إلى: بعض المضطهدين من: السياسة، والكنيسة. وهذا مما أدى إلى: فشل الهلينية في المنطقة العربية، لأن هذه المدارس كان رؤساؤها: رجال الدين مضطهدين فحولوها إلى غايات دينية غير متفق عليها؛ وكثيرا ما كان يستعدي عليها رجل السياسة، فيشتت شملها ويبعثرها، أضف إلى ما سبق: أن بعدهم عن الإغريقية جعلهم ينعزلون داخل المادة السريانية المترجمة، فانقطاعها عن الهلينية صيرها إقليمية خالصة، وحامت فلسفتها حول الدين، واللاهوت، ولئن كانت قد نشرت بعض أفكار فلسفية عن المسيحية في بلد جديد فإن هذا الفكر لم يساعد على التحول، وأصبح حال هذه المراكز الثقافية ليس بأحسن من حال العواصم السياسية للمنطقة العربية، فما تكاد تظهر وتتماثل للازدهار حتى يطويها ليلها الطويل.
يقول دلاسي أوليري: إن الثقافة اليونانية لم تنتقل إلى العرب عن طريق هذه الاتصالات الأولى، ولقد تحقق انتقال العلوم اليونانية إلى العرب عندما استقرت الخلافة العربية في مدينة بغداد التي كانت حديثة البناء بالقرب من "جنديسابور".
[ ١٦٢ ]
آراء فلسفية للمستشرقين حول الهلينستية والسامية
آراء قلقة للمستشرقين حول الهلينستية والسامية:
بعد عرضنا عن الهلينية في الشرق والمنطقة العربية فيه -رأينا أن نعرض بعض آراء استشراقية مغالية، ونلاحظ أن هذه الآراء مهما تنوعت أهدافها ووسائل مناهجها فإنها ترجع في نهايتها إلى موقفين:
الأول: موقف من يصم العقلية السامية بعدم الفهم الطبعي للأمور.
وهذا الموقف كان من نتائجه: أن ميز بين عقليتين:
الأولى: علقية آرية، خصائصها: جمع وتحليل.
الثانية: عقلية سامية، خصائصها: التجزيء.
الثاني: موقف من يرى: أن الشرق لا يحب الثقافة ذات النزعة الإنسانية؛ وبين خلاف جوهري مؤداه:
[ ١٦٢ ]
أن الرأي الأول: يرد العجز العقلي إلى علة فطرية.
والرأي الثاني: يرد العجز العقلي إلى عوامل كسبية أي تخلف حضاري، وهما معا -على اختلافهما في تفسير علة إخفاق الهلينية- يتفقان على أن عدم تجاوب الشرق مع الهلينية هو السبب في ذلك؛ إما: لعلة مرضية أو لعلة مزاجية.
وغاب عن الفكر الاستعماري المعادي للسامية أن السببب الذي أدى إلى عدم تفاعل الهلينية مع التراث الشرقي ليس خاصا بالعقلية السامية، إنما يرجع إلى عوامل دولية تخص الصراع الثنائي بين الإمبراطوريتين؛ ذلك أن التيارات الثقافية التي غزت المنطقة بعضها هب من فارس، وهي دولة كانت عالمية، فترى في تراثها هذه الصفة العالمية نفسها، فكانت تكافح رومة سياسيا وثقافيا؛ لإحلال سياستها وثقافتها في كل بلد تدخله.
ورومة أيضا كانت دولة عالمية، وتراثها كذلك أيضا؛ أي كانت ترى فيه هذه الصفة العالمية؛ فكانت تكافح الفرس سياسيا وثقافيا من أجل إحلال ثقافتها في كل رقعة يمتد نفوذها عليها، والمنطقة العربية التي كانت مرة في حوزة الفرس، ومرة في حوزة الروم، فكان من الصعب أن تستقر على تراث ثقافي ذي طابع واحد؛ ولا سيما أن الذين قاموا به -وهم من آباء الكنيسة- مضطهدون سياسيا ودينيا، فكان المواطن يعزف عن هذا اللون من الثقافة الحرجة، ولم تكن في المنطقة العربية دولة ذات طابع استقلالي تبنت الدعوة إلى هذا اللون من الثقافة، أضف إلى كل ذلك: أن المادة الهلينية التي ترجمت جاءت عن الإسكندرية بعدما أتخمتها بالمباحث اللاهوتية، فلو لاحظ المستشرقون هذه الاعتبارات، وأخذوا في اعتبارهم ضعف المادة الهلينية حين فسروا إخفاقها في الشرق لما انتهوا إلى هذه النتائج من جانب.
أما موقف الذين يصمون العقلية السامية بالعجز؛ لعوامل وراثية دون النظر إلى العوامل التاريخية التي أحاطت بالتراث الثقافي وذلك من جانب آخر؛ فإن النظريات العلمية المعاصرة ذهبت به بددا.
يقول ديلاسي أوليري: بتتبع التاريخ في تحول البنية الاجتماعية التي يوجد المجتمع اليوم فيها ثلاثة عوامل رئيسة تعمل في هذا التحول وهي:
[ ١٦٣ ]
- العنصر القومي.
- اتجاه تيار الثقافة.
- انتقال اللغة.
وأول هذه العوامل فسيولوجي، وأهم عامل في تقدم البنية الاجتماعية هو: تناقل الثقافات، والثقافة ليست من الأمور الوراثية، ولكن تناقل الثقافة يعود إلى الاتصال؛ لأن الثقافة تعلّم وتستفاد بالتعليم والدراسة والبحث، ولكنها لا تورث.
يقول أوليري: وليس في هذا ما يتصل بمسألة العنصر؛ فالثقافة لا تورث باعتبارها من الميراث "الفسيولوجي" الذي يرثه الطفل من أبيه، وإنما يجري تعلمها بالاتصال الناشئ عن الاختلاط بالتقليد، والتعليم، وما أشبه ذلك.
وأما الموقف الثاني: الذي يرى أن: الشرق لا يحب الثقافة ذات النزعة الإنسانية فذلك ما نحب أن نعرض له، ونفسح له المجال من خلال كتاب: "الشرق وتراث اليونان" "هانزهينرش" ترجمة د. عبد الرحمن بدوي تحت عنوان: روح الحضارة العربية؛ وفيه يذهب المؤلف إلى آراء ينقض بعضها بعضًا، ويجعل نقطة بدايته غزو الإسكندر فيقول: كان غزو الإسكندر الأكبر وما تلاه من تكون إمبراطورية يونانية في غرب آسيا هو الحدث الفاصل في تاريخ تطور الروح الشرقية، والسبب المباشر في وقوع الشرق تحت تأثير الثقافة اليونانية التي ساعدته على أن تدب فيه حياة جديدة من الحضارات المختلفة؛ التي تتكو منها الحضارة الشرقية عامة، والتأم شملها في ودة جديدة تحمل طابع الروح اليونانية؛ وتلك الوحدة هي التي يطلق عليها اسم الهلينستية.
ثم يرى المؤلف: أنه تحت تأثير الثقافة اليونانية دبت في الشرق حياة جديدة، وتحت التأثير نفسه ترقت الروح الشرقية؛ وأن الوحدة الحضارية التي ظهرت في الشرق تحمل طابع الروح اليونانية.
ونتيجته التي استهدفها: أنه حصل في الشرق تغير، مصدره الحضارة اليونانية، ثم أخذ يشرح وجهة نظره، من بين رؤيتين للتاريخ يوضح بهما الأثر الزمني للسيطرة الهلينية؛ فيقول:
[ ١٦٤ ]
- هناك رؤية المؤرخ السياسي: وهي موقوتة بدءًا من الإسكندر، ونهاية بقيام ما يدعى بالإمبراطورية الرومانية، ثم يقول: "وللمؤرخ السياسي الحق، حينما يريد أن يفهم معنى الهلينية، وتلك الحقبة التي استمرت حتى قيام الإمبراطورية الرومانية من أسوس، حتى أكتيوم وحدها".
- هناك رؤية للمؤرخ الفكري، أو الروحي، وهي تمتد حتى أعتاب العصر الحديث كل الحداثة فيقول:
لكن الدارس للتاريخ الروحي للشرق القريب، لا يستطع الاقتصار على هذا التحديد؛ لأنه يجد أمامه هذه الواقعة؛ ألا وهي: أن ثمة أفكارًا يونانية هي التي أنشأت الحياة الروحية الشرقية، ووهبتها القوة الدافعة المولدة، لا في عصر خلفاء الإسكندر الاثني عشر وحدهم فحسب، بل وأيضا في العهدين الروماني، والبيزنطي، إلى العهد الإسلامي.
والحضارة الروحية التي أسستها الهلينية قد امتدت حتى بلغت في الشرق أعتاب العصر الحديث كل الحداثة؛ أي إلى نفوذ المدنية الأوربية والعلم منذ الأجيال الثلاثة الأخيرة.
والنتيجة كما يقول -وفق نظره:
وعلى هذا: نرى أن نقطة ابتداء الحضارة الشرقية، التي بلغت كمالها في الإسلام، هي بعينها نقطة ابتداء الحضارة الغربية.
ثم بعد ذلك طرح سؤالا جعله مقدمة لدراسة مقارنة، ممهدا له بقوله:
لكن أقل مقارنة بين الخصائص الروحية للشرق الإسلامي الحديث، ولعالمنا الغربي، تدلنا على تباين في الموقف ينتظم كل شيء العام عنه والخاص، حتى أبسط الجزئيات، فنرى أنفسنا أمام سؤال يطرح على البحث قضية بشكل آخر، وهي المقارنة بين خصائص الشعوب وهو: كيف أدى قبول قوة روحية واحدة بعينها ونعني بها الثقافة اليونانية -إلى نتائج مختلفة كل الاختلاف هناك كما هي الحال ها هنا؟
[ ١٦٥ ]
من هنا أخذ المؤلف يمهد لإجابته على ما طرحه من سؤال: يتيح له بيان خصائص الشرق الفكرية؛ وهكذا كانت صياغته سؤالا وإجابة تلخيصا لوجهة الغرب في الشرق والإسلام منذ بدأ الغرب تاريخه الثقافي فيقول: في الحضارة الشرقية نشاهد الشعور بالسنة والتقاليد وشدة التمسك بهما قد بلغا أوجهما.
بيد أن كليهما يبدو هناك في تركيبه متميزا بطريقة خاصة من فكرة التقاليد عند الغرب، فالتقاليد معناها في الشرق: المحافظة على ما هو أصلي وقديم.
والتقدم الروحي لا يمكن أن يتم عنده إلا في التفسير والتكيف مع الأوضاع الجديدة، لا في التحويل والصياغة من جديد لما ورثوه ونقلوه.
والعلة الرئيسية في هذا إنما هي: الرابطة الدينية، والتي في داخلها يتم تطور الروح في الشرق.
والتقليد -أو السنة- لا يمكن نقضها؛ لأنه ينظر إليها على أنها من الوحي وما هو من الوحي ليس في مقدور المتأخرين ولا من شأنهم أن يمسوه؛ لأنه مما بلغ للإنسان من قبل على أنه الحقيقة.
ثم رجع المؤلف متسائلا مرة ثانية عن عدم نجاح التراث الهليني في الشرق مرة ثانية: كيف أمكن إذن ألا يغير اقتحام الفكر اليوناني للشرق، منذ نهاية القرن الرابع قبل الميلاد، هذا الموقف الروحي عند الشرقيين؟
وبالجملة، ولصياغة المسألة هنا في صيغة موجزة نتساءل: كيف أمكن ألا يكون الشرق حتى العصر الحديث قادرا على إيجاد نهضة أو نزعة إنسانية؟
يقول مجيبا: ولقد قدر للشرقيين حينما اتصلوا باليونان أن يجدوا أنفسهم مالكين لثقافة روحية دخلت دور التحجر؛ تبعا لموقفها المحافظ من السنة التقليدية الذي لم يتبدل تبديلا كافيا.
فلم يكن ثم ما يتعلمونه من اليونان بل "على العكس من هذا" لم يكن لهم أن يتعلموا شيئا؛ لأن تقاليدهم قد قدسها الوحي، وفضلا عن هذا قد استغرقت الغاية بعدهم الروحي، فبينما أحس الرومان في اتصالهم باليونان أن المثل الأعلى للفضيلة
[ ١٦٦ ]
والمروءة، يمكن أن يسمى به إلى أعلى صورة، صورة الدراسات الإنسانية، ومن أجل هذا أقبلوا على اليونان برغبة في العلم غير محدودة تمتاز بالحرية الباطنية والتفتح، اتجه الشرقيون لا إلى الإنسانية وإنما إلى الظفر بالقداسة وبالنجاة.
ولهذا نرى أن المثل الأعلى ذا الطابع الديني المرتبط بالعقائد الثابتة عند الشرقيين لم يسْمُ حينما انكشف له الفكر اليوناني إلى استهداف غايات جديدة، وإنما اشتد في حركته -هو- الخاصة.
ولم يكن هذا فحسب: فإن الإمكان الحاسم، الجديد الذي تبدى آنذاك أمام الشرقيين: كان هو استغلال التراث اليوناني من أجل "توكيد" نوازعهم الخاصة.
لذا لم يكن طبع الحضارة الشرقية بطابع الهلينية، حركة نهضة أو ميلادا جديدا، وبعثا لقديم، وإنما كان استمرارا في المحافظة عليه وتخليده.
فاستفاد القوم في "الشرق" من القوى اليونانية، بإمكان تنظيم هذا الخليط العديم الصورة من المنقولات الأسطورية، والنبوية، والتشريعية، والمثلية، وترتيبه تحت وجهات نظر رئيسية موحدة يسيرة، ثم جعلها تتواتر في صورة أثبت، وقبل كل شيء: جعل فهم تقاليدهم الخاصة وقيمتها مفتوحا أمام غيرهم ممن هم خارج نطاق جماعتهم الحضارية.
وفي رأيه أن العلة التي جعلت الأثر اليوناني عقيما في الشرق هي كما يقول:
وهكذا نرى العلة الرئيسية أن التراث اليوناني في الشرق، قد كان ذا عقم بالغ حتى الأعماق، وإن لم يكن هذا التراث أقل نفوذا وتعبيرا منه عند الرومان، وهذا العمق لا يمكن أن ننعته إلا بأنه كان مؤلما فما تعلمه الشرقيون من اليونان: أفادهم في الاستغلال العربي له، لا في الظفر بتنشئة جديدة وترقٍّ في الثقافة.
ومن ناحية أخرى يتبدى جليًّا الآن: لماذا كان السؤال -الموجه إلى الحضارة الروحية الشرقية- عن العلة في أنها لم تستطع إيجاد نزعة إنسانية تتجدد من جيل إلى جيل؟
[ ١٦٧ ]
يقول- أي المؤلف: لماذا كان هذا السؤال ليس سؤالا صادرا عن خارج أو عن وجهة نظر لا تقوم في طبائع الأشياء نفسها، بل هو سؤال له أساس في جوهر الأمور عينها؟
والنتيجة النهائية هي كما يقول: إن كل من يدخل مع اليونانيين في صلة حيوية يوضع أمام الاختيار بين إحدى خصلتين:
- إما أن يتتلمذ لهم -أي لليونانيين- عن وعي وإرادة.
- وإما أن لا يفعل.
يشرح المؤلف ذلك فيقول: فإن تأثير يونان له من الصولة، وكذلك قوة عقلهم المفكر، المنظم لمجموع الواقع المطلق لنفسه، هو من الإقناع بالنسبة إلى كل إنسان يكون على علم به بحيث لا يوجد ثَم مندوحة عن هذه القوة وذلك التأثير، فمن يلق اليونانيين لا بد أن يتعلم منهم، والمسألة: هي فيما إذا كان سيحول هذه الضرورة إلى إرادة حرة ويعرف كيف يشكر اليونانيين من أجلها أم لا.
نلاحظ أن المؤلف بدا يظهر بوضوح ألمه من عدم استفادة الشرق من التراث الهليني، وأخذ يوطئ لذلك بما قاله عن الشرق وهو:
إن عدم نجاح رسالة التراث اليوناني في الشرق راجع بالدرجة الأولى إلى تمسك الشرق بتقاليده وتراثه، فما أحب الشرق أن يكون تلميذا، ولا أحب أن يفعل، وإذا كان اليونان أحب أن يكون معلما مسيطرا فإن الشرق قد نبذه.
ثم يقول: والشرقيون اعتقدوا الثقة بتقاليدهم، واعتقدوا أنهم لا يستطيعون أن يأخذوا عن اليونانيين إلا ما ينتسب إلى الصناعة الفنية، وليس عليهم أن يتعلموا منهم توجيها روحيا جديدا، ولم يستطع الشرقيون أن يرتفعوا إلى مستوى الاعتراف الخليق بالنفس العالية الحرة؛ الاعتراف بالرسالة اليونانية، التي يشير بها "هوراس" للرومان في قوله: "يونان مقهورة تقهر المتبربر الظافر".
وبعد أن انتهى الباحث إلى هذه النتيجة؛ وهي أن الثقافة اليونانية رفضها الشرق، وما أخذ منها كان بمثابة الاستفادة، أو ما أدخلوه على صناعتهم الفنية. فالشرق لم
[ ١٦٨ ]
يتتلمذ على اليونان بوعي وإرادة، لذلك عجز التراث اليوناني أن يترك أثرا للنزعة الإنسانية في الشرق.
ولقد كان من الملاحظ حقيقة، ونطمئن إليه، وهو ما أفزع الباحث واقلق عليه باله: هو أن حروب الإسكندر استطاعت أن تغلب الشرق سياسيا، غير أن ثقافته اليونانية لم تستطع أن تقهر الشرق، ولا أن تتغلب عليه، ثم بعد ذلك بدأ منه تجاهل -في حنق وفي عصبية- لا مسوغ له، وليس في طرحه سؤاله؛ إنما في الإجابة عليه، الذي أراد أن يقارن فيما بين ثقافتين: ثقافة روحية يصطبغ بها الشرق اصطباغا، وثقافة عقلية يصطبغ بها الغرب الإغريقي اصطباغا؛ لكن المؤلف يقلق من تلك النتيجة فهو يقول: ومن ثم تتضح الصعوبة غير العادية التي تكمن في مسألة ما إذا كان على المرء أن يرد مركز الثقل في الإنتاج الروحي -وخصوصًا منه الديني والفلسفي- الذي أبدعه الشرق إلى الهليني أو العنصر الشرقي؟ فالمؤلف يستكثر على الشرق أن يكون مبدعًا للروحية تلك التي جعلها منقصة ثقافية، ثم يتابع شرحه فيقول: وتلك مسألة تعرض نفسها بإلحاح خاص في كل درجة من درجات التحول الروحي للمسيحية، وبالنسبة إلى تلك الحركة التي اقتحمت نطاق اليهودية، التي انكفأت على نفسها وغلقت أبوابها باطراد متزايد منذ عهد المكابيين ضد العالم الهليني المحيط، ولكنها في أصولها لم تظهر بعد صورة روحية راسخة، بل ظفرت بها أول مرة بفضل التوغل في أرض هلينية حقًّا.
إن هذه المسألة يجاب عنها بصورة جلية منذ القرن الثالث بعد الميلاد لما أن نما المذهب المسيحي في مدرسة الإسكندرية إلى نظام فلسفي استقصيت فيه الذرائع، وهذا الجواب هو أنه ما من أحد يماري في سيادة الفكر اليوناني في علم اللاهوت المسيحي من ناحيته التنظيمية المذهبية بيد أن الإجابة عن هذه المسألة تترجح وتتردد، حينما يتصل الأمر بنشأة تاريخ المسيحية، وأكثر من هذا حينما يتصل بالحركات ذوات الصلة الماسة بها؛ من حيث: التوجيه في النظرية الكونية وتسير موازية لها، وكذلك أيضا حينما يتصل الأمر بالنظرة الإسلامية في الحياة والوجود التي أتت بعد ذلك.
[ ١٦٩ ]
نقول: إن إجابة تتردد وفقا لكون المرء في أحكامه هنا: هل يبدأ من الأسس العقلية التنظيمية لهذه النظرات في الوجود والحياة؟ أو يبدأ -وهذا أقرب بكثير- إلى هذا المستشرق الذي آراؤه سبقت مقدماته من الموقف الذاتي.
ونحن نلاحظ عليه تردده عندما أخذ يبين الأثر الهليني على المسيحية واليهودية والإسلام، رأيناه متحيزا كما يظهر تردده، حين أراد أن يقومه؛ حيث تساءل: هل يرده إلى العنصر اليوناني أو العنصر الشرقي؟ ثم بعد تردده نراه يقول: الإنتاج الروحي -وخصوصًا- الديني والفلسفي الذي أبدعه الشرق يرجع إلى الهلينية.
أي أن في الشرق ثمرات إبداعية غير أنه أضافها إلى الهلينية، وإذا كان الأمر كذلك؛ أي أن التراث الهليني نجح؟ أليس في هذا ما ينقض نتيجته السابقة وهي أن التراث الهليني لم ينجح في الشرق، ويصبح ما أحصاه على الشرق من نقائص عاقت نموه الثقافي غير حقيقية؛ لأنها إن كانت فيه كامنة فلماذا استجاب لسنة التطور؟
لا شك أنه اعتراف قلق، ذلك الذي جعل المستشرق يعترف "أن في الشرق إبداعا" غير أن حيرته في تساؤله هل هو إبداع راجع إلى العنصر الهليني الذي أعلن أنه فشل في الشرق؟ أو راجع إلى الشرق الذي فيه نقائص تعوق نموه الثقافي؟ حية تنم عن تعصب وتعيننا على وصف نظراته بأنها تحتاج منه إلى مراجعة متأنية مُتَرَوِّيَةً.
ثم راح المؤلِّف بعد ذلك يبين الأثر اليوناني في الشرق، واختار في سبيل إظهار ذلك قضية الكون والوجود.
فقال: ولشق طريق علينا على الأقل خلال هذه المرحلة لا بد أن يتساءل المرء:
أين مجال التاريخ الروحي الحقيقي؟ وإلى أي نقطة يجب أن يتجه انتباهه، حتى يتبين بوضوح: تطور النظرة الكونية، ويقدر على إيضاحها؟ ومن ذا الذي يمكن أن يشك، وهو يضع السؤال على هذا النحو في أن الأسس التصورية للنظرة الكونية وأطوارها هي بعينها التي يمكن تعرفها بيقين، وتعرف درجاتها في تاريخ طور الفكر والتحرر
[ ١٧٠ ]
الذاتي للعقل، بينما التدين الفردي حينما يكون عامرًا بالقوة، والمميزات الخاصة يكون بمعزل عن التحول، بل عن الارتباط الزمني إلى حد أن انتظام أصحابه في خط التحول يصطدم بعقبات لا تكاد تذلل.
ولهذا: لا تكاد توجد إمكانيات أخرى للتأمل التاريخي الروحي عند الشرق غير ابتداء هذه الواقعة؛ ألا وهي:
أن الكلم اليوناني، والفكر اليوناني -وهذا الأخير يكون ممثلا في صفوة محدودة- بحاجة إلى مزيد من الوصف، وقد أثر كلاهما في الشرق، وحَيَا هناك وما زال يحيا حتى العهد الحديث.
وتاريخ الفكر اليوناني في الشرق يقدم لنا الخيط الأحمر، الذي يعين المرء على ضم كثرة من صور النظرة الكونية تحت لواء مركَّب تحولي واحد مليء بالمعاني، وفضلا عن هذا يسمح بربطه ومقارنته بالتاريخ الروحي للغرب.
وهذه المصادرالذاتي للعقل، بينما التدين الفردي حينما يكون عامرًا بالقوة، والمميزات الخاصة يكون بمعزل عن التحول، بل عن الارتباط الزمني إلى حد أن انتظام أصحابه في خط التحول يصطدم بعقبات لا تكاد تذلل.
ولهذا: لا تكاد توجد إمكانيات أخرى للتأمل التاريخي الروحي عند الشرق غير ابتداء هذه الواقعة؛ ألا وهي:
أن الكلم اليوناني، والفكر اليوناني -وهذا الأخير يكون ممثلا في صفوة محدودة- بحاجة إلى مزيد من الوصف، وقد أثر كلاهما في الشرق، وحَيَا هناك وما زال يحيا حتى العهد الحديث.
وتاريخ الفكر اليوناني في الشرق يقدم لنا الخيط الأحمر، الذي يعين المرء على ضم كثرة من صور النظرة الكونية تحت لواء مركَّب تحولي واحد مليء بالمعاني، وفضلا عن هذا يسمح بربطه ومقارنته بالتاريخ الروحي للغرب.
وهذه المصادرة لا شيء أبلغ في تحقيق صحتها من مجرى التحول الحقيقي للفكر الشرقي تبعًا لكونه قد خضع بكل إذعان: لتأثير العقل اليوناني منذ اللحظة التي تعارفوا فيها، وليس في تاريخ النظرة الكونية في الشرق قوة عقلية واحدة، يمكن أن تقارن في أهميتها وجلال شأنها: بالقوة اليونانية، بل يستطيع المرء أن يذهب إلى أبعد من هذا، ويقول:
إن اتجاهات النظرة الكونية -لدى الشرقيين منذ الهلينية- تبلغ في كل حالة، درجة من الوضوح العقلي، وقابلية التعليم والفاعلية، إلا حينما عملت فيها: نظم التطورات العقلية اليونانية، والاستثناء الوحيد في هذا الباب هو: الديانة التشريعية اليهودية.
ثم يقرر المؤلف -وهو بصدد بيان الأثر الإغريقي على الشرق: إن نظرات الشرق في الوجود، أثر إغريقي؛ لأنها خضعت في أطوارها: للفكر والتحرر الذاتي للعقل، واستبعد المؤلف أن تكون هذه النظرات، وليدة التدين؛ لأن التدين -في نظره- حينما يكون عامرا بالتقوى، والمميزات الخاصة، يكون بمعزل عن كل طور،
ة لا شيء أبلغ في تحقيق صحتها من مجرى التحول الحقيقي للفكر الشرقي تبعًا لكونه قد خضع بكل إذعان: لتأثير العقل اليوناني منذ اللحظة التي تعارفوا فيها، وليس في تاريخ النظرة الكونية في الشرق قوة عقلية واحدة، يمكن أن تقارن في أهميتها وجلال شأنها: بالقوة اليونانية، بل يستطيع المرء أن يذهب إلى أبعد من هذا، ويقول:
إن اتجاهات النظرة الكونية -لدى الشرقيين منذ الهلينية- تبلغ في كل حالة، درجة من الوضوح العقلي، وقابلية التعليم والفاعلية، إلا حينما عملت فيها: نظم التطورات العقلية اليونانية، والاستثناء الوحيد في هذا الباب هو: الديانة التشريعية اليهودية.
ثم يقرر المؤلف -وهو بصدد بيان الأثر الإغريقي على الشرق: إن نظرات الشرق في الوجود، أثر إغريقي؛ لأنها خضعت في أطوارها: للفكر والتحرر الذاتي للعقل، واستبعد المؤلف أن تكون هذه النظرات، وليدة التدين؛ لأن التدين -في نظره- حينما يكون عامرا بالتقوى، والمميزات الخاصة، يكون بمعزل عن كل طور،
[ ١٧١ ]
بل من الارتباط الزمني، إلى حد أن انتظام أصحابه في خط التحول، يصطدم بعقبات لا تكاد تذلل.
وواضح من اتجاهه أنه يميز بين نظرتين بالنسبة إلى الكون والوجود:
- النظرة الدينية: ومميزاتها عدم التطور، والتحير في مصدرها.
- النظرة العقلية: ومميزاتها التطور، ويرجع أصلها: إلى اليونان.
