الحجاز:
إن الحجاز -بعكس الجزء الجنوبي الغربي من الجزيرة- أمضى قرونا طويلة من حياته في القديم، وهو في شبه عزلة عن العالم المتمدن؛ اللهم إلا بعض ما كان له من نشاط تجاري.
فجدب الحجاز وقساوة إقليمه، وصعوبة الوصول إليه، ووعورة مسالكه.. كلها كانت عوامل في إبعاد الفاتحين العظام في التاريخ القديم عن غزو هذه البقعة من الجزيرة العربية أو محاولة ضمها إلى إمبراطورياتهم.
لهذا: كله، عاش الحجاز حياته الخاصة بعيدًا عن أضواء السياسة العالمية والاحتكاك بالدول؛ وظل أهله على بداوتهم، وارتحالهم إلا في القليل النادر، حيث نشأت بعض المدن التي كان أهمها: "مكة".
وقضية البداوة لها دور هام وبارز في الإطار العام لحياة الحجاز في فترة ما قبل الإسلام.
والاقتصاد البدوي القائم على الارتحال مع قطعان الماشية، من أجل البحث عن مواطن الكلأ والماء هو اقتصاد الحجاز في هذه الفترة؛ لأنه ما عدا بعض المدن "مكة، المدينة، الطائف" التي كانت كجزر صغيرة في خضم صحراوي كبير؛ كان الارتحال هو ناموس الحياة ومحورها الأساسي.
وكما هو معلوم فإن الحياة البدوية تعتمد على تربية الماشية، وبصورة خاصة "الجمال" كأساس في نشاطها اليومي، وكناظم لتحركها، وأسلوب معيشتها.
ولما كان تدبير الكلأ، والماء لهذه المواشي هو الشغل الشاغل للناس، فإن التنقل وعدم الاستقرار أديا إلى عدم قيام حضارة مستقرة على أرض الحجاز القديم، وما عدا بعض الواحات وبعض المنبسطات الخصبة في الجبال فإن أرض الحجاز لم تكن صالحة للزراعة، ولا تبنت إلا أعشابا، وشجيرات، تستسيغها الماشية بشكل عام، والجِمال بشكل خاصّ.
وكان محصول النخيل أهم محصولات الواحات، أما في المناطق الجبلية المثمرة، كالطائف مثلًا، فقد كان الحبوب تنتج بكميات محدودة، لا تكفي للاستهلاك المحلي.
[ ٣٧٧ ]
وكانت هناك مستعمرات يهودية تزرع فيها بعض المزروعات، التي تستهلك محليا، أو تنقل إلى المدن المجاورة لاستهلاك سكانها١.
مكة وموقعها المتميز:
تقع مكة في وادٍ منحصر بين الجبال في منطقة جافة، ذات مناخ قاريٍّ حار جدًّا في الصيف، قليل الأمطار في الشتاء، وحين تسقط الأمطار، فإنها لا تكون غزيرة، ولكنها تشكل سيولًا، تنحدر من الجبال إلى الوديان والشعاب، وكثيرًا ما جرفت "الكعبة".
وإنه مما لا شك فيه أن "مكة" منذ أن ظهرت للوجود كانت مركزًا تجاريًّا هامًّا، وأن ازدهارها كمركز مرتبط إلى أبعد الحدود بوجود الحرم فيها، وهو المنطقة التي تحرم فيها كل أنواع القتل. يضاف إلى هذا موقعها الجغرافي، ووجودها على مفترق الطرق، التي تحمل التجارة من "اليمن إلى سورية"، ومن "الحبشة إلى العراق" قد ساعدا على إضفاء الأهمية التجارية عليها.
وهكذا: فقد كانت "مكة" مقصد البدو الذين يرتادونها لشراء ما يحتاجون من البضائع التي تصلها من جميع الجهات، بواسطة القوافل التجارية.
وأغلب الظن: أن المكيين كانوا في الأساس وسطاء تجاريين، أو تجار مفرق، ولم يكونوا من فئة المستوردين الكبار، الذين ينظمون القوافل ويسيرونها٢.
ويذهب التجار المكيون بالمقابل إلى الحيرة ليبتاعوا، وينقلوا ما يحتاجون من منتوجاتها. كذلك كان نشاط المكيين التجاري واسعًا مع بلاد الشام، فقد كانوا يأتون إليها حاملين بضائع الهند، ويعودون منها ومعهم الحبوب والزيت، والخمور والأسلحة، والمنسوجات والجواري.
وكان الصيف هو الفضل الذي تقصد فيه قوافلهم بلاد الشام، تزور مدن "غزة" حيث دفن هاشم جد النبي -ﷺ- و"آيلة": و"بصرى"، وتعود بعد أن تقوم بعملية البيع والشراء محملة بالبضائع من جديد.
_________________
(١) ١ تاريخ العرب القديم وعصر الرسول ص٢٢٣، ص٢٢٤. ٢ المصدر السابق ص٢٢٥، ص٢٢٨.
[ ٣٧٨ ]
أما مع الحبشة: فقد كانت تجارتهم تجري عن طريق البحر، وكذلك كانت رحلاتهم التجارية إلى اليمن تتم في فصل الشتاء، وكدليل على أهمية التجارة عند المكيين، يمكننا أن نذكر الألفاظ المتعلقة بالتجارة وهى كثيرة جدًّا "بالقرآن الكريم"، حيث نجد: كلمات تجارية مثل: "حساب، ميزان، قسط، ذرة.." تتردد كثيرا، ولم يقتصر العمل بهذه المهنة على الرجال؛ بل اشتغلت بها النساء؛ كخديجة بنت خويلد، وهند بنت عبد المطلب وغيرهما.
وقد مهر المكيون بالتجارة لدرجة ضرب بها المثل، فكان يقال مثلا عن عبد الرحمن بن عوف أنه كان يحصل الذهب من الحجارة.
وكان البعض يقوم بهذه التجارة مستقلًّا لنفسه؛ بينما كان آخرون، يتشاركون في تجارتهم، ويقوم عدد كبير منهم في تجهيز قافلة واحدة، ويسير أصحاب القافلة مع قوافلهم بأنفسهم، أو يرسلون أجيرا لهم أو إنسانا يستأجرونه لهذا العمل.
ولتأمين حماية القوافل كانوا يعقدون الاتفاقيات مع رؤساء القبائل التي ستمر قوافلهم في أراضيها. وحين تقصد هذه القوافل بلدا معينا كانوا: يعقدون محالفات مع رؤساء أو حكام هذه الدول. وتسمى هذه المعاهدات عادة "بالإيلاف".
وقد أدى هذا النشاط التجاري -عند المكيين- إلى نشوء أعمال مصرفية، ونشوء طبقة من الصيارفة يهتمون بشئون عملات الدولة التى يتعامل معها المكِّيون.
كما وجد المرابون الذين يقومون بالإقراض، ويفرضون الفوائد الفاحشة على المدينين١.
علاقات "مكة" التجارية:
أقدم من سجل اسمه من اليونان في سجل العلاقات العربية اليونانية هو: "الإسكندر الأكبر" ٣٥٦- ٣٢٣ ق. م. بعد أن سيطر هذا الرجل الجبار الغريب
_________________
(١) ١ تاريخ العرب القديم وعصر الرسول ص٢٢٩، ص٢٣٠ ص١٣١ باختصار وتصرف.
[ ٣٧٩ ]
الأطوار، الذي توفي شابًّا على أرض واسعة، وأسس إمبراطورية شاسعة الأرجاء، ذات منافذ على البحر الأحمر، والخليج العربي، وبعد أن استولى على مصر، والهلال الخصيب، فكر في السيطرة على جزيرة العرب، وجعلها جزءًا من إمبراطوريته؛ ليتم له بذلك الوصول إلى سواحل المحيط الهندي، والسيطرة على تجارة "إفريقية، وآسية"، وتحويل ذلك المحيط إلى بحر يوناني.
وقد شرح الكاتب "أريان" المولود سنة ٩٥ ب. م، والمتوفى سنة ١٧٥ ب. م الأسباب التي حملت الإسكندر على التفكير في الاستيلاء على جزيرة العرب وعلى بحارها في الكتاب السابع من مؤلفه Anabasis Alexxandri، فذكر أن هناك من يزعم أن الإسكندر إنما جهز تلك الحملة البحرية؛ لأن معظم القبائل العربية لم ترسل إليه رسلا؛ للترحيب به ولتكريمه فغاظه ذلك.
أما "أريان" فإنه يرى أن السبب الحقيقي الذي حمل الإسكندر على إرسال هذه الحملة يكمن في رغبته في اكتساب أرض جديدة.
وأورد "أريان"١ في كتابه قصة أخرى خلاصتها: أن العرب كانوا يتعبدون لإلهين هما: "أورانوس، ديونيسوس". وجميع الكواكب وخاصة الشمس فلما سمع "الإسكندر" بذلك أراد أن يجعل نفسه الإله الثالث للعرب.
وذكر أيضا: أنه سمع ببخور بلاد العرب وطيبها، وحاصلاتها الثمينة، وبسعة سواحلها، التي لا تقل مساحتها كثيرا عن سواحل الهند، وبالجزر الكثيرة المحدقة بها، وبالمرافئ الكثيرة فيها، والتي يستطيع أسطوله أن يرسو فيها، وببناء مدن يمكن أن تكون من المدن الغنية، وسمع بأشياء أخرى. فهاجت فيه هذه الأخبار الشوق إلى الاستيلاء عليها؛ فسير إليها حملة بحرية للطواف بسواحلها إلى ملتقاها بخليج العقبة.
_________________
(١) ١ المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام جـ٢ ص٥، أ. د/ جواد علي ط. دار العلم.
[ ٣٨٠ ]
ليست فتوحات الإسكندر، التي قذفت بالإغريق، والرومان إلى مساحات واسعة من آسية حدثًا سياسيًّا فحسب؛ إنما هي: فصل من فصول كتاب التأريخ البشري؛ نقرأ فيه أخبار التقاء العالمين: الشرقي، والغربي، وجهًا لوجه على مساحات واسعة من وجه المسكونة؛ ونزعة الغرب في السيطرة على الشرق وتأثر الحضارات والثقافات بعضها ببعض، وحصول علماء اليونان والرومان على معارف مباشرة عن أحوال أمم كانوا يسمعون أخبارها من أفواه التجار والسياح والملاحين، فإذا وصلت إليهم كان عنصر الخيال فيها الذي يميل إلى التفخيم، والتجسيم قد انتهى من عمله، وأدى واجبه. فصححت فتوحات "الإسكندر" هذه للهلال الخصيب ولمصر بعض تلك الأوهام، وجاءت بعلماء من اليونان إلى هذه البلاد؛ ولا سيما مصر، فأفادوا، واستفادوا وصارت "الإسكندرية" بصورة خاصة، وبعض مدن بلاد الشام ملتقى الثقافات؛ الثقافات الشرقية، والثقافات الغربية، ومركز الاتصال العقلي بين الغرب والشرق؛ وبقيت الإسكندرية محافظة على مكانتها هذه حتى ظهور الإسلام.
وقد حملت فتوحات "الإسكندر"، والحروب التي وقعت بين الروم والفرس إلى الشرق الأدنى دمًا جديدًا هو: دم الإغريق، ومن دخل في خدمة "الإسكندر"، واليونان والرومان من الجنود والمتطوعة والمرتزقة من سواحل البحر المتوسط الشمالية، وما صاقبها من أصقاع أوربية.
لقد بنى "الإسكندر" الأكبر مدينة Gharax- على ملتقى نهر: "كارون" بدجلة، وأسكنها أتباعه، وجنوده ومواطني المدينة الملكية كما بنى مدنا أخرى، وقد كان من المحبين المولعين ببناء المدن، وبنى خلفاؤه مدنا جديدة في الشرق، وكذلك من أخذ تراثهم من اليونان والرومان.
وحمل الفرس عددًا من أسرى الروم، وأسكنوهم في ساحل "الخليج" وفي مواضع أخرى. وطبيعي أن تترك سكنى هؤلاء في الشرق أثرًا ثقافيًّا في الأماكن التي أقاموا فيها، وفي نفوس من جاوروهم أدرك قيمته المؤرخون المعاصرون١.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٢ ص١١، ص١٢.
[ ٣٨١ ]
وفي أيام "بطليموس فيلادلفوس" كذلك أسست موانئ جديدة على سواحل البحر الأحمر لرسو السفن فيها، وللمحافظة على الطرق البحرية من لصوص البحر بلغت مداها جزيرة "سقطرى"؛ حيث أنشئت فيها جملة مستعمرات يونانية؛ وقد بقي اليونانيون فيها عصورا، غير أن نزولهم فيها لا يدل على احتلالهم لها١.
ويذكر الباحثون أن تسميتها جاءتها من "السنسكريتة" "دفيبا سوخنزا".
وهى تسمية إن صح أنها من هذا الأصل فإنها تدل على صلة أهل "الهند" بها منذ عهد قديم.
وأهلها خليط من عرب وروم إفريقيين وهنود يتكلمون بلهجات متداخلة، وهذا الاختلاط نفسه أمارة على الأهمية التي كانت للجزيرة في ذلك الزمن.
وقد ذكر "ياقوت الحموي" أن أكثر أهلها نصارى عرب، وأن اليونانيين الذين فيها يحافظون على أنسابهم محافظة شديدة، وقد وصلوا إليها في أيام "الإسكندر".
ويزعم بعض الإخباريين: أن "كسرى" هو الذي نقل اليونانيين إليها؛ ثم نزل معهم جمع من "مهرة" فساكنوهم، وتنصر معهم بعضهم، وفي الروايات العربية عن: الروم الذين بجزيرة "سقطرى" شيء من الصحة٢.
لقد أحدث دخول اليونان البحار الجنوبية من الخليج العربي ومن البحر الأحمر احتكاكا مباشرا بين الثقافة اليونانية والثقافات الشرقية، وقد عثر على كتابات يونانية في مواضع متعددة من الخليج، ومن السواحل الإفريقية تتحدث عن وجود اليونان في هذه الأماكن٣.
وقد عثر في خرائب مدينة "تمنع" على كثير من الأشياء الهيلينية الأصل، أو المتأثرة بالهيلينية من تماثيل، وتحف فنية، وفخار وما شابه ذلك هي من نتائج التبادل التجاري، والاتصال، الذي كان بين حوض البحر المتوسط، وعرب الجنوب٣.
_________________
(١) ١ المصدر السابق جـ٢ ص٢٤. ٢ السابق جـ٢، ص٢٤، ص٢٥، مروج الذهب جـ١ ص٣٣٥، معجم البلدان جـ٥ ص٩٣. ٣ المفصل جـ٢ ص٣٠.
[ ٣٨٢ ]
مكة والصراعات السياسية بين الفرس والرومان:
وفي جملة ما اتخذه البيزنطيون من وسائل التأثير في الشرقيين وفي جملتهم العرب: نشر النصرانية الديانة التى قبلوها، ودانوا بها، واتخذوها ديانة رسمية للدولة.
وتمكنت النصرانية من كسب بعض العرب فجرتهم إليها، وجذبت إليها القبائل الساكنة على حدود الأرياف والأطراف؛ أي: سكان المناطق الحساسة الدقيقة بالنسبة إلى الخطط السياسية والعسكرية "للساسانيين" و"للبيزنطيين" على حد سواء.
وقد كان من سوء المصادفات أن النصرانية كانت قد تجزأت إلى شيع؛ وأن غالبية النصارى العرب تمذهبت بمذهب يخالف مذهب الروم؛ ولكنها كانت تشعر على كل حال أنها مع الروم على دين واحد، ولهذا: لم يحفل ساسة "القسطنطينية" كثيرا بموضوع اختلاف المذاهب، وإن تألموا من وجوده وظهوره، فساعدوا نصارى اليمن، ونصارى الأماكن الأخرى من جزيرة العرب على اختلافهم عنهم، وعملوا في الوقت نفسه على نشر مذهبهم بين العرب؛ ليتمكنوا بذلك من إيجاد محيط ثقافي سياسي يؤيد البيزنطيين١.
وشجع "الساسانيون" مذهب "نسطور" مع أنهم كانوا مجوسًا ولم يكونوا نصارى، وشجعوه؛ لأنه مذهب يعارض مذهب الروم، فانتشر في العراق، وفي إيران، وفي سائر الأرضين الخاضعة للحكم الساساني، ودخل في هذا المذهب أكثر النصارى العرب في العراق.
وكان من نتائج العداء الموروث بين "الساسانيين" و"البيزنطيين" أن انتقلت عدواه للعرب أيضًا. فصار أناس منهم مع "الفرس" وآخرون مع "الروم" وبين العربين عداوة وبغضاء، مع أنهما من جنس واحد، وكلاهما غريب عن الساسانيين والبيزنطيين.
_________________
(١) ١ السابق جـ٢ ص٦٢٨.
[ ٣٨٣ ]
وقد تجمعت هذه العداوة: في غزو "عرب الحيرة" للغساسنة، وفي غزو "الغساسنة" لأهل الحيرة، حتى في الأيام التي لم يكن فيها قتال بين الفرس والروم، مما أدى أحيانا إلى: تكدير صفو السلم، الذي كان بين البيزنطيين والساسانيين١.
أما ملوك "الساسانيين" فقد كانوا يتاجرون مع العرب، يشترون منهم، ويبيعونهم ويرسلون القوافل بأسمائهم إلى العربية الجنوبية؛ لبيع ما تحمله في أسواقها، ولشراء سلع العربية الجنوبية يحملونها إلى أسواق العراق، وقد كانوا يوكلون حراستها إلى جماعة يختارونهم من سادات القبائل المهيبين المعروفين بِجُعْل يدفعونه لهم٢.
ويظهر من روايات أهل الأخبار أن جماعة من أهل مكة قد تخصصت بالاتجار مع العراق، وقد كان لها تعامل مع "كسرى"؛ وربما مع كبار رجال دولته أيضا، من أولئك الذين اقتدوا بملوكهم في الاشتغال بالتجارة وبالنزول إلى الأسواق.
فإنا نجد أناسا من كبار تجار مكة كانوا يفدون على المدائن، ويتصلون بديوان "كسرى"، ويتعاملون هناك بيعا وشراء. وكانت لهم دالة على ملك المدائن، وربما كان يساعدهم هو نفسه في مال القوافل، أو يجعل له نصيبا من الأرباح٣.
_________________
(١) ١ المصدر السابق جـ٢ ص٦٣١. ٢ المصدر السابق جـ٢ ص٦٣٢. ٣ المصدر السابق جـ٢ ص٦٣٣.
[ ٣٨٤ ]
بناء البيت والدعوة إلى التوحيد:
رأينا من عرضنا السابق لتاريخ المنطقة العربية وخاصة شبه الجزيرة العربية أنها لم تكن معزولة عمن حولها: سياسيا، اقتصاديا، ثقافيا، أو دينيا، فرأينا كيف قامت هنا أو هناك تحت إشراف الكنيسة التي أنشأتها وساعدت على قيامها مدارس وميول مذهبية، وهكذا كنا نرى أنها لا تكاد توجد إلا ويعطل رئتيها الهواء، وهذه المدارس الوليدة كانت صبغة دينية ولسانها لا يرطن بغير السريانية لغتها القومية.
[ ٣٨٤ ]
ومع هذا الاضطهاد وجدت قبائل عربية ذات مظهر حضاري اعتزلت الأوثان إلى المسيحية، وكنا نلاحظ أن الدافع إلى هذا التغيير ليس دينيا خالصا إنما بعضه كان سياسيا.
ووجدت قبائل يهودية الأصل، أو يهودية الدين، غير الجنس، أى قبائل عربية في يثرب، ويختلف المؤرخون حول تاريخ نزولهم، وأصلهم في هذه المنطقة، وهل هي قبائل يهودية الأصل؟ أو قبائل عربية تهودت؟ والاحتمال الثانى له من أسمائهم العربية ما يسوغه، وهذا فضلا عن التيارات الأخرى.
كانت هذه التيارات حول مكة، مركز المنطقة العربية، فهل تجاوبت مكة مع هذه التغيرات؟ أو بمعنى آخر: هل أحست مكة بهذه التغيرات؟ وما دلائل هذا الإحساس؟
لا شك أن هذه الأشياء بدَّدت سكون المنطقة العربية، وأحلَّت فيها تغيرات شاهدناها محصورة على مستوى أفراد من القبائل، ولم يبلغ مستوى عامتها إلى الشعور الاجتماعى.
- فوجدنا من تمرد على الوثنية، وأطلقوا على أنفسهم "المتحنثين".
- ومن اعتنق المسيحية.
- ومن اعتنق الحنيفية، وأتى بها من الشام.
- ووجدنا من تثقف ثقافة عامة تلقاها في مدرسة جنديسابور مثل: النضر بن الحارث ووالده الحارث بن كلدة.
- ومن كان عنده "مجلة لقمان"؛ مثل: سويد بن الصامت.
- والداعون إلى توحيد الله بفطرتهم مثل: قس بن ساعدة.
- وطبقات من الحكماء. مثل: أكثم بن صيفي.
- والإباحيون، الذين يسبون أصنامهم؛ مثل: امرئ القيس.
- ورواية تاريخية تسند إلى"عمرو بن لحي" أنه أتى بصنم من بلاد البلقاء بعد غزو الإسكندر للشرق.
- ووجدنا فيها الصابئين والمجوس.
ونلاحظ أن: هذه التغييرات كان منها: ما هو شرقي، وما أكثره، ومنها ما هو هيليني، وذلك يظهر في الأصنام.
