نظرات تحليلية في نشأة الديانة الوثنية
نظرات تحليلية في نشأة الديانة الوثنية:
زعم بعض المستشرقين: أن لفظة "الدين"؛ من أصل أعجمي وأنها من الألفاظ المعربة؛ وأصلها فارسي، هو: "دينا Daena"، وقد دخلت في العربية قبل الإسلام بمدة طويلة.
وترد لفظة "دين" بمعنى: الحشر في الإرمية والعبرانية كذلك، وهي: "دينو" في الإرمية، وتقابل لفظة "Daino" الإرمية لفظة الديان في العربية، وهي بمعنى: القاضي في هذه اللغة، وتعني: لفظة "دين" القضاء في اللغة البابلية، و"ديان" الحاكم والمجازي، والقاضي في لغة بني إرم؛ وهي: بهذا المعنى في العربية أيضا.
والدين في تعريف علماء اللغة: العادة، والشأن؛ تقول العرب: ما زال ذلك ديني وديدني؛ أي: عادتي.
والدين: بمعنى الطاعة والتعبد، وقد ورد في الحديث: كان على دين قومه.
أي: كان على ما بقي فيهم من إرث إبراهيم من الحج والنكاح، والميراث. وجاء: كانت قريش، ومن دان بدينهم؛ أي اتبعهم في دينهم، ووافقهم عليه، واتخذ دينهم له دينا وعبادة.
ومن دين: الديان بمعنى الحاكم، والقهار، ومن ذلك: مخاطبة الأعشى الجرمازي الرسول بقوله:
يا سيد الناس وديان العرب
والديان: من أسماء الله تعالى.
وقد وردت: هذه اللفظة في المعنى المفهوم منها في الإسلام، في بيت شعر ينسب إلى امية بن أبي الصلت، وهو:
كل دين يوم القيامة عند الـ ـله إلا دين الحنيفة زور١
ووردت بهذا المعنى أيضا في النصوص الثمودية؛ ووردت في نص سجله رجل من قول ثمود، توسل فيه إلى الإله "ود" أن يحفظ له دينه، ووردت في نص آخر جاء فيه: بدين "ود أمت" أي: بدين ود أموت. فاللفظة إذن من الألفاظ العربية الواردة في النصوص الثمودية؛ وقد يعثر عليها في نصوص جاهلية، مدونة بلهجات عربية أخرى٢.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٧٢٦، غرائب اللغة ص١٨٢، اللسان مادة دين ١٣/ ١٦٦. ٢ المفصل جـ٦ ص٨.
[ ٤٥٧ ]
ذهب "رينان": إلى أن العرب هم مثل سائر الساميين الآخرين موحدون بطبعهم، وإن ديانتهم هي من ديانات التوحيد!
وهو رأي يخالفه فيه نفر من المستشرقين.
وقد أقام "رينان": نظريته هذه في ظهور عقيدة التوحيد عند الساميين من دراسته للآلهة، التي تعبد لها الساميون.
ومن وجود أصل كلمة "أل. أيل" في لهجاتهم، فادعى أن الشعوب السامية كانت تتعبد لإله واحد، هو "أل. إيل" الذي تحرف اسمه بين هذه اللهجات، فدعي بأسماء أبعدته عن الأصل؛ غير أن أصلها كلها هو إله واحد؛ هو الإله "أل. إيل".
وقد ذهب أهل الأخبار إلى أن العرب الأولى كانت على ملة إبراهيم من الإيمان بإله واحد أحد؛ اعتقدت به، وحجت إلى بيته وعظمت حرمه، وحرمة الأشهر الحرم؛ بقيت على ذلك؛ ثم سلخ بهم إلى أن عبدوا ما استحبوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم، وإسماعيل غيره؛ فعبدوا الوثان، وابتعدوا عن دين آبائهم وأجدادهم؛ حتى أعادهم الإسلام إليه.
ونظرية "أن العرب جميعًا كانوا في الأصل موحدين؛ ثم حادوا بعد ذلك عن التوحيد، فعبدوا الأوثان، وأشركوا": نظرية يقول بها اليوم: بعض العلماء مثل: "ويليم شميد"؛ الذي درس أحوال القبائل البدائية الوثنية، ترجع بعد تحليلها، وتشريحها، ودرسها إلى عقيدة أساسية قائمة على الاعتقاد بوجود القديم؛ الكل، أو الأب الأكبر؛ الذي هو في نظرها العلة، والأساس؛ فهو إله واحد؛ وتوصل: إلى أن هذه العقيدة هي: عقيدة سبقت التوحيد؛ ثم ظهر من بعدها الشرك وقد أطلق عليها في الألمانية: مصطلح Urmon Otheismus أي: التوحيد القديم.
رأينا فيما سبق أن الجاهلي عرف حياة دينية تتعمق به حينا ويطفو بها على السطح حينًا آخر، حتى يتسرب الشك إلى نفسه، وحتى يخيل إلينا أن البدوي قليل الدين، وأنه قلما يكترث لما يعبد.
[ ٤٥٨ ]
والعربي إذ يتعمق في حياته الدينية أو يسخط عليها يصدر في ذلك عن طبيعته البدوية وليس عن فكر ديني في أغلب الأحيان.
فالعربي ذكي إلى حد أنه تكفيه الإشارة، فمأثور الحكمة والأمثال يشهد بذكائه وحاضر بديهته وطبيعته من وراء ذلك، فهو شخص ميال إلى الاعتزال بنفسه بما يخدم حريته الشخصية فلا يدين لأحد، هو ذكي غير ميال إلى التفاهم الاجتماعي.
ونظامه القبلي -وهو شكل اجتماعي بدائي- صرفه عن أن يفكر في محيط اجتماعي أوسع، فلم يفكر في تغيير مجرى حياته الاجتماعية أو الفكرية فانحصر فكره داخل قبيلته ولم يخرجها عن مألوفها إلا بقدر ما يخدم رؤيته الشخصية، فهو عضو في قبيلته مخلص مطيع لتقاليدها، ولذلك عاش العربي مقلدًا غير ميال إلى التغيير الاجتماعي، وكان يحب من الأفكار ما يلهيه ويرفع عنه سآمة الحياة ويتناسب مع سعة الخيال الخاص الذي يتسع للعقاب والغول والجان والشياطين سعة تتناسب أيضًا مع رحابة الصحراء في جزيرة العرب، كان يحب مثل هذا الفكر وليس ذلك لضعف في طبيعة عقله؛ ولكن لميوله الفكرية فهو يرى أنه غير ميال إلى التغيير ولم يغير؟
إنه رئيس في قبيلته أو عضو عامل فيها فالتغيير لماذا؟ إن الحفاظ على وضعه فيه نوع من الفكر الذووي المنغلق على نفسه هو؛ فلذلك اندفع نحو الخرافات؛ ليحفظ بها نظامه القبلي. وليس العربي وحده هو الذي كان مصدقًا للخرافات فالأمة اليونانية فيها خرافات كثيرة تتناسب مع عقلها المنطقي.
فحياته الدينية كانت تقليدًا، وغير مرتبطة بحياة عقلية ناضجة وليست كما يرى بعض الباحثين من أن العقائد الدينية قبل الإسلام خضعت لعوامل التغيير والتحول، ومن هؤلاء الأستاذ أنور الرفاعي؛ إذ يقول: عرف عن عرب ما قبل الإسلام أنهم وثنيون وعرفت وثينتهم وتقاليدهم في القرآن الكريم بالجاهلية وعلى الرغم من
[ ٤٥٩ ]
ذهاب معظم أخبارها، تسرب إلينا نتف كثيرة من أساطير الجاهليين ومعتقداتهم وأفكارهم، وكلها تدل على أن الوثنية ليست بسيطة التركيب ولا قريبة المتناول، فما وصلنا منها يدل على أنها مرحلة راقية، وأن كثيرًا من قديمها قد بقي في متأخرها وأن بعض أحوالها صيغ بالأفكار اليهودية أو الصابئية أو المسيحية أو اتحد مع عقائد أجنبية، ومن الضروري أن نلجأ في تفهمها إلى تصنيف تاريخي يمهد لبيان أطوارها ومعتقداتها في الزمن.
واستعراض الأساطير والعقائد العربية الجاهلية يدلنا على أن الوثنية العربية مرت في أطوار تشبه تلك التي مرت بها وثنيات الأمم الأخرى فإنها عرفت:
١- الطور الحيوي: وفيه اعتقد العرب أن في كل شيء حياةً، فعبدوا الشجر والحجر والجن، واعتقدوا أن الحجر شجر الشياطين، وأن الصفا والمروة هما: رجل وامرأة فسقا في الحرم فمسخا حجرين، وأن الضب هو يهودي مسخ فلا يؤكل لحمه، وأن حجارة الحرم تحمل قدسيته فهم يحملون منها للعبادة في ديارهم إلخ.
٢- الطور الطوطمي: وفيه تنحصر الحياة والأرواح في أشياء محدودة: ومن بقايا هذا الطور ما وجد عندهم من تسمية الإنسان بأسماء الحيوان، ومن عبادة بعض البهائم، كالجمل الأسود عند طيئ، والكبش الأبيض، ومن التشاؤم بالغراب والبوم، ومن عبادة الأصنام على شكل الحيوان كيغوث وهو على شكل نسر، ويعوق وهو على شكل فرس إلخ.
٣- الطور الوثني وتعدد الآلهة: وفيه وصل العرب إلى تصور الإله بأشكال إنسانية، وتعددت الآلهة عندهم وتخصصت ومهدت للطور الوحداني الذي جاء به الإسلام.
ونحن لا نشايع الأستاذ أنور الرفاعي فيما ذهب إليه من تحليل للوثنية العربية وانتقالها إلى أطوار مختلفة لما رأينا بينهم من أنهم مجتمع قبلي وأن لكل قبيلة معبودها حجرًا أو شجرًا أو حيوانًا، وأنها ذهبت في عبادتها لهذه الأوثان المتعددة والمختلفة مذهب التقليد والمحاكاة.
[ ٤٦٠ ]
يقول اسبتينو موسكاتي١:
وقد عرفت القبائل البدوية في وسط الجزيرة طائفة كبيرة من الآلهة، ولكنها ليست آلهة أو إلهات محددة تحديدًا واضحًا لها صفاتها وأساطيرها الثابتة، بل أرواح كل منها تهيمن على موضع وتحميه مثل البعول الكنعانية المختلفة. فخيال البدوي أضفى أرواحا على الآباء والأشجار والحجارة، وشعر بوجود آلهة فيها.
وكانت تسكن الصحراء أرواح أخرى محلية غير الآلهة، هي خليط من مخلوقات غريبة بعضها خير وبعضها شرير، تملك القدرة على الاستخفاء، وكان على المرء استرضاؤها إذا أراد اجتناب أذاها.
نظرية البيروني:
يقول: معلوم أن انطباع العامي نازع إلى المحسوس، نافر عن المعقول الذي لا يعقله إلا العالمون، الموصوفون في كل زمان ومكان بالقلة، ولسكوته إلى المثال عدل كثير من أهل الملل إلى: التصوير في الكتب والهياكل "اليهود، والنصارى"؛ ثم "المنائية" خاصة؛ ناهيك شاهدًا على ما قلته: إنك لو أبديت صورة النبي ﷺ أو مكة والكعبة لعامي، أو امرأة لوجدت من نتيجة الاستبشار فيه دواعي التقبيل وتعضير الخدين، والتمرغ؛ كأنه شاهد المصور، وقضى بذلك مناسك الحج والعمرة؛ وهذا هو السبب الباعث على إيجاد الأصنام بأسامي الأشخاص المعظمة من الأنبياء، والعلماء والملائكة مذكرة أمرهم عند الغيبة والموت ومبقية آثار تعظيمهم في القلوب إلى أن طال العهد بعامليها، ودارت القرون والأحقاب عليها ونسيت أسبابها، ودواعيها، وصارت رسما وسنة مستعملة، ثم داخلهم أصحاب النواميس من بابها؛ إذ كان أشد انطباعا فيهم فأوجبوه عليهم؛ وهكذا وردت الأخبار فيمن تقدم عهد الطوفان، وفيمن تأخر عنه؛ وحتى قيل: إن كون الناس قبل بعثة الرسل أمة واحدة هو على عبادة الأوثان.
ومن الأصنام المشهورة: صنم "مولتان" باسم الشمس، ولذلك سمي "أدت"، وكان خشبيًّا ملبسًا بسنحتيان أحمر، وفي عينيه ياقوتتان حمراوان.
_________________
(١) ١ الحضارات السامية ص٢٠٦ ترجمة السيد يعقوب أبو بكر.
[ ٤٦١ ]
ومتى كان الصنم المصور من أحد الجواهر كان خيرًا من الخشب، والخشب خير من الطين؛ فإن عوائد الجواهر تشمل رجال المملكة ونساءها، والذهب يخص صاحبه بالقوة، والفضة بالمدح، والنحاس بالزيادة في الولاية، والحجر بامتلاك الأرضين، والصنم يشرف بصاحبه لا بجوهره.
وقد كانت اليونانية في القديم: يوسطون الأصنام بينهم، وبين العلة الأولى، ويعبدونها باسم الكواكب والجواهر العالية؛ إذ لم يصفوا العلة الأولى بشيء من الإيجاب؛ بل بسلب الأضداد تعظيما لها، وتنزيهًا، فكيف يقصدونها للعبادة؛ ولما نقلت العرب من الشام أصنافا إلى أرضهم عبدوها كذلك؛ ليقربوهم إلى الله زلفى.
وهذا أفلاطون: يقول في المقالة الرابعة من كتاب النواميس: "واجب على من أعطى الكرامات التامة أن يتعبد بسر الآلهة والسكينات، ولا يترأس أصنامًا خاصة للآلهة الأبوية؛ ثم الكرامات التي للآباء إذا كانوا أحياء؛ فإنه أعظم الواجبات على قدر الطاقة، ويعني بالسر الذكر على المعنى الخاص، وهو لفظ يكثر استعماله فيما بين "الصابئة الحرانية"، "والثانوية المنائية"، ومتكلمي الهند.
وقال جالينيوس في كتاب "أخلاق النفس": إن في زمان "قومودس" من القياصرة، وهو قريب من خمسمائة ونيف للإسكندر أتى رجلان إلى بائع الأصنام فساوماه صنم "هرمس" أحدهما يريد نصبه في هيكل؛ ليكون تذكرة "لهرمس"، والآخر يريد نصبه على قبر؛ ليذكر به الميت١.
في نظر الرازي:
يقول الرازي المفسر: اعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت لله شريكا يساويه في الوجود والقدرة والعلم والحكمة وهذا مما لم يوجد إلى الآن.
_________________
(١) ١ تحقيق ما للهند: البيروني ص٧٨.
[ ٤٦٢ ]
لكن في الوثنية يثبتون إلهين:
- أحدهما: حليم: يفعل الخير.
- والثاني: سفيه: يفعل الشر.
وأما اتخاذ معبود سوى الله ففي الذاهبين إلى ذلك كثرة:
الفريق الأول: عبدة الكواكب
وهم الصابئة؛ فإنهم يقولون: إن الله خلق هذه الكواكب، وهذه الكواكب هي المدبرات لهذا العالم، قالوا: فيجب علينا أن نعبد الكواكب والكواكب تعبد الله.
الفريق الثاني: النصارى الذين يعبدون المسيح.
الفريق الثالث: عبدة الأوثان واعلم أنه لا دين أقدم من دين عبدة الأوثان؛ وذلك لأن أقدم الأنبياء الذين نقل إلينا تاريخهم هو نوح وهو إنما جاء بالرد على ما أخبر الله عن قومه في قوله: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] .
فعلمنا أن هذه المقالة كانت موجودة قبل نوح وهي باقية إلى الآن بل أكثر أهل العالم مستمرون على هذه المقالة.
يقول الرازي: والدين والمذهب الذي هذا شأنه يستحيل أن يعرف فساده بالضرورة، ولكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السموات والأرض علم ضروري فيستحيل إطباق الجمع العظيم عليه فوجب أن يكون لعبدة الأوثان غرض آخر سوى ذلك.
يقول الرازي:
الوجه الأول: اعتقاد الشبه
ذكر أبو معشر جعفر بن محمد المنجم البلخي في بعض مصنفاته: أن كثيرا من أهل الصين والهند كانوا يقولون بالله وملائكته ويعتقدون أن لله جسما وأنه ذو
[ ٤٦٣ ]
صورة كأحسن ما يكون من الصور، وهكذا حال الملائكة أيضا في صورهم الحسنة وأنهم كلهم قد احتجبوا عنا بالسماء، وأن الواجب عليهم أن يصوغوا تماثيل أنيقة حسنة الرواء على الهيئة التي كانوا عليها ويعتقدونها من صور الآلهة والملائكة.
فيعكفون على عبادتها قاصدين طلب الزلفى إلى الله وملائكته.
قال الرازي تعليقًا عليه: فإن صح ما ذكره أبو معشر فالسبب في عبادة الأوثان هو اعتقاد الشبه.
الوجه الثاني: الاعتقاد في الأسباب الظاهرة
ذكره أحد العلماء وهو أن الناس رأوا أن تغيرات أحوال هذا العالم مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب، فبحسب قرب الشمس وبعدها عن سمت الرأس تحدث الفصول المختلفة والأحوال المتباينة ثم إنهم رصدوا أحوال سائر الكواكب واعتقدوا ارتباط السعادة والنحوسة في الدنيا بكيفية وقوعها في طوالع الناس فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها.
فمنهم من اعتقد أنها أشياء واجبة الوجود لذواته وهي التي خلقت هذه العوالم.
ومنهم: من اعتقد أنها مخلوقة للإله الأكبر لكنها خالقة لهذا العالم.
فالأولون اعتقدوا أنها هي الآلهة في الحقيقة.
والفريق الثاني: اعتقدوا أنها هي الوسائط بين الله والبشر، فلا جرم أن اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها، ثم لما رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار اتخذوا لها أصناما وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادات تلك الأجرام العالية، ومتقربين إلى أشباحها الغائبة، ثم لما طالت المدة ألفوا ذكر الكواكب وتجردوا لعبادة تلك التماثيل.
فهؤلاء في الحقيقة: هم عبدة الكواكب.
[ ٤٦٤ ]
الوجه الثالث: تعظيم المجهول
إن أصحاب الأصنام كانوا يعينون أوقاتًا في السنين المتطاولة إلى نحو الألف والألفين ويزعمون أن من اتخذ طلسمًا في ذلك الوقت على وجه خاص فإنه ينتفع به في أوقات مخصوصة ويوجهه نحو السعادة والخصب ودفع الآفات.
وكانا إذا اتخذوا ذلك الطلسم عظموه؛ لاعتقادهم أنهم ينتفعون به، فلما بالغوا في ذلك التعظيم صار ذلك كالعبادة، ولما طالب مدة ذلك الفعل نسوا مبدأ الأمر، واشتغلوا بعبادتها على الجهالة بأصل الأمر.
الوجه الرابع: الاعتقاد في الأرواح
وكانوا يعتقدون أنه متى مات منهم رجل كبير كان مجاب الدعوة ومقبول الشفاعة عند الله فاتخذوا صنمًا على صورته يعبدونه على اعتقاد أن ذلك الإنسان يكون شفيعًا لهم يوم القيامة عند الله على مقتضى ما أخبر الله به في قوله على ألسنتهم: "هؤلاء شفعاؤنا عند الله".
الوجه الخامس: الاعتقاد في المقدسات
ولعلهم اتخذوها محاريب لصلواتهم وطاعته ويسجدون إليها لا لها كما أنا نسجد إلى القبلة لا للقبلة، ولما استمرت هذه الحالة ظن الجهال من القوم أنه يجب عبادتها.
الوجه السادس: الحلول
ولعلهم كانوا من المجسمة فاعتقدوا جواز حلول الرب فيها فعبدوها على هذا التأويل١.
وبهذا الاتجاه الوثني نسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم من الضلالات، ومع ذلك بقيت فيهم بقايا من عهد إبراهيم وكانوا يتمسكون بها.
_________________
(١) ١ مفتاح الغيب "١: ٢٣١".
[ ٤٦٥ ]
وذلك مثل تعظيم البيت والطواف والحج والعمرة بعرفة والمزدلفة وهدى البدن والإهلال بالحج والعمرة مع إدخالهم فيه ما ليس فيه.
فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا: "لبيك اللهم لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك"، فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده بقول الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾؛ أي: ما يوحدونني لمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكًا من خلقي.
ولقد لاحظنا أن العربي كان متدينًا سواء الدافع إلى اعتقاده الديني فكره كأمية، ولبيد، وقس بن ساعدة، أو كان الدافع إليه تقليد القبيلة، أو الدافع إليه بعض الاتجاهات السياسية كمسيحية غسان.
وعلى أي حال ومهما كان الدافع فإنه كان متدينا.
وذهب الباحثون في تدينه مذاهب شتى من حيث قضايا الفكر الديني، وليس الحال كما رأى بعض الباحثين من أن العربي وقع بتدينه تحت أطوار مختلفة، ولكننا نقول: إن حال العربي في دينه هو حاله مع آلهته كما تصوره هذه الرواية التاريخية:
يقول الكلبي: كان الرجل إذا سافر فنزل منزلا أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربًّا وجعل الثلاثة الباقية أثافي لقدره وإذا ارتحل ترك الحجر الرب فإذا نزل منزلا آخر فعل مثل ذلك١.
ويقول أبو عثمان النهدي "ند قبيلة من قضاعة": كنا في الجاهلية نعبد حجرًا ونحمله معنا فإذا رأينا أحسن منه ألقيناه وعبدنا الثاني وإذا سقط الحجر عن البعير قلنا سقط إلهكم فالتمسوا حجرًا٢.
ويقول ابن دريد٣: "كان الرجل منهم إذا وجد حجرًا أحسن من حجر أخذه وعبده"؛ فالعربي لم يعبد الوثن معتقدًا أنه خالق الكائنات؛ لأنه تارة يستقسم عنده وتارة أخرى يسبه ويشتمه، ومرة ثالثة يأكله وقت المجاعة، لذلك لا نعد تصرف
_________________
(١) ١ الأصنام ص٣٣. ٢ أسد الغابة في معرفة الصحابة "٣: ٣٢٥" ابن الأثير. ٣ الاشتقاق ص٨٦.
