معنى التوحيد - النذر لغير الله تعالى - دعاء غير الله والاستغاثة به - الغلو في الأنبياء والصالحين - الرياء - السحر
إن القضايا التي ذكرت في هذا الكتاب وسبق الكلام عليها من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره من السهل الإيمان بها علميًا لأن الأدلة عليها قائمة واضحة، وإنكارها لا تسوغه العقول السليمة. ليس له دليل علمي يعتمد عليه. ولكن الأمر الذي تورط فيه كثير من المؤمنين هو إخلاص التوحيد لله تعالى، ولكي يتضح ذلك نبين لك معنى التوحيد أولًا، ثم نبين ما تورط فيه بعض المؤمنين حتى خرجوا من هذا التوحيد حقيقة أو حكمًا أو كادوا يخرجون.
معنى التوحيد
قال ابن القيم: التوحيد نوعان:
١ - توحيد في المعرفة والإثبات: وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات بمعنى أن يعتقد المؤمن إثبات ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله وأنه تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو الخالق الرازق المهيمن المدبر العزيز العليم الحكيم المريد المتكلم إلى آخر ما يجب أن يتصف به تعالى من الصفات وما يسمى به من الأسماء.
٢ - توحيد في العبادة والقصد: وهو توحيد الإلهية والعبادة. بمعنى أن المؤمن لا يعبد إلا الله ولا يقصد إلا إياه ولا يتوكل إلا عليه، ولا يوالي إلا له، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعمل إلا ابتغاء وجهه ورضاه وحبه، ولا يسأل إلا الله ولا ينذر إلا له، ولا يخضع إلا لعظمته وجلاله وأمره ونهيه.
والتوحيد بالمعنى الأول لم يكن مثار جدال ونقاش بين المسلمين والمشركين فإن المشركين كانوا يؤمنون بوجود الله تعالى، وبأنه هو الخالق الرزاق المدبر المهيمن المالك للسموات والأرض كما أخبرنا بذلك القرآن الكريم.
[ ٢٣٩ ]
قال تعالى:
﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم﴾ [الزخرف: ٠٩].
وقال تعالى:
﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون﴾ [الزخرف: ٨٧].
وقال تعالى:
﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أمّن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر، فسيقولون الله فقل أفلا تتقون﴾ [يونس: ٣١].
أما التوحيد بالمعنى الثاني فهو الذي لقي المعارضة الشديدة من المشركين وهو الذي بسببه سمي الكفار مشركين وخلد في النار من مات منهم غير موحد توحيد الإلهية السابق. وكثير من المسلمين تورطوا في أفعال وأقوال واعتقادات تتنافى مع هذا النوع من التوحيد عن حسن قصد أو عن سوء قصد، وفي كلا الحالين لا يعذر أحد منهم بعمله المنافي لتوحيد الألوهية والعبادة والقصد بعد أن بلغته الدعوة واستبان له السبيل.
مع ملاحظة أن التوحيد بالمعنى الثاني هو الذي جاءت به الرسل، وهو الذي وقعت بسببه الحروب بين المؤمنين والمشركين، وهو الذي حاول المشركون القضاء على الدعوة إليه بكل طريقة استطاعوها متمسكين بأصنامهم.
[ ٢٤٠ ]
وقال تعالى:
﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وقال تعالى:
﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون﴾ [الزمر: ٠٣].
وقال تعالى حكاية لقول المشركين المتعجبين من الدعوة في التوحيد:
﴿أجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ إنّ هذا لشيء عجاب﴾ [ص: ٠٥].
وقال تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس: ١٨].
فإشراك غير الله مع الله تعالى في العبادة هو الكفر الذي حاربته الأديان وفضحت القائلين به، وهو الذي حاول الرسل القضاء عليه حتى يخلص التوحيد لله تعالى بلا شائبة من شرك خفي أو جلي.
قال تعالى:
﴿قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصًا له الدين.
[ ٢٤١ ]
وأمرت لأن أكون أول المسلمين. قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. قل الله أعبد مخلصًا له ديني. فاعبدوا ما شئتم من دونه﴾ [الزمر: ١١ - ١٥].
وإليك بعض ما ليس من التوحيد لتتقيه وتنأى عنه وتنهي الناس عن الوقوع فيه.
١ - إطاعة من حرم ما أحل الله وأحل ما حرم الله مع العلم بذلك
قال تعالى:
﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عمّا يشركون﴾ [التوبة: ٣١].
الأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العباد، وقد وقع النصارى في الشرك بسبب انحرافهم عن التوحيد الخالص لله وحده. وقد أمروا أن يعبدوا إلهًا واحدًا هو الله وألا يتخذوا أحدًا غيره ربًا يعبد من دون الله، ولكنهم افتروا على الله وضلوا سواء السبيل فعبدوا المسيح واتخذوه ربًا، كما عبدوا علماءهم وعبادهم، ولكن عبادتهم للعلماء والعباد كانت من نوع آخر غير عبادتهم المسيح ﵇.
فإنهم بالنسبة للمسيح تشعبت أقوالهم، فمنهم من قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، ومنهم الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة: هم الأب والابن وروح القدس، ومنهم من قالوا: إن المسيح ابن الله. وكل ذلك ذكر في القرآن الكريم.
