"عرب" ومدلوله التاريخي:
إذا أطلق لفظ العرب بعد الإسلام، أردنا سكان جزيرة العرب والعراق، والشام، ومصر، والسودان، والمغرب.
أما قبل الإسلام؛ فإنه يختلف عما بعد الإسلام من حيث:
مفهومه وجغرافيته؛ ففي التاريخ الفرعوني، والفينيقي والأشوري كان يراد بالعرب: أهل البادية في القسم الشمالي من جزيرة العرب، وشرق وادي النيل في البقعة الممتدة بين الفرات في الشرق والنيل في الغرب، ويدخل فيها بادية العراق والشام، وشبه جزيرة سيناء، وما يتصل بها من شرق الدلتا والبادية الشرقية بمصر بين النيل والبحر الأحمر١.
وكان المصريون يسمون الجبل الشرقي الذي يحد النيل في الشرق جبل العرب، وكان لفظ العرب في التاريخ القديم يرادف لفظ "بدو" أو بادية، وهو معنى هذا اللفظ في اللغات السامية، ومنها في اللغة العبرانية "البادية" يقابلها في اللغة العربية "العرابة" في وادي موسى، والأعراب سكان البادية خاصة ولا مفرد لها، ولما تحضر بعض قبائل العرب قديما وأقاموا في مدن اليمن والحجاز وحوران وغيرها لم يعد لفظ العرب محصورا في "البدو" فتنوع معناه كما تنوع مسماه.
يقول جورجي زيدان٢: فاضطروا إلى كلمات تميز بين الحالين فاستعملوا لفظ "الحضر" لأهل المدن. و"البدو" لأهل البادية ولم يبقَ للفظ "العرب" من معنى البداوة إلا في مثل ما اصطلح عليه العرف في قولهم "أعرابي".
وكان النسابون إذا ذكروا بعض قبائل الحضر وبدوها؛ قالوا: القبيلة الفلانية و"أعرابها" ويعرف العرب عند السريانيين باسم: "طاية" نسبة إلى طيء إحدى قبائلهم.
_________________
(١) ١ معجم البلدان جـ٣ ص٦٣٣. ٢ العرب قبل الإسلام جـ١ ص٣٦ طبعة ١٩٠٨.
[ ٨٧ ]
وكان الساميون في أعالي جزيرة العرب، وقد خيم بعضهم في البادية بين العراق والشام، فمن تحضر منهم هناك خدم دولتها في الحروب، فكان سكان تلك المدن يسمونهم "آراميين" أي أهل الجبال، وأهل ما بين النهرين يسمونهم "عمورو" أي أهل الغرب؛ لأن بلادهم واقعة غرب الفرات وهو اسمهم القديم في بابل.
وقد يراد بالعمورو أهل غرب الفرات من بدو وحضر إلى البحر المتوسط ثم سموهم "عريبي" أو عرب، ومعناها في اللغة السامية الأصلية "الغربيون" وكانوا يسمون بلادهم "حات عربي" أي بلاد الغربيين أو بلاد العرب.
يقول جورجي زيدان: وبما أن تلك البلاد صحراء بادية صار لفظ "عرب" في اللغات السامية يدل على البادية كما في العبرانية والعربية، ويقول جواد علي: وترى علماء العربية حيارى في تعيين أول من نطق بالعربية، فبينما يذهبون إلى أن "يعرب" كان أول من أعرب في لسانه وتكلم بهذا اللسان العربي، ثم يقولون: ولذلك عرف هذا اللسان باللسان العربي، تراهم يجعلون العربية لسان أهل الجنة ولسان آدم؛ أي أنهم يرجعون عهده إلى مبدأ الخليقة، وقد كانت الخليقة قبل خلق "يعرب" بالطبع بزمان طويل، ثم تراهم يقولون: أول من تكلم بالعربية ونسى لسان أبيه إسماعيل.
ألهم إسماعيل هذا اللسان العربي إلهاما، وكان أول من فتق لسانه بالعربية المبينة وهو ابن أربع عشرة سنة، وإسماعيل هو جد العرب المستعربة على حد قولهم١.
_________________
(١) ١ الفصل جـ ص١٤، تاج العروس جـ٢ ص٣٥٢، اللسان جـ٢ ص٧٢.
[ ٨٨ ]
رأي المستشرقين وعلماء التوراة:
أما المستشرقون وعلماء التوراة المحدثون، فقد تتبعوا تأريخ الكلمة وتتبعوا معناها في اللغات السامية، وبحثوا عنها في الكتابات الجاهلية وفي كتابات الآشوريين والبابليين واليونان وغيرهم، فوجدوا أن أقدم نص وردت فيه لفظة عرب هو نص آشوري من أيام الملك "شلمنصر الثالث" ملك آشور، وقد تبين لهم أن لفظة عرب لم تكن تعني عند الآشوريين ما تعنيه عندنا من معنى، بل كانوا يقصدون بها بداوة وإمارة -مشيخة- كانت تحكم في البادية المتاخمة للحدود الآشورية، كان حكمها
[ ٨٨ ]
يتوسع ويتقلص في البادية تبعًا للظروف السياسية ولقوة شخصية الأمير، وكان يحكمها أمير يلقب نفسه بلقب "ملك" يقال له "جنديبو" أي جندب -كانت صِلاته سيئة بالآشوريين؛ لاشتراكه في تحالف عسكري مع ملك دمشق الآرامي "وأحاب" ملك العبرانيين؛ لضرب ملك آشور، وهذا أول نص فيه ذكر واضح لزعيم عربي١.
ووردت في الكتابات البابلية جملة "ماتو أربي" Matu Arabaai ومعنى "ماتو" "متو" أرض فيكون المعنى أرض عربي. أي أرض العرب أو بلاد العرب أو العرب أو العربية أو بلاد الأعراب -بعبير أصدق وأصح؛ إذ قصد بها البادية، وكانت تحفل بالأعراب٢- ومراد البابليين أو الآشوريين أو الفرس من العربية أو بلاد العرب البادية التي في غرب نهر الفرات الممتدة إلى تخوم بلاد الشام٣، وبهذا المعنى أي معنى البداوة والأعرابية والجفاف والفقر وردت اللفظة في العبرانية وفي لغات سامية أخرى، ويدل ذلك على أن لفظة "عرب" في تلك اللغات المتقاربة هو البداوة وحية البادية أي معنى "أعراب" وإذا راجعنا المواضع التي وردت فيها كلمة "عربي، وعرب" في التوراة نجدها بهذا المعنى تماما، ففي كل المواضع التي وردت فيها في سفر "أشعياء" مثلا نرى أنها استعملت بمعنى بداوة وأعرابية كالذي جاء فيه: "ولا يخيم هناك أعرابي"، و"وحي من جهة بلاد العرب في الوعر في بلاد العرب تبيتين يا قوافل الردانيين"، فقصد بلفظة عرب في هذه الآية الأخيرة البادية موطن العزلة والوحشة والخطر، ولم يقصد بها قومية وعلمية لجنس معين بالمعنى المعروف المفهوم٤.
ويرى بعض علماء التوراة أن كلمة "عرب" إنما شاعت وانتشرت عند العبرانيين بعد ضعف "الإسماعيليين" وتدهورهم وتغلب الأعراب عليهم، حتى صارت اللفظة مرادفة عندهم لكلمة "إشماعيليين"، ثم تغلبت عليهم فصارت تشملهم مع أن "الإشماعيليين" كانوا أعرابا كذلك أي قبائل بدوية تنتقل من مكان إلى مكان؛ طلبا للمرعى وللماء. وكانت تسكن أيضا في المناطق التي سكنها الأعراب أي أهل البادية، ويرى أولئك العلماء أن كلمة عرب لفظة متأخرة اقتبسها العبرانيون
_________________
(١) ١ تاريخ الشرق الأدنى ص١٢٠ فيليب حتى. ٢، ٣، ٤ المفصل جـ١ ص١٧، ص١٨، الإصحاح الثالث عشر آية ٢٠ والإصحاح الحادي والعشرون آية ١٣.
[ ٨٩ ]
من الآشوريين والبابليين بدليل: ورودها في النصوص الآشورية والبابلية، وهي نصوص يعود عهدها إلى ما قبل التوراة؛ ولشيوعها بعد لفظة "إسماعيليين"، ولأدائها المعنى ذاته المراد من اللفظة ربط بينهما وبين لفظة "إسماعيليين" وصارت نسبا، فصير جد هؤلاء العرب "إشماعيل" وعدوًا من أبناء "إسماعيل"١.
وأول من ذكر العرب من اليونان هو: "إسكيلوس" "أشيلس" ٥٢٥-٤٥٢٦ ق. م. - من أهل الأخبار منهم ذكرهم في كلامه على جيش "أحشويرش" وقال: إنه كان في جيشه ضابط عربي من الرؤساء مشهور، ثم تلاه "هيرودتس" شيخ المؤرخين نحو "٤٨٤-٤٢٥ ق. م." فتحدث في موضوعات من تأريخه عن العرب حديث يظهر منه أنه كان على شيء من العلم بهم، وقد أطلق لفظة "ARABAR" على بلاد سيناء وما بعدها إلى ضفاف النيل في بلاد العرب، فلفظة العربية عند اليونان والرومان هي في معنى بلاد العرب، وقد شملت جزيرة العرب وبادية الشام وسكانها هم عرب على اختلاف لغاتهم ولهجاتهم على سبيل التغليب؛ لاعتقادهم أن البداوة كانت هي الغالبة على هذه الأرضين فأطلقوها من ثم على الأرضين المذكورة٢، أما النصوص العربية الجنوبية فقد وردت فيها لفظة "أعرب" بمعنى "أعراب" ولم يقصد بها قومية أي علم لهذا الجنس المعروف الذي يشمل كل سكان بلاد العرب من بدو ومن حضر فورد: "وأعرب ملك حضرموت" أي "وأعراب ملك حضرموت"، وورد: "وأعرب ملك سبأ" أي: "وأعراب ملك سبأ"، وكالذي ورد في نص "أبرهة" نائب ملك الحبشة على اليمن؛ ففي كل هذه المواضع ومواضع أخرى وردت بمعنى أعراب، أما أهل المدن والمتحضرون فكانوا يعرفون بمدنهم أو بقبائلهم، وكانت مستقرة في الغالب، ولهذا قيل "سبأ" و"همذان" و"حمير" وقبائل أخرى بمعنى أنها قبائل مستقرة متحضرة تمتاز عن القبائل المتنقلة المسماة "أعراب" في النصوص العربية الجنوبية مما يدل على أن لفظة "عرب" "العرب" لم تكن تؤدي معنى الجنس والقومية، وذلك في الكتابات العربية الجنوبية المدونة والواصلة إلينا إلى قبيل الإسلام بقليل "٤٤٩م-٥٤٢م".
_________________
(١) ١ المرجع السابق جـ١ ص٢٠. ٢ المراجع السابق جـ١ ص٢١.
[ ٩٠ ]
يقول جواد علي: والرأي عندي أن العرب الجنوبيين لم يفهموا هذا المعنى من اللفظة إلا بعد دخولهم الإسلام، ووقوفهم على القرآن الكريم وتكلمهم باللغة التي نزل بها وذلك بفضل الإسلام بالطبع، وقد وردت لفظة "عرب" في النصوص علما لأشخاص١.
وقد عرف البدو -أي سكان البادية بالأعراب في عربية القرآن الكريم، وقد ذكروا في مواضع من كتاب الله، وقد نعتوا فيه بنعوت سيئة تدل على أثر خلق البادية فيهم.
وقد ذكر بعض العلماء أن الأعراب بادية العرب وأنهم سكان البادية٢، والنص الوحيد الذي وردت فيه لفظة "العرب" علما على العرب جميعا من حضر وأعراب؛ ونعت فيه لسانهم باللسان العربي، وهو القرآن الكريم، وقد ذهب "د. هـ. ملرا" إلى أن القرآن الكريم هو الذي خصص الكلمة وجعلها علما لقومية تشمل كل العرب، وهو يشك في صحة ورود كلمة عرب علما لقومية الشعر الجاهلي كالذي ورد في شعر لامرئ القيس، وفي الأخبار المدونة في كتب الأدب على ألسنة بعض الجاهليين، ورأْي "ملر" هذا رأي ضعيف لا يستند إلى دليل؛ إذ كيف تعقل مخاطبة القرآن قوما بهذا المعنى لو لم يكن لهم سابق علم به؟
وفي الآيات دلالة واضحة على أن القوم كان لهم إدراك لهذا المعنى قبل الإسلام، وأنهم كانوا ينعتون لسانهم باللسان العربي، وأنهم كانوا يقولون للألسنة الأخرى ألسنة أعجمية؛ قال تعالى: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]، ﴿هَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الأحقاف: ١٢] . إلخ هذه الآيات؛ ففي هذه الآيات وآيات أخرى دلالة على أن الجاهليين كانوا يطلقون على لسانهم لسانا عربيا، وفي ذلك دليل على وجود الحس بالقومية قبيل الإسلام.
ونحن لا نزال نميز الأعراب عن الحضر ونعدهم طبقة خاصة تختلف عن الحضر، فنطلق عليهم لفظة "عرب" في معنى "بدو وأعراب" أي المعنى الأصلي القديم،
_________________
(١) ١ المفصل جـ١ ص٢٣، ص٢٤. ٢ المفصل جـ١ ص٢٤.
[ ٩١ ]
ونرى أن عشيرة "الدولة" وعشائر أخرى تقسم سكان الجزيرة إلى قسمين حضر وعرب، ونقصد بالعرب أصحاب الخيام أي المتنقلين؛ وتقسم العرب -أي البدو- إلى: "عرب القبيلة"، "عرب الديرة" وهم العرب المقيمون على حافات البوادي والأرياف؛ أي في معنى "عرب الضاحية" وعرب الضواحي في اصطلاح القدماء -"القدامى"١.