[ ٤٦٦ ]
العربي مع وثنه تحولا ولكن استخفافا، ومثله إذ انتقل من عبادة وثن إلى عبادة كوكب لا نرى في ذلك تحولا أيضا لأنه غير مصحوب بفكر عقلي، ولكن هو انتقال من صورة مظلمة إلى صورة مشعة كتركه الحجر لحجر أحسن في صورته، أما ما يصح أن نطلق عليه "انتقالا من طور إلى طور" هو الانتقال الذي يصحبه فكر ويتبعه قضايا دينية توجب على المتدين النظر أو الشك.
لم يحصل شيء من هذا حتى عند الحنفاء الذين تشككوا في الأوثان، ورأوا أن علاج شكهم هو اختيار دين آخر، وتفرقت بهم سبل الاختيار، فلم يحاولوا عرض قضايا دينية أو قضايا فكرية، وذلك شأن العربي في الجاهلية.
أما الإسلام فكان شيئًا جديدًا وكلًّا متكاملًا، وفي ذلك ما يدل على سماويته ونبوة الرسول ﷺ.
ونتيجة لهذا التنقل في الاختيار وقع العربي تحت عدة تناقضات فكرية ودينية أشار إليها القرآن الكريم منها قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ١.
وأشار أيضا إلى لون آخر من ألوان تناقضهم في قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢.
فمنهم من كان يعبد الله مع صنمه، ومنهم من كان لا يعبد الله مع صنمه.
وسنشير إلى ألوان من عقائدهم؛ لنرى أن الحياة العقدية في مكة لم يحكمها قانون الترقي، ولكن حكمها قانون الانتشار والتقليد؛ فانتشرت في ربوع شبه الجزيرة العربية متفرقات من الملل والنحل وعايش بعضها بعضًا.
وكان تعدد آلهة الصحراء نتيجة لحالة التشتت التي كانت تعيش فيها القبائل، ولميلها الغالب إلى التوفق، وكان الإله لا يستطيع التغلب على هذين العاملين ومد نفوذه إلى ما وراء حدود منطقته المحلية إلا نادرًا مثلما فعلت الإلهات الثلاث: اللات
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت ٦١، ٦٣. ٢ سورة يونس ١٨.
[ ٤٦٧ ]
ومناة والعزى، وكات تعبد في المطقة التي حول مكة وكان يعلو عليهن أبوهن الله١.
الإله والتصور الوثني:
هو في العادة يتكون من عدة آلهة، ولكن إذا ما انتصرت مدينة من المدن على عدة مدن، فيصبح إله هذه المدينة إلها عامًّا مشتركا تعترف به بقية المدن تحقيقًا لانتصار الإله وعباده.
ولا نجد إلهًا قوميًّا خاصًّا بالعرب؛ كالذي نجده عند العبرانيين من تعلقهم بـ "يهوه"؛ وعدهم إياه إلها خاصا بإسرائيل.
فقد صار هذا الإلهُ إلهَ جميع قبائل إسرائيل ويهوذا؛ أما العرب: فقد كانوا يعبدون جملة آلهة، كل قبيلة لها إله خاص بها، وآلهة أخرى، ولم يكن لها إله واحد له اسم واحد يعبده جميع العرب.
والظاهر أن القبائل الساكنة في الحجاز، ونجد، والعراق، والشام صارت قبيل الإسلام تتنكر لأصنامها العديدة، وتأخذ بالتوحيد، وبالاعتقاد بإله واحد هو "الله تعالى"، وهو الذي: نجده في الشعر الجاهلي؛ مما يدل على أن: قبائل أولئك الشعراء دانوا بالاعتقاد بوجود ذلك الإله فوق الأصنام والأوثان، وقد توج هذه العقيدة بتاج النصر في الإسلام.
غير أن: "الله تعالى" في الإسلام يختلف عن "الله" عند الجاهليين؛ "فالله" هو إله العالمين، إله جميع البشر على اختلافهم ليس له شريك من أصنام وأوثان.
أما "الله" عند الجاهليين: فهو رب الأرباب، وإله الآلهة، يسمو فوق آلهة القبائل؛ ولهذا ذكر في شعر شعراء مختلف القبائل؛ لأنه لا يختص بقبيلة واحدة.
_________________
(١) ١ الحضارات السامية ص٢٠٧ اسبتينومو سكاتي ترجمة د. السيد يعقوب بكر.
[ ٤٦٨ ]
ولم يشر القرآن الكريم إلى اعتقاد الجاهليين بوجود زوجة له. فهو في نظرهم إذن إله واحد متفرد لا يشاركه مشارك في حياته؛ وإذا كان "الله" واحدا أعزب فلا يمكن أن يكون له ولد.
ولكن القرآن: يشير إلى اعتقاد الجاهليين بوجود بنين وبنات "لله". ففي سورة الأنعام قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ١.
وقد ذهب المفسرون: إلى أن العرب قالت: الملائكة بنات "الله"؛ وقالت "اليهود، والنصارى: عزير والمسيح ابنا الله" وقال المشركون: الملائكة بنات "الله".
وفي سورة النحل قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَات﴾ ٢.
"الله" في الشعر الجاهلي:
قد درس بعض المستشرقين هذا الموضوع؛ ولا سيما موضوع ورود اسم الجلالة في الشعر الجاهلي؛ فذهبوا في ذلك مذاهب:
منهم: من أيد صحة وروده في ذلك الشعر، وآمن أن الشعر الذي ورد فيه هو شعر جاهلي حقًّا.
ومنهم: من ذهب إلى أنه شعر صحيح، غير أن رواة الشعر أدخلوا اسم الجلالة فيه، ولم يكن هو فيه في الجاهلية، بأن رفعوا اسماء الأصنام، وأحلوا اسم "الله" بدل اللات.
وبينما نجد: أهل الأخبار ينسبون إلى هؤلاء الشعراء، وأمثالهم، الاعتقاد "بالله" تعالى نجدهم: ينسبون إليهم الحلف بالأصنام، والاعتقاد بها؛ فقد نسبوا إلى خداش بن زهير شعرا آمن به بالله تعالى؛ ثم نسبوا إليه قوله:
وبالمرورة البيضاء يوم تبالة ومحبسة النعمان حيث تنصرا
_________________
(١) ١ الأنعام آية ١٠٠، انظر المفصل جـ٦ ص١١٩، روح المعاني جـ٧ ص٢٠٩. ٢ سورة النحل آية ٥٧، المفصل جـ٦ ص١١٩، ص١٢٠.
[ ٤٦٩ ]
والمروة البيضاء: هي "ذو الخلصة"؛ ثم هو يقسم بمحبسة النعمان وهو نصراني.
أفلا يدل هذا على وجود تنافر أو تناقض في عقيدة أمثال هؤلاء الشعراء؟
والذي لا وقوف له على طبائع أهل الجاهلية يرى هذا الرأي، أو يذهب إلى أن هذا الشعر مصنوع، مفتعل؛ أما الذي يعرف عادة العرب في القسم فلا يستغرب منه، ولا يرى فيه تنافرا. فقد كان الجاهليون يقسمون بكل شيء؛ يقسمون بالشجر والحجر، والكواكب، والليل والنهار، وبالأصنام، وبالمعابد "وبالله"، لا يرون في ذلك بأسًا ولا تناقضًا في عقيدتهم.
فهذا: "عدي بن زيد" يقسم بمكة على قاعدة العرب في القسم، وهو نصراني، وقد أقسم بأمور أخرى من أمور أهل الجاهلية الوثنية، ولم يذكر أحد أنه بدَّل دينه، وصار وثنيًّا؛ وكذلك الأمر مع غيره من شعراء نصارى، ويهود، وعباد أصنام أقسموا برهبان النصارى، وبأمور نصرانية مع أنهم كانوا عباد أوثان١.
ومن القائلين بالرأي الأخير: "نولدكه"؛ فقد ذهب إلى أن رواة الشعر وحملته في الإسلام هم الذين أدخلوا اسم الجلالة في هذا الشعر؛ وذلك بأن حذفوا منه أسماء الأصنام، وأحلوا محلها اسم "الله".
وقد ذهب أيضا إلى: أن رواة الشعر في الإسلام حذفوا من شعر الجاهليين ما لم يتفق مع عقيدتهم. ومن جملة ما استدل به على أثر التغيير والتحريف في الشعر الجاهلي ورود كلمة "الرحمن" في شعر شاعر جاهلي من هذيل؛ زعم أن ورود هذه الكلمة في هذا الشعر دليل كافٍ لإثبات أثر التلاعب فيه؛ لأن هذه اللفظة إسلامية استحدثت في الإسلام، ولا يمكن أن ترد في شعر شاعر جاهلي، وقد فات "نولدكه" صاحب هذا الرأي أن الكلمة بهذا المعنى كلمة جاهلية، وردت في
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص١١٤، ص١١٥.
[ ٤٧٠ ]
نصوص المسند وفي نصوص جاهلية أخرى، وإن من جملة من استعملها: "أبرهة الحبشي" في نصه الشهير، المعروف بنص: "سد مأرب"، وإن قوما من الجاهليين تعبدوا للرحمن.
أما "ولهوزن": فيرى أن عدم ورود أسماء للأصنام في الشعر الجاهلي إلا في النادر، وإلا في حالة القسم، أو في أثناء الإشارة إلى صنم أو موضع عبادة ليس من تغيير الرواة الإسلاميين وتبديلهم لأسماء الأصنام؛ وإنما سببه هو أدب الجاهليين، وعادتهم في عدم الإسراف والإسفاف في ذكر أسماء الآلهة الخاصة، وذلك على سبيل التأدب تجاه الأرباب، فاستعاضوا عن الصنم بلفظة "الله" التي لم تكن تعني إلا معينًا: وإنما تعني ما تعنيه كلمة "رب" "وإله"، ومن هنا كثر استعمالها في القسم وفي التمني أو التشفي وأمثال ذلك١.
وقد ذهب: مستشرقون آخرون إلى صحة ورود لفظة الجلالة في الشعر الجاهلي، كما ذهبوا إلى أن ورودها في القرآن الكريم، أو في الحديث لا يمنع من ورودها في الشعر الجاهلي، ولا يكون سببًا للطعن في ذلك الشعر؛ لأن من الجاهليين من كان يؤمن بوجود "إله" فوق الآلهة عندهم، فورود اسمه في شعرهم ليس بأمر غريب.
_________________
(١) ١ المفصل ص١١٤، ص١١٥.
[ ٤٧١ ]
الشرك ومظاهره عند العرب:
يعرض القرآن الكريم في إشارات إلى أنواع من الشرك كان عليه الجاهليون، وفيه تعريف لمعنى الشرك.
فالشرك في قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ ١ إلخ: عبادة الأصنام المصنوعة من الحجارة أو الخشب، أو المعادن؛ أي: مما لا روح له، وقابل للكسر.
وفي بعض الآيات: إن من أنواع الشرك القول بأن الجنَّ هم شركاء "لله" تعالى، ومن أنواعه أيضا: القول بأن الملائكة هم شركاء "لله" تعالى وبناته.
_________________
(١) ١ الأعراف آية ١٩١، المفصل ص٤٤.
[ ٤٧١ ]
وفي آيات أخرى: أن من الشرك اتخاذ آلهة أخرى مع "الله"، والآلهة هنا: شيء عام فيه تأليه الكواكب، وعبادة الأشياء غير المنظورة أي: غير المادية، وعبادة الأصنام.
وفي القرآن الكريم جوانب عن: فلسفة القوم، وتعليلهم لعبادة الأصنام واتخاذهم أولياء من دون الله؛ إذ يقولون جوابًا عن الاعتراض الموجه إليهم في عبادة غير "الله" ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ .
ويتبين من هذه الآية، ومن آيات أخرى أن فريقًا من العرب كانوا يعتقدون بوجود الله، وأنه هو الذي خلق الخلق، وأن له السيطرة على تصرفات عباده وحركاتهم، ولكنهم عبدوا الأصنام، وغيرها، واتخذوا الأولياء والشفعاء؛ لتقربهم إلى "الله" زلفى، وفي كتاب "الله": مصطلحات لها علاقة بعبادة الشرك منها:
شركاء: جمع شريك، وأنداد، وأولياء، وولي، وشفعاء، وشهداء فهذه الكلمات، وأمثالها تعبر عن عقائد الجاهليين قبيل الإسلام، وعن اعتقادهم في عبادة أشياء أخرى مع "الله" تعالى كانوا يرون: أنها تستحق العبادة؛ وأنها في مقابل "الله" في العرف الإسلامي؛ أو أنها: مساعدة "لله"١ ولعبادة "الأسلاف" علاقة بعبادة الأصنام.
ويلاحظ: أن عبادة "السلف" تقود أتباعها في بعض الأحيان إلى الاعتقاد بأن قبيلتهم تنتمي إلى صلب جد واحد أصله حيوان في رأي الأكثرين، أو من النجوم في بعض الأحيان، وهذا ما يجعل هذه العقيدة قريبة من الطوطمية.
ومعارفنا عن: عبادة "السلف" عند الجاهليين قليلة؛ ويمكن أن نستنتج من أمر النبي -ﷺ- بتسوية القبور ونهيه عن اتخاذها مساجد، ومواضع للصلاة أن الجاهليين كانوا يعبدون أرواح أصحاب هذه القبور، ويتقربون إليها.
ولعل في عبارة "قبر ونفس" الواردة في بعض النصوص الجاهلية ما يؤيد هذا الرأي؛ فإن النفس هي الروح٢.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٤٤، ص٤٥. ٢ السابق جـ٦ ص٤٨.
[ ٤٧٢ ]
وقد أشار أهل الأخبار إلى قبور اتخذت مزارات كانت لرجال دين، ولسادات قبائل يقسم الناس بها، ويلوذون بصاحب القبر، ويجتمعون به؛ كالذي كان من أمر ضريح: "تميم بن مرة"؛ وكالذي ذكروه من أمر "اللات" من أنه كان رجلا في الأصل اتخذ قبره معبدا، ثم تحول الرجل إلى صنم.
ونجد في كتب الحديث نهيا عن بناء المساجد على القبور، واتخاذ الصور فيها، وقد أشارت إلى اتخاذ اليهود والنصارى قبور ساداتهم، وأوليائهم مساجد تقربوا إليها لذلك: نهى أهل الإسلام من التشبه بهم في تعظيم القبور١.
كما نهى عن: تكليل القبور وتجصيصها؛ والتكليل: رفع القبر وجعله كالكلة؛ وهي: الصوامع، والقباب التي تبنى على القبور٢.
ومن مظاهر الشرك المتجلي في التعبد للأمور الطبيعية، الملموسة: عبادة الشجر، وهي عبادة شائعة معروفة عند الساميين.
وقد أشار ابن الكلبي إلى "نخلة نجران"؛ وهي نخلة عظيمة كان أهل البلد يتعبدون لها، لها عيد في كل سنة؛ فإذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجوده، وحلي النساء، فخرجوا يومًا إليها، وعكفوا عليها يومًا.
ومنها: العزى، وذات أنواط.
يحدثنا أهل الأخبار: عن "ذات أنواط"، فيقولون: ذات أنواط: شجرة خضراء عظيمة كانت الجاهلية تأتيها كل سنة تعظيمًا لها، فتعلق عليها أسلحتها، وتذبح عندها، وكانت قريبة من مكة، وذكر أنهم كانوا إذا حجوا يعلقون أرديتهم عليها، ويدخلون الحرم بغير أردية تعظيمًا للبيت؛ ولذلك: سميت "ذات أنواط".
وقد روى أن بعض الناس قال: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط.
_________________
(١) ١ السابق ص٤٩، وانظر صحيح مسلم جـ٢ ص٦٦ باب عن بناء المساجد على القبور. ٢ المفصل جـ٦ ص٤٩، اللسان ١١/ ٥٩٥ مادة "ك ل ل".
[ ٤٧٣ ]
ونستطيع أن نقول: إن آثار عبادة الشجر لا تزال باقية عند الناس تظهر في امتناع بعضهم، وفي تهيبهم من قطع بعض الشجر، لاعتقادهم أنهم إن فعلوا ذلك أصيبوا بنازلة تنزل بهم، ولذلك تركوا بعض الشجر كالسدر فلم يتعرضوا له بسوء.
وتعبد بعض أهل الجاهلية لبعض الحيوانات؛ فقد ورد أن جماعة الشاعر "زيد الخيل" وهم من طيئ كانوا يتعبدون لجمل أسود، فلما وفد وفدهم على الرسول قال لهم: "ومن الجمل الأسود الذي تعبدونه من دون الله ﷿".
وورد: أن قوما كانوا بالبحرين كانوا يعبدون الخيل، ذكر أنهم قوم من المجوس كانوا مسلحة لحصن المشقر من أرض البحرين فهم فرس.
وأن بعض القبائل مثل: إياد كانت تتبرك بالناقة١.
١- منهم من اتخذ آلهة من الأجسام المعدنية كالحجر والذهب والفضة والنحاس.
٢- ومنهم من اتخذه من النبات كالشجر.
٣- ومنهم من اتخذه من الإنسان.
٤- ومنهم من اتخذه من الأجسام البسيطة؛ إما السفلية: كعبدة النار وهم المجوس، أو العلوية: كعبدة الشمس والقمر وسائر الكواكب هم نوع من الصابئة.
٥- ومنهم من قال بالاثنية: النور والظلمة وهم الثنوية.
٦- ومنهم من قال: الملائكة عبارة عن الأرواح الفلكية ولكل إقليم روح من الأرواح الفلكية يديره، وكذا لكل نوع من أنواع هذا العالم فيتخذون لتلك الأرواح صورا وتماثيل ويعبدونها وهم عبدة الملائكة.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٦٠، رسالة الغفران ص١٤٠.
[ ٤٧٤ ]
وقد كان صِنف من العرب يعبدون الملائكة وهم بخلاف الصابئة الذين يقدسون الملائكة ولا يعبدونها، ويزعمون أنها بنات الله فكانوا يعبدونها؛ لتشفع لهم إلى الله.
وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ١.
وقال أيضا: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم] .
ومنهم من قال: للعالم إلهان:
- أحدهما خير؛ وهو: الله.
- والآخر شر؛ وهو الشيطان.
وهؤلاء هم الذين يشير إليهم القرآن الكريم بقوله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢.
ونهاية القول أن ما كان عليه العرب من مظاهر الشرك المتعددة مختلف إلى حد بعيد، فمنهم من كان يتعمق في عبادته حتى يرى الله وراء حقيقة الوجود، فوجه إليهم القرآن الكريم هذه الأسئلة: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٣.
وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٤.
ومن الملاحظات العامة على المظاهر الدينية القديمة التي كانت في البابليين والمصريين القدماء والفرس وحتى اليونان أنها كانت مرتبطة بظواهر علوية، أو سفلية، ارتباط تأليه أو تقديس.
_________________
(١) ١ سورة النمل الآية ٦٧. ٢ سورة النمل آية ٥١. ٣ سورة المؤمنون: ٨٥-٨٩. ٤ سورة العنكبوت: ٦٣.
[ ٤٧٥ ]
الدهريون:
والدهرية هم الذين يقولون بإسناد الحوادث إلى الدهر واستقلال الدهر بالتأثير، والدهر عندهم: هو حركات الفلك، وأن العالم يدار بمقتضى تأثير هذ الحركات والعرب يقولون به ولا صانع سواه.
أما تعريف الدهر عند الإسلاميين: فهو مدة زمان الدنيا.
وعرفه بعضهم بأنه أمد مفعولات الله في الدنيا أو فعله لما قبل الموت.
يقول الألوسي: وزعم بعض من لا تحقيق لهم أن الدهر من أسماء الله، وهو غلط١ وأطلقه العرب بفتح الدال على الملحدين الذين ينكرون الله وتأثيره، أما إذا أرادوا منه الرجل المعمر فإنهم يقولون دُهري بضم الدال٢.
وعقيدة الدهرية ترجع أيضا إلى بعض مبادئ الصابئة فهي خمسة:
الرب، النفس، المادة، الدهر، الفضاء.
وجعل الشهرستاني الدهرية من المعطلة فقال: معطلة العرب أصناف: صنف منهم أنكر الخالق والبعث والإعادة وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني وهم الذين أخبر القرآن عنهم في قوله سبحانه: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ ٣ [المؤمنون: ٣٧] .
يقول الشهرستاني: إشارة إلى الطبائع المحسوسة في العالم السفلي وقصر الحياة والموت على تركبها وتحللها فالجامع هو الطبع والمهلك هو الدهر: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ٤ فاستدل عليهم بضرورات كرية وىيات فطرية في كثير من السور فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٤] .
وقال: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] .
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] .
_________________
(١) ١ روح المعاني جـ١ ص٦٩. ٢ لسان العرب لابن منظور. ٣ وانظر الملل والنحل "٢: ٢٤٦". ٤ سورة الجاثية آية ٢٤.
[ ٤٧٦ ]
فأثبت الدلالة الضرورية من الخلق على الخالق وأنه قادر على الكمال ابتداء وإعادة.
وروى صاحب الأغاني: يقول عدي بن زيد بلسان حال المقابر، يتضح منها أن لديهم أكثر من معنى للدهر:
من رآنا فليحدث نفسه إنه موفٍ على قرن زوال
وصروف الدهر لايبقى لها ولما تأتي به صم الجبال
رب ركب قد أناخوا عندنا وجياد الخيل تردي في الجلال
عمروا دهرا بعيش حسن آمنٌ دهرهم غير عجال
ثم أضحوا عصف الدهرُ بهم وكذاك الدهر يودي بالرجال
وكذاك الدهر يرمي بالفتى في طلاب العيش حالا بعد حال
جـ- الموحدون:
"وقد نقلت الصحراء أيضًا عدا التقاليد الوثنية تقاليد دين التوحيد، من أتباع الدينين الكبيرين اللذين كان مركزهما على مقربة من حدود الصحراء، فقد هاجر جماعات من اليهود إلى الجنوب ولعل ذلك كان من أيام تخريب الرومان لبيت المقدس وكونوا جاليات صغيرة على الطريق التجاري وفي واحدات الحجاز وكانوا يشتغلون بالزراعة خاصة، وقد أتوا إلى موطنهم الجديد بتقاليد قومهم الدينية والحضارية واتخذوا العربية لغة لهم١".
