معناها
العبادة مأخوذة من "عبد" بمعنى إنسان خاضع ذليل لسيده ومالك أمره قال تعالى:
﴿إن كلُّ من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾ [مريم: ٩٣].
أي خاضعًا ذليلًا للرحمن.
وعبد الطريق ذلله، وعبد إنسان إنسانًا أخضعه له، قال موسى ﵇ ردًا على فرعون في صلفه وكبريائه:
﴿وتلك نعمةٌ تمنها عليّ أن عبدت بني إسرائيل﴾ [الشعراء: ٢٢].
والمعنى: هل تعتبر إخضاعك بني إسرائيل لظلمك وجورك وإذلالك لهم نعمة تستحق أن تمن بها علي؟ إن هذا قلب للحقائق.
وعلم الله المسلمين أن يقولوا في كل ركعة من الصلاة:
﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥].
والمعنى: لا نعبد أحدًا غيرك، ولا نستعين بأحد سواك، فأنت وحدك المستحق للعبادة، وأنت وحدك المعين لمن يستعين بك.
وكل شيء أخضعت نفسك له خضوعًا يتنافى مع إسلامك فأنت عابد له وهو مستعبد لك ولو كان لا يعقل هذا الاستعباد ولا يقصده، ولذلك قال ﷺ كما روى البخاري:
"تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة".
[ ٢٦٥ ]
وعبادة الله تعالى معناها الخضوع لله تعالى خضوعًا كاملًا في جميع ما جاء به كتابه الكريم، وفي جميع ما بينه نبيه العظيم، عليه أفضل الصلاة والتسليم مع شدة الحب لله، وشدة الخوف منه، وهي بهذا المعنى تشمل الخضوع لله في العقيدة وأنواع القرب كالصلاة والزكاة والصوم وغيرها، وفي أنواع المعاملات كالزواج والطلاق والبيوع والشركات، والمداينات والتجارة والصناعة والزراعة، وفي أنواع الأخلاق كالوفاء، والصدق، والعدل والأمانة، وفي كل ما يتصل بنظام حياتنا الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بشرط واحد هو أن يريد المسلم بخضوعه وجه الله تعالى، ويطلب به رضاه. فإذا التزم المسلم بالعمل بالكتاب والسنة، وفعل ما أمره الله به، وترك ما نهاه الله عنه قاصدًا بذلك وجه الله فهو عابد لربه يستحق على عبادته المثوبة في الدنيا والآخرة، ولو كان عمله في ظاهره عملًا دنيويًا محضًا، يشهد لذلك قول رسول الله ﷺ لسعد بن أبي وقاص:
"إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة تضعها في فم امرأتك".
وجاءت أحاديث كثيرة صحيحة أخبر النبي ﷺ فيها أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن السلام على المسلم يرفع الدرجات عند الله، وأن كف اللسان عن الشر صدقة، وأن إعانة المحتاج صدقة، وأن زيارة الأخ في الله، وعيادة المريض المسلم، والتبسم في وجه المسلم، وإرشاده إلى ما ينفعه، والسعي على النفس أو الزوجة والأولاد. كل ذلك وغيره وغيره يعتبر عملًا تعبديًا يثاب عليه المسلم ويؤجر على فعله، كما يؤجر على الصلاة والصيام والصدقة.
ومن هنا ندرك أن معنى العبودية لله والخضوع له معنى عام شامل يدخل في دائرته كل أمر يفعل أو يترك على أساس الدين وشريعة الله تعالى مع
[ ٢٦٦ ]
النية الصالحة. فمن شارك مسلمًا والتزم في شركته العمل بالكتاب والسنة فهو عابد لله في هذه الشركة. ومن عاشر زوجته بالمعروف كما أمره الله يبتغي بذلك وجه الله فهو عابد لله. ومن تاجر فصدق في تجارته وبين ما فيها من عيوب يخشى الله في ذلك فهو عابد لله، ومن حكم بما أنزل الله في آية قضية بنية الخضوع لحكم الله فهو بذلك عابد الله. ومن اجتهد في طلب العلم - ولو كان علمًا ماديًا - يريد بذلك نفع أمته الإسلامية وكان صادقًا في إرادته فهو عابد لله.
والخلاصة أن كل إنسان مسلم يلتزم بالكتاب والسنة مبتغيًا بذلك رضاء الله تعالى فهو عابد لله تعالى بالمعنى العام المطلق لكلمة "عبادة" كما سبق.