أما بالنسبة للعلماء والعباد فإنهم لم يقولوا فيهم: إنهم آلهة أو أبناء الإله،
[ ٢٤٢ ]
ولكن أشركوهم مع الله تعالى فيما هو من خصوصيات الإله أصلًا وحقيقة وهو التحليل والتحريم. فإن الحكم على الشيء بكونه حلالًا أو حرامًا هو تشريع من الله وحده ولا يحق لبشر أن يفعله إلا بإذن من الله تعالى وفيه الحدود المرسومة، كما أذن الله للرسل في ذلك باعتبارهم معصومين ومبلغين عنه تعالى وكما أذن للعلماء أن يجتهدوا فيما لا نص فيه.
وهذه الآية قد فسرها رسول الله ﷺ لعدي بن حاتم - وكان نصرانيًا قبل أن يسلم - ولما جاء مسلمًا دخل على رسول الله ﷺ فقرأ عليه هذه الأية: قال: - أي عدي - فقلت إنهم لم يعبدوهم فقال: بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال وحللوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم" - رواه أحمد والترمذي وحسنه، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في معنى هذه الآية: هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين.
أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على هذا التبديل فيعتقدون تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله اتباعًا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر. وقد جعله الله ورسوله شركًا، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم. فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين واعتقد ما قاله ذلك المخالف دون ما قاله الله ورسوله مشركًا مثل هؤلاء.
الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتًا لكنهم أطاعوا علماءهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما الطاعة في المعروف".
ثم ذلك المحرم للحلال والمحلل للحرام إن كان مجتهدًا قصده اتباع الرسول لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر وقد اتقى الله ما استطاع، فهذا لا يؤاخده الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه.
[ ٢٤٣ ]
ولكن من علم أن هذا أخطأ فيما جاء به الرسول ثم اتبعه على خطئه وعدل عن قول الرسول فهذا له نصيب من الشرك الذي ذمه الله ولا سيما إن اتبع في ذلك هواه ونصره باليد واللسان، مع علمه أنه مخالف للرسل. فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه، ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يحوز له تقليد أحد في خلافه، وإنما تنازعوا في جواز التقليد للقادر على الاستدلال، وإن كان عاجزًا عن إظهار الحق الذي يعلمه. فهذا يكون كمن عرف أن دين الإسلام حق وهو بين النصارى، فإذا فعل ما يقدر عليه من الحق لا يؤاخذ بما عجز عنه، وهؤلاء كالنجاشي وغيره.
وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزًا عن معرفة الحق على التفصيل وقد فعل ما يقدر عليه مثله، من الاجتهاد في التقليد. فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ كما في القبلة. وأما من قلد شخصًا دون غيره من نظرائه بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه من غير علم أن معه الحق، فهذا من أهل الجاهلية، وإن كان متبوعه مصيبًا لم يكن عمله صالحًا، وإن كان متبوعه مخطئًا كان آثمًا كمن قال في القرآن برأيه، فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار. ١. هـ. وهو كلام قيم وتفصيل نادر فافهمه واحرص عليه.
وبهذا التفصيل الدقيق يتضح لك موضع الخطورة في اتباع الآخرين في التحليل والتحريم والتشريع. ويتبع هذا بالأولى أن يعتبر مشركًا كل من رضي بدين غير دين الإسلام وهو يعلم الإسلام. أو رضي بأي مبدأ أو مذهب من المذاهب الحديثة أو القديمة يناقض المبادئ الإسلامية ويضادها وهو يعلم أن ما ارتضاه لا يرتضيه الله ورسوله ولا هو من دين الإسلام في شيء. كما يدخل في هذا الشرك والكفر كل إنسان قدس وعظم أي دين أو مبدأ من المبادئ المضادة للإسلام وهو يعلم ذلك. فما بالك إذا قدمها على الإسلام وأخره؟؟!!!
[ ٢٤٤ ]
٢ - الذبح لغير الله تعالى
الذبح الذي تحل به الذبيحة ويجوز الأكل منها نوعان:
١ - ذبح أريد به التقرب إلى الله تعالى كالذبح للهدي في الحج والذبح للأضحية وللنذر، وكل ما هو مطلوب ذبحه شرعًا على سبيل الندب أو الوجوب.
٢ - ذبح أريد به الانتفاع بلحم الذبيحة وتحليله حيث لا يحل إلا بالتذكية الشرعية وذلك كالذبائح التي تذبح كل يوم ويتداولها الناس بالبيع والشراء وغيرهما.
والذبح الذي لا تحل به الذبيحة بحيث يحرم الأكل منها ثلاثة أنواع:
١ - الذبح الذي لم يستوفِ شروطه الشرعية مثل ذبح الحيوان من مكان غير مكان الذبح المشروع أو عدم قطع ما يطلب قطعه إلى غير ما ذكر من شروط في كتب الفقه.
٢ - أن يذكر الذابح على الذبيحة وقت الذبح اسم غير الله تعالى كأن يقول: باسم المسيح أو باسم النبي الفلاني أو باسم الولي الفلاني لقوله تعالى:
﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به﴾ [المائدة: ٠٣].