[ ٣٨٥ ]
كذلك لم تبق الجزيرة العربية بمنأى عن ديني التوحيد الكبيرين اللذين قاما على حدودها. فقد نفذت اليهودية والمسيحية إلى الصحراء.
ومن المصادر المهمة التي تفيد كثيرًا في معرفة المساحة الجغرافية التي انتشرت فيها اليهودية، المسيحية والمجوسية، وبعض العقائد الوثنية على خريطة شبه الجزيرة العربية وخارجها؛ كتاب: "فتوح البلدان للإمام: أبي الحسن البلاذري المتوفى ٢٩٦هـ".
فلقد ضمنه كثيرا من الإشارات المهمة في جمل وجيزة، عن بعض أحوال البلاد التى فتحها المسلمون من حيث العقائد المسيحية، أو اليهودية أو المجوسية، أو الملل الوثنية، التي قد لا يعثر عليها في المصادر المعنية بدراسة موضوع العقائد والأديان والمذاهب.
كذلك يمكن للقارئ أن يتتبع موضوع العقائد التي انتشرت في رقعة فتوح البلدان، التي فتحها "الله" عليهم من خلال كتب المصالحة التي صالح الرسول -ﷺ- عليها أهل تلك البلاد أو صحابته؛ فإنه كثيرًا ما ينص فيها على عقائد تلك البلاد.
كذلك يمكن للقارئ من خلال كتب المصالحات، أو المعاهدات أن يتبين العلاقة بين أصحاب الأديان المختلفة في البلد الواحد، فهل الغلبة لليهودية، أو المسيحية، أو المجوسية، أو الوثنية؟ ومن منهم كان أكثر استجابة للإسلام، وأمنعهم عليه؟ ومن منهم كان أكثر تآمرا عليه، وغدرا به؟
مثال ذلك:
١- ما رواه عن المجوس حين تحصن "المكبر" الفارسي صاحب كسرى، وانضم إليه المجوس، وامتنعوا عن أداء الجزية.
٢- ومن ذلك قوله: فكره المجوس واليهود الإسلام، ورحبوا أداء الجزية.
٣- وقوله: قال هشام: وسمعت مشايخنا يذكرون: أن اليهود كانوا كالذمة، يؤدون إليهم الخراج فدخلوا معهم الصلح.
وذلك كان فتح مدينة دمشق.
٤- وثنية دومة الجندل:
[ ٣٨٦ ]
ذكر البلاذري: صلح دومة الجندل، الذي كتب به "رسول الله -ﷺ" لأكيدر. حين أجاب إلى الإسلام، وخلع الأنداد، والأصنام.
وقال في رواية: وكانوا من عباد الكوفة؛ أى: كانت وثنية.
٥- مسيحية نجران: ويبدو أن المسيحية كانت غالبة على نجران.
يقول البلاذري: دخل يهود نجران مع النصارى في الصلح، وكانوا كالأتباع لهم.
٦- صلح اليمن: وفي صلح اليمن ورد فيه: وجز رءوس من أقام على النصرانية والمجوسية، واليهودية منهم.
٧- أمر نصارى بنى تغلب:
روى البلاذري وهو يتكلم عن أمر نصارى بنى تغلب بن وائل: أن نصارى بني تغلب يطلق عليهم نصارى العرب، وقال: ليس في مواشي أهل الكتاب صدقة إلا نصارى بني تغلب، أو قال نصارى العرب.
٨- البحرين: قال البلاذري: وكانت أرض البحرين من مملكة الفرس، وكان بها خلق كثير من "عبد القيس"، و"بكر بن وائل"، وكان على العرب بها من قِبَل الفرس على عهد رسول الله -ﷺ- المنذر بن ساوي أحد بني عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة، وعبد الله بن زيد هذا هو الأسبذي، نسب إلى قرية بهجر يقال لها: الأسبذ، ويقال: إنه نسب إلى الأسبذيين، وهم قوم كانوا يعبدون الخيل بالبحرين.
فلما كانت سنة ثمانٍ: وجه رسول الله -﵌- والعلاء بن عبد الله بن عماد الحضرمي حليف بني عبد شمس إلى البحرين؛ ليدعو أهلها إلى الإسلام أو الجزية، ثم قال: فأما أهل الأرض من المجوس واليهود والنصارى: فإنهم صالحوا العلاء فكره المجوس واليهودُ الإسلامَ، وأحبوا أداء الجزية، فقال منافقو العرب: زعم محمد أنه لا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، وقد قبلها من
[ ٣٨٧ ]
مجوس هجر وهم غير أهل كتاب، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ . [المائدة: ١٠٨] .
وذلك قلٌّ من كثر، ذكرناه لبيان لقيمة الكتاب لدى الباحث، الذي يريد رسم منحنى بياني لانتشار اليهودية، والمسيحية، والمجوسية في شبه الجزيرة، وما فتحه المسلمون من البلاد والدول.
يقول المقدسي في معرض ذكره شرائع أهل الجاهلية ومللها: "كان فيهم من كل ملة ودين. وكانت "الزندقة، والتعطيل" في قريش، "والمزدكية والمجوسية" في تميم، واليهودية والنصرانية في غسان، والشرك وعبادة الأوثان في سائرهم.
ونستطيع أن نقول: إن قلب الجزيرة العربية في مكة استقبل تيارات متضاربة من الأفكار، والمذاهب، والديانات؛ مثل المزدكية واليهودية والمسيحية الشرقية، والبوذية، والعقائد السحرية الآتية من بلاد الزنوج، وكلها نجد لها ردود فعل في القرآن الكريم.
لكن السؤال هو: إذا كانت الاتجاهات الدينية وجدت في مكة كلها، أو أكثرها، وفدت إليها من خارج فما هو الاتجاه الديني لمكة؟
[ ٣٨٨ ]
نبي الله إبراهيم والجزيرة العربية:
عصر إبراهيم الخليل يرجع تاريخه إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد، وهو عصر عربي بحث قائم بذاته وبلغته، وهى مرتبطة بالجزيرة العربية وبلغتها وبقبائلها التي سميت فيما بعد: بالعرب البائدة لانقراضها.
وقد كانت القبائل العربية المعروفة بالقبائل البائدة آنئذ على قيد الحياة في جزيرتهم في هذا العهد، وقد أدت دورًا مهما في تنمية الحضارة العربية السامية.
وقد نبه "القرآن الكريم" على ذلك بربط صلة إبراهيم الخليل بالجزيرة العربية، وبيت الله العتيق، وليس بفلسطين.
[ ٣٨٨ ]
وإن الأثريين ميزوه عن الأدوار التالية، وأطلقوا عليه تسمية: "عصر الجوالين".
ومن المهم ذكره في هذا الصدد أن القرآن الكريم كان أول كاشف لنا عن هذه الحقيقة، وقد جاءت المكتشفات الأثرية حول الهجرات السامية ودراسة علم المقارنة بين اللغات مؤيدة لهذه الحقيقة نفسها التى تربط صلة إبراهيم بجزيرة العرب.
والتوراة ترى أن أرض فلسطين باعتراف التوراة ذاتها كانت أرض غربة بالنسبة إلى آل إبراهيم وآل إسحاق وآل يعقوب؛ إذ كانوا مغتربين في أرض فلسطين بين الكنعانيين سكانها الأصليين، والتوراة تتحدث عنهم بصفتهم غرباء وافدين طارئين على فلسطين١.
أما وطنهم الأصلى فهو "أرام النهرين" أي منطقة حران "حران الحالية" حيث كانت العشائر الآرامية، المنتمية إليها قد استقرت عند منابع نهر البليخ بعد هجرتها من الجزيرة العربية٢.
ثم نزحت فروع من هذه القبائل إلى جنوب العراق "منطقة بابل" فكان إبراهيم الخليل من ذريتها، وقد وردت كلمة "اغتراب" كلما ذكر تنقل إبراهيم في فلسطين وفي مصر، فقيل: "تغرب إبراهيم في أرض الفلسطينيين"٣.
_________________
(١) ١ وقال إبراهيم لعبده كبير بيته المستولي على ما كان له: ضع يدك تحت فخذي فأستحلفك بالرب إله السماء وإله الأرض لا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين؛ أنا ساكن بينهم؛ بل إلى أرضي وإلى عشيرتي تذهب وتأخذ زوجة لابني إسحاق "تك ٢٤: ٢-٤"، "ثم أخذ العبد عشرة جِمال من جِمال مولاه، ومضى وجميع خيرات مولاه في يده، فقام وذهب إلى آرام النهرين إلى مدينة ناحور" "تك ٤٠: ٢-١٠"راجع أيضا "تك ٢٤: ٣٣-٣٨". ٢ أليست هذه عادة أصيلة لا علاقة لها بالتقاليد اليهودية؟ ثم ألا يستشف منه أن سيدنا إبراهيم الخليل "﵇" كان غريبا وفردا في أرض كنعان؟ أو لم يكن بإمكانه فيما لو كان هناك يهود من عشيرته تزويج ولده من إحدى بناتهم بدلا من إرسال عبده إلى آرام النهرين؛ لِجلبه عروسًا لابنه من هناك فلا يفرح بزواج ولده إسحاق؛ راجع أيضا: ٢٨: ١-٢ "تك ٤٧- ٩". ٣ يحب التمييز هنا بين بنى إسرائيل عند هجرتهم إلى مصر في القرن السابع عشر قبل الميلاد وهم أسرة واحدة لم يتجاوز عدد أفرادها السبعين شخصًا، وبين قوم موسى عندما نزحوا إلى فلسطين في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، لأن أسرة إسرائيل انصهرت وذابت في المجتمع المصرى على مر الزمن بحيث لم يبق لها أي أثر عندما غزا النبي موسى -﵇- وأتباعه أرض فلسطين بعد خروجهم من مصر بعد مرور حوالي ستمائة عام على زمن دخول أسرة يعقوب إلى مصر. لقد كان هؤلاء يؤلفون حملة مصرية بحثة أكثرها من بقايا الهكسوس ومن الجنود المصريين الفارين كما سنوضح ذلك فيما بعد.
[ ٣٨٩ ]
و"انحدرا إبرام إلى مصر للتغرب هناك"١ وانتقل إبراهيم إلى أرض الجنوب وسكن بين قادش وأشور في جرار٢ ولما اشترى إبراهيم مغارة المكفيلة من الحيثيين في حبرون قال لهم: "أنا غريب ونزيل عندكم، أعطوني ملك قبر معكم لأدفن ميتي"٣، ومثل ذلك ورد في التوراة فيما يخص إسحاق ويعقوب: "وسكن يعقوب في أرض غربة أبيه كنعان٤" وجاء يعقوب إلى إسحاق أبيه في حبرون؛ حيث تغرب إبراهيم وإسحاق٥، "تصرخ وتقول أمام الرب إلهك: أراميا تائها كان أبي فانحدر إلى مصر وتغرب هناك"، وهكذا فلا يمكن أن تكون كلمة "تغرب" بمعنى اتجه نحو الغرب؛ لأن ورود كلمة "أرض الغربة" تنفي هذا الاحتمال.
ثانيًا: إن أنباء إسرائيل الاثني عشر ولدوا كلهم باعتراف التوراة في فران آرام منطقة حران٦ حيث مكث يعقوب المسمى إسرائيل عشرين سنة٧، ويعني ذلك أن مولدهم ونشأتهم كانا خارج فلسطين، وهؤلاء هم بنو إسرائيل الذين ورد ذكرهم في التوراة.
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا﴾ ٨، "قرآن كريم".
يتضح مما تقدم أن تسمية إبراهيم "إبراهيم الخليل" بالعبرانى كما في التوراة كان يراد بها معنى "العبريين"؛ أي القبائل البدوية العربية، والقبائل الآرامية التي
_________________
(١) ١ تك:" ٣٢: ١: ١٠. ٢ تك: ٢٠: ١. ٣ تك: ٢٣: ٤. ٤ تك: ٣٧: ١. ٥ راجع أيضا: "وظهر الرب لإسحاق وقال: لا تنزل إلى مصر اسكن في الأرض التي أقول لك تغرب في هذه الأرض" تك "٢٦: ١-٣". ٦ تك "٣٥: ٢٧" راجع أيضا ثم أخذ عيسو نساءه وبنيه وبناته وجميع نفوس بيته من وجه أخيه يعقوب لأن أملاكهما كانت كثيرة على السكن معا ولا تستطيع أرض غربتهما أن تحملهما من أجل مواشيهما. تك ٢٦: ٦-٧. ٧ وكان بنو يعقوب اثني عشر أخا، بنو ابنه: روابين وشمعون ولاوي ويهوذا وعساكر وزبولون، وابنا راحيل: يوسف وبنيامين، وابنا بلهة جارية راحيل: دان ونفتالى وابنا زلقة جارية ليئة وأشير وهؤلاء بنو يعقوب الذين ولدوا في فران أرام "تك ١٥: ٢٣-٢٦". ٨ الآية ٦٧ من سورة آل عمران.
[ ٣٩٠ ]
ينتمي إليها الخليل نفسه. وبهذا المعنى جاءت كلمة "عبيرو" التي عثر عليها في النصوص المصرية والتي تعود إلى القرنين الخامس عشر والرابع عشر قبل الميلاد، ويعترف جورج بوست في مصنفه "قاموس الكتاب المقدس" بأن لقب إبرام بالعبراني لم يقصد به الإسرائيلي وإنما يمكن تأويله على تعبيره بإبرام السائح أو المهاجر١؛ فقد عثر في تل العمارنة بمصر على ست رسائل من أحد ملوك منطقة أورشليم الكنعانية اسمه "عبد خيبا" موجهة إلى فرعون مصر أمنوفيس الرابع يتكلم فيها عن "العبيرو" الذين اجتاحوا بلاده. ولما كانت أرض فلسطين في هذا الدور محمية مصرية فإن "عبد خيبا" يقول في رسائله: لم يبق في أرض مولاي الملك شيء.. نهب "العبيرو" كل البلاد من سيد الملك.. البلاد وقعا في أيدى "العبيرو". ومن الواضح هنا أنه يمكن أن يكون "العبيرو" الذين ورد ذكرهم في هذه الرسائل هم اليهود. وهكذا في التوراة حين تصف إبراهيم الخليل بالعبراني تساير واقع الحال باعتباره من قبائل الخبيرو "العبيرو" التي ينتمى إليها، أي القبائل الأرامية، قبل أن يكون لليهود وجود بعد. ويؤيد ذلك المستشرق توردارسون، أستاذ اللاهوت في جامعة أيسلندا، فيرى أن إبراهام شبه بدوي ينتمي إلى القبائل القديمة المسماة بالعبيرو ولعله ينحدر من هذا العرق القبائلي نفسه٢، فقد عاش إبراهيم في القرن التاسع عشر قبل الميلاد، أي في زمن يسبق عهد موسى بسبعمائة عام. وقد ظلت هذه التسمية، أي تسمية عبري وعبراني، تطلق على الجماعات من القبائل النازحة من البادية ومن جهة فلسطين إلى مصر وعلى هذا الأساس صار المصريون يسمون الإسرائليين بالعبرانيين باعتبارهم من تلك الجماعات البدوية٣.
_________________
(١) ١ يلاحظ أن هذه العبارة قد حذفت من الطبعة الجديدة لقاموس الكتاب المقدس لعام ١٩٧١، بل وأكثر من ذلك حذفت جميع الدراسات العملية التي قام بها العلامة جورج بوست ليوضع مكانها، خلافا لما جاء في المقدمة -ما يؤكد ربط اليهود بعصر إبراهيم الخليل واعتبار كلمة عبرانيين شاملة لكل أدوار اليهود التاريخية التي تبدأ بإبراهيم الخليل وفقا للتقاليد اليهودية التي تعتبره جد اليهود، ويلاحظ أيضا أن هذا القاموس الجديد يدعم النظرية الصهيونية الحديثة التي تعتبر جميع الأسماء الواردة في التوراة من أسماء أشخاص وأماكن عبرية أي يهودية بقصد إرجاعها إلى عهد العبريين "العبيرو" عن طريق الاستغلال في ذلك الخلط بين العبري واليهودية الذى سار عليه في وقت متأخر للتمويه. إن العبرية القديمة هي في الحقيقة لغة عهد "العبيرو" أي الكنعانيين؛ لأن العبرية بمعنى اليهودية متأخرة ولم تكن قد وجدت في ذلك العهد القديم. من ملاحظات -د. سوسة في كتابه السابق. ٢ انظر ما تقدم عن الأخلامو والخبيرو في بحث الآراميين في الفصل الأول. ٣ دائرة المعارف البريطانية ١٩٢٥، م١، ص٤٥.
[ ٣٩١ ]
وأما ما أورده الباحثون من أن كلمة "عبري" مشتقة من عبر أي قطع نهرًا أو غيره أو من "عابر" أحد أسلاف إبراهيم١، فغير مستند إلى أي دليل أو أساس وهي من قبيل الحدس والاجتهاد، وقد نبه القرآن الكريم إلى هذه الناحية حيث قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ، هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ، مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢ [آل عمران: ٦٦، ٦٧] .
ولهاتين الآيتين الشريفتين معنيان؛ المعنى الأول: هو أن إبراهيم ما كان على دين "يهوه إله اليهود بل كان حنيفا مسلما" كما تقدم، والمعنى الثانى: هو أن دور إبراهيم الخليل هو غير دور اليهود، ولا يتصل بدور اليهود الأخير.
يتضح من التنبيه الذي ورد في القرآن الكريم أن هناك من وقع في الخطأ نفسه الذي وقع فيه الكتاب العرب بربطهم عهد إبراهيم الخليل باليهود، وأن هذا التنبيه إلى أن إبراهيم الخليل ظهر قبل وجود اليهود وأنه لا يمكن أن يكون يهوديا ثم الإشارة إلى اتصاله بالجزيرة العربية "بيت الله العتيق" يتفق تمامًا مع ما توصل إليه العلماء في ضوء الاكتشافات الأخيرة، وعلى الباحثين أن يتبعوا ما نبه إليه القرآن الكريم في هذا الموضوع؛ لأن استعمال كلمة عبري بمعنى يهودي عندما يبحث عن تلك الأزمان القديمة لا يتفق مع المستند العلمي التاريخي فضلا عما يحدثه من ارتباك إذ يربط اليهود بأدوار تاريخية قديمة٣.
_________________
(١) ١ تكوين: "٣٩، ١٤- ١٧، ٤٠-١٥، ٤١-١٢" "خروج ١-١٥-١٦، ١٥-٢، ٧، ١١، ١٣". ٢ وانظر تكوين: "١٠، ٢٤، ١١: ١٤". ٣ فتحى رضوان: "اليهود وبنو إسرائيل" الأهرام "١٧/ ١٠/ ١٩٧٢ص".
[ ٣٩٢ ]
إله إبراهيم الخليل غير إله اليهود:
إن الإله الذي كان إبراهيم الخليل يدعو لعبادته هو غير إله اليهود الذي تصفه التوراة، دعوة إبراهيم الخليل لعبادة الإله الواحد كانت دعوة عامة موجهة إلى جمع السكان الوثنيين في عصره بلا استثناء الإله الأوحد خالق السموات
[ ٣٩٢ ]
والأرض وجميع البشر، رب جميع المخلوقات بدون تمييز بين الأقوام١.
ومما يؤيد ذلك أن إبراهيم الخليل لما استدعى عبده وأمره بأن يذهب٢ إلى "حران"؛ ليأخذ زوجة لابنه إسحاق من عشيرته هناك قال له: فأستحلفك بالرب إله السماء وإله الأرض ألا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين الذين أنا ساكن معهم٣.
وقد ورد ذكر هذا الإله الذى دعا إبراهيم إلى عبادته باسم "إيل" في التوراة٤، وهو مفرد لكلمة "أباهييم" الكنعانية المراد بها الجمع والتعدد، أي الآلهة، ومنه جاءت تسمية "بيت"٥ و"إيل" هو الإله الذي تكلم مع هاجر٦.
كما ورد هذا المصطلح نفسه في نصوص الكنعانيين والآرامية ثم في النصوص المصرية التي ترجع إلى عهد الهكسوس بهذا المعنى فقيل "يعقوب إيل" و"يوسف إيل" أي يعقوب الإله أو يوسف٧ عملا بالطريقة التي كانت متبعة بإضافة اسم الإله إلى اسم الشخص تبركا به كما هو متبع الآن بتسمية الأشخاص بعبد الله وعبد الإله إلخ وذلك مما يدل على أن كلمة "إيل" بمعنى الإله الواحد كانت معروفة في كنعان في عهد إبراهيم الخليل وفي عصر الهكسوس الذي يليه أى قبل أن يظهر موسى واليهود بعدة قرون، ولما ظهر اليهود عبدوا إلههم الخاص بهم الذى سمى باسم "يهوه" وهو الإله الذي لا يهمه من العالم والخلق سوى اليهود وشعبه المختار، وذلك على غرار مبدأ التفريد، وهو المبدأ الذى اعتنقه الأقوام القدماء عندما كانت كل مدينة تختص بإله واحد من بين مجموعة الآلهة بدون نبذها عبادة الآلهة الأخرى والقضاء عليها٨. وهو حاكمها وهو قائدها على صورة البشر، والبشر على
_________________
(١) ١ فتحى رضوان: "اليهود وبنو إسرائيل" الأهرام "١٧/ ١٠/ ١٩٧٢ ص٧". ٢ تكوين ١٤: ١٩. ٤ تكوين ١٢: ٨، ٧٣٥-٨. ٥ تكوين ١٢: ٨، ١٣: ٣. ٦ تكوين ١٦: ١٣- ١٤. ٧ انظر ما تقدم عن الهكسوس في الفصل الأول وما تقدم عن إبراهيم وإسحق ويعقوب في هذا الفصل. ٨ طه باتر، "مقدمة..، "ج٢، ٣٠٣".