وهذا هو معنى العبودية الحقة التي يخرج بها الإنسان من الشرك والوثنية إلى الإسلام والتوحيد كما جاء في الكلمة التي أخبر الله ورسوله أنها كلمة التوحيد، وكلمة العبور من الشرك إلى الإيمان، والخلاص من جميع الآلهة من أجل الالتجاء إلى إله وحده هو الإله الحق وهو الله تعالى والكلمة هي كلمة: لا إله إلا الله.
ومعناها: لا معبود يستحق العبادة إلا الله.
فقائلها يرفض الخضوع لجميع الآلهة ما عدا إلهًا واحدًا هو الله، لأنه الإله الحق. فهو يكفر بآلهة القبور والقباب وكل من قدسه الناس من الموتى بغير إذن من الله.
ويكفر بآلهة الجن والملائكة والشياطين الذين توهمهم الناس فعظموهم وأحبوهم أشد من حبهم لله، ونذروا لهم النذور، وقدموا لهم القرابين، وجعلوهم شركاء في أموالهم بشكل يثير الاشمئزاز والنفور، ويخجل العقل البشري الواعي.
ويكفر بآلهة البشر الأحياء من العلماء والزعماء والكبراء الذين اتخذهم الناس آلهة يخضعون لهم فيما يغضب الله، وأربابًا يحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، ويتخذون للناس شرائع وقوانين مضادة لشريعة الله وقانونه.
[ ٢٦٧ ]
وما لم يكفر المسلم بجميع هؤلاء وأشباههم فهو ليس مسلمًا ولا مؤمنًا على وجه الحقيقة، لأنه لم يستسلم لله، ولم يوحده حين آمن به، لأنه خاضع لغيره فيما لا يرضيه.
وحسب هذا المفهوم الواضح الخطير يستطيع أن يعرف كل إنسان نفسه هل هو عبد لله أم عبد للشيطان من الإنس أو الجن؟
وليحذر كل امرئ خطورة الموقف بين يدي الله تعالى يوم القيامة حين يفصل في القضاء بين الناس ويقول لأتباع الشياطين:
﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون. ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدوٌ مبين. وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم﴾ [يس: ٥٩ - ٦١].
العبادات وصلتها بالعقيدة
العبادة حسب المفهوم الخاص
عرفنا أن العبادة حسب المفهوم العام والأصلي لهذه الكلمة يراد بها الخضوع للمعبود مع شدة حبه والحرص على رضاه والخوف من غضبه.
ولكن العرف الإسلامي جرى على حصر العبادة في أمور معينة: منها الصلاة والدعاء والزكاة والصيام والحج والذكر، والجهاد الخ، وذلك عندما صنفوا العلوم الإسلامية في عهد السلف الصالح تسهيلًا للتعليم، ووضعًا لكل نوع في الإطار الذي يناسبه من الخطورة والأهمية، والمميزات والشروط وغيرها.
فقسموا العلوم الإسلامية إلى: عقائد، وعبادات، ومعاملات، وأخلاق وغيرها.
والأسباب التي جعلتهم يحصرون العبادات في الأمور المذكورة أهمها ما يأتي:
أولًا: هذه الأعمال لا تنعقد ولا تصح إلا بنية التقرب بها إلى الله تعالى، قال تعالى:
[ ٢٦٨ ]
﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعلم عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾ [آخر الكهف].
فمن صلى، أو صام، أو زكى، أو حج، أو اعتمر، أو جاهد بغير نية فإن عمله باطل، وإن نوى به غير وجه الله تعالى فكذلك، وهذا بخلاف المعاملات والأخلاق والسياسات وغيرها، فإن العقود فيها تصح بنية وبغير نية، وتصح سواء كانت النية لله أو لغيره. كل ما في الأمر أنها إن قصد بها وجه الله أثيب صاحبها وإلا فلا. فلو تزوج إنسان امرأة لمالها أو لجمالها أو لحسبها فإن الزواج صحيح، غير أنه لا ثواب فيه، لأن الثواب في المعاملات والأخلاق وأمثالها يأتي نتيجة نية صالحة.
وكذلك عقود البيع والتجارة والشركات، والمعاهدات بين الدول، والاتفاقيات بينها، أو بين الأشخاص بعضهم مع بعض في جميع أمور الحياة لا يشترط في صحتها أن يراد بها وجه الله، بل تصح بدون هذه الإرادة، أو بإرادة سيئة كإرادة الرياء، والجاه والاستعلاء، والمنافع الشخصية، والإضرار بالآخرين. كمن اشترى دارًا بنية الإضرار بالجيران أو بساكن معين في الشارع.