والمؤلف: إذ يضع هذا التمييز بين نظرتين، نراه لا يبني حكمه عليهما ولا يراعيهما في منهجه فضلا عن أننا نلمح تعسفا منه: حينما أسند نظرات الشرق في الوجود إلى الهلينية، في الوقت الذي حاول فيه -سابقا كما بينا- أن يطعن الشرق بعدم قدرته على التطور والعجز عن متابعة الهلينية كما عجزت الهلينية من وجهة نظره -أن تكون دواء لداء الشرق القعيد عن التطور، فكيف ترقى -بعد ذلك- في نظراته حول الوجود؟
ثم يرجع فيقول: ولهذا نرى المثل الأعلى، ذا الطابع الديني المرتبط بالعقائد الثابتة عند الشرقيين: لم يسمُ حينما انكشف الفكر اليوناني إلى استهداف غايات جديدة، وإنما اشتد في حركته هو الخاصة، ولم يكن هذا فحسب، بل إن الإمكانات الحاسمة الجديدة التي تبدَّت آنذاك أمام الشرقيين: كانت هي استغلال التراث اليوناني: من أجل "توكيد" نوازعهم الخاصة.
ولذا لم يكن طبع الحضارة الشرقية بطابع الهلينية حركة نهضة، أو ميدانا جديدا، أو بعثا لقديم، وإنما كان استمرارًا في المحافظة عليه وتخليده".
بعدما قرر المؤلف هذا التقرير: نراه ناقضه، وناهضه، وذلك عندما رد "نظرتهم" إلى الكون والوجود إلى الأثر الإغريقي، واستبعد أن يكون وليد تدينهم".
ولنا بعد ذلك سؤال يقول: وترى هل تراث الشرقيين الخاص بالوجود والكون يدخل تحت وصف المؤلف لتراث الشرق "أنه خليط عديم الصورة"، "أو أنها نظرات على مستوى فكري عظيم" فينحلها إلى اليونان؟ فإذا كانت الأولى فهي وليدة الشرق، وإذا كانت الثانية فهي أثر يوناني وهذا لعمري قسمة ضيزى.
[ ١٧٢ ]
حقيقة الأمر أن المؤلف يتحامل على الشرق حينما ينحل إليه "كل خليط عديم الصورة".
ونراه لا يرى في ذلك استثناء واحدا سوى اليهودية، فيقول:
والاستثناء المميز الوحيد في هذا الباب هو -كما سنبين- "الديانة التشريعية اليهودية"، فبهذا الاستثناء بدأ المؤلف يعطى بعضا من الأصول الثابتة للشرق والأساس له في تكوين تراثه وخصائصه، حينما رأى ذلك في الدين اليهودي وهذا أقدم دين شرقي بلغة السماء نعرفه بكتابه.
إذا كانت اليهودية مستثناة -وليست كلها بل شريعتها- فما المقابل الذي يقدمه المؤلف ويظهر فيه الأثر اليوناني؟
يقول: وفي مقابل هذا نشاهد مثلا أن الديانة القائمة على عبادة النجوم، ومنشؤها من البابليين، وليست -مطلقا- نتاجا أصليا للتحول الروحي البابلي، وإنما هي بالأحرى نتيجة تعمق في علم النجوم البابلي، والقياسات الفلكية، بمعاونة التصورات اليونانية، والفلسفة اليونانية، وبخاصة: الراقية منها.
وقوة النفوذ الهائلة التي كانت للنظرة الكونية النجومية في العصر الهليني لا يجب أن تفهم إلا إذا اتضح للمرء أن اللوغوس اليوناني هو الذي نظم تلك النظرية، وبعث فيها قوة الإقناع.
والأمر على هذا النحو -أيضا- فيما يتصل باستمرار تأثير النظرة الكونية الإيرانية الأقدم في الشرق القريب وما وراءه، فالتفكير الإيراني يتضمن بعض الأطوار التوجيهية، ذات القوة الرمزية العظمى، ومضمونها الرمزي الواسع قد جعلتها تبدو أكثر قابلية للتعبير عن الميول الخاصة للثقافة الشرقية بنظرتها الكونية فيها عن غيرها، لذلك كان لا بد لهذه التصويرات الأسطورية المقيدة بالتفكير الأسطوري؛ لكي تصبح رموزًا كلية مفهومة لدى الجميع فعالة، يقول المؤلف: إنه كان لا بد من دخول العقل اليوناني فيها؛ لينظمها على هيئة مذهب محكم في تفسير العالم والتاريخ.
[ ١٧٣ ]
فما قدمه من نموذج، وهو الديانة القائمة على عبادة النجوم؛ أي الديانة الوثنية، واعتبره أثرا يونانيا: نوافقه عليه، بل نوافقه على أن الوثنية التي غزت الشرق، وغزته كان أصلها يونانيا.
ثم يقول: ولا سبيل -بعد كل ما قلناه- إلى إيضاح المهام الملقاة على عاتق التاريخ الروحي الشرقي، إلا بالتأمل في أهمية الفكر اليوناني بالنسبة إلى الشرق، ووجوهه الخاصة، أي بالتأمل في ظاهرة انعدام النزعة إلى الشرق، ووجوهه الخاصة؛ أي التأمل في ظاهرة فقدان النزعة الإنسانية في الشرق.
ويحاول المؤلف في النهاية أن يبين بوضوح أن السبب في عدم نجاح التراث اليوناني الشرقي: هو عدم اهتمامه بالنزعة الإنسانية، لماذا؟
فيقول: ذلك أن الفكر الشرقي لا يقوى على إدراك عالم محكم إحكاما لا يوصف، منظور إليه بقوة بصيرة دقيقة واضحة، وفيه لكل شيء مكانه، وتدبير الآلهة وفعل بني الإنسان كلاهما: يجرى على نظام واحد طبعي، إن جاز القول؛ إذ إن الفكر الشرقي يوجه كل همه نحو الحاجة للنجاة بالنسبة إلى الذات المفردة الخاصة، ونحو أحدية الله وعلوه على الكون، وقوته وقدرته التي تهيمن على كل الأفعال الإنسانية.
وكذلك لن يستطيع أن يفهم هذه اليقينية التي وصل إليها سقراط؛ ألا وهي: أن الحياة الإنسانية الخلقية لا تملأ معناها عن طريق التفكير العقلي الخلقي، أو التأملي النظري الميتافيزيقي، ولكن عن طريق تحقيق مضمون الحياة كله داخل نطاق الجماعة، بينما عند الشرقيين، في العصر القديم، قد أصبح التفكير والحديث عن الأمور الخلقية موضوعا للأحاديث الوعظية، وبهذا فقد القوة الدافعة إلى العمل.
ولو شاء المرء أن يعبر في صيغة موجزة عن الحد الذي عنده يقف فهم الشرقيين لليونانيين، لاستطاع أن يقول: إن هذا الحد هو الفكر الكوني عند اليوناني؛ أعني: تصور العالم: على أنه كل محكم الأعضاء، جوهره يقوم في انسجام أجزائه.
[ ١٧٤ ]
فانبعاث الفكر الشرقي لا يهدف إلى تأمل الكون المنظم، وإنما يهدف إلى جمع الصلة بين النفس المفردة والمحتاجة إلى النجاة، وربها.
ذلك أنه إذا اقتصر كل الاهتمام على النجاة الشخصية، وعلى التوتر بين الكمال الإلهي، والنقص الإنساني أصبحت العين عمياء عن العالم الخارجي عن الذات الخاصة، ولم يعد ثَمَّ تفكير في نظم العالم الموضوعية.
ثم قال: وهنا نشير كذلك إلى وجهة نظر أخرى يجب ألا نغض النظر عنها في السؤال عن عدم تقبل الشرق لتراث اليونان.
عاد؛ ليجيب: فإن أتباع الأديان الشرقية التي أثمرا الفكر اليوناني رأوا أنفسهم منقادين إلى هذه النتيجة؛ وهي: أن مضمون الوحي الذي كان من نصيبهم: هو الحقيقة المطلقة بالضرورة.
ولبلوغ هذه الحقيقة: كان لا بد أولا من "تأويل" وثائق الوحي في صورتها الأسطورية المنقولة، تأويلا بوجهتين:
- وجهة تصور الآلهة وأضدادها ونشوئها وخصوماتها ونسبتها إلى ظواهر كونية.
- ووجهة تعدها بمثابة رموز خلقية وتسبغ عليها خيرية النفس وبشريتها وما بينهما من صراع.
بعد ذلك نقول:
إن المؤلف لا يحاول أن يتراجع، بعدما قدم من شواهد تثبت عقم التراث اليوناني في الشرق؛ سواء أكان هذا التراث لا يتفق معه، أم كان لعدم ميله إلى الأخذ بالنزعة الإنسانية.
قلنا: لا يحاول أن يتراجع على الرغم من أنه بات متحيرًا في حكمه على تراث الشرق؛ ليعيد النظر من جديد في تراث الشرق وسيكولوجية التقابل وبين الهلينية؛ على أنه لا يؤخذ من وجهة النظر العامة للمؤلف أن الشرق لم يحتفل بتراث اليونان.
[ ١٧٥ ]
أما سؤال المؤلف الذي بدأ به بحثه: وهو أن نقطة مبدأ الحضارة الشرقية هي اليونان، فكان غرضًا منه إلغاء بحثه.
وليس معنى عدم تقبل الشرق للتراث اليوناني تخلفا في الشرق، بل قد يكون كما قلنا: راجعا إلى نوعية الثقافة التي ترجمت كما قلنا.
وقد يحلو لنا أن نزكي ثقافة على ثقافة، ولكن من المكروه أن نجعلها المقياس الأمثل، أليس محاولة فرضه هي عين الاستدباد في الرأي؟ والاستبداد مرض يوصم صاحبه بالأثرة ولا يرجي له العلاج منها.
وفي ذلك ما يفيد -من خلال منهج بحثه- تورطه في معنى التعصب بشامل معناه:
- تعصب وطني.
- تعصب ديني.
- تعصب لليونانية.
لذلك جاء البحث سابقة لا توطِّئ لها مقدماته.
ثم نراه يعيب علينا أن نأخذ من الوحي في الوقت الذي نراه يستشهد بسقراط فعاب على الشرق بما أخذ به؟
ثم نأخذ عليه: أنه خلط بين الدين الإسلامي، والدين الوضعي١، وهو يعلم جيدا ما يعني مبدأ التفريق بينهما.
وفي النهاية أحب أن أشير إلى نقطة جوهرية بين الثقافة، والحضارة.
وإذا كانت الثقافة اليونانية حقيقة كما يتفق الباحثون: لم تتقدم، وكانت نمت نموًّا بطيئًا في الشرق عنه في الغرب، وكانت هي العامل الأول -كما يقولون- لكل تحوُّلٍ حضاري، فكيف نفسر إذن الحضارة الإسلامية إبان ازدهارها؟
هذا ما لم يُثِرْه المؤلف ولم يتعرض له.
_________________
(١) ١ فيقول: إن خطب كليما نثنس Hone lies clementince هي التي حددت الشعور بالرسالة لدى مؤسسي الدينين اللذين ظهرا في الشرق بعد المسيح؛ ألا وهما: ماني ومحمد.
[ ١٧٦ ]
نقول: إنه قد تنتقل ثقافة إلى حضارة فتتقدم الحضارة ولا تتقدم الثقافة الوافدة، ومنها الحضارة الإسلامية التي قد تكون حددت الثقافة بغايتها الحضارية.
فالحضارة افسلاميةن كانت بعد الوحي: عواملها ذاتيةن وخارجية استفادت من الثقافات الأخرى ما وسعها الاستفادة، فتقدمت الحضارة الإسلامية: لغة وفكرا وتاريخا، وجغرافية، وما زال الإسلام مزدهرا، إن كان المسلمون في ضعة وضعف.
واصبح لها وزن خاص وخصائص حضارية خاص. إذا أخذنا هذا في الاعتبار لأصبحت دعى "هانز هيترش شيدرط يشوبها روح التعصب لليونانيةن لأن الحضارة ليست مهمتها تنمية التراث الوافد لتعيده مرة أخرى إلى حيث أتى، إنما مهمتها الاستفادة التي تيسر لها مسيرتها وتخدم غاياتها، حتى تحدث آثارها ذكرا بينا فيما يأتي من حضارات. ولذلك كان لابد للثقافة أن تتغير، وأن تكيف نفسها بكيفية الظروف المتغيرة، وأن تلبي المطالب الجديدة، ولذلك لا يمكن أن تظل وفية لماضيها دون حاضرها، غلا حين تكون حياتها غير حقيقية أو تكون ثقافة لا وظيفة لهان وعندما يكون حالها هكذا، تصبح وظيفة المجتمع: رفضها، لأنها أصبحت، لا تتناسب مع وضعه وقدرته.
على أية حال: لم تكن الهلينية من أقوى المؤثرات في الشرق والمنطقة العرية فيه: إنما كانت الأديان السماوية: هي الأثر الوحيد والحقيقي للشرق، وأثره البارز على الغرب، أو بمعنى آخر: الأديان -وهي تراث شرقي- آثر تركة الشرق على الغرب، أما مناهجه العقلية فهي اثر يوناني في بعضه.
والنتيجة النهائية التي يجب أن يصل إليان غير أن بحثه لم يمهد لها هي كما يقول: "وأتى العرب معهم بإرادة الغزو، وكلمة دينية جديدة لكنهم لم يأتوا بحضارة خاصة يمكن أن تحل محل تلك التي وجدوها في البلاد التي فتحوها، وبقدر ما توغل في المقاطعات القديمة ذات الحضارة وبقدر ما نقلت مراكز سلطانهم من مواطنهم الأصليةك إلى سورية، ومنها إلى العراق، وجاء العرب عيالا على الحضارة العتيقة الراسخة في نفسها ذات الطابع الموحد الذي كان عند من أخضعوهم. وهكذا بدأت تبرز، منذ نهاية القرن الثامن: وحدة الحضارة الإسلامية التي لم تكن شيئا آخر
[ ١٧٧ ]
غير تحول عمره ألف سنة، وكانت القوى الروحية المقومة فيها: هي قوة التراث الهليني.
على أي حال بعد أن عرضنا للمد السياسي الهليني ومراكزه الثقافية في الشرق والمنطقة العربية فيه، ثم عرضنا لبحث "هانز شيدر" تبينَّا أن المؤلف مذعور من عدم نجاح الهلينية في الشرق، وكان هذا في نظره ظاهرة مرضية -كما بينا- أنه يتحامل على الحضارة الإسلامية، وعلى الوحي الذي عده عائقًا دون نهضة الشرق، وعده أيضًا من الحواجز الأساس دون قيام النزعة الإنسانية في الشرق، لذلك صار العرب عيالا على الحضارة العتيقة الراسخة.
ويقول: وكانت القوة الروحية المقومة فيها هي قوة التراث الهليني.
إذا كانت هذه نتائج طبعية ساقه إليها بحثه فلماذا يقول متسائلا: كيف أمكن ألا يكون الشرق حتى هذا العصر قادرا على إيجاد نهضة أو نزعة إنسانية؟
ومعروف على أية حال: أن محاولة الطعن في الشرق، أو الإسلام، كانت رسالة قديمة، قام بها الجيل القديم من المستشرقين، وأصبح الجيل الحديث والمعاصر، يؤدي خدمات جليلة للتراث الإسلامي والعربي.
يقول م. رستوفتزف:
"وعلى ذلك نرى أن حضارة العصر الهلينستي لم تصبح في أي وقت مزيجًا من الحضارة الشرقية اليونانية وإنما بقيت أو كادت تكون إغريقية صميمة في جوهرها مع إضافة شيء قليل جدًّا من العناصر الشرقية إليها، ولم يكن المظهر الرئيسي الجديد لتلك الحضارة الإغريقية في العصر الهلينستي هو طابعها الشرقي الإغريقي وإنما كان طابعها العالمي، وهذا ما جعلها مستساغة مقبولة لدى مختلف الحكومات الوطنية الجديدة التي ظهرت في كل من الشرق والغرب.
ومع ذلك لم تتقمص إحدى الدول الجديدة في الشرق -ومنها بارثيا- باكتريا -والهند- أرمينيا وغيرها- الثقافة الإغريقية تماما، بل بقيت العادات والأفكار الإغريقية طلاء رقيقا يسكو بناء محليا ذا طابع شرقي صميم، وبالإضافة إلى
[ ١٧٨ ]
ذلك نرى الأثر الإغريقي في الشرق قد اقتصر وجوده على المدن وعلى الطبقات العليا من السكان، ولم يكن له أي أثر على الإطلاق على سواد الناس وعامتهم.
وكان تغلغله أعمق في حياة الأمم الغربية من الإيطاليين والكلديين وأهل أيبريا والتراقيين ولكن الحضارة اليونانية بقيت هنا أيضًا وفية لنشأتها الأولى ولطابعها الحقيقي، فكانت هي حضارة المدن وساكنيها واستمرت محتفظة بهذا الطابع.
وعلى ذلك كانت الحضارة الهلينستية لا تعدو أن تكون مظهرًا جديدًا في تحويل حضارة المدنية الإغريقية فحسب، بل إنه في الممالك الهلينستية التي قامت في آسيا الصغرى وفي سورية ومصر وعلى ضفاف البحر الأسود لم تتأثر الجماهير المقيمة في الريف بالحضارة الإغريقية مطلقا وإنما حرصت على التمسك بعاداتها القديمة وسجاياها وعقائدها الدينية الموروثة١.
يقول ديلاسي أولير: إن الثقافة اليونانية لم تنتقل إلى العرب عن هذه الاتصالات الأولى٢.
ويقول فيليب حتى: ولكن الواقع هو أن الشرق الهيلني كان شيئًا مصطنعًا، فديانة اليهودي: احتفظت بتقاليدها القديمة في وسط هذا الشرق الهليني:
وبالإضافة إلى ذلك ترى أن السلوقيين تبنوا العبادات المحلية باشكال هلينية، وأظهر أكثرهم احتراما للآلهة المحلية٣.
ولكن هذا لا يعني جعل الشرق هلينيا بقدر ما يعني جعل العالم الهليني شرقيا، وأصبح أفراد الجاليات اليونانية بالتدريج: أكثر تأثرا بالحياة السامية من تأثر الوطنيين بالحياة اليونانية، ونجحت الحضارة في سورة الآرامية، وفلسطين اليهودية، بأكثر من المحافظة على مكانتها بوجه عام، فأعطت أكثر مما أخذت.
والذي حصل نتيجة إدخال الهلينية: هو تمزيق البنيان الأساسي والفكري الذي كان ساميا صرفا، والسماح للتأثيرات الرومانية بالدخول فيما بعد٤.
_________________
(١) ١ يراجع تاريخ الإمبراطورية الرومانية الاجتماعي والاقتصادي "١: ٢٣". ٢ علوم اليونان ص٩٠. ٣ أصبح بعل يسمى: زفس واقيم في معبد أبولون ذلك الإله اليوناني في "وقته" وسط غابة من الشجر حيث تكثر المياه "بيت الماء" وأصبح كمركز للخلاعة فيما بعد. ٤ تاريخ سورية ولبنان وفلسطين جـ١ ترجمة: جورج حداد، وعبد الكريم رافق، أشرف على مراجعته د/ جبريل جبور- دار الثقافة بيروت.
[ ١٧٩ ]
اليهود في بلاد العرب
مدخل
اليهود في بلاد العرب:
أ- الهلينستية واليهودية:
لقد بدأ شتات اليهود -بعد تخريب أورشليم- على يد البابلين١ عام ٥٨٨ ق. م. ولجأ كثير منهم إلى مصر، وأفناء المنطقة العربية -وعندما سمح "قورش" بإعادة بناء أورشليم بعد هزيمته للبابليين ٥٣٨ فتحها لهم، غير أن بعضهم فضل الاستقرار خارجها، ولا سيما بعد أن بنى الإسكندر الأكبر: مدينة الإسكندرية، وهم مع شتاتهم ظلوا يحافظون على دينهم وقوانينهم حتى عهد "أنطيوخوس إبيفانيس ٤٧٥-١٦٤ ق. م"، وقد حاول هذا الملك أن يشربهم الثقافة الهلينية، وأن يدخل عبادة الآلهة اليونانية في أورشليم، وصفتها التوراة "آلهة الغرباء"، يقول البيروني: ولولا أن التوراة حظرت عبادة كل ما دون الله والسجود للأصنام، بل ذكرها أصلا، وخطرها على البال؟ كان يتصور من هذه اللفظة أن المأمور به هو: رفض الآلهة الغرباء دون التي ليست بعبرية٢.
وأدى صنيعه هذا من جانب اليهود إلى قيام ثورة بزعامة المكابيين، ولم يستطع "أنطيوخوس" أن يقمعها حتى خلع وقتل في سبيلها الكاهن الأعظم "أونياس" الثالث وهرب أيضا: "أونياس" الخامس ابن الكاهن القتيل؛ لينجو من الرجس والفوضى اللتين أشاعتهما سياسة أنطيوخوس.
غير أن "بطليموس" أحسن وفادتهم وأعطاهم مبعدا مصريا مهجورا في: "ليونتوبوليس"٣؛ حيث أقاموا هيكلا يدعي "أونياس" ربما نسبة إلى "أونياس" الكاهن، على صورة هيكل أورشليم، ولعل الترجمة٤ اليونانية للعهد القديم
_________________
(١) ١ وذلك على يد بختنصر البابلي فكان من أموره على بني إسرائيل وإثخانه فيهم وهدمه لبيت المقدس وغحراقه للتوراة وقتله لأولاد الأنبياء واسترقاقه لنساء ملوكهم ولذراريهم. روجع -الروض الأنف للسهيلي جـ١ ص١٨٨. ٢ تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أومرذولة ص٣٠ لأبي الريحان البيروني. ٣ ليونتوبوليس هي: نيتو على عهد الفراعنة ومحلها الآن -كفر مقدام- بالقرب من مركز ميت غمر من أعمال محافظة الدقهلية وما زالت آثاره للآن تشاهد. قال الشهرستاني ف يالملل والنحل -جـ١ ص١٩٩- السامرة فرقة من اليهود هؤلاء قوم يسكنون جبال المقدس وقرية من أعمال مصر. وقال: ولغتهم غير لغة اليهود، وزعموا: ان التوراة كانت بلسانهم وهي قريبة من العبرانيين فنقلت إلى السريانية. نقلو: لعل هي لينتوبوليس. ٤ كان يقرؤها يهود مصر أيام فيلون الإسكندري واليهود الذين انشقوا على الربانيين.
[ ١٨٠ ]
وهي التي تعرف باسم السبعينية١ قد وضعت على مراحل متتالية من أجل هذا الهيكل المحلي.
أما "كاليجولا" الذي نودي به إمبراطورا في ٣٨ ق. م فقد زينت له أوهامه أنه فوق البشر فطالب رعاياه بتأليهه وإقامة تماثيله في مختلف المعابد، ولعله قد تأثر في حداثة بفكرة تأليه الملوك الأحياء وهي فكرة كانت شائعة في ممالك الشرق الهلينستي ولا سيما في مصر، ولكنها كانت غريبة على الرومان فلم تلق بينهم رواجًا كبيرًا.
رفض اليهود الامتثال لأمر الإمبراطور الخاص بإقامة تماثيله في جميع المعابد، ولم يكن من المعقول أن يقبل اليهود تدنيس معابدهم بتماثيل البشر مهما جلَّ قدرهم وهم يؤمنون بإله واحد، فاقتحم الإسكندريون معابدهم ونصبوا فيها تماثيل كاليجولا بالقوة فلما قاومهم اليهود اتهموهم بعدم الولاء للإمبراطور.
وكان من البدهي ألا يسكت اليهود على ما أصابهم من هوان تجاوز حد الاحتمال في تلك الفتنة.
ففي شتاء ٣٨/ ٣٩/ ٤٠ على الأرجح أوفد اليهود إلى رومة سفارة من خمسة أعضاء على رأسهم "فيلون"، وأوفد الإسكندريون سفارة مثلها على رأسها "أبيون"؛ لكي يعرض كل من الفريقين قضيته على الإمبراطور، وشاء حظ اليهود التعس أن يتلقى كاليجولا وقتئذ نبأ تدمير الجالية اليهودية لمعبد إقامه الإغريق في بلدة "بامنيا" على ساحل فلسطين، فتثور ثائرته ويبعث إلى بترونيوس حاكم سورية يطالبه بصنع تمثال له وتنصيبه في معبد اليهود الكبير بأورشليم.
وقد تضمنت مطالب اليهود -فيما يبدو- حرية العبادة وفقا للشريعة الموسوية وتحديد وضع جاليتهم في المدينة أو بالأحرى اكتساب حقوق المواطنة السكندرية، وقد صدموا عندما ابتدرهم كاليجولا بأنهم قوم كفرة لا يؤمنون بألوهيته.
_________________
(١) ١ وفي مدرسة الإسكندرية التي كانت تتميز بميزات خاصة أتى اتصال الثقافة الشرقية والثقافة الغربية بالثمار في إصدار الترجمة Septugint النسخة الإغريقية لأسفار العهد القديم، وقد أطلقت عليها هذه التسمية؛ لأنه يظن أن سبعين مترجما قاموا بوضعها في القرنين الثالث والثاني، أو ربما تنتسب إلى مجلس الشيوخ Gerousia البالغ عدده واحدًا وسبعين عضوًا لموافقته عليها وقد حرفت الكنيسة المسيحية "العهد القديم" عن طريق هذه التسمية على الأرض "تراث العالم "١: ٢٢".
[ ١٨١ ]
أجاب الوفد اليهودي بأنهم نحروا الثيران من أجل الإمبراطور مرة عند اعتلائه ومرة أخرى بعد شفائه من مرضه، ومرة ثالثة ابتهاجا بانتصاره في حملته على الرين.
وعندئذ قال كاليجولا:
قد يكون صحيحًا أنكم قدمتم القرابين من أجلي ولكنكم قدمتموها لإله آخر فما فائدة ذلك، إنكم لم تقدموا القرابين لشخصي١.
ولم يفز اليهود منه بطائل؛ إذ صرفهم قائلا: يبدو لي أن من تبلغ بهم الغباوة إلى الحد الذي لا يؤمنون معه بألوهيتي هم أجدر بالرثاء منهم بالعقاب.
وبعد أن خلفه بعد اغتياله كلوديوس تراءى ليهود مدينة الإسكندرية أن الفرصة قد حانت لتسوية حسابهم مع الإغريق فتقدموا بمطالبهم وهي حقوق المواطنة الكاملة بها.
غير أن مطلب اليهود كان يظهرهم بمظهر المتناقض ذلك أن المدينة اليونانية كانت مدينة وثنية تؤمن بأكثر من إله واحد، وكان الدين فيها مرتبطا بالحياة الاجتماعية والسياسية ارتباطا وثيقا فكان خليقا باليهود أن ينأوا بأنفسهم عن هذه الحياة أو أن يتنازلوا عن دعاواهم بأنهم عبدة الإله الحق الأوحد.
لذلك يرجح كثير من الباحثين الآن أن اليهود كانوا منقسمين إلى:
- فريق متزمت.
- وفريق متحلل بعض الشيء من قيود الشرعية الموسوية ومتأثر بأساليب الحياة اليونانية.
ولعله كان هناك حزبان بين الإسكندرانيين:
- حزب المتهورين أو المتطرفين.
- وحزب المتزمتين أو المعتزلين.
وعندما أرسل اليهود بمطالبهم أرسلوا بعثتين إحداهما تمثل الطائفة المحافظة والأخرى تمثل الطائفة المتحررة التي تأثرت بالثقافة وأساليب الحياة اليونانية.
_________________
(١) ١ مصر والإمبراطورية الرومانية في ضوء الأوراق البردية ص١٠٠ د. عبد المطلب أحمد علي -دار النهضة العربية ١٩٧٤.
