تقديم
حين تكون العقيدة حية في أنفس المؤمنين، فإنها تضيء جوانب النفس، وتكتسح جميع الظلمات، وتشرق بسببها شمس الحقيقة في القلوب، وينتفض الكيان الإنساني بها انتقاضة الحق فيرمي بالباطل بعيدًا بعيدًا حتى كأنه لم يوجد.
وهذه العقيدة كما عرفنا فيها جلال الربانية، وكمال الألوهية، وروح الكلمات القرآنية، ونور الإرشادات المحمدية، فلا مثيل لها على الإطلاق يمكن أن يملأ الوعاء الإنساني بالسعادة، ويحول الفكر الإنساني إلى التشبع بفيوضات الرحمة والعزة والقوة والاطمئنان والركون الكامل والخضوع الذليل السعيد لله الذي يقول للشيء كن فيكون.
فإذا أضيف إليها الأعمال التعبدية السابقة فإن هذه العقيدة تظل حية مؤثرة، وتزداد في النفس فاعليتها، وتدوم أنوار إشراقها، وتطهر القلوب بما يعلق بها من ران وصدأ من آن لآخر بسبب غلطة، أو ذنب يرتكبه الإنسان ساعة حمق وجهالة وكل ابن آدم خطاء كما جاء في الحديث الصحيح.
وبالعقيدة التي يرتكز عليها الفكر والتكوين العقلي الإسلامي، والتغيير إلى الخط الإلهي، وبالعبادة التي تنمي العقيدة، وتحافظ على إشراقها وحيويتها وفاعليتها يظهر الجانب الخلقي الجميل في الإنسان المؤمن أوضح ما يكون، وأحسن ما يكون. فالأخلاق الإسلامية وليدة العقيدة الإسلامية النقية المشرقة المؤثرة كما أنها أثر من آثار العبادة الحقة، والعبودية الصادقة لله وحده، ولا نقول:
[ ٢٨٠ ]
إن هذا الأثر لازم للعقيدة والعبادة، ولكن نقول: إن شبيه باللازم في تأكد وقوعه، ما لم توجد موانع، ولذلك يربط القرآن والسنة كثيرًا بين الإيمان والعبادة، وبين الأخلاق الإسلامية، فيقول تعالى في الصلاة:
﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر﴾ [العنكبوت: ٤٥].
ومعنى ذلك أن الصلاة الحقة تطهر الإنسان من الأخلاق الذميمة، وتنمي فيه الأخلاق الحسنة، وذكر الله أكبر تأثيرًا وتطهيرًا، وسيتضح أمر الأخلاق ومعناها فيما يأتي.
وقال تعالى في الزكاة:
﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة: ١٠٣].
فالزكاة مطهرة من الذنوب ومزكية لفاعلها بمعنى أنها تنمي في نفسه جوانب الجمال والكمال بعد أن طهرته من العيوب والذنوب والنقائص، والآيات في ذلك كثيرة بالنسبة للعبادة.
وفي العقيدة يقول تعالى:
﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ١٠].
ويقول تعالى:
﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة: ٧١].
﴿يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط (العدل) شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾ [النساء: ١٣٥].
[ ٢٨١ ]
ويقول ﷺ:
"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" [رواه البخاري ومسلم].
فالربط واضح بين الإيمان والأخلاق. وذلك كثير جدًا لو تتبعته.
بين العقيدة والأخلاق
معنى الخلق
قال في القاموس المحيط: الخلق: السجية والمروءة والطبع والدين. وهذا من معانيه في اللغة، أما عند علماء الأخلاق فإنه له تعاريف كثيرة سواء عند قدماء الفلاسفة أو محدثيهم أو عند علماء الإسلام، وأقرب تعريف إلى الصحة هو تعريف الإمام الغزالي المتوفي سنة ٥٠٥ هفي كتابه "إحياء علوم الدين" وهو موافق ابن مسكويه الفيلسوف الإسلامي المتوفي سنة ٤٢١ هفي كتابه "تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق".