ومعنى أهل لغير الله به: أي رفع الذابح صوته عند الذبح بذكر اسم غير اسم الله تعالى على عادة العرب في ذكر أصنامهم عند الذبح، فكأن الذابح يقول باسم اللات، أو باسم العزى، والله تعالى لم يحدد اسمًا معينًا تحرم الذبيحة بذكره بل حرم الله تعالى كل ذبيحة يذكر عليها عند الذبح
[ ٢٤٥ ]
اسم غير الله تعالى، سواء أكان اسم صنم أو انسان أو جني أو أي اسم غير اسم الله على الإطلاق.
٣ - أن يريد الذابح بذبحه التقرب بالذبيحة لغير الله تعالى، وذلك كأن يذبح الذبيحة تقربًا إلى ولي أو نبي أو حاكم أو جني أو عفريت أو غير هؤلاء.
والدليل على ذلك ما في الآية السابقة من قوله تعالى: ﴿وما أهل لغير الله به﴾ فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ظاهره أنه ما ذبح لغير الله تعالى مثل أن يقول: هذا ذبيحة لكذا وإذا كان هذا هو المقصود فسواء تلفظ به أو لم يتلفظ. وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم وقال فيه باسم المسيح أو نحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان هو أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم وقلنا عليه بسم الله. فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح أو الزهرة أو قصد به ذلك من باب أولى، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة بغير الله.
وعلى هذا: فلو ذبح لغير الله متقربًا إليه يحرم ويعتبر هذا نوعًا من الشرك وإن قال عند الذبح: باسم الله كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة ومن هذا الباب ما يفعله الجاهلون بمكة من الذبح للجن، ولهذا روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن ذبائح الجن.
قال الزمخشري: كانوا إذا اشتروا دارًا أو بنوها أو استخرجوا عينًا ذبحوا ذبيحة خوفًا أن تصيبهم الجن فأضيفت إليهم الذبائح لذلك. ١. هـ. كلامه وذكر إبراهيم المروزي: أن ما ذبح عند استقبال السلطان تقربًا إليه، أفتى أهل بخارى بتحريمه، لأنه مما أهلّ به لغير الله.
ومن الأدلة الصريحة على تحريم الذبح لغير الله تعالى أمره تعالى بأن يكون الذبح له وحده دون سواه. فقال تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
والمراد بالنسك في الآية الذبح كما قال مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير. ومعنى "ومحياي ومماتي" وما آتيه في حياتي وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح.
وعن علي ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: "لعن الله من ذبح لغير الله. لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثًا، لعن الله من غير منار الأرض". رواه مسلم. ومعنى اللعن: "الطرد والإبعاد من رحمة الله". ومعنى آوى محدثًا: منع ونصر جانيًا حتى لا يقتص منه ولا يؤخذ منه الحق الذي عليه وينفد فيه حد الله، وينتصر منه للمظلوم. ومعنى غير منار الأرض: قيل أراد حدود الحرم خاصة، وقيل هو عام في جميع الأرض، أو أراد المعالم التي يهتدي بها في الطريق، وقيل: "هو أن يدخل الرجل في ملك غيره فيقتطعه ظلمًا". ولا مانع من إرادة الجميع.
وعن طارق بن شهاب: أن رسول الله ﷺ قال: دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: مر رجلان على قوم لهم صنم. لا يجوزه (يمر به) أحد حتى يقرب له شيئًا، فقالوا لأحدهما، قرب. قال: ليس عندي شيء أقرب، قالوا له: قرب ولو ذبابًا، فقرب ذبابًا، فخلوا سبيله فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب، قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله ﷿، فضربوا عنقه فدخل الجنة". رواه أحمد.
[ ٢٤٦ ]
٤ - الذبح بمكان يذبح فيه لغير الله أو فيه معبود غير الله
عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: نذر رجل أن ينحر إبلًا بُبَوانة (١) فسأل النبي ﷺ فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. فقال رسول الله ﷺ: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم". رواه أبو داوود. وإسناده على شرطهما. أي على شرط البخاري ومسلم. ويؤخذ من الحديث ما يأتي:
١ - أن يسأل المفتي ويستفصل عن الجوانب المتعلقة بالسؤال لتتضح له.
٢ - أن تخصيص أي بقعة ليفي بنذره فيها لا بأس به إذا خلا من الموانع.
٣ - يمنع الوفاء بالنذر في مكان معين إذا كان ذلك فيه وثن من أوثان الجاهلية أو فيه عيد من أعيادهم ولو بعد زوال الوثن والعيد فإن فعل فقد عصى الله تعالى بتشبهه بالكافرين ما دام يعلم ذلك ولو لم يقصد التشبه. ويدخل في ذلك الذبح في مقبرة معينة أو أمام ضريح معين أو في أي مكان يزعم الناس أن الذبح فيه يرضي الجن مثلًا أو يطرد العفاريت والأمراض الخ هذه الخرافات.