[ ٣٩٣ ]
صورة الإله، مسكنه في السماء وينزل أحيانا إلى الأرض، فيتفحص الأشكال البشرية، ويكلم البشر بصوت ولفظ ويأكل ويشرب إلخ١.
وهكذا كان الإله تصوره اليهود إلها قبليًّا خاصًّا بهم، ويناقش آلهة الأقوام الأخرى ويحارب معهم كما كانت الحال عليه في عصر دويلات المدن في العراق القديم.
ولا يخفى أن دعوة إبراهيم الخليل للوحدانية الخالصة بدأت في العراق وليس من فلسطين وهي موجهة إلى جميع الوثنيين في عصره ولم تخطر ببال إبراهيم الخليل فكرة الشعب المختار، وهي البدعة التي اختلقها مدونو التوراة وأدخلوها في الكتاب المقدس بعد ربطها بابراهيم الخليل؛ إذ لا يمكن أن تكون هذه الادعاءات منزلة من الإله خالق السماوات والأرض الذى دعا إبراهيم الخليل إلى عبادته قبل أن يظهر اليهود بعدة قرون.
لذلك كله تعتبر دعوة إبراهيم الخليل إلى الوحدانية الخالصة أول دعوة عامة للتوحيد بالمعنى الدقيق لمصطلح التوحيد في تاريخ البشرية، وهي عربية لغة ووطنا، كما جاءت بعدها رسالة محمد -﵊- النبي العظيم خاتم الأنبياء، وقد نزلت عليه باللغة العربية أيضا؛ لأن اللغة التي كان يتكلم بها إبراهيم الخليل والآراميون معه في تلك الأزمان هي اللغة العربية الأم التي يرجع وطنها الأصلى إلى الجزيرة العربية، وكانت لغة واحدة تتكلم بها جميع القبائل، وذلك قبل أن تتفرق هذه اللغة الأصلية إلى لهجات مختلفة ضمن كتلة اللغات السامية، وما كان الإسلام إلا ملة إبراهيم حنيفًَا.
يقول الدكتور هوميل: "ومما لا يشك فيه أن اللغة الآرامية في عصر أبرام "إبراهيم الخليل" كانت لهجة عربية، ويقصد هنا اللغة الأصلية التي كان يتكلم بها الأراميون في الجزيرة العربية قبل هجرتهم منها، لأن ما نسميه بالآرامية لم يظهر إلى
_________________
(١) ١ تصور التوراة الإله كشخص يحارب بنفسه من أجل إسرائيل "خروج ١٤: ١٤ يشوع ١٠: ٤٢، ٢٣، ٣" وله رجلان ويمشى كالإنسان "خروج ٢٤: ١٠" ويكتب بأصبعة "خروج ٣١: ١٨، ٢٣: ١٢- ١٦ ١٩، ٣٤" ويندم على بعض أعماله "١ صموئيل ١٣- ١٤ إلخ..".
[ ٣٩٤ ]
حيز الوجود إلا بعد زمن متأخِّر جدًّا وأن ما يعرف بآرامية التوراة آرامية عصر المسيح يرجع إلى زمن الفرس وأيام العصر المسيحي١.
وقد ورد اسم الإله "إيل" مضافًا إلى أسماء عدد من الملوك المعينيين في اليمن ومنهم: "وقه -إيل"، "يصدق إيل" ملك حضرموت ومعين الذي كان حكمه حوالي سنة ٢٠١ ق. م. و"يشع إيل" كما ورد اسم الإله إيل مضافا إلى أسماء بعض ملوك سبأ، والمعروف منهم "يدع إبل" "كرب إيل" وتر الأول والثاني والثالث والرابع والخامس "وهب إيل"؛ ففى ذلك دليل واضح على ارتباط إبراهيم الخليل بالجزيرة العربية وأن الإله الواحد الذي كان يدعو إلى عبادته إبراهيم الخليل كان معروفًا في جزيرة العرب بصفته "الإله العلي" مثل ما كان معروفا عند الكنعانيين والآراميين بهذه الصفة، وأن إضافة اسمه إلى أسماء بعض ملوك اليمن دليل على أن اسم "إيل عربي الأصل أي الإله".
ومما يدل على أن عبادة إبراهيم الخليل للإله "إيل" منفصلة تماما عن عبادة اليهودية للإله "يهوه" التي ابتدعها كتبة التوراة بعد عهد إبراهيم الخليل بأربعمائة وألف سنة أن أسرة إبراهيم الخليل في ثلاثة أظهر كانت تضيف اسم الإله "إيل" إلى أسماء زعمائها، فإبراهيم الخليل نفسه هو النبي الوحيد الذي سمي "خليل الله" كما ورد في القرآن الكريم ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ ٢.
ومن المرجح أن كلمة "خليل" عربية مركبة من "خل" وإيل، بمعنى صديق الإله "إيل"، ومثلها اسم إسماعيل الذي معناه ليسمع للإله "إيل" وكذلك اسم يعقوب "إسرائيل" الذي معناه عبد الإله "إيل".
ويؤيد المستشرق ثورير ثوردارسون أستاذ اللاهوت في جامعة إيسلندا كون ديانة التوحيد التي دعا إبراهيم الخليل إلى عبادتها هي خاصة به وبعشيرته ولا صلة لها باليهودية، فيقول في ذلك: "لقد أظهرت المدونات الآشورية من القرن العشرين قبل الميلاد والكتابات التي تعود إلى العصور التي تلي ذلك أن دعوة إبراهيم تستند إلى
_________________
(١) ١ Dr.F.Homme"the Anicent Tradition" P. ٢٠٢ ٢ سورة النساء الآية ١٢٥.
[ ٣٩٥ ]
الإيمان بالإله العلي، وهذا يتفق مع الصورة التي نجدها في التوراة "أنا إله إبراهيم أبيك"١ فإبراهيم إذن هو مؤسس وحامل لواء هذه الديانة التي تدعو إلى عبادة الإله العلي وأصبحت تقترن بصلة وثيقة بعشيرته٢.
ومما يذكر في هذا الصدد أن التوراة عندما تتحدث عن إبراهيم الخليل وعن كلامه مع الإله تستعمل كلمتي "الله" و"إيل"، وقال الله لإبراهيم..٣ مع أنها تستعمل أحيانا كلمة "الرب" ومثل ذلك هي الحال بالنسبة ليعقوب، ثم قال "الله" ليعقوب: قم واصعد إلى بيت "إيل" وأقم هناك واصنع هناك مذبحا لله ٤ وظهر الله ليعقوب إلخ٥.
أما الإله "يهوه" فإنه لم يبدأ استعماله إلا في عهد النبي موسى "﵇" إله اليهود وحدهم٦.
_________________
(١) ١ تك ٢٦: ٢٤. ٢ دائرة المعارف البريطانية طبعة ١٩٢٥ "٤٥". ٣ تكوين ١٧: ٩. ٤ تكوين ٣٥: ١. ٥ تكوين ٣٠: ٩. ٦ خروج ٦: ٣: ١٥، ٦: ٦.
[ ٣٩٦ ]
النبوة الإلهية عربية لفظا ومعنى:
ويؤكد المرحوم الأستاذ العقاد أن الإسرائيليين "اليهود" تعلموا النبوة الإلهية بلفظها ومعناها من شعوب العرب، ولم تكن لهذه الكلمة عند الإسرائيليين "اليهود" لفظة تؤديها قبل وفودهم إلى أرض كنعان ومحاورتهم للعرب المقيمين في أرض "مدين".
فيقول: "إن كلمة "نبي" عربية لفظا ومعنى؛ لأن المعنى الذي تؤديه لا تجمعه كلمة واحدة في اللغات الأخرى، والعبريون قد استعاروها من العرب في شمال الجزيرة بعد اتصالهم بهم؛ لأنهم كانوا يسمون الأنبياء القدماء بالآباء، ولم يفهموا من كلمة النبوة في مبدأ الأمر إلا معنى الإنذار.. فكانوا يسمون "النبي"
[ ٣٩٦ ]
بالرائي١ والناظر، أو رجل "الله" ولم يطلقوا عليه اسم النبي إلا بعد معرفتهم بأربعة من أنبياء العرب المذكورين في التوراة، وهم: "ملكي صادق وأيوب وبلعام وشعيب، الذى يسمونه "يثروب"، وهو معلم "موسى الكليم٢".
وقد سمي "إبراهيم الخليل" برئيس الآباء٣.
ويستشهد "العقاد": ببعض علماء الأديان الغربيين، الذين ذهبوا إلى تأييد اقتباس أتباع موسى كلمة النبوة من العرب: الأستاذ/ "هولشر" والأستاذ/ "شميدت" اللذين يرجحان أن: الكلمة دخلت اللغة العبرية بعد وفد القوم على فلسطين، فتسير التوراة إلى أن "عاموس" اغتاظ وغضب لما أطلق عليه اسم نبي وقال: لست أنا نبيًّا ولا أنا ابن نبي بل إسرائيل٤، أنا راعٍ وجاني جميز. فأخذنى الرب من وراء الضأن، وقال الرب: اذهب تنبأ لشعبي.
_________________
(١) ١ عا "٧: ١٢". ٢ عب "٧، ٩٤". ٣ عا "٧: ١٤، ١٥". ٤ العقاد -الثقافة العربية ص٧١.
[ ٣٩٧ ]
إلى وايل:
يجد الباحثون صعوبة في الاتفاق على تعبين أصول أسماء مثل:
أل. إيل. وضبط معانيها، وهناك أسماء واضحة، جلية ظاهرة، تدل على أشياء معروفة محسوسة مثل: شمس، ورخ "بمعنى قمر" وعثتر، والشعرى العبو، ونجم، وثريا وأمثال ذلك من أسماء تشير إلى أشياء مادية هى كواكب ونجوم، ويستدل بها على وجود عبادة الأجرام السماوية عند الجاهليين. وهناك أسماء هى نعوت في الواقع لا تدل على ظواهر حسية؛ وإنما تعبر عن أمور معنوية مثل: ود، بمعنى حب، ورضي، وسعد، وحكم، ونهي، ورحمن، ورحم، والرحيم، ومحرم.
[ ٣٩٧ ]
وأمثال ذلك من ألفاظ هى نعوت جرت بين الناس مجرى الأسماء وعلى هذه الصفات الأسماء سيكون جل اعتمادنا في استنباط الصورة، التي نريد تكوينها عن طبيعة آلهة العرب الجنوبيين.
وعلينا أن نضيف على ما تقدم الأعلام المركبة المضافة للأشخاص مثل: عبد ود، عبد مناف، عبد شمس، عبد يغوث، أمت العزى.
فالكلمات الثانية من الاسم، أسماء أصنام، وفي تركيب الاسم على هذا النحو دلالة على تذلل الإنسان تجاه ربه، واعتبار نفسه عبدًا له، وفيه تعبير عن صلة الأشخاص بربهم، أضف إليها الأعلام المركبة تركيبا إخباريا مثل:
ود أبم؛ أي ود أب أو أب ود.
ففى هذا التركيب دلالة على حنو الإله على المؤمنين به، وإشفاقه عليهم إشفاق الأب على أولاده.
ومن بين أسماء الآلهة أسماء مركبة استهلت بـ "ذ" أو ذتع، "ذأ" بمعنى "ذو" في عربيتنا، "ذت" بمعنى "ذات"، "ذ" للمذكر، "ذات" للمؤنث.
أما الكلمات التالية فهى صفات فجملة: عثتر ذ قبضم تدل على إله ذكر، اسمه عثير ذو القبض. أو عثتر القابض بتعبير أصح.
وجملة "ذشقرن"، "ذصهرم"، "ذعذبتم"، "ذيسرم"، "ذابنى" هى جملة تشير إلى أن ذكر لوجود "ذ": علامة التذكير فيه. "جملة ذت حمم" "ذت بعدن"، "ذت" "سرن"، "ذت غضدن" تشير إلى آلهة إناث لوجود ذت في الاسم.
ومعنى هذا أن العرب الجنوبيين كانوا قد جعلوا الآلهة كالإنسان إناثا وذكورًا.
وكل اسم ورد في المسند استهل بلفظة "ذت"، "ذات" فيراد به "الشمس"، وهي إلهة.
وكل لفظة بدأت بـ "ذ"، "ذي"؛ فإنها تعني: هو "القمر" أو "عثتر".
فنحن أمام ثالوث سماوي يمثل عقيدة الجاهليين في الألوهية، كما يمثل عقيدة الساميين عمومًا.
[ ٣٩٨ ]
والثالوث السماوي هو نواة الألوهية عند جميع الساميين، ومنه انبثقت عقيدة التوحيد فيما بعد.
"وعثتر" هو:
النجم الثاقب، المذكور في القرآن الكريم. في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣] .
وقد ذهب المفسرون إلى أن العرب كانت تسمي "الثريا" النجم، وذكر بعض منهم: أن "النجم الثاقب" هو "زحل"، والثاقب الذي قد ارتفع على النجوم.
وذكر بعض آخر: أن النجم الثاقب هو "الجدي".
وأقسم في موضع آخر من القرآن الكريم بـ: "النجم" في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] .
ونحن لا يهمنا هنا اختلاف علماء التفسير في تثبيت المراد من النجم: إنما يهمنا أن المراد به النجم من النجوم، فنكون أمام ثالوث معبود هو:
الشمس. القمر. النجم الثاقب الذي هو "عثتر" في نصوص العرب الجنوبيين.
وقد ذكر أن العرب تعبدت "للشمس" و"للقمر". وأن طائفة منها تعبدت لكواكب أخرى مثل: الشعرى؛ حيث: تعبدت لها خزاعة وقيس.
ومثل: سهيل؛ حيث: تعبدت لها طيئ.
ومثل: الزهرة؛ وقد تعبد لها أكثر العرب.
ومثل: زحل؛
[ ٣٩٩ ]
وقد تعبد له أهل مكة حتى أن من الباحثين من زعم أن الكعبة كانت معبدا لزحل في بادئ الأمر.
المشترى؛ وتعبد للمشترى قوم من لخم وجذام.
ونجد في الكتابات العربية الجنوبية جملة: ود أبم؛ أي: "ود أب"، "وأبم ودم" أي "أب ود". كما نجد جملة: ولد ود؛ أي: أولاد "ود" بمعنى شعب معين. وتعبر الجمل الأولى عن معنى أن الإله "ود" هو إله شفيق رحيم عطوف على الإنسان هو بالنسبة له بمنزلة الأب من الابن.
فهو أب للإنسان لا بالمعنى الحقيقى بالطبع أي: بمعنى أن الإنسان انحدر من صلبه، بل بالمعنى المجازى الذى أشرت إليه.
وبهذا المعنى نفسر جملة "أولاد ود" تعبيرا عن شعب معين فالإله "ود" هو أب هذا الشعب يحميه ويدافع عنه، ويعطف عليه، وبهذا المعنى وردت أيضًا جملة: ولد عم: عند القتبانيين.
وولد المقة: عند السبئيين.
فـ"عم"، الذي هو "القمر" في لغة القتبانيين هو بمنزلة الأب لشعبه وكذلك: "المقه" الذي هو "القمر" في لهجة سبأ.
وقد عبر عن "الشمس" بلفظة: هـ "الت؛ أي الآلهة في النصوص العربية الشمالية، وقيل لها: "نكرح" في النصوص المعينية، ذت حمم.
ذات حميم.
في النصوص السبئية، كما قيل لها: ذت بعدن: ذت غضرن، ذت ظهرن:
[ ٤٠٠ ]
في هذه النصوص كذلك، وقيل لها:
ذات صنم: ذت صهرن.
وقد وردت: لفظة "حميم ويحموم" في القرآن الكريم في سورة الواقعة آية ٣.
والحميم: الحار الشديد الحرارة، المتقد من شدة الحر، الساخن الشديد السخونة.
وقد ذكر علماء التفسير أن: "اليحموم" دخان حميم، ودخان شديد السواد يخرج من نار جهنم. فمعنى: ذت حمم -إذن- الإلهة ذات الحرارة الشديدة، المتقدة المهلكة، التي تلفح وتحرق. والشمس نفسها حارة ملتهبة متقدة، لذلك يكون الناس قد أخذوا صفتها هذه منها فأطلقوها عليها، وصاروا ينعتونها بها، ويخيفون الناس منها بانتقامها منهم إن خالفوا أمرها، وعملوا عملا يثير غضبها عليهم.
ويقابل هذه الآلهة:
ذات الحميم: الإله.
الحمون.
-بعل حمون. عند الساميين الشماليين.
فهذا الإله الذكر عند الساميين الشماليين بسبب أن لفظة الشمس نفسها مذكرة عندهم؛ هو "ذو حميم"، و"حما" أي: ذو سخونة وحماوة، وشدة حرارة.
وقد نعت عندهم بالنعت الذي نعت به عند العرب، فهو إله ذو حرارة مفزعة، وحميم لا يوصف.
[ ٤٠١ ]
قد استمد هذا الوصف من الطبيعة بالطبع. فالشمس مبعث الحرارة على هذه الأرض، يدرك الإنسان حرارتها في مكان، فهي إذن: ذات حمم حقا١.
وقد يعبر عن "الشمس" بـ "الفرس"، و"الفرس": من الحيوانات التى قدسها قدماء الساميين.
وقد كان العرب الجنوبيون يتقدمون بتماثيل "الخيل" تقربا إلى الآلهة، ومنها الإلهة "ذت بعدن"؛ أي البعيدة وهي "الشمس".
وأما: "عثتر"، الذي هو "الزهرة" فيرد اسمه في نصوص عربية جنوبية كثيرة.
ولاسمه هذا صلة بأسماء بعض الجاهليين الواردة إلينا مثل: "أوس عثتر" بمعنى "عطية عثتر".
وفي الكتابات العربية الجنوبية أسماء يظن أنها تخص الإله "عثتر" منها:
ذ قبضم، ذ يهرق، متب نطين، متب مضجب وغيرها.
وقد عرف "عثتر" بـ "الشارق" في الكتابات فورد: "عثتر شرقن"؛ أي: "عثتر الشارق"، وعرف بـ "شرقن" فقط٢.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن المراد من "شرقن" بمعنى "الطالع من الشرق"، وهو تفسير رده بعض آخر من الباحثين؛ إذ رأوا: أن "شرقن" بمعنى "الشارق"، وهي لفظة ترد في اللهجات العربية الشمالية. وورد في بعض كتابات المسند:
"ذغريم"؛ "عثتر ذغريم": أي "الغارب"، و"عثتر الغارب"، ومعنى ذلك: "نجمة الغروب" أو: "نجمة الماء" في مقابل: "نجمة الصباح" و"كوكب الصباح".
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص١٦٨، ص١٦٩. ٢ تاج العروس مادة "شرق".
[ ٤٠٢ ]
وورد: "عثتر ثورو" أي: "عثتر نور"، ونور صفة من صفات الله تعالى في الإسلام؛ قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ولفظة "نورو" هي نعت من نعوت "عثتر".
ورود "سحرن" بمعنى: السحر، والسحر قبيل الصبح، وآخر الليل، فيراد بذلك "كوكب السحر" أي: الكوكب الذي يطلع عند طلوع السحر، كما ورد "متب نطين"؛ أي إلى مل للرطوبة، وورد: "عثتر قهحم"؛ أي: عثتر القديم، وعثتر القادر والقاهر، و"سمعم" أي: السميع، و"يغل" بمعنى المدمر والمنتقم.
وقد ورد: هذا النعت في أحجار القبور بصورة خاصة، وذلك لتذكير من يحاول تغير الحجر أو أخذه من موضعه، أو تدميره أو إلحاق أذى به، أو الاستفادة منه في أغراض أخرى بأنه في حماية إله قدير منتقم١.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن الإله "رضى" الذي يرد في النصوص "الثمودية" و"الصفوية" هو الإله "عثتر" وهو: صنم ذكره أهل الأخبار، لكنهم لم يذكروا شيئا عن صلته بالكواكب، ولا عن المعبود الذى يمثله٢.
وقد ورد: في الأخبار المتعلقة بـ "الرها" أن أهل هذه المدينة كانوا يعبدون "الشمس"، ويعتقدون بوجود إله يطلع قبلها، اسمه: "إزيزوس" Azizos وإله يظهر بعدها يسمى: "مونيموس".
وذهب الباحثون: إلى أن "أزيزوس" هو "عزيز" وهو نجم الصباح، ويطلع قبل طلوع الشمس ويمثل "رضى وعثتر".
ويرد: اسم "رضى" في الكتابات التدمرية كذلك.
"وعزيز والعزيز": من صفات الله تعالى في الإسلام.
وقد ذهب: بعض الباحثين إلى أن الصنم المنحوت على شكل طفل هو رمز "عثتر أي رضى، وعزيز". وقد حفر على شكل طفل عاري الجسم في الكتابات التدمرية.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص١٦٩، ص١٧٠. ٢ السابق جزءًا وصفحة Handbuch.
[ ٤٠٣ ]
أما- "الشمس والقمر": فقد مثلا إنسانين كاملين ونجد هذا التصور للآلهة في الديانات الفطرية، التي استمدت إدراكها لكُنْه الآلهة عن مظاهر الطبيعة.