[ ١٨٢ ]
وظلت هذه الاشتباكات بين اليهود والإغريق من ناحية وبين الرومان واليهود من ناحية أخرى، إلى أن قامت ثورة اليهود الكبرى وهي أكبر ثورة نشبت بين اليهود في مصر منذ الفتح الروماني في آخر عهد مكسيموس.
أخذت علاقة اليهود والرومان في التدهور السريع بعد ثورتهم في فلسطين سنة ٦٦ وتدمير معبدهم الريسي بأورشليم سنة ٧٠، وقد زادها سوءا ذلك القرار الذي أصدره فسبسيان بإرغام اليهود على دفع ضريبة الدينارين لمعبد الإله جوبيتر في روما بدلا من دفعها لمعبد أورشليم، وقراره الآخر بتدمير معبد أونياس في لينتو بوليس بمصر وهو "تل مقدام" الذي ارتابت فيه الحكومة في أنه مركز لنشاط الحركة اليهودية الأخيرة، وصارت أملاكه وهو معبد كان قد شيد حوالي ١٦٠ ق. م؛ لمنافسة معبد فلسطين، لذلك قام اليهود وتعمدوا بالذات بهدم معابد وتماثيل الآلهة اليونانية: أبولون، وزيوس، وهكاتي، وغيرهما من المعابد كمعبد إيزيس والمعبد القيصري ودمروا حمامات المدينة وأروقتها المسقوفة وأنديتها وملاعبها وعاثوا في الحقول فسادا حتى أصبحت جدباء، وامتد لهيب الثورة إلى قبرص حتى أن مواطنيها أصدروا فيما بعد قرارا يحرم على اليهود أن تطأ أقدامهم أرض الجزيرة، وتنتهي بوقوف الإمبراطور هدريان في صف اليهود بعد ثورتهم الأخيرة وقضائه بمعاقبة زعماء الإغريق.
وكانت ثورة المكابيين على صنيع أنطيوخوس تعني:
- عدم إحلال الوثنية محل الدين اليهودي وإقامتها مكانه في معبد أورشليم، هذه الوثنية أراد أنطيوخوس من تطبيقها إخضاع الشرق له سياسيًّا ودينيًّا، ووصف اليهود صنيعه هذا "بالرجس المخرب"١.
- عدم سيطرة الهلينية من حيث اللغة والثقافة على لغتهم وثقافتهم.
- قيام حركة يهودية قوية تدعو إلى رعاية تقاليدهم العبرية واستعمال لغتهم ضد سيطرة الهلينية وثقافتها.
- تضمين دعوتهم أنهم خير الأجناس وعليهم الانفصال عن "الشعوب" غير اليهودية وما فيها وحولها من تطرف.
_________________
(١) ١ سفر أعمال الرسل.
[ ١٨٣ ]
- لازم قيام هذا التطرف: قيام حركة اليهود الربَّانيين، ويبدو أنها كانت ذات قدرة؛ لأنها تحملت من جانبها عبء دعوة تطبيق الشريعة اليهودية على جاليات اليهود في أي مكان، من مراعاة جميع الطقوس وسائر السنن الشرعية إلى الختان، وفرضًا لازمًا.
ثم أصدرت عدة فتاوى تتسم بالجرأة وتخدم الروحين الوطنية والدينية معًا منها:
- تحريم قراءة الأسفار المقدسة في البيعة اليونانية.
- تحريم قيام أي صلات ودية مع الوثنيين أو غيرهم من المختونين.
أصبحت الشريعة الموسوية أكثر صرامة، وازدهارًا بفضل شروح الربانيين.
وبهذه الروح القومية الدينية استطاعت اليهودية أن تعمل -وهي في شتاتها مبعثرة- على إحياء دينها، ولغتها، وثقافتها، وترابط جنسها، وهذا من الأمثلة النادرة في التاريخ الإنساني.
وبلغ من موقفهم أن الأسفار التي أثر فيها الفكر اليوناني تعتبر لدى اليهود محذوفة؛ لأنها في نظرهم تحمل طابعا رواقيًّا١.
ثم أخيرًا كانت الأسفار التي تنسب إليهم وهي -أي: أسفارهم التي تنسب إليهم- أربعة:
الأول: وهو أهمها من الناحية التاريخية: يروي الأحداث التي جرت في إقليم يهوذا judee منذ حكم أنطيوخوس الرابع حتى موت سيمون "١٧٥ إلى ١٣٥ ق. م".
الثاني: يتناول قسمًا من الحقبة عينها بصورة موجزة.
الثالث: يروي أحداثًا عجيبة خاصة بالملك بطليموس الرابع فيلوباتر، ويعني خصوصا ببيان كيف أن العناية قد أنقذت يهود الإسكندرية من بين أيدي ذلك الحاكم.
_________________
(١) ١ نلاحظ عندما نقرأ ما كتبه الشهرساني عن اليهودية أو فرقها: عدم وجود مسحة من التراث الفلسفي اليوناني على اليهودية، وينسب الشهرستاني تحيرهم وتفرقهم إلى دعوة موسى عليهم، كذلك لا نجد من قريب ولا من بعيد قضية من قضايا الفلسفة، إنما الذي لاحظناه أن الاختلاف يدور حول الأخذ بالنص أو التأويل، ووراء ذلك كله حبهم لعزلتهم القومية.
[ ١٨٤ ]
الرابع: هو بحث فلسفي ينسب إلى المؤرخ يوسفوس وفيه يجري الحديث عن الشهداء الشباب الذي يطلق عليهم خطأ اسم المكابيين السبعة الذي حكم أنطيوخوس إبيفانوس بإعدامهم لأنهم رفضوا الأكل من لحوم ذبحت للأصنام١.
وهذه الحركة الإصلاحية التي قامت ضد الهلينية ووثنيتها، كان من ىثارها عند اليهود: أن خلقت لديهم ميلا طبعيا إلى العزلة القومية منعت بها السيطرة القومية اليونانية، ومما لا يمكن إنكاره: أن سياسة العزلة المصطنعة قوت الإخلاص الديني وأوجدت سموا خلقيا يناقض الانحلال السائد في العادات الإغريقية الرومانية، والإغريقية الشرقية، وكلها أبعدت الأمم عن أي نصيب من الميراث الروحي، هذا من جانب، ومن جانب آخر: أن سياسية العزلة جعلتهم يرون:
أن الالتزام بتبشير الأميين بعقيدة موسى لا يعتبر مبدأ من مبادئ ناموسهم كما أنهم لم يميلوا إلى فرضه على أنفسهم باعتباره واجبًا يتطوعون لأدائه.
واليهودية بعزوفها عن التبشير؛ لتتفق تمامًا مع تعاليمها التي تقضي بأنها دين للعبرانيين فقطن غير أنها: راحت تبشر بنوع غريب كالسحر، وعلم التنجيم، كان لديهم كتبهم الخاصة في السحر، وتعاويذه ورقاه٢.
هذا الموقف الصارم، أو التطرف اليهودي أفسح مكانًا لوجهة نظر نقدية عامة معاصرة، تصف الدعوة بالتطرف حين قيامها فتقول٣: إن الثقافة اليهودية لا تعدو أن تكون منقولة عن الغير، وإنهم لا يشاطرون مَن حولهم أي شعور بالأُخُوَّة البشرية، بل ينطوون على أنفسهم، وإنهم في الحقيقة ملحدون؟؛ لأنهم يقولون بأن لا وجود في الحقيقة لأي إله إلا "يهوه"، وهي تهمة كانوا هم أنفسهم السبب في إثارتها، بإصرارهم على أن ما تعبده الشعوب الأخرى هو الصورة والتمثال الفعلى، وليس -كما هو الواقع- الله الذي لم يكن التمثال إلا رمزًا له٤.
_________________
(١) ١ الشرق والتراث اليوناني هامش ص٣٢ ترجمة د. عبد الرحمن بدوي. ٢ يراجع علوم اليونان ص٥٨. ٣ الحضارة الهلينية ص٢٤٨. ٤ كانت العقيدة اليهودية في القرن الأول ذات وضع عجيب: فهي من ناحية نظام يرفض تقبل الأفكار الإغريقية، في حين أنه يفتح الباب على مصراعيه لتقبل مؤثرات الشرق -كعلم التنجيم، وعلم مس الشياطين، والسحر- ذلك أنها كانت تأمل أن تحصل بفضل هذه الأمور على خدام يخدمون روحها. الحضارة الهلينية ص٢٤٩.
[ ١٨٥ ]
على أية حال كافحت اليهودية كثيرا ضد وجهة نظر "أنطيوخوس" غير أنها وقعت -وهي إذ تحاول الاحتفاظ بمفهوم "المقدس الحقيقي" تحت تأثيرات تصوراتها الذاتية عن سمو جنسها: فضيقت معناه تضييقا جنسيًّا.
[ ١٨٦ ]
عوامل هجرة اليهود إلى الجزيرة العربية:
إن اليهود يرغبون عن الدعوة إلى دينهم على أساس: أن اليهودية للعبرانيين أولاد يهوذا بن يعقوب جنسا، وأتباع موسى دينا، وليست دينا لغيرهم من الأجناس، وأن إلههم وهو: "يهوه"، هو الإله الحقيقي، وغيرهم من الآلهة إنما هو مثل له، وأن كل نداءات التوراة خاصة "بيهود" فهي ليست دينا تبشيريا، لذلك لم يقم الأحبار بالدعوة إليها، وجانب آخر: هو أن عدم استقرارهم السياسي ساعدهم على عدم التبشير، زادهم تمسكا بدينهم.
من هنا تعلم أن الديانة اليهودية، التي دخلت في بلاد العرب لم تكن للتبشير، وإنما كانت لمجرد الهجرة عندما انتقلت جماعات اليهود الذين فروا من اضطهاد الرومان في القرن الأول الميلادي "ولا شك أنه كانت هناك أسباب دعت اليهود إلى ترك أوطانهم والنزوح منها إلى البلاد العربية وأهم هذه الأسباب:
١- زيادة عدد اليهود في فلسطين زيادة مطردة، فقد قيل: إنهم بلغوا أربعة ملايين١.
٢- اضطهاد الرومان لليهود في القرن الأول قبل الميلاد، ولجوءهم إلى أرض الجزيرة العربية، التي كانت أحب إليهم من غيرها؛ لأنظمتها البدوية الحرة؛ لوجودهم في أقاليم رملية بعيدة، تعوق سير القوات الرومانية المنظمة وتمنع توغلها٢.
٣- بعد حرب اليهود والرومان سنة ٧٠م التي انتهت بخراب بلاد فلسطين ودمار هيكل بيت المقدس وتشتت اليهود في أصقاع العالم قصدت جموع كثيرة أخرى من اليهود بلاد العرب٣.
_________________
(١) ١ تاريخ الإسلام العام ص١٦٣ دكتور علي إبراهيم حسن. ٢ "١: ٢٤". ٣ تاريخ الإسلام العام.
[ ١٨٦ ]
فاليهودية وجدت في بلادت العرب نتيجة اضطهاد اليهود، وترتب على ذلك أن العرب المجاورين لهؤلاء الأقوام تهودوا دينا أو ثقافة؛ تبعا لمجاورتهم تلك الجموع اليهودية، وكان أصل اليهود باليمن -كما يذهب كُتَّاب السيرة- يرجع إلى الحبرين الذين رافقا تُبَّعًا في رحلته إلى اليمن وهدما البيت المسمى برئام. ومعنى هذا الرأي: أنه يذهب إلى أن اليهودية دخلت وفق دعوة تبشيرية. ولا مانع لدينا أن تكون اليهودية في عصرها الأول كان لها دعوة تبشيرية أو أنها أرادت أن ترد على الاضطهاد الوثني لها، فبشرت؛ لتهدم البيت الوثني المسمى "رئام" وهذا كله إن صحت الرواية.
يقول السهيلي صاحب الروض الأنف: غير أنه وجد في الأوس والخزرج من قد تهود، وكان من نسائهم من تنذر إذا ولدت أو عاش ولدها أن تهوِّده؛ لأن اليهود عندهم كانوا أهل علم وكتاب.
ورأي يرى أن يهودية اليمن ترجع إلى أجدادهم الذين ظعنوا إلى ذلك القطر منذ عهد سليمان.
ومع ذلك لم تستطع اليهودية أن تتغلب على الوثنية في بلاد العرب؛ لأن كثيرا من أحكامها مبني على المشقة فضلا عن الرفض اليهودي للاندماج بالأمم، ثم أخيرا انصراف العرب عن تحصيل مواردهم الثقافية وعدم ميلهم إلى مثل هذا التغيير.
[ ١٨٧ ]
٢- اليهودية في جزيرة العرب:
وردت لفظة "يهود" معرفة في القرآن الكريم "اليهود".
وردت في مواضع من سورة البقرة آية ١٣٤، ١٤٠، في سورة المائدة آية ١٨، ٥١، ٦٤، ٨٢، في سورة التوبة آية ٣٠.
وكلها سور مدنية، ولم ترد في سورة من السور المكية، كما وردت لفظة "يهوديًّا" في سورة آل عمران، في شرح ديانة إبراهيم. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ إلخ، وهي من السور المدنية كذلك.
وعبر القرآن عن: "اليهود" وعن مقتضى "اليهودية" بـ ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾، ﴿مَنْ كَانَ هُودًا﴾، ﴿كُونُوا هُودًا﴾، ﴿كَانُوا هُودًا﴾، وسورتا: الأنعام، والنحل من السور
[ ١٨٧ ]
المكية، وبناء على ذلك تكون جملة ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ قد نزلت قبل نزول لفظة "اليهود" في القرآن الكريم.
ومن صور المنهج الرفيع في القرآن الكريم: استعمال اسمين عند التحدث عن العبرانيين، فهم تارة: "اليهود"، وتارة أخرى "بنو إسرائيل"، وتقوم عبارة: ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ في بعض المواضع مقام لفظ "اليهود"، والقرآن الكريم حينما يستعمل الاسمين لا يفعل؛ لأنهما مترادفان، كما يقول مثلا: "المسيح"، و"عيسى بن مريم" بل يطلق عليهم "اليهود"، ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ في مواضع السخط أو التنديدي بسيئ أعمالهم، أو عند حكاية ما أصابهم من الذلة والعبودية؛ لفساد طويتهم، وسوء نيتهم.
أما إذا جاءت في مواضع من القرآن الكريم: تذكر بفضل الله تعالى على هؤلاء القوم ذواتهم، أو اصطفاء الله تعالى لهم، وإسناد الرسالة إلى رجال منهم، وإسباغ الحكمة والنبوءة عليهم إلخ فإنه يطلق عليهم عبارة: "بني إسرائيل"، واستعمال هذين الاسمين: مقصود، ولم يأتِ عفوًا، فإسرائيل هو: "يعقوب"، و"يعقوب" نبي من أنباء الله تعالى، ورث عن أبيه "إسحاق" وعن جده "إبراهيم" رسالة الدين الحنيف.
ومن هنا لا يتحدث القرآن عن أولاد "يعقوب" -أي بني إسرائيل- إلا بالخير والرضا، فإذا صدر منهم ما يغضب فالقرآن يسميهم اليهود.
أما الشيء الذي لم يرد في القرآن: فهو مصطلح "عبري وعبراني" فإنه لم يرد في القرآن مطلقا، وهذا يدل في نظرنا على أن "العبري أو العبراني" ليس خاصا "باليهود" من حيث هم جنس.
ولما كانت فلسطين امتدادا طبيعيا للحجاز، كان من الطبيعي اتصال سكانها بالحجاز، واتصال سكان الحجاز بفلسطين، وذهاب جاليات "يهودية" إلى العربية الغربية؛ للاتجار وللإقامة هناك، خاصة بعد فتوح الدول الكبرى لفلسطين، واستيلائها عليها، وهجرة اليهود إلى الخارج فكانت العربية الغربية؛ لاتصالها بفلسطين من الأماكن الملائمة المناسبة لهجرة اليهود إليها وإقامتهم فيها، ولا سيما عند مواضع
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥١٢، ٥١٣.
[ ١٨٨ ]
المياه، وفي الأرضين الخصبة الغامرة، غير أننا لا نستطيع التحدث عن هجرة اليهود هذه إلى هذه الأنحاء حديثا علميا معززا بالكتابات والتواريخ، ولم يترك يهود جزيرة العرب لهم أثرا مكتوبا يتحدث عن ماضيهم فيها، وكل ما عثر عليه منهم نصوص معدودة وجدت في اليمن لا تفصح بشيء ذي بال عن "اليهود"، و"اليهودية"، كذلك لم يصل إلينا أن أحدا من المؤلفين والكتبة العبرانيين ذكر شيئا عن يهود الجاهلية، وليس لنا من تأريخ اليهود في جزيرة العرب إلا ما جاء في القرآن الكريم، وفي الحديث وكتب التفسير والأخبار والسير فمادتنا عن تأريخ "اليهودية" في العربية لا ترتقي إلى عهد بعيد عن الإسلام. ويتبين من روايات المؤرخ اليهودي "يوسفوس فلافيوس" أن: "اليهودية" كانت قد وجدت لها سبيلا بين العرب، وأن بعض ملوك مملكة "حدياب" كانوا قد دخلوا فيها، ويذكر المؤرخ "سوزومين" أن اليهود كانوا ينظرون إلى العرب الساكنين شرق الحد العربي على أنهم: من نسل "إسماعيل" وأنهم كانوا يرون أنهم من نسل "إسماعيل" و"إبراهيم".
فهم من ذوي رحمهم، ولهم بهم صلة قربى؛ وكانوا يرجون لذلك دخولهم في دينهم، واعتقادهم دين "إبراهيم" جد "اليهود" و"العرب"، وقد عملوا على تهويد أولئك العرب.
ويظهر من مواضع من التلمود أن نفرا من العرب دخلوا في اليهودية، وأنهم جاءوا إلى "الأحبار" فتهودوا أمامهم، وفي هذه المرويات التلمودية تأييد أهل الأخبار التي تذكر أن "اليهودية" كانت في حمير وبني كنانة وبني الحارث بن كعب وكندة وغسان.
وذكر اليعقوبي: أن ممن تهوَّد من العرب: اليمن بأسرها، وكان تُبَّع حمل حبرين من أحبار يهود إلى اليمن، وأبطل الأوثان وتهود من باليمن وتهود قوم من الأوس والخزرج بعد خروجهم من اليمن؛ لمجاورتهم يهود خيبر وقريظة والنضير، وتهود قوم من بني الحارث بن كعب وقوم من غسان وقوم من جذام١.
وقد ذكر علماء التفسير في تفسيرهم الآية: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ أنها نزلت
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥١٤.
[ ١٨٩ ]
في الأنصار، وكانت المرأة في الجاهلية تنذر إن عاش لها ولد أن "تهوده" فتهود قوم منهم؛ فلما جاء الإسلام أرادوا إكراهم عليه فنهاهم الله عن ذلك حتى يكونوا هم يختارون الدخول في الإسلام، أو أنهم لما بقوا على يهوديتهم، وأمر اليهود بالجلاء وفيهم من شق على آبائهم نزول أبنائهم يذهبون مع اليهود، فقالوا: يا رسول الله أبناؤنا وأخواتنا فيهم، فسكت عنهم رسول الله ﷺ- فأنزل الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾، فقال رسول الله: "قد خير أصحابكم، فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم".
وذكر العلماء أيضا: أن ناسا من الأنصار كانوا مسترضعين في بني قريظة وغيرهم من "يهود فتهودوا"، وأن من الأنصار من رأى في الجاهلية أن "اليهودية" أفضل الأديان فهودوا أولادهم. فلما جاء الإسلام، ودخلوا فيه أرادوا إكراهم أبنائهم الذين تهودوا على الدخول فيه فنزل الوحي بالآية المذكورة.
ويرى بعض المؤرخين اليهود: أن يهود جزيرة العرب كانوا في معزل وانفصال عن بقية أبناء دينهم؛ وأن اليهود الآخرين لم يكونوا يرون أن "يهود العربية" مثلهم في العقيدة، بل رأوا أنهم لم يكونوا "يهودا"؛ لأنهم: لم يحافظوا على الشرائع "الموسوية"، ولم يخضعوا لأحكام التلمود، ولهذا لم يرد عن "يهود" جزيرة العرب شيء في أخبار المؤلفين العبرانيين١.
يقول جواد علي: إن عدم ورود شيء عن "يهود الحجاز" في أخبار المؤلفين العبرانيين لا يمكن أن يكون دليلا على عزلة يهود الحجاز عن بقية اليهود فقد أهمل غيرهم أيضا، ولم يشر إليهم؛ لأن التأليف والنشاط الفكري عند العبرانيين كانا قد تركزا في هذه العهود على المستوطنات "اليهودية" في "العراق" وعلى فلسطين وعلى "طبريا" بصورة خاصة، ولم تشتهر الجاليات "اليهودية" التي انتشرت في مواضع أخرى بالتأليف؛ فكان من الطبيعي أن تنحصر أخبار "اليهود" في هذا العهد في هذين القطرين، ولهذا لم يشر إلى يهود الحجاز وإلى يهود بقية جزيرة العرب٢.
يقول إسرائيل ولفنسون في بيان سبب إغفال ذكر "يهود العرب" في مؤلفات اليهود: "وهناك شهادات من يهود مدينة دمشق وحلب في القرن الثالث ق. م. أنهم كانوا يستنكرون وجود يهود في الجزيرة العربية؛ ويقولون: إن اليهود في جهات
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥١٤، ٥١٥، الطبري جـ٣ ص١٠ وما بعدها. ٢ المفصل جـ٦ ص٥١٥، ص٥١٦.
[ ١٩٠ ]
خيبر ليسوا يهودا حقًّا؛ إذ لم يحافظوا على الديانة الإلهية التوحيدية، ولم يخضعوا لقوانين التلمود خضوعا تاما" ويقول:
"كان العالم "شير" يعتقد أن اليهود في بلاد العرب كانت لهم صبغة خاصة وكانت يهودية في أساسها، ولكنها غير خاضعة لكل ما يعرف بالقانون التلمودي؛ يقول معلقا: وبقيت هذه البطون العربية على أديان آبائها القديمة ولم تعتنق اليهودية، فعدَّت من موالي اليهود.
وإذا وفقنا إلى أن نميز بين يهود الحجاز والعرب من وجهة الدين والعقلية، فإن من المتعذر أن نوفق إلى التمييز بين العنصرين من وجهة الأخلاق والعادات والنظم والتقاليد الاجتماعية حتى أصبحوا كأن يكونوا من جنس آخر ير الجنس العربي".
ويقول: ولا أعلم في تاريخ اليهود القديم إقليما تأثر فيه اليهود بأخلاق وعادات وتقاليد أبنائه إلى هذا الحدث سوى إقليم الجزيرة العربية١.
ويرى بعض الإخباريين: أن ابتداء أمر اليهود في الحجاز، ونزولهم وادي القرى، وخيبر وتيماء، ويثرب؛ إنما كان في أيام "بختنصر" فلما جاء "بختنصر" إلى فلسطين هرب قسم منهم إلى هذه المواضع، واستقروا بها إلى مجيء الإسلام، وليس في الخبر ما يحملنا على استبعاده، فهروب اليهود إلى أعالي الحجاز ودخولهم الحجاز أمر سهل يسير؛ فالأرض واحدة وهي متصلة، والطرق مفتوحة مطروقة، ولا يوجد أي مانع يمنع اليهود أو غير اليهود من دخول الحجاز؛ ولا سيما أن اليهود كانوا خائفين فارِّين بأنفسهم من الرعب؛ فهم يبحثون عن أقرب ملجأ إليهم يحميهم من فتك بابل بهم، وأقرب مكان مأمون إليهم هو الحجاز.
وفي رأي البلاذري: أن اليهود نزلوا يثرب قبل الأوس والخزرج فيقول: رواية عن العباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن جده محمد بن السائب قال: لما هدم "بختنصر" بيت المقدس، وأجلى من أجلى وسبى من سبى من بين إسرائيل لحق قوم منهم بناحية الحجاز، فنزلوا وادي القرى ويثرب، وكان بيثرب قوم من جرهم،
_________________
(١) ١ تاريخ اليهودية في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام ص١٣ لجنة التأليف والترجمة.
[ ١٩١ ]
وبقية من العماليق قد اتخذوا النخل والزرع، فأقاموا معهم وخالطوهم فلم يزالوا يكثرون، وتقل جرهم، والعماليق، حتى نفوهم عن يثرب واستولوا عليها وصارت عمارتها ومراعيها لهم، وبقى اليهود خارجها إلى أن هاجر إليها الأوس والخزرج١.
وعن الطائف يقول: كان بمخلاف الطائف قوم من اليهود طردوا من اليمن ويثرب، فأقاموا بها للتجارة فوضعت عليهم الجزية.
ونقل البلاذري أن أهل "مقنا" كانا يهودا صالحهم الرسول ﷺ على ربع عروضهم خشب يصطاد عليه -وربع ثمارهم، وقال: وأخبرني بعض أهل مصر أنه رأى.
أما ما ورد في روايات أهل الأخبار عن هجرة بعض اليهود إلى أطراف يثرب، وأعالي الحجاز على أثر ظهور "الروم" على بلاد الشام، وفتكهم بالعبرانيين، وتنكيلهم بهم مما اضطر ذلك بعضهم إلى الفرار إلى تلك الأنحاء الآمنة البعيدة عن مجالات الروم، فإنه يستند إلى أساس تاريخي، فالذي نعرفه أن فتح الرومان لفلسطين أدى إلى هجرة عدد كبير من اليهود إلى الخارج فلا يستبعد أن يكون أجداد يهود الحجاز من نسل أولئك المهاجرين، ومن هؤلاء المهاجرين على رأي الإخباريين بنو قريظة وبنو النضير؛ ساروا إلى الجنوب في اتاه يثرب، فلما بلغوا موضع الغابة وجدوه وبيا فكرهوا الإقامة فيه، وبعثوا رائدًا أمروه أن يلتمس لهم منزلا طيبًا وأرضا عذبة إذا بلغ العالية وهي: بطحان، ومهزور؛ واديان من حرة على تلاع أرض عذبة بها مياه وعيون غزيرة، رجع إليهم بأمرها وأخبرهم بما رآه فقرَّ رأيهم على الإقامة فيها، فنزل بنو النضير ومن معهم على بطحان، ونزلت قريظة ومن معها على مهزور، فكانت لهم تلاعه، وما سقي من بعاث وسمورات٢.
وقد عرف بنو قريظة، وبنو النضير من بين اليهود، بـ"الكاهنين" نسبوا ذلك إلى جدهم، الذي يقول له "الكاهن"؛ وهو الكاهن بن هارون بن عمران على زعم أهل الأخبار، فهم على هذه النسبة من أصل رفيع، ومن نسب حسيب يميزهم عن بقية طوائف يهود، ولهذا كانوا يفتخرون بنسبهم هذا، ويرون لهم السيادة والشرف على من سواهم من إخوانهم في الدين.
ويرى نولدكه: احتمال كون بني النضير وبني قريظة من طبقة الكهان في الأصل، هاجروا من فلسطين على أثر الحوادث التي وقعت فيها فسكنوا في هذه
_________________
(١) ١ فتوح البلدان ص٢٩ للبلاذري -مراجعة: رضوان محمد رضوان. ٢ المفصل جـ٦ ص٥١٧، ص٥١٨ الأغاني جـ١٩ ص٩٤.
[ ١٩٢ ]
الديار، وهناك عشائر وأسر يهودية تفتخر بإلحاق نسبها بالكاهن "هارون" شقيق "موسى" النبي.
كذلك يرجع أوليرى كأمثاله من المستشرقين أصل بني قريظة وبني النضير إلى اليهود؛ ويرى أنهم غادروا ديارهم وجاءوا إلى هذه المنطقة في الفترة الواقعة ما بين خراب الهيكل في عام ٧٠ للميلاد، وتنكيل "هدريان" باليهود في عام ١٣٢ للميلاد؛ يرجع بعض بقية يهود جزيرة العرب نسبهم إلى الكاهنين وإلى الأسباط العشرة١.