٤ - لا يجوز الوفاء بما نذر الناذر أن يذبحه في تلك البقعة، لأنه نذر معصية، وعليه كفارة يمين، وقيل: لا كفارة عليه ولا شيء.
٥ - لا نذر لابن آدم فيما لا يملك. فإذا قال مثلًا: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أذبح بقرة فلان أو أتصدق بجزء معين من مال فلان فإن هذا النذر لاغٍ، أما إذا قال: إن شفى الله مريضي فعلي أن أنحر بعيرًا مثلًا وهو لا يملك البعير فإن النذر يلزمه ويتعلق بذمته كجميع الديون إن حصل شفاء المريض المذكور.
_________________
(١) بوانة بضم الباء وقيل بفتحها: موضع في أسفل مكة.
[ ٢٤٧ ]
٥ - النذر لغير الله تعالى
قال تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب
[ ٢٤٨ ]
العالمين. لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
في هاتين الآيتين أمر من الله تعالى لنبيه محمد ﷺ أن يقول لمن يشركون مع الله غيره في العبادة: إن صلاتي بجميع أنواعها وذبيحتي التي أذبحها للتقرب إلى الله تعالى، وما أعمله في حياتي من القربات وما أعمله عند الممات منها مثل الوصية بالصدقة وغيرها. كل ذلك أجعله لله وحده خالصًا من إشراك أحد معه تعالى، وبهذا الإخلاص أمرت وأنا أول مسلمي أمتي وأول من علمها ودلها على الله والإخلاص له والصدق معه.
والنذر بإجماع المسلمين نوع من العبادة التي يتقرب بها إلى الله تعالى فإن كان خالصًا له فهو نذر صحيح ومشروع وإن كان لغير الله فهو حرام وباطل وإليك أقوال العلماء في ذلك لتعرف حكم النذر للنبي أو للولي أو الأماكن أو الأشياء مما فتن به المسلمون.
قال الرافعي في شرح المنهاج: وأما النذر للمشاهد التي على قبر ولي أو شيخ أو على اسم من حلها من الأولياء أو تردد في تلك البقعة من الأولياء، والصالحين، فإن قصد الناذر بذلك - وهو الغالب أو الواقع من قصود العامة - تعظيم البقعة أو المشهد أو الزاوية أو تعظيم من دفن بها أو نسبت إليه أو بنيت على اسمه فهذا النذر باطل غير منعقد، فإن معتقدهم أن لهذه الأماكن خصوصيات، ويرون أنها مما يدفع به البلاء، ويستجلب
[ ٢٤٩ ]
بها النعماء، ويستشفي بالنذر لها من الأدواء، حتى أنهم ليذرون لبعض الأحجار لما قيل لهم: إنه استند إليها عبد صالح، وينذرون لبعض القبور السرج والشموع والزيت، ويقولون: القبر الفلاني أو المكان الفلاني يقبل النذر، يعنون بذلك أنه يحصل به الغرض المأمول من شفاء المريض أو قدوم الغائب أو سلامة المال وغير ذلك من أنواع نذر المجازاة، فهذا النذر على هذا الوجه الباطل لا شك فيه.
وقال الشيخ الحنفي في شرح درر البحار:
النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد كأن يكون للإنسان غائب أو مريض أو له حاجة، فيأتي إلى بعض الصلحاء ويقول: يا سيدي فلان، إن رد الله غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي، فلك من الذهب كذا، أو من الفضة كذا، أو من الطعام كذا، أو من الماء كذا، أو من الشمع كذا. فهذا النذر باطل بالإجماع لوجوه: منها أنه نذر لمخلوق، والنذر لمخلوق لا يجوز، لأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق.
ومنها: أن المنذور له ميت، والميت لا يملك.
ومنها: أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقاد ذلك كفر إلى أن قال: إذا علمت هذا، فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها وينقل إلى ضرائح الأولياء تقربًا إليها فحرام بإجماع المسلمين، ولا يحل لأحد الانتفاع به بأكل أو غيره ولو كان فقيرًا.
وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي في الرد على من أجاز الذبح والنذر للأولياء: فهذا الذبح والنذر إن كان على اسم فلان فهو لغير الله فيكون باطلًا، وفي التنزيل ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١]. ﴿قل إن صلاتي ﴾ ثم قال: والنذر لغير الله إشراك مع الله كالذبح لغيره.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما ما نذر لغير الله كالنذر للأصنام والشمس والقمر والقبور ونحو ذلك فهو بمنزلة أن يحلف بغير
[ ٢٥٠ ]
الله من المخلوقات، والحالف بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوقات، بل عليه أن يستغفر الله من هذا، ويقول ما قاله النبي ﷺ: "من حلف وقال في حلفه واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله".
وقال في من نذر للقبور أو نحوها دهنًا لتنور به ويقول: إنها تقبل النذر كما يقوله بعض الضالين، وهذا النذر معصية باتفاق المسلمين، لا يجوز الوفاء به، وكذلك إذا نذر مالًا لسدنة أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة، فإن فيهم شبهًا من السدنة التي كانت عند اللات والعزى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله. والمجاورون هناك فيهم شبه من الذين قال الخليل فيهم: ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ والذين مر موسى ﵇ وقومه عليهم بعد النجاة من مصر، قال تعالى:
﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قومٍ يعكفون على أصنامٍ لهم﴾ [الأعراف: ١٣٨].