ولعل تصور الجاهليين الإله: "رضو" على هيئة طفل هو الذي يحل لنا المشكلة الواردة في أخبار "نيلوس" عن تقديم العرب قرابين أطفالا لكوكب الصباح.
ذكر "نيلوس" أن العرب سرقوا ابنه الجميل الصغير "ثيودولس"، وقرروا تقديمه قربانا لكوكب الصباح، وقد قضى الطفل ليلة تعسة، صعبة، فلما طلع الكوكب، وحان وقت تقريب الطفل قربانًا له نام مختطفوه ولم يستيقظوا إلا وقد طلعت الشمس وفات وقت القربان؛ وبذلك نجا الطفل من الهلاك.
وقد تفسر جملة: "إننا نقدم لك قربانًا يشبهك"؛ الواردة في دعاء "عثتر" على نصه في "حران". قصة تقديم الأطفال الجميلة قرابين إلى هذا الإله.
وقد أشار كتاب يونان إلى تعبد العرب إلى الشمس، والقمر وكوكب الصباح؛ وهي أجرام سماوية تراها العين، ذاكرين أن العرب لا يتعبدون لآلهة روحية، لا يبصرونها بأعينهم. ولهذا: تعبدوا لهذه الأجرام المادية وللأحجار١.
_________________
(١) ١ نص ص١٧١ من جـ٦ من المفصل.
[ ٤٠٤ ]
الاتجاه نحو الوثنية وأصنامها:
رحلة إبراهيم:
الكعبة مركز ديني قديم عده المؤرخون أحد البيوت السبعة المقدسة، ووصفه القرآن بأنه أول بيت وضع للناس وهو الذي بمكة مباركًا فيه آيات بينات، ويسند القرآن تجديد بنائه إلى إبراهيم وإسماعيل فيقول:
﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ .
ويقول: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .
وليس في القرآن ما يدل على أن إبراهيم دعا سكان البلد الحرام أو من جاورهم إلى دعوته الحنيفية، وكل ما أشار إليه القرآن أن إبراهيم كلف بأمرين:
[ ٤٠٤ ]
الأمر الأول: إيداع إسماعيل وأمه في جوار البيت.
الأمر الثاني: بناؤه هو وإسماعيل البيت الحرام.
كانت مكة وهي المدينة الرئيسية بالحجاز والتي اشتق اسمها من كلمة "محراب" بلغة أهل سبأ١ تضم ما لا يقل عن ثلاثمائة وثن تُرضِي كل ذوق.
أي أوجدت كل قبيلة وكل أسرة بل كل محراب مستقل طقوس دينه ومادة عبادته كما عمدت إلى تغييرها، ولكن الأمة العربية في كل عصر خضعت لدين مكة كما أحنت الرأس أمام لهجتها.
ويرجع تاريخ الكعبة حقًّا إلى ما قبل العصر المسيحي، وقد لاحظ المؤرخ اليوناني "ديودوروس" في وصفه لشاطئ البحر الأحمر أن هناك معبدًا شهيرًا يقع بين أرض ثمود وأرض سبأ ييجله العرب؛ لما له من قدسية سامية.
وجدير بالذكر أن الكسوة المصنوعة من التيل أو الحرير كان أول من قدمها ملك تقي من ملوك حمير عاش قبل زمن محمد بسبعمائة سنة٢.
وتعتبر مكة من البلاد القديمة قدم بيتها، وكان اليونانيون يعرفون مكة ويطلقون عليها "ماكواريا" يقول جيبون: وهذا يدل على عظمة هذه البلدة٣.
ويبدو أن اسم مكة٤ لم يكن معروفا قبله، وذلك يظهر من قول إبراهيم حكاية عنه في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ .
_________________
(١) ١ العرب ص٢٢ نتنج ترجمة د. راشد البراوى. ٢ اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها تأليف: إدوارد جيبون. ترجمة: د. محمد سليم سالم. مراجعة: محمد أبو درة. ٣ المرجع السابق ص١٣ جـ ٣. ٤ أسماء مكة: من تمككت العظم إذا اجتذبت ما فيه من المخ، وتمكك الفصيل ما في ضرع الناقة، فكأنها تجذب إلى نفسها ما في البلاد من الناس والأقوات التي تأتيها من المواسم، وقيل: لما كانت في بطن واد فهى تكمك الماء من جبالها عند نزول المطر وتنجذب إليها السيول، قال الراجز: إذا الشريب آخذته أكَّهْ فخلِّه حتى تبك بكَّهْ فالأكه: الشدة، وأكاك الدهر: شدائده. بكة: من أنها تبك الجبارين أي تكسرهم وتقرعهم. وقيل من التباك وهو الازدحام. قال أبو عبيدة: إن بكة اسم للبطن؛ لأنهم يتباكون فيها أي يزدحمون. وأيضا يذكر من أسمائها: الرأس، وصلاح، وأم رحم، وكوثا.
[ ٤٠٥ ]
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ "إبراهيم"، ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ "الحج".
وواضح من الآيات أن نبي الله إبراهيم لم يدعها مكة وإنما دعاها: بواد غير ذى زرع مرة، وبلدا آمنا مرة أخرى، والبلد الأمين الثالثة.
ثم يذكره الله -﵎- بقوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ .
فلم تذكر مكة في الروايات التاريخية للقرآن -كما رأينا- وفي هذا مدخل لبعض مؤرخي اليهود أو المسيحية؛ لينكروا رحلة إبراهيم إلى مكة وبناءه البيت؛ حيث لم يسمعوا ذاكرا لمكة، ويذكر المؤرخون المنصفون بعض الأسماء القديمة التى تشير إلى ذلك؛ يقول الشهرستاني نقلا عنهم وكما ورد في التوراة: إن الله تعالى جاء من "طور سيناء" وظهر "بساعير" واستعلن "بفاران".
وساعير: جبال المقدس التي كانت مظهر عيسى -﵇- وفاران: جبال مكة التي كانت مظهر المصطفى -ﷺ- فمن يتمعن الآيات القرآنية يجدها لا تشير من خلال رواياتها التاريخية إلى أن إبراهيم سماها مكة.
ويغلب في وجهة نظري من خلال آيات القرآن أن إبراهيم سار بهاجر وابنه إسماعيل بوحي إلهي وليس كما تزعم الروايات الأخرى أن سارة طردتها ولطمتها فتلك نزعة عرقية من اليهود تراودهم في كل وقت: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، هذه النزعة صورت لهم دائما أنهم سلالة واحدة وعنصر لا يزاوج العناصر الغريبة عنه وهذا الإسراف في فهم الذات جعلهم مولعين بتزييف بعض الروايات التاريخية التي تخدم فكرتهم. ولذلك حدث أن نبي الله إبراهيم سار بهاجر وإسماعيل وفق نداء الله وحكمته في قوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ فكانت المسيرة ذات هدف وظيفى وليست طردا أو غضبا، ولنا في ذلك حجة بالغة هى قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، وأما تساؤل أهل الكتاب عن مصدر معرفة الرسول من أين استقى أخباره عن إبراهيم وبعضها
[ ٤٠٦ ]
غير موجود في التوراة والإنجيل فإن الله رد عليهم بقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ، هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .
﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ "آل عمران".
فروايات التوراة والإنجيل كانت من بعده فلا تنهض حجة لموقف سارة من هاجر١.
ومما نحب أن نقرره: أن الآيات القرآنية الخاصة بإسماعيل وصفته بالنبوة والرسالة معًا فهو نبي ورسول، واشترك مع والده في بناء البيت وإعداده مثابة للناس وأمنا، غير أن القرآن لم يوضح أو لم يُشِرْ إلى أي قوم كان مبعثه من العرب أو غيرهم. ويبدو أن رسالته كما أشار القرآن كانت إلى أهله.
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا، وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ "مريم" وأهله هم الذين حطوا بجوار زمزم وتزوج منهم، ومما أشار إليه القرآن أنه كان من الصابرين. قال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ "الأنبياء".
وعلى الرغم من أن دعوة إسماعيل كانت إلى ذلك الرهط الذى نزل بجوار زمزم وتزوج منهم إسماعيل فإنه لقي منهم عنتا ورهقا استلزما أن يصفه القرآن بأنه كان من الصابرين، ويبدو أن قريشا خلفهم لم يكونوا بأحسن حالا من سلفهم أصهار أبيهم إسماعيل.
ومما يحسن الالتفات إليه أن رسالة إسماعيل كانت لا تخرج عن ملة إبراهيم؛ لأن القرآن كثيرا ما كان يذكر العرب بأن الإسلام ملة إبراهيم حنيفا هو
_________________
(١) ١ يقول أبو حيان صاحب التفسير "١: ٢١٧": إنهم ذكروا قصصا كثيرة واستطردوا من ذلك للكذب في شأن البيت المعمور، والحجر الأسود، وطولوا في ذلك بأشياء لم يتضمنها القرآن ولا الحديث الصحيح وبعضها، يناقض بعضًا وذلك على مجرى عادتهم ولا ينبغي أن يعتمد إلا على ما صح في كتاب الله وسنة رسوله. قال ابن عطية: والذي يصح من هذا كله أن الله أمر إبراهيم برفع القواعد من البيت.
[ ٤٠٧ ]
سماكم المسلمين من قبل، وفي هذا ما يشير إلى أن ملة إبراهيم هي دعوة إسماعيل غير أنه أسند إليه أمر الدعوة في قومه العرب، فمنذ أن أقام إبراهيم وإسماعيل قواعد البيت مثابة للناس وأمنا ودين التوحيد قائم معه لولا ما طرأ عليه من عوامل التغيير، وقد أصبحت رحلة إبراهيم تعني إقامة أهله حول البيت، ثم رفع قواعده وتأسيس دين التوحيد، ومن بقي من العرب على بقية من دين إسماعيل قبائل: "معد وربيعة ومضر الذين كانوا جميعا على بقية من دينه"١.
"والذين العربي القديم هو الخطوة السابقة للدين البابلي الآشوري المعقد، كما أن ذلك الدين العربي القديم هو الذي مهد لهذا الطور التاريخي للدين العربي اليهودي مع حرصه على الاحتفاظ بدين الآباء، دين الصحراء البدائي الذي دان به آباء الشعب وأجداده الأولون كما أنه بقي زمنا طويلا موضوع نزاع وعراك شديدين بين العقيدتين الدينيتين: السامية الشمالية والسامية الجنوبية والذى تحول أخيرا إلى الثالوث الإلهي "أب، وابن، والروح القدس"، ومن ثم خطا خطوة إلى التوحيد المسيحي في صورته القديمة التي نعرفها في الحضارة العربية القديمة٢.
ومن بين الباحثين المتخصصين الذين أكدوا الدور الفعال الذى أداه الساميون العرب من شبه جزيرتهم العربية في التحول السياسي أو الحضاري لمنطقة الشرق الأدنى وعلاقته الوثيقة بالعنصر السامي كما يقرر المستشرق الألماني دكتور أنطوان موتكات إذ يقول: "لا تعتبر بلدان الشرق الأدنى مركز الديانات فحسب بل مصدر الإشعاع الديني الذى أنار الأرض بكاملها"٣.
ويؤيد هذا ما يشير إليه الكلبي في رواية أخرى غير رواية عمرو بن لحي إلى أن الوثنية طارئة والأصل عندهم عبادة التوحيد التي كانت أثرا من دعوة إبراهيم وإسماعيل فيقول: وكان الذي سلخ بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل حجرا من حجارة الحرم تعظيمًا للحرم وصبابة بمكة، فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة تيمنا منهم بها أو صبابة بالحرم حبا له، ففكرة الأحجار المقدسة نشأت من حبهم لمكة.
_________________
(١) ١ الأصنام ص ١٣ للكلبي تحقيق أحمد زكي باشا. ٢ يراجع العرب واليهود في التاريخ ص١٩٨ د أحمد سوسة. ٣ التاريخ العربي القديم ص٥٣ د. دنتلف نليش ورفاقه.
[ ٤٠٨ ]
وهم بعد يعظمون الكعبة ومكة ويحجون ويعتمرون على إرث إبراهيم وإسماعيل، ثم سلخ ذلك بهم إلى أن عبدوا ما استحبوا ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كنت عليه الأمم من قبلهم١، يقول المقدسى: وكان في مشركيهم بقية من دين إسماعيل كالنكاح والختان والمناسك وتعظيم الأشهر الحرم وغير ذلك٢.
وذكر الشهرستاني من سننهم التى وافقهم عليها القرآن فقال: قال محمد بن السائب الكلبي: كانت العرب في جاهليتها تحرم أشياء نزل القرآن بتحريمها: كانوا لا ينكحون الأمهات، ولا البنات، ولا الخالات، ولا العمات.
وكانوا يطلقون ثلاثا على التفرقة، وقال عبد الله بن عباس -﵄: أول من طلق ثلاثا على التفرقة إسماعيل بن إبراهيم ﵉ وكان العرب يفعلون ذلك، فيطلقها واحدة وهو أحق الناس بها، حتى إذا استوفى الثلاث: انقطع السبيل عنها، ومنه قول "الأعشى ميمون بن قيس" حين تزوج امرأة فرغب قومها عنه، فأتاه قومها، فهددوه بالضرب أو يطلقها:
أيا جارتا بِينِي فإنك طالقهْ كذاك أمور الناس غادٍ وطارقه
قالوا: ثنِّه، فقال:
وبِينِي فإن البَيْنَ خيرٌ من العصا وأن لا ترى لي فرق رأسك بارقَه
قالوا: ثلِّث، فقال:
وبِينِي حصان الفرج غير ذميمة وموموقة قد كنت فينا، ووامقهْ
قال: وكانوا يحجون البيت ويعتمرون، ويحرمون، قال زهير":
وكم بالقيان من محل ومحرم
ويطوفون بالبيت سبعا، ويمسحون بالحجر، ويسعون بين الصفا والمروة، قال أبو طالب:
_________________
(١) ١ الأصنام ص٦. ٢ البدء والتاريخ "٤: ٣٣".
[ ٤٠٩ ]
وأشواط بين المروتين إلى الصفا وما فيهما من صورة وتخايل
وكانوا يلبون، إلا أن بعضهم كان يشرك في تلبيته، بقوله: "إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك"، ويقفون المواقف كلها، قال العدوى:
فأقسم بالذى حجت قريش وموقف ذى الحجيج على اللآلي
وكانوا يهدون الهدايا، ويرمون الجمار، ويحرمون الأشهر الحرم، فلا يغزون ولا يقاتلون فيها إلا "طيئ" وخثعم وبعض "بني الحارث بن كعب"؛ فإنهم كانوا لا يحجون، ولا يعتمرون، ولا يحرمون الأشهر الحرم ولا البلد الحرام، وكانوا يكرهون الظلم في "الحرم"، وقالت امرأة منهم تنهى ابنها عن الظلم:
أبني! لا تظلم بمكـ ـةَ لا الصغير، ولا الكبيرْ
أبني من يظلم بمكـ ـة يلق أطراف الشرورْ
أبني! قد جربتها فوجدت ظالمها يبورْ
قال صاحب "الروض الأنف":
وينسبون إلى الوليد بن المغيرة قوله: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيِّبًا، لا يدخل فيه مهر بغيٍّ، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس.
ثم قال معلقا: وهو يدل على أن الربا كان محرما عليهم في الجاهلية كما كان الظلم والبغاء. وكانوا يعلمون ذلك ببقية من بقايا شرع إبراهيم، كما كان بقي فيهم الحج والعمرة وشيء من أحكام الطلاق والعتق.
وفي هذا ما يفيد ويقوي ما نحن بصدده؛ وهو أن الدعوة إلى التوحيد رافقت بناء البيت، وإذا كانت ملة إبراهيم هي الملة الكبرى، فإن رحلته في التاريخ هي الرحلة الكبرى؛ إذ كان لها أثرها في فلسطين، وكان لها أثرها في مكة، وأن الإله "إيل" هو إله إبراهيم الذي أصبح دينه منتشرا من مكة إلى فلسطين، وأنه ما دعا إلى الله إلا بعد أن حارب الصابئة وأبطل عبادة التنجيم، وحارب الوثنية، وجعل مسئولية تحطيمها على صنمهم الأكبر إمعانا في الزراية بهم.
[ ٤١٠ ]
ولقد كانت الكعبة حرم الله الآمن موطنًا لدعوة إسماعيل وأهله من نسله، فكانت منذ أن عهد الله ببنائها إلى إبراهيم وإسماعيل هي محل تقديس، وأرضًا لدين سماوي أقامه إسماعيل فيها وحولها، إلى أن آلت مقاليدها إلى جرهم ظلمًا من ولد إسماعيل -ورأى إسماعيل عدم منازعتهم لخئولتهم من جهة وإعظامًا لحرمة البيت من جهة أخرى.
بيد أن جرهم بغوا فيها واستحلوا كثير من الحرمات: فظلموا من دخلها من غير أهلها، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها فتفرق أمرهم، فلما رأت بنو بكر بن عبد مناة "لعلها مناف" بن كنانة وغبشان من خزاعة ذلك أجمعوا على حربهم وإخراجهم من مكة، فآذنوهم بالحرب فاقتتلوا فغلبتهم بنو بكر وغبشان فنفوهم من مكة، وآل أمر البيت إلى رئيسهم عمرو بن لحي.
وكانت مكة في الجاهلية لا تقر فيها ظلمًا ولا بغيًا ولا يبغى فيها أحد إلا أخرجته.
[ ٤١١ ]
كيف نشأت:
أمامنا روايتان تتحدثان عن نشأة الوثنية العربية.
الأولى نرى أنها وافدة، والثانية نرى أنها نشأة محلية.
أما عن الراوية الأولى فإنها وفدت مع عمرو بن لحي حين غلبت خزاعة على البيت ونفت جرهم عن مكة، وقد جعلته العرب ربًّا لا يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها شرعة؛ لأنه كان يطعم الناس ويكسوهم في الموسم، وتذكر الرواية التاريخية أنه أول من أدخل الأصنام في الحرم.
يقول الرازي المفسر: اعلم أن اليونايين كانوا قبل خروج الإسكندر قد عمدوا إلى بناء هياكل لهم معروفة بأسماء القوى الروحانية والأجرام النيرة واتحذوها معبدا لهم على حدة وقد كان هيكل العلة الأولى عندهم هو الأمر الإلهي.
وهيكل العقل الصريح.
وهيكل العامة المطلقة.
[ ٤١١ ]
وهيكل النفس والصورة وقد كانت مدورات كلها.
وكان هيكل زحل مسدسًا.
وهيكل المشترى مثلثًا.
وهيكل المريخ مستطيلًا.
وهيكل الشمس مربعًا.
وهيكل عطارد مثلثًا في جوفه مستطيلًا في ظاهره.
وهيكل القمر مثمنًا.
فزعم التاريخ: أن عمرو بن لحي لما ساد قومه وترأس على طبقاتهم وولي أمر البيت الحرام اتفقت له سفرة إلى البلقان، فرأى قومًا يعبدون الأصنام، فسألهم عنها، فقالوا: هذه أربابنا نستنصر بها فننصر، ونستسقي فيها فنسقى، فالتمس إليهم أن يكرموه بواحد منها فأعطوه الصنم المعروف "بهبل" فسار به إلى مكة ووضعه في الكعبة ودعا الناس إلى تعظيمه، وذلك في أول ملك "سابور ذي الأكتاف".
وواضح من هذه الرواية أنها تسند أول عملية أدخلت فيها الأصنام للحرم إلى عمرو بن لحي، وأنه أتى بها من اليونان، فالوثنية اليونانية دخلت مكة، وهذا من الآثار اليونانية، وهذه الرواية١ يبدو أنها أكيدة؛ لأن الأصنام غير "هبل" كانت حجارة خالية من الفن، والذوق الجمالي، فلو أنهم أبدعوها لألبسوها مسحة فنية جمالية، وفي هذا ما يشير إلى أن العربي غير من دينه الحنيفي، لكنه ظل محبًّا لرمزياته المقدسة، ومن أهمها الكعبة فحينما ابتدع أصنامًا أو حينما أتى بها من الخارج في بعض رحلاته رأيناه يودعها في الكعبة، فالرمزيات عند العربي، لا تخرج عن معنى: الإلف، والعادة، والفرث، ولا تحمل لديه مضمونا فكريا أو دينيا، لذلك كنا نراه لا يعنى بالدين في شيء، فالمعنى الديني عنده لا يخرج عن معنى العصبية القبلية، ولعل ما قاله لهم عمرو بن لحي: نستنصر فننصر، وقد صارت عقيدة بينهم توارثوها، ونراها ظهرت على
_________________
(١) ١ راجع تفسر الفخر الرازي: "١-٢٣٢" وفتح الباري: "٨-٤٧٢" ابن هشام ص٦٢، والروض الأنف: "١-٦٢".
[ ٤١٢ ]
لسان عبد المطلب وهو يفاوض أبرهة حينما قال له: أما الإبل فهي لي وأما البيت فله رب يحميه"، وتعني هذه العبارة في نظرنا أن العربي يتميز بنظرته المادية، هذا من ناحية، وأما من ناحية الموقف العربي القبلي أمام أبرهة فلم يظهر بالمستوى اللائق به فإنه كان قبليا في تشتته وليس عربيا، فالوحدة العربية ظهرت مع الدعوة الإسلامية، ولعل ذلك يرجع في نظرنا إلى العربي نفسه حين أيد وجهة نظر العربي المفاوض: إن الأمان يتحقق عند العربي حين يأمن اقتصاديا ولو أوذي الدين وليس الأمان في الدين حين يهدد الاقتصاد، وكانت هذه النظرة من أهم ما كافحها الإسلام.