ويرى المقدسي أن سبب لجوء اليهود إلى المدينة هو الهروب من الاضطهاد الروماني فيقول:
جاءني في الخبر أن طسطوس بن استينانوس الرومي الكافر لما خرب بيت المقدس إحدى المرتين، وتفرقت بنو إسرائيل جاءت قريظة والنضير وهما من صريح ولد "هارون بن عمران أخي موسى بن عمران" حتى نزلوا يثرب وذلك في الفترة؛ وكان نزول الأوس والخزرج إياها زمن سيل العرم لا شك؛ ويقال: إن مسقط يهود إليها من عهد "موسى بن عمران"؛ وذلك: أنه بعث جيشا إلى يثرب وأمرهم أن يقتلوا كل من وجدوا على قامة السوط. قال: فقتلوا إلا غلامًا لم يروا أحسن منه؛ فإنهم استبقوه وانصرفوا إلى الشام. وإذا "موسا" قد ملك، وتبرأت بنو إسرائيل من هذه الطبقة؛ لمخالفة أمر "موسى" واستحيائهم من هذا الغلام، فأقبلوا راجعين إليها واستوطنوا بها فإن كان هذا حقا فقد سبقوا الأوس والخزرج إلى يثرب٢.
وكان بنو "قينقاع" أول اليهود الذين ناصبوا الرسول العداء، وكانوا يسكنون في أحياء يثرب، وكانوا أغنياء على غير وفاق ووئام مع بقية أبناء قومهم بني قريظة وبني النضير، وقد اشتركوا في يوم "بعاث".
ويرى أوليرى احتمال كون بني قينقاع من أصل عربي متهود أو من بني "أدوم"، وقد تكون بعض القبائل اليهودية التي ذكر أسماءها الإخباريون قبائل يهودية حقا أي من الجماعات اليهودية التي هاجرت من فلسطين في أيام القيصر "طيطوس" أو "هدريان" أو قبل أيامها أو بعدها؛ ولكن بعضا آخر منها لم يكن من أصل يهودي؛ إنما كانت قبائل عربية دخلت في دين يهود؛ ولا سيما القبائل المسماة
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٢٤. ٢ البدء والتاريخ: البلخي المقدسي مجلد ٢ ص١٣٠.
[ ١٩٣ ]
بأسماء عربية أصيلة، ولبعض هذه الأسماء صلة بالوثنية تشعر أنها كانت على الوثنية قبل دخولها في دين يهود.
والظاهر أنها تهودت إما بتأثير التبشير، وإما باختلاطها ودخولها في عشائر يهودية جاورتها فتأثرت بديانتها.
وقد ذكر البكري أن بني حشنة بن عكارمة وهم من بلى قتلوا نفرا من بني الربعة ثم لحقوا بتيماء، فأبت يهود أن يدخلوهم حصنهم وهم على غير دينهم فتهودوا، فأدخلوهم المدينة فكانوا معهم زمانًا، ثم خرج نفر إلى المدينة فأظهر الله الإسلام، وبقية من أولادهم بها وهنالك بطون أخرى عربية الأصل كانت على دين يهود.
وقد اشتهر يهود خيبر من بين سائر يهود الحجاز بشجاعتهم، وخيبر موضع غزير المياه كثيره، وقد عرف واشتهر بزراعته ويكثرة ما به من نخيل، وزعم أن يهود خيبر هم من نسل -ركاب- المذكورة في التوراة وأن -يونادب- Jamadeb جندب ابنه تبدى مع أبنائه ومن أتباعه، وعاش١ عيشة تقشف وزهد وخشونة، وأن نسلهم هاجر بعد خراب الهيكل الأول إلى الحجاز حتى بلغوا خيبر فاستقروا بها، واشتغلوا بزراعة النخيل والحبوب، وأنهم أقاموا فيها قلاعا وحصونًا تحميهم من غارات الأعراب عليهم٢، وذهب المستشرق أن كلمة خيبر كلمة عبرانية الأصل Kheber ومعناها الطائفة والجماعة، وذهب بعضهم أن معناها الحصن والمعسكر٣ وقد ذهب بعض المستشرقين استنادا إلى دراسة أسماء يهود الحجاز عند ظهور الإسلام إلى أن أولئك اليهود لم يكونوا يهودًا حقًّا بل كانوا عربًا متهودين تهودوا بتأثير الدعاة اليهود، ولكن الاستدلال من دراسة الأسماء على أصول الناس لا يمكن أن يكون حجة للحكم على أصولهم وأجناسهم؛ فالفرس والروم والهنود وغيرهم ممن دخل في الإسلام تسموا بأسماء عربية، وبعضها أسماء عربية خالصة٤.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٢٤، ص٥٢٥، الملوك الثاني الإصحاح العاشر الآية ١٥-١٨. ٢ المفصل جـ٦ ص٥٢٦. ٣ المفصل جـ٦ ص٥٢٦، ص٥٢٧. ٤ المفصل جـ٦ ص٥٣٠.
[ ١٩٤ ]
وتسمياتهم هذه لا تعني أن من تسمى بها كان عربي الأصل، ثم إن كثيرًا من اليهود في الغرب وفي أمريكا وفي البلاد العربية والإسلامية سموا أنفسهم بأسماء غير عبرانية، ولكنهم كانوا وما زالوا على دين يهود؛ والأسماء وحدها لا تكفي في إعطاء رأي علمي في تعيين الأصول والأجناس، ولا سيما في المواضع الكائنة على طرق التجارة والمواصلات وفي الأماكن التي يكثر فيها الاختلاط.
وللمستشرق "ونلكر" رأي في هذا الموضوع، خلاصته:
أن أولئك لو كانوا يهودا حقا هاجروا من فلسطين إلى هذه المواضع لكانت حالتهم وأوضاعهم ومستواهم الاجتماعي على خلاف ما كان عليه هؤلاء اليهود١.
ولكن اليهود مع ما كان لهم من قلاع وآطام وقرى عاشوا فيها متكتلين مستقلين لم يتمكنوا من بسط نفوذهم وسلطانهم على الأراضي التي أنشأوا مستوطناتهم فيها، ولم يتمكنوا من إنشاء ممالك وحكومات يحكمها حكام اليهود، بل كانوا مستقلين في حماية سادات القبائل يؤدون لهم إتاوة في كل عام مقابل حمايتهم لهم ودفاعهم ومنع الأعراب من التعدي عليهم، وقد لجأوا إلى عقد المحالفات معهم فكان لكل زعيم يهودي حليف من الأعراب ومن رؤساء العرب المتحضرين٢، وكان جل اعتماد اليهود في هذه المنطقة عند ظهور الإسلام على التجارة ومعاطاة الربا والزرع، وبعض أنواع الصناعة كالصياغة، وتربية الماشية والدجاج، وصيد الأسماك في أعالي الحجاز على ساحل البحر الأحمر، واشتهروا بالاتجار بالبلح والبر والشعير والخمر، وكانوا يجلبون الخمر من بلاد الشام، وكانوا يبيعون بالرهن، يرهن المشترون بعض أمتعتهم عندهم؛ ليستدينوا منهم ما يحتاجون إليه، وقد ورد أن الرسول رهن درعا له عند يهودي من أهل يثرب في مقابل شعير كان به حاجة شديدة إليه
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٣٠، ص٥٣١. ٢ المفصل جـ٦ ص٥٣٢، ص٥٣٣.
[ ١٩٥ ]
ومن الصناعات التي اشتغل بها اليهود -النسيج وهو من اختصاص نسائهم على الأكثر، والصياغة وقد اختص بها بنو قينقاع، والحدادة وهي صناعة يأنف منها العرب ويزدرونها ويرونها من الحرف الممقوتة الحقيرة١.
ويذكر أهل السير والأخبار:
أن يهود يثرب كانوا إذا تضايقوا من الأوس والخزرج هددوهم بقرب ظهور نبي يستعلون به عليهم.
ففي رواية عن بعض الصحابة أنهم قالوا: كنا قد علوناهم في الجاهلية ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب، فكانوا يقولون لنا: إن نبيا يبعث الآن نتبعه، قد أطل زمانه نقتلكم معه قتل عاد وإرم، ولما ذكرهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور ونفر آخرون بدعواهم تلك، وبظهور النبي العربي بقولهم لهم: يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا؛ فقد كنتم تستفحون علينا بمحمد، ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث وتصفونه لنا بصفته.
فكان جواب يهود لهم ما جاء على لسان سلام بن مشكم أحد بني النضير:
ما جاءنا بشيء نعرفه وما هو بالذي كنا نذكره لكم، وقد أشير إلى ذلك في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٢ [البقرة: ٨٩] .
قد ذكر المؤرخ النصراني فيلوستورجيوس Philostorgius في حوالي سنة ٤٢٥م أن أهل سبأ كانوا يتبعون في السبت سنة إبراهيم، ولكنه ذكر أيضا أنهم كانوا يعبدون الشمس والقمر ومعبودات أخرى، وأن بعضا منهم كان على دين يهود، وأنه
_________________
(١) ١ أيضا المفصل جـ٦ ص٥٣٥، ص٥٣٦ وأيضا صحيح البخاري جـ٢ ص١٦، ص٤٥. ٢ المفصل جـ٦ ص٥٣٦، ص٥٣٧.
[ ١٩٦ ]
قاوم رسالة "ثيوفليس" الذي أرسله القيصر قسطنطين ٣٤٠-٣٦١م للتبشير بين الحميريين وذكر المؤرخ -ثيودوروس Theodoruslector وهو من رجال النصف الأول للقرن السادس للميلاد.
إن الحميريين كانوا في بادئ أمرهم على دين يهود، دخلوا فيه أيام ملكة سبأ المعروفة بقصتها مع سليمان، بدعوتها إياهم إلى هذا الدين، ولكنهم كما يقول هذا المؤرخ عادوا فارتدوا إلى الوثنية، ثم دخلوا بعدئذ في النصرانية في أيام القيصر أنسطاس Anastasius، ولم يشر هذا المؤرخ إلى وجود اليهودية بين الحميريين كما أنه لم يشر ولا المؤرخ الآخر إلى تهود أحد من ملوك حمير١، وورد في أخبار الشهداء الحمريين أن أحبارا من فلسطين من طبريا كانوا قد جاءوا إخوانهم في الدين يهود اليمن وسكنوا معهم، ومعنى هذا أن الصلات بين يهود اليمن ويهود فلسطين كانت موجودة، وأن يهود اليمن لم يكونوا بمعزل عن يهود فلسطينن، ويجب أن يقال مثل ذلك عن يهود الحجاز؛ إذ لا بد أن يكون ليهود الحجاز اتصال بيهود فلسطين وبيهود اليمن، وكيف لا يكون لهم اتصال بهم، وهم جيران فلسطين ولهم تجارات معهم، ثم إنهم على طريق اليمن وفلسطين، فإذا أراد يهود فلسطين الذهاب إلى اليمن أو يهود اليمن الذهاب إلى فلسطين فلا بد من المرور بأرض يهود الحجاز والنزول بهم، وقد كانت نجران من المستوطنات المهمة التي نزل بها اليهود في اليمن وهي مكان خصب، وقد عاش اليهود فيها مع غيرهم من العرب من نصارى وعبدة أصنام، ووجدوا اليهود في مواضع أخرى من جزيرة العرب، وكان بالبحرين قوم من اليهود صالحوا المسلمين مثل النصارى على دفع الجزية عن رؤوسهم٢.
بدأت خصومة اليهود للإسلام خصومة فكرية؛ هم يرفضون الاعتراف بنبوة الرسول ﷺ، وبأن دعوته موجهة إليهم، ويرفضون نبوة في غير بني إسرائيل، والرسول ﷺ يدعوهم إلى الإيمان بالله وإلى الدخول في دعوته المبنية على الإيمان
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٣٩، ص٥٤٠. ٢ المفصل جـ٦ ص٥٤٠، ص٥٤٢، وأيضا المعجم جـ١ ص٣٢٧
[ ١٩٧ ]
بالله رب العالمين، رب العرب وبني إسرائيل والعجم، وعلى الإيمان بنبوته وبنبوة الأنبياء السابقين، ثم تطورت هذه الخصومة إلى معارك وحروب، والحروب كما نعلم تبدأ نزاعا في الآراء والأفكار ثم تتحول إلى صراع ونزاع وقتال١، وعمد اليهود إلى استغلال الأحقاد والبغضاء الكمينة التي كانت كانة في نفوس أهل يثرب من الأوس والخزرج من أيام الجاهلية فأثاروها كما استفادوا مما كان بينهم وبين رجال من المسلمين من الحلف والجوار في الاهلية للاحتماء بهم وللاتِّقاء بهم مما قد يلحق بهم من أذى٢، وقد كانت لليهود مواضع يتدارس فيها رجال دينهم أحكام شريعتهم وأيامهم الماضية، وأخبار الرسل والأنبياء، وما جاء في التوارة والمشنا وغير ذلك عرفت بين الجاهليين بـ "المدارس، وبيت المدارس، المدارش" وأطلق الجاهليون على الموضع الذي يتعبد اليهود فيه "الكنيس"؛ كنيسة اليهود تمييزًا لهذه الكنيسة التي هي لفظة خاصة بموضع عبادة٣.
وقد أخذ الجاهليون مصطلح المدارس من العبرانيين من لفظة مدارش التي هي من أصل درش Dorash التي تقابل درس في العربية، وتؤدي هذه الكلمة المعنى المفهوم من لفظة درس العربية تمام الأداء، قال ابن عباس: دخل رسول الله بيت المدارس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: "على ملة إبراهيم ودينه"، فقال: فإن إبراهيم كان يهوديًّا؟ فقال لهما رسول الله ﷺ: "فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبوا عليه"، ويظهر أن هذا المدارس كان من بيوت مدارسهم بيثرب٤.
وعرفت مساجد اليهود أي المواضع التي كانوا يصلون بها بالمحاريب جمع محراب، وعرف علماء اليهود ورجال دينهم بـ "الأحبار" جمع "الحبر"، وبـ "الربانيين"، وقد وردت الكلمتان في القرآن الكريم؛ المائدة آية ٤٤، ٦٣، وللفظة حبر أهمية كبيرة تشير إلى العلم والمعرفة وإن كانت لا تصل إلى درجة رابي -ربي Rabbi
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٤٥. ٢ المفصل جـ٦ ص٥٤٨. ٣ المفصل جـ٦ ص٥٥٠. ٤ المفصل جـ٦ ص٥٥٠، ص٥٥١ وأيضا الطبري جـ٧ ص١٤٥.
[ ١٩٨ ]
أما الربانيون فهم العلماء بالحلال والحرام والأمر والنهي على رأي بعض العلماء الإسلاميين: وقال بعض آخر: الرباني العالم الراسخ في العلم والدين، أو العالم العامل المعلم، أو العالي الدرجة في العلم، وفرق بعضهم بين الربانيين وبين الأحبار بأن جعل الأحبار أهل المعرفة بأنباء الأمم وبما كان ويكون، وذهبوا إلى أنهما من الألفاظ المعربة العبرانية أو السريانية، وهي من الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم في أثناء الكلام على علماء يهود١.
وذكر القلقشندي أن المشهور من ألقاب أرباب الوظائف عند اليهود ثلاثة ألقاب؛ الأول: الرئيس وهو القائم فيهم مقام البطرك في النصارى، والثاني: الحزان وهو فيهم بمثابة الخطيب يصعد على المنبر ويعظهم، والثالث: الشيلحصبور وهو الإمام الذي يصلي بهم.
وقد أطلق القرآن الكريم على أسفار اليهود أي كتبهم المقدسة "التوراة"، وعرفت بهذه التسمية في الحديث وفي كتب التفسير، وصارت علمًا لها في الإسلام، كذلك أطلقت هذه اللفظة على معابد اليهود، ولم يعرف ورودها في الشعر الجاهلي خلا بيت ينسب إلى شاعر جاهلي يهودي اسمه سماك.
ولعلماء اللغة الإسلاميين آراء في أصل كلمة التوراة حتى ذهب بعضهم إلى أنها عربية، ولكن أكثريتهم ترى أنها عبارنية؛ لأن لغة موسى كانت العبرانية، وبهذه اللغة نزلت التوراة، ثم هم يختلفون في تعيين حدود التوراة، فيرى بعضهم أنها خمسة أسفار ويرى بعض آخر أنها أكثر من ذلك وأنها تشمل الزبور ونبوة أشعيا وسائر النبوات لا يستثنى إلا الأناجيل٢.
والمراد من الكتاب الذي أنزل على موسى والمذكور في مواضع من القرآن الكريم التوراة؛ أي هذه الأسفار الخمسة التي نتحدث عنها، وهو تعبير قرآني لا نستطيع أن نقول: إنه كان من مصطلحات الجاهليين، كما أننا لا نستطيع نفي
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٥١ ص٥٥٢، وأيضا تاج العروس جـ١ ص٢٦٠. ٢ المفصل جـ٣ ص٥٥٣، وأيضا اللسان جـ٢ ص٢٦٥ وما بعدها، وأيضًا القراؤون والربانيون ١٧٩، المفردات الأصفهاني ص٧٤.
[ ١٩٩ ]
ذلك؛ إذ يجوز أن يكون الجاهليون قد أطلقوه على تلك الأسفار أو على العهد القديم كله بمعنى هذه الأسفار وبقية ما ورد فيها من أخبار الأيام والملوك والأنبياء، وقد ورد في الأخبار عن أبي هريرة أنه كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: "لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله".
أما الزبور والذبر فقد وردتا في القرآن الكريم ويراد بـ "الزبر" في بعض الآيات مثل: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ الكتب المنزلة، وقد وردت الكلمتان في بعض الشعر المنسوب إلى الجاهليين كامرئ القيس والمرقش الأكبر وأمية بن أبي الصلت، وذكر علماء اللغة أن معنى زبر كتب ونقش، ويرى بعض المستشرقين احتمال كونها من الكلمات العربية الجنوبية، ويرى بعض آخر أنها من أصل مزمور Mazmor العبراني، ومزمور في اللهجة السريانية، ومزمور في الحبشية، أخذت الكلمة وأجري عليها بعض التغيير حتى صارت على هذا الشكل١.
وقد قال أبو هريرة: الزبور ما أنزل على داود من بعد الذكر من بعد التوراة، وذكر بعض العلماء أن الزبور خص بالكتاب المنزل على داود.
وقد ذهب الشعبي إلى أن الزبور الكتاب المنزل على داود، أما الذكر فما نزل على موسى، وذهب آخرون مذاهب أخرى في تفسير المراد من الزبور ومن الذكر ولكن الرأي الغالب أن المراد من الزبور مزامير داود؛ وذلك لنص القرآن على ذلك.
وقد تعرض ابن خلدون لموضوع علم اليهود العرب وثقافتهم فقال:
إذا تشوقت العرب إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسالون عنه أهل الكتاب قبلهم وهم أهل التوراة من اليهود وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك٢.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٥٤، ص٥٥٥ صحيح البخاري كتاب التفسير جـ٣ ص١٩٨. ٢ المفصل جـ٦ ص٥٥٦، ص٥٥٧ واللسان جـ٤ ص٣١٥، والمقدمة جـ١ ص٤٣٩.
[ ٢٠٠ ]
ولما كانت اللغة العبرانية لغة الدين عند العبرانيين، وبها نزل الوحي على موسى فلا بد أن يكون لعلمائهم ورجال دينهم في جزيرة العرب علم بتلك اللغة وفقه بها، ولكن هذا لا يعني ضرورة كونهم كعلماء طبرية أو قيصرية في فلسطين أو بعض المواضع التي اشتهرت بعلمائها في التلمود بالعراق، ولست أستبعد أن يكون لهم علم بلغة بني إرم أيضا؛ لأن هذه اللغة كما نعلم كانت لغة العلم والثقافة قبل الميلاد وبعده، وبها كتبت كتب عدة من التلمودين، ثم إنها انتشرت بين سواد الناس حتى صارت لغة سواد يهود يتكلمون بها ولو برطانة وبلهجة خاصة هي اللهجة التي يمتاز بها سواد اليهود في كل قطر يعيشون فيه١.
ولم يظهر في يهود جزيرة العرب من حاز شهرة في العلم والفقه والتأليف والخطابة على نحو ما ظهر بين يهود العراق أو فلسطين أو مصر وإلا لاشتهر أمره وذاع خبر علماء يهود بابل وفلسطين ومصر، ولا يمكن أن تكون عزلتهم عن بقية يهود الأقطار المذكورة سببًا كافيًا في تعليل عدم شيوع اسم أحد من هؤلاء، إن قضية عزلتهم عن بقية إخوانهم في الدين هي نفسها تحتاج إلى سند يثبت وجود تلك العزلة، فمواضعهم في أعالي الحجاز على اتصال ببلاد الشام وهي لا تبعد كثيرًا عن مساكن إخوانهم في فلسطين، ثم إنهم كانوا على اتصال مستمر بهم بالتجارة، وقد كانوا يشترون حاصل بلاد الشام من خمور وحبوب وما شاكل ذلك، وينقلونه إلى يثرب، يذهبون إليها للتعامل والاتجار، فكيف يكون يهود جزيرة العرب في معزل عن غيرهم مع وجود الإسفار والتجارة، لا سيما أن أحبار طبرية كانوا يأتون إلى يهود اليمن؛ ليلقنوهم أمور الدين، ولا يستبعد أن يكون من بين أولئك الأحبار من ذهب إلى يهود يثرب أو خيبر أو تيماء. فالقضية -على ما يظهر- ليست قضية عزلة يهود جزيرة العرب عن بقية يهود وانفصالهم بذلك ثقافيًّا وعلميًّا عن بني دينهم انفصالا يؤثر في مستواهم الثقافي والعلمي فيجعلهم دون غيرهم من إخوانهم في العلم والثقافة؛ إنما يظهر هنالك جملة عوامل حالت دون نبوغ أحد فيهم، فيهود جزيرة العرب مهما قيل عنهم وعن رقيهم وارتفاع مستواهم عن مستوى من كان في جوارهم لم يكونوا في ثقافتهم وفي مستواهم الاجتماعي أرقى من الفلاحين وسكان القرى وما إليها في العراق أو فلسطين أو مصر، كما أن حالتهم المادية لم تكن على مستوى عالٍ
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٥٨.
[ ٢٠١ ]
بحيث يمكن أن تقاس بالحوال المادية التي كان عليها اليهود الآخرون في الأراضي المشار إليها أو أصحاب تلك الأراضي من غير يهود، ثم إن عددهم مهما قيل فيه لم يكن كبيرًا وقد رأينا أن رجالهم المحاربين لم يكونوا يتجاوزون كلهم في الحجاز كله بضعة آلاف، وفي مثل هذا العدد والظروف والأحوال لا يمكن بالطبع أن تتوافر الإمكانيات المساعدة على البحث والتتبع والتعمق في العلم١.
وقد عُرِفَ يهود يثرب بمعرفتهم السحر والاتقاء منه، وبعلمهم بالتعاويذ، فكان المشركون يلجئون إليهم إذا احتاجوا إلى السحر أو إذا اعترضتهم مشكلات يرون أنها لا حل إلا بقراءة التعاويذ عليها، وقد ذكر المفسرون أن اليهود عملوا السحر للنبي وعمله رجل اسمه لبيد بن الأعصم أو بناته من يهود يثرب، وقد أشير إلى سحر اليهود في الحديث٢.
وقد لجأ العرب إلى اليهود يأخذون منهم الرقى والتعاويذ؛ فقد ورد في الأخبار أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها، فقال أبوبكر ﵁: ارقيها بكتاب الله يعني بالتوراة والإنجيل، وقد حافظ يهود جزيرة العرب على حرمة السبت، ويوم السبت من الأيام المقدسة التي يجب مراعاة حرمتها، فلا يجوز ليهودي الاشتغال فيه والقيام ببعض الأعمال، ومن خالف حرمة هذا اليوم ودنسه بالاشتغال فيه يكون قد ارتكب جرما عظيما، وقد وردت إشارات إلى يوم السبت في القرآن في معرض الكلام على بني إسرائيل، وأشير في بعضها إلى أخذ موسى العهد منهم بوجوب مراعاة حرمة هذا اليوم، وإلى نقضهم له وعدم مراعاتهم جميعا لهذا العهد وإلى أنهم اعتدوا فيه٣.
وفي هذه الإشارات دلالة على أن من اليهود عامة من خالف حرمة هذا اليوم فلم ينفذ ما ورد في أحكام شريعه عنه..
ولكن هذا عام غير خاص بيهود العرب الجاهليين، وإنما يشير إلى خروج بعض بني إسرائيل على أحكام دينهم وعدم مراعاتهم لها، وهذا اليوم من أقدس
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٥٩. ٢ صحيح البخاري باب السحر، عمدة القارئ ٢١/ ٢٧٩ الحديث رقم ٧٧ وما بعده. ٣ الأعراف آية ١٦٢، النحل آية ١٢٤، البقرة آية ٦٥، النساء آية ٤٦ وأيضا التفاسير الآتية: روح المعاني ١/ ٢٥٦، الطبري ٩/ ٦٥، والكشاف ١/ ٢١٨.
[ ٢٠٢ ]
الأيام في نظرهم، وقد وقف العرب الذين كانوا على اتصال باليهود على بعض أحكام دينهم مثل الرجم بالنسبة للزنا، واعتزال النساء في المحيض، فذكر العلماء أن حكم الإسلام في الحيض اقتصاد بين إفراط اليهود الآخذين في ذلك إخراجهن من البيوت، وتفريط النصارى فإنهم كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، ومثل الدعاء إلى الصلاة عند اليهود بالنفخ في الشبور، ومثل صوم عاشوراء وأعيادهم.
وقد اختلف يهود جزيرة العرب عن الجاهليين في الأمور التي حرمتها شريعتهم عليهم في مثل المأكولات كما اختلفوا عنهم في عبادتهم وفي اعتقادهم بوجود إله واحد هو إله إسرائيل وفي أمور عقائدية أخرى واختلفوا عنهم في بعض العادات والمظاهر الخارجية فكان اليهود مثلا يسدلون شعورهم أما المشركون فكانوا يفرقون رءوسهم.
ورد عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رءوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رءوسهم، وكان النبي يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق النبي ﷺ رأسه.
لم يُسلِم من يهود في أيام الرسول غير عدد قليل من المتبينين منهم مثل عبد الله بن سلام، ولم يتعاون معه غير عدد قليل منهم مثل يامين بن عمير بن كعب النضري، ويامين الإسرائيلي، ومخيريق، وكان رجلًا غنيًّا صاحب نخيل، وهو أحد بني ثعلبة بن الفطيون حث قومه على مساعدة الرسول ﷺ ومعاونته في غزوة أحد١.
وكان فيمن أسلم من بني قريظة كعب بن سليم القرظي، وهو من سبيهم في الإسلام ويعدُّ في الصحابة، ولكن لا تعرف له رواية٢.
وفيمن أسلم من يهود بني قريظة رفاعة القرظي خال صفية زوج النبي ﷺ؛ لأن أمها برة بنت سموأل "سموال"، أما أبوها فهو حيي بن أخطب، ويعدّ زيد
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٦، ص٥٦١، ص٥٦٢. وأيضا -إرشاد الساري جـ١ ص٣٤٠ كتاب الحيض، عمدة القارئ ١٧/ ٧١. ٢ المفصل جـ٦ ص٥٦٤.
[ ٢٠٣ ]
ابن سعية "سعنة" في طبقة الصحابة، ويقال: إنه كان أحد أحبار اليهود الذين أسلموا، وأنه كان أكثرهم علماء ومالا، وقد شهد مع النبي ﷺ مشاهدة كثيرة وتوفي في غزوة بتوك مُقبلا إلى المدينة.