ولقد كان منهم الموحد المقر بخالقه المصدق للبعث موقنًا بأن الله يثيب المطيع ويعاقب العاصي مثل الذين تخنفوا والذين تهودوا والذين تنصروا.
وبعض القبائل لم تتغير فطرتهم ولا سيما "ربيعة" التي لازمت الحنيفية المشوبة بالأوثان، ومن الأشخاص مثل:
قس بن ساعدة.
وأمية بن أبي الصلت.
ولبيد بن ربيعة.
_________________
(١) ١ الحضارات السامية ص٢٠٧.
[ ٤٧٧ ]
يقول الشهرستاني:
ومن العرب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، وينتظر النبوة، وكانت لهم سنن وشرائع قد ذكرناها فيما تقدم.
فممن كان يعرف النور الظاهر، بالنسب الطاهر، ويعتقد الدين الحنيفي وينتظر المقدم النبوي زيد بن عمرو بن نفيل، وكان يسند ظهره إلى الكعبة ويقول: أيها الناس هلموا إليَّ؛ فإنه لم يبق على دين إبراهيم أحد غيري، وسمع "أمية بن أبي الصلت" يومًا ينشد:
كل دين يوم القيامة عند الـ ـله إلا دين الحنيفة زور
فقال له: صدقت: وقال زيد أيضا:
فلن تكون لنفس منك واقية يوم الحساب إذا ما يجمع البشر
ومن كان يعتقد التوحيد، ويؤمن بيوم الحساب "قس بن ساعدة الإيادي"، الذي قال في موعظه: كلا ورب الكعبة ليعودن ما باد، ولئن ذهب ليعودن يوما"، وقال أيضا: "كلا بل هو الله إله واحد، ليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدى، وإليه المآب غدا".
وأنشد في معنى الإعادة:
يا باكي الموت والأموات في جدث عليهمُ من بقايا بزهم خرقُ
دعهم فإن لهم يوما يصاح بهم كما ينبه من نوماته الصعق
حتى يجيئوا بحال غير حالهمُ خلق مضى ثم خلق بعد ذا خلقوا
منهم عراة ومنهم في ثيابهم منها الجديد ومنها الأزرق الخلقُ
ومنهم: عامر بن الظرب العدواني، وكان من شعراء العرب وخطبائهم، وله وصية طويلة يقول في آخرها: "إني ما رأيت شيئا قط خلق نفسه، ولا رأيت موضوعا إلا مصنوعا، ولا جاثيا إلا ذاهبا، ولو كان يميت الناس الداء لأحياهم الدواء"، ثم قال: "إني أرى أمورا شتى وحتى، قيل له: وما حتى؟ قال: حتى يرجع الميت حيا ويعود لا شيء شيئا، ولذلك خُلقت السموات والأرض، فتولوا عنه ذاهبين"، وقال: "ويل؛ إنها نصيحة ولو كان من يقبلها".
[ ٤٧٨ ]
وكان عامر قد حرم الخمر على نفسه فيمن حرمها، وقال فيها:
إن أشرب الخمر أشربها للذتها وإن أدعها فإني ماقت قالي
لولا اللذاذة والقينات لم أرها ولا رأتني إلا من مدى عالي
سآلة للفتى ما ليس في يده ذهابه بعقول القوم والمال
تورث القوم أضغاثا بلا إحن مزرية بالفتى ذي النجدة الحالي
أقسمت بالله أسقيها وأرويَها حتى يفرق ترب الأرض أوصالي١
وممن كان قد حرم الخمر في الجاهلية: قيس بن عاصم التميمي، وصفوان ابن أمية بن الحارث الكناني، وعفيف بن معد يكرب الكندي، وقالوا فيها أشعارا.
وقال غيره، وقد حرم الخمر والزنا على نفسه:
سلمت قومي بعد طول مضاضة والسلم أبقى في الأمور وأعرفُ
تركت شرب الراح وهي أثيرة والمومسات وترك ذلك أشرفُ
وعففت عنه يا أميم تكرمًا وكذاك يفعل ذو الحجا المتعففُ
وممن كان يؤمن بالخالق، وبخلق آدم ﵇: عبدٌ "لطابخة بن ثعلب بن وبرة" من قضاعة، وقال فيه:
وأدعوك يا ربي بما أنت أهله دعاء غريق قد تشبث بالعصمْ
لأنك أهل الحمد والخير كله وذو الطول لم تعجل بسخط ولم تلمْ
وأنت الذي لم يحيه الدهر ثانيًا ولم ير عبد منك في صالح وجمْ
وأنت القديم الأول الماجد الذي تبدَّأ خلق الناس في أكثم العدمْ
وأنت الذي أحللتني غيب ظلمة إلى ظلمة من صلب آدم في ظلمْ
_________________
(١) ١ الكلام على تقدير "ألا" بتشديد اللام، وتسكين ياء أسقيها ضرورة.
[ ٤٧٩ ]
ومن هؤلاء النابغة الذبياني، وقد آمن بيوم الحساب، فقال:
ووجهتهم ذات الإله ودينهم قويم فما يرجون غير العواقبِ
وأراد بذلك الجزاء بالأعمال.
ومن هؤلاء زهير بن أبي سلمى المزني، وكان يمر بالعضاه١، وقد أورقت بعد يبس فيقول: لولا أن تسبني العرب لآمنت أن الذي أحياك بعد يبس سيحيي العظام وهي رميم، ثم آمن بعد ذلك وقال في قصيدته التي أولها:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلمِ
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينقمِ
ومنهم علاف بن شهاب التيمي، كان يؤمن بالله تعالى وبيوم الحساب وفيه قال:
ولقد شهدت الخصم يوم رفاعة أخذت منه خطة المقتال
وعلمت أن الله جاز عبده يوم الحساب بأحسن الأعمال
وكان بعض العرب إذا حضره الموت يقول لولده: ادفنوا معي راحلتي حتى أحشر عليها فإن لم تفعلوا حشرت على رجلي. قال جريبة بن الأشيم الأسدي في الجاهلية وقد حضره الموت - يوصي ابنه سعدا:
يا سعد أما أهلكنَّ فإنني أوصيك إن أخا الوصاة الأقربُ
لا تتركنَّ أباك يعثر راجلا في الحشر يصرع لليدين وينكبُ
واحمل أباك على بعير صالح والغ المطية، إنه هو أصوبُ
ولعل لي مما تركت مطية في الحشر أركبها إذا قيل اركبوا
وقال عمرو بن زيد بن المتمني يوصي ابنه عند موته:
أبني زودني إذا فارقتني في القبر راحلة برحل قاتر٢
_________________
(١) ١ العضاهة بالكسر: أعظم الشجر، ذات الشوك جمعه عضاه بالكسر. ٢ يقال: رحل قاتر إذا كان قدر الإيموج فيعقر. اهـ أساس البلاغة "قتر".
[ ٤٨٠ ]
للبعث أركبها إذا قيل اظعنوا متساوقين معا لحشر الحاشر
من لا يوافيه على عيرانه فالخلق بين مدافع أو عاثر
وكانوا يربطون الناقة معكوسة الرأس إلى مؤخرها مما يلي ظهرها أو مما يلي كلها وبطنها ويأخذون وليه، فيشدون وسطها ويقلدونها عنق الناقة ويتركونها حتى تموت عند القبر ويسمون الناقة "بلية"، والخيط الذي تشد به "ولية"، وقال بعضهم يشبه رجلا في "بلية": كالبلايا في أعناقها الولايا.
وإذا تصفحنا الشعر الذي ذكره ابن هشام في سيرته عن حادثة الفيل وجيش أبرهة -لو تصفحناه جميعا وأردنا تحليله من ناحية عاطفتهم الدينية، ثم أردنا أن نصل إلى ظواهر دينهم العام لما ترددنا في الحكم عليهم بأنهم مؤمنون موحدون، لا يشوب إيمانهم شوائب الوثنية أو سذاجة الشرك فما رأينا في شعرهم اسما لوثن أو صنم.
فعندما تقرأ شعر عبد المطلب يطالعك قوله:
لاهُمَّ أن العبد يمنـ ـع رحله فامنع رحالكْ
وانصر على آل الصليـ ـب وعابديه اليوم آلكْ
لا يغلبنَّ صليبُهم ومَحالُهم أبدا مَحالَكْ
لاهم: أي يا الله
فقابل بين الله والصليب.
فهذا منه يعني إدراكًا موضوعيًّا حين قابل بينهما؛ أي بين الله والصليب، وأن الله حقيقة والصليب زائف.
كذلك شعر عبد الله بن الزبعرى:
فهو يذكره في شعره:
والله من فوق العباد يقيمها
فلم يذكر وثنا ولا صنما وهو العنيد في جداله مع الرسول.
وأمية بن أبي الصلت الذي يبدأ قصيدته بقوله:
إن آيات ربنا ثاقباتٍ لا يماري فيهن إلا الكفورُ
[ ٤٨١ ]
ثم ختمها بقوله:
كل دين يوم القيامة عند الـ ـله إلا دين الحنيفة زورُ
فالشعر الذي ساقه ابن هشام يذكرنا بأمرين؛ إما أنهم موحدون وإما أنه شعر منتحل.
ولعل مثل هذه الملاحظات جعلت بعض المستشرقين يزعم أن الرواة الإسلاميين هم الذين وضعوا لفظ الجلالة في شعر الجاهليين بدلا من كلمة اللات التي تتفق معها في الوزن.
يقول كارل فنيللينو: "بالغ الأب شيخو في كتابه المسمى بشعراء النصرانية من شعراء الجاهلية.
بالغ في ظنه هذا الرأي أي مبالغة كأنه زعم نصرانيا كل شاعر جاهلي ورد في شعره شيء مما يقرب من اعتقاده وحدانية الله أو من التأملات والاعتبارات الدينية فعد من النصارى امرؤ القيس والنابغة وطرفة".
يقول فنيللينو: لا شك عند كل منصف في إنهم من أصحاب الوثنية، أما المؤكد المثبت فإنما هو أن دين النصرانية ذاع في القرن السابق للهجرة في شمال جزيرة العرب فاعتنق بعض القبائل مثل بني تغلب، وقسم غير صغير من بني تميم فضلا عن أكثر المقمين بمملكة بني غسان وأكثر سكان مدينة الحيرة١.
فنيللينو: يرد على مبالغة شيخو قائلا: "أنه ربما تكون الأفكار التي تقترب من التوحيد نتيجة -تأملات وليست نتيجة النصرانية ولا سيما أن النصرانية -من الناحية التاريخية- تأخرت عن معاصرة هؤلاء الشعراء"٢.
ورأينا ما يؤيد فنيللينو في رواية مسلم عن عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر: يا ابن أخي صليت سنتين قبل مبعث النبي -ﷺ- قال: قلت: فأين كنت توجه؟
_________________
(١) ١ يراجع: رسالة الجاحظ في الرد على النصارى ضمن مجموعة رسائل الجاحظ تحقيق الأستاذ عبد السلام هارون وهي ملحقة بالكتاب أثبتناها؛ لنبين مدى انتشارها في الجزيرة العربية. ٢ تاريخ الآداب العربية وهي محاضراته التي ألقاها في الجامعة المصرية ١٩١٠-١٩١١ طبع دار المعارف.
[ ٤٨٢ ]
قال: حيث وجهني الله، يقول رسول الله: "غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها ١ الله".
فإن أبا ذر لم يبين أثر المسيحية أو اليهودية في توجهه إلى الله، وربما كان ذلك أثرا من الحنيفية ما زال موجودا بين العرب، وهذا ما نميل إليه، وعبادة الرسول قبل البعثة كانت على دين ابراهيم وكان يدفعهم إلى البحث عن اتجاهات عقلية تميل نحو البحث عن حقيقة الدين، ووجدنا مثل ذلك قد ظهر مع الحنفاء.
يقول الشيخ مصطفى عبد الرازق:٢ كل ذلك يدل على أن العرب عند ظهور الإسلام كانوا يتشبثون بأنواع من النظر العقلي.
ويقول: وكان يعد العرب للجدل الديني ويحفزهم إليه إما الدفاع عن أديانهم الموروثة ضد الأديان الدخيلة عليهم، وإما المهاجمة لهذه الأديان جميعا من أجل ما يلتسمون من الدين الحنيف دين إبراهيم".
"على أنه ينبغي ألا نبالغ في تصور من تنصروا من العرب قبل الإسلام، ونظن أنهم قاموا بتعاليم النصرانية قيامًا دقيقًا، فقد عرفوا الكنائس والبيع والرهبان والأساقفة والصوامع، ولكنهم ظلوا لا يتعمقون في هذا الدين الجديد، وظلوا يخلطونه بغير قليل من وثنيتهم وربما كان مما يوضح ذلك خير توضيح قول عدي بن زيد العبادي:
سعى الأعداء لا يألون شرا عليه ورب مكة والصليب
فهو يجمع بقسمه بين رب مكة ورب الصليب.
والحق أن نصارى العرب في الجاهلية إنما عرفوا ظاهرا من دينهم وقلما عرفوا حدوده، وقد سقطت إلى أشعارهم وأشعار الوثنيين أنفسهم كلمات ومصطلحات كثير منه ومن شخوصه وطقوسه فمنذ قول امرئ القيس:
يضيء سناه أو مصابيح راهب أهان السليط في الذبال المفتل
_________________
(١) ١ فتح الباري إسلام أبي ذر جـ٨. ٢ تمهيد في الفلسفة الإسلامية ص١١١.
[ ٤٨٣ ]
والشعراء يرددون ذكر الربان ومحاريب كنائسهم؛ يقول الأعشى:
كدمية صور محرابها بمذهبٍ في مرمر مائر
وطالما تحدثوا عن نواقيسهم وقراعهم في أواخر الليل.
يقول المرقش الأكبر في بعض شعره:
وتسمع تزقاء من البوم حولنا كما ضربت بعد الهدوء النواقس١
وفي ذلك ما يدل -ولا سيما قول الأعشى وهو وثني- على أنه كان لديهم بعض معارف عن المسيحية أدخلوها في قصائدهم في بعض وجوه التشبيه أيا كان نوع هذا التشبيه كقول المرقش في جمعه بين البوم والنواقيس، وذلك يبعدها عن مظهر التقديس، وخاصة أن البوم مما يتشاءم منه العرب.
وعلى أي حال يتضح أن معارفهم عن المسيحية تناهت إليهم فاسعملوا مصطلحاتها دون نظر إلى اتخاذها عقيدة كما هو واضح من أشعارهم.
وظهرت بوادر لمذهب الجبر والاختيار، يروي صاحب الأغاني٢ ما نصه:
قال لي يحيى بن متى راوية الأعشى وكان نصرانيا عباديا وكان معمرا قال:
- كان الأعشى قدريا.
- وكان لبيد مثبتا.
قال لبيد:
من هداه سبل الخير اهتدى ناعم البال ومن شاء أضل
وقال الأعشى:
استأثروا الله بالوفاء وبالـ ـفضل وولى الملامة الرجلا
قلت: فمن أين أخذ الأعشى مذهبه؟
_________________
(١) ١ العصر الجاهلي ص١٠٠-١٠١ دكتور شوقي ضيف دار المعارف.
[ ٤٨٤ ]
قال: من العباديين نصارى الحيرة كان يأتيهم يشتري منهم الخمر، فلقنوه ذلك.
كذلك كانت لهم وجهة نظر في تقسيم القوى الروحية فكان فيها الأرواح الخيرة، مثل الملائكة وكان فيها الأرواح الشريرة مثل الشياطين.
وكانت فكرتهم عن هذه الأرواح أنها تحل فيما حولهم من مظاهر الطبيعة.
كذلك كانت لهم دراية بتقسيم الشيء أو الأشياء: إلى شيء مقدس، وإلى شيء غير مقدس.
وقد أشار إلى ذلك القرآن فقال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ١٣٦. ٢، ٣، ٤ سورة الأنعام الآيات ٨-١٠.
[ ٤٨٥ ]
موقفهم من الرسالة:
ذهبت الصابئة والبراهمة ومعهم الوثنيون إلى القول باستحالة النبوات، فرأينا في العرب من مال منهم إلى مبادئ الصابئة فطعنوا في أصل النبوة وهم الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا أبعث الله بشرا رسولا؟
فإن الصابئة لا يجوزون أن يكون الوسيط بشريا إنما يجوزوه ملكا فرد الله عليهم بقوله:
﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ ١.
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ ٢.
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .
وهناك موقف اليهود والنصارى ومن تابعهم ممن يسلم بأصل النبوة غير أنهم طعنوا في نبوة محمد ﷺ.
والقرآن مملوء بالرد عليهم. وعلى طعنهم من وجوه:
_________________
(١) ١، ٢ سورة الأنعام الآيات ٨-١٠.
[ ٤٨٥ ]
تارة بالطعن في القرآن فأجاب الله بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] .
وتارة بالتماس سائر المعجزات كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] .
وتارة بأن هذا القرآن نزل منجما نجما نجما وذلك يوجب تطرق التهمة إليه فأجاب الله بقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَك﴾ [الفرقان: ٣٢] .
وهناك موقف من ينكر رسالة محمد على جهة العصبية القبلية حكى الله ذلك بقوله: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم﴾ [الزخرف: ٣١] .
وهناك موقف أهل عبادة الأوثان والدهريين الذين لا يعرفون جنة ولا نارا ولا قيامة ولا كتابا مثل الأوس والخزرج.
يقول الشهرستاني: وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة، وأنكروا الرسل، وعبدوا الأصنام، وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الدار الآخرة وحجوا إليها، ونحروا لها الهدايا وقربوا القرابين، وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر وأحلوا وحرموا، وهم الدهماء من العرب إلا شرذمة منهم نذكرهم وهم الذين أخبر عنهم التنزيل: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، فاستدل عليهم بأن المرسلين كلهم كانوا كذلك؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ، وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ ٢.
٣- قضايا الغيب:
ومن العرب من أقر بالخالق وأثبت حدوث العالم وأقر بالبعث والإعادة وأنكر الرسل وعكف على عبادة الأصنام.
_________________
(١) ١ سورة الفرقان آية ٢٠. ٢ سورة ص الآيات ٧٤.
[ ٤٨٦ ]
وهم الذين قال الله فيهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] .
قال المسعودي: وهذا الصنف هم الذين حجوا إلى الأصنام وقصدوها ونحروا لها البدن ونسكوا لها النساك وأحلوا لها وحرموا١.
يقول الشهرستاني: وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق والإبداع، وأنكروا البعث والإعادة وهم الذين أخبر عنهم القرآن: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ٢.
فاستدل عليهم بالنشأة الأولى إذ اعترفوا بالخلق الول. فقال ﷿: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٢، وقال: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ٤.
ومن العرب من يعتقد التناسخ فيقول: إذا مات الإنسان أو قتل اجتمع دم الدماغ وأجزاء بنيته وانتصب طيرا "هامة" فيرجع إلى رأس القبر كل مائة سنة وعلى هذا أنكر عليهم الرسول فقال:
"لا هامة ولا عدوى ولا صفر" ٥.
يقول الألوسي عند قوله تعالى: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾: إعادة الروح لبدن آخر بطريق التناسخ وهو اعتقاد كثير من عبدة الأصنام٦.
ويقول الشهرستاني: وشبهات العرب كانت مقصورة على هاتين الشبهتين:
إحداهما: إنكار البعث؛ بعث الأنام.
والثانية: جحد البعث؛ بعث الرسل.
فعلى الأولى قالوا: أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون؟
_________________
(١) ١ مروج الذهب: ١: ٢٥. ٢ سور يس آية ٧٨. ٣ سورة يس آية ٧٩. ٤ سورة يس آية ١٥. ٥ سورة الجاثية آية ٢٤، وانظر روح المعاني ٩: ٦٩. ٦ سورة الصافات الآيتان ١٦، ١٧.
[ ٤٨٧ ]
وعبروا عن ذلك في أشعارهم:
حياة ثم موت ثم نشر حديث خرافة يا أم عمرو
ولبعضهم مرثية في أهل بدر من المشركين يقول فيها:
فماذا يا قليب قليب بدر ترى ماذا تكلل بالسنام
يخبرنا الرسول بأن سنحيا وكيف حياة أصداء وهام
وأما الشبهة الثانية: فكان إنكارهم لبعث الرسول ﷺ في الصورة البشرية أشد وإصرارهم على ذلك أبلغ، وأخبر التنزيل عنهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ١، ﴿فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ ٢؟
فمن كان يعترف بالملائكة كان يريد أن يأتيه ملك من السماء، وقالوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَك﴾ ٣، ومن كان لا يعترف بهم كان يقول: الشفيع والوسيلة لنا إلى الله هي الأصنام المنصوبة أما الأمر والشريعة من الله إلينا فهو المنكر.
لاحظنا مما سبق تدرجا في مستويات القربى الروحية أو القوى المعبودة المؤلهة لدى عرب الجاهلية فرأينا قوى روحية عليا معبودة مثل الملائكة واختلطت صور بعضها الملائكة ببعض مثل بشرية أو أخضعوها لتصوراتهم البشرية.
فقالوا عنها: إنها بنات الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ ٤.
ووجدت قوى روحية سفلى في بني مليح من خزاعة وهم رهط طلحة الطلحات يعبدون٥ الجن والشياطين وأنهم كانوا يستخدمونها في كتابتهم، ولهم معها أساطير واتخذوا أيضا منها شركاء لله. قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء: ٩٤. ٢ سورة التغابن: ٦. ٣ سورة الأنعام: ٨. ٤ سورة الزخر: ١٩. ٥ تشككها في رمي الجن. قال ابن إسحاق: إنه حدث أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم -حين رمى عليا- هذا الحي من ثقيف وأنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له: عمرو بن أمية. ٦ سورة الأنعام: ١٠٠.