ونظرته المادية هذه هي التي دفعتهم -وفقا لما يقول المؤرخون الإسلاميون- إلى الاعتقاد أن فكرة الحجر المقدس نشأت أساسًا من حبه للكعبة وارتباطه الديني بها منذ أن بناها أبوه إبراهيم وربط بها ملته الحنيفية، غير أن العربي أكثر من الرمزيات المحسوسة دون مضمون فكري وراءها، فكانت وثنيته من غير مضمون فكري، وكانت أصنامه من غير مسحة فنية، وكانت الوثنية العربية ساذجة.
وأما عن الرواية الثانية فإنها ذكرت في أكثر من مصدر، يقول الألوسي: "وقد بلغ تعظيم العرب لمكة أنهم كانوا يحجون البيت ويعتمرون ويطوفون، فإذا أرادوا الانصراف أخذ الرجل منهم حجرًا من حجارة الحرم فنحته على صورة أصنام البيت، ثم يجعله في طريقه قبلة ويطوف ويصلي له تشبيها بأصنام البيت، ثم أفضى بهم الأمر بعد طول المدة إلى أن كانوا يأخذون الحجر من الحرم فيعبدونه فلذلك كان أصل عبادة العرب للحجارة في منازلهم شغفًا منهم بأصنام الحرم وليس تذوقا للمعنى الديني القويم.
ثم نعود فنقول نحن بين روايتين:
رواية عمرو بن لحي التي تقرر أن الأصنام وافدة من اليونان، أي نشأت عن مصادر خارجية.
والرواية الثانية: تقرر أنها ليست وافدة وإنها هي من صنعهم، أي نشأت نشأة محلية، ولا مانع لدينا أن نأخذ بالروايتين معًا على أساس أن عمرو بن لحي استقدم
[ ٤١٣ ]
التماثيل حتى يوافق هوى قومه من حبهم للأحجار وتصبح هذه الرواية مخصوصة بالأحجار المصورة المنحوتة وليس بأصل عبادتها.
[ ٤١٤ ]
الأصنام
اللات
الأصنام:
نجد في كتاب الأصنام لابن الكلبي، وفي المؤلفات الإسلامية مثل: المخصص لابن سيده أسماء عدد من الأصنام كان الجاهليون يعبدونها، وهي على الأكثر: أصنام كان يتعبد لها أهل الحجاز ونجد، والعربية الشمالية، وذلك قبيل الإسلام.
ومن هذه الموارد الإسلامية: استقينا علمنا عن هذه الأصنام، وهي أصنام ذكرت في القرآن الكريم؛ في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ .. إلخ الآية [النجم: ١٩] .
ويجب أن نضيف إليها "الشمس"١.
١- اللات:
ذكر ابن الكلبي: أنه كان صخرة مربعة بيضاء، بنت "ثقيف" عليها بيتًا، صاروا يسيرون إليه، يضاهون به الكعبة، وله حجبة، وكسوة، ويحرمون وادية، وكانت سدانته: لآل "أبي العاص" ابن "أبي يسار" بن مالك من ثقيف، أو لبني عتاب بن مالك، وكانت قريش، وجميع العرب يعظمونه أيضا، ويتقربون إليه، حتى إن ثقيفا كانوا إذا ما قدموا من سفر توجهوا إلى بيت "اللات" أولا؛ للتقرب إليه وشكره على السلامة، ثم يذهبون بعد ذلك: إلى بيوتهم، وقد كانت له معابد كثيرة منتشرة في مواضع عديدة من الحجاز٢.
وذكر ابن كثير أن "اللات" صخرة بيضاء منقوشة، عليها بيت بالطائف له أستار وسدنة، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تابعها، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش، وكانت في داخل بيت له أستار على شاكلة الكعبة٣.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٢٢٧. ٢ السابق جزءا وصفحة. ٣ السابق جـ٦ ص٢٢٨، تفسير ابن كثير ص٢٥٣ وما بعدها.
[ ٤١٤ ]
وللإخباريين روايات عن صخرة "اللات"؛ منها أنها في الأصل صخرة كان يجلس عليها رجل يبيع السمن واللبن للحجاج في الزمن الأول، وقالوا: إنها سميت "باللات"؛ لأن: "عمرو بن لحي" كان بلت عندها السويق للحجاج على تلك الصخرة.
وقالوا: بل كانت "اللات" في الأصل رجلًا من ثقيف، فلما مات قال لهم "عمرو بن لحي": لم يمت، ولكن دخل في الصخرة، ثم أمر بعبادتها؛ وأن يبنوا بنيانًا يسمى "اللات".
وقيل: كانت صخرة مربعة، وكان يهودي يلت عندها السويق.
وذكر المفسر أبو السعود: أن هناك رواية تزعم أن حجر "اللات" كان على صورة ذلك الرجل الذي قبر تحته، وهو الذي كان يلت السويق، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه.
وقيل: إن "اللات" الذي كان يقوم على آلهتهم، ويلت لهم السويق١.
وذكر الطبري: أن "اللات" هي مِن "الله" تعالى، ألحقت فيه التاء فأنثت، كما قيل: "عمرو" للذكر، وللأنثى "عمرة"، وكما قيل: للذكر "عباس" ثم قيل للأنثى "عباسة"٢.
ولا يستبعد أن تكون صخرة "اللات" صخرة من هذه الصخور المقدسة، التي كان يقدسها الجاهليون، ومن بينها: "الحجر الأسود"، الذي كان يقدسه أهل مكة، ومن كان يأتي إلى مكة للحج، وفي غير موسم الحج، لذلك كانوا يلمسونه ويتبركون به.
و"اللات": من الآلهة المعبودة عند النبط أيضا، وقد ورد اسمها في نصوص: "الحجر، وصلخد وتدمر" وهي من مواضع النبط.
ويذكر الباحثون: أن النبط عدوا "اللات" أُمًّا للآلهة٣.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٢٢٩، ص٢٣٠. ٢ السابق جـ٦ ص٢٣٠، ص٢٣١. ٣ السابق جـ٦ ص٢٣٢، ص٢٣٣.
[ ٤١٥ ]
وقد عبدت "اللات": في تدمر، وفي أرض مدين عند اللحيانيين.
وقد ذهب: بعض المستشرقين إلى أن "اللات" تمثل الشمس، وهي أنثى أي: إلهة.
وقد انتهت إلينا أسماء رجال أضيفت إلى "اللات" مثل: "تميم اللات"، و"زيد اللات"، "شيع اللات"، "هب اللات"، وكما شاكل ذلك من الأسماء.
ومما يلفت النظر أننا لم نلاحظ ورود اسم "عبد اللات" بين أسماء الجاهليين.
وقد أقسموا "باللات" كما أقسموا بالأصنام الأخرى١.
_________________
(١) ١ السابق جزءا وصفحة.
[ ٤١٦ ]
٢- العزى:
"والعزى": صنم أنثى.
وأما الذي اتخذ العزى -على رواية ابن الكلبي- فهو "ظالم بن أسعد"، وقد ذكر الطبري روايات عديدة تفيد أن "العزى" شجيرات، ولكنه أورد روايات أخرى تفيد أنها حجر أبيض. فنحن إذن أمام رأيين:
رأي يقول: "إن "العزى" شجيرات.
ورأى يقول: إنها حجر.
وذكر ابن حبيب أن "العزى" شجرة بنخلة، عندها وثن تعبدها "غطفان".
سدنتها من بني "صرمة بن مرة".
وذكر غيره: أنها سمرة "لغطفان".
وقد تسمَّى العرب وقريش بالعزى، فقالوا: "عبد العزى"، وأقسموا بها.
وتشير رواية من زعم أن عمرو بن لحي قال لقومه:
[ ٤١٦ ]
"إن ربكم يتصف "باللات"؛ لبرد الطائف، ويشتوا بالعزى؛ لحر تهامة.
ويقول ابن الكلبي أيضا: ولم تكن قريش بمكة، ومن أقام بها من العرب يعظمون شيئا من الأصنام إعظامهم "العزى"، ثم "مناة".
فأما "العزى": فكانت قريش تخصها دون غيرها بالزيارة والهدية، وكانت ثقيف: تخص "اللات" كخاصة هؤلاء الآخرين، وكلهم كان معظما لها؛ أي: العزى.
ولابن الكلبي رأي في إقبال قريش على "العزى" إذ يقول:
فأما "العزى" فكانت قريش تخصها دون غيرها بالزيارة والهدية، وذلك: فيما أظن؛ لقربها منها. فجعل بيت "العزى" من قريش هو السبب في إقبال عليها١.
وهو يرى هذا الرأي نفسه حين تكلم على الأصنام:
أ-ود.
ب-سواع.
جـ- يعوق.
د- نسر.
وقارن بينها وبين الأصنام: اللات، العزى، مناة؛ إذ قال:
ولم يكونوا: يرون في الأصنام الخمسة التي دفعها "عمرو بن لحي" كرأيهم في هذه، ولا قريبا من ذلك، فظننت أن ذلك كان؛ لبعدها منهم.
وقال ابن الكلبي في كتابه الأصنام: وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ ذكرها يوما فقال: لقد أهديت "للعزى" شاة عفراء وأنا على دين قومي، وكان فيمن يتقدم إلى "العزى" بالنذور والهدايا والد "خالد بن الوليد".
ذكر خالد أن والده كان يأتي "العزى" بخير ماله من الإبل والغنم، فيذبحها "للعزى" ويقيم عندها ثلاثة أيام.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٢٣٩ الأصنام ٢٧، ١٦.
[ ٤١٧ ]
وذكر الطبري أن "العزى" صنم لبني شيبان بطن من سليم -حلفاء بني هاشم- وبنو اسد بن عبد العزى- يقولون: هذا صنمنا، وإنها كانت بيتا يعظمه هذا الحي من قريش، وكنانة ومضر كلها١.
وينسب ابن الكلبي بناء بيت العزى إلى ظالم بن أسعد؛ إذ يقول: بس، بيت لغطفان بن سعد بن قيس عيلان كانت تعبده، بناه ظالم بن أسعد بن ربيعة لما رأى قريشا يطوفون بالكعبة ويسعون بين الصفا والمروة، فذرع البيت، ونص العباب، وأخذ حجرًا من الصفا، وحجرًا من المروة. فرجع إلى قومه، وقال: يا معشر غطفان لقريش بيت يطوفون حوله والصفا والمروة، وليس لكم شيء؟ فبنى بيتا على قدر البيت ووضع الحجرين، فقال: هذا الصفا والمروة فاجتزئوا به عن الحج، فأغار زهير بن جناب، فقتل ظالما، وهدم بناءه٢.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٢٤٠، الطبري جـ٢ ص٣٦٤. ٢ المفصل جـ٦ ص٢٤١، الأغاني ٢١، ٦٣.
[ ٤١٨ ]
٣- مناة:
وهو من الأصنام المذكورة في القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] .
وهذه الأصنام الثلاثة: هي إناث في نظر الجاهليين.
وموضع "مناة" بالمشلل على سبعة أميال من المدينة، وقيل: إنه بموضع "ودان" أو في موضع قريب منه.
وذكر اليعقوبي أن مناة كان منصوبا بفدك مما يلي ساحل البحر، والرأي الغالب بين أهل الأخبار أنه كان على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد.
وذكر محمد بن حبيب: أنه كان بسيف البحر، وكانت الأنصار، وأزد شنوءة، وغيرهم تتعبد له.
[ ٤١٨ ]
وأما سدنته: هم "الغطاريف" من الأزد. وذُكر أن تلبيته كانت: لبيك اللهم لبيك، لولا أن بكرا دونك، يبرك الناس ويهجرونك، وما زال حج عثج يأتونك، أنا على عدوائهم من دونك١.
ويظهر من أقوال ابن الكلبي ابن هذا الصنم كان معظما وخاصة عند الأوس والخزرج؛ أي أهل يثرب، ومن كان يأخذ مأخذهم من عرب المدينة، والأزد، وغسان؛ فكانوا يحجون ويقفون مع الناس المواقف كلها، ولا يحلقون رءوسهم؛ فإذا نفروا أتوا "مناة" وحلقوا رءوسهم عنده، وأقاموا عنده لا يرون لحجهم تماما إلا بذلك، ولكن القبائل العربية الأخرى كانت تعظمه كذلك، وفي جملتها: "قريش، وهذيل، وخزاعة، وأزدشنوءة"٢.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٢٤٦، الطبري ٢٧٠، ٣٢. ٢ المفصل جـ٦ ص٢٤٧.
[ ٤١٩ ]
٤- هبل:
يقول ابن الكلبي: وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها وكان أعظمها "هبل"، وكان فيما بلغني من عقيق أحمر على صورة إنسان مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش فجعلت له يدا من ذهب، وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر.
وكان يقال له: "هبل خزيمة"، وكان في جوف الكعبة، قدامه سبعة أقداح، مكتوب في أولها: "صريح" والآخر: "ملصق" إذا شكوا في مولود أهدوا إليه هدية؛ ثم ضربوا بالقداح، فإن خرج "صريح" ألحقوه، وإن خرج "ملصق" دفعوه وقدح على الميت، وقدح على النكاح، وثلاثة لم تفسر على ما كانت فإذا اختصموا في أمر، أو أرادوا سفرا أو عملا أتوه فاستقسموا بالأزلام عنده، فما خرج عملوا به وانتهوا إليه، وعنده ضرب عبد المطلب بالقداح على ابنه عبد الله.
[ ٤١٩ ]
وجاء في رواية أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره؛ فلما قدم "مآب" من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق، وهم ولد عملاق -ويقال: عمليق- وجدهم يتعبدون للأصنام فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا: هذه الأصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطونني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟ فأعطوه صنما يقال له "هبل" وأخذه فتقدم به إلى مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته.
وكانت تلبية من نسك "هبل": لبيك اللهم لبيك؛ إننا لقاح، حرمتنا على أسنة الرماح، يحسدنا الناس على النجاح١.
وذهب بعض المستشرقين إلى أن "هبل" هو رمز إلى الإله "القمر" وهو إله الكعبة، وهو الله عند الجاهليين وكان من شدة تعظيم قريش له أنهم وضعوه في جوف الكعبة، وأنه كان الصنم الأكبر في البيت، وقد ورد اسم "هبل" في الكتابات النبطية التي عثر عليها في الحجر، ورد مع اسم الصنمين: دوشرا: ذي الشرى. منوتو: مناة.
وقد تسمى به أشخاص وبطون من قبيلة كلٍّ؛ مما يدل على أن هذه القبيلة كانت تتعبد له، وأنه كان من معبودات العرب الشماليين.
وباسم هذا الصنم سمي: "هبل بن عبد الله بن كنانة الكلبي"٢.
وزعم ابن الكلبي٣: أن خمسة أصنام من أصنام العرب من زمن نوح وهي:
ود، سواع، يغوث، يعوق، نسر.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٢٥١، الأصنام ص٢٧ وما بعدها. ٢ المفصل جـ٦ ص٢٥٢ ص٢٥٣ سيرة ابن هشام جـ١ ص٦٢. ٣ المفصل جـ٦ ص٢٥٤.
[ ٤٢٠ ]
وقد ذكرت في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا، وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا، وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة نوح الآيات ٢١ وما بعدها.
[ ٤٢١ ]
٥- ود:
كان الصنم "ود" من نصيب عوف بن عذرة بن زيد اللات، أعطاه إياه: عمرو بن لحي، فحمله إلى وادي القرى، فأقره بدومة الجندل، وسمى ابنه "عبد ود"، فهو أول من سمي به، وهو أول من سَمَّى "عبد ود"، ثم سمت العرب به بعد، وقد تعبد له "بنو كعب"، ومنهم من يهمز فيقول: "أد"، ومنه سمي "عبد أد"، "أد ابن طابخة"، و"أدد" جد معد بن عدنان١.
ويظهر أنه "أود" عند ثمود، و"أدد" من السماء المعروفة وقبيلة "مرة" نسبة إلى "مرة بن أود".
ويظن: أن الإله "قوس" هو "ود"؛ أي: اسم نعت له.
وذهب بعض الباحثين إلى أن "نسرًا"، "ذا غابة" يرمزان إليه، "وود" هو الإله الأكبر لأهل معين٢.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٢٥٥ اللسان جـ٤ ص٤٦٨. ٢ السابق جـ٦ ص٢٥٧.
[ ٤٢١ ]
٦- سواع:
أما "سواع": فكان موضعه بـ"رهاط" من أرض ينبع، وذكر أنه كان صنما على صورة امرأة. وهو صنم "هذيل".
وينسب ابن الكلبي انتشار عبادته -كعادته- إلى عمرو بن لحي فذكر أن "مضر بن نزار" أجابت عمرو بن لحي؛ فدفع إلى رجل من هذيل -يقال له "الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل"- سواعا فكان بأرض يقال لها "رهاط" من بطن نخلة يعبده من يليه من مضر.
[ ٤٢١ ]
وذكر ابن حبيب أنه كان بـ "نعمان" وأن عبدته "بنو كنانة" وهذيل، ومزينة، وكان سدنته "بنو صاهلة" من هذيل.
وفي رواية أن عبدة "سواع" هم آل ذي الكلاع.
وذكر اليعقوبي أنه كان لكنانة١.
ونسب بعض الأخبار هدم الصنم "سواع" إلى "غاوي بن ظالم السلمي".
ذكروا أن هذا الصنم كان لبني سليم بن منصور؛ فبينما هو عند الصنم؛ إذ أقبل ثعلبان يشتدان حتى تسنما، فبالا عليه فقال:
أرَبٌّ يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب
ثم قال: يا معشر سليم، لا والله هذا الصنم لا يضر ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع؛ فكسره، ولحق بالنبي عام الفتح؛ فقال النبي ﷺ: "ما اسمك؟ " فقال: غاوي ابن عبد العزى، فقال: "بل أنت راشد بن عبد ربه"، وعقد له على قومه.
وقيل: إن هذه الحادثة، إنما وقعت لعباس بن مرداس السلمي. وقيل: لأبي ذر الغفارى٢.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٢٥٧. ٢ السابق جـ٦ ص٢٥٩.
[ ٤٢٢ ]
٧- يغوث:
أما "يغوث": فكان على رواية ابن الكلبي في جملة الأصنام التي فرقها عمرو بن لحي على من استجاب إلى دعوته من القبائل، دفعه إلى أنعم بن عمرو المرادي، فوضعه بأكمة "مذحج باليمن"، فعبدته "مذحج" ومن والاها وأهل "جرش".
وذكر الطبري: أن بطنين من طيء أخذا "يغوث"؛ فذهبا به إلى مراد؛ فعبدوه زمانا، ثم إن بني ناجية أرادوا أن ينتزعوه منهم؛ ففروا به إلى بني الحارث بن كعب، أما سدنته فكانوا من بني أنعم من طيء، وكانوا في:"جرش"، وفي
[ ٤٢٢ ]
حوالي سنة ٦٣٢م؛ أي السنة التي وقعت فيها معركة "بدر" حدث نزاع على الصنم؛ أراد بنو مراد أن يكون الصنم فيهم وسدنته لهم؛ وأراد بنو أنعم الاحتفاظ بحقهم فيه.
فهرب بنو أنعم بصنمهم إلى بني الحارث، واحتفظوا به بعد أن وقعت الهزيمة في مراد.
وفي الحرب التي وقعت بين بني أنعم، وغطيف حمل عبدة "يغوث" صنمهم معهم، وحاربوا مستمدين منه العون والمدد١.
ونجد بين أسماء الجاهليين عددا من الرجال سموا بـ "عبد يغوث" منهم: من كان في "مذحج" ومنهم: من كان في قريش؛ ومنهم من كان من هوازن٢.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٢٦٠ن ٢٦١. ٢ السابق جـ٦ ص٢٦١، ص٢٦٢.
[ ٤٢٣ ]
٨- يعوق:
"ويعوق" أيضًا في جملة هذه الأصنام التي فرقها عمرو بن لحي على القبائل.
وذكر ياقوت الحموي أن ابن الكلبي قال:
واتخذت خيوان "يعوق"، وكان بقرية لهم يقال لها "خيوان" من صنعاء على ليلتين مما يلي مكة؛ ولم أسمع لها ولغيرها شعرًا فيه، وأظن ذلك؛ لأنهم قربوا من صنعاء، واختلطوا بحمير؛ فدانا معهم باليهودية أيام تهود ذي "نواس" فتهودوا معه.
ونسب الطبري عبادة "يعوق" إلى "كهلان"، وذكر أنهم توارثوه كابرا عن كابر؛ حتى صار إلى همدان، وذكر في رواية أخرى؛ أن "يعوق" اسم صنم كان لكنانة١.
_________________
(١) ١ السابق جـ٦ ص٢٦٢، ص٢٦٣.
[ ٤٢٣ ]
نسرا
٩- نسر:
وأما "نسر" فكان من نصيب حمير، أعطاه عمرو بن لحي. قيل: لذي رعين المسمى "معد يكرب"؛ فوضعه في موضع بلخع من أرض سبأ، فتعبدت له حمير إلى أيام ذي نواس، فتهودت معه وتركت هذا الصنم.
وكان عباد "نسر" آل الكلاح من حمير على رواية من الروايات.
وذكر محمد بن حبيب أن حمير تنكست "لنسر" وعظمته ودانت له، وكان في غمدان قصر ملك اليمن.