قال الغزالي في تعريف الخق اصطلاحًا: "الخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلًا وشرعًا، سميت الهيئة خلقًا حسنًا، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقًا سيئًا" ثم ذكر أن الخلق ليس هو فعل الجميل أو القبيح، ولا القدرة على الجميل أو القبيح، ولا التمييز بين الجميل والقبيح، وإنما هو الهيئة النفسية والحالة التي بها تستعد النفس لأن يصدر عنها الجميل أو القبيح ١. هـ. من "الأخلاق عند الغزالي" للدكتور "زكي مبارك" ومن إحياء علوم الدين جـ ٢ ص ١٤٣٤ الصادر عن دار الشعب بالقاهرة.
[ ٢٨٢ ]
فقوله "هيئة" معناها: حال أو صفة، أو ملكة.
وقوله: "راسخة" معناها: ثابتة ومستقرة حتى تصلح أن تسمى خلقًا، فإن من تظهر منه الشجاعة أو المروءة على وجه الندور لا يسمى شجاعًا، ولا ذا مروءة. ولا يقال: إنه متخلق بالشجاعة أو المروءة.
وأما قوله: "تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير فكر أو روية" فذلك لأن الذي يتكلف العمل بعد أن يفكر ويزن المصلحة والمنفعة المترتبة على فعله، والمضرة المترتبة على تركه لا يسمي ما صدر عنه هذا العمل خلقًا. كالشخص الي يدعى إلى البذل فينظر ويفكر حتى يصل إلى أن عدم البذل المطلوب سيفوت عليه منفعة، أو يجلب عليه مذمة ونقصًا، ثم يمد يده بالبذل بعد ذلك فإنه لا يسمى جوادًا.
ولا يخفى على القارئ الصلة بين المعنى اللغوي (السجية والطبيعة) والمعنى الاصطلاحي الذي سبق تفصيله.
بين العقيدة والأخلاق
الأخلاق طبيعية أم كسبية؟
هذا سؤال اختلف حوله العلماء كثيرًا، قديمهم وحديثهم، فلاسفة وغير فلاسفة. والرأي المختار، وهو الذي نص عليه الكتاب الكريم والسنة النبوية هو: أن الأخلاق منها ما هو طبيعي، ومنها ما هو كسبي.
والمراد من الطبيعي أن الإنسان بعد التمييز نجده مفطورًا على أخلاق معينة، فمثلًا نجد بعض الأطفال يتصف بالحياء، أو العفة، أو الشجاعة بدون تدريب أو تعليم، وكذلك نرى بعضهم في صغره يتصف بالجبن، أو البخل، أو الشر، بدون تدريب أو تعليم، أو حتى تقليد للأقربين.
والمراد بالكسبي هو الخلق الذي يربى عليه الإنسان ويدرب بأساليب التربية المختلفة، والتي منها التلقين، والتقليد، والوعظ، والترغيب والترهيب الخ.
[ ٢٨٣ ]
قال تعالى:
﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ [الروم: ٣٠]. فطري.
وقال تعالى:
﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ [الرعد: ١١]. كسبي.
وجاء في حديث مسلم أن الرسول ﷺ قال للمنذر بن عائذ ويلقب الأشج. (أشج عبد القيس):
"إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة". وزاد في مسند أبي يعلى وغيره أنه قال حين قال النبي ﷺ له ذلك: يا رسول الله: كانا فيّ أم حدثا؟ قال: "بل قديم" قال:
"الحمد لله الذي جبلني (خلقني) على خُلقين يحبهما" (١).
وإذا ثبت أن من الأخلاق ما هو مكتسب ومنها ما هو فطري فإن علينا أن ندرك أن الاكتساب يكون بالعلم، والتدريب وأساليب التربية المختلفة كما يكون بالتقليد والمحاكاة للغير من أب وأم وإخوة وأصدقاء، وغيرهم من أفراد المجتمع، كما يكون للمعارف وأنواع العلوم تأثيرها الأخلاقي كذلك طبيعة الأمكنة والأحوال التي تعيشها الأمة، وأنواع المسارح والملاهي، ودور عرض الأفلام، وجميع أجهزة الإعلام لها تأثير واضح على الأخلاق في تكوينها، وتعديلها، وتغييرها.