ثانيًا: هذه الأمور مطلوب من المسلم أداؤها كما أمر الله تعالى وبين رسوله ﷺ سواء فهم المسلم الحكمة في أدائها أم لم يفهم. إنها خضوع خالص لله تعالى على الوجه الذي جاءت به الشريعة، فإن كان العبد مستسلمًا حقًا نفذ أمر الله وأمر رسوله بدون أن يسأل: لم شرع؟ ولم كان على هذا النظام؟ ولم لم يكن على نظام كذا وكذا. إن عليه أن يقول:
﴿سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ [البقرة: ٢٨٥].
صحيح أن جميع شرع الله يجب أن يتلقاه المسلم بالقبول والتسليم والخضوع له سواء فهم الحكمة أو العلة أم لم يفهم، غير أن باب المعاملات أوضح
[ ٢٦٩ ]
الشارع أنه قائم على مصلحة المسلم، وأنه ما دامت هناك مصلحة فهناك شرع الله، وما دام هناك ضرر فهناك منع الله وتحريمه.
ومجال الاجتهاد في المعاملات متفوح دائمًا، وتحدث للناس أحكام بعدد ما يحدث من أقضية ومشكلات كما قال عمر بن عبد العزيز، ولذلك من سن سنة حسنة في المعاملات من أجل مصالح المسلمين فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
وليس الأمر كذلك في العبادات فإن الواجب فيها الوقوف على ما جاء منصوصًا عليه في الكتاب والسنة بدون زيادة أو نقصان. فمن ابتدع فقد ضل وهوى. ولذلك جرى الفقهاء على أن يقولوا هذا "أمر تعبدي" يعني نأخذه كما جاء بدون تدخل مطلقًا من جهتنا وهذا "أمر غير تعبدي" يعني لنا فيه مجال واجتهاد حسب أصول مشروعة.
ثالثًا: العبادات عبارة عن أعمال يعملها العبد بينه وبين الله مباشرة بدون أدنى حاجة إلى وسيط أو وسيلة من الخلق، ولو دخل فيها وسيط لتحولت إلى وثنية، وذلك كما كان الكفار يفعلون لأصنامهم من تقديم النذور، والدعاء والاستغاثة وطلب الحاجات، وتفريج الكربات قائلين:
﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: ٠٣].
فهي عقد بين العبد وبين الله مباشرة إذا وفى العبد بشروطه نال من فضل الله ثواب حسن جزائه. أما جميع المعاملات فهي أعمال بين عبد وعبد، فهي مرتبطة أصلًا بتعامل الناس بعضهم مع بعض على اساس الدين.
رابعًا: العبادات مطلوبة من كل مسلم سواء كان هناك حسب نظره داع إلى فعلها أم لم يكن، لأن الله وحده هو العليم بأمرنا وبما يصلحنا فيما بيننا وبينه، فمثلًا لو لم يوجد إنسان محتاج للزكاة وجب إخراج الزكاة من المال وينتظر بها وقت الحاجة، ولا يجوز لمسلم إبقاء نصاب الزكاة داخل ماله اعتمادًا على عدم وجود محتاج.
[ ٢٧٠ ]
وكذلك لو أحس إنسان أن كل آثار الصيام هو متصف بها فلا حاجة إلى صيامه رمضان، فإنه لا يجوز له أن يفطر ولو فعل لوجب تعزيره واعتبر فاسقًا ومجرمًا، وهكذا قل في الصلاة والحج والذكر والدعاء والجهاد وغيرها.
وهذا بخلاف المعاملات الاجتماعية والمالية والاقتصادية وغيرها فإنها موقوفة على الحاجة إليها فإن وجدت الحاجة كانت وإلا فلا. وهذا غير رقم (٢) فإن هذا جانب آخر مختلف عنه في النظر.
والخلاصة أن العبادات سميت بهذا الاسم وخصصت به عرفًا لأنها لم تصلح أن تؤدى إلا على وجه التعبد لله تعالى، ولذلك يوصف الملتزم بها، والمغرق فيها بأنه عابد وبأنه تقي وولي وصالح الخ. بشرط الالتزام بالكتاب والسنة في جميع تصرفاته وأن يكون ذلك كله مبنيًا على عقيدة سليمة.