وذكر اليعقوبي أنه كان لحمير وهمدان، منصوبًا بصنعاء.
ولم يشر ابن الكلبي إلى صورة الصنم "نسر".
وذكر الطبرسي: في أشكال الأصنام، أسندها الواقدي قال فيها كان "ود":
على صورة رجل، و"سواع": على صورة امرأة، و"يغوث": على صورة أسد، "ويعوق": على صورة فرس، و"نسر": على صورة نسر من الطير١.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٢٦٣، ص٢٦٤.
[ ٤٢٤ ]
١٠- عميانس:
هو صنم "خولان"؛ وموضعه في أرض خولان؛ وكان يقدم له في كل عام نصيبه المقرر من الأنعام والحروث.
وذكر ابن الكلبي أن الذين تعبدوا له من خولان هم بطن منهم؛ يقال لهم الأدوم، وهم الأسوم. وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ إلخ [الأنعام: ١٣٦] .
وقد ورد ذكر هذا الصنم في خبر "وفد خولان" الذي قدم على رسول الله ﷺ في شعبان سنة عشر.
إذ ذكر أن رسول الله ﷺ قال لهم: "ما فعل عمأنسى؟ " فقالوا: بشر وعسر، أبدلنا الله به، ولو قد رجعنا إليه هدمناه، وقد بقيت منا بعد بقايا من شيخ كبير وعجوز كبيرة متمسكون به١.
_________________
(١) ١ السابق جـ٦ ص٢٦٥.
[ ٤٢٤ ]
١١- أساف ونائلة-رضى:
ذكر اليعقوبي: أن عمرو بن لحي وضع هبل عند الكعبة، فكان أول صنم وضع بمكة؛ ثم وضعوا به "إساف ونائلة"، كل واحد منهما على ركن من أركان البيت؛ فكان الطائف إذا طاف بدأ "بأساف" فقبله وختم به؛ ونصبوا على "الصفا" صنما يقال له: "مجاور الريح" وعلى المروة صنما يقال له: "مطعم الطير".
وذكر محمد بن حبيب أن أسافا كان على "الصفا"، وأما نائلة فكان على "المروة"، وهما صنمان، وكان من جرهم، ففجر أساف بنائلة في الكعبة؛ فمسخا حجرين، فوضعا على الصفا والمروة؛ ليعتبر بهما، ثم عبدا بعد، وكان نسك قريش "لأساف": لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك.
ويظهر أن مرد هذا القصص الذي يقصها علينا أهل الأخبار عن الصنمين إنما هو إلى شكل الصنمين.
كان: أساف تمثال رجل على ما يظهر من روايات الإخباريين، وكانت: "نائلة" تمثال امرأة. يظهر أنهما استوردا من بلاد الشام فنصبا في مكة، فتولد من كونهما صنمين لرجل وامرأة هذا القصص المذكور، ولعله من صنع القبائل الكارهة لقريش، التي لم تكن ترى حرمة للصنمين١.
ذكر ابن الكلبي: أنه كان لبني ربيعة بن كعب بن تميم، فهدمه "المستوغر" وهو عمرو بن ربيعة بن كعب؛ هدماه في الإسلام وتعبدت لهذا الصنم قبيلة تميم.
وقد ورد اسم "عبد رضى" بين أسماء الجاهليين، ويظهر أن قبيلة طيء كانت قد تعبدت له كذلك.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٢٦٦، ص٢٦٧، اليعقوبي جـ١ ص٢٢٤.
[ ٤٢٥ ]
"ورضى" من الأصنام المعروفة عند قوم "ثمود".
وقد ورد اسمه في كتابات ثمودية عديدة، وكانت عبادته منتشرة بين العرب الشماليين.
وورد في نصوص تدمر، وبين أسماء بني إرم، كما ورد في كتابات الصفويين، وورد على هذا الشكل: "رضو، رضي، هرضو، هارضو" ويظن أنه يرمز إلى كوكب١.
_________________
(١) ١ السابق جـ٦ ص٢٦٨.
[ ٤٢٦ ]
١٢- مناف-ذو الخلصة:
صنم من أصنام الجاهلية؛ قال عنه ابن الكلبي: وكان لهم "مناف"، فبه كانت تسمي قريش "عبد مناف" ولا أدري أين كان، ولا من نصبه، وسمي به أيضا رجال من "هذيل" وبه سمي "عبد مناف"؛ وكانت أمه أخدمته هذا الصنم.
وقد عثر على كتابة وجدت في "حوران"؛ ورد فيها اسم "مناف" مع إله آخر، ورد اسم "مناف" فيها على هذا الشكل MN،PHA وقد عثر على كتابة أخرى وجد فيها الاسم على هذه الصور: "منافيوس" Manaphius مما يدل على أن المراد بالاسمين شيء واحد هو الإله مناف"١.
أما "ذو الخلصة": فكان صنم "خثعم"، و"بجيلة" و"دوس"، ومن قاربهم من بطون العرب من "هوازن" ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة، والحارث بن كعب، وزبيد، والغوث بن مر.
وذكر ابن الكلبي أن سدنته بنو أمامة من باهلة بن أعصر٢، وفي رواية لابن إسحاق أن عمرو بن لحي نصب "ذا الخلصة" بأسفل مكة، فكانوا يلبسونه القلائد، ويهدون إليه الشعير والحنطة، ويصبون عليه اللبن، ويذبحون له، ويعلقون عليه بيض النعام.
_________________
(١) ١ السابق جـ٦ ص٢٦٩. ٢ الأصنام ص٣٥، ٤٧.
[ ٤٢٦ ]
وهناك روايات جعلت "ذا الخلصة" الكعبة اليمانية "لخثعم" ومنهم من سماه كعبة اليمامة.
ويستنتج من كل هذه الروايات: أن "ذا الخلصة" بيت كان يدعى كعبة أيضًا، وكان فيه صنم يدعى "الخلصة" لدوس وخثعم، وغيرهم.
وكان بيت "ذي الخلصة": من البيوت التي يقصدها الناس للاستقسام عندها بالأزلام، وكان له ثلاثة أقداح: الآمر، الناهي، المتربص.
وفي "ذي الخلصة" قال أحد الرجازين:
لو كنت يا ذا الخلصة الموتورا مثلي وكان شيخك المقبورا
لم تنه عن قتل العداة زورا١
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٢٧١، ص٢٧٢.
[ ٤٢٧ ]
١٣- سعد-ذو الكفين:
كان صخرة طويلة، وذكر اليعقوبي أنه كان لبني بكر بن كنانة، وذهب ابن إسحاق إلى أنه في موضع قفر، وقيل: إنه قرب اليمامة.
وذكر ابن الكلبي: أنه أقبل رجل منهم بإبل له؛ ليقفها عليه يتبرك بذلك فيها؛ فلما أدناها منه نفرت منه، وكان يهراق عليه الدماء، فذهبت في كل وجه وتفرقت عليه، وأسف؛ فتناول حجرًا فرماه به، وقال: لا بارك الله فيك إلهًا، أنفرت عليَّ إبلي، ثم خرج في طلبها حتى جمعها، وانصرف عنه وهو يقول:
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا فشتتنا سعد فلا نحن من سعدِ
وهل سعد إلا صخرة بتنوفة من الأرض لا يُدعى لغيذٍ ولا رشدِ١
ذكر ابن الكلبي: أنه كان لدوس، ثم لبني منهب بن دوس، لما أسلموا بعث النبي ﷺ الطفيل بن عمرو الدوسي فحرقه، وهو يقول:
_________________
(١) ١ السابق جـ٦ ص٢٧٣، ص٢٧٤.
[ ٤٢٧ ]
يا ذا الكفين لست من عبادكا
ميلادنا أكبر من ميلادكا
إني حشوت النار في فؤادكا
وذكر أن هذا الصنم كان صنم عمرو بن حممة الدوسي أحد حكام العرب.
[ ٤٢٨ ]
١٤- ذو الشرى-الأقيصر-نهم:
وكان لبني الحارث بن يشكر بن مبشر من الأزد -صنم، يقال له: "ذو الشرى".
وورد في رواية للإخباريين: أن "ذا الشرى" صنم لدوس، كان بالسراة. وقد ورد اسم هذا الصنم في الحديث النبوي، وورد: بين أسماء الجاهليين اسم "عبد ذي الشرى" "وذو الشرى": إله ورد اسمه في كتابات: بطر، وبصرى١.
كان صنم قضاعة، ولخم، وجذام، وعاملة، وغطفان. وكان في مشارف الشام.
وقد ذكر اسمه في: شعر لزهير بن أبي سلمى، ولربيع بن ضبع الفزارى، وللشنفرى الأزدي كانوا يحجون إليه، ويحلقون رؤوسهم عنده، ويلقون مع الشعر قرة من دقيق، وهي عادة كانت متبعة عند بعض قبائل اليمن كذلك.
ويذكر ابن الكلبي: أن هوازن كانت تنتاب حجاج الأقيصر؛ فإن أدركت المواسم قبل أن يلقى القرة، قال احدهم: لمن يلقى: أعطنيه فإني من هوازن ضارع، وإن فاته: أخذ ذلك الشعر بما فيه من القمل والدقيق فخبزه وأكله٢.
وكان: لمزينة، كسره سادنه خزاعي بن عبد نهم، وهو من مزينة من بني عداء، وأعلن إسلامه٣.
_________________
(١) ١ السابق جـ٦ ص٢٧٥، إمتاع الأسماع جـ١ ص٣٨٨. ٢ المفصل جـ٦ ص٢٧٥، الأصنام، تاج العروس جـ١٠ ص١٩٧. ٣ المفصل جـ٦ ص٢٧٦، البلدان جـ١ ص٣٤١.
[ ٤٢٨ ]
عائم-سعير-الغلس-اليعبوب-باجر-المحرق-شمس
١٥- عائم-سعير-الفلس-اليعبوب-باجر-المحرق-شمس:
وكان: لأزد السراة. ورد اسمه في شعر لزبد الخير، المعروف أيضا بزيد الخيل١.
أما "سعير" فهو صنم عترة، وكان الناس يحجون إليه، ويطوفون حوله، ويعترون العتائر له٢.
كان لطيء، وكان أنفا أحمر في وسط جبلهم، الذي يقال له: أجأ، أسود، كأنه تمثال إنسان. وكانوا يعبدونه، ويهدون إليه، ويعترون عنده العتائر، ولا يأتيه خائف إلا أمن عنده، ولا يطرد واحد طريدة فيلجأ بها إليه إلا تركت له، ولم تخفر حوزته وحرمه.
ذكر ابن حبيب: أنه كان بنجد، وسدنته بنو بولان٣.
وهو: صنم لجديلة طيء.
كان: صنما للأزد، ومن جاورهم من طيء، وقضاعة.
كان صنما لبكر بن وائل، وبقية ربعية في موضع سلمان، وأما سدنته فكانوا أولاد الأسود العجلي٤.
"والشمس": صنم كان لبني تميم، وله بيت، وكانت تعبده بنو "أد" كلها: ضبة، تميم، عدى، عكل، ثور.
_________________
(١) ١ المفصل جزءا وصفحة الأصنام ص٤٠. ٢ المفصل جـ٦ ص٢٧٧، الأصنام ص٥٠. ٣ السابق جـ٦ ص٢٧٨، الروض الأنفف جـ١ ص٦٥. ٤ السابق جـ٦ ص٢٧٩، ص٢٨٠.
[ ٤٢٩ ]
وأما سدنته فكانوا من بني أوس بن مخاش بن تميم، فكسره هند بن أبي هالة، وصفوان بن أيد بن مخاش.
وقد قيل لها: الإلهة.
وذكر اليعقوبي أن قوما من عذرة تعبدوا لصنم يقال له: "شمس"١.
_________________
(١) ١ السابق جـ٦ ص٢٨١، شمس العلوم جـ١ ق١ ص٩٣.
[ ٤٣٠ ]
١٦- تيم:
به سمي رجال من تيم، ومن غيرهم؛ مثل: "عبد تيم"، "تيم الله"، وهناك أسماء أصنام أخرى لم ترد في كتاب الأصنام؛ إنما وردت في كتب اخرى. وقد ذكرها: "ابن الكلبي". نفسه في بعض مؤلفاته؛ ومن هذه الأصنام:
أ- الأسحم.
ب- الأشهل.
ج- أوال.
د- البجة.
هـ- الجبهة.
وجريش.
ز- جهار.
ح- الشارق.
ط- صمودا.
ي- العبعب.
ك- عوض.
ل- ذو اللبا.
م- السعيدة.
ن- عنم.
س- فزح.
ع- قيس.
[ ٤٣٠ ]
ف- المنطبق.
ص- نهيك.
وغير ذلك١.
وذكر ابن الكلبي أن العرب تسمي الطواف حول الأصنام، والأوثان: الدوار.
وعرف بعض اهل الأخبار: الدوار بأنه: نسك للجاهلية، يدورون فيه لصنم، أو غيره٢.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٢٨٢، الأصنام ص١٠٧، المجد ص٣١٥. ٢ المفصل جـ٦ ص٢٨٢، ٢٨٣ شرح ديوان لبيد ص٤٤.
[ ٤٣١ ]
١٧- مرحب-رئام-الوثن:
وأما "مرحب": فصنم من أصنام حضرموت؛ وبه سمي: "ذو مرحب" سادن هذا الصنم، وكانت تلبية من نسك له: لبيك لبيك، إننا لديك، لبيك جئنا إليك.
وذكر اليعقوبي أن للأزد صنما يقال له: رئام.
قال ابن هشام: يقال لكل صنم من حجر، أو غيره: صنم، ولا يقال وثن إلا لما كان من غير صخرة كالنحاس ونحوه.
وقد أورد أيضا نصًّا يفهم منه خلا ذلك، وهو رواية: عن عمر بن الخطاب يقول فيه: اللهم غفرًا، لقد كنا في الجاهلية على شر من هذا، نعبد الأصنام، ونعتنق الأوثان.
يفهم من قول عمر: أن الأصنام تطلق على مظاهر عبادتهم، والوثان على عقائدهم، فهما على القولين ليس من المترادفات فنقول مثلا إن آلهة الوثنيين أصنام، فالوثني يترادف مع المشرك ويتقابل مع الموحد في الرواية التي ذكرها ابن هشام وتشير إلى التفريق بين الصنم والوثن، نراها غيره دقيقة فالوثنية عقيدة والصنم مظهرها.
[ ٤٣١ ]
سدنتها:
السدنة: هم الذين يقومون بأمر الكعبة أو بطواغيتها.
فكان للات سدنتها وحجابها من بني معتب من ثقيف، ولمناة سدنتها من الأوس والخزرج، وللعزى سدنتها من بني شيبان خلفاء بني هاشم.
وهذه أسماء سريانية١ وقعت إلى الهند فسموا بها أصنامهم التي زعموا أنها الدراري السبعة ثم أدخلها عمرو بن لحي، ثم أصبحت عادتها تقليدًا حتى خلفت الخلوف، وقالوا: ما عظم هؤلاء آباؤنا إلا لأنها ترزق وتنفع وتضر واتخذوها آلهة.
فاتخذت العرب مع الكعبة هذه الطواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، وتهدي إليها كما تهدي للكعبة، وتطوف بها كطوافها بها وتنحر عندها مع عرفانها بفضل الكعبة.
والطواغيت أطلقها القرآن على كل معبود من دون الله.
والجبت: الكاهن.
قال الرازي: كلمتان وضعتا علمين على من كان غاية في الفساد٢.
وقال ابن الكلبي: وكان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتسمح به، وإذا قدم من سفره كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به أيضًا٣.
وتدنت العرب في عبادة الأصنام:
فمنهم من اتخذ بيتًا ومنهم من اتخذ صنمًا، ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت: نصب حجرا أمام الحرم وأمام غيره مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت٤،
_________________
(١) ١ الروض ص٦٢. ٢ الرازي في تفسير "٢: ٢٤١". ٣ قال عكرمة: الجبت بلسان الحبشة شيطان. الطاغوت الكاهن. قال ابن عباس: الجبت الأصنام والطواغيت الذين كانوا يعبرون عن الأصنام بالكذب أو يترجمون للناس عها الأكاذيب. ٤ يقول ابن حجر في فتح الباري "٨: ٤٧٠" هذه الأصنام كانت آلهة يعبدها العرب في عبادة الأصنام بعد نوح أو من الشيطان؟. قال بعض الشراح: مجمل ما قيل في هذه الأصنام قولان: أحدهما أنها كانت قوم نوح، والثاني: أنها كانت أسماء رجال صالحين، ثم أرجع ابن حجر الرأيين إلى رأي واحد وأنها كانت في المبدأ أسماء رجال صالحين.
[ ٤٣٢ ]
وسموها: الأنصاب، فإذا كانت تماثيل دعوها الأصنام، والأوثان وسموا طوافهم الدوار، وكان الرجل إذا سافر، فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها، فاتخذه ربا، وجعل الثلاثة: أثافي للقدر، وإذا ارتحل: تركه فإذا نزل منزلا آخر فعل مثل ذلك.
فكانوا ينحرون ويذبحون عندها كلها ويتقربون إليها، وهم على ذلك عارفون بفضل الكعبة عليها يحجونها ويعتمرون إليها، وكان الذين يفعلون ذلك في أسفارهم يهدفون للاقتداء بما يفعلون عندها والصبابة بها، وكانوا يسمون ذبائح الغنم التي يذبحون عند أصنامهم وأنصابهم تلك: العتائر، والعتيرة في كلام العرب: الذبيحة والمذبح الذي يذبحون فيه لها العتر.
ويقول ابن الكلبي: وكانت للعرب حجارة غير منصوبة يطوفون بها ويعترون عندها يسمونها الأنصاب ويسمون الطواف بها الدوار١.
وما زالت بداية ظهور الإلحاد عند العرب سرًّا غامضًا، ولكننا نعتقد أن إلحادهم كان يختلف عن أي نوع من الإلحاد عند الأمم الأخرى.
وإذا نظرنا إلى تقدمهم العقلي نجد أفكارهم الدينية ساذجة وسهلة، وإذا سلطنا عليهم أضواء التاريخ نجد لديهم نوعا من أحط أنواع الوثنية٢.
ففي العصر الجاهلي لا نجد أي تعاليم جوهرية، ولكن على الرغم من ذلك كانت الأحداث كما يقول "كرهل": لا تثبت إذا ما كان الشعب السامي الذي هاجر إلى بلاد العرب من الشمال الشرقي قد اعتنق العبادة التي وجدها في البلاد، ثم أدخل نوعا جديدا من العبادة التي انتشرت في أطوار تدريجية بين العرب٣.
فتحولهم من التوحيد إلى الوثنية والإلحاد، لم يكن مباشرة، وإنما تم بعد مرحلة جرهم العبثية التي فسد فيها الدين وشوه، فلما ولي عمرو بن لحي دفعه إلى الوثنية لون من العصبية، وليست قضايا عقلية شغلته، فأراد لها حلًّا فتحول بسببٍ إلى الإلحاد، ولكن كانت العصبية، والتقليد، وهجر ما كان عليه جرهم من فساد وعبث.
_________________
(١) ١ كتاب الأصنام لأبي المنذر محمد بن السائب الكلبي تحقيق أحمد زكي. ٢ الأصنام ص٣٣. ٣ حضارة الإسلام صلاح الدين خودا بخش ص٢٥.
[ ٤٣٣ ]
وهذا التعدد في الأصنام والأوثان والأنصاب واختلاف أسمائها ليس نتيجة فكر شغل به العقل العربي، ولكن ذلك ناشئا من مجاورتهم لأهل هذه الملل والنحل "إن أديان العرب كانت مختلفة بالمحاورات لأهل الملل والانتقال إلى البلدان والانتجاعات"١.
ولم تأتِ هذه الآلهة جميعها من التراث القومي؛ فبعضها وفد من الشعوب المجاورة طبقًا لاستعداد عام بين العرب الجنوبيين يحدوهم إلى النقل والاستيعاب استعداد يسّر في مراحل متأخرة دخول عقائد اليهودية والمسيحية.
_________________
(١) ١ اليعقوبي في تاريخ "١: ٢١٠".
[ ٤٣٤ ]
اتجاه قريش نحو الزعامة:
١-ولاية الكعبة:
ولي قصىٌّ البيت وأمر مكة، وجمع قومه من منازلهم إلى مكة، وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه، فكان قصي أول رجل من كعب بن لؤي أصاب ملكا أقر له به قومه، ثم أعطوه مقاليد الأمور فكان له أمر:
الحجابة.
والسقاية.
والرفادة.
والندوة
واللواء.
وبها حاز شرف مكة كله.
أعاد تخطيط مكة، فقطعها رباعًا بين قومه. فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التي أصبحوا عليها، وأصبحت داره بيت شورى لقريش والعرب، فلا يقضى أمر من أمورها إلا وفيه تشريعاته.
[ ٤٣٤ ]
وقد أقر للعرب ما كانوا عليه، وذلك أنه كان يراه دينا في نفسه، لا ينبغي تغييره، فأقر: آل صفوان، وعدوان، والنسأة، ومرة بن عوف على ما كانوا عليه حتى جاء الإسلام.
على أي شيء أقرهم؟
آل صفوان:
كان صفوان هو الذي يجيز للناس بالحج من عرفة، ثم بنوه من بعده، حتى كان آخرهم الذي قام عليه الإسلام هو كرب بن صفوان.
وعدوان:
وكانت الإفاضة من المزدلفة: في عدوان، يتوارثون ذلك كابرا عن كابر حتى كان آخرهم الذي قام عليه الإسلام: هو أبا سيادة بن الأعزل.