وهل يمكن التأثير على الأخلاق الفطرية الطبيعية (أي التي نشأت مع الطفل أو نشأ بها الطفل) أو لا يمكن ذلك؟
_________________
(١) شرح مسلم جـ ١ ص ١٨٩، "طبيعي وكسبي".
[ ٢٨٤ ]
والجواب: أن الطبيعة إن أريد بها الغريزة فإن التأثير فيها بالتغيير غير ممكن عادة، ولكن الممكن هو التحكم في الغريزة حتى تكون على مستوى وسطي بدون إفراط أو تفريط. وذلك مثل غريزة الحاجة إلى الطعام والماء، وغريزة القتال، وغريزة حب الاستطلاع، وغريزة الجنس وغيرها، وذلك ما يسمى في علم النفس "إعلاء الغرائز" أي التسامي بها لتؤدي ما خلقت له بدون انحراف.
وإن أريد بالطبيعة الميول والرغبات فإن هذه يمكن التأثير فيها بالتعديل وبالتغيير ويشهد لذلك ويثبته ما جاء في الحديث
"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه".
وهذا هو المراد من كلمة "طبيعي أو فطري": أي الميول والرغبات التي ولد بها الإنسان.
بين العقيدة والأخلاق
خطر يجب تداركه
إذا كانت الأخلاق كسبية في أكثرها، وما هو طبيعي منها يكون صالحًا للتغيير والتعديل، فمعنى ذلك أن البحث في المؤثرات التي يتأثر بها الإنسان حتى تتكون فيه ملكات أخلاقية معينة يعتبر أمرًا لازمًا وهامًا.
وإذا عرفنا أن المؤثرات المحبوبة إلى النفوس العادية وهي في نفس الوقت تصل إلى الجميع بسهولة وبدون كلفة، كما أنها تكوِّن مناخًا عامًا يعيش فيه الأفراد، سواء قصدوه أم لم يقصدوه، إذا عرفنا ذلك ازداد الأمر أهمية وخطورة، فإن الناس في عصرنا هذا سواء منهم الكبار والصغار، والبنون والبنات قد فتحت عليهم جميع أبواب الآداب والفنون، ما هو صالح منها وما هو فاسد، كما فتحت عليهم جميع أجهزة الإعلام، الشرقية والغربية، المتحفظة والإباحية، الإيمانية والكفرية، ما يدعو منها إلى الفضيلة وما يدغدغ الغرائز، ويلهب المشاعر ويؤجج فيها الثورة على كل ما هو
[ ٢٨٥ ]
دين وفضيلة وسمو، وعلينا أن ندرك أن الأسرة مناخ خاص، وأن المدرسة مناخ خاص، وكذلك الجامعة، والمسجد، والمكتب والشركة. وأن هذا كله متفاعل مع المناخ العام الذي هو البلد. والمجتمع. والأمة. والدولة والمنطقة. والعالم، وأن كلًا منهما يؤثر في الآخر ويتأثر به، والأقوى تأثيرًا له الغلبة والكلمة الأخيرة في أخلاق الناس. وقد دخلت الإذاعة كل بيت، واقتحم التلفاز كل منزل، وأصبح الشبان والشواب، والناشئون والناشئات بين شقي رحى، فهذه أسرة تأمر بالدين وتحرص عليه، وتلقن البنين والبنات كل ما هو خير وفضيلة، ولكن أجهزة الإعلام ليست كلها مع الدين، أو الفضيلة، أو الخلق، ويستطيع أي إنسان أن يدير مفتاح المذياع ليسمع العهر والفجور والدعوة الصريحة إلى الفحش من بلاد كثيرة في العالم، ويستطيع أن يشتري من المجلات والكتب ما هو بؤرة فساد ودعارة، وما هو حرب على الدين والفضيلة وكل خلق كريم. زد على ذلك الشوارع العامة والمسارح، ودور العرض "السيمائي" وغيرها مما ملأ الجو العام فسادًا، وكل من عاش مع الناس أدرك الحيرة والاضطراب، وأدرك الظلام والضباب والفتنة التي يعيش فيها الجميع. والواقع أن المناخ العام أفسد كل ما أصلحه المناخ الخاص، وكل جهود المصلحين اليوم تعتبر ضائعة، والنادر لا حكم له.