[ ٤٨٨ ]
ولهم أيضًا بجانب ذلك اتجاهات وثنية لا تنفك عن سذاجة الفطرة، كعبادة المحسوسات من شجر وحجر وغير ذلك، ورأينا فيهم على جاهليتهم وثنيهم أنهم يعرفون لفظ الجلالة "الله".
وتدلنا الروايات التاريخية: أنهم وجدوه في الكعبة منذ أن بناها إبراهيم ومعه إسماعيل، وكانت قريش تعتبره هو المعبود الحقيقي، ومظاهرها الوثنية كانت زلفى إليه.
ورأينا فيهم: من يتكلم عن الدهر كقوة عظمى تعلو فوق التصور الإنساني، وعبدوا النيران من شمس وقمر إلخ.
ومع كل هذا لا يوجد في العرب طبقة دينية تختص بأمور الدين، وليس في بلاد العرب، ولا سيما في منطقة الحجاز ونجد طبقة إكليريكية خاصة، ولكن يقوم مقامها طائفة العرافين والزاجرين والقائفين والسدنة، ولم يكن لهذه الطائفة ما يميزهما أو يرفعهما عن سائر الناس فلا مسحة خاصة بها، ولا رتبة ولا فرقة في أساليب المعيشة بينهم وبين أبناء قبيلتهم لهم ما لها وعليهم ما عليها.
القضاء والقدر:
ونرى حاتم الطائي: وهو من النصارى على رأى مؤمنا بالقضاء والقدر، وبما يأمر به الله تعالى.
ونجد المثقب العبدي: مؤمنا بالله تعالى وبالقدر. فما يقع للإنسان يكون بمشيئة الإله وقدره١.
كذلك: نجد هذه العقيدة -عقيدة القدر في شعر "زهير بن أبي سلمى" وفي شعر غيره من الشعراء. هذا زهير يقول: إن المنايا أمر لا مفر منه، وإن من جاءت منيته لابد أن يموت راو حاول الارتقاء إلى السماء فرارا منه؛ ثم يقول:
وجدت المنايا خبط عشواء من نصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم
ومن القائلين بالقدر: عبيد بن الأبرص الشاعر الجاهلي الشهير ونجد: عمرو ابن كلثوم- في جملة من آمن بالقضاء والقدر. وتؤدي: لفظة "منا": معنى القدر؛
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص١٤٨، المعارف ص٦٢١، المجد ص١٦١.
[ ٤٨٩ ]
ومنها: "الماني" بمعنى القادر والمنية بمعنى الموت؛ لأن الموت مقدر بوقت مخصوص، وهي من الكلمات السامية المشتركة الواردة في مختلف لهجات هذه المجموعة، ولهذه الكلمة: صلة باسم الإله الكنعاني "منى": وهو إله القدر ولها أيضا: صلة بالصنم "منوات" من أصنام ثمود. و"مناة" من أصنام الجاهليين١.
وتؤدي كلمة "المنون" معنى الدهر والموت؛ وقد تسبق بكلمة ريب في بعض الأحيان فيقال: ريب المنون؛ ما يقال: ريب الدهر.
ويرى نولدكه: إن هذه الكلمات هي أسماء آلهة، وليست أسماء أعلام، هي أسماء تعبر عن معانٍ مجردة للألوهية، وهي مما استخدم في لغة الشعر للتعبير عن هذه العقائد الدينية، فالزمان مثلا أو الدهر لا يعنيان على رأيه هذا إلها معينا، ولا صنما خاصا؛ إنما هي تعبير عن فعل الآلهة في الإنسان.
وبعض هذه الكلمات في رأي: "ولهوزن" مثل: "قضاء ومنية" هي بقايا جمل اختصرت ولم يبق منها غير بقايا هذه الكلمات. فكلمة قضاء هي بقية جملة أصلها: قضاء الله؛ سقطت منها الكلمة الأخيرة، وبقيت الأولى، وكذلك الحال في منية فإنها: بقية جملة هي: "منية الله" سقط عجزها وبقى صدرا، وهي تعني أن المنيةهي منية "الله" تصيب الإنسان٢.
يبدو أن: من الغريب ذكر الدهر والزمان والحمام والمنايا، وأمثالا في الشعر، ونسبة الفعل إليها، بينما يهمل ذكر الأصنام فيه، أو نسبة الفعل إلى "الله" تعالى.
فهل يعني هذا أن الجاهليين لم يكونوا يعلمون أن "لله" سلطانا وحولا، وأن المنايا، والحتوف وكل خير أو مكروه هو من فعل "الله تعالى"؟
الواقع: أن هذا الذي نذكر يذهب إليه أهل الجاهلية، ولم يقصدوه، وما ذكر الدهر في الشعر إلا: كتشكي الناس من الزمان أو من الحظ أو النصيب في هذه الأيام، وشكواهم من ذلك لا يعني تحديد سلطان "الله" تعالى أو نكرانه؛ وإنما هو بقية من تصور إنساني قديم بنسبة كل فعل وعمل إلى قوة خفية هي القوة العاملة،
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص١٥٥، ص١٥٦، ١٥٧. ٢ السابق جـ٦ ص١٥٨.
[ ٤٩٠ ]
وهي ما عبرت عنها بالدهر وبالزمان؛ وذلك لما يتصورونه من مرور الأيام والسنين، وبلاء الإنسان فيه، وبقاء الأرض والكون، ومثل هذه النسبة والشكوى عامة عند جميع الشعوب البدائية والمتطورة المتقدمة، فنراها عند القبائل البدائية، ونراها عند الغربيين١.
وقد ذكر علماء التفسير: أن قريشا خاصموا الرسول في القدر، وأن رجلا جاء إلى الرسول ﷺ فقال: يا رسول الله ففيم العمل؟ أفي شيء نستأنف، أو في شيء قد فرغ مه؟ فقال رسول الله: "اعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له". ويظهر من ذلك: أن قريشا -أو جمعا منهم- لم يكونوا يؤمنون بالقدر، بل كانوا يؤمنون بأن فعل الإنسان منه، وأن لا لأحد من سلطان في تصرفه وفعله٢.
القدرية:
وقد ذكر: أن الشاعر الأعشى كان قدريا، يرى أن للإنسان دخلا في فعله، وأن له سلطانا على نفسه؛ حيث يقول:
استأثر الله بالوفاء وبالـ ـعدل وولى الملامة الرجلا
فالإنسان مسئول عن فعله، ملام على ما يرتكبه من قبيح.
فالله تعالى عادل لا يجازي الإنسان إلى على فعله، ولو كان قد قدر كل شيء له وحتمه عليه كان ظالما.
وقد أخذ الأعشى رأيه ذا: من قبل العباديين، نصارى الحيرة كان يأتيهم يشتري منهم الخمر فلقنوه ذلك٣.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص١٢٨. ٢ السابق جـ٦ ص١٦٠، تفسير الطبري ٢٧/ ٦٤. ٣ السابق جزءا وصفحة.
[ ٤٩١ ]
التأله والقرابين:
ينقل "البيروني"١: عن جالينوس من كتابه الحث على تعلم الصناعات قوله: ذوو الفضل من الناس إنما استأهلوا ما نالوه من الكرامة حتى لحقوا بالمتألهين بسبب جودة معالجتهم للصناعات لا بالإحصاء والمصارعة ورمي الكرة.
_________________
(١) ١ وللهند من مقوله ص٥٠.
[ ٤٩١ ]
ولقد بنى جالينوس فكرته: على أن الأنفس والأرواح قائمة بذاتها قبل التجسد بالأبدان، والاقتدار على تصاريف العالم، ولذلك سموها "آلهة"، وكانوا أي اليونانيين يسمون الماهر بصناعة الطب: رجل إلهي.
وقال يحيى النحوي في رده على "أبروقلس": كان اليونانيون يوقعون اسم لآلة على الأجسام المحسوسة في السماء، كما عليه كثير من العجم؛ ثم لما تفكروا في الجواهر المعقولة أوقعوا هذا الاسم عليها.
فباضطرار يعلم أن معنى التأله راجع إلى ما يذهب إليه في الملائكة.
يعلق البيروني على ذلك فيقول: ولكن من الألفاظ ما يسمح به في دين دون دين، وتسمح به لغة وتأباه أخرى، ومنها لفظة: "التأله" في دين الإسلام؛ فإنا إذا اعتبرناها في لغة العرب وجدنا جميع الأسامي التي سمى بها الحق المحض متجهة على غيره بوجه ما سوى اسم "الله" فإنه يختص به اختصاصا قيل له إنه اسمه الأعظم.
وإذا تأملناه في العبرية والسريانية اللتين نزلت بهما الكتب المنزلة قبل القرآن وجدنا: "الرب" في التوراة وما بعدها من كتب الأنبياء المعدودة في جملتها موازيا "لله" في العربي غير منطلق على أحد بإضافة كرب البيت، ورب المال ووجدنا الإله فيها موازيا للرب في العربي، فقد ذكر فيها: أن بني ألوهيم نزلوا إلى بنات الناس قبل الطوفان وخالطوهن.
وذكر في كتاب أيوب الصديق: إن الشيطان دخل مع بني ألوهيم إلى مجمعهم وفي توراة موسى: قول الرب: إني جعلتك إلها لفرعون، وفي المزمور الثاني والثمانين من زبور داود: إن الله قام في جماعة الآلهة يعني الملائكة، وسمى في التوراة الأصنام "آلهة غرباء".
يقول البيروني: والأمم الذين كانوا حول أرض فلسطين هم الذين كانوا على دين اليونانيين في عبادة الأصنام، ولم تزل بنو إسرائيل كانوا يعصون "الله" بعبادة صنم "بعلا" وصنم: "استروث" الذي للزهرة. فالتأله على وجه التملك عند أولئك كان يتجه على الملائكة وعلى الأنفس١.
_________________
(١) ١ نفس المرجع السابق ص٥٠.
[ ٤٩٢ ]
لقد كانت ديانات الجاهليين ذات حدود ضيقة، آلهتها آلهة محلية، فالإله إما إله قبيلة، وإما إله موضع. وطبيعي أن تكون صلة الإنسان بإلهه متأثرة بدرجة تفكير ذلك الإنسان وبالشكل العام للمجتمع. والإله في نظرهم هو حامي القبيلة وحامي الموضع وهو المدافع عنها وعنه في أيام السلم وفي أيام الحرب ما دام الشعب مطيعا له منفذا لأوامره وأحكامه وللشعائر المرسومة التي يعرفها ويقررها ويقوم بتنفيذها رجال الدين.
ومن أهم ما تقرب به الإنسان إلى آلهته: النذور والقرابين والمنح أي الصدقات والعطايا؛ وتدخل الذبائح في باب النذور كذلك١.
ويمكن تقسيم ما تقدم به الجاهليون إلى أربابهم إلى قسمين:
الأول: قسم إجباري يجب الوفاء به بسبب نذر مثلا.
الثاني: قسم تطوعي أي اختياري مثل المنح.
وأدخل في القسم الأول ما يقال له: "خطت، خطات، خطأة".
أي الخطيئة، ويراد بها تقديم فدية عن عمل مخالف قام به إنسان مثل تقديم ذبيحة بسبب دخول إنسان نجس في المعبد٢.
وتلعب النذورة دورا خطيرا في الحياة الدينية عند الجاهليين، حتى صارت عندهم بمثابة المظهر الأول والوحيد، فالعامة لا تكاد تفهم من الدين إلا تقديم النذور للآلهة؛ لتجيب لها طلباتها وتنعم عليها بنعمائها.
والنذور هي وعد على شروط يتوسل الناذر إلى آلهته بأنها إن أجابت طلبا بعينه وحققت مطلبا نواه فعليه كذا نذر يعينه ويذكره.
فهنا عقد ووعد بين طرفين في مقابل تنفيذ شرط أو شروط أحد طرفيه السائل صاحب النذر؛ أما الطرف الثاني فهو الإله أو الآلهة.
وأما الشرط: فهو تنفيذ المطالب التي يريدها الناذر، وأما النذر: فهو أشياء مختلفة؛ وقد تكون ذبيحة، وقد تكون جملة ذبائح، وقد تكون نقودًا، وقد تكون فاكهة وقد تكون أرضًا، وقد تكون تمثالا، وقد تكون حبسا لإنسان يهب نفسه أو
_________________
(١) ١ نفس المرجع السابق ص٥٠. ٢ تاج العروس جـ١ ص٤٧.
[ ٤٩٣ ]
مملوكه أو ابنه لإلهه، وقد يوهب ما في بطن المرأة، أو ما في بطن الحيوان، وهكذا نجد: مادة النذر كثيرة مختلفة متبانية بتباين النذر والأشخاص١.
ومن هذه النذور: "الربيط" فقد كان الجاهليون ينذرون أنهم إذا عاش لهم مولود جعلوه خادما للبيت أي لبيت الصنم، ومن هنا لقب "الغوث بن مر" بالربيط؛ لأن أمه كانت لا يعيش لا ولد، فنذرت لئن عاش هذا لتربطن برأسه صوفة ولتجعله ربيط الكعبة، فعاش ففعلت وجعلته خادما للبيت، حتى بلغ الحلم فنزعته فلقب الربيط٢.
وقد أشار المفسرون، وأصحاب الحديث والأخبار إلى نذور كانت معروفة في الجاهلية فمنعها الإسلام، وفي بعضها نوع من التحايل والتلاعب؛ حيث كانوا يتصرفون بحسب أهوائهم، وشهواتهم ومنافعهم وقت استحقاق النذر، ومن ذلك: ما أشير إليه في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ إلخ الآية سورة الأنعام آية ١٣٦.
وقد ذكر المفسرون: أن من الجاهليين من كان يزرع "لله" زرعا وللأصنام زرعا، فكان إذا زكا الزرع الذي زرعوه "لله" ولم يزك الزرع الذي زرعوه للأصنام، جعلوا بعضه للأصنام وصرفوه عليها، ويقولون: إن "الله" غني والأصنام أحوج، وإن زكا الزرع الذي زرعوه للأصنام ولم يزك الذي زرعوه "لله" لم يجعلوا منه شيئا "لله"؛ وقالوا: هو غني، وكانوا يقسمون الغنم فيجعلون بعضه "لله" وبعضه للأصنام؛ فما كان "لله" أطعموه الضيفان، وما كان للصنم أنفقوه على الصنم؛ كانوا إذا اختلط ما جعل للأصنام بما جعل "لله" تعالى ردوه، وإذا اختلط ما جعل "لله" بما جعل لأصنام تركوه وقالوا: الله أغنى، وإذا هلك ما جعل للأصنام بدلوه مما جعل "لله"، وإذا هلك ما جعل "لله" لم يبدلوه بما جعل للأصنام.
وقد كان الجاهليون: يعظمون البيت بالدم، ويتقربون إلى أصنامهم بالذبائح يرون أن تعظيم البيت أو الصنم لا يكون إلا بالذبح وإن الذبائح من تقوى القلوب،
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص١٨٩، ص١٩٠. ٢ المفصل جـ٦ ص١٩١.
[ ٤٩٤ ]
والذبح هو الشعار الدال على الإخلاص في الدين عندهم، وعلامة التعظيم؛ وقال المسلمون: يا رسول الله كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم فنحن أحق أن نعظمه. وكلمة قربان وجمعها قرابين، هي من أصل "ق ر ب" وقد استعملت وخصصت بهذا المعنى؛ لأنها تقرب إلى الآلهة، والقربان هو كل ما يتقرب به إلى "الله". فليس القربان خاصا بالذبائح، وإن صار ذلك مدلوله في الغالب١.
ومن القرابين ما يقدم في أوقات معينة موقتة، ومنها ما ليس له وقت محدد ثابت، بل يقدم في كل وقت، ومن أمثلة النوع الأول: ما يقدم في الأعياد أو في المواسم أو في الأشهر أو في أوقات معينة من اليوم وفي ساعات العبادات.
ومن أمثلة النوع الثاني: ما يقدم عند ميلاد مولود، أو إنشاء بناء أو القيام بحملة عسكرية أو لنصر وما شابه ذلك من أحوال٢.
الترجيب:
وشهر رجب هو من الأشهر الحرم، التي لم يكن يحل فيها القتال، وقد سمي الذبح في هذا الشهر بـ "الترجيب"؛ وقيل للذبائح التي تقدم فيه "العتائر" جمع عتيرة؛ وقد عدت العتائر من شعائر الجاهلية، وأطلق بعض علماء اللغة: كلمة العتائر على ذبح الحيوانات الأليفة، وأطلق لفظة "النافرة" على ذبح الحيوانات الوحشية، وفي الحديث: "هل تدرون ما العتيرة؟ "
وهي التي يسمونها الرجيبة؛ كانوا يذبحون في شهر رجب ذبيحة وينسبونها إليه، يقال: هذه أيام ترجيب، وتعتار.
وكانت العرب: ترجب، وكان ذلك لهم نسكا.
وكان بعض السادة: ينحرون إذا أهل الشهر الأصم: شهر رجب؛ روي أن حاتما الطائي كان ينحر إذا أهل الشهر -ينحر عشرا من الإبل، ويطعم الناس لحومها؛ وذلك لحرمته ومنزلته عنده، ولتعظيم مضر، فهو من شهور مضر الخاصة.
وأصل النسك: الدم، وبهذا المعنى ورد: من فعل كذا وكذا فعليه نسك: أي دم يهريقه.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص١٩٦. ٢ السابق جـ٦ ص١٩٧.
[ ٤٩٥ ]
والنسيكة: الذبيحة، ومنسك: الموضع الذي تذبح فيه النسيكة وهذا هو المعنى القديم الأصلي للكلمة.
وقد صار من معانيها في العربية الشمالية: العبادة والطاعة وكل ما يتقرب به إلى الله تعالى؛ لما كان للذبح من شأن في الديانات القديمة بحيث كان يعد عبادة أساسية عندها؛ ولذلك قيل: لمن انصرف إلى التعبد الناسك، وقد فسر علماء التفسير لفظة نسك الواردة في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ بذبح ذبيحة شاة أو ما فوق ذلك١.
وقد أبطل الإسلام "الرجيبة" وهي العتيرة كما أبطل "الفرع"؛ وهو: ذبح أول نتاج الإبل والغنم لأصنامهم؛ فكانوا يأكلونه ويلقون جلده على الشجر.
ويذكر: أنهم كانوا إذا أرادوا ذبح "الفرع" زينوه، وألبسوه؛ ليكون ذلك أوكد في نفوس الآلهة، وتعريفًا للناس؛ وكانوا يفعلون ذلك تبركا؛ وفي الحديث: "لا فرع ولا عتيرة"، والعتائر: الذبائح التي كانوا يذبحونها عند أصنامهم وأنصابهم في رجب وفي غير رجب، والتي كانوا يلطخون بدمائها الصنم الذي كانوا يعترون له.
وأما الرجيبة: فهي العتائر التي تعتر في رجب خاصة، وقد كانت كثيرة، ولذلك نسبت إلى هذا الشهر، ونظرا إلى كون "الرجبية" عتيرة ذهب البعض إلى أن "العتيرة" الرجبية، فطن أنهم قصدوا بذلك أن "العتيرة" هي "الرجيبة"، مع أن "الرجيبة" من العتائر، وليست مساوية لها٢.
ولم تكن للجاهليين أحكام في الحلال الحرام بالنسبة إلى المأكول على ما يظهر، بل كان مرجع الحرمة والإباحة عندهم إلى عرف القبائل.
وذكر: أن أناسا من المشركين دخلوا على رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال: "الله قتلها"؛ قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتله الله حرام؟
وذكر أن فارس أوحت إلى أوليائها من مشركي قريش: أن خاصموا محمدا، وقولوا له: إن ما ذبحت فهو حلال، وما ذبح الله بشمشار من ذهب فهو حرام؟ فوقع
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٢٠٠، ص٢٠١ تفسير الطبري جـ٢. ص١٣٤ وما بعدها. ٢ بلوغ الأرب جـ٣ ص٤٠ وما بعدها.
[ ٤٩٦ ]
في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء فقد كانت قريش تأكل كل شيء من ميتة ومختنقة ومن نطيحة، وما أكل السبع، وما أهل به للصنم.
فنزل تحريم ذلك في الإسلام١.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٢٢٣، ص٢٢٤، تفسير الطبري جـ٨ ص١٢ وما بعدها.
[ ٤٩٧ ]
المقدس وغير المقدس:
قد تعرض اليعقوبي لموضوع أديان العرب، وشعائرها فقال: كانت أديان العرب مختلفة بالمجاورات لأهل الملل، والانتقال إلى البلدان والانتجاعات؛ فكانت قريش وعامة ولد معد بن عدنان على بعض دين إبراهيم، يحجون البيت ويقيمون المناسك، ويقرون الضيف، ويعظمون الأشهر الحرم، وينكرون الفواحش، والتقاطع، والتظالم، ويعاقبون على الجرائم، فأدخل في الدين أمورًا نعدها اليوم من الأعراف وقواعد الأخلاق والسلوك وجعلها من سنة إبراهيم: أي دين العرب القديم قبل إفساده بالتعبد للأصنام.
وذكر "السكري" أن العرب كانت دون من سواها من الأمم تصنع عشرة أشياء منها في الرأس خمسة وهي: "المضمضة، والاستنشاق، والسواك، والفرق، وقص الشارب".
وفي الجسد خمسة وهي: الختان، وحلق العانة، ونتف الإبطين وتقليم الأظافر والاستنجاء".
خصت بهذا العرب دون الأمم١.
الحيوانات المقدسة:
ومن النذور والقرابين ما يكون حيوانات حية.
وقد أشير في القرآن الكريم: إلى البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَة﴾ إلخ٢.