والنسأة:
هي التي كانت تحرم صفرا أو غيره من الأشهر بدلا من الشهر الحرام.
ومرة بن عوف:
وكان يلي للناس الإجازة بالحج من بعد عرفة.
والغوث:
كان الغوث إذا دفع بالناس يقول:
لا هم إني تابع تباعه إن كان إثم فعلى قضاعه
وتقول بعض الأخبار أن ولاية الغوث بن مرة كانت من قبل ملوك كندة، قسم بعد تقسيمهم في مكة ففرض على قريش: رفادة الحاج وهي وضع طعام لمن لا زاد له من الحجاج فقال:
[ ٤٣٥ ]
يا معشر قريش: إنكم جيران الله، وأهل بيته، وأهل الحرم، وأن الحجاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعامًا وشرابًا أيام الحجيج، حتى يصدروا عنكم، ففعلوا ظلك سنة، حتى بعد الإسلام ولم تنقطع إلا في عصرنا هذا، وأصبح قصى في قومه لا يخالف ولا يرد عليه شيء صنعه، فكان أمره من قريش في حياته، بعد مماته كالدين المتبع لا يعمل بغيره.
لاحظت تشريعات قصى هذه الاعتبارات فأعطت لقبيلة قريش إمكان السيطرة على من جاورهم من العرب، فأصبح لها الزعامة السياسية، والدينية، فزعامتها السياسية مكنتها من تخطيط مكة مرة ثانية، وحفظت عليها وضعها وقيادتها، وزعامتها الدينية أعطتها سلطة تشريعية في الدين، فشرعت مذهبها الديني وهو ما عرف بتشريع الحمس.
وهذا التشريع: حفظ عليها دينها، وعصبيتها القبلية، وساعد على انتشار ما ورثوه من وثنية عمرو بن لحي، وبقايا دين إسماعيل، وبفضل هذا أصبحت ذات كيان مقدس وذلك بمظهرها الطبقي الديني.
[ ٤٣٦ ]
٢- لقريش محامد تنسب إليهم:
- فمنهم كعب بن لؤي وهو أول من جمع يوم العروبة، ولم تسم العروبة الجمعة إلا منذ جاء الإسلام.
- وإلياس: أول من أهدى البدن للبيت.
- وعبد بن قصي: أول من أدخل الكتاب العربي أرض الحجاز قبل تعلمه بالحيرة، وتعلمه أهل الحيرة من أهل الأنبار.
- وأسعد الحميري: قال الرسول: "لا تسبوا أسعد الحميري؛ فإنه أول من كسا الكعبة".
- ودار قصي: هي دار الندوة، وقد جعل بابها إلى مسجد الكعبة ففيها كانت قريش تقضي أمورها.
[ ٤٣٦ ]
- وهاشم: هو أول من سن الرحلتين لقريش: رحلتي الشتاء، والصيف، وأول من أطعم الثريد للحجيج وكان يسمى: الفيض؛ لسماحته.
وبجانب طبيعتها الدينية كانت ذات مظهر حضاري أيضا.
"ويبتدئ يقص التاريخ تاريخا جديدا ليس لقريش ولكنه لمكة كلها؛ فقد نظم أمور مكة على شكل مبتكر جمهوري قبلي، يمكن أن يشبه بجمهورتي: البندقية، وقرطاجة؛ لسيطرة الماليين من أرباب التجارة ورءوس الأموال عليها.
ولا يفترق قصي في وصفه هذا عن "الملك" في المملكة الرومانية الأولى، إلا أنه كان لا يحمل لقب ملك، والمؤرخون المسلمون منحوه فيما بعد هذا اللقب رمزًا لهذه السلطة الواسعة١ وكانت فوق ذلك تحوز أكبر الأصنام.
١- العزى:
وكان الذين اتخذوا العزى إلهًا هو ظالم بن أسعد.
وكان بوادٍ من نخلة الشامية يقال له: حراض بإزاء الغمير عن يمين المصعد إلى العراق من مكة، وذلك فوق ذات عرق إلى البستان بتسعة أميال، فبنى عليها بسا -"يريد: بيتا"- وكانوا يسمعون فيه الصوت، وكانت العرب وقريش تسمي عبد العزى.
وكانت أعظم الأصنام عند قريش، وكانوا يزورونها ويهدون لها، ويتقربون عندها بالذبح، وكانت قريش تطوف بالكعبة وتقول٢:
واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى
فإنهن الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لتُرْتجى
وكانوا يقولون: إنها بنات الله وهن يشفعن إليه.
وكانت قريش قد هيأت لها شعبًا من وادي حراض يقال له: سقام، يضاهون به حرم الكعبة، وكان لها منحر: ينحرون فيه هداياهم، يقال له: الغبغب ويقسمون
_________________
(١) ١ الإسلام في حضارته ونظمة - ص٥٢ الأستاذ أنور الرفاعي- دار الفكر. ٢ يقول ابن الكلبي: وقد بلغنا أن رسول الله ذكر يوما فقال: لقد أهديت للعزى شاة عفراء وأنا على دين قومي ص١٩، ويكذب هذه الرواية حديث لرسول الله ورد فيه أنه ما عبد صنما قط.
[ ٤٣٧ ]
لحوم هداياهم فيمن حضرها وكان عندها، وتخصها بالإعظام، وسدنة العزى: بنو شبيان ابن جابر بن مرة من بني سليم، وكان آخر من سدنها منهم دبية بن حرمي السلمي.
فلم تزل العزى كذلك حتى بعث الله نبيه فعابها وغيرها من الأصنام ونهاهم عن عبادتها ونزل القرآن فيها: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ١٩-٢٣] .
فاشتد ذلك على قريش، ومرض أبو أحيحة مرضه الذي مات فيه، فدخل عليه أبو لهب يعوده فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك يا أبا أحيحة؟ أمن الموت تبكي ولا بد منه؟ قال: لا؛ ولكني أخاف ألا تعبد العزى بعد.
فقال أبو لهب: والله ما عبدت في حياتك لأجلك، ولا تترك عبادتها بعد لموتك.
وكانت للعزى شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة فلما فتح النبي مكة بعث خالد بن الوليد فقال له: "ايت بطن نخلة، فإنك تجد ثلاثا سمرات، فاعضد الأولى"، فأتاها فعضدها، فلما جاء إليه، قال: "هل رأيت شيئا؟ " قال: لا قال: "فأعضد الثانية"، فأتاها فعضدها، ثم أتى النبي فقال: "هل رأيت شيئا؟ " قال لا: فقال: "فاعضد الثالثة"، فأتها فإذا بحبشية نافشة شعرها، واضعة يديها على عاتقها تصرف بأنيابها وخلفها دبية وكان سادنها.
فلما نظر إلى خالد قال:
أعزاه شدي شدة لا تكذَّبي على خالد ألقي الخمار وشَمِّرِي
أيا عز إن لم تَقتلي المرء خالدًا فبوئي بإثم عاجل أو تنصَّرِي
[ ٤٣٨ ]
فقال خالد:
يا عزُّ كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك
ثم ضربها ففلق رأسها، فإذا هي حممة ثم عد الشجرة وقتل دبيةَ السادن، ثم أتى النبي فأخبره فقال: تلك العزى، ولا عزى بعدها للعرب؟ أما إنها لن تعبد بعد اليوم. قال أبو النذرة: ولم تكن قريش بمكة ومن أقام بها من العرب يعظمون شيئًا من الأصنام إعظام العزَّى ثم اللات، ثم مناة، فأما العزى فكانت قريش تخصها دون غيرها بالزيارة والهدية، وذلك فيما أظن كان لقربها منها.
٢- هبل "بعل":
وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها وكان أعظمها عندهم هبل وكان يسمى "بعلا" كما سيأتي، وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر وكان يقال له "هبل خزيمة" وكان في جوف الكعبة قدامه سبعة أقداح مكتوب في أولها: صريح، والآخر: ملصق.
فإذا شكوا في مولود أدوا له هدية ثم ضربوا بالقداح فإن خرج صريح ألحقوه وإن خرج ملصق دفعوه.
وقدح على الميت، وقدح على النكاح، وثلاثة١ لم تفسر لي على ما كانت، فإذا اختصموا في أمر، أو أرادوا سفرا، أو عملا أتوه فاستقسموا بالقداح عنده،
_________________
(١) ١ يقول ابن هشام: وكان عند هبل قداح سبعة كل قدح فيها كتب:
(٢) قدح فيه "العقل" إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة فإن خرج العقل فعلى من خرج حمله.
(٣) وقدح فيه "نعم" للأمر إذا أرادوه يضرب به القداح فإن خرج قدح نعم عملوا به.
(٤) وقدح فيه "لا" إذا أرادوا أمرا ضربوا به في القداح فإن خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر.
(٥) وقدح فيه "منكم".
(٦) وقدح فيه "ملصق".
(٧) وقدح فيه "من غيركم"
(٨) وقدح فيه "المياه" إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقدح وفيها ذلك القدح فحيثما خرج ضربوا به.
[ ٤٣٩ ]
فما خرج عملوا به وانتهوا إليه، وعنده ضرب عبد المطلب بالقداح على ابنه عبد الله والد الرسول ﷺ وهو الذي قال له أبو سفيان بن حرب حين ظفر يوم أحد: اعل هبل؟ أي علا دينك، فقال رسول الله: الله أعلى وأجل١.
وهبل هو الصنم الذي أتى به عمرو بن لحي ونصبه على البئر التي حرقها إبراهيم -﵇- في بطن الكعبة وكان تمثالا من عقيق أحمر على صورة الإنسان مكسور اليد اليمنى أدركته قريش كذلك فجعلت له يدا من ذهب، وكما هو واضح في الرواية نرى أن الصنم واسمه مستعربان.
لذلك رأينا للمؤرخين خلافا حول أصل اشتقاق اسمه:
فبعضهم يذهب إلى أن أصل اشتقاقه من العربية ويقول: هبل، أظنه من الهابل وهو الكثير اللحم والشحم ويستأنس بقول عائشة: والنساء يومئذ لم يهبلن اللحم أي: لم يسمنَّ.
أو من الهبل والهبالة: وهو الغنيمة "أي" أنه يغتنم عبادته أو يغتنم من عبده٢.
أو من الهبل والشكل يراد به أن لم يطعمه هبله: أي شكله.
ونلاحظ أن هذا التحليل فيه تكلف التوجيه ومشقة الرد إلى أصل عربي وخروج باللفظ عن حد الاعتدال في تأويله.
- وبعضهم يذهب إلى أن لفظ هبل لا اشتقاق له في العربية من معناه. فهو غير مشتق من لفظ عربي. ويقول: إنه عبراني أصله هبعل ومعنى بعل السيد.
وزاد على ذلك فقال: إن الهاء في التعبير العبري أداة التعريف مثل: "أل" في اللغة، فبإضافة هذه الأداة إلى بعل يريد الأكبر.
وقال: أما العين الزائدة، فسهل إهمالها بالتخفيف، ثم ضياعها بالاستعمال وخصوصا في لفظ بعل؛ لأن الكلدانيين كانوا يلفظونه "بل" بإهمال العين وهو اسم هذا الإله عندهم. وقيل أن هبل القرشي هو بعل الإسرائيلي٣.
_________________
(١) ١ يراجع كتاب الأصنام ٢١، ٢٢، ٢٣، ٢٤، ٢٥. ٢ معجم البلدان لياقوت "٤: ٩٧". ٣ التاريخ الإسلامي العام ص٢٤٤ د. علي حسن إبراهيم.
[ ٤٤٠ ]
وعلى ذلك إذا صح تعليل الأستاذ جورجي زيدان اللغوي فلا يبقى شك في أن هبل هو بعل، والذي يؤكد صحة هذا الرأي أن الله أورده في التنزيل: "أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين".
فقال الله: "بعلا" ولم يقل هبلا.
وفي هذا ما يدل على أنه كان يسمى بعلا عند الإسرائيليين١.
والأوفق عندي من خلال البحوث الحديثة: أن بعلا كان إله العبرانيين ولكن متى عرف العبرانيون وثنية بعل؟ والجواب أن ذلك حدث عندما استقر العبرانيون في كنعان وتمت عملية امتزاج بطيئة تركت عرضا علامات في دين العبرانيين مثل عبادات آلهة الكنعانيين "بعليم: أسياد البلاد"، ولم يكن هؤلاء البعليم على غرار يهوه آلهة حرب ولكنهم كانوا آلهة طبيعة مسالمين تتمثل في شخوصهم قوي الخصب والحياة المنتجة ويتألفون أزواجًا: ذكر "بعلا" وأنثاه "عشتاروت".
ولهم ديانات محلية متباينة تصحبها الشهوة المخزية فربما كان دين العبريين قد هبط في يسر إلى مستوى الدين الكنعاني وكان يهوه قد اندمج في البعليم ولما ترك العبريون طابعا على تاريخ البشر الروحي، وظل يهوه بين كل ما تمثلوه من العبادات الكنعانية كالمرتفعات والصور الخشبية لعشتاروت أو العمد المقدسة إله شعبه المختار.
وهذا أثر كنعاني على العبريين.
وأما العبراني فهو أقدم من بني إسرائييل وإن كان إسرائيل منهم غير أن العبراني أعم من جهة ثانية؛ لأنه يشمل إبراهيم وقومه وهم غير اليهود، فكان بعل هذا هو إله قوم إبراهيم ويققارب أن يكون اسمه "هبعل البعل" ولعله يقابل "مردوخ" البابليين وبعل الكلدانيين، فأصله لا شك دخيل"٢.
حاول عمرو بن لحي أن يجعله إله الجزيرة الأكبر، إذ بمقارنة وظائف هذه الآلهة مع ما روي عن هبل يتضح لنا أنه كان إله الخصب، والرزق، ومن ثم إله
_________________
(١) ١ المرجع نفسه. ٢ الإسلام في نظمه ص٤١ الأستاذ أنور الرفاعي.
[ ٤٤١ ]
السعادة عند العرب، وربما أيضًا كان إله الحرب، فلا يرحل الراحل ولا يثوب الآيب المغترب إلا ويطوف به، وكانت عنده أقداح الأزلام ولا يستقسم بها إلا أمامه، ومراسم الأفراح والأحزان عنده أيضا.
يقول علي حسن إبراهيم: وتشير إقامة هبل على البئر الكائن في بطن الكعبة إلى أنه كان ذا علاقة بالرزق والخصب في عقيدة العرب"١.
يقول محمد عبد المعين خان: لا أتردد أن أقول: إن هبل كان إله الخصب والرزق ومن ثم إله السعادة وشبه رب الأرباب في عقيدة العرب٢.
وفي الروايات ما يؤكد عدم تردد خان في أن هبل هو الإله الذي عناه عمرو بن لحي حينما قال: إن ربكم مصيف باللات؛ لبرد الطائف ويشتو بالعزى؛ لحر تهامة٣.
وبذلك يكون هبل أو بعل رب الأرباب عند العرب وله جميع السلطات؛ وأهمها: الخصب والتجارة والرزق، ومن "اللات والعزى ومناة" وهم بناته يتشفع بهن لديه تكون عائلة وثنية مقدسة أبطلها الله بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى، إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ .
_________________
(١) ١ الأساطير العربية ص١١٠ محمد عبد المعين خان. ٢ المرجع نفسه ص١١٧. ٣ أخبار مكة ١: ٧٤.
[ ٤٤٢ ]
معاهدتهم التجارية
٣- معاهداتهم التجارية:
وملكت قريش المعاهدات التجارية التي عرفت بالإيلاف.
والإيلاف كتاب أمان: يعني أن يأمنا عندهم في أرضهم بغير حلف إنما هو أمان الطريق، وكان في قريش يقول الهروي في "الغربيين": الإيلاف: عهود بينهم وبين الملوك.
- تعاقد هاشم مع الروم على أمان التجارة في طريق الشام ومات في إحدى
[ ٤٤٢ ]
- وتعاقد المطلب بن عبد مناف مع اليمن وأخذ من ملوكهم عهدا لمن يتجر إليهم من قريش.
- وتعاقد عبد شمس بن عبد مناف مع الحبش فأخذ إيلافا، وهلك بمكة فقبره بالحجون.
- وتعاقد نوفل بن عبد مناف فأخذ عهدا من كسرى لتجار قريش وإيلافا ممن مر به من العرب ثم خدم ورجع إلى العراق ومات بسلمان.
وبهذه الإيلافات "العهود الآمنة" لمسالك التجارة اتسعت تجارة قريش وكثرت أموالها١.
_________________
(١) ١ يراجع الأمالي والنوادر ملحق بالأمالي لابنعلي إسماعيل بن القاسم القالي البغدادي "٢: ٢٠٤". دار الباز للنشر والتوزيع. وحاشية الشهاب على البيضاوي "١: ٣٩٩".
[ ٤٤٣ ]
٤- التحمس القرشي ١:
الحمس جمع الأحمس وهم: قريش، ومن ولدت قريش، وكنانة، وبجيلة، وقيس، سموا حمسا؛ لأنهم تحمسوا في دينهم، أي تشددوا، والحماسة الشجاعة، بمعنى: أنهم كانوا يقفون بمزدلفة، ولا يقفون بعرفة، ويقولون: نحن أهل الله فلا نخرج من الحرم، وكانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها وهم محرمون، وكانوا قد ذهبوا في ذلك مذهب التزهد والتأله، يقول ابن إسحق: لا أدري قبل الفيل، أو بعده
_________________
(١) ١ ابن هشام "١: ١٢٣" وكذا النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، جزء أول، في حديث: هذا من الحمس فما باله خرج من الحرم، وكتاب مروج الذهب للمسعود "١: ٢٠٧" قال النبي للأنصار: "أنا رجل أحمسي". عن قيس بن حازم قال دخل أبو بكر ﵁ على امرأة من أحمس يقال لها زينب بنت المهاجر لا تتكلم فقال: ما لها لا تتكلم؟ قالوا: جمعت مصمتة، قال لها: تكلمى فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت. قال جبير بن مطعم حين رآه واقفا بعرفة مع الناس قبل الهجرة وقبل النبوة: هذا رجل أحمسي: فما باله لا يقف مع الحمس حيث يقفون. ابن هشام "١: ١٣٥" قال السهيلي: وكان وقوف النبي -ﷺ- بعرفة مع الناس قبل الهجرة وقبل النبوة توقيفًا من الله.
[ ٤٤٣ ]
ابتُدِعت آراء الحمس، ويغلب على ظني أنهم ابتدعوا هذا المذهب قبل عام الفيل منذ أن استقر أمرهم على خدمة البيت بعد قصي، ووزعوا الزعامة بينهم وأحسوا بعصبيتهم القبلية وتميزهم، فبيتهم: بيت العرب، ورب قبيلتهم: رب العرب، فنشأت فكرة الجمع بين فكرة الألوهية، وفكرة الملكية للبيت؛ ليصبغ عليهم الصفة المقدسة.
ولقد قالوا في سبب تميزهم الطبقي والديني: نحن بنو إبراهيم، وأهل الحرمة، وولاة البيت، وقطان مكة وسكانها، فليس لأحد من العرب مثل حقنا، ولا مثل منزلتنا، ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا، فلا تعظموا شيئا من الحل كما تعظمون الحرم؛ فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمتكم، وقالوا: قد عظموا من الحل مثل ما عظم من الحرم، فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها -وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم- ويرون لسائر العرب أن يفيضوا منها.
إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم فليس ينبغي أن نخرج من الحرمة ولا نعظم غيرها كما نعظمها نحن الحمس. والحمس: أهل الحرم، ثم جعلوا لمن ولدوا للعرب من ساكن الحل والحرم مثل الذي لهم بولادتهم إياهم قد دخلوا معهم في ذلك، ثم ابتدعوا في ذلك أمورا لم تكن؛ لأنهم حتى قالوا: يحل لهم ما يحل لنا ويحرم عليهم ما يحرم علينا، وكانت كنانة وخزاعة ترى أنه ينبغي للحمس أن يأتقطوا، ويأكلوا السمن، وهم لا يدخلون بيتا من شعر ولا يستظلون إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرمًا.
ثم رفعوا في ذلك فقالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحل إلى الحرم إذا جاءوا حجاجا أو عمارا ولا يطوفوا بالبيت؛ إذ قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس فإن لم يجدوا منها شيئا طافوا بالبيت عراة.
فإن تكرم منهم متكرم من رجل أو امرأة ولم يجد ثياب الحمس، فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل ألقاها إذا فرغ من طوفه، ثم لم ينتفع بها ولم يمسها هو ولا أحد غيره أبدا. وكانت العرب تسمي تلك الثياب اللقى.
[ ٤٤٤ ]
فحملوا على ذلك العرب فدانت به، ووقفوا على عرفات، وأفاضوا منها وطاف الرجال بالبيت عراة، وأما النساء فتضع إحداهن ثيابها كلها إلا درعا مفرجا ثم تطوف فيه١.
قال الشاعر يذكر شيئا تركه من ثيابه فلا يقربه، وهو يحبه:
كفى حزنا كري عليها كأنها لقى بين أيدي الطائفين حريم
أي حرام لا تمس.
ونلاحظ أن هذا المذهب الديني عندما وضعته قريش رمت به إلى ربط قبيلتها بقدسية البيت سواء أكانت القبيلة قائمة في حرمه الآمن أم كانت في الحل، فكل من ينتمي إلى قريش توالدا يكون تشريعه الخاص في نسكه.