وخلاصة ما تقدم أن لفظة "ع. ر. ب"، "عرب" هي بمعنى البداوة والأعرابية في كل اللغات السامية، ولم تكن تفهم إلا بهذا المعنى في أقدم النصوص التاريخية التي وصلت إلينا؛ وهي النصوص الآشورية وقد عنت بها البدو عامة مهما كان سيدهم أو رئيسهم، وبهذا المعنى استعملت عند غيرهم، ولما توسعت مدارك الأعاجم وزاد اتصالهم واحتكاكهم بالعرب وبجزيرة العرب توسعوا في استعمال اللفظة حتى صارت تشمل أكثر العرب على اعتبار أنهم أهل البادية وأن حياتهم حياة أعراب، ومن هنا غلبت عليهم وعلى بلادهم فصارت علمية عند أولئك الأعاجم على بلاد العرب وعلى سكانها، وأطلق لذلك كتبة اللاتين واليونان على بلاد العرب لفظة "Arabae"؛ أي العربية بمعنى البلاد العربية بلاد العرب٢.
_________________
(١) ١ المفصل جـ١ ص٢٤، ص٢٥. ٢ المفصل جـ ص٢٥، ص٢٦.
[ ٩٢ ]
الجاهلية:
اصطلاح مستحدث ظهر بظهور الإسلام، وقد أطلق على حال
العرب قبل الإسلام تمييزًا وتفريقًا لهذا عن الحالة التي صار عليها العرب بظهور الرسالة على النحو الذي يحدث عندنا وعند غيرنا من الأمم من إطلاق تسميات جديدة للعهود القائمة، والكيانات الموجودة بعد ظهور أحداث تزلزلها وتتمكن منها؛ وذلك لتمييزها وتفريقها عن العهود التي قد تسميها أيضا بتسميات جديدة، وفي التسميات التي تطلق على العهود السابقة مما يدل ضمنًا على شيء من الازدراء والاستهجان للأوضاع السابقة في غالب الأحيان١.
_________________
(١) ١ السابق جـ١ ص٣٧، المزهر ص١٧٦.
[ ٩٢ ]
"الجاهلية" أي أيام الجاهلية أو "زمان الجاهلية"؛ استهجانًا لأمر تلك الأيام الذي هو ضد الحلم، الأنفة والخفة والغضب، وما إلى ذلك من معانٍ، وهي أمور كانت جد واضحة في حياة الجاهليين، ويقابلها الإسلام الذي هو مصطلح "مستحدث أيضا ظهر بظهور الإسلام"، وعماده الخضوع لله والانقياد له، ونبذ التفاخر بالأحساب والأنساب والكبر وما إلى ذلك من صفات نهى عنها القرآن والحديث١.
وقد وردت الكلمة في القرآن الكريم في مواضع منه، منها آية سورة الفرقان قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، وآية سورة البقرة: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]، وآية الأعراف قوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين﴾ [الأعراف: ١٩٨] .
وفي كل هذه المواضع ما ينم على أخلاق الجاهلية؛ وقد ورد في الحديث: "إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل" ٢، وورد أيضا: "إنك امرؤ فيك جاهلية" ٣ وبهذا المعنى تقريبًا وردت الكلمة في قول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا٤
وازدراء بجهل أصحابها لحالة الوثنية التي كانوا عليها، ولجهالة الناس إذ ذاك وارتكابهم الخطايا التي أبعدتهم في نظر النصرانية عن العلم وعن ملكوت الله، "وقد أعفى الله عن أزمنة هذا الجهل، فيبشر الآن جميع الناس في كل مكان إلى أن يتوبوا"٥.
وقد وردت لفظة الجاهلية في القرآن الكريم، وردت في السور المدنية دون السور المكية؛ فدل ذلك على أن ظهورها كان بعد هجرة الرسول إلى المدينة؛ وأن إطلاقها بهذا المعنى كان بعد الهجرة، وأن المسلمين استعملوها منذ هذا العهد فما بعده٦.
_________________
(١) ١ المفصل جـ١ ص٣٨، ص٣٩. ٢ بلوغ الأرب جـ١ ص١٦. ٣ ذيل أقرب الموارد جـ٣ ص١١٥، فجر الإسلام جـ١ ص١٦. ٤ بلوغ الأرب جـ١ ص١٦، محيط المحيط ص٣٠٩، أساس البلاغة جـ١ ص١٤٥. ٥ المفصل جـ١ ص٣٧، ص٣٨ وأعمال الرسل والإصحاح السابع عشر آية ٣٠. ٦ المفصل جـ١ ص٣٨.
[ ٩٣ ]
وقد فهم جمهور من الناس أن الجاهلية من الجهل الذي هو ضد العلم، أو عدم اتباع العلم، ومن الجهل بالقراءة والكتابة، ولهذا ترجمت اللفظة في الإنكليزية بـ The time of igmorace، وفهمها آخرون أنها من الجهل بالله وبرسوله وبشرائع الدين وباتباع الوثنية، والتعبد لغير الله، وذهب آخرون إلى أنها من المفاخرة بالأنساب والتباهي بالأحساب والكبر والتجبر وغير ذلك من الخلال التي كانت من أبرز صفات الجاهليين، ويرى المستشرق "جولدزيهر" أن المقصود الأول من الكلمة "السفه" أي لا يسفه قوم علينا فنسفه عليهم فوق سفههم؛ أي: نجازيهم جزاء يربى عليه، واستعمال هذا اللفظ بهذا المعنى كثير١.
وجاء في سورة المائدة: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُون﴾ [المائدة: ٥٠]؛ أي أحكام الملة الجاهلية وما كانوا عليه من الضلال والجور في الأحكام والتفريق بين الناس في المنزلة والمعاملة٢.
وأطلقوا على "الجاهلية الجهلاء" والجهلاء صفة للأولى يراد بها التوكيد وتعني "الجاهلية القديمة"٣ وكانوا إذا عابوا شيئا واسبشعوه قالوا: "كان ذلك في الجاهلية الجهلاء"٤ وهي: الوثنية التي حاربها الإسلام، وقد أنب القرآن المشركين على حميتهم الوثنية فقال: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ٥ [الفتح: ٢٦] .
يقول جواد علي: والرأي عندي أن الجاهلية من السفه والحمق والخفة والغضب، وعدم الانقياد لحكم وشريعة وإرادة إلهية، وما إلى ذلك من حالات انتقصها الإسلام٦.
_________________
(١) ١ بلوغ الأرب جـ١ ص١٦. ٢ المفصل جـ١ ص٤٠، تفسير الخازن جـ١ ص٥١٦. ٣ محيط المحيط ص٣٠٩. ٤ أقرب الموارد ص١٤٧. ٥ عن الجاهلية والجهل وما ورد بهذا المعنى في القرآن الكريم، راجع تفصيل آيات القرآن الحكيم: تأليف جون لابوم ونقله إلى العربقية محمد فؤاد عبد الباقي ص٦٢١. ٦ المفصل جـ١ ص٤٠.
[ ٩٤ ]
ونحن نرى هذا الرأي الذي يرى: أن الجاهلية وصف لمرحلة تاريخية مليئة بالسفه والحمق وعدم التروي فيما ينبغي التروي فيه، والتاريخ الجاهلي الذي رواه الإخباريون مليء بالشواهد والأخبار التي تؤيد هذا الرأي من غير تعسف في البحث عن شواهد تؤيده، فما التاريخ الجاهلي إلا تاريخ حروب بين القبائل من حرب "البسوس" و"داحس والغبراء" وهما معًا من أفتك الحروب شراسة بأهلها وأشدها هولا وأطولها زمنًا، وما ذلك إلا نمط من أنماط نزق العقل العربي الذي بجانب كل المجانبة ما أُثِرَ عن العرب من مرويات الحكم: فحياتهم تتردد بين مأثور من القول الجميل الموزون المقفى ونثر ذي فواصل من الحكم والأمثال الحميدة، وبين سلوك فاضح سفيه كتلك الحروب التي ذهبت بالأجيال وقد طال مداها أربعين عاما بسبب ناقة أغراها الكلأ فهامت على وجهها من غير إذن رعيانها، فتاريخ الحروب الجاهلية تاريخ سفاهات وحمق وثارات ظالمة.
[ ٩٥ ]
أقسام العرب لدى الإخباريين
مدخل
أقسام العرب لدى الإخباريين:
اصطلح مؤرخو العرب أن يقسموا تاريخ العرب قبل الإسلام إلى قسمين:
- العرب البائدة: وهي التي بادت قبل الإسلام.
- العرب الباقية: وعندهم قسمان:
١- العرب القحطانية: من حمير من أهل اليمن وفروعها.
٢- العرب العدنانيون: في الحجاز وما يليها.
العرب البائدة:
يرى مؤرخو العرب أن العرب البائدة تطلق على: عاد، وثمود، والعمالقة، وطسم، وجديس، وأميم، وجرهم، وحضرموت ومن ينتمي إليهم، ويسمونها العرب العاربة، وأنهم من أبناء سام.
قال ابن خلدون: وكان لهذه الأمم ملوك ودول في جزيرة العرب.
[ ٩٥ ]
وامتد ملكهم فيها إلى الشام ومصر في شعوب منهم، ويقال: إنهم انتقلوا إلى جزيرة العرب من بابل لما زاحمهم فيها بنو حام فسكنوا جزيرة العرب بادية مخيمين، ثم كان لكل فرقة منهم ملوك وآطام وقصور إلى أن غلب عليهم بنو يعرب بن قحطان١.
يقول جورجي زيدان: وإذا تدبرت ما نقله ابن خلدون عن العرب البائدة، رأيت مورخي العرب يقسمونهم إلى قسمين:
الأول: عرب العماليق من نسل "لاوذ بن سام".
الثاني: سائر القبائل البائدة من نسل "أرم بن سام" كان يقال "عاد إرم" فلما هلكوا قيل "ثمود إرم" فلما هلكوا قيل: "سائر ولد إرم".
ويرى جورجي زيدان: والصحيح في اعتقادنا أن"إرم" اسم القبيلة فقالوا "عاد إرم" كما قالوا "ثمود إرم" وقبائل العرب البادئة من نسل "إرم" ويعرفون بالأرمان.
_________________
(١) ١ تاريخ ابن خلدون جـ١ ص١٨.
[ ٩٦ ]
العمالقة في العراف وفي مصر
العمالقة في العراق وفي مصر:
يريد المؤرخون بالعمالقة قدماء العرب، وخصوصًا شمال الحجاز مما يلي جزيرة سيناء الذين فتحوا مصر باسم "الشاسور البدو أو الرعاة" ويسميهم اليونان "هكسوس".
وأصل لفظ العماليق أو "العمالقة" مجهول والغالب: أنهم نحتوه من اسم قبيلة عربية كانت مواطنها بجهات العقبة أو شمالها حيث كان العماليق على قول التوراة، ويسميها البابليون "ماليق" أو "عم مالوق" فقال العرب: "عماليق" أو "عمالقة" ثم أطلقوه على طائفة كبيرة من العرب القدماء.
وأقدم من ذكر سيادة العرب على العراق كاهن كلداني اسمه بروسوس من أهل القرن الرابع ق. م. عاصر الإسكندر وبعض خلفائه، كان عالما باللغة اليونانية فنقل تاريخ بلاده إليها، وجعل كتابه هدية إلى "أنطيوخوس" ملك سوريا، وقد ضاع ذلك الكتاب، وإنما عرفه الناس من نصوص نقلها عنه "بولودوروس" وبوليسنور من أهل القرن الأول قبل الميلاد، وعنهما نقل "أوسايبوس، وسنسلوس".
[ ٩٦ ]
بدأ "بروسوس" تاريخه بالخليقة حتى أيامه، فأخذ بعدد في مؤلفه عدد الدول قبل الطوفان، ودول ما بعد الطوفان حتى دولة العرب العماليق عدد ملوكها ٩ وسني حكمًا ٢٤٥ سنة.
يقول جورجي زيدان: فهذا القول على اختصار يوافق خلاصة ما وصلنا إليه بعد النظر في ما اكتشفه العلماء في بابل وآشور من النقوش، أو قرأوه في كتب اليونان وغيرهم١.
أما مصر فقد نزح الساميون إليها من عهد قديم جدًّا، ويؤخذ من الاكتشافات الأثرية الأخيرة، أن العصر الحديدي بمصر يبدأ بدخول الساميين إليها، وأن المصريين قبل دخول الساميين لم يكونوا يعرفون الآلات الحديدية، فأتاهم الساميون بالحدادة في أقدم أزمنة التاريخ المصري، ولعلهم حملوا إليهم ذلك من وادي الفرات عن تمدن سومري الأصل اكتسبه الساميون بالمجاورة قبل فتح بابل وحملوه إلى مصر، ومما يستند به الأثريون على أقدم نزوح الساميين إلى مصر أن أقدم آلهة المصريين "فتاح" سامي الأصل.
جاء الساميون مصر من الشرق؛ إما بطريق برزخ السويس أو بالبحر الأحمر، ولذلك ما برح المصريون منذ القدم يسمون بلاد العرب "الأرض المقدسة" أو "أرض الآلهة".
وبعد عرض هذه المعلومات عن العرب البائدة -ينتقل النسابون العرب للحديث عن الجدين اللذين ينحدر منهما العرب وهما "قحطان وعدنان"، وبما أن جميع الناس ينحدرون من آدم فإنه لا بد من وجود قرابة -ولو بعيدة- بين هذين الجدين؛ ومسألة القرابة بين قحطان وعدنان تتوقف على ما إذا كان قحطان هذا من نسل إسماعيل الذي هو جد عدنان، وتكاد تجمع كلمة النسابين على أن قحطان هذا ليس من نسل إسماعيل، ويعيدون نسبه إلى سام بن نوح ﵇.