لذلك يجب على الباحثين والمصلحين، والغيورين على الدين، وعلى الأخلاق، وعلى الشبان والشواب أن يطوروا كثيرًا من المناهج الفكرية، والعلمية، والتربوية. وأن يبحثوا بحثًا جديًا من أجل إنقاذ أجيال أضاعوها أو كادوا بسبب الجمود، والروتينية البغيضة، والفهم الضيق للدين والحياة، والمؤثرات الخطيرة على الاثنين معًا.
لقد قام مصلحون كثيرون. ونادوا، وبحت أصواتهم. ولا يزالون يفعلون، فمتى تستجيب أمتنا المسلمة، ومتى تدرك الخطر، ومتى تصدق مع نفسها ومع الله، ومع شبابها. حتى تنقذ الغرقى، والحرقى، ومن أصيبوا بطاعون الانهيار الخلقي، ومن انهالت عليهم جميع الأتربة والرمال التي حملتها رياح الكفر والفسوق والفجور والضياع والضلال؟؟؟.
[ ٢٨٦ ]
بين العقيدة والأخلاق
الإسلام ومكارم الأخلاق
مما سبق عرفنا أن الأخلاق منها ما هو حسن، ومنها ما هو قبيح والميزان في ذلك هو الشرع، فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع. أما العقل فهو تابع للشرع في ذلك. وهذا هو رأي أهل السنة والجماعة وهو الحق الذي لا يقبل غيره.
وللأخلاق الحسنة في الإسلام مكانة عالية، ودرجة رفيعة، وأهمية كبيرة حتى جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والحاكم والبيهقي قوله ﷺ:
"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
والحصر بـ "إنما" يفيد أن معنى الحديث: ما بعثت إلا لأتمم مكارم الأخلاق. وقد أثنى الله على نبيه ﷺ بحسن الخلق فقال له:
﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم: ٠٤].
واقرأ هذه الآية التي جمعت مكارم الأخلاق بشهادة الكفار أنفسهم:
﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ [النحل: ٩٠].
واقرأ الوصايا العشر في آخر سورة "الأنعام" ابتداء من قوله تعالى:
﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ﴾ إلى ﴿تتقون﴾ [الآيات من ١٥١ - ١٥٣].
[ ٢٨٧ ]
واقرأ الوصايا الخمس عشرة من سورة "الإسراء" ابتداء من الآية (٢٢ إلى آخر ٣٩) وغيرها وغيرها، فإنك لن تجد أمرًا من أوامر الله ولا نهيًا من نواهيه إلا وهو خلق يطلب منك أن تتصف به لحسنه، أو يطلب منك الابتعاد عنه والتطهر منه لقبحه، حتى العبادات والعقائد التي هي الأصول في التكوين والتشريع، إنها في نفس الوقت أصول في الأخلاق الكريمة التي يجب أن يتحلى بها الإنسان فيما بينه وبين الله أولًا، ثم فيما بينه وبين الناس ثانيًا.
والمتتبع لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ سواء في الحض على مكارم الأخلاق أو في تفضيل وتبيين هذه الأخلاق وشمولها لجميع الجوانب والعلاقات الإنسانية يجد ما يبهر العقول، ويعجز الفكر البشري عن استيعابه واستيعاب أسراره وآثاره، ولذلك حرص الرسول ﷺ على حض أمته على حسن الخلق وإظهار ثوابه وجزائه في الدنيا والآخرة. من ذلك ما روي:
عن النواس بن سمعان ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم فقال:
"البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك (أي أثر فيه) وكرهت أن يطلع عليه الناس" (١).
وعن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال:
"ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلقٍ حسنٍ، وإن الله يبغض الفاحش البذيء". (٢)
_________________
(١) رواه مسلم والترمذي.
(٢) رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[ ٢٨٨ ]
وعن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول ﷺ:
"أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لأهله" (٢).
وعن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
"إن أحبكم إليّ وأقربكم مني في الآخرة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إليّ وأبعدكم منّي في الآخرة أسوأكم أخلاقًا الثرثارون المتفيهقون المتشدقون" (٣).