هكذا أصبح للعبدة في الكعبة مراسيم وثنية معينة: يحج الناس إليها في التاسع من ذي الحجة، فيحرمون، ويطوفون، ويلبون، ويرمون الحجارة، ويتمسحون بالأنصاب والأوثان التي فيها، ويهدون ما هم مهدون ثم ينصرفون. وكان أهل الحرم يؤمون الناس في المناسك، وسدانة البيت عندهم: وراثية في آل "عبد الدار" "وهم يشبهون الأسر الدينية التي كان بيدها تنظيم الأعياد الدينية لدى اليونان"٢.
ومن جانب آخر عززت قريش بكل قوتا مركزها المالي باستغلال مركز مكة التجاري فنظمت القوافل فكان لها رحلتان: رحلة الشتاء: إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام، عدا الرحلات إلى الحيرة وتزايدت في اليمن وبالغت في نشر قداسة البيت الحرام لحماية تجارتها في الصحراء من غزو الفتاك.
وبهذا الإيلاف ربطت علائقها مع الأمم المجاورة أي باتفاقاته.
عقد هاشم بن عبد مناف: أحدها مع أمراء الغساسنة والرومان، فأذنوا له ولقومه بالتجارة مع الولاية العربية في بصري ومع ولاية فلسطين في غزة، وعقد عبد شمس
_________________
(١) ١ والذي يطوفون بالبيت أصناف ثلاثةك أهل الحم: يطوفون في ثيابهم. وأهل الحل: يطوفون عراة إذا لم يجدوا ثياب الحمس، أو في ثيابهم ثم يلقونها محرمة عليهم. وأهل الطلس: كانوا يأتون من أقصى اليمن حاملين الغبار فيطوفون بالبيت في تلك الطلس. ولعلهم يقصدون من طرح الثياب طرح الذنوب التي اقترفوها. ٢ الإسلام في حضارته ونظمه ص٥٥ أنور الرافعي.
[ ٤٤٥ ]
وإخوته: إذنًا مع ملوك الحبشة بأكسوم ونال مثل هذا الإذن أخواه نوفل والمطلب من الحمريين في اليمن ومن فارس والمناذرة في العراق، وبذلك "نشأت في مكة بيوت تجارية "وكالات" للحبشة وللرومان، ولعلها كانت نتيجة لهذه الاتفاقات، وبلغ من تغلغل التجارة في قريش أنه قيل من لم يكن من قريش تاجرًا فليس بشيء"١.
عززت قريش وضعها الاقتصادي: برحلاتها التجارية، وعززت أيضًا وضعها القبلي: بتشريعاتها الوثنية، وارتباطها بالبيت حتى أصبح كل من يتمرد على قريش متمردا على قدسية البيت، ومن يتمرد على البيت فهو يتمرد على قريش، وبهذا أصلت الوثنية الوضع القبلي وأصبح هدم النظام القبلي يستدعي هدم النظام الوثني، وهذه تعد عقبات في سبيل الإصلاح.
_________________
(١) ١ الإسلام في حضارته ونظمه ص٥٢.
[ ٤٤٦ ]
٥- نتائج التحمس القرشي:
الطواغيت:
ولما رأت العرب ذلك طلبوا بيوتا يضاهون بها الكعبة، قال ابن هشام: وكانت العرب قد اتخذت من الكعبة طواغيت؛ وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة لها سدنة وحجاب، وتهدي إليها كما تهدي للكعبة، وتطوف بها كطوافها حول البيت العتيق، ومنها بيت رضا، فأصبح هناك بيت لبني ربيعة يدعى بيت رضا -بضم الراء والتنوين- هدمه المستوغر في الإسلام.
وذو الكعبات بسنداد: لبكر وتغلب ابني وائل.
وكان لإياد كعبة أخرى بسنداد من أرض الكوفة والبصرة في الظهر، وهي التي ذكرها الأسود بن يعفر، وقد سمعت أن هذا البيت لم يكن بيت عبادة إنما كان منزلا شريفا فذكره.
والقليس: وقد كان أبرهة الأشرم قد بنى بيتا بصنعاء "كنيسة" سماها: رالقليس -بالرخام وجيد الخشب المذهب- وكتب إلى ملك الحبشة يقول: إني قد
[ ٤٤٦ ]
بنيت لك كنيسة لم بينِ مثلها أحد قط، ولست تاركا العرب حتى أصرف حجهم عن بيتهم الذي يحجون إليه، فبلغ ذلك بعض نسأة الشهور، فبعث رجلين من قومه وأمرهما أن يخرجا حتى يتغوطا فيها، ففعلا، فلما بلغه ذلك غضب وقال: من اجترأ على هذا١، فقيل: بعض أهل الكعبة، فغضب وخرج إلى الحبشة فكان من أمره ما كان.
اللات: بيت لثقيف بالطائف كانوا يعظمونه مثل تعظيم الكعبة.
كعبة نجران: وكان لبني الحارث كعبة بنجران يعظمونها؛ وهي التي ذكرها الأعشى في قوله:
وكعبة نجران حتم عليـ ـك حتى تناخي بأبوابها
وقد زعموا أنها لم تكن كعبة عبادة ولكن كانت غرفة لأولئك القوم الذين ذكرهم.
رئام٢: كان لحمير بصنعاء يعظمونه ويتقربون عنده بالذبائح، وكانوا فيما يذكرون: يكلمون منه، فلما انصرف تُبَّع من مسيره الذي سار فيه إلى العراق قدم معه الحبران اللذان صحباه من المدينة فأمراه بهدم رئام، فقال: ما شأنكما به؟ فهدماه وتهود تبع وأهل اليمن، ثم لم يسمع بذكر رئام ولا نسر في شيء من الأشعار ولا الأسماء.
بيت الحوراء: وكان رجل من جهينة يقال له: "عبد الدار بن حديب" قال لقومه: هلم نبني بيتا -بأرض في بلدهم يقال لها الحوراء- نضاهي به الكعبة ونعظمه؛ حتى نستميل به كثيرا من العرب، فأعظموا ذلك وأبوا عليه.
_________________
(١) ١ القليس: هو الكنيسة التي بناها أبرهة في صنعاء وهو لفظ أخذه العرب عن الروم ثم حرف بعد إلى كنيسة ويظن بعضهم أن لقليس لفظ عربي مبني ومعنى يقول عبد الرحمن بن محمد: سميت القليس لارتفاع بنيانها من القلانس؛ لأنها أعلى الرءوس. معجم البلدان مادة قليس، تاريخ الإسلام العام ص٥٥ هامش د. علي حسن إبراهيم. ٢ قال في القاموس: رآم كسحاب: بلد لحمير: وفي اللسان: رئام ككتاب: موضع، وقيل: هي مدينة من مدائن حمير يحل بها أولاد أود، قال الأفوه الأودي: إنا بنو أود الذي بلوائه منعت رئام وقد غزاها الأجدعُ
[ ٤٤٧ ]
ولعل نشأة تلك البيوت المقدسة أو الطواغيت يرجع -في نظرنا- إلى نشأة مذهب قريش الأحمسي الذي صبغ البيت الحرام بصبغة قبلية قرشية اضطرت القبائل المجاورة أن تحاكيها بمثل بيتها.
[ ٤٤٨ ]
تقويم التحمس القرشي:
ينازعنا القوم في محاولتنا الإدلاء برأي يحدد بوجه تقريبي تاريخ ابتداع قريش تحمسهم.
يغلب على ظني أن ابتداع مذهب الحمس القرشي كان قبل غزو أبرهة للبيت؛ لأن مذهب الحمس يؤكد على عصبية قريش القبلية، وكانوا يرون في ذلك امتيازا طبقيًّا "فليس لأحد من العرب مثل حقنا" فلا يساوي الحرم وساكنوه بالحل وساكنيه، وقالوا بعضهم لبعض: "إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمتكم"، واقتضاهم رأيهم في تحمسهم أن يخرجوا فيه عن بعض دين إبراهيم، "فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر ومناسك الحج ودين إبراهيم".
فتألههم العصبي "العرقي" جرفهم عن الالتزام بدين إبراهيم.
وكما أنهم خرجوا بتحمسهم عن دين إبراهيم؛ ليرفعوا عصبيتهم على دينهم فرضوا تحمسهم على العرب، "فحملوا على ذلك العرب فدانت به"، وكان من نتائج ذلك على العرب وقريش أن اعتبر العرب أن مسئولية البيت تقع بالدرجة الأولى على قريش، وظهر ذلك عندما سأل أبرهة عن سيد أهل هذا البلد وشريفها، فقيل له: عبد المطلب فلما جاء إليه عبد المطلب سأله أن يرد إليه الإبل قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟! قال له عبد المطلب: الإبل لي والبيت له رب يحميه.
هذا يعني أن قريشًا عزلت نفسها والبيت عن العرب، كذلك مر حديث أبرهة وغزوه للبيت لدى كتاب السير، كما لو كان الأمر مكيدة لعبد المطلب وبيته فقط، فلم يتحرك له العرب وهم أشعلوا الحروب القبلية أو بين القبيلة الواحدة لأتفه
[ ٤٤٨ ]
الأسباب، وعلى ما نظنه يظهر أن الأمر في هذا لا يفهم إلا من خلال رأي قريش في التحمس وهو أنهم عزلوا أنفسهم به من حيث أرادوا تسودًا ورفعة قبلية.
وكانت النتيجة أن ظهرت قريش وعليها طابع الذلة عند مفاوضتها لأبرهة، وتخلف العرب عنه. يقول ابن هشام: ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده.
ويبدو لنا أن حلف الفضول؛ وهو يحمل في طياته نزعة إنسانية عالية حيث تعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا أقاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته.
قلنا: يبدو لنا -ولا سيما أنه كان معه حملة أبرهة- أنه رد فعل لموقف العرب من قريش وأبرهة وتحويل للجانبين السياسي والاجتماعي لمذهب الحمس القرشي الذي وصفه الرسول بقوله: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت به في الإسلام لأجبت؛ تحالفوا أن ترد الفضول على أهلها وألا يعزّ ظالم مظلومًا".
بينما قريش وصفته بقولها١: لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر، فلم يكن الحلف واقعا من قريش موقع الرضا إنما اعتبرته تدخلا في فضل من الأمر.
ونلاحظ أن الدعوة إليه كانت في دار عبد الله بن جدعان ولو رضيت عنه قريش لدعو إليه في دار ندوتهم.
على أية حال نرى أن ما ابتدعته قريش من رأي الحمس يرجع إلى ما قبل أبرهة بكثير منذ نزعت العرب إلى تقليد الكعبة بطواغيتها، وقد أورد ياقوت نصا يؤيد فيه ما وصلنا إليه، ويقول فيه: كانت تحج إليها وفود حمير وكندة وغسان مقرِّين بأنهم مدينون للحمس من قريش ويرون تعظيمهم والاقتداء بآثارهم فرضًا وشرفًا عندهم.
_________________
(١) ١ معجم البلدان. أما الأزرقي فإنه يرى أن ظهور الحمس كان بعد حادثة الفيل "١: ١١٨" أخبار مكة.
[ ٤٤٩ ]
وإذا صح ما ذهبنا إليه وهو أن مذهب الحمس القرشي بانت أصوله قبل حملة أبرهة الحبشي، وحملت قريش العرب عليه فتكون مظاهر الوحدة العربية والسيادة القرشية سابقة على العصر الإسلامي؛ فدينهم الوثني هو دين الجزيرة وبيتهم بات مركزًا للأصنام الممثلة للقبائل -كما حكى الأزرقي أنه وجد في مكة ما يربو على ثلاثمائة صنم؛ أي أنه لكل قبيلة صنمها في ربعها وصنم في بيت الأصنام.
كذلك يتبع المظهر العام للوحدة، المظهر اللغوي، ونعني به أن لغة قريش أصبحت سائدة ولا سيما في المناسبات الرسمية التي تقتضيهم قرض الشعر والمفاخرة به وإذاعته في منتدياتهم الرسمية عكاظ ومجنة وذي المجاز.
نقول: اتجه العرب على اختلاف لهجات قبائلهم إلى صياغة أشعارهم بلغة قريش -وذلك واضح من قراءتنا لها- حيث لا يبدو اختلاف في لهجتهم ونطقهم لا على جدار الكعبة ما يؤيد ما تذهب إليه أن هذه المعلقات تكلف لها العرب لغة قريش لترف على بيت قريش وتعتبر ظاهرة الواحدة -أي طابع قريش العام- من حيث اللغة والدين ونسك الحج والاقتصاد مما سيطر على العرب قبل الإسلام، وكانت كلها عوامل ممهدة لنزول القرآن بلغة قريش؛ إذ ليس من المعقول أن ينزل القرآن بلغة قبيلة من قبائل العرب دون أن يكون وراءه أسباب تاريخية تشهد بسمو هذه اللغة القرشية على غيرها وفي رأينا -الذي له شواهده التاريخية- أن هذه اللغة القرشية تعدت نطاق قبيلة قريش فحملوها معهم -وهم رسل التجارة- إلى بطن الجزيرة ومشارفها وخارجها، فكتبت بها العهود التجارية التي أبرمتها مع الرومان، والفرس، واليمن، والحبشة، وفي النقل التجاري عوامل حيوية في ميدان الاقتباس، فعندما نزل القرآن كان يتفق مع الروح العربية في اصطفائها لغة قريش؛ لغة ثفافة وحضارة ونشر للآداب والأشعار.
أما من ناحية المضمون الفكري فنرى أن القضايا الفكرية التي تناولتها لائحة قريش التنفيذية كانت خالية من أي عمق فكري فلا نرى فيها ما يشير من قريبب أو من بعيد إلى مشكلات المجهول: كقضايا البشرية، والخلق، ويبدو أنها كانت لا تراود عقل العربي إلا في النادر اليسير من الأوقات.
[ ٤٥٠ ]
فدينهم الوثني: لا حياة فيه ولا معنى له، ولا يساعد أحدا منهم على أن يحدد العلاقات التي تربط هذه الآلهة المتعددة بالبشر، وصرفهم عن فهم ما لديهم من فكر غامض ناشئ عن قوة عالية فكانوا يقدسون الأوثان؛ لأنها تمثل هذه القوة بوساطة طقوس وثنية ورثوها عن أجدادهم.
ووثنية العرب لم تستطع أن تجيب إجابات مقنعة على الأسئلة البدهية التي تتردد في ذهن كل شخص مفكر مثل:
من أين خلقت؟ وإلى أي نهاية مصيري؟ وما هدفي وغرضي من الحياة؟
"لم يشغل العربي ذهنه بشيء من القضايا أو ما هو من قبيلها، ولكن كانت حياة العربي حياة حرية ومرح وسرور ومجون، وكانت المخمر والنساء والحرب هي الأشياء التي يحبها العربي ويهتم بها"؛ فهو إما أن يستغرق في الخمر أو ينصرف إلى الفسق أو يستنفد قوته وطاقته في الحروب القبلية أو سلب جاره وكانت حياة مرح لا يعكر صفوها أفكار خطيرة أو تأملات دينية تدفع إلى الميل أو الرغبة في عمل الخير.
"لقد كان هدفهم من الحياة أن يتمتعوا بحاضرهم وأن يحرزوا النصر في معاركهم، وإلى يومنا هذا نجد البدوي محتفظًا بهذه الصفات فهو في غالب حالاته لا يتقيد بالدين١.
"والدلائل تشير إلى أن الوثني في الجاهلية على العموم لم يكن يتمسك في دينه بعقيدة نابعة من شعور ديني عميق أو عاطفة روحية شديدة قائمة على عقل سديد أو تفكير سليم، ولكن هي عادات تأصلت في نفوسهم تقليدًا لغيرهم أو تمسكًا بسلوك آبائهم وأجدادهم السابقين"٢.
ويحلل بلاشير٣ العاطفة الدينية عند الجاهلية فيقول: إن العاطفة التي كانت تسيطر على النفوس في المحيط العربي قبل ظهور
_________________
(١) ١ تاريخ الإسلام العام ص١٨. ٢ تاريخ الأدب الجاهلي علي الجندي "١: ١١٧". ٣ تاريخ الأدب العربي ص١٦.
[ ٤٥١ ]
الإسلام شبيهة بالعاطفة التي كانت تسيطر على النفوس عند العبرانيين في مرحلة البداوة وهي:
الاعتقاد بتعدد الشياطين وهذا نوع من المذهب النفسي ومن صفاته: شعور الرجل بأنه محاط بقوى خفية يصعب عليه تحديد ماهيتها وتسميتها بأسماء خاصة إلا أنه يعجز دوما عن تشخيصها.
فإن عبادة الأوثان والإيمان بالجن والأغوال -وهي نفوس شريرة تهاجم الإنسان في الوحدة"- كل هذا يشكل أساس الدين ومذهبه الفكري في علاقتهم بالحياة.
وإن تعدد الآلة في صلته الضيقة مع تعدد الشياطين يدل على استعداد العرب القدماء لتشخيص القوة الكامنة في الأشجار وينابيع المياه وتسميتها بأسماء وربطها مع الإلهيات، ومهما يكن منشأ تعدد الآلهة، فلا نرى بدًّا من تقرير أنه أفاد العرب باستثناء بعض النفوس المتزمتة في بعض المراكز الحضارية، وقادهم إلى جعل الدين مصدر تأملات أو بحوث نظرية.
على أن حوادث الحياة والتجارب مع العلم بأن قوى الطبيعة هي الغالبة في الصحراء قد نمت في العربي المحارب قدرية عميقة لا لأن العربي يشبه أيوب الصابر على الأذى؛ بل لأن العربي المحارب بالإضافة إلى المتناقضات في خلقه لا يحتمل أحداث الحياة بصورة سلبية فإنَّ موقفه منها بادئ الأمر هو: موقف المناضل غير أنه إذا وجد أمام المقدور انحنى خاضعا شاعرًا بعقم الجهد أمام هذه القوى الهائلة المنطوية تحت كلمة "الدهر".
وهذا الاستسلام النهائي يملي عليه حكمًا ذات يسارة لا تخلو من السمو موحية إليه بتصرفات عرضية ولكنها مؤثرة جدا في بعض الأحيان، وهكذا كان العربي بارتفاعه فوق نظرته التافهة للوجود قد عوض إلى حد ما عن فقر فكره الديني.
[ ٤٥٢ ]
موقف القرآن من التحمس:
إذا كان التحمس مذهب قريش فإن من المتصور لرجل الإصلاح وهو قرشي سوف ينهض بدعوته من هذا المذهب؛ ليجذب أفراد قبيلته إليه من جانب، ويحيي عصبيتها القبلية والدينية من جانب آخر.
كان هذا هو المتصور، ولكن واقع الأمر كان غير ذلك فرسالة الإصلاح التي
[ ٤٥٢ ]
اضطلع بعبئها الرسول ﷺ لم تكن نابعة من تصوره ولا مدفوعا إليها رغبة في زعامة أو رياسة أو جاه حتى تكون وفق ما تصورنا، ولكن كانت رسالة إلهية تبغي الإصلاح ما استطاعت إليه سبيلا، ورسالة هزت كيان القبائل العربية وأوثانها وكان على رأس هذه القبائل جميعًا قبيلته ﷺ فهدم عصبيتها القبلية والدينية؛ ليحل محلها معاني جديدة في مدلولها الإنساني كمبدأ الإخاء والتضامن والتكافل، نعم هدم بها عصبيتها الدينية فألغى تشريعاتها التي عرفت بالحمس، وأحل محلها دينه وفرض في حجه المساواة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩] .
يعني على قريش أن تتساوى مع الناس ي فريضة الحج فيصعدوا معهم إلى عرفات والوقوف عليها والإفاضة منها.
وأنزل الله عليه فيما كانوا قد حرموا على الناس من طعام ولباس عند البيت حين كانوا يطوفون عراة، قوله:
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف] .
وقال -﵎- عائبا عليهم سلوكهم الديني: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ ١؛ أي أنهم كانوا يطوفون عراة ويصفقون ويصفرون.
وقال: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ ٢.
لأن الحمس لا يدخلون تحت سقف ولا يحول بينهم وبين السماء عتبة باب ولا غيرها، فإن احتاج أحدهم في داره تسنم البيت من ظهره ولم يدخل من الباب فرد الله ذلك عليهم بقوله سبحانه: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣.
ثم بين أنهم يسندون هذه الشعائر إلى ابراهيم.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال الآية ٣٥. "٢، ٣" سورة البقرة الآية ١٨٩.
[ ٤٥٣ ]
وإذا كانت ملة أبيكم إبراهيم فإبراهيم لم يكن من المشركين، وأخيرًا ألغى الوحي الإلهي مظهر البيت القبلي القرشي، ومظهره الوثني، وأتى على مذهب الحمس فعصف به، ثم رفع الوحيُ من شأن البيت الحرام، وجعله مثابة للناس وأمنا، وقبلة للناس جميعا، وأصبحت عالمية البيت الحرام بالإسلام حقيقة مقررة.
أما الأصنام التي كانت منصوبة حول الكعبة فطعنها الرسول بسية قوسه في عيونها، وهو يقول: "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا"؛ ثم أمر بها فكفئت على وجهها، ثم أخرجت من المسجد فحرقت.
فمن موقف الرسول مع المذهب الأحمس القرشي، وموقفه من الأوثان العربية وأصنامها وأنصابها وضح أن مصدر الإسلام لا يتصل بنسب إلى الوثنية العربية وإنما مصدره الوحي الإلهي.
[ ٤٥٤ ]