فالنذر لأولئك السدنة والمجاورين في هذه البقاع نذر معصية، وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان والمجاورين عندها، أو لسدنة الأبداد في الهند والمجاورين عندها.
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه"، "زاد الطحاوي: "وليكفر عن يمينه" فيستدل من الحديث أن هناك نذرًا بمعصية فلا يجوز تنفيذه، والنذر لغير الله تعالى هو نذر بمعصية فلا يحل أن ينفذ.
قال الحافظ: وقد يستدل بالحديث على صحة النذر في المباح كما هو
[ ٢٥١ ]
مذهب أحمد وغيره، ويؤيده ما رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وأحمد والترمذي عن بريدة أن امرأة قالت يا رسول الله، إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، فقال: "أوفي بنذرك". فيستفاد من الآية والحديث السابقين وجوب الحذر من الوقوع في المعصية بالنذر لغير الله تعالى، كما يستفاد مما سبق حرمة أكل المال المنذور لغير الله تعالى واستفادة الأشخاص به، لأنه سحت وشبيه بما كان يهدى لسدنة الأصنام فإن كان لا بد من صرفه في وجه الخير فليكن ذلك في بناء المساجد وتعميرها وبناء المستشفيات والملاجئ ونحوها مما ليس فيه تمليك لفرد أو لأفراد من الناس، والله الموفق.
٦ - الاستعاذة بغير الله تعالى من الجن والشياطين وغيرها
معنى الاستعاذة: هو الالتجاء والاعتصام ولهذا يسمى المستعاذ به: معاذًا وملجأ. فالعائذ بالله قد هرب مما يؤذيه أو يهلكه إلى ربه ومالكه، واعتصم واستجار به والتجأ إليه. وهذا تمثيل وإلا فما يقوم بالقلب من الالتجاء إلى الله والاعتصام به، والانطراح بين يدي الرب والافتقار إليه، والتذلل له، أمر لا تحيط به العبارة. قاله ابن القيم ﵀، وقال ابن كثير: الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر. والعياذ يكون لدفع الشر، واللّياذ يكون لطلب الخير.
وقد بين القرآن أن الاستعاذة بالجن والشياطين لا تفيد المستعيذ شيئًا.
قال تعالى:
﴿وأنه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجالٍ من الجن فزادوهم رهقًا﴾ [الجن: ٠٦].
[ ٢٥٢ ]
قال ابن كثير: أي كنا نرى أن لنا فضلًا على الإنس لأنهم كانوا يعوذون بنا: أي إذا نزل الإنس واديًا أو مكانًا موحشًا من البراري وغيرها - كما كانت عادة العرب في الجاهلية - يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان حتى لا يصيب شيء بسوء، فكلما رأت الجن أو الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم زادهم رهقًا: أي خوفًا وإرهابًا وذعرًا، حتى يبقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذًا بهم.
وقال ملا علي قاري الحنفي: لا يجوز الاستعاذة بالجن فقد ذم الله تعالى الكافرين على ذلك وذكر الآية، وقال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعًا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس، وقال أولياؤهم من الإنس: ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا، قال: النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله، إن ربك حكيم عليم﴾ [الأنعام: ١٢٨].
فاستمتاع الإنسي بالجني في قضاء حوائجه وامتثال أوامره وإخباره بشيء من المغيبات. واستمتاع الجني بإنسي تعظيمه إياه، واستعاذته به، وخضوعه له ١. هـ. هذا باختصار.
وقال ابن القيم: ومن ذبح للشيطان ودعاه واستعاذ به، وتقرب إليه بما يجب فقد عبده، وإن لم يسم ذلك عبادة بل يسميه استخدامًا. وصدق، هو استخدام من الشيطان له، فيصير من خدم الشيطان وعابديه، وبذلك يخدمه الشيطان، لكن خدمة الشيطان له ليست خدمة عبادة، فإن الشيطان لا يخضع له ولا يعبده كما يفعل هو به.
وقد بين الله تعالى لنا كيفية الاستعاذة في سورتين تامتين من كتابه هما: ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ إلى آخرها، و﴿قل أعوذ برب الناس﴾ إلى آخرها.
[ ٢٥٣ ]
كما بينها لنا النبي ﷺ بقوله: "من نزل منزلًا، فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك". رواه مسلم.
٧ - دعاء غير الله والاستغاثة به
الاستغاثة: هي طلب الغوث: وهو إزالة الشدة كالاستنصار: طلب النصر. والاستعانة: طلب العون، والفرق بين الاستغاثة والدعاء أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب، أما الدعاء فيكون من المكروب وغيره، فهو أعم منها وبينهما عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في مادة وينفرد الأعم. وعلى هذا فكل استغاثة دعاء ولا عكس.