_________________
(١) ١ تاريخ العرب قبل الإسلام جـ١ ص٣٧، ١٩٠٨.
[ ٩٧ ]
والعرب الذين انحدروا من نسل قحطان هم الذين يطلق عليهم النسابون اسم "العرب العاربة" أو "العرب العرباء" أي العرب الحقيقيين، وأما نسل عدنان فهم العرب المستعربة أو المتعربة -أي الذين لم يكونوا عربا واستعربوا١.
إن نسل قحطان هم عرب الجنوب "قبائل اليمن" الذين نشأوا في الزاوية الجنوبية الغربية من الجزيرة في حين أن نسل عدنان هم عرب الشمال الذين ظهروا أول ما ظهروا في القسم الشمالي من الجزيرة٢.
_________________
(١) ١ تاريخ العرب القديم وعصر الرسول ص٣٦ تأليف درنية عاقل طبعة دار الفكر -بيروت- الطبعة الثالثة ١٩٧٥م. ٢ المرجع السابق ص٣٧.
[ ٩٨ ]
إبراهيم ﵇ مؤسس البيت العبري والعربي:
كانت آخر مرحلة من مراحل فتوحات حمورابي في إقليم ما بين النهرين هي هزيمته لغريمه القوي "رم-س-Rim-Sin" ملك لارسا، وكانت مدينته تقع إلى الجنوب شرق "لجش" وشمال "أور" بل إن مدينة "أور" أعلنت عن نفسها بأنها تحت حماية ملك بابل، ولقد كان بين رعايا "رم-س" رجل ما زالت أعظم ديانات العالم تتطلع إليه على أنه شيخها الجليل الوقور، والأب الروحي لعقيدتها، ذلك هو نبي الله إبراهيم الخليل، يقطن مدينة ذكرها الكتاب المقدس على أنها مدينة "أور الكلدانيين" وأنه طبقا لما جاء في سفر التكوين الإصحاح الحادي عشر١ "فخرجوا معا" في صحبة أسرته كلها؛ "ليذهبوا إلى أرض كنعان"، وكانت هذه الرحلة واحدة من أعظم الرحلات أهمية قام بها إنسان٢.
وطبقا لما جاء من بيان في "سفر التكوين" كان أول مكان استقر به إبراهيم ﵇ في رحلته إلى أرض كنعان هو: حران، وهي مدينة تقع الآن جنوب تركيا بالقرب من الحدود السورية، وكان إبراهيم ينتمي إلى قوم يسمون بالعبيرو، وهم أنفسهم العبرانيون، وفي سفر التكوين: إن إبراهيم ﵇ نفسه يوصف على أنه إبرام العبراني، ثم بعد ذلك يفتون على أنه سوري أو آرامي، ولا شك كما يذهب
_________________
(١) ١ آية ٣١. ٢ فلاسفة الشرق ص١٠٩ تأليف: "أوف توملين" ترجمة عبد الحميد سليم، مراجعة: علي أدهم. طبعة دار المعارف.
[ ٩٨ ]
المؤرخون أن الآراميين قبيلة مماثلة تماما أو لها علاقة بالآموريين. أما عن الآموريين فقد تمتعوا بنفس الشهرة التي تمتع بها العاييرو في عهد "رم-س" معنى ذلك أن العابيرو كانوا مقرونين بمجموعة من الناس وكان يلصق بهم اسم شامل هو الآراميون، وأن هذه المجموعة كانت تحيا حياة مماثلة لحياة البدو، وطبقًا لما جاء من بيان في "سفر التكوين" كان أول مكان استقر به إبراهيم ﵇ في رحلته إلى أرض كنعان هو: حران يؤكد الكتاب المقدس "يشوع"١ أن عائلته توافرت على خدمة آلهة أخرى -آلهة سومر، بنوع خاص آلهة "أور"، وكان الإله القومي وقتذاك لمدينة "أور" هو "نانار" إله القمر، وكانت تلك المدينة هي: "حران" وكذا كان والد نبي الله إبراهيم٢.
وطبقا لما جاء في الكتاب المقدس: تلقى إبراهيم أول رسالة مباشرة موجهة إليه من "الإله"، وكانت الرسالة في هذه الحالة قد اتخذت صيغة الأمر؛ إذ كان على إبراهيم أن يقود قومه إلى أرض كنعان، وأن ينشئ مجتمعا جديدا هناك.
وإله إبراهيم هو إله: إسحق ويعقوب وإسماعيل، بعد هذا الأمر نبذ إبراهيم آلهة "أور" القومية؛ وآلهة "سومر" الوطنية.
ثم قيل لإبراهيم٣: "اذهب من أرضك" يعني ما بين النهرين، فخرج إبراهيم مع قومه العابيرو يدعو إلى عقيدة التوحيد؛ ومع كل معركة صحراوية كانت تقوى الوحدة القلبية. وازدادت شهرة إبراهيم، وعظم قدر إله إبراهيم -خلال رحلته من "أور" إلى "حران" ومن "حران" إلى "فلسطين"، صان إبراهيم العهد إلى أن أقام هاجر زوجته بجوار عين ماء في الصحراء٤؛ وأسس نبي الله إبراهيم عقيدة التوحيد لإله ليس للطبيعة، وإنما للتاريخ الديني كانت عين الماء: زمزم والصحراء حمى مكة؛ قال تعالى: ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] .
_________________
(١) ١ إصحاح ١٤ آية ١٣. ٢ فلاسفة الشرق ص١١٢. ٣ سفر التكوين ١٢-١. ٤ سفر التكوين ١٦-٧، ١٣،
[ ٩٩ ]
عرب الشمال عرب عدنان -الإسماعيليون: الحجاز
يصطلح كتاب العرب أن المراد بعرب الشمال على الإجمال: الإسماعيلية أو العدنانية، ومنازلهم شمال بلاد اليمن في تهامة والحجاز ونجْد وما وراء ذلك شمالا إلى مشارف الشام والعراق، وهم يرجعون بأنسابهم إلى إسماعيل بن إبراهيم.
ويرجع تاريخ هجرة إبراهيم بابنه إسماعيل إلى ما ذكرته التوراة والقرآن.
وحكاية إسماعيل في التوراة لا تختلف كثيرا عما جاء في القرآن فقد ذكرت التوراة إخراج إسماعيل وأمه هاجر إلى برية بير سبع وسكناه بقرية فاران، وأن أولاده آباء القبائل التي أقامت ما بين "حويلة" إلى "شورة"، وكانت شورة عند برزخ السويس وحويلة وخولان في شمال اليمن وبينهما الحجاز، ونجد وتهامة وجزيرة سيناء.
أما التاريخ العربي فقد بنى روايته في أصل عرب الشمال على ما جاء في القرآن الكريم. فأصل المكان الذي قام فيه إسماعيل وأمه فهو: مكة بدل برية فاران.
ويقول المؤرخون: إن إسماعيل أقام بمكة، وتوَّج امرأة من جرهم أصحاب مكة في ذلك العهد، فولدت له اثني عشر ولدًا.
والروايتان متفقتان في أن إسماعيل ربِّيَ في البادية، وأنه كان راميًا بالقوس شأن أهل البادية؛ وأنه خلف اثني عشر ولدًا أسماؤهم تطابق أسماء بعض قبائل الشمال؛ وإنما اختلفوا في المكان الذي أقام فيه إسماعيل، فالتوراة تقول: إنه برية فاران أو جبل فاران، وكلاهما عند العقبة شمال جزيرة سيناء، ومؤرخو العرب يقولون: وفقا للقرآن إنه مكة بالحجاز.
يقول جورجي زيدان: ويسهل تطبيق الروايتين متى علمنا أن جبال مكة أو جبال سيناء تسمى أيضا فاران، فيكون المراد أن "البرية" التي أقام فيها إسماعيل "برية" الحجاز وأنه أقام حينًا في سيناء، ثم خرج إلى الحجاز وسكن هناك وتزوج، ولم تذكر التوراة إسماعيل بعد خروجه من بيت أبيه إلا عند حضوره دفنه على عادتها من الاختصار في ما يخرج عن تاريخ أمة اليهود أو ديانتها.
[ ١٠٠ ]
قال المقدسي: اختلف الناس في نسب العرب، فقال بعضهم: كلهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم، وقال آخرون: ليست النمر من ولد إسماعيل ولكنها من ولد قحطان بن عابر فهم أنسب وأقدم من غيرهم، ولذلك تفخر أعراب اليمن على غيرهم من العرب.
وقال ابن إسحق: لم أجد أحدا من نساب اليمن له علم، إلا وهو يزعم أنهم "ليسوا" من ولد إسماعيل، ويقولون: نحن العرب العاربة كنا قبل إسماعيل، وإنما تكلم إسماعيل بلساننا لما جاورته جرهم إلا هذين الحيين: الأنصار، وخزاعة؛ فإنهم زعمون أنهم من ولد إسماعيل. قالوا: وأخو قحطان وبقطر من عامر بن عابر فولد بقطر جرهم وجزبلا فلم يبق في جزيل بقية فنزلت جرهم مكة فنكح فيهم إسماعيل.
وقال رجل من قحطان بن هميسع: والنساب على أن قحطان بن عابر وقحطان بن عامر ونزار جرثومتان؛ لأنه نسبة ولد إسماعيل من نزار ونسبة اليمن من قحطان هذا هو الأصل.
ثم قال المقدسي: ونزار نزاران فهذا نزار بن معد بن عدنان، والثاني: نزار ابن أنمار، ثم اختلفوا في نسب عدنان.
وقد روى ابن عباس أن النبي ﷺ انتسب فلما بلغ عدنان وقف وقال: "كذب النسابون".
وقد روى ابن إسحق عن يزيد بن رومان عن عائشة أن النبي قال: "استقامت نسبة الناس إلى عدنان".
والعرب مختلفون في عدد الآباء بين إسماعيل وعدنان فقال بعضهم: إنهم أربعون أبا، وقال آخرون: إنهم عشرون، أو خمسة عشر أو أقل من ذلك -ومن عدنان تناسل عرب الإسماعيلية فعندهم أن عدنان ولد بمكان، ومعدا هو أبو القبائل العدنانية أو الإسماعيلية، وأقدم ما علمناه من أخبار هذه القبائل وصل إلينا عن طريق التوراة؛ فقد جاء في سفر التكوين بأنباء قصة يوسف بعد أن طرحه إخوته في
[ ١٠١ ]
البئر قوله: ثم جلسوا يأكلون، ورفعوا عيونهم ونظروا فإذا بقافلة من الإسماعيليين مقبلة من جلعاد وجمالهم محملة نكعة وبلسانا ولاذنا وهم سائرون؛ لينزلوا إلى مصر١.
وكان ذلك في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وكان الإسماعيليون يحملون التجارة إلى مصر، وهم الذين اشتروا يوسف وباعوه في مصر، ثم جاء ذكرهم في سفر القضاة٢ بعد ذلك الحين بخمسة قرون وهم يحاربون الإسرائيليين، ويسمون هناك تارة "بني المشرق" وطورا "الإسماعيليين" وبعد ذلك بخمسة قرون أخر ذكر أولئك العرب في سفر "أشعياء باسم قيدار" وهو في التوراة: ابن إسماعيل فيراد باسمه قبيلة الإسماعيلية على الأقل، وهو يتنبأ بقرب زوال مجدهم٣.
وأصبح الإسماعيلية في عرف التوراة من ذلك الحين قبيلتين قيدار ونبيت، وظن بعضهم أن المراد بالنبيت أو الضبط الأنباط أصحاب بطرا. وبعد أشعيا بقرن وبعض القرن في: القرن السادس ق. م. "جاء نبوخذ نصر" الذي يسميه العرب بختنصر، واكتسح شمال جزيرة العرب، وغلب على الإسماعيلية أو بني قيدار أو بني المشرق في البادية.
وكانت العرب العدنانية بادية أقامت في تهامة والحجاز ونجد إلا قريشا، فقد تحضروا في مكة، وتقسم العدنانية إلى "عك"، و"مضر" أما "عك" فنزلت في نواحي زيدة وجنوب تهامة، وقد ذكرها اليونان في كتبهم فسموها Acchitae وليس لهم تاريخ يذكر.
أما معد فهو البطن العظيم ومن تناسل عقب عدنان كلهم، وإذا قال العرب: "معد" يريدون القبيلة لا الرجل، وانقسمت إلى فرعين كبيرين: "نزار"، "قنص" الكثرة والنسل في نزار وهم عدة فروع؛ أشهرها خمسة: قضاعة، ومضر، وربيعة، وإياد، وأنمار، وكانت لهم منازل في تهامة والحجاز ونجد٤.
_________________
(١) ١ سفر التكوين: ٣٧ عدد٢٥. ٢ القضاة ص٦ عدد ٢٣، ٧، ٣٣. ٣ أشعيا ص٢١ عدد ١٦، ١٧. ٤ البكري ص١٣.
[ ١٠٢ ]
كانت مساكن قضاعة ومراعي أنعامهم جدة من شاطئ البحر الأحمر فما دونهما شرقا إلى منتهى ذات عرق وهي الحرتان: نجد وتهامة إلى حيز الحرم من السهل والجبل، وكان لقضاعة بطون أقامت في أماكن مختلفة من جزيرة العرب في البحرين ووادي الغرب واليمن.
وقبائل مضر: أقامت في حيز الحرم إلى السروات وما دونهما من الغور وما والاها من البلاد، وأقامت ربيعة في مهبط الجبل من غمر ذي كندة "بينه وبين مكة مسيرة يومين".
وبطن ذات عرق وما صاحبها من بلاد نجد إلى الغور من تهامة.