الثرثارون: هم كثيرو الكلام تكلفًا.
المتفيهقون: هم الذين يتوسعون في الكلام إظهارًا للفصاحة واستعلاء على غيرهم.
المتشدقون: هم المتكلمون بملء أشداقهم تفاصحًا وتعظيمًا لكلامهم.
بين العقيدة والأخلاق
الضمير والأخلاق
كلمة الضمير تتردد كثيرًا في كلام الأخلاقيين والاجتماعيين وعلماء النفس والفلسفة وغيرهم، والناس إذا أرادوا مدح إنسان لأنه تصرف طبقًا
_________________
(١) رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح.
(٢) رواه أبو داود والترمذي واللفظ له، وقال: حديث حسن صحيح.
(٣) رواه أحمد، ورواته رواة الصحيح.
[ ٢٨٩ ]
للمبادئ التي يؤمن بها وشعر بمسئوليته أمام نفسه فإنهم يقولون: إنه رجل ذو ضمير.
وعندما يمتنع إنسان عن عمل لا يتفق مع تقديره للمثل العليا والمبادئ الكريمة فإنه يقول: إن ضميري لا يرضى عن ذلك، أو يقول: إنني أشعر بتأنيب ضميري.
ومن الواضح أن المقصود بالضمير في هذه الأحوال كلها هو الحاكم الذي نطيعه والرقيب المشرف على إرادتنا في داخل أنفسنا، والحارس الساهر على المحافظة على المبادئ التي يجب أن نعمل بمقتضاها.
ومن الواضح أن هذ الضمير يباشر وظيفته داخل الإنسان على أساس إدراكه قيمة الأفعال والأقوال، وإدراك أحكامها وآثارها من غير أن يبالي بالعواطف والأهواء والمصالح الشخصية.
إن هذا الذي نسميه "الضمير" شيء يتميز به الإنسان، وهو من عجائب الطبيعة البشرية. وقد عرفه العلماء بأنه "صوت ينبعث من أعماق الصدور آمرًا بالخير، وناهيًا عن الشر، وإن لم ترج مثوبة أو تخشى عقوبة".
والضمير حسب هذا التعريف الذي سار عليه الفلاسفة وعلماء الأخلاق وغيرهم، له جانب مشرق وجانب مظلم.
فالجانب المشرق هو جانب خضوع الضمير للمبادئ الحسنة، والشرائع التي قدسها الإنسان وجعلها نظامًا لحياته، وأمانًا لمن أخذ بها.
والجانب المظلم هو جانب خضوع هذا الضمير لمبادئ ظالمة وفاسدة أملتها وكونتها ظروف البيئة أو الأمة، أو التقاليد والمواريث وغيرها، لأن التعريف تكلم عن ضمير له مبادئ مطلقة وغير مقيدة بشرع.
فمثلًا: جريمة السرقة كانت فضيلة عند بعض الشعوب، وكان من تنقصه فيها المهارة عرضة للاحتقار وتأنيب الضمير.
[ ٢٩٠ ]
ونهب مال الغريب لا حرج فيه عند فريق من القبائل البربرية، فمن الواضح أنهم لا يقاسون عند نهبه تأنيب الضمير، وليس هذا فقط، بل الشخص الواحد يختلف ضميره باختلاف سنه، وفي عصرنا هذا يوجد ناس ينكرون وجود الله، وآخرون يفعلون كل منكر ولا يشعرون أن ضميرهم ينكر ذلك.
إذًا فالضمير حسب التعريف السابق لا يصلح أن يكون ميزانًا نعتمد عليه نحن الإسلاميين إنما يجب إذا أطلقناه تبعًا لغيرنا أن نخضع مفهومه لما جاء في الشرع.
إن المسلم يشعر شعورًا كاملًا بأنه يجد داخل نفسه حاكمًا يحكم تصرفاته، وحارسًا يقظًا يبصره بأخطائه، ويؤنبه عليها، كما يشعر بوجود وازع ودافع إلى الخير، وإلى ما ينفع نفسه وغيره، وزاجر يزجر عن الشر، ويقيم في النفس معركة ضده.