ولم يظهر من يهود اليمن في الإسلام ممن عرفوا برواية الإسرائيليات سوى رجلينن؛ هما كعب الأحبار ووهب بن منبه.
فأما كعب فقد أدرك زمن الرسول غير أنه لم يره، ولم يدخل في الإسلام إلا في أيام أبي بكر أو عمر، وهو أبو إسحق كعب بن مانع بن هينوع هيسوع، وقد عرف بين المسلمين بكعب الأحبار وبكعب الحبر من باب التعظيم والتقدير لعلمه.
ولم ينسب أد إلى كعب مؤلفان وكل ما نسب إليه فهو مما ورد عنه بالمشافهة والسماع وهو بين صحيح يمكن أن يكون قد صدر منه وبين مشكوك في أمره وُضِع عليه، وفيه ما هو إسرائيلي صحيح أي أنه مما هو وارد في التوراة أو في التلمود أو في الكتب الإسرائيلية الأخرى وفيه ما هو قصص إسرائيلي نصراني وما هو محض افتعال وخلط.
[ ٢٠٤ ]
مصادر مناقشة العرب للرسول ﷺ في مصدر القرآن:
نسوق هذا النموذج بعدما قدمنا ما تعرضت له المنطقة من اتجاهات فكرية ودينية، يتميز هذا النموذج بأنه جمع لجنة تمثل اتجاه المثقف ثقافة عقلية في مدرسة "جنديسابور"، وهو: النضر. واتجاه رجال الدين اليهودي، وذلك عندما أفلست الوثنية العربية اتجه رجالها إلى يهود يثرب ليسألوهم عن مسائل يختبرون بها الرسول، وذلك كان بعد أن اتخذ الإسلام طريقه في قبائل قريش: من الرجال والنساء، وقريش تحبس من قدرت على حبسه، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين، دعا رجال من أشراف قريش من كل قبيلة إلى اجتمع بينهم فاجتمع:
[ ٢٠٤ ]
عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب والنضر بن الحارث، أخو: بني عبد الدار، وأبو البختري بن هشام، والأسود بن عبد المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية والعاصي بن وائل، ونبيه ومنبه، ابنا: الحجاج السهميان، وأمية بن خلف.
اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة.
قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد، فكلِّموه، وخاصِموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه: إنَّ أشراف قومك قد اجتمعوا لك؛ ليكلموك، فائتهم، فجاءهم رسول الله ﷺ سريعا؛ فهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء؛ وكان عليهم حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم، ودار ذلك في نفسه حديثا نفسيا حتى جلس إليهم.
فقالوا له: يا محمد، إنا قد بعثنا لك؛ لنكلمك، وإنا والله، ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك؛ لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تطلب به الشرف فينا، فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكًا: ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا نراه قد غلب عليك -وكانوا يسمون التابع من الجن رئيا- فربما كان ذلك، بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك.
فقال لهم رسول الله ﷺ: "ما بي ما تقولون".
[ ٢٠٥ ]
ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل عليَّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا".
قالوا يا محمد: فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا، ولا أقل ماء ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا؛ ليبسط لنا بلادنا، وليفجر لنا فيها أنهارا كأنهار الشام، والعراق١.
فقال لهم رسول الله: "ما بهذا بعثت إليكم، إنما جئتمكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه: فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وأن تردوه عليَّ: أصبرْ لأمر الله حتى يحكم بيني وبينكم"، وقد حكى القرآن ذلك٢.
قالوا: فإذا لم تفعل هذا لنا: فخذ لنفسك٣، سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك.
_________________
(١) ١ وقد أنزل الله عليه قرآنا سأله فيما قومه من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وبعث الموتى؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١] . ٢ وأنزل عليه في قولهم: خذ لنفسك ما سألوه أن يأخذ لنفسه أن يجعل له جنانا وقصورا وكنوزا ويبعث معه ملكا يصدقه عما ويرد عليه: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا، أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا، انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا، تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ٦-١٠] . وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠] . ٣ وأنزل عليه فيما قال عبد الله بن أمية: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٨٩-٩٣] . ورد عليهم فيما عرضوا عليه من أموال: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سبأ: ٤٧] .
[ ٢٠٦ ]
وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة، يغنيك بها عما نراك تبغي؛ فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم وتتلمس من المعاش، كما نتلمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم.
فقال لهم رسول الله: "ما أنا بفاعل، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بيني وبينكم". قال القرآن حاكيا ذلك منهم١.
قالوا: "فأسقط علينا كسفا كما زعمت أن ربك لو شاء فعل، لا نؤمن لك إلا أن تفعل".
فقال رسول الله: ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل.
قالوا: يا محمد أفما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به.
ثم يقولون: إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة.
فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا، حتى نهلك أو تهلكنا.
وقال قائلهم: فمن تعبد الملائكة أو بنات الله؟
وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا.
فلما قالوا ذلك لرسول الله ﷺ: قام عنهم، وقال معه: عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، بن عبد الله، بن عمر، بن مخزوم، وهو ابن عمته: فهو لعاتكة بنت عبد المطلب.
_________________
(١) ١ قال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُون﴾، فقال عبد الله بن الزبعرى: أكل ما يعبد من دون الله حصب جهنم؟ قال: فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيرا، والنصارى تعبد عيسى، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعرى، ورأوا أنه احتج وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله من قول ابن الزبعرى، فقال رسول الله: كل من أحب أن يعبد من دون الله مع من عبده، إنهم يعبدون الشياطين.
[ ٢٠٧ ]
فقال له: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا؛ ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول، ويصدقوك، ويتبعوك، لم تفعل، ثم سالوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم، ومنزلتك من الله، فلم تفعل. ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم من العذاب: فلم تفعل.
فوالله لا أؤمن بك أبدا، حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه، وأنا أنظر إليك، حتى تأتيها، ثم تأتي معك بصك أربعة من الملائكة، يشهدون لك أنك كما تقول، وايم الله إنك لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك، ثم انصرف عن رسول الله.
وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينا آسفا مما كان من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه.
فلما قام عنهم رسول الله ﷺ قال أبو جهل: يا معشر قريش إن محمدا قد أبى، ألا ما ترون منه من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وشتم آلهتنا.
وإني أعاهد الله لأجلسن له غدًا بحجر، ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته؛ لأهوي بصخرة على رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم.
قالوا: والله لا نسلمك لشيء أبدًا فامض لما تريد.
فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا -كما وصف- ثم جلس لرسول الله ينتظره، وغدا رسول الله ﷺ كما كان يغدو، وكان رسول الله بمكة وقبلته الشام، فكان إذا صلى بين الركنين: البراني، والأسود، جعل الكعبة بينه وبين الشام، فقام رسول الله يصلي، وقد غدت قريش.
فقالوا له: مالك يا أبا الحكم؟
قال: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، ما رأيت مثل هامته، ولا أنيابه لفحل قط، فهم بي أن يأكلني.
[ ٢٠٨ ]
فلما قال لهم ذلك أبو جهل قام النضر بن الحارث بن كلدة، فقال: يا معشر قريش إنه والله قد نزل أمر ما أتيتم بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم: غلاما حدثا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر؛ لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم.
وقلتم: كاهن.. لا والله ما هو بكاهن؛ قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم.
وقلتم: شاعر.. لا والله ما هو بشاعر؛ قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه.
وقلتم.. مجنون؛ لقد رأينا الجنون، فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه.
يا معشر قريش: فانظروا في شأنكم؛ فإنه والله قد نزل بكم أمر عظيم.
وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة، وتعلم فيها أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم وإسفندبار فكان إذا جلس رسول الله مجلسًا يذكِّر فيه بالله، وحذر قومه من قبلهم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام ثم قال:
أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلم إلى: فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وإسفنديار، وكان قد تعلم في فارس.
ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثا مني؟
قال ابن هشام: وهو الذي قال فيما بلغني: سأنزل مثل ما أنزل الله.
وكان ابن عباس يقول: نزل فيه ثماني آيات من القرآن.
قول الله ﷿: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ .
وكل ما ذكر عن الأساطير في القرآن وردت فيه.
[ ٢٠٩ ]
فلما قال لهم النضر بن الحارث بعثوه وبعثوا معه: عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، وقالوا لهما: سلاهم عنه، وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله: فإنهم أهل الكتاب وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى قدما المدينة.
فسألا أحبار اليهود عن رسول الله ﷺ، ووصفا لهم أمره، وأخبراهم ببعض قوله، وقالا لهم: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم؛ لتخبرونا عن صاحبنا هذا.
فقالت لهما أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن: فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل: فالرجل متقوِّل، فروا فيه رأيكم.
١- سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول: ما كان أمرهم؟ فإنه كان لهم حديث عجيب.
٢- وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها: ما كان نبؤه؟
٣- وسلوه عن الروح: ما هي؟
فإن أخبركم فاتبعوه فإنه نبي، وإن لم يفعل فهو رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم.
فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط حتى قدما مكة على قريش، فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أخبر أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها، فإن أخبركم عنها، فهو نبي، وإن لم يفعل فالرجل متقول فروا فيه رأيكم.
فجاءوا رسول الله، فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول: قد كانت لهم قصة عجب.
وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها.
وأخبرنا عن الروح؛ ما هي؟
[ ٢١٠ ]
فقال لهم رسول الله: "أخبركم بما سألتم عنه غدا"، ولم يستثنِ، فانصرفوا عنه.
فمكث رسول الله -فيما يذكرون- خمس عشرة ليلة، لا يحدث الله في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف أهل مكة فقالوا: وعدنا محمد غدًا، واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه، وأحزن رسول الله مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل من الله بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية، والرجل الطواف، والروح في سورة الإسراء.
رواية علاقة الرسول بحكمة لقمان:
دعا رسول الله سويد بن الصامت إلى الإسلام.
فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي.
فقال له رسول الله: "وما الذي معك؟ ".
قال: مجلة لقمان "يعني حكمة لقمان".
فقال له رسول الله: "اعرضها عليَّ"، فعرضها عليه، فقال له: إن هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا؛ قرآن أنزله الله علي هو هدى ونور، فتلا عليه رسول الله ﷺ القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه.
وقال: إن هذا القول حسنن ثم انصرف عنه.
فقدم المدينة على قومه فلم يلبث أن قتله الخزرج، وقيل: أسلم.
ويظهر من المحاورة: يعني مناقشة الرسول في مصدر القرآن:
-أن محمدًا: أعلن إعلانا ذاع بين قومه ومسجلا في القرآن: أنه لم يتلقَّ عِلما من إنسان، وسمع ذلك النضر نفسه، وغيره ممن شك فيهم العرب: أنهم يعلمون الرسول، فلم يعلن أي إنسان منهم، أو من اليهود، أو من المسيحيين أنه هو الذي يعلم الرسول فضلًا عن أنه لم يدع أحد منهم ذلك.
[ ٢١١ ]
- وكما تفيد الرواية أن النضر بن الحارث على ما كان يدعيه من علم تلقاه من مدرسة جنديسابور كان يعلمهم أخبار الفرس فقط.
- وسويد بن الصامت صاحب مجلة لقمان سمع منه الرسول وقال له: هذا كلام حسن، ثم سمع الرسول فقال له: إن هذا القول حسن، ولم يدَّعِ سويد أنه علم الرسول أو أن الرسول أخذ منه شيئا.
وأن اختيار اليهود له، كان يعني: إظهار علامات النبوة وهم أعلم الناس بها وبدلائلها، وقالوا للنضر: إن أفتاكم فهو نبي مرسل، واليهودية وهي دائما ضد الوثنية الرومانية أمدت الوثنية العربية بعد أن أفلست في جدلها مع الرسول بأسلحة ماضية؛ لتختبره بها، ثم تشاء إرادة الله أن تنتهي الوثنية ومعها اليهودية بأسلحتها ويصير سفراء العرب إلى دعاة على الرغم منهم، فيظهرون علامات النبوة.
علاقة القرآن بهما:
خلاصة القول: إن القرآن حدد موقفه من اليهودية والنصرانية على حد سواء.
أولا: من حيث المبدأ:
- اعترف بهما: دينين سماويين، وموسى وعيسى رسولين أوحي إليهما١.
- حض على الإيمان بهما: وأن إيمان المسلم لا يصح إلا بالإيمان بهما وبغيرهما من الرسل٢.
- وضح علاقة الإسلام بهما على أنها تكميل وتتميم وتصحيح٣.
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] . ٢ قال تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤] . ٣ قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١١] .
[ ٢١٢ ]
- قام القرآن بما اشتمل عليه من التاريخ الديني للرسالات السابقة عليه بنشر مضمون الكتب السابقة عليه، مظهرا بذلك وحدة السلسلة الدينية١.
ثانيا: من حيث التفاصيل
- أبدى ملاحظات اساسية عليهما منها:
- نزاع بعضهم بعضا:
قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ ٢.
- تفرقهم في العقيدة إلى فرق لكل فرقة كتابها:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] . وقال: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦] . وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى] . وقال: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ [آل عمران: ٢٠] . ونسوق قولا لفيليب حتى يشهد على حسن معاملة الرسول لأهل الكتاب. "و-كانت الطبقة الثالثة تتألف من أهل الذمة وهم اللذين قبل منهم علىأنه دين منزل، والمراد بين النصارى واليهود والصابئة ذلك أن الإسلام شملهم بالأمان وصانهم بالعهود والمواثيق". وقد أتاح النبي نفسه "انظر آيات سورة التوبة: ٢٩ والبقرة: ٩٩ن ١٠٣، وآل عمران: ٦٢، ٦٥ إلخ". للنصارى واليهود هذا الوضع السمح على اعتبار أنهم أهل الكتاب، ومرد ذلك إنما هو إجلال النبي للكتاب المقدس. انظر تاريخ سورية ص٩٨ جـ٢. ٢ البقرة: ١١٣. ٣ الأنعام: ١٥٩.
[ ٢١٣ ]
- إهمالهم للتوراة:
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ ١.
- تحريفهم لكتبهم المقدسة:
تحريف في العقيدة: "كقولهم المسيح ابن الله وعزيرا ابن الله"٢
تحريفهم مفهوم علاقة البشرية بالله إلى بنوة له قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ٣.
- تحريفهم في شريعتهم:
قال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ ٤. وفي القرآن عن قضية التحريف التي منها:
قوله تعالى:
أ- ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٥.
وقوله:
ب- ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِه﴾ ٦.
وقوله:
جـ- ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٧.
وقوله:
د- ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ ٨.
ثم بعد ذلك رسم القرآن للرسول الغاية النهائية من بيان ذلك قائلا:
﴿فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ ٩.
_________________
(١) ١ الجمعة: ٥. ٢ من الإنجيل ٣ المائدة ٤ النساء: ١٦١ ٥ سورة البقرة: ٧٥ ٦ النساء: ٤٦ ٧ البقرة: ١٤٦ ٨ البقرة: ١٧٤ ٩ الشورى: ١٥
[ ٢١٤ ]
ولهذه الغاية النبيلة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ ١.
ولقد كان موقف أهل الكتاب من القرآن عجيبا: فإن وجدوا بعض ما في القرآن يتفق معهم قالوا: أخذه محمد من الكتاب٢، وإن وجدوا روايات لا تنتمي إلى كتبهم مع أنها خاصة بتاريخهم قالوا هذا حديث مفتري٣.
_________________
(١) ١ البقرة: ١٠٩. وفي عصرنا هذا أخرج يوسف إلياس الحداد سلسلة دروس قرآنية: أ- الإنجيل والقرآن. ب- القرآن والكتاب جـ١ قال الأستاذ محمد عزه دروزه عنهما في كتابه "القرآن والمبشرون": وقد كتب الخوري لكل من كتبه الأربعة، مقدمة برأيه الظاهر وفيها دعوة إلى التفاهم وتبادل الثقة بين: المسلمين والنصارى؛ لأنهم يدينون بدين كتابي متَّحد المصدر والمبادئ والأهداف، غير أنه حشا كتبه بأقوال وبيانات وروايات وتحليلات عن القرآن ومحتوياته ونظمه ولغته وترتيبه وعن شخصية النبي وسيرته ورسالته، وصلتها بأهل الكتاب وتجديد أكثر اليهودية والنصرانية وكتبهما فيها الغريب العجيب المذهل من التخرص والتعسف والتجني والمجازفة وتحريف الكلام واللعب بالألفاظ وعدم التورع عن أقوال فيها افتراء وسوء أدب نحو القرآن ورسوله وكتاب وحيه وأصحابه الأولين وتابعيهم ونسبة الدس والزيادة في القرآن ص٧٢٦. ٢ يقول فيليب حتى في كتابه تاريخ سورية "٢: ١٤٤": لقد كانت عقيدة التوحيد ويوم الحساب من أروج المواضيع في الأدب القرآني وفي الأناجيل المرفوضة والرسائل الصوفية على السواء، ثم يقول: حتى جعلوا الإسلام من وجوه عديدة وريثا للنصرانية والسريانية. ٣ يقول الأستاذ محمد عزه دروزه في كتابه القرآن والمبشرون ص٣٩: على أن هناك أشياء كثيرة وردت في القرآن من هذه القصص ولم ترد في الأسفار المتداولة. ومنها ما ورد في القرآن والأسفار متغايرا في الجزئيات بل وفي الصور المهمة معًا، فليس في سفر التكوين مثلًا ما ورد في القرآن من أمر الله الملائكة بالسجود لآدم وعصيان إبليس والموسوس لآدم وحواء في الجنة هو الحية في حين أنه في القرآن إبليس، وليس في هذا السفرما ف يالقرىن من قصص إبراهيم مع قومه وتخريب لأصنامهم ونظرته في النجوم وحجاجه مع قومه ومحاولتهم إحراقه في النار وإسكانه بعض ذريته عند بيت الله المحرم أي مكة واشتراك إبراهيم وإسماعيل في بناء الكعبة. وليس في هذا السفر ما في القرآن من محاورة بين نوح وابنه الكافر عدم ركوب هذا في السفينة وغرقه، ومحاورة نوح مع الله تعالى في ذلك، وليس في السفر ما في تمزيق امرأة العزيز قميص يوسف ولا كلام النسوة ودعوة امرأة العزيز إياهن وتقطيعهن أيديهن، وليس في أسفار الخروج والعدد وتثنية الاشتراع التي فيها موسى وفرعون وبنو إسرائيل بعد خروجهم من مصر وحياتهم في سيناء ما في القرآن من خبر سحرة فرعون والتقاف الثعبان لحبالهم وعصيهم وسجودهم وإيمانهم ومحاورتهم مع فرعون وغرق فرعون وجنوده حينما خرجوا لمطاردة بني إسرائيل. والقرآن يذكر أن الشخص الثاني الذي أراد موسى أن يبطش به هو عدو في حين أن سفر الخروج يذكر أنه عبراني، قال الأستاذ دروزه: ونحن نعتقد أن ما ورد في القرآن ولم يرد في الأسفار المتداولة أو ورد فيها مباينا لما ورد فيه قد ورد في أسفار أخرى كانت متداولة بين أيدي اليهود لم يصل إلينا، وهذه ظاهرة تثبتها الأسفار المتداولة التي ورد فيها أسماء عديدة ليست بين الأسفار المتداولة".
[ ٢١٥ ]
وإذا تقدمت البحوث وعلم الحفائر وأظهرت دلائل تؤيد روايات القرآن وتثبت لهم ما حرفوا في كتبهم بالزيادة أو الحذف -وهذا ما قاله القرآن عنهم- دعوا إلى التفاهم وتبادل الثقة ما دمنا ندين بدين واحد، من حيث المصدر والغاية١.
وحقيقة أن الدعوى إلى التفاهم اشتدت في عصرنا، ولكنها دعوى مغلوطة؛ لأننا نؤمن بالمسيحية واليهودية وبالأديان السماوية مع الإسلام على حد سواء، فليس بين الإسلام والتوراة والإنجيل أزمة ثقة، أما هم: فإننا نراهم يعانون أزمة الثقة بينهم كطوائف وبين اليهودية كدين، وهذا قديم تاريخيا، ثم أخيرا بينهم جميعا وبين الإسلام، أما نحن المسلمين فبراء منها؛ لماذا؟
لأن الدعوة طرحها القرآن -وما زالت مطروحة- وعليهم الاستجابة لها، وبالتالي فالمشكلة التي بيننا وبينهم هي في مدى قدرتهم على الاستجابة نحو الكلمة السواء٢.
_________________
(١) ١ وعجبنا عندما وقف البابا شنودة: ونادى بدعوة التعاون بين الأديان السماوية، ثم ذكر شخصيات إسلامية تاريخية ولم يذكر الرسول ﷺ فهل بذلك صدق مع نفسه أو صدق مع دعوته؟ أو نقض بنفسه وفي نفس دعوته ما دعا إليه؟ ٢ أما عن عوائق التفاهم فهي كما ذكرها الإمام عبد الحليم محمود ردا على رسالة كان قد بعث بها إليه د. ميجل دي إيبالثا سكرتير عام الصداقة الإسلامية المسيحية "مدريد أسبانيا" والرسالتان كما يلي: السيد المحترم صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فيسر جمعية الصداقة الإسلامية المسحية في مدريد أن تتوجه إلى فضيلتكم؛ لتشرُف بإخباركم بما استقر عليه الرأي من انعقاد مؤتمر قرطبة العالمي المسيحي الثالث خلال عام ١٩٧٩، إن شاء الله. وقد رأت إدارة الجمعية اختيار موضوع محمد وعيسى ملهمين للقيم الاجتماعية المعاصرة بالنسبة لمسلمي اليوم سواء برسالته وعقيدته ودعوته، أو بشخصيته وسلوكه ونفسيته المثالية. بينما يشرح المسيحيون كيف يعبر عيسى ﵇ عن القيم الاجتماعية نفسها عند المسيحي اليوم، ورغبتنا أن يدرس هذا الموضوع مجموعة ممن يعيشون في مجتمع متكافل يفيض بالمودة والوفاق، وإن اختلفت عقائد مواطنيه وتنوعت أديانهم. وسوف يتولى عملية تنظيم وإعداد المؤتمر من الجانب المسيحي الكليات المتخصصة في علوم اللاهوت، نذكر منها خاصة كلية اللاهوت بمدريد والجامعة البابوية في روما، ويعدّ الموضوع -بمشيئة الله- من الجانب الإسلامي الجامعات المتخصصة في بعض البلدان الإسلامية ومؤسسات إسلامية وشخصيات مسلمة، يستوي في ذلك من يعيشون داخل أسبانيا ومن يقيمون خارجها. ونعتقد أنه من الممكن دراسة رءوس الموضوعات التالية في نطاق الموضوع العام للملتقى وهي: الحرية والعدالة والمساواة في مختلف مظاهرها وجوانبها المتعددة في هذا الدين أو ذاك، ولا يعني هذا -بطبيعة =
[ ٢١٦ ]
_________________
(١) = الحال أن هذه هي الكلمة النهائية، على العكس نحن نتوجه إليكم منذ الآن وفي لحظة نشأة الفكرة آملين أن أن تثروا الموضوع بما تقترحونه وأن تتفضلوا بإضافة ما ترونه مفيدا ونافعا، ولسنا نشك أنكم ستزودوننا بسديد الرأي وصائبه -بإذن الله؛ فأنتم أدرى بهذا الحقل منا، ولكم في هذا الميدان خبرة قد لا تتوفر للكثيرين بحكم احتكاككم بالمجتمعات، وجهودكم في القارات المختلفة، وقد سبق أن شرفتمونا حين تفضلتم بإيفاد وفد مثَّل بلادكم في مؤتمر قرطبة الإسلامي المسيحي الأول الذي عقد في عام ١٩٧٤م. وما نبغيه في هذه المرحلة -مرحلة الإعداد والدراسة- هو النصيحة وتبادل الرأي، والاستفادة بالمشورة دون إلزام أو التزام بحضور المؤتمر، وسوف نتصل بكم في مرحلة أخرى إن شاء الله من أجل توجيه الدعوة لحضور جلسات الملتقى نفسه إذا رغبتم في ذلك. وفي انتظار كريم ردكم نرجو أن تتقبلوا خالص تحياتنا وأطيب أمنياتنا بالصحة والسعادة. وسلام الله عليكم وتحياته ورحمته وبركاته.. سكرتير عام جمعية الصداقة الإسلامية المسيحية "إمضاء" دكتور: ميجيل دي إيبالثا. مدريد. إبريل ١٩٧٨م بسم الله الرحمن الرحيم السيد المحترم: د. ميجل دي إيبالثا تحية طيبة وبعد، فقد وصلني خطابكم المؤرخ: إبريل ١٩٧٨م. وإني أشكر لكم هذه الرغبة في التفاهم بين المسلمين والمسيحيين وإثراء الفكر المعاصر بالحلول التي أوحاها الله تعالى إلى محمد وعيسى صلى الله عليهما وسلم، وذلك فيما يتعلق بالمشاكل المعاصرة. وقد وصلني أخبار المؤتمرين السابقين. وأحب أن أنبه، في مودة، ومن أجل تفاهم عميق إلى بعض الأمور:
(٢) إن الإسلام -منذ أن بدأ- خالف الجو العالمي: اليهودي في أمر عيسى ﵇؛ لقد أعلن الإسلام مباشرة تقديره واحترامه لعيسى وأمه؛ وأما عيسى ﵇ فهو وجيه في الدنيا والآخرة وأما أمه فهي صديقة. نبوة عيسى ﵇ جزء من إيمان المسلم وبراءة أمه وطهرها جزء من إيمان المسلم، ولم يقف الإسلام من عيسى ﵇ ومن موقف اليهود الذين ما زالوا على موقفهم إلى الآن من عيسى وأمه؛ لقد افتروا -وما زالوا- على عيسى وعلى أمه ورموهما ببهتان شنيع أما الإسلام فمجدهما وما زال مستمرا في تمجيده لهما. فماذا لقي المسلمون من المسيحيين في مقابل ذلك؟
(٣) أنه لا بد من الاعتراف بالدين الإسلامي وبرسوله حتى ينال المسلمون في أوربا ما ينال اليهود من الاعتراف بأعيادهم وبشعائرهم وأنه لا يتأتى التفاهم بين أتباع رسول يحترمه المسلمون هو عيسى ﵇ وأتباع رسول لا يعترف به المسيحيون وهو محمد ﷺ.
(٤) إن المسلمين والمسيحيين يعملون على مقاومة الانحراف والانحلال والمادية والإلحاد، وكان يجب أن يسيرا في خط متعاون متساند ضد التيارات المنحرفة ولكن للأسف -يسير المسيحيون في طريق تنصير المسلمين بقوة، فهم يعملون ليل نهار على أن ينصروا المسلمين في كل مكان في العالم، وكل الدول وأمريكا ترسل إرساليات؛ لتنصير المسلمين بأسلوب مكشوف واضح أو بأسلوب خفي مستور، ويضيق المسلمون بذلك ضيقًا شديدًا، رغم ذلك فإن ملايين الجنيهات تتفق في سعة للتنصير بكل الطرق. =
[ ٢١٧ ]
_________________
(١) = ومما هو ملاحظ أن الدول الإسلامية ليس لها إرساليات تبشيرية وقد أرسل المسيح ﵇؛ لهداية خراف بني إسرائيل الضالة، ومع ذلك فإن المسيحيين تركوا أمة بني إسرائيل الضالة، وأخذوا يعملون على تنصير المسلمين تساعدهم الثروة وتساندهم وسائل الحضارة الحديثة. ولو حصروا نشاطهم على تنصير الوثنيين لما أثار ذلك ضيق المسلمين الشديد وكراهيتهم للأسلوب ولموضوع التنصير نفسه.