وأقامت إياد وأنمار معا ما بين حد أرض مضر إلى حد نجران وشعابها وجبالها وما صاحبها من البلاد.
وكل قبائل عدنان بدو رحل إلا قريشا؛ فإنهم تحضروا في مكة.
ويرى المقدسي: فأما "عك" فأول من تبدي في البادية والعدد في "معد" ويرى أن "معد" و"عك" تبادلا الأسماء "فعك" ولد "معد" و"معد" من أولاده من تسمى "بعك" كما يرى أيا أن "خثعم" وبجيلة، من أنمار صار إلى اليمن، ونقل "قمعة" ابن إياس: أنهم في اليمن ومن خندف وقس وولد مدركة بن إياس هذيل، وولد سعد تميم بن معاوية، وولد خزيمة بن مدركة أسد بن خزيمة؛ فمنه تفرقت بطون العرب إلى أن صارت الصلت إلى اليمن، ورجعت قريش إلى مكة على يد قصي مجمع قريش.
[ ١٠٣ ]
٤- عرب الجنوب عرب قحطان: اليمن
يقول ابن خلدون: وفي أنساب التبابعة تخليط واختلاف لا يصح منها ومن أخبارها إلا القليل.
يرى المؤرخون: أن عرب اليمن ينتسبون إلى يعرب بن قحطان، ويُعرَفون العرب المتعربة؛ لأنهم اقتبسوا اللغة من العرب البائدة كما يذهب مؤرخو العرب: أن بني قحطان لما نزلوا اليمن كان فيها بقية من العرب العاربة والدولة فيهم، وهم من العماليق فأبادوهم، وكان أول ملوك الدولة القحطانية يعرب بن قحطان غلب على قوم عاد باليمن والعمالقة بالحجاز.
[ ١٠٣ ]
الدور المعيني:
أول من ذكر اسم معين: مورخ يوناني "استرابوان" قال في معرض حديثه عن اليمن: يشغل القسم الجنوبي من جزيرة العرب أربعة شعوب:
١- الدور الأول: المعيني، عاصمتها قرنا.
٢- الدور الثاني: السبئي، عاصمتها مأرب.
٣- الدور الثالث: القتبي، عاصمتها تيماء.
٤- الدور الرابع: الحضرمي، عاصمتها شكوة.
بعد هذه الإشارة التاريخية ظلت معلومات المؤرخين عنها ضئيلة، فكانوا يظنون نسبه إلى بني يعرب -مكة- حتى وفق المستشرق "هاليفي" إلى اكتشاف أنقاض معين، وقرأ اسمها على المسند، وبجانبها راقش. فتوجهت النظار إليها، ومع كثرة النقوش المعينية عثروا عليها وقرأوها وليس ثمة أثر تاريخي يساعد على تنسيق حوادثها أو مبدأ أمرها.
ويلقب ملوكها بلقب "فرواد؟ " وامتد نفوذ المعينيين في إبان دولتهم إلى شواطئ البحر المتوسط، وشواطئ خليج العجم، وبحر العرب، أي أنها شملت كل جزيرة العرب؛ ولغتها كثيرة الشبه باللغة السبئية غير أن ثمة ملاحظة تشكك في نسبة المعينيين إلى قحطان وهي: أن المشهور في تاريخ العرب، وما جرى عليه المؤرخون: أن دولة اليمن بعد قبائل البائدة ترجع بأنسابها إلى قحطان، فإذا صح هذا على دولتي "سبأ، وحمير" فإنه لا يصح على دولة معين؛ لأنها أقدم كثيرا من بني قحطان. كذلك ورد ذكر المعينيين في سفر الأخبار الثاني١.
وأعانه الله "عزيا" على الفلسطينيين وعلى العرب المقيمين بجوار بعل، وعلى المعينيين. كذلك جاء ذكر هذه الأمة مع أمة "ماليق" في آثار بابل ٢٥٠٠ ق. م. والأرجح أنهم جاءوا اليمن بعد نزولهم العراق، واقتباسهم شيئا من تمدن السومريين أو البابليين، وديانتهم مع وقوع التغيير في لسانهم بتوالي الأجيال، وقد
_________________
(١) ١ الإصحاح الثاني ٢٦، ٧.
[ ١٠٤ ]
لاحظ بعض الباحثين، ومنهم "وينكلر، وهومل، ودوفرتي" أن: بعض مظاهر الحضارة المعينية تشبه حضارة البابليين، فالإلهان "شماش، وعشتروت" البابليان يشبهان الإلهين: "شمس، وعشتر" اليمانيين.
كما أن النقوش والأختام المعينية تشبه بعض ما وجد في العراق القديمة١.
ويعتبر المعينيون بحق أقدم الشعوب التي حملت لواء الحضارة في بلاد العرب الجنوبية، ويعتبر الأستاذ "فريتز هومل" أن اللفظ الصحيح لاسمهم هو "معان" وليس "معين" وأن "معان" هو النطق القديم جدا للكلمة.
والمعينيون شعب عربي قديم كان يسكن منذ أن ظهر على مسرح التاريخ بلاد العرب الجنوبية، ولكنه ما لبث بعد أن استقر وثبت أقدامه كشعب متمدن تاجر ما لبث أن انسرح داخل بلاد العرب وخارجها، فهاجرت جاليات منه إلى مصر والجزر اليونانية وغيرها، ويذكر نقش عثر عليه في مصر، ويعود إلى العام الثاني والعشرين من حكم الملك "بطليموس السادس" أي حوالي عام ١٥٩ ق. م" أن جالية معينية كانت تسكن مصر، وأنها كانت تتاجر بالطيب والبخور، هذه التجارة التي كانت رائجة في ذاك الزمان؛ نظرًا لأهمية هذه المادة في المعابد والقصور٢.
ويحدد "ألبرايت" في بحثه هذا فترة حكم الملوك المعينيين بين سنتي "٤٠٠-١٠٠ ق. م" أما العالم "ملاكر" فيرى أن حكم معين يمتد بين القرنين الثامن والثالث قبل الميلاد.
وهناك قضية أخرى ترتبط بتاريخ دولة معين، وهي قضية الحكم في "حضرموت" وما إذا كانت "حضرموت" مستقلة لها أسرة حاكمة خاصة لها أم أنها كانت تتبع معين، والواقع أن بين المؤرخين من يعتقد أن "حضرموت" كانت تابعة في فترة من تاريخها لحكم المعينيين بدليل أن بعض الملوك المعينيين كانوا يتلقبون بلقب ملوك "حضرموت" إلى جانب معين؛ واشتغل المعينيون بالزراعة، والتجارة، وكان بعضهم بدوًا يرعون الماشية ويعيشون حياة تنقل وارتحال، وكان مجتمع معين مؤلفا من عدة طبقات فيه الأرستقراطيون، والعبيد، وبين الطبقتين طبقات أخرى،
_________________
(١) ١ تاريخ العرب القديم وعصر الرسول ص٨٣. ٢ المرجع السابق ص٨٤.
[ ١٠٥ ]
وهم بوجه عام متدينون يعيرون الدين أهمية كبيرة، وللمرأة بينهم مكانة محترمة ومقام رفيع، ومن آلهة معين "ود، ونكرح"، وترد أسماء هذه الآلهة الثلاثة في الكتابات المعينية على هذا الترتيب "عشتر، ود، نكرح" في الغالب، وترد بعدها في بعض الأحيان جملة "الالت معن" أي "آلهة معين" أما "نكرح" فيظهر أنه رمز إلى الشمس، وهو يقابل "ذات حمم، ذات حميم" في الكتابات السبئية: وأما "ود" فقد ظلت عبادته معروفة في الجاهلية إلى وقت ظهور الإسلام، وقد ورد اسمه في القرآن الكريم سورة نوح آية ٢٣، وقد تحدث عنه ابن الكلبي: في كتابه -الأصنام- أن قبيلة كلب كانت تتعبد له بدومة الجندل، ووصفه فقال: "كان تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال، وقد زَبُر١، عليه حلتان متَّزَر بِحُلَّة، مرتدٍ بأخرى، عليه سيف قد تقلده، وقد تنكب قوسًا وبين يديه حربة فيها لواء ووفضة٢ فيها نبل.
وقد نعت "ود" في بعض الكتابات بنعوت مثل "الاهن" "الهن" أي "الإله" و"كهلن" "كاهن" "كهلان" أي القدير المقتدر، وكتب اسم "ود" بحروف بارزة على جدران في القرية "قرية الفاو"، وذلك يدل على عبادته في هذه البقعة.
ويرمز "ود" إلى القمر بدليل ورود جملة "ودم شهرم"، "ودم شهران" أي "ود الشهر" في بعض الكتابات، ومعنى كلمة "شهرم": "شهر"، "والشهر": القمر، وتمثل هذه الآلهة المعينية ثالوثا يرمز إلى الكواكب الثلاثة: الزهرة، والشمس، والقمر٣.
_________________
(١) ١ زَبُر: أي عظم جسمه. ٢ الوفضة: وعاء من الجلد كالجعبة، أسفلها مستوٍ، يحمل فيها الراعي زاده وأدائه. ٣ الأصنام ص٥، ١٠، ٥٥.
[ ١٠٦ ]
الثاني: الدور السبئي:
يرد ذكر سبأ في النقوش الآشورية التي تذكر أن كلا من "تغلات فلا صر ٧٤٥-٧٢٧ ق. م"، "سنا شريب - سنحاريب"، "أسر صون ٧١٥-٦٨٥ ق. م" أخذ الجزية من "يثعمر وكرب أيلو" من ملوك سبأ.
كما يرد ذكرها في سفر التكوين في التوراة "بلقيس التي تزوجت سليمان كانت ملكة سبأ"، ويمتد عصر سبأ بين: ٩٥٠-١١٥ ق. م. على وجه التقريب١.
ولا تذكر المصادر التاريخية شيئًا واضحًا عن أصل السبئيين، وتقول المصادر العربية:
_________________
(١) ١ تاريخ العرب ص٩٢، ٩٣.
[ ١٠٦ ]
إنهم يعودون في أصلهم إلى: "عبد شمس بن يشجب" الذي يقولون أنه لقب بسبأ؛ لأنه أكثر من الغزو في البلد وسبا خلقًا كثيرًا، وهو أول من سن السبي عند العرب فالسبئيون في نظرهم من سلالة القحطانيين.
ويمكن تقسيم حكم سبأ في اليمن إلى ثلاثة أدوار، وذلك حسب الأسماء التي كانت تطلق على الملوك السبئيين.
ففي الفترة الأولى كانوا يطلقون على رؤسائهم لقب "مكرب" وهي كلمة دينية تعني المقدس، ثم تلتها الفترة الثانية التي أصبح رؤسائهم فيها يلقبون بـ "ملوك سبأ" وفي الفترة الثالثة كانوا يلقبون رؤساؤهم بلقب "ملك سبأ وريدان"١.
وكان أول من أطلق عليه لقب "مكرب" سبأ هو: "سمح علي" حوالي "٨٠٠-٧٨٠ ق. م"، ولا نعرف عن حكمه سوى أنه قدم هدية من البخور والمر للإله "المقه" الذي أرشد القبيلة بعد تجوالها إلى أرض فيها اللبن والعسل، وقد خلفه ابنه "يدع إبل ضريح"، وهو الذي بنى معبدًا آخر "للمقه" في "صرواح" عاصمة "مكارب سبأ" كما بنى معبدا آخر "للمقه" وكذلك "لعثر" في مأرب. وهذه أول إشارة لمأرب مما يدل على أنها كانت مدينة كبيرة آنذاك، وقد تلا هذا المكرب "يثعمر" "ونز" الذي بنى معبدا للإله القمر "حوباس" وخلفه ابنه "يدع إبل" الذي حصن مدينة "نسق" في الجنوب٢.
وقد ولى بعد "كرب إبل بين" ابنه -أو ابن أخيه "زمر على ونز" وهو الذي قام بتشييد سد مأرب، الذي يعتبر أعظم سد شيد في الجزيرة، ومن أعاجيب العالم القديم؛ ويرد ذكر هذا السد في القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ إلخ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ: ١٥-١٩] .
وقد ترك لنا الهمذاني في كتابه: الإكليل، وصفا للسد كما زاره "أرنو وهاليفي وغلازر من الأوروبيين"٣.
_________________
(١) ١ تاريخ العرب القديم ص٩٣. ٢ المرجع السابق نفس الصفحة. ٣ المرجع السابق ص٩٤.
[ ١٠٧ ]
الدور الحمير الثاني
الدور الحميري الثاني:
حوالي سنة "٣٠٠م" لَمَّتْ دولة حمير شعثها للمرة الثانية وضمت إليها القبائل المجاورة، وأخضعت "حضرموت"، وسائر بلاد اليمن وأصبح لقب ملوكها: "ملك سبأ وذوريدان وحضرموت ويمنات"، ثم أضيف إلى هذا اللقب قسم آخر: "عربهم في الجبال وفي التهامة"، ويفهم من هذا أن الدولة الحميرية الثانية أصبحت ذات حدود متسعة وتخضع بلاد كثيرة لسلطانها، وقد عرف العرب هذه الدولة الثانية باسم "دولة التبابعة" وحديث المؤرخين عن ملوكها حديث أقرب إلى الخرافة١.
وفي الدور الحميري الثاني: بدأت الديانة المسيحية واليهودية تتسرب إلى اليمن وتحل محل الديانة الوثنية، التي كانت تدور حول عبادة النجوم والكواكب والشمس.
وكان انتشار المسيحية تدريجيًّا، وقد قام بالدعاية لها المبشرون المسيحية، وخاصة اليعاقبة أتباع مذهب الطبيعة الواحدة الذين جاءوا من الحبشة، وأنشأوا لهم كنائس في عدن وظفار ونجران، ومن الجائز أن إرساليات مسيحية نسطورية من الحيرة وسورية أيضًا قامت بالدعاية للديانة المسيحية وكسبت المسيحية بعض الأتباع في اليمن، وقد انتشرت اليهودية أيضا في اليمن في عهد الدولة الحميرية الثانية.