وهذا الموضوع شائك خطير، وجدير بالتنبيه إليه وتناوله بالدقة والحكمة، فإن الفرق بين الجائز منه والممنوع قد يكون شعرة، ومع دقة الفارق فإن الوقوع في الممنوع قد يكون معناه الوقوع في الشرك الذي هو كفر يؤدي إلى الخلود في النار والعياذ بالله تعالى، لذلك نقول:
إن الاستعانة إذا كانت بالله تعالى فهي عبادة كالدعاء، وهو تعالى الأحق بأن يستعاذ به، والأحق بأن يدعى ويطلب منه كل شيء، لأنه تعالى القادر على إغاثة من يستغيث به وإجابة من يدعوه ولذا قال تعالى:
﴿أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض﴾ [النمل: ٦٢].
وقال تعالى آمرًا عباده بالتوجه إليه ودعائه:
﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠].
وقال ﷺ: الدعاء هو العبادة، ثم قرأ: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ﴿الآية - رواه أبو داوود والترمذي وصححه وهذا لفظه.
[ ٢٥٤ ]
وإذا كان هذا شأن الدعاء والاستغاثة فلا يجوز لإنسان أن يستغيث بغير الله تعالى، ولا أن يدعوه ويسأله قضاء حاجاته وإغاثته من مكروه نزل به إلا إذا كان المستغاث به والمدعو قد أذن الشرع بأن نستغيث به وندعوه. فالاستغاثة والدعاء الممنوعان هما الاستغاثة بالأصنام والأموات والجن والملائكة وأمثالهم، لأن هذا نوع من الشرك، وبسببه ضل كثير من الناس وانحرفوا عن الطريق الصحيح، وهذا النوع هو الذي نزل فيه مثل قوله تعالى:
﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون. وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءًا وكانوا بعبادتهم كافرين﴾ [الأحقاف: ٠٥ - ٠٦].
وقوله تعالى:
﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا ما استجابوا لكم، ويوم القيامة يكفرون بشرككم، ولا ينبئك مثل خبير﴾ [فاطر: ١٤].
وهذا يوضح أن هذا النوع من الاستغاثة شرك بالله تعالى وكذلك ما يماثله من الدعاء، ولذا قال تعالى:
﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، فإن فعلت فإنك إذًا من الظالمين﴾ [يونس: ١٠٦].
والاستغاثة والدعاء، يجوز توجيههما إلى الإنسان الحي في حالات معينة أذن الشرع بها، وقد تكون واجبة. وذلك مثل أن يقع الإنسان في كارثة
[ ٢٥٥ ]
ومصيبة يرجو الخلاص منها، كأن يقع في نهر أو بئر فيطلب من يغيثه وينقذه، وكأن يصطدم بسيارة، أو تشب فيه النار، أو يصاب بمرض من الأمراض، وأمثال هذه الأمور التي تعارف الناس واعتادوا على أن يطلبها الإنسان من الإنسان، ولم يأت من الشرع ما يمنع ذلك، وتلك أمور واضحة، والفرق بينها وبين الأمور الأولى الممنوعة لا يخفى على من له أدنى فهم.
٨ - الغلو في الأنبياء والصالحين
للأنبياء عليهم الصلاة والسلام مكانة في نفوس المؤمنين، ولهم واجبات وحقوق وأنواع من التبجيل والاحترام مطلوبة ومشروعة، وقد فصّلها الشارع وبينها.
ولكن النفوس البشرية جُبلت على ألا يقف تصورها عند حد إذا لم يرتبط بأصول معينة تمنعه من التغالي والزيادة عن الحد المشروع.
وكذلك حدث في جميع الأمم أن غالت في تصوراتها لأنبيائها والصالحين فيها حتى أعطتهم ما ليس لهم من حق، وجعلتهم آلهة أو أشباه آلهة. فاستغاثت بهم بعد موتهم ووجهت الدعاء والاستغاثة إليهم، وركعت لهم وسجدت، ونذرت لهم الأموال والذبائح وسألتهم جلب المنافع ودفع المضار، ونسبت إليهم ما يحدث من كوارث ومصائب أحيانًا، وأحيانًا أخرى تنسب إليهم ما يحدث من رخاء ونعيم وشفاء أمراض ودفع بلاء وغير ذلك، سواء أكان الأنبياء والصالحون قابعين في قبورهم، أم اتخذ الناس لهم صورًا تمثلهم كالأصنام والتماثيل وغيرها.
وبذلك جعلهم الناس شركاء لله، وقدموا إليهم من الولاء والطاعة والعبادة والقربات ما لا يجوز أن يقدم إلا لله تعالى، وذلك كفر صريح لا شك فيه.
وقد حذر القرآن والسنة من هذا الانحراف ونبهنا إليه في مواضع كثيرة.
[ ٢٥٦ ]
قال تعالى:
﴿يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق، إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، فآمنوا بالله ورسله، ولا تقولوا ثلاثة، انتهوا خيرًا لكم، إنما الله إله واحد، سبحانه أن يكون له ولد، له ما في السموات وما في الأرض وكفي بالله وكيلًا. لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله ولا الملائكة المقربون، ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعًا﴾ [النساء: ١٧١ - ١٧٢].