(٢) والمسلمون أقليات في بعض الأقطار المسيحية مثل الفلبين، وهذه الأقليات المسلمة ينكل بها باسم المسيحية؛ تؤخذ أرضها وييتم أطفالها وتترمل نساؤها، ولا تجد إلا ارتياحا في نفوس الأغلبية المسيحية، ونحب أن ينتهي التنكيل بالمسلمين في الأقطار التي بها الأغلبية المسيحية؛ نحن نحب أن ينتهي ذلك إنسانيا، ونحب أن ينتهي ذلك دينيا.
(٣) وفي المؤتمرات التي تعقد في أسبانيا وغيرها هناك أسلوبان للحديث: أ- التزام العقل، وهنا لا يتحلل المسلمون من مبادئ دينهم، فيتناولون المسيح ﵇ وأمه بالأسلوب العقلي، فيكون موقفهم منهما موقف اليهود: يقولون على مريم وعلى ابنها ما يضيق به المسيحيون ضيقا شديدا. ويقولون على المسيحية نفسها ما يضيق به المسيحيون ضيقا شديدا. ولكن المسلمين في هذه المؤتمرات يتبعون مبادئ دينهم فيحترمون المسيح ﵇ وأمه، أما المسيحيون فإن البعض منهم لا يبالي، فيتحدث عن رسول الإسلام بما يضيق به المسلمون، فلا تكون هذه المؤتمرات وسائل تفاهم، وإنما تكون وسائل تنافر، وذلك كما حدث في المؤتمرين السابقين من بعض المسيحيين. ب- التزام ما تمليه روح التفاهم، فلا يساء إلى المسلمين في مقدساتهم.
(٤) وأحب أن أقول: إن الإسلام هو العامل الأكبر في تثبيت المسيحية حين اعترف برسالة عيسى ﵇، احترام أمه ﵍.. فماذا قدم المسيحيون؟ لا شيء!! بل على العكس من ذلك لقد هاجموا وما زالوا يهاجمون رسول الإسلام ومبادئ الإسلام فهل يمكن مع ذلك التفاهم؟
(٥) وأحب أن أقول: إن الإسلام اعترف بوجود المسيح ﵇ وبرأ أمه، ومع ذلك فقد قوبل بجحود لا مثيل له، وما زال يقابل بهذا الجحود من المسيحيين على أكبر خدمة أديت للمسيح ﵇. وبعد؛ فإني أحب صادقا أن نتعاون في صد كل انحراف وأحب أن أقول: إنه لولا تقديري لكم لما كتبت لكم هذا وإنني يسرني أن أقرأ لكم. سأتحدث إليكم عن رأيي في موضوع المؤتمر في المستقبل إن شاء الله. ولكم تحيتي وتقديري "د. عبد الحليم محمود" شيخ الأزهر نشر في مجلة الأزهر. الجزء الثالث. السنة الخمسين رجب ١٣٩٨هـ الموافق يونيو ١٩٧٨م.
[ ٢١٨ ]
بيد أن موقفهم السيكولوجي ما زال كما قرره القرآن في قوله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ .
فالحرب الصليبية -وهي تعتبر أول غزو مسلح ذي شكل ديني قامت به أوروبا لغزو الإسلام في داره- جعلت هدفها الظاهر الدعوة التبشيرية للمسيحية كما هو واضح في اسمها -وفي حقيقة الأمر كانت أطماعا في لبن الشرق وعسله- والدعوة التبشيرية لمن؟ للإسلام، وتلك دعوة في ظاهرها مغلوطة فضلًا عن رفضها من حيث المبدأ من عدة جوانب؛ لأن دين الإسلام يعترف بالأديان السماوية ويعتبر الإسلام نفسه أنه مكمل لها، وعلى هذه الأديان دراسة العلاقة التي قررها الإسلام، ومن حيث دولة الإسلام ذات السيادة؛ فإنها تعترف بالدين المسيحي وتحترم المسيحية، فغزو أوروبا لدولة الإسلام كي تحملها على الاعتراف بالدين السماوي غير وارد.
وأما من ناحية علاقة الإسلام -من كونه دينًا ودولة- بالأقليات الدينية فإن حقوقهم قد كفلها الإسلام وباتوا إخوة مع المسلمين فغزوهم؛ لتأمين هذه الأقليات غير وارد أيضا كأسباب لغزو مسلح.
لذلك قلنا: إن الصليبية حملت الصليب رمزا للتعذيب، ولم ترفع الكتاب رمزا للحب والسلام.
وفي النهاية يقول كارلو نللينو١: التشريع عند النصارى عمل بشري ليس له ارتباط متين بأقوال الإنجيل، أما التشريع في الإسلام فلا يتصور إلا كفرع من العلوم النقلية الدينية؛ أصوله في القرآن، والسنة، والإجماع.
فلهذا السبب أيضا تنطوي كتب الفقه الإسلامية على العبادات التي لا مكان لها في فقه الأمم النصرانية، وكفى ذلك برهانا على عظيم شأن القرآن في الهيئة الاجتماعية الإسلامية، ودخول أحكامه في أمور دنيوية فقط عند النصارى.
_________________
(١) ١ تاريخ الآداب العربية: كارلو نلينو، ط٢. دار المعارف ص٩٩.
[ ٢١٩ ]
ومما ذكرته كتب التاريخ الإسلامي عن علاقة المسلمين بالمسيحيين -وفق التوجيه النبوي ما ذكره ابن سعد في طبقاته عن كتبه ورسائله إلى الأساقفة وديار المسيحية في العرب وما أوصى به سفراءه، يذكر ابن سعد فيروي:
وكتب رسول الله لأسقف بني الحارث بن كعب وأساقفة نجران وكهنتهم ومن تبعهم ورهبانهم أن لهم على ما تحت أيديهم من قليل وكثير من بيعهم وصلواتهم ورهبانيتهم جوار الله ورسوله لا يغير أسقف عن أسقفيته ولا راهب عن رهبانيته ولا كاهن عن كهنوته ولا يغير حقًّا من حقوقهم ولا سلطانهم ولا شيء مما كانوا عليه ما نصحوا أو أصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم ولا ظالمين١.
وكتب إلى ضغاطر الأسقف:
سلام على من آمن، أما على أثر ذلك فإن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم الزكية وإني أومن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ابراهيم وإسماعيل ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. والسلام على من اتبع الهدى
وفي بعض كتبه لأهل نجران يقول ﷺ: ولنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم وملتهم وارضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم وصلواتهم لا يغير أسقفا عن أسقفيته ولا راهبا عن رهبانيته ولا واقفا عن وقفانيته وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير وليس ربا ولا دم جاهلية ومن سأل منهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين.
إلى أن قال: وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة النبي أبدا حتى يأتي الله بأمر إن نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم٢.
_________________
(١) ١ طبقات بن سعد "١: ٢٦٦". ٢ طبقات بن سعد "١: ٢٦٦".
[ ٢٢٠ ]
المسيحية في بلاد العرب
مدخل
المسيحية في بلاد العرب:
١- الهلينستية وآباء الكنيسة:
يقول حتى: في الوقت الذي كان الناس في العالم ينتجهون بأبصارهم ناحية "روما" على أنها سيدة الدنيا ومحور نشاطها؛ وفي الوقت الذي كانوا ينظرون بدهشة وذهول إلى عرش قيصر وجلال مجده، في هذا الوقت ولد طفل في "مذود" في مدينة قابعة في زاوية من زوايا ولاية صغيرة تابعة للإمبراطورية الرومانية؛ ولكن "المذود" هذا خلد على مر الزمن؛ بينما أعمل العدم في إمبراطورية روما معوله؛ أما المولود فهو "يسوع" وهو اسم عبري معناه: "يهوه هو الخلاص". ولم يذكره مؤرخ لاتيني كلاسيكي معاصر سوى: مؤرخ واحد اسمه "تافيطس" وذلك عندما تكلم بصورة عابرة عن رجل يدعى "المسيح" وهي لفظة آرامية معناها "الممسوح بالدهن" وهي علامة على "النبة أو الملوكية". وهذا المسيح هوالذي حكم عليه الوالي "بنطس بيلاطس" بالموت في عهد "طياريوس قيصر" حوالي ٢٧م.
وقد طبق السيد "المسيح" تعاليمه، ومارسها في حياته؛ ومن أجلها مات على الصليب، وعلى وجه العموم نستطيع أن نقول: إن تعاليم المسيحية الجديدة أمدت البشر بنظرة جديدة إلى الحياة، كما أنها أكدت على ضرورة تكريس الذات تكريسا لمحبة الله، ومحبة الإنسانية، وكانت سيرة "المسيح" على الأرض خير مثال تجسدت فيه هذه المثل بصورة واقعية، وما كان للمسيحية أن تنتشر هذا الانتشار لو لم يكن في رسالتها أجوبة عن أمثلة يسألها الناس عن جوهر الحياة ومعناها، وعن الموت ومعناه: أجوبة ترضي فضول السائلين فكريًّا وروحيًّا؛ لأن العصر الذي ظهرت فيه المسيحية كان عصرا يتمخض بقلق فكري وروحي، وكان من الطبيعي أن يسأل الناس عن الحياة والموت وعن أسرار هذا الكون.
أما الديانات الإغريقية الرومانية فكانت تعد بالخلود قلة من الناس هم الذين خدموا أمتهم، وأحسنوا إليها، كما أن أسرار الديانات الشرقية القديمة كانت وقفا على نخبة من الناس.
[ ٢٢١ ]
أما المسيحية فقد كانت على نقيض هذه الديانات؛ كانت ديانة للجميع بمثلها وأخلاقياتها ومعتقداتها الراسخة، وبتعاليمها عن الحياة الثانية.
ولفظة "النصرانية، نصارى" التي تطلق في العربية على أتباع المسيح من الألفاظ المعربة، يرى بعض المستشرقين أنها من أصل سرياني هو نصرويو، نصرايا Nosroya-Nasroya
ويرى بعض آخر أنها من Naerenes التسمية العبرانية التي أطلقها اليهود على من اتبع ديانة المسيح، وقد وردت في العهد الجديد في أعمال الرسل حكاية على لسان يهود، ويرى بعض المؤرخين أن لها صلة بالناصرة التي كان منها يسوع حيث يقال يسوع الناصرين أو أن لها صلة بـ الناصرين Nasarenes إحدى الفرق القديمة اليهودية المتنصرة، وقد بقى اليهود يطلقون على من اتبع ديانة المسيح "النصارى"، وبهذا المعنى وردت الكلمة في القرآن الكريم، ومن هنا صارت النصرانية علما لديانة المسيح عند المسلمين.
ولعلماء اللغة الإسلاميين آراء في معنى هذه الكلمة وفي أصلها هي من قبيل التفسيرات المألوفة المعروفة عنهم ف يالكلمات الغريبة التي لا يعرفون لها أصلا، وقد ذهب بعضهم إلى أنها نسبة إلى الناصرة التي نسب إليها المسيح١.
وأن قدماء النصارى حينما كانوا يتحدثون عن أنفسهم كانوا يقولون.
تلاميذ المسيح؛ ذلك أنهم كانوا ينظرون إلى المسيح نظرهم إلى معلم يعلمهم، وكذلك نظروا إلى حوارييه، فورد تلاميذ يوحنا وقصدوا بذلك النصارى٢.
أما في القرآن الكريم وفي الأخبار فلم ترد هذه اللفظة اليونانية الأصل ولهذا نجد أن العربية اقتصرت على إطلاق نصارى، نصراني، نصرانية على النصارى تمييزا لهم عن أهل الأديان الأخرى.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٨٢، ٥٨٣ وأيضا غرائب اللغة ص٢٠٧، أعمال الرسل الإصحاح ٢٤ آية ٥، اللسان جـ٧ ص٦٨، المفردات ص٥١٤. ٢ المفصل جـ٦ ص٥٨٤، إنجيل مرقص الإصحاح الثاني آية ١٨.
[ ٢٢٢ ]
أما مصطلح عيسوي، مسيحي فلم يعرفا في المؤلفات العربية القديمة وفي الشعر الجاهلي، فهما من المصطلحات المتأخرة التي أطلقت على النصارى وقد قصد في القرآن الكريم بـ أهل الإنجيل١ النصارى؛ إذ لا يعترف اليهود بالإنجيل، وقد أدخل علماء اللغة اللفظة في المعربات٢.
_________________
(١) ١ المائدة آية ٤٧. ٢ المفصل جـ٦ ص٥٨٥، ص٥٨٦.
[ ٢٢٣ ]
مدرسة الإسكندرية واللاهوت المسيحي:
كانت الإسكندرية مهد الأفلوطوينية، وأكاديمية الإسكندرية مرضعتها، وكان من حسن طالع المسيحية التي ورثت كثيرا من الفلسفتين: "الفيثاغورية والأفلاطونية المحدثة" أن مال إليها منذ بدء عهدها جمهور من كبار المفكرين البارزين في العالم الروماني الهليني؛ ففي مدينة الإسكنرية كانت تلتقي التيارات الفكرية من: يهودية ومسيحية ووثنية فتصطرع حينًا، وتتفق حينًا آخر، تألفت مدرسة فكرية تعني بتعليم العقائد الدينية وإليها يعزى الفضل في تقدم المسيحية الفكري.
بولس الرسول:
بدأت عملية إدخال العناصر الهلينية بالرسول "بولس" الذي كان رجلًا يهوديًّا ارتد عن دينه، واعتنق الهلينية مذهبا فكريا، ثم جاء من بعده آباء الكنيسة الذين كانوا أيضا أتباع الهلينية، وكان "بولس" قد سعى قبل ظهور آباء الكنيسة إلى تحرير الديانة الجديدة من قيود التقليد اليهودي المتعنت.
وبالتوفيق بينها وبين الفلسفة الإغريقية أعدت المسيحية نفسها؛ لتكون نواه قوة عالمية، وجعلت من نفسها جسرا يربط، بين الفكر الشرقي والغربي راحت ترسي قواعدها في حوض المتوسط الشرقي؛ ومن هناك أخذت تبث رسالتها إلى البشرية؛ وعلى يد الرسول "بولس" أخذت علاقة المسيحية بالفلسفتين: الرواقية والأفلوطينية المستحدثة علاقة أخذ وعطاء.
وما إن أطل القرن الثالث الميلادي حتى كانت المسيحية قد أفلحت باللحاق بركب الرواقية، ونجحت في التوفيق بين نظرتهما والاقتباس من ملامحها. ولعل
[ ٢٢٣ ]
"بولس" أبرز شهيد لاقى حتفه؛ تنفيذًا لأوامر نيرون سنة ٦٧م، واستمرت تلك الاضطهادات عنيفة قاسية حتى أصبحت في عهد "قسطنطين" دين الدولة الرسمي.
[ ٢٢٤ ]
كلمنت ١٦٠م-٢٠٣، أوريجين المتوفي سنة٢٥٣م، اثنا سيوس المتوفي ٣٧٣م:
"بولس" أبرز شهيد لاقى حتفه؛ تنفيذًا لأوامر نيرون سنة ٦٧م، واستمرت تلك الاضطهادات عنيفة قاسية حتى أصبحت في عهد "قسطنطين" دين الدولة الرسمي.
يعتبر "كلمنت" مؤسس المدرسة الإسكندرانية للاهوت المسيحي، كان في بادئ الأمر وثنيا له اطلاع واسع على الفلسفة الإغريقية، وحاول -وفق منهجه- التوفيق بين أفضل ما في الوثنية القديمة من فكر، وبين الديانة المسيحية الجديدة.
ولد "أوريجين" في مصر حوالي سنة ١٨٥م من أبوين وثنيين كما يدل على ذلك اسمه الذي يعني: "هبة الإلهة هورس" وهو تلميذ "كلمنت"، وبعد خصومة نشأت بينه وبين أسقف بدلته رحل إلى "قيسرية من أعمال فلسطين"؛ حيث أقام هناك ويؤلف، وفي شروحه وتعليقاته على أسفار التوراة اعتمد الأسلوب المجازي الرمزي، وعذب وأهين وسجن في الاضطهاد الذي سنه دقيانوس.
ظهر في القرن الثالث للميلاد قديس ثالث من آباء الكنيسة الإغريقيين "اثناسيوس". ولد في الإسكندرية، وكان من أشد خصوصم الوثنية، ومن ألد أعداء الهرطقة، ويعتبر بحق من آباء الأرثوذكسية.
وكانت خصومته للهرطقة موجهة بالدرجة الأولى لمذهب "أريوس" المتوفى سنة ٣٣٦ الذي كان أحد رجال "الإكليربوس" في الإسكنرية وفي الإسكندرية نشأ هذا المذهب الذي عرف باسمه.
كان "أريوس" يقول: بأن "الله" فوق إدراك البشر ومعرفتهم، وأنه منفصل عن أي مخلوق كائن، وأن "السيد المسيح" لم يكن "الله" بالمعنى الشامل؛ إلا أن تعاليم "أريوس" رفضت في مجمع "نيقيا" سنة ٣٢٥ وفي مجمع "نيقيا" برز "اثناسيوس" بسبب وضعه قانون الإيمان المعروف بالقانون: "التيفانوس" وفيه تشديد على الثالوث؛
[ ٢٢٤ ]
وبوصفه أسقفا لمدينة الإسكندرية رفض "أثناسيوس" تقبل الأوامر التي كان يصدرها الإمبراطور، والتي كانت تنم عن عطف على "الأربولية ومناصرة لها"، ثم نفى مرارًا وعزل، ثم في منفاه عاش مع النساك.
وفي كتاب يعزى إلى: "أثناسيوس" نجد وصفًا مسهبًا لحياة ناسك كان يعرفه "أثنا سيوس" اسمه "أنطوني" مصريًّا عاش هذا المتزهد المصري المولد مدة عشرين سنة في الصحراء المصرية وبعد ذلك نشأت رهبنيات في مصر السفلى، ومن مصر انتشرت حركة الرهبنة إلى سوريا، ومنها إلى فلسطين إلى أن عمت العالم المسيحي بأسره.
الرها:
احتدم الجدل اللاهوتي في خلال القرن الرابع والخامس وكان من أمتع النشاطات الفكرية وأطرفها لدى علماء ذينك القرنين، كان ذلك الجدل يدور حول شخص "المسيح وطبيعته الإنسانية"، وعلاقتها بطبيعته الإلهية؛ وعلى مر الأيام انقسمت الكنيسة السريانية إلى طائفتين:
السريانية الشرقية، التي تعرف بالنسطورية، وأصحابها النساطرة.
السريانية الغربية: التي تعرف باليعقوبية، وأصحابها اليعاقبة.
الكنيسة السريانية الشرقية:
كانت الكنيسة السريانية الشرقية تفاخر بأنها تأسست في عهد الرسل، وبهذا تكون تأسست قبل عهد "نسطورا" بما لا يقل عن قرنين من الزمن وهي تعتبر نسطورا من الأباء اليونانيين، لا من الآباء السريان.
ولكن بما أنها رفضت أن تصدر في حقه الحرم الكنسي، فقد ظل اسمه مقرونًا بهذه الكنيسة المعروفة بالنسطورية.
احتضنت مدرسة الرها العقيدة النسطورية، وتولت الدفاع عنها، وانطلقت منها رسل التبشير إلى الصين والهند.
[ ٢٢٥ ]
الكنيسة السريانية الغربية، آباء الكنيسة اللاتين، أوغسطس ٣٥٤
الكنيسة السريانية الغربية، آباء الكنيسة اللاتين، أوغسطين ٣٥٤:
إذا كان الفرع الشرقي للكنيسة السريانية الذي غرس جذوره في إيران يعتبر من ناحية الفلسفة اللاهوتية نسطوريا، فإن الفرع الغربي الذي تأصلت جذوره في كنائس سوريا "مونوفستيا" أي: كنيسة القائلين بأن "المسيح" طبيعة واحدة؛ أي القائلين بأن "المسيح" إنسان إله وتعظيم العذراء.
وفي مطلع القرن السادس كانت قد ترسخت في سوريا وأصبحت تعرف بالكنيسة اليعقوبية وأصحابها اليعاقبة؛ نسبة إلى "يعقوب البرادعي" واضع طقوسها واسقف الرها ٥٤٣م-٥٧٨م ومن سوريا انتشرت عقيدة أصحاب الطبيعة الواحدة شمالًا إلى أرمينيا وجنوبا إلى مصر حيث اعتنقتها الكنيسة القبطية.
يقول حتى: في الوقت الذي كان فيه آباء الكنيسة في الإسكندرية يعملون على إغناء اللاهوت المسيحي بتلقيح العقائد المسيحية بعناصر من الفلسفة الإغريقية، كان الآباء القديسون اللاتين يدخلون على سلطة الكنيسة وإدارتها عناصر رومانية في حقلي التشريع والقضاء.
ولد سنة ٣٥٤ في "نوميديا" غرب مدينة قرطاجة؛ ولم يعتنق المسيحية حتى سنة ٣٨٧، بعد أن كان من دعاة الأفلاطونية الجديدة؛ وبعد اعتناقه بسبع سنوات رسم أسقفا على مدينة "هبو" وهي مستعمرة فينيقية ثانية في شمال إفريقيا، وبقى في هذا المنصب حتى مماته سنة ٤٣٠م ومما شهره مؤلفه الموسوم بـ "اعترافات" وهو: كتاب ممتع يسر وفيه سيرة حياته؛ وكذلك مؤلَّفه "مدينة الله" الذي يتخيل فيه الكنيسة المسيحية إمبراطورية جديدة ناشئة تقوم على أنقاض روما.
من هنا يظهر على سبيل المقارنة بين آباء الكنيسة الإسكندرانية وآباء الكنيسة الرومانية، بأن آباء الكنيسة الإسكندرية وارثو التراث الإغريقي الحضار الذي يؤكد الإيمان بالعقل وحب العلم وطلب المعرفة لذاتها.
[ ٢٢٦ ]
هم الذين أوجدوا الفكر المسيحي القديم، وخلقوا له نظاما خاصًّا به، وكان الثلاثة: "كلمنت، وأوريجين، وأوغسطين" هم الذين وضعوا العقيدة في الثالوث، وقد أكد الآباء الإغريق على الأفلاطونية الجديدة التي نادى بها أولا "بولس" الرسول، وتمييزها بين عالم المحسوسات الذي هو عالم زائل منقلب وبين عالم الفكر الذي هو ثابت دائم سرمدي؛ وهذا التمييز من شأنه أن يوضح الفرق بين المادة والروح بين الجسد والنفس.
يقول حتى: لقد أضحى العالم "وادي الدموع" الذي يأخذ بيد الإنسان إلى العالم الآخر. كما أن حياة التنسك والتقشف أصبحت في نظر الناس هي الحياة الفضلى.
وعلى نقيض الآباء اليونانيين كان الآباء اللاتين وارثو التقليد الروماني يعنون أولا بتنظيم المجتمع البشري، ووضع الشرائع والقوانين التي تضبط شئونه؛ كما أنهم يعملون على تنظيم الكنيسة كمؤسسة ونظام، وذلك لأن الشعب الروماني كان واقعيًّا في نظرته أكثر من الشعب الإغريقي.
[ ٢٢٧ ]
توسع الرهبنة، القديس مارون، أفرام السورياني ٣٠٦-٣٧٣:
هم الذين أوجدوا الفكر المسيحي القديم، وخلقوا له نظاما خاصًّا به، وكان الثلاثة: "كلمنت، وأوريجين، وأوغسطين" هم الذين وضعوا العقيدة في الثالوث، وقد أكد الآباء الإغريق على الأفلاطونية الجديدة التي نادى بها أولا "بولس" الرسول، وتمييزها بين عالم المحسوسات الذي هو عالم زائل منقلب وبين عالم الفكر الذي هو ثابت دائم سرمدي؛ وهذا التمييز من شأنه أن يوضح الفرق بين المادة والروح بين الجسد والنفس.
يقول حتى: لقد أضحى العالم "وادي الدموع" الذي يأخذ بيد الإنسان إلى العالم الآخر. كما أن حياة التنسك والتقشف أصبحت في نظر الناس هي الحياة الفضلى.
وعلى نقيض الآباء اليونانيين كان الآباء اللاتين وارثو التقليد الروماني يعنون أولا بتنظيم المجتمع البشري، ووضع الشرائع والقوانين التي تضبط شئونه؛ كما أنهم يعملون على تنظيم الكنيسة كمؤسسة ونظام، وذلك لأن الشعب الروماني كان واقعيًّا في نظرته أكثر من الشعب الإغريقي.
فمنذ إعلان المسيحية دينا رسميا في عهد "قسطنطين" للدولة الرومانية ولمدة قرنين ازدهر عصر "المطارنة والأساقفة" والرهبان والراهبات، والمتنسكين والزهاد، بشكل لم يعهد من قبل، فقد تضاعف عدد الكنائس والأديرة في مصر وعبر سوريا حتى آسيا الصغرى. وكان أسلوب العيش المفضل هو عيش الرهبنة التي نشأت في المسيحية بممارسة التقشف والزهد، ومن الذين أنعشوا حياة التزهد والترهبن:
إن القديس "مارون" مؤسس "الطائفة المارونية" وشفيع كنيستها في لبنان راهبا ناسكا قضى حياته في البرية الواقعة إلى الشمال من أنطاكية.
كان "أفرام السورياني" أولا لاهوتيا في الكنيسة السريانية؛ هو الذي دعاها إلى الرهبنة بين قومه، وهو الذي أنشأ في "الرها" مدرسة اللاهوت، أصبحت فيما بعد أول جامعة في الكنيسة السريانية.
[ ٢٢٧ ]
وبهذا شاركت في دخول المسيحية الكنيسة بآبائها اليونانيين في نشر الثقافة اليونانية من جانب، وإسباغ ثوب الثقافة اليونانية على المسيحية من جانب آخر، وبلغ منها أن باتت تفضل قراءة العهد القديم في ترجمته اليونانية.
ثم بدأت جهود فردية تعكف على التوفيق بين العقيدة المسيحية والفلسفة اليونانية، وظنوا أن تضافرها مع الفلسفة يعطيها قوة، ولكن خيب ظنهم انشقاقها العقدي الذي ظهر فيما بعد.
وظهر الأثر الفلسفي على القديس بولس -وهو رائد التوفيق بين المسيحية والتراث الفكري عند الشعوب الداخلة فيها في رسائله التي وفق فيها بين المسيحية والفلسفة اليونانية- وظهر جليا: عندما نشبت الخصومات داخل الكنيسة أن صيغت هذه الخصومات في مصطلحات فلسفية يونانية ودارت معاركها وفقًا للأصول الفلسفية.
وقد استخدم القديس بولس -وهو من أهل طرسوس أحد مراكز الرواقية المختارة: لغة تلك المدرسة؛ للتعبير عن المجتمع الروحي الذي ينتظم كل المسيحيين أعضاء، وتتردد باستمرار في رسائله: فكرة رعوية سماوية، وفي عظته في أثينا: اقتبس من أنشودة إفلينشي الرواقي لزيوسن وأعلن في ألفاظ تردد صدى العقائد الأساسية في المذهب الرواقي: أن الله لا يسكن هياكل مصنوعة بالأيدي، وأنه "صنع من دم واحد: جميع أمم الناس؛ ليسكنوا كل وجه الأرض"١
وهكذا منذ البدء أتيح للكنيسة المسيحية أن تكون مبشرة بالثقافة العقلية اليونانية، وبالعقيدة الإنجيلية معًا.
ورأينا وجهة نظر يهودية معاصرة تقول: إن دخول المسيحية في الهلينية: انحراف منها إلى اليسار، وأنهم يدفعون بأنفسهم في استهانة متزايدة نحو التراخي، ويدفعون من جانبهم: الحركة الهلينية في اطراد إلى الأمام.