ولكنه يشعر أن هذا الحاكم فوقه قوة أعلى تأمره وتراقبه وتحذره. وهي قوة الله تعالى. وذلك إذا كان المسلم حيًا في إيمانه، قويًا في يقينه، متصل القلب بربه. هذا الشعور يسمى عند المسلمين البصيرة، والمراقبة، والإيمان، والخوف من الله الخ. فإن أردت أن تسميه ضميرًا فلا مانع، ولكن على أساس أنه حارس لحدود الله، وحاكم بحكمه، ومؤنب للإنسان بسبب مخالفته ومعصيته لربه، جاء في الحديث الصحيحين قوله ﷺ للرجل الذي سأله عن الإحسان:
"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
وجاء في كتاب الله تعالى قوله:
﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة﴾ [القيامة: ١٤].
[ ٢٩١ ]
ويؤسفني أن أجد الكتاب الإسلاميين قد وقع كثير منهم في غلطة فهم الضمير والكلام عليه حسب آراء الفلاسفة، ولم يفكر فيما وضعه كتاب الله وسنته من أسس للرقابة على أعمال الإنسان وأقواله.
إن الفتاة التي تربت في مدرسة الإسلام خير من جميع العلماء والفلاسفة الذين فتن بهم المسلمون إنها حين قالت لها أمها: قومي اخلطي اللبن بالماء لتبيعه. قالت لأمها: إن أمير المؤمنين نهى عن ذلك، فلما قالت الأم: إن أمير المؤمنين لا يرانا. قالت الفتاة: "ولكن الله يرانا" أرأيت أجمل من هذا وأوقع منه في النفس؟.
وجاء في الحديث الصحيح أن ابنة عم أحد الفتيان في الزمن الغابر أصابتها حاجة وشدة فقر، فطلبت من ابن عمها الغني مساعدتها، فأبى إلا إذا مكنته من نفسها، فأبت أول الأمر ثم رضيت بعد أن عضها الجوع، فلما تمكن منها قالت له: "اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه" فأثرت فيه الكلمة كلمة "الله" فانصرف عنها وترك لها المال. فهل نجد مثل هذا أو قريبًا عند المتكلمين عن الضمير من خلال الفلسفة بعيدًا عن الشرع؟.
لقد أردت بذكر الضمير هنا تصحيح خطأ شائع، وتنبيه شبابنا إلى الدقة في التعبير عن الأشياء.
والأصل في الإنسان المسلم أن رقابته لله، وخوفه منه، واستسلامه النفسي لأحكامه هي التي تحكم تصرفاته، وتهيمن على جميع شئونه، وتضبط كل أنواع سلوكه وأخلاقه.
والأصل في المنهج الإسلامي أن يربي المسلم على العقيدة الحية، ويصله بالله صلة وثيقة، ثم يلقي إليه بجميع التعليمات والتوجيهات، والأوامر والنواهي ليكون بالعقيدة أمينًا على تنفيذ ما يلقى إليه.
وأي قارئ في تاريخ الإسلام، والمسلمين .. يجد ثروة أخلاقية لا مثيل لها، سواء في حياة الرسول محمد ﷺ، أو في حياة أصحابه
[ ٢٩٢ ]
وأتباعهم وأتباع أتباعهم، وكل من جاء بعدهم واستمسك بدينه، وراقب ربه، ونفذ شرع الله تعالى كما جاء في الكتاب والسنة.
ولن تجد صرح الأخلاق بين المسلمين منهدمًا إلا إذا كان الإسلام في نفوسهم وفي حياتهم شعارًا فقط واسمًا لا مدلول له في الجانب العملي، فقد سبق أن عرفنا من حديث رسول الله ﷺ أنه بعث بشرع من عند الله من أجل إتمام مكارم الأخلاق. فأي إنسان يعمل بهذا الشرع ويلتزم به هو قمة أخلاقية، وأي إنسان يهمل هذا الشرع أو ينبذه هو مثل سيء في مجال الأخلاق، أو قل هو أسوأ مثل أخلاقي وإن ملأ الدنيا بالدعاوى، واستدرج البسطاء إلى تصديقه.
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
[ ٢٩٣ ]