ويبدو أنها دخلت شمال الجزيرة قبل هذا العهد وربما كانت ذلك على أثر: خضوع فلسطين "لاوريانوس وتيتوس" وتدمير "بيت المقدس" على يد هذا الأخير "٢" سنة ٧٠م.
الثالث: الدور الحبشي والفارسي
حوالي سنة ٣٤٠م هاجم الأحباش اليمن واستولوا عليها، فوجدت المسيحية فيهم سندًا قويًّا؛ غير أن الحكم الحبشي لم يتح له أن يعيش طويلًا؛ لأن رجال الدين المتعصبين لوثنيتهم تعاونوا مع أهل البلاد اليمنيين على مقاومة الحباش النصارى واستطاعوا إخراجهم سنة ٣٧٨م، وعادت الوثنية تتربع المكانة الأولى وكانت أهداف هذه الحملة الحبشية الأولى على اليمن انتزاع السيادة التجارية من اليمنيين، وبث
_________________
(١) ١ السابق ص١٠١. ٢ المرجع السابق ص١٠٢.
[ ١٠٨ ]
الدين المسيحي، وقد كانت هذه الحملة الأولى بمثابة حملة استطلاعية مهدت السبيل للحملات التي أتت بعدها، ففقدت المسيحية بخروج الأحباش سندا قويا لها، كما أن ملوك حمير الذين لجأوا إلى يثرب إبان العزو الحبشي تأثروا بالديانة اليهودية التي كانت منتشرة فيها آنذاك١.
ويذكر نقش: أن ملك كرب الذي طرد اليهود كان يعبد "ذي سماوى بعل السماوات والأرض" مما قد يستنتج منه أن اليمنيين في هذه الفترة كانوا يؤمنون بإله عظيم هو: "ذي سماوي" رب السماوات والأرض إلا أنهم لم يتركوا آلهتهم الأخرى، كما أنهم لم يدينوا باليهودية التي تسمى إلهها "يهوه" لا بعل كما يدعوه هذا النقش٢.
ويبدو أن: "أبو كرب" قد وصل لنوع من السيادة على يثرب، ومن غير البعيد أنه كان يتعاون مع اليهود من سكانها ضد الأحباش والنصارى.
وقد خلفه: شرحبيل يعفر، الذي بنى بعض الأجزاء الخربة من سد مأرب سنة ٤٥٠م، ثم تعاقب على حكم اليمن ملوك ليس لهم أعمال هامة حتى جاء "ذو نواس" الذي كان شديد التعصب على المسيحية وأراد اجتثاثها من اليمن، فطلب من النصارى ترك دينهم، ولما رفضوا أحرقهم في أخدود حفره لهم، وهذه الحادثة مذكورة في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ إلى ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد﴾ ٣، وكان الكثير من المؤرخين حتى فترة قريبة يرون أن سبب اضطهاد "ذي نواس" للنصرانية هو: تعصبه الديني؛ إذ إنه كان يدين باليهودية وهو متعصب لها؛ قد يكون هذا التعصب أحد الأسباب التي دعت "ذا نواس" لفعل ما فعل؛ ولكن هناك أسباب أخرى لاضطهاده للنصارى منها: أن المسيحية في الشرق كانت تحت حماية "بيزنطة" والحبشة وانتشارها يعني ازدياد نفوذ هاتين الدولتين في
_________________
(١) ١ السابق ص١٠٢. ٢ السابق ص١٠٣. ٣ سورة البروج ٤-٨.
[ ١٠٩ ]
اليمن مما لا يرضى اليمنيين بينما لم يكن يرافق انتشار الديانة اليهودية أي خطر سياسي؛ لأنه لم تكن هناك دولة تحمي اليهود.
بل يقال إن اليهود هم الذين حرضوا "ذا نواس" على اضطهاد النصارى؛ لأن أبناء دينهم في بيزنطة كانوا يعاملون معاملة سيئة إلى أبعد الحدود، ورغم قسوة "ذي نواس" اليهودي على النصارى فلا يعرف عنه أنه قسا على الوثنيين اليمنيين، بل ظلت الوثنية قائمة في اليمن حتى ظهور الإسلام؛ مما قد يستدل منه أيضا أن قسوته على النصارى لم تكن بدافع العصبية اليهودية. بل بدوافع وطنية؛ لأن الوثنية أحرى بنقمة اليهودي المتدين من النصرانية.
أثار اضطهاد "ذي نواس" للمسيحيين بيزنطة، فأوعزت إلى حليفتها الحبشة بالهجوم على اليمن فجهز الأحباش حملة بقيادة "أرباط" استطاعت أن تقضي على الدولة الحميرية، وتشد من ساعد النصارى، وقد اتبع الأحباش سياسة لينة مع اليمنيين، واعتمدوا على لأمراء المحليين في الإدارة.
وقد جرد "أبرهة" حملة للاستيلاء على مكة ولكن لم يكتب لهذه الحملة النجاح، ومات أبرهة" وهذه هي الحادثة المعروفة بحادثة الفيل التي أشار إليها القرآن الكريم في سورة الفيل.
وإذا أردنا تلخيص ما توصلنا إليه عن آلهة العرب الجنوبيين قلنا: إنهم تعبدوا كما ذكرنا لثالوث سماوي تألف من "القمر والشمس وعثتر" وهو الزهرة في رأي معظم الباحثين.
وقد عرف القمر بـ"ود" عند المعينيين، وبـ"المقه" عند السبئين، وبـ"سين" عند حضرموت، وعرفت الشمس بـ"نكرح" عند المعينيين، وبـ"شمس" عند السبئيين، وبـ"شمس" عند أهل حضرموت وأوسان.
وعرف "عشتر" بـ"عشتر" عند المعينيين والسبئيين وعند قتبان وأهل حضرموت والأوسانيين.
[ ١١٠ ]
الفروق بين القحطانية والإسماعيلية:
أهم الفروق بين هذين الشعبين نظام الاجتماع واللغة والدين. وأسماء الأعلام كما يأتي:
١- نظام الاجتماع: قد رأيت في كلامنا عن العرب أن لفظ العرب أريد به في الأصل سكان بادية جزيرة العرب في الشمال، ثم أطلق على سائر سكانها؛ وقلنا إن لفظ العرب باللغات السامية يرادف لفظ البدو عندنا؛ فالعرب هم البدو، وهذا التعبير يصدق على عرب الشمال، الذين نحن في صددهم فهم في الأكثر أهل خيام وإبل ورحلة وغزو لا يستقرون في مكان؛ لأن معاشهم من كسب الإبل، والقيام عليها في ارتياد المرعى، وانتجاع المياه والنتاج والتوليد، وغير ذلك من مصالحها، والفرار بها من أذى البرد عند التوليد إلى القفار ودفئها وطلب التلول في المصيف للحبوب وبرد الهواء لا يبنون بيوتا، ولا ينشئون مدنا بخلاف أهل اليمن فأكثرهم أصحاب قصور، ومحافد ومدن، وأسوار ومفارش وحدائق.
[ ١١١ ]
اللغة-الأسماء:
إن لغة اليمن أو عرب الجنوب تعرف بلغة حمير، هي تختلف كثيرا عن لغة عرب الحجاز أو الشمال، وإن كانتا من أصل واحد، ولكن الفرق بينهما يدل على تباعد أصحابها في العادات والأخلاق فهما يختلفان في الإعراب، وفي الضمائر، وفي كثير من أحوال الاشتقاق والتصريف١.
لكل من الطائفتين أسماء خاصة لا تشاركها فيها الطائفة الأخرى ولا يخفى ما للأسماء من الدلالات الاجتماعية؛ وأسماء اليمنيين في الدولتين: المعينية، والسبئية تشبه الدولة الحمورابية أو البابلية: كقولهم "أب يدع"، والينع، ويثع إيل، ومعدي كرب، وأبو بكر، وعلهان، وكرب إيل" ونحو ذلك مما لا شبيه له عند عرب الشمال في الطور الثاني.
ويختص هؤلاء باسماء لا تجدها عند اليمنيين؛ لأنها من مقتضيات البداوة، ولذلك رأيت بينها كثيرا من أسماء الحيوانات؛ لكثرة وقوع أبصارهم عليها فألفوها، وأصبح لكل منها رمز عن خلق أو خصلة فسموا أبناءهم بها، وليس ذلك من بقايا الطوطيمة كما توهم بعضهم٢ فمن أسمائهم من هذا القبيل "أسد، ونمر، وثعلبة،
_________________
(١) ١ العرب قبل الإسلام: ج١ ص١٦٥، ص١١٦. ٢ راجع كتاب أنساب العرب لجورجي زيدان.
[ ١١١ ]
وكلب، وثعبان" ونحوها، وبعض أسمائهم تنسب إلى آلهتهم. كعبد اللات، وعبد العزى وعبد مناة، وبعضها مقتبس من الأمم المجاورة لهم كاليونان والسريان، وقد حرفوها، فامرؤ القيس مثلا نظنه تحريف "ماركوس" "مرقس" وربما تعمدوا تحريفه؛ ليكون له صبغة عربية، كما حرفوا: "سامرا" فجعلوها "سر من رأى" وكما جعلوا "وسارس" المعبود اليوناني "ذو الشرى" يؤيد ذلك: أن هذا الاسم "امرؤ القيس" لم يكن معروفا عند العرب قبل النصرانية، أو قبل مجاروتهم اليونان، وقد يتسمون بأسماء اليونان بعد ترجمتها "فالحارث" يجوز أن يكون ترجمة "حيور جيوس" اليونانية ومعناها العامل في الأرض، وصخر ترجمة "بطرس" ونحو ذلك.
وبعض أسماء أولئك البدو مأخوذ من الأوصاف أو المناقب مثل "سعيد، عامر، حسان، محمد" ونحوها، ولا عبرة بما أدخله العرب منها بين أسماء ملوك حمير مثل الحارث وعمرو فإنه قليل ولم نجد له ذكرا في الآثار المنقوشة.
٤- الأديان: يشترك هذان الشعبان في كثير من ضروب العبادة وفي عبادة بعض الأصنام، ولكنهما يختلفان في الإجمال؛ فآلهة اليمن أقرب إلى معبودات البابليين، وعندهم "عشتار، وإيل، وبعل" وغيرها، وأما الشماليون فيشتركون في عبادات تختلف عن تلك: "كاللات والعزى، ومناة، وهبل" وغيرها.
والعداء بين قحطان وعدنان قديم، تمتد جذوره إلى الفترة التي سبقت ظهور الإسلام، وقد استمر هذا العداء بعد ظهور الإسلام وتمثل في العداء بن الأنصار من سكان المدينة، والقرشيين من سكان مكة، وقد كان لهذا العداء أثره البين على سير الحوادث في الإمبراطورية الإسلامية، وامتد حتى وصل الأندلس.
[ ١١٢ ]
دول العرب قبل الإسلام
مدخل
دول العرب قبل الإسلام:
لقد قام قبل ظهور الإسلام قيام ثلاث دول عربية، وسقوطها على حدة وهي:
دولة الأنباط في الجنوب.
دولة تدمر في الشمال.
دولة الغساسنة بينهما.
وقد اشتركت هذه الدول ببعض أوصاف عامة في تاريخها المتعاقب، ويرجع أصلها إلى تحضير القبائل البدوية أو المتنقلة كما يرجع ازدهارها إلى المرور التجاري، وتحالفت كل منها لبعض الوقت باعتبارها دولة حاجزة مع الدولتين العالميتين؛ وهما: "روما وفارس" وتلقت المساعدات منها.
وقد قضت روما على الدولتين "النبطية والتدمرية"، وقضت بيزنطة وفارس على دولة الغساسنة، ثم قامت المناذرة والكنديون، وهم من القبائل الدبوية التي تحضرت.
يختلف الرواة ومؤرخو العرب في نسبة مؤسس الدول التي ظهرت قبيل ظهور الإسلام في شمال جزيرة العرب؛ فبعضهم ينسبهم إلى بني قحطان من حمير وكهلان أو معد أو العمالقة؛ وأهمها: دول الغساسنة في الشام، والمناذرة في العراق، وكندة في نجد..
وعلى أي حال فإن دليل قحطانية هذه الأمم يرجع إلى أقوال النسابين لكن هناك دليل يشير إلى عدنانية هذه الدول، وأنهم من عرب الشمال، وهو: معبوداتهم؛ فمعبوداتهم ترجع إلى عرب الشمال، ولو كانوا من عرب اليمن لوجدنا بين معبوداتهم اسم "عشتار أو إيل" أو نحوهما.
وكذلك يقال في: أسمائهم؛ فليس فيها رائحة الأعلام السبئية أو المعينية بل هي مثل أسماء سائر عرب الشمال قبلهم: كالأنباط ونحوهم، ومنها: "الحارث وثعلبة وجبلة والنعمان وغيرهم" ولا يعترض بما ذكره العرب بين أسماء ملوك حمير من أمثال هذه فإن أكثرها مبدل بأسماء شمالية وعدم تنافي ما ذكرناه على الأسماء التي وقفوا عليها في الآثار المنقوشة. أما الدليل على قحطانية هذه الأمم:
فقول النسابين وهو أضعف من أن يعول عليه، وما أغنى القحطانيين عن الرحلة إلى بادية الشام والعراق والرجوع إلى البداوة، وهي شاقة على من تعود الحضارة والرخاء.