واضح من الآيتين أن الله تعالى ارتضى بالنسبة لرسوله عيسى ﵊ حدًا معينًا ونسبة محدودة من التقدير والتعظيم، وهي النسبة التي أخبر الله تعالى أنه أفاضها عليه وأكرمه بها، ولكنه تعالى لم يرتض الزيادة على ذلك والغلو في المسيح، وأنكر على أتباعه أن جعلوه إلهًا أو ابن الله أو ثالث ثلاثة كما جاء ذلك في سورة المائدة، فإن أي رسول أو ملك مقرب ما هو إلا عبد خاضع ذليل لله تعالى، فيجب على المؤمنين ألا يرفعوا أحدًا إلى مرتبة الألوهية وإلا اعتبر ذلك غلوًا مرفوضًا وشركًا مكفرًا.
وفي الصحيح عن ابن عباس في قوله تعالى:
﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًّا ولا سُواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا﴾ [نوح: ٢٣].
[ ٢٥٧ ]
قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن ينصبوا إلى مجالسهم التي كانوا فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت".
وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوها.
وعن عمران أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله". البخاري ومسلم.
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو".
وعن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "هلك المتنطعون" "قالها ثلاثًا". رواه مسلم، والمتنطعون المراد بهم هنا المغالون في الدين.
ومن المغالاة المقيتة بناء المساجد على قبور الأنبياء والصالحين، واتخاذ القبور مساجد، وذلك بالصلاة في القبور أو بالتوجه إلى هذه القبور أثناء الصلاة بأن يجعل القبر بين يدي المصلي: وذلك بقصد التبرك بالقبور، وبمن فيها: فقد ترتب على ذلك أن عبدت القبور، وعبد من فيها على الوجه الذي سبق ذكره.
ولذلك حذر النبي ﷺ تحذيرًا شديدًا من هذا النوع من المغالاة، وظل يحذر منه إلى آخر وقت في حياته.
فعن عائشة ﵂ أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله". البخاري ومسلم.
[ ٢٥٨ ]
وعنها قالت: "لما نزل (١) برسول الله ﷺ طفق (٢) يطرح خميصة (٣) له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد - يحذر ما صنعوا - ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا". رواه البخاري ومسلم.
وروى مالك في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
٩ - الرياء
وهو أن يحسن المرء عمله أمام الناس حتى إذا خلا مع نفسه أو مع رفقة مماثلة له أساء العمل.
قال ﷺ: "من أحسن الصلاة حين يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه ﵎". رواه عبد الرزاق وأبو يعلى وابن جرير الطبري. وقال تعالى مبينًا حال المنافقين:
﴿إن المنافقين يُخادعون الله وهو خادعهم، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلًا﴾ [النساء: ١٤٢].
وقال تعالى محذرًا من الرياء وأمثاله من أنواع الشرك:
﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
_________________
(١) حضر وقت موته.
(٢) أخذ.
(٣) نوع معين من النسيج.
[ ٢٥٩ ]
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه". رواه مسلم.
وقال ﵊: "من صام يرائي فقد أشرك، ومن صلى يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك". رواه البيهقي.
١٠ - السحر
وهو عبارة عن تعاويذ شيطانية وأعمال معينة يترتب عليها خداع الآخرين حتى يتخيلوا أمورًا لا حقيقة لها، كأن يتخيلوا العصا حية، واللبن دمًا، والسحاب جيشًا. وقد اتفق العلماء على أن فعل السحر كفر إن فعل على الوجه المذكور من الاستعانة بالشياطين والاستهانة بالدين والقرآن وأمثالهما.
وقال كثيرون: إن هذا الساحر يقتل حدًا، ولم يجوز السحر أحد من العلماء إلا إذا تعلمه إنسان أو عمله ليدفع به ضررًا وقع بمسلم كأن يفك سحر ساحر ويبطل عمله، بشرط أن لا يعمله بشيء محرم شرعًا، وفيما عدا ذلك فهو حرام ممنوع تجب محاربته لما فيه من فتنة للناس والإضرار بهم. وقد يكون كفرًا كما سبق وذلك للأدلة الآتية:
قال تعالى:
﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر﴾ [البقرة: ١٠٣].
وقال ﷺ: "اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا يا رسول الله: وما هي؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم
[ ٢٦٠ ]
الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". رواه البخاري ومسلم.
وعن جندب مرفوعًا "حد الساحر ضربه بالسيف" - رواه الترمذي وقال: الصحيح أنه موقوف، وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبيد قال: "كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، فقتلنا ثلاث سواحر".
وصح عن حفصة ﵂: أنها أمرت بقتل جاريه لها سحرتها. قلت: وبهذا أخذ أبو حنيفة ومالك وأحمد فقالوا: يقتل الساحر إذا لم يتب، ولم ير الشافعي القتل عليه بمجرد السحر إلا إذا عمل في سحره ما يبلغ الكفر، وبه قال ابن المنذر، وهو رواية عن أحمد.
١١ - إتيان الكهان والعرافين بجميع أنواعهم
هم الذين يزعمون أنهم يعرفون المغيبات من أمور الناس، فيضحكون عليهم، ويسخرون بهم، ويأكلون بالباطل أموالهم.