فأما البحيرة:
فالناقة، أو الشاة تترك فلا ينتفع من لبنها، ولا تحمل، ولا تركب وترعى، وترد الماء فلا تُرَدُّ؛ فإذا ماتت حرموا لحمها على النساء، وأباحوه على الرجال، ذلك بعد أن تنتج خمسة أبطن أو عشرة أو ما بين ذلك.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٣٤٥، ص٣٤٦، المحبر ص٣٢٩. ٢ سورة المائدة آية ١٠٣، وانظر المفصل جـ٦ ص٢٠٣.
[ ٤٩٧ ]
وقيل أيضا: الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن نظروا في البطن الخامس، فإذا كان ذكرا نحروه فأكله الرجال والنساء جميعا، وإن كانت أنثى شقوا أذنها فتلك "البحيرة".
وقيل "البحيرة": هي التي يمنع درها للطواغيت، فلا يحتلبها أحد من الناس.
وقال بعض العلماء: "البحيرة" هي ابنة السائبة١.
وورد في الأخبار: أن أول من بحر البحائر، رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان فجدع آذانهما وحرم ألبانهما، وظهورهما، وقال: هاتان "لله"؛ ثم احتاج إليهما، فشرب ألبانهما وركب ظهورهما.
كما نسب التبحير: إلى "عمرو بن لحي"؛ إذ قيل إنه كان أول من بحر البحيرة٢.
السائبة:
أما السائبة فهي: الناقة، أو البعير، أو الدابة تترك لنذر، أو بعد بلوغ نتاجها حدا معلوما. فلا تركب، ولا يحمل عليها، ولا تمنع من ماء وكلأ، وتترك سائبة لا يحل لأحد كائنا من كان مخالفة ذلك.
وكان الرجل في الجاهلية: إذا قدم من سفر بعيد، أو برئ من علة قال: ناقتي سائبة؛ أي: تسيب فلا ينتفع بظهرها، ولا تركب، وأغير على رجل من العرب فلم يجد دابة يركبها؛ فركب سائبة فقيل: أتركب حراما؟ فقال: يركب الحرام من لا حلال له، فذهبت مثلا، ويذكر أهل الأخبار: إن أول من سيب السوائب؛ عمرو بن عامر الخزاعي؛ أي عمرو بن لحي أخو بني كعب، وهو أول من غيَّر دين إبراهيم٣.
الوصيلة:
أما الوصيلة: فالناقة التي وصلت بين عشرة أبطن، أو الشاة التي وصلت سبعة أبطن.
وفي رواية: إن الشاة إذا ولدت ستة أبطن نظروا: فإن كان السابع ذكرا ذبح، وأكل منه الرجال، والنساء.
_________________
(١) ١ تاج العروس مادة بحر ٣/ ٢٨. ٢ المفصل جـ٦ ص٢٠٥، الطبري ص٥٩. ٣ المفصل جـ٦ ص٢٠٦ الكشاف جـ١ ص٣٦٨.
[ ٤٩٨ ]
وإن كان أنثى تركت في الغنم.
وإن كان ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، ولم يذبح، وكان لحمه حرامًا على النساء.
وفي رواية: إن لبن الوصيلة حلال على الرجال دون النساء، قالوا: الوصيلة: الشاة إذا أتمت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن، ليس بينهن ذكر، فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون الإناث، إلا أن يموت شيء منها فيشترك في أكله ذكورهم وإناثهم١.
الحام:
وأما "الحام": فالبعير إذا نتج عشرة أبطن من صلبه.
قالوا: قد حمى ظهره؛ فلا يركب، ولا يحمل عليه، ولا يمنع من مرعى.
وقالوا: "الحام" من الإبل؛ كان الفحل إذا انقضى ضرابه جعلوا عليه من ريش الطواويس وسيبوه.
وقالوا: "بل الحام" إن الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهم أنثى حمى ظهره، ولم يركب، ولم يجز وبره، ويخلى في إبله يضرب فيها، لا ينتفع به بغير ذلك.
وذكروا: أن أول من حمى الحامي: هو عمرو بن لحي، وذلك في سنن أخرى سنها لأهل الجاهلية٢.
السدنة:
"السدنة" قومه لأصنام، متولو أمرها.
و"السدانة" تنتقل بالإرث من الآباء إلى أكابر الأبناء، وتحصر في الأسرة فتكون من حقها، ومن نصيبها، لا يمكن انتزاعها منها إلا بالقوة.
ومن واجب العشيرة التي تنتمي هذه الأسرة إليها الدفاع عنها إن حاول غريب انتزاع هذا الشرف منها.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٢٠٦، الكشاف جـ١٢ ص٣٦٨. ٢ المفصل جـ٦ ص٢٠٦، تاج العروس جـ٨ ص١٥٥، الكشاف جـ١ ص٣٦٨.
[ ٤٩٩ ]
لقد كانت سدانة الكعبة: في بني عبد الدار، وكانت حجابة "ود" في دومة الجندل إلى بني عامر بن الأحوص من كلب، وكانت سدنة "العزى" من بني صرمة بن مرة.
وكانت سدنة "جهار" من آل عوف من بني نضر.
وكان سدنة "سواع" بنو صاهلة من هذيل.
وكان سدنة بيت الربة؛ أي الشمس من بني أوس بن مخاش.
وكان سدنة "مناة" الغطاريف، وسدنة "ذو الخلصة" بنو هلال بن عامر، وسدنة "المحرق" آل الأسود.
ولا بد من إدخال: النسأة في رجال الدين، فقد كان الناسئ هو الذي ينسئ النسيء؛ يعين موسم الحج ويثبته للناس.
فهو -إذن- فقيه القوم، وعالمهم ومفتيهم في أمر الحج.
وقد أشار السكري إلى أئمة العرب، فذكر أنهم الذي تولوا أمر المواسم، وأمر القضاء بعكاظ، والذين كانوا سدنتهم على دينهم وأمناءهم على قبيلتهم؛ وكانوا من قريش، والذين تولوا الإفتاء في دينهم؛ وهم من بني مالك بن كنانة.
ولما تحدث عن النسأة قال: نسأة الشهور من كنانة، وهم القلامسة، واحدهم قلمس، وكانوا فقهاء العرب، والمفتين لهم في دينهم١.
ومن الصعب تصور وجود طبقة خاصة كبيرة لرجال الدين على نحو ما كان عند المصريين مثلا أو الأشوريين أو البابليين، أو اليونان أو الرومان، أو في الكنيسة؛ بسبب النظام القبلي الذي كان غالبًا على جزيرة العرب، وصغر المجتمعات الحضرية؟ فالأصنام هي أصنام محلية، أصنام قبيلة، لذلك كان عبدتها هم عبدة القبيلة أو القبائل المتعبدة لها٢.
شعائرهم الدينية:
ذكر اليعقوبي: أن العرب كانت إذا أرادت حج البيت الحرام وقفت كل قبيلة عند صنمها وصلوا عنده ثم تلبوا.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٢١٣، ص٢١٤، ص٢١٥، ص٢١٦. ٢ المفصل جـ٦ ص٢٢٠.
[ ٥٠٠ ]
وقد أشير إلى سجود الناس للشمس والقمر في القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَار﴾ ١ إلخ الآية.
كما أشير إلى سجود أهل سبأ إلى الشمس في قوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ ٢ إلخ الآية.
الصوم:
قد ذكر الصوم في السور المدنية، أما في السور المكية فقد ذكر مرة واحدة في سورة مريم في قوله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ ٣ الآية.
وقد حددت السور المدنية أصول الصيام في الإسلام.
والصوم المعروف عند اليهود، والنصارى: معروف عند أهل الجاهلية الذين كان لهم اتصال واحتكاك بأهل الكتاب؛ فقد كان أهل يثرب مثلا على علم بصوم اليهود؛ بسبب وجودهم بينهم.
وكان عرب العراق، وبلاد الشام على علم بصوم النصارى؛ بسبب وجود قبائل عربية متنصرة بينهم.
وكان أهل مكة، ولا سيما الأحناف منهم، والتجار على معرفة بصيام أهل الكتاب والرهبان المتمثل في السكوت والتأمل والجلوس في خلوة للتفكير في ملكوت السماوات والأرض.
ويظهر من أخبار أهل الأخبار أن من الجاهليين من اقتدى بهم، وسلك مسلكهم. فكان يصوم صوم السكوت والتأمل والامتناع عن الكلام، والانزواء في غار حراء وفي شعاب جبال مكة.
_________________
(١) ١ سورة فصلت آية ٣٧ وما بعدها. ٢ سورة النمل آية ٢٤. ٣ سورة مريم آية ٢٦.
[ ٥٠١ ]
وذكر بعضهم: كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية اقتداء بشرع سابق، وكان النبي -ﷺ- يصومه في الجاهلية فلما قدم المدينة صامه على عادته وأمر أصحابه بصيامه في أول السنة الثانية؛ فلما نزل رمضان: كان من شاء صام يوم عاشوراء، ومن شاء لا يصومه، وعللوا سبب صيام قريش هذا اليوم: أنه كان أصابهم قحط؛ ثم رفع عنهم فصاموه شكرًا١.
ورواية: أن قريشا كانت تصوم في يوم عاشوراء لا تتفق مع الروايات الأخرى في كيفية فرض صيام شهر رمضان.
ففي هذه الرواية: أن النبي ﷺ حين قدم المدينة رأى يهود تصوم يوم عاشوراء، فسألهم فأخبروه أنه اليوم الذي غرق "الله" فيه في آل فرعون، ونجي موسى ومن معه منهم؛ فقال: نحن أحق بموسى منهم فصامه، وأمر الناس بصومه؛ فلما فرض صوم شهر رمضان لم يأمرهم بصوم يوم عاشوراء، ولم ينههم عنه٢.
التحنث:
كان رسول الله ﷺ يجاور في حراء من كل سنة شهرا وكان مما تحنث به قريش في الجاهلية.
والتحنث: التبرر فكان رسول الله يجاور ذلك الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى رسول الله جوارا من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعة، ثم يرجع إلى بيته.
وذكر: أن ذلك الشهر هو شهر رمضان.
وكانوا إذا تقربوا إلى صنم، أو دعوا ربهم، أو أدوا مناسك حجهم فلا يسألون ربهم إلا متاع الدنيا؛ فمن الناس من يقول: ربنا آتنا في الدنيا، هب لنا غنما، هب لنا إبلا، وفي هؤلاء نزل قوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ إلخ الآية٣.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٣٣٩. ٢ السابق جـ٦ ص٣٤٠، الطبري جـ٢ ص٢٦٥. ٣ سورة البقرة آية ٢٠٠.
[ ٥٠٢ ]
بيوت العبادة:
المعبد:
هو المحور الأساسي الذي تتركز حوله الحياة في المدينة اعتقادا في أن المعبد هو بيت الإله المعبود، وهو مالك الأرض التي تدر عليهم بالخير.
ولبيوت الأصنام سدنة يحفظون الأصنام بها ويرعونها، وينقلونها معهم حيث ترحل القبيلة؛ فإذا نزلت نزلوا بها؛ ليقيموا لها الواجبات الدينية المفروضة في الخيمة المقدسة وبيوت العبادة عند الجاهليين ثلاثة أنواع:
١- بيوت عبادة خاصة بالمشركين عبدة الأصنام، وهم الكثرة الغالبة.
٢- بيوت عبادة خاصة باليهود.
٣- بيوت عبادة خاصة بالنصارى.
أما بيوت عبادة المجوس: فقد عرفت في العربية الشرقية، وفي العربية الجنوبية؛ ولكن عبادها هم من المجوس أي العجم.
فالمجوسية لم تنتشر بين العرب، ولم تدخل بينهم إلا بين عدد قليل من الناس.
والبيت: مأوى الإنسان، ومسكنه في الأصل؛ ثم تجوز الناس فأطلقوا اللفظة على المعبد باعتبار أنه بيت الآلهة أو الإله؛ لاعتقادهم أن الآلهة تحل به.
وأما الكعبة: فالبيت المربع، وكل بيت مربع كعبة عند العرب، وقد خصصت في الإسلام بالبيت الحرام بمكة.
والمسجد: كل موضع يتعبد فيه؛ وقد اسعملها الجاهليون بهذا المعنى. وذهب "كلاسر" وغيره: إلى أن مكربة Mocoraba المدينة المذكورة في جغرافيا بطليموس هي مكة؛ لأنها مقربة إلى الأصنام فهي بمعنى البيت والكعبة في لهجتنا.
ولفظة "البد" وهي تؤدي معنى صنم كذلك.
[ ٥٠٣ ]
وذكروا أنها من الألفاظ المعربة عن الفارسية، عربت من "بت"، وأنها تعني البيت إذا كان فيه أصنام وتصاوير١.
والهيكل: من الألفاظ الدالة على موضع العبادة، استعملت لبيوت الأصنام مجازا، ولمعابد النصارى، والظاهر أن استعمالها كان عند العرب الشماليين في الغالب٢.
ومن المعابد الشهيرة: "البيت الحرام"؛ أي الكعبة مكة، ومعبد ذو الشرى بمدينة بطرا، وقد خصص هذا البيت بعبادة الإله "ذي الشرى".
وذات الكعبات: بيت كان لبكر وتغلب ابني وائل وإياد.
وكان بنجران بيت عبادة عرف: "بكعبة نجران" وهو بناء بني على هيئة الكعبة.
وقد ذكر ابن الكلبي: أن رجلًا من جهينة يقال له: عبد الدار بن حديب أراد بناء بيت بأرض من بلادهم يقال لها الحوراء؛ ليضاهي به الكعبة، حتى يستميل به العرب، فأعظم قومه ذلك وأبوا عليه، ونجد في كتاب الأصنام لابن الكلبي، وفي كتب أهل الأخبار: أسماء مواضع ذكر أنها كانت بيوت عبادة حج إليها العرب حجهم لمكة.
وذكر: أن قريشا بنت للعزى بيتًا بوادي حراض بإزاء الغمير، وحمت له شبعا من وادي حرا يقال له سقام يضاهون به الكعبة، وقد حجت إليه، وكانت تنحر عنده، ويتقربون إلى العزى بالذبائح٣.
المذابح:
وتلحق بالمعابد مذابح تذبح عليها القرابين، التي يتقرب بها المؤمنون إلى آلهتهم، ويقال للواحد منها: مذبح، ونصب.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٣٩٩، ص٤٠٠، ص٤٠١، المفردات ص٦٤، اللسان جـ٣ ص٢٠٤. ٢ المفصل جـ٦ ص٤٠٢. ٣ السابق جـ٦ ص٤١٥، ٤١٦، ٤١٧.
[ ٥٠٤ ]
وقد وردت كلمة النصب في آية اللحوم المحرمات التي لا يجوز أكلها في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ ١ إلخ الآية.
سدنة الآلهة:
ولبيوت العبادة سدنة، وحجبة وخدم يقومون كلهم بخدمة البيت وما فيه من الأصنام؛ ويعبر في عربيتنا عن الذي يتولى أمر الصنم بـ "السادن"، "سادن" الصنم.
وتكون وراثية في الأغلب تنتقل في أفراد العائلة من الأب إلى ابنه الأكبر، أو إلى غيره من البارزين في الأسرة.
وكانت السدانة واللواء بمكة لبني عبد الدار في الجاهلية، فأقرها النبي لهم في الإسلام؛ فكان إليهم أمر مفتاح البيت.
الكعبة:
يذكر أهل الأخبار: أن أهل مكة استعانوا بتسقيف البيت بخشب سفينة رجل من تجار الروم، رمى البحر بسفينته إلى الساحل إلى الشعبية، وهو مرفأ السفن من ساحل الحجاز، وكان مرفأ مكة، ومرسى سفنها قبل جدة -فجاؤوا بالخشب إلى مكة، وكان بها نجار قبطي، استعين به في تسقيف البيت بذلك الخشب.
وذكر: أن الذي سقف البيت "علج"؛ كان في السفينة يحسن النجارة اسمه "باقوم" فجيء به مع الخشب، وسقف الكعبة؛ وقد سألهم عن كيفية تسقيفها هل يجعل السقف قبة، أو مسطحا؟ فأمروه أن يكون مسطحا فعمله على ما أمروه به.
ويذكرون: أن قريشا حين أرادوا بناء الكعبة؛ أتى "عبد الله بن هبل" ومعه مال فقال: دعوني أشرككم في بنائها؛ فأذنوا له، فبنى الجانب الأيمن؛ فلبني كلب يد بيضاء في نصرتهم لقريش حين بنوا الكعبة، وصاحب هذا الخبر هو: "ابن الكلبي"، ولا أستبعد أن يكون خبره هذا من وحي العاطفة نحو قومه الكلبيين٢.
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية ٣، المفصل جـ٦ ص٤٢٠. ٢ المفصل جـ٦ ص٤٣٤، ص٤٣٥.
[ ٥٠٥ ]
وقد زوقت الكعبة بعد حريق -زوق سقفها وجدرانها من بطنها ودعائمها، وجعلت في دعائمها، وجعلت في دعائمها صور الأنبياء وصور الشجر، وصور الملائكة؛ فكان فيها صورة "إبراهيم خليل الرحمن" شيخ يستقسم بالأزلام، وصورة "عيسى بن مريم" وأمه، وصورة الملائكة ﵈ أجمعين؛ فلما كان يوم فتح مكة: دخل رسول الله البيت؛ فأرسل الفضل بن العباس بن عبد المطلب فجاء بماء زمزم؛ ثم أمر بثوب فيبل بالماء، وأمر بطمس تلك الصور فطمست؛ ووضع كفيه على صورة عيسى "ابن مريم" وأمه ﵉، وقال: امح جميع الصور إلا ما تحت يدي؛ فرفع يديه عن "عيسى بن مريم" وأمه، ونظر إلى صورة إبراهيم فقال: قاتلهم الله، جعلوه يستقسم بالأزلام، وما لإبراهيم والأزلام١.
لقد ذهب يولهوزن: إلى أن قدسية البيت عند أهل الجاهلية لم تكن بسبب الأصنام التي فيه، بل كانت بسبب هذا الحجر.
لقد كان هذا الحجر مقدسا في ذاته، وهو الذي جلب القدسية للبيت فصار البيت نفسه مقدسا في حد ذاته بحجره هذا الذي هو فيه، ولعله شهاب نيزك، أو جزء من معبود مقدس قديم.
وقد ذهب بعض المستشرقين: إلى أن البيت لم يكن إلا بمثابة إطار للحجر الأسود، الذي كان من أهم معبودات قريش؛ لأنه يمثل بقايا حجر قديم كان مقدسًا عند قدماء الجاهليين؛ غير أنه لم يكن معبود قريش الوحيد٢.
الكسوة:
وذكر أن أول من كسا البيت الحرير: "نتيلة بنت ناب بن كليب"، وهي من بني عامر المعروف بالضحيان، وكان من ملوك ربيعة، وكان العباس بن عبد المطلب ابنها قد ضاع وهو صغير، فنذرت أمه إن وجدته أن تكسو البيت الحرير فكسته، فهي أول من كساه ذلك.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٤٣٥، ص٤٣٦. ٢ السابق جـ٦ ص٤٣٧.
[ ٥٠٦ ]
وقيل: أول من كسا البيتَ الديباجَ: "خالدُ بن جعفر بن كلاب"؛ أخذ لطيمة من البر، وأخذ فيها أنماطا فعلقها على الكعبة١.
الحج والعمرة:
وكلمة "حج" من الكلمات السامية الأصلية العتيقة.
وقد وردت: في كتابات مختلف الشعوب المنسوبة إلى بني سام، كما وردت في مواضع من أسفار التوراة، وهي تعني قصد مكان مقدس وزيارته.
ويكون الحج بأدعية، وبمخاطبة إلى الآلهة، وبتوسلات؛ لتتقبل حج ذلك الشخص، الذي قصدها تقربا إليها.
وقد ميز الشهر الذي يقع فيه الحج عن الأشهر الأخرى بتسميته شهر "ذي الحجة" "شهر الحج"؛ وذلك لوقوع الحج فيه.
وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَات﴾ ٢، قال الطبري: اختلف أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَات﴾ فقال بعضهم: يعني بالأشهر المعلومات شوالا، وذا القعدة، وعشرًا من ذي الحجة.
جعلهن الله تعالى للحج، وسائر الشهور للعمرة، فلا يصلح أن يحرم أحد بالحج إلا في أشهر الحج، والعمرة يحرم بها في كل شهر.
والحج إلى "مكة"، وإلى البيوت المقدسة الأخرى مثل بيت "اللات" في الطائف، وبيت "العزى" على مقربة من عرفات، وبقية البيوت الجاهلية المعظمة إنما هو أعياد يجتمع الناس فيها للاحتفال معا بتلك الأيام، وهم بذلك يدخلون على أنفسهم وعلى أنفس آلهتهم بحسب اعتقادهم، وتقترن هذه الاحتفالات بذبح الحيوانات كل يذبح على قدر طاقته ومكانته.
_________________
(١) ١ السابق جـ٦ ص٤٤٣، الإصابة جـ٢ ص٢٦٣. ٢ سورة البقرة آية ١٩٧.
[ ٥٠٧ ]
والطواف بالبيوت وبالأصنام ركن من أركان الحج، ومنسك من مناسكه، وكانوا يفعلونه كلما دخلوا البيت الحرام؛ فإذا دخل أحدهم البيت الحرام، وإذا سافر أو عاد من سفر فأول ما كان يفعله الطواف بالبيت؛ وقد فعل غيرهم فعل قريش ببيوت أصنامهم؛ إذ كانوا يطوفون حولها كالذي يفعله أهل يثرب من: طوافهم "بمناة"١.
إن الطائفين بالبيت كانوا صنفين: صنف يطوف عريانا، وصنف يطوف في ثيابه؛ ويعرف من يطوف بالبيت عريانا "بالحلة" أما الذين يطوفون بثيابهم فيعرفون "بالحمس".
وأضاف بعض أهل الأخبار: صنفًا ثالثًا قالوا له: "الطلس" وقبائل الحلة من العرب: تميم بن مر كلها غير يربوع، ومازن وضبة، وحميس، وقيس عيلان بأسرها ما خلا ثقيفًا، وعدوان وغيرهم وغيرهم٢.