العبادات وصلتها بالعقيدة
مكانة العبادة وصلتها بالعقيدة
١ - حين تذكر العقيدة في الكتاب والسنة فإنما يراد بها العقيدة الحية المؤثرة التي تحدث تغييرًا شاملًا في النفس، وفي الفكر، وفي الثقافة، وفي المبادئ والقيم، وفي السلوك والعمل، وفي تحديد الأهداف والغايات. ولن تكون العقيدة كذلك إلا إذا نشأت عن إعمال الفكر، واقتناع العقل، واطمئنان النفس إلى جميع قضاياها.
أماعقيدة التقليد والوراثة، والمناخ والبيئة، والتبعية وضياع الشخصية، عقيدة المحاكاة للآخرين في غباء، وترديد ما يقوله الكبار في بلاهة وبلادة وصغار، فإنها لا تصلح أن تسمى عقيدة ولا أن يكون لها اعتبار في نظر الإسلام.
وهي لذلك لا تكوِّن، شخصية، ولا تقوم معوجًا، ولا تنير لصاحبها طريقًا، ولا تعطيه عطاء جديدًا يحدد له الهدف والغاية، ويرسم له السبيل والوسيلة.
إن العقيدة الحية أصحابها أحياء، في مشاعرهم ووجدانهم، في صدقهم مع الله وثباتهم، في حبهم لله وخوفهم منه، في ذكرهم لله واندفاعهم في
[ ٢٧١ ]
طاعته، في خشيتهم لله ونفورهم من معصيته، فهم لهم شخصية تميزهم عن جميع البشر، ولذلك كانوا غرباء.
إن الذين يدعون الإسلام والإيمان كثيرون، ولكن دعواهم يفضح كذبها سلوكهم المشين، وأخلاقهم السيئة، وانحرافهم عن الصراط المستقيم. وانخراطهم في سلك الغواية والضلالة والسقوط بدون خجل أو حياء.
إن أمتنا الإسلامية اليوم تعيش في تناقض كبير بين الكلمة التي تقولها، وبين الأعمال التي تميزها عن غيرها فهي تنطق بكلمة الإسلام، وتردد شعائر الإيمان، وتكثر من قراءة القرآن .. بينما أعمالها تقليد لأعدائها، وحياتها في أكثريتها تعتبر ترديدًا لحياة من غضب الله عليهم ولعنهم في جميع كتبه، وشعورها بشخصيتها شعور ناقص يزري بكرامتها ويحط من قدرها ومكانتها الرائدة قد اهتزت كثيرًا حتى في نفوس أبنائها كل ذلك بسبب ضعف العقيدة، أو موتها. ولا أمل في إصلاح إلا على أساس إحيائها وتقويتها.
إن الذي يقول: "لا إله إلا الله والله أكبر" بعمق فكر، وصدق صلة، ولذة معرفة بالله، يشعر بزلزلة كيانه، وانفعال وجدانه وأركانه، وامتلاء قلبه بنور الله، وامتزاج روحه بفيض رحمة الله، وعزة انتمائه إلى حزب الله، ويجد أبواب السماء مفتّحة له، وملائكة الرحمة محيطة به وحملة العرش يستغفرون الله له ويطلبون له ولذريته وأزواجه وآبائه الرحمة والجنة، لذلك يندفع في حب يطلب رضاء الله بطاعته، ويسهر الليل عابدًا، أو يقضي النهار صائمًا، ويحمل سيفه مجاهدًا ويضحي بنفسه وماله في سبيل ربه، لا يبالي بمشقة أو تعب، ولا يشكون من بلاء أو نصب، له في كل خير قدم ثابتة، وفي كل عبادة وفضيلة منزلة سامية.
لو منعته الصلاة لبكى وقال: "كيف تحرمني الركوع والسجود لعظمة الله؟ ".
[ ٢٧٢ ]
ولو منعته الصيام أو الذكر لقال: "وكيف أحيا مؤمنًا وأنا مقطوع الصلة بالله؟ ".
ولو دفعته إلى منكر لقال لك: "قتلي أهون من إقدامي على معصية الله".
وهكذا لا تجد مؤمنًا صادقًا إلا وهو عابد صالح، ولا تجد عابدًا صالحًا إلا وهو مؤمن صادق.
فالعقيدة الحية هي: اندفاع في العبادة الحقة، والعبادة الحقة ناشئة عن عقيدة حية.
العقيدة شجرة، والعبادة ثمرتها والعقيدة أصل والعبادة فروعه:
﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلًا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء. تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥].
فمن لا عبادة له فلا عقيدة له، ولذا جاء في حديث صحيح:
"من ترك الصلاة فقد كفر".