فهؤلاء لا يليق بمسلم أن يأتي إليهم، ولا يحل له أن يصدقهم، ويجب عليه محاربتهم بالكلام، وبزجرهم، وبتبليغ الحاكم والمسئولين عنهم، وتنبيه الناس إلى أضرارهم.
فقد روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ".
قال ابن تيمية: العراف اسم الكاهن والمنجم والرمال، ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق. والمراد بالكفر هنا هو التشبه بالكافرين في الجاهلية لا أنه كافر حقيقة. وروى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "من أتى عرافًا سأله عن شيء فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يومًا" (١).
_________________
(١) الروضة الندية جـ ٢ ص ٢٩٣.
[ ٢٦١ ]
قال الإمام النووي وغيره: معناه أنه لا ثواب له في هذه الصلاة. وإن كانت صحيحة ومجزية بسقوط الفرض عنه، ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العراف إعادة صلاة أربعين يومًا.
١٢ - كل قول أو فعل يتنافى مع الإيمان
قال الشوكاني: الذي يسب الله أو رسول الإسلام، أو الكتاب، أو السنة، والطاعن في الدين، كل هذه الأفعال موجبة للكفر الصريح ففاعلها مرتد، حده حد المرتد (يعني القتل) قال الشارح: أخرج أبو داوود والنسائي من حديث ابن عباس أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي ﷺ فقتلها، فأهدر النبي دمها. وقال: وكفر من فعل هذه الأشياء لا يحتاج إلى برهان.
ومن اعترف بالدين ظاهرًا وباطنًا يفسر بعض ما ثبت من الدين بالضرورة بخلاف ما فسره الصحابة والتابعون وأجمعت عليه الأمة فهو الزنديق (أي الكافر) كما إذا اعترف بأن القرآن حق، وأن ما فيه من ذكر الجنة والنار حق، ولكن المراد بالجنة الابتهاج والسرور والفرح الذي يحصل بسبب الملكات المحمودة أو الأفعال الحسنة. والمراد بالنار هي الندامة التي تحصل بسبب الملكات (الأخلاق) المذمومة، وليس في الخارج جنة ولا نار إلى أن قال:
والتأويل (أي التفسير) للكتاب والسنة تأويلان:
تأويل لا يخالف قاطعًا من الكتاب والسنة واتفاق الأمة، وتأويل يصادم ما يثبت بدليل قاطع فذلك هو الزندقة. فكل من أنكر الشفاعة أو أنكر رؤية الله تعالى يوم القيامة، أو أنكر عذاب القبر وسؤال منكر ونكير، أو أنكر الصراط والحساب فهو مبتدع فاسق وحده القتل (١).
_________________
(١) نفس المصدر السابق جـ ٢ ص ٢٩٦.
[ ٢٦٢ ]
وعن ابن كثير في تفسير قوله تعالى:
﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلّموا تسليمًا﴾ [النساء: ٦٥].
قال: يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا، ولهذا قال: "لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا". أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجًا (ضيقًا) مما حكمت وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليمًا كليًا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة (١).
وبذلك ندرك إدراكًا لا شك فيه أن أي مسلم يدعى إلى تحكيم كتاب الله تعالى وسنة رسوله فلا يرضى بذلك ظاهرًا أو باطنًا فهو كافر بإجماع المسلمين، ومثله من تدعوه إلى دين الله وكتابه وسنة نبيه وأحكام الشريعة فإذا به يمتنع ويفضل التشريعات غير الإسلامية على التشريعات الإسلامية، لأن هذا يكذب آية الله التي أخبرت أن الإسلام كمل فلا نقص فيه، وأنه نعمة تمت ودين ارتضاه الله لسعادة عباده قال تعالى:
﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ [المائدة: ٣].
فمن لم يرض بحكم شرعي واحد فهو كافر، ومن ادعى أن دين الله ناقص فهو كافر، ومن لم يؤمن بأن شرع الله ودينه الإسلامي نعمة تامة فقد كفر. وهذا إجماع لا ينكره إلا مكابر مصادم صراحة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
_________________
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٢٠.
[ ٢٦٣ ]
وقال ابن كثير في معنى قوله تعالى:
﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقومٍ يوقنون﴾ [النساء: ٦٥].
ينكر تعالى على من خرج من حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم (جنكيزخان) الذي وضع لهم الباسق: وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها مجرد نظرة وهواه فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير (١).
وبذلك ندرك خطورة ما عليه الناس اليوم فإنهم جميعًا إلا من رحمه الله تعالى، قد انصرفوا إلى الأخذ من كل منهل غير الإسلام، وارتضوا كل تشريع إلا تشريع الله ورسوله، وحكموا بغير ما أنزل الله راضين مستسلمين حانعين أذلاء متسولين. فبماذا يحكم ابن كثير عليهم وقد حكم على من هم أقل منهم انحرافًا بالكفر والقتل؟؟.
سبحانك اللهم حول أمتنا إلى ربها ودينها ورسولها لتستحق نصرك وتأييدك. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على المختار رحمة لسائر المخلوقات، وعلى آله وصحبه أولي الفضل والمكرمات.
_________________
(١) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٥٢٠.
[ ٢٦٤ ]