وقد ذكر هذه الأسماء: "محمد بن حبيب"؛ وذكرها: "اليعقوبي" وهم يذكرون أن "الحلة" هم ما عداد الحمس".
وإنهم كانوا يطوفون عراة إن لم يجدوا ثياب أحمسي، وكانوا يقصدون من طرحهم ثيابهم طرحهم ذنوبهم معها.
ويذكرون أنهم كانوا يقولون: لا نطوف في الثياب التي قارفنا فيها الذنوب، ولا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها؛ فيلقون الثياب عنهم، ويسمون ذلك الثوب اللقى.
كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس، والحمس قريش وما ولدت، كانوا يطوفون بالبيت عراة، إلا أن تعطيهم الحمس ثيابا فيعطي الرجال الرجال، والنساء النساء؛ فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يعيره ثوبًا، ولا يسار يستأجر به كان بين أحد أمرين: إما أن يطوف بالبيت عريانا؛ وإما أن يطوف في ثيابه؛ فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه؛ فلم يمسه أحد، وكان ذلك الثوب يسمى اللقى.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٣٤٧، ص٣٤٨، ص٣٥١، ص٣٥٤. ٢ السابق جـ٦ ص٣٥٤.
[ ٥٠٨ ]
وجاء في رواية: أن الحمس كانوا يقولون: نحن أهل الحرم، فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا١.
وللجاحظ ملاحظات قيمة عن قريش لها صلة بالتحمس، وقد تفسر لنا معنى: "التحمس"، وسبب شموله أناسًا هم من غير قريش.
ذكر: أن الإسلام لَمَّا ظهر لم تكن هنالك أية امرأة قرشية كانت مسبية عند غير قريش؛
ولم تكن هنالك أية امرأة مسبية في أيدي القبائل وأمها من قريش.
ويذكر أيضا: أن قريشا لم تكن تزوج بناتها من أبناء أشراف القبائل حتى تشترط عليهم أن من تلد منهن فيكون من يلدن من الحمس، أما هم فكانوا إذا تزوجوا من بنات قبائل أخرى؛ فإنهم لم يشترطوا على أنفسهم أي شرط.
وكان من هذه القبائل: عامر بن صعصعة، وثقيف، وخزاعة، والحارث بن كعب؛ وكانوا ديانين، وكانوا على دين قريش في أمورها؛ وكانت قريش كريمة، ولم ترض بالغارات، والغزو ولا بالظلم، ولم تقبل بالوأد، ولا بالدخول بمن يقع في أيديهم أسرى من النساء، وكان من فضائلهم: أن منَّ الله عليهم بالإيلاف؛ فأغناهم وجعلهم "لقاحًا" فلم يخضعوا لملك، ولم يستبعدهم سلطان أجنبي، ولم يدفعوا أي شيء عنهم لملك من الملوك؛ بل كانت الملوك تأتي إلى مكة، وتعظم البيت، وتحرم سكانه؛ وهم قريش "الحمس"٢.
الطلس:
أما "الطلس" فقد وصفهم محمد بن حبيب بقوله: إنهم بين الحلة والحمس، يصنعون في إحرامهم ما يصنع الحلة، ويصنعون في ثيابهم ودخولهم البيت ما يصنع الحمس.
وكانوا لا يتعرون حول الكعبة، ولا يستعيرون ثيابا، ويدخلون البيوت من أبوابها، وكانوا لا يئدون بناتهم، وكانوا يقفون مع الحلة، ويصنعون ما يصنعون؛ وهم سائر أهل اليمن وأهل حضرموت، وعجيب، وإياد بن نزار٣.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٣٥٧، ٣٥٩، تفسير الطبري جـ٢. ص١٧٠، القرطبي جـ١، ص١١٤. ٢ المفصل جـ٦ ص٣٦٥. ٣ السابق جـ٦ ص٣٧٣.
[ ٥٠٩ ]
وقد ذكر علماء التفسير: أن قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ ١ نزلت في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد، ويقول بعضهم: كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا، فكانوا يبقون عالة على الناس؛ فنهوا عن ذلك، وأمروا بالزاد، وكان النبي ﷺ في مسيره راحلة عليها زاد وفد عليه ثلثمائة رجل من مزينة؛ فلما أرادوا أن ينصرفوا قال: يا عمر زود القوم.
كما روى البخاري: عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس٢.
التلبية:
قد تعرض اليعقوبي لموضوع التلبية فقال: فكانت العرب إذا أرادت الحج إلى بيت الله الحرام، وقفت كل قبيلة عند صنمها، وصلوا عنده، ثم لبوا حتى يقدموا مكة؛ فكانت تلبياتهم مختلفة.
وكانت تلبية قريش: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك.
وكانت تلبية كنانة: لبيك اللهم لبيك، اليوم يوم التعريف، يوم الدعاء والوقوف.
وكانت تلبية بني أسد: لبيك اللهم لبيك، يا رب أقبلت بنو أسد أهل النوائب والوفاء والجلد إليك.
وكانت تلبية بني تميم: لبيك اللهم لبيك، لبيك عن تميم، قد تراها قد أخلقت أثوابها، وأثواب من وراءها، وأخلصت لربها دعاءها.
والتلبية: إجابة المنادي، أي: إجابة الملبي ربه، وقولهم: "لبيك اللهم لبيك".
معناه: إجابتي لك يا رب، وإخلاصي لك.
وقد كان الجاهليون يلبون لأصنامهم تلبيات مختلفة٣.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ١٩٧. ٢ المفصل جـ٦ ص٣٧٤، القرطبي جـ٢ ص٤١١. ٣ المفصل جـ٦ ص٣٧٦، ص٣٧٧، اليعقوبي جـ١ ص٢٢٥.
[ ٥١٠ ]
والتلبية هي من الشعائر الدينية التي أبقاها الإسلام؛ غير أنه غير صيغتها القديمة، بما يتفق مع عقيدة التوحيد؛ فصارت على هذا النحو: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"١.
الإفاضة:
ومن عرفة تكون الإفاضة إلى المزدلفة، وإن "قصي بن كلاب" كان قد أوقد نارًا على المزدلفة حتى يراها من دفع من عرفة؛ وإن العرب سارت على سنته هذه، وبقيت توقدها حتى في الإسلام.
ويفيض الحجاج في الجاهلية عند طلوع شمس اليوم العاشر من ذي الحجة من المزدلفة إلى منى لرمى الجمرات، ولنحر الأضحية٢.
وقد ذكر العلماء: أن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون: أشرق ثبير، وأن النبي ﷺ خالفهم حين أسفر قبل طلوع الشمس، ورمي الجمرات بمنى من مناسك الحج وشعائره.
وكلمة "رجم": من الكلمات السامية القديمة، وقد وردت: في حديث عبد الله بن مغفل -لا ترجموا قبري- أي لا تجعلوا عليه الرجم وهي: الحجارة على طريقة أهل الجاهلية، ولا تجعلوه مسنمًا مرتفعًا، وقد فعله أهل الجاهلية على سبيل التعظيم؛ فكان أحدهم إذا مر بقبر وأراد تقدير صاحبه، وتعظيمه، وضع "رجمة، أو رجاما عليه"٣.
ويرجع أهل الأخبار مبدأ رمي الجمرات إلى -عمرو بن لحي- يذكرون: أنه جاء بسبعة أصنام، فنصبها بمنى عند مواضع الجمرات وعلى شفير الوادي، ومواضع أخرى، وقسم عليها حصى الجمار، إحدى وعشرون حصاة؛ يرمى كل منها بثلاث جمرات.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٣٧٩، صحيح البخاري كتاب الحج حديث٣١. ٢ المفصل جـ٦ ص٣٨٤. ٣ المفصل جـ٦ ص٣٨٥.
[ ٥١١ ]
ويظهر من الروايات الواردة عن: "ثبير" أنه كان من المواضع المقدسة عند الجاهليين؛ أو أن على قمته صنمًا أو بيتا كانوا يصعدون إليه لزيارته، وللتبرك به١.
وكان الجاهليون يقلدون هديهم بقلادة، أو بنعلين يعلقان على رقبتي الهدى إشعارا للناس بأن الحيوان هو هدى، فلا يجوز الاعتداء عليه، كما كانوا يشعرونه، والإشعار: الإعلام، وهو أن يشق جلد البدنة، أو يطعن في أسنمتها في أد الجانبين بمبضع أو نحوه وقيل في سنامها الأيمن؛ حتى يظهر الدم ويعرف أنها هدى، والشعيرة: البدنة المهداة٢.
العمرة:
العمرة: هي بمثابة الحج الأصغر في الإسلام؛ وكان أهل الجاهلية يقومون بأدائها في شهر رجب٣.
أما بالنسبة إلى الجاهليين: فيظهر من ذكره العمرة في القرآن الكريم أنهم يؤدونها كما كانوا يؤدون الحج، ولوقوعها في شهر رجب، وهو شهر كان الجاهليون يذبحون العتائر فيه، لعلنا لا نخطئ إذا قلنا: إنهم كانوا يذبحون ذبائحهم في العمرة حينما يأتون أصنامهم فيطوفون حولها؛ أما في الإسلام فالعمرة دون الحج؛ وإذا كانت في شهر رجب في الجاهلية كانت حجا خاصًا مستقلا عن الحج الآخر، الذي يقع في شهر ذي الحجة.
حرص الجاهليون على: ألا يوافق موعدها مواسم الحج لما كان لها من أهمية عظيمة عندهم فلا تزيد على الطواف المألوف في شهر الحج٤.
وقيل: إن من شعائر الجاهليين في الحج: أن الرجل منهم كان إذا أحرم تقلد قلادة من شعر فلا يتعرض له أحد، فإذا حج وقضى حجه تقلد قلادة من "إذخر".
_________________
(١) ١ السابق جـ٦ ص٣٨٧. ٢ السابق جـ٦ ص٣٨٨. ٣ السابق جـ٦ ص٣٩١. ٤ السابق جـ٦ ص٣٩١، المشرق جـ٣٩ ص٢٥٠.
[ ٥١٢ ]
والإذخر: نبات ذكي الرائحة وأن الرجل منهم يقلد بعيره، أو نفسه قلادة من لحاء شجر الحرم فلا يخاف من أحد، ولا يتعرض له أحد بسوء.
وتذكرنا هذه العادة بما يلبسه بعض الحجاج عند إتمامهم حجهم، وعودتهم إلا بلادهم من لباس: كوفية خاصة بأهل مكة ومن عقال حجازي؛ وذلك بالنسبة للرجال، وخمار أبيض بالنسبة للنساء، وذلك طيلة الأيام السبعة الأولى من احتفالهم بالعودة من الحج.
[ ٥١٣ ]
رمزياتهم:
الاختلاف في النفس عند العرب في الجاهلية:
يقول المسعودي: كانت للعرب مذاهب في الجاهلية في النفوس، وآراء يتنازعون في كيفياتها:
١- فمنهم من زعم أن النفس هي الدم لا غير، وأن الروح والهواء الذي في باطن جسم المرء منه نفسه.
ولذلك سموا المرأة منه نفساء؛ لما يخرج منها الدم، ومن أجل ذلك تنازع فقهاء الأمصار فيما له نفس سائلة إذا سقط في الماء: هل بنجسه أم لا؟
وقال تأبط شرا لخاله الشنفرى الأكبر وقد سأله عن قتيل قتله: كيف كانت قصته؟ فقال: ألقمته عضبا، فسال نفسه سكبا، وقال: إن الميت لا ينبعث منه الدم ولا يوجد فيه أبدا في حالة الحياة. وطبعة الحياة: النماء مع الحرارة والرطوبة؛ لأن كل حي فيه الحرارة ورطوبة فإذا ما بقي اليبيس والبرد نفيت الحرارة.
وقال ابن براق بن كلعة:
وكم لاقيت ذا نجب شديد تسيل به النفوس على الصدور
إذا الحرب العوان به استهامت وحال فذاك يوم قمطرير
٢- وطائفة منهم تزعم أن النفس طائر ينبسط في جسم الإنسان فإذا مات أو قتل لم يزل مطبقا به متصورا إليه صورة طائر يصرخ على قبره مستوحشًا.
[ ٥١٣ ]
وفي ذلك يقول بعض الشعراء وذكر أصحاب الفيل:
سلط الطير والمنون عليهم فلهم في صدى المقابر هام
البعث:
لم يكن كثير من الجاهليين يؤمنون بالبعث؛ كما يتبين ذلك من القرآن الكريم.
لقد كانوا يرون أن: الموت نهاية؛ وأنهم غير مبعوثين، وأن البعث بعد الموت شيء غير معقول؛ لذا تعجبوا من قول النبي بوجود البعث والحساب؛ ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ ١ إلخ الآية، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ ٢، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ ٣ إلخ الآية.
ونجد: رأي الناكرين للبعث في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ ٤ إلخ الآية.
فهم يقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا، نموت ويحيا أبناؤنا بعدنا فجعلوا حياة أبنائهم بعدهم حياة لهم؛ لأنهم منهم، وبعضهم؛ فكأنهم بحياتهم أحياء.
والدهر: الزمان، هو الذي يهلك ويفنى، فالحياة بهذا المعنى فعل مستمر، وتطور لا ينتهي؛ يهلك جيل؛ ليأخذ محله الجيل الذي نبت منه، وكل يأخذ دوره في الحياة فإذا انتهى دور إنسان قام بدوره نسله، وهكذا، وبهذا المعنى تفسير الحياة، ويفسر الموت.
الروح والنفس والقول بالدهر:
الرجعة:
واعتقد قوم من العرب في الجاهلية بالرجعة، أي: الرجوع إلى الدنيا بعد الموت فيقولون: إن الميت يرجع إلى الدنيا كرة أخرى، ويكون فيها حيا كما كان.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ٢٩. ٢ سورة النحل: ٣٨. ٣ سورة التغابن: ٧. ٤ سورة الأنعام: ٢٩.
[ ٥١٤ ]
ولما توفي رسول الله ﷺ قام عمر بن الخطاب فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله توفي، وإن رسول الله والله ما مات؛ ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع بعد أن قيل: قد مات، والله ليرجعن رسول الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، يزعمون أن رسول الله مات، ثم جاء أبو بكر وعمر يكلم الناس فقال: على رسلك يا عمر؛ فانصت فأبى إلا أن يتكلم؛ فلما رآه أبوبكر لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه، وتركوا عمر؛ فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس؛ إنه من كان يعبد محمدا فإن محمد قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت؛ ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُول﴾ ١ إلخ. وقال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها، فعقرت حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله قد مات.
وقد اعتقد بعض الجاهليين "بالمسخ" وهو: تحول صورة إلى صورة أخرى أقبح، وتحول إنسان قردًا أو حيوانًا آخر، أو إلى شيء جماد؛ من ذلك ما يراه بعض أهل الأخبار عن "اللات" من أنه كان رجلا يلت السويق عند صخرة بالطائف؛ فلما مات قال لهم: عمرو بن لحي: إنه لم يمت، ولكنه دخل الصخرة، ثم أمرهم بعبادته، وبنى بيتا عليها يسمى "اللات"٢.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران الآية ١٤٤. ٢ تاج العروس مادة مسخ جـ٢ ص٢٧٩، مادة لت جـ١ ص٥٨٠.
[ ٥١٥ ]
تسخير عالم الأرواح:
لم يتوصل الباحثون حتى الآن إلى رأى ثابت في أصل كلمة "الجن".
فمنهم من رأى أنها اسم صنم من أصنام العرب القديمة، ومنهم من رأى أنها من أصل أعجمي؛ ومنهم من وجد لها صلة بالحبشية.
أما علماء اللغة فرأوا: أن معنى الكلمة الأصلى هو الاستتار، وأنها من الاجتنان، ولعدم إمكان رؤية ذلك العالم أطلقت عليه كلمة "الجن"؛ وتقابل لفظة "الجن" لفظة "Demons" الإنجليزية ويرى "نولدكه": أن فكرة الجن فكرة
[ ٥١٥ ]
استوردها العرب من الخارج بدليل قولهم: إن الجنة من عمل الجن، ومن تلبس الجن بالإنسان، وهي في نظره عقيدة قديمة دخلت العرب من جيرانهم الشماليين، فقد كان الإيرانيون يطلقون على المجنون لفظة: "ديوانة" أي الذي به "ديو" من الأصل "ديوة" ومعناه الجان.
ومن هذه الفكرة دخلت العهد الجديد من الكتاب المقدس.
ويأتي "نولدكه": بدليل آخر على إثبات نظريته في أن فكرة "الجن" فكرة مستوردة، شيوع قصص بناء جن سليمان مدينة تدمر بين الجاهليين، وهو قصص ورد من قصة بناء سليمان "لتامار" في العهد القديم، وتفسير "تامار بتدمر" عند المفسرين العبرانيين، وإذا سكن الجني مع الناس قالوا: "عامر"، والجمع "عمار"؛ وإن كان ممن يعرض للصبيان فهم "أرواح"؛ فإن خبث أحدهم وتعرم فهو: "شيطان" فإن زاد على ذلك فهو: "مارد"؛ فإن زاد على ذلك فهو "عفريت"؛ فإن ظهر الجني ونظف وصار خيرا كله فهو "ملك"، وهم في الجملة "جن وخوافي" وفي القرآن الكريم: إن قريشا جعلت بين الله تعالى وبين الجنة نسبا؟ قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ ١.
وإنها جعلت: "الجن" شركاء له قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾ ٢.
أي: جعلوا "لله" تعالى الجن شركاء في عبادتهم إياه، وخرقوا له بنين وبنات، وتخرصوا لله كذبا؛ فافتعلوا له بنين وبنات وجهلا وكذبا. وورد: أن الله -تعالى- تزوج الجن، وأن الملائكة هم بناته من هذا الزواج؛ وقال كبار قريش: الملائكة بنات الله فقال لهم أبو بكر الصديق: فمن أمهاتهم؟ قالوا: بنات سراة الجن، ويفهم من القرآن الكريم أيضا: أن من العرب من كان يعبد الجن. قال تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ ٣ إلخ الآية.
_________________
(١) ١ سورة الصافات: ١٥٨. ٢ سورة الأنعام: ١٠٠. ٣ سورة سبأ: ٤١.
[ ٥١٦ ]
وذكر ابن الكلبي: أن بني مليح من خزاعة كانوا: ممن تعبد الجن من الجاهليين؛ ويزعمون أن الجن تتراءى لهم، وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ١.
وذكر: أن قبائل من العرب عبدت الجن، أو صنفا من الملائكة يقال لهم: الجن، ويقولون هم بنات الله؛ فأنزل الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ٢ إلخ الآية.
وقد يقع الحب بين الجن والإنس، فقد ذكر: أن الجنية قد تتبع الرجل تحبه، ويقال لها تابعة، ومن ذلك قولهم: معه تابعة أي من الجن، والتابعة جنية تتبع الإنسان، كما يكون للمرأة تابع من الجن، يتبع المرأة يحبها، وقد يعشق الجن امرأة ويتصادق معها؛ هذا "منظور" الجني عشق امرأة اسمها "حبة"، وتصادق معها، فكانت "حبة" تتطبب بما يعلمها "منظور".
وأهم مواطن الجن في نظر الجاهليين: هي المواضع الموحشة، والأماكن المقفرة، التي لا تطرق إلا نادرا، والمحلات التي لا تلائم الصحة والمقابر، والأماكن المظلمة المهجورة.
وسكنت الجن المواضع المظلمة والفجوات العميقة فيها، وباطن الأرض ولذلك قيل لا: ساكنو الأرض ما سكنت المقابر.
وقد ادعى أناس من الجاهليين أنهم كانوا يرون الغيلان، والجن، ويسمعون عزيف الجان، أي صوت الجن، وقد بالغ الأعراب في ذلك، وأغربوا في قصص الجان؛ لما كانوا يتوهمونه من ظهور الأشباح لهم في تجوالهم بالفيافي المقفرة الخالية، فتصوروه جنًّا وغولا وسعالى، وبالغوا في ذلك أيضا لما وجدوه في أهل الحضر؛ ولا سيما في الإسلام من ميل إلى سماع قصص الجان، والسعالى والغول٣.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية ١٩٣. ٢ سورة الإسراء آية ٥٧. وأيضا المفصل جـ٦ ص٧٠٩، ٧١٠. ٣ المفصل جـ٦ ص٧١٨، ص٧٢٣.
[ ٥١٧ ]
ونسبوا إلى الجن إحداث كثير من الأمور غير الطبيعية مثل: الأمراض والأوبئة، والصرع والاستهواء، والجنون خاصة.
فالجنون هو: تلبس الجن بالإنسان، ودخولهم جسمه؛ لذلك: ربطوا بين الجن والجنون.
ويرى "نولدكه": أن فكرة الجنون من عمل الجن عقيدة قديمة، وجدت عند غير العرب كذلك١.
الشيطان:
الشيطان -"سلطان، سطن" في العبرانية، ومعناه عدو ومشتكٌّ في هذه اللغة.
وذكر الطبري: "الشيطان" في كلام العرب: كل متمرد من الجن والإنس والدواب، وكل شيء؛ ثم قال: وإنما سمي المتمرد من كل شيء شيطانا؛ لمفارقة أخلاقه وأفعاله أخلاق سائر جنسه وأفعاله، وبعده من الخير، وقد قيل: إنه أخذ من قول القائل: شطنت داري من دارك؛ يريد بذلك بعدت.
ومن الشياطين: شيطان اسمه "زوبعة"، وقيل هو رئيس للجن، ومنه سمي الإعصار زوبعة، ويقال: "أم زوبعة، وأبو زوبعة"، وهو الذي يثير الأعصاب حين يدور على نفسه، ثم يرتفع في السماء ساطعًا كأنه عمود.
وأما ما ورد في القصص عن الشياطين عند الجاهليين: فهو يختلف عما جاء عن الشيطان في الكتب اليهودية والنصرانية؛ مما يدل على أن منبعه منبع آخر، وأن الشيطان عند الجاهليين هو غير الشيطان المعروف عند اليهود والنصارى، الذي دخل إلى العرب قبيل الإسلام وفي الإسلام.