وبسبب هذه الانتقادات اليهودية: وقعت خصومة٢ بين اليهود والمسيحيين.
_________________
(١) ١ "الأعمال ص٩: ٢٨" هو "لأننا أيضا ذريته" يراجع تراث العالم القديم جـ١ ص٢٣٨. ٢ قد سجلت الخصومة بين هاتين الطائفتين في "أعمال الرسل الحواريين". وأشار القرآن إلى نتائج هذه الخصومة بينهما، فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ "البقرة: ١١٣".
[ ٢٢٨ ]
وكانت هذه الخصومة ما يفيد أن المسيحية هي وريثة الهلينية، وذلك عندما سايرت إلى حد كبير تيار الفكر الهليني في الشرق.
وفي النهاية نقول: لقد حققت المسيحية توسعا دينيا، فأصبحت الدولة الرومانية مسيحية بعد وثنيتها اليونانية، وأصبح من المعالم البارزة التي طبعها الشرق على الغرب: أن دان الغرب بدين شرقي، غير أن الغرب أخذها بعد أن طبعها اليونان بطابعهم الفلسفي، مما جعلها فيما بعد إبان عصور النهضة الأوربية محل انتقاد من البعض، ورفض وإنكار من البعض الآخر.
وفي هذا ما يميز الإسلام عنهما: فهو قد انتشر بلغته، وكتابه، وشمل أمما، وشعوبا، فضلوا لغته على لغاتهم، كذلك يتميز بأنه دين دعوة منذ أن نشأ، وفي حياة الرسول نفسه: أرسلت سفراء، وكتب؛ لنشر الدعوة الإسلامية، وكان له من القوة التي كفلت له حمل السيف، على من ناصبه العداء، أو في سبيل تأمين دعوته إذا تعرضت لمناورات الخصوم المعارضين.
وكان من أكبر الآثار الفلسفية على المسيحية: أن صرفت النصارى عن التوحيد دين المسيح، إلى عبادة الصليب، وفي هذا التحول تغير مفهوم المقدس الحقيقي لديها؛ لأن الصلب والصليب لم يكن تشريعا منه.
وعلى أية حال لقد توسعت في مفهوم المقدس حين أدخلت قضايا فلسفية إلى صميم دينها بل إلى صميم عقيدتها.
يقول جيبون:
وخلط الغنوصيون، بالإيمان بالمسيح: كثيرًا من العقائد، والمذاهب الغامضة، تلك اشتقوها من الفلسفة الشرقية، بل حتى من ديانة زرادشت التي تتعلق بخلود المادة، ووجود عنصرين والتسلل الغامض للعالم غير المرئي.
واستطاع هؤلاء الهراطقة الغنوصيون أن يخرجوا بدلا من الناجيل الأربعة التي قررتها الكنيسة بمجموعة كبيرة من التواريخ، التي تلتئم فيها مناقشات المسيح، وحوارييه، وأعمالهم، مع أفكار كل شيعة بعينها.
[ ٢٢٩ ]
كيف دخلت المسيحية مكة والجزيرة العربية:
كانت هناك روافد حملت المسيحية إلى الجزيرة العربية، بل إلى مكة ذاتها هي:
١- الاضطهاد الذي وقع على المسيحية منذ المسيح ذاته جعل أتباعها يبحثون عن أماكن في كهوف الجبار وبطون الصحرء ليتواروا عن أعين الرقباء من الرومان.
٢- رحلات قريش التجارية ونظرية تقسيم الناس إلى أحرار وعبيد شاركت بدورها في إدخال المسيحية إلى مكة.
٣- دخلت المسيحية الجزيرة العربية دخولًا رسميًّا على يد "الحارث الغساني".
٤- دخلت المسيحية قلب مكة مع الغزو الحبشي لها.
٥- ظهور جماعة يدعون بالحنفاء يرمون وراء تحنفهم سحب الثقفة الدينية من الأوثان، ثم طلبوا أديانا شتى فبعضهم طلب الحنفية وبعضهم طلب الأوثان وبعضهم طلب المسيحية.
وإذا كانت المسيحية قد دخلت مكة فإلى أي حد انتشرت؟
بقيت المسيحية رهينة لغتها السريانية أو الرومانية فلم تنتشر انتشارا ملحوظا لا من قريب ولا من بعيد، وكل الذين اعتنقوها من العرب هم الذين كانوا على صلة باللسان الأعجمي
فلم ينتشر كتابها المقدس؛ لأنه لم يترجم إلى اللغة العربية، كذلك شعائر صلاتها "القداس" لم تترجم.
ليس معنى وجود المسيحية وانتشارها بين العرب تعلُّمَ الرسول منها وأنها كانت مصدره في تأليفه للقرآن؛ لأن الرسول ادعى النبوة وكان الوحي مصدره فيما قال وفيما يفعل، وقامت شواهد الواقع والتاريخ على صدق دعوته، ثم كان القرآن من أكبر شواهد الأدلة بيننا عليه.
وأما ما بينهما من عناصر متشابهة ومثلها اليهودية فإن القرآن نفسه حسم ذلك حين قال إن ما أنزل على محمد ليس بدعا عما نزل على غيره من الرسل: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ ١ الآية، ويصبح كل بحث يحاول أن يبرز
_________________
(١) ١ سورة الشورى الآية ١٣.
[ ٢٣٠ ]
عناصر التشابه بين ما نزل من وحي السماء، فهو من غير أن يدري يدور في فلك الآية السابقة حين أكدت وحدة وحي السماء، وفي الوقت نفسه يؤكد دعوى نبوة الرسول، وصدق ما قاله ودفع النوازع في النفوس البشرية حين تريد أن تخلق من المتجانسات تنافرًا.
وأهم علامة فارقة ميزت نصارى عرب الجاهلية عن العرب الوثنيين هي أكل النصارى للخنازير، وحملهم للصليب وتقديسه، ورد أن الرسول قال لراهبَيْن أتياه من نجران؛ ليبحثا فيما عنده: "يمنعكما عن الإسلام ثلاث: أكلكما الخنزير، وعبادتكما الصليب، وقولكما: لله ولد". وورد أنه رأى عدى بن حاتم الطائي وفي عنقه صليب من ذهب؛ لأنه كان على النصرانية.
أما الزمن الذي دخلت فيه النصرانية إلى جزيرة العرب فتحاول مؤلفات رجال الكنائس رد ذلك التاريخ إلى الأيام الأولى من التأريخ النصراني١.
وإذا كانت اليهودية قد دخلت جزيرة العرب بالهجرة والتجارة، فإن دخول النصرانية إليها كان بالتبشير.
وبدخول بعض النساك والرهبان إليها للعيش فيها بعيدين عن ملذات الدنيا، وبالتجارة وبالرقيق ولا سيما الرقيق الأبيض المستورد من أقطار كانت ذات ثقافة وحضارة، وبفضل ما كان لكثير من المبشرين من علم ومن وقوف على الطب والمنطق ووسائل الإقناع وكيفية التأثير في النفوس تمكنوا من اكتساب بعض سادات القبائل فأدخلوهم في دينهم، أو حصلوا منهم على مساعدتهم وحمايتهم، فنسب دخول بعض سادات القبائل ممن تنصر إلى مداواة الرهبان لهم ومعالجتهم حتى تمكنوا من شفائهم مما كانوا يشكون منه من أمراض، وقد نسبوا ذلك إلى فعل المعجزات والبركات الإلهية، وذكر بعض مؤرخي الكنيسة أن بعض أولئك الرهبان القديسين شفوا بدعواتهم وببركات الرب النساء العقيمات من مرض العقم، فأولدن أولادًا، ومنهم من توسل إلى الله أن يهب له ولدًا ذكرًا فاستجاب دعوتهم، فوهب لهم ولدًا ذكرًا كما حدث لضجعم سيد الضجاعمة؛ إذ توسل أحد الرهبان إلى الله أن يهبه ولدا ذكرا فاستجاب له، فلما رأى ضجعم ذلك دخل في دينه وتعمد هو وأفراد قبيلته، ومنهم من شفى بعض الملوك العرب من أمراض كانت به
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٨٦، وأيضا البلاذري ص٧١، واللسان ١٣/ ٤٤٣ مادة وثن، النصرانية وآدابها القسم الأول للويس شيخو.
[ ٢٣١ ]
مثل -ما رايشو عزخا- الراهب ذكروا أنه شفى النعمان ملك الحيرة من مرض عصبي ألم به، وذلك بإخراجه الشيطان من جسده١.
ولم يعبأ المبشرون بالمصاعب والمشقات التي كانوا يتعرضون لها، فدخلوا مواضع نائية في جزيرة العرب، ومنهم من رافقوا الأعراب وعاشوا عيشتهم وجاروهم في طراز حياتهم فسكنوا معهم الخيام حتى عرفوا "بأساقفة الخيام" و"بأساقفة أهل الوبر"، و"بأساقفة القبائل الشرقية المتحالفة"، و"بأساقفة العرب البادية"، وقد ذكر أن مطران بصرى كان يشرف على نحو عشرين أسقفا انتشروا بين عرب حوران وعرب غسان، وقد نعتوا بالنعوت المذكورة؛ لأنهم كانوا يعيشون في البادية مع القبائل عيشة أهل الوبر.
وقد دخل أناس من العرب النصرانية باتصالهم بالتجار النصارى وبمجالستهم لهم، وروي أن رجلا من الأنصار يقال له: أبو الحصين كان له ابنان، فقدم تجار من الشام إلى المدينة يحملون الزيت فلما باعوا وأرادوا أن يرجعوا أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصروا فرجعا إلى الشام معهم.
ودخلت النصرانية جزيرة العرب مع بضاعة مستوردة من الخارج هي تجارة الرقيق من الجنسين، فقد كان تجار هذه المادة المهمة الرابحة يستوردون بضاعتهم من أسواق عالمية مختلفة، ولكن أثمن هذه البضاعة وأغلاها هي البضاعة المستوردة من إمبراطوريتي الروم والفرس؛ لمميزات كثيرة امتازت بها عن الأنواع المستوردة من أفريقية مثلا، فقد كان صنفها من النوع الغالي الممتاز؛ الجمال والحسن والإتقان ثم الابتكار وبالقيام بأعمال لا يعرفها من هم من أهل إفريقية.
وقد كان في مكة وفي الطائف وفي يثرب وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب رقيق نصراني كان يقرأ ويكتب ويفسر للناس ما جاء في التوراة والأناجيل، ويقص عليهم قصصا نصرانيا ويتحدث إليهم عن النصرانية، ومنهم من تمكن من إقناع بعض العرب في الدخول في النصرانية، ومنهم من أثر على بعضهم فأبعده عن الوثنية، وسفه رأيها عندهم، لكنهم لم يفلحوا في إدخالهم في دينهم فبقوا في شك
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٨٧، ص٥٨، وأيضا النصرانية وآدابها جـ١ ص٣٥، الدبورة في مملكتي الفرس والعرب للقس بولس شيخو ص٣٢، ص٤٧
[ ٢٣٢ ]
من أمر الديانتين يرون أن الحق في توحيد الله وفي اجتناب الأوثان لكنهم لم يدخلوا في نصرانية؛ لأنها لم تكن على نحو ما كانوا يريدون من التوحيد وتحريم الخمر وغير ذلك مما كانوا يبتغون ويشترطون١.
وقد تسربت النسطورية إلى العربية الشرقية من العراق وإيران فدخلت إلى قطر وإلى جزر البحرين وعمان واليمامة ومواضع أخرى، ومن الحيرة انتقلت النسطورية إلى اليمامة فالأفلاج فوادي الدواسر إلى نجران، واليمن وصلت إليها بالتبشير وبواسطة القوافل التجارية، فقد كانت بين اليمن والحيرة علاقات تجارية وثيقة، وكانت القوافل التجارية تسلك جملة طرق في تنمية هذه العلاقات وتوثيقها. وقد قوى هذا المذهب -ولا شك- بعد دخول الفرس إلى اليمن، ولما عرف من موقف رجاله من كنيسة الروم، ولما كان لأصحابه من نفوذ في بلاط الشاهنشاه، ومن صداقته لهم٢.
وقد بقيت النسطورية قائمة في اليمن في أيام الإسلام.
أما اليعاقبة فقد انتشر مذهبهم بين عرب بلاد الشام والبادية، وقد اصطدم هذا المذهب بالكنيسة الرسمية للبيزنطيين واعتبرته من المذاهب المنشقة الباطلة لذلك حاربته الحكومة وقاومت رجاله، كما عارضه النساطرة؛ لاختلافه معهم في القول بطبيعة المسيح وفي أمور أخرى، وهذا ما حمل النساطرة على الحكم بهرطقة اليعاقبة، كما حمل هذا الاختلاف اليعاقبة على الحكم بهرطقة النساطرة حتى صار اختلاف الرأي هذا سببا في وقوع معارك كلامية وجدل طويل عريض بين رجال المذهبيين٣.
واليعاقبة يدعون بالمنوفسيتين أي القائلين بالطبيعة الواحدة؛ لقولهم إن للمسيح طبيعة واحدة وأقنوما واحدا فقيل لهم من أجل ذلك أصحاب الطبيعة الواحدة، هم مذهب من مذاهب الكنيسة الشرقية نسبوا إلى يعقوب البرادعي ويسمى بجيمس أيضا، المولود في حوالي سنة ٥٠٠ للميلاد في مدينة الأجمة من أعمال
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٥٨٨، ص٥٨٩ وأيضا النصرانية جـ١ ص٣٣، وتفسير الطبري جـ٣ ص١٠، وتفسير القرطبي جـ٣ ص٢٨٠ وما بعدها. ٢ المفصل جـ٦ ص٦٢٩ وأيضا -النصرانية جـ١ ص٥٩ وما بعدها. ٣ المفصل جـ٦ ص٦٣٠، وأيضا النصرانية جـ١ ص٦٧، شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص٢٩٢ وما بعدها.
[ ٢٣٣ ]
نصيبين في شرقي الرها والمتوفى سنة ٥٧٨ للميلاد ولد في أسرة كهنوتية، وتتلمذ لـ ساويرس الذي صار رئيسا على بطريركية أنطاكية في عام ٥١٤ للميلاد.
ثم اضطر إلى مغادرة أنطاكية إلى مصر؛ لاختلافه مع رجال الدين في هذه المدينة في طبيعة المسيح؛ إذ كان يقول بوجود طبيعة واحدة فيه؛ وأخذ يعقوب رأيه هذا في المسيح.
وذهب يعقوب في حوالي سنة ٥٢٨ للميلاد إلى القسطنطينية لحمل القيصرة -ثيودورة- Theodora- على التأثير في الكنيسة، وحملها على الكف عن اضطهاد القائلين برأيه في طبيعة المسيح، وقد مكث في القسطنطينية خمسة عشرعاما، وسعى حثيثا في نشر مذهبه والتبشير به، وهذا ما أوقعه في نزاع مع بقية رجال الدين هناك؛ لخروجه على تعاليم المجمع الخلقيدوني الذي عين التعاليم الثابتة في طبيعة المسيح١، وكان يعقوب أسقفا على الرها في حوالي سنة ٥٤١م.
وكان الحارث بن جبلة من المقدرين له، والمحبوبين عنده، لذلك كان ممن توسطوا لدى بلاط القسطنطينية للسماح له بالخروج منها، وللتوفيق بين آرائه وآراء الكنيسة البيزنطية، كما توسط المنذر لدى البيزنطيين للغرض نفسه٢.
وكانت في أيامه أسقفيتان على العرب: أسقفية عرفت بأسقفية العرب، وأسقفية التغلبيين، وكرسيها بـ عاقولا، وعاقولا هي موضع بالكوفة، أما كرسي أسقفية العرب فكان في الحيرة.
وقد دخل أكثر الغساسنة في هذا المذهب وتعصبوا له، وطالما توسطوا لدى الروم في سبيل حملهم على الكف عن اضطهادهم والتنكيل بهم ظلوا مخلصين لهذا المذهب إلى ظهور الإسلام٣. وكان لليعاقبة مشهد مقدس يحجون إليه؛ للتبرك به والنذر له هو مشهد القديس سرجيوس في مدينة سرجيوبوليس Sergigapalis وهي الرصافة.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٦٣١. ٢ المفصل جـ٦ ص٦٣١. ٣ المفصل جـ٦ ص٦٣١، ص٦٣٢، وأيضا ذخيرة الأذهان جـ١ ص٣٠٣.
[ ٢٣٤ ]
وكانت أمراء الغساسنة يبالغون في تعظيمه والاحتفاء به ويقصدونه؛ للتبرك به على عكس نصارى الحيرة الذين امتهنوا القبر في حروبهم مع الغساسنة واعتدوا على المدينة.
وقد كان نصارى الحيرة على مذهب نسطور في الأغلب كما كانوا من الوثنيين، ولذلك لم تكن لسرجيوس في نفوسهم منزلة ومكانة، وذكر أهل الأخبار أن من بين فرق النصرانية أو الفرق التي هي بين بين -بين النصرانية والصابئة دين يقال له الركوسية، وذكروا أن الرسول قال لحاتم الطائي: "إنك من أهل دين يقال له الركوسية"، ولكني أشك في صحة هذا الحديث؛ إذ كانت وفاة حاتم قبل مبعث الرسول، ولم يثبت أنه التقى به١.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٦٣٣، ص٦٣٤ وأيضا أسد الغابة جـ٣ ص٣٩٢، اللسان جـ٧ ص٤٠٥، تاج العروس جـ٤ ص١٦٣.
[ ٢٣٥ ]
٢- المسيحية والرسول:
وبعد ذلك فنستطيع القول عن الأثر المسيحي، وزعم القول به على الرسول من خلال ما سبق أن نزعة التبشير في المسيحية إلى الاضطهاد الذي تعرضت له من الدولة الرومانية، هذه النزعة ظهرت للمرة الأولى بعد استشهاد القديس أسطفانوس، وما تلاه من اضطهاد، ولم يكن الاضطهاد هو السبب الوحيد في انتشار المسيحية، ولكنه كان سببًا من أسباب انتشارها ولعله كان من أهم الأسباب:
وكان من نتائج هذا الاضطهاد لجوء بعض المسيحيين -على أثره- إلى بلاد ما بين النهرين خارج الإمبراطورية الرومانية، وبذلك استطاعوا أن ينشئوا كنيسة ما بين النهرين، خصوصًا فيما حول "الرها" في هذه الكنيسة ظهرت المسيحية: بآدابها وبلغتها السريانية، والترجمة للكتاب المقدس إلى السريانية كانت عن النص العبري، وليست عن النص اليوناني.
وأصبحت "الرها" بتمايزها السرياني: كنيسة، ومدرسة، مركزًا مشعا وطيد الأركان، ذا شهرة واسعة بين سكان ما بين النهرين، وفارس وممن يتكلمون السريانية باعتبارها مركزا كنسيًّا للشعوب المتكلمة بالسريانية، فإنها مثلت الجانب السرياني من الحياة العقلية، وضارعت به الإسكندرية، وانتشرت اللغة السريانية تدريسًا وتعليقًا في الرها، ونصيبين، وحران.
[ ٢٣٥ ]
ومن هنا ظهر تمايز بين كنيستين في الشرق من حيث الوسائل التعليمية:
- كنيسة الإسكندرية: وهي يونانية ذات شكل مسيحي.
- كنيسة سريانية: مسيحية في تقاليدها١.
وقد أدى هذا التمايز في الأسلوب إلى حساسية مفرطة، أخذت تزداد بفضل النعرة العنصرية، بين السريان، والهلينيين: ثقافة أو جنسًا أدى إلى تأليب الإسكندرية "الكنيسة الجامعة"، والسياسة الإمبراطورية على الكنيسة السريانية، ورأت الإمبراطورية -من وجهتها السياسية- أن في هذا تمردًا على السلطان: سلطانها السياسي من جهة، وعلى الكنيسة الجامعة من جهة أخرى، ومن هنا راحت تقضي بعنف على تلك الكنائس المحلية، ذوات الصبغة القومية، أو المنزع الاستقلالي لغة ودينا.
هذا من حيث الموقف السياسي.
وأما من الناحية الدينية -وهي التي تكمن وراء هذا الاختلاف بين أنطاكية والإسكندرية وما بينهما من منافسة وميول متعارضة- فإن الكنيسة السريانية كانت تنزع إلى تناول اللاهوت بما يمكن أن نسميه تناولا عقليا -مشوبا بالحذر- بقدر ما يحتاج إليه النص المقدس: من حيث الفهم، أو التأويل.
وأما الإسكندرية: فكانت تميل إلى تناوله تناولا فلسفيا يوافق القوعد اليونانية، أو تناولا رمزيا، وفق رمزية الهند وفارس، وقد تعدى الخلاف الشكلي إلى انقسام حقيقي في العقيدة.
فأصبحت الكنيسة السريانية تذهب إلى إنكار إمكان إطلاق لقب والدة الإله على العذراء مريم، ذاهبة إلى أنها لم تكن إلا أُمًّا لعيسى؛ باعتباره بشرًا آدميًّا، وطرد في سبيل ذلك نسطورس بقرار من مجمع أفسوس سنة ٤٣١ بزعامة كرلس، بطريرك الإسكندرية، ولكن السريان لم يقبلوا هذا القرار، ورفضوا قرارات المجمع، وانفصلوا، وعرفوا باسم النساطرة، وانبرت الرها تعضد نستوريوس٢ بوجه عام، واقترن النساطرة بالرها والمنطقة العربية عموما.
_________________
(١) ١ يراجع: ما كتبناه عن أنطاكية في هذا الكتاب. ٢ رجع نستوريوس إلى الدير الذي جاء منه بالقرب من أنطاكية، ثم نُفي إلى البتراء في بلاد العرب وتوفي بعد عام ٤٣٩ بقليل، ولعل معلومات الشهرستاني عن نسطورا غير دقيقة فيقول: النسطورية أصحاب نسطور الحكيم، الذي ظهر زمان المأمون، وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه.
[ ٢٣٦ ]
ومنذ أن أصبح المذهب النسطوري مضطهدًا، ونحن نلاحظ سرعة في انتشاره وإشرافا، وتوجيها، وسيطرة على الكنائس والمدارس في المنطقة العربية، وانتشر نشاط النساطرة بين العرب في الجنوب الغربي، ثم اتجه نحو الشرق عبر آسيا الوسطى إلى أن بلغ الشرق الأقصى.
ومن المدن العربية الكبرى التي تنصرت: الحيرة، وذلك حوالي نهاية القرن السادس، وذلك حين تنصر النعمان ملك الحيرة، وتبع هذا تحول كثير من الأعراب إلى المسيحية، وهم من قبيلة اللخميين يؤلفون الأرستوقراطية الحاكمة في الحيرة.
يقول ابن هشام: وبنجران بقايا من أهل دين عيسى على الإنجيل، أهل فضل واستقامة من أهل دينهم لهم رأس يقال له: عبد الله بن تامر.
يقول ديلاسي أوليري: ويبدو أن هؤلاء الذين اعتنقوا المسيحية قد أخذوا المذهب النسطوري، وارتضوا أن يقوم بخدمة القداس رجال الدين النساطرة، الذين يتكلمون السريانية.
وعلى الرغم من هذا كله فشلت المسيحية في أن تمد جذورها بين العرب فلم يتأثر وسط الجزيرة العربية بالمسيحية.
خلاصة القول كما يقول دوزي أن المسيحية لم تستطع بما فيها من تقاليد وعقيدة التثليث وعقيدة صلب المسيح أن تجذب انتباه العرب أو أفكارهم١.
ومن وجهة النظر العامة: عجزت المسيحية أن تنتشر في الشرق مثل انتشارها في الغرب؛ وذلك للسبب الذي يقوله "رينان"؛ لأنها الوارثة بلا واسطة لآثار الآراميين من مدرسة الإسكندرية.
_________________
(١) ١ حضارة الإسلام: ص٢٨ صلاح الدين خودابخش ترجمة د/ علي حسني الخربوطلي.
[ ٢٣٧ ]
أصحاب الطبيعة الواحدة:
يرجع نشر عقيدة أصحاب الطبيعة الواحدة في المنطقة العربية إلى يعقوب البرادعي، ولم يذهب إليها مضطهدا، شأن نسطورس، إنما جاء به إلى المنطقة العربية الحارث بن جبلة ملك قبيلة غسان العربية، وكان قد قدم في ٥٤٣ ق. م. إلى بلاط
[ ٢٣٧ ]
ثيودورا، وكانت الحكومة البزنطية تمده بالمال لقاء حمايتها للحدود السورية، وكانت تسبغ عليه لقب ملك بصفة رسمية، وحدث في هذه الزيارة أن طلب الإذن لبعض الأساقفة فأجيب إلى طلبه.
فأعطى لبصرى يعقوب البرادعي.
وللرها: ثيودور
وأصبح أصحاب الطبيعة الواحدة مجتهدين، وموفقين في نشاطهم التبشيري، وكانوا يجوبون الصحارى في حمى قبيلة غسان العربية.
قال النابغة الذبياني في وصف آل غسان:
محلتهم ذات الإله ودينهم قويم فما يرجون غير العواقب
رقاق النعال طيب حجزاتهم يحيَّون بالريحان يوم السباسب١
يقول فيليب حتى: "وفي أيام البعثة المحمدية كان معظم هذه القبائل من المسيحيين، وكانت الأديرة، والصوامع، منتشرة في الوادي كله، وقد كان رهبان النساطرة ينتشرون من هذا المركز العام، فيجوبون خلال بلاد العرب كلها، ويزورون الأسواق الكبرى، ويعظون من يصيخون إليهم السمع، وقد جاء في السيرة أن النبي ﷺ قد ذهب إلى سورية في شبابه، والتقى بالقرب من بصرى براهب يدعى نسطورا.
ثم يقول فيليب حتى: وأصبحت بصرى التي بنيت كاتدرائيتها في عام ٥١٢ العاصمة الدينية في المنطقة، كما اشتهرت كمركز تجاري كبير، وتقول المرويات الإسلامية أن النبي محمد ﷺ مَرَّ بها هو وقافلته.
ويضيف "حتى" قائلا:
وهناك اطلع على كثير مما عرفه عن المسيحية.
ويقول حتى:
وقبل أن يزول الغساسنة نقلوا بعض الأفكار المسيحية التي كان لها تأثير مع بعض أفكار أخرى على الإسلام.
_________________
(١) ١ محلتهم: مسكنهم. ذات الإله: بيت المقدس. ويروى: مجلتهم، قال القتيبي: تقديره: كتابهم كتاب الله وكانوا نصارى وكتابهم الإنجيل. يوم السباسب: يوم الشعانين لأحد السابق لأحد الفصح عند النصارى. ديوان النابغة الذبياني ص١٢ دار صادر.
[ ٢٣٨ ]
وهكذا زودت الحضارة السورية الإسلام ببعض العناصر المبدعة، كما فعلت بالنسبة لليهودية والنصرانية من قبل١.
يقول الدكتور محمد عبد الله دراز:
وسوف لا نعول كثيرا على قصة بحيرا الراهب الواردة في الأثر والتي تذكر أن محمدًا -ﷺ- قابله وهو في الثانية عشرة من عمره عندما صاحب عمه أبا طالب في سفره إلى سورية، فالصواب يمنعنا من الأخذ بهذه المقابلة العارضة، واعتبارها مصدرا لتعليم محمد -ﷺ؛ لأن الحادثة إما أنها أسطورية، أو أنه يتعين علينا أخذ كل الوقائع التي تذكرها في الحسبان، وحينئذ نجد أن القصة تذكر أن هذه المقابلة كانت في حضور جميع أفراد القافلة، وأن محمدا كان في دوره "مسئولا" لا مستمعا، وبانتهاء الاستجواب: خلص الراهب إلى نبوءة مضموها توقع بعثة هذا الشاب رسولا في المستقبل؛ إن الفكرة إذن تفند نفسها٢.