[ ١١٣ ]
كذلك يزعم نسابو العرب أن الغساسنة لم يرحلوا من اليمن إلى الشام رأسا؛ بل أقاموا حينا في تهامة بين "بلاد الأشعر وبين عكٍّ على ماء يقال له: غسان فنسبوا إليه"، ذكرها "بطليموس" في أواسط القرن الثاني للميلاد، قال: إنهم يقيمون على شواطئ جزيرة العرب الغربية نحو ما هو الآن: "تهامة"، لكن يرى جورجي زيدان: أنهم كانوا بالحقيقة من عرب تهامة العدنانيين؛ وأنشأوا لأنفسهم دولة تحت رعاية الروم في ما هو الآن: "البلقاء وحوران عرفت بدولة الغساسنة، أو بني غسان بصري في حوران"، وتعرف أنقاضها الآن "بابكي شام شام، وفيما كان دير "بحيرة الراهب"١.
وانتشر أهل البادية في بادية الشام والعراق والجزيرة، والحجاز والبحرين، ونجد قبائل كثيرة من البدو أهل الرحلة أكثرهم من: عدنان "عك" يتولاهم، أمراؤهم أو مشائخهم بلا دولة أو جند ولا حصون أو قلاع إلا نادرًا؛ وإنما قلاعهم: شجاعتهم وبداوتهم، كانت الدول المتحضرة تستعين بهم في حروبهم؛ فتسابق المناذرة والغساسنة إلى إدخالهم في رعايتهم، وكل منهما تنتمي إلى دولة كبرى: الغساسنة للروم، والمناذرة للفرس، ونشأت في أثناء ذلك دولة "كندة" وهي تنتمي إلى "حمير"، وكانت تنازعهما تلك السيادة، فأصبح عرب الشمال يتنازع السيادة عليهم ثلاث دول عربية تتناوب الفوز في ذلك على مقتضى الأحوال.
وكانت قبائل البدو من الجهة الأخرى ترغب في الدخول تحت حماية إحدى تلك الدول لما فطر عليه أهل البادية من التنازع والتخاصم؛ فكانت كل قبيلة تسعى في الانضمام إلى دولة تستنجدها أو تلجأ إلى جندها عند الحاجة؛ وقد يتسابق بعضهم إلى التقرب منها للتفاخر بخدمتها كما كان بنو يربوع يتفاخرون بردافة ملوك الحيرة؛ ومرت برهة من الدهر كان فيها الانتماء إلى إحدى تلك الدول كالفرض الواجب فمن لا ينتمي إلى إحداها سموه "الأحمس" والجمع "حمس"، وأشهر الحمس في الجاهلية: "حمس قريش" فكانوا لقاحًا لا يدينون للملوك٢؛ ويزداد العرب قربًا وبعدًا من إحدى الإمارتين تبعًا لسطوة الفرس أو الرومان وكانت الغلبة لهما.
_________________
(١) ١ العرب قبل الإسلام جـ١ ص١٨٤. ٢ تاريخ العرب قبل الإسلام جـ١ ص١٦٥.
[ ١١٤ ]
أولا: الأنباط، عاصمتها بتراء:
فريق من الساميين أسسوا لهم دولة كانت تمتد من الجزء الجنوبي الشرقي في فلسطين إلى رأس خليج العقبة، وهو ما يسمى اليوم بشرق الأردن، وقد أطلق مؤرخو اليونان على بلادهم "أديبيا بترا" أي بلاد العرب الصخرية.
يقول حامد عبد القادر:
والمرجح أن الأنباط يرجعون إلى أصلين:
الأول: أرامي، وهو الفريق المحتل أو الدخيل.
الثاني: عربي، وهم سكان البلاد الأصليون الذين اختلط بهم الآراميون الفاتحون.
وعلى مر الزمن أخذ العرب الأصليون يتغلبون على الآراميين حتى قضوا عليهم، ولكن العنصر الآرامي في اللغة النبطية ظل متغلبًا على العنصر العربي، وقد انتشرت اللغة النبطية في تلك البلاد إلى أن طغت عليها الآرامية بعد أن أصبحت اللغة الرسمية في العالم الشرقي كله.
وقد اندمج هؤلاء السكان فيما بعد بالاتحاد النبطي ومعهم قبائل ثمود ولحيان في شمال الحجاز، وكان النباط لا يزالون رحَّلًا في القرن الرابع ق. م. يعيشون في خيام، ويتكلمون العربية، ويكرهون الخمر، ولا يهتمون بالزراعة؛ وفي القرن التالي تركوا حياة الرعي، واتبعوا حياة الاستقرار، وعملوا في الزراعة والتجارة.
وفي أواخر القرن الثاني كانا قد تحولوا إلى مجتمع منظم جدًّا متقدم في الحضارة، ومتصف بالتطور والترقي١.
إن كلمة "بتراء" وهي: اللفظ اليوناني لكلمة "صخر"، وفي العربية الفصحى:
"الرقيم"٢ هي ترجمة كلمة "سلع" العبرية ووادي موسى هو: الاسم الحديث للموقع بكامله؛ وكانت "البتراء" المدينة الوحيدة بين الأردن والحجاز التي توجد فيها
_________________
(١) ١ الأمم السامية ص١٠٨، تاريخ سورية جـ١ ص١١٥. ٢ القرآن ١٨: ٨، ياقوت الحموي جـ١ ص٩١، ٧٢٨.
[ ١١٥ ]
مياه غزيرة ونقية، وزيادة على ذلك كانت المدينة حصينة من جهاتها الثلاث: من الشرق والغرب والجنوب "وأصبحت البتراء" منذ أواخر القرن الرابع المدينة الرئيسية على طريق القوافل تربط بين جنوب الجزيرة العربية الذي ينتج التوابل واللبان، وبين مراكز الاستهلاك والبيع في الشمال، وكانت تسيطر على الطرق المؤدية إلى "مرفأ غزة" في الغرب؛ وإلى "بصرى ودمشق" في الشمال، وإلى "غيلة" على البحر الأحمر، وإلى "الخليج الفارسي عبر الصحراء"، وكانت تستبدل فيها جمال القوافل بجمال أخرى نشطة، وكانت تلك العاصمة محفورة في قلب "صخر رملي" يظهر جميع ألوان "قوس قزح"؛ ولذلك كانت تشكل مزيجا فريدا من الفن والطبيعية١، وإن موقعها كحلقة اتصال بين فلسطين وبلاد العرب وبين اليمن والآراميين مكنها من نشر الأبجدية الآرامية في بلاد اليمن وهي الأبجدية التي نشأ منها "الخط المسند" وهو الخط الذي أخذ منه "الخط العربي" بعد تعديله، وإضافة ستة أحرف، التي تسمى الأحرف الروادف التي يجمعها قولنا: "ثخذ ضظغ" وفي القرن الثالث اعتنقت "البتراء" المسيحية.
ملوك الأنباط:
كان الحارث "حوالي ١٦٩ ق. م" على رأس قائمة هؤلاء الملوك، ويدعى "آرتياس Aretas" وقد تسمى بهذا الاسم كثير من ملوك الأنباط كما تسمى به ملوك الغساسنة، وكان الحارث معاصرًا لمؤسس الأسرة "المكابية" ويعتبر الحارث الثالث المؤسس الحقيقي حوالي ٥٧-٦٢ لسلطة الأنباط، وهو الذي فتح الباب على مصراعيه للتأثيرات اليونانية والرومانية، وأدخل مملكته ضمن المحور التام للحضارة "الهيلينية"، وكسب ثوب مجد "الهلينية" وكان أول من سك نقودا نبطية، اقتبس لها النموذج المعروف عند "البطالمة"، وعلى يد الحارث الثالث بدأت "البتراء" تتخذ مظاهر "مدينة، هلينستية نموذجية"، فكان فيها شارع رئيس جميل وعدة أبنية دينية وعامة؛ ومن هذا العهد أخذت دولة الأنباط تقوم بدور موالٍ حليف لرومة؛ وبلغت المملكة ذروتها في عهد الحارث الرابع "٩ قبل الميلاد- ٤٠م" الذي كان حكمه طويلا
_________________
(١) ١ تاريخ سورية جـ١ ص٤١٨.
[ ١١٦ ]
مزدهرا، وقد تابع عملية نشر الحضارة الرومانية، وكان من ولاته ذاك الذي حاول القبض على بولس في دمشق١.
وقد تزوج الحاكم "هيرودس" بن "هيرودس الكبير" ابنة الحارث هذا وطلقها؛ ليتزوج راقصة كانت السبب الرئيسي في مقتل "يوحنا المعمدان"٢، وكانت المملكة تضم في أقصى اتساعها جنوب فلسطين، وشرق الأردن، وسورية الجنوبية وشمال الجزيرة العربية.
ويمكن أن يرجع تاريخ الأماكن المرتفعة التي لا تزال قائمة في "البتراء" والقبور الجميلة التي تمثلها "قبور الحجر-مدائن صالح" في الحجاز إلى زمن حكمه وكانت "الحجر" مركزًا لقبيلة ثمود٣.
ومن الحقائق المستخرجة من الكتابات الأثرية المحلية والنقود ومنذ حكم "عبيدة الثالث حوالي ٢٨-٩ ق. م" أخذت تظهر صورة الملكة مع الملك، واستمرت التماثيل النصفية المزدوجة للزوجين الملكيين حتى نهاية الملكية، وهناك كتابات أثرية على تمثال "لعبيدة الثالث تدعوه الإلهي"، ذلك مما يدل على أن الأنباط كانوا يؤلهون ملوكهم بعد الموت، وبموت "مالكو" ينتهي عصر الأنباط الذهبي الذي بدأ في عام "٥٠ ق. م." ثم أصبحت بلاد الأنباط جزءًا من الولاية العربية الرومانية التي كانت "بصرى" فيها المدينة الرئيسية وكانت ملتقى هامًّا لطرق القوافل الذاهبة إلى دمشق والبحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج الفارسي، وبذلك أصبحت "البتراء" في ذمة التاريخ من حيث أتت وظهرت تدمر".
_________________
(١) ١ رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنشوس ١١: ٣٢. ٢ إنجيل متى ١٤: ١٦-١١. ٣ القرآن سورة ١٠ آية: ٨.
[ ١١٧ ]
مملكة تدمر
مدخل
مملكة تدمر:
وبينما كانت شمس "البتراء" آخذة بالغروب كانت تشرق "شمس تذمر"، وهي: مدينة أخرى للقوافل، وكان الذين استقروا فيها بضع قبائل عربية بفضل نبع غزير يقوم في قلب الصحراء، وتصلح مياهه للشرب وكانت مملكة في واحة في صحراء الشام في الشمال الشرقي من دمشق، وتنسب هذه المملكة إلى عاصمتها "تدمر"
[ ١١٧ ]
وكانت مدينة عامرة ذات شهرة واسعة في العصور القديمة بنيت لها الهياكل والمعابد الضخمة، وشقت الطرق الفسيحة وأقيمت الأسواق الواسعة وتظهر بهذا الاسم لأول مرة "حوالي ١٨٠٠ ق. م." وتعود في الظهور إلى وثيقة أشورية لاصقة تقول: "إن: تيجلات فلاسر" حوالي ١١٠٠ ق، م. طارد أعداءه البدو حتى هذا الملجأ الصحراوي، ولا يزال الاسم السامي القديم يظهر في كلمة تدمر العربية.
والمؤرخ العبراني: "أخبار الأيام الثاني ٨: ٤" يروى: أن سليمان بني "تدمر"، والاسم باليوناني يعني مدينة النخيل؛ وهي: المدينة التي ذكرها القرآن، واستعمل سليمان الجن في بنائها؛ وكانت "تدمر" تقوم بين هاتين الإمبراطوريتين العالميتين، وساعد موقعها المنعزل في قلب الصحراء على عدم تمكن الرومانية من سهولها؛ للاستيلاء عليها١.
واستفاد تجارها من وضعها الفريد كمحطة رئيسية لنزول القوافل عند نقطة التقاء الطرق التي تعبر الصحراء من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، وحصل الزعماء التدمريون من شيوخ القبائل في الصحراء على إذن بمرور قوافلهم بسلام، وكان الأدلاء يقودون هذه القوافل عبر المنطقة الجرداء كما كان يحميها ركب الرماة من غارات البدو، واستعيض بالتدريج عن أكواخها الطينية ببيوت من "الحجر الكلس" وأنشئت شوارع عريضة، وكان الشارع الرئيسي يؤدي إلى معبد "بعل" وقد أقيمت الأعمدة في الشوارع واتخذت المدينة مظهر مدينة رومانية يونانية مزدهرة، لم يكن سهلا لمدينة الصحراء أن تحافظ على سيادتها التامة في وجه النفوذ المتزايد للإمبراطورية الواقعة في غربها، وفي أوائل العصور المسيحية كانت قد اعترفت بسيادة "روما" وبدأ "تدمر" والدول التي تدور في فلكها عهدًا جديدًا من الازدهار الذي دام أكثر من قرن ونصف بعد أن أصبحت تابعة "لدومة"، وأخذ المواطنون البارزون في "تدمر" يضيفون أسماء "رومانية" إلى أسمائهم؛ كان التدمريون آراميين وإن كان بعض حكامهم يرجعون إلى أصل عربي، وقد تأثروا بالحضارة
_________________
(١) ١ تاريخ سورية جـ١ ص٤٣٣.
[ ١١٨ ]
اليونانية ودخل لغتهم كثير من الكلمات اليونانية، ومن ثم كانت اللغة التدمرية لهجة آرامية لم يدخلها من العربية إلا بعض أسماء أعلام، ويرجع الفضل إلى الآراميين في تعديل الأبجدية الفينيقية ونشرها١.
_________________
(١) ١ الأمم ص١٠٨.