وقد وصف الشيطان بالقبح؛ فإذا أريد تعنيف شخص وتقبيحه قيل له: يا وجه الشيطان، وما هو إلا شيطان؛ يريدون بذلك القبح، وذلك على سبيل تمثيل قبحه بقبح الشيطان.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٧٢٣.
[ ٥١٨ ]
وقيل: الشيطان حية ذو عرف قبيح الخلقة، وقالوا: الشجرة تكون ببلاد اليمن لها مظهر كريه، رؤوس الشياطين؛ وبهذا لمعنى فسرت رؤوس الشياطين في قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيم﴾ ١ إلخ الآية؛ يعني: شجرة الزقوم في قبحه وسماجته رؤوس الشياطين في قبحها؛ وذلك أن استعمال الناس قد جرى بينهم في مبالغتهم إذا أراد أحدهم المبالغة في تقبيح الشيء قال: كأنه شيطان؛ فذلك أحد الأقوال؛ والثاني: أن يكون مثل برأس حية معروفة عند العرب تسمى شيطانا٢.
وكانت الشعراء تزعم: أن الشياطين تلقي على أفواهها الشعر، وتلقنها إياه وتعينها عليه، وتدعي أن لكل فحل منهم شيطانًا يقول الشعر على لسانه؛ فمن كان شيطانه أمرد كان شعره أجود.
وقد انتقلت هذه العقيدة في إلهام الشعر للشعراء إلى المسلمين كذلك، وقد دعا جرير شيطانه الذي يلقي عليه الشعر: إبليس الأباليس.
ويكنى عن الشيطان بالشيخ النجدي، وقد أشير إليه مرارا في كتب السير والأخبار؛ أشير إليه في بنيان الكعبة؛ حين حكموا رسول الله ﷺ في أمر الركن من يرفعه فحضر في زي شيخ نجدي بين الحاضرين، وصاح: يا معشر قريش أرضيتهم أن يليه هذا الغلام دون أشرافكم وذوي أسنانكم، وحضر اجتماع دار الندوة، وأيَّد قرارهم في قتله.
وذكر علماء الأخبار: أنه عرف بالشيخ النجدي؛ لأنه: تمثل نجديا، وقيل: لأن نجدا يطلع منها قرن الشيطان، ورووا أحاديث تذكر ذلك؛ وتذكر أن الفتن تخرج من المشرق والمشرق: "نجد" بالنسبة لأهل الحجاز.
وكان الكهان يستعينون بالشياطين في الإخبار عن المغيبات، يذكرون أن الشياطين يسترقون السمع من السماء؛ فيخبرونهم عن أنباء الأرض؛ وكان للكاهن "صاف بن صياد" شيطان يلقي إليه بما خفي من أخبار الأرض.
_________________
(١) ١ سورة الصافات آية ٦٤. ٢ المفصل جـ٦ ص٧٣١، تاج العروس جـ٥ ص٣٦٧.
[ ٥١٩ ]
وإبليس من هذه الأفكار التي نفذت إلى العرب عن طريق أهل الكتاب والعلماء، على أن الكلمة معربة، وهي كذلك؛ فأصلها: ديابولس Diabolos، وهي كلمة يونانية استعملت في مقابل لفظة شيطان١.
الهاتف والرئى:
ويؤمن الأعراب بالهاتف، ويتعجبون ممن يرد ذلك، وهم يزعمون أنهم يسمعون الهاتف يخبرهم ببعض الخبر فيكون صحيحًا، وكانوا يقولون: إذا ألف الجني إنسانًا وتعطف عليه، وخبره ببعض الأخبار وجد حسه، ورأى خياله، فإذا كان عندهم كذلك قالوا: مع فلان رئى من الجن يخبره بما وقع، ويقع وعن الأسرار٢.
الملائكة:
والملائكة: هم روحانيون؛ أي من أرواح في نظر أهل الجاهلية، ويدل ورود الملائكة في مواضع عديدة من القرآن الكريم، ومن الآيات التي تشير إلى مجادلة المشركين، ومحادثتهم للرسول في الملائكة، وإن فكرة الملائكة كانت معروفة شائعة بينهم؛ وأن بعض العرب كانوا يعبدونها كما يظهر ذلك من قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ﴾ إلخ الآية [سبأ: ٤٠] .
ويظهر: أن الجاهليين لم يكونوا يعرفون شيئا عن الملائكة؛ لأن الاعتقاد بالملائكة من عقيدة الديانة اليهودية، ثم النصرانية، وهم لا يعرفون الكتاب إلا من كان منهم على دين اليهودية، أو النصرانية أو كان من الحنفاء، أو على اتصال بأهل الكتاب كأمية بن أبي الصلت، وأمثاله٣.
الهامة:
الهامة وهي اليوم وكانوا يعتقدون أن الرجل إذا قتل خرجت من رأسه هامة تصيح: اسقوني اسقوني حتى يأخذ بثأره، قال ذو الأصبع العدواني:
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٧٣٣، ص٧٣٤، ص٧٣٥. ٢ السابق جـ٦ ص٧٣٦، ص٧٣٧. ٣ سيرة ابن هشام جـ١ ص١٣٤.
[ ٥٢٠ ]
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي أضربك حتى تقول الهامة اسقوني١
ويضيف المسعودي ص٣٦٩.
وهي أن تتوحش وتصدح وتوجد أبدًا في الديار المعطلة والنواويس وحيث مصارع القتلى وأجداث الموتى.
ويزعمون أن الهامة لا تزال على ذلك عند ولد الميت في محلته بفنائهم؛ لتعلم ما يكون بعده فتخبره به.
وحتى قال الصلت بن أمية لبنيه: هامتي تخبرني بما تستشعرون.
لنتجنب الشنعاء والمكروه.
ولما جاء الإسلام قال: لا هام ولا صفر٢.
وذكر الزبير بن بكار أن العرب كانت في الجاهلية تقول: إذا قتل الرجل ولم يؤخذ بثأره خرجت من راسه هامة وهي دودة فتدور حول قبره فتقول: اسقوني اسقوني فإن أدرك ثأره ذهبت وإلا بقيت.
قال: وكانت اليهود تزعم أنها تدور حول قبره سبعة أيام ثم تذهب.
وذكر ابن فارس وغيره من اللغويين نحو الأول إلا أنهم لم يعينوا كونها دودة، وقال القزاز: الهامة طائر من طير الليل كأنه البومة، وقال ابن الأعرابي: كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم، يقول: نعت إلي نفسي أو أحدًا من أهل داري.
وقال أبو عبيد: كانوا يزعمون أن عظام الميت تصير هامة فتطير ويسمون ذلك الطائر٣: الصدى.
_________________
(١) ١ مروج الذهب جـ١ ص١٣٤. ٢ ومعنى الحديث: لا حياة لهامة من الميت ولا شؤم بالبومة. ٣ فتح الباري "١٠: ١٩٧".
[ ٥٢١ ]
ويعبر هذا عن فتن اليهود للسيطرة على عرب الجاهلية؛ لأن معنى سبعة أيام مدة زمنية كافية ليؤلب اليهود مواقع الثأر بين العرب أي على العربي أن يثأر، وبذلك أشعلوا الحرب بين الأوس والخزرج باستغلال تلك المعتقدات.
ب- الغول:
"العرب يزعمون أن الغول "السعلاة" يتغول لهم في الفلوات ويظهر لخواصهم في أنواع من الصور فيخاطبونها، وربما ضيفوها، وكانت إذا تراءت لهم في الليالي وأوقات الخلوات فيتوهمون أنها إنسان فيتبعونها فتزيلهم عن الطريق التي هم عليها وتتبعهم، وكذلك لهم اعتقادات ومزاعم في الشياطين والمردة والجن١.
يقول المسعودي: ويمكن لجميع ما قلناه مما حكيناه عما ذكرناه من أهل البقاع أن يكون ضربًا من السوانح الفاسدة والخواطر الرديئة أو غير ذلك من الآفات والأدوار المعترضة لجنس الحيوان من الناطقين وغيرهم.
ج- الهواتف والجان ٢:
أما الهواتف فقد كانت كثرة في العرب، ومن حكم الهاتفة أن يهتف بصوت مسموع وجسم غير مرئي، وقد كانت العرب قبل ظهور الإسلام تقول: إن من الجن من هو على صورة نصف الإنسان وأنه يظهر لهم في أسفارهم وحين خلواتهم وتسميه شقا، وذكروا أشخاصا قتلتهم الجن:
- حرب بن أمية.
- وعباس بن مرداس٣.
_________________
(١) ١ مروج الذهب "١: ٤٠١" المسعودي. ٢، ٣ المرجع نفسه "١: ٤٠٥".
[ ٥٢٢ ]
يقول المسعودي:
إن ما تذكره العرب وتنبئ به من ذلك فإنما يعرض لا من قبل التوحد في القفار، والتفرد في الأودية والسلوك في المهامه الموحشة؛ لأن الإنسان إذا صار في مثل هذه الأماكن وتوحد وتفكر إذا هو تفكر وجل وجبن وإذا هو جبن داخلته الظنون الكاذبة والأوهام المؤذية والسوداوية الفاسدة فصورت له الأصوات ومثلت له الأشخاص وأوهمته الحال بنحو ما يعرض لذوي الوسواس، وأنتج ذلك في رأسه سوء التفكير والخروج على غير نظام قوي أو طريق مستقيم سليم؛ لأن المنفرد في القفار والمتوحد في المفاوز مستشعر للمخاوف متوهم للمتالف متوقع للحتوف؛ لقوة الظنون الفاسدة على فكره وانغراسها في نفسه فيتوهم ما يحكيه من هتاف الهواتف واعتراض الجان له.
ونضيف أن مثل هذه الأشياء تعتبر من لوازم الوثنية؛ إذ أن الإيمان بالله موجب لطرح هذه الخواطر الفاسدة.
د- التطير:
- التطير هو: أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير فإذا خرج أحدهم لأمر فإن رأى الطير طار يمنة تيمن به واستمر، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع.
- وربما كان أحدهم يهيج الطير ليطير فيعتمدها، وكانوا يسمونها السانح والبارح.
فالسانح ما ولاك ميامنة بأن يمر عن يسارك إلى يمينك، والبارح العكس وكانوا يتيمنون بالسانح، ويتشاءمون بالبارح لأنه لا يمكن رمية إلا بأن ينحرف إليه.
يقول ابن حجر: وليس في شيء من سنوح الطير وبروحها ما يقتضي شيئا مما اعتقدوه١.
وإنما هو تكلف بتعاطي ما لا أصل له؛ إذا لا نطق للطير ولا تمييز فيستدل بفعله على مضمون معنى فيه. وطلب العلم من غير مكانه جهل من فاعله.
_________________
(١) ١ فتح الباري "١٠: ١٧٤".
[ ٥٢٣ ]
وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير ويمتدح بتركه.
قال شاعر منهم:
ولقد عدوت وكنت لا أعدو على وافٍ وحائمْ
فإذا الأشائم كالأيا من والأيامن كالأشائمْ
وقال آخر:
الزجر والطير والكهان كلهم مضللون ودون الغيب أقفال
وقال آخر:
بلى شيء يوافق بعض شيء أحايينا وباطله كثير
ويقول لبيد٢:
لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع
سلوهن إن كذبتموني متى الفتى يذوق المنايا أو متى الغيث واقع؟
ويقول ابن حجر: وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين.
يقول أبو هريرة: إذا تطيرتم فأمضوا وعلى الله فتوكلوا.
وعن أبي الدرداء: لن ينال الدرجات العلا من تكهن أو استقسم أو رجع.
وعن ابن مسعود: الطيرة شرك، وما منا إلا تطير ولكن الله يذهبهن بالتوكل. من كلام ابن مسعود.
وقال ابن حجر: وإنما جعل ذلك شركا؛ لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعا أو يدفع ضرا فإنهم أشركوه مع الله.
وعن عبد الله بن عمر: من عرض له من هذه الطيرة شيء فليقل: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك.
ومن علاج التطير الفأل:
_________________
(١) ١ ديوان لبيد بن ربيعة العامري ص٩٠ دار صادر.
[ ٥٢٤ ]
يقول أبو هريرة عن الرسول: لا طيرة وخيرها الفأل: قيل: وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم.
وقال عن أنس: ويعجبني الفأل الصالح والكلمة الحسنة.
قال ابن بطال: جعل الله في فطر الناس محبة الكلمة الطيبة والأنس بها كما جعل الارتياح بالمنظر الأنيق والماء الصافي وإن كان لا يملكه ولا يشربه.
الفرق بين الفال والتطير:
- الفأل من طريق حسن الظن بالله.
- والطيرة لا تكون إلا في السوء، وفيها سوء ظن بالله بغير سبب محقق، وذكر البيهقي في الشعب عن الحليمي ما ملخصه: كان التطير في الجاهلية في العرب إزعاج الطير عند إرادة الخروج للحاجة وكانوا يتطيرون بصوت الغراب، وبمرور الظباء فسموا الكل تطيرا؛ لأن أصله الأول.
قال: وكان التشاؤم في العجم إذا رأى الصبي ذاهبًا إلى المعلم تشاءم أو راجعًا تيمن إلخ، فجاء الشرع يرفع ذلك كله واسند التدبير إلى الله١.
هـ- الكهانة:
الكهانة: ادعاء علم الغيب كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب.
والكاهن: لفظ يطلق على:
١- العراف الذي يضرب بالحصى، والمنجِّم.
٢- ويطلق على من يقوم بأمر آخر ويسعى في قضاء حوائجه.
٣- وقال في المحكم: الكاهن: القاضي بالغيب.
_________________
(١) ١ يراجع فتح الباري "١٠: ١٧١"، والسيرة الحلبية للاستزادة "١: ٦٥".
[ ٥٢٥ ]
٤- وقال في الجامع: العرب تسمي كل من أذن بشيء قبل وقوعه كاهنًا.
الكهنة:
يشملون الفئة المتعلمة، النيرة في المجتمع؛ وهم على جانب كبير من الثراء والنفوذ، يتعاطون في بعض أعمال السحر في إخراج الأرواح الشريرة من المرضى.
وكثيرا ما يكون الكاهن حاكما يحكم من قصره المجاور للهيكل، وهذا الحاكم: كان يتولى السلطتين: الزمنية والكهنوتية وكثيرا ما يكونون ملاك الأرض كحق من حقوقهم، وامتياز من امتيازاتهم بصفتهم نوابا عن الآلهة.
قال الخطابي: الكهنة قوم لهم أذهان حادة ونفوس شريرة، وطباع نارية.
وكانت الكهانة في الجاهلية فاشية خصوصا في العرب لانقطاع النبوة فيهم.
أصناف الكهانة:
١- منها ما يخبر الجني به من يواليه بما غاب عن غيره مما لا يطلع الإنسان عليه غالبا، أو يطلع عليه من قرب منه لا من بعد.
٢- ما يستند إلى ظن وتخمين وحدس، فهذا قد يجعل الله فيه لبعض الناس قوة مع كثرة الكذب فيه.
٣- ما يستند إلى التجربة والعادة فيستدل على الحادث بما وقع قبل ذلك، وقد يعضده بعضهم بالزجر، والطرق والنجوم.
وكل ذلك مذموم شرعا؛ فعن أبي هريرة: من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد.
وقال القرطبي: كانوا في الجاهلية يترافعون إلى الكهان في الوقائع والأحكام ويرجعون
إلى أقوالهم، وقد انقطعت الكهانة بالبعثة المحمدية، لكن بقى في الوجود من يتشبه بهم، وثبت النهي عن إتيانهم فلا يحل إتيانهم ولا تصديقهم.
قال ابن إسحاق: الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى والكهان من العرب، ويربطون انتهاء الكهانة بقوله تعالى:
[ ٥٢٦ ]
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا﴾ إلخ الآية١.
وتحدث عن الكواكب بقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِين﴾ ٢.
الكاهن:
هو الذي يخبر بالأخبار الماضية الخفية يضرب من الظن. والعراف: الذي يخبر بالأخبار المستقبلية على نحو ذلك.
ولكون هاتين الصناعتين مبنيتين على الظن الذي يخطئ ويصيب، قال ﵊: "من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما قال، فقد كفر بما أنزل على أبي القاسم".
ويقال: كهن فلان كهانة؛ إذا تعاطى ذلك، وكهن: إذا تخصص بذلك، وتكهن إذا تكلف ذلك، قال تعالى: ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُون﴾ ٣.
من الكهان:
١- صاف بن صياد، كان يتكهن ويدعي النبوة، وينسبون إليه أنه تكلم مع الرسول -ﷺ- وينسبون إليه أنه قال فيه: اخسأ فلن تعدو قدر الله فيك.
٢- الغيطلة الكاهنة بنت مالك بن الحارث، وينسبون إليها أنها قالت: شعوب ما شعوب، يصرع فيه كعب لجنوب، وهو كعب بن لؤي.
السحر:
وقد جمع "البخاري": بين الكهانة والسحر، بأن قدم الكهانة على السحر؛ لأن مرجع الاثنين شيء واحد هو: الشياطين.
وقد كان أكثر السحرة في الجاهلية من يهود، يقصدهم الجاهليون من أنحاء بعيدة؛ لاعتقادهم بسعة علمهم، وباختصاصهم فيه، وكان اليهود يسندون علمهم إلى بابل، ولهذا نجد الأحاديث والأخبار العربية ترجع علم السحر إلى بابل واليهود.
_________________
(١) ١ سورة الجن: ٨. ٢ سورة الملك: ٥. ٣ سورة الحاقة: ٤٢.
[ ٥٢٧ ]
والفرق بين الكهانة والسحر؛ أن الكهانة تنبؤ فسند الكاهن هو كلامه، الذي يذكره للناس، أما السحر فإنه عمل في الأكثر؛ للتأثير في الأرواح؛ كي تقوم بأداء ما طلب منها، ولا يمكن صنع سحر ما لم يقترن بعمل، ويصحب هذا العمل كلام مفهوم أو غير مفهوم، وإشارات يدعى الساحر أنه إنما يقوم به، وبالإشارات؛ لتسخير الأرواح، وإن ما يفعله مفهوم عند جنوده، وهم: الجن والشياطين.
ومن طرق السحر عند الجاهليين: "النفث في العقد"، وقد دلت عليه الآية الكريمة: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد﴾ ١، ويكون ذلك بعقد عقد، والنفث عليها٢.
وأما الكهان من العرب: فأتتهم به الشياطين من الجن فيما تسترق من السمع إذا كانت وهي لا تحجب عن ذلك بالقذف من النجوم، وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يسمع منهما بعض أموره ولكن لا تلقي العرب لذلك فيه بالا.
والسحر:
من صفات اليهود وليس من صفات العرب.
قال الراغب٢: السحر يطلق على معانٍ:
١- أحدهما: ما لطف ودق، منه سحرت الصبي خادعته واستملته، ومنه: إطلاق الشعراء يسحرون العيون؛ لاستمالتها النفوس، ومنه قول الأدباء: الطبيعة ساحرة.
٢- الثاني: ما يقع بخداع وتخيلات لا حقيقة لها نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، وإلى ذلك أشار قوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ ٣، وقوله: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاس﴾ ٤.
٣- الثالث: ما يحصل بمعاونة الشياطين بضرب من التقرب إليهم وإلى ذلك أشار قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْر﴾ ٥.
٤- الرابع: ما يحصل بمخاطبة الكواكب واستنزال روحانيتها بزعمهم:
والسحر يطلق ويراد به:
_________________
(١) ١ سورة الفلق: ٤. ٢ المفصل جـ٦ ص٧٤٠، ص٧٤١، ص٧٤٣، أسباب النزول ص٣٤٦. ٣ سورة طه: ٦٦. ٤ سورة الأعراف: ١٦٦. ٥ سورة البقرة: ١٠٢.
[ ٥٢٨ ]
١- الآلة التي يسحر بها.
٢- ويطلق ويراد به: فعل السحر.
الآلة التي يسحر بها قد تكون معنى من المعاني: كالرقى والنفث في العقد، وقد تكون من المحسوسات؛ كتصوير الصورة على المسحور وتارة بجمع الأمرين وهو أبلغ.
والسحر: تخييل فقط ولا حقيقة له.
٣- فاطمة بنت النعمان النجارية: كان لها تابع من الجن ويزعمون أن تابعها كان إذا جاءها اقتحم عليها بيتها، وفي أول البعث جاءها وقعد على حائط الدار فقالت له: لم لا تدخل؟ قال: قد بعث نبي بتحريم الزنا.
٤- أخطر بن مالك من أعلم الكهان وعنده علم النجوم ينسبون إليه:
يا معشر أعني بني قحطانِ أخبركم بالحق والبيانِ
أقسمت بالكعبة والأركانِ والبلد المؤتمن السدانِ
قد منع السمع عتاة الجانِ بثاقب بكف ذي سلطانِ
من أجل مبعوث عظيم الشأنِ يبعث بالتنزيل والقرآنِ
وبالهدى وفواصل القرآنِ تبطل به عبادة الأوثانِ
فقالوا: وماذا ترى لقومك؟ فقال:
أرى لقومي ما أرى لنفسي أن يتبعوا خير نبي الإنسِ
برهانه مثل شعاع الشمس يبعث في مكة دار الحمسِ
بمحكم التنزيل غير اللبسِ
فقلنا: يا أخطر من هو؟
فقال: والحياة والعيش، وإنه لمن قريش، ما في حلمه طيش، وما في خلقه طيش.. أخبرني به رئيس الجان.
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام "١٤: ١٢٥".
[ ٥٢٩ ]
١- ويقال أن جنيا من بطن اليمن كان لقومه كاهن في الجاهلية سألوه عن الرسول عندما انتشر أمره بين العرب فقال:
أيها الناس إن الله أكرم محمدا واصطفاه.
وجنى مذحج وهم: عبد الله، وأنس الله، وزيد الله، وأوس الله.
قال ابن إسحاق: وكانت الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى، وكلها من العرب قد تحدثوا بأمر الرسول قبل مبعثه لما تقارب من زمانه.