وأنت حين تقرأ القرآن الكريم أو الحديث النبوي الشريف لا تجد العمل التعبدي إلا جُزءًا من العقيدة، وفرعًا قائمًا على أصولها، وذلك في مثل قوله تعالى:
﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم
[ ٢٧٣ ]
يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. أولئك هم المؤمنون حقًا لهم درجاتٌ عند ربهم ومغفرة ورزق كريم﴾ [الأنفال: ٠٢ - ٠٤].
وقوله تعالى:
﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون﴾ [الحجرات: ١٥].
وجاء في حديث رواه البخاري وغيره:
"الإيمان بضعٌ وستون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق".
وجاء في الصحيح قوله ﷺ لوفد عبد القيس:
"آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخمس من المغنم".
وانظر قوة الربط بين الإيمان بالله وتحكيم آياته وسنة رسوله في حياة المؤمنين وما يعرض لهم من قضايا في قوله تعالى:
[ ٢٧٤ ]
﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وليس أصرح في نفي الإيمان عمن ادعاه وهو لم يعمل بمقتضاه من قوله تعالى:
﴿ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين﴾ [النور: ٤٧].
"ولهذا ذهب مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهوية وسائر أهل الحديث وأهل المدينة وأهل الظاهر وجماعة من المتكلمين إلى أن اسم الإيمان يراد منه تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، بمعنى أن من آمن بقلبه ونطق بالشهادتين ولكنه لم يعمل بمقتضى الإيمان فإنه يسمى كافرًا، بمعنى أنه كافر بنعمة الله تعالى، ولم يقم بواجب شكره، وليس المراد أنه كافر كفر التخليد في النار، فإن أحدًا من المذكورين لم يقل بذلك". أ. هـ. ملخصًا من شرح الطحاوية ص ٢٣٦.
وبناء على ما تقدم ندرك أن فيض العقيدة الصادقة الحية، ونور الإيمان الغامر المؤثر والشعور بالقرب من الله ومراقبته في كل لحظة وخطوة، كل ذلك يجعل العبادة أمرًا مطلوبًا للنفس، وضروريًا لها بحيث لو لم يفرضه الشرع لطالبت النفس بالإذن به لأن فيه متعتها وسعادتها وقوام حياتها، ولذا كان ﷺ يقول كما جاء في البخاري وغيره:
"وجعلت قرة عيني في الصلاة" رواه البخاري وغيره.
[ ٢٧٥ ]
٢ - كل صاحب عقيدة يضبط سلوكه وجميع أقواله وأفعاله على مبادئ عقيدته، ويستمد قوة ارتفاعه أو هبوطه من الأصول التي اعتنقها وآمن بها. تجد ذلك واضحًا في حياة وتصرفات وسلوك الشيوعي والوجودي والانحلالي، كما تجده في سلوك الشيعي والسني والدرزي والقادياني والبهائي، كما تجده في سلوك اليهودي والنصراني والبوذي وغيرهم.
فما لم يظهر على المسلم أثر عقيدته فمعنى ذلك أنه إنسان غير عقائدي، وبالتالي فهو لا شخصية له وأهم شيء يظهر ملامح عقيدته عباداته الممثلة في أركان الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج وذكر ودعاء وقراءة قرآن، وحب الله وخوف منه وتوكل عليه الخ.
٣ - للعبادات في الإسلام وظائف تقوم بها، وآثار تتفرع عنها وتترتب عليها، ولا يحيط علمًا بهذه الوظائف والآثار أحد غير الله تعالى، ونحن يظهر لنا منها قدر ما تطيق عقولنا، فمن أقام هذه العبادات فقد أقام كل ما تفرع منها، ومن أضاعها فقد أضاع كل آثارها .. فكيف يسمى نفسه بعد ذلك مسلمًا أو مؤمنًا على وجه الحقيقة من أضاع أهم ما في هذا الدين وحطم أعظم أركانه التي ما خلق إلا لأجلها؟ قال تعالى:
﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦].
فالصلاة صلة مستمرة بين العبد وربه، تظهر فيها عبوديته لخالقه، وخضوعه لجلال الله وجماله وكماله فمن قطع هذه الصلة فقد قطع عن نفسه موارد الرحمة، وحرم مناجاة ربه، وعاش مبتورًا ضائعًا تلعب به الشياطين كيف تشاء.
والصيام فترة تربية وتهذيب للنفس ومراجعة بين العبد وخالقه، تكشف للإنسان جوانب ضعفه، وتنمي فيه أسباب قوته، وتأخذه مما ألف واعتاد وهوى إلى ما يحب الله ورسوله، وفيه تربيته ونجاته وشفافية روحه.