[ ١١٩ ]
من ملوك تدمر:
ارتقت أسرة "أذينة" التي كان يتصدر اسمها "سبتموس" إلى مركز الزعامة في "تدمر" في منتصف القرن الثالث؛ والتمثال الذي شيد في عام "٢٥١ على شرف عميد الأسرة سبتيموس حيرن بن أذينة يدعوه زعيم رأس تدمر" ويبدو أنه كان أول "تدمري" أضاف لقب "راس" إلى رتبته الرومانية كعضو في مجلس الشيوخ.
ويرجح أن: حيران هذا والد أذينة" المشهور باليونانية "أوديناتوس" ويستدل من أسماء الأعلام بأن: الأسرة كانت من أصل عربي، ويدعو المؤرخون اليونان "أذينة" هذا "حاكم العرب" وفي زمن "حيران" كان الجيش الفارسي أوقع هزيمة مخجلة بالجيوش الرومانية قرب "أديسا" حتى أن إمبراطورها "فاليران" وقع أسيرًا وتوفي في الأسر، في هذه الأثناء قد خرج "أذينة" في هذه المعركة على رأس جيش كبير من السوريين وقبائل البدو لإنقاذ "فاليران" فهزم الفرس، غير أنه لم يتمكن من فك أسر "فاليران"، وكوفئ أذينة في ٢٦٢ على ولائه للإمبراطور الجديد "فالينوس" فمنح لقب زعيم، الذي منه ما يشبه نائب الإمبراطور على الجناح الشرقي من الإمبراطورية. في ذروة نجاح "أذينة" اغتيل وريثه في أحوال غامضة في "٢٦٦-٢٦٧" وكانت من تدبير "رومة" ومهما يكن فإنه يتضاءل كشخصية تاريخية أمام أرملته التي حكمت بعده باسم ولدها القاصر "وهب اللات"، وكانت "زنوبيا" التي تذكرها الكتابات الأثرية التدمرية باسم "تبت راباي" ابنة "العطية" وهي "الزباء" وقد ادعت القربى بزميلتها السابقة "كليوباترا" في مصر، ورعت الثقافة اليونانية وكانت هي نفسها تتكلم الآرامية اليونانية وبعض اللاتينية، وبلغ منها أنها جمعت تاريخ الشرق وكانت زينة المفكرين، بين رجال بلاطها الفيلسوف "لونجينوس"، وهكذا استطاعت "ملكة البادية أن تشكل لنفسها ولابنها" إمبراطورية انتزعتها من الرومان١.
_________________
(١) ١ تاريخ سورية جـ١ ص٤٣٩، ص٤٤٠.
[ ١١٩ ]
وتعتبر آثار "تدمر" من أكثر المناظر جلالا في الصحراء، وقد تحول معبد "بعل" الذي يقوم على سطح مرتفع إلى ما يشبه المتحف، ووجدت فيه أشكال نساء محجبات وهن يساهمن في احتفال ديني؛ وكانت الحضارة "التدمرية" حضارة غريبة فهي مزيج من عناصر سورية ويونانية وفارسية، ولا شك أن السكان الأصليين كانوا قبائل عربية وقد تبنوا في كلامهم وكتابتهم اللغة الآرامية السائدة، وبقيت أكثرية السكان عربية رغم امتزاجها بالآراميين، ولا شك أن الطبقة المثقفة كانت تتكلم اليونانية زيادة على الآرامية، ويظن أن رجال الأعمال كانوا يفهمون اللغة العربية كما كان يستعملها بعض "التدمريين" كلغة دارجة١.
_________________
(١) ١ السابق ص٤٤٤.
[ ١٢٠ ]
فيلسوف "تدمر" لونجينوس:
لم ينبغ في "تدمر" أحد من رجالها ورجال الفكر المتميزين سوى: "دبونيسيسوس كاشيوس لونجينوس" ويرجح أنه من مواطني حمص، وقد درس أولا في الإسكندرية ثم في أثينا حيث كان من تلامذة "فيرفريوس"، وكانت أمه سورية وعرفت اللغة السوريانية؛ وكان من معاصريه "أميليوس الأنامي"، ويعتبر هذا الفيلسوف التدمري فريدًا في عصر كثر فيه الثرثارون الخياليون، وبلغ من سعة معلوماته أن وصفه أحد معاصريه بأنه مكتبة حية ومتحف متنقل. "ولونجنيوس" هو الذي علم "زنوبيا" الأدب اليوناني، وأصبح مستشارها بعد ذلك، ولسوء الحظ لم يبق من مؤلفاته سوى بعض الفقرات والمقتطفات، وترينا هذه بأنه قد بقي وثنيا رغم أنه لم يكن مناوئا لليهودية والمسيحية وتحمل القتل على يدي الرومان برباطة جأش وبشاشة وجه حريتين بجعله كسقراط.
[ ١٢٠ ]
دولة الغساسنة، عاصمتها بصرى:
تؤكد الروايات أنه حوالي نفس الوقت الذي كانت فيه الدولة "التدمرية" آخذة بالزوال كانت إحدى القبائل العربية تشق طريقها إلى "حوران" وهؤلاء هم "بنو غسان" الذين ينسب سبب رحيلهم عن اليمن إلى تصدع قديم في "سد مأرب" وتنصر "الغساسنة" خلال القرن الرابع.
وكان مؤسس سلالتهم شخص يسمى: "جفنة بن عمرو مزيقياء" الذي لا يعرف تاريخه بوجه التأكيد، وفي التواريخ العربية يختلف عدد الملوك بين أحد عشر، واثنين وثلاثين. ويسمى الغساسنة أيضا بآل "جفنة" أو "بأولاد جفنة" وذلك لأن: أول ملوكهم هو: "جفنة بن عمرو مزيقيا بن عامر"، ويفسر الإخباريون سبب تسمية "عمرو بن عامر" بـ: "مزيقياء" بتفاسير عدة: منها "قول حمزة الأصفهاني": وتزعم الأزد أن عمرا إنما سمي "مزيقياء"؛ لأنه: كان "يمزق كل يوم من سني ملكه نميرة فسمي هو مزيقيا" وسمي ولده "المزاقية" وقيل: إنما سمى "مزيقيا"؛ لأن الأزد تمزقت على عهد كل ممزق، عندما تهدم سيل العرم.
ويعتقد نولدكه: أن هذا هو التفسير الصحيح، وهو يرى أنه مأخوذ من الآية الكريمة من قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سورة سبأ: ١٨] .
وهناك من يسمي الغساسنة بآل ثعلبة؛ نسبة إلى جد آخر يسمى ثعلبة١.
ملوك الغساسنة والنصرانية:
كان "الحارث بن جبلة -حوالي ٥٢٦-٥٦٩" أول هؤلاء الملوك، وأعظمهم الذي يظهر لأول مرة عام ٥٢٨، وهو يحارب "المنذر" الثالث اللخمي ملك الحيرة. واللخميون أصلهم أيضا من جنوب الجزيرة العربية كانوا يسكنون على طول الحدود الغربية للإمبراطورية الفارسية، واستخدموا كدولة حاجزة بنفس الطريق التي استخدم البيزينطيون بها الغساسنمة، واعترافا بخدمات "الحارث" فقد عينه الإمبراطور "يونستنيان" في العام التالي سيدا على كل القبائل العربية في سورية، ومنحه لقب "فيلارك" رئيس قبيلة وبطريق.
وفي عام ٥٤٤ أسر "المنذر" أحد أبناء "الحارث" وقدمه ضحية للآلهة "العزى" التي تقابل "أفروديت"، وانتقم "الحارث" لنفسه بعد عشر سنوات في معركة حاسمة جرت قرب "قنسرين" حين قتل غريمه اللخمي وقام "الحارث" في
_________________
(١) ١ تاريخ العرب القديم وعصر السول ص١٥٣.
[ ١٢١ ]
عام٥٦٣ بزيارة لبلاط "بوستنيان"، حيث ترك تأثيرا عميقا على أفراد الحاشية كشيخ بدوي مهيب، وحصل أثناء وجوده في القسطنطينية على تعيين "يعقوب البرادعي" أسقاف على الكنيسة المونوفيزية السورية؛ وقد انتشرت العقيدة الجديدة في سورية كلها أثناء حكمه وحكم ابنه، ويقال: إن يعقوب البرادعي رسم مائة ألف كاهن، ونصب تسعة وثمانين أسقفا في تلك البلاد، ووصلت المملكة حينذاك ذروة اتساعها؛ وإذا كانت تمتد قرب "البتراء" إلى "الرصافة" شمال "تدمر"، وتشتمل على "البلقاء" والصفا وحران، ولكن حماسته للمذهب الذي تعتبره بيزنطة غير متَّفق مع الديانة الرسمية باعدت بينه وبين "بوستين" الذي بلغ منه أن ارتاب في ولائه السياسي، وبذلك توطد هذا المذهب في سورية، ويرى بعض المؤرخين أن مدة حكمهم نحو ستمائة سنة، وعدد ملوكهم ٣٢ ملكًا؛ أي من أوائل القرن الميلادي إلى ظهور الإسلام.
[ ١٢٢ ]
دولة المناذرة- الحيرة والأنبار-اللخميون في العراق:
كان اللخميون عمال الفرس على أطراف العراق، كما كان الغساسنة عمال الروم على مشارف الشام.
وتسمى هذه الدولة: دولة آل نصر، وآل لخم، وآل عمرو بن عدي، أو ملوك الحيرة، أو المناذرة على السواء.
وتاريخ هذه الدولة أوضح من تاريخ آل غسان؛ لأنه كان مدونا في كتب الحيرة ومثبتا في كنائسهم.
وكانت الحيرة على ثلاثة أميال من مكان الكوفة في موضع يقال له: النجف على ضفة الفرات الغربية، في حدود البادية بينها وبين العراق، وتقع الآن في الجنوب الشرقي من مشهد علي. وبعض المؤرخين يذهب إلى أن لفظها سرياني، والبعض الآخر يذهب إلى أنه عربي.
أهل الحيرة عرب يقسمهم الإخباريون إلى طبقات ثلاث:
[ ١٢٢ ]
"تنوخ، العباد، الأحلاف".
تنوخ:
وهؤلاء في نظرهم من قبائل متعددة فيها القحطانيون والعدنانيون، والتنوخيون وغيرهم. قبائل سكنت بيوت "الشعر والوبر" غرب الفرات بين الحيرة والأنبار"، وهي قبائل عرب من الجنوب، التي تركت اليمن على أثر تصدع "سد مأرب".
وأما العباد: فهم الذين سكنوا رقعة الحيرة فابتنوا بها، فهم إذن حضر مستقرون، ويقول أغلب الإخباريين عنهم: إنهم كانوا من النصارى، وأصل كلمة العبادة على ما يقولون: مختلف فيها فبعضهم يرى: أنهم سُموا بالعباد؛ لأن وفدا منهم وفد على كسرى، ولما سألهم عن أسمائهم وجد أنها كلها تبتدئ لكلمة "عبد" فقال لهم: أنتم عباد كلكم، فسموا بالعباد.
ويقول آخرون: إنهم إنما سموا بهذا الاسم؛ لأنهم: كانوا يعبدون الله١.
ويقول جواد علي: إن هذا الاسم لم يكن يعني قبيلة أو بطنا، وإنما يعني جماعة من القبائل شتى جمعت بينها وحدة الدين ووحدة الوطن، لذلك لا يطلق إلى على النصارى من أهل الحيرة؛ أما غيرهم من نصارى العرب فلم يشملهم اسم العباديين، ويمكن أن نقول استنادا إلى روايات الإخباريين في تحديد مدلول الكلمة، واقتصارها على نصارى الحيرة دون غيرهم من نصارى العرب: "إن هذه الكلمة أطلقت في الأصل على من تنصر من أهل الحيرة؛ لتميزهم عن غيرهم من سكان المدينة "أي مدينة الحيرة" من الوثنيين، ولم يكن أولئك النصارى في بادئ أمرهم بالطبع إلا فئة قليلة، ثم توسعت من بعد، فلما انتشرت النصرانية في الحيرة لازمت هذه التسمية جميع نصاراها كائنا من كانوا، وصارت علما لهم لم تميزهم عن الوثنين فحسب؛ وإنما ميزتهم أيضا عن بقية النصارى العرب من غير أهل الحيرة٢.
وأما الأحلاف: فهم بقية سكان الحيرة ومن نزل فيها من العرب ولم يكن في الأصل لا تنوخيًّا ولا من العباد، وكان بين سكان الحيرة جماعات من: "النبط، والفرس، واليهود"
_________________
(١) ١ تاريخ العرب القديم ص١٧١ نبيه عاقل. ٢ تاريخ العرب قبل الإسلام جـ٤ ص١٤، ١٥ جواد علي.
[ ١٢٣ ]
أما الأنبار: فقد زعم الإخباريون أنها بنيت أيام "بختنصر"، وقد لعبت دورا هاما في المعارك التي جرت بين "فارس، وبيزنطة" زمن الإمبراطور "جوليان" سنة ٣٦٣.
من ملوك المناذرة والنصرانية:
يكاد ينعقد إجماع المؤرخين العرب على أن أول من حكم من بني تنوخ كان: "مالك بن فهم" وهو في نظرهم من الأزديين، ثم انتقل الحكم إلى: "جذيمة الأبرش" المعروف "بجذمة الوضاح"، وتولى "عمرو بن عدي" الإمارة على العرب؛ عرب الحيرة والأنبار بعد "جذيمة". وقد اتبع سياسة خاله "جذيمة" في التحالف مع الفرس فساعده هذا على تقوية نفوذه على القبائل النازلة في العراق.
ولم يزل "عمرو بن عدي" ملكا على الحيرة حتى مات؛ وتولى الملك بعد وفاة "عمرو" ابنه "امرؤ القيس" وكان عاملا للفرس على "فرج العرب" أي موضع المخالفة من العدو المجاور من ربيعة ومضر، وبادية العراق والحجاز، والجزيرة.