ونحب أن نعرض للرواية التاريخية التي ذكرت مقابلة الرسول ﷺ لبحيرا الراهب، والرواية التي ذكرت مقابلة ثانية في مرحلة أخرى من العمر لنسطورا الراهب.
_________________
(١) ١ تاريخ سورية ولبنان وفلسطين جـ١ ص. ٢ مدخل إلى القرآن: عرض تاريخي مقارن ص١٣٤ الدكتور محمد عبد الله دراز، ترجمة محمد عبد العظيم، ومراجعة د/ السيد محمد بدوي. اقرأ مقال هوارب بالجريدة الآسيوية عدد يوليو أغسطس ١٩٠٤ بعنوان: مصدر جديد للقرآن حيث ورد ما يلي في الخاتمة: لا تسمح النصوص العربية التي عثر عليها ونشرت وبحثت منذ ذلك الوقت بأن نرى في الدور المسند إلى هذا الراهب السوري إلا مجرد قصة من نسيج الخيال.
[ ٢٣٩ ]
رواية بحيرا:
قال ابن إسحاق: التقى بحيرا برسول الله وهو ابن تسع سنين، وفي الطبري: ابن اثنتي عشرة سنة.
وكان الرسول قد خرج مع ركب أبي طالب وهو في تجارته إلى الشام، فمر على راهب في صومعته في بصرى: هو بحيرا، فمن بحيرا؟
[ ٢٣٩ ]
قال ابن إسحاق: بحيرا كان إليه علم أهل النصرانية.
ووقع في سيرة الزهري: بحيرا كان حبرا من يهود تيماء.
وفي المسعودي: أنه كان من عبد القيس واسمه سرجيس، تلك رواية بحيرا.
ثانيا- رواية نسطورا الراهب:
رآه الراهب تحت ظل شجرة، وهو في رحلته بتجارة خديجة إلى الشام.
وتذكر الرواية: أنه ليس بحيرا الراهب؛ لأن هذه الرواية كانت بعد العشر.
الروايتان تفيدان معا:
التقاءهما بالرسول ﷺ، وهو في رحلة تجارية مع قبائل قريش، وأن الرسول ﷺ لم يجالسهما، وإنما تكلم في شأن مستقبله مع شيخ الركب، وأنهما نصحا بعودته خوفا عليه من الروم أو اليهود، ولم يقترحا استبقاءه معهما حتى عودة القافلة من رحلتها، فالمسيحية الأولى: قامت بالدور التبشيري لمستقبل رسالة الإسلام ونبيه. وهذا ما تقرره الروايتان: أنهما لم يتحدثا إليه، لا من قريب ولا من بعيد في شأن تعلمه.
وعلى احتمال أنه تعلم منهما واستمع إليهما، فأي شيء تعلمه منهما؟
وعقيدة أي مذهب تعلم؟ هل العقيدة النسطورية؟ أو عقيدة مذهب الطبيعة الواحدة، وكلاهما كان منتشرا في تلك المنطقة؟ ثم ما المدة الزمنية التي تكفي لإحاطته بالمسيحية؟
بعض المستشرقين يرى أن وراء هذه الروايات دورا تاريخيا في صلة الرسول بالمسيحية، ومثل هذه الآراء وجدت من بحوث المستشرقين ما ناهضها، وناقضها، ووفق مناهج بحوثهم أثبتوا تفاهتها من عدة أمور منها:
- عدم تعرض القرآن لمشكلات المسيحية.
- تناقض ما جاء في القرآن عنها مع شعراء العرب المعاصرين للنبي -ﷺ- وقد ثبت من تحرير شعرهم أنهم كانوا على صلة بالمسيحية: كأعشى قيس شاعر
[ ٢٤٠ ]
الغساسنة، وكأمية بن أبي الصلت الذي بات آسفا على نفسه وخيبة رجائه في فشل قيادته الدينية، وهم على ذلك الحال لم يتقولوا على محمد -ﷺ- بأنه أفاك.
- الحاجز اللغوي: الذي أشار إليه القرآن بين الرهبان ومحمد يمنع ما ينتج من هذه الروايات.
- يقرر هوارت: Huart: أنه مهما كان إغراء الفكرة التي تقول بأنه تفكير المصلح الشاب "محمد" -ﷺ- قد تأثر بقوة عندما شاهد الديانة المسيحية بسورية، فإنه يجب استبعادها؛ نظرا لضعف الأسس التاريخية للوثائق التي كانت أمامنا، وعدم وجود روايات صحيحة غيرها.
وسوف نرى رأيا لمستشرق قدم بحثا مفصلا ودقيقا في هذه الموضوعات١ قال ذاك المستشرق: ومن البهتان ما شاع من القول أن النبي -ﷺ- علم من هؤلاء قصص التي تحتل مكانا بارزا في القرآن.
وقد قال أعداؤه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُون﴾ ٢.
وفي القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ٣
وفيه أيضا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ ٤.
وهؤلاء المسيحيون المستضعفون في مكة لم يكونوا هيئة منظمة، ولم يكن لهم أسقف.
ويقول هذا المستشرق عن أصحاب الطبيعة الواحدة:
_________________
(١) ١ علوم اليونان وسبل انتقالها إلى العرب: دالاسي أوليري ترجمة دكتور: وهيب كامل مراجعة زكي على ص٨٩، ٩٠، ١٢٤ Voir it Arapic a ccidutal avant I'Hegie la mance بلاد العرب قبل الهجرة. ٢ الآية ١٤ من سورة الدخان. ٣ الآية ١٠٣ من سورة النحل. ٤ الآية ٤ من سورة الفرقان.
[ ٢٤١ ]
وكانت مدينة نجران، في بلاد العرب، غير بعيدة عن مكة وهي الأخرى مسيحية تدين بمذهب الطبيعة الواحدة، ولا نستطيع أن نحدد مركزا لأصحاب الطبيعة الواحدة يدّعي نقل الثقافة اليونانية إلى العرب بالثقة نفسها التي حددنا بها مركز النساطرة في جنديسابور.
ومع ذلك لا يمكن إغفال هذه الصلة؛ لأن مراكز أصحاب الطبيعة الواحدة كانت في الحق أديرة، ولم تكن جامعات، كما كان الأمر في جنديسابور، ولذلك لم تكن مراكزهم وثيقة الصلة بالعرب، كما كانت مدرسة النساطرة.
ويقول عن مدرسة نصيبين:
وكانت مدرسة نصيبين مزدهرة إبان الفتح الإسلامي، ولكنها لم تكن فيما يبدو ذات أثر مباشر على العرب، ولعل السبب في ذلك أنها كانت لاهوتية صرفة.
ثم يقول: لم تكن "في المنطقة العربية" كتب بالعربية، ولم تكن في العربية ترجمة للكتاب المقدس، ولم يكن هناك قداس باللغة العربية.
ثم قال: إن الثقافة اليونانية لم تنتقل إلى العرب عن طريق الاتصالات الأولى، ولقد تحقق انتقال العلوم اليونانية إلى العرب، عندما استقرت الخلافة العربية في مدينة بغداد.
ثم يقول: "إن الفتح العربي في سنة ٦٣٢ لم يوقف الحياة الدينية أو الفكرية لطائفة النساطرة أو أصحاب الطبيعية الواحدة".
ويتكلم صاحب تاريخ سورية عن علاقة المسلمين بالمسيحيين فيقول:
"لقد فرض العرب الجزية وتركت الطوائف التي تدفع الجزية حرة تتبع قوانينها وديانتها وتقاليدها وتحيا حياتها الفكرية الخاصة١.
ولقد كتب أحد بطاركة الكنيسة الشرقية يقول:
إن العرب الذين أولاهم الله السلطة على العالم في هذا العهد هم -كما تعلمون- يقيمون بيننا ولا يتخذون من النصرانية موقف عداء بل هم على عكس من
_________________
(١) ١ تاريخ سورية ص١٤٣.
[ ٢٤٢ ]
ذلك يمتدحون ديننا ويجلون الكهنة والقديسين ويجودون بالتقدمات للكنائس والمناسك١".
بعد ذلك نقول عن المسيحية في المنطقة العربية:
عجزت المسيحية -قبيل الإسلام- على الرغم من تعدد مراكزها وانتشار رجالها في المنطقة العربية عن أن تكون دينا للمنطقة العربية سوى بعض قبائل اعتنقوها تزلفا سياسيا، ولعل عدم انتشارها يرجع إلى عدة عوامل كامنة في المسيحية ذاتها مثل:
- التنافس بين مذاهبها.
- انشقاقاتها العقدية حول طبيعة المسيح والموضوعات المتعلقة بها.
- الاضطهاد السياسي للمذاهب التي تسربت من اضطهاد القيصر لها ثم اعتنقها الناس.
- عدم رضا بعض رجال الكنائس عن عملية التوفيق بين المسيحية والتراث الفلسفي اليوناني الذي أظهر المسيحية من حيث معارفها الفلسفية كأنها منظمة مزيجها يوناني وروماني، ومخلخلة البينان من حيث بناؤها الديني.
هذه الأمور وغيرها ساعدت الناس على أن يرغبوا عنها؛ لأن الوجه الهليني الذي ظهرت به طبع عليها أخص خصائصه: وهو الوثنية؛ إذ الفلسفة اليونانية لا تحب إلا أن تكون وثنية في جوهرها.
وبات عجز المسيحية عن الانتشار واضحا في المنطقة العربية، وبلغ من عجزها أن ظهرت عبادات قريبة الشبه بها كالزرادشتية والبوذية بين الجماعات المسيحية نفسها.
وظهرت المانوية وهي من أخطر العبادات الجديدة، وقد أسسها ماني حوالي ٢٤٦م وقد مات ماني في السجن بسبب معتقداته.
_________________
(١) ١ مدخل إلى القرآن الكريم -عرض تاريخي وتحليل مقارن: الدكتورة عهد محمد عبد الله دراز ص١٣٧.
[ ٢٤٣ ]
وهذا وغيره أدى إلى انصراف الناس عنها إلى اعتناق هذه المذاهب، فكانت هذه المذاهب على خطورتها -في نظرهم- أقل تعقيدا في قضاياها، وأجمع للقلوب؛ لقلة اختلاف ذويها، ولا تُناظر المسيحية من حيث جفاف روحها الديني.
يقول تايلور في كتابه "المسيحية القديمة": أما ما قابله محمد -ﷺ- وأتباعه في كل اتجاه فلم يكن إلا خرافات منفرة، ووثنية منحطة، ومخجلة، ومذاهب كنيسة مغرورة، وطقوسا دينية منحلة، وصبيانية، بحيث شعر العرب ذوو العقول النيرة: بأنهم رسل من قبل الله، ومكلفون بإصلاح ما ألم بالعالم من الفساد١.
ويقول الدكتور شوقي ضيف: على أن هناك آفات كانت تشيع في هذا المجتمع الجاهلي لعل أهمها الخمر واستباحة النساء والقمار.
ثم يقول: وأكثر من كان يتجر بها -أي الخمر- اليهود والنصارى، وكانوا يجلبونها لهم من بصرى وبلاد الشام ومن الحيرة وبلاد العراق.
ويقول: إنهم كانوا يضربون خيامهم في بعض الأحياء أو في بعض القرى، ويضعون فوقها راية تعلن عنهم فيأتيهم الشباب؛ ليشربوا، وليسمعوا بعض القيان ممن يصاحبنهم٢.
ومن جانب المقابلة بين التراث الشرقي والتراث الغربي نقول:
استطاع الشرق بعد أن هزم سياسيًّا: أن يرفض بعنف سيطرة التراث اليوناني الروماني، وحاول حصره داخل مدرسة الإسكندرية، وأن يصر بعنف بالغ -كما رأينا في موقف اليهودية- على رفض الوثنية الدينية، وتعرض اليهود من أجل ذلك إلى الشتات؛ وذلك في سبيل عقيدتهم. وهذا موقف يصم السياسة بأنها لا تستطيع تغير من عقائد الناس. هذا من ناحية الموقف الرافض للتراث الهليني من قبل اليهود.
_________________
(١) ١ مدخل إلى القرآن -عرض تاريخي مقارن د/ محمد عبد الله دراز ص١٣٧. ٢ العصر الجاهلي ص٧٠.
[ ٢٤٤ ]
أما المسيحية بعد ما بيَّنَّا موقفنا فإننا نلاحظ في النهاية -وهي دين شرقي- أنها سيطرت من جانبها على الوثنية الرومانية، وتشكلت الدولة الرومانية بالمسيحية، وحملت -ضمن أعبائها- عبء مشاكلها وتبعة نشرها.
وليس في الأمر -كما رأينا- عجز في طبيعة العقل الشرقي أو انحطاط الشرق عن الغرب كما يزعمون، إنما كل ما في الأمر أن الورمان تبنوا -والغرب بعدهم- الثقافة الهلينية وهي ما كانت تعنيهم.
أما حضارة الشرق فإن الإسكندر ما استطاع -ولا خلفاؤه من بعده- أن يقرها وإن هزمه سياسيَّا وحربيًّا غير أنه لم يقهره ثقافيًّا؛ لأنه لا يحب أن يكون منتميا إلا إلى نفسه من خلال تراثه السماوي أو الوضعي، وليس لعلة مرضية كما يزعمون حين يعللون رفض الشرق التراث اليوناني ووثنيته، وإذا كان كذلك فكيف يكون مريضًا وعنده من الوعي الحضاري الذي به فرض رسالته الدينية عليه؟ وهذا أعقد ما في المسألة..
وفي ذلك ما يفيد -من وجه آخر للمسألة- أن رسالة الشرق الدينية ضرورية للإنسانية، وذلك يفسر فيما بعد ظهور الإسلام: وإلا فلماذا أخذ الغرب بالدين الشرقي؟
ألسنا أمام مشكلة فيها تقابل الاستفهام وهو: لماذا رفض الشرق التراث الهليني؟
ولماذا قبل الغرب الدين الشرقي؟
وفي النهاية نقول: وحقيقة دور المسيحية واليهودية من خلال مصادر تاريخية أنهم كانوا وفق نصوصهم يعتقدون في "مسيا"١ جديد -أي: الممسوح بالطيب أو الذي مسحه يهوه بالطيب- وكانوا يذهبون إلى تفسير اضطهادهم بأن التاريخ -وفق تصورهم- يدور؛ ليحقق عودة مجتمعهم الذي تتحقق فيه الإرادة الإلهية واستفاضة نبوءتهم.
_________________
(١) ١ تراث العالم القديم ص٩٤.
[ ٢٤٥ ]
يقول ابن سعد: كان في بني تميمك محمد بن شعبان بن مجاشع، وكان أسقفا يذكر سبب تسميته محمدا، قيل لأبيه: إنه يكون للعرب نبي اسمه محمد، فسماه محمدا١.
يقول ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من فوقه قالوا:
إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله تعالى وهداه ما كنا نسمع من رجال يهود -كنا أهل شرك، أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب، عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه تقارَبَ زمانُ نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم٢.
كان اليهود دائما يبشرون بمسيا يخلصهم من وطأة ما وقع عليهم من شدائد حتى بعد مجيء المسيح٣.
فهذه النصوص التاريخية تفيدنا أن المسيحية أو اليهودية على حد سواء قامتا بدور تبشيري بنبي قرب مبعثه فكيف بعد مجيء محمد رسولا ينكرون عليه رسالته؟ لا أرى باعثًا على ذلك سوى أنهم كانوا يحاولون تزييف التاريخ الديني للرسالات الإلهية، وتلك قضية أثبتها القرآن حين أثارها عليهم.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى "١: ١٦٩". ٢ المرجع نفسه "١: ١٦٩". ٣ تراث العالم القديم ص٩٤.
[ ٢٤٦ ]
التنظيم الديني:
من الألفاظ التي لها علاقة بالدرجات والرتب الدينية عند النصارى لفظة البطرك، والبطريق -وقد وردت لفظة- البطريق- في شعر ينسب إلى أمية بن أبي الصلت، وقد ذهب علماء اللغة إلى أن البطرك هو مقدم النصارى، وهو في معنى البطريق أيضا.
وبين البطريق والأسقف منزلة يقال لشاغلها: المطران، وقد عرف بأنه دون البطرك وفوق الأسقف.
[ ٢٤٦ ]
وقد ذكر القلقشندي بأنه القاضي الذي يفصل الخصومات بين النصارى.
والأسقف من الألفاظ التي تدل على منزلة دينية عند النصارى، وقد وردت في كتب الحديث. وقد ذكر بعض علماء اللغة أنه إنما سمي أسقف النصارى أسقفا؛ لأنه يتخاشع١.
والقس من الألفاظ الشائعة بين النصارى، ولا تزال مستعملة حتى الآن، ويقال لها قسيس في الوقت الحاضر أيضا، وهي من أصل آرامي هو Gachicho ومعناه كاهن وشيخ، وقد جمعها أمية بن أبي الصلت على قساقسة٢، وذكر بعض علماء اللغة أن القس والقسيس: العالم العابد من رءوس النصارى، وقد وردت لفظة "قسيسين" في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾ [المائدة: ٨٢] .
وترد لفظة شماس في جملة الألفاظ التي لها معادن دينية عند النصارى الجاهلية، وهي من الألفاظ الحية التي لا تزال تستعمل في هذا اليوم أيضًا وتعدُّ من الألفاظ المعربة عن السريانية، وتعني خادم، ومنها البيعة، فهي إذن ليست من الوظائف الدينية الكبيرة، وإنما هي من المراتب الثانوية في الكنيسة.
وورد في كتاب رسول الله إلى سادة نجران: "لا يغير أسقف عن سقيفاه ولا راهب عن رهبانيته ولا واقف عن وقفانيته" ويظهر من هذا الكتاب أن الواقف منزلة من المنازل الدينية التي كانت في مدينة نجران والظاهر أنها تعني الواقف على أمور الكنيسة أي الأمور الإدارية والمالية والمشرف على أوقافها وأملاكها٣.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٦٣٨، ص٦٣٩ وانظر تاج العروس ٦/ ٢٩٦ النصرانية وآدابها، صبح الأعشى ٥/ ٤٧٢، اللسان ١١/ ٥٦. ٢ المفصل جـ٦ ص٦٤٠، ص٦٤١ الطبقات لابن سعد ١/ ٣٥٨. ٣ لو كان منفلت كانت قساقسة يحييهم الله في أيديهم الزبرُ
[ ٢٤٧ ]
الراهب:
هو المتبتل المنقطع إلى العبادة وعمله هو الرهبانية، وقد ذكر بعض علماء اللغة أن الرهبانية غلو في تحمل التعبد من فرط الرهبة، وقد ذكرت الرهبانية في القرآن الكريم، وذكرت في الحديث. وقد نهى عنها الإسلام: لا رهبانية في الإسلام. وقد ندد القرآن الكريم كثيرًا من الأحبار والرهبان فورد: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ ١، ومن عادات الرهبان وتقاليدهم التي وقف عليها أهل الجاهلية الامتناع عن أكل اللحوم والودك أبدا أو أمدا، وحبس النفس في الأديرة والصوامع والكهوف، والاقتصار على أكل الصعب من الطعام والخشن من الملبس، ولبس السواد والمسوح، وهي عادة انتقلت إلى الأحناف أيضا وإلى الزهاد من الجاهليين الذين نظروا نظرة زهد وتقشف إلى هذه الحياة، كما كانوا لا يهتمون بشعورهم فكانوا يطلقونها ولا يعتنون بها، ولذلك كانت شعورهم شعثا، وعبر عن الراهب بالأشعث؛ لأنه كان يطلق شعر رأسه ولا يحلقه ولا يعتني به٢.
وقد نهى الرسول بعض الصحابة -مثل عثمان بن مظعون- وهو من النصارى في الأصل من تقليد الرهبان في الإخصاء وفي الامتناع عن الزواج ومن التشدد في أمورٍ أحلها الله للناس. ويظهر أن هذا التشدد إنما جاء إليه وإلى أمثاله من وقوفهم على حياة الرهبان وعلى رأيهم وفلسفتهم بالنسبة لهذه الحياة، وفي حق هؤلاء نزل الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٨٧] .
وذكر أن الرسول لما سمع بابتعاد "عثمان" من أهله دعاه، فنهاه عن ذلك ثم قال: "ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم: ألا إني أنام وأقوم وأفطر وأصوم وأنكح النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني"، فنزلت الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلخ.
يقول لعثمان: لا تجبّ نفسك فإن هذا هو الاعتداء.
وورد في الحديث: "لا صرورة في الإسلام"، والصرورة التبتل وترك النكاح؛ أي ليس ينبغي لأحد أن يقول: لا أتزوج؛ لأن هذا ليس من أخلاق المسلمين بل هو من فعل الرهبان٣.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٦٤٣، وراجع الآيات -التوبة آية ٣٤، المائدة آية ٨٢، الحديد آية ٥٧. ٢ المفصل جـ٦ ص٦٤٤، ص٦٤٥ تفسير الطبري ٧/ ٨، أبو السعود ٤/ ١٤١. ٣ المفصل جـ٦ ص٦٤٥، ص٦٤٦، الطبري ٧/ ٦ روح المعاني ٧/٧.
[ ٢٤٨ ]
الساعور-الدير:
من أسماء المسيح وهو من أصل -سوعورو- Soouro- بمعنى زائر. وتطلق اللفظة على من يزور القرى ويطلع على أحوالها وذلك بأمر من الأسقف -والكنيس والكنيسة- موضع عبادة اليهود والنصارى فهما في مقابل المسجد الجامع عند المسلمين، والكلمة من الألفاظ المعربة عن الآرامية وتعني لفظة Knovchto كنشتو. كنشت في السريانية اجتماع ومجمع، وأطلقت بصورة خاصة على كنيس اليهود.
ولهذا نجد العرب يطلقونها على معبد اليهود كذلك، ويقال في العبرانية للكنيس "كنيستا" بمعنى محل الصلاة، ونجد الكتب العربية تفرق بين موضع عبادة اليهود وموضع عبادة النصارى، فتطلق "الكنيس" على موضع عبادة اليهود، والكنيسة على موضع عبادة النصارى١.
ومن الكنائس التي اكتسبت حرمة كبيرة عند النصارى العرب: كنيسة القيامة، وكنيسة نجران، وكنيسة الرصافة، وقد أشير في شعر للنابغة إلى صليب على الزوراء منصوب؛ أي على كنيسة، والصوامع والبيع هما من الألفاظ التي استعملها الجاهليون للدلالة على مواضع العبادة عند النصارى. وقد ذهب العلماء إلى أن البيعة من الألفاظ المعربة أخذت من السريانية.
وقال علماء اللغة العرب: الصومعة كل بناء متصمع الرأس أي متلاصقه، والأصمع اللاصقة أذنه برأسه، وقد أشير إلى البيع في القرآن: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ﴾ ٢ [الحج: ٤٠] .
لفظة الدير هي من الألفاظ النصرانية الشهيرة المعروفة بين العرب وهي أكثر اشتهارا من الألفاظ الأخرى التي لها علاقة بمواضع العبادة أو السكن عند النصارى.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٦٤٩ غرائب اللغة ص١٨٧، ص٢٠٤ النصرانية وآدابها. ٢ المفصل جـ٦ ص٦٥٠، ص٦٥١ أيضًا المعرب ص٨١، المفردات ص٢٨٨، اللسان ٨/ ٢٠٨.
[ ٢٤٩ ]
كما كانت محلا ممتازا للشعراء ولأصحاب الذوق والكيف حيث كانوا يجدون فيها لذة ومتعة تسر العين والقلب من خضرة ومن ماء بارد عذب ومن خمر يبعث فيهم الطرب والخيال، ولذلك أكثر الشعراء في الجاهلية والإسلام من ذكر الأديرة في شعرهم حتى الشعراء النصارى مثل -عدي بن زيد العبادي- يترنم في شعره بذكر الدير؛ لأنه نادم فيه -بني علقما- وعاطاهم الخمر ممزوجة بماء السماء. ولفظة "الدير" هي مثل أكثر الألفاظ النصرانية من الألفاظ المعربة -عربت من أصل سرياني هو دير Dayr بمعنى دار- أي بيت الراهب١.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٦٥٣، ص٦٥٤، وأيضا غرائب اللغة ص١٨٢.
[ ٢٥٠ ]
المحراب، الهيكل، قنديل:
من الألفاظ التي استعملها النصارى في أمور دينهم -إذ أطلقوها على صدر كنائسهم وقد استعملت في الإسلام أيضا؛ حيث يشير إلى القبلة، ويؤم الإمام فيه المصلين.
وقد ذكر بعض علماء اللغة أن محاريب بني إسرائيل مساجدهم التي كانوا يصلون فيها، وقد وردت لفظة المحراب في أشعار بعض الجاهليين كما وردت بالقرآن الكريم٢ وفي الشعر الجاهلي٣.
ويذكر علماء اللغة أن الهيكل بيت النصارى فيه صورة مريم وعيسى، وربما سمى به ديرهم، وأن الهيكل: العظيم واستعمل للبناء العظيم، ولكل كبير، ومنه سمي بيت النصارى الهيكل.
لفظة قنديل من الألفاظ المعربة، أصلها يوناني هو Candela أي شمعة، وقد دخلت إلى العربية قبل الإسلام عن طريق الاتصال التجاري بين جزيرة العرب وبلاد الشام٤.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٦٥٣، ص٦٥٤، وأيضا غرائب اللغة ص١٨٢. ٢ آل عمران آية ٣٧، ٣٩، مريم آية ١١، ص آية ٢١. ٣ المفصل جـ٦ ص٦٥٥، ص٦٥٦. ٤ المفصل جـ٦ ص٦٥٧.
[ ٢٥٠ ]
ومن أهم العلامات الفارقة التي ميزت معابد النصارى عن معابد اليهود والوثنيين الناقوس الذي ينصب فوق سطوح الكنائس وفي منائرها للإعلان عن أوقات العبادة ولأداء الفروض الدينية، وهو عند الجاهليين خشبة طويلة يقرع عليها بخشبة أخرى قصيرة يطلقون عليها "الوبيلة"، وهو في مقبال البوق عند يهود يثرب إذا أرادوا الإعلان عن مواعيد العبادة، وقد عرف هذا البوق بين عرب يثرب بـ القنع، وبـ الشبور، وقد ذكر علماء اللغة أن الشبور شيء يتعاطاه النصارى بعضهم لبعض كالقربان يتقربون به١.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٦٥٨، وأيضا عمدة القارئ ٥/ ١٠٢، اللسان ٨/ ١٢٦، ٦/ ٥٩.
[ ٢٥١ ]
أثر النصرانية في الجاهليين:
وأهل نجران هم الذين كانوا يجادلون الرسول في طبيعة "المسيح" فلم يكن بمكة أو يثرب قوم منهم يستطيعون مجادلته في أمور الدين.
وقد ذكر بعض المفسرين أن أهل نجران كانوا أعظم قوم من النصارى جادلوا الرسول في "عيسى" جاءوا إلى الرسول فقالوا له: ما شأنك تذكر صاحبنا؟ فقال: "من هو؟ " قالوا: عيسى؛ تزعم أنه عبد الله، فقال: "أجل إنه عبد الله". قالوا: فهل رأيت مثل عيسى، أو أنبئت به؟. ثم خرجوا من عنده غاضبين.
وقالوا: إن كنت صادقا فأرنا عبدا يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه.
فلما عادوا قال رسول الله: "مثل عيسى كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون".
لقد كانت النصرانية عاملا مهما بالطبع في إدخال الآراء الإغريقية، والسريانية إلى نصارى العرب، فقد كانت الكنيسة مضطرة إلى دراسة الإغريقية، ولغة بني "إرم"؛ لما للُّغتين من قدسية خاصة نشأت من صلتهما بالأناجيل.
[ ٢٥١ ]