[ ٢٧٦ ]
والزكاة كنز الله يفاض على أصحاب العقيدة الواحدة، فيجمع الصف، ويوحد الجمع، ويطهر القلوب من الحسد والحقد، والنفوس من البخل والأنانية، ويجعل الجميع يشعر بأن المؤمنين رحماء فيما بينهم، أقوياء بتعاونهم، سعداء بأخوتهم، قادرون على أن يكونوا أغنى أهل الأرض حين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
أما الحج فإنه مجمع الوفود والأفئدة، ورياضة للفرد والجماعة، ووقوف في المشعر يشبه الوقوف في المحشر، ومناجاة وضراعات، وبكاء واستغاثات، ومراجعة للنفس في اليوم المشهود يوم عرفات. فيه تلين القلوب لربها، وتخشع النفوس لمعزها ومذلها، وتلتقي أفكار المسلمين وعقولهم في حل المشكلات وإقامة صروح المجد والكرامة والرخاء للمسلمين، فيه يشهد المسلمون منافع لهم، ويرفعون اسم الله ويذكرونه على ما هداهم، فلو صدر نداء من جميع ملوك الأرض لجمع المسلمين في صعيد واحد على الوجه المعروف يوم الحج الأكبر ما استطاعوا جمعهم. فهل يليق بمسلم بعد ذلك أن يهمل نداء الله إلى عبادته؟ وهل يسمى مسلمًا من حرم قلبه وجوارحه عبادة الله فذبل عود عقيدته؟ وهل هناك شقاء أشد من حرمان من يدعي الإيمان بالله وهو يتمرغ في وحل كسله وشهوته؟
٤ - العبادات في كل دين هي شعائر الله المعلنة عن هذا الدين والمظهرة لقداسته وتعظيمه في النفوس، فإذا أضاعت الأمة هذه الشعائر فهي لما سواها أضيع، وإذا حافظت عليها فهي أشد محافظة على غيرها. فهي معيار الأمة ومخبارها، وعلامة نجاحها في الدين أو سقوطها، ولذا قال تعالى:
﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ [الحج: ٣٢].
وشعائر الله هي معالم دينه وأماراته.
العبادات وصلتها بالعقيدة
آثار العبادة النفسية والاجتماعية
١ - الإشراق الروحي والنقاء النفسي: قال تعالى:
[ ٢٧٧ ]
﴿قد أفلح من تزكى. وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥].
٢ - الاطمئنان القلبي والاستقرار العاطفي. قال تعالى:
﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ [الرعد: ٢٨].
٣ - الهداية والتوفيق لما فيه خير المتعبد وسعادته في الدنيا والآخرة قال تعالى:
﴿يأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم﴾ [الأنفال: ٢٩]
والمراد بالفرقان: ما يفرق به المرء بين الحق والباطل، وبين الخير والشر].
٤ - الحصول على شرف ذكر الله لعبده وتكريمه له بإفاضة الرحمات عليه.
قال تعالى:
﴿فاذكروني أذكركم﴾ [البقرة: ١٥٢].
وقال تعالى:
﴿يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرًا. وسبحوه بكرة وأصيلًا. هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور، وكان بالمؤمنين رحيمًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
[ ٢٧٨ ]
٥ - الحصول على نصر الله وتأييده وتمكينه للمؤمنين في الأرض.
قال تعالى:
﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقويٌ عزيز. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
٦ - وجود الترابط الاجتماعي والتآخي الروحي، والتعاون بين المؤمنين العابدين.
قال تعالى:
﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله، إن الله عزيز حكيم﴾ [التوبة: ٧١].
٧ - وحدة الصف، وجمع الكلمة، وقوة الأمة، وذلك بسبب اجتماع أفرادها كل يوم خمس مرات في الصلاة، وتعاطفهم وتراحمهم بأداء الزكاة، وتأمرهم وتشاورهم في الجمع والأعياد والحج ومواسم التجميع الرباني. ولو راجع المسلمون دينهم، ورجعوا إلى ربهم، وقاموا بواجبات التعبد لله كما أمروا لعادت لهم قوتهم ووحدتهم وعزتهم، واستخلصوا حقوقهم من أيدي أعدائهم بشرف الجهاد والتضحية والدماء الطاهرة، وما تخبطوا عشرات السنين في متاهات وظلمات وخزي لا يرضاه لنفسه كريم أبي.
[ ٢٧٩ ]