وفي نهاية القرن الرابع ومطلع القرن الخامس يطلع علينا اسم ملك لخمي هو: "النعمان الأول بن امرئ القيس ٣٩٠-٤١٨". وهناك روايات تنسب تنصره، منها: أنه تنصر بتأثير القديس "سمعان العمودي" الذي كان يقوم بالتبشير للمسيحية بين أهل الحيرة؛ وإن "سمعان" هذا شفاه من مرض كان به فتنصر١.
وفي أيام "المنذر بن امرئ القيس" المعروف "بماء السماء" وقع الاحتلال الحبشي لليمن فاتسع بذلك نفوذ الروم في بلاد العرب؛ وذلك لما يربط الأحباش بالبيزنطيين من روابط، وأساسها تدينهما بدين واحد.
وكما يذهب المؤرخون: أن ملوك الحيرة تولوا الملك ٣٦٤ سنة وكلهم من نسل "عمرو بن عدي" من آل "نصر" أو "لخم" إلا ستة من الدخلاء وهم: "أوس بن قلان، والحارث بن عمرو بن حجر الكندي، وعلقمة بن يعفر، وإياس بن قبيصة، وفيشهرت، وزادية الفارسي" وقصبة ملكهم جميعا: الحيرة".
_________________
(١) ١ تايخ العرب قبل الإسلام جـ٤ ص٤١.
[ ١٢٤ ]
حضارة الحيرة:
كانت الحيرة في عهد "المناذرة اللخميين" من المراكز الحضارية الهامة في مختلف الميادين، فقد كان لموقعها بين العراق والشام وبلاد العرب أثر كبير في احتكاك أهلها بغيرهم من الشعوب؛ فتأثروا بالثقافات العالمية آنذاك كالفارسية واليونانية والسريانية، وكان لمعرفة أهلها باللغة الفارسية أثر كبير في نقل آداب الفرس إليهم؛ وساهم بعض أسرى الروم الذين وقعوا في قبضتهم في نقل علوم اليونان وآدابهم إليهم؛ وكان ملوك الحيرة يشجعون الشعراء ويغدقون الهبات والعطايا عليهم، وغدا بلاطهم مقصد مشاهير شعراء الجاهلية "كالمرقش الأصغر والمتلمس وطرفة بن العبد والمرقش الأكبر وحسان بن ثابت وعمرو بن كلثوم وغيرهم" وكانت الحيرة تزخر بمعاهد العلم ومدارسه؛ فقد تلقى "إيليا" الحيرى مؤسس "دير مار إيليا" في الموصل دراسته الدينية في مدرسة بالحيرة، كما تلقى "مار عبد الكبير" دراسته في إحدى المدارس فيها.
ويذكر ياقوت أن الصبيان في الحيرة كانوا يتعلمون القراءة والكتابة في كنيسة قرية من قراها اسمها "النقيرة"١.
وأما الأديرة والكنائس: فقد كانت كثيرة أيضا في الحيرة والمنطقة المجاورة لها، وكان لتنصر المناذرة أثر كبير في دفعهم لبناء العديد منها. وتحفظ لنا كتب الديارات وتقاويم البلدان أسماء عدد كبير منها، ويعتبر دير "هند الكبرى" من أشهر الأبنية التابعة لهذه الزمرة، وقد بنت هذا الدير "هد أم عمرو بن هند" وهناك دير "هند الصغرى" الذي بنته "هند ابنة النعمان بن المنذر" وأقامت فيه حتى ماتت ودفنت فيه. وعدد كبير آخر غيرها. وقد وصفت الحيرة عند الإخباريين بالبياض فقالوا عنها: الحيرة البيضاء تعبيرا عن حسن عمارتها وطغيان هذا اللون على سائر أبنيتها، وكان أهل الحيرة مللا ونحلا دينية كثيرا فقد كان بينهم الوثنيون الذين يعبدون الأصنام، والصابئة الذين يعبدون الكواكب، والمجوس الذين يعبدون النار، وهذا فضلا عن أتباع النصرانية واليهودية، وكان معظم ناصارى الحيرة نساطرة، ومنهم قلة
_________________
(١) ١ تاريخ العرب القديم وعصر الرسول ص٢٠١.
[ ١٢٥ ]
من اليعاقبة، وكان بدء التبشير بالمسيحية فيها ببطء أو الأمر، ولكنها ما لبثت أن وجدت الكثير من الأنصار.
ويدعي الطبري: أن امرأ القيس كان أول من تنصر من ملوك الحيرة، وقد يكون هذا الخبر غير مؤكد، وكل ما يمكننا الجزم به: "أن المنذر بن ماء السماء" كان نصرانيًّا وتزوج "بهند" وهي نصرانية؛ أيضًا، وقد بنت الدير المعروف، باسم "دير هند الكبرى" وقد حدث صراع بين النساطرة واليعاقبة حول اجتذاب الحيريين إلى مذهبيهما، وقد تفوق النساطة في هذا الصراع واجتذبوا عدد كبيرا من نصارى الحيرة إلى مذهبم١.
ديانة مناذرة الحيرة:
واختلفوا في ديانة ملوك الحيرة فمن قائل: إنهم تنصروا على عهد "امرئ القيس" الأول ابن عمرو في أوائل القرن الرابع. وقائل: إن أول من تنصر "النعمان بن المنذر" في آخر القرن السادس. وبينهما أقوال كثيرة لا سبيل إلى تحقيقها؛ لاختلاف القائلين فيها مثل اختلافهم في عدد ملوكهم وفي تعاقبهم وسني حكمهم٢.
ويبدو أن ملوك الحيرة لم يتنصروا عقيدة؛ إنما تنصروا سياسة أي تبعا لولائهم السياسي للرومان لما غلب الرومان على الفرس ودارت الحيرة في فلكهم فترى في سجل الكنيسة الشرقية أن الحيرة كان عليها أسقف لسنة ٤١٠م، وأن ملكها حمى النصرانية سنة ٤٢٠، وترى في الجهة الأخرى: أن النساطرة واليعاقبة اشتد جدالهم في أوائل القرن السادس للميلاد، وتنافسوا في الرئاسة ففاز النساطرة، وملوك الحيرة كانوا إلى أواسط القرن الاد على الوثنية؛ وإن المنذر امرئ القيس بن ماء السماء" كان يقدم ذبائح من البشر إلى العزى، وكان بين نسائه امرأة من غسان اسمها "هند الكبرى" أم عمرو بن هند" كانت مسيحية فبثت مبادئ النصرانية في ابنها فنشأ نصرانيا، يؤيد ذلك ما نقشته على ديرها. ولما ماتت رجع خليفته "قابوس أو المنذر بن
_________________
(١) ١ تاريخ العرب القديم ص٢٠٣، ٢٠٤. ٢ العرب قبل الإسلام.
[ ١٢٦ ]
المنذر" إلى الوثنية، ونشأ ابنه النعمان فيها يذبح للأصنام حتى تنصر أطلاجاثليق" على يد "حبر يشوع" وفي التاريخ العربي أنه: "تنصرعلى يد عدى بن زيد".
وقد اتفق القولان: بأن يكون عدي رغبه في النصرانية والجاثليق عمده.
[ ١٢٧ ]
مملكة كندة:
كندة في عرف النسابين العرب: قبيلة عربيةجنوبية تنسب إلى "ثور بن عفير بن عدي بن الحارث" وبنتهي النسب إلى يعرب بن قحطان١.
وعلى قول العرب بطن من كهلان، عرب الشمال. وأصلهم فيما رواه الثقاة: من البحرين والمشقر وأنهم أجلوا عنها إلى حضرموت: وأقاموا في بلد يعرف باسمهم "كندة" مرتفع من الأرض يشرف على حضرموت، وتصب أوديته فيه ثم إلى مهده وقصبته الكبرى "أدمون". وأقام الكنديون هناك دهرا وهم على وفاق مع الحميريين بين حكام تلك البلاد.
وهناك خلاف بين الإخباريين حول أسباب نزوح كندة إلى الشمال، فاليعقوبي: يشير إلى حرب قامت بين "كندة وحضرموت" طال أمدها وأدت إلى جلاء "كندة عن حضرموت".
يقول اليعقوبي: وكان بين "كندة وحضرموت" حروب أفنت عامتهم، وطالت الحرب بينهم، وأفنت رجالهم ودامت حتى ضرستهم وكثر القتل في كندة وصارت كندة إلى أرض "معد" فجاروتهم.
وهناك فريق آخر من الإخباريين: يرجعون نزوج كندة من حضر موت إلى نجد إلى وجود قرابة بين "حجر بن عمرو" سيد كندة و"تبع" صاحب السلطان آنذاك على نجد والحجاز وغيرها من بلاد العرب؛ فولي "تبع حجرا" على قبال "معد" كلها؛ لأنه قريبه من جهة ومن أتباعه المخلصين من جهة أخرى٢.
ويذهب فيليب حتى: إلى القول بأنه كما كان الغساسنة عمالا للبيزنطيين واللخميون عمالا للفرس؛ فقد كان كذلك ملوك كندة في أواسط الجزيرة العربية
_________________
(١) ١ تاريخ العرب القديم وعصر الرسول ص٢٠٥. ٢ تاريخ العرب القديم ص٢٠٥.
[ ١٢٧ ]
عمالا لتبايعة اليمن المتأخرين؛ ويحدد حتى تاريخ تولي "حجر على معد" بسنة ٤٨٠م؛ وهو أول زعيم من زعماء كندة تمكن من توحيد صفوفها وفرض سيطرتها على القبائل الأخرى، وتوسيع رقعة أرضها حتى بلغت حدود مملكة اللخميين١.
وكان "الحارث" أقوى ملوك كندة وأشهر رجل نعرفه من أسرة آكل المرار؛ وقد تولي الإمارة على بكر" وكما مد نفوذه على بكر فقد نجح "الحار" في مد نفوذه على الحيرة في الفترة ما بين ٥٢٤-٥٨. ويرجع نجاحه في بسط نفوذ "كندة" "على الحيرة" وانتزاع السيادة عليها من المناذرة إلى سببين؛ كما يذكر حمزة الأصفهاني: وإلى هذين السببين أن الملك الفارسي "قباذ" أهمل شئون مملكته، وتغاى عن سياسة رعيته ورعاية أمورهم.
كما أنه أخذ بزندقة "مزدك" وقد أدى كل هذا إلى صدام بين "قباذ" و"المنذر بن ماء السماء" الذي رفض الدخول في: المزدكية ولم يرضخ لضغط "قباذ" وهرب "المنذر" من دار مملكته بالحيرة، ومضى حتى نزل إلى الجرساء الكلبي وأقام عنده٢.
ولما ملك فارس "كسرى أنو شروان" وأعاد المنذر بن ماء السماء" إلى ملك الحيرة. كان "الحارث بن عمرو" يومئذ في "الأنبار" فلما بلغته عودة المنذر إلى عرش الحيرة" خرج هاربا في أصحابه وماله وولده؛ فتبعه المذر بالخيل من "تغلب وإياد وبهرا"، فلحق بأرض كلب ناجيا بنفسه؛ ولكن "بني تغلب" انتهبوا ماله، وهجائنه وأسروا ثمانية وأربعين شخصا من أفراد أسرته وقدموا بهم على المنذر فضرب رقابهم.
حضارة الكنديين:
لم يكن الكنديون أصحاب حضارة رقاقية تشبه حضارة المناذرة أو الغساسنة، فقد حافظوا على النظم والحياة البدوية؛ ولم يقيموا في حضارة ثابتة، بل كانوا يتنقلون بين الجنوب والشمال، واستعملوا الخيام كمساكن، ولم يعرف عنهم بناء المدن والقصور٣.
_________________
(١) ١ السابق ص٢٠٩. اليعقوبي جـ١ ص٢١٦. ابن خلدون جـ٢ ص٥٦٩. ٢ السابق ص٢١٣. العقد الفريد جـ٦ ص٧٨ تحقيق محمد سعيد العريان. ٣ المراجع السابقة.
[ ١٢٨ ]
أما ديانتهم: فكانت وثنية ومن أصنامهم المشهورة "ذو الخلصة" الذي انتقلت عبادته إلى عرب الحجاز فيما بعد. وقد تسربت الديانة اليهودية إليهم فاعتنقها بعضهم، ويبدو أنها جاءتهم بسبب مجاورة اليهود "لبني كنانة" في يثرب وخيبر؛ وبسبب اتصال الكنديين "بالتباعة الحميريين" في عنودهم الأخيرة وتبعيتهم لهم.
أما المسيحية: فكانت أكثر انتشارا في: نجد من اليهودية واعتنقها: "بنو تغلب، وجماعة من بني أسد" وقد انتقلت إليهم عن طريق الغساسنة وعباد، الحيرة وأحباش اليمن، ولعل أهم ما يجب أن نذكره عن الكنديين أنهم كانوا زعماء اتحاد قبل يم قبائل مختلفة تعترف بزعامتهم وتدين بالولاء لهم١.
_________________
(١) ١ المراجع السابقة
[ ١٢٩ ]
مراجع هذا الباب:
١- القرآن الكريم.
٢- كتب السنة.
٣- الكتاب المقدس.
٤- معجم البلدان: ياقوت الحموي.
٥- البدء والتاريخ: طاهر المقدسي.
٦- المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: جواد علي.
٧- بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب: الألوسي
٨- نهاية الأرب: النويري.
٩- تفسير الخازن.
١٠- تفسير الزمخشري: جار الله الزمخشري.
١١- فجر الإسلام: أحمد أمين.
١٢- تاريخ العرب قبل الإسلام: د. نبيه عاقل.
١٣- العرب قبل الإسلام: جورجي زيدان.
١٤- الأمم السامية: الأستاذ حامد عبد القادر
١٥- تاريخ سورية: فيليب حتى.
[ ١٣٠ ]