- أما الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى، فمما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه وما كان من عهد أنبيائهم فيه.
وقال النووي: إن له حقيقة١.
والذي قال تخييل جعله انقلاب عين، والذي جعله حقيقة جعل له تأثيرا على المزاج فيكون نوعًا من الأمراض أو تأثيرا بحالة الجماد الحيوان.
ونحن نرى أن ما يقع منه لا يخرج عن كونه خيالات باطلة، ولما كان السحر يشبه خوارق العادات رأى العلماء أن يفرقوا بينه وبين غير من الكرامة والمعجزة.
١- السحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد، وقال الجويني نقلا بالإجماع على أن السحر لا يظهر إلا من فاسق، وقال القرطبي: كذلك "السحر" حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، وحده الوقوف على ظواهر الأشياء وأكثرها تخييلات بغير حقيقة، وإيهامات بغير ثبوت.
الكرامة: لا تحتاج إلى ذلك من أقوال الناس أو أفعالهم، أوتعلم إنما تقع غالبا اتفاقا وأنها لا تظهر، على فاسق.
المعجزة: مثل الكرامة غير أنها تمتاز عنها بالتحدي.
_________________
(١) ١ فتح الباري "١٠: ١٨٠".
[ ٥٣٠ ]
والسحر: يرجع إلى اليهود منذ نبي الله سليمان وظهوره في جزيرة العرب مرتبط باليهود.
قال النووي: عمل السحر حرام وهو من الكبائر بالإجماع.
قال صاحب المحيط: وأما في زماننا الآن فكل ما وقفنا عليه في الكتب فهو كذب وافتراء لا يترتب عليه شيء ولا يصح منه شيء البتة، وكذلك العزائم وضرب المندل، والناس الذين يعتقد فيهم أنهم عقلاء يصدقون بهذه الأشياء ويصغون إلى سماعها.
قال: وقد رأيت بعض من ينتمي إلى العلم إذا أفلس وضع كتبًا، وذكر فيها أشياء من رأسه وباعها في السواق بالدراهم الجيدة.
قال في فتح الباري١: شرح: لا عدوى:
البرهان العقلي والحسي: رد على قول أن المرض يعدي بطبيعته عقيدة للطبعيين يجوز مشافهة من وقعت له شبهة في اعتقاده بذكر البرهان العقلي إذا كان السائل أهل لفهمه.
وأما من كان قاصرًا فيخاطب بما يحتمله عقله من الاقتناعات.
وقول الرسول لا عدوى نفي لشبهة وقع فهيا الطبعيون أولا والمعتزلة ثانيا: فقال الطبعيون بتأثير الأشياء بعضها في بعض وإيجادها وسمو المؤثر طبيعة.
وقال المعتزلة: بنحو من ذلك في الحيوانات والمتولدات وأن قدرتهم مؤثرة فيها بالإيجاد وأنهم خالقون لأفعالهم مستقلون باختراعها.
واستندت الطائفتان إلى المشاهد الحسية ونسبوا من أنكر ذلك إلى إنكار البديهة.
وغلط من قال منهم غلطًا فاحشا لالتباس إدراك الحس بإدراك العقل، فإن المشاهد إنما هو تأثير شيء على آخر وهذا حظ الحس فأما تأثيره فهو حظ العقل.
_________________
(١) ١ فتح الباري "٣: ٢٩٩".
[ ٥٣١ ]
فالحس إدراك وجود شيء عند وجود شيء وارتفاعه عند ارتفاعه، وأما إيجاد به للحس فليس للحس فيه مدخل.
فالعقل هو الذي يفرق فيحكم بتلازمهما عقلا أو عادة مع جواز التبدل عقلا.
على أي حال كانت الخرافات المتعددة وتنوعها ثقلا شديدا على كاهل الوثني الذي تشتت فكره واضطربت عقليته.
وكنا نرى ذلك سببا وراء عدم ظهور وحدة القصيدة في قصيدة الشاعر الجاهلي مضافا إليه تأثرا الشاعر ببيئته القبلية، وكان مجتمعه محكوما بأنظمة قبلية شتى، ومن جانب آخر افتقد الوحدة التي تجمع بينه وبين أديانه المتعددة أضف ذلك كله إلى شخصية الشاعر التي وقعت تحت ذاتية منغلقة، وبسبب من واقع الشاعر تحت مؤثرات البيئة التي لم تشعره بضرورة وحدة القصيدة.
العراف:
في حديث: "من أتى عرافا أو كاهنا"، ذكر أن: العراف، الكاهن، أو الطيب، أو المنجم، أو الحازي الذي يدعى علم الغيب.
فللكلمة معانٍ عديدة، ولا تختص بمعنى واحد.
وقد ذهب المسعودي: إلى أن العراف دون الكاهن.
وخلاصة ما يفهم عن الكهانة، والعرافة في روايات الإخباريين أن: الكهانة هي التنبؤ بواسطة تابع؛ وأن العرافة -تكون بالملاحظات، وبالاستنتاجات، وبمراقبة الأشياء؛ لاستنتاج أمور منها يخبر بها السائلون على سبيل التنبؤ.
وقد عد العبرانيون العرافة من الحيل الشيطانية كالسحر، والتفاؤل؛ لأنها من رجس المشركين١.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٧٧٣.
[ ٥٣٢ ]
القيافة:
ويقصد بها التنبؤ، والإخبار عن شيء بتتبع الأثر والشبه.
الفراسة:
فتكون بالاستدلال بهيئة الإنسان وأشكاله، واقواله على صفاته وطبائعه.
وقد ذهب بعض المستشرقين: إلى أنها من الكلمات المعربة، التي أخذت من بني إرم.
العيافة:
هي: التنبؤ بملاحظة حركات الطيور، والحيوانات، ودراسة أصواتها، وقراءة بعض أحشائها؛ ولذلك قيل في العبرانية للعائف: "الشاق"؛ لشقه الحيوانات والطيور؛ لدراسة أحشائها واستخراج الخبر مما يراه على تلك الأحشاء من ألياف، يرى أن في أوضاعها معاني يذكرها للسائل على شكل نبوءة.
والزجر: العيافة؛ وهو يزجر الطير يعافها، وأصله أن يرمي الطير، يصيح؛ فإن ولاه في طيرانه ميامنه تفاءل بهن أو مياسره تطير، وهو ضرب من التكهن١.
الاستقسام بالأزلام:
ومن طرق التنبؤ: الاستقسام بالأزلام؛ وتقابل ذلك ما يقال له: "كسيم، كسم" في العبرانية؛ وهي طريقة معروفة عند البابليين كذلك، وعند غيرهم من الشعوب.
وقد أشير في التوراة إلى أن: بختنصر أجال السهام حين عزم على فتح أورشليم "القدس" فإن ملك بابل قد وقف عند أم الطريق في رأس الطريقين؛ ليباشر عرافة فأجال السهام، وسأل التراقيم، ونظر في الكبد، وقد خرج السهم الذي كتب عليه أورشليم؛ فعمل به وهاجم القدس وفتحها.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٧٧٤، ص٧٧٥.
[ ٥٣٣ ]
وقد عرف أهل الأخبار: الأزلام؛ أنها السهام التي كان أهل الجاهلية يستقسمون بها؛ وعرفوا "الزلم" أنه السهم؛ وأنه القدح المزلم.
وذكر بعض آخر: أن الأزلام سهام كانت لأهل الجاهلية، مكتوب على بعضها "أمرني ربي"، وعلى بعضها نهاني ربي؛ فإذا أراد الرجل سفرا أو أمرا ضرب تلك القداح؛ فإن خرج السهم الذي عليه أمرني ربي مضى لحاجته؛ وإن خرج الذي عليه "نهاني ربي" لم يمض في أمره١، وطريقة الضرب أن الرجل منهم إذا أراد أن يخرج مسافرا كتب في قدح هذا يأمرني بالمكث، وهذا يأمرني بالخروج وجعل معهما أزلاما مسحة لم يكتب فيها شيئا؛ ثم استقسم بها حين يريد الخروج؛ فإن خرج الذي يأمر بالمكث مكث؛ وإن خرج الذي يأمر بالخروج خرج، وإن خرج الآخر أي المسح أجالها ثانية حتى يخرج أحد القدحين؛ وجاء في سورة المائدة: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ ٢، وذلك مع أمور نهى عنها الإسلام؛ منها تحريم أكل الميتة، والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة إلخ ما جاء في الآية.
وجاء ذكر الأزلام في موضع آخر: مع ذكر الخمر، والميسر والأنصاب، والأزلام حيث جعلت رجسا من عمل الشيطان لذلك على المسلم اجتنابها والابتعاد عنها.
فالاستقسام بالأزلام من الأمور التي نزل الأمر بالنهي عنها في الإسلام، وقد جاء الأمر بالنهي عنها في شريعة "يهود" كذلك؛ إذ اعتبرت رجسا ومن أعمال الوثنيين.
والأزلام: كانت لقريش في الجاهلية، مكتوب عليها: أمر، نهي، وافعل ولا تفعل، وقد زلمت وسويت ووضعت في الكعبة، يقوم بها سدنة البيت؛ فإذا أراد رجل سفرًا، أو نكاحًا: أتى السادن، فقال: أخرج لي زلما فيخرجه، وينظر إليه؛ فإذا خرج
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٧٧٦. ٢ سورة المائدة آية ٣.
[ ٥٣٤ ]
قدح الأمر مضى على ما عزم عليه؛ وإن خرج قدح النهي قعد عما أراده؛ وربما كان مع الرجل زلمان وضعهما في قرابه؛ فإذا أراد الاستقسام أخرج أحدهما١.
الطيرة:
قال الجاحظ: وأصل التطير إنما كان من الطير، ومن جهة الطير إذا مر بارحا أو سانحا، أو رآه يتفلى، وينتف حتى صاروا إذا عاينوا الأعور من الناس، أو البهائم، أو الأبتر زجروا عند ذلك وتطيروا كما تطيروا من الطير إذا رأوها على تلك الحال فكان زجر الطير هو الأصل، ومنه اشتقوا التطير، ثم استعملوا ذلك في كل شيء٢.
_________________
(١) ١ المفصل جـ٦ ص٧٧٧، ص٧٧٨، ص٧٧٩، اللسان جـ١٢ ص٢٧٠ وما بعدها. ٢ المفصل جـ٦ ص٧٨٦، ص٧٨٧، الحيوان جـ١ ص٤٣٨، العمدة جـ٢ ص٢٥٩.
[ ٥٣٥ ]
تعقيب:
أما عن تحليلنا لهذه الرمزيات فيكون من خلال أثرها على العربي وتأثيره عليها، فحينما أبدعها خياله: كان يرى فيها نوعا من المناسبة بين مكوناته النفسية وما هو كامن في طبيعة صحرائه من سعة لا حد لها تشعره بالتضاؤل والضحالة وهو فيها وبجفاف قاسٍ، إلى إيحاء تسوده رهبة.
فهو مثلا يرى في التطير إن اتجه إلى التجارة نوعا من فهم سبيله، فهو يرى في ميامنها تفاؤلا: يدفعه لوجهته وفي مياسرها تشاؤما يدفعه ليعدل عن وجهته.
وتبعا لمعتقده هذا نراه يتجاوب فكريا مع أي معنى يوحى إليه من خلال ميامن الطير أو مياسرها، وربما كان ذلك -من وجهة نظرنا- محاولة من العربي يفك بها لغز الكون بعد ما بات يحس من نفسه ضعفه أمام لغزه على الرغم من شجاعته المشهود له بها في شعره.
كذلك يرى فيها: دلائل عرفان نحو مستقبله، فخوفه من المستقبل يدفعه نحو تلك الأشياء؛ ليفهم بها مكامن المجهول، وعلى أي حال نراها في رمزيتها محاولات يخفف بها عن نفسه عبء اليأس من عدم فهمه للوجود وتبعد عنه فكرة الانتحار الذي قد يكون حلا قانطا وسلبيا لمشكلة اليأس من عدم فهم مستقبله، وليس بدعا من العربي أن يبدأ التفكير من بداية الفكر الإنساني في طفولته ولقد "كان الفكر الإنساني في طفولته يتفتح لرؤية الكون الهائل تفتحا مشفوعا بالعجب والهيبة"١.
وكانوا يودون من مغزى هذه الرموز أن تكفيهم شر الحياة المادية الخبيثة وذلك لما يرون فيها من معايير مقدسة يفزعون إليها إن ألم بهم شيء أو هَمُّوا بعمل شيء.
وعلى الرغم من أنها تصورات خيالية نجدها توقفنا على شيء ذي بال في حياة العربي النفسية والدينية؛ فإنها من الناحية النفسية تفسير لنا مثيرات انفعالاته وعواطفه، وبها نستطيع أن نفسر مكوناته الشخصية ومؤثراتها الخارجية، فعن طريق هذه
_________________
(١) ١ سيرة تاريخ وفن ص٢٣ د. ماهر حسين فهمي، مكتبة النهضة.
[ ٥٣٦ ]
المعتقدات يتسع لنا المجال لاستنباط أحاسيسه الداخلية وتقدير طموحه في حياته العامة.
ومن الناحية الدينية تفسر لنا أثر المعتقد على الإنسان لما لها من معنى مقدس في نفس العربي الذي لا يجد متسعًا لمخالفتها فينكرها، ومظهر تقديسها يظهر في أنه تصورها على هيئة قوى روحية على شكل طيور؛ ليتناسب طيرانها مع صحرائه -ولها قدرة الإيحاء إليه أمرا أو نهيا مع التزامه بطاعتها في كلا الحالين.
وفي هذا رؤية رمزية للكون تتناسب مع فكر لما يزل في دور الطفولة ملازما فكرة التشاؤم والتفاؤل من إحساس العربي بتأثيرهما عليه ومن نظرية انقسام الروح إلى خيرة وشريرة أي بعضها يختص بالخير وبعضها يختص بالشر.
يمنح العربي هذا كله معنى المعرفة يستوحي منها مظان الخير في مستقبل حياته. وليست فكرة الخير لديه -كما نتصور- رفيعة في معناها ولكنها فكرة رديئة رداءة رمزها؛ فهو يرى في قول الهامة: اسقوني من دم قاتلي دعوة خير بينما العامة وقولها يتشابهان في الرداءة، لكنها مع ذلك هي من دلائل الخير عن العربي صاحب الثأر.
ولعل الذي جعل فكرته عن الخلود باهتة الألوان ما كابده من شظف العيش وما يمسه في حياته من لغوب ومن جفاف في صحرائه لعل في ذلك مقنعا للعربي في عدم خلق أساطير يرمز بها إلى البحث عن فكرة الخلود، وكيف يبحث خلوده وربما يكون مكان بحثه لا يبعد عن صحرائه أو يناظرها في القسوة والجفاف. على أي حال كانت كل معتقداته الرمزية تنبئ عن معنى خوفه:
-خوفه من العار: فقد وأد البنات وثأر.
- خوفه من خسارة في رحلته التجارية: لجأ إلى التطير.
فصفة الخوف من المستقبل هي الغالبة على الروح العربية، لذلك نرى شجاعة العربي فورة حماسية أو نزوة عصبية تشعلها كلمة وتطفئها أخرى.
[ ٥٣٧ ]
فشجاعة الخوف: نوع من توترات عصبية من غير تركيز منه على الهدف وقيمته.
ومن هنا كانت فكرته العقلية عن الأشياء غير مركزة وغير ثابتة، وقد يضل عن مضمونها إن فاوض أو ناقش، وقد يتسرب معها في مساربها دون وعي منه يميز به بين ما هو ضروري وأساسي في القضية المطروحة وما هو فيها من باب الطرافة، وقد يصرفه عن مناقشة القضية كلمة عابرة يقولها رجل خبيث ذكي دون أن يفطن هو إلى خبثه، وقد يصرفه بها عن مناقشة القضية دون أن يلتفت إلى حقيقة الدور الذي حوله، وقد يصرفه بها عن مناقشة تنتهي إلى جانب العربي فسيثأر العربي لينهي بنفسه دوره ثم أخيرا يتحمل مسئولية عمله بينما هو مدفوع إليه.
وفي النهاية: نرى أن الأوهام والعقائد الشعبية وأعمال السحر -التي كانت المركز الأساسي لدائرتهم الثقافية -كانت تعمل دائما على قهرهم إذا حاولوا فهم وجودهم أو تغيير علاقاتهم الاجتماعية من مستواها القبلي إلى مستوى إنساني.
فلما جاء الإسلام عصف بتلك الروح وأحل فيهم روحه العامرة بالحياة. وكان من أرفع ما قدمه الإسلام أن ربط كتابه بالعقل الإنساني، وأزال ما يعوق تفاهمه مع العقل وكان أهم ما يعوق رحلة التفاهم بينه وبين الدين وجود طبقة دينية أكليريكية ترى في نفسها امتيازا دينيا يؤهلها للوصاية على لغة التفاهم بين العقل والقرآن.
"وقد دمغ القرآن بالشرك أولئك الذين أعطوا سلطة التشريع المطلق لبعض البشر من رجال الأديان الذين بدلوا كلمات الله، وغيروا شرع الله فأحلوا ما حرم الله وحرموا ما أحل الله افتراء على الله.
وفي هذا يقول في شأن أهل الكتاب: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة الآية ٣١] .
اعتبر القرآن: هؤلاء الأحبار والرهبان أربابا وآلهة معبودين من دون الله وما كانت عبادتهم إلا طاعتهم في إحلال ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، أي إعطائهم
[ ٥٣٨ ]
حق التشريع فيما لم يأذن به الله تعالى كما فسر ذلك النبي ﷺ لعدي بن حاتم الطائي.
فقد كان عدي تنصر في الجاهلية فلما دخل على النبي ﷺوهو يقرأ هذه الآية من سورة التوبة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: يا رسول الله: ما كنا نعبدهم؛ "كأنه حصر مفهوم العبادة في الركوع والسجود والصلاة ونحوها"، فقال النبي ﷺ: "ألم يكونوا يحلون لكم الحرام فتحلونه، ويحرمون عليكم الحلال فتحرمونه"، قال: بلى، قال: "فتلك عبادتكم إياهم" ١.
فكان موقف القرآن من الطبقة الإكليريكية واضحًا وفيه حزم؛ لأن وجود مثل هذه الطبقة يعمل دائمًا على شلِّ العقل عن وظيفته وتغيير مفهوم المقدس، وهو ما عناه الرسول بقوله: "ألم يكونوا يحلون لكم الحرام فتحلونه ويحرمون عليكم الحلال فتحرموه؟ " قال: بلى، قال الرسول: "فتلك عبادتكم إياهم".
أما بعد:
ففي القرآن ثلاث آيات متفرقات في سور مدنية تناولت موضوعًا واحدًا هو: الحياة الاعتقادية السائدة في العالم إبان ظهور الإسلام من خلال مستوى مذاهبهم الدينية كما فصلنا القول من قبل.
الآية الأولى من سورة البقرة آية ٦٢ يقول الله فيها:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .
والآية الثانية: من سورة المائدة آية ٦٩ يقول الله فيها:
_________________
(١) ١ الخصائص للعامة للإسلام. د. يوسف القرضاوي.
[ ٥٣٩ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .
الآية الثالثة: من سورة الحج آية ١٧ يقول الله فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
نلاحظ أن القرآن عدد فيها الكثير من الملل والنحل القديمة -رعاية منه للجانب التاريخي- ثم عرض لبعضها بالنقاش، وفصل من قضاياها ما شاء أن يفصل، وأعرض عن البعض -في بعض مسائله- إذا كان مداره قائما على التقليد الساذج الذي لا يراعي فكرا ولا يراعي جانب العقل.
مثل هذه الملل يعرض عنها القرآن، وحسبه فيها أن يردها إلى التقاليد وهو إذ يردها إلى التقاليد يكون قد أصاب المحز في عملية النقد.
وكان الهدف الأساسي من منهج القرآن الجدلي لهذه الملل، هو السعي بذويها إلى نتيجة محددة هي: الإيمان بالله وحده وتنزيهه.
واقتضاء سعيه إلى تلك القضية المحددة، أن يرفع دور العقل ووظيفته ويحط من شأن التقليد مزدريًا إياه، وكان ذلك منه بخطى معينة ومحددة؛ لأن الحياة الاعتقادية التي أشاعتها هذه الأديان كان مجال التفكير فيها محدودًا ضيقًا، والإنسان معها: كان متزمتا، فبسبب مجال التفكير المحدود الضيق -من السيطرة الكاملة لهذه المذاهب المتزمتة عليه- اتخذ القرآن خطواته نحو رفع القيمة للبحث والنقد، وكانت خطواته معها متأنية مترفقة غير أنه لا لين فيها.
يلاحظ ذلك من الآيات السابقة، فمرة يقول: إن استجابوا للإيمان ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ومرة يقول: ﴿َلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، والثالثة الأخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
ويغلب على ظني -والأمر يحتاج إلى توقيف- أن ترتيب نزول الآيات هو:
[ ٥٤٠ ]
آية البقرة أولا، وآية المائدة ثانيا، وآية الحج ثالثا.
وإن صح هذا وخاصة أن هذه السور مدنية -يمكن اعتبارها نموذجا تطبيقا- من بين نماذج كثيرة حفل بها القرآن -في هذا المقام بالذات لنوع من الجدل نحو غايته.
كنا نلاحظ من خلال تفصيل القرآن للأديان القديمة والنحل، أن له منهجا سار عليه -إزاء تلك المعتقدات القديمة- حين ردها على كثرتها إلى مبدأ التقابل، فمن كان معتقده عن كتاب فليدخل مع أهل الكتاب الذين تعلموا من كتب السماء التي حرفت، يتقابلون مع الأميين الذين التمسوا تعليمهم تقليدا لغيرهم وبعيدا عن كتب السماء، وهذا مما يتقابلون فيه مع الذين آمنوا بالدين الخالص وهو دين الله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ١.
مصر الجديدة في ١٩٨٣.
دكتور محمد إبراهيم الفيومي
_________________
(١) ١ سورة الزمر آية ٣.
[ ٥